شرح المقدمة الحضرمية المسمى بشرى الكريم بشرح مسائل التعليم
ويجب التيمم بحضرته، وتصح منه مع الحرمة؛ لأنها لأمر خارج.
ومثله ما جهل حاله، سواء دلت قرينة على أنه مسبل للشرب، كالخوابي الموضوعة بالطرق، أم لا كالصهاريج، ويحرم حمل شيء منه إلى غير محله إلا لضرورة، كأن توقع المار بها عطشاً، فيجوز أن يحمل منه قدر حاجته، فإن استغنى عن شيء منه .. وجب رده.
(فصل) في الاجتهاد
وهو كالتحري: بذل المجهود في تحصيل المقصود:
(إذا اشتبه) ولو بقول ثقة (عليه) أي: على أهل للعبادة ولو صبياً مميزاً بالنسبة للعبادة، أما بالنسبة للملك .. فيشترط التكليف (طاهر) أي: طهور من ماء أو تراب أو غيرهما (بمتنجس) أو مستعمل ( .. اجتهد) وإن قل الطهور وجوباً مضيقاً إن ضاق الوقت ولم يجد غير المشتبهين، ولم يبلغا بالخلط قلتين، ولم يفعل الكيفية الآتية التي قيل بوجوبها وجوازاً فيما عدا ذلك.
(وتطهر بما ظن طهارته) بالاجتهاد بعلامة تدل على ذلك، كاضطراب وتغير وأثر نحو كلب، وله أيضاً استعماله في نحو شرب، فلو هجم وتطهر بأحد المشتبهين .. لم يصح؛ لأن مبنى العبادة على نفس الأمر، والاستناد إلى أصل أو ظن المكلف ولا ظن له، وأما أصل طهارته .. فأعرضوا عنه في هذا الباب.
ولجواز الاجتهاد شروط:
أحدهما: أن يكون لكل من المشتبهين أصل في التطهير -أي: عدم استحالته عن خلقته الأصلية، كالمتنجس بلا تغير، والمستعمل- أو في الحل.
فلو اشتبه ماءٌ ببول .. لم يجتهد فيهما؛ إذ لا أصل في البول في تطهير ولا حل، بل يتلف أحدهما ويتيمم، أو ما بنحو ماء ورد .. اجتهد لنحو الشرب لا للطهر؛ إذ لا أصل لماء الورد فيه، وإذا اجتهد لنحو شرب .. جاز له التطهير بما ظنه الماء عند (م ر)؛ إذ يغتفر في الشيء تبعاً ما لا يغتفر فيه مقصوداً.
وله أن يتطهر بكل من الماء، وماء الورد مرة، ويغتفر التردد في النية؛ للضرورة.
ولا يجوز في الماء الطهور والمستعمل؛ إذ لا ضرورة مع إمكان الاجتهاد، والأفضل
أن يضع بعضاً من أحد المشتبهين من الطهور والمستعمل أو ماء الورد في أحد كفيه، وبعضاً من الآخر في الكف الأخرى، ويغسل بهما وجهه من غير خلط، وينوي -ثم يعكس، ثم يتمم- وضوءه بأحدهما، ثم بالآخر، ويتأتى له حينئذ الجزم بالنية، وقيل: تجب هذه الكيفية؛ لأن طهره حينئذٍ بطهور يقيناً مع جزمه بالنية، وقال في "التحفة": (وهو وجية معنى، وظاهر كلامهم ندبه) اهـ
نعم؛ لو اجتهد وتحير ولم يجد غيرهما .. تعينت هذه الكيفية.
الثاني: أن يكون للعلامة فيه مجال، كاضطراب أحد المشتبهين أو نقصه، بخلاف ما لا مجال لها فيه، كأن اختلطت مَحْرَمُه بنسوة أجنبيات، فلا اجتهاد.
ثالثها: تعدد المشتبه ابتداءً ودواماً، فلا اجتهاد في واحد ابتداءً أو انتهاءً، كأن تلف أحد المشتبهين، فلا يجتهد في الباقي، وكذا لو تنجس أحد كميه -مثلاً- والتبس بالآخر ما لم يفصل أحدهما، ولو اشتبه نجس في أرض واسعة .. صلى فيها إلى أن يبقى قدره أو ضيقة غسل جميعها.
الرابع: العلم بنجاسة أحد المشتبهين ولو بخبر عدل.
الخامس: الحصر، فلو اشتبه إناء بول -مثلاً- بأوان طاهرة غير محصورة .. فلا اجتهاد، بل يأخذ منها إلى أن يبقى واحد، كما في "الإمداد" و"الفتح" هنا، وكذا في "التحفة" و"النهاية" في النكاح، وقال (ب ج): (وهذا شرط لوجوب الاجتهاد؛ لأنه يجوز حينئذٍ).
السادس: اتساع الوقت للاجتهاد والطهارة والصلاة في الوقت، فلو ضاق الوقت عن ذلك .. تيمم عند (حج)، وأعاد.
ويشترط للعمل بالاجتهاد: ظهور العلامة (ولو) لـ (أعمى)؛ لأنه لم يفقد من الحواس الظاهرة إلا البصر، ويمكن إدراك العلامة بغيره كشم وذوق وحس، وإنما امتنع اجتهاده في القبلة؛ لأن أدلتها بصرية غالباً، فإن لم تظهر له .. قلد عارفاً ولو أعمى، فإن لم يجده أو اختلف مقلدوه .. تيمم -كبصير تحير بعد إتلاف الماءين أو أحدهما- ولا قضاء.
وتجب إعادة الاجتهاد لكل طهر ولو مجدداً وإن لم يكفه؛ لوجوب استعمال الناقص.
وقال (م ر): (تجب إعادته لكل صلاة يريد فعلها إن بقي مما استعمله شيء أي إن أحدث أو تغير اجتهاده.
نعم إن كان ذاكراً لدليله الأول .. لم يعده، بخلاف الثوب المظنون طهارته بالاجتهاد، فبقاؤه بحاله بمنزلة بقاء الشخص متطهراً، فيصلي به ما شاء إن لم يتغير ظنه) اهـ
وإذا اجتهد، فإن وافق اجتهاده الثاني للأول .. فذاك، وإلا .. أتلفهما أو أحدهما، وتيمم وصلى، ولا إعادة عليه، ولا يعمل بالثاني؛ لئلا يلزم نقض الاجتهاد بالاجتهاد إن غسل ما أصابه من الأول، أو يصلي بيقين النجاسة إن لم يغسله، لكن اعتمد (م ر): أن له حينئذ أن يعمل بالثاني إن غسل ما أصابه من الأول، وكذا لو كان المشتبهان مستعملاً وطهوراً؛ لعدم المحذور.
تنبيه: ما أصله الطهارة، وغلب على الظن تنجسه؛ لغلبة النجاسة في مثله .. فيه قولان: الأصل والظاهر، والأرجح الطهارة، لكن يكره استعمال ما قوي احتمال تنجسه، وهذا إن لم يعضد الظاهر رؤية النجس، كأن بالت ظبية في ماء ثم وجد متغيراً، فنحكم بنجاسته؛ عملاً بالظاهر من أن تغيره من بولها وإن احتمل كونه من غيره.
(ولو أخبره بتنجسه) أي: الماء أو غيره، أو باستعماله (ثقة) ولو عبداً أو امرأة، ولو عن عدلٍ آخر (وبين السبب) لتنجسه، أو استعماله (أو) أطلق، و (كان فقيهاً) بأحكام الطهارة (موافقاً) له في المذهب، قال في "التحفة": (أو عارفاً بمذهب المخبر -بفتح الباء- وإن لم يعتقده؛ إذ الظاهر أنه إنما يخبره باعتقاده لا باعتقاد نفسه) ( .. اعتمده) وجوباً.
وخرج بـ (الثقة): الصبي والمجنون والفاسق، فلا يقبل خبرهم إلا إن بلغ غير المجانين عدد التواتر، أو أخبر عن فعل نفسه، كقوله: بلْتُ فيه، أو وقع في القلب صدقه .. فيجب حينئذٍ قبول خبرهم، ولو واحداً.
(فصل: ويحرم) على المكلف ولو أنثى (استعمال أواني الذهب والفضة) في طهارة وغيرها لنفسه وغيره ولو صغيرة، أو على وجه غير مألوف، كأن كبه واستعمل أسفله فيما
لا يصلح له؛ لخبر الشيخين: "لا تشربوا في أواني الذهب والفضة، ولا تأكلوا في صحافها"، وقيس به سائر وجوه الاستعمالات، كالاحتواء على مجمرة من أحدهما، أو شم رائحة منها من قرب، بحيث يعد عرفاً متطيباً بها.
والحيلة في حل استعمال ما في إنائهما: أن يصب مما فيه إلى نحو يده بقصد الإخراج منه، ثم يستعمله.
نعم؛ هي لا تمنع حرمة الوضع فيه، ولا اتخاذه.
ويحرم تزيين البيوت حتى الكعبة والمساجد والقبور بالذهب والفضة (إلا) في حال استعمالها؛ (للضرورة) بأن لم يجد غيرهما ولو بأجرة مع اضطراره إلى استعمالهما لشرب مثلا.
(و) يحرم أيضاً (اتخاذها) أي اقتناؤها من غير استعمال؛ لأنه يجر إليه غالباً (ولو) كان المستعمل أو المتخذ (إناء صغيراً) جداً، وإن ساوى الضبة المباحة، (كمكحلة) ومرود لغير حاجة الجلاء، وخلال وإبرة، وإن لم تسم آنية عرفاً على الإطلاق؛ لعموم النهي عن الإناء.
وتحل حلقة الإناء وسلسلته ورأسه من فضة؛ لانفصالها عنه مع أنها لا تستعمل، ولا تسمى إناءً.
قال في "الأسنى": (قال الرافعي: ولك رده بأنه مستعمل بحسبه)، وفي "التحفة": (محل تجويزهم اتخاذ رأس للإناء من النقد إن لم يسم إناء بأن كان صفيحة، ومع ذلك: يحرم وضع شيء عليها لنحو الأكل منها؛ لأنها حينئذ إناء بالنسبة إليه).
(و) يحرم استعمال، واتخاذ (ما ضبب بالذهب) أو طليت ضبته به إن حصل منه شيء بالعرض على النار وإن صغرت؛ لشدة الخيلاء فيه.
(ولا يحرم ما ضبب بالفضة) ضبة صغيرة أو كبيرة لحاجة أو لا (إلا ضبة كبيرة للزينة) وحدها، أو مع الحاجة .. فتحرم؛ لما فيها من السرف والخيلاء، بخلاف الكبيرة لحاجة فقط وإن عمت الإناء عند (م ر)، والصغيرة لزينة ولو مع الحاجة .. فيحلان مع الكراهة وإن لمعت من بعد وكانت بموضع الاستعمال؛ لانتفاء الخيلاء في الثانية، والإسراف في الأولى، بخلاف الصغيرة لحاجة فقط .. فمباحة؛ لانتفاء الأمرين.
قال (ح ل): (لو تعددت الصغيرة وكان الجميع بقدر الكبيرة .. حرم) وتردد فيه في
"الامداد"، وأفتى بعض فقهاء اليمن بحرمة ما جرت به عادة كثير من تعميم بيوت -نحو الجنابي- بالفضة، ويؤيده قولهم: (إن التحلية جعل عين النقد في محال مفرقة مع الإحكام حتى تصير كالجزء منها، وليس هذا كذلك).
وضابط الصغر والكبر: العرف.
ولو شك في كبرها، أو في أن الكبيرة لزينة، أو لحاجة .. فالأصل في الإناء الإباحة، فتستصحب وإن كان الأصل في النقد التحريم.
والمراد بـ (الحاجة): الغرض المتعلق بالتضبيب غير الزينة، كإصلاح كسر وتقوية، وليس منها تحلية رأس المرش بلا كسر.
(ويحل) استعمال واتخاذ (المموه بهما) أي: الذهب والفضة مطلقاً، إن لم يحصل منه شيء يقيناً بالعرض على النار؛ لقلة المموه به حينئذٍ، فكأنه عدم، فإن حصل .. حرما في غير حلي امرأة، وحرم في حليها فعله لا استعماله.
ولو شك أيحصل منه شيء بالنار أم لا؟ حرم، ولا يشكل بما مر في الضبة؛ لأنه أضيق منها، بدليل حرمة فعله مطلقاً، وإن جاز استعماله بعد في حلي النساء، قال الشوبري: (ويحتمل الحل).
أما إناء أحد النقدين إذا غشي بشيء بحيث يستره .. فيحل وإن لم يحصل منه شيء بالنار عند (حج)، قال: (لأن علة التحريم العين مع الخيلاء، وهما موجودان في المموه بهما إن حصل منهما شيء بالعرض على النار، بخلاف المموه منهما بنحو نحاس، فالموجود العين دون الخيلاء).
وخرج بـ (إنائهما): إناء غيرهما من سائر الأواني الطاهرة ولو نفيسة، فتحل استعمالاً واتخاذاً؛ لأن الفقراء يجهلونها، فلا تنكسر قولبهم برؤيتها، لكن مع الكراهة في النفيسة ذاتاً كياقوت، أما النجسة .. فيحرم استعمالها مع الرطوبة إلا في ماء كثير.
(فصل:) في الخصال التي تطلب في خلقة الآدمي (يسن) استعمال (السواك في كل حال) من غير إفراط؛ للأحاديث الكثيرة الشهيرة فيه.
(ويتأكد للوضوء) والغسل والتيمم.
(و) عند إرادة (الصلاة لكل إحرام) بفرض أو نفل أو سجدة تلاوة أو شكر، ولو لفاقد الطهورين وإن لم يتغير فمه، واستاك عن قرب قبله؛ لحديث: "ركعتان بسواك خير من سبعين ركعة بغير سواك" وليس أفضل من الجماعة في الصلاة؛ لأن كلاً من درجاتها الخمس والعشرين تعدل كثيراً من درجاته السبعين، ولو تذكر أنه تركه وهو في الصلاة .. تداركه بفعل قليل أو كثير غير متوال.
(و) عند (إرادة قراءة القرآن، والحديث، والذكر) والعلم الشرعي وآلته، والأفضل كونه قبل الاستعاذة.
(و) عند (اصفرار الأسنان) أي: تغيرها وإن لم يتغير فمه.
(و) عند (دخول البيت) أي: المنزل ولو غير بيت، ولو لغيره .. قال الشارح: (ويصح أن يراد به: الكعبة) لكن تعقبه الكردي: (بأنهم أطبقوا على أنه المنزل، ويدل عليه الحديث).
(و) عند (القيام من النوم)؛ لأنه يغير الفم.
(و) عند (إرادة النوم)؛ ليخفف التغير الناشىء منه.
(و) يتأكد أيضاً (لكل حال يتغير فيه الفم) ريحاً أو لوناً أو طعماً، وعند كل طواف وخطبة وأكل، وبعد الوتر، وفي السحر، وللصائم قبل الزوال، وعند الاحتضار.
ويسن التخليل للأسنان قبل السواك وبعده، ومن أثر الطعام، وهو أمان من تسويسها.
ويسن كونه من عود السواك، وباليمنى كالسواك.
ويكره بعود القصب والآس، ويكره أكل ما خرج من بين الأسنان إن خرج بنحو عود.
ويندب لمن يصحب الناس التنظيف بالسواك ونحوه، والتطيب وحسن الأدب.
(ويكره) الاستياك (للصائم) والممسك (بعد الزوال) وإن احتاج إليه لإزالة تغير فمه من غير الصوم كنوم عند (حج)؛ لأنه يزيل الخلوف الذي هو أطيب عند الله من ريح
المسك، ولو لم يتعاط مفطراً يتولد منه تغير قطعاً .. كره له السواك من الفجر؛ لأنه يزيل الخلوف الناشئ من الصوم السابق، وحيث كان في ضمن عبادة كالوضوء لم يحتج لنية؛ لشمول نيتها له، وإلا .. توقف حصول السنة به على أن ينوي به السنة، أو لنحو الصلاة.
وأما آلته .. فقد أشار إليها بقوله: (ويحصل بكل خشن) طاهر ولو نحو أشنان، وكذا نجس عند (حج)؛ إذ الحرمة لأمر خارج، بخلافه بنحو ماء الغاسول وإن نقى الأسنان وأزال القلح؛ لأنه لا يسمى سواكاً (إلا إصبعه) المتصلة به؛ لأنها لا تسمى سواكاً، لكونها جزءاً منه، قال في "الإمداد": (وفيه ما فيه) ويجزئ بأصبع غيره المتصلة وكذا المنفصلة، وبأصبعه المنفصلة عند (حج)، إن خشنت في الجميع وإن وجب دفنها فوراً لموت صاحبها.
وهل تكره إزالة الخلوف بما لا يسمى سواكاً؟ قال في "التحفة": (الأقرب للمدرك نعم، ولكلامهم لا).
(والأراك أولى) من غيره، وأغصانه أولى من عروقه (ثم النخل) ثم الزيتون، ثم ذو الريح الطيب، ثم العود الذي لا رائحة له، وفي معناه الخرقة.
(ويستحب أن يستاك بيابس ندي بالماء)؛ لأن في الماء من التنظيف ما ليس في غيره، والمندى بغير الماء أولى من الرطب.
(و) أن يستاك (عرضاً) أي: في عرض الأسنان ظاهرها وباطنها؛ لخبر: "إذا استكتم .. فاستاكوا عرضاً"، ويكره طولاً؛ لأنه قد يدمى اللثة، ومع الكراهة يحصل أصل السنة؛ لأنها لأمر خارج (إلا في اللسان) .. فيندب طولاً؛ لخبر فيه، ويندب كونه باليد اليمنى إن كانت اليد لا تباشر القذر، وأن يبدأ بجانب فمه الأيمن ويذهب به إلى الوسط، ثم بالأيسر ويذهب به إليه أيضاً، وأن يعوده الصبي؛ ليألفه، ويجعل خنصره وإبهامه تحته، وبقية الأصابع فوقه، ويبلع ريقه أول استياكه بسواك جديد؛ لأنه أمان من كل داء، ولا يمصه، ويجعله خلف أذنه، ولا يعرضه إذا طرحه بل ينصبه، ولا يزيد طوله على شبر، ولا يستاك بطرفيه، وحرم بسواك الغير، إلا إن ظن رضاه .. فخلاف الأولى إلا لتبرك، وبضار كبذي سم، وقد يجب كأن توقفت إزالة النجاسة عليه، أو ريح كريه في يوم جمعة.
وفوائده كثيرة أنهاها بعضهم إلى نيف وسبعين، أعظمها رضا الله، وتذكير الشهادة عند الموت.
(و) يستحب (أن يدهن غباً) أي: وقتاً بعد وقت، أي: عند الحاجة.
(و) أن (يكتحل) وأن يكون بالإثمد و (وتراً) ثلاثة في اليمنى وثلاثة في اليسرى.
(و) أن (يقص الشارب) حتى تبين حمرة الشفة بياناً ظاهراً، ولا يزيد على ذلك.
(و) أن (يقلم الظفر) والأفضل يوم الخميس أو الإثنين أو بكرة الجمعة.
وأن يبدأ بسبابة اليمنى فالوسطى فالبنصر فالخنصر فالإبهام، ثم بخنصر اليسرى إلى إبهامها، وفي الرجلين من خنصر اليمنى إلى خنصر اليسرى.
(و) أن (ينتف الإبط) إن قدر، وإلا .. فليحلقه، ويحصل أصل السنة بحلقه وإن قدر على نتفه.
(و) أن (يزيل شعر العانة) والأفضل للذكر حلقه، ولغيره نتفه.
ويكره تأخير الدهن وما بعده إلى هنا عن وقت الحاجة، وعن أربعين يوماً أشد كراهة.
وأن يفرق شعر رأسه، ويرجله (ويسرح اللحية، ويخضب الشيب بحمرة أو صفرة)؛ للاتباع، ويحرم بالسواد ولو لامرأة، على خلاف فيها.
(و) أن تخصب (المزوجة يديها، ورجليها بالحناء) إن كان حليلها يحبه، وأن تبدأ في كل ذلك باليمنى، أما غيرها .. فلا يسن لها ذلك، بل يحرم عليها الخضب بسواد، وتطريف الأصابع وتحمير الوجنة والنقش إن كانت غير مفترشة، أو لم يأذن لها حليلها، وكذا يحرم عليها وصل شعرها بنجس أو شعر آدمي مطلقاً، وبطاهر إن لم تكن فراشاً، أو لم يأذن لها، والوشر وهو: تحديد أطراف الأسنان وتفريقها، كالوصل بطاهر غير شعر آدمي.
(ويكره القزع) وهو حلق بعض الرأس من موضع واحد، أو متفرق.
والكراهة في الصغير على وليه، ولا بأس بحلقه لمن لم يَخِفَّ تعهده عليه ولا يسن إلا في نسك لذكر،
ولمن خشي من تركه مشقة، وفي المولود، والكافر إذا أسلم، ولا بتركه لمن يخف تعهده عليه.
(ونتف الشيب)؛ لأنه نور، بل قال في "المجموع": (ولو قيل بتحريمه .. لم يبعد) ونص عليه في "الأم".
(ونتف اللحية)؛ إيثار للمرودة، وتبيضها بالكبريت؛ استعجالاً للشيخوخة، وتصفيفها طاقة فوق طاقة؛ تحسيناً، والزيادة فيها والنقص منها؛ للأمر في الصحيحين بـ (توفير اللحى وتركها شعثة)؛ إظهاراً لقلة المبالاة، ولا بأس بترك السبالين.
(و) يكره بلا عذر (المشي في نعل واحد)؛ لصحة النهي عنه؛ لأنه يختل به المشي، وكالنعل الخف ونحوه.
(والانتعال) بما يخشى منه السقوط حال كونه (قائماً) أما المداس المعروفة الآن .. فلا يكره فيها الانتعال قائماً؛ لعدم خوف السقوط منها، ويسن خلعهما إذا جلس، ويجعلهما خلفه أو بجنبه الأيسر إن لم يكن يساره أو وراءه أحد، وإلا .. تعين بين رجليه أو تحته.
(فصل) في أول مقاصد الطهارة وهو الوضوء اسم مصدر توضأ، ومصدر إن أُخذ من وضؤ، وليس من خصوصيات هذه الأمة، بل الخاص بها الغرة والتحجيل فقط، أو مع الكيفية المخصوصة، والأفصح ضم واوه إن أريد به الفعل، وفتحها إن أريد به الماء الذي يتوضأ به.
مأخوذ من الوضاءة وهي النضارة؛ لإزالته ظلمة الذنوب.
وفرض مع الصلاة ليلة الإسراء، وهو معقول المعنى؛ لأن الصلاة مناجاة للرب، فطلب التنظيف لها، ولا يرد أن الرأس لا غسل فيه لأنه مستور غالباً، فخفف فيه.
وموجبه -كالغسل-: الحدث، وإرادة فعل ما يتوقف عليه.
والأصل فيه: الكتاب، والسنة، والإجماع.
(وفروض الوضوء) أي: مجموع أركانه ولو مندوباُ (ستة) أربعة ثابتة بالكتاب، واثنان بالسنة:
النية بحديث "إنما الأعمال بالنيات"، والترتيب بخبر "ابدأوا بما بدأ الله به" وهو وإن كان وارداً في السعي، فالعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، ولأن العرب لا ترتكب تفريق المتجانس إلا لنكتة، وقد فرق في الآية بين المغسولات بالممسوح، فعلمنا أنه لنكتة الترتيب.
(الأول) النية؛ لخبر: "إنما الأعمال -أي صحتها- بالنيات".
وحقيقتها لغة: القصد، وشرعاً: قصد الشيء مقترناً بفعله إلا في صوم، ونحو زكاة .. فيغتفر تقديمها؛ للعسر، أما المتقدم على الفعل .. فعزم.
وحكمها: الوجوب، ومحلها: القلب.
والمقصود بها: تمييز العبادة من العادة، أو تمييز رتب العبادة ككون العبادة صلاة، وكونها فرضاً.
وشرطها: إسلام الناوي، وتمييزه، وعلمه بالمنوي، وتحقق المقتضي وقدرته على المنوي، وعدم إتيانه بما ينافيها من ردة، ونية قطع، وتردد فيه، وتعليق.
وكيفيتها تختلف بحسب الأبواب، فيجزىء السليم هنا (نية رفع الحدث) أي: المعهود ذهناً، وهو الذي عليه، وهو هنا: الأصغر، ويصح أن يراد به: الأمر الاعتباري، أو المنع، أو هما؛ بناءً على استعمال المشترك في معنييه، والمرتفع فيهما نفس الحدث المنوي منهما، وأن يراد به: السبب، فيقدر مضاف، أي: رفع حكمه، وهو المنع من الصلاة، فيرجع إلى الثاني.
فإذا قال: نويت رفع الحدث وأطلق .. انصرف إلى حكمه وإن لم يلاحظ ذلك، فإن نوى رفع السبب نفسه .. لم يصح؛ لأن الواقع لا يرتفع.
ولو نوى رفع بعض الأحداث، كأن نام وبال، فنوى رفع حدث النوم لا البول .. صح؛ لأن الحدث لا يتجزأ، إذا ارتفع بعضه .. ارتفع كله، كما لو نوى رفع غير حدثه، كأن بال فنوى رفع حدث النوم .. فيصح، وقيده (حج) بكونه غالطاً.
ولو نوى أن يصلي به في محل نجس .. لم يصح؛ لعدم القدرة على المنوي.
وتدخل السنن هنا -كالصلاة- تبعاً عند إتيانه بنحو هذه النية، أو فرض الطهارة.
(أو الطهارة للصلاة) أو عن الحدث، أو أداء فرض الطهارة، أو أداء الطهارة، أو الطهارة الواجبة، (أو نحو ذلك) كنية فرض الوضوء، أو أداء الوضوء، وكذا نية
الوضوء، لكنه خلاف الأولى؛ للخلاف فيه، وكنية استباحة مفتقر إلى وضوء كالصلاة ومس المصحف، لا استباحة ما يستحب له الوضوء كقراءة القرآن أو الحديث، فلا يصح؛ لأنه يستبيحه بلا وضوء.
ويجب كون ما ذكر من النيات (عند غسل الوجه) فمتى اقترنت بجزء منه .. كفت، وفي اقترانها بما لا يتم الواجب إلا به خلاف، وما قارنها هو أوله، فيجب إعادة ما غسله قبلها.
نعم؛ يكفي اقترانها بسنة قبل الوجه، كغسل اليدين إن استحضرها عن الوجه، لكن لو انغسل جزء من الوجه مع المضمضة كحمرة الشفة .. أجزأت النية وفاتت المضمضة والاستنشاق بغسل ذلك الجزء؛ إذ محلها قبل الوجه، ويجب إعادة غسل ذلك الجزء؛ للصارف، وفيه كلام مبسوط في غير هذا الكتاب.
والمخلص من ذلك: أن ينوي عند غسل الكفين سنن الوضوء، وعند غسل الوجه فرض الوضوء أو غيره من النيات المجزئة كما مر ويجوز تفريق النية على الأعضاء، كأن ينوي عند كل عضو رفع حدثه، لكن لا ينوي في المندوب نحو رفع الحدث بل نحو الوضوء.
(وينوي سَلِسِ البول ونحوه) ممن دام حدثه، بحيث لا يصلي صلاة بعد الطهارة بلا حدث، كمستحاضة في الوضوء للفرض (استباحة فرض) نحو (الصلاة) أو غيرها من النيات، دون نية رفع الحدث أو الطهارة عنه؛ لأن حدثه لا يرتفع، ويستبيح السلس به ما يستبيحه المتيمم، كما يأتي.
وفي "الإيعاب" عن "المجموع": شرط نية استباحة الصلاة: قصد فعلها بتلك الطهارة، وإلا .. فهو متلاعب.
(وإن توضأ للسنة .. نوى استباحة الصلاة) أو غيرها مما مر من غير ذكر فرض، ومجدد الوضوء لا ينوي الاستباحة ولا رفع الحدث، بل غيرهما، لكن كلام "التحفة" يفيد الصحة فيهما إلا أن ينوي الحقيقة كما في الصلاة المعادة، ولو نوى مع نية الوضوء تبرداً أو تنظفاً .. لم يضر، لكن لا ثواب فيه عند ابن عبد السلام.
وقال الغزالي: (يثاب بقدر قصده إن غلب باعث الآخرة) وقال (حج): (بقدر قصده مطلقاً) وكالوضوء سائر العبادات.
ولو نوى تبرداً بعد نية الوضوء .. اشترط كونه ذاكراً لنية الوضوء، وإلا .. لم يصح الوضوء من حين نوى التبرد؛ لأنه صارف، ولذلك لو بقي رجلاه فسقط في ماء .. لم يرتفع حدثهما إلا إن كان ذاكراً للنية، بخلاف ما لو غمسهما أو تعرض بهما لمطر؛ إقامة لفعله مقام ذكره للنية.
(الثاني: غسل) ظاهر (الوجه) أي: انغساله ولو بفعل غيره، أو بسقوطه في ماء مع استحضاره للنية، وكذا يقال في باقي الأعضاء.
وخرج بـ (ظاهره): باطن أنف وعين وفم وإن ظهر بنحو قطع؛ لأنه باطن أصالة، وإنما جعل ظاهراً في النجاسة؛ لغلظها.
نعم؛ يجب غسل ما باشره القطع من ذلك.
(وحده) -أي الوجه- طولاً (ما بين منبت شعر رأسه) أي: ما من شأنه ذلك، (و) أسفل (مقبل ذقنه) بفتح المعجمة.
(و) عرضاً (ما بين أذنيه)؛ لأن الوجه ما يقع به المواجهة، وهي تقع بذلك.
(فمنه الغمَمُ) وهو ما ينبت عليه الشعر من جبهة الأغم؛ إذ لا عبرة بنباته في غير محله، كما لا عبرة بانحسار شعر الناصية.
(والهدب) -بضم فسكون المهملة، وضمها وفتحها- وهو النابت على أجفان العين.
(والحاجب) وهو الشعر النابت من أعلى العين، سمي بذلك؛ لأنه يحجب عن العين شعاع الشمس.
(والشارب) وهو ما ينبت على الشفة العليا، سمي بذلك؛ لأنه يلاقي الماء عند الشرب.
(والعذار) وهو الشعر النابت على العظم الناتئ بقرب الأذن، ومثله البياض الذي بينه وبين الأذن.
(والعنفقة) وهي الشعر النابت على الشفة السفلى.
فيجب غسل جميع الوجه الشامل لما ذكر وغيره (بشراً) حتى ما يظهر من حمرة
الشفتين مع إطباق الفم، ومن أنف مجدوع مما باشره القطع فقط، (وشعراً) ظاهره وباطنه إلا باطن كثيف ثلاثة شعور:
الأول: باطن كثيف ما خرج عن حد الوجه، وهو ما لو مد .. خرج بالمد عن جهة نزوله ولو من امرأة وخنثى عند (م ر).
(و) الثاني والثالث: باطن كثيف (شعر اللحية) من رجل، وهي الشعر النابت على الذقن التي هي مجتمع اللحيين.
(و) باطن كثيف شعر (العارض) من رجل، وهو الشعر الذي بين اللحية والعذار، وإنما وجب غسل باطن الكثيف في الجنابة مطلقاً؛ لقلة وقوعها، فإذا علمت ذلك، فشعر اللحية والعارض (إن خف) بأن كانت البشرة ترى من خلاله في مجلس التخاطب عادة ( .. غسل ظاهره وباطنه) مطلقاً (وإن كثف) بأن لم تر البشرة من خلاله في ذلك المجلس ( .. غسل ظاهره) ولا يجب غسل باطنه؛ للمشقة إن كان رجلاً، وإلا .. غسل باطنه وإن خرج عن حد الوجه عند (حج)؛ لندرة لحيته، ولو خف البعض وكثف البعض .. فلكل حكمه إن تميز، وإلا .. وجب غسل الجميع.
ويجب غسل كل ما نبت في حد الوجه كسلعة وإن خرجت عن حد الوجه؛ لحصول المواجهة بها، وجزء من سائر الجوانب المجاورة للوجه احتياطاً؛ ليتحقق تعميم الوجه، فهو من باب: ما لا يتم الواجب إلا به .. فهو واجب، ومن له وجهان من قبله .. وجب غسلهما، أو رأسان .. كفى مسح أحدهما، ولو أغفل لمعة، فانغسلت في تثليث .. كفى، لكن لا تحسب ثانية إلا بعد تمام العضو، أو في تجديد أو وضوء احتياط .. فلا.
وليس النزعتان من الوجه، ولا موضع الصلع، وموضع التحذيف، ووتد الأذن، لكن يندب غسل ذلك، وكل ما قيل إنه من الوجه كالأذنين، ويسن أخذ الماء بيديه جميعاً؛ للاتباع.
(ويستحب تخليل اللحية الكثة) وغيرهما مما لا يجب غسل باطنه، وكونه بماء جديد
(بأصابعه) اليمنى (من أسفل)؛ للاتباع.
الفرض (الثالث: غسل اليدين) أي: كل يد أصلية، أو زائدة التبست بالأصلية أو حاذتها (مع المرفقين) بكسر الميم وفتح الفاء، أفصح من عكسه.
والمرفق: مجتمع عظم الساعد والعضد، فلو قطع بعض ما يجب غسله .. وجب غسل الباقي، فإن أبين الساعد فرأس العضد، أو من فوق المرفق .. سن غسل باقي العضد.
(و) يجب غسل (ما عليهما) من شعر وإن كثف وطال، وظفر وإن طال، كيد نبتت في محل الفرض، وشق وثقب، وحكمهما في يدٍ وغيرها وجوب غسل ما هو في الجلد منهما دون ما جاوزه إلى اللحم إن لم يظهر الوضوء من الشق الآخر، وإلا .. وجب غسل جميعه حيث لا ضرر، والشوكة إن استترت .. فواضح، أو ظهر رأسها .. وجب إخراجها إن لم تجاوز الجلد، وإلا .. فلا، ويكفي غسل قشر جرح وإن لم يتألم به، وإن خرج بعد غسله، كما لو قطع شعراً وظفراً بعد طهره .. لا يجب غسل ما ظهر منهما.
الفرض (الرابع: مسح) أي: وصول البلل، سواء كان بفعل فاعل أم لا، بمسح أو غسل أو غيرهما إلى (شيء) وإن قل جداً (من بشرة الرأس) كالبياض الذي وراء الأذن وإن لم يكن في حده (أو) من (شعره في حده) أو من شعرة في حده بأن لا يخرج عنه بالمد من جهة نزوله، فجهة نزول شعر الناصية: الوجه، وشعر القرنين: المنكبان، ومؤخر الرأس: القفا، فما يخرج .. لا يجزئه المسح عليه وإن مسحه في حد الرأس، ولو وضع يده المبتلة على خرقة على رأسه فوصله البلل .. أجزأه وإن لم يقصد الرأس عند (حج) لما مر من أنه: إذا وقع الغسل بفعله .. لا يحتاج إلى تذكر النية، والمسح مثله.
الفرض (الخامس: غسل الرجلين مع الكعبين) من كل رجل، أو مسح خفيهما بشرطه كما يأتي (و) مع (شقوقهما) وغيرهما مما مر في اليدين، وتجب إزالة ما فيها من نحو شمع لم يصل لغور اللحم.
(السادس: الترتيب) كما ذكر؛ لأنه عليه الصلاة والسلام لم يتوضأ إلا مرتباً فلو لم يجب .. لتركه في وقت، أو دل على جوازه، ولخبر: "ابدؤوا بما بدأ الله به" كما مر
فلو قدم عضواً على محله .. لم يعتد به، أو غسل أربعة أعضائه معاً .. ارتفع حدث وجهه فقط.
ويكفي الترتيب ولو تقديراً (فلو غطس) ناوياً ولو في ماء قليل ( .. صح) وضوءه (وإن لم يمكث) زمناً يمكن فيه الترتيب الحقيقي، أو أغفل لمعة من غير أعضاء الوضوء؛ لحصوله تقديراً في لحظات لطيفة لا تظهر في الحس، أي: وهمية.
وعليه: فالمراد بـ (الترتيب) هنا: مجرد فرضه، فهو اعتراف بانتفاء شرطه، كما قاله بعض المحققين.
وخرج بـ (غطس): ما لو غسل أسافله قبل أعاليه .. فلا يجزىء؛ لعدم الترتيب، ويسقط عن محدث أجنب، ومن ثم لو غسل ما سوى أعضاء الوضوء ثم أحدث .. سقط الترتيب.
(وتجب الموالاة في وضوء دائم الحدث) كمستحاضة، بأن يوالي في كل وضوء بين الاستنجاء والتحفظ، وبينهما وبين الوضوء، وبين أفعاله وبين الصلاة، وسيأتي في الاستحاضة عدم ضرر تأخير المستحاضة لكمال مطلوب منها، كانتظار جماعة، ومثلها السلس، أما السليم .. فتسن له الموالاة إن لم يضق الوقت، وإلا .. وجبت.
(و) يجب في كل وضوء (استصحاب النية حكماً) بأن لا يأتي بما ينافيها مما مر أول هذا الفصل، وإلا .. فيحتاج لتجديد النية لما بقي، وإذا أحدث أثناء وضوء أو قطعه .. أثيب على الماضي منه إن كان قطعه لعذر، وإلا .. فلا، ومثله الصلاة ونحوها.
(فصل) في سنن الوضوء.
والسنة والتطوع والنفل والمندوب والحسن والمرغب فيه: ما يثاب على فعله ولا يعاقب على تركه، فهي ألفاظ مترادفة، لكن الحسن يشمل المباح، كما في الأصول، إلا أن يكون المراد بترادفه لها بالنسبة لبعض أفراده، أو في اصطلاح الفقهاء.
(وسننه) أي: الوضوء كثيرة أورد منها في "الرحيمية" ستاً وستين، والمصنف إنما
ذكر بعضها، فالحصر المشعرة به الجملة المعرفة الطرفين في كلامه إضافي.
ومنها: (السواك) مصدر ساك فاه يسوكه، وهو لغة: الدلك وآلته، وشرعاً: استعمال نحو عود في الأسنان وما حولها، وأقله مرة، إلا لتغيير .. فلا بد من إزالته، ويحتمل الاكتفاء بها لأصل السنة؛ لأنها محققة.
وهو من السنن الفعلية الداخلة فيه عند (حج)؛ إذ محله عنده بين المضمضة وغسل الكفين، فتشمله النية والتسمية.
ويسن أيضاً قبل التسمية لأجلها، لا للوضوء.
وعند (م ر) -كالمصنف- من السنن الفعلية المتقدمة عليه؛ إذ محله عندهما قبل غسل الكفين، فيحتاج لنية له قبله، ومر الكلام على السواك.
(ثم التسمية) ولو بماء مغصوب أو لنحو جنب بقصد الذكر؛ لخبر: "توضؤوا باسم الله" أي: قائلين ذلك، وصرفه عن الوجوب خبر: "توضأ كما أمرك الله" أي في آية الوضوء، ولا تسمية فيها، وخبر: "لا وضوء لمن لم يسم الله" أي: لا وضوء له كامل كـ"لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد".
وأقلها: باسم الله، وأكملها: بسم الله الرحمن الرحيم، ثم الحمد لله على الإسلام ونعمته، الحمد الله الذي جعل الماء طهوراً، والإسلام نوراً.
زاد الغزالي: (رب أعوذ بك من همزات الشياطين، وأعوذ بك رب أن يحضرون) ويسن التعوذ قبلها، والشهادتان بعدها، وتكون سنة عين كما هنا، وسنة كفاية، كما في الجماع، فتكفي من أحدهما، فيقول: باسم الله، اللهم جنبنا الشيطان وجنب الشيطان ما رزقتنا، وكما في الأكل، لكن تطلب على كل إناء، وممن جاء أثناء الأكل، وكالأذان والإقامة وابتداء السلام.
والسنة أن يأتي بها (مقرونة بالنية) القلبية (مع أول غسل الكفين) فينوي بقلبه، ويبسمل بلسانه مع أول غسل الكفين.
(و) يسن (التلفظ بالنية) عقب التسمية؛ ليساعد اللسان القلب.
فالمراد من تقديم النية على غسل الكفين: تقديمها على الفراغ منه (واستصحابها)
أي: النية بقلبه من أول وضوئه إلى آخره؛ لما فيه من مزيد الحضور المطلوب للعبادة ومر أن استصحابها حكماً شرط (فإن ترك التسمية في أوله) ولو عمداً ( .. أتى بها قبل فراغه) منه، بأن لم يكمل غسل الرجلين، وكذا إن غسلهما ولم يأت بالذكر الوارد بعده ولم يطل الفصل عند (ع ش).
(فيقول: باسم الله في أوله وآخره، كما) يسن الإتيان بها (في) أثناء (الأكل والشرب) إذا تركها ولو عمداً، وكذا بعد فراغهما على المعتمد؛ للأمر بذلك في حديث الترمذي وغيره، لكن بإسقاط لفظ: (في).
وكالأكل: كل ما فيه أفعال متعددة، كالكحل والتأليف، فمن تركها أوله .. أتى بها أثناءه إن لم يكره الكلام أثناءه كالجماع (ثم) بعد التسمية (غسل الكفين) إلى الكوعين، وكونهما معاً وإن لم يقم من النوم، ولا أراد إدخالهما الإناء، ولا شك في طهرهما (فإن لم يتيقن طهرهما) بأن تيقن نجاستهما .. حرم غمسهما في الإناء، وملاقاتهما لكل رطب؛ لحرمة التضمخ بالنجاسة.
وإن ظن ذلك أو شك فيه ( .. كره غمسهما في الماء القليل) ولو في غير طهارة.
(و) في (مائع) ومس رطب بأحدهما (قبل غسلهما ثلاث مرات) في الشك في النجاسة غير المغلظة.
وقبل غسلهما مرتين بعد التسبيع في المغلظة.
والمحذور وإن كان يزول بمرة في غير المغلظة، وسبع فيها .. فقد تعبدنا الله بذلك؛ لنهي المستيقظ من النوم عن غمس يده قبل غسلها ثلاثاً، وعلله بأنه: (لا يدري أين باتت يده) الدال على أن المقتضي للغسل توهم النجاسة بسبب النوم أو غيره، والشارع إذا غيا حكماً بغاية .. لا يخرج من عهدته إلا باستيفائها، ولو غسلهما من نجاسة متيقنة مرة .. كره غمسهما قبل إكمال الثلاث.
(ثم) بعدما ذكر (المضمضة، ثم الاستنشاق)؛ للاتباع ولم يجبا؛ لما مر، وهو أفضل من المضمضة؛ لما قيل بوجوبه.
وإنما قدمت المضمضة عليه؛ لأنها محل الذكر والطعام.
وأقلهما: إيصال الماء إلى الأنف والفم وإن لم يمجه، ولا أداره، وتحصل السنة.
بالفصل، كأن يتمضمض بثلاث غرفات، ثم يستنشق بثلاث أخر، أو يتمضمض بواحدة ثلاثاً، ويستنشق بأخرى ثلاثاً، وهذه أفضل، والتي قبلها أنظف، والجمع بينهما أفضل من الفصل؛ لأن رواياته صحيحة، ويحصل بغرفة واحدة يتمضمض منها ثلاثاً، ثم يستنشق منها ثلاثاً، (والأفضل: الجمع بينهما بثلاث غرفات، يتمضمض من كل غرفة، ثم يستنشق بباقيها)؛ لصحة الأمر بذلك.
(والمبالغة فيهما لغير الصائم) بأن يبلغ الماء إلى أقصى الحنك ووجهي الأسنان واللثات.
ويسن إمرار الإصبع اليسرى عليها ويمج الماء، وفي الاستنشاق يصعده بنفسه إلى خيشومه مع إدخال خنصر يساره فيه، ويزيل به ما فيه من أذى، ولا يستقصي، فإنه يصير سعوطاً، لا استنشاقاً، أي: كاملاً.
أما الصائم .. فلا يبالغ، خشية الإفطار، ومن ثم كرهت، وإنما حرمت القبلة المحركة للشهوة؛ لأن أصلها غير مندوب مع أن قليلها يجر لكثيرها.
وفائدة تقديم المضمضة والاستنشاق: معرفة أوصاف الماء.
وأفاد العطف بـ (ثم): أن الترتيب بين السنن المذكورة مستحق، فلو أتى بالاستنشاق مع المضمضة .. حسبت دونه، وقال الشرقاوي: (حسبا عند "م ر"، وإن قدمه .. حسبت دونه؛ لوقوعه في غير محله كما لو أقتصر عليه، فما تقدم عن محله لغو).
واعتمد (م ر): أن المعتد به هو المفعول أولاً، فإذا قدم الاستنشاق .. حسب، وفات غسل الكفين والمضمضة، فإن أراد حصولهما .. أتى بناقض، وأتى بهما.
(و) من سننه أيضاً (تثليث) يقيناً لكل من (الغسل) ولو لنحو سلس، ولو بتحريك العضو ثلاثاً في ماء ولو قليلاً، بخلاف ترديد ماء الغسلة الأولى؛ لأنه تافه.
(و) من (المسح) إلا في خف، وكذا جبيرة وعمامة عند (حج)، ومن الدلك و (التخليل).
وفي "التحفة": (ويظهر أنه مخير بين تأخير ثلاثة كل من هذين عن ثلاثة الغسل، وجعل كل واحدة منهما عقب كل [واحدة] من هذه الثلاثة، وأن الأولى أوْلى).
والذكر والدعاء والسواك وسائر الأقوال والأفعال حتى النية ولو لفظية، على خلاف فيها؛ للاتباع في أكثر ذلك، وقياساً في الباقي، ولا يحسب تثنية وتثليث إلا بعد تمام العضو، وقبل الانتقال منه لما بعده.
نعم؛ لو مسح بعض رأسه ثلاثاً .. حصل التثليث؛ إذ ما تقدم في عضو .. يجب استيعابه، ولو ثلث الفم والأنف، أو اليدين أو الرجلين معاً .. أجزأ؛ لأن كلا منهما كعضو واحد، ولا يحصل تثليث بتكرير وضوء.
(ويأخذ الشاك) قبل الفراغ (باليقين) وجوباً في الواجب، وندباً في المندوب، ولو شك في غسل الوجه مثلاً .. وجب غسله، أو في استيعابه .. وجب، أو هل غسله مرتين أو ثلاثاً؟ سنت الثالثة، ولا نظر لاحتمال كونها رابعة، وهي مكروهة؛ إذ لا تكره إلا إن تحققت.
نعم؛ يكفي ظن استيعاب العضو.
ويجب ترك تثليث كسائر السنن؛ لضيق الوقت، بحيث لو ثلث .. لم يدرك الصلاة كاملة في الوقت، وللاحتياج لماء التثليث لطهر واجب، أو عطش حيوان محترم.
ويسن ترك سائر السنن؛ لإدراك جماعة لم يرج غيرها.
نعم؛ ما قيل بوجوبه من السنن، كالدلك .. ينبغي تقديمه على الجماعة.
(و) من سننه (مسح جميع الرأس) أي: الزائد على قدر الواجب منه؛ للاتباع؛ لأنه أكثر ما ورد في وضوئه صلى الله عليه وسلم، وخروجاً من خلاف موجبه كمالك.
والأكمل وضع مسبحتيه على مقدم رأسه، وإبهاميه على صدغيه، ثم يذهب بهما معاً ما عدا الإبهامين لقفاه، ثم يردهما إن كان له شعر ينقلب، ولا يحسب الرد مرة ثانية -كما مر- ويقع أقل مجزئ من الرأس فرضاً، والباقي نفلاً كنظائره من نحو ركوع وسجود طولهما.
(فإن) كان على رأسه ساتر، و (لم يرد نزع ما على رأسه) وإن سهل نزعه .. سن له أن يتمم المسح على الساتر، حيث لم يكن محرماً لذاته كمحرم ستر رأسه بلا عذر، بخلاف ما لو كان مغصوباً ولم يكن عليه نجس ولو معفواً عنه، وكان مسح الساتر بعد [أن]
(مسح جزءاً من الرأس) والأولى كونه الناصية (ثم تممه) أي: المسح (على الساتر) متصلاً مسحه بمسح جزء من الرأس وجوباً.
وقوله: (ثلاثاً) راجع إلى المسح جزء من الرأس، وكذا على التتميم على الساتر عن (م ر).
(ثم) السنة بعد مسح الرأس (مسح) جميع (الأذنين ظاهرهما) وهو ما يلي الرأس (وباطنهما) وهو ما يلي الوجه (بماء جديد) فلا يكفي بلل المرة الأولى من الرأس، ويحصل أصل السنة بماء ثانيته وثالثته.
(و) مسح (صماخيه) وهما خرقا الأذنين (بماء جديد) أي: غير ماء الرأس من المرة الأولى، ويحصل أصل السنة بمسحهما بماء الأذنين وبثانية أو ثالثة الرأس.
والأحب في كيفية مسحهما: أن يمسح برأس مسبحتيه صماخيه، وبباطن أنملتيهما باطن الأذنين ومعاطفهما، ويمر إبهاميه على ظهرهما، ثم بعد ذلك يسن أن يلصق كفيه مبلولتين بهما؛ استظهاراً، ويسن غسلهما مع الوجه، ومسحهما مع الرأس، وكون كل ذلك ثلاثاً، فجملته: اثنتا عشرة مرة، ولو مسح بعض الأذنين .. حصل أصل السنة.
(و) من سننه (تخليل أصابع اليدين) والرجلين بأي كيفية، والأفضل في اليدين (بالتشبيك).
قال المدابغي: (الأولى جعل أصابع اليمنى بين أصابع اليسرى من ظهرها وعكسه، لتخالف العبادة العادة) اهـ
وهذا يفيد تخليل كل يد وحدها، ويخالف قول "الايعاب": (نعم؛ تخليلهما -أي: اليدين- لا تيامن فيه) اهـ
وإنما يكره التشبيك -كفرقعة الأصابع- لمن في الصلاة، أو في المسجد منتظراً لها.
(و) في (أصابع الرجلين بخنصر اليد اليسرى) وكذا بخنصر اليد اليمنى، كما في "الإقناع" و"شرحي الإرشاد".
والأولى: أن يبدأ (من أسفل خنصر) الرجل (اليمنى) ويستمر على التوالي (إلى خنصر اليسرى)؛ للسهولة مع المحافظة على التيامن، واختار في "المجموع":
أنه لا يتعين للتخليل يد، كما في "الفتح".
نعم؛ إن لم يصل الماء إلا بالتخليل .. وجب.
(و) من سننه (التتابع) بين أفعال وضوئه؛ للاتباع، بأن يشرع في تطهير كل عضو قبل جفاف ما قبله، مع اعتدال الهواء والمزاج والزمان والمكان.
والعبرة عن التثليث بالأخيرة، ويقدر الممسوح مغسولاً، وقد يجب في طهر نحو سلس، ولضيق وقت.
(و) منها (التيامن) أي: تقديم اليمنى على اليسرى، لنحو الأقطع مطلقاً، ولغيره في يديه ورجليه وإن كان لا بس خف؛ لأنه صلى الله عليه وسلم: (كان يحب التيامن في شأنه كله) أي: مما هو من باب التكريم، كاكتحال وحلق الرأس، وكذا ما لا تكرمة فيه ولا قذر، أما ما يغسل دفعة، ككفين وخدين .. فيكره فيه الترتيب ولو بالتيامن على ما في "الأسنى"، كما يكره ترك التيامن فيما يسن فيه.
(و) منها (إطالة غرته) بأن يغسل أدنى شيء من جوانب الوجه معه زائداً على ما لا يتم الواجب إلا به.
والأكمل: أن يغسل مع الوجه مقدم رأسه وأذنيه، وصفحتي عنقه.
(و) إطالة (تحجيله) بأن يغسل شيئاً من العضدين والساقين مع الواجب من اليدين والرجلين.
والأكمل: أن يستوعب العضدين والساقين؛ وذلك لخبر: "أنتم الغر المحجلون يوم القيامة، فمن استطاع منكم .. فليطل غرته".
فعلم أن الغرة والتحجيل اسمان لما لا يتم الواجب إلا به، وإنما المسنون إطالتهما.
وفي "الإمداد": (يعتد بالتحجيل قبل غسل اليد والرجل، بخلاف الغرة؛ لاعتبار مقارنة النية للوجه) اهـ
ونقل "المدابغي" عن "فتاوى (م ر) " و "الزيادي": حصول الغرة مطلقاً.
(و) منها (ترك الاستعانة بالصب إلا لعذر) أي: الإعانة وإن لم يطلبها من غير عذر؛ لأنها ترفه لا يليق بالمتعبد، وليس منه الوضوء بالماء العذب وترك المالح -قال (ق ل): وهل الحنفية من الاستعانة؟ - وهي في إحضار الماء مباحة، وفي الصب خلاف الأولى، وفي غسل الأعضاء مكروهة.
نعم؛ إن قصد تعليم نحو المعين .. ندبت، وقد تجب على عاجز ولو بأجرة فضلت عما يعتبر في الفطرة، فإن لم يجد .. صلى بالتيمم وأعاد.
(و) ترك (النفض)؛ لأنه كالتبرىء من العبادة، فهو خلاف الأولى لا مباح.
(والتنشيف) وهو: أخذ الماء بنحو منديل، فهو خلاف الأولى بلا عذر، فإن كان عذر .. فيسن، كحر وبرد وخوف التصاق نجس به، وإرادة تيمم، وغسل ميت، ويقدم اليسار فيه، ولو غلب على ظنه التصاق نجس به إن لم ينشف .. وجب، وإذا أراد التنشيف ولو لعذر .. فالأولى أن لا يكون بثوب إلا لحر أو برد أو خوف نجاسة كذيله وطرف ثوبه؛ فقد قيل: إنه يورث الفقر.
(و) منها (تحريك الخاتم)؛ لأنه أبلغ في إيصال الماء، ولو لم يصل إلا به .. وجب.
(والبداءة بأعلى الوجه)؛ للاتباع، ولكونه أشرف (وفي) كل من (اليد والرجل بالأصابع) وإن صب عليه غير عند (حج)، وخالفه المصنف كـ (م ر) بما أشار إليه بقوله: (فإن صب على غيره .. بدأ بالمرفق) في اليد (والكعب) في الرجل، ويسن أن لا يكتفي بجريان الماء بطبعه، بل يمر الكف معه.
(و) منها (دلك) الأعضاء، وهو إمرار اليد على (العضو) مع غسله أو عقبه، والأكمل معهما؛ لجريان خلاف شهير في وجوب ذلك، ويبالغ في العقب، سيما في الشتاء، وندب صب الماء بيمينه، ويدلك بيساره.
(ومسح المأقين) بسبابتي شقيهما إن لم يكن رمص يمنع وصول الماء، وإلا .. وجب، وهما: طرفا العين الذي يلي الأنف، لكن المراد بهما: ما يشمل اللحاظ، وهو الطرف الآخر.
(واستقبال القبلة) في وضوئه حتى الذكر بعده.
(ووضع الإناء عن يمينه أن كان واسعاً) بحيث يغترف منه، فإن كان يصب به .. فعن
يساره؛ لأنه أمكن فيهما (وأن لا ينقص ماؤه عن مد)؛ للاتباع، ويجزىء بدونه إن أسبغ بحيث يجري على العضو بنفسه، فلا يكفي المسح ولو في جزء وإن قل.
ومحل سنية المد فيمن بدنه كبدنه صلى الله عليه وسلم اعتدالاً وليونة، وإلا .. زاد أو نقص.
(و) أن (لايتكلم في جميع وضوئه) بغير ذكرٍ؛ لأنه تشاغل عن العبادة (إلا لمصلحة) كأمر بمعروف وتعليم جاهلٍ .. فيسن، وقد يجب، كأن رأى أعمى يقع ببئر.
(و) أن (لا يلطم) -بكسر الطاء- (وجهه بالماء) ويقتصد في الماء، ويتوقى الرشاش، ويشرب من فضل طهوره؛ لخبر: "إن فيه شفاءً من كل داء" ويرش إزاره إن توهم مقذراً له، قال (سم): (هل يسنان ولو من مسبل؟) اهـ
ويظهر المنع؛ لأن ذلك غير الطهارة الموقوف لها المسبل، إلا أن يقال: يغتفر في الشيء تبعاً ما لا يغتفر فيه مقصوداً.
(و) أن (لا يمسح الرقبة) قال النووي: (لأن خبر: "إنه أمان من الغل" موضوع أو شديد الضعف، فلا يعمل به).
قال الكردي: لكن كلام المحدثين يشير إلى أن له طرقاً يرتقي بها إلى درجة الحسن، وإذا قلنا: إنه سنة .. فيمسحها ولو ببلل الرأس.
وقال الفاكهي في "شرح البداية": (وفيه حديث آخر مرفوع صححه الروياني وهو: "من توضأ ومسح عنقه .. وقي الغل يوم القيامة" اهـ
(و) أن (يقول بعده) -أي: الوضوء- قبل طول الفصل عرفاً، والأكمل قبل أن يتكلم بأجنبي: (أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله)؛ لخبر: "أن من قال: ذلك فتحت له أبوب الجنة الثمانية، يدخل من أيها شاء".
(اللهم اجعلني من التوابين، واجعلني من المتطهرين) رواه الترمذي، وزاد الغزالي: "واجعلني من عبادك الصالحين".
(سبحانك اللهم) أي: تننزيهاً لك يا الله عما لا يليق بك (وبحمدك) أي: وبحمدك سبحتك.
(أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك)؛ لخبر "من توضأ، ثم قال: سبحانك اللهم ... إلخ .. كتب برق، ثم طبع بطابع، فلم يكسر إلى يوم القيامة" أي: لم يتطرق إليه إبطال حتى يرى ثوابه العظيم، بأن يصون صاحبه عن تعاطي مبطل له، كالردة.
ويأتي بجميع ذلك ثلاثاً، مستقبل القبلة، رافعاً يديه وبصره إلى السماء ولو نحو أعمى، ثم يصلي ويسلم على النبي صلى الله عليه وسلم، ثم يسمح وجهه بيديه، ويقرأ: (إنا أنزلنهُ) ثلاثاً بلا رفع، وآية الكرسي، ولو سمع المؤذن مع فراغه وضوئه .. قدم أذكاره، ثم أجاب المؤذن.
تنبيه: (أستغفرك) بمعنى: أطلب منك المغفرة، أي: ستر ما ظهر من نقص، وهي لا تستلزم سبق النقص.
وظاهر كلامهم ندب وأتوب إليك ولو لغير تائب، واستشكل بأنه كذب، وأجيب بأنه إنشاء في المعنى، أي: أسالك التوبة، أو معناه: أنا في صورة التائب، ويأتي هذان الجوابان فيما هو في معنى ذلك، كوجهت وجهي، وخشع سمعي.
(ولا بأس بالدعاء عند الأعضاء) أي: إنه وإن ورد من طرق .. فهي شديدة الضعف، لا تثبت بها سنيته من حيث إنه وارد وإن كان الدعاء في نفسه، وإن لم يكن بالوارد سنة، لكن رجح في "الأسنى"، و"الشهاب الرملي": أنه يعمل به في فضائل الأعمال، فهو سنة، واستوجه استحبابه أيضاً في الغسل والتيمم، وهو مذكور في المطولات.
ويسن بعده ركعتان، بحيث ينسبان إليه عرفاً، ويفوتان بطول الفصل، وقيل: بالإعراض، وقيل: بجفاف الأعضاء، وقيل: بالحدث، ويقرأ فيهما بعد الفاتحة: (وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ) [النساء:64] الآية، (وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرْ اللَّهَ يَجِدْ اللَّهَ غَفُوراً رَحِيماً) [النساء:110].
(فصل: يكره الإسراف فيه) أي: الوضوء (بالصب) بخلاف الغمس؛ إذ لا إتلاف فيه، وذلك بأن يأخذ للعضو أكثر مما يكفي في واجبه ومسنونه ولو على الشط.
(وتخليل اللحية للمحرم)؛ لئلا يسقط منها شعر، وقال (حج): (يسن تخليلها برفق).
(والزيادة على الثلاث) المحققة بنية الوضوء من غير مسبل، أما من المسبل .. فتحرم، وكذا حيث كان ثم محتاج إلى الماء لشرب أو طهر، لكن قال العلقمي: (محل حرمة الزيادة إذا كانت من نحو حنفية، فلا تحرم من نحو الفساقي؛ لعود الماء إليها) اهـ
ورده (ب ج) في "حاشيته على الإقناع" بأنه غير مأذون فيه.
وقال أبو رجاء: (ليس للمتوضىء رد ماء المضمضة إلى الفساقي؛ لأنه مستقذر).
وكما تكره الزيادة على الثلاث يكره النقص عنها؛ لأنه صلى الله عليه وسلم (توضأ ثلاثاً ثلاثاً، ثم قال: "هكذا الوضوء، فمن زاد أو نقص .. فقد أساء وظلم") أي: أخطأ السنة في الأمرين، وعطف الظلم: تفسير، وقد يطلق الظلم على غير المحرم؛ لأنه وضع الشيء في غير محله، أو مجاوزة الحد.
(والاستعانة بمن يغسل أعضاءه إلا لعذر) كما مر وأن يتوضأ ولو غير جنب في ماء راكد ما لم يستبحر، والطهارة مما أختلف في طهوريته، أو من فضل امرأة، أو إناء نحاس على ما مر أو بترك التيامن، أو سنة مؤكدة.
(فصل) في شروط الوضوء،
وبعضها -وهو الإسلام والتمييز وعدم الصارف وعدم التعليق وعدم المنافي ومعرفة الكيفية- شروط للنية، لكنها لما كانت من أركان الوضوء .. أدخلوا شروطها في شروطه، وسيأتي تعريف الشرط والركن.
(شروط الوضوء والغسل: الإسلام، والتمييز)؛ لأنهما عبادة، والكافر وغير
المميز ليسا من أهلها، ومر صحة غُسل الكافرة، لتحل من حيضها فقط، حتى لو أسلمت .. وجب إعادته، وصحة طهر صبي؛ لطواف، وهذان شرطان لكل عبادة كمعرفة الكيفية.
(والنقاء عن الحيض، والنفاس)؛ لمنافاتهما لذلك.
نعم؛ تصح، بل تسن لهما أغسال الحج ونحوها، وهذا شرط لكل عبادة تفتقر للطهارة، ولو قال: وعدم مناف كحيض .. لكان أعم؛ ليدخل نحو البول، إذ لا يصح معه الوضوء.
(و) النقاء (عما يمنع وصول الماء إلى البشرة) كدهن جامد لا مائع وإن لم يثبت عليه الماء، وكوسخ تحت الأظفار من غير عرق، وكغبار على البدن لم يصر كجزء منه.
ولا يضر خضاب وإن ستر لون البشرة، وفي عد هذا شرطاً مسامحة؛ لأنه من جملة الركن الذي هو غسل جميع العضو.
(والعلم) بكيفيته بأن يعلم (بفرضيته، وأن لا يعتقد فرضاً من فروضه سنة) وسيأتي تحقيقه في شروط الصلاة.
(والماء الطهور) أصالة وإن ظن نجاسته عند عدم الاشتباه، أو ظناً عند الاشتباه، فلو تطهر بماء لم يظن طهارته .. صح عند عدم الاشتباه.
وبقي من شروطهما: إزالة النجاسة العينية، أما الحكمية .. فيكفى لها وللحدث غسلة واحدة.
وأن لا يكون على العضو ما يغير الماء على الأصح، (وجري الماء على) جميع (العضو)، وتحقق المقتضي إن بان الحال، وإلا .. فطهر الاحتياط -بأن تيقن الطهر وشك في الحدث، فتوضأ من غير ناقض- صحيح إن لم يبن حدثه، والأولى أن ينقض طهره، ويتوضأ.
وإنما صح وضوء من شك في طهره بعد أن تيقن حدثه؛ لأن الأصل بقاء الحدث، وعدم الصارف، ويعبر عنه بدوام النية حكماً، فلو قطعها أثناء وضوئه .. احتاج لباقي أعضائه إلى نية جديدة.
وأن لا يعلق النية، فلو قال: نويت الوضوء إن شاء الله .. لم يصح إلا إن نوى التبرك.
(ودخول الوقت) يقيناً أو ظناً، وتقديم استنجاء وتحفظ، (والولاء) بينهما، وبينهما وبين الوضوء وبين أفعاله، وبينه وبين الصلاة (لدائم الحدث) الأصغر أو الأكبر.
(فصل) في المسح على الخفين،
وأحاديثه كثيرة، بل صرح جمع من الحفاظ بتواترها، وعن الحسن قال: (حدثني سبعون من الصحابة بالمسح على الخفين)، واختلف في كفر منكره، وهو من خصائصنا.
(ويجوز المسح على الخفين بدلاً عن غسل الرجلين في الوضوء) قال (ق ل): (أي: كاف عن غسلهما؛ لأنه أصل كما في خصال الكفارة، وليس المراد حقيقة البدلية المتوقفة على تعذر الأصل) اهـ
لكن غسلهما أفضل.
وقد يسن المسح، كما إذا تركه؛ لثقله عليه لعدم إلفه له، لا لإيثاره الغسل الأفضل، أو كان ممن يقتدى به، أو خاف فوت جماعة لو لم يسمح، وكذا بقية الرخص.
وقد يجب إذا توقف عليه إدراك واجب، كالوقوف بعرفة أو وقت صلاة فرض أو إنقاذ غريق.
وخرج بـ (الرجلين) مسح خف واحدة وغسل الأخرى.
وبـ (الوضوء): الغسل، وإزالة النجاسة.
(وشرط جواز المسح) على كل من الخفين:
(أن يلبسه على طهارة) من وضوء أو غسل أو تيمم لغير فقد ماء (كاملة) بأن لا يبقى من بدنه لمعة بلا طهارة، فلو غسل رجلاً ولبس خفها، ثم الأخرى ولبس خفها .. نزع الأولى ثم ردها إن أراد المسح.
(وأن يكون الخف) ولو بعد اللبس وقبل الحدث عند (حج) (طاهراً) ولو حراماً، كمغصوب وذهب، لا نجس العين، ولا متنجس بما لا يعفى عنه، أما المتنجس بمعفو عنه .. فيصح المسح على محل طاهر منه وإن اختلط بالنجاسة ماء المسح بعد بلا قصد.
وأن يكون (قوياً يمكن متابعة المشي عليه) بلا نعل ولو لمقعد في التردد (للمسافر) سفر قصر (في الحاجة) عند حط وترحال وغيرهما مما جرت العادة به ثلاثة أيام بلياليها، ولمقيم ومسافر سفر غير قصر يوماً وليلة في حاجات إقامته، وقيل: حاجات سفره.
وأن يكون (ساتراً لمحل الغسل) الواجب في غسل الرجل وهو القدم بكعبيه.
ويشترط فيه: الستر من الجوانب (لا من أعلى) عكس ستر العورة؛ إذ الخف يلبس من أسفل ويتخذ لستره، بخلاف القميص ونحوه، ولكون السراويل من جنس ساتر العورة .. ألحق بها وإن كان يلبس من أسفل.
وأن يكون (مانعاً نفوذ الماء) لو صب عليه، لكن المعتبر منعه (من غير) مواضع (الخرز).
(و) يشترط لجواز المسح لمدة ثانية: (أن ينزعه المقيم) ونحوه (بعد يوم وليلة، والمسافر سفر قصر بعد ثلاثة أيام بلياليها، وابتداء المدة) فيهما (من) نهاية (الحدث بعد لبس)؛ إذ وقت المسح يدخل به، فاعتبرت مدته منه.
(فإن مسح) خفيه (حضراً) أو نحوه (ثم سافر أو عكس) بأن مسح سفراً ثم أقام ( .. أتم مسح مقيم) إن أقام قبل تمامها؛ تغليباً للحضر؛ لأنه الأصل، وإلا .. انتهت مدته بمجرد إقامته، وأجزأه ما صلاه فيما مضى بالمسح وإن زاد على مدة مقيم؛ إذ الإقامة إنما تؤثر في المستقبل.
ويشترط أيضاً: أن لا يحصل له حدث أكبر، وإلا .. لزمه النزع وإن أمكنه غسل رجليه في ساق الخف.
وأن لا تنحل العرى وإن لم يظهر شيء من محل الفرض؛ لأنه يخرج بانحلالها عن كونه خفاً، ثم إن كان بطهارة المسح .. غسل رجليه فقط، وإلا .. فالجميع.
(ويسن مسح أعلاه وأسفله وعقبه) وحروفه وكونه (خطوطاً) بأن يضع يسراه تحت عقبه، ويمناه على ظهر الأصابع، ثم يمر مفرجاً أصابعه هذه إلى آخر ساقه، وتلك إلى أطراف أصابعه.
ويسن أن لا يزيد في مسحه على (مرة)؛ لما مر أن تثليثه خلاف الأولى.
(والواجب: مسح أدنى شيء من ظاهر أعلاه) فلا يجزىء على باطنه، ولا الاقتصار على عقبه أو حروفه أو أسفله؛ لعدم وروده.
(فصل: نواقض) أي: الأسباب التي ينتهي بكل منها (الوضوء) لو كان، أو التي شأنها ذلك (أربعة) فقط، وقدم هذا الفصل جمع؛ ليعرف ما يتوضأ منه، وأخره آخرون ومنهم المصنف؛ ليعرف ما يبطل بتلك الأسباب.
والحدث: أكبر -وسيأتي- وأصغر، وهو المراد عند الإطلاق، أي: في عبارة الفقهاء.
أما الناوي: فيحمل إطلاقه له على الحدث القائم به.
ويطلق شرعاً -كالأكبر- على الأسباب، وعلى أمر اعتباري يقوم بأعضاء الوضوء، يمنع صحة الصلاة حيث لا مرخص، وهو في الرأس قائم بجزء مبهم، ويتعين بالمسح، وعلى المنع من الصلاة ونحوها.
(الأول) من الأربعة: خروج (الخارج) يقيناً (من أحد السبيلين) -أي: القبل والدبر- من حي واضح وإن تعدد مخرج كل منهما، أو تعدد كل منهما، كأن وجد له دبران أصليان، أو أحدهما أصلي واشتبه.
والأصح: أن أصالة الذكر منوطة بالبول لا بالوطء، فينقض الخارج المذكور بأي صفة كان ولو نحو عود، ولا ينقض إدخاله، ولذا جاز -قبل خروجه- مس مصحف، لا نحو صلاة؛ لحمله متصلاً بنجس، ودودة أخرجت رأسها وإن رجعت، وريح ولو من
قبل، ودم باسور داخل الدبر، ورطوبة فرج أنثى خرجت إلى ما يجب غسله، ومقعدة مزحور ولو توضأ ثم أدخلها .. لم ينقض، وإن اتكأ عليها بنحو قطنة حتى دخلت وإن انفصل شيء منها؛ لخروجه منها، وهي من خارج، وذلك للنص في الغائط والبول والمذي والريح، وقيس بها كل خارج.
(إلا المني) أي: مني الشخص نفسه وحده الخارج أول مرة، فلا ينقض كأن احتلم متوضئ وهو قاعد ممكن؛ لأنه أوجب أعظم الأمرين، وهو الغسل بخصوص كونه منياً، فلم يوجب أدونهما، وهو الوضوء بعموم كونه خارجاً، وإنما أوجبهما الحيض والنفاس؛ لغلظهما، أما لو خرج منه مني غيره ولو مع منيه، أو مني نفسه وحده ثانياً .. فينتقض الوضوء، ولو رأى بللاً على ذكره .. لم ينتقض وضوءه إن احتمل طرؤه من خارج، ولو ألقت ولداً جافاً، أو مضغة جافة .. انتقض وضوءها عند (حج)؛ لأن بعض ذلك من مني الرجل، وخروج مني الغير ينقض، وقال (م ر): (لا ينقض؛ لأنه قد استحال إلى الحيوانية).
(الثاني: زوال العقل) يقيناً، أي: الغلبة عليه -بما يأتي- أو أن المراد زوال التمييز إما بارتفاع العقل (بجنون) وهو مرض يزيل الشعور من القلب مع بقاء القوة والحركة في الأعضاء، ولا يجوز على الأنبياء.
وإما بانغماره بنحو صرع (أو سكر أو إغماء) ولو ممكناً.
(أو) باستتاره (بنوم)؛ لخبر: "من نام .. فليتوضأ" وألحق به ما قبله؛ لأنه أبلغ.
و (الإغماء): مرض يزيل الشعور من القلب مع فتور الأعضاء.
و (السكر): خبل في العقل مع طرب واختلال نطق.
و (النوم): استرخاء أعصاب الدماغ بسبب رطوبة الأبخرة الصاعدة من المعدة، ولا نقض بنوم الأنبياء؛ إذ قلوبهم لا تنام، ولا بإغمائهم، لأنه يخل بحواسهم الظاهرة دون الباطنة.
(إلا النوم) من المتوضئ (قاعداً ممكناً مقعده) من مقره، كأرض وظهر دابة ولو سائرة ولو محتبياً وإن طال، ولو في الصلاة؛ للأمن حينئذ من خروج شيء.
و (التمكين): أن لا يكون بين بعض مقعده ومقره تجاف، ولا عبرة باحتمال خروج ريح من القبل؛ لندرته، حتى لو كثر من شخص .. فلا ينتقض وضوءه بنومه ممكناً ولم يتيقن خروج شيء؛ وذلك لأن الصحابة رضي الله عنهم كانوا ينامون وهم منتظرون العشاء حتى تخفق رؤوسهم الأرض، ثم يصلون من غير أن يتوضؤوا وحمل على أنهم ينامون ممكنين، وأنهم انتبهوا قبل زوال تمكينهم.
ولا تمكين لقاعد هزيل بحيث يبقى بين بعض مقعده ومقره تجاف، ولا لمن نام على قفاه ملصقاً مقعده بمقره، ولا نقض بالشك في حصول ناقض، ولا بالنعاس، ولا حديث النفس، فلو شك هل نام أو نعس؟ أو هل نام ممكناً أو لا؟ أو هل زالت إحدى أليتيه قبل يقظته أو بعدها؟ أو أن ما رآه رؤيا أو حديث نفس؟ .. فلا نقض.
وعلامة النعاس سماع كلام الحاضرين ولم يفهمه، فإن لم يسمعه .. فهو نوم، وعلامته الرؤيا.
ولو نام غير ممكن، فأخبره معصوم أنه لم يخرج منه شيء .. انتقض وضوءه، خلافاً لـ"الإمداد"؛ لأن النوم حينئذ ناقض، أو نام ممكناً فأخبره عدلٌ بخروج شيء منه .. انتقض عند (حج).
(الثالث:) تيقن (التقاء بشرتي الرجل والمرأة) أي: الذكر والأنثى.
الواضح: كل منهما المشتهى لذوي الطباع السليمة، ولو صبياً وممسوحاً، أو عنيناً أو صبية أو مكرهاً أو ميتاً، لكن لا ينقض الميت، أو بعضو أشل أو زائد ولو جنياً عند (م ر)، أو كان ذلك التلاقي بإخبار عدل عند (حج)؛ وذلك لآية (أَوْ لامَسْتُمْ النِّسَاءَ) [النساء:43] أي: لمستم، كما في قراءة.
و (اللمس): الجس باليد وغيرها، والمعنى في النقض به أنه مظنة التلذذ المثير للشهوة التي لا تليق بالمتطهر.
و (البشرة): ظاهر الجلد، وألحق بها نحو لحم الأسنان واللسان، وكذا باطن عين وكل عظم ظهر عند (م ر)، وقال الشرقاوي: (وكذا باطن أنف).
وخرج بما ذكر: التقاء بشرتي ذكرين وإن كان أحدهما أمرد حسناً، أو أثنين، أو خنثى وغيره، أو ذكر وأنثى بحائل وإن رق ولو بشهوة.
(وينتقض) وضوء (اللامس والملموس)؛ لاشتراكهما في مظنة اللذة، كاشتراكهما في لذة الجماع.
(ولا ينقض صغير أو صغيرة) كل منهما (لا يشتهي) غالباً لذوي الطباع السليمة، ولا يتقيد بسبع سنين؛ لاختلاف ذلك باختلاف الصغار.
(و) لا (شعر وسن وظفر و) لا ينقض (محرم بنسب أو رضاع أو مصاهرة)؛ لانتقاء مظنة الشهوة في جميع ذلك، وخرج بـ (المحرم): المحرمة لاختلاف دين كمجوسية، أو لعان، أو وطء شبهة كأم الموطوءة بشبهة وبنتها، وزوجات الأنبياء؛ إذ تحريمهن ليس لذلك، وبـ (تيقن التقاء البشرتين) الشك فيه، فلا نقض به، وكذا لا نقض بلمس من شك في محرميتها، ولا بلمس أجنبيات اشتبهت محرمه بهن وإن تزوج منهن، حيث لم يلمس منهن أكثر من عدة محارمه، ولا بلمس مجهولة نسب تزوجها، ثم استلحقها أبوه ولم يصدقه، فيستمر نكاحها مع ثبوت أخوتها له وعدم نقضها عليه، والبعض لا ينقض إلا إن أطلق عليه الاسم عند (م ر).
وقال (حج): لا ينقض إلا إن كان فوق النصف.
(الرابع: مس) واضح أو خنثى جزءاً من (قبل الآدمي) الواضح، ومنه القلفة.
(و) مس (حلقة دبره) أي: جزء منها من حي أو ميت صغير أو كبير؛ ذكر أو أنثى، من نفسه أو غيره ولو أشل، أو زائداً عاملاً، أو على سنن الأصلي أو مشتبهاً به؛ لخبر: "من مس ذكره، وفي رواية: ذكراً .. فليتوضأ"، والناقض من الدبر ملتقى المنفذ، ومن قبل المرأة متلقى شفريها على المنفذ فقط عند (حج).
وإنما ينقض ذلك (بباطن الكف) الأصلية ولو شلاء ذلك لخبر: "إذا أفضى أحدكم بيده إلى فرجه، وليس بينهما ستر ولا حجاب .. فليتوضأ"، والإفضاء باليد: المس بباطن الكف، فيتقيد به إطلاق المس في بقية الأخبار؛ ولأنه هو مظنة التلذذ، وهو الراحة وبطون الأصابع.
(ولا ينتقض) وضوء (الممسوس)؛ إذ لا هتك منه، قال في "الأسنى": (بخلاف
الملموس؛ لأن الشرع ورد بالمس، والممسوس لم يمس، وبالملامسة وهي: مفاعلة تقتضي المشاركة إلا ما خرج بدليل.
(وينقض فرج الميت والصغير)؛ لشمول الاسم له (ومحل الجب) كله لا الثقبة فقط؛ لأنه أصل الذكر، وكذا ما نبت فيه من نحو سلعة لا شعر.
(والذكر المقطوع) وكذا بعضه إن بقي اسمه إلا ما انقطع في الختان؛ إذ لا يقع عليه اسم الذكر.
(ولا ينقض فرج البهيمة) من جميع الحيوانات غير الآدمي؛ إذ لا يشتهي طبعاً، ولذا حل نظره، وانتقى الحد به.
(ولا المس برؤوس الأصابع وما بينها) وحروفها وحرف الكف؛ لأنها خارجة عن سمت الكف.
نعم؛ المنحرف الذي يلي بطن الكف من حرفه ورؤوسها، وهو ما بعد موضع الاستواء منها ينقض.
تنبيه: يخالف المس اللمس: أن اللمس لا يكون ألا بين شخصين، وبين ذكر وأنثى، وبجميع البدن، وينتقض به اللامس والملموس، ولا يكون محرمية ولا صغر، والمس يخالفه فيما ذكر.
(فصل: يحرم بالحدث) الأصغر ولأكبر، وإن كان الأصغر هو المراد في إطلاق الأئمة غالباً، فإن أرادوا الأكبر .. قيدوه به، أما الناوي .. فإذا أطلقه .. انصرف إلى حدثه الذي عليه؛ نظراً إلى أن الحالة أو الهيئة يقيدان الإطلاق به، وأن رفع الماهية يستلزم رفع كل جزء من أجزائها.
(الصلاة) فتحرم على غير دائم الحدث، وفاقد الطهورين ولو نفلاً، وصلاة جنازة (ونحوها) كسجدة تلاوة وشكر وخطبة الجمعة.
(والطواف)؛ لخبر: "الطواف بمنزلة الصلاة إلا أن الله قد أحل فيه النطق".
(وحمل المصحف) بتثليث ميمه (ومس ورقه) وحواشيه لغير ضرورة، أما لها، كأن خاف عليه تنجيساً أو ضياعاً، وعجز عن الطهارة، واستيداعه مسلماً .. فيجوز؛ لخبر: "لا يمس القرآن إلا طاهر".
(و) كالمصحف (جلده) المتصل به، وكذا المنفصل عنه حتى تنقطع نسبته عنه بأن يتصل بغيره، أو يذهب بحرق، أو ضياع عند (م ر).
(وخريطته، وعلاقته، وصندوقه) المعدات له وحده (وهو فيه) أي: فيما ذكر من الخريطة وما بعدها، فإن لم تعد له وحده كالخزائن .. حرم مس المحاذي منها للمصحف فقط، أو لم يكن فيها .. لم يحرم حملها، ولا مسها.
ومن الصندوق بيت الربعة المعروف، فيحرم مسه وفيه شيء من الأجزاء، ولا يحرم مس الخشب الحامل لبيتها، ولا مس كرسي المصحف على ما نقل عن (سم) في "حاشية المنهاج".
(وما كتب لدراسة قرآن) ولو بعض آية مفهماً على ما يأتي (ولو) كان المكتوب منه، أو المس (بخرقة)؛ لشبهه بالمصحف.
ومنه: ما يكتب في الألواح ونحوها مما يكتب فيه عادة، فلو كبر كباب كبير وعمود .. جاز مس الخالي عن القرآن منه.
ولا يحرم مس ما محي بحيث لا يقرأ إلا بكبير مشقة، ويحرم محو ما كتب من القرآن بالريق؛ لأنه مستقذر، ووضعه على الأرض، وجعل نحو نقد في ورق فيه اسم الله أو قرآن، ووضعه عليه، وجعله وقاية كجلد ولو لما فيه علم أو قرآن عند (حج)، ومسه بمستقذر ولو ريقاً في نحو قلب ورقه وكتابته به.
وكره مسه بجزء طاهر من عضو متنجس، وقراءته بفم متنجس، ولبس ما كتب عليه، وأخذ الفأل منه.
وخرج بـ (ما كتب للدارسة): ما كتب لغيرها كالتمائم، وما على نحو النقد؛ إذ لم يكتب للدراسة، وهو لا يكون قرآناً إلا بقصده حال الكتابة، والعبرة بالكاتب لنفسه أو
تبرعاً، وإلا .. فبآمره أو مستأجره، وخرج بـ (المصحف) نحو التوراة ومنسوخ التلاوة.
(ويحل حمله في) أي مع (أمتعة) أو متاع وإن صغر جداً إن قصد المتاع وحده، وكذا إن قصدهما، خلافاً لـ"التحفة"، وكذا مع الإطلاق عند (م ر).
ولا يقصد المصحف وحده، فيحرم، ويحل حمل حامل المصحف عند (م ر) مطلقاً، وعند (حج) فيه التفصيل المذكور.
(و) في (تفسير) أكثر منه مع الكراهة؛ للخلاف فيهما، وكذا مع الشك في الأكثر أو المساواة عند (حج)، كالضبة والحرير، ويجري ذلك فيما لو شك هل قصد به الدراسة أو التبرك.
وليس من التفسير مصحف حشي من تفسير، كما في "حاشية الفتح" لـ (حج)، وخالفه (م ر)، وحيث كان التفسير أكثر لا يحرم مسه مطلقاً وقال (م ر): (العبرة في الحمل بالجميع، وفي المس بموضعه، فإن كان فيه التفسير أكثر .. حل، وإلا حرم).
(و) يحل (قلب ورقه بنحو عود) قال الكردي: (يظهر من كلامهم: أن الورقة المثبتة فيه لا يضر قلبها بنحو العود مطلقاً، وغير المثبتة لا يضر قلبها إلا إن انفصلت على العود عن المصحف).
(ولا يمنع الصبي المميز) ولو جنباً وحافظاً (من حمله ومسه للدراسة) وتعلمه فيه، ووسيلتهما كحمله للمكتب؛ لمشقة دوام طهره، أما غير المميز .. فيحرم تمكينه منه، وأما حمل المميز له لغير الدراسة ووسيلتها .. فحرام.
(ومن تيقن الطهارة وشك في الحدث، أو تيقن الحدث وشك في الطهارة .. بنى على يقينه) وهو الطهارة في الأولى، والحدث في الثانية، باعتبار الاستصحاب، فلا ينافي اجتماع الشك معه؛ وذلك لنهيه صلى الله عليه وسلم الشاك في الحدث عن أن يخرج من المسجد إلا أن يسمع صوتاً أو يجد ريحاً.
والمراد بـ (الشك) هما وفي معظم أبواب الفقه: التردد مع استواء أو رجحان، وقد
يفرقون، كما في القضاء بالعلم والأكل من مال الغير، وركوب البحر، فيصح مع ظن ثبوت الحق ورضا المالك وغلبة السلامة لا مع الشك، وكالطلاق يقع مع الظن لا الشك.
(فصل: يستحب الوضوء) لأمور، قال في "الرحيمية": (تبلغ: ثمانية وسبعين).
وذلك كخروج الدم السائل (من الفصد والحجامة والرعاف) وغيرها (والنعاس والنوم قاعداً ممكناً، والقيء، والقهقهة في الصلاة، وأكل ما مسته النار، ولحم الجزور، والشك في الحدث) ومس أمرد وصغيرة ومحرم، ونحو شعر وفرج بهيمة، ومس فرج آدمي بظهر الكف، وما بين الأصابع، ومس الأثنين؛ خروجاً من الخلاف في جميع ذلك.
(و) ويسن: أيضاً من (الغيبة والنميمة والكذب والشتم والكلام القبيح)؛ إذ الوضوء يكفر الخطايا (والغضب)؛ إذ الوضوء يطفئه (ولإرادة النوم) من طاهر أو جنب، ولليقظة (وقراءة القرآن) وتفسيره (والحديث والذكر) وسماعها (والجلوس في المسجد والمرور فيه، ودراسة العلم) الشرعي وآلته، وسماع ذلك، وكتابته وحمله؛ ليكون فيها على أكمل الأحوال؛ وتعظيماً لها (وزيارة القبور) ولو غير صالحين (ومن حمل الميت ومسه)؛ لاستقذاره، ولقول قديم إن مسه ينقض، ولجماع وإنشاد شعر محرم واستغراق ضحك، وخوف؛ لأنه يذهبه، وللرؤيا المشوشة، ولإزالة شارب وشعر، ولجنب أراد أكلاً أو نوماً أو جماعاً، وشرب لبن الإبل، وركوب بحر، وخطبة غير جمعة، وارتكاب
ذنب كنظر بشهوة، وللوقوف بعرفة، ولسعي، وأذان وإقامة، ولغسل، وللمعيان إذا أصاب بالعين وغيرها.
وينوي به في جميع ذلك رفع الحدث، أو فرض الوضوء، أو غيرهما من النيات المعتبرة في الوضوء، كما مر.
ولا يصح بنية السبب كنويت الوضوء؛ لقراءة القرآن عن قصد التعليق بها أو لا، بخلاف ما إذا لم يقصده إلا بعد ذكره الوضوء مثلاً؛ لصحة النية حينئذ، فلا يبطلها ما وقع بعد إلا في الوضوء للغسل، فيصح أن ينوي به سنة الغسل.
وإدامة الوضوء سنةٌ، ولها فوائد، منها: سعة الرزق، ومحبة الحفظة، والتحصن، والحفظ من المعاصي.
(فصل: يستحب لقاضي الحاجة بولاً أو غائطاً) ولو بمحل غير معد.
(أن يلبس نعليه، ويستر رأسه) ولو بكمه؛ للاتباع (ويأخذ أحجار الاستنجاء) وإن أراد الاستنجاء بالماء، إذ يسن الجمع بينهما؛ وذلك للأمر بذلك، وحذراً من انتشار النجاسة، ويندب إعداد الماء أيضاً.
(ويقدم يساره) أو بدلها (عند الدخول) ولو بغير معد؛ إذ يصير مستقذراً بإرادة قضائها فيه كالخلاء الجديد، وما له دهليز طويل يقدمها عند أوله وعند وصوله لمحل قضائها، وكالخلاء نحو سوق وصاغة، ولا يحرم دخولها إلا إن علم بمعصية فيها حين دخوله، ولم يحتج لدخولها.
(ويمناه عند الخروج) فاليسرى للمستقذر، واليمنى لما فيه تكرمة، وكذا ما لا تكرمه فيه عند (حج)، ولو انتقل من شريف إلى أشرف، أو من مستقذر إلى أقذر منه .. قدم اليمنى للأشرف واليسار للأقذر، أو من شريف أو خسيس لمثله .. تخير، والمحل الواحد لا تتفاوت بقاعه.
وقال السيد عمر البصري: (يقدم اليمنى للشريف، واليسرى للقذر؛ نظراً لمطلق الشرف والخسة، تساوياً في الشرف والخسة أم تفاوتاً) ولو جعل نحو مسجد محل معصية .. قدم فيه اليمنى عند (سم)، ونازعه الكردي بقول "الإيعاب": (وكالخلاء الحمام والسوق وإن كان محل عبادة كالمسعى).
(وكذا يفعل في الصحراء) فيقدم يساره لمكان قضاء حاجته، ويمناه عند انصرافه.
(و) يندب أيضاً: أن (لا يحمل) معظماً كقرآن، والحرمة فيه مع الحدث زائدة على الكراهة وكما علم عدم تبديله من التوراة، وكما كتب فيه (ذكر الله تعالى) أو اسم معظم ولو مشتركاً، كالرحيم إن قصد به المعظم، ومحمد صلى الله عليه وسلم، وسائر أسماء الأنبياء والملائكة، وفي إلحاق صلحاء الأمة بهم خلاف، وحمله المعظم المذكور مكروه وإن غيبه، بل اختار الأذرعي حرمة إدخال المصحف الخلاء.
(ويعتمد) ولو قائماً عند (حج) (على يساره) ويضع أطراف أصابع اليمنى بالأرض، ويرفع باقيها؛ لأن ذلك أسهل لخروج الخارج؛ إذ المعدة في الشق الأيسر، والمثانة لها ميل إليه، ولأنه المناسب في الاستقدار.
(ويبعد) إن سهل إلى أن لا يسمع لخارجه صوت، ولا يشم له ريح إن كان ثم غيره، بل يسن تغييب شخصه، فإن لم يبعد .. سن لهم الإبعاد عنه.
(ويستتر) عن الأعين بما طوله ثلثا ذراع في القاعد، وإلى السرة في القائم، وقد قرب منه ثلاثة أذرع فأقل، ولا بد هنا من كونه عريضاً يمنع رؤية عورته، بخلاف الساتر للقبلة في الصلاة، وكذا في قضاء الحاجة عند (حج).
نعم؛ إن كان بمحل مسقف، أو يمكن تسقيفه .. كفى الستر هنا بنحو جدار وإن بعد؛ إذ القصد هنا عدم رؤيته، بخلاف القبلة؛ لقصد تعظيمها وهو لا يحصل بذلك، ولو كان ثم من يحرم نظره لعورته ولم يظن غضه عنها .. وجب الستر ما لم يضطر، ولو تعارض الستر والإبعاد .. وجب الستر، أو الستر والاستقبال .. وجب الستر إن وجب.
(ولا يبول) ولا يتغوط (في ماء راكد) لم يستبحر؛ للنهي عنه (و) لا في (قليل جار) كالراكد، فإن فعل .. كره، وفي "المجموع": يحرم إن كان ينجسه؛ إذ فيه إتلاف عليه وعلى غيره، وإمكان طهره بالمكاثرة لا يدفع الإثم؛ إذ لا يحصل إلا بمشقة وقد لا يتيسر، وقد يوقع من لا يعلمه في استعماله فينجسه.
ويكره قضاء الحاجة ليلاً في الماء، كالاغتسال فيه ليلاً لما قيل: إنه مأوى الجن، والكلام في مباح، ومملوك له لم يتعين الطهر به، وإلا .. حرم ذلك فيه مطلقاً، لكن قال (ق ل) بجوازه في مستبحر بحيث لا تعافه نفس ألبتة ولو لغيره أو مسبلاً.
ويحرم الاستنجاء بجدار الغير، ويكره البول قرب الماء.
(ولا في جحر) وهو الثقب المستدير، وأراد به ما يشمل السرب، وهو المستطيل؛ للنهي عنه، ولأنه مأوى الجن، وقد يكون فيه حيوان فيؤذيه، أو يتأذى هو منه، فإن غلب على ظنه كونه فيه .. حرم، والكلام في غير معد -كما يأتي- ولا يكفي الإعداد بالقصد.
(ولا في طريق) مسلوك، وقيل: يحرم التغوط؛ لصحة النهي فيه.
نعم؛ المملوك للغير، والمسبل يحرمان فيه، ولا في مستحم لا منفذ له؛ لأنه يجلب الوسواس.
(ولا تحت شجرة مثمرة) أي شأنها ذلك ولو في غير وقت الثمر، ما لم يظن مجيء ما يطهر المحل قبل حصولها (يؤكل ثمرها) أو ينتفع به.
(ولا يتكلم) حال خروج الخارج ولو بغير ذكر؛ لنهي عنه، وكذا في حال غير خروجه مادام في المعد وإن دخله لغير قضاء الحاجة عند جمع، وإذا عطس .. حمد الله بقلبه فقط، كالمجامع والمؤذن، ويثاب عليه من حيث ما في قلبه من معنى الحمد الدال على تعظيم المولى.
(إلا لضرورة) كالتنبيه على ما يخشى من محذور .. فيجب، بل اختار الأذرعي: تحريم القراءة عليه.
(ولا يستنجي) في غير معد (بالماء في موضعه)؛ لئلا يصيبه الرشاش، وسن لمستنج بحجر أن يبادر به؛ لئلا يجف، بل قد تجب إذا وجبت الطهارة به؛ ولا ماء يكفيه لها مع الاستنجاء (ويستبرىء من البول) ندباً، وقيل: وجوباً إن ظن عوده بنحو تنحنح ونتر ذكر بلطف إلى أن يظن أنه لم يبق بمجرى الذكر ما يخاف خروجه، ويختلف باختلاف الناس، ولا يتقيد بسبعين خطوة، ولم يجب وإن كان ظاهر حديث: "تنزهوا من البول"؛ لأن الظاهر عدم عوده، ولأنه يمكنه إذا أحس به تلقيه بنحو حجر، ويجوز تجفيف بوله بيده عند (م ر).
(ويقول) ندباً (عند) إرادة (دخوله) للخلاء ولو لغير قضاء حاجة (باسم الله) أي: أتحصن (اللهم إني أعوذ بك من الخبث) -بضم الخاء والباء، وسكونها- جمع خبيث (والخبائث) جمع خبيثة.
(وعند خروجه) من بابه أو انصرافه إن لم يكن له باب: (غفرانك) أي: اغفر غفرانك، أو أسألك غفرانك (الحمد الله الذي أذهب عني الأذى، وعافاني)؛ للاتباع.
وحكمة ذلك: تسهيل الطعام، وتسهيل خروجه مع عدم قيامه بشكر ذلك كما ينبغي، ويكرر غفرانك مرتين أو ثلاثاً، ويزيد بعده ( ... ربنا وإليك المصير، الحمد الله الذي أذاقني لذته، وأبقى في قوته، ودفع عني أذاه).
(ولا يستقبل) عين (القبلة) ببول (ولا يستدبرها) بغائط في غير معد؛ فانه خلاف الأولى إن استتر بساتر، وهو للجالس قدر: ثلثي ذراع فأكثر، وقد قرب منه ثلاثة أذرع فأقل ولو بإرخاء ذيله وإن لم يكن له عرض عند (حج).
(ويحرم) الاستقبال والاستدبار (إن لم يكن بينه وبينها ساتر، أو) كان، لكنه (بعد عنه أكثر من ثلاثة أذرع) بذراع آدمي معتدل (أو) لم يبعد عنه ما ذكر، لكنه (كان أقل من ثلثي ذراع) وإن كان في مسقف؛ تعظيماً للكعبة (إلا في المواضع المعدة لذلك) .. فمباح الاستقبال والاستدبار مطلقاً، لكنهما خلاف الأفضل إن أمكن الميل عن القبلة بلا مشقة، وفيه ما بينته في "الأصل" هنا، وفي مكروهات الصلاة، وهذا التفصيل جمع به الشافعي رحمه الله بين الأحاديث المتعارضة.
ولو استقبلها وحول ذكره عنها وبال .. جاز، ولو اشتبهت القبلة ولا ساتر .. وجب الاجتهاد، وإلا .. ندب، ويأتي هنا جميع ما يأتي قبيل الصلاة المحرمة.
ومنه: حرمة التقليد لمن يمكنه الاجتهاد، ووجوب تعلم أدلة القبلة، وهذا كله حيث لم يغلبه الخارج أو يضره كتمه، وإلا .. جاز.
(ومن آدابه: أن لا يستقبل الشمس ولا القمر) ليلاً بلا ساتر ولو سحاباً؛ لأنهما من