من حيث ما تميزت به من اشتراط أمور لصحتها، وأخرى للزومها، وكيفية لأدائها، وتوابع لذلك.
وهي بإسكان الميم وتثليثها، والضم أفصح، وبالسكون فقط: اسم للأسبوع.
وسميت بذلك؛ لاجتماع الناس لها، أو لاجتماع آدم بحواء فيه، أو لأن الله جمع خلق آدم فيه، ويسمى في الجاهلية: يوم العروبة.
وهي فرض عين.
وروي أن يومها سيد الأيام وأعظمها.
وصحح ابن حبان خبر: "لا تطلع الشمس ولا تغرب على يوم أفضل من يوم الجمعة".
وفي خبر مسلم: "إنه خير يوم طلعت عليه الشمس".
وفي الخبر: "يعتق الله فيه ست مئة ألف عتيق من النار، من مات فيه .. كتب له أجر شهيد، ووقي فتنة القبر".
وهي من خواص هذه الأمة، وأفضل أيام الأسبوع، بل عند أحمد إنه أفضل من يوم عرفة، وفضَّل كثير من أصحابه ليلته على ليلة القدر.
والجديد: أن صلاتها مستقلة لا ظهر مقصورة؛ لأنه لا يغني عنها، ولقول عمر: (إنها تمام غير قصر على لسان نبيكم صلى الله عليه وسلم).
وهي: ركعتان، وهي كغيرها في الأركان والشروط والآداب.
ولكن إنما (تجب الجمعة على كل مكلف) أي: بالغ عاقل، وكذا متعد بمزيل عقله، وإن لم يكن مكلفاً .. فتلزمه كغيرها لزوم انعقاد سبب؛ إذ لا تصح منه فيقضيها عند إفاقته فوراً (حرٍّ، ذكرٍ، مقيم) بمحل الجمعة، أو بمحل يسمع النداء منه (بلا مرض، ونحوه مما تقدم) في أعذار الجمعة والجماعة.
فدخل في (مكلف حر ... إلخ) الأخير؛ إذ المعتمد أن المعتمد أن الإجارة غير عذر في
الجمعة، بخلاف جماعة غيرها إن طال زمنها على زمن الانفراد، ويفرق بأن الجماعة صفة تابعة وتتكرر، فاشترط لاغتفارها أن لا يطول زمنها على زمن الانفراد وإلا .. اكتفي لتفريغ الذمة بالصلاة فرادى، بخلاف الجمعة فلم تسقط وإن طال زمنها على زمن الانفراد، والكلام في الصحيحة.
أمَّا الفاسدة .. فتجب فيها الجماعة ما لم يضع يده على ما يتلف أو يفسد عمله فيه بحضوره الجمعة أو الجماعة، وإلا .. فلا تجب وإن أثم؛ وذلك للخبر الصحيح: "الجمعة حق واجب على كلّ مسلم في جماعة إلا أربعة: عبد مملوك، أو امرأة، أو صبي، أو مريض".
فلا جمعة على غير مكلف ومن أُلحق به كصبي ومجنون ومغمىً عليه، ولا على من فيه رق وإن قل، ولا على غير ذكر من امرأة أو خنثى، ولا على مسافر ولو سفراً قصيراً، ولا على من له عذر من أعذار الجمعة السابقة مما يمكن إتيانه هنا، كمرض يشق معه الحضور كمشقة المشي في المطر أو الوحل.
نعم؛ تسن لمريض أطاقها، ولعجوز مبتذلة، ولسيد قن أن يأذن له في حضورها، ويجب أمر الصبي بها كغيرها من مأمورات الشرع.
ومن العذر: إبرار قسم من حلف عليه أنه لا يخرج من بيته مثلاً خوفاً عليه، ومن حلف أنه لا يصلي خلف زيد فولي إمامة الجمعة، وقيل: يصلي خلفه ولا يحنث؛ لأنه مكره شرعاً، ولو اجتمع في الحبس أربعون .. لزمهم إقامتها فيه عند (م ر).
(وتجب) الجمعة على أعمى وجد قائداً ولو بأجرة فاضلة عما يعتبر في الفطرة، وإلا .. فلا وإن أحسن المشي بالعصا أو قرب منزله، ولم يخش ضرراً عند (حج)، وعلى زمن وجد مركباً لا يشق عليه ركوبه، و (على المريض، ونحوه) ممن عذر بمرخص في ترك الجماعة (إن حضر) محل إقامتها، أو قريباً منه مما لا يبقى معه مشقة في الحضور (وقت إقامتها) ولا يجوز له الانصراف إن لم يصل الظهر قبل حضوره؛ لزوال المشقة بحضوره، لكن لو انصرف .. لا يجب عليه العود.
نعم؛ إن كان هناك مشقة في عدم انصرافه لا تحتمل عادة، كمن به إسهال ظن انقطاعه، فحضر ثم عاد .. فله الانصراف وإن أحرم بها، حيث علم أنه إن استمر فيها .. جرى جوفه، بل يجب، وكذا إن زاد ضرره بتطويل الإمام.
(أو حضر في الوقت) أي: بعد الزوال (ولم يشق عليه الانتظار) بأن لم يزد ضرره بالانتظار، فلا يجوز له الانصراف؛ لأن المانع: مشقة الحضور وقد حضر، أمَّا إذا حضر قبل الوقت .. فله الانصراف وإن لم يتضرر بالانتظار، ولمن لا تلزمه الانصراف مطلقاً ما لم يحرم بها.
(و) كما تجب على أهل محل إقامتها تجب أيضاً (على) غيرهم من (من بلغه) نداء الجمعة، بحيث يعلم أن ما سمعه نداؤها وإن لم تبن له كلماته، وبحيث يكون معتدل السمع؛ لخبر: "الجمعة على من سمع النداء"، وهو ضعيف، ولكن له شاهد جيد، وهو خبر: "من سمع النداء، فلم يأته .. فلا صلاة له إلا من عذر"، أي: تجب على مقيم بمحل بحيث يبلغه ولو بالقوة، وهو واقف بطرف محلته الذي يلي (نداء) شخص (صيت) أي: عالي الصوت عرفاً، يؤذن كعادته في علو الصوت، وهو واقف بمستو ولو تقديراً (من طرف موضع الجمعة) الذي يلي السامع (مع سكون الريح) ولو تقديراً؛ لأنها تارة تعين على السمع، وتارة تمنعه.
(والصوتِ)؛ لأنه يمنع وصول النداء.
وتجب أيضاً على مسافر من محلها إلى المحل المذكور، وعلى العاصي بسفره.
وأفهم قولنا: بمستو ولو تقديراً: أنه لو علت قرية وسمعوا النداء، ولو استوت .. لم يسمعوا، أو انخفضت .. فلم يسمعوا، ولو استوت .. لسمعوا .. وجبت في الثانية دون الأولى؛ لتقدير الاستواء.
ولمن حضر صلاة عيد يومُه يوم جمعة الانصراف بعده قبل دخول وقتها، وعدم العود إليها وإن سمعوا النداء؛ تخفيفاً عليهم، فإن لم يحضروا العيد .. لزمتهم.
وهذا في محل لا يبلغ أهله أربعين كاملين، وإلا .. فتجب عليهم ببلدهم وإن لم تكن مصراً، ويحرم ذهابهم لها لبلدة أخرى.
و (لا) تجب (على مسافر سفراً مباحاً طويلاً أو قصيراً) إن فارق محل إقامته قبل الفجر.
(ويحرم على من لزمته) وإن لم تنعقد به، كمقيم غير متوطن (السفر بعد الفجر)
ولو قصيراً أو طاعةً؛ لأنها منسوبة إلى اليوم وإن كان وقتها بالزوال، ولذا دخل غسلها بالفجر، ولزم بعيد الدار السعي قبل وقتها من الفجر؛ ليدركها.
(إلا مع إمكانها) بأن يغلب على ظنه إدراكها (في طريقه)، أو مقصده؛ لحصول المقصود، وحينئذٍ فلا يحرم وإن تعطلت بلده عن الجمعة بأن كان تمام الأربعين فيها؛ لأنه تعطيل لحاجة .. فلا يضر، بخلاف ما لو عطل أربعون بلدهم عن الجمعة؛ لأنه لغير حاجة، ولو تبين خلاف ظنه أنه يدركها .. فلا إثم، لكن لو أمكنه العود وإدراكها .. وجب.
(أو توحش بتخلفه عن الرفقة) وإن لم يخف ضرراً.
وفي "التحفة" كـ"النهاية": أن مجرد الوحشة ليس بعذر.
ولو احتاج للسفر؛ لإدراك عرفة أو مال .. جاز ولو بعد الزوال، بل يجب لإنقاذ حيوان.
ويكره السفر ليلة الجمعة؛ لما روي بسند واهٍ: "من سافر ليلة الجمعة .. دعا عليه ملكاه".
(وتسن الجماعة في ظهر المعذورين) الذين ببلد الجمعة؛ لعموم الأدلة الطالبة للجماعة (ويخفونها) كأذانها ندباً (إن خفي العذر)؛ لئلا يتهموا بالرغبة عن صلاة الإمام، ولذا كره إظهارها، بخلاف من هم خارج البلد أو فيها وقد ظهر عذرهم، فيظهرونها ندباً.
ولو زال العذر أثناء الظهر قبل فوات الجمعة .. أجزأتهم.
ويسن لهم الجمعة (ومن صحت ظهره) ممن لا تلزمه الجمعة، كالصبي ( .. صحت جمعته) إجماعاً؛ لأنها أكمل في المعنى وإن كانت أقصر صورة، فإذا اجزأت الكاملين الذين لا عذر لهم .. فأصحاب الأعذار أولى.
قال (ق ل): قوله: صحت جمعته، أي: أجزأته عن ظهره؛ لأنها تسقط الظهر عن غير أهل الأعذار، فأهل الأعذار بالأولى.
والفرق بين الإجزاء والصحة أن الإجزاء يستلزم اسقاط القضاء، بخلاف الصحة.
(ومن وجبت عليه) الجمعة وإن لم تنعقد به ( .. لا يصح إحرامه بالظهر قبل سلام الإمام) من الجمعة يقيناً ولو بعد رفع رأسه من ركوع الثانية؛ للزومها له ما أمكن، كما
يأتي؛ إذ يمكن أن يشك الإمام في فعل ركن من الأولى، فيأتي بركعة ويدركها معه المأموم، فإن سلم إمامها قبل إحرامه بها .. لزمه فعل الظهر في وقته فوراً، ويكون حينئذٍ أداء على الأصح فيهما.
تنبيه: لو جرت عادة أربعين ببلد بعدم إقامة الجمعة .. قال (حج): لا يجوز لهم صلاة الظهر إلا بعد اليأس منها، بأن يضيق الوقت عن واجب الخطبتين والصلاة، واعتمد (م ر) جواز الظهر وإن لم يضق الوقت.
(ويندب للراجي زوال عذره) قبل فوات الجمعة، كقن يرجو العتق ومريض يرجو الشفاء، أي: يتوقعانه وإن لم يظناه (تأخير ظهره إلى اليأس من) إدراك (الجمعة) بأن يرفع الإمام رأسه من ركوع الثانية، أو يكون بمحل لا يصل منه لمحل الجمعة إلا وقد رفع الإمام رأسه منه، كما في "التحفة".
نعم؛ لو أخروا الجمعة إلى أن يبقى من الوقت قدر أربع ركعات .. لم يسن تأخير الظهر قطعاً، ولا يشكل بما لو أحرم بالظهر قبل سلام إمام الجمعة ولو احتمالاً، حيث لم يصح؛ لأن الجمعة في هذه لازمة، فلا ترتفع إلا بيقين، بخلافها في المعذورين.
أمَّا من لا يرجو زوال عذره كالمرأة والزمن .. فيسن له -حيث عزم أن لا يصلي الجمعة- تعجيل الظهر لأول وقتها؛ ليحوز فضله.
واعتمد (م ر) ندب التعجيل مطلقاً.
(فصل: للجمعة) أي: لصحتها (شروط زوائد) على شروط غيرها من بقية الصلاة.
(الأول:) أن تقع كلها مع خطبتيها في (وقت الظهر)؛ للاتباع، رواه البخاري، وعليه عمل الخلفاء الراشدين، وخبر الشيخين بـ (الانصراف منها، وليس للحيطان ظل يستظل به) لا ينافي ذلك؛ لأنه إنما يدل على شدة التعجيل، ومعه لم يحصل عند الانصراف منها ظل يستظل به، خصوصاً وبيوتهم غير مرتفعة.
وقال (حج)، و (م ر): (ولو أمر الإمام بالمبادرة بها أو عدمها .. وجب ما أمر به، قال السيد عمر البصري: يحتمل أن المراد بالمبادرة قبل الوقت، وبعدمها تأخيرها إلى وقت العصر، كما قال بكلٍّ بعض الائمة، ولا بعد فيه وإن لم يقلد؛ لأن حكم الحاكم يرفع الخلاف) اهـ
وبينت في "الأصل" أن هذا من أمر الحاكم لا من حكمه، وقد قالوا: العبرة بعقيدة المأمور لا الآمر.
ومنه: لو أمر الإمام بقتل الحر بالعبد وهو يرى ذلك والجلاد لا يراه، فقتله الجلاد بذلك الأمر بلا إكراه .. لزمه القصاص وحده، وغير ذلك.
(فلا) يجوز الشروع فيها مع الشك في بقاء وقتها، ولا تصح، ولا (تقضى جمعة)؛ لأنه لم ينقل، بل إذا فات الوقت .. يصلي الظهر قضاء عنه لا عنها، وكذا لا تقضى راتبتها (فلو ضاق الوقت) عن أن يسعها مع خطبتيها بأقل مجزئ، ولو بخبر عدل أو فاسق اعتقد صدقه، أو شكوا في بقائه ( .. أحرموا بالظهر) وجوباً؛ لفوات الوقت، ولو شك في بقائه - فنوى الجمعة إن بقي الوقت، وإلا .. فالظهر- فبان بقاؤه .. صح عند (م ر)، ولا يضر هذا التعليق؛ لاستناده إلى أصل بقاء الوقت، كما لو نوى صوم غد ليلة الثلاثين من رمضان إن كان منه.
ولو مد الركعة الأولى حتى لو يبق من الوقت ما يسع الثانية .. أثم، وانقلبت ظهراً من الآن عند (حج)، وعند خروج الوقت عند (م ر)، فعليه يجهر إلى خروجه؛ وذلك لأنهما صلاتا وقت واحد، فجاز بناء أطولهما على أقصرهما كصلاة الحضر مع السفر.
ولو خرج الوقت وهم فيها .. أتموا ظهراً وجوباً، ولا يشترط تجديد نيته.
ولو سلم بعض العدد في الوقت وبعضه خارجه جهلاً .. بطلت جمعة الكل، فيتمونها ظهراً إن قرب الفصل بين سلامهم وعودهم إلى الظهر، ولا يضر الشك في أثنائها في خروج الوقت؛ لأن الأصل بقاؤه.
ولو قام المسبوق ليكمل، فخرج الوقت .. انقلبت له ظهراً أيضاً.
(الثاني) من الشروط: (أن تقام في خِطة) -بكسر الخاء- محل الأبنية، وما بينها من كل محل معدود منه بأن لم يجز لمريد السفر القصر فيه، وإن لم يكن مسجداً، سواء كان ذلك من (بلد أو قرية) ولو مبنية من نحو خشب أو قصب أو سعف؛ للاتباع، ويشترط اجتماع الأبنية عرفاً.
وكالبلد والقرية بناء واحد يجتمع فيه العدد المعتبر، والسراديب والغيران بحيث تعد إقامتهم كالقرية الواحدة.
ولو تعددت مواضع متقاربة، وتميز كل باسمٍ .. فلكل حكمه إن عد مع ذلك كل قرية مستقلة عرفاً، وحريم القرية لا تجوز فيه الجمعة إلا تبعاً لأربعين في الخطة، وغير الحريم لا يجوز فيه إن جاز القصر فيه، وإلا .. جازت، قاله (ب ج).
وفي (حج): أنه لا يضر خروج من عدا الأربعين إلى محل القصر، وقد تجب إقامتها في غير أبنية كأن خربت قريتهم، فأقاموا لعمارتها، أو بقصد عدم التحول منها، ولو في غير مظال، بخلاف غير أهلها، أو بقصد التحول منها، وما لو نزل أربعون بمكان؛ ليعمروه قرية .. فلا تقام في جميع ذلك.
فعلم: أنه لا يشترط لها مسجد، بل تصح في الفضاء، ولا إذن إمام، لكن يشترط لتعددها.
وخرج بالأبنية: الخيم؛ لأنهم كالمستوفزين، ولأن قبائل العرب حول المدينة لم يؤمروا بها.
نعم؛ إن سمعوا النداء من قرية أو بلد .. لزمتهم، وكذا لو كانت الخيام في خلال الأبنية.
(الثالث) من الشروط: (أن لا يسبقها، ولا يقارنها جمعة في تلك البلد) مثلاً وإن عظمت وكثرت مساجدها؛ للاتباع (إلا لعسر الاجتماع) بأن لم يكن في محل الجمعة موضع يسعهم بلا مشقة ولو غير مسجد.
والعبرة بمن يغلب فعلهم لها عادة، كما في "التحفة"، و"النهاية"، و"المغني".
أو بمن تصح منه، من تلزمه ومن لا تلزمه، واعتمده جمع، وفيه فسحة عظيمة.
واعتمد (سم) في "حاشية التحفة": أن العبرة بمن يحضر بالفعل في تلك الجمعة.
قال في "الإيعاب": وهو القياس، فإن عسر اجتماعهم إمَّا لكثرتهم، أو لقتال بينهم، أو لبعد أطراف البلد، وحدُّه هنا: كما في الخارج عن البلد؛ أي: بأن لا يبلغهم النداء بشرطه المتقدم .. جاز التعدد بحسب الحاجة، وتبطل فيما زاد عليها.
ومن شك أنه من الأولين أو الآخرين، أو أن التعدد لحاجة، أو لا .. لزمته إعادة الجمعة إن أمكن، وإلا .. فالظهر.
أمَّا إذا سبقت واحدة مع عدم عسر الاجتماع .. فهي الصحيحة، وما بعدها باطل، وأمَّا إذا تقارنتا .. فهما باطلتان، والعبرة في السبق، والمقارنة بالراء من تكبيرة إحرام الإمام وإن تأخر إحرام العدد إلى ما بعد إحرام الأخرى، وإن علم سبق وأشكل الحال، أو علم السابق ثم نسي .. فالواجب الظهر على الجميع؛ لالتباس الصحيحة بالفاسدة.
وإن علمت المقارنة أو شك فيها، أو لم يعلم سبق ولا مقارنة .. أعيدت الجمعة إن اتسع الوقت؛ لعدم وقوع الجمعة مجزئة، فإن أيس من إعادتها .. صلى الظهر، واكتفى (م ر) باليأس العادي.
وقال (حج): لابد من الحقيقي كما مر.
والاحتياط للمصلي ببلد تعددت جمعته لحاجة، ولم يعلم سبق جمعته أن يعيدها ظهراً؛ خروجاً من خلاف من منع التعدد ولو لحاجة، وهو ظاهر النص، وألَّف فيه السبكي أربعة مصنفات، قال: وهو الصحيح مذهباً ودليلاً، وقول أكثر العلماء.
(الرابع) من الشروط: (الجماعة) في الركعة الأولى، فلو أحدث الإمام في الثانية أو فارقوه فيها .. لم يضر، ويتمونها فرادى.
أمَّا العدد .. فيشترط: بقاؤه إلى السلام، حتى لو أحدث واحد من الأربعين قبل سلامه ولو بعد سلام من عداه .. بطلت جمعة الجميع.
(وشرطها) أي: الجماعة فيها زيادة على شروط الجماعة في غيرها: (أربعون)؛ لأن هذا العدد فيه كمال، ولذا كان زمن بعث الأنبياء، وقدر ميقات موسى وغير ذلك، والجمعة ميقات المؤمنين، فاعتبر لها هذا العدد الكامل، حتى قيل: إنه لم يجتمع أربعون إلا وفيهم ولي لله، فلا بد فيها من أربعين ولو بالإمام؛ للإجماع على اشتراط العدد فيها، ولا مدخل للرأي فيه، فاشترط فيه توقيف؛ إذ الغالب على أحوالها التعبد.
وقد صح: أن أول جمعة صليت بالمدينة كانت أربعين، ولقول جابر: (مضت السنة: أن في كل ثلاثة إماماً، وفي كل أربعين جمعة)، وخبر: "لا جمعة إلا في أربعين"، وغير ذلك.
لكن قال بعضهم: لم يثبت في الجمعة حديث، لكن الخبر الصحيح، وهو "صلوا كما رأيتموني أصلي" قد يدل لذلك؛ إذ لم تثبت صلاته لها بأقل من ذلك.
وأمَّا خبر انفضاضهم فلم يبق إلا اثنا عشر .. فمحتمل لعودهم أو لمجيء غيرهم، فلم يصلح دليلاً لما دون الأربعين.
ولو صلاها شخص في قرية، أو صلى مريض الظهر، ثم حضر أحدهما محل جمعة .. حسب من الأربعين، وتكون الجمعة للمريض نفلاً مطلقاً كما رجحه (ب ج)، وقيل: الظهر نفلاً مطلقاً والجمعة الفرض.
ولا بد في كل من الأربعين في كونه: (مسلماً، ذكراَ، مكلفاً) أي: بالغاً عاقلاً (حراً) مميزاً؛ ليخرج السكران، بناء على أنه غير مكلف، فلا تلزم أضداد هؤلاء؛ لنقصهم كما قدمته، ولا تنعقد بهم كما ذكره هنا، فلا تكرار (متوطناً) بمحل إقامتها، فلا تنعقد بغير أهل محل إقامتها وإن لزمهم حضورها.
قال في "التحفة": (لأنه صلى الله عليه وسلم لم يقم الجمعة بعرفة في حجة الوداع مع عزمه على الإقامة أياماً وفيه نظر؛ لأنه كان مسافراً؛ إذ لم يقم بمحل أربعة أيام صحاح، وعرفة لا أبنية بها، فليست دار إقامة إلا أن يجاب بأنه لم يقم فيها الجمعة؛ لعدم أبنية ومستوطن) اهـ
قال السبكي: (لم يقم عندي دليل على عدم انعقادها بالمقيم غير المتوطن) اهـ
ومن توطن خارج السور .. لا تنعقد به الجمعة داخله، وعكسه؛ لأنه يجعلهما كبلدتين منفصلتين، كما في "التحفة"، وفي "الأصل" هنا ما له تعلق بذلك.
والمتوطن هنا من (لا يظعن) أي: يسافر عن محل إقامته شتاءً، ولا صيفاً (إلا لحاجة) كتجارة وزيارة، فلا تنعقد بمسافر ومقيم ناوٍ العودَ لبلده ولو بعد مدة طويلة، كالمتفقهة، ومتوطن خارج بلد الجمعة وإن لزمته.
وفي صحة تقدم إحرام من لا تنعقد بهم خلاف رجح في "الإيعاب" كـ"شرح المنهج" لزوم تأخرهم.
وفي "المغني"، و"النهاية" و"التحفة" عدم اللزوم.
(فإن نقصوا) عن العدد المعتبر بانفضاض أو غيره في الخطبة، أو بينها وبين الصلاة، أو (في) الركعة الأولى من (الصلاة .. بطلت) الخطبة في الأوليتين، والجمعة
في الثالثة (وصارت ظهراً) وإن أمكن استئنافها جمعة إلا إن تموا على الفور ممن سمع أركان الخطبتين .. فحينئذٍ يبني في الصور الثلاث على ما مضى إن أدركوا الفاتحة والركوع قبل ارتفاع الإمام عن أقله، كما في تباطئهم الآتي، أو أحرم قبل الانفضاض من كمل العدد به وإن لم يسمع الخطبة؛ لأنهم لما لحقوا والعدد تام .. صار حكمهم واحداً.
ثم إن أدرك الأوّلون الفاتحة .. لم يشترط تمكنهم منها؛ لأنهم تابعون لمن أدركها، وإلا .. اشترط أن يدركها هؤلاء مع الركوع قبل ارتفاع الإمام عن أقله.
ولو أحرم تسعة وثلاثون لاحقون بعد رفع الإمام من ركوع الأولى، ثم انفض الأربعون الذين أحرم بهم .. فالجمعة باقية وإن لم يدرك اللاحقون الركعة الأولى؛ لما مر.
ولا يضر تباطؤ المأمومين بالإحرام بعد إحرام الإمام بشرط أن يتمكنوا من الفاتحة والركوع قبل ارتفاع الإمام عن أقله، وإلا .. لم تصح.
ولو كان في الأربعين أمي قصر في التعلم .. لم تصح؛ لارتباط صحة صلاة بعضهم ببعض، فصار كاقتداء القارئ بالأمي.
وجرى في "التحفة" أخذاً من التعليل: أنه لا فرق بين أن يقصر، وأن لا، وأَنَّ الفرق بينهما غير قوي؛ لما تقرر من الارتباط.
ومنه يعلم: أنه لا بد من إغناء صلاة كل من الأربعين عن القضاء كما في (حج) و (م ر).
ولو جهلوا الخطبة كلهم .. لم تصح الجمعة.
(ويجوز كون إمامها عبداً أو مسافراً أو صبياً) أو محدثاً لم يبن حدثه إلا بعد الصلاة على ما في "الشرح"، وفي "فتاويه"، و (سم).
وإن بان في الصلاة.
ومثله ما لا يطلع عليه، كنجاسة خفية ونحوها، أو محرماً برباعية كالعصر.
(إن زاد على الأربعين) ولم يتحمل على أحد منهم الفاتحة، ولا أثر لحدثه؛ لأنه لا يمنع الجماعة، فإن لم يكن زائداً على الأربعين .. لم تنعقد؛ لانتفاء العدد المعتبر.
ومثله: لو بان كافراً أو امرأة، أو ذا نجاسة ظاهرة، ونحو ذلك مما يطلع عليه وإن زاد على الأربعين.
ولو بان حدث المأمومين، أو بعضهم بعد الصلاة .. صحت للإمام وللمتطهر منهم؛ تبعاً له وإن لم يبلغوا الأربعين.
واغتفر في حقه فوات العدد هنا، ولم يغتفر في تبين حدثه؛ لأنه -مع عذره لكون ذلك مما يخفى- متبوعٌ مستقل، كما اغتفر في حقه انعقاد صلاته جمعة قبل أن يحرموا خلفه.
وأمَّا تعليل "الشرح" بأنه لم يكلف العلم بطهارتهم .. فيقال بمثله في المأمومين لو بان حدثه، وهو غير صحيح.
تنبيه: الناس في الجمعة ستة أقسام:
من تلزمه وتنعقد به، وتصح منه، وهو من اجتمعت الشروط المذكورة فيه، ولا عذر له.
ومن لا تلزمه ولا تنعقد به، وتصح منه، وهو من فيه رق ومسافر وعبد وصبي وامرأة ومن لم يسمع النداء.
ومن لا تلزمه وتنعقد به، وهو من له عذر كمريض.
ومن تلزمه ولا تصح منه، وهو المرتد.
ومن لا تلزمه ولا تنعقد به، وهو الكافر الأصلي، وغير المميز.
ومن تلزمه وتصح منه ولا تنعقد به، وهو المقيم غير المتوطن، ومتوطن بمحل خارج بلد يسمع منه النداء.
(الخامس) من الشروط: (خطبتان قبل الصلاة)؛ للاتباع.
وأخرت خطبة نحو العيد؛ للاتباع أيضاً، ولأن هذه شرط للجمعة، وهو مقدم، بخلاف تلك فتكملة، فكانت الصلاة أهم منها.
(وفروضهما) من حيث الجميع ثمانية، ومن حيث المجموع (خمسة: حمد الله)؛ للاتباع، أي: الحمد، وما اشتق منه مع إضافته للجلالة، كالحمد لله، أو لله الحمد، أو أحمد الله، أو أنا حامد لله.
فلا يكفي نحو لا إله إلاَّ الله، خلافاً لمالك وأبي حنيفة، ولا الشكر لله، ولا الحمد للرحمن.
(والصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم) أي: مصدرها، وما اشتق منه، كاللهم صل، أو صلى الله، أو أصلي، أو نصلي، أو الصلاة والسلام على سيدنا محمد أو على محمد أو أحمد أو الرسول أو النبي أو الحاشر أو البشير أو نحو ذلك.
لا سلام الله على محمد، ولا رحم الله محمداً ولا صلى الله عليه.
(والوصية بالتقوى)، للاتباع، ولأنها المقصود الأعظم من الخطبة، فلا يكفي مجرد التحذير من الدنيا؛ لظهوره لكل أحد، بل لا بد من الحث على الطاعة والزجر عن المعصية، أو أحدهما ولو بغير لفظ الوصية؛ إذ الغرض منها الوعظ نحو احذروا عقاب الله أو النار، او أطيعوا الله.
(وتجب هذه الثلاثة في) كل من (الخطبتين)؛ اتباعاً للسلف والخلف، إذ كل واحدة مستقلة ومنفصلة عن الأخرى.
(الرابع: قراءة آية مفهمة) وإن تعلقت بحكم مسوخ، أو قصة، لا بعض آية وإن طال وأفهم عند (حج)؛ وذلك للاتباع.
ولو قرأ آية وعظ بقصد الوعظ والقراءة .. حصلت ركنية القراءة، وكذا إن أطلق، فإن قصد بها أحدهما .. حصل.
وتكفي الآية (في إحداهما) وقبلهما وبعدهما وبينهما؛ لثبوت أصل القراءة من غير تعين محلها، ويسن كونها في الأولى؛ لتكون في مقابلة الدعاء في الثانية، وخروجاً من خلاف من أوجبها فيها، وكونها في آخرها، بل تسن قراءة (ق) بكمالها بعد فراغ الأولى دائماً وإن لم يرض الحاضرون، ويحصل أصل السنة بقراءة بعضها، فإن تركها .. قرأ (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً) [الأحزاب:70].
(الخامس:) ما يقع عليه اسم (الدعاء للمؤمنين والمؤمنات) خصوصاً كالحاضرين، أو عموماً ولو لجميع المؤمنين ما لم يُرد جميعَ ذنوبهم، فيحرم؛ لما مر، وذلك لاتباع السلف والخلف، وذكر المؤمنات سنة، وإلا .. فيكفي المؤمنين، لأن المراد بهم الجنس الشامل للإناث، بل لو قصد به أربعين من الحاضرين .. كفى، ولا يكفى تخصيصه للغائبين وإن كثروا.
ومنه يعلم: أنه لا يحصل بالدعاء للصحابة، والولاة ركن الدعاء، ولا بأس بالدعاء للسلطان بعينه حيث لامجازفة في وصفه.
ويسن الدعاء لولاة المسلمين وجيوشهم، لاسيما ولاة الصحابة وولاة العدل، وذكر الولاة المخلطين بما فيهم من الخير مكروه، وبما ليس فيهم حرام إلا لخوف فتنة، فيستعمل التورية.
وصرح القاضي بأن الدعاء لولاة الأمر لا يقطع الولاء ما لم يقطع نظم الخطبة.
وفي (التوسط) بشرط أن لا يطيله إطالة تقطع المولاة، كما يفعله كثيرٌ من الخطباء الجهال.
(وشرطهما) أي: وشروط كل منهما:
(القيام) فيهما (لمن قدر) عليه بالمعنى السابق في قيام فرض الصلاة، فإن عجز عنه .. خطب جالساً، فإن عجز .. فمضطجعاً، والأولى أن يستخلف، ويجوز الاقتداء به وإن لم يتبين عذره؛ لأن الظاهر أنه معذور، فإن بانت قدرته على القيام .. لم يؤثر، كما لو بان الإمام الزائد على الأربعين محدثاً.
ولو علم بعضهم قدرته .. صحت جمعة الباقين إن تم بهم العدد.
(وكونهما) أي: أركانهما فقط (بالعربية) وإن كان الكل أعجميين؛ للاتباع.
نعم؛ إن لم يكن فيهم من يحسنها، ولم يمكن تعلمها قبل ضيق وقت .. خطب غير الآية واحد منهم بلسانهم.
أمَّا الآية .. فيأتي ما مر في الفاتحة فيها، وإن أمكن تعلمها .. وجب على كل منهم، فإن مضت مدة إمكان التعلم ولو لواحد ولم يتعلم .. عصوا كلهم، ولا جمعة، بل يصلون الظهر.
وفائدتها بالعربية مع عدم معرفتهم لها العلم بالوعظ في الجملة.
والواجب: سماعها لا معرفة معناها.
(و) كونهما (بعد الزوال)؛ للاتباع، ولو هجم وخطب فبان أنهما في الوقت .. صح عند (ع ش)، وقال (سم): لا تصح.
(والجلوس بينهما)؛ للاتباع، فلو تركه .. لم تصح ولو سهواً، خلافاً للأئمة الثلاثة، والجالس يفصل بسكتة ولا تجب لها نية، بل عدم الصارف، لكن تسن، ولو لم يجلس بينهما .. حسبتا واحدة.
وأقل الجلوس بينهما كونه (بقدر الطمأنينة) في الصلاة، وأكمله بقدر سورة (الإخلاص)، وأن يقرأها فيه.
(وإسماع العدد الذي تنعقد به) الجمعة لأركانها ولو بالقوة، بحيث يكون لو
أصغى .. لسمع عند (م ر)، فلا تصح مع الإسرار ولا مع صمم ولو لبعضهم، ولا مع لغط أو نوم يمنع سماع ركن.
ولا يشترط طهرهم ولا سترهم، ولا كونهم بمحل الصلاة، ولا داخل السور أو العمران، بخلاف الخطيب.
نعم؛ لا يضر عدم سماع الخطيب؛ لأنه يفهم ما يقول.
قال (سم): أي: يعلم ما يقوله من الألفاظ.
ولا يشترط الفهم كما مر، ولا سماع الأربعين غير الأركان.
وفي "التحرير": يشترط تقدم خطبتين ممن تصح الصلاة خلفه.
قال الشرقاوي: هذا يفيد كونه لا تلزمه الإعادة.
(والمولاة بينهما) أي: بين أركانهما (وبينهما وبين الصلاة) بأن لا يفصل طويلاً عرفاً بما لا تعلق له بهما.
قال في "التحفة": (ثم رأيت بعضهم فصل فيما إذا أطال القراءة بين أن يكون فيها وعظ فلا تقطع، وإلا .. فتقطع) اهـ
ومنه يؤخذ أن الزائد على الآية من القراءة ليس من الركن وهو قاعدة: ما يتجزأ كالركوع، إنَّ أقل مجزئ منه يقع واجباً، والزائد عليه سنة.
وحينئذٍ فما زاد على الواجب وطال الفصل به .. يقطع الموالاة، وبمثله يقال في الدعاء.
لا يقال: القراءة قيدوا الركن فيها بكونها بآية، ولم يقيدوا الدعاء بشيء، قلت: بل قيدوا الركن منه بما يقع عليه اسم الدعاء.
ومنه يعلم: أن طول الدعاء بما يقطع الموالاة يضر خصوصاً في الدعاء للصحابة وولاة الأمر؛ لأنه ليس من ركن الدعاء كما مر، وطول الفصل هنا قدر ركعتين بأقل مجزئ، كما في الموالاة بين صلاتي السفر.
(وطهارة الحدثين) الأصغر والأكبر، فإن سبقه .. تطهر واستأنف وإن قرب الفصل؛ لأن الخطبة تشبه الصلاة، أو نائبة عنها.
(وطهارة الخبث) الذي لا يعفى عنه في ثوب وبدن ومكان، وما يتصل بها بتفصيله في المصلي.
(والستر) للعورة وإن قلنا بالأصح إنها ليست بدلاً عن ركعتين؛ لأنه صلى الله عليه وسلم كان يصلي عقب الخطبة، فالظاهر أنه يخطب متطهراً مستوراً.
فالشروط المذكورة: ثمانية، ويزاد: كونهما ممن يصح الاقتداء به كما مر، وكونهما قبل الصلاة، وترتيب أركانهما الثلاثة الأول على ما اعتمده الرافعي، والمعتمد سنة.
(فصل): في بعض سنن الخطبة والجمعة.
(تسن) الخطبة (على منبر) ولو بمكة، خلافاً لمن قال: يخطب بباب الكعبة؛ للاتباع، ويسن وضعه يمين المحراب، أي: يمين المصلي فيه، وكان منبره عليه الصلاة والسلام ثلاث درج غير المسماة بالمستراح.
نعم؛ إن طال .. وقف على السابعة.
(فإن لم يتيسر) المنبر ( .. فعلى مرتفع)؛ لأنه أبلغ في الإعلام، فإنِ فقد .. استند إلى نحو خشبة.
(وأن يسلم) الخطيب (عند دخوله) المسجد على أهل كل صف، لكنه على من عند دخوله (و) من (عند طلوعه) المنبر آكد، ولا تندب له التحية إن قصد المنبر من حال دخوله، وإلا .. ندبت.
(و) أن يسلم أيضاً (إذا أقبل عليهم) بعد صعوده الدرجة التي تلي المستراح؛ لأنه استدبرهم في صعوده، فكأنه فارقهم.
قال (ب ج): (ويؤحذ منه: أنَّ من فارق غيره ثم عاد إليه سن له السلام عليه وإن قصرت المسافة جداً) اهـ قاله (ع ش).
وكون ما ذكر مفارقة فيه نظر، وأمَّا سنه .. فلا يبعد أنه خصوصية للخطيب؛ إذ من استدبر غيره في مكان واحد .. لا يعد مفارقاً له، وفي المرات كلها يلزم المأمومين الرد عليه على الكفاية.
وإنما ندب له استقبالهم مع أن فيه استدبار القبلة؛ لأنه اللائق بالخطاب، وأبلغ في قبول الوعظ.
ومن ثم كره خلافه إلا لمن بالمسجد الحرام؛ لأنه من ضرورة الاستدارة المندوبة في الصلاة.
(وأن يجلس) على المستراح (حالة الأذان)؛ ليستريح من تعب الصعود.
(وأن يقبل عليهم) بوجهه، ويرفع صوته زيادة على الواجب، ولا يعبث؛ للاتباع، وأن يؤذن بين يديه، ويسن اتخاذ المؤذن إلا لعذر وبفراغ الأذان يشرع في الخطبة، وهذا الأذان هو الذي كان في زمنه صلى الله عليه وسلم، وأبي بكر وعمر رضي الله عنهما، ثم لما كثر الناس في زمن عثمان رضي الله عنه .. أمر بالأذان الأوّل.
قال الشافعي: وتركه أحب إليَّ.
وفي "التحفة"، و"النهاية": إن قراءة المرقي آية (إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ) [الأحزاب:56] ثم الحديث، بدعة حسنة؛ إذ فيه ترغيب للصلاة عليه صلى الله عليه وسلم، وتحذير من الكلام، وكان صلى الله عليه وسسلم يأتي بالخبر المذكور في خطبه، وهو صحيح.
(وأن تكون) الخطبة (بليغة) اي: في غاية من الفصاحة، ورصانة السبك، وجزالة اللفظ؛ لأنه أوقع في القلوب، ومن لازم البلاغة رعاية ما يقتضيه الحال، ويحسن تضمينها آيات وأحاديث مناسبة؛ إذ الحق أن التضمين والاقتباس جائز منهما ولو في الشعر وإن غير نظمها، ولا محذور أن يراد بالقرآن غيره كـ (ادخلوها بسلام آمنين) لمن استأذنه في الدخول.
نعم؛ إن كان في ذلك مجون .. حرم، بل ربما يكون كفراً.
(و) أن تكون (مفهومة)؛ لأن الغريب الوحشي لا ينتفع به أكثر الناس.
قال علي كرم الله وجهه: (حدثوا الناس بما يعرفون، أتريدون أن يكذب الله ورسوله؟!).
(قصيرة) بالنسبة للصلاة؛ لخبر مسلم: "أطيلوا الصلاة، وأقصروا الخطبة"،
فتكون متوسطة، ولا يعارضه خبره: "إن صلاته صلى الله عليه وسلم كانت قصداً"؛ لأن الطول والقصر من الأمور النسبية.
فعلم: أنَّ سَنَّ قراءة (ق) في الأولى لاينافي كونها قصيرة.
قال الأذرعي: وحسن أن يختلف ذلك باختلاف الأحوال، فقد يقتضي الحال الإسهاب، كالحث على الجهاد إذا قرب العدو أو صال، وكالنهي عن محرم عم فيهم.
(وأن يعتمد) حال خطبته (على نحو عصاً) أو سيف أو قوس (بيساره)؛ للاتباع، وإشارة إلى أن هذا الدين قام بالسلاح (ويمناه بالمنبر) إن لم يكن به نحو عاج، او نحو ذرق طير؛ لاشتراط الطهارة فيها كالصلاة.
فإن لم يشغلها بذلك .. وضع اليمنى على اليسرى، أو أرسلهما إن أمن العبث، ولو شغل اليمنى بحرف المنبر وأرسل اليسرى .. فلا بأس.
ويسن التيامن في المنبر الواسع، وإن يختم الخطبة الثانية بقوله: أستغفر الله لي ولكم.
(و) أن (يبادر بالنزول) إذا فرغ من الخطبة؛ ليبلغ المحراب مع فراغ المؤذن من الإقامة؛ مبالغة في تحقيق الموالاة بين الخطبة والصلاة ما أمكن.
(ويكره) ما ابتدعه جهلة الخطباء، ومنه:
(التفاته) في الخطبة الثانية، والإشارة بيده أو غيرها، لكن استثنى في "الإيعاب" الإشارة بالسبابة للحاجة، كتنبيههم؛ لخبر مسلم بذلك.
(ودق درج المنبر) في صعوده برجله أو نحو سيف، والدعاء إذا انتهى إلى المستراح قبل جلوسه عليه، والوقوف في كل مرقاة وقفة خفيفة يدعو فيها.
وساعة الإجابة إنما هي من جلوسه إلى فراغ الصلاة على الأصح من خمسين قولاً.
والمبالغة في الإسراع في الثانية، وخفض الصوت فيها.
(ويقرأ) ندباً (في) الركعة (الأولى: "الجمعة" وفي التانية: "المنافقون"، أو في الأولى: "سبح الأعلى" وفي الثانية "الغاشية") للاتباع فيهما، رواه مسلم، لكن الأوليان أفضل.
ولو ترك ما ندب في الأولى .. قرأه مع ما ندب في الثانية فيها وإن ادى لتطويلها على الأولى.
ولو قرأ ما ندب في الثانية في الأولى .. عكس في الثانية؛ لئلا تخلو صلاته عنهما.
وفي "التحفة": لو اقتدى في الثانية، فسمع قراءة الإمام (المنافقين) فيها .. فالظاهر: أنه يقرأ (المنافقين) في الثانية أيضاً، واعترضه (سم) بأن سماعه كقراءته، فكأنه قرأ (المنافقين) في الأولى، فيقرأ (الجمعة) في ثانيته؛ لئلا تخلو صلاته عنهما.
ثم قال: لو أدرك الإمام في ركوع الثانية .. فالوجه: أنه يقرأ (المنافقين) في ثانيته؛ لأن الإمام تحمل عنه السورة كالفاتحة.
ويسن كون قراءته فيهما (جهراً) ولو مسبوقاً قام ليأتي بثانيته؛ للاتباع.
تتمة: ورد: "أن من قرأ (الفاتحة) و (الإخلاص) و (المعوذتين) سبعاً سبعاً عقب سلامه من الجمعة قبل أن يثني رجله، غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، وأعطي من الأجر بعدد من آمن بالله ورسوله" وفي رواية لابن السني بإسقاط (الفاتحة) بَعُدَ من السوء إلى الجمعة الأخرى، وفي رواية زيادة: "وقبل أن يتكلم حفظ له دينه ودنياه وأهله وولده".
قال الغزالي: (وقل: اللهم ياغني يا حميد، يا مبدئ يا معيد، يا رحيم يا ودود، أغنني بحلالك عن حرامك، وبفضلك عمن سواك، وبطاعتك عن معصيتك).
قال الشرقاوي: (من واظب عليه أربع مرات مع ما تقدم .. أغناه الله، ورزقه من حيث لا يحتسب، وغفر له ما تقدم وما تأخر، وحفظ له دينه ودنياه وأهله وولده).
(فصل): في سنن الجمعة.
(يسن) لمن لم يخش منه فطراً ولو على قول (الغسل لحاضرها) أي: لمن لم يرد عدم حضورها وإن لم تلزمه، بل وإن حرم، كزوجة بغير إذن زوجها؛ للأخبار الصحيحة.
وصَرَفه عن الوجوب خبر: "من توضأ يوم الجمعة .. فبها ونعمت، ومن اغتسل .. فالغسل أفضل"، أي: فالغسل مع الوضوء أفضل من الوضوء وحده.
أمَّا من يريد عدم حضورها .. فلا يسن له على المعتمد؛ لخبر: "من أتى الجمعة من الرجال والنساء .. فليغتسل، ومن لم يأتها .. فليس عليه غسل"، ويكره تركه؛ للخلاف في وجوبه.
(ووقته: من الفجر)؛ لأن الأخبار علقته باليوم، ويفوت باليأس من فعل الجمعة، ولا يبطله الحدث ولو أكبر.
قال (ب ج): (ولا يسن إعادته عند طروء حدث كما تصرح به عبارة "المجموع"، خلافاً للعباب) اهـ شوبري واعتمد (ع ش): ندب إعادته اهـ
ولا يسن قضاؤه كغيره من الأغسال إذا فات عند (م ر).
(ويسن تأخيره إلى الرواح) أي: الذهاب إلى الجمعة؛ لأنه أبلغ في دفع الروائح الكريهة، ولو تعارض مع التبكير .. أخَّر، وأتى به حيث أمن الفوات؛ للخلاف في وجوبه، ولذا كره تركه، فإن عجز عنه أو عن غيره من الأغسال المندوبة .. تيمم بنية أنه بدل عن غسل نحو الجمعة، أو بنية طهر الجمعة، أوللجمعة، أو للصلاة، ولا يكفي نويت التيمم بدلاً عن الغسل؛ لعدم ذكر السبب.
وإنما قام مقام الغسل؛ إذ المقصود منه العبادة والنظافة، فإذا فاتت هذه .. بقيت العبادة، وتوقف (حج) في كراهة تركه، لكن قال (ع ش): الأقرب الكراهة؛ إعطاء للبدل حكم المبدل منه.
ويندب الوضوء لذلك الغسل، وسائر الأغسال المسنونة ولو لحائض، ومن لم يكن محدثاً.
ويطلب التيمم بدلاً عن الوضوء المطلوب للغسل، فإذا تيمم بنية كونه بدلاً عن الوضوء الواجب، أو المندوب والغسل .. كفى لهما.
(و) يسن (التبكير) إلى المصلى (لغير الإمام) ودائم حدث، أمَّا هما .. فيندب لهما التأخير (من طلوع الفجر)؛ لما صح: (أن للجائي بعد غسله غسل الجنابة، أو كغسلها، في الساعة الأولى بدنه، والثانية بقرة، والثالثة كبشاً أقرن، والرابعة دجاجة، والخامسة عصفوراً، والسادسة بيضة).
والمراد: أنَّ مابين الفجر وخروج الخطيب ستة أجزاء متساوية، سواء طال اليوم أم قصر.
(ولبس) الثياب (البيض) بأن تكون ثيابه كلها بيضاء، والأعلى منها آكد؛ للخبر الصحيح: "البسوا من ثيابكم البيض، فإنها خير ثيابكم، وكفنوا فيها موتاكم".
نعم؛ محل أفضليته في غير أيام الوحل ونحوه من كل ما يخشى منه تدنيسه، وفي غير أيام العيد، وإلا .. فما هو أعلى في العيد أفضل وإن لم يكن بياضاً.
ولو وافق يومها يوم العيد .. روعي العيد، فيلبس الأعلى؛ لأن زينته آكد، لأنها لجميع الناس، ويلي الأبيض ما صبغ قبل نسجه، قيل ويكره ما صبغ بعد نسجه ورده في "التحفة".
(والتنظيف) بحلق رجل غير محرم، ومريد تضحية في عشر ذي الحجة، عانته ونتف إبطه وسواك وإزالة ريح كريه وقص شارب وتقليم ظفر يديه ورجليه ويكره من أحدهما بغير عذر كتنعل إحدى رجليه.
والأفضل في التقليم: أن يبدأ بمسبحة يمينه إلى خنصرها، ثم إبهامها، ثم خنصر يساره إلى إبهامها على التوالي، وأن يكون ذلك يوم الخميس، أو صبح الجمعة، وأن يبادر بغسل محل التقليم؛ إذ الحك به قبل غسله يخشى منه البرص، وكره المحب الطبري نتف شعر الأنف، بل يقصه.
وندب لمن أزال نحو ظفره وهو متوضئ إعادة وضوئه؛ خروجاً من خلاف من أوجبه.
أمَّا المرأة .. فيسن لها نتف العانة إن لم تتأذ به.
وأمَّا المحرم .. فتحرم إزالة شعره وظفره.
ويكره لمريد التضحية إزالة شيء من بدنه في عشر ذي الحجة.
وخرج بـ (العانة والإبط): الرأس، فلا يسن حلقه إلا لنسك ومولود وكافر أسلم ومن شق عليه بقاؤه، ويباح فيما عدا ذلك.
وخبر "من حلق رأسه أربعين مرة في أربعين أربعاء .. صار فقيهاً" لا أصل له، لكن عمل به، وظهر صدقه.
ويسن دفن ما خرج من أجزاء الحي، وقد يجب، كأن كان من امرأة وخشي نظر أجنبي إليه.
(والتطيب) لذكر غير محرم وصائم؛ للخبر الصحيح: "من غسل واغتسل يوم الجمعة، ولبس من أحسن ثيابه، ومس من طيب إن كان عنده، ثم أتى الجمعة ولم يتخط أعناق الناس، ثم صلى ما كتب له، ثم أنصت إذا خرج الإمام حتى يخرج من صلاته .. كان كفارة لما بينها وبين الجمعة التي قبلها".
ويسن أن يبالغ الخطيب في حسن الهيئة.
وفي موضع من "الإحياء": يكره السواد، أي: خلاف الأولى، وقال الشيخ عز الدين: إدامة لبسه بدعة، وقضيته: إن لا بدعة في غير إدامته؛ للأحاديث الصحيحة بلبسه صلى الله عليه وسلم له في مواضع عديدة، لكن لا ينافي ذلك أفضلية البياض.
(والمشي)؛ للخبر الصحيح: "من غسل واغتسل، وبكّر وابتكر، ومشى ولم يركب، ودنا من الإمام، واستمع ولم يلغ .. كان له بكل خطوة عمل سنة أجر صيامها، وقيامها" ويستمر له هذا الثواب إلى مصلاه.
ومعنى: (غسل) قيل: جامع حليلته فألجأها إلى الغسل؛ إذ يسن له الجماع قبل ذهابه، ليأمن أن ينظر ما يشغل قلبه.
والأولى فيه أن معناه: غسل ثيابه ورأسه ثم اغتسل؛ لخبر أبي داوود: "وبكر -بالتخفيف- اي: خرج من بيته باكراً، وبالتشديد: أتى الصلاة أوّل وقتها.
و (ابتكر)، أي: أدرك أوّل الحطبة.
ويندب كون مشيه (بسكينة) هي كالوقار التأني مع اجتناب العبث وحسن الهيئة؛ لخبر: "إذا أقيمت الصلاة .. فلا تأتوها وأنتم تسعون، وأتوها وعليكم السكينة" وفي رواية: "وأنتم تمشون" وهو يبين أن المراد بالسعي في الآية المضي.
ومن ثم كره العدو إليها كسائر العبادات غير السعي والطواف، لكن هذا عَدْوٌ فيهما، لا إليهما.
نعم؛ إن ضاق الوقت ولم يدركها إلا بالعدْوِ .. وجب، وإن لم يَلِقْ به؛ إذ لا نقص فيه، وبه فارق اللباس غير اللائق به.
ويسن أيضاً عدم الركوب هنا، وكذا في نحو عيد وجنازة وعيادة مريض.
(والاشتغال بقراءة أو ذكر في طريقه، وفي المسجد) وإنما تكره القراءة في الطريق إذا التهى عنها.
(والإنصات) في الخطبة لمن سمعها ولو زائداً على الأربعين؛ لآية: (وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآن) [الأعراف:204].
وإنما يحصل (بترك الكلام والذكر للسامع) مع الإصغاء لما لا يجب سماعه، بخلاف الأركان لأربعين، فيجب سماعها.
ويحرم كلام فوت سماع ركن؛ لتسببه في إبطال الجمعة عند (حج).
وأمَّا (م ر) .. فلا يشترط عنده السماع للفعل كما مر.
(وبترك الكلام دون الذكر لغيره) أي: لغير السامع لنحو بعد، بل يشتغل بقراءة أو ذكر سراً، بحيث لا يشوش على أحد، بخلاف الكلام، فمكروه وإن لم يسمع، خلافاً لقول قديم عندنا، كالأئمة الثلاثة بتحريمه؛ لخبر الصحيحين: "إذا قلت لصاحبك يوم الجمعة: انصت، والإمام يخطب .. فقد لغوت".
وإنما لم يحرم؛ لأنه صلى الله عليه وسلم لم ينكر على من كلمه وهو يخطب، ولم يبين له وجوب السكوت، والأمر في الآية للندب.
ومعنى لغوت: تركت الأدب؛ جمعاً بين الأدلة.
ولا يكره الكلام لمن أبيح له قطعاً كالخطيب، وقبل الخطبة أو بعدها، أو بينهما أوحال الدعاء للملوك، وداخل لم يستقر في مكانه ولو لغير حاجة.
بل يسن تشميت عاطس، وتنبيه من خاف وقوع محذور به لو لم ينبهه، وتعليم غيره خيراً ناجزاً أو نهيه عن منكر.
بل قد يجب غير الأول إذا لم يوجد غيره كرد السلام على مسلم، ويقتصر على أقل ما يكفي.
بل لو كفت الإشارة لنحو التعليم .. ندب الاقتصار عليها.
(ويكره: الاحتباء فيها) -أي: الخطبة- لحاضرها؛ لما صح من النهي عنه، ولأنه يجلب النوم.
قال ابن زياد: ولو علم من عادته إن الاحتباء يزيد في نشاطه، فلا بأس به.
(و) كره (سلام الداخل) على الحاضرين في الخطبة وإن لم يأخذ لنفسه مكاناً؛ لاشتغالهم بما هو أهم (لكن تجب إجابته)؛ لأن الكراهة لأمر خارج، بخلافه على قاضي الحاجة.
(ويستحب) للسامع وكذا غيره على ما قاله بعضهم (تشميت العاطس) إذا حمد الله، والرد عليه؛ لأن سببه قهري.
ومقتضاه: أنه لو تسبب فيه لا يشمت حينئذٍ، فإن لم يشمته أحد .. قال: يرحمني الله.
وورد: "من عطس أو تجشى، فقال: الحمد لله على كل حال .. رفع الله عنه سبعين داء، أهونها: الجذام".
(و) يسن (قراءة الكهف) لكل أحد، وإكثارها (يومها وليلتها) ويسن أوّل كل منهما مبادرة إلى الخير، وحذراً من الإهمال، ونهارها أفضل؛ لما صح: "أن الأول يضيء له ما بين الجمعتين"، ولخبر الدارمي: "أن الثاني يضيء له من النور ما بينه وبين البيت العتيق"، وفي رواية زيادة: (وصلى عليه ألف ملك حتى يصبح، وعوفي من بلية، أو ذات الجنب والبرص والجذام، وفتنة الدجال".
والمراد بالجمعتين: الماضية، والمستقبلة.
والنور كناية عن الثواب الذي يملأ ما ذكر لو جسم، وهي فيهما أفضل من جميع الأذكار غير ما ورد بخصوصه، كأذكار المساء والصباح، ثم الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم.
والجمع بينها وبين الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم أفضل من مجرد تكريرها.
وندب فيها أيضاً (آل عمران)، و (هود)، و (الدخان).
(وإكثار الصلاة) والسلام (على النبي صلى الله عليه وسلم فيهما) أي: يومها وليلتها، وأقل إكثارها ثلاث مئة، كما إن أقل إكثار الكهف ثلاث مرات؛ للأحاديث الآمرة بذلك.
(و) إكثار (الدعاء)؛ لما فيه من الذل والخضوع اللائق بجناب العبد (في يومها) وليلتها؛ لما جاء عن الشافعي: (أنه بلغه إن الدعاء يستجاب في ليلتها) (و) رجاء إن يصادف (ساعة الإجابة) في يومها.
وأرجاها: (فيما بين جلوس الإمام للخطبة، وسلامه) كما رواه مسلم، وفي أخبار: أنها في غير ذلك، وجمع بانها تنتقل فيها.
وليس من شرط الدعاء التلفظ به، بل إحضاره في قلبه كافٍ فلا ينافي الإنصات للخطبة.
وساعة الإجابة في حق أهل كل مسجد، ما بين جلوس خطيبه والسلام، كما صح في الحديث.
(ويكره التخطي) ولو في غير أماكن الصلاة قال الونائي: وإن لم يرفع رجله على العاتق، ومنه كما في (ب ج): التخطي بالأجزاء، أو بالبخور ونحوهما؛ للأمر بجلوس المتخطي، وقوله له: قد آذيت، وقيل: حرام، واختير من حيث الدليل.
(ولا يكره للإمام) إذا اضطر إليه في بلوغه المنبر أو المحراب، ولا لمن أذنوا له فيه لغير حياء (و) لا (لمن بين يديه فرجة) وبينها وبينه صف أو صفان، أي: رجل أو رجلان، فإن زاد على تخطي رجلين .. كره إن وجد غيرها ورجا سدها ولم تقم الصلاة، وإلا .. ندب سدها.
قال (ب ج): (والمعتمد كما في "المجموع": (إنه إذا وجد فرجة .. لا يكره مطلقاً، وأمَّا استحباب تركها: فإذا وجد موضعاً .. استحب، وإلا فإن رجا سدها .. فكذلك، وإلا .. فلا يستحب) اهـ وقوله: "وإلا: فإن رجا سدها" فيه شيء؛ لأنه إذا لم يجد موضعاً .. معذور) اهـ
وقال أيضا: (والمراد بالتخطي: أن يرفع رجله بحيث تحاذي أعلى منكب الجالس.
وعليه: فما يقع ليس من التخطي، بل من خرق الصفوف).
وقال أيضا: (وحاصله: أن التخطي توجد فيه ستة أحكام يجب إن توقفت الصحة عليه، وإلا .. فيحرم مع التأذي، ويكره مع عدم فرجة، ويندب مع الفرجة القريبة لمن لم يجد موضعاً، وفي البعيدة لمن رجا سدها ولم يجد موضعاً، وخلاف الأولى في القريبة لمن وجد موضعاً، وفي البعيدة لمن رجا سدها ووجد موضعاً، ويباح في هذه لمن لم يجد موضعاً) اهـ
(و) لا (لمعظم) لنحو صلاح (إذا ألف موضعاً) من المسجد؛ لأن النفوس تسمح له بذلك، كما في "التحفة" و"النهاية".
لكن في "الشرح": أنه مقصر بالتأخير، فلا يعذر، ويظهر أن لا خلاف، فإن ظن رضاهم .. جاز، وإلا .. كره.
ويحرم إن يقيم غيره؛ ليجلس مكانه بغير رضاه، وإلا .. فلا حرمة ولا كراهة إن ساوى ما قام إليه ما قام منه في الفضيلة، وإلا .. كره للقائم فقط؛ إذ الإيثار بالقرب مكروه.
نعم؛ لو آثر شخصاً أحق منه بذلك ككونه أعلم فيرد على الإمام إذا غلط، ويعلمه إذا جهل .. استوجه (م ر) عدم الكراهة.
(ويحرم) على من تلزمه الجمعة (التشاغل) عنها ببيع وغيره مما لا يضطر إليه، وإن كان عبادة وعلم أنه يدرك الجمعة (بعد) الشروع في (الأذان الثاني) لآية: (إِذَا نُودِي لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ) [الجمعة:9] والأمر للوجوب، فيحرم الفعل، وقيس بالبيع غيره، وكذا يحرم على من لا تلزمه نحو مبايعة من تلزمه حينئذٍ؛ لأنها معونة على معصية.
وخرج بـ (التشاغل): فعل ذلك وهو ماش، أو بمحل قريب كمن عند باب المسجد؛ لإنتفاء التفويت، لكن يكره.
نعم؛ له شراء ما يتطهر به لوجوبه، وتوقف الجمعة عليه.
(ويكره) التشاغل بما مرَّ لمن مر (بعد الزوال) قبل الأذان السابق؛ لدخول وقت الوجوب، فربما فوته.
نعم؛ إن فحش التأخير في بلد .. لم يكره.
(ولا تدرك الجمعة إلا بركعة)؛ لما مر أنها يشترط فيها الجماعة، وكونهم أربعين في جميع الركعة الأولى.
فلو أدرك مسبوق ركوع الثانية مع إمامها بشرطه، واستمر معه إلى سجودها الثاني عند (م ر)، وإلى السلام عند (حج) .. أتى بركعة بعد سلام إمامها جهراً، وتمت جمعته.
وقولنا: مع إمامها قيد عند (م ر)، فلو أراد آخر إن يقتدي بذلك المسبوق في ركعته التي قام إليها .. لم يدرك الجمعة بإدراكها معه، وانقلبت له ظهراً.
وعند (حج): يدرك بها الجمعة، وإمامها ليس قيداً.
وعليه: لو أحرم خلف الثاني آخر، وخلف الثالث آخر، وهكذا .. حصلت الجمعة للكل، وتسللت إلى وقت العصر.
ولو شك مدرك الثانية قبل سلام إمامه هل سجد معه؟ سجد وأتمها جمعة، أو بعد سلامه؟ سجد وأتمها ظهراً؛ لأنه لم يدرك معه ركعة، ويسجد للسهو في هذه؛ لقيامه متردداً في زيادة الأخيرتين دون الأولى؛ لأنه سهو حال القدوة.
أما لو أدرك الأولى مع الإمام وتذكر في تشهده ترك سجدة من الأولى، أوشك فيها .. فيأتي بعد سلام إمامه بركعة، ويدرك الجمعة؛ لإدراكه مع الإمام ركعة ملفقة من ركوع الأولى وما قبله ومن سجودي الثانية، وسجد للسهو في صورة الشك.
(فإن أدركه بعد ركوع الثانية .. نواها جمعة) وجوباً على الأصح، وإن كانت الجمعة تفوت بفوات ركوع الثانية (وصلاها ظهراً)؛ لعدم إدراك ركعة مع الإمام؛ لمفهوم خبر: "من أدرك ركعة من الجمعة .. فليصل إليها أخرى".
وإنما ينوي الجمعة؛ موافقة للإمام، ولأن اليأس منها إنما يحصل بالسلام؛ إذ قد يترك الإمام ركناً ويتذكره، ويعلم المأموم ذلك بنحو كتابة الإمام، فيتداركه بإتيانه بركعة، فيدرك المأموم الجمعة.
(وإذا أحدث الإمام) أو بطلت صلاته بغير الحدث (في الجمعة، أو) في (غيرها .. استخلف) هو أو أحد المأمومين (مأموماً) به قبل حدثه في الجمعة أو مأموماً، أو غيره في غيرها لكن بشرط كون غير المأموم (موافقاً لصلاته) أي: الإمام (ويراعي) الخليفة (المسبوق نظم) صلاة (إمامه)؛ لأنه التزمه بقيامه مقامه، فيمشي على نظمها، كأن يستخلفه في أولى الرباعية أو ثالثتها.
بخلاف ما إذا استخلفه في ثانيتها أو رابعتها .. فليس موافقاً نظم صلاته؛ لأنه محتاج إلى القيام، وهم إلى الجلوس.
(و) إذا استخلف مسبوقا أو غيره قبل إن ينفرد المأمومون بركن .. (لا يلزمهم تجديد نية القدوة) به؛ لأنه منزل منزلة الإمام، لكن تسن.
والحاصل: أن الاستخلاف في الجمعة إما أن يكون أثناء الخطبة، أو بينها وبين الصلاة، أو في الصلاة.
فإن كان الأول .. اشترط سماع الخليفة ما مضى من أركان الخطبة.
وإن كان الثاني .. اشترط سماع الخليفة جميع أركانها؛ إذ من لم يسمع ذلك ليس من أهل الجمعة، وإنما يصير من أهلها إذا دخل الصلاة.
وإن كان الثالث .. فعلى ثلاثة أقسام:
أحدها: أن يكون قبل اقتداء الخليفة بالإمام، فممتنع مطلقاً.
ثانيها: أن يدرك الخليفة الإمام في القيام الأول أو ركوعه، فتحصل له الجمعة وللقوم، فإن استخلف الإمام مقتدياً به قبل خروجه أو تقدم بنفسه .. فذاك، وإلا .. لزم المأمومين تقديم واحد، ويلزمه التقدم إن ظن التواكل.
ثالثها: أن لا يدرك الإمام قبل حدثه إلا بعد ركوع الأولى، وهذا لا يجوز له الاستخلاف عند (حج)؛ لأنه يفوِّت الجمعة بذلك على نفسه، إذ شرطه إن يدرك ركعة مع الإمام، ويستمر معه إلى السلام، وهذا لم يستمر معه إلى السلام، فيجب إن يتقدم غيره ممن أدرك ركوع الأولى، ومع ذلك لو تقدم .. صحت جمعة القوم دونه.
وعند (م ر): لو أدرك الخليفة ركوع الثانية وسجدتيها مع الإمام، ثم استخلف .. أدرك الجمعة.
وأمَّا الاستخلاف في غير الجمعة .. فعلى قسمين:
أحدهما: أن لا يقتدي الخليفة بالإمام قبل حدثه، فيجوز إن لم يخالف الإمام في ترتيب صلاته كالركعة الأولى مطلقاً، أو ثالثة الرباعية.
بخلاف ثانيتها ورابعتها، أو ثالثة المغرب، فلا يصح حيث لم يجددوا نية اقتداء به، وإلا .. جاز.
ثانيهما: أن يقتدي به قبل نحو حدثه، فيجوز مطلقاً؛ لأنه يلزمه نظم صلاة الإمام باقتدائه به.
ثم إن كان عالماً بنظمها .. جرى عليه، وإلا .. فيراقب من خلفه، فإذا هموا بالقيام .. قام، وإلا .. قعد، وفي الرباعية إذا هموا بالقعود .. قعد وتشهد معهم، ثم يقوم، فإذا قاموا معه علم أنها ثانيتهم، وإن لم يقوموا .. علم أنها رابعتهم.
وإنما يجوز الاستخلاف قبل إن ينفردوا بركن ولو قولياً، وإلا .. امتنع في الجمعة مطلقاً، وفي غيرها بغير تجديد نية اقتداء.
ولو فعل الركن بعضهم .. ففي غير الجمعة يحتاج من فعله لنية اقتداء به دون من لم يفعله.
وفي الجمعة إن كان غير الفاعلين له أربعين .. بقيت الجمعة، وإلا .. بطلت إن كان الإنفراد في الركعة الأولى، وإلا .. بقيت، أفاده العلامة الكردي.
(باب) كيفية (صلاة الخوف)
وما يذكر معها من اللباس من حيث إنها يحتمل فيها ما لا يحتمل في غيرها، كتطويل الاعتدال في صلاة عسفان، وفحش المخالفة في صلاة ذات الرقاع للفرقة الثانية، واقتداء المفترض بالمتنقل في صلاة بطن نخل، وكثرة الأفعال، وترك القبلة في صلاة شدة الخوف.
وهي جائزة عندنا حضراً وسفراً، ووردت على ستة عشر نوعاً، اختار الشافعي رضي الله عنه منها أربعة:
الأول: صلاة عُسْفان، وهي: والعدو في جهة القبلة، والمسلمون كثير بحيث يقاوم العدو كل فرقة منا ولا ساتر، فيصلي الإمام بهم ويسجد بصف أول، ويحرس ثان، فإذا قاموا .. سجد من حرس ولحقه، وسجد معه بعد تقدمه، وتأخر الأول ندباً بلا كثرة أفعال في الثانية، وحرس الصف الآخر، فإذا جلس للتشهد .. سجدوا، وتشهد وسلم بالجميع، وجاز عكسه، ولو حرس فيهما فرقة صف .. جاز.
الثاني: صلاة بطن نخل، وهي: والعدو في غير القبلة أو فيها وثم ساتر، فيصلي مرتين كل مرة بفرقة، والأخرى تحرس، فتقع الثانية له نفلاً، وهي سنة هنا.
الثالث: صلاة ذات الرقاع، وهي: والعدو كذلك، فتقف فرقة في وجه العدو، ويصلي الثنائية بفرقة ركعة، ثم عند قيامه للثانية تفارقه، وتتم وتقف في وجه العدو، وتجيء الحارسة فيصلي بها الثانية، ثم تقوم وتأتي بثانيتها وتلحقه ويسلم بها، ويقرأ في انتظاره قائماً، ويتشهد في انتظاره جالساً، ويصلي الثلاثية بفرقة ركعتين، وبفرقة ركعة، وهو بالأولى ركعتين وبالثانية ركعة أفضل من عكسه، وينتظر في تشهده، أو في قيام الثالثة وهو أفضل، والرباعية بكل فرقة ركعتين، ويجوز بكل ركعة وهذه أفضل مما قبلها.
ويسن في الجميع حمل سلاح لا يمنع صحة الصلاة، ولا يؤذي، فإن خيف من تركه .. وجب حمله.
الرابع: صلاة شدة الخوف، وهو ما ذكره بقوله:
(إذا التحم القتال المباح) ولو مع غير كافر، أو اشتد الخوف بأن لم يأمنوا هجوم العدو (أو هرب هرباً مباحاً من حبس) بغير حق (أو عدو) مسلم أو كافر زاد على ضعفينا (أو) نحو (سبع) كحية وسيل إذا لم يجد عنه معدلاً (أو ذب) ظالماً (عن) نحو (ماله) أو حريمه، أو مال أو حريم غيره .. ففي جميع ذلك لا يجوز له إخراج الصلاة عن وقتها، بل يصلي بالممكن من الأنواع المذكورة بشروطها، ولا إعادة عليه.
لكن صلاة شدة الخوف لا يصليها إلا إن ضاق الوقت عند (م ر)، وهي: أن يصليها كيف أمكن راجلاً أو راكباً ولو في الأثناء إن احتاج إليه.
و (عذر) فيها (في ترك القبلة) عند العجز عن الاستقبال بسبب العدو ونحوه؛ لآية: (فَإن خِفْتُمْ فَرِجَالاً أَوْ رُكْبَاناً) [البقرة:239] الآية.
قال ابن عمر: (مستقبلي القبلة وغير مستقبليها).
ويجوز، بل يسن اقتداء بعضهم ببعض حيث لم يكن الحزم في الإنفراد وإن اختلفت جهتهم كالمصلين حول الكعبة وإن بعدوا عن بعضهم في غير مسجد أكثر من ثلاث مئة ذراع؛ للضرورة.
أمَّا الإنحراف بسبب غير العدو كجماح دابة وطال .. فتبطل صلاته.
(و) فيما يحتاج إليه من (كثرة الأفعال) المتوالية، كضربات وطعنات وركض مع التوالي.
(و) في (الركوب) ابتداء، أو في الأثناء حيث احتيج إليه، ولو أمن وهو راكب .. نزل فوراً وجوباً، وبنى إن لم يأت بمناف كاستدبار القبلة.
(و) في (الإيماء بالركوع والسجود)؛ للعجز عنهما، للضرورة، ويجب كونه للسجود (أخفض) كما مر.
ويعذر في حمل سلاح عليه نجس لا يعفى عنه إذا احتاج إليه وإن لم يضطر إليه، ويقضي على الأظهر.
(ولا يعذر في الصياح) أو النطق بدونه؛ لعدم الحاجة إليه، بل الساكت أهيب، وفرض الاحتياج إليه لنحو تنبيه أو لزجر نحو خيل، أو ليعرف أنه فلان الشجاع، نادر.
أمَّا العاصي بقتاله كباغ، أو بنحو هربه .. فلا يجوز له شيء من ذلك.
ولا يصليها طالب عدو خاف فوته لو صلاها متمكنا؛ لأن الرخصة إنما وردت في خوف فوت ما هو حاصل وهي لا تتجاوز محلها، وهذا محصل إلا أن يخشى كرهم، أو كميناً، أو انقطاعاً عن الرفقة، وخاف محذوراً .. فله ذلك؛ لأنه خائف.
ولو أخذ له مال وهو في الصلاة .. جاز له صلاة شدة الخوف في طلبه إن خاف ضياعه عند (م ر).
وله وطئ نجس لا يعفى عنه مع القضاء، ولا يجوز عند (حج)؛ لأنه غير خائف، بل طالب، ويجوز قطعها عنده؛ ليتبعه، وكذا الخلاف في نظائر ذلك.
ولا تجوز اتفاقاً منهما، لخائف فوت الوقوف لو لم يصل صلاة شدة الخوف، بل يجب إخراج الصلاة عن وقتها، وإن كثرت وإدراك الوقوف.
ومثل الحج العمرة المنذورة في وقت معين عند (م ر).
(فصل) في اللباس.
(ويحرم) استعمال (الحرير) وإن لم ينسج، وكذا اتخاذه عند (حج) وهو ما حل عن الدود بعد موته (والقز) وهو نوع من الحرير كَمِد اللون، وهو ما قطعه الدود وخرج منه حياً (للذكر) أي: على الذكر والخنثى (البالغ) العاقل ولو كافراً، لكنه لا يُمنع منه؛ لأنه لم يلتزم أحكامنا في ذلك، فيعاقب على لبسه في الآخرة.
ويحرم الحرير والقز على من ذكر بسائر وجوه الاستعمالات، كالتستر والتدثر والاستناد إليه والجلوس عليه إلا ما استثني مما يأتي بعضه؛ إجماعاً في اللبس، إلا وجه شاذ في القز؛ للخبر الصحيح: "إنه حرام على ذكور أمته"، وللنهي عن لبسه والجلوس عليه، ولأن فيه خنوثة لا تليق بشهامة الرجال.
(إلا لضرورة) كحرٍّ، وبرد خشي منهما مبيح التيمم، وكحرب جائز ولم يجد غيره.
قال الشوبري: وإن لم يفجأه، بل خرج إليه باختياره، لكن نظر فيه بأنه حينئذٍ لحاجة.
والكلام في الضرورة أو لحاجة كستر عورة ولو في الخلوة، وكذا ما زاد عليها
عند خروجه إلى الناس، و (كجرب وحكة وقمل) وقد تأذى بلبس غير الحرير تأذياً لا يحتمل عادة، أولم يؤذه، لكنه يزيلها.
والحكة: الجرب اليابس، فيحل استعماله حضراً وسفراً إن كان القمل لا يندفع بدونه، ولا بأسهل منه؛ لخبر الصحيحين بالإرخاص فيه لعبد الرحمن بن عوف والزبير؛ لحكة كانت بهما.
وفي الصحيحين أيضاً: "أنه أرخص لهما في غزاة بسبب القمل".
بل لو لم يجد غيره .. وجب لبسه لنحو ستر عورة؛ لقاعدة: ما جاز بعد الامتناع .. وجب، لكنها لا تطرد، فقد تخلفت هنا للبس الحرير؛ للحاجة بلا ضرورة، فإنه يجوز بعد الامتناع، ولم يجب.
(ويحل المركب من حرير وغيره) لذكر وغيره إن زاد وزن غير الحرير ولو ظناً؛ تغليباً لحكم الأكثر، وكذا (إن استويا في الوزن)؛ لأنه حينئذٍ لا يسمى ثوب حرير.
والأصل: الحِلُّ، وصح خبر ابن عباس: (إنما نهي عن الثوب المصمت) أي: الخالص من الحرير.
ولو تغطى بلحاف حرير وغشاه، فإن خاط الغشاء من أعلاه وأسفله .. جاز؛ لكونه كحشو الجبة.
وإنما حل الجلوس على حرير بحائل، وإن لم يخطه عليه؛ لأن الحائل فيه يمنع الاستعمال، بخلاف هذا.
ولو شك في كثرته .. فالأصل الحل عند (حج)، كالشك في كبر الضبة.
وخرج بالاستعمال: المشي عليه، فلا يحرم، وبالذكر والخنثى: الأنثى، فيحل لها إجماعاً لبساً، وعلى الأصح في الافتراش ولو خليه، وبالبالغ العاقل: الصبي والمجنون، فيحل (إلباس الصبي) ولو مراهقاً، والمجنون (الحرير و) حلي (الذهب والفضة) اتفاقاً في العيد، وعلى الأصح في غيره؛ إذ ليس لهما شهامة تنافي خنوثة ذلك، وكالإلباس سائر الاستعمالات.
والمراد بالحلي: ما يتزين به النساء، لا نحو الخنجر المعروف بمصر، فيحرم إلباسه لهما، وجوز أبو حنيفة افتراشه وتوسده.
(و) يحل (الحرير للكعبة) أي: سترها به إن خلا عن نقد، سواء الديباج وغيره؛ لفعل السلف والخلف، وكذا قبره صلى الله عليه وسلم وسائر الإنبياء.
ويكره تزيين البيوت ولو لغير ذكر، حتى مشاهد الصلحاء، والمساجد بالثياب غير الحرير، ويحرم به وبالصور؛ لعموم الأخبار.
لكن في "الإحياء": وتزيين الحيطان بالديباج لا ينتهي إلى التحريم.
ويجوز الاستناد إلى ثياب الكعبة والدخول بينهما.
وكما يحرم استعمال الحرير .. يحرم اتخاذه على صورة يختص بها الرجال البالغون، أو جدران البيوت، أو الدواب عند (حج).
(و) يحل (تطريف معتاد) أي: تسجيف ظاهر الثوب وباطنه بحرير قدر العادة الغالبة لأمثاله في كل ناحية وإن جاوزت أربع أصابع، وزاد وزن الحرير، كما هو قضية إطلاقهم؛ وذلك للخبر الصحيح: "أنه صلى الله عليه وسلم كانت له جبة مكفوفة الفرجين والكمين بالديباج".
وفارق الطراز بأنه محل حاجة، وقد يحتاج لأكثر، والطراز: مجرد زينة، فيتقيد بالوارد.
قال (م ر): (وقضيته: أنه يجوز فيه الزيادة على أربع أصابع؛ للحاجة، وفي "الروضة": المنع) اهـ
ولو سجف بزائد على عادة أمثاله .. حرم عليه وعلى غيره وإن أعتيد لأمثاله مثله؛ لأنه وضع بغير حق.
وأفتى ابن زياد بأنه لو غطى عمامته مثلا بالقصب .. حرم وإن لم يحصل منه شيء بالعرض على النار.
والفرق بينه وبين المموه بأن هذا ملبوس يتصل بالبدن كما قاله البلقيني، بخلاف ذاك.
ويؤيده إطلاق قول النهاية: وأفتى الوالد بحرمة عرقية طرزت بذهب؛ أخذاً بعموم كلامهم.
لكن قال الشرقاوي: الشاش الذي في أطرافه القصب يحل إن لم يحصل منه شيء بالعرض على النار.
نعم؛ إن قلد أبا حنيفة .. جاز؛ لأنه يجيز قدر أربع أصابع من ذلك.
(وتطريز) أي: وضع خرقة من حرير خالص على ثوب، وتخاط عليه بالإبرة كالشريط (وترقيع)؛ لخبر ابن عباس السابق، مع خبر مسلم: (نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن لبس الحرير إلا موضع أصبع أو أصبعين أو ثلاث أو أربع).
ويفرق بينهما وبين المنسوج بأن الحرير هنا متميز بخلافة ثم.
وإنما يحل التطريز والترقيع (قدر أربع أصابع) معتدلة مضمومة.
قال (ق ل)، و (ح ل): أي: عرضاً ولو احتمالاً، وإن زاد طولاً، أي: ولم يزد وزنها على وزن الثوب.
قال (ب ج): بأن لا يزيد كل طراز أو رقعة على أربع أصابع.
وفي "الشرح" وفي "شرحي الإرشاد": أن لا يزيد المجموع على أربع أصابع.
وفي "التحفة": أن لا يزيد المجموع على ثمان أصابع وإن زاد على طرازين.
وفي "الإيعاب": لا تجوز الزيادة على طرازين أو رقعتين، ويجوز كون كل أربع أصابع.
وعن "الجواهر": يجوز أن يجعل في طرفي العمامة قدر أربع أصابع في كل منهما.
والظاهر: أنه يجري في الحضاية المعروفة.
وأما التطريز بالإبرة .. فكالنسج، يعتبر فيه أن لا يكون أكثر وزناً مما طرز عليه ومن ذلك المناشف والعمائم المطرزة به.
نعم؛ إن كان مختصاً بالنساء .. حرم عند من يقول بحرمة التشبه بهن، وعكسه وهو الأصح.
(و) يحل (حشو) لنحو مخدة وجبة وكوفية بالحرير؛ لاستتاره بالثوب كإناء نقد غشي بغيره، فيحل استعمالها؛ لأنه لا يعد مستعملاً لحرير، وبهذا فارق حرمة البطانة منه.
(وخياطة به، وخيط سبحة) ومفتاح وميزان وكوز ومنطقة وليقة دواة وتكة لباس وخيط الخياطة والأزرار وكيس مصحف، وكذا كيس الدراهم عند (حج)، وغطاء كوز لا عمامة رجل، وخلع الملوك إن خشي بعدم لبسها فتنة.
(والجلوس عليه فوق حائل) من ثوب أو غيره ولو رقيقا ومهلهلاً، إذ لا يعد مستعملاً له عرفا، وإن مسه من خلال المهلهل مساً .. لا يعد استعمالاً.
(ويحرم على الرجل) والخنثى استعمال (المزعفر).
وفي "التحفة": حكمه: حكم الحرير، حتى لو صبغ به أكثر الثوب .. حرم.
وفي "الإمداد": أن الأقرب تحريم ما زاد على أربع أصابع منه.
نعم؛ إن صبغ به السدى، أو اللحمة .. أتى فيه تفصيل المركب من حرير وغيره.
وفي "النهاية": إن صح إطلاق المزعفر عليه .. حرم، وإلا .. فلا.
(والمعصفر) سواء صبغ قبل نسجه أم بعده كما في "التحفة"؛ أخذاً بإطلاقهم، كما صحت به الأحاديث، واختاره البيهقي وغيره، ولم يبالوا بنص الشافعي على حله، ولا بكون جمهور العلماء على حله.
وفي "الإمداد": إن صبغ قبل النسج .. حل، وإلاَّ .. حرم، وجرى (م ر) والخطيب وغيرهما على حله مطلقا.
والمعتمد في المورس: حلة؛ لما صح (أنه صلى الله عليه وسلم كان يصبغ ثيابه بالورس حتى عمامته).
ويحل استعمال الورس والزعفران في البدن على خلاف كبير.
ففي "التحقيق": يكره التطلي بـ (الخلوق)، وهو: طيب من زعفران وغيره، فلو حرم الزعفران .. لحرم هذا.
نعم؛ في الورس تشبُّه بالنساء؛ لاختصاصه في قطرنا بهن، ومرَّ حرمته.
ويحرم نحو جلوس على جلد سبع، كنمر وفهد به شعر.
(ويسن التختم بالفضة للرجل) ولو غير ذي منصب؛ للاتباع.
وإنما يسن له حيث كان (دون مثقال)؛ لخبر إبي داوود: أنه صلى الله عليه وسلم قال لمن وجده لابس خاتم حديد: "ما لي أرى عليك حلية أهل النار؟! " فطرحه، وقال: من أي شيء اتخذه؟ قال: "من فضة، ولا تبلغه مثقالاً" وحسنه الحافظ ابن حجر.
وفي "التحفة": (وسنده حسن وإن ضعفه النووي) اهـ
وقال المناوي في "شرح الشمائل": (جرت عادة أهل القرن العاشر الإنتصار لكلام النووي كيفما كان، والإنصاف: أن خبر النهي صالح لكراهة التنزيه) اهـ
ومنه يعلم: أن غالب الخواتم مكروهة؛ لبلوغها المثقال، بل تزيد ولا تغتر بما تجده في الكتب من إباحة ذلك أو سَنِّهِ، فإنما بنوه على ضعف الحديث، وقد علمت حسنه، واختلفوا في تعدده.
وفي "التحفة": ويتجه اعتماد كلام "الروضة" الظاهر في حرمة التعدد مطلقاً؛ لأن الأصل في الفضة التحريم على الرجل، إلا ما صح الإذن فيه، ولم يصح في الأكثر من الواحد، ثم رأيت المحب علل بذلك وهو ظاهر جلي.
ولبسه (في الخنصر) اليمنى أو اليسرى أفضل؛ للاتباع، (و) كونه في (اليمنى أفضل)؛ إذ حديث لبسه فيها أصح، وله التختم بما نقش عليه اسمه، ولا كراهة في نقشه بذكر الله.
والأفضل: جعل فصه داخل الكف؛ لأن حديثه أصح من حديث جعله ظاهر الكف.
والأفضل في اللباس: كونه من قطن، ويليه الصوف، والكمين إلى الرسغ ونحو القميص والإزار إلى نصف الساقين.
(ويكره نزول الثوب) والإزار (من الكعبين) أي: عنهما، ونزول الكم عن الرسغ، وإفراط توسعة الثياب والأكمام.
(ويحرم) نزول ذلك كله عما ذكر (للخيلاء) أي: بقصده، بل ويفسق؛ للوعيد الشديد الوارد فيه، فإن لم يقصد به ذلك .. كره إلا لعذر، كأن يكون ذلك شعار العلماء وهو منهم، فلبسه؛ ليعرف فَيُسأَل، كما وقع للشيخ عز الدين: أنه أنكر على من أخل في إحرامه فلم يقبل منه، فلبس شعار العلماء فأمرهم فامتثلوا.
واستدل له السيوطي بآية: (خُذْ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ) [الأعراف:199] وهذا في الرجل.
أما المرأة .. فلها إرسال ثوبها على الأرض ذراعاً.
والذراع من الكعبين كما في "الإمداد" و"النهاية"، أو من نصف الساق، كما في "التحفة"، أو من أول ما يمس الأرض كما في "الفتح".
وتسن العمامة للصلاة، ولقصد التجمل؛ للأحاديث الكثيرة فيها، واشتداد ضعف بعضها يجبره كثرة طرقها.
وتحصل السنة بكونها على الرأس، أو على نحو قلنسوة تحتها، وضبطها طولاً وعرضاً بما يليق بلابسها، فإن زاد .. كره، وعليه يحمل إطلاقهم كراهة كبرها.
وتتقيد كيفيتها بعادته أيضاً، فتنخرم مروءة فقيه بلبسه عمامة سوقي لا تليق به، وعكسه، ولو اطردت عادة محل بإزرائها من أصلها .. لم تنخرم بها المروءة؛ لأن وضعها عام، فلم ينظر لعرف يخالفه.
ولا تختل المروءة بلبس قلنسوة بلا عمامة لمن اعتاد ذلك وإن كانتِ العمامة أفضل، ولا يسن تحنيك العمامة.
واختار بعضهم ما عليه كثيرون من سَنِّه؛ وهو: تحديق الرقبة وما تحت الحنك واللحية ببعض العمامة، وجاء في العذبة أحاديث كثيرة صحاح وحِسان، ناصة على فعله صلى الله عليه وسلم لها لنفسه ولجماعة من أصحابه، وعلى أمره بها وتركُه لها في بعض الأحيان إنما يدل على عدم وجوبها أو على عدم تأكد ندبها.
واستدلوا بقوله صلى الله عليه وسلم أرسلها بين كتفيه تارة، وعلى جانبه الأيمن أخرى، على إن كلاً منهما سنة، وهذا تصريح بأن أصلها سنة، وإرسالها بين الكتفين أفضل منه على الأيمن؛ لأن حديث الأول أصح، وإرسال الصوفية لها على الجانب الأيسر؛ لكونه جانب القلب، لكونهم لم يبلغهم في ذلك شيء، ولا عذر لهم بعد إن يبلغهم ذلك.
واقل ما ورد في طولها: أربع أصابع، وأكثره: ذراع، وبينهما شبر.
ويحرم إفحاش طولها بقصد الخيلاء، وإلا .. كره.
وبحث الزركشي حرمة التزيي بزي صالح على غير صالح إن غرَّبه غيره؛ ليعطيه مثلاً، وهو ظاهر إن قصده.
وأما حرمة القبول .. فهو من قاعدة: أن من أعطي لصفة ظنت فيه .. لم يجز له قبوله، ولا يملكه إلا إن كان كذلك باطنا.
واعلم: أن الطيلسان سنة في حق من لاق به، وإلا كلبس سوقي طيلسان فقيه .. كره، بل ربما لا يندب له مطلقا، وقد تختل المروءة بتركه، فيكره تركه.
قال في "التحفة": وهو قسمان: (محنك)، وهو طويل عريض قريب من طول، وعرض الرداء، مربع يجعل على الرأس فوق نحو العمامة، ويغطى به أكثر الوجه، وهذا الأكمل فيه، ثم يدار طرفه، والأولى اليمين من تحت الحنك إلى أن يحيط بالرقبة جميعها، ثم يلقي طرفيه على الكتفين، وهذا أحسن ما قيل فيه.
وبينت في "الأصل" كيفيتين أخريين تقاربان هذه، وقد تلحقان بها في تحصيل السنة، ويطلق مجازاً على الرداء الذي هو حقيقة ما يجعل على الكتفين.
والثاني: مقوّر، والمراد به ما عدا الأول، فيشمل المدور والمثلث والمربع والمسدول، وهو ما يرخى طرفاه من غير إن يضمهما أو احدهما ولو بيده.
ثم قال: (وحكم الأول: الندب باتفاق العلماء، بل يتأكد للصلاة وحضور الجماعة، وجاءت فيه أحاديث صحاح، وآثار عن الصحابة فمن بعدهم.
والحاصل: أن ما كان مشتملاً على هيئة السدل -بأن يلقي طرفي نحو ردائه من الجانبين، ولا يردهما على الكتفين، ولا يضمهما بيده ولا غيرها- مكروه) اهـ مختصراً.
وحاصل السدل: أن العلماء اختلفوا فيه، فقال بعضهم: لا بأس به، ومنهم مالك، وكرهه بعضهم مطلقا، ومنهم الشافعي، وبعضهم في الصلاة، وحجتهم: صحة النهي عنه.
وقال في "در الغمامة": (قال ابن الأثير في "شرح مسند الشافعي": "الرداء الآن يسمى طيلساناً، فتارة يكون على الرأس، وهو مع التحنيك الطيلسان الحقيقي، وتسميته بالرداء مجاز، وتارة يكون على الأكتاف، وهو الرداء الحقيقي، وتسميته طيلساناً مجاز"، وقال فيه -في مبحث تحويل الرداء في الاستسقاء-: "الرداء: الثوب الذي يطرح على الأكتاف يلقى فوق الثياب، وهو مثل الطيلسان إلا أن الطيلسان يوضع على الرأس والأكتاف، والرداء على الأكتاف، وربما وضع في بعض الأحيان على الرأس) اهـ
واستفيد من قوله: "مثل الطيلسان .. الخ" أنه مثله في طوله وعرضه، وأنه يندب كف طرفيه ولو بيده، حتى يخرج عن السدل المكروه.
وقال فيه أيضاً بعد كلام طويل: "والسدل مكروه في الصلاة وغيرها، كما في "المهذب" و"البيان"، وغيرهما؛ لصحة النهي عنه".
وفسره أئمتنا وغيرهم، كصاحب "المغني" وغيره من الحنابلة، وصاحب "الهداية" وغيره من الحنفية بأن يسبل الثوب الموضوع على الرأس والكتف من غير أن يضم جانبية باليد أو غيرها، وتفسيره بأنه وضع وسط الرداء على الرأس وإرساله حتى يصل الأرض، للغالب بالنسبة لذكر الوسط والأرض.
وإلاَّ .. فظاهر كلامهم، بل صريحة أن لا يتقيد بذلك.
ومن ثم حرر ذلك بعضهم، فقال: (يكره السدل، وهو أن يلقي طرفي ردائه من الجانبين، ولا يردهما على الكتفين، ولا يضمهما بيده.
وظاهر هذا التفسير وما قبله: أن كراهة السدل لا تنتفي بإلقاء أحد الطرفين أو ضمه فقط، وهو محتمل.
ويؤيده قولهم -بعد ذكر كيفياته-: وإنما كره بهذه الكيفية؛ لأنها من زي اليهود والنصارى) اهـ
ويحتمل خلافه؛ لأن المقصود زوال هيئته التي هي شعار اليهود، لينتفي التشبه بهم، وقد زالت إلى آخر ما ذكره فيها.
وقد مرَّ في خصال الفطرة أن سدل الرداء يكون في الارتداء على أحد الكتفين، وهو ظاهر إطلاق ما مر هنا أيضاً، ومر ثم كراهة جعل الرداء على أحد الكتفين؛ لعدم العدل.
وعليه: فلا بد لنفي الكراهة في الرداء من جعله على الكتفين، ورد طرفيه على الكتفين، أو ضمهما بيده.
أورد أحدهما أو ضمه بيده، وإنما أطلت في ذلك؛ لأن غالب من يرتدي أو كلهم، لا يسلم من الكراهة.
(ويكره لبس الثياب الخشنة لغير غرض شرعي) كالزهد في الدنيا وكسر النفس وحله، وفي "الإمداد" كـ"النهاية": أنه خلاف الأولى، ويقاس به أكل الخشن.
وندب إن يبدأ بيمينه لبساً، ويساره خلعاً، وأن يخلع نعليه إذا جلس، ويجعلهما وراءه، أو بيساره إن لم يكن فيهما إنسان، وإلا فتحته وإن يطوي ثيابه ذاكراً اسم الله؛ لئلا يلبسها الجن كما في الخبر.
ويتأكد لمن يقتدي به تحسين الهيئة، والمبالغة في التجمل والنظافة، والمتوسط من نحو الملبوس بقصد التواضع أفضل، فإن قصد بالأعلى إظهار نعمة الله عليه .. ساوى
المتوسط تواضعاً، والمشي حافياً في بعض الأوقات بقصد التواضع، ويندب نفض نحو فراش احتمل حدوث مؤذ عليه.
تتمة: يحل لآدمي لبس متنجس في غير نحو صلاة حيث لا رطوبة؛ لأن نجاسته عارضة، وفي تكليف إدامته الطاهر مشقة، أمَّا مع الرطوبة .. فيحرم؛ لحرمة التضمخ في البدن والثوب بالنجس لغير حاجة، وكذا لا يحل المكث به في المسجد بلا حاجة؛ لوجوب تنزيهه منه، أمَّا نجس العين .. فلا يحل إلا لضرورة.
وخرج باللبس: غيره، كفرش جلد ميتة، فيحل، وبالآدمي: غيره، فيحل إلباس دابته جلد ميتة غير مغلظ، ومحل ذلك كله حيث لا ضرورة، وإلا كفجأة قتال وخوف على عضو له ولم يجد طاهراً .. فيحل.
ويحل مع الكراهة استصباح بدهن نجس أو متنجس بغير مغلظ، كالشمع المتخذ من دهن الحمير؛ لخبر: الفأرة تموت في السمن الذائب، فقال صلى الله عليه وسلم: "استصبحوا به، أو انتفعوا به" ودخان النجس يعفى عن قليله.
نعم؛ يحرم ذلك في المسجد مطلقاً، لكن مال الإسنوي إلى جوازه معللاً بقلة الدخان.
وكالمسجد دار غيره ولو مستأجرة إن أدَّى إلى تنجيس شيء منها.
نعم؛ ما جرت به العادة .. يتسامح به، وكذا قليل دخانها الذي لا يؤثر نقصاً.
ويجوز تنجيس البدن لغرض، كعجن سرجين، ووطء مستحاضة، وإصلاح فتيلة في دهن نجس، والتداوي به، وتنجيس ملكه كوضع نجس في إناء طاهر ما لم يضع به مالاً.