باب صلاة المسافر
(باب) كيفية (صلاة المسافر)
من حيث القصر والجمع، ويتبعه الجمع في المطر، فاندفع الإعتراض بأن الترجمة ناقصة على أن المعيب أن يترجم لشيء، ويذكر أنقص منه، أمَّا ذكر الزائد كما هنا .. فلا.
والأصل في القصر: آية (وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنْ الصَّلاةِ) [النساء:101].
وهي وإن كانت مقيدة بالخوف فقد صح جوازه في الأمن، كما في خبر يعلي ابن منية.
والإتمام جائز؛ لخبر عائشة: أنها قالت: يا رسول الله؛ قصرت وأتممت وصمت وأفطرت، فقال: "أحسنت".
وأمَّا خبر: "فرضت الصلاة ركعتين" أي: في السفر .. فمعناه لمن أراد الاقتصار عليهما؛ جمعاً بين الأدلة.
(يجوز للمسافر سفراً طويلاً) أي: مرحلتين فأكثر بأن يقصد ذلك وإن لم يبلغه (مباحاً) أي: جائزاً في ظنه، فيشمل الواجب والمندوب والمباح والمكروه، كأن يسافر وحده سيما بالليل؛ لخبر أحمد (كره صلى الله عليه وسلم الوحدة في السفر، ولعن راكب الفلاة وحده) أي: إن ظن ضرراً، وقال: "الراكب شيطان، والراكبان شيطانان، والثلاثة ركب".
نعم؛ من أنس بالله كأنس غيره بالرفقة .. لا تكره له، كما لو دعت حاجة للوحدة.
(قصر الظهر والعصر والعشاء ركعتين ركعتين) ولو صلاة صبي ومعادة، لا صبح ومغرب إجماعاً.
(أداءً) ولو بأن سافر وقد بقي من الوقت قدر ركعة، أي: شرع فيها، وأدرك من قدر الوقت ركعة كما في "الفتح"، واعتمده في "المغنى" وغيره.
(وقضاءً) عما فات، وقضى في سفر قصر يقيناً وإن تخلل بينهما إقامة طويلة.
(لا فائتة الحضر، و) لا (المشكوك) في (أنها فائتة حضر أو سفر) ولا فائتة سفر لا يجوز فيه القصر؛ وإن قضاها في سفر يجوز فيه القصر؛ لأنها ثبتت في ذمته تامة.
والأصل: الإتمام في المشكوك.
وخرج بـ (الطويل): القصير، وبـ (المباح): الحرام، فلا يجوز في الحرام قصر ولا غيره مِن رخص السفر، ولا شيء من رخص الطويل في القصير.
(والسفر الطويل يومان) أو ليلتان (معتدلان) أو يوم وليلة وإن لم يعتدلا، أي: أربعة وعشرون ساعة ذهاباً فقط تحديداً ولو ظناً (يسير الأثقال) أي: الحيوانات المثقلة بالأحمال ودبيب الأقدام مع اعتبار الحط والترحال والنزول المعتاد لنحو استراحة وصلاة وأكل وشرب على العادة.
قال الشرقاوي: قدر ذلك (ع ش) باثنين وعشرين ساعة ونصف -وفيه نظر- وهو أربعة أبرد، وبالفراسخ ستة عشر فرسخاً، وبالأميال الهاشمية -أي: العباسية- ثمانية وأربعون ميلاً.
والميل: ستة آلاف ذراع؛ وذلك: لما صح أن ابني عمر وعباس رضي الله عنهم كانا يقصران ويفطران في أربعة أبرد، ولا يعرف لهما مخالف، ومثله لا يكون إلا عن توقيف، بل جاء ذلك في حديث مرفوع صححه ابن خزيمة عن ابن عباس رضي الله عنهما.
ومسافة البحر كالبر، فلو قطعها في أحدهما في لحظة .. ترخص أي: وصل فيها مقصداً لا ينتهي سفره بوصوله، لكن لو نوى إقامة نحو يومين فيه وحينئذٍ فيترخص فيه.
ولو شك في طول سفره .. اجتهد، وأخذ باجتهاده؛ لأن القصر وإن كان رخصة لا يصار إليها إلا بيقين، فالظن الناشئ عن اجتهاد أقامه الفقهاء مقام اليقين.
فائدة: الرخص المتعلقة بالسفر الطويل: القصر والجمع والفطر في رمضان ومسح الخف ثلاثاً.
والمتعلقة بالسفر الطويل والقصير: أكل الميتة -وليس مختصاً بالسفر- والنفل على الراحلة وماشياً والتيمم وإسقاط الفرض به -ولا يختص ذلك بالسفر أيضاً- واستصحاب الوديعة معه فيه إذا لم يجد مالكها، ولا وكيله، ولا حاكم أمين وعدم القضاء في استصحاب إحدى زوجتيه لغير من صحبها مدة السفر.
(والإتمام) للصلاة (أفضل) من القصر حيث جاز في السفر (إلا في) ما إذا قصد ما أمده (ثلاث مراحل) وإن لم يبلغها؛ خروجاً من خلاف بعض أقوال الحنفية: إنها لا تقصر إلا في ذلك، بل حقق الكردي: أن المعتمد عندهم: أن الثلاث بقدر يومين عندنا، وحينئذٍ فالقصر في اليومين أفضل؛ رعاية لما اعتمده من أن الصلاة، غير المغرب فرضت ركعتين، فزيدت صلاة الحضر، وبقيت صلاة السفر كذلك.
(و) إلا (لمن وجد في نفسه كراهة القصر) لا رغبة عن السنة؛ لأنه كفر، بل لإيثاره الأصل، وهو الإتمام، فالأَوْلى له القصر، وكذا من شك في جوازه؛ لظن تخيله بشبهة، كتقيده بالخوف في الآية، فيؤمر به؛ قهراً لنفسه، أو كان ممن يقتدى به بحضرة الناس، فتعاطي الرخصة له أفضل؛ لئلا يشق على غيره.
ولملاّح معه أهله الإتمام أفضل له؛ للخلاف في جوازه له، وقد يجب، كأن يضيق الوقت عن الإتمام.
(فصل) فيما يتحقق، وينتهي به السفر، وبعض شروط القصر.
(وأول السفر) الطويل هنا، والقصير في نحو التنفل في السفر (الخروج من السور) وكتفيه الخارجين عن محاذاة بابه (في) البلد (المسوره) المختص بها ولو في جهة مقصده فقط وإن تعدد أو تهدم وبقيت تسميته سوراً، أو كان ظهره ملصقاً به، أو كان وراءه عمارة؛ إذ ما في باطنه ولو نحو مزارع محسوب من موضع الإقامة، وما كان خارجه لا يعد من البلد، والخندق كالسور، لكن لا عبرة به مع وجود السور، وكذا تحويط أهل القرى عليها بنحو التراب.
(و) أوله فيما لا نحو سور له في جهة مقصده مختص به الخروج (من العمران)
وإن تخلله نحو خراب وميدان وإن كبر، ولا تشترط مجاوزة الخراب والمزارع التي وراء البلد وإن اتصلت به.
لكن قيد (حج)، و (م ر) الخراب بما اتخذوه مزارع، أو حوّطوا عليه، وإلا .. فلا بد من مجاوزته، والقريتان إن اتصلتا عرفاً .. كقرية، وإلاَّ .. فكلٍّ حكمُه، وكل من الاتصال أو الانفصال الطارئ كالأصلي.
والمعتبر في سفر البر الخروج من العمران بحيث لا يسير بينه وإن سافر في طول البلد أو عرضه.
ومثله: سفر البحر المنفصل ساحله عن العمران، وفي سفر البحر المتصل ساحله بالعمران عرفاً الخروج منها (مع ركوب السفينة) وجريها، أو جري الزورق إليها آخر مرة، فإذا جرى كذلك .. جاز القصر لمن به ولمن بالسفينة ولو قبل وصوله إليها.
وإنما يعتبر جري السفينة أو الزورق (فيما لا سور له) كما في "التحفة"، و"الشرح"، واستوجهه الخطيب.
قال الكردي: وفي "شرح الإرشاد"، وكلام (م ر): اضطراب في النفل بينته في "الأصل".
على أنه لا فرق في ذلك بين السور والعمران، فلا بد من ركوب السفينة أو جري الزورق إليها في السواحل التي لا تصل السفينة إليها؛ لقلة عمق البحر فيها؛ فيذهب للسفينة بالزورق، فإذا جرى إليها أي: آخر مرة .. كان ذلك أول سفره.
قال (زي): (ومحل ما تقدم: ما لم تجر السفينة محاذية للبلد، وإلا كأن سافر من بولاق إلى الصعيد .. فلا بد من مفارقة العمران) اهـ
(و) أوله لساكن الخيام: (مجاوزة الحلة) -بكسر الحاء- وهي بيوت مجتمعة أو متفرقة، بحيث يجتمع أهلها للسمر في نادٍ واحد، ويستعير بعضهم من بعض.
ويشترط: مجاوزة مرافقها المختصة بها، كمطرح رماد وملعب صبيان وناد ومعاطن إبل وماء وحطب، وقد يشمل اسم الحلة لجميع ذلك؛ إذ كلها وإن اتسعت، معدودة من مواضع إقامتهم، هذا إن كانت بمستو.
فإن كانت بواد وسافر في عرضه، أوبربوة .. اشترط مجاوزة العرض، ومحل الصعود والهبوط إن اعتدلت هذه الثلاثة.
فإن أفرطت سعتها، أو كانت البيوت ببعض عرضه .. اكتفي بمحاوزة الحلة ومرافقها.
(وينتهي سفره) المجوز لترخصه (بوصوله) ما مر مما يشترط مجاوزته في ابتداء السفر وإن لم يدخله؛ لأن السفر على خلاف الأصل، فانقطع بمجرد وصوله، بخلاف الإقامة فأصل، فاشترط في قطعها الخروج، لا مجرد رجوعه.
وذلك بأن يصل (سور وطنه) فيما له سور (أو عمرانه إن كان) وطنه (غير مسور) وإن لم ينو الإقامة به.
(وبنية الرجوع) وبالتردد فيه من مستقل ماكث ولو بمحل لا يصلح لإقامة، كمفازة قبل وصوله مسافة قصر (إلى وطنه) سواء أقصد مع السفر ترك السفر، أو أخذ شيء منه، فلا يترخص في إقامته ولا رجوعه إلى أن يفارق وطنه؛ تغليباً للوطن، فإن سافر .. فسفر جديد.
وخرج بـ (وطنه): غيره، فيترخص، وإن دخله وكان له أهل فيه، و (بنية الرجوع): رجوعه إليه ضالاً عن الطريق، وبـ (المستقل) نحو عبد وزوجة، فلا أثر لنيتهم، وبـ (الماكث): السائر لجهة مقصده، فلا أثر لنيته؛ إذ فعله يخالف نيته، فألغيت ما دام فعله موجوداً، وبـ (قبل وصوله مسافة القصر): ما لو رجع، أو نوى الرجوع من بعيد لحاجة، ما لم يصل وطنه.
(و) ينتهي أيضاً (بوصول موضع نوى) المستقل (الإقامة فيه مطلقا) أي: من غير تقييد بزمن وإن لم يصلح للإقامة.
(أو) نوى أن يقيم فيه (أربعة أيام) بلياليها (صحيحه) أي: غير يومي الدخول والخروج؛ لأن في الأول الحط، وفي الثاني الرحيل، وهما من أشغال السفر.
(أو) أن يقيم فيه (لحاجة لا تنقضي إلا بالمدة المذكورة)؛ لأنه صلى الله عليه وسلم رخص للمهاجرين في إقامة ثلاثة أيام بمكة مع حرمة المقام بها عليهم، والترخص فيها يدل على بقاء حكم السفر فيها، وفي معناها ما فوقها ودون الأربعة، وألحق بإقامتها نية إقامتها.
وشمل قوله: (بوصوله): ما لو خرج قاصداً مرحلتين ثم عنَّ له أن يقيم بمحل قريب منه، فيترخص ما لم يصله؛ لانعقاد سبب الرخصة في حقه، فلم تنقطع إلا بوصوله ما غيَّر النية إليه.
(وإن كان) المستقل نوى الإقامة بمحل لحاجة، كريح وقافلة ورفقة يريد السفر معهم إن خرجوا، وإلاَّ فوحده.
فإن نوى أن يسافر إلا إن سافروا .. لم يترخص؛ لعدم جزمه بالسفر، وذلك بأن (يتوقع قضاءها) أي: الحاجة (كل وقت) أي: قبل مضي أربعة أيام صحاح (ترخص) بقصر وغيره، ولو غير مقاتل (إلى ثمانية عشر يوماً) بلياليهن غير يومي الدخول والخروج؛ (لأنه صلى الله عليه وسلم أقامها بعد فتح مكة؛ لحرب هوزان، يقصر الصلاة) حسنه الترمذي، وإن ضعفه الجمهور؛ لأن له شواهد تجبره، وصح رواية: عشرين، فحمل على أنه عدَّ يومي الدخول والخروج منها.
واعلم أن للقصر ثمانية شروط:
الأول: السفر الطويل، كما مر.
وشرطه: أن يكون لغرض صحيح، ولم يعدل عن طريق قصير إلى طويل؛ لغرض القصر وحده، بل لنحو أمن أو سهولة، أو تنزه ولو مع القصر، فالتنزه لا يصح كونه غرضاً حاملاً على السفر، ويصح كونه غرضاً حاملاً على العدول من قصير إلى طويل، فإن سافر لغير غرض صحيح، كأن كان لمجرد رؤية البلدان والتنقل فيها .. لم يقصر، ولو كان لمقصده طريقان: طويل وقصير .. فالعبرة بما سلكه منهما.
الثاني: كونه مباحاً، كما مر، فلا يترخص العاصي بسفره، كآبق وناشزة ومدين بغير رضا دائنه إن حل وقدر على وفائه وإن قل وقصر السفر وجرت العادة بالمسامحة في مثله، وغير الدين من الحقوق كالدين .. فلا بد من نحو وفائه، أو أذن من له الحق أو ظن رضاه، والمراد بالمعصية ولو صورة، كسفر صبي بغير أذن أصله، وإن قصد مع المعصية غيرها كسفر بغير إذن دائن للحج، ولو نوى به مباحاً ثم في أثنائه نوى به معصية .. امتنع ترخصه من حينئذٍ، أو عكسه .. ترخص إن بقي من سفره مرحلتان.
وخرج بـ (العاصي بسفره): العاصي في سفره كأن سافر سفراً مباحاً، ثم في أثنائه سرق مثلاً فيترخص، ومن العاصي بسفره من يتعب نفسه أو دابته بالركض من غير غرض يبيح ذلك.
الثالث: أن يقصد محلاً معلوماً أولاً، بأن يعلم أن مسافته مرحلتان فأكثر، سواء كان معيناً كمكة، أو غير معين كالحجاز.
(و) بما تقرر علم أنه (لا يقصر هائم) وهو من لايدري أين يذهب، سلك طريقاً أم لا، ومن لم يسلكه يسمى راكب التعاسيف، أي: الطرق المائلة، ولا يترخص بشيء من رخص السفر وإن طال تردده؛ لأنه عبث لا يليق به الترخيص.
وبعض أفراده حرام، كمن يتعب نفسه أو دابته بالسفر بلا غرض.
فما أوهمه كلام بعضهم: أنه عاص بسفره مطلقاً .. يرده قولهم: لو قصد مرحلتين .. قصر فيهما، وكذا فيما بعدهما عند (م ر)، لكن نظر بعضهم في كونه في المرحلتين هائماً، وأمَّا بعدهما .. فإنما جاز ترخصه عند (م ر) تبعاً.
(و) لا (طالب غريم، أوآبق لا يعرف موضعه) وقد عقد سفره بنية أنه متى وجده .. رجع؛ لأنه لم يعزم على سفر طويل، ومن ثم لو علم أنه لا يجده إلا بعد مرحلتين .. قصر فيهما كما لو قصدهما الهائم، وكذا فيما بعدهما عند (م ر)، والمرحلتان مثال.
فلو علم أنه لا ينقضي قبل عشر مراحل .. قصر فيها.
وقد شمل ذلك قولنا السابق بأن يعلم أن مسافته مرحلتان فأكثر.
كما شمل قولنا: (أولاً) مَنْ قصد في ابتداء سفره مرحلتين، ثم عنَّ له بعد مفارقته العمران أنه يهيم أو يرجع إذا وجد غرضه، أو يقيم قبلها، فيترخص إلى أن يقيم؛ لانعقاد سبب الرخصة في حقه، كما مر.
نعم؛ إن كان من طرأ له أنه يهيم عاصياً بذلك .. امتنع عليه الترخيص.
أمَّا من نوى ابتداء دون مرحلتين، ثم نوى في سفره الزيادة .. فلا يترخص، ما لم يكن من محل نيته الزيادة إلى مقصده مرحلتان.
(ولا) تقصر (زوجة وعبد لا يعرفان المقصد) للزوج والسيد؛ لفقد شرط القصر، وهو تحقق السفر الطويل (إلا بعد مرحلتين) فيقصران؛ لتحققه، وكذا قبلهما أن علما أن سفر متبوعهما يبلغهما ولو برؤيتهما له يقصر الصلاة، بخلاف إعداده عدة كثيرة لا تكون إلا لسفر طويل عادة، خلافاً للأذرعي.
لكن استوجه (سم) كلامه حيث ظن بهذه القرينة طول سفره.
ومثلهما، فيما مر الجندي، وأجيرُ عينٍ، وأسير.
ولو نووا مسافة القصر دون متبوعهم، أو مع الجهل بحاله .. قصر الجندي فقط؛ لأنه ليس تحت يد الأمير وقهره إن كان متطوعاً، ولم يختل به النظام، بخلاف من يختل يه، كأكثر الجيش، وشجاع.
(فصل) في بقية (شروط القصر)
وهي خمسة:
الأول: (العلم بجوازه) فلو قصر أو جمع جاهلاً بجواز ذلك .. لم يصح؛ لتلاعبه.
(و) الثاني: (أن لا يقتدي) في جزء من صلاته (بمتم) حال قدوته به وإن ظنه مسافراً، أو تبين كونه محدثاً، أو ذا نجاسة بعد تبين إتمامه، ولو كان اقتداؤه به لحظة ودون تكبيرة الإحرام، وإن أحدث عقب اقتدائه به ولم يجلس معه، كأن أدركه في آخر صلاته، ولو من نحو صبح أو جمعه أو سنة؛ لأنها تامة.
(ولا بمشكوك السفر) وإن بان مسافراً؛ لأنه حينئذٍ لم يجزم بنية القصر، والجزم بها شرط، فإذا اقتدى في جزء من صلاته بأحدهما أو بمن لم يعلم من حاله شيئاً .. لزمه الإتمام؛ لتقصيره بشروعه متردداً فيما يسهل كشفه في الأخيرين؛ لظهور شعار المقيم والمسافر غالباً، والأصل الإتمام، ولأن ذلك هو السنة في الأولى؛ لما صح عن ابن عباس أنه سئل: ما بال المسافر يصلي ركعتين إذا انفرد، وأربعاً إذا ائتم بمقيم؟ فقال: (تلك السنة).
وخرج (بمتم حال القدوة): ما لو لزمه الإتمام بعد مفارقة المأموم له.
و (بتبين حدثه بعد تبين إتمامه): ما لو تبين من ظنه مسافراً .. محدثاً، ثم متماً، أو بانا معاً، فلا يلزمه الإتمام.
وإذا علمه متماً ونوى القصر خلفه وهو مسافر .. انعقدت تامة؛ لأنه من أهل القصر في الجملة، بخلاف المقيم فلا تنعقد له؛ لأنه ليس من أهله.
قال (ب ج): والذي أفاده شيخنا الحفني: أنها لا تنعقد فيهما؛ لأنه متلاعب.
ولو استخلف قاصر لنحو خبث متماً من المقتدين به أو غيرهم .. أتم المقتدون وإن لم
ينووا الاقتداء به حيث لا تجب نيته، كأن كان مقتدياً به، وموافقاً لنظم صلاته، واستخلف عن قرب؛ لأنهم مقتدون به حكماً، بدليل لحوقهم سهوه.
ولو لزمه الإتمام، ففسدت صلاته وإن لم تسقط القضاء، كصلاة فاقد الطهورين ونحوه عند (حج) .. وجب في الإعادة والقضاء إتمامها، بخلاف ما لو تبين عدم انعقادها.
والضابط: أن كل ما عرض فساده بعد موجب الإتمام يجب إتمامه، وما لا، فلا.
ولو ظنه مسافراً وشك في نيته القصر ونواه .. قصر إن قصر وإن علق نيته، كأن قال: إن قصر قصرت؛ لأن الظاهر من حال المسافر القصر، ولا يضر التعليق؛ لأنه محل ضرورة حيث لم يكن تصريحاً بمقتضى الحال، وإلا .. لم يضر، كما هنا.
(و) الثالث: (أن ينوي القصر) وما في معناه، كصلاة السفر أو الظهر ركعتين؛ لأنه خلاف الأصل، فاحتيج لصارف عنه، بخلاف الإتمام، ولا بد من كون نيته (في الإحرام) بأن يقرنها به يقيناً.
الرابع: التحرز عما ينافي نية القصر، بأن لا يأتي بما ينافيها إلى السلام، فإن عرض مناف لها، كأن تردد، هل يقطعها؟ أو شك، هل نوى القصر أم لا؟ أتم وإن تذكر حالاً؛ لأنه الأصل، وبه فارق الشك في أصل النية إذا تذكر حالاً.
نعم؛ لأنه يضر تعليقها بنية إمامه، كما مر قريباً.
ولو قام إمامه لثالثة، فشك، أهو متم أو ساه؟ .. أتم وإن بان أنه ساه.
نعم؛ لو أوجب إمامه القصر -كحنفي- بعد ثلاث مراحل .. لم يلزمه الإتمام؛ حملاً لقيامه على السهو، بل ينتظره أو يفارقه، ويسجد فيهما للسهو؛ لتوجهه عليه بقيام إمامه.
ولو قام القاصر لثالثة عامداً عالماً بلا موجب للإتمام، كنيته .. بطلت صلاته، أو ناسياً أوجاهلاً .. فلا، وليعد عند تذكره أو علمه، فإن أراد أن يتم .. عاد ثم قام بنية الإتمام؛ لأن قيامه الأول لغو، ويسجد للسهو.
(و) الخامس: (أن يدوم سفره من أول صلاته إلى آخرها) فإن انتهت به سفينته إلى ما يقطع ترخصه، أو شك هل بلغتها؟ أو نوى الإقامة المنافية للترخيص، أو شك في نيتها .. أتم؛ لزوال تحقق الرخصة.
(فصل) في الجمع بين الصلاتين بالسفر والمطر.
(ويجوز) في السفر المجوز للقصر (الجمع بين العصرين) أي: الظهر والعصر، وغلبت؛ لشرفها، لأنها الوسطى.
(و) بين (العشاءين) أي: المغرب والعشاء، وغلبت؛ لأنها أفضل، والنهي عن تسمية المغرب عشاء حيث لا تغليب، وعبر بعضهم بالمغربين كأنه أراد به دفع تسمية المغرب عشاء وهو مكروه.
و (الجواز) يصدق: بـ (خلاف الأولى) كما يأتي، وبـ (المندوب) كأن كان عالماً يقتدى به، وبـ (الواجب)، كأن نوى تأخير الظهر مع العصر وبقي من وقت العصر أربع ركعات، فيجب عليه الجمع تأخيراً مع القصر؛ ليدركهما أداء.
ومنعه المزني كأبي حنيفة مطلقاً إلا في النسك بعرفة ومزدلفة، وجوزا القصر ولو للعاصي بسفره؛ لأنه الأصل عندهما في صلاة السفر، فليس برخصة، بل عزيمة، وفيه فسحة عظيمة؛ إذ يندر غاية الندور مسافر غير عاص بسفره؛ إذ يمتنع سفر من عليه حقٌ حالٌ وإن قل ولو ميلاً إلا برضا دائنه، أو ظن رضاه.
وأما الجمع .. فيمتنع عندهما مطلقاً، وعندنا يمتنع على العاصي للمعصية، وهو مذهب مالك وأحمد كما في "الميزان"، فصار الجمع للعاصي ممتنع اتفاقاً بين الأئمة الأربعة، فلينتبه لذلك.
(تقديماً) في وقت الأولى، قال (ب ج): (فلا بد من فعلهما جميعهما في الوقت، لكن نقل (سم) عن الروياني: أنه يجوز الجمع إن بقي من وقت المغرب -مثلاً- ما يسع المغرب، ودون ركعة من العشاء؛ لأن وقت المغرب يمتد إلى الفجر عند العذر، فكما اكتفي بعقد الثانية في السفر ينبغي أن يكتفي بذلك في الوقت) اهـ
والجمعة كالظهر.
(وتأخيراً) في وقت الثانية ولو لمتحيرة، وفاقد طهورين، بخلاف جمع التقديم، فلا يصح من متحيرة؛ لأن شرطه ظن صحة الأولى، وهو منتف فيها، وألحق بها من لم تسقط صلاته القضاء كفاقد الطهورين، كما في "شرحي الإرشاد" و"الشرح"، لكن نظر فيه في "التحفة"، وقال في"النهاية": فيه وقفة، وإذا جمعهما كان كل منهما
أداء؛ لأن وقتيهما صارا بالجمع كالوقت الواحد، وذلك لثبوت جمع التأخير في الصحيحين عن أنس، وابن عمر، وجمع التقديم: في البيهقي، وصححه ابن حبان، وحسنه الترمذي.
فيمتنع جمع العصر مع المغرب، وجمع العشاء مع الصبح، وهي مع الظهر؛ اقتصاراً على الوارد.
وكذا صلاتان نذرهما في وقتين من يوم واحد.
وكون النذر يسلك به مسلك واجب الشرع إنما هو في العزائم لا في الرخص على أنه ليس كل واجب يجمع.
(وتركه) أي: الجمع (أفضل)؛ لما فيه من إخلاء أحد الوقتين عن الصلاة، وخروجاً من خلاف من منعه وإن خالف السنة الصحيحة؛ إذ تأويلهم لها له نوع تمسك في جمع التأخير، وطعنهم في صحتها في جمع التقديم محتمل مع اعتضادهم بالأصل فروعي، لكن قال الكردي: في التأخير أحاديث لا تقبل التأويل، ومرَّ أن الجمع بعرفة ومزدلفة متفق عليه، لكن الحنفية يجعلونه للنسك، ونحن نجعله للسفر.
والأفضل لمن كان سائراً في أحد الوقتين، نازلاً في الآخر الجمع في وقت النزول.
وإن كان نازلاً أو سائراً فيهما .. فالتقديم عند (حج) أفضل؛ مسارعة لبراءة الذمة، والتأخير عند (م ر) أفضل؛ لأن وقت الثانية وقت للأولى في العذر وغيره، والأولى وقت للثانية في العذر فقط.
فإن اقترن أحد الجمعين بكمال دون الآخر .. فهو أولى اتفاقاً (إلا لمن وجد في نفسه كراهة الجمع، أو شك في) دليل (جوازه) أو كان ممن يقتدى به .. فيسن له الجمع نظير ما مر في القصر (أو) كان (يصلي منفرداً لو ترك الجمع) وفي جماعة لو جمع، وكذا كل كمال اقترن بالجمع وخلا عنه تَركُه .. فالجمع أفضل، وكذا بعرفة وبمزدلفة وإن لم يقترن به كمال، كما يأتي.
(وشروط) جمع (التقديم أربع) ويزاد خامس: وهو بقاء وقت الأولى، فإن خرج أثناء الثانية، أو شك في خروجه .. بطلت؛ لبطلان الجمع.
قال (ب ج) والمدابغي وغيرهما وهو الصحيح، خلافاً لما نقله (سم) عن الروياني
كما مر، لكن قال الكردي: ولم يرتضه الشارح، أي: (حج).
وسادس: وهو ظن صحة الأولى؛ لتخرج صلاة المتحيرة، كما مر.
وسابع: وهو العلم بجوازه، كما في القصر.
الأول من الشروط الأربعة: (البداءة بالأولى)؛ إذ الوقت لها، والثانية تبع لها، والتابع لا يتقدم على المتبوع، فإن قدم الثانية .. بطلت إن علم وتعمد، وإلا .. وقعت نفلاً مطلقاً إن لم يكن عليه فائتة من نوعها، وإلا .. وقعت عنها -على ما مر في ركن النية من صفة الصلاة- وكذا لو بان فساد الأولى .. وقعت له الثانية نفلاً مطلقاً، أو عن فرض فائت عليه من نوعها.
(و) الثاني: (نية الجمع)؛ تمييزاً للتقديم المشروع عن غيره، وتكفي النية (فيها) أي: الأولى (ولو مع السلام) منها، أو بعد نية فعله ثم تركه؛ لوجود محل النية، وهو الأولى.
ولو نوى تركه بعد تحلله، ولو أثناء الثانية ثم أراده ولو فوراً .. لم يجز عند (حج)؛ لفوات محل النية.
وفارق القصر بأنه يلزم من تأخر نيته عن الإحرام تأدي جزء منها على التمتم، والأفضل قرن نيته بتحرم الأولى؛ خروجاً من الخلاف.
(و) الثالث: (الموالاة بينهما) في الفعل؛ للاتباع في الجمع بنمرة، وقياساً في غيره، ولأن الجمع يجعلهما كصلاة واحدة، فوجبت الموالاة كركعات الصلاة الواحدة، ولا يضر فصل بأقل من ركعتين خفيفتين ولو مع تردد في نية الجمع إن تذكرها، بخلاف الطويل ولو سهواً، أو في شغل الطهارة، ولذا تركت الرواتب بينهما، بل يصلي قبلية الظهر مثلاً، ثم الفرضين، ثم بعدية الأولى، ثم قبلية الثانية، ثم بعديتها.
ولو جمعها ثم علم بعد فراغهما أو في أثناء الثانية -وقد طال الفصل بين سلام الأولى والتذكر فيهما- ترك ركن من الأولى .. بطلت الأولى بترك الركن، وتعذر التدارك، وبطلت الثانية؛ لعدم صحة الأولى، وتقع له نفلاً مطلقاً على ما مر وله جمعهما تقديماً وتأخيراً؛ لأنه لم يصل.
أمَّا إذا لم يطل فصل .. فيلغو ما أتى به من الثانية ويبني، أو علم ترك ركن من الثانية .. فيتداركه إن لم يطل فصل، وإلا .. فيعيدها في وقتها، أو جهل الترك، هل هو
من الأولى أو الثانية؟ فيعيدهما لوقتهما ولا جمع، فيجعل الترك من الأولى؛ لتلزمه إعادتها، ومن الثانية؛ ليمنعه من جمع التقديم لطول الفصل بها، وله جمعهما تأخيراً.
(و) الرابع: (دوام السفر إلى) تمام (الإحرام بالثانية) فلو أقام قبله .. فلا جمع، وتعين إيقاع الثانية لوقتها، أمَّا عقد الأولى .. فلا يشترط السفر عنده، حتى لو أحرم بالأولى في الإقامة ثم سافر، فنوى .. كفى.
ولا يشترط في جمع التأخير شيء من الشروط الثلاثة الأولى؛ لأنها إنما اشترطت؛ لتتحقق التبعية، لعدم صلاحية الوقت للثانية، والوقت هنا للثانية، فلم يحتج لشيء منها.
نعم؛ هي سنة فيه.
(و) إنما (يشترط في) جمع (التأخير) شيئان: أحدهما: (نيته) -أي: التأخير- أي: نية إيقاع الأولى في وقت الثانية، فإن نوى التأخير بلا نية إيقاع .. عصى وصارت قضاء.
ولا بد من كون نية التأخير (قبل خروج وقت الأولى ولو بقدر ركعة)؛ ليتميز عن التأخير المحرم، وهذا بناء على أنه يكفي قدر ركعة لوقوع الأولى في وقت الثانية أداءً، وإن عصى بتأخير النية إلى ذلك، واعتمده (حج).
واعتمد (م ر) أنها لا تقع أداءً إلا إذا بقي من وقتها ما يسع جميعها.
ولو ترك هذه النية عامداً عالماً .. أثم، وصارت الأولى في وقت الثانية قضاء، أو جهلاً أو سهواً .. فقضاء بلا إثم.
(و) الثاني: (دوام السفر إلى تمامها) أي: الثانية (وإلا) يدم إلى تمامها بأن أقام ولو في أثنائها ( .. صارت الأولى) وهي الظهر أو المغرب (قضاء)؛ لأنها تابعة للثانية في الأداء للعذر وقد زال قبل تمامها.
وقضيته: أنه لو قدم الثانية وأقام في أثناء الأولى .. لا تكون قضاء؛ لوجود العذر في جميع المتبوعة، واعتمده الإسنوي كالسبكي، وهو قياس جمع التقديم، لكن فرق بين الاكتفاء في جمع التقديم بدوام السفر إلى عقد الثانية واشتراط دوامه -هنا- بأن وقت الظهر ليس وقتاً للعصر إلا في السفر، وقد وجد عقد الثانية، فيحصل الجمع ووقت
العصر يجوز فيه الظهر بعذر السفر وغيره، فلا ينصرف فيه الظهر الى السفر إلا إذا وجد فيهما، وإلا .. جاز أن ينصرف إليه؛ لوقوع بعضها فيه، وأن ينصرف لغيره؛ لوقوع بعضها في غيره الذي هو الأصل، واعتمد ذلك (م ر)، وتردد فيه (حج).
(ويجوز الجمع بالمطر) وكذا الثلج والبرد إن ذابا، وبلاَّ الثوب أو كبر قطعهما (تقديماً) لا تأخيراً؛ إذ استدامه المطر ليست إلى المصلي بخلاف السفر.
ويجوز جمع العصر إلى الجمعة بعذر المطر كالسفر؛ ذلك لما صح: أنه صلى الله عليه وسلم جمع بالمدينة الظهر والعصر، والمغرب والعشاء من غير خوف ولا سفر.
قال الشافعي كمالك رضي الله عنهما: أرى ذلك بعذر المطر، ويؤيده جمع ابن عباس، وابن عمر رضي الله عنهم به.
وإنما يباح الجمع به في العصرين والعشاءين (لمن) وجدت فيه الشروط السابقة في جمع التقديم.
نعم؛ الشرط هنا: وجود المطر عند الإحرام بالأولى، والتحلل منها، ودوامه إلى الإحرام بالثانية، ولا يضر انقطاعه فيما عدا ذلك.
و (صلى) أي: أراد أن يصلي (جماعة في مكان) مسجد أو غيره، وكانت تلك الجماعة تأتي ذلك المكان من محل (بعيد) عنه (وتأذى) كل منهم تأذياً لا يحتمل عادة (بالمطر) أو نحوه (في طريقه) إليه.
بخلاف ما لو صلى منفرداً أو جماعة في بيته، أو في غيره وهو قريب بحيث لا يتأذى به، أو وجد كناً يسير إليه فيه .. فلا يرجع.
ولا يجوز بغير سفر ومطر، كمرض ووحل وريح وظلمة وخوف على المشهور.
واختار النووي وغيره الجمع بالمرض تقديماً وتأخيراً، وهو مذهب أحمد، واختاره جمع من أئمتنا.
وضبط المرض بما يشق معه فعل كل فرض في وقته، كمشقة بلل المشي في المطر، بحيث تبل ثيابه.
وقال آخرون: لا بد من مشقة ظاهرة زائدة على ذلك بحيث تبيح الجلوس في الفرض.
قال في "التحفة": (وهو الأوجه على أنهما متقاربان، ثم قال: ويراعي الأرفق به، فإن كان يزداد مرضه كأن يحم مثلاً وقت الثانية .. قدمها بشروط جمع التقديم، أو في وقت الأولى .. أخرها بنية الجمع، وبما أفهمه ما قررته -أن المرض موجود، وإنما التفصيل بين زيادته وعدمها عادةً- يندفع ما قيل في كلامهم هذا؛ جواز تعاطي الرخصة قبل سبب وجودها اكتفاء بالعادة.
وقضيته: حل الفطر قبل مجيء الحمى؛ بناءً على العادة.
وعلله الحنفية بأنه لو صبر لمجيئها .. لم يستمرئ بالطعام؛ لاشتغال البدن.
ونظيره الفطر قبل لقاء العدو إذا أضعفه الصوم عن القتال) اهـ
وفي .. الأصل .. بسط في هذا المقام.