وفي "التحفة": (ولو دل الحساب القطعي باتفاق أهله على عدم رؤيته، وكان المخبر منهم بذلك عدد التواتر .. ردت الشهادة به) اهـ
والمراد عدل شهادة لا رواية، فلا يكفي فاسق وصبي وعبد وامرأة، بخلافهما في الرواية.
ولا تشترط هنا العدالة الباطنة في الشاهد، وهي التي يرجع فيها إلى قول المزكين، بل تكفي العدالة الظاهرة، وهي التي لا يعرف لصاحبها مفسق وإن لم يعلم له تقوى؛ احتياطاً للعبادة.
ولا بد من لفظ الشهادة كأشهد أني رأيت الهلال، أو أنه هلَّ، لا أن غداً من رمضان عند (حج) وإن لم يتقدم دعوى؛ لأنها شهادة حسبة.
ومن قول القاضي ثبت عندي، أو حكمت بشهادته.
وليس المراد حقيقة الحكم؛ لأنه إنما يكون على معين مقصود، ومن ثَمَّ لو ترتب عليه حق لآدمي ادعاه .. كان حكماً حقيقة، ولا أثر لتردد يبقى بعد الحكم بشهادته.
نعم؛ إن علم قادحاً فيه .. عمل به باطناً، كفسق الشاهد، وكذا القاضي إن انعزل بالفسق بأن لم يعلم بفسقه موليه، أو بزيادته، ولا لدلالة الحساب على عدم الرؤية ما لم يكن قطعياً كما مر.
ودليل الاكتفاء بواحد خبر ابن عمر: (أخبرت النبي صلى الله عليه وسلم أني رأيت الهلال، فصام، وأمر بصيامه) وغيره.
وقوله: أخبرت، أي: شهدت عنده؛ لأنه من باب الشهادة، لا الرواية.
ولا يكلف الشاهد ذكر صفة الهلال، لكن لو ذكر محله، ثم بان الليلة الثانية بخلافه مما لم يمكن عادة .. ردت شهادته.
ولو تعارضا في محله .. عمل باتفاقهما على أصل الرؤية ولا أثر لرجوع شاهد أو حاكم بعد الحكم بثبوته، أو بعد الشروع في الصوم ولو بلا حكم .. قال الونائي: فإن رجعا .. امتنع العمل بالشهادة والحكم.
ومحل ثبوته بواحد بالنسبة للصوم، وكذا توابعه، كتراويح، ونحوها مما يتعلق برمضان، وكذا كل عبادة ثبتت بواحد، لا بالنسبة لنحو أجل وطلاق وعتق علقا به إلا في حق من رآه.
وخرج برؤية العدل: شهادته بثبوته في بلد آخر، فلا بد من اثنين، وما مر في ثبوته على العموم.
وأمَّا ثبوته على الخصوص .. فعلى من رآه ولو فاسقاً، وعلى من تواتر عنده -ولو من كفار- رؤيته أو ثبوته في محل متفق مطلعه مع مطلع محله، وعلى من أخبره موثوق به أنه رآه، أو ثبت فيما يوافق مطلعه مطلع محله ما لم يعتقد خطأه، أو غير موثوق به، كصبي أو فاسق وقع في قلبه صدقه، وعلى من عرفه بحسابه أو تنجيمه، ولا يجزئهما عن صوم رمضان عند (حج)، وعلى من أخبراه ممن اعتقد صدقهما، وكله مشكل؛ فإنَّ الحساب والتنجيم غايتهما إن يدلا على وجوده، وقد قالوا: لا عبرة به، بل العبرة برؤيته.
وعلى من رأى العلامات التي تدل على ثبوته، كقناديل معلقة بالمنائر وسماع مدافع أو طبول مما يحصل له به اعتقاد جازم على ثبوته، وعلى من ظن دخوله بالاجتهاد في حق نحو محبوس جهل وقته.
وهذه المذكورات كما يجوز له بها صوم رمضان يجوز بها الفطر عنه.
وإذا صمنا ثلاثين بعدل .. أفطرنا وإن لم نر الهلال بعدها، ولم يكن غيم، كما لو صمنا بعدلين.
والشيء قد يثبت ضمناً بطريق لا يثبت فيها مقصوداً، كالنسب والإرث لا يثبتان بالنساء، ويثبتان بهنّ ضمناً؛ تبعاً للولادة الثابتة بهنّ.
ولو صام بقول من اعتقد صدقه ثلاثين، ولم ير الهلال ليلة إحدى وثلاثين .. لم يفطر عند (حج)؛ لأنه إنما صومناه؛ احتياطاً، فلا نفطره احتياطاً.
وفارق العدل بأنه حجة شرعية.
(وإذا رئي الهلال ببلد .. لزم) الصوم (من وافق مطلعهم مطلعه) دون من خالفه، كما في طلوع الفجر والشمس وغروبهما، أي: في إلحاق من لا فجر أو لا نهار أو لا ليل له بمن له ذلك في دخول أوقات ذلك باتحاد المطلع، لا بمسافة القصر.
قال في "التحفة": (ولأن الهلال لا تعلق له بمسافة القصر، ولأن المناظر تختلف باختلاف المطالع والعروض، فكان اعتبارها أولى، وتحكيم المنجمين إنما يضر في الأصول دون التوابع كما هنا) اهـ
قال (ب ج): (ولأن اعتبار مسافة القصر يؤدي إلى أن يجب الفطر على من بالبلد، والصوم على من هو خارجها؛ لوقوعهم في مسافة القصر؛ إذ هي تحديد، وإلى أن يكون من خرج من البلد .. لزمه الإمساك، ومن دخلها .. لزمه الفطر، وهذا يجري أيضاً على قول (م ر) في اختلاف المطلع أن يكون بين البلدين أربعة وعشرون فرسخاً) اهـ
وقال الشرقاوي: (الذي عليه الفقهاء أنَّ ما بينهما أربعة وعشرون فرسخاً، مطلعهما مختلف، وما دونهما متحد، ذكره (ح ل) على "المنهج"، وقرره شيخنا عطيه) اهـ
وفي شرح "المنهج" قال الإمام: (اعتبار المطالع يحوج إلى حساب وتحكيم المنجمين، وقواعد الشرع تأبى ذلك، بخلاف مسافة القصر التي علق بها الشارع كثيراً من الأحكام، والأمر كما قال) اهـ
واتحاد المطلع: أن يكون غروب الشمس والكواكب وطلوعها في المحلين في وقت واحد، فإن طلع أو غرب شيء من ذلك في أحد المحلين في وقت قبل الآخر، أو بعده .. فمختلف.
والشك في اختلافها كتحققة؛ إذ الأصل عدم الوجوب ما لم يبن اتفاقها.
ومعرفته فرض كفاية كالقبلة، وكذا ترائي الأهلة.
ولا يمكن اختلاف الهلال في أقل من أربعة وعشرون فرسخاً.
ولو أثبت مخالف الهلال مع اختلاف المطالع .. لزمنا العمل بمقتضى إثباته.
ولو سافر من محل الرؤية إلى محل يخالفه في المطلع، ولم ير أهله الهلال .. وافقهم في الصوم آخر الشهر، فيمسك معهم وإن كان معيِّداً؛ لأنه صار منهم.
وكذا ولو وصل صائم لمحل أهله معيِّدون .. فيفطر معهم، وقضى يوماً إن صام ثمانية وعشرين ما لم يرجع منه قبل تناوله مفطراً.
ولا يختص ذلك بالصوم، بل لو صلى المغرب بمحل، فسافر لمحل آخر لم تغرب فيه .. وجبت إعادتها.
وخرج بـ (آخر الشهر): ما لو انتقل إليهم من محل رأوه فيه إلى محل لم يروه .. فلا يفطر معهم، كما في "التحفة".
قال (سم): والوجه التسوية بين الأول والآخر، ونقله (ب ج) عن (ح ل) عن (م ر).
وبه يلغز بأن شخصاً رأى الهلال ليلاً، وأصبح مفطراً بلا عذر.
وفي (ب ج): (أن القمر لا يستتر أكثر من ليلتين، أي: لا يطلع بعد الفجر آخر الشهر أكثر منهما قبل الشمس، فإذا استتر ليلتين .. فالليلة الثالثة أوَّل الشهر بلا ريب) اهـ
وفي "النهاية" و"الإمداد": (يلزم من رؤيته بالمشرق كمكة .. رؤيته بالمغرب كمصر، دون العكس، وأنه لو مات متوارثان أحدهما بالمشرق، والآخر بالمغرب، كل منهما وقت زوال محله .. ورث الغربي الشرقي؛ لتأخر زوال بلده) اهـ
وهو ظاهر في الإرث غير ظاهر في الرؤية؛ إذ ما ذكر يستلزم وجود الشهر، لا رؤيته، والمدار عليها لا عليه.
(ولصحة الصوم) لرمضان وغيره (شروط) أي: أمور لابد منها، بعضها أركان، وهي الأربعة الأول:
(الأول) منها (النية)؛ لخبر: "إنما الأعمال بالنيات".
وإنما وجبت فيه، وهو ترك، وهو لا تجب فيه نية؛ لأنه كف قصد به قمع الشهوة، فالتحق بالفعل.
وهي: واجبة بالقلب، سنة باللسان.
ويصح تعليقها بأن شاء الله إن قصد التبرك، لا التعليق، ولا أن أطلق.
ولا يجزئ عنها التسحر وإن قصد به التقوي على الصوم، ولا الامتناع من تناول مفطر قبل الفجر ما لم يخطر بباله الصوم بصفاته التي يجب التعرض لها في النية -أي: من الإمساك والتعيين- لأن ذلك يستلزم قصده غالباً.
أي: (ويجب التبييت) ولو لصبي، اي: إيقاع النية فيما بين غروب الشمس وطلوع الفجر ولو قبل الفطر من اليوم الماضي (في الفرض) كرمضان، ولو قضاء وكفارة ومنذوراً وما أمر به الإمام؛ للخبر الصحيح: "من لم يبيت الصيام قبل الفجر .. فلا صيام له".
والأصل في النفي حمله على الحقيقة إلا لدليل، ولم يوجد.
وتشترط النية (لكل يوم)؛ إذ كل يوم عبادة مستقلة؛ لتخلل اليومين بما يناقض الصوم، كالصلاتين يتخللهما السلام.
ولو تيقن النية وشك بعد الفجر، أوقعت قبل الفجر أو بعده؟ أو شك عند النية أطلع الفجر أم لا؟ لم يصح؛ إذ الأصل عدم تقدمها، وقد يقال: الأصل بقاء الليل فيصح.
بخلاف ما لو نوى مع عدم الشك، ثم شك هل طلع الفجر عند نيته أم لا؟ فيصح؛ إذ الأصل بقاء الليل مع جزمه بالنية.
ولو شك في النية أو التبييت فذكره قبل الغروب، كما في "التحفة".
وقال (م ر): ولو بعد أيام .. لم يضر.
ولو شك بعد الغروب، هل نوى أو لا؟ لم يضر.
وإنما ضر في الصلاة بعد السلام؛ للتضييق في نيتها، لأن نية الخروج تضر فيها، لا فيه.
ولو نوى مع طلوع الفجر .. لم يصح؛ لحديث التبييت السابق، وقيل: يصح كسائر العبادات.
ويسن لمن لم يبيتها أو ينوي قبل الزوال، وقبل تعاطي مفطر؛ ليصح له على مذهب أبي حنيفة، لكن لا بد من تقليده.
ويسن أيضاً أن ينوي أوَّل ليلة من رمضان صوم جميع رمضان على مذهب مالك؛ لأنه يجزئ لجميع الشهر، ويقلده؛ خشية أن ينسى التبييت في بعض الليالي.
ولا يضر بعد النية ليلاً حدوث مناف للصوم كأكل وجماع قبل الفجر، بخلاف منافي النية، كنية تركه.
ولا يجب فيه نية الفرضية؛ لأنه من البالغ العاقل لا يكون إلا فرضاً، بخلاف الصلاة، فالمعادة منها نفل؛ لأنها وإن وجبت فيها نية الفرضية .. فالمراد صورة الفرض لا حقيقة (دون النفل) فلا يجب فيه.
(فتجزئه نيته قبل الزوال) وإن نذر إتمامه، كأن قال: إن نويت صوم يوم كذا .. فعلي إتمامه، فنواه.
وخبر التبييت السابق حملوه على الفرض؛ لما روى الدارقطني عن عائشة قالت: دخل عليَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم، فقال: "هل عندكم من شيء؟ " قلت: لا، قال: "إني إذاً أصوم"، ويوماًً آخر، فقال: "أعندكم شيء؟ "فقلت: نعم، قال: "إذاً أفطر وإن كنت فرضت الصوم" أي: شرعت فيه وأكدته.
واختص بما قبل الزوال؛ لما في رواية له، وقال: إسنادها صحيح: "هل عندكم من غداء" و (الغداء): اسم لما يؤكل قبل الزوال.
(ويجب التعيين أيضاً) للمنوي في النية، كصوم غد من رمضان، أو نذر، أو كفارة وإن لم يعين سببها، فإن عينه وأخطأ .. لم يجز؛ لأن ذلك عبادة مضافة إلى وقت، فوجب التعيين كالمكتوبة.
وفي "التحفة": (نعم؛ لو تيقن أن عليه صوماً، وشك أهو قضاء أو نذر أو كفارة؟ أجزأه نية الصوم الواجب وإن كان متردداً؛ للضرورة ولم يلزمه الكل، كمن شك في واحدة من الخمس؛ لأن الأصل بقاء وجوب كل منها، وهنا الأصل براءة الذمة، ومن ثَمَّ لو كانت الثلاثة عليه فأدى اثنين، وشك في الثالث الباقي عليه .. لزمه الكل) اهـ
واستوجه (م ر): أنه يكفيه صوم يوم واحد في هذا أيضاً بنية الصوم الواجب.
وشمل إطلاق المصنف التعيين الفرضَ والنفلَ بقسميه، وهو المنقول عن "المجموع" واعتمده الإسنوي.
لكن اعتمد (حج) في غير "التحفة" و (م ر) والخطيب وغيرهم: أن الصوم في الأيام المتأكد صومها منصرف إليها وإن نوى به غيرها.
قال: الشرقاوي: بل وإن نفاه.
وفي "الفتح": فرع: أفتى جمع متأخرون بحصول ثواب عرفة وما بعده بوقوع صوم فرض فيها.
وقال الإسنوي: إنه إن لم ينو التطوع .. حصل الفرض، وإن نواهما .. لم يحصل واحد منهما اهـ
وإنما يتم له إن ثبت أن الصوم فيها مقصود لذاته.
والذي يتجه: أن القصد وجود صوم فيها، فهي كالتحية.
فإن نوى التطوع أيضاً .. حصلا، وإلا .. سقط الطلب عنه، وبه يجمع بين العبارات المختلفة في ذلك.
وعليه: لو نوى ليلاً الفرض، وقبل الزوال النفل .. فهل يثاب على النفل حينئذٍ؛ لأن التقرب بالصوم عن الجهتين، وقد حصل، أو لا؟ لأن صحة نية الصائم صوماً آخر بعيدة، كلٌ محتمل) اهـ
ونحوه "الإمداد"، لكنه كالمتردد في "التحفة".
(دون) نية (الفرضية في) صوم (الفرض)؛ لما مر.
وكمال النية في رمضان أن ينوي صوم غد عن أداء فرض رمضان هذه السنة لله تعالى، وبهذه النية يصح الصوم اتفاقاً، ويتميز عن أضدادها.
ولإطلاق الأداء على الفعل ذكر معه هذه السنة وإن اتحد محترزهما، وأضيف رمضان لهذه السنة؛ لأن قطعه عن الإضافة يوهم أن هذه السنة ظرف لنويت، ولا معنى له.
وذكر الغد لا يجب التعرض له بخصوصه، بل إمًّا أن يأتي به، أو يدخله في نية صوم الشهر، كأن يقول ليلاً: نويت الصوم عن رمضان، أو صوم رمضان، ويحصل به اليوم الذي يعقب الليلة التي نوى فيها، ولو كان عليه قضاء رمضانين، فنوى صوم غد عن قضاء رمضان .. صح وإن لم يعين؛ لأنه كله جنس واحد.
ولو أخطا في صفة المعين، فنوى صوم الغد، وهو الأحد بظن الإثنين، أو رمضان سنة، وهي سنة اثنتين بظن أنها سنة ثلاث .. صح صومه، بخلاف ما لو نوى الأحد ليلة الإثنين، أو رمضان سنة اثنتين، وهي سنة ثلاث؛ لأنه لم يعين الوقت.
ولو كان عليه يوم من رمضان من سنة معينة، فنوى يوماً من سنة أخرى غلطاً .. لم يجزئه.
ولو كان عليه قضاء أول رمضان، فنوى قضاء ثانية .. لم يجزئه.
ولو نوى صوم الغد يوم الأحد، وهو غيره .. صحح الأذرعي الإجزاء من الغالط.
ولو نوى ليلة الثلاثين من شعبان صوم غد نفلاً إن كان منه، وإلا فمن رمضان .. صح له نفلاً؛ لأن الأصل بقاء شعبان ما لم يبن أنه من رمضان، فلا يصح؛ إذ رمضان لا يقبل غيره.
أو نوى به: أنه من رمضان .. لم يصح عن رمضان؛ لعدم الجزم بالنية ولا أصل يستصحبه، بخلاف ما لو نواه آخر ليلة من رمضان .. فيصح إن لم يبن أنه من شوال؛ لأن الأصل بقاء رمضان، ولا نفلاً؛ لأنه لم ينوه.
نعم؛ إن ظن أنه من رمضان بقول من يثق به ولو عبداً أو امرأة .. صح.
ومع ذلك لا بد أن لا يأتي بما يشعر بالتردد كـ (من رمضان، فإن لم يكن منه .. فتطوع).
لكن قال في "التحفة": (والذي يتجه أنه لا نزاع في المعنى، وأنه متى زال بذكر ذلك ظنه .. لم يصح، وإلا .. صح.
ولا ينافي هذا ما يأتي أن بكلام عدد من هؤلاء يتحقق يوم الشك الذي يحرم صومه؛ لأن الكلام هنا في صحة النية؛ اعتماداً على خبرهم، ثم إنْ بان أنه من رمضان ولو بعد الفجر .. لم يحتج لإعادتها، وإلا .. كان يوم الشك، فلا يجوز صومه، وفارق ما مر من وجوب الصوم على معتقد صدق مخبره؛ لأن ذاك في اعتقاد جازم، وهذا في الظن، وشتان ما بينهما) اهـ وسيأتي تتمة له.
(الثاني: الإمساك عن الجماع) في فرج، بحيث يجب بالإيلاج فيه الغسل (عمداً) أي: من عامد عالم بالتحريم مختار، ودخل في ذلك الواطئ والموطوء، وفرج الآدمي وغيره، من قبل أو دبر ولو زائداً أو مباناً، أنزل أم لا.
وأمَّا ما لا يجب الغسل بالإيلاج فيه كأحد فرجي المشكل .. فلا فطر بالإيلاج به ولا فيه.
نعم؛ إن أولج فيه .. أفطر.
(وعن الاستمناء) أي: بإخراج المني بغير جماع حراماً كان كإخراجه بيده، أو حلالاً في غير نحو صوم كإخراجه بيد حليلته، فيفطر به واضح ومشكل، خرج من فرجيه ولو بحائل إن علم وتعمد واختار؛ لأنه أولى من مجرد إيلاج.
ولو حك ذكره لنحو جرب فأنزل .. لم يفطر إن لم يعلم من عادته الخروج بذلك، أو لم يطق الصبر، وإلا .. أفطر، وكإخراجه بلمسِ ما ينقض لمسه كقبلة ومضاجعة بلا حائل، لا بإخراجه بلمس محرم وصغير وأمرد وإن تكرر ما لم يقصد به الإنزال، وإلا .. أفطر، ولا بلمس فرج بهيمة أو بنظر أو فكر وإن كررهما وإن قلنا بحرمة ذلك عند خوف الإنزال على ما في "الأسني"، و"النهاية".
وحرم على صائم فرض لمس بنحو قبلة إن حرك شهوته بحيث يخاف الإنزال أو الجماع، لا مجرد انتصاب ذكر وخروج مذي، لكن يكره.
أمَّا الجاهل المعذور والناسي والمكره .. فلا يفطرون بجماع، ولا بإخراج مني؛ لعذرهم.
لكن في (ب ج): أنه لو أكره على الزنا .. أفطر؛ لأن الإكراه على الزنا لا يبيحه، بخلافه على الأكل ونحوه.
(الثالث: الإمساك عن الاستقاءة) فيفطر من استدعى القيء عامداً عالماً بالصوم والتحريم مختاراً؛ لخبر: "من ذرعه القيء .. فليس عليه قضاء، ومن استقاء ..
فليقض"، أي: وإن لم يعد لجوفه منه شيء؛ لأنها مفطرة بنفسها.
(ولا يضر تقيؤه) ناسياً أو جاهلاً إن عذر بنحو قرب إسلام، وفي "الفتح" يعذر مطلقاً.
قال في "الإيعاب": ومنه يؤخذ: أن ما يجهله أكثر العامة يعذر فيه.
ولا تقيؤه (بغير اختياره)؛ للخبر المتقدم، ولا قلعه نخامة من دماغه أو باطنه ومجها على الأصح؛ لتكرر الحاجة إليه، فرخص فيه.
أمَّا لو نزلت بنفسها أو بغلبة نحو سعال فلفظها .. فلا يفطر قطعاً.
وكذا لو لم يقدر على مجها حال دخولها من ظاهر لباطن وما لو قلعها من باطن لباطن.
ولو أصبح وفي فمه خيط متصل بباطنه، فإن أبقاه .. لم تصح صلاته، وإن بلعه أو نزعه مختاراً .. بطل صومه.
فطريقه أن ينزعه غيره وهو غافل، أو يجبره على نزعه حاكم ولا يفطر؛ لأنه غير مختار فيهما، وإلا .. ابتلعه أو نزعه؛ لتصح صلاته، ويفطر؛ لأنها أغلظ من الصوم.
ولو أصبح صائم وفي أذنه أو دبره نحو عود .. لم يفطر بإخراجه، لاختصاص الاستقاءة بالخارج من الفم.
ومن الاستقاءة ما لو دخلت ذبابة جوفه قهراً .. فأخرجها، فيفطر إن علم وتعمد.
(الرابع: الإمساك عن دخول عين) من أعيان الدنيا وإن قلت ولم تؤكل كحجر، فيفطر بإدخاله لها، وبدخولها بنفسها مع تمكنه من دفعها (جوفاً) له وإن لم تكن فيه قوة تحيل الغذاء أو الدواء.
(كباطن الأذن) وهو ما وراء المنطبق، وباطن الأنف، وهو ما وراء القصبة جميعها.
(و) باطن (الإحليل) وهو مخرج البول من الذكر، ومخرج اللبن من الثدي، وباطنه ما لا يظهر عند تحريكه، وكخريطة الدماغ من مأمومة وإن لم يصل باطنها أو جوف من نحو طعنه من نفسه أو غيره بإذنه وإن لم تصل الأمعاء.
قال (سم): ويفطر بمجاوزة ما يظهر من رأس الذكر والدبر، لكنه في الدبر بشرط
أن يصل إلى محل المجوف، بخلاف أول المسربه، فلا يسمى جوفاً.
وإنما يفطر (بشرط) إدخاله أو (دخوله) أي: دخول ما ذكر من العين المذكورة إلى الجوف من ظاهر إلى باطن، و (من منفذ مفتوح) مع العلم والعمد والاختيار.
فخرج بـ (العين): الأثر، كطعم وريح، فلا يفطر بما وصل الجوف من ذلك من غير عين.
قال (م ر): (ومنه يؤخذ أنه لا يفطر بوصول الدخان إلى الجوف وإن تعمد فتح فِيْه لذلك؛ إذ ليس هو عيناً عرفاً وإن كان ملحقاً بها في باب الإحرام) اهـ
لكن استثنوا منه دخان التنباك؛ لأنه يتحصل منه العين، بل نازع (سم) في كون الدخان ليس بعين؛ لأنه إذا كان من نجس .. ينجس.
وبـ (من أعيان الدنيا) أعيان الجنة، لو حصلت كرامة وأكلها, لا يفطر بها؛ لأنها من جنس الثواب، والكرامة لا تبطل العبادة.
وبـ (جوفاً): وصولها لنحو مخ ساقه، وبطن فخده مما لا يسمى جوفاً.
وبـ (من ظاهر لباطن): ما لو ابتلع نخامة من رأسه لبطنه؛ لأنه من باطن لباطن، ومثله بلع ريقه الصرف من فمه؛ لأنه عدوه في ذلك من باطن إلى باطن.
قال في "الشرح": (مخرج الهاء والهمزة باطن، ومخرج الخاء والحاء ظاهر، ثم داخل الفم إلى منتهى الغلصمة، والأنف إلى منتهى الخيشوم له حكم الظاهر في الإفطار، بإخراج القيء إليه وابتلاع النخامة منه، وفي عدم الإفطار بدخول شيء فيه ووجوب غسله إذا تنجس، وله حكم الباطن في عدم الإفطار ببلع الريق منه، وسقوط غسله عن نحو الجنب، وإنما وجب غسل النجاسة عنه؛ لغلظها) اهـ
وبـ (من منفذ مفتوح) وصولها من منفذ غير مفتوح.
(و) من ثم (لا يضر تشرب المسام) بتشديد الميم الأخير، جمع سَمٍّ بتثليث أوله، والفتح أفصح، ثقب البدن من محال الشعر، وهي ثقب لطيفة لا تدرك.
(بالدهن والكحل والاغتسال) فلا فطر بذلك وإن وصل لجوفه ووجد لونه في نحو نخامة؛ لأنه لما لم يصل من منفتح .. كان في حيز العفو، لكنه خلاف الأولى؛ لخلاف مالك.
وبـ (مع العلم) .. إلخ: الناسي والجاهل والمكره، كما أشار إليه بقوله:
(فإن أكل أو شرب) أو أدخل نحو عود في نحو أذنه (ناسياً) للصوم (أوجاهلاً) بأن ذلك مفطر، أو مكرهاً على الأكل مثلاً، سواء أكل (قليلاً أو كثيراً .. لم يفطر)؛ لعموم خبر الصحيحين: "من نسي وهو صائم، فأكل أو شرب .. فليتم صومه"، وفي رواية: "فإنما أطعمه الله وسقاه"، وصح "ولا قضاء عليه".
وخبر: "رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه".
نعم؛ من أكل ناسياً مثلاًً، فظن أنه أفطر فأكل .. أفطر، والجاهل كالناسي بجامع العذر.
ولو علم تحريم الأكل مثلاً، وجهل الفطر به .. لم يعذر؛ لن حقه مع علم التحريم الامتناع.
(ولا يعذر الجاهل) هنا، وفيما مر (إلا إن قرب عهده بالإسلام) ولم يكن مخالطاً أهله بحيث يعرف منهم أن ذلك مفطر.
(أو نشأ ببادية) أي: محل، ولو بلداً (بعيدة عن العلماء) بذلك، بحيث لا يستطتع النقلة إليهم، أو كان المفطر من المسائل الخفية كإدخاله عوداً في أذنه؛ لعذره حينئذٍ، بخلاف غير من ذكر؛ لتقصيره بترك تعلمه ما يجب عليه تعلمه.
ولا يفطر عود مقعدة مبسور وإن اضطر لدخول إصبعه معها، ولا بدخول نحو ذبابة جوفه بغير اختياره.
نعم؛ إن أخرجها منه أفطر إن علم تحريمه وتعمد، ويأثم حيث لا ضرر في إبقائها.
(ولا بغبار) نحو (الطريق) ولا بغربلة نحو دقيق (وإن تعمد فتح فمه)؛ لأن التحرز عن ذلك شأنه أن يشق، فهو بدخول ذلك غير مختار.
وقضية إطلاقه: عدم الفرق بين القليل والكثير، والطاهر والنجس، واعتمده (م ر).
والذي اعتمده في "التحفة": أن النجس يضر مطلقاً، والطاهر إن تعمده.
عفي عن قليله، وإلا .. عفى حتى عن كثيره.
(ولا) يفطر أيضاً (ببلع الريق) أي: ريقه (الطاهر الخالص من معدنه) وهو ما تحت لسانه، والمراد به جميه فمه (وإن) جمعه و (أخرجه على لسانه)؛ لتعسر الاحتراز عنه.
ومرَّ أنهم جعلوا الفم في الريق الصرف، والوضوء والغسل باطناً، وفي إزالة النجاسة، ودخول غير الريق منه، وخروج شيء من الباطن إليه ظاهراً.
وخرج بـ (ريقه): ريق غيره، وما جاء: (أنه صلى الله عليه وسلم كان يمص لسان عائشة) .. فيحتمل؛ أنه يمجه.
وبـ (الطاهر) المتنجس ولو بدم لثته وإن صفى؛ لأنه لما تنجس .. حرم ابتلاعه، وصار تنجسه بمنزلة عين.
واستظهر في "التحفة": العفو عما ابتلى به من دم اللثة بحيث لا يمكنه الاحتراز عنه؛ قياساً على مقعدة المبسور، ولنا وجه بالعفو عنه مطلقاً إذا كان صافياً، وفي تنجس الريق به إشكال؛ لأنه نجس عمَّ اختلاطه بمائع، وما كان كذلك لا ينجس ملاقيه، كما في الدم على اللحم إذا وضع في الماء للطبخ، فإن الدم لا ينجس الماء.
وبـ (الخالص): المختلط بما تغير به لونه أوطعمه أو ريحه إن نشأت من عين، بخلاف تغيره بمجاور فلا يضرمطلقاً، كما أنه يضر بالمخالط مطلقاً.
وبـ (من معدنه): ما ابتلعه من نحو سواك أو خيط أخرجه عن الفم، ثم رده إليه وابتلعه، أو من ظهر شفته، فيفطر العالم بحرمة ذلك لا الجاهل؛ لأنه مما يخفى.
ولو حال بينه وبين اللسان حائل .. قال (ب ج): اعتمد الحفني الإفطار.
(ويفطر بجري الريق بما بين أسنانه) وبما في حنكه (بقدرته) -أي: مع قدرته- حال جريانه (على مجه) وإلا .. فلا، وإن قدر على مجه قبل جريانه ولو نهاراً.
قال (ب ج): وهل يجب عليه الخلال ليلاً إذا علم جري ريقه بما بين أسنانه نهاراً، ولا يمكنه التمييز والمج؟ الأوجه لا، كما هو ظاهر إطلاقهم.
ويوجه بأنه يخاطب بالتمييز والمج عند القدرة عليهما حال الصوم، لا قبله، لكن ينبغي أن يتأكد ذلك ليلاً؛ خروجاً من خلاف من قال: إنه لم يتخلل .. أفطر.
(و) يفطر أيضاً (بالنخامة كذلك) بأن وصلت حد الظاهر من الفم فأجراها هو وإن
عجز بعد ذلك عن مجها، أو جرت بنفسها وقدر على مجها؛ لتقصيره مع أن نزولها منسوب إليه، بخلاف ما لو جرت بنفسها وعجز عن مجها .. فلا يفطر؛ لعذره، وكذا لو لم تصل لحد الظاهر؛ لما مر.
(و) يفطر أيضاً (بوصول ماء المضمضة) أو الاستنشاق (إلى الجوف) من باطن أو دماغ إن بالغ مع تذكره للصوم وعلمه بعدم مشروعيته، وإلا .. لم يفطر.
وضابط المبالغة: أن يكون بحيث يسبق غالباً إلى الجوف، وهذا (إن بالغ في غير نجاسة) في الفم أو الأنف وإلا .. لم يفطر بالمبالغة لها ولو معفواً عنها أو مشكوكة؛ لطلب غسلها حينئذٍ ولو بمبالغة توقف يقين الطهارة عليها، وبه فارقت المضمضة لنحو الوضوء، إذ لا تتوقف فيه عليها.
(و) يفطر أيضاً بوصول ما ذكر لجوفه ولو (بغير مبالغة من مضمضة) أو استنشاق؛ (لتبرد أو رابعة) أو من انغماس في الماء حيث تمكن من الغسل بغيره؛ لأن ذلك جميعه غير مأمور به.
والقاعدة: أن ما سبق لجوفه من غير مأمور به يفطر به، أومن مأمور به ولو مندوباً لم يفطر به.
وأخذ منه أنه لو وصل إلى جوفه من أذنيه في الغسل الواجب أو المندوب ماء .. لم يفطر؛ لتولده من مأمور به، ولا نظر لإمكان إمالة رأسه بحيث لا يدخل الماء جوفه؛ لعسره.
وفي (ب ج): (ولو وضع في فمه ماء بلا غرض، فسبقه .. أفطر، أو ابتلعه ناسياً .. لم يضر، أو وضعه فيه كتبرد وعطش فوصل جوفه بغير فعله، أو ابتبعه ناسياً .. لم يفطر، كما قاله شيخنا في "الشرح") اهـ
قال: ونحوه في "شرح الغاية") لـ (سم).
ويحرم أكل الشاك آخر النهار لا آخر الليل؛ لأن الأصل بقاؤهما، فإن ظن انقضاء النهار باجتهاد .. جاز له الإفطار.
والأحوط أن لا يتعاطى مفطراً إلا بعد اليقين بجوازه.
(و) إن تعاطاه بغير يقين .. بطل صومه (بتبين الأكل) أو غيره من المفطرات
(نهاراً) بخلاف ما إذا بان الأمر كما ظنه، أو لم يتبين غلط ولا إصابة وقد تعاطاه باجتهاد فيهما أو هجوماً في أوله؛ لأن الأصل بقاء الليل.
فإن هجم بإفطاره أو أخذ فيه بظن غير اجتهاد في آخره .. فصومه باطل ما لم يبن إفطاره ليلاً؛ لأنه لم يعتمد في إفطاره على ظن يعتمد، ولا على أصل؛ إذ الأصل بقاء النهار.
ويجوز اعتماد خبر عدل أو فاسق اعتقد صدقه بالغروب، وبالأولى في بقاء الليل.
وإن أخبره بالفجر .. وجب العمل بقوله (لا بالأكل) أو مفطر غيره (مكرهاً) فلا يفطر به إلا الجماع كما مر.
نعم؛ شرط عدم الفطر بالإكراه أن لا يتناوله لشهوة نفسه، بل لداعي الإكراه لا غير.
(الخامس والسادس والسابع: الإسلام، والنقاء عن الحيض والنفاس، والعقل في جميع النهار) في الكل، فإن ارتد أو حاضت أو نفست أو جن ولو لحظة .. بطل صومه كالصلاة، وإن كان الجنون بشرب مجنن ليلاً، وكذا لو ولدت وإن لم تر دماً؛ لأن الولادة مفطرة؛ بناءً على الراجح أنها توجب الغسل.
لكن نفل في "الإسعاد" عن النووي: (أن الأقوى دليلاً عدم بطلان الصوم بها؛ لأنهم عللوا وجوب الغسل بها بأن الولد مني منعقد، وخروجه يوجب الغسل، ولا يفطر من غير استمناء ولا مباشرة) اهـ
ويحرم على حائض ونفساء الإمساك بنية الصوم، لكن لا يجب عليهما تعاطي مفطر، وكذا في نحو العيد؛ اكتفاء بعدم النية.
ولا يضر النوم المستغرق جميع النهار؛ لبقاء أهلية الخطاب فيه، وبه فارق الإغماء.
(ولا يضر الإغماء والسكر) الذي لم يتعد به (إن أفاق) أي: خلا عنهما (لحظة في النهار)؛ اكتفاء بالنية مع الإفاقة في جزء.
وإن لم توجد إفاقة منهما، كأن طلع الفجر ولا إغماء ولا سكر، ثم طرأ أحدهما واستمر إلى الغروب .. فهذا خلا لحظة عنهما لا أفاق، والحكم واحد، فإن لم يخل لحظة عنهما .. لم يصح صومه؛ لأنهما في الإستلاء على العقل فوق النوم ودون الجنون.
فلو قلنا بعدم ضرر المستغرق منهما كالنوم .. لألحقنا الأقوى بالأضعف، ولو قلنا بضرر اللحظة منهما كالجنون .. لألحقنا الأضعف بالأقوى فتوسطنا وقلنا: إفاقة لحظة منهما كافية.
وأمَّا إذا تعدى به .. قال الكردي: (فيأثم به، ويبطل صومه ويلزمه القضاء وإن كان في لحظة من النهار، وكذا إن شرب مزيلاً للعقل تعدياً، فإن كان لحاجة .. فهو كالإغماء.
وأمَّا الجنون من غير تسبب فيه، فمتى طرأ لحظة من النهار .. بطل صومه، ولا قضاء، ولا إثم) هذا ملخص ما في "التحفة" ثم اضطرب كلامه، اهـ
وفي (م ر): لا يضر إغماء أو سكر بعض النهار ولو بتعد، وبه قال (سم) و (حج) في "شرحي الإرشاد"، بل فيهما: لا يبطل صوم غير المتعدي منهما وإن استغرق النهار.
ولو مات أثناء النهار .. بطل صومه في أحكام الدنيا، لا الآخرة.
ومن شروط الصوم قابلية الوقت له.
(ولا) يجوز، ولا (يصح) صوم رمضان عن غيره وإن أبيح له فطره لنحو سفر؛ لأنه لا يقبل غيره بوجه.
ولا (صوم يوم العيدين) عيد الفطر والأضحى مطلقاً اتفاقاً.
(و) لا صوم يوم من (أيام التشريق) ولو لمتمتع عادم للهدي؛ لعموم النهي عن صيامها.
والقديم: جواز صيامها لمتمتع عن الثلاثة الواجبة في الحج أو لنحو كفارة، وهو مذهب مالك وإحدى الروايتين عند أحمد، وهو الراجح دليلاً في "المجموع"، و"الروضة"؛ لصحة الحديث فيه.
(ولا) صوم يوم من (النصف الأخير من شعبان)؛ للنهي عنه.
ولا صوم يوم الشك؛ لقول عمار بن ياسر: (من صام يوم الشك .. فقد عصى أبا القاسم صلى الله عليه وسلم) رواه الترمذي وغيره، وصححوه.
فيحرم صومه؛ لكونه يوم الشك مع حرمة كونه من النصف الثاني.
والمعنى فيه القوة على صوم رمضان.
وفهم منه أنه لو صام الخامس عشر وتالييه، وأفطر السابع عشر .. حرم الصوم؛ لأنه
صوم بعد النصف بلا سبب، ولم يصله بما قبله.
ويوم الشك: يوم الثلاثين من شعبان إذا تحدث برؤيته اثنان فأكثر، بحيث يتولد من ذلك الشك في رؤيته.
وإن أطبق الغيم ولم يعلم من رآه، أو شهد برؤيته عدد يردّ كعبيد أو فسقه، وظن صدقهم.
قال (ب ج): (وظن الصدق بمعنى احتمل، بخلاف المقطوع بكذبه، ومظنون الصدق، فلا يكون به يوم شك.
لكن مرَّ أنه مع ظن الصدق يوم الشك، فتجوز معه النية، فإن تبين كونه من رمضان، وإلا .. حرم صومه.
وحاصله: أنه مع اعتقاد صدق المخبر تجب النية والصوم ويصح وإن لم يبن كونه من رمضان، ومع ظن الصدق تصح النية، وكذا الصوم إن تبين كونه من رمضان ليلاً أو نهاراً، وكذا بعد مضي اليوم وإن حرم عليه، وإلا .. لم يصح.
ومع الشك تحرم النية والصوم، ولا يصحان وإن بان أنه من رمضان) اهـ ملخصاً
قال (م ر): (عمت البلوى بثبوت هلال ذي الحجة يوم الجمعة مثلاً، ثم يتحدث الناس برؤيته ليلة الخميس، ويظن صدقهم ولم يثبت، فهل يندب صوم اليوم المذكور؛ لكونه يوم عرفة ظاهراً، أو يحرم؛ لاحتمال كونه يوم عيد؟ أفتى الوالد بالثاني؛ إذ دفع مفسدة الحرام مقدم على جلب تحصيل مصلحة المندوب) اهـ
وعليه: فيحرم صومه ولو قضاء عن فرض وإن وصله بما قبله؛ لأنه بتقدير كونه يوم عيد لا يقبل صوماً ألبته، بخلاف يوم الشك فيقبله عما ذكر.
لكن اعترضه البرلسي بأن التحريم لا يثبت بالشك أي والمعنى الذي حرم لأجله صوم يوم الشك غير موجود هنا (إلا لورد)، كأن اعتاد صوم الدهر، أو صوم يوم وفطر يوم، أو يوم الإثنين، أو السود، فصادف ما بعد النصف، أو يوم الشك، فيصح صومه؛ لخبر الصحيحين بذلك.
وتثبت العادة بمرة (أو نذر) مستقر في ذمته، كأن نذر صوم كذا فوافق النصف الثاني من شعبان، بخلاف ما لو نذر صوم غد وهو عالم أنه يوم شك مثلاً .. فلا ينعقد، بخلاف ما لو لم يعلم ذلك.
(أو قضاء) ولو لنفل يشرع قضاؤه (أوكفارة) فيجوز صوم ما بعد النصف عنها ولو يوم الشك، ولا كراهة في صوم ما ذكر؛ لأن له سبباً فجاز كنظيره من الصلاة في الأوقات المكروهة، ومن ثَمَّ يأتي في التحري هنا ما مرَّ ثمَّ، ومسارعة لبراءة ذمته في غير الأول.
(أو وصل) صوم (ما بعد النصف بما قبله) ولو بيوم الخامس عشر وإن اقتضى خبر: "إذا انتصف شعبان .. فلا تصوموا" حرمة صومه؛ حفظاً لأصل مطلوبية الصوم.
(فصل: شروط من يجب عليه) صوم (رمضان):
(العقل، والبلوغ) فلا يجب على مجنون غير متعد بجنونه، ولا على صبي أداءً ولا قضاءً؛ لرفع القلم عنهما، ويجب على من تعدى بجنونه أو سكره أو إغمائه مطلقاً على ما مر وجوب انعقاد سبب؛ ليترتت القضاء عليهم، لا وجوب أداء.
(والإسلام) ولو فيما مضى بالنسبة للمرتد حتى يلزمه القضاء إذا أسلم، بخلاف الكافر الأصلي نعم؛ يعاقب على تركه في الآخرة نظير ما مر في الصلاة، ويحرم إطعامه في نهار رمضان؛ لأنه إعانة على معصية وإن لم نمنعه منه، ولم يصح صومه منه؛ لأنه قادر عليه بالإسلام، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، فالإسلام واجب لذاته ولإداء العبادة، فإذا لم يصح صومه .. وجب عليه الإمساك؛ لتعديه.
نعم؛ إنما يتجه إن كان الإمساك مجمعاً عليه؛ لأنه إنما يخاطب بما أجمع عليه، فإن لم يجمع عليه .. حرم على من يوجب الإمساك -كالشافعية- إطعامه؛ لأنه معصية في اعتقاده.
قال في "التحفة" في فصل: لا تزوج امرأة نفسها: (لا يجوز لشافعي التسبب فيه، أي: العقد الذي لا يرى صحته، إلا إن قلد القائل بحله) اهـ
ولو اعتقد الصبي الكفر عند النية .. لم ينعقد صومه، بخلافه بعده.
(والإطاقة) حساً وشرعاً، والصحة والإقامة ولو حكماً؛ ليدخل العاصي بسفره، والمسافر سفراً قصيراً؛ لأنهما في حكم المقيم، فلا يجب على من لا يطيقه حساً لكبر أو مرض لا يرجى برؤه، أو شرعاً لنحو حيض، ومريض يرجى برؤه ومسافر بقيدهما الآتي.
ووجوبه على المريض والمسافر والحائض والسكران والمغمى عليه عند من عبر بوجوبه عليهم، وجوب انعقاد سبب؛ لوجوب القضاء عليهم.
ومن ألحق بهم المرتد .. فقد سها؛ لأن وجوبه عليه وجوب أداء؛ لأنه مخاطب بعوده للإسلام، وبالصوم أداء.
ولا يرد الكافر الأصلي؛ لأنه وإن خوطب بالإسلام يكتفى منه ببذل الجزية، فلم يستلزم خطابه بالصوم أصالة ولا تبعاً، فمن ثَمَّ لم يلزمه القضاء؛ إذ لم ينعقد السبب في حقه، ولا يسن قضاؤه ولا ينعقد، كما أفتى به الشهاب الرملي إلا اليوم الذي أسلم فيه.
(ويؤمر) وجوباً (الصبي به لسبع) من السنين (ويضرب على تركه لعشر) منها (إن أطاقه) كما مر في الصلاة بتفصيله فيها.
(فصل) فيما يبيح الفطر.
(ويجوز الفطر) في رمضان وغيره من الواجب ولو قضاء مضيقاً (للمرض الذي يبيح التيمم)، كأن يخاف منه محذوراً من محذوراته المارة في بابه وإن تعدى بسبب ذلك عند (حج)، كأن تعاطى ما يمرضه قصداً، لأنه لا ينسب إليه، ثم إن أطبق مرضه .. فظاهر، وإلاَّ .. فإن وجد المرض المعتبر قبل الفجر .. لم تلزمه النية، وإلا لزمته وإن ظن عوده عن قرب، ثم إن عاد .. أفطر، وهذا فيمن لم ينته حاله إلى أن يخاف من الصوم مبيح تيمم لضعفه من المرض وإن لم يعد له، وإلا .. جاز ترك النية مطلقاً.
(و) يجوز أيضاً الفطر (للخائف من الهلاك) من الصوم على نفس أو منفعة له أو لغيره، كما يأتي.
(ولغلبة الجوع أو العطش) بحيث يخاف من الصوم مع أحدهما مبيح تيمم.
وظاهر المتن: استواء ما ذكر في الجواز، واعتمد (حج) أن مبيح التيمم يوجب الفطر.
وعند (م ر): لا يوجبه إلا خوف الهلاك، وهذا وارد على تعبير المتن بالجواز، لكنه جواز بعد امتناع فيصدق بالوجوب، وعلى كلام (م ر) فالجواز فيه مستعمل في حقيقته ومجازه، أو بمعنى غير الممتنع الشامل للواجب والمباح.
ويلزم أهل العمل المشق في رمضان كالحصادين ونحوهم تبييت النية، ثم مَنْ لحقه منهم مشقة شديدة .. أفطر، وإلا .. فلا.
ولا فرق بين الأجير والغني وغيره، والمتبرع وإن وجد غيره وتأتى لهم العمل ليلاً، كما قاله الشرقاوي: وقال في "لتحفة": إن لم يتأت لهم ليلاً.
ولو توقف كسبه لنحو قوته المضطر إليه هو أو ممونه على فطره .. جاز له، بل لزمه عند وجود المشقة الفطر، لكن بقدر الضرورة، ومن لزمه الفطر فصام .. صح صومه؛ لأن الحرمة لأمر خارج، ولا أثر لنحو صداع ومرض خفيف لا يخاف منه ما مر.
(و) يجوز الفطر أيضاً (للمسافر سفراً طويلاً مباحاً)؛ للكتاب والسنة والإجماع، لا لذي السفر القصير أو المحرَّم، ويأتي هنا جميع ما مر في القصر، فحيث جاز .. جاز الفطر (إلا) أنه هنا لا يفطر (إن طرأ السفر) بأن فارق العمران أو السور (بعد الفجر)؛ تغليباً للحضر، بخلاف القصر فيقصر بعد مجاوزة ما ذكر في يوم السفر وإن طرأ السفر بعد الفجر، وبخلاف الفطر بالمرض فيباح بحدوث المرض أثناء النهار؛ لوجوده من غير اختياره بخلاف السفر، فإن سافر قبل الفجر .. جاز له الفطر ولو بعد نية الصوم وإن نوى ليلاً، فقد صح: أنه صلى الله عليه وسلم أفطر بعد العصر في رمضان في سفر بقدح ماء لمّا قيل: إن الناس يشق عليهم الصوم، ولوجود سبب الترخيص.
ولو نوى ليلاً ثم سافر ولم يدر أسافر قبل الفجر أم بعده؟ امتنع الفطر؛ للشك في مبيحه.
وتجب نية الترخص عند الفطر على مسافر ومريض يرجى برؤه ومن غلبه نحو جوع
كالحصادين ونحوهم؛ قياساً على محصر تحلل، وليتميز الفطر المباح من غيره.
قال الونائي: لا على شيخ وشيخه ومريض لا يرجى برؤه، وحامل ومرضع.
(والصوم في السفر أفضل) من الفطر؛ لآية (وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ) [البقرة:184]، ولبراءة الذمة، وحيازة فضيلة الوقت.
وفارق أفضلية القصر بأنه يحصل به براءة الذمة وفضيلة الوقت، بخلاف الصوم، وبأن فيه خروجاً من خلاف موجبة كأبي حنيفة.
وليس في إيجاب الفطر خلاف يعتد به، هذا (إن لم يتضرر) حالاً ولا مآلاً، وإلا فالفطر أفضل؛ لخبر الصحيحين: إنه صلى الله عليه وسلم مر برجل في ظل ثجرة يرش عليه الماء، فقال: "ليس من البر الصيام في السفر"، بل قد يجب، كما مر.
وعليه حمل قوله صلى الله عليه وسلم في الخير لما أفطر فبلغه أن أناساً صاموا: "أولئك العصاة"، أي بالصوم مع خوف المحذور، أو عصاة لمخالفتهم أمره صلى الله عليه وسلم لهم بالفطر، ليتقووا على عدوهم.
نعم؛ إن نذر المسافر إتمام صومه .. لم يجز له الفطر، وكذا مديم السفر؛ لأنه يؤدي إلى إسقاط الوجوب بالكلية، ومسافر غلب على ظنه أنه لا يعيش إلى أن يقضيه -كذي مرض مخوف- وهو قادر على الصوم قاله (م ر)، ونظر في الأولى في "التحفة"، و"الإيعاب"، و"الإمداد" في كليهما.
وفي "التحفة": أنه يمتنع الفطر على من قصد بسفره محض الترخص، كمن سلك الطريق الأبعد للقصر، ثم قال: وصريح كلام الأذرعي والزركشي امتناع الفطر على من نذر صوم الدهر؛ لأنه انسد عليه القضاء.
(وإذا بلغ الصبي أو قدم المسافر أو شفي المريض وهم صائمون) بأن نووا ليلاً، ولم يتناولوا مفطراً ( .. حرم الفطر)؛ لزوال مبيحه، ولذا لو جامع أحدهم لزمته الكفارة.
(وإلا) يكونوا صائمين بل مفطرين ولو بترك النية ( .. استحب) لهم (الإمساك) كمن طهرت من حيضها، ومن أفاق أو أسلم أثناء النهار؛ لحرمة الوقت، وإنما لم يجب؛ لأن الفطر مباح لهم ظاهراً وباطناً.
وزوال العذر بعد الترخص لا يؤثر، بخلاف المتعدي بفطره وتارك النية ومن أفطر أول يوم من رمضان قبل تبينه؛ لأنهم غير مباح لهم الفطر ظاهراً وباطناً، بل لازم الصوم لهم باطناً وظاهراً إلا في من أفطر يوم من رمضان .. فباطناً فقط، فلما أفطر بظن تبين خطؤه .. وجب عليه الإمساك.
والحاصل: أن من جاز الفطر له ظاهراً وباطناً لا يجب عليه الإمساك بل يسن، ومن حرم عليه ظاهراً وباطناً، أو باطناً فقط .. وجب عليه الإمساك.
(وكل من أفطر لعذر أو غيره .. وجب عليه القضاء) ولو بيوم قصير عن طويل؛ لما فاته من واجب رمضان أو غيره لسفر أو مرض؛ للآية، أو حيض أو نفاس؛ لما مر في الحيض، أو إغماء أو سكر؛ لأن الإغماء مرض، ولذا جاز على الأنبياء، بخلاف الجنون، ويخالف الصلاة؛ لتكررها.
والسكران في معنى المكلف، قال (ب ج): والظاهر أن السكران لا يجب عليه القضاء إلا بتعد، وبه صرح (حج) و (م ر).
وقال (سم): يجب على السكران مطلقاً كالمغمى عليه.
ثم من أفطر رمضان أو واجباً غيره تعدياً .. لزمه القضاء مطلقاً حتى تلزم الفدية عنه لو مات قبل صومه وإن لم يتمكن منه.
ومن أفطره بعذر كمرض وسفر وحيض وناسي النية .. فإنما يجب عليه القضاء (بعد التمكن) منه، وإلا كأن مات عقب موجب القضاء، أو استمر به العذر إلى موته أو سافر أو مرض بعد أول يوم من شوال إلى أن مات .. فلا فدية عليه؛ لعدم تمكنه منه.
(إلا الصبي والمجنون) الذي لم يتعد بجنونه .. فلا قضاء عليهما؛ لرفع القلم عنهما.
(و) إلا (الكافر الأصلي) .. فلا قضاء عليه؛ ترغيباً له في الإسلام.
لكن يسن لصبي قضاء ما فاته زمن تمييزه، ولكافر قضاء يوم إسلامه.
أمَّا المعتدي بجنونه وكذا من ارتد، ثم جن .. فيلزمهما قضاء مدة جنونهما، بخلاف من سكر ثم جن .. فيلزمه قضاء مدة سكره، ويرجع فيه لأهل الخبرة.
(ويستحب) فيما فات بعذر (موالاة القضاء) فيه (والمبادرة به)؛ مسارعة لبراءة ذمته.
نعم؛ قد يجبان لنحو ضيق وقت، كأن لم يبق من رمضان إلا قدر الأيام التي عليه.
(وتجب) المبادرة المستلزمة للموالاة (إن أفطر لغير عذر)؛ ليخرج عن معصية الترك المتعدي به.
قال في "الإمداد": وفي هذه الحالة يلزمه القضاء ولو في السفر ونحوه؛ إذ التخفيف بالتأخير لا يليق بالمتعدي.
(ويجب الإمساك في رمضان)؛ لحرمة الوقت، وتشبيهاً بالصائمين دون غيره كنذر وقضاء؛ لانتفاء شرف الوقت عنهما.
ولذا لم تجب في إفسادهما كفارة (على تارك) الصوم في رمضان، وقد وجب عليه ولو باطناً.
ومنه تارك (النية) ليلاً ولو سهواً؛ لأن نسيانه يشعر بتقصيره بترك الاهتمام بالعبادة، ومن أكل ظاناً بقاء الليل فبان نهاراً (والمتعدي بفطره) ولو شرعاً عقوبة له.
(و) المفطر (في يوم الشك إن تبين كونه من رمضان)؛ لتوجه الأمر عليه بصومه، لكنه جهله .. فعذر بإفطاره قبل التبين، فلما تبين .. وجب الإمساك.
وفارق المسافر بعدم توجه الأمر عليه أصلاً.
(ويجب قضاؤه) أي: يوم الشك المذكور كغيره مما تعدى بفطره (على الفور) على المعتمد؛ للتقصير بعدم رؤية الهلال مع رؤية غيرهم له.
وإنما لم يجب على ناسي النية الفور في قضائه؛ لأن عذره أعم وأظهر من عذر مفطر يوم الشك المذكور، ولأنه له حيلة في إدراك الهلال، بخلاف ناسي النية لا حيلة له في دفع النسيان، كذا قالوه.
(فصل) في سنن الصوم.
وهي كثيرة، منها: أنه (يستحب) لصائم رمضان وغيره تناول مفطر.
أمَّا الفطر بمعنى: الخروج من الصوم .. فيحصل بالغروب.
ومنه أيضاَ أنه يستحب (تعجيل الفطر)؛ للخبر الصحيح: "لا تزال الناس بخير ما عجلوا الفطر، وأخروا السحور".
وهل يحصل الفطر بنحو جماع وإدخال نحو عود في أذنه؟ قال (ب ج): الأولى نعم؛ وقال (ق ل): قوله (وتعجيل فطر) أي: بغير جماع.
وإنما يسن ما ذكر (عند تيقن الغروب) أو ظنه بأمارة قوية.
(و) يسن (أن يكون) الفطر (بثلاث) رطبات، فثلاث (تمرات، فإن عجز) عن الثلاث ( .. فبتمرة) وأولى منها رطبة.
(فإن عجز) عنهما ( .. فالماء) الذي يسن الفطر به؛ للخبر الصحيح: "إذا كان أحدكم صائماً .. فليفطر على التمر، فإن لم يجد التمر .. فعلى الماء، فإنه طهور".
وفي الخبر الصحيح: (كان صلى الله عليه وسلم يفطر قبل أن يصلي برطبات، فإن لم تكن .. فعلى تمرات، فإن لم تكن .. حسى حسوات) وهذا الترتيب للأكمل.
أمَّا أصل السنة .. فيحصل بأي شيء وجد من الثلاثة، وبعدها حلو كزبيب، فحلواء.
وقدَّم الروياني الحلو على الماء، والمحب قدَّم ماء زمزم على التمر، أو الجمع بينهما، والقاضي قدَّم ما يأخده بكفه من نحو نهر؛ لأنه أبعد عن الشبهة.
وهذا ظاهر إن خلا ماء النهر عن الشبهة، وقد قويت في نحو التمر.
(و) يسن (أن يقول عنده) أي: عند إرادته، والأولى بعده (اللهم لك صمت وعلى رزقك أفطرت) حقيقة على الثاني، وأردت الإفطار على الأول وبك آمنت وعليك توكلت ورحمتك رجوت وإليك أنبت، ذهب الظمأ وابتلت العروق وثبت الأجر إن شاء الله تعالى.
ويقول ذلك وإن لم يكن به ظمأ وإن أفطر على غير ماء؛ اتباعاً للوارد؛ إذ المراد حينئذٍ: دخل وقت ذلك.
وورد: يا واسع الفضل؛ اغفر لي، الحمد لله الذي عافاني فصمت، ورزقني فأفطرت.
وأن ينوي الصوم عند إفطاره؛ خوف أن ينسى النية بعد، وأن يعيدها بعد تسحره؛ للخلاف في صحتها أوَّله، وفيما لو تعاطى مفطراً ليلاً بعدها.
(و) يسن (تفطير الصائمين) ولو بتمرة أو شربة وبعشاء أفضل؛ لخبر: "من فطر صائماً .. فله مثل أجره، ولا ينقص من أجر الصائم شيء".
ولو تعاطى الصائم ما يبطل ثوابه .. لم يبطل أجره لمن فطره.
وندب للمفطر عند الغير أن يقول: "أكل طعامكم الأبرار، وصلت عليكم الملائكة الأخيار، وأفطر عندكم الصائمون"، كما صح به الخبر.
(وأن يأكل معهم)؛ لأنه أليق بالتواضع، وأبلغ في جبر قلوبهم.
(و) يسن (السُّحور) بضم السين: الأكل في السحر، وبفتحها: ما يؤكل فيه.
والمراد هنا بالضم؛ لأن الأجر في الفعل حقيقة، وفي المأكول مجاز؛ لما مر، ولما صح من الأمر به، وأنه بركة، وتحصل أصل سنته ولو بجرعة ماء، ويدخل وقته بنصف الليل.
وحكمته: التقوى ومخالفة أهل الكتاب، فيسن ولو لشعبان خلافاً لـ (م ر)، وكونه برطب فتمر كالفطر.
(وتأخيره)؛ لما مر في تعجيل الفطر، وصح: (تسحرنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم قمنا إلى الصلاة) وكان قدر ما بينهما خمسين آية.
فما يفعله الناس من التمكين في المغرب وإيقاع الأذان الثاني قبل الفجر مخالف للسنة.
قال القسطلاني: فلذا قلَّ فيهم الخير.
وهذا (ما لم يقع) به (في شك) في طلوع الفجر، وإلا .. فالأولى تركه؛ لخبر: "دع ما يريبك".
وظاهر كلامهم أنه مع ظن بقاء الليل لا يسن تركه.
(و) يسن (الاغتسال إن كان عليه غسل) من جنابة أوغيرها (قبل الصبح)؛ ليؤدي الصوم على طهارة، ومن ثم ندب المبادرة إلى الغسل نهاراً وليلاً؛ ولئلا يصل الماء جوفه من نحو أذنه ودبره، ومن ثم ندب له غسل هذه المواضع قبل الفجر إن لم يتهيأ له الغسل الكامل قبله؛ تخفيفاً للحدث، وخروجاً من خلاف إبي هريرة رضي الله عنه القائل بوجوبه؛ لخبر الصحيحين: "من أصبح جنباً .. فلا صوم له"، لكونه منسوخ أو مؤول.
(ويتأكد له) -أي: للصائم- من حيث الصوم وإن وجب لذاته (ترك الكذب والغيبة) وإن أبيحا لنحو إصلاح أو تظلم .. فيسن تركهما، بخلاف الواجبين ككذب؛ لإنقاذ مظلوم وذكر عيب خاطب توقفت النصيحة عليه، وحفظ جوارحه من كل منهي عنه؛ لخبر البخاري: "من لم يضع قول الزور والعمل به .. فليس لله حاجة في أن يضع طعامه وشرابه".
وخرج بزيادتي (من حيث الصوم) نحو النميمة والكذب والغيبة لذاتها، فيجب تركها، فهي يجب تركها لذاتها ويسن للصوم.
فإذا اغتاب مثلاً .. حصل عليه إثم الغيبة لذاتها، وبطل ثواب الصوم لا الصوم بمخالفة الأمر المندوب بتنزيه الصوم عنها، كما دلت عليه الأحاديث، ونص عليه الشافعي والأصحاب، وبه يُرد بحث الأذرعي حصول الثواب، وعليه إثم المعصية كما في الصلاة في المغصوب.
وقال الأوزاعي: يبطل أصل الصوم، وهو قياس مذهب أحمد.
وخبر: "خمس يفطرن الصائم: الغيبة والنميمة والكذب والقبلة واليمين الفاجرة" باطل، كما في "المجموع" ولو فرض صحته .. فالمراد بطلان الثواب.
ولو اغتاب وتاب .. لم يعد له ثواب الصوم.
(ويسن ترك) تعاطي (الشهوات) المباحة لغير من يتعاطى بيعها من مسموع ومبصر ومشموم وملبوس وملموس، كشم ريحان ولمسه والنظر إليه؛ وذلك لما فيها من الترفه الذي لا يناسب حكمة الصوم من كسر الهوى.
ويسن له ترك اللغو ونحو النميمة والمشاتمة.
(فإن شاتمه) أي: شتمه أو تعرض لمشاتمته (أحد .. تذكر) بقلبه (أنه صائم)؛ زجراً لنفسه عن إدخال الخلل على صومه، ويندب أن يقول ذلك بلسانه أيضاً حيث لم يظن رياءً؛ زجراً لخصمه، ودفعاً بالتي هي أحسن.
فإن اقتصر على أحدهما .. فبلسانه أولى؛ إذ يلزم من ذكر اللسان تذكر القلب، ففي الخبر الصحيح: "الصوم جنة، أي: مانع من ارتكاب الآثام -أي: شأنه ذلك- فإذا كان أحدكم صائماً .. فلا يرفث ولا يجهل، فإن امرؤ قاتله أو شاتمه .. فليقل: إني صائم مرتين"، أي: أو أكثر.
(وترك الحجامة) وتكره منه لغيره وعكسه؛ خروجاً من خلاف من فطر بها، وصح خبر احتجامه صلى الله عليه وسلم وهو صائم، وأنه رخص في الحجامة بعد أن قال: "أفطر هذان"، أي: الحاجم والمحجوم.
وكلام "النهاية"، و"الشرح"، يفيد: أن الفصد فيه خلاف الحجامة.
لكن في كلام غيرهما: أنه لا خلاف فيه.
(و) ترك (المضغ) لنحو لبان، فيكره؛ لأنه يعطش، بل ويفطر إن وصل الجوف شيء من الريق المخلوط على قول إنْ كثُر.
(و) ترك (ذوق الطعام) بل يكره خوف وصوله لجوفه.
نعم؛ إن احتاج إلى مضغ نحو خبز لطفل ليس له من يقوم به، أو لتحنيكه .. لم يكره.
(و) ترك (القبلة) في فم أو غيره، واللمس ونحو ذلك وإن لم تكره بأن لم يخش الإنزال؛ لأنها قد يظنها غير محركة وهي محركة.
(وتحرم) ولو على نحو شيخ (إن خشي منها) أو من اللمس (الإنزال) أو الجماع ولو بلا إنزال؛ لأن في ذلك تعريضاً لإفساد العبادة.
وصح الترخيص للشيخ في القبلة، ونهي الشاب عنها، وقال: "الشيخ يملك إربه، والشاب يفسد صومه".
فأفهم: أن الحكم دائر مع خشية ما ذكر وعدمها، ومحل الحرمة في صوم الفرض، أمَّا النفل .. فلا حرمة فيه.
(ويكره) للصائم ولو نفلاً (السواك بعد الزوال) إلى الغروب وإن لم يتغير فمه من الصوم، بل من نحو نوم عند (حج)؛ للخبر الصحيح: "لخلوف فم الصائم يوم القيامة أطيب عند الله من ريح المسك"، وهو -بضم الخاء المعجمة- التغير، واختص بما بعد الزوال؛ لأنه غالباً ينشأ من الصوم بعده، وقبله من أثر الطعام.
والأطيبية: قال ابن عبد السلام: يوم القيامة؛ للتقيد به في بعض الأحاديث.
وابن الصلاح: في الدنيا؛ لقوله في الحديث: "يمسون وخلوف أفواههم أطيب عند الله من ريح المسك"، وألَّف كل منهما في الرد على الآخر، ولا مانع من كونه فيهما.
ولو أزاله عنه غيره بغير إذنه .. حرم؛ لتفويته الفضيلة على غيره، كما في إزالة دم الشهيد.
(ويستحب في رمضان التوسعة على العيال والإحسان) بالقول والفعل والمال (إلى الأرحام والجيران، وإكثار الصدقة) ولو بجميع ماله إن كان يصبر على الإضاقة أو له حرفه يستغني بها، وإلا .. فيتصدق بما لا يضره؛ لخبر الصحيحين: أنه صلى الله عليه وسلم: (كان أجود الناس بالخير، وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل).
واختص رمضان بذلك وإن كان مطلوباً في غيره أيضاً؛ لضعف الفقراء فيه عن العمل، ولتفريغ قلوب الصائمين والقائمين بدفع حاجاتهم، ولتحصيل أجر الصائم، ولأن الحسنات تضاعف فيه.
(و) إكثار (التلاوة) للقرآن في غير نحو حش (والمدارسة) وهي أن يقرأ عليه غيره ما قرأه هو أو غيره؛ لخبر الصحيحين: (كان جبريل يلقاه صلى الله عليه وسلم كل ليلة من رمضان فيدارسه القرآن).
والتلاوة في المصحف أفضل إلا إنْ حصلت فائدة عن ظهر قلب لم تحصل بها من المصحف، كخشوع وتقوية حفظ.
ويسن استقبال القبلة للقارئ والجهر به إن أمن نحو رياء ولم يشوش على غيره.
(و) إكثار (الاعتكاف) فيه؛ للاتباع، ولأنه أقرب لصون النفس عما لا يليق
(لا سيما العشر الأواخر) منه فهي أولى بإكثار ما ذكر وغيره من كل خير؛ للاتباع.
(و) ذلك؛ لأن (فيها ليلة القدر) عندنا، فلعله يصادفها بما ذكر.
وقيل: ليلة تسعة عشر، وقيل: سبعة عشر، وقيل: ليلة النصف، وقيل: جميع رمضان، وقيل: جميع السنة، بل فيها للعلماء أربعون قولاً.
وميل الشافعي رحمه الله: أنها ليلة الحادي، أو الثالث والعشرين؛ لأنه صلى الله عليه وسلم أريها في العشر الأخير في ليلة وتر، وأنه يسجد في ماء وطين، فكان ذلك ليلة الحادي والعشرين كما في الصحيحين، أو ليلة الثالث والعشرين كما في مسلم.
واختير أنها تنتقل في ليالي العشر الأخيرة، وبه تجتمع الأحاديث المتعارضة، وكلام الشافعي في الجمع بين الأحاديث يقتضيه.
وحكمه إبهامها: إحياء جميع الليالي بالعبادة، وهي من خصائصنا، وباقية إلى يوم القيامة، والتي (فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ) [الدخان:4].
وأغرب مَنْ جعلها ليلة نصف شعبان.
وعلامتها: أنها معتدلة، وتطلع شمس يومها بيضاء، وليس لها كثير شعاع؛ لنور الملائكة الصاعدين والنازلين، والعمل فيها خير من العمل في الف شهر ليس فيها ليلة قدر.
وصح خبر: "من قام ليلة القدر إيماناً واحتساباً .. غفر له ما تقدم من ذنبه" وفي رواية: "وما تأخر".
وروى البيهقي: "من صلى العشاء في جماعة حتى ينقضي رمضان .. فقد أخذ من رمضان بحظ وافر".
وخبر "من شهد العشاء الأخيرة في جماعة من رمضان .. فقد أدرك ليلة القدر"، اي: أصل ثوابها، وأمَّا كماله .. فلمن رآها.
وسميت ليلة القدر؛ لعظم قدرها، أو لأن الله تعالى يقدر فيها ما يشاء.
ومن خصائصها أنها لا ينعقد فيها نطفة كافر، وينكشف فيها شيء من عجائب الملكوت، والناس متفاوتون في هذا الكشف.
وقد نظم العلامة القليوبي قاعدة تعلم بها ليلة القدر بقوله [من الرجز]:
يا سِائلي عن لَيْلَةِ القَدْرِ التي ... في عَشْرِ رَمْضان الأخير حلَّت
فإنها في مُفْرَداتِ العشر ... تُعْرَفُ من يوم ابتداءِ الشَّهر
فبالأحدْ والأربعاء التاسعة ... وجمعةٍ مع الثلاثا السابعةْ
وإن بدا الخميسُ .. فالخامسة ... وإن بدا بالسبت .. فالثالثةُ
وإن بدا الإثنينُ .. فهي الحادي ... هذا عن الصوفية الزهادِ
قال الكردي: ورأيت قاعدة أخرى تخالف هذه.
(ويقول) ندباً (فيها: اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عني)؛ لما صح من أمر عائشة بذلك إن وافقتها.
(ويكتمها) ندباً من رآها؛ لأن رؤيتها كرامة، وهي لا ينبغي إظهارها باتفاق أهل الطريق إلا لغرض شرعي.
(ويحييها ويحيي يومها كليلتها) بالعبادة، بإخلاص وبذل وسع.
(ويحرم الوصال في الصوم) فرضاً ونفلاً، وهو صوم يومين فأكثر من غير تناول مفطر بينهما؛ للنهي عنه في الصحيحين وإن لم يكن فيه ضعف.
ومن ثَمَّ لو أكل ناسياً كثيراً قبل الغروب .. حرم عليه الوصال مع انتفاء الضعف.
ولو ترك غير الصائم الأكل أياماً ولم يضره .. لم يحرم، ولا ينتفي إلا بتعاطي ما من شأنه أن يقوي، كسمسة لا نحو جماع.
(فصل) في بيان كفارة جماع رمضان.
(تجب الكفارة) الآتية مع القضاء، وكذا التعزير في غير من جاء مستفتياً تائباً، وهذا مستثنى من: أنَّ ما فيه حد أو كفارة لا تعزير فيه.
(على من) أي: واطئ بشبهة أو نكاح أو زناً (أفسد) حقيقة أو حكماً كأن طلع الفجر وهو مجامع فاستدام (صوم يوم) تام (من رمضان) يقيناً على نفسه (بالجماع) وحده الذي يأثم به؛ لأجل الصوم وحده، وهو: صوم رمضان، ولا شبهة (ولو) كان
الجماع (في دبر) رجل أو امرأة، ولو ميتاً (أو بهيمة)؛ لما صح من أمر المجامع في نهار رمضان بالإعتاق.
فإن لم يجد .. فصيام شهرين متتابعين، فإن لم يستطع .. فإطعام ستين مسكيناً.
(لا على المرأة) الموطوءة، ولا الرجل الموطوء وإن فسد صومهما بالجماع، بأن أولج فيه مع نوم الموطوء، ثم استدامه بعد الاستيقاظ، وإلا .. فيفطر بدخول رأس الذكر قبل تمام الحشفة.
والجماع إنما يتحقق بدخول جميع الحشفة؛ لأنه لم يؤمر بها في الخبر إلا الرجل المجامع مع الحاجة إلى البيان، ولأنها غرم مالي يتعلق بالجماع، فيختص بالرجل الواطئ كالمهر.
ولو علت على رجل .. فلا كفارة عليها؛ إذ لا كفارة على المرأة ولا على الرجل، لعدم الفعل منه.
فإن لم ينزل .. لم يفسد صومه، وإلا .. فسد بالإنزال، كالإنزال بمباشرة.
(ولا على من) أي: واطئ لم يفسد صومه، كأن (جامع ناسياً) للصوم أو جاهلاً بالحرمة لنحو قرب عهده بالإسلام (أو مكرهاً)؛ إذ صومهم لا يبطل بذلك؛ لعذرهم، بل لا كفارة عليهم وإن قلنا: إن ذلك مفسد؛ لانتفاء الإثم.
ولو علم تحريم الجماع وجهل الكفارة به .. وجبت قطعاً.
(ولا على من أفسد) بجماعه غير صوم، أو صوم غيره كمسافر مفطر جامع صائمة فأفسد صومها؛ إذ لو أفسدت صومها بالجماع .. لم تلزمها كفارة، فالأولى أن لا يلزم غيرها إذا أفسده.
ولا على من أفسد بجماعه (صوم غير رمضان) كقضائه؛ لورود النص في رمضان، وهو مختص بفضائل لا يشاركه فيها غيره، فلا يقاس عليه غيره.
ولا على من أفسد صوم يوم منه ظناً، كمنجم صامه بتنجيمه وجامع فيه، إلا إن علم بعد أنه منه.
ولا على من أفسد صوم بعض يوم كأن جن فيه بعد الجماع، بخلاف من سافر بعده.
(ولا على من أفطر بغير جماع) كاستمناء وإن جامع بعده؛ لأن الجماع أغلظ، فلا يقاس عليه غيره.
ولا على من أفطر بجماع وغيره، كأن وقع جماعه وأكله معاً؛ لوجود المقتضي والمانع، فقدم المانع.
لكن كون الأكل مانعاً من الكفارة فيه نظر، فالأولى التعليل بأن إسناد الفساد إلى الجماع ليس أولى من إسناده إلى الأكل.
(ولا على) من لم يأثم بجماعه، كـ (المسافر والمريض) إذا جامعا بنية الترخص.
ولا على من أثم به لا من حيث الصوم وحده كمريض ومسافر وطئا حليلتهما.
(و) كذا (إن زنيا)، قال في الشرح: (فإثمهما ليس لأجل الصوم وحده، بل له مع عدم نية الترخص في الأولى، أي: أنهما علة واحدة مركبة منهما، أو لأجل الزنا في الثانية، أي: إن نوى الترخص، وإلا .. فلهما، ولأن الإفطار لهما مباح، فيصير شبهة في درء الكفارة) اهـ
وفيه أن علة الإثم في الأولى عدم نية الترخص لا الصوم، كما قاله (ب ج).
أمَّا إذا كان الصوم علة تامة في الحرمة سواء وجدت مع حرمته حرمة أخرى أم لا، كمقيم أفطر بالزنا .. فتجب عليه الكفارة وإن أثم لأجل الصوم والزنا؛ لأن كلاً منهما علة على حدتها في الأثم.
(و) مر أن الكفارة (لا) تجب (على) غير آثم، ومنه (من ظن أنه) أي: الزمن الذي جامع فيه (ليل) بأن غلط، فظن بقاء الليل أو شك فيه (فتبين نهاراً) وكذا لو ظن دخول الليل أو شك فيه، فجامع، فبان أنه جامع في النهار، أو أكل ناسياً وظن أنه أفطر به، فوطئ عالماً عامداً، أو كان صبياً؛ لعدم الإثم في غير الشك في دخول الليل، ولسقوط الكفارة بالشبهة.
ولو رأى هلال رمضان .. لزمه صومه وإن لم تقبل شهادته، فإن جامع فيه .. لزمته الكفارة.
ويلحق به: من أخبره من اعتقد صدقه؛ لما مر أنه يلزمه الصوم بذلك.
(وهي) أي: الكفارة هنا، وكذا في الظهار والقتل إلا أنه لا إطعام فيه.
(عتق رقبة) كاملة الرق، خالية عن شائبة عوض، لا تستحق العتق بغير جهة الكفارة.
(مؤمنة) ولو تبعاً لأصل أو سابٍ أو دار؛ حملاً للمطلق هنا، والظهار على المقيد في آية القتل.
(سليمة من العيوب التي تخل بالعمل) إخلالاً بيَّناً وإِن لم تسلم عما يُثبت الرد في المبيع ويمنع الإجزاء في الغرة؛ إذ المقصود استقلاله بكفاية نفسه.
فيجزئ مقطوع أصابع رجلين، ومقطوع خنصر أو بنصر من يد واحدة، أو أناملها العليا من غير الإبهام، وأعرج يتابع المشي، وأعور لم تضغف سليمته ضعفاً بيَّناً، ومقطوع أذنين وأنف، وأجذم وممسوح، وفاقد أسنان وضعيف بطش، ومن لا يحسن صنعة وفاسق، ونحو آبق علمت أو بانت حياته.
وخرج بـ (كاملة الرق): مستولدة ومكاتب كتابة صحيحة.
أمَّا المبعض .. فإن أعتق بعض عبدين عن كفارة وكان موسراً ولو بأحدهما أو باقي أحدهما له، أو حر .. صح؛ لحصول الاستقلال المقصود ولو في أحدهما، ويصير في السراية كأنه باشر عتق الجميع.
ويجزئ المدبر والمعلق عتقه بصفة إذا نجَّزَ عتقه، أو علقه بصفة تسبق الأولى، وإلاَّ .. عتق عنها لا عن الكفارة.
وبـ (خالية) ... إلخ: ما لو أعتق بعوض عن كفارته على القن أو أجنبي .. فلم يجزئ عن الكفارة؛ لعدم تجرد العتق لها، ومن ثم استحق العوض على الملتمس.
وبـ (لاتستحق العتق ... إلخ): الأصل والفرع، فلا يجزئان عن كفارة؛ لاستحقاق عتقهما بملكه لهما.
وبـ (سليمة ... إلخ): نحو مجنون ومريض لا يرجى برؤه، ومقطوع خنصر وبنصر من يد أو إبهام أو سبابة أو الوسطى، أو أنملتين من أحدهما، أو أنملة من الإبهام، والشلل كالقطع.
تنبيه: الإعتاق بمال كطلاق به، فيكون معاوضة فيها شوب تعليق من المالك، وشوب جعالة من الملتمس، فيجب فوراً الجواب، وإلاَّ .. عتق على المالك مجاناً.
ولو قال لغيره: أعتق أم ولدك على ألف، ولم يقل: عني، سواء قال: عنك، أم أطلق، فأعتق فوراً .. نفذ عتقه، ولزم الملتمس العوض؛ لأنه افتداء من جهته، كاختلاع أجنبي.
فإن قال: عني فأعتقها عنه .. فتعتق، ولا عوض؛ لاستحالته.
بخلاف: طلق زوجتك عني؛ فإنه يتخيل انتقال شيء إليه.
وكذا لو قال: أعتق عبدك على ألف، ولم يقل: عني، سواء قال: عنك، أم أطلق، فأعتق فوراً .. نفذ العتق، فيستحق المالك الألف في الأصح؛ لأنه افتداء كأم الولد.
ولو قال: أعتقه عني على كذا، أو أطعم ستين مسكيناً ستين مداً عني بكذا، ففعل فوراً .. نفذ عن الطالب، وأجزاءه عن كفارته إن نواها به؛ لتضمن ذلك للبيع، فكأنه قال: بعنيه بكذا، وأعتقه عني، فقال: بعتكه وأعتقته عنك، وعليه المسمى إن ملكه، وإلاَّ .. فبدله كالخلع، فإن قال: مجاناً .. لم يلزمه شيء؛ لأنه هبة بخلاف ما لو سكت عن العوض.
فالمعتمد: أنه إن قال: عن كفارتي، أو عني، وعليه عتق، ولم يقصد المعتق العتق عن نفسه .. تلزمه قيمته، كما لو قال: اقض ديني، وإلا .. فلا.
(فإن لم يجد) رقبة كاملة وقت الأداء بأن يعسر عليه فيه تحصيلها؛ لكونه يحتاجها، أو ثمنها؛ لكفايته أو كفاية لممونه مدة العمر الغالب مطعماً وملبساً ومسكناً وأثاثاً، أو لدينه ولو مؤجلاً، أو لخدمة له أو لممونه لمنصب ونحوه، بحيث تحصل له مشقة لا تحتمل عادة بعتقه لا فوات رفاهية، ويأتي في نحو كتب الفقيه، وحلي المرأة وآلة المحترف، ما مر في قسم الصدقات.
ولا يجب بيع أرض لا تفضل غلتها عن كفايته، ولا صرف مال تجارة لا يفضل ربحه عنها فيها، ومثل ذلك الماشية ونحوها، ولا شراء الرقبة بزيادة على ثمن مثلها وإن قلت، لكن يمنع ذلك إجزاء الصوم، فيصبر إلى وجودها بثمن مثلها، كغيبة ماله ولو فوق مسافة قصر ولا نظر لتضررهما بفوات التمتع مدة الصبر في الظهار؛ لأنه المتسبب في ذلك وإن جاز العدول بذلك إلى الصوم في دم التمتع؛ لأن هذا أغلظ.
ولا يجب بيع مسكن أو عبد ألفهما وإن وجد بثمن العبد مثلاً عبداً يخدمه وعبداً يعتقه، إن لحقه بذلك مشقة لا تحتمل عادة.
نعم؛ إن كفاه بعض المسكن وحصل بباقيه رقبة .. لزمه.
واحتياجه لأمة للوطء كاحتياجه القن للخدمة.
( .. صام شهرين متتابعين) إن لم يتكلف العتق، وهما هلالان.
فإن انكسر الأول .. تمم ثلاثين من الثالث، فإن فسد صوم يوم أو لم يصمه ولو بعذر كمرض وإن أوجبه .. استأنفهما.
نعم؛ لا يضر الفطر بحيض أو نفاس أو جنون أو إغماء مستغرق؛ لمنافاتها له مع كونها اضطرارية.
نعم؛ إن اعتادت انقطاع الحيض شهرين، وشرعت في وقت يتخلله الحيض .. استأنفتهما.
ويجب في الصوم التبييت، وكونه بنية الكفارة وإن لم يعينها ولم ينو تتابعاً.
فلو صام أربعة أشهر وعليه كفارتا قتل وظهار، ولم يعين .. أجزأته عنهما.
(فإن لم يقدر) بأن عسر عليه صومهما، أو تتابعه لنحو هرم أو مرض يدوم شهرين غالباً، أو خاف زيادة مرضه به، أو معه شهوة للوطء، أو غير ذلك مما يحصل به مشقة لا تحتمل عادة ( .. أطعم) - أي: ملك- أي: دفع لهم ولو بلا لفظ تمليك (ستين مسكيناً) أو فقيراً من أهل الزكاة.
ولو كفر عن المجامع غيره بإذنه .. جاز له صرف ذلك له ولممونه؛ إذ المكفر غيره، ولعلها واقعة المجامع في الحديث المتقدم.
(كل واحد) منهم (مداً) يجزئ فطرة، ويكفي أن يضع الستين بين أيدي ستين، ويقول: ملكتكم ذلك، أو خذوه، ونوى به الكفارة وإن لم يقل بالسوية.
ولهم التفاوت في قسمتها في الأولى؛ لأنهم بالقبول ملكوه، بخلافه في الثانية فلم يملكوه إلا بالأخذ، فلا يجزئ إلا لمن أخذ منه مداً لا دونه.
ولو صرف الستين إلى مئة وعشرين بالسوية .. حسب له ثلاثون مداً، فيصرف ثلاثين أخرى لستين منهم بالسوية، ويسترد الباقي من الباقين إن علموا أنها كفارة، وإلا .. فلا.
ويجوز أن يدفع لمسكين مدين من كفارتين، وأن يعطي رجلاً مداً ويشتريه منه، ثم يصرفه لآخر ويشتريه منه، وهكذا إلى الستين، لكنه مكروه؛ لشبهه بالعائد في صدقته.
(وتسقط الكفارة) هنا (بطروء الجنون والموت في أثناء النهار) الذي جامع فيه وإن تعدى بهما؛ لأنه بان بطروء ذلك أنه لم يكن في صوم، وبانتقاله لبلد أهله معيدون ومطلعهم مختلف وإن عاد لبلده؛ إذ الساقط لا يعود.
ولو جامع في بلده يوم العيد، فانتقل لبلد أهله صيام .. فلا كفارة أيضاً.
(لا بالمرض والسفر) والإغماء والردة؛ إذ الأولان لا ينافيان الصوم، فيتحقق هتك حرمته، وطرو الردة لا يبيح الفطر، فلم يؤثر فيما وجب من الكفارة.
(ولا بالإعسار) بل إذا عجز عن الخصال الثلاثة .. استقرت في ذمته، فإذا قدر على خصلة .. فعلها، ولا أثر للقدرة على بعض خصلة إلا في الإطعام، ولو بعض مدّ، والباقي إذا أيسر.
(ولكل يوم يفسده) بالجماع السابق (كفارة) ولا تتداخل وإن لم يكفر عما قبل الأخير؛ إذ كل يوم عبادة مستقلة بنفسها لا ارتباط لها بما بعدها، بدليل تخلل منافي الصوم من نحو أكل بين الأيام من غير إفساد لما قبله.
فعلم: أن على المفسد خمسة أشياء: الإثم، والقضاء، والكفارة، والتعزير إن لم يتب، والإمساك.
(فصل) في الفدية الواجية بدلاً عن الصوم.
وأنها تارة تجامع الصوم، وتارة تنفرد عنه، وفيمن تجب عليه.
(ويجب) [مع القضاء] الفدية، وهي (مد من غالب قوت البلد) في غالب السنة كالفطرة.
والمراد بـ (البلد): المحل الذي هو فيه عند أوّل مخاطبته بالقضاء.
(ويصرف إلى) واحدٍ لا أكثر من (الفقراء أو المساكين) دون غيرهما من مستحقي الزكاة؛ لأنّ المسكين ذكر في الآية، والفقير أسوأ حالاً منه.
وله الصرف أمدادٍ لواحد، لا مدّ لاثنين، ومد وبعض آخر لواحد؛ لأن كل مدًّ فدية
تامة، وبه فارق ما مرَّ في كفارة الجماع، وقد وجب صرف الفدية لواحد، فلا ينقص عنها.
وفي "التحفة": (وإنما جاز صرف فديتين لواحد كزكاتين، ويجوز بل يجب صرف صاع الفطرة لاثنين وعشرين ثلاثة من كل صنف، والعامل؛ لأنه زكاة مستقلة، وهي بالنص يجب صرفها لهؤلاء؛ إذ تعلق الأطماع بها أشد.
وإنما صرف جزاء الصيد لمتعددين؛ لأنه قد يجب التعدد فيها ابتداء بأن أتلف جمع صيداً، وأيضاً فهو مخير، وهو يتسامح فيه ما لا يتسامح في المرتب، وأيضاً فإنّ فيه جمع المساكين، كآية الزكاة، بخلاف الآية هنا) اهـ
ويجب المد (لكل يوم) لما مرَّ: أنَّ كل يوم عبادة مستقلة.
وتجب الفدية بثلاث طرق:
الأولى: فوات نفس الصوم، فحينئذٍ (يخرج) بعد مؤن تجهيزه لكل يوم مد (من تركه من مات وعليه صوم) واجب (من رمضان أو غيره) كنذر وكفارة (و) قد (تمكن من القضاء) ولم يقض (أو تعدى بفطره) وإن لم يتمكن من القضاء، ويأثم بالتعدي والتأخير بعد التمكن، وكذا كل عبادة وجب قضاؤها، فأخره مع التمكن حتى مات وإن ظنَّ السلامة، فيعصي من آخر زمن التمكن كالحج.
بخلاف المؤقت المعلوم الطرفين لا إثم فيه بالتأخير عن زمن إمكانه أدائه.
وأفهم قوله: (من تركه): أنه ليس لأجنبي إخراجها؛ لأنها بدل عن بدني، بخلاف الحج، وكذا إطعام الأنواع الآتية.
ومرَّ أنه لا يجوز إخراج الفطرة بلا إذن، ومثلها الكفارة.
وخرج بـ (الأجنبي): الوارث، فله إمساك التركة وإخراجها من ماله كالدين، بل مثل الوارث قريب غير وارث؛ لأن له الصوم عنه، فالإطعام أولى.
والجديد: تحتم الإطعام عن الميت ومنع الصوم؛ لأنه عبادة بدنية، وهي لا تدخلها النيابة، وأولوا الأحاديث بالصيام على بدله، وهو الإطعام.
والقديم: إمَّا أن يطعم -كما مر- (أو يصوم عنه قريبه) البالغ وإن لم يكن وارثاً ولا عصبة ولا ولي مال، كسفيه ولو بغير إذن الميت (أو) يصوم عنه (من) أي: أجنبي
بالغ (أذن له) أي: أذن القريب المذكور، سواء (الوارث) وغيره (أو الميت) للأجنبي في الصيام عنه بأجرة أو دونها؛ للأخبار الصحيحة، كخبر: "من مات وعليه صيام .. فليصم عنه وليه وغيره".
ولو تعدد الأقارب .. قسم بينهم، وخير من خصه شيء من الأقارب بين الإطعام والصوم بنفسه، أو بالإذن فيه لغيره.
ولو صام أحد الأقارب بغير إذن الباقين .. صح، ولو لم تكن تركة سن الإطعام أو الصوم.
واعلم: أن التركة مرهونة بما عليه من صوم أو كفارة حتى يفعل عنه، وقلَّ أن يخلو أحد عن كفارة اليمين.
أمَّا الأجنبي الذي لم يأذن له الميت ولا القريب .. فلا يصح منه صوم عن الميت، ولا إطعام.
وإنما صحت حجة الإسلام عن الميت من الأجنبي وإن لم يستطع ولا أذن فيها له هو ولا قريبه؛ لأن الصوم لا يقبل النيابة في الحياة، بخلاف الحج، ولأن للصوم بدلاً، وهو الإطعام، ولا بدل للحج، فلذا ضيق في الصوم.
وخرج بقوله: (تمكن) من لم يتمكن وقد أفطر بعذر، فلا فدية عليه كما مر.
ولو مات وعليه صلاة أو إعتكاف .. فلا قضاء عنه ولا فدية.
ولا يصح الصوم عن حيَّ ولو هرماً اتفاقاً، وحكى القفال عن بعض أصحابنا: أنه يطعم عن كل صلاة، أي: مداً، كما في "التهذيب".
وحكى عن القديم: أنه يجب على الولي أن يصلي عنه ما فاته، واعتمده جمع من محققي المتأخرين، وفعل به السبكي عن بعض أقاربه.
وعن البويطي أنَّ الشافعي قال في الاعتكاف: يعتكف عنه وليه.
فائدة: قال في "شرح السنة" للمحب الطبري: إنه يصل للميت ثواب عبادة تفعل عنه واجبة أو مندوبة، ونقله في "شرح المنهج" عن جماعات من الأصحاب.
قال (ب ج): (كأن صلى أو صام، وقال: اللهم أوصل ثواب ذلك إليه) وهو ضعيف.
اهـ
والضعف ظاهر إن أريد الثواب نفسه، فإن أريد مثله .. فلا ينبغي أن يختلف فيه.
نعم؛ الصدقة يصل نفس ثوابها للمتصدّق عنه إجماعاً، وكأنه هو المتصدّق، ويثاب المتصدق ثواب البر لا على الصدقة، وكذا يصله ما دعا له به إن قبله الله تعالى.
وأمَّا ثواب الدعاء .. فهو للداعي.
(ويجب المد) إن لم يتكلف الصوم بلا قضاء لكل يوم (أيضاً على من لا يقدر على الصوم) الواجب من رمضان وغيره بأن عجز عنه؛ لضعف (لهرم) أو زمانة (أو) لأجل (مرض لا يرجى برؤه)؛ بأن لحقه مشقة لا تحتمل عادة بالصوم.
قال الكردي: أي: تبيح التيمم؛ لأن ذلك جاء عن جمع من الصحابة ولا مخالف لهم، ولآية (وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ) [البقرة:184]؛ إذ المراد لا يطيقونه، أو يطيقونه في الشباب، ويعجزون عنه في الكبر.
وقرأ ابن عباس وعائشة: (وعلى الذين يطوقونه)، أي: يكلفونه فلا يطيقونه، والقراءة الشاذة حجة، والأكثرون أنها منسوخة.
والفدية -هنا- واجبة ابتداء لا بدلاً عن الصوم.
ومن ثم لو نذر صوماً .. لم يصح.
ولو قدر على الصوم قبل إخراج الفدية .. لم يلزمه، بخلاف المعضوب لو قدر على الحج بعد الإنابة؛ لأنه مخاطب بالحج، وإنما جازت له الإنابة؛ للضرورة، وقد بان عدمها.
وهنا مخاطب بالمد ابتداءً، وإذا عجز عنه .. لم يثبت في ذمته، كالفطرة عند (حج).
أمَّا من تكلف الصوم .. فلا فدية عليه؛ لأن محل مخاطبته بالمد ابتداءً إن لم يرد الصوم، وإلا .. خوطب به.
وأمَّا من يرجو البرء .. فواجبه الصوم عند برئه.
ومثله: من لا يطيقه إلا في الأيام القصيرة أو الباردة، فيصوم فيها.
ولو أخر نحو الهرم الفدية عن السنة الأولى .. لم يجب شيء للتأخير؛ لأنّ وجوبها على التراخي، كما في (ب ج) عن "الإيعاب".
الطريق الثاني: يجب المد أيضاً بفوات فضيلة الوقت.
(و) من ثم وجب (على) الحرة والأمة بعد عتقها (الحامل والمرضعة) غير المتحيرة ولو مستأجرة أو متطوّعة، أو كانتا مريضتين أو مسافرتين (إذا أفطرتا خوفاً على الولد) فقط أن تجهض أو يقلَّ اللبن، فيتضرر بمبيح تيمم وإن لم تتعين بأن تعددت المراضع؛ لآية السابقة، لقول ابن عباس: إنها منسوخة إلا في حقهما.
ولو امتنعت من الفطر .. فللمستأجر الخيار، والفدية على الأخيرة.
وفارقت كون دم التمتع على المستأجر بأن فعل تلك من تمام المنفعة الواجبة عليها، وفعل هذا من تمام الحج الواجب على المستأجر، وأيضاً فالعبادة هنا لها، وثَمَّ للمستأجر.
وأمَّا المتحيرة .. فلا فدية عليها إن أفطرت ستة عشر فأقل، وإلا .. وجب لما زاد.
فلو أفطرت كل رمضان .. لزمها مع القضاء فدية أربعة عشر يوماً.
والفطر فيما ذكر جائز، بل يجب إن خيف تضرر الولد بمبيح تيمم.
ومحله كما في "الشرح": في المستأجرة والمتطوعة إذا لم توجد مرضعة مفطرة أو صائمة لا يضرها الإرضاع.
لكن الإجارة للإرضاع إجارة عين، ولا يجوز فيها إبدال المستوفى منه.
وفي "التحفة": جواز الفطر لمن تبرعت أو استؤجرت وإن لم تتعين، وهو منقول المذهب، كما قال الكردي.
ولا تعدد الفدية بتعدد الأولاد؛ لأنها بدل الصوم وهو غير متعدد، بخلاف العقيقة فإنها فداء عن كل واحد.
ولو أفطرت المريضة أو المسافرة بنية الترخص لأجل السفر لا للولد .. لم يلزمهما فدية، وكذا إن أطلقتا أو أفطرتا للسفر والولد.
وأطلق "الأسني": وجوب الفدية عليهما، و"الإيعاب": عدمها.
وخرج بقوله: (على الولد): ما لو خافتا على أنفسهما ولو مع الولد .. فلا فدية عليهما، كالزمن المرجو البرء.
ولا تلزمها الفدية وحدها، بل (مع القضاء) وفارق لزومها لهما -كغيرهما ممن ارتفق بفطره شخصان- عدمه على عاص بفطره بغير جماع، بأن فطرهما ارتفق به شخصان، فجاز أن يجب به أمران كالجماع لمَّا كان من شأنه أن يحصل به مقصود الواطئ
والموطوء .. أوجب القضاء والكفارة العظمى.
وأيضاً فالفدية مما استأثر الله بعلم حكمته، وليست منوطة بالإثم؛ إذ الردة في رمضان لا كفارة فيها مع أنها أفحش من الجماع.
(و) كذا يجب القضاء والمد (على من أفطر لإنقاذ حيوان) محترم (مشرف على الهلاك) أو تلف عضو، أو منفعة بغرق أو صائل أو غيرهما، ولم يمكنه تخليصه إلا بالفطر كالحامل والمرضع بجامع أنَّ في كلٍّ إفطاراً لآجل الغير.
ويأتي في المتحيرة والمريض والمسافر المنقذين ما مر فيهم في الإرضاع والحمل.
وأفهم: تقييده الفدية بإنقاذ الحيوان لزومها فيه وإن كان للمنقذ، وعدم لزومها في غيره، واعتمده (م ر).
واعتمد (حج): أنَّ الحيوان المحترم تجب الفدية بالفطر لإنقاذه؛ لأنه إن كان آدمياً حراً أو غير آدمي وهو له .. ارتفق به شخصان، أو رقيقاً أو حيواناً آخر لغيره .. ارتفق به ثلاثة.
وإن كان غير حيوان، فإن كان لغيره .. فالفدية لارتفاق المنقذ بالفطر ومالكه بتخليصه له، وإن كان له .. فلا فدية.
الطريق الثالث: تأخير القضاء.
(و) حينئذٍ تجب الفدية لكل يوم (على من أخر القضاء) أي: قضاء رمضان، أو شيء منه سواء فاته بعذر أو بغيره (إلى رمضان آخر بغير عذر) بأن أمكنه القضاء في تلك السنة بخلوه فيها عن سفر ومرض قدر ما عليه من القضاء؛ لخبر ضعيف فيه.
لكن وافقه إفتاء ستة من الصحابة به، ولا مخالف لهم، ولتعدية بالتأخير.
وإنما جاز تأخير قضاء الصلاة إلى ما بعد صلاة أخرى؛ لأنَّ تأخير الصوم إلى رمضان آخر تأخير إلى زمن لا يقبله، بخلاف قضاء الصلاة فيصح كل وقت.
أمَّا تأخيره بعذر كسفر وإرضاع ونسيان وجهل حرمة التأخير ولو مخالطاً لنا .. فلا فدية فيه؛ لأن تأخير الأداء جائز به، فالقضاء أولى وإن استمر سنين.
نعم؛ مرَّ حرمة التأخير لما أفطره بغير عذر ولو في نحو السفر، وإذا حرم .. كان بغير عذر، فتجب الفدية، واعتمده الخطيب.