والأفضل: أن يحرم (عند ابتداء سيره) في الماشي، أو سير دابته في الراكب متوجهاً لطريق مقصده؛ للاتباع.
(ويسن) لحاج ولو قارناً (دخول مكة قبل الوقوف)؛ للاتباع، ولكثرة ما يفوته لو لم يدخلها قبله من طواف القدوم، وتعجيل سعي وزيارة البيت وكثرة الصلوات في المسجد الحرام، وغير ذلك.
(و) كونه ولو لحلال (من أعلاها) وإن لم يكن بطريقه، ويسمى: ثنية كداء -بفتح الكاف والمد- و (نهاراً) والأفضل: أوله، وبعد صلاة الصبح.
وكون الذكر (ماشياً) و (حافياً) إن لم تلحقه بذلك مشقة، ولم يخف تنجس رجليه، ولم يضعفه ذلك عن الوظائف؛ لأنه أشبه بالأدب، ومن ثم ندب له الأخيران من أول الحرم إن لم يخف شيئاً مما مر.
أما المرأة .. فدخولها في نحو هودجها أفضل.
ويسن أن يخرج من ثنية كُدى -بضم الكاف والقصر- وإن لو تكن بطريقه كإلى عرفة، لكن استثناها (سم)، وعبد الرؤوف.
وحكمته: الاشعار بعلو ما يدخله على غيره، وفي الخروج بالعكس.
وينبغي أن يستحضر عند دخوله الحرم ومكة من الخشوع والخضوع والتواضع ما أمكنه، ولا يزال كذلك.
فإذا وصل المدعى .. وقف ودعا، ثم ينطلق نحو المسجد، ويدخل من باب السلام وإن لم يكن بطريقه، فإذا وقع بصره على البيت أو بحيث يراه لو لم يكن مانع من الرؤية .. رفع يديه؛ لخبر فيه: أنه حينئذٍ يستجاب الدعاء، ووقف ودعا، فيقول:
اللهم زد هذا البيت تشريفاً وتعظيماً وتكريماً ومهابة وبراً، وزد من شرفه وعظمه ممن حجه واعتمره تشريفاً وتعظيماً وتكريماً وبراً، اللهم أنت السلام ومنك السلام، فحينا ربنا بالسلام، ثم يدعو بما أحب.
(وأن يطوف للقدوم) عند دخوله المسجد مقدماً له على تغيير ثياب لم يشك في طهرها أو لا تليق به، واكتراء منزل وغيرهما؛ للاتباع.
ولأنه تحية البيت فقدم على تحية المسجد وغيرها إلا لعارض، كفائتة فرض لم تكثر،
وخشية فوات راتبة أو سنة مؤكدة أو مكتوبة أو جماعة، فإن أقيمت فيه جماعة مكتوبة كما في "التحفة"، أو غيرها كما في غيرها .. قطعه ما لم يرج جماعة أخرى مساوية لها.
وتؤخر المرأة طوافها إلى الليل.
ولو منع من الطواف .. صلى التحية، كما لو دخل ولم يرده، ولا يفوت إلا بالوقوف بعرفة.
وإنما يندب لداخل مكة (إن كان) حلالاً، أو (حاجاً أو قارناً ودخل مكة قبل الوقوف) بخلاف معتمر وحاج دخلها بعد الوقوف فمخاطب بطواف الركن، فلم يصح تطوعهما بطواف القدوم ولا غيره قبله، حتى لو قصدا به غير الفرض .. وقع عن الفرض، واندرج فيه طواف القدوم.
نعم؛ لو دخل مكة بعد الوقوف قبل نصف ليلة النحر .. سن له طواف القدوم؛ إذ لا يدخل طواف الركن إلا بنصف الليل.
(فصل: واجبات الطواف) بأنواعه من قدوم وركن وتحلل ووداع واجبٍ، أو مندوب، أو نذر وتطوّع.
والمراد بالواجبات هنا: ما يشمل الشرط والركن، فالركن النية، والطوافات وغيرهما شروط (ثمانية) بل أحد عشر، فالثلاثة الأول:
(ستر العورة، وطهارة الحدث) الأصغر والأكبر (و) طهارة (النجس) بتفصيلهما السابق في الصلاة؛ لأنه صلاة كما صح به الخبر، وصح أيضاً: "لا يطوف بالبيت عريان".
فلو أحدث أو تنجس بدنه أو ثوبه أو مطافه بغير معفو عنه أو عري شيء من عورته مع القدرة على ستره أثناء الطواف .. تطهر وتستر وبنى وإن تعمد ذلك وطال الفصل كالوضوء، وقيل: يستأنف كالصلاة.
ويعفى عما يشق الاحتراز عنه في المطاف من ذرق الطيور وغيرها، حيث لا رطوبة، ولم يتعمده.
لكن في "المنح"، و"الإيعاب"، و"مختصر الإيضاح": أنه حيث لا مندوحة له عنه لا يضر تعمده.
وفي "الإمداد": قضيةُ تشبيه المجموع ذلك بدم نحو القمل وطين الشارع عدمُ الفرق بين الرطبة وغيرها، وجرى عليه في "مختصر الإيضاح".
والعاري يطوف ولا إعادة عليه.
قال في "الشرح": (والأوجه: أن للمتيمم وإن لزمته الإعادة، وللمتنجس العاجزين عن الماء -ولو شرعاً كذي جبيرة تيمم- طواف الركن؛ ليستفيدا به التحلل، ثم إذا عادا إلى مكة .. لزمهما إعادته) اهـ
وأفهم كلامه: أنه لا يلزمه العود لذلك، وهو مفاد كلام غيره.
ونقل (سم) عن (م ر): أنه لا يجب عليه المجيء فوراً.
قال عبد الرؤوف: وعليه: فمحله مالم يتضيق بنحو عضب، فإن عضب .. أناب فيه غيره؛ لعذره، وإنَّ الكلام في الآفاقي، فالمكي ليس له فعل طواف الركن بالتيمم إن رجا حصول البرء عن قرب.
وفي "الأصل" زيادات، فليطلبها من أرادها.
(و) الرابع: (جعل البيت عن يساره) يقيناً؛ للاتباع، إلا في أعمى .. فظناً؛ لشدة عسره عليه ماراً لجهة الحجر -بكسر الحاء- ولو محمولاً وإِن حعل رأسه لأسفل، أو وجهه للسماء وظهره للأرض أو عكسه، كما لو طاف منحنياً أو حبواً أو زحفاً مع قدرته على المشي.
فإن جعله على يمينه ومشى أمامه أو القهقرى أو أمامه أو خلفه أو على يساره ومشى القهقرى .. لم يصح؛ لمنافاته لما ورد الشرع به.
(و) الخامس: (الابتداء بالحجر الأسود)؛ للاتباع، فلا يعتد بما بدأ به قبله ولو سهواً، فإذا انتهى إليه .. ابتدأ منه.
(و) السادس: (محاذاته) أي: الحجر كله أو بعضه في أول طوافه عند النية إن وجبت، وآخره (بجميع بدنه) أي: بجميع أعلى شقه الأيسر المحاذي لصدره، وهو المنكب.
فيجب في الابتداء: أن لا يتقدم جزء منه على جزء من الحجر مما يلي الباب، واكتفي
بمحاذاة بعضه، كما يكتفي في الصلاة بتوجهه بكل بدنه لبعض الكعبة.
وفي الانتهاء: أن يكون الذي حاذاه آخراً هو الذي حاذاه أوّلاً، أو مقدماً إلى جهة الباب؛ ليحصل استيعاب البيت بالطواف، وزيادة ذلك الجزء؛ احتياطاً، كما يجب غسل جزء من الرأس مع الوجه، فليتنبه له.
فلو لم يحاذه أو بعضه بجميع أعلى شقه، كأن جاوزه ببعض أعلى شقه إلى جهة الباب، أو تقدمت النية على المحاذاة المذكورة، أو تأخرت عنها .. لم تصح طوفته، وكذا ما بعدها إن كان طوافه يحتاج لنية، ولم يستحضرها بعد.
(و) السابع: (كونه سَبْعاً) يقيناً ولو راكباً، فلو ترك خطوة .. لم يجزئه، ولا تقوم عنها كفارة، ولو شك في العدد .. أخذ بالأقل كالصلاة.
نعم؛ الشك بعد الفراغ لا يضر.
ولو أخبره غيره على خلاف ما يعتقده، فإن كان بالنقص .. سن الأخذ به إن لم يؤثر معه تردداً، وإلا .. وجب، وفارق الصلاة بأنها تبطل بالزيادة، أو بالتمام .. لم يجز الأخذ به إلا إِن بلغوا حَدَّ التواتر كما في الصلاة.
ولو شك في شرط كالطهارة بعد فراغه .. لم يضر، وإلا .. ضر إن شك في أصلها كما في الصلاة.
ولا يكره في الأوقات المنهي عن الصلاة فيها؛ لما مر ثَمَّ.
(و) الثامن: (كونه داخل المسجد) وإن خرج إلى الحل على ما في "شرحي الإرشاد" ولو على سطحه، وإن كان أعلى من الكعبة؛ إذ لهوائها حكمها وإن حال بينه وبين البيت حائل.
لكن يكره خلف المطاف؛ للخلاف فيه، فلا يصح خارج المسجد إِجماعاً.
وأول من وسَّعه النبي صلى الله عليه وسلم، ثم عمر ثم عثمان ثم ابن الزبير، ثم الوليد بن عبد الملك ثم المنصور ثم المهدي، وزاد بعضهم المأمون، وعليه استقر، والمراد: ما استقر عليه الآن، لا ما كان في زمنه صلى الله عليه وسلم فقط.
(و) التاسع: كونه (خارج البيت والشاذروان والحجر) بجميع بدنه؛ لآية: (وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ) [الحج:29].
وإنما يكون طائفاً به حيث لا جزء منه فيه، وإلا .. فهو طائف فيه لا به، وكبدنه:
ثوبه المتحرك بحركته عند (حج) لا عود في يده وحامله ودابته.
و (الشاذروان): جدار قصير نقصه ابن الزبير من عرض الأساس لمّا وصل أرض المطاف؛ لمصلحة البناء، ثم سنم بالرخام؛ لأن أكثر العامة تجهله، وهو من الجهة الغربية واليمانية فقط، كما في "الشرح"، وموضع من "النهاية" وغيرهما.
لكن المعتمد كما في "التحفة": ثبوته في جهة الباب أيضاً، كما حرره في "الحاشية"، ونقلت عبارتها في "الأصل"، واعتمده الكردي.
والحاصل: أنه مختلف فيه من جميع الجوانب.
فالإمام والرافعي: لا يقولان به إلا في جهة الباب، وشيخ الإسلام ومن وافقه لا يقولون به في جهة الباب، وأبو حنيفة لا يقول به في جميع الجوانب، وفيه رخصة عظيمة.
بل لنا وجه: أن مس جدار الكعبة .. لا يضر؛ لخروج معظم بدنه عن البيت.
و (الحجر) -بكسر الحاء-: ما بين الركنين الشاميين، عليه جدار قصير، بينه وبين كل من الركنين الشاميين فتحة، ويسمى أيضاً: حطيماً.
لكن الأشهر: أنه ما بين الحجر الأسود ومقام إبراهيم، وهو أفضل محل بعد الكعبة والحجر.
فلو مشى الطائف بين فتحتيه أو وضع بعض بدنه وهو سائر على جداره القصير .. لم يصح حينئذٍ، فليعد إلى محل الدخول أو الوضع، ثم يبني؛ لأنه وإن لم يكن فيه من البيت إلا ستة أو سبعة أذرع .. فالغالب في الحج التعبد، ولم يثبت الطواف إلى خارجه، فوجب الاتباع.
وليتفطن لدقيقة وهي من قَبَّل الحجر الأسود، أو استلم اليماني، فإنه يدخل في جزء من البيت، فليقر قدميه حتى يفرغ منهما، ويعتدل قائماً، ثم يجعل البيت عن يساره ويسير.
العاشر: عدم صرفه لغيره، كطلب غريم فقط، وكإسراعه خوفاً من أن تلمسه امرأة، فإن شرَّك كأن قصد بمشيه الطواف وطلب الغريم .. لم يضر، ولو دفعه شخص فمشى بدفعه خطوات .. لم يضر؛ لأنه لم يصرفه.
والحادي عشر: النية عندما تشترط محاذاته من الحجر في طواف نذر ونفل غير
قدوم، أمَّا طواف الركن والقدوم وكذا الوداع عند (حج) .. فلا يحتاج لنية؛ لانسحاب نية النسك عليه، لكن تسن.
وفي "المنح": إن كان المراد بالنية: قصد الفعل .. فهو شرط في كل طواف، أو تعيين الطواف .. فليس بشرط في كل طواف، فما المختلف في وجوب النية فيه؟
وقد يجاب بأن المختلف فيه: قصد الفعل، لا مطلق الفعل، كقولهم: يشترط قصد فعل الصلاة، ولا يكفي مطلق قصدها مع الغفلة عن ربطه بالفعل، فطواف النسك يكفي فيه مطلق القصد، وطواف غيره لا بد فيه من قصد الفعل دون التعيين، كنية نفل الصلاة المطلق.
(ومن) أي: وبعض (سننه)؛ إذ هي كثيرة، لأنه يشبه الصلاة، فكل ما يمكن جريانه فيه من سننها لا يبعد ندبه فيه من الإضافة لله وعدد الأسابيع وفراغ القلب والخشوع والتدبر، بل قد يزيد بأشياء.
ومنها: (المشي) فيه ولو لغير ذكر؛ للاتباع، ويكره الزحف والحبو فيه، والركوب فيه لغير استفتاء خلاف الأولى عند (حج)، وحرام عند (م ر).
ويسن كونه حافياً ولو امرأة إلا لعذر كشدة حر .. فيحرم، فإن لم يشتد .. جاز لبس نعلين والحفاء، وندب تقصير الخطا؛ لتكثر خطاه فيكثر الأجر.
وعليه: فأسبوع بسكينة وتؤدة بحيث يطوف غيره أسابيع مع تساوي أوصافهما أفضل.
(واستلام الحجر) ويمينه أفضل (تقبيله) ويخففها بحيث لا يظهر لها صوت، فإن ظهر .. كره.
(ووضع جبهته عليه)؛ للاتباع في الثلاثة، ويسن تكرير كل منها ثلاثاً في كل طوفة، والأوتار آكد، ولا يقبل ما استلم به كيده إلا عند العجز عن تقبيل الحجر.
لكن في "التحفة": أن الذي دلت عليه الأخبار، وصرح به ابن الصلاح، وتبعه جمع: أنه يقبلها، فإن عجز عن الأخيرين أو عن الأخير فقط بأن لحقه أو لحق غيره بذلك مشقة تذهب خشوعه .. اقتصر على الاستلام في الأولى، أو عليه وعلى الوضع في الثانية، ثم قبل ما استلم به، فإن عجز عن استلامه بيده وغيرها .. أشار إليه بيده اليمنى فاليسرى، فبما في اليمنى فبما في اليسرى؛ للاتباع، رواه البخاري، ثم يقبل ما أشار به.
تنبيه: من علم أنه بنحو استلام الحجر يعلق به شيء من طيبه .. امتنع عليه، فليتنبه لذلك.
(واستلام الركن اليماني) بيده؛ لما صح: (أنه عليه الصلاة والسلام كان لا يدع استلامة الركن اليماني والحجر الأسود في كل طوفة).
ثم بما فيها كما مر، ثم يقبل ما استلم به، فإن عجز .. أشار إليه كما مر بما مر في الحجر بترتيبه، ثم قبل ما أشار به خلافاً "للشرح".
ويباح تقبيل الركنين الشاميين وغيرهما من أجزاء البيت حتى الركن اليماني.
وخص ركن الحجر بالاستلام والتقبيل؛ لأنه فيه الحجر، وعلى قواعد إبراهيم.
واليماني بالاستلام؛ لكونه على قواعد إبراهيم، والشاميين ليس فيهما شيء مما ذكر.
(والأذكار) المأثورة عنه صلى الله عليه وسلم أو عن أحد من الصحابة، الشاملة للدعاء، فإن ذلك ولو ضعيفاً أفضل من القراءة، وهي أفضل من غير المأثور.
ولم يصح عنه صلى الله عليه وسلم إلا: "اللهم ربنا آتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار، اللهم قنعني بما رزقتني، وبارك لي فيه، واخلف علي كل غائبة لي بخير" بين اليمانيين.
والمشهور: تشديد الياء من عليَّ، لكن قال ملا علي قاري: إنه تحريف، بل بالتخفيف.
فيقول أول طوافه: (باسم الله، والله أكبر، اللهم إيماناً بك، وتصديقاً بكتابك، ووفاء بعهدك، واتباعاً لسنة نبيك محمد صلى الله عليه وسلم).
وقبالة باب البيت: (اللهم البيت بيتك، والحرم حرمك، والأمن أمنك، وهذا مقام العائذ بك من النار، ويشير إلى مقام إبراهيم بقلبه).
وعند الانتهاء إلى العراقي تقريباً: (اللهم إني أعوذ بك من الشرك والشك والنفاق والشقاق وسوء الأخلاق وسوء المنظر في الأهل والمال والولد).
وعند محاذاته الميزاب: (اللهم أظلني في ظلك يوم لا ظل إلا ظلك، واسقني بكأس نبيك محمد صلى الله عليه وسلم شراباً هنيئاً مريئاً لا أظمأ بعده أبداً، اللهم إني أسألك الراحة عند الموت والعفو عند الحساب).
وبين الشامي واليماني: (اللهم اجعله حجاً مبروراً، وذنباً مغفوراً، وسعياً مشكوراً، وعملاً متقبلاً، وتجارة لن تبور، يا عزيز يا غفور).
والمعتمر يقول: (عمرة مبرورة).
فإن لم يكن في ضمن نسك .. نوى بالحج معناه اللغوي، وهو: القصد.
وعند اليماني: (باسم الله، والله أكبر، اللهم إني أعوذ بك من الكفر والفقر والذل ومواقف الخزي في الدنيا والآخرة، اللهم إني أسألك العفو والعافية في الدنيا والآخرة، اللهم ربنا آتنا ... إلخ، اللهم قنعني ... إلخ).
وندب الإسرار في ذلك إلا لتعليم الغير كالمطوفين .. فيجهر به المطوف، وفي "الأصل" هنا ما ينبغي مراجعته.
ويسن ما مر من الأذكار وغيرها (في كل مرة) وثلاثاً.
(ولا يسن للمرأة) والخنثى (الاستلام والتقبيل) ووضع الجبهة (إلا في خلوة) المطاف عن غير النساء بأن تأمن مجيء ونظر الرجال ولو نهاراً.
(ويسن للرجل) أي: الذكر، ويكره لغيره ولو ليلاً كالاضطباع (الرمل) -بفتحتين- وهو الإسراع في المشي مع تقارب الخطا، وهز الكتفين دون الوثوب، والعدو، ويقال له: الخبب.
والصبي الذي لم يقدر عليه يفعله عنه وليه، ويرمل الحامل بمحموله، ويحرك الراكب دابته.
وإنما يسن بثلاثة شروط:
الأول: كونه لذكر كما مر.
الثاني: كونه (في الثلاثة) الأطواف (الأول) مستوعباً به البيت، ويمشي في الأربعة الأخيرة على هينته؛ للاتباع فيهما.
وسببه: قول المشركين لما دخل صلى الله عليه وسلم بأصحابه معتمراً سنة سبع قبل فتح مكة بسنة: وهنتهم حمَّى يثرب، أي: لم تبق فيهم طاقة بقتالنا، فأمرهم به؛ ليروا قوّتهم وجلدهم، وشرع مع زوال سببه؛ ليتذكروا ما كانوا فيه من الضعف بمكة، ثم نعمة ظهور الإسلام وعزه وتطهير مكة من الشرك على ممر السنين.
ويكره تركه، وقضاء الرمل في الأربعة الأخيرة؛ لما فيها من تفويت سنتها من الهينة.
والثالث: (في طواف بعده سعي) مطلوب أراده، كطواف معتمر -ولو مكياً أحرم من الحرم- وحاج مفرد، أو قارن قدم مكة قبل الوقوف أو بعده بعد نصف ليلة النحر.
ولو رمل في طواف قدوم على نية أن يسعى بعده ولم يسع .. رمل أيضاً في طواف الإفاضة؛ لأنه بعده سعي.
(و) يسن لِذَكر (الاضطباع فيه) أي: في جميع الطواف الذي يعقبه سعي مطلوب وإن لم يرمل؛ للاتباع، ويكره تركه.
ولو تركه في بعضه .. أتى به في باقيه، والصبي يفعله به وليه، ويسن أيضاً في السعي، ويكره تركه وفعله في الصلاة كسنة الطواف.
وهو: جعل وسط ردائه تحت منكبه الأيمن وطرفيه على منكبه الأيسر مكشوفاً، كدأب أهل الشطارة المناسب للرمل، وسن فعله ولو فوق المحيط من الثياب.
وفي "المختار": (الشاطر): الذي أعيا أهله خبثاً، والمراد هنا من عنده نشاط.
(والقرب من البيت) للطائف الذكر؛ تبركاً به، ولأنه مقصود، وأيسر لنحو الاستلام، لكن يبعد قليلاً بحيث يأمن دخول شيء من بدنه أو ثيابه في هواء الشاذروان.
نعم؛ يتوقى التأذي والإيذاء لنحو الزحام مطلقاً، ويتوقى الزحام الخالي عنهما إلا أوله وآخره.
وغير الذكر يطوف في حاشية المطاف إذا لم يأمن مخالطة الذكور، فلو فات الرمل مع القرب لنحو زحمة، ولم يرج لو صبر فرجه يمكنه الرمل فيها عن قرب عرفاً .. تباعد عنه، ورمل إن أمن لمس النساء.
لكن يبعد بحيث لا يخرج عن المطاف كما نقله (سم) عن (م ر)، واعتمده (حج) في غير "الإيعاب"، وقال فيه: وإن خرج عن المطاف.
ولا يراعى فيه خلاف المالكية، فإن لم يأمن لمسهن مع البعد .. قرب.
وإنما كان الرمل أولى من القرب؛ لأنه متعلق بذات العبادة، والقرب متعلق بمكانها، والمتعلق بذاتها أفضل.
(والموالاة) بين الطوفات لذكر وغيره؛ للاتباع، وخروجاً من خلاف موجبها، ومن فرق كثيراً بلا عذر .. ندب له الاستئناف مطلقاً، ثم إن كان لعذر .. فلا كراهة، بل في
"الإيعاب": ولا خلاف الأولى، وإلا .. كره.
قال الكردي: هذا الراجح.
ومن قطعه .. فالأولى كونه عن وتر، وعند ركن الحجر.
(وركعتان) فأكثر (بعده) والأفضل؛ للاتباع، رواه الشيخان، فعلهُما خلف المقام وإن بعد ثلاث مئة ذراع، والأفضل: ان لا يزيد ما بينهما على ثلاثة أذرع، والمراد: خلفه بحسب ما كان.
أمَّا الآن .. فقدامه ثم في الكعبة فتحة الميزاب فبقية الحجر فالحطيم فوجه الكعبة فبين اليمانيين فبقية المسجد فدار خديجة فمكة فالحرم، ولا يفوتان إلا بموته، لكن يسقط طلبهما بأي صلاة بعد الطواف، كما مر عند غير القائل بوجوبهما.
والأفضل لمن طاف أسابيع: فعلهما بعد كل، ويليه إذا أخرهما أن يصلي لكل منها ركعتين، ويجزئ للكل ركعتان، ويجهر بهما بلطف من غروب إلى طلوع شمس، وينوي بهما سنة الطواف، ولا تتأدى بركعة، ويدعو بعدهما وبالمأثور أفضل، ومنها ما ذكرته في "الأصل".
فرع: من سنن الطواف: السكينة والوقار وعدم الكلام إلا في خير، كتعليم جاهل إن قل وسجدة تلاوة لا شكر؛ لأنه صلاة، وهي تحرم فيها، ورفع اليدين إن دعا، وإلا .. جعلهما تحت صدره كالصلاة، والطواف بعد الصبح لا يفوت به فضيلة الجلوس بعدها كما في حديث: "من صلى الصبح ثم قعد يذكر الله إلى أن تطلع الشمسن ثم صلى ركعتين .. كان له أجر حج وعمرة تامتين".
قال كثير منهم الشهاب الرملي وملا علي قاري: المراد بـ (من قعد) في الحديث: استمر على ذكر الله، والطواف فيه الذكر والطواف، فقد جمع بين الفضيلتين.
واعترض ذلك في "التحفة" بما لا يلاقيه.
ومن المحبوب فيه السلام على أخيه، وسؤاله عن حاله، ويحترز عما لا يليق به في هذا المحل من نحو ضحك وأكل.
ولا يبصق إلا بثوبه ولا يشبك ولا يفرقع أصابعه، وغير ذلك مما لا يطلب في الصلاة.
(فصل) في واجبات السعي وبعض سننه.
وهو: ركن كما تقدم؛ لخبر: "إن الله كتب عليكم السعي".
ويسن أن يستلم الحجر بعد صلاته وطوافه ودعائه؛ لخبر مسلم بذلك، وكذا يقبله ويسجد عليه كما في "الأسنى" ثم يخرج -للاتباع- للسعي من باب الصفا فوراً.
(واجبات السعي أربعة:)
الأول والثاني: (أن يبدأ في الأولى) وما بعدها من الأوتار (بالصفا) وهو طرف جبل أبي قبيس، وهو أفضل من المروة عند (حج).
(و) أن يبدأ (في الثانية) وما بعدها من الأشفاع (بالمروة) وعليها الآن عقد واسع علامة على أولها، فلو ترك خامسة، كأن ترك في مروة المسعى ومر في المسجد .. جعل السابعة خامسة، وبنى.
(و) الثالث: (كونه سبعاً) يقيناً؛ للاتباع، وذهابه مرة وعوده أخرى، ولا بد من استيعاب ما بينهما في كل مرة بأن يلصق عقبه أو حافر دابته بأصل ما يذهب منه ورأس أصابعه، أو رجل أو حافر دابته بما يذهب إليه، وبعض درج الصفا محدثة، فليحتط بالرقي حتى يتيقن وصوله للدرج القديم.
قال الكردي: (وهذا معتمد (حج)، كذلك شيخ الإسلام، و"المغني"، و"النهاية".
وجرى (م ر) في "شرح الإيضاح"، وابن علان على: أن الدرج المشاهد الآن ليس شيء منه بمحدث، وأنه يكفي إلصاق الرجل أو حافر الدابة بالدرجة السفلى، بل الوصول لما سامت آخر الدرج المدفونة كاف وإن بعد عن آخر الدرج الموجودة اليوم بأذرع، وفيه فسحة عظيمة للعوام) اهـ
وقوله: (معتمد حج) لعله في غالب كتبه، وإلا .. فقد عقبه في "التحفة" بقوله: (كذا قاله المصنف وغيره، ويحمل على: أن هذا باعتبار زمنهم، وأمَّا الآن .. فليس شيء محدث؛ لعلو الأرض حتى غطت درجات كثيرة) اهـ
وقد ذكرت في "الأصل" عبارة الحاشية بفوائدها العظيمة.
(و) الرابع: (أن يكون بعد طواف ركن) لحج أو عمرة، وهو الأفضل؛ للتجانس كما في "النهاية" (أو) بعد طواف (قدوم) وهو الأفضل عند (حج)؛ لأنه الوارد، لا بعد غيرهما من نفل ووداع، بل لا يتصور بعده.
ولو أحرم مكي بحج من مكة ثم خرج إلى مرحلتين ثم عاد إليها قبل الوقوف .. فيسن له طواف القدوم، ويجزئ السعي بعده.
ولو دخل مكة فطاف للقدوم ثم أحرم بالحج .. فالظاهر عدم صحة السعي بعده كما في "النهاية".
لكن في "منسك" الونائي: إجزاؤه.
ويكره إعادة السعي بعد طواف الإفاضة لمن قدمه بعد طواف القدوم إلا لناقص كمل، كعبد عتق قبل عرفة أو فيها .. فيجب، وإلا لقارن .. فيسن له طوافان وسعيان عند (م ر)؛ خروجاً من خلاف أبي حنيفة، فيطوف ثم يسعى ثم يطوف ثم يسعى.
ومر أنه لا بد من قطع المسافة كلها، ومن قطعها بين الصفا والمروة من بطن الوادي، فلو عرج عنه يسيراً .. لم يضر، وإلا .. ضر.
ولا بد أيضاً من عدم الصارف لا كما يفعله الجهلة من المسابقة، فإنهم إذا لم يقصدوا معها السعي .. تكون صارفة عنه، وكذا أن لا يكون منكوساً ولا معترضاً كالطواف.
لكن فرق في "الحاشية" بـ (أن الطواف أحتيط له بوجوب أشياء لم تجب هنا كالطهر والستر، فكان دون الطواف وإن قدمنا أنه مثله في عدم الصارف؛ لأن ذلك لمعنى اشتركا فيه فاستويا ثَمَّ، ولا كذلك هنا) اهـ
لكن اعتمد شيخ الإسلام، والخطيب: أن الصارف لا يضر هنا.
ولو حمله شخص .. أتى فيه ما في الطواف، من أنه لو حمل حلال أو محرم -طاف عن نفسه، أو لم يطف- محرماً .. لم يطف عن نفسه، ودخل وقت طوافه وطاف به ولم ينوه لنفسه، أو لهما .. وقع للمحمول.
(وسننه) كثيرة، منها: (الارتقاء على الصفا والمروة) قدر (قامة)؛ للاتباع ولو لغير ذكر، كما في "الأسنى"، و"المغني" و"النهاية".
ورده في "شروح الإرشاد" و"العباب" و"الحاشية" وغيرها بأن المطلوب إخفاء شخصه ولو في الخلوة؛ لأنه يحتاط له.
نعم؛ يرقى عند الشك في استيعاب ما يجب قطعه حتى يتيقن قطعه.
(والذكر والدعاء) والمأثور من ذلك أفضل من القرآن.
ومنه على كل من الصفا والمروة: الله أكبر الله أكبر الله أكبر ولله الحمد، الله أكبر على ما هدانا، والحمد لله على ما أولانا، لا إله إلا الله وحده لا شريك له الملك وله الحمد، يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير، لا إله إلا الله وحده، أنجز وعده ونصر عبده وهزم الأحزاب وحده، لا إله إلا الله ولا نعبد إلا إياه مخلصين له الدين ولو كره الكافرون، وكان عمر يطيل الدعاء هنا.
واستحبوا من دعائه: اللهم أنك قلت: (ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ) [غافر:60]، و (إِنَّكَ لا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ) [آل عمران:194] وإني أسألك كما هديتني للإسلام أن لا تنزعه عني حتى تتوفاني وأنا بك مسلم.
ومن دعاء ابنه: اللهم اعصمني بدينك وطواعيتك وطواعية رسولك، وجنبنا حدودك، اللهم اجعلنا نحبك ونحب ملائكتك وأنبيائك ورسلك ونحب عبادك الصالحين، اللهم يسرنا لليسرى وجنبنا العسرى واغفر لنا في الآخرة والأولى، واجعلنا من أئمة المتقين.
ثم يدعو بما أحب، ويكرر الذكر والدعاء (ثلاثاً بعد كل مرة).
ولو دعا واحد وأمَّن الباقون .. فلا بأس، فإن كان الداعي من أهل الصلاح أو يحفظ المأثور دون غيره .. فحسن.
فإذا قال ذلك .. نزل وسار إلى المروة إن كان في الصفا وعكسه.
(والمشي) على هينته في جميع سعيه (أوله وآخره) فلا يركب إلا لعذر (والعدو) لذكر (في الوسط) عدواً شديداً بحسب طاقته بحيث لا تأذي ولا إيذاء؛ للاتباع، فإن عجز عنه؛ لنحو زحمة .. تشبه في حركته بالساعي، والراكب يحرك دابته ويقصد السنة لا نحو مسابقة كما مر.
(ومكانه) أي: العدو (معروف) وهو قبل الميل الأخضر بركن المسجد، وحدث مقابله آخر بستة أذرع إلى أن يتوسط الميلين الأخضرين أحدهما بجدار المسجد والآخر بجدار العباس، وما عدا ذلك محل المشي.
ويقول في مشيه وعدوه: رب اغفر وارحم وتجاوز عما تعلم، إنك تعلم ولا نعلم وأنت الأعز الأكرم، اللهم ربنا ... إلى آخر الآية.
ولو مشى على هينته أو عدا في الجميع .. صح وفاتته السنة.
ومنها: كونه متطهراً ساتر العورة، وأن يتحرى لسعيه كالطواف الخلوة بحيث لا يشق عليه، ويجتنب إيذاء غيره.
ومنها: الموالاة بين مرات السعي وبينه وبين الطواف، وركعتيه والاستلام، فإن فرقه .. فاته الأكمل وصح، ويكره الوقوف؛ لنحو حديث بلا عذر.
ولو أقيمت جماعة أو عرض مانع وهو فيه .. قطعه ثم بنى بعد فراغه، ولا يقطعه لجنازة أو فوات راتبة.
ومنها: السكينة والوقار وعدم الاشتغال بما يشغل قلبه، كنظر الساعين، وكره جمع الجلوس على الصفا والمروة بلا عذر.
(فصل) في الوقوف بعرفة وما يذكر معه.
يسن أن يحضر الإمام يوم السابع بعد الظهر من ذي الحجة، فيخطب بركب الحج عند الكعبة خطبة فردة، يفتتحها إن كان محرماً بالتلبية، وغيره بالتكبير، ويعلمهم فيها ما أمامهم من المناسك كلها، وقيل: إلى الخطبة الثانية.
ويأمر المكيين والمتمتعين بطواف الوداع دون المفردين والقارنين، وكلام (سم) يفيد عمومه إلى كل خارج إلى عرفات، وكذا لمن أراد الخروج إلى للعمرة، كما في "الإمداد"، ويأمر الجميع بالغدو بعد صبح الثامن إلى منى، ويصلون الظهر لأول وقتها فيها وسائر الخمس ويبيتوا بها، ويسير بهم يوم التاسع حين تشرق الشمس، أي: تضيء على (ثبير): جبل كبير بمزدلفة إلى عرفة.
فإذا وصلوا نمرة .. أقاموا بها إلى الزوال، ثم يسير بهم إلى مسجد إبراهيم عليه الصلاة والسلام لأحد أمراء بني أمية، وصدره من عُرنة وآخره من عرفة، فيخطب بهم خطبتين خفيفتين يعلمهم في الأولى المناسك ويحرضهم على إكثار الذكر والدعاء بعرفة، ويجلس بعد فراغها قدر (سورة الإخلاص).
وحين يقوم للثانية يؤذن للظهر ويخففها بحيث يفرغ عنها مع فراغ الأذان، ثم يقيم للصلاة، ويصلي جمعاً العصرين تقديماً، ويقصر بمن يجوز له القصر والجمع، ويقول لمن ليس له ذلك: أتموا ولا تجمعوا، ثم يذهب بهم لعرفة بإسراع، وكلها موقف، وليس منها عرنة ولا نمرة.
ودخول عرفة قبل الزوال بدعة، وإن وقع شك في تقدم الهلال؛ لأن الوقوف يوم العاشر مجزئ إجماعاً.
(وواجب الوقوف: حضوره) أي: المحرم (بأرض) أي: بأي جزء من أرض (عرفة)؛ لخبر مسلم: "وقفت ههنا، وعرفة كلها موقف"، ويكفي ولو على ظهر دابة أو شجرة فيها لا على غصن منها، وهو خارج عن هوائها وإن كان أصلها فيها.
قال (سم): ويكفي عكسه، و (ع ش): يكفي الطيران في هوائها.
وإنما يجزئ الوقوف (بعد زوال يوم عرفة) وهو تاسع ذي الحجة (ولو) كان الواقف حينئذٍ (ماراً) ولو في نحو طلب نحو آبق وإن لم يعلم أن المكان مكانها، ولا أن اليوم يومها وإن صرفه عنه.
وألحق الرمي والسعي بالطواف؛ لأنه عهد التطوع بنظيرهما كالسعي للمساجد، ورمي العدو بالأحجار بخلاف الوقوف.
(ونائماً) فيصح وقوفه كصومه.
(بشرط كونه عاقلاً) فلا يكفي مع جنون أو إغماء أو سكر كصومهم؛ لانتفاء أهليته للعبادة.
لكن يقع حج المجنون نفلاً كالصبي الذي لا يميز، فيبني وليه بقية الأعمال على ما مضى، وكذا المغمى عليه والسكران إن أيس من إفاقتهما، أو وجد لهما حالة يولي عليهما فيها، وإلا .. لم يقع لهما فرضاً ولا نفلاً؛ لعدم الولي لهما، فلا يمكن البناء على أعمالهما.
وفي "الإمداد" كـ"الإيعاب": يقع لهما نفلاً، ويصح بناء وليهما وإن لم يصح إحرامه عنهما في الابتداء، ولا فرق بين المتعدي وغيره.
ثم مال في "الإيعاب" إلى أنه لا يقع للمتعدي فرضاً ولا نفلاً؛ إذ الأصل منع المتعدي من العبادات.
وقال بعضهم: يقع للسكران المتعدي فرضاً، كما يصح إسلامه، ولا يرد اشتراط الإفاقة في سائر الأركان؛ لأن ذلك في حجة الإسلام لا النفل.
ولو أحرم عنه وليه وأفاق فيما عدا الإحرام .. أجزأه عن حجة الإسلام.
(ويبقى) وقت الوقوف (إلى الفجر) من يوم النحر؛ لخبر: "من أدرك عرفة قبل الفجر .. فقد أدرك الحج" وغيره.
(وسننه) كثيرة منها (الجمع بين الليل والنهار) بعرفة؛ للاتباع، فلا دم على من دفع منها قبل الغروب؛ لخبر: "من أدرك معنا هذه الصلاة وأتى عرفات قبل ذلك ليلاً أو نهاراً .. فقد تم حجه" ولو وجب الدم لنقص واحتاج للجبر.
نعم؛ يسن؛ خروجاً من الخلاف؛ وهو دم ترتيب وتقدير.
(والتهليل) ويتأكد الإكثار منه.
والوارد أولى، وأفضله: (لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير)؛ لما روى الترمذي، وحسنه: "أفضل الدعاء دعاء عرفة، وخير ما قلت أنا والنبيون من قبلي: لا إله إلا الله ... " إلى "قدير".
قال الرشيدي: (قوله: "وأفضل ما قلت ... إلخ" أي: عشية عرفة، كما في روايات).
(والتكبير والتلبية) ويرفع بها صوته.
(والتسبيح) والأولى فيه: كونه بالتسبيحات العشر التي ذكرتها في "الأصل".
(والتلاوة) وأولاها: (سورة الحشر)، وأولى منها (الإخلاص)، وكونها مئة أو ألف مرة؛ لخبر "من قرأها ألف مرة .. أعطي ما سأل".
(والصلاة) والسلام (على النبي صلى الله عليه وسلم) وأولاها: صلاة التشهد.
(وإكثار) جميع ما مر وغيره من ذكر ودعاء واستغفار له ولغيره، وصح: "اللهم اغفر للحاج ولمن استغفر له الحاج"، ولأنه لائق بالحال.
ويكون الحمد والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم أول دعائه ووسطه وآخره،
ويثلث كلاً من دعائه، ويلح فيه، ويرفع يديه ولا يجاوز بهما رأسه، ويكره الإفراط في الجهر، وتكلف السجع.
ومن أفضل الدعاء: (اللهم أعذني من الشر كله، واجمع لي الخير كله، اللهم إني أعوذ بك من عذاب القبر ووسوسة الصدر وشتات الأمر).
وإكثار (البكاء معها) -أي: مع جميع ما ذكر- بتضرع وخشوع وذلة، ويستفرغ جهده في جميع ذلك، وفي تفريغ ظاهره وباطنه من كل مذموم، وفي الاجتهاد في أن لا تمضي له لحظة إلا في طاعة، وفي حل مأكوله ومشروبه ونحوهما؛ لخبر: "إذا حج الرجل بالمال الحرام .. فقال: لبيك اللهم لبيك، قال الله تعالى: لا لبيك ولا سعديك حتى ترد ما في يديك" وفي رواية: "وحجك مردود عليك".
وأن يكون على أكمل الأحوال، فإنه أعظم مواقف الإسلام، وأكثر جمع الخاصة والعوام، ففيه تسكب العبرات، وتقال العثرات؛ لأنه أفضل يوم طلعت فيه الشمس، ويباهي الله بالواقفين الملائكة.
وفي حدتث: " إذا كان يوم عرفة يوم جمعة .. غفر الله لجميع أهل الموقف"، أي: بلا واسطة، وفي غيره: "يهب قوماً لقوم"، وفي أخر: "أفضل الأيام يوم عرفة، فإن وافق يوم جمعة .. فهو أفضل من سبعين حجة في غير يوم جمعة".
(والاستقبال) للواقف حال الذكر وغيره.
(والطهارة والستارة)؛ لأنه أكمل.
(والبروز للشمس) لذكر؛ للاتباع إلا لعذر، كأن يتضرر به أو تنقص به عبادته.
أمَّا غيره .. فإن كان له هودج أو نحوه .. وقف، وإلا .. ستر بشيء.
ويكثر من أعمال الخير خصوصاً الصدقة، وأفضلها: العتق، ويتلطف في مخاطبته كلها.
ويتحرى لوقوفه موقفه صلى الله عليه وسلم (و) هو (عند الصخرات) أي: الكبار المفروشة في أسفل جبل الرحمة بوسط عرفة.
وإنما يندب ذلك (للرجل) أي: الذكر.
(و) يندب تحري (حاشية الموقف للمرأة) والخنثى كما يقفان في آخر المسجد.
نعم؛ إن كان لها نحو هودج تستر به .. فكالذكر، وكذا لو شق عليها فراق رفقتها، فإن لم يتيسر له موقفه صلى الله عليه وسلم .. قرب منه ما أمكنه.
وليحذر صعود جبل الرحمة فإنه بدعة خلافاً لمن زعم أنه سنة، وأنه موقف الأنبياء.
وليحسن ظنه بربه أنه يرحمه، ولذا قال الفضيل: لو ذهبوا لرجل وسألوه دانقاً .. قطع أنه يجيبهم إليه، فكيف بأكرم الأكرمين؟! وجميع ما سألوه عنده أهون من الدانق عندنا.
(و) يسن (الجمع) تقديماً (بين العصرين): الظهر والعصر بمسجد سيدنا إبراهيم عليه السلام (للمسافر) سفر قصر بشروطه؛ لأنه عندنا للسفر، كما مر جميع ذلك وعند الحنفية للنسك؛ (لأنه صلى الله عليه وسلم جمع ومعه المسافرون وغيرهم).
وردَّ بأنه لم يثبت جمع غير المسافرين معه.
وندب تأخرهم بعرفة إلى زوال الصفرة قليلاً بعد الغروب، ثم يدفعون إلى مزدلفة، فإذا دخل وقت العشاء .. أناخ كل راحلته وعقلها، ثم يصلون العشاء، ثم يحطون عن رواحلهم ويصلون الرواتب والوتر، وهذا في غير مسافر.
(و) يسن (تأخير المغرب إلى العشاء للمسافر) سفر قصير؛ (ليجمعهما) تأخيراً (بمزدلفة)؛ للاتباع.
ويسن بعد صلاة المغرب إناخة كلٍّ منهم جمله ثم يعقله ثم يصلون العشاء ثم يحلون؛ للاتباع، ثم يصلون الرواتب والوتر، هذا إن ظنوا وصولها قبل مضي وقت اختيار العشاء، وإلا .. صلوا في الطريق.
وليجتنب التزاحم في الطريق، والغفلة عن ذكر الله فإنه في مواسم الخير.
تتمة: لو وقفوا غلطاً بعرفة في العاشر .. أجزأهم إذا لم يقلوا على خلاف العادة إجماعاً، سواء بان بعد الوقوف أو أثناءه أو بعده، بل وإن أحرموا بعد التبين؛ لمشقة القضاء؛ ولأنهم لم يأمنوا مثله في القضاء.
وليلة الحادي عشر كيوم العاشر على المعتمد، وإذا وقفوا في ذلك .. كان أداء، ويحسب أيام التشريق وغيرها على وقوفهم فيما يتعلق بالحج.
وألحق به في "الحاشية": التضحية دون صلاة العيد والآجال ونحوهما مما لا يتعلق بالحج.
(فصل) في الحلق.
ومر أنه ركن للحج والعمرة فلا تحلل منهما إلا به إلا لمن لا شعر برأسه.
(وأقل الحلق) الذي هو ركن (إزالة ثلاث شعرات) من شعر الرأس، أو جزء من كل منها حلقاً أو نتفاً أو قصاً أو إحراقاً وإن خرج بالمد عن حد الرأس؛ لآية (مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ) [الفتح:27].
قال في "التحفة": أي: شعراً فيها؛ إذ هي لا تحلق.
و (الشعر) اسم جنسي جمعي، أقله ثلاث.
ولو قص واحدة ونتف أخرى وأحرق ثالثة .. كفى، بخلاف ما لو قص مثلاً واحدة ثلاث مرات؛ لعدم الجمع.
(ويندب تأخيره) أي: الحلق (بعد رمي جمرة العقبة) والذبح في يوم النحر، وتقديمه على طواف الإفاضة في ذلك اليوم؛ للاتباع، وأن يعود يوم النحر إلى منى من مكة بعد طواف الإفاضة والسعي إن لم يكن سعى وإن دخل وقت الظهر.
والأفضل: أن يكون بحيث يدرك أوّل وقت الظهر بمنى حتى يصليها بها؛ للاتباع، كذا قالوه.
واعترضه (حج) في الحاشية بأن ما في مسلم عن ابن عمر: (أنه رجع وصلى الظهر بمنى) يعارضه ما فيه عن جابر: (أنه صلاها بمكة) فقولهم: يعود إلى منى يصلي بها الظهر، مشكل؛ إذ كان القياس أن يقولوا: يصلي الظهر بمكة ثم بمنى، أو في مكة فقط.
(والابتداء باليمين) كله من رأس المحلوق وبمقدمه ثم الأيسر (واستقبال) المحلوق لجهة (القبلة) وأن يكبر بعد فراغه، ويدفن شعره في غير محل مطروق.
(واستيعاب) حلق (الرأس للرجل) وأن لا يشارط الحالق عليه بأن يدفع الأجرة التي تطيب بها نفسه إليه معجلة، وأن يأخذ شيئاً من ظفره وشاربه، ويمسك ناصيته بيده عند الحلق ويكبر ثلاثاً نسقاً.
ثم يقول: (اللهم هذه ناصيتي بيدك، فاجعل لي بكل شعرة نوراً إلى يوم القيامة، واغفر لي ذنوبي).
وبعد فراغه: (اللهم آتني بعدد كل شعرة حسنة، وامح عني بها سيئة، وارفع لي بها درجة، واغفر لي وللمحلقين والمقصرين ولجميع المسلمين).
وأن يتطيب ويلبس والتقصير كالحلق في ما مر، ويسن ذلك لكل محلوق ولو في غير نسك.
والحلق للرجل غالباً أفضل من التقصير؛ لما في الخبر من الدعاء للمحلقين ثلاثاً وللمقصرين مرة.
(والتقصير) هو الأخذ من الشعر بنحو قص، وسن تعميم الشعر كله به (للمرأة) والخنثى ولو صغيرة أفضل؛ لخبر أبي داوود: "ليس على النساء حلق، وإنما عليهن التقصير".
ويكره الحلق وأخذه بنحو نورة، بل يحرم إن لم يأذن فيه حليل وسيد، أو قصدت التشبه بالرجال.
ولا يشرع إلا لسابع ولادتها ولتداوٍ واستخفاء من فاسق، وندب تعميم رأسها بالتقصير، وأن يكون بقدر أنملة.
وخرج بـ (غالباً): المتمتع، فيندب له التقصير في العمرة والحلق في الحج، وكذا لو قدم الحج .. قصر في الحج وحلق في العمرة؛ إذ لو عكس .. فاته حلق العمرة، لأنه يجيء ولا شعر برأسه.
وبه يعلم أن هذا فيمن لا يسود رأسه عند الحلق الثاني، وإلا .. ندب له الحلق مطلقاً.
وإنما لم يحلق بعض رأسه في الأول منهما وبعضه الآخر في الثاني؛ لأنه من القزع المكروه، وكثير يظنونه من التقصير، وإنما التقصير الأخذ من كل شعرة بعضها.
ولو نذر الرجل الحلق .. وجب للنذر، أمَّا النسك .. فيكفي له التقصير أو الحلق، ومن لا شعر برأسه وقت تحلله .. سقط عنه الحلق، وإن نبت بعد عن قرب، ويندب له إمرار الموسى في الذكر، وفي غيره إمرار آلة القص، تشبيهاً بالحالقين والمقصرين، وأن يأخذ من نحو لحيته وظفره.
(فصل: واجبات الحج) وهي ما يصح بدونها مع الدم، وكذا الإثم إن لم يعذر.
(ستة) متفق على الميقات والرمي منها، ومختلف في البقية، بل قيل: إنها سنة، ولا دم فيها.
واثنان منها -وهما الميقات وطواف الوداع- واجبان للعمرة أيضاً.
وجعلها بعضهم خمسة بجعل الرمي لجمرة العقبة يوم العيد، وغيره واحداً، وترك سابعاً وهو التحرز عن محرمات الإحرام.
ومما يجبر بالدم أيضاً: ترك الركوب، والحلق لأكثر من ثلاث شعرات المنذورين.
الأول: (المبيت) أي: الحضور (بمزدلفة وهو: أن يكون ساعة) أي: لحظة (من النصف الثاني) من ليلة النحر (فيها) أي: مزدلفة بعد الوقوف بعرفة؛ للاتباع، ولو ماراً كما في عرفة، وإن لم يكن أهلاً للعبادة، كما قال عبد الرؤوف مخالفاً فيه للشهاب الرملي.
وفارق مبيت منى بأنه ورد فيه لفظ المبيت، وإنما ينصرف للمعظم ولم يرد هنا؛ ولأن الضعفة رخص لهم في الانصراف بعد نصف الليل مع أنهم لا يأتونها إلا نحو ربع الليل الأول، وهو صريح في عدم وجوب المعظم.
وقيل: هو ركن، وقيل: إنه سنة، كما قيل ذلك في مبيت منى.
ولا يسن إحياء ليلتها؛ للاتباع، وليستعين بالإراحة فيها على أعمال ما بعدها كما في "التحفة".
لكن قال غيره: يسن إحياؤها بغير صلاة.
(ولا يجب) مبيتها كمبيت منى (على من له عذر) -مما يأتي في مبيت منى- ولا على من اشتغل عنه بالوقوف بعرفة أو بطواف الإفاضة، لكن ظاهر "النهاية": عدم رضا الأخير.
(و) الثاني: (رمي جمرة العقبة سبعاً) يوم النحر، ويجوز فيما بعده إلى آخر أيام التشريق.
(و) الثالث: (رمي الجمرات الثلاث أيام التشريق، كل واحدة) يرميها لكل يوم منها (سبعاً) إن لم ينفر النفر الأوَّل، وإلا .. فلليومين الأوَّلين.
(و) الرابع: (مبيت لياليها الثلاث) إن لم ينفر النفر الأوَّل (أو الليلتين إذا أراد النفر الأوَّل في اليوم الثاني) من أيام التشريق، ويعذر في ترك مبيتها ومبيت مزدلفة بكل ما يعذر به في الجمعة والجماعة مما مر هناك؛ (لأنه صلى الله عليه وسلم رخص للعباس رضي الله عنه أن يبيت ليالي منى بمكة، ولرعاة الإبل أن يتركوا المبيت).
وقيس بهما ما في معناهما من أهل السقاية ولو بغير مكة ولو محدثة، وجميع الرعاة ولو متبرعين إن خرجوا من منى ومزدلفة قبل الغروب وتعسر إتيانهم بالدواب إليهما، وخافوا من تركها ولو باتوا بهما ضياعاً وغيرهم ممن يعذر بما مر.
وهذه الأعذار لا تسقط الرمي، وإنما يسقط: إذا عجز عنه بنفسه، وبنائبه لنحو فتنة.
ويسن أن يخطب الإمام أو نائبه بهم بعد ظهر يوم النحر بمنى خطبة فردة، يعلمهم فيها أحكام الرمي والطواف والمبيت والنحر.
قال في "الأسنى": (وهو مشكل؛ لأن المعتمد فيها الأحاديث، وهي مصرحة بأنها كانت ضحوة).
ثم يخطب بهم بعد الظهر بمنى ثاني أيام التشريق خطبة يعلمهم جواز النفر الأوَّل فيه ويودّعهم ويحثهم على ملازمة التقوى، فإن ذلك علامة الحج المبرور.
ولكن هاتان قد تركتا من أزمان طويلة.
فعلم: أَنَّ خطب الحج أربع، وكلها فرادى وبعد صلاة الظهر إلا التي بعرفة .. فثنتان، وقبل صلاة الظهر أيضاً.
فروع:
مزدلفة من الازدلاف، وهو القرب؛ لقرب الحجاج منها إلى منى، أو من الاجتماع؛ للاجتماع بها، وطولها: سبعة آلاف ذراع وثمانون ذراعاً وأربعة أسباع ذراع، وذلك من مَأْزِمَي عرفة إلى وادي (مُحَسِّر) -بضم ففتح فكسر السين المشددة-: وادٍ بين منى ومزدلفة، طوله خمس مئة ذراع، وخمسة وأربعون ذراعاً، وهذه عرضه.
وندب الإسراع فيه لذكر قدر رمية حجر حتى يقطع الوادي الصغير الذي ببطنه.
وسميت منى بمنى؛ لما يمنى -أي: يراق- فيها من الدماء، واختصت بخمس فضائل:
رفع ما يقبل من حصى الرمي، وكف الحدأة عن اللحم بها، والذباب عن الحلو، وقلة البعوض، واتساعها.
واختصت جمرة العقبة عن أختيها برمي يوم العيد، وكونه قبل الزوال، وبالتكبير مع رميها يوم النحر، وفي غيرها عقبه، وسَنِّ استقبالها يوم النحر، وكونها ليست من منى، وبعدم سنّ الوقوف عندها للدعاء بخلاف أختيها، فيسنّ بعد الرمي بقدر (سورة البقرة) عندهما، وأنها ترمى من جهة وهي أسفلها، وأختيها ترميان من جميع الجوانب، وبأنها يؤخذ حصاها ليلاً من مزذلفة.
(و) الخامس (الإحرام من الميقات) كما مر بما فيه.
(و) السادس (طواف الوداع) على كل من أراد مفارقة مكة من حاج ومعتمر وغيرهما، ومكي وغيره، أو من منى عقب نفره منها وإن طاف للوداع عقب طوافه للإفاضة عند عوده إلى منى من مكة؛ إذ لا يكون طواف وداع إلا بعد الفراغ من جميع نسكه.
وإنما يجب على من أراد مفارقة ما ذكر إلى سفر قصر مطلقاً أو إلى وطنه أو محل يريد الإقامة فيه توطناً وقد فرغ من جميع نسكه إن كان في نسك ولا عذر له.
بخلاف من له عذر كحائض ولو حكماً، كمتحيرة ونفساء ومن به قرح سائل، وخائف من ظالم أو غريم وهو معسر، أو فوت رفقة، ومن فقد الطهورين، وفارق عمران مكة قبل زوال عذره وإن زال عقب ذلك.
لكن بحث الأذرعي لزوم الدم على غير نحو حائض؛ لكون منعها عزيمة، ومنعهم رخصة، واستوجهه في "الإمداد".
قال الكردي: وترك طواف الوداع بلا عذر ثلاثة أقسام:
أحدها: لا دم فيه ولا إثم، وذلك في المسنون منه، وفيمن بقي عليه شيء من أركان النسك، أي: أو شيء من واجباته كما قاله: (سم)، وفيمن خرج من عمران مكة لحاجة ثم طرأ له السفر، أي: لأنه لم يخاطب به عند خروجه.
ثانيها: عليه الإثم ولا دم، وذلك فيمن تركه عامداً عالماً، وقد تركه بغير عزم على عودٍ ثم عاد قبل وصوله لما يستقر به الدم، فالعود يسقط الدم لا الإثم.
ثالثها: مايلزم بتركه الإثم والدم، وذلك في غير ما ذكر، ولو لزمه الصوم بدل الرمي مثلاً فصام الثلاثة، وأراد السفر لبلده .. لزمه طواف الوداع وإن بقيت السبعة إلى وطنه، بل وإن لم يصم شيئاً، بخلاف من سافر يوم النحر فلا يطوفه؛ لأنه لم ينتقل إليه إلا بالترك، ولم يتحقق إلا بفوات الوقت ولم يفت، ويلزم الأجير فعله، ويحط؛ لتركه ما يقابله.
وترك بعضه ولو خطوة وسهواً كترك كله، ففيه الدم ما لم يعد قبل وصوله ما مر.
ويطوفه بشرطه، وهو أن لا يمكث فيما تشترط مجاوزته في القصر بعده وبعد ركعتيه، ودعائه بعدهما وعند الملتزم، وإتيانه زمزم وشربه منها، وبعد شد رحله وشراء زاد ولو مع تعريج الطريق لنحو رخصة، وصلاة أو جماعة أقيمت، وكذا كل شغل بقدر صلاة الجنازة بأخف ممكن وإن كثر ذلك.
فإن مكث زيادة على ذلك ولو ناسياً أو جاهلاً أو مكرهاً .. أعاده.
وسن لمن أتى به وبركعتيه أن يدعو بعدهما، ويأتي (الملتزم)، وهو ما بين الحجر الأسود والباب، فيلصق به بطنه وصدره ويبسط يديه عليه اليمنى على ما يلي الباب، واليسرى على ما يلي الحجر، ويضع خده الأيمن أو جبهته عليه، ويدعو بما أحب مبتدئاً بالثناء عليه تعالى والصلاة والسلام عليه صلى الله عليه وسلم، والمأثور أفضل.
ومنه: (اللهم البيت بيتك والعبد عبدك وابن عبدك وابن أمتك، حملتني على ما سخرت لي من خلقك حتى سيرتني في بلادك وبلغتني نعمتك حتى أعنتني على قضاء مناسكك، فإن كنت رضيت عني .. فازدد عني رضاً، وإلا .. فمن الآن قبل أن تنأى عن بيتك داري ويبعد عنه مزاري، هذا آوان انصرافي إن أذنت لي غير مستبدل بك ولا ببيتك ولا راغب عنك ولا عن بيتك.
اللهم فاصحبني العافية في بدني والعصمة في ديني وأحسن منقلبي وارزقني العمل بطاعتك ما أبقيتني واجمع لي خير الدنيا والآخرة.
اللهم لا تجعله آخر العهد عن بيتك، فإن جعلته آخر العهد فعوضني الجنة).
ويختم دعاءه بما افتتحه به من الثناء والصلاة والسلام، ثم يذهب إلى زمزم مع صدق
نية، ويقصد بشربه نيل مطلوباته؛ فإنَهُ لِمَا شُرِب له ويتضلع منهما ما أمكنه.
ثم يعود لاستلام الحجر وتقبيله والسجود عليه ثلاثاً، ثم ينصرف تلقاء وجهه كالمتحزن مستدبر البيت، ويخرج من باب بني سهم.
تنبه: أفهم ما مر أن طواف الوداع ليس من المناسك، وإلا لما وجب على غير حاج ومعتمر.
وقضية عدهم له من واجبات الحج: أنه منها، وبه قال الغزالي وإمامه حتى قالا: لا يجب على غيرهما، لكن صحح الشيخان: أنه ليس منها.
وعليه: فلا يندرج في نية النسك، بل يحتاج لنية مستقلة، وبه قال (م ر) وغيره.
لكن قال (حج): إن نية النسك تشمله؛ لأنه وإن لم يكن منه فهو من توابعه، والله أعلم.
(فصل) في سنن تتعلق بالمبيت والرمي، وفي بعض شروطه.
(ويسن) أن يغتسل أو يتيمم بمزدلفة، وأن يتقدم بعد نصف الليل إلى منى الضعفةُ والنساء إن أرادوا تقديم الرمي؛ للاتباع، وليرموا قبل الزحمة، ويبقى غيرهم بمزدلفة حتى يصلوا الصبح بغلس، أي: أول وقتها.
وتتأكد صلاة الصبح للذكر مع الإمام بمزدلفة؛ للخلاف في وجوبها معه.
ثم بعد صلاة الصبح يسن (الوقوف) بأي جزء من مزدلفة مستقبل القبلة، والأفضل: كونه (بالمشعر الحرام) إن أمكن بلا مزاحمة، وإلا .. فيقرب منه ما أمكن، وهو المبني عليه البناء الموجود الآن.
وهو جبل قزح بآخر مزدلفة، وتحصل السنة بالمرور فيه، ويذكرون إلى الإسفار، ومنه: (الله أكبر ثلاثاً، لا إله إلا الله، والله أكبر الله أكبر، ولله الحمد)، ويكثرون من: (رَبَّنَا آتِنَا) [البقرة:200] الآية، والتلبية والدعاء؛ لآية (فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ) [البقرة:198].
(وأخذ حصى) رمي (جمرة العقبة) يوم النحر، وهي سبع (منها) ويزيد قليلاً؛ إذ قد يسقط منها شيء؛ لما صح أنه صلى الله عليه وسلم قال للفضل بن عباس: "التقط لي حصى" فلقط حصيات مثل حصى الخذف.
واستشكل بالأمر بأخذ الحصى من وادي محسر، وأجيب بأنه محمول على حصى غير جمرة العقبة؛ إذ الأولى أخذها منه أو من منى غير الجمرات؛ إذ لم يبق فيها من الحصى إلا ما لم يقبل، فيكره أخذه منها ومن الحل ومن محل متنجس ما لم يغسل، فيسن غسل ما احتمل نجاسته.
ويسن كون أخذ الحصى من المشعر الحرام بعد صلاة الصبح، إلا لمن يريد الخروج منها ليلاً .. فيأخذها ليلاً من مزدلفة.
ثم عقب الإسفار يسيرون إلى منى بسكينة ذاكرين ملبين، ومن وجد فرجة .. أسرع، كمن بلغ بطن محسر قدر رمية حجر وإن لم يجدها.
ويدخلون منى بعد ارتفاع الشمس قدر رمح، فيرمي كل جمرة العقبة إذا وصلها راكباً أو ماشياً بسبع رميات وجوباً ولو بحصاة واحدة كررها وإن كره، وهذا هو الأفضل، وإلا .. فيجوز رميها من نصف ليلة النحر إلى آخر أيام التشريق.
وندب في رميها يوم النحر فقط الاستقبال للجمرة، وهذا الرمي تحية منى، فالأولى أن يبدأ به فيها قبل كل شيء حتى عن نزول الراكب وجلوس الماشي إلا لضرورة، أو عذر كزحمة أو انتظار وقت فضيلة لمن تقدم دخوله إليها قبل ارتفاع الشمس.
(و) يسن (قطع التلبية عند ابتداء الرمي) لجمرة العقبة إن بدأ به، وإلا .. فعندما ابتدأ به من حلق أو طواف.
والمعتمر يقطعها عند ابتداء الطواف؛ لأنها شعار الإحرام وقد أخذ بنحو الرمي في أسباب التحلل منه.
(والتكبير مع كل حصاة) فيقول: (الله أكبر -ثلاثاً- لا إله إلا الله، والله أكبر الله أكبر، ولله الحمد).
لكن في "التحفة": أنه يقتصر على تكبيرة واحدة.
ثم بعد الرمي ينزل في أي محل من منى، والأفضل: النزول في منزله صلى الله عليه وسلم فما قاربه، وهو يسار مصلى الإمام بين قبلة مسجد الخيف والمنحر الذي بين الجمرة الأولى والوسطى وإلى المنحر أقرب.
ثم يذبح هديه، وهو ما يهدى به لمكة وحرمها؛ تقرباً، ودم الجبران والمحظور والأضحية إن كانت، ثم يحلق أو يقص، ثم يذهب لمكة لطواف الركن، وهذا كله سنة.
(ويدخل وقت) جواز (الحلق ورمي جمرة العقبة وطواف الإفاضة بنصف ليلة) يوم (النحر) لمن وقف بعرفة قبله، ويندب تأخيرها بعد طلوع شمس ذلك اليوم؛ للاتباع.
(ويبقى) جواز (الرمي) حتى رمي يوم النحر (إلى آخر) أيام (التشريق).
ووقت الذبح الواجب (والحلق) والتقصير (والطواف) والسعي إن لم يقدمه يبقى (أبداً) ما دام حياً.
نعم؛ يكره تأخيرها عن يوم العيد وعن أيام التشريق أشد كراهة، وعن خروجه من مكة أشد.
أمَّا الهدي المندوب .. فوقته وقت الأضحية، فيفوت بفوات أيام التشريق.
(و) بما تقرر علم أنه (تسن المبادرة بطواف الإفاضة) يوم النحر (بعد رمي جمرة العقبة) والذبح والحلق.
(فيدخل مكة) بعد ذلك (ويطوف ويسعى) بعد الطواف (إن لم يكن قد سعى) بعد طواف القدوم (ثم يعود إلى منى)؛ ليصلي بها الظهر لأوّل وقتها؛ للاتباع في كل ذلك كما مر بما فيه في فصل الحلق.
(ويبيت بها) معظم كل ليلة من (ليالي التشريق) إن لم ينفر النفر الأول بشرطه، وإلا .. فمعظم كل من الليلتين الأوّلتين منها، كما يأتي.
(ويرمي) وجوباً اتفاقاً، ويدخل وقته لكل يوم بزوال شمسه، ويبقى إلى آخر أيام التشريق أداء، حتى لو أخره كله حتى رمي يوم العيد إلى آخر أيام التشريق ورمى فيه مرتباً، كما يأتي .. جاز.
والأفضل: أن يرمي (كل يوم من أيام التشريق) الثلاث إلى كل من (الجمرات الثلاث) لكل يوم (بعد الزوال) لشمسه (كل واحدة) يرميها في كل يوم بـ (سبع حصيات) يقيناً بعد الزوال، وقبل صلاة الظهر إن لم يضق الوقت ولم يجمع تأخيراً،
وهذا وقت الفضيلة فيه، ويبقى وقت الاختيار لكل يوم إلى غروب شمسه، ثم الجواز بكراهة إلى آخر أيام التشريق.
(ويشترط) للرمي شروط:
الأول: وهو مختص بجمرة العقبة كون الرمي من أسفلها من بطن الوادي.
فلو رمى من أعلاها أو جنبها أو وسطها إلى المرمى .. جاز، بخلاف ما لو رمى إلى خلفها .. فلا يصح كما في "الشرح".
والثاني: (رمي السبع الحصيات) في كل من الجمرات (واحدة) بعد (واحدة) إلى فراغ السبع ولو بتكرير حصاة واحدة.
فلو رمى بسبع مثلاً مرة واحدة، أو حصاتين كذلك، إحداهما بيمينه والأخرى بشماله .. فواحدة، أو رماهما مرتين فوقعتا معاً .. فثنتان.
(و) الثالث (ترتيب الجمرات في أيام التشريق).
فيرمي أولاً الجمرة التي تلي مسجد الخيف، ثم الوسطى ثم جمرة العقبة، فلا يعتد برمي مؤخرة قبل تمام ما قبلها، وكذا في الزمان، فيرمي الثلاث عن أمسه ثم عن يومه، ولا بد من أن يرميها أولاً عن نفسه ثم غيره، فإن خالف .. وقع عن أمسه وعن نفسه.
ولو رمى أربع عشرة حصاة إلى جمرة عن أمسه ويومه، أو عن نفسه وغيره .. وقعت سبع عن أمسه في الأولى، ونفسه في الثانية، وألغيت السبع الثانية.
ولو شك في العدد .. بنى على الأقل.
ولو ترك حصاة وشك في محلها .. جعلها من الأولى، فيرميها ثم يعيد رمي الجمرتين الأخيرتين، ولو احتمل كونها من جمرة العقبة يوم العيد .. رماها إليها، وأعاد ما مضى إن بقيت أيام التشريق، وإلا .. فعليه دم.
والرابع: عدم الصارف للرمي إلى غير نسك.
فلو قصد نحو جودة رمية .. لم يصح، أمَّا لو صرفه إلى نسك، كأن صرفه من نفسه لغيره .. فيصح له، ولا ينصرف للغير وإن عذر وأنابه.
الخامس: قصد الرمي.
فلو قصد غيره .. لم يكف وإن وقع فيه، كرميه نحو حية في الجمرة ورميه العلم
المنصوب في الجمرة عند (حج)، قال: نعم إن رمى إليه بقصد الوقوع في الجمرة فوقع فيها .. أجزأ.
قال عبد الرؤوف: الأوجه أنه لم يكف؛ لصرفه عن الجمرة إلى العلم.
وفي "الإيعاب": أنه يغتفر للعامي ذلك.
و (المرمى): هو المحل المبني فيه العلم ثلاثة أذرع من جميع جوانبه، إلا جمرة العقبة .. فليس لها إلا جهة واحدة.
واعتمد (م ر): إجزاء رمي العلم إذا وقع في المرمى، قال: لأن العامة لا يقصدون بذلك إلا فعل الواجب.
والسادس: إصابة المرمى يقيناً بفعله وإن لم يبق فيه.
(و) السابع: (أن يكون) الرمي (بين الزوال والغروب فيها) أي: أيام التشريق، وهو ضعيف، إلا أن يريد أنه لا يصح رمي كل يوم إلا بعد زواله لا قبله، ويؤيده ما يأتي.
(و) الثامن: (كون المرمي) به (حجراً) ولو ياقوتاً وإن رمى به في نحو خاتم ونقصت به قيمته؛ لأن حرمة ذلك لأمر خارج، وحجر حديد وبلور وعقيق وحجر ذهب وفضة لا نفسهما، ولا لؤلؤ وإثمد وحجر نورة وجص وزرنيخ ونحوها.
(و) التاسع: (أن يسمى رمياً) فلا يكفي الوضع في المرمى.
(و) العشر: (كونه باليد)؛ للاتباع، لا بنحو رجله أو قوسه مع القدرة عليه باليد، وبه يجمع بين من قال: يجوز، ومن قال: لا يجوز.
وإذا عجز عنه باليد .. قدم القوس فالرجل فالفم.
(وسننه) كثيرة فمنها: الموالاة.
و (أن يكون) باليد اليمنى، ويرفعها الذكر حتى يرى بياض إبطه، ويستقبل القبلة حال الرمي في أيام التشريق.
وكونه بحصى طاهر، و (بقدر حصى الخذف) -بخاء وذال معجمتين- وهو: قدر الباقلا؛ لخبر مسلم: "عليكم بحصى الخذف الذي يرمى به الجمرة"، ويكره دونه وفوقه، وأخذه من الحل ومن المرمى وموضع نجس وإن غسله؛ لبقاء استقذاره، وبهيئة الخذف.
ويصح بحجر ملء الكف وأكبر منه وإن لم ينقله إلا بيديه معاً.
ويجب على من عجز عنه لعذر يُسقِط القيام في فرض الصلاة إنابةُ من يرمي عنه ولو بأجرة فضلت عما يعتبر في الفطرة إن أيس ولو ظناً من القدرة عليه في أيام التشريق، وإلا .. أخره، ولو شفي بعد رمي النائب عنه .. لم تجب إعادته.
وشرط النائب كونه مكلفاً أو مميزاً بإِذن وليه قد رمى عن نفسه، فلا يرمي عنه في يوم إلا بعد رميه عن نفسه.
(ومن ترك رمي جمرة العقبة) يوم النحر كله أو بعضه (أو) رمي (بعض أيام التشريق) ولو بغير عذر .. جاز.
و (تداركه في باقيها) ولو في آخر يوم منها، يكون حينئذٍ أداءً في الأظهر؛ لأنه جوَّزه عليه الصلاة والسلام للرعاة، ولو وقع قضاءً لما دخله التدارك، كالوقوف بعرفة ومبيت مزدلفة.
وأفهم قوله: (في باقيها) -أي: أيام التشريق- أنه ليس له تداركه ليلاً، والمعتمد: جوازه ليلاً وقبل الزوال.
بل جزم الرافعي وتبعه الإسنوي، وقال: إنه المعروف بجواز رمي كل يوم قبل زواله، وعليه فيدخل بالفجر.
(ومن أراد النفر) الأول (من منى في ثاني أيام التشريق .. جاز) ولا دم عليه؛ لآية (فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ) [البقرة:203].
والأفضل: التأخير للنفر الثاني سيما الإمام إلا لعذر كخوف وغلاء؛ للاتباع.
قال الكردي: (وللنفر الأول ثمانية شروط ثلاثة منها تدخل في غيرها، فتعود لخمسة:
الأول: أن ينفر في اليوم الثاني من أيام التشريق.
الثاني: أن يكون بعد الزوال.
الثالث: أن يكون بعد جميع الرمي.
وعليه: فلا بد لمن رمى جمرة العقبة ثاني أيام التشريق من أن يعود إلى منى؛ ليكون نفره منها بعد جميع الرمي؛ لأنها خارج منى، وإلا .. لم يصح نفره الأوّل.
الرابع: أن يكون قد بات الليلتين قبله بمنى أو تركهما لعذر.
الخامس: أن ينوي النفر.
السادس: كون نية النفر مقارنة له، لكن يغني عن هذا نية النفر.
السابع: أن ينفر قبل الغروب، أي: تغرب بعد ارتحاله وإن لم ينفصل من منى، وكذا لو غربت وهو في شغل الارتحال عند (حج)، وإلا .. لزمه مبيت الثالثة ورمي يومها، ويغني عن هذا ذكر اليوم السابق أول الشروط.
ثامنها: أن لا يكون في عزمه العود إلى المبيت، وهذا يغني عنه ذكر النفر؛ لأنه مع العزم على العود لا يسمى نفراً) اهـ
فإن اختل شرط مما ذكر .. لم يجز له النفر الأول، ولزمه مبيت الثالثة ورمي يومها.
واعلم: أن في ترك مبيت الليالي الثلاث دماً، كترك ثلاث فأكثر من حصى الرمي، وفي واحدة منها مد طعام، وفي ثنتين مدان.
فإن عجز عن الإطعام .. ففي الواحدة صوم يومين يجب كونهما بعد أيام التشريق فوراً إن تعدى بالترك، وثلاثة إذا وصل وطنه، وفي الثنتين ثلاثة قبل رجوعه لوطنه، وخمسة إذا رجع.
ووجهه: أن في الثلاث عشرة أيام بدل الدم؛ لأنه دم ترتيب وتقدير، ففي الواحدة ثلث العشرة، وهو بتكميل المنكسر أربعة أيام، فيصوم ثلاثة أعشارها معجلاً، وهو بتكميل المنكسر يومان، وسبعة أعشارها إذا رجع، وهو ثلاثة بتكميل المنكسر، وقيل: بدل الحصاة ثلاثة أيام، وثلث ثلاثة أعشارها يوم، ولا كسر، وسبعة أعشارها ثلاثة بتكميل المنكسر، فالأوّل يكمل المنكسر قبل القسمة، والثاني بعدها.
وأمَّا وجوب المد هنا مع أن الدم دم ترتيب وتقدير، وهو لا إطعام فيه .. فلأنه لما ألحق بدم التمتع الذي لا يتصور وجوب بعضه، ولم يكن فيه إلا دم أو صوم، وتبعيض الدم عسر، وكذا الصوم؛ لما يلزمه من تكميل المنكسر، انتقل لجنس آخر أخف منهما؛ للسهولة، فنزل المد منزلة ما ناب عنه، وهو ثلث الدم في كونه مرتباً، فلا يعدل القادر عليه لثلث الصوم، ويجوز الدم عنه كما في "الحاشية".
ولو أخرج ثلث الدم في حصاة أو ثلثيه في حصاتين .. أجزأه.
(فصل:
للحج تحللان)؛
لطول زمنه وكثرة أفعاله كالحيض، لما طال زمنه .. جعل له تحللان انقطاع الدم والغسل، بخلاف العمرة ليس لها إلا تحلل واحد، وهو الفراغ من جميع أركانها؛ لقصر زمنها غالباً كالجنابة.
(الأوّل: يحصل باثنين من) ثلاثة، وهي (رمي جمرة العقبة، والحلق) أي: إزالة ثلاث شعرات فأكثر.
(وطواف الإفاضة) المتبوع بالسعي لمن لن يسع بعد طواف القدوم يقدم ما شاء منها؛ بناءً على أن الحلق نسك، وإلا .. فالتحلل الأول يحصل بواحد من رمي وطواف، ويمتنع الحلق إلا بعد واحد منهما.
(وبالثالث) من الثلاثة المذكورة (يحصل التحلل الثاني، ويحل بالأوّل جميع المحرمات) على المحرم (إلا النكاح) أي: الوطء (وعقده والمباشرة بشهوة و) يحل (بالتحلل الثاني باقيها) إجماعاً، وهي الثلاثة المذكورة.
ويجب عليه الإتيان بما بقي من النسك من رمي ومبيت، وهو غير محرم، كما يأتي المصلي بالتسليمة الثانية بعد خروجه من الصلاة.
وندب بين التحللين تطيب ودهن ولبس، وندب أيضاً تأخير وطء عن أيام منى.
ومن فاته الرمي .. توقف التحلل على بدله ولو صوماً؛ تنزيلاً للبدل منزلة المبدل.
وإنما لم يتوقف تحلل المحصر عليه؛ لأنه ليس له إلا تحلل واحد، فيشق بقاؤه محرماً من سائر الوجوه، بخلافه هنا.
وهل يجوز أزالة شعر البدن والظفر بالحلق أو سقوطه عمن لا شعر برأسه كما اعتمده البلقيني؟
وعليه: فللحج ثلاثة تحللات:
أوّل: وهو الحلق أو سقوطه، فيحل به أزالة جميع شعور البدن وظفره.
وثان: يحل به ما عدا ما يتعلق بالنساء من عقد ووطء ومباشرة.
وثالث: فيحل به ما بقي.
وجرى الزركشي وتبعه عبد الرؤوف وابن جمال على جواز إزالة شعور البدن بدخول وقت التحلل وإن لم يفعل شيئاً من الثلاثة.
وجرى في "التحفة" و"الإيعاب" على: عدم حل ذلك إلا باثنين من الثلاثة.
(فصل) في أوجه أداء النسكين.
(ويؤدي النسكان) أي: الحج والعمرة (على أوجه)؛ لأنه إمَّا يحرم بهما معاً، أو يبدأ بحج أو بعمرة.
(أفضلها: الإفراد)؛ لأن رواته أكثر، ولأن جابراً منهم، وهو أقدم صحبة وأشد عناية بضبط المناسك، ولأنه صلى الله عليه وسلم اختاره أوّلاً، وللإجماع على أنه لا كراهة فيه ولا دم، بخلاف التمتع والقران، والجبر دليل النقص.
قال في "التحفة": ولأن بقية الروايات يمكن ردّها إليه.
ومحل أفضليته: (إن اعتمر في سنة الحج) بأن لا يؤخرها عن ذي الحجة، وإلا .. كان كل منهما افضل منه؛ لكراهة تأخيرها عن سنته وإن أطال السبكي في أنه أفضل وإن اعتمر في سنة أخرى؛ لأنه لم ينقل عن فعله صلى الله عليه وسلم اعتمار بعد حجه.
قال الكردي: ومن صور الإفراد الفاضل بالنسبة للتمتع الموجب للدم ما لو اعتمر قبل أشهر الحج ثم حج من عامه، لكنها مفضولة بالنسبة للإتيان بالعمرة بعد الحج فيما بقي من ذي الحجة، ويسمى ذلك تمتعاً أيضاً.
(وهو) أي: الإفراد الأفضل (أن يحج) أولاً (ثم) بعد الفراغ من الحج (يعتمر) من سنته.
وقد يطلق الإفراد على الإتيان بالحج وحده، وعلى ما إذا اعتمر قبل أشهر الحج ثم حج، فهو من صور الإفراد الفاضل، كما مر.
(ثم) يليه في الفضلية (التمتع، وهو أن يعتمر) أوّلاً في أشهر الحج أو قبلها (ثم) بعد فراغها (يحج).
سمي تمتعاً؛ لتمتعه بسقوط عوده للإحرام بالحج من ميقات طريقه، وقيل لتمتعه بين النسكين بما كان ممنوعاً منه.
(ثم) بعدهما (القران بأن يحرم بهما) أي: الحج والعمرة معاً (أو بالعمرة) وحدها، ولو قبل اشهر الحج (ثم يحرم بالحج قبل) شروعه في (الطواف) ثم الحج وحده ثم العمرة وحدها.
أمَّا بعد شروعه فيه ولو بخطوة .. فلا يصح إدخاله عليها؛ لأخذه في اسباب التحلل، ولا يؤثر استلامه الحجر بينة الطواف.
وشمل ما لو أفسد العمرة ثم أدخل عليها الحج، فينعقد إحرامه به فاسداً، ويلزمه المضي وقضاء النسكين، والإثم؛ لتلبسه بعبادة فاسدة، ولا يجوز عكسه؛ إذ لا يستفيد به شيئاً آخر.
(ويجب على المتمتع دم) إجماعاً؛ لربحه الميقات؛ إذ لو أحرم أوّلاً بالحج من ميقات طريقه .. لاحتاج بعده أن يحرم بالعمرة من أدنى الحل، وبالتمتع لا يخرج من مكة، بل يحرم بالحج منها.
وبهذا علم: أن من كرر العمرة في أشهر الحج أنه لا يتكرر عليه وإن أخرج الدم قبل التكرر؛ لأن ربحه الميقات بالمعنى المذكور لم يتكرر.
والدم هنا وحيث طلق شاة أضحية، أو ما يقوم مقامها.
وإنما تجب الدم (بأربعة شروط:
الأوّل: أن لا يكون من أهل الحرم، ولا بينه) أي: بين مسكنه (وبين الحرم دون مسافة القصر)؛ لآية (ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ) [البقرة:196].
وأهله: من استوطنوا محلاً دون مرحلتين من مكة، والأصح من الحرم؛ لأن المسجد الحرام في كل موضع في القرآن المراد به جميع الحرم، إلا في آية، (فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ) [البقرة:144] وأية (سُبْحَانَ) [الإسراء:1] فالمراد به: الكعبة في الأول وحقيقته
في الثاني، ولأن من على دون مسافة القصر من محل كالحاضر فيه، بل حاضر له، قال تعالى: (وَاسْأَلْهُمْ عَنْ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْر) [الأعراف:163]، أي: أيلة، وهي ليست عند البحر، بل قريبة منه.
ومن لمسكنه طريقان إلى الحرم أحدهما دون مرحلتين .. فهو حاضر؛ إذ الأصل براءة الذمة من الدم.
فمن جاوز الميقات غير مريد نسك ثم اعتمر حين عنّ له بمكة أو قربها .. لزمه دم على المعتمد؛ لآنه ليس من الحاضرين، لعدم الاستيطان.
(الثاني: أن يحرم بالعمرة في أشهر الحج) من ميقات طريقه، ويفرغ منها ثم يحرم بالحج من مكة ولو أجيراً فيهما لشخصين، ثم إن أذنا له في التمتع .. فالدم عليهما، أو أحدهما .. فعليه نصفه وعلى الأجير نصفه، كما لو كان أحد النسكين له والآخر لغيره وإذن في القران.
فإن أحرم بها في غير أشهره ثم أتمها ولو في أشهره ثم حج في سنته .. لم يلزمه دم؛ لأنه لم يجمع بينهما في وقت الحج، فأشبه المفرد، ولأن دم العمرة منوط بربح الميقات، وبوقوع العمرة بتمامها في أشهر الحج؛ لأن الجاهلية كانوا لا يزاحمون بها الحج في وقت إمكانه، فرخص في التمتع للآفاقي مع الدم؛ لمشقة استدامة الإحرام من الميقات، وتعذر مجاوزته بلا إحرام.
ولو أحرم آفاقي بعمرة في أشهر الحج وأتمها، ثم قرن من عامه .. لزمه دمان كما قاله البغوي.
لكن صوّب السبكي: لزوم دم واحد للتمتع؛ لأن من وصل مكة فقرن أو تمتع .. فهو حاضر، أي: على الضعيف، القائل بعدم اشتراط الاستيطان في الحاضر ثم قال: نعم؛ إن قيل: الحاضر هو المستوطن .. استقام وجوب دمين مع احتمال فيه من جهة التداخل.
قال (حج) في "الحاشية": والتداخل احتمال له، لكن وجهه قوي، ويؤيده ما مر فيمن أفسد عمرته ثم أدخل عليها الحج.
(الثالث: أن يكونا) اي: الإحرام بالعمرة ثم بالحج (في سنة واحدة).
فلو اعتمر في سنة وحج في أخرى .. فلا دم.
(الرابع: أن لا يرجع إلى الميقات) الذي أحرم منه إحراماً جائزاً وإن لم يكن ميقاتاً، كأن لم يخطر له إلا قبيل دخول الحرم، فأحرم منه، فيكفيه العود إليه أو إلى مثل مسافته؛ لأنه ميقاته، أو إلى ميقات آخر ولو أقرب منه، أو إلى مسافة قصر، فإن لم يعد لشيء من ذلك .. لزمه الدم، وإن عاد له محرماً أو ليحرم منه .. فلا دم، بشرط عوده قبل تلبسه بنسك واجب كالوقوف، أو مندوب كطواف قدوم بأن يخرج المتمتع بعد فراغ عمرته من مكة لدون مسافة قصر منها، ثم يدخلها ولو حلالاً، ثم يطوف ولو بعد طواف القدوم.
قال في "الحاشية": أو طاف للوداع أي: بعد إحرامه بالحج عند خروجه لعرفة، فلا ينفعه العود إلى الميقات حينئذٍ؛ لأنه أتى بما يشبه التحلل.
وهذه الشروط تعتبر لوجوب الدم لا لتسميته تمتعاً.
(وعلى القارن دم، بشرطين:
الأول: أن لا يكون من أهل الحرم) أي: من حاضري المسجد الحرام كما تقدم في المتمتع؛ لأنه وجب بالقياس عليه، ودم التمتع لا يجب على الحاضر، ففرعه أولى، والجامع بينهما: الترفه فيهما.
فالمتمتع ترفه بربح ميقات الحج؛ لأنه يحرم به من مكة، ولو قدم الحج .. احتاج أن يحرم بالعمرة من أدنى الحل، كما مر.
والقارن ترفه بترك أحد الميقاتين أيضاً (ولأنه صلى الله عليه وسلم ذبح عن نسائه البقر، وكن قارنات).
(الثاني: أن لا يعود إلى الميقات بعد دخول مكة) وقبل الوقوف بعرفة، فإن عاد قبل دخولها أو بعد الوقوف .. لم يسقط عنه الدم، أو بعد دخولها وقبل الوقوف .. سقط.
ومحله: إن لم يشرع في طواف القدوم، وإلا .. لم يسقط، كما في المتمتع، وإن لم يسع بعده كما اعتمداه في "الفتح" و"الشرح" و"الأسني".
لكن مال في "الحاشية" و"الإمداد" إلى أنه ينفعه العود ما لم يقف بعرفة.
وفرق في "الحاشية" بين المتمتع والقارن، كما بينته في "الأصل"، والله أعلم.
(فصل) في دم الترتيب والتقدير.
(ودم التمتع والقران وترك الإحرام من الميقات والرمي والمبيت بمزدلفة ومنى) وترك طواف الوداع ولو سهواً، ودم فوات عرفة، وناذر نحو المشي إذا أخلفه، وناذر نحو الحلق، والأجير المخالف لما استؤجر له وغيره مما في "الأصل".
(شاة أضحية) صفةً وسِنّاً -كما يأتي في الأضحية- ويجزئ سُبُع بدنه أو بقرة مما يجزئ ثمَّ، وهذا يجري في كل شاة واجبة، إلاَّ جزاء الصيد .. فلا تجزىء البدنة فيه عن شاة؛ لاعتبار المثل فيه.
ويكتفي في غيره ببدنة عن سبع شياه لزمت بأسباب مختلفة أو متحدة.
ويجب الدم في التمتع بفراغ عمرته وإحرامه بالحج، وإن كان الموجب له حقيقة إنما هو الإحرام بالحج؛ لأن ربح الميقات الذي هو سبب الدم إنما هو في الحج، لكن للإحرام بالعمرة دخل في الوجوب أيضاً، بدليل أنه لو وقع آخر جزء من رمضان .. لا يجب الدم وإن أوقع أعمال العمرة، وتحللها في أشهر الحج، وأحرم بالحج من عامه وربح فيه الميقات.
ويجوز تقديم دم التمتع لا صومه على الإحرام بالحج؛ لأن ما له سببان يجوز تقديمه على أحدهما، لا عليهما.
أمَّا الصوم .. فلا يجزئه إلا بعد الإحرام بالحج؛ لأنه عبادة بدنية، وهي لا يجوز تقديمها على وقتها.
وأمَّا ما ليس له إلا سبب واحد كالقران .. فيجب به، وإذا وجب .. فلا يسقط عن موسر بموته، كسائر الديون المستقرة، وكإفساده، ويخرج من تركته، وكذا صوم تمكن المعسر منه قبل موته، فيصام عنه أو يطعم عن كل يوم مد، فإن تمكن من بعض العشرة .. فقسطه.
ويحصل التمكن من صوم الثلاثة بأن يحرم بالحج ليلة السابع سليماً من مرض ونحوه، لا من سفر.
ولا يتعين في الإطعام صرفه إلى مساكين الحرم؛ لأنه بدل عن الصوم، وهو لا يختص بالحرم، بل يسن فيه.
والأفضل: ذبح الدم يوم النحر بمنى؛ للاتباع، ولا يتوقف دم الواجب على وقت، كما مر.
(فإن عجز) عن الدم، كأن لم يجده بموضعه وهو الحرم فقط، أو ما حواليه إلى حد الغوث مع الشك، أو إلى حد القرب مع اليقين، أو إلى دون مرحلتين على الخلاف في ذلك، أو وجده بأكثر من ثمنه كما في التيمم، أو غاب ماله إلى مسافة قصر، أو احتاج إلى صرفه في نحو مؤن سفره، أو ملبس أو مسكن.
ومن أمكنه الاقتراض .. أتى فيه ما مر قسم الصدقات.
( .. صام) وجوباً، وفيه ما مر في رمضان.
نعم؛ السفر هنا لا يمنع التمكن.
(عشرة ايام ثلاثة) منها (في الحج) قبل يوم النحر ولو مسافراً؛ للآية، هذا إن أحرم في زمن يسعها قبل يوم النحر، فإن لم يسع إلا بعضها .. وجب، وليس السفر هنا عذراً في أداء الثلاثة، بل يجب صومها ولو فيه، حيث لا ضرر.
أمَّا قضاؤها .. فهو عذر فيه، ولا يلزمه تقديم الإحرام؛ ليصومها.
وخرج بقولي: (قبل يوم النحر): ما لو أخرها عنه مع تمكنه من صومها قبله، فيأثم، وتكون قضاء.
وإن أخر التحلل عن أيام التشريق ثم صامها ثم تحلل .. صدق عليه أنه صامها في الحج؛ لندرته، فلا يراد من الآية، ويلزمه قضاء ما أمكنه صومه فوراً.
وندب له الإحرام بالحج قبل سادس ذي الحجة؛ ليتم صومها قبل يوم عرفة، إذ يسن له فطره.
ولو علم أنه يجد الدم قبل فراغ صومه .. لم يجب انتظاره، لكن يسن، وإذا لم يجده .. لم يجز انتظاره إن ضاق الوقت عن أداء الثلاث، وإلا .. ندب إن رجاه، ولو وجده قبل الشروع في الصوم .. وجب ذبحه، أو بعد الشروع فيه .. لم يجب، لكنه يسن.
ومحل صوم الثلاثة فيما ذكر إن تصور صومها فيه، كما في دم تمتع وقران وترك إحرام
من الميقات ودم الفوات؛ إذ صومه إنما يفعل في سنة القضاء، وناذر المشي أو الركوب إذا أخلفه، وإلا .. كالبقية، فيصوم الثلاثة بعد أيام التشريق، فإن فعلها عقبها .. فأداء، وإلا .. فقضاء، إلا طواف الوداع؛ فوجوب صوم الثلاثة فيه بوصوله وطنه أو مسافة القصر، فهذا وقت أدائه.
أمًّا العمرة إذا ترك إحرامها من الميقات أو أخلف نحو المشي المنذور فيها، فإن أحرم بها وقد بقي بينه وبين مكة ما يسع الثلاثة .. وجب صومها حينئذٍ، وإلا .. جاز تأخير صومها بعد التحلل منها.
(وسبعة إذا رجع إلى وطنه) أو ما يريد توطنه ولو مكة؛ للآية، ولِمَا صح من أمر المتمتعين الفاقدين الهدي بذلك، وندب توالي صومها وصوم الثلاثة إلا لعارض؛ كأن أحرم ليلة السابع، فيجب تواليها لضيق الوقت.
قال الشرقاوي: (فلو شرع في السبعة في مكة مثلاً؛ لقصده توطنها، ثم أعرض عن توطنها قبل تمامها وسافر .. فالظاهر جواز إتمامها في السفر، نقله الرحماني عن "سم") اهـ
وهو ظاهر، وإن استظهر (ب ج) خلافه؛ لأن صومها مشروط بالرجوع إلى وطنه، وقد رجع إليه.
ومنه يؤخذ أيضاً: أن من رجع لوطنه ثم سافر جاز له صومها في السفر، ومتى صام هذه السبعة .. فأداء؛ إذ لا يتصور فيها القضاء إلا بالموت، فإذا صامها عن ميته .. فقضاء، وندب تتابعها كالأداء، ولو فاتته الثلاثة .. لزمه أن يفرق في قضائها بينها وبين السبعة بقدر تفريق الأداء، وإن كان الفوات بعذر وهو فيمن يتصور منه صوم الثلاثة في الحج كالمتمتع أربعة أيام.
ومدة إمكان السير إلى وطنه على العادة الغالبة، ومن ذلك إقامة الحجاج بنحو مكة، فيفرق بها مع مدة إمكان السير.
أمَّا من لا يتصور منه صومها في الحج، كمن ترك رمي الجمار، فإن كان مكَّياً .. لزمه التفريق بين الثلاثة والسبعة بأقل ممكن، وهو يوم فقط؛ إذ لا سير حتى تعتبر مدته، وصومه لم يجب قبل يوم النحر أصالة حتى تعتبر الأربعة.
وإن كات آفاقياً .. فرَّق بقدر مدة السير فقط.
وعبارة "الفتح": وصوم الثلاثة في ترك نحو الرمي لا يمكن قبل الحج، فيجب بعد أيام التشريق موسعاً على الأوجه، كمن ترك صومها في الحج لعذر.
قال الشرقاوي: (وإذا لم يتمكن من صومها قبل عرفة .. فهي أداء) اهـ
قال الونائي: ولو صام العشرة ولاءً .. حصلت الثلاثة فقط، أو قدم السبعة على الثلاثة .. لم يقع منها ثلاثة عن الثلاثة؛ للصارف.
وإذا أخَّر الصوم لوطنه .. وجب صوم الثلاثة فوراً، فإن صام الثلاثة بمكة، فإن مكث أربعة أيام بعد الصوم ثم سافر .. فله صوم السبعة عقب وصوله وطنه، أو صامها في الطريق .. صبر بعد وصوله وطنه أربعة أيام، وقدر ما ساره من أيام الطريق.
(فصل) في محرمات الإحرام.
وحكمة تحريمها: الخروج عن العادة؛ ليذكر ما هو فيه من العبادة، والذهاب إلى الموقف في حالة أَرثَّ من هذه، فيحمله على الإخلاص والالتجاء إليه تعالى في الإقالة من الذنوب والتوفيق.
(يحرم بالإحرام) الذي هو نية الدخول في النسك، أو نفس الدخول فيه بالنية كما مر.
(ستة أنواع) وجعلها في "التوضيح" سبعة بزيادة عقد النكاح.
(أحدها): اللبس على الرجل والمرأة.
فأمَّا الرجل فإنه (يحرم على الرجل) المحرم المميز العامد العالم بالتحريم والإحرام المختار الذي لم يتحلل شيئان:
الأول: (ستر رأسه) كله (أو بعضه) وإن قل، ومنه البياض المحاذي لأعلى الأذن، لا المحاذي لشحمة الأذن، وكابتداء اللبس استدامتُه.
وإنما يحرم بما يعد ساتراً عرفاً وإن حكى لون البشرة ولو لغير محيط، كعصابة عريضة بحيث لا تقارب الخيط، وحناء ثخين؛ للنهي الصحيح عن تغطية رأس الميت المحرم، بخلاف ما لا يعدّ ساتراً، فلا يضر، كخيط دقيق وتوسد نحو عمامة، ووضع يده أو يد غيره على رأسه إن لم يقصد الستر بها، وكذا إن قصده كما في "الفتح"، وانغماس في