شرح المقدمة الحضرمية المسمى بشرى الكريم بشرح مسائل التعليم
ومثله الإشارة، فتكره إلا لحاجة كرد سلام بيد أو رأس.
(ورفع البصر إلى السماء) وغيرها مما علا؛ لخبر: "ما بال أقوام يرفعون أبصارهم في الصلاة، لينتهن أو لتخطفن أبصارهم".
(وكف شعره أو ثوبه) بنحو تشمير كمه أو شد وسطه، لخبر: "أمرت أن أسجد على سبعة أعظم، ولا أكف شعراً ولا ثوباً".
وحكمته: أن ذلك يمنع من سجودها معه، وينافي الخشوع والتواضع.
ومن ثم كره كشف الرأس فيها، أو إحدى المنكبين والاضطباع.
(ووضع يده على فمه بلا حاجة)؛ للنهي الصحيح عنه، ولمنافاته لهيئة الخشوع.
أمَّا لحاجة .. فيسن كما للتثاؤب؛ لخبر صحيح فيه.
وهل يضع اليمنى أو اليسرى؟ قال (م ر): اليسرى، و (حج): يتخير، والسنة تحصل بكلًّ سواء ظهر الكف أو بطنها.
فال بعض الحفاظ: نهي في الصلاة عن مسح الحصا والجبهة من التراب والنفخ وتفقيع الأصابع وتشبيكها والسدل وتغطية الفم والأنف.
(ومسح جبهته) قبل السلام، أما بعده .. فيسن.
(وتسوية الحصا) ونحوه (في محل سجوده)؛ للنهي، ولأنه ينافي الخشوع كما فيما قبله.
(والقيام على رجل) واحدة (وتقديمها) على الأخرى (ولصقها بالأخرى)؛ لمنافاته الخشوع، ولا بأس بالاستراحة على أحدهما لنحو طول قيام.
قال في "الإحياء": نهي عن الصفين والصفد في الصلاة، والصفد: اقتران القدمين معاً، والصفن: رفع إحدى الرجلين، لكن يسن الصفد للمرأة.
(والصلاة حاقناً) بالنون أي: بالبول (أو حاقباً) بالباء أي: بالغائط (أو حازقاً) لأي: بالريح؛ للنهي عنها مع مدافعة الأخبثين.
ويسن تفريغ نفسه قبل الصلاة وإن خاف فوت الجماعة، وهذا (إن وسع الوقت) وإلا .. وجبت الصلاة مع ذلك؛ لحرمة الوقت إلاَّ أن يخاف ضرراً .. فتحرم.
(ومع توقان الطعام) أي: المأكول والمشروب، وكل ما اشتغل به قلبه، بحيث يختل خشوعه لو قدمها عليه كوطء حليلته؛ للأمر بتقديم العشاء، وياكل ما يتوفر معه الخشوع، فإن لم يتوفر إلا بالشبع .. شبع، وهذا (إن وسع) الوقت (أيضاً) وكان المتوق إليه حاضراً، أو قريباً من الحضور، وإلا .. صلى فوراً وجوباً؛ لما مر.
(وأن يبصق) بالصاد والزاي (في غير المسجد) ولو خارج الصلاة (عن يمينه)؛ للنهي عنه، بل عن يساره؛ إكراماً لملك اليمين، ولأن ملك اليسار يتنحى عنه في الصلاة إلى فراغها، فالبصاق حينئذٍ إنما يقع على القرين، وهو شيطان الشخص الذي يولد بولادته، ويموت بموته، وهذا في غير مسجده صلى الله عليه وسلم، وحيث لم يكن إنسان عن يساره، وإلا .. بصق عن يمينه؛ احتراماً لهما وإن تردد في "التحفة" في مسجده صلى الله عليه وسلم؛ لأنه أحق بالاحترام من الأنسان الذي عن يساره مع جزمه بأنه لا يبصق عن يساره الذي في ناحيته إنسان.
وإطلاقهم يشمل الطائف، فيبصق عن يساره وإن كانت الكعبة عن يساره.
نعم؛ إن أمكن أن يطأطئ رأسه فيبصق لجهة السفل لا يميناً ولا شمالاً .. فهو أولى (أو قبالته) وإن، لم يكن من هو خارج الصلاة مستقبلاً عند (حج).
(ويحرم في المسجد) البصاق إن اتصل بشئ من أجزائه وإن لم يكن في صلاة ولا مستقبلاً، بل يبصق في نحو ثوبه وإن وقع على نجس معفو عنه، ويحك بعضه ببعض؛ لخبر: "البصاق في المسجد خطيئة، وكفارتها دفنها" أي: إن أمكن.
أمَّا ما لا يمكن كالمبلط .. فتجب إزالتها منه، ولا يكفي دلكها فيه.
والمعنى أن دفنها يقطع الإثم لا أصله، ويجب على من علم بمستقذر في مسجد إخراجه وإن، عين شخص لإزالته منه.
(وأن يضع يده) اليمنى أو اليسرى (على خاصرته) لغير حاجة؛ للنهي عنه، وأنه راحة أهل النار، وأن الشيطان أهبط من الجنة كذلك.
(وأن يخفض رأسه) أو يرفعه عن ظهره (في ركوعه) وإن لم يبالغ؛ لما مرَّ.
ويكره ترك السورة في الركعتين الأولتين من كل صلاة، وترك تكبير الانتقالات،
وأذكار ركوع واعتدال وسجود وجلوس بين السجدتين والأبعاض؛ لتأكدها، وللخلاف في وجوب بعضها.
(وقراءة السورة في) الركعة (الثالثة والرابعة) من الرباعية، والثالثة من المغرب.
ولعل مراده بالكراهة في هذه خلاف الأولى، قال الكردي: [1/ 200]: خلاف الأولى، وخلاف السنة شيء واحد على المعتمد، ومقابله يفرق بينهما، وهو ظاهر "شرح الشيخ" حيث قال: (والمعتمد أن قراءتها فيهما ليست خلاف الاولى، ولا خلاف السنة، بل ليست بسنة) أي: بل مباحة.
اهـ
فمن يدخل خلاف الأولى في المكروه، كما هو عادة المتقدمين .. يقولون: مكروه كراهة غير شديدة، وهو خلاف الأولى، وكراهة شديدة، وهو: المكروه.
ومن فرق بينهما، كما في "جمع الجوامع: .. قال: ما نهي عنه غير جازم، فإن كان مخصوصاً، كما في خبر: "إذا دخل أحدكم المسجد .. فلا يجلس حتى يصلي ركعتين"، وخبر: "لا تصلوا في أعطان الإبل" .. فمكروه.
أو غير مخصوص، بل استفيد من الأمر كالنهي عن ترك المندوبات المستفاد من أوامرها؛ إذ الأمر بالشيء نهي عن تركه .. فخلاف الأولى.
قال المحلي: فالخلاف في شئ أمكروه هو، أو خلاف الاولى؟ اختلاف في وجود المخصوص فيه، كصوم يوم عرفة للحاج خلاف الاولى.
وقيل: مكروه؛ لحديث أبي داوود وغيره: "أنه صلى الله عليه وسلم نهى عن صوم يوم عرفة بعرفة" اهـ، أي: من قال: إنه مكروه .. قال: سببُ الكراهة النهي المخصوص في خبر أبي داوود، ومن قال: إنه خلاف الأولى .. قال: سببه: النهي لمأخوذ من فطرة صلى الله عليه وسلم بعرفة، ونحن مأمورون باتباعه في الفطر، والأمر بالفطر نهي عن ضده، وهو الصوم.
فإذا علمت ما تقرر .. ظهر لك أن قراءة السورة في الثالثة والرابعة ليس مكروهاً.
وأما كونه خلاف الأولى .. فإن قلنا بالمعتمد من عدم سنها فيهما وأن الاتباع تركه فيهما .. فهي خلاف الاولى؛ لما مر في صوم يوم عرفة، ولأنا مأمورون باتباعه، والأمر بالشيء نهي عن ضده.
فقول (حج) في "الشرح"، و"الإمداد": إن قراءتها فيهما ليست خلاف السنة،
بل ليست سنة، فيه نظر؛ لأنه كون قراءتها مباحة، ولا طلب فيها بفعل ولا كف، وليس كذلك، بل المطلوب فيها الكف؛ للاتباع، والمباح لا طلب فيه فعلاً ولا تركاً.
فالوجه أن خلاف السنة وخلاف الأفضل مرادفان لخلاف الأولى.
نعم؛ قد يكون خلاف الأفضل مستحباً أيضاً كالأفضل، كالإقعاء المسنون في الصلاة، فإنه وإن كان مسنوناً فالافتراش أفضل منه، فهو وإن كان مستحباً خلاف الأفضل، بل وخلاف الأولى، كما في: "كاشف اللثام" للكردي، فهو داخل في حيز المنهي عنه؛ لما في الإتيان به من ترك الأفضل وإن كان مسنوناً في نفسه.
أمَّا إن قلنا بسنية قراءتها في الأخيرتين كما هو مقابل الأظهر في "المنهاج"، وثبت في "صحيح مسلم" .. فلا كلام في سنيتها، فضلاً عن كونها غير سنة، هذا ما ظهر، فليتأمل.
(إلا لمن سبق بالأولى والثانية) أو أحدهما ( .. فيقرؤها) أي: السورة (في الأخيرتين) من صلاة الإمام؛ لأنهما أوليا صلاته، فإن لم يتمكن من قراءتها فيهما .. قرأها في أخيرتيه؛ لئلا تخلو صلاته عنها، وكسبقه بالأولتين ما لو لم يتمكن من قراءة السورة فيهما .. فيقرأها في أخيرتيه إن تمكن، ولو سبق بالاولى فقط أو لم يتمكن من قراءة السورة فيها .. قرأها في الثانية والثالثة.
أمَّا إذا تمكن من قراءتها ولم يقرأها .. فلا يتداركها لتقصيره.
ومحل ذلك حيث لم تسقط عنه، تبعاً للفاتحة أو بعضها، وإلا .. فلا يتداركها، ومرَّ أن المأموم إذا فرغ من فاتحته قبل ركوع إمامه أنه يقرؤها ولو في الأخيرتين.
(والاستناد إلى ما تسقط بسقوطه)، للخلاف في صحته حينئذٍ، ومحله إن سمي قائماً، وإلا بأن أمكنه رفع قدميه .. فلا تصح؛ لأنه معلق لا قائم.
(والزيادة في جلسة الاستراحة على قدر) أقل (الجلوس بين السجدتين، وإطالة التشهد الأول، والدعاء فيه، وترك الدعاء في الأخير) كما مر فيها.
(ومقارنة الإمام في أفعال الصلاة) أو أقوالها؛ للخلاف في صحة صلاته حينئذٍ، وهذه الكراهة ونحوها من كل مكروه من حيث الجماعة تفوت فضلها، لكن نقل المناوي عن السيوطي: أن فضيلة التضعيف -وهوعود بركة الجماعة بعضهم على بعض- لا تفوت وإن فاتت فضيلة الجماعة.
وعليه: فينبغي أن يطلب الجماعة التي كثرت وتوفر صلاحها؛ ليعظم التضعيف.
(والجهر في موضع) ندبِ (الإسرار، والإسرار في موضع) نَدبِ (الجهر والجهر) للمأموم (خلف الإمام) في غير ما يندب له فيه خلفه، كما مر في التأمين؛ وذلك لمخالفته الاتباع المتأكد في ذلك.
(ويحرم) على المصلي حيث لا عذر (الجهر) في الصلاة وخارجها (إن شوش على غيره) من مصل أو قارئ وغيرهما؛ للضرر، ويؤخذ بقول المتشوش ولو فاسقاً؛ إذ لا يعرف إلا منه، وهذا إن اشتد التشويش، وإلا .. فهو مكروه، وبه يجمع الخلاف، أما من له عذر، كأن كثر اللغط فاحتاج للجهر، ليأتي بالقراءة على وجهها .. فلا كراهة ولا حرمة.
(وتكره الصلاة) أيضاً (في المزبَلة) -بفتح الموحدة أجود من ضمها- موضع الزبل (والمجزرة) موضع الجزر، أي: الذبح؛ لصحة النهي عنها، ولمحاذاة النجاسة فيهما؛ لأنه بفرشه طاهراً عليها يحاذي النجاسة، ومحاذاتها مكروهة، كما مر.
(و) في (الطريق في البناء) أو الصحراء وقت مرور الناس فيه ولو احتمالاً؛ لأنه يشغله، ومن ثم كان استقباله كالوقوف فيه حيث لم يبعد عنه، بحيث إنه لو نظر إلى محل سجوده فقط .. اشتغل بمرورهم، وكذا يقال لو صلى تجاه نحو شباك.
وتكره أيضاً في الأسواق والرحاب الخارجة عن المسجد، وفي الوادي الذي نام فيه صلى الله عليه وسلم، وهو وادي القرى شآم المدينة.
(و) في (بطن الوادي مع توقع السيل) ونحوه: من كل محذور كحية؛ لخشية
الضرر، وانتفاء الخشوع ومحله -فيما مر ويأتي- إن اتسع الوقت للخروج مما ذكر وفِعلِ الصلاة ولم يخش فوات جماعة، وإلا .. صلى فيه وحيث لم يتحقق الضرر، وإلا .. وجب الخروج منه وتأخير الصلاة.
(و) في (الكنيسة) وهي متعبد اليهود، و (البيعة) وهي متعبد النصارى -بفتح الباء- ونحوها من أماكن الكفرة، بل يحرم دخولها إن منعوه، أو كان فيها صورة محرمة.
(و) في (المقبرة) -بتثليث الباء وفيه كلام في "الأصل"- إن لم تنبش، أو نبشت وصلى على حائل طاهر؛ للخبر الصحيح: "الأرض كلها مسجد إلا المقبرة والحمام" مع النهي عن اتخاذ القبور مساجد، والعلة محاذاة النجاسة تحته ولو بأجزاء الميت، فاستوى فيها المنبوشة وغيرها، وما تحته وما أمامه، أو بجانبه، بل قال (حج) و (م ر): (ولو دفن ميت بمسجد .. كانت الصلاة فيه مكروهة) اهـ.
ويؤخذ من ذلك أنها لا تكره بمقبرة من لا تأكل الارض أجسادهم كالأنبياء والشهداء، وفيه كلام في "الأصل".
(و) في (الحمام) ولو جديداً عند (حج)، أو مسلخته؛ للخبر المتقدم، ولأنه محل كشف العورات والشياطين.
ومثله: كل محل معصية أو غضب، كأرض ثمود، وكل موضع غير مأهول، كالمفازات والشعوب والأرحبة الخراب، وكل موضع يتشوش فيه الإنسان أو يتخوف؛ لأنه مأوى الشياطين.
(و) في (عطن الإبل) ولو طاهراً، وهو ما تنحى إليه إذا شربت؛ ليشرب غيرها، فإذا جمعت .. سيقت منه إلى المرعى، أو لتشرب ثانياً؛ للخبر الصحيح: "صلوا في مرابض الغنم، ولا تصلوا في أعطان الإبل؛ فإنها خلقت من الشياطين" وجميع مباركها كالعطن، فالكراهة في أعطان الإبل لعلتين، وفي محال غيرها لعلة، وهي النجاسة إن كانت نجسة (و) على (سطح الكعبة)؛ لأنه خلاف الأدب.
(و) في (ثوب) أو إليه، أو عليه (فيه تصاوير، أو شيء) آخر (يلهيه) كخطوط؛ للخبر الصحيح: أنه صلى الله عليه وسلم صلى وعليه ثوب ذات أعلام فلما فرغ قال: "ألهتني هذه"، قال (حج): وزَعْمُ عدم التأثر بها حماقة، وظاهرٌ أن هذا في البصير.
وكالثوب كل ما يشتغل به قلبه، كآدمي يستقبله.
(والتلثم) للرجل، (والتنقب) لغيره؛ للنهي عن الأول، والقياس عليه في الثاني.
(وعند غلبة النوم) والغضب؛ لفوات الخشوع.
وإنما لم تقتض الكراهة فيما ذكر الفساد كالكراهة للزمان؛ لأن لشارع جعل للصلاة أوقاتاً مخصوصة لا تصح في غيرها، ولم يجعل لها مكاناً مخصوصاً، فكان الخلل في الزمان أشد منه في الأمكنه، فالنهي فيها ليس راجعاً لذات العبادة، ولا للازمها، فلم يقتض الفساد، بل ولا يمنع أصل الثواب، كما في "فتاوى م ر"، وبقي من المكروه أمور، منها:
الإقعاء، كما مر، والصلاة خلف أقلف، وموسوس، وولد زنا، وافتراش السبع في السجود، والإسراع بأن يقتصر على أقل الواجب وغيرها.
(فصل: يستحب) لكل أحد (أن يصلي) ويسجد لنحو تلاوة (إلى شاخص) من نحو عمود أو جدار وإن لم يقصد الاستتار به، لكن يشترط عدم الصارف، فإن عَسُرَ عليه .. فإلى نحو عصا، وهي أولى، أو متاع يجمعه.
ولا بد من كون طول جميع ما ذكر: (قدر ثلثي ذراع) بذراع الآدمي المعتدل هنا وفيما يأتي فأكثر وإن لم يكن له عرض و (بينه) أي: وبين أصابع قدميه عند (م ر)، وعقبيهما عند (حج) في القائم، وبين أليتي الجالس (وبينه) أي: الشاخص (ثلاثة أذرع فما دون، فإن لم يجد) بأن عسر، أو تعذر عليه ما مر ( .. بسط مصلى) كسجادة -بفتح السين، وكسرُها لحن- (أو خطَّ خطاً) قبالته طولاً -وهو أولى- أو عرضاً، والارتفاع معتبر في الجميع كما في "المنهج"، وفي الثلاثة الأول كما في "التحفة"، وظاهرِ هذا المتن، والقربُ بثلاثة أذرع في الجميع، لكن العبرة في الخط والمصلى بأعلاهما، فإن بعد أعلاهما أكثر من ثلاثة أذرع .. لم يكف.
ولو صلى على نحو فروة طولها ثلثا ذراع .. حرم المرور على الفروة فقط.
ولو طال المصلى أو الخط بأن كان بينه وبين أعلاه أكثر من ثلاثة أذرع .. لم يعتبر.
(ويندب) للمصلي وغيره ممن ليس في صلاة (دفع المار) بينه وبين سترته (حينئذٍ) أي: حين استتاره بمعتبر مما مر، حيث لم يخش ذهاب خشوعه، ولم يقصر بنحو وقوفه بطريق.
(ويحرم المرور) بينه وبين سترته المعتبرة (حينئذٍ) أي: حين إذ استتر بسترة معتبرة، وإن لم يجد المار طريقاً إلا لضرورة كخوف محذور عليه أو على غيره.
بل اعتمد الإسنوي ما نقله الإمام عن الأئمة: أن له المرورَ حيث لا طريق غير ما بين المصلي وسترته.
أمَّا سن الاستتار بترتيبه السابق؛ فللاتباع في الإسطوانة والعصا مع أخبار كثيرة، منها: خبر أبي داوود: "إذا صلى أحدكم .. فليجعل أمام وجهه شيئاً، فإن لم يجد .. فلينصب عصا، فإن لم يكن معه عصا .. فليخط خطاً، ثم لا يضره ما مر أمامه" أي: في إكمال صلاته، وقاسوا المصلى بالخط وقدموه عليه؛ لأنه أظهر في المراد.
وما اقتضاه المتن من جعل العصا في رتبة الجدار، والخط في رتبة المصلى .. تبع فيه الإسنوي، والمعتمد ماقدمته، ويكفي في أصل السنة مقابلته لجزء منها وإن قل.
والأفضل: جعل السترة بحيث تحاذي أحد حاجبيه الأيمن أو الأيسر وهو الأولى عند المدابغي، قال: لأن الشيطان يأتي من جهته.
وقال (ع ش): الأيمن أولى؛ لشرفه، ولأن الشيطان إذا رأى السترة .. لا يأتي بالكلية، وهذا لا يتأتى في الجدار والمصلى، إلا أنه يمكن في الجدار بأن يفصل طرفه أو شيء من وسطه، كما هو مشاهد.
وإنما سن جعلها يمينه أو يساره؛ لكراهة الصمد إليها، للنهي عنه، لكن لو صمد إليها .. لم تخرج عن كونها سترة معتبرة، ولو لم يمكن إلا الصمد إليها .. فلا كراهة.
وأمَّا سن الدفع .. فللخبر الصحيح: "إذا صلى أحدكم إلى شيء يستره من الناس، فأراد أحد أن يجتاز بين يديه .. فليدفعه، فإن أبى .. فليقاتله، فإنما هوشيطان".
ويؤخذ منه أنه يلزمه تحري الأسهل فالأسهل في الدفع، كما في الصائل، وليحذر من دفعه بثلاث حركات متوالية؛ فإنها مبطلة.
وأمَّا حرمة المرور .. فلخبر: "لو يعلم المار بين يدي المصلي -أي: المستتر كما أفاده الحديث السابق- ماذا عليه من الإثم .. لكان أن يقف أربعين- أي: سنة كما في رواية- خير له من أن يمر بين يديه".
والخبر الدال على عدم الحرمة ضعيف، ولو رآه مستتراً بالأدون، فشك في تقصيره بالاستتار به .. حرم المرور.
وكل صف سترة لمن بعده عند (حج).
تنبيه: العبرة في الدفع باعتقاد المصلي، وفي حرمة المرور باعتقاد المار.
ولم يجب الدفع، وإن كان من باب النهي عن المنكر؛ للاختلاف في تحريم المرور، ولأن الإنكار إنما يجب حيث لا خوف فوت مصلحة أو وقوع في مفسدة، وهنا يؤدي إلى فوات الخشوع، قاله (م ر).
لكن قال (حج): (علة الدفع مركبة من: عدم تقصير المصلي، وحرمة المرور، فلذا لايدفع المراهق؛ لعدم الحرمة عليه) اهـ
ولو تعارض الرداء والسترة .. قدمت إن كان مستور العاتقين، وإلا .. سترهما وإن فاتت، أو الخشوع والسترة، أو الصف الأول .. قدم الخشوع عليهما، أو الصف الأول والسترة .. قدِّم.
ويحرم المرور مع السترة في جميع الأحوال (إلا إذا صلى في قارعة الطريق) أو درب ضيق، أو باب مسجد، أو نحو ذلك (وإلا لفرجة) تركت (في الصف المتقدم) أو سعة بحيث لو دخلها .. لوسعته معهم بلا مشقة، أو استتر بما يشتغل به قلبه كامرأة ورجل استقبله، أو لم تستجمع سترته الشروط المتقدمة .. فلا يحرم المرور ولو في محل سجوده، لكنه خلاف الأولى، ويحرم حينئذٍ الدفع.
ولو صلى بلا سترة فوضعها غيره بين يديه ولو بلا إذنه .. اعتد بها، زاد في "الفتح": إن نوى الاستتار بها.
ويجوز المنع من الوقوف في حريم المصلي أو القارىء، وهو قدر ما يسجد فيه.
وحيث منعنا المرور بين يدي المصلي، فهل يجوز مد نحو اليد فيه حال عدم سجوده؟ قال في "القلائد": نعم، ونقل (ب ج) عن (ع ش) المنع.
(فصل:) في سجود السهو
وما يتعلق به.
واقتصروا على تقييده بالسهو للغالب، وإلا .. فيكون أيضاً للعمد، كما يأتي.
(يسن) متأكداً (سجدتان للسهو) أي: للخلل الواقع في الصلاة غير الجنازة، وفي سجدة تلاوة وشكر، ولا مانع من جبر الشيء بأكثر منه، فإنه عهد، كما في ترك كلمة من نحو القنوت، وفي إفساد يوم بجماع؛ وذلك للأحاديث الآتية ولم يجب؛ لأنه لم ينب عن واجب، بحلاف جبرانات الحج.
وإنما تسن (بأحد أسباب ثلاثة)، بل خمسة:
ترك بعض، ونقل قولي غير مبطل، وزيادة فعل يبطل عمده فقط، والشك في ترك بعض، وإيقاع فعل مع التردد في زيادته.
فإن سجد لغير ذلك .. بطلت صلاة غير الجاهل المعذور بنحو قرب عهد بالإسلام، كما في "التحفة"، لكن في "الفتح": ولو مخالطاً لنا.
ويمكن شمول الأول للأخيرين بأن يراد به ترك المأمور به الشامل للأبعاض يقيناً أو شكاً، وللتحفظ.
وجعلها في "المنهاج" شيئين: ترك مأمور به الشامل للأبعاض والتحفظ، أو فعل منهي عنه ولو احتمالاً.
فيشمل: ما يبطل عمده كنقل الفعلي، وما لا يبطل عمده كنقل القولي، كالفاتحة، والقيام إلى ركعة مع الشك، أهي رابعة أم خامسة؟
فهي منهي عنها احتمالاً؛ لاحتمال أنها خامسة، وبفرض أنها رابعة يسجد؛ لترك التحفظ المأمور به، فلم يخرج عنهما.
(الأول: ترك كلمة) أو حرف (من التشهد الأول) ولو عمداً.
والمراد به: اللفظ الواجب في التشهد الأخير دون ما يسن فيه، فلا سجود بتركه؛ وذلك لما صح (أنه صلى الله عليه وسلم تركه ناسياً، وسجد قبل أن يسلم).
وقيس بالنسيان العمد، بل خلله أكثر، ولو صلى التسبيح أو راتبه نحو الظهر أربعاً وترك التشهد الأول .. سجد إن قلنا: إنه سنة حينئذ.
قال (سم): وهو المعتمد، بخلاف ما لو صلى أربعاً نفلاً مطلقاً بقصد أن يتشهد تشهدين او أطلق، فاقتصر على الأخير كما في "التحفة"، لكن خالفه (م ر) في صورة القصد.
(أو) ترك كلمة أو حرف ولو عمداً من (القنوت) الراتب، وذلك (في الصبح، أو) في (وتر نصف رمضان الأخير)؛ قياساً على ترك التشهد الأول دون قنوت النازلة؛ لأنه عارض، وترك كله أولى بالسجود.
لايقال: (كلمات القنوت لا تتعين، فلِمَ كان ترك بعضه كترك كله؟) لأن عدم تعينها إذا لم يشرع فيه.
وفارق بدله بأنه لا حد له.
(أو) ترك (الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم في التشهد الأول) والمراد الواجب منها بعد التشهد الأخير، لأنها ذكر يجب الإتيان به في الأخير، فيسجد؛ لتركه في الأول كالتشهد الأول.
(أو) ترك الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، أو على آله في (القنوت) أي: بعده؛ قياساًعلى ما قبلها.
(أو) ترك (الصلاة على الآل في التشهد الأخير)؛ قياساً على ذلك أيضاً.
وصورة السجود لتركها: أن يتيقن ترك إمامه لها بعد أن سلم إمامه وقبل أن يسلم هو، أو بعد أن سلم وهو ناسياً وقصر الفصل، فيعود ويسجد؛ لترك إمامه لها.
أمَّا لتركه هو لها .. فلا يعود للإتيان بها؛ إذ لا يعود لسنة غير السجود للسهو، ولا ليسجد للسهو لتركه لها؛ إذ لو صح عوده للسجود لتركها .. كان متمكناً منها، وما هو متمكن منه لا يسجد لتركه.
تنبيه: جعل المصنف الأبعاض: ستة، وفي "التحرير": أنها ثمانية بزيادة القيام للقنوت، والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم وعلى الآل، والجلوس للتشهد، والصلاة على النبي بعده وعلى الآل في الأخير.
وبعضهم عد القيام والجلوس لكل من الستة، فصارت اثني عشر.
قال الشرقاوي: (وزيد ثمانية: الصلاةعلى الصحب، والسلام على النبي، وعلى الآل والصحب، والقيام لكلٍ، فهذه عشرون) اهـ
ولو اقتدى شافعي بحنفي في صبح .. قنت إن أمكنه أن يلحقه في السجدة الأولى، ويسجد للسهو؛ لترك إمامه له، وكذا لو اقتدى به في إحدى الخمس؛ لأنه لا يصلي على النبي في التشهد الأول؛ لأنه عنده منهي عنه يقتضي الإتيان به السجود، بخلاف ما لو اقتدى مصلي الصبح بمصلي سنتها؛ لتحمل الإمام عنه القنوت، والإمام لا قنوت عليه، فلم يتطرق خلل إلى صلاته، وهذا في ترك البعض المعين يقيناً.
فلو شك في ترك بعض مبهم .. فلا يسجد، أو معين، كالقيام للصلاة على الآل .. سجد، وهذا هو السبب الثاني، لكن أدرجه المصنف في الأول.
وسميت هذه أبعاضاً؛ تشبيها ًلها بالبعض حقيقة، وهو الركن؛ بناء على أن الصلاة حقيقة فيها فقط، ولا تجبر باقي السنن، فإن سجد لشيء منها .. بطلت صلاته على ما مر، ولنا قول قديم: أنها تجبر كلها بالسجود.
(الثاني) من الأسباب (فعل ما لا يبطل سهوه) الصلاة (ويبطلـ) ـها (عمده، كالكلام القليل ناسياً، أو الأكل القليل ناسياً، أو زيادة ركن فعلي ناسيا ًكالركوع) وكذا زيادة ركعة فأكثر ناسياً، وكالناسي: جاهل معذور بنحو قرب عهد بإسلام، أو بخفاء المبطل؛ لكونه مما يخفى على أكثر العوام كالتنحنح، وعود إلى التشهد الأول بعد قيامه عنه، وتطويل ركن قصير بغير مشروع، وجلوسه لتشهد تركه إمامه ونحو ذلك، فلا تبطل به صلاة الجاهل مطلقاً، ويسجد للسهو إن لم يكن مأموماً؛ وذلك لما روى الشيخان: (أنه صلى الله عليه وسلم صلى الظهر خمساً، وسجد للسهو بعد السلام)، ولما مر من حديث ذي اليدين، ومعاوية بن الحكم.
واستثنى من ذلك: ما لو حول المتنفل دابته عن القبلة سهواً وردّها فوراً .. فلا يسجد عند (حج)، مع أن عمده مبطل، لكن خفف عنه؛ لمشقة السفر مع عدم تقصيره.
وما لو سها فسجد للسهو، ثم سها قبل سلامه .. فإنه لا يسجد للسهو؛ إذ سجود السهو يجبر ما قبله وما فيه وما بعده، لا نفسه، كأن ظن سهواً فسجد، فبان أن لا سهو، فيسجد ثانياً؛ لسهوه بالسجود.
(ولا يسجد لما) أي: لفعل (لا يبطل سهوه ولا عمده، كالالتفات) الواحد (والخطوة والحطوتين) وإن تواليا، والثلاث غير متوالية عمداً أو سهواً؛ لأنه صلى الله عليه وسلم فعل ذلك ولم يسجد، وأمر به ولم يأمر بالسجود له كما مر في شروط الصلاة (إلا إن قرأ) الفاتحة أو السورة (في غير محل القراءة) كالركوع وجلس التشهد.
(أو تشهد) التشهد الأول، أو الآخر (في غير محله) كالقيام والجلوس بين السجدتين.
(أو صلى على النبي صلى الله عليه وسلم في غير محله) كالركوع ( .. فيسجد لذلك) وإن لم يبطل عمده .. فهو مستثنى من قاعدة: ما لا يبطل عمده .. لا سجود لسهوه (سواء فعله سهواً أو عمداً)؛ لتركه التحفظ المأمور به في جميع الصلاة فرضاً ونفلاً، أمراً مؤكداً كتأكيد التشهد الأول، فهو وإن لم يكن بعضاً حقيقة يشبه البعض.
وعليه: فيسجد لترك البعض وشبهه.
نعم؛ لو قرأ السورة قبل الفاتحة، أو صلى على النبي صلى الله عليه وسلم قبل التشهد .. لم يسجد؛ لأن كلاّ ًفي محله في الجملة، ونقل بعض ما ذكر كنقل كله.
ويسنثنى أيضأ: ما لو قنت في موضع لا يشرع فيه بنيته، كقبل الركوع، أو في اعتدال ولو أخيراً لغير نازلة في غير صبح، ووتر النصف الأخير من رمضان.
وما لو فرقهم في الخوف أربع فرق أو فرقتين، وصلى بكلٍ ركعة في الأولى، وبفرقة ركعة وبالأخرى ثلاثاً في الثانية .. فيسجد الإمام وغير الفرقة الأولى للسهو؛ للمخالفة بالانتظار في غير محله، وتكرير الفاتحة كما في "الإمداد"، وتكرير التشهد كما في فتاوى (حج)، فيسجد لجميع ذلك وإن كان عمده لا يبطل، وقضية كلام المصنف أنه لا يسجد لغير ما ذكره، وفيه خلاف.
حاصله: أن الركن يسجد لنقله مطلقاً، وكذا البعض إن كان تشهداً، فإن كان قنوتاً .. سجد لنقله بنيته، والهيئة يسجد لنقل السورة منها مطلقاً، وغيرها لا يسجد نقله عند (م ر) مطلقاً، ويسجد له عند (حج) إن نوى به أنه ذِكرُ ذلك المنقولِ عنه، كأن قال: سبحان ربي العظيم في القيام أو السجود بنية أنه ذكر الركوع.
فلا يسجد لنقل التسبيح عند (م ر)، ولا لنقل الصلاة على الآل إلى التشهد الأول، ولا بالبسملة أول التشهد، ويسجد له عند (حج) بشرطه المتقدم.
نعم؛ نقل السلام عمداً مبطل، وكذا تكبيرة الإحرام بأن كبر أثناء صلاته بقصد الإحرام؛ لتضمنه إبطال الصلاة.
تنبيه: ما مر من الأفعال المنهي عنها أربعة أقسام: قسم يبطل عمده وسهوه وجهله، كالكلام الكثير، وقسم يبطل عمده وجهله دون سهوه، كزيادة ركن فعلي، وقسم يبطل عمده دون سهوه وجهله، كالتنحنح ونحوه من المبطل الخفي، وقسم لا يبطل مطلقاً، كالحركتين.
(ولو نسي) الإمام أو المنفرد (التشهد الأول) وقعوده أو أحدهما (فذكره بعد انتصابه) أي: وصوله لحد يجزئ في القيام بأن لا يكون أقرب إلى أقل الركوع ( .. لم يعد) إليه؛ لحرمته حينئذٍ، لأخبار صحيحة فيه، ولتلبسه بفرض وهو القيام، أو بدله، كأن شرع من يصلي قاعداً في القراءة.
(فإن عاد عالماً بتحريمه عامداً .. بطلت) صلاته؛ لزيادته فعلاً يخل بهيئتها بلا عذر، بخلاف قطع القولي لنفل كالفاتحة للتعوذ، فغير محرم وإن كره، وبخلاف زيادة فعل لا يخل بهيئتها كجلوس قبل السجود، وبخلاف زيادته لعذر كما يأتي.
(أو) عاد (ناسياً) للصلاة، أو حرمة عوده، واستشكل عوده للتشهد مع نسيانه الصلاة، وأجيب بأن المراد عوده لمحله.
(أو جاهلاً) بتحريم العود ولو مخالطاً لنا؛ لخفائه ( .. فلا) تبطل صلاته؛ لعذره فيهما، ولخبر: "رفع عن أمتي الخطأ والنسيان" في الأول، يلزمه القيام فوراً عند تذكره وعلمه (ويسجد للسهو)؛ لأنه يبطل عمده.
أما المأموم فإذا انتصب إمامه ولو بعد جلوسه للاستراحة، فتخلف عامداً عالماً -زيادة على قدر أقل جلسة الاستراحة عند (م ر) وعلى أكثرها عند (حج) - ولم ينو المفارقة .. بطلت صلاته وإن لم يأت بشيء من التشهد.
ولو قام الإمام عنه ثم عاد .. لم تجز موافقته -لأنه إما عامد وصلاته باطلة، أو ساه وهو لا تجوز موافقته- بل يقوم المأموم إن لم يكن قد قام فوراً، وينتظره قائماً؛ حملاً لعوده
على السهو أو الجهل، أو يفارقه وهي هنا، وفيما إذا قام الإمام لخامسة أولى؛ للخلاف في جواز انتظاره حينئذٍ.
ولو جلس الإمام يتشهد فشك المأموم أهي ثالثة أو رابعة؟ وجب قيامه فوراً؛ إذ المشكوك كالمعدوم، وينتظره قائماً أو يفارقه وهو أولى، وقيل تجوز موافقته مع الشك ويأتي بعد سلام إمامه بركعة.
ولو انتصب المأموم وجلس إمامه للتشهد فإن كان ناسياً لم يعتد بفعله (ويجب) عليه (العود لمتابعة إمامه) إن لم ينو المفارقة وتذكر قبل قيام الإمام، وإلا لم يجب.
وحيث وجب ولم يعد .. بطلت صلاته إن علم وتعمد، أو عامداً سن له العود، كما إذا ركع قبل إمامه عمداً؛ لأن له قصداً صحيحاً بانتقاله من واجب لواجب .. فاعتد بفعله وخير بينهما، بخلاف الساهي لوقوع فعله بلا روية، فكأنه لم يفعل شيئاً فتلزمه المتابعة، كما لو لم يقم ليعظم أجره، والعامد كالمفوت على نفسه تلك الفضيلة فلم يلزمه لعود.
وإنما خير من ركع سهواً وإمامه قائم، أو سجد الثاني سهواً وإمامه جالس؛ لعدم فحش المخالفة، ولم يسن له العود لعذره، بخلاف المتعمد فيهما .. فلا عذر له فندب له العود، كذا في "التحفة".
(وإن تذكر) غير المأموم ترك التشهد الأول (قبل انتصابه) بمعناه السابق ( .. عاد) له ندباً وإن خشي تشويش المأمومين كما في "الإيعاب" لأنه لم يتلبس بفرض، ويسجد للسهو إن صار إلى القيام أقرب منه إلى القعود؛ لأن ذلك يبطل مع تعمده وعِلمِ تحريمه، بخلاف ما إذا كان أقرب إلى القعود، أو سواء لعدم بطلان تعمده بقيده الآتي.
وفي: "المجموع" أنه لا يسجد لذلك مطلقاً، وعلى الأول فالسجود للنهوض مع العود، أما المأموم فمر آنفاً أنه يعود لمتابعة إمامه وجوباً أو ندباً.
(ولو تركه) أي: ترك غير المأموم التشهد الأول (عامداً) هذا قسيم قوله أولاً: (ولو نسي التشهد ... إلخ) (فعاد) له عامداً عالماً ( .. بطلت) صلاته بتعمده ذلك (إن كان) وقتَ العود (إلى القيام أقرب) منه إلى القعود؛ لزيادته ما غير نظمها، بخلاف ما لو عاد وهو إلى القعود أقرب، أوعلى السواء.
وفي "المجموع": (ويحل هذا التفصيل إن قصد بالنهوض ترك التشهد، ثم بدا له العود إليه فعاد؛ لأن نهوضه حينئذٍ جائز.
اما لو زاد هذا النهوض عمداً لا لمعنى .. فتبطل صلاته؛ لا خلاله بنظمها بمجرد خروجه عن اسم القعود) اهـ بل قال (سم): تبطل بمجرد الشروع في النهوض؛ إذ الشروع في المبطل مبطل) اهـ
وقد يقال: المبطل الخروج عن اسم القعود لا ما قبله من النهوض والقنوت كالتشهد فيما مر (و) منه أنه (لو نسي) غير المأموم (القنوت فذكره بعد وضع جبهته) للسجود ( .. لم يرجع) بل إن عاد بعد وضع الأعضاء السبعة بشروطها عامداً عالماً .. بطلت صلاته لتلبسه بفرض ثم قطعهِ لسنة.
أو بعد وضع الجبهة وقبل وضع بقية الأعضاء .. كره للخلاف في البطلان بذلك حينئذٍ (أو قبله) أي: قبل وضع الجبهة وإن وضع غيرها ( .. عاد) ندباً؛ لعدم تلبسه بفرض (ويسجد للسهو إن بلغ حد الراكع)؛ لزيادته ما يبطل عمدُه، فان لم يبلغه .. لم يسجد وياتي هنا نظير ما مر في التشهد عن "المجموع" في الهوي بقصد ترك القنوت، وبلا معنى، وما يترتب على كلًّ، وكذا الجاهل والناسي يأتي فيهما ما مر ثمّ، ويجري في المأموم هنا جميع ما مر ثمَّ.
نعم؛ للمأموم هنا التخلف للقنوت ما لم يسبق بركنين فعليين؛ لأنه لم يحدث فعلاً لم يفعله الإمام بل أدام ما كان فيه، نظير ما إذا جلس الإمام للاستراحة على ما فيه، بل وإن لم نقل بذلك؛ لأن استواءهما في الاعتدال أصلي وفي جلسة الاستراحة عارض.
قال الكردي: (واعتمد في "التحفة" في مسألة القنوت لزوم العود إليه مطلقاً؛ أي: وإن نوى المفارقة أو لحقه الإمام إلى السجود، فإن علم أو تذكر وهو في الاعتدال أو السجود الأول .. عاد للاعتدال، أو وقد رفع رأسه من السجدة الأولى .. وافقة وأتى بركعة بعد سلام إمامه.
وفرق بين القنوت والتشهد بأن فحش المخالفة من القنوت إلى السجود أكثر منه من التشهد إلى القيام.
وكلام "المجموع" و"التحقيق" و"الجواهر" و"الأنوار" يؤيد كلام (م ر)؛ اي: من أنه لا يجب العود إلا إذا لم ينو المفارقة، ولم يلحقه الإمام إلى السجود) اهـ بتوضيح
(الثالث) من أسباب سجود السهو: (إيقاع ركن فعلي مع التردد) حال فعله (فيه) أي: في زيادته، بخلاف تردده في زيادته بعد فعله، كأن شك في تشهد أخير صلى أربعاً أم خمساً .. فلا يسجد لذلك التردد؛ لقولهم: لو شك في ترك مأمور به .. سجد، أو في فعل منهي عنه .. فلا؛ لأن ّالأصل أن المشكوك كالمعدوم، نعم؛ استثنوا الشك في الركن بعد السلام كما يأتي (فلو شك) أي: تردد ولو مع رجحان أحد الطرفين (في) ترك شيء معين نحو (ركوع أو سجود أو ركعة .. أتى به)؛ إذ الأصل عدم فعله، ولا يرجع فيه لظنه ولا لقول غيره أو فعله وإن كثروا ما لم يبلغوا عدد التواتر، وإلا .. وجب الأخذ بقولهم وكذا بفعلهم عند (حج)؛ لأنه في الحقيقة إنما أخذ بما حصل له من اليقين بخبرهم، والعملُ بخلافه تلاعب.
ورجوعه صلى الله عليه وسلم في خبر ذي اليدين إلى الصلاة يحتمل أن المخبرين فيه بلغوا حد التواتر فأخذ بقولهم، أو أنه تذكر (و) إذا أتى بالمشكوك (سجد) للسهو لخبر مسلم: "إذا شك أحدكم في صلاته، فلم يدر أصلى ثلاثاً أو أربعاً .. فليطرح الشك وليبن على ما استيقن، ثم يسجد سجدتيم قبل أن يسلم، فإن كان صلى خمساً .. شفعن له صلاته" أي: ردتها للأربع وانجبر خلل الزيادة، "وإن كان صلى إتماماً لأربع .. كانتا ترغيماً للشيطان" فالسجود حينئذٍ للزيادة إن كانت، وإلا .. فللتردد المضعف للنية المحوج للجبر، ولذلك يسجد (وإن زال الشك قبل السلام)؛ لتردده في زيادته حال فعله وهو مضعف للنية (إلا إذا زال الشك قبل أن يأتي بما يحتمل الزيادة)؛ فلا يسجد؛ إذ ما أتى به واجب بكل تقدير، فلا يؤثر التردد فيه (فلو شك هل صلى ثلاثاً أو أربعاً و) لم يستمر شكه، فإن (زال الشك في غير الأخيرة) ولو في نهوضه إليها وإن كان للقيام أقرب؛ لأن النهوض ليس منها ( ... لم يسجد)؛ لأن ما فعله قبل التذكر واجب بكل تقدير.
وقضيته أن النهوض إلى الأخيرة بتقدير كونها خامسة واجب وليس كذلك (أو) زال (فيها) أي: الأخيرة وهو لا يَصْدُقُ أنه فيها إلا عند الانتصاب ( .. سجد)؛ لتردده حال انتصابه -الذي هو جزء منها- في زيادتها وأفهم كلامه أن نهوضه إليها لا يحتمل الزيادة، فلا يسجد للتردد الزائل فيه.
أما زيادته باحتمال أن الأخيرة خامسة فواضحة.
وأما أنه هل يقتضي السجود فرجح (م ر) و (حج) تبعاً للإسنوي أنه يقتضيه إن صار إلى القيام اقرب، وخالفه ابن العماد وتبعه كثيرون كـ"الأسنى" و"الإمداد" وغيرهما بأن صيرورته لما ذكر لا يقتضي السجود، وليس بشيء؛ بل القياس أنه بمجرد خروجه عن اسم الجلوس يسجد.
ولو شك في ترك بعض معين .. سجد، أو في إرتكاب منهي عنه .. فلا كما مر أو هل سجد للسهو أو لا .. سجد، أو هل سجد سجدة أو سجدتين .. سجد أخرى؛ عملاً بالأصل من أن المشكوك كالمعدوم غالباً (و) من غير الغالب (لا يضر الشك بعد السلام) الذي لا عود بعده إلى الصلاة (في ترك ركن) وإلا لعسر وشق، ولأن الظاهر مضيها على الصحة (إلا النية وتكبيرة الإحرام) فيؤثر الشك في كل منهما بعد السلام؛ لشكه في أصل الانعقاد، فتلزمه الإعادة ما لم يتذكر أنه أتى بهما ولو بعد طول الزمان.
ومن الشك في النية ما لو شك هل نوى فرضاً أو نفلاً، لا الشك في نية القدوة في غير جمعه ومعادة ومجموعة مطر.
وإنما لم يضر الشك في النية بعد فراغ الصوم؛ لمشقة الإعادة فيه، ولأنه اغتفر فيه ما لم يغتفر فيها هنا.
أما الشك قبل السلام .. فقد علم مما مر (و) إلا الشك في (الطهارة) بأن تيقن الحدث، ثم شك بعد السلام هل تطهر أو لا؟ فلا تصح كما لو شك فيها قبل لدخول في الصلاة؛ لأن الشك في أصل الطهارة، والأصل عدمها.
ومثلها الشك في أصل غيرها من الشروط كالسترة، بخلاف ما لو تيقن الطهارة وشك في رافعها .. فلا يضر؛ إذ الأصل بقاؤها وقد صرحوا بأنه يجوز دخول الصلاة بطهر مشكوك فيه، كأن تيقن الطهر وشك في رافعه (ويسجد المأموم لسهو) وعمد (إمامه المتطهر و) إمام (إمامه) أيضاً إذا سجد وإن لم يعلم أنه سها، أو كان السهو قبل الاقتداء به؛ لتطرق الخلل إلى صلاته، ولذا يسجد إذا علمه (وإن تركه الإمام) بأن لم يسجد (أو) انقطعت قدوته به لمفارقته له، أو بطلان صلاة الإمام كأن (أحدث قبل تمامها) وبعد وقوع السهو منه.
وقضية التعليل بتطرق الخلل: أنه لو اقتدى به بعد سجوده للسهو .. لم يسجد المسبوق آخر صلاته وإن سجد إمامه؛ إذ لم يبق خلل يتطرق لصلاة الماموم، بخلاف المسبوق المقتدي به قبله، يسجد آخر صلاته وان سجد إمامه؛ لأن سجوده يجبر خلل صلاته، لا ما تطرق لصلاة المأموم.
أما المحدث فلا يلحقه سهوه إمامه؛ إذ لا قدوة في الحقيقة وإن كانت الصلاة خلفه جماعة؛ لأن ذلك بالنسبة لحصول الثواب بقصده لها، من غير حيلة له في الاطلاع على حدث الإمام، لا لوجود رابطة بينهما ليترتب عليه أحكامها.
وعند سجود الإمام المتطهر يلزم المأموم متابعته وإن جهل سهوه موافقاً أو مسبوقاً، فإن تخلف عامداً عالماً بقصد عدم السجود .. بطلت صلاته بمجرد سجود الإمام، بل وإن لم يتلبس به أوْ لا بقصد ذلك .. فتبطل بتخلفه بركنين كأن هوى للسجدة الثانية.
فإن تخلف لعذر كزحمة .. لم تبطل، فإن زال عذره والإمام في السجدة الثانية .. سجد فوراً حتماً، أو بعدها فإن كان موافقاً .. سجد؛ لأنه يستقر عليه بسجود الإمام، أو مسبوقاً .. فات لأنه لمحض المتابعة وقد فاتت.
ويسن آخر صلاته (إلا إذا علم المأموم خطأ إمامه) في سجوده، ويتصور كأن يكتب له أنه سجد لترك السورة مثلاً، أو أشار له بذلك، أو تكلم به وعذر ( .. فلا يتابعه) فيه، حتى لو علم غلطه وهو ساجد معه .. عاد للجلوس، ثم إن شاء فارقه وسجد، أو انتظر سلامه ثم يسجد؛ لأنه يلحقه سهوه بذلك السجود.
ولو فعل إمامه زائداً كأن قام لخامسة .. لم تجز متابعته ولو لمسبوق وشاك في فعل ركعة، ولا نظر لاحتمال أنه ترك ركناً؛ لأن الفرض أنه علم أو ظن الحال، والأفضل هنا مفارقته، فإن لم يعلم أو يظن ذلك .. تابعه ولو شاكاً في ذلك، وتحسب له كما سيأتي (ولا يسجد المأموم لسهو نفسه خلف إمامه المتطهر)؛ لأنه يتحمله عنه كما يتحمل عنه نحو السورة ودعاء القنوت، ويتحمل عن المسبوق الفاتحة وقيامها والتشهد الأول.
أما المحدث وذا الخبث الخفي .. فلا يتحمل عنه شيئاً، وإنما اثيب على الجماعة خلفهما لوجود صورتها؛ إذ يغتفر في الفضائل ما لا يغتفر في غيرها كالتحمل المستدعي بقوة الرابطة.
وخرج بـ (خلف إمامه): ما لو سها بعد القدوة، أما قبلها .. فلا يتحمله عنه، وإنما لحقه سهو إمامه ولو قبل القدوة؛ لأنه عهد تعدي الخلل من صلاة الإمام إلى صلاة المأموم كأن كان الإمام أميا، فيتطرق بطلان صلاته إلى صلاة المأموم دون عكسه (ولو ظن) المأموم، (سلام إمامه فسلم فبان خلافه) أي: خلاف ما ظنه ( .. أعاد السلام معه) أو بعده وهو أولى؛ لامتناع تقدمه على سلامه (ولا سجود) لسلامه الأول وإن أبطل عمده؛ لأنه سهو حال القدوة كما لو نسي نحو الركوع؛ فإنه يأتي بركعة بعد سلام إمامه، ولا يسجد سواء تذكر قبل سلامه أو بعده، بخلاف ما لو سلم المسبوق بعد سلام إمامه سهواً فيسجد؛ لأنه سهو بعد انقطاع القدوة، وكذا مع سلامه عند (م ر)؛ لضعف القدوة حينئذٍ كما قال (ولو تذكر المأموم في) جلوس (تشهده ترك ركن) فإن كان النية أو تكبير التحرم .. تبين عدم انعقادها أو (غير النية والتكبير) للتحرم، فإن كان سجدة من الأخيرة .. سجدها أو غيرها ( .. صلى ركعة بعد سلام إمامه)؛ لفواتها بفوات الركن كما علم من الترتيب، ولا يجوز له إن يقوم لها، كما لا يجوز للمسبوق أن يقوم لما بقي عليه إلا بعد سلام إمامه (ولا يسجد) للسهو؛ لإتيانه بالركعة بعد سلام إمامه؛ لوقوع السهو حال قدوته (أو شك في ذلك) أي في تركه غير النية والتكبير وسجدة من الأخيرة ( .. أتى بركعة بعد سلام إمامه وسجد) للسهو؛ لإتيانه بالركعة متردداً في زيادتها بعد انقضاء القدوة (وإذا سجد إمامه) للسهو ( .. لزمه متابعته) إن لم يعلم خطأه (فإن كان مسبوقاً .. سجد) وجوباً (معه)؛ للمتابعة (إن سجد، ويستحب أن يعيده) أي: سجود السهو (آخر صلاته)؛ لأنه محل سجود السهو الذي لحقه بتطرق النقص إليه من صلاة إمامه.
ولو اقتصر إمامه على سجدة .. سجد سجدتين، لكن لا يفعل الثانية إلا بعد سلام
إمامه؛ لاحتمال سهوه وتداركه للثانية قبل سلامه.
ولو تركه اعتقاداً لعدم طلبه .. أتى به المأموم بعد سلام إمامه (وسجود السهو وإن كثر) السهو من نوع أو أكثر (سجدتان) يجلس بينهما؛ لاقتصاره صلى الله عليه وسلم عليهما في خبر ذي اليدين مع أنه سلم وتكلم.
ويجبر كل ما أتى به على الأوجه ما لم يخصه ببعضه، وكيفيتهما (كسجود الصلاة) في واجبات ومندوبات كما مر، وقيل: يقول: سبحان من لا ينام ولا يسهو، هذا إن سهى؛ لأنه اللائق بالحال، فإن تعمده .. فاللائق به الاستغفار.
وقضية تشبيه سجود السهو بسجود الصلاة أنه لا يجب له نية، وهو قياس عدم وجوب نية سجدة التلاوة.
والوجه الفرق بينهما؛ إذ سجدة التلاوة سببها القراءة المطلوبة في الصلاة، فشملتها نيتها ابتداءً من هذه الحيثية وإن لم تشملها من حيث قيامها مقام سجدة الصلاة.
وأما سجود السهو فليس سببه مطلوباً فيها بل سببه منهي عنه، فلم تشمله نية الصلاة ابتداء فوجبت نيته على إمام ومنفرد دون مأموم؛ لأن أفعاله تنصرف لمحض المتابعة بلا نية، وهذا ما اعتمده (حج) واعتمد (م ر) وجوب النية في كل من سجدة التلاوة وسجود السهو.
وتبطل الصلاة بالتلفظ بالنية فيهما على الأوجه؛ إذ لا ضرور إليها.
فرع: لو سجد واحدة ثم أعرض عن الثانية .. لم يضر، فلو سجد الثانية قبل طول فصل .. ضمت للأولى، أو بعده فيسجد سجدتين؛ لسقوط حكم الأولى بالإعرض مع طول الفصل قاله (سم).
(ومحل سجود السهو) لزيادة أو نقص أو لهما (بين التشهد) وما يتبعه من الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم وعلى آله والدعاء بعدهما (والسلام) لكن لو أتى بالصلاة على الآل وما بعدها من المندوب بعده .. حصل أصل السنة، أما الواجب كالتشهد .. فتبطل بسجوده قبله ولو مأموماً سجد إمامه قبل إكماله عند (م ر)، ولا يجوز بعد السلام إلا على قول قديم جرى عليه الماوردي، وابن الرفعة وغيرهما، ومع ضعفه يجوز تقليده.
قال ابن العربي: وثبت سجوده صلى الله عليه وسلم للسهو؛ للشك في عدد
الركعات، وللقيام من الركعتين ولم يتشهد، ولسلامه من ركعتين ومن ثلاث، ولشك في ركعة خامسة.
وأخذ من قوله: (بين تشهده وسلامة): أنه لو أعاد نحو التشهد .. بطلت صلاته، وليس كذلك، بل عدم تخلل شيء بينهما مندوب لا واجب.
ولو اقتدى بمن يراه بعد السلام، وتوجه على المأموم السجود .. سجد بعد سلام إمامه وقبل سلامه، ولا ينوي متابعته؛ لفراقه له بسلامه.
(ويفوت) السجود (بالسلام عامداً) بأن كان ذاكراً للسهو عالماً بأن محله قبل السلام؛ لفوات محله، فلا يعود له وإن قرب الفصل؛ لعدم عذره.
(وكذا) يفوت بالسلام (ناسياً إن طال الفصل) عرفاً بين السلام والترك للسجود بأن مضى قدر ركعتين خفيفتين؛ لتعذر البناء بالطول كالمشي على نجاسة وفعل أو كلام كثير، بخلاف استدبار القبلة فسومح فيه؛ لسقوط الاستقبال في نحو نفل السفر، وبخلاف كلام قليل كما مر وكذا يفوت بعدم إرادته عند تذكر تركه وإن أراده بعد؛ لإعراضه عنه.
(فإن) سلم ناسياً ولم يعرض عنه، و (قصر) الفصل بين السلام والترك ( .. عاد) أي: ندب له العود (إلى السجود) بلا إحرام إن لم يطرأ مناف للصلاة بعد السلام، كخروج وقت جمعة؛ للاتباع.
(و) إذا عاد إليه، بأن وضع جبهته بالأرض بنية العود، كما قاله (حج)، وكذا إن نواه وإن لم يشرع فيه كما في "النهاية" (صار عائداً إلى الصلاة) أي: بان أنه لم يخرج منها؛ لاستحالة حقيقة الخروج منها ثم العود إليها، وأن سلامه وقع لغواً؛ لعذره بكونه لم يأت به إلا ناسياً ما عليه من السهو، فيحتاج لسلام ثان.
وتبطل بطرو مناف كحدث بعد العود، وتصير الجمعة ظهراً إن خرج وقتها بعد العود، ويحرم العود إن ضاق الوقت بحيث يخرج بعضها، وما ذكر من العود يؤيد القول بالبناء على ما مضى بكل مناف للصلاة عارض بغير اختياره، كما هو مذهب الحنفية.
تنبيه: قد يتعدد سجود السهو صورة في صور منها: المسبوق، وخليفة الساهي، ومن ظن سهواً فسجد فبان عدمه .. فيسجد، وما لو سها إمام الجمعة أو المقصورة فسجدوا، ثم خرج الوقت قبل سلامه، أو بطلت صلاة بعضهم بعد السجود ولو بعد
خروج الباقين من الصلاة، حيث لم يكن الباقون أربعين.
وبه يلغز بأن شخصاً بطلت صلاته في المسجد، فبطلت صلاة جماعة في بيوتهم بعد سلامهم، أو وجب إتمام المقصورة بعد السجود فيتمونها ظهراً، ويسجدون للسهو أيضاً آخر صلاتهم؛ لوقوع الأول في غير محله.
فائدة: نقل الشيخ علي الأجهوري المالكي عن أهل العلم: أن صلاة بسجود سهو خير من سبعين صلاة بلا سجود سهو؛ لأنها إذا كانت بغير سجود سهو .. احتملت القبول وعدمه، ومع السهو يرغم بها أنف الشيطان، وما يرغم أنفه .. يرجى بها رضى الرحمن، ففضلت بتلك الصفة.
وحكي أن رجل شكى للنبي صلى الله عليه وسلم وسوسة الشيطان، فقال: "إن الشيطان لا يدخل بيتاً ليس فيه شيء، فذلك من محض الإيمان".
وقال النخعي: كل صلاة لا وسوسة فيها لا تقبل؛ لأن اليهود والنصارى لا وسوسة لهم.
وقال علي كرم الله وجهه: الفرق بين صلاتنا وصلاة أهل الكتاب: وسوسة الشيطان؛ لأنه فرغ من عمل الكفار، لأنهم وافقوه.
(فصل: يسن سجود التلاوة)؛ إجماعاً، ولخبر مسلم: "إذا قرأ ابن آدم السجدة، فسجد .. اعتزل الشيطان يبكي، ويقول: يا ويلتاه؛ أمر ابن آدم بالسجود فسجد، فله الجنة، وأمرت بالسجود فعصيت فلي النار".
ولخبر الشيخين عن ابن عمر: (أنه صلى الله عليه وسلم كان يقرأ القرآن، فيقرأ السورة فيها السجدة فيسجد ونسجد معه، حتى ما يجد بعضنا موضعاً لمكان جبهته)، وفي رواية لمسلم: (في غير صلاة) ولم تجب؛ لأنه صلى الله عليه وسلم تركها في سجدة "والنجم" متفق عليه.
وإنما يسن (للقارئ والمستمع) أي: قاصد السماع (والسامع) قصده أم لا، لا لمن لم يسمع، وإنما يسجد المذكورون؛ لقراءة مشروعة.
بأن لا تكون محرمة ولا مكروهة لذاتها، كقراءة جنب مسلم بقصدها ولو مع نحو
الذكر، وكقراءة في نحو ركوع، وشملت المشروعة بقراءة صبي وكافر ولو جنبين.
وقراءة محرمة ومكروهة لا لذاتها، كقراءة امرأة برفع صوتها بحضرة أجانب، وقراءة في نحو حمام؛ إذ حرمة الأول، وكراهة الثاني عارضة، لا ذاتية.
وأن تكون مقصودة، لا كقراءة نائم وطير معلم وغير مميز.
وأن تكون القراءة لجميع آية السجدة، فلو قرأها إلا حرفاً .. حرم السجود، ومن قارئ واحد وفي زمان واحد عرفاً.
وأن تكون في غير صلاة جنازة، فهذه ستة شروط عامة.
فإن كان القارئ مصلياً .. اشترط أن لا يكون مأموماً مطلقاً، وأن لا يقصد بقراءته السجود على ما يأتي.
وشرط السامع مع ما مر: أن يسمع جميع آية السجدة، وعدم حرمة أو كراهية استماعه لذاته، فلا يسجد مصل لسماع قراءة غير نفسه إن لم يكن مأموماً، وإلا .. فلا يسجد لغير قراءة إمامه؛ لكراهة استماعه لغيره.
فإذا علمت ذلك .. فيسن لكل من الثلاثة المذكورين أن يسجد لكل قراءة ولو من جني أو ملك (إلا لقراءة النائم والجنب والسكران) ونحوهم ممن اختل في قراءته، أو سماعه شرط، مما مر.
(ويتأكد) السجود (للمستمع) أكثر منه للسامع ولهما (إن سجد القارئ)؛ لما قيل: أنَّ سجودهما يتوقف على سجوده، ولهما الاقتداء به، وأن يقتدي من سجد للتلاوة بمصل في سجدته، فإذا سجد .. فارقه، أو بمن في ثانية سجود للسهو.
وهي: أربع عشرة سجدة: ثلاث في المفصل، وفي الحج سجدتان، ومحالها معروفة ففي (الأعراف): آخرها، وفي (الرعد): (والآصَال): وفي (النحل): (يُؤمَرُون) وقيل (يَسْتَكبِرُون)، وفي (الإسراء): (خُشُوعاً)، وفي (مريم): (بُكِيّاً) وفي (الحج) الأولى عقب (ما يَشَاء) والثانية: عقب (تفلِحُون) ونفى هذه أبو حنيفة، وفي (الفرقان): (نفوراً)، وفي (النمل): (العظيم)، وقيل: يعلنون، وفي (السجدة): عقب (لا يَسْتكبرُون)، وفي (ص): (وأناب)، وقيل: مآب، وفي (فصلت): (يسئمون)، وقيل: تعبدون، وفي (النجم): آخرها كـ"إقرأ"، وفي (الإنشقاق): (لا يسجدون)، وقيل: آخرها.
والأفضل: أن يسجد عند المحل الثاني، ليجزيه على القولين، ولا يكرر السجود؛ لأنه يأتي بسجدة لم تشرع.
(ولا يسجد المصلي لغير قراءة نفسه) من مصل وغيره، وإلا .. بطلت صلاته إن علم وتعمد، ولا لقراءة نفسه قبل الدخول في الصلاة وإن قصر الفصل.
(إلا المأموم .. فيسجد) لقراءة إمامه فقط (إن سجد إمامه) وإن لم يسمع قراءته.
(وإلا) بأن سجد لغير قراءة إمامه، أو لقراءة إمامه ولم يسجد الإمام، أو سجد الإمام وتخلف عنه وإن لم يسمع قراءته ( .. بطلت صلاته) إن علم وتعمد ولم ينو المفارقة في الثالثة؛ لفحش المخالفة مع انتقاله من واجب إلى سنة، بخلاف القيام عن التشهد الأول وأمامه فيه، فإنه انتقل من واجب لواجب، فلم يضر.
وفي "التحفة": (وكره لمأموم قراءة آية سجدة؛ لعدم تمكنه من السجود، ويؤخذ منه: أن المأموم في صبح الجمعة إذا لم يسمع قراءة الإمام .. لا يسن له قراءة سورتها، وقراءته لما عدا آيتها يخل بسنة الموالاة) اهـ
ولو سجد لسجود إمامه وقراءة نفسه .. استقرب بعضهم البطلان؛ تقديماً للمبطل.
ومثله ما لو سجد لقراءته وقراءة غيره.
ولو لم يعلم بسجود إمامه إلا بعد أن رفع رأسه منه .. انتظره، أو قبله سجد وإن ظن أنه لا يدركه فيه، فإن رفع قبل سجوده .. لزمه الرفع معه، ولا يسجد إلا إن نوى المفارقة.
ويسن للإمام تأخير السجود في السرية إلى السلام؛ لئلا يشوش على المامومين وإن طال الفصل كما في "الإمداد".
وقال (م ر): إن قصر الفصل، وإلا .. سجد فوراً.
(ويتكرر السجود) ندباً (بتكرر القراءة) لآية فيها سجدة (ولو في مجلس وركعة)؛ لتجدد سببه مع توفيه حكم الأول، فإن لم يسجد للقراءة الأولى .. كفاه سجدة للجميع إن نوى الكل، أو أطلق، وإلا .. فلِمَا نواه، وهذا إن لم يطل فصل بين القراءة الأولى والسجود، وإلا .. لم ينو ما طال فيه الفصل، فإن نواه .. لم تنعقد.
ويجوز تعددها بتعدد قراءة الآية، فيأتي بالثانية عقب الأولى، وهكذا من غير قيام في الصلاة، وإلا .. بطلت؛ لزيادته صورة ركن.
ويسن لمن قرأ أو سمع قراءة آية سجدة أن يسجد (إلا إذا قرأها في وقت الكراهة، أو في الصلاة بقصد السجود) في وقت الكراهة، أو في الصلاة فقط ( .. فلا يسجد) بل يحرم حينئذٍ؛ لعدم مشروعيته، ولأنه مراغمة للشرع (فإن فعل) ذلك في الصلاة ( .. بطلت صلاته) إن تعمد وعلم عدم مشروعيته؛ لأنه زاد فيها ما هو من جنس بعض أركانها تعدياً.
أمَا لو قرأها بقصد السجود وغيره من مندوبات القراءة، أو الصلاة .. فلا بطلان ولا كراهة؛ لمشروعيته حينئذٍ.
وأفهم المتن: أنه لو قرأها في غير وقت كراهة، وغير صلاة بقصد سجود فقط .. يسجد، وهو ظاهر "التحفة"، ونقله في "النهاية" عن النووي، و"الأنوار"، ولم يتعقبهما، وفي "الإمداد"، و"الإيعاب": عدم الصحة، ونقل عن شيخ الإسلام وغيره لعدم مشروعية القراءة حينئذٍ.
ولا فرق في حرمة القراءة بقصد السجود فقط في الصلاة عند (حج) بين: "ألم تنزيل"، وغيرها في صبح الجمعة وغيره، واستثنى (م ر): "ألم تنزيل" في صبح الجمعة.
ولا بد في سجدة التلاوة، ولو خارج الصلاة وسجدة الشكر من شروط الصلاة من طهر، وستر، واستقبال، ودخول الوقت -وهو هنا قراءة آخر الآية- أو وقت نحو هجوم النعمة وغيرها.
ولا بد هنا أيضاً من عدم الفصل بين قراءة الآية والسجود ما لم ينذرها، وإلا .. وجب قضاؤها، وعدم الإعراض عنها، وغير ذلك من شروطها المتقدمة، ومن ترك موانعها، ككلام كثير أو فعل كثير توالى وغير ذلك.
والسجود المذكور كسجود الصلاة في واجب ومندوب؛ لأنها ملحقة بها.
وأركانها خارج الصلاة: نية سجود التلاوة أو الشكر وإن لم يعين سببها، وندب تلفظ بها.
وتكبيرة تحرم كالصلاة، وندب رفع يديه معها لا القيام، بل هو مباح.
وسجود، وسن فيه سجد وجهي للذي خلقه ... إلخ، واللهم اكتب لي بها عندك
أجراً، واجعلها لي عندك ذخراً، وضع عني بها وزراً، واقبلها مني كما قبلتها من عبدك داوود.
وأن يكبر بلا رفع يديه للهوي، فإن اقتصر على تكبيرة ونوى بها التحرم فقط .. صح، كالصلاة.
وأن يكبرللرفع من السجود.
وزاد بعضهم الجلوس او الاضطجاع بعد السجود.
والخامس: السلام.
والسادس: الترتيب لا التشهد، لكن لو آتى به .. لم يضر.
وأركانها في الصلاة شيئان: النية عند (م ر)، والسجود.
ولا يرفع يديه فيها، ولا يجلس بعدها للاستراحة، ويلزمه أن ينتصب عنها قائماً ثم يركع.
والأحب أن يقرأ شيئاً من القرآن قبل الركوع.
(فصل: يسن سجود الشكر عند هجوم نعمة) لها وقْعٌ من حيث لا يحتسب، سواء كانت ظاهرة، كحدوث ولد ولو ميتاً بلغ أربعة أشهر، وقدوم غائب، وشفاء مريض، ووظيفة دينية وهو أهل لها أو باطنة، كحدوث علم له أو لنحو ولده أو عامة، كمطر عند الحاجة إليه لا خاصة بأجنبي.
والمراد بـ (الهجوم): تجدد وقوعها سواء كان يتوقعها، أم لا.
وخرج بالتجدد: النعم المستمرة كالعافية، والغنى، فلا يسجد لها؛ لأنه يستغرق العمر، ونظر فيه في "التحفة"، قال فالوجه التعليل بأنه لم يرد له نظير، وبالظاهرة: ما لا وقع له كحدوث درهم.
نعم؛ إن كان الواجد له مضطراً إليه .. سجد، وكمعرفته لشخص.
وبمن حيث لا يحتسب: ما لو تسبب تسبباً تقضي العادة بحصولها عقبه، كربح متعارف لتاجر.
ومنه يعلم: أنه لا يعتبر تسببه في الولد بالوطء، ولاالعافية بالدواء؛ لأنه لاينسب عادة لما ذكر.
(واندفاع نقمة) عنه أو عمن مر ظاهرة من حيث لا يحتسب، كنجاة من نحو هدم أو غرق، وكشف المساوئ؛ لما صح (أنه صلى الله عليه وسلم كان إذا جاءه أمر يُسَرُ به .. خرَّ ساجداً لله تعالى) بخلاف غير الظاهرة، كاندفاع رؤية نحو عدوٍ، وما تسبب به تسبباً تقضي العادة بدفعه به.
ولو ضم إلى السجود صدقة أو صلاة .. كان أولى، ولو أقامهما مقامه .. فحسن، وينوي بهما الشكر.
ومنه: صلاة ركعتين لنحو من مات، نحو ولده شكراً لله، والشكر على ما فيه من الثواب، أو على قضاء الله بذلك؛ لأنه جميل، والأولى إظهاره لذلك حيث لا محذور فيه.
(و) يسن أيضاً (لرؤية فاسق) متجاهر بفسقه، كافر وقاطع طريق، أو مستتر مصر ولو على صغيرة وإن لم يشمله اسم الفاسق، فليسجد شكراً لله على سلامته من ذلك، وإن كان هو فاسقاً بفسقٍ أخف من فسقه، وإلا .. سجد زجراً له.
(و) يسن أن (يظهرها للمتظاهر) بمعصيته ولو صغيرة إن لم يخف مفسدة؛ لعله يتوب.
تنبيه: في النسخة التي شرحت عليها "الأصل": ولرؤية فاسق، ويظهرها للمتظاهر وهي سديدة، لكن أكثر النسخ: ولرؤية فاسق متظاهر ويظهرها للمتظاهر، وفيها -كما قاله العلامة الكردي- شبه تكرار بإقامة الظاهر مقام المضمر، وتناف؛ إذ قوله: ولرؤية فاسق متظاهر، يفيد عدم طلب السجود لرؤية الفاسق غير المتظاهر مع إخفاء السجود.
وقوله -بعد ذلك: ويظهرها للمتظاهر- يفيد أن المختص به المتظاهر إنما هو إظهارها فقط.
وقال الشارح: وفي نسخة: ولرؤية فاسق متظاهر ظاهراً، وهي أحسن، أي: لأنها سالمة من شبه التكرار والتنافي، لكنها تفيد أنه لايسجد لرؤية فاسق مستتر، لكن ليس ذلك مما تفرد به، بل صرح بالجزم به في "النهاية" و"المغني" و"الإمداد"، و"العباب" وغيرها، وبذلك يَخِفُ الاعتراض على "المتن"، فلم يبق في كلامه إلا
الإظهار في مقام الإضمار، وهو قد يحسن لنكت لا يبعد إتيان بعضها هنا.
وأيضاً شرط الأخذ بمفهوم المخالفة: أن لا يكون المذكور إنما ذكر لبيان الواقع، كما هنا بدليل ما قدمه.
(أو) رؤية (مبتلى) في بدنه أو عقله؛ للاتباع ( .. فيسرها) ندباً؛ لئلا ينكسر قلبه بإظهارها ما لم يعص بسببها، ولم تعلم توبته، وإلا .. أظهرها حيث لا ضرر، وإنما يسجد السليم من تلك البلية، أو من هو به أخف من المرئي.
ويسن لمن رأى مبتلى أن يقول سراً: "الحمد لله الذي عافاني مما ابتلاك به، وفضلني على كثير ممن خلق تفضيلاً" رواه الترمذي وحسنه.
ومنه: أن من قال ذلك لم يصبه ذلك البلاء ما عاش.
ولو حصل مقتضى السجود قبل أن يصلي التحية .. سجد، ثم صلى التحية؛ لأنه يفوت بها ولا عكس، فإن أراد الاقتصار على أحدهما .. فسجود التلاوة أفضل من التحية، وهي أفضل من سجود الشكر.
ولو لم يتمكن من التحية أو سجود التلاوة أو الشكر .. قال أربع مرات: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، فإنها تقوم مقامها.
(و) يستحب سجود الشكر (في) قرءة آية ("ص")؛ للاتباع، وشكراً على قبول توبة سيدنا داوود من خاطر خطر له، وهو أنه إن مات وزيره في الغزو .. يتزوج بزوجته، وهذا وإن كان مباحاً إلا أن مقامات الأنبياء تأبى مثل ذلك، وخص ذلك بداوود مع وقوع نظيره لغيره كآدم؛ لأنه لم ينقل عنهم ما نقل عن داوود من القلق.
والتحقيق: أنها ليست لمحض الشكر، ولا لمحض التلاوة، بل هي سجدة شكر، وسببها التلاوة، ولا تصح إلا بنية الشكر وحده، فلو نوى بها الشكر والتلاوة .. لم تنعقد، وإنما تسن سجدة "ص" (في غير صلاة)؛ للاتباع.
(فإن سجد فيها عامداً عالماً بالتحريم .. بطلت صلاته) وإن كان تابعاً لإمامه.
أمَّا الناسي والجاهل ولو مخالطاً لنا .. فلا تبطل صلاته ويسجد للسهو، ولو سجدها إمامه الذي يراها في الصلاة .. لم يتابعه، بل يفارقه أو ينتظره، وهو أفضل.
قال في "التحفة": (فإن قلت: ينافي هذا أن العبرة بعقيدة المأموم .. قلت: لا منافاة؛ لأن محله فيما لا يرى المأموم جنسه في الصلاة، ومن ثم قالوا: يجوز الاقتداء بحنفي يرى القصر في إقامة لا نراها نحن؛ إذ جنس القصر جائز عندنا.
نعم؛ يسجد للسهو لسجود إمامه لذلك؛ لأنه مبطل في اعتقاد المأموم، واغتفر لما مر، فكان كالساهي) اهـ
والأصح: جوازها، كسجدة التلاوة على الراحلة للمسافر بالإيماء، ففيها ما مر في نفل السفر.
(فصل): في صلاة النفل.
هو لغة: الزيادة.
وشرعاً: ما طلبه الشارع طلباً غير جازم.
ويرادفه: السنة، والمندوب، والمرغوب فيه، والحسن، والمستحب، والتطوع.
واعترض مرادفة الحسن للنفل بقول التاج السبكي: الحسن: المأذون فيه واجباً أو مندوباً أو مباحاً.
وأجيب بأنه مرادف له باعتبار أحدِ ماصَدَقَاته.
والفرض: يفضل ثوابه ثواب النفل بسبعين درجة، وقد يفضل الفرض، كإبراء المعسر أفضل من إنظاره، وابتداء السلام أفضل من رده.
وشرع؛ لتكميل بعض الفرائض، بل ليقوم في الآخرة مقام ما ترك منها لعذر، كما بسطته في "الأصل".
(أفضل الصلاة المسنونة: صلاة العيدين) الأكبر فالأصغر؛ لشبههما بالفرض في الجماعة وتعيين الوقت، وللخلاف في كونهما فرض كفاية.
وفضل الأكبر؛ لكونه في شهر حرام، وفيه نسكان: الحج والأضحية.
وإنما فضل تكبير الأصغر؛ لأنه منصوص عليه، وفي "الأسنى" أنهما سواء.
(ثم الكسوف) للشمس (ثم الخسوف) للقمر (ثم الاستسقاء).
قدم كسوف الشمس على خسوف القمر؛ لتقدمها في القرآن، وكثرة الانتفاع بها، وقدما على الاستسقاء؛ للإتفاق عليهما، ولم يترك صلى الله عليه وسلم الصلاة لهما، بخلاف الاستسقاء فتركه أحياناً.
(ثم الوتر) -بفتح الواو وكسرها- لخبر: "أوتروا، فإن الله وتراً يحب الوتر"، وخبر: "الوتر حق واجب على كل مسلم، فمن أحب أن يوتر بخمس .. فليفعل، أو بثلاث .. فليفعل، أو بواحدة .. فليفعل" رواه أبو داوود بإسناد صحيح؛ ولوجوبه عند أبي حنيفة، ولطلب الجماعة فيه في بعض الأوقات.
وصرفه عندنا عن الوجوب خبر: هل علي غيرها، قال: "لا".
وتسميته واجباً في الحديث، كتسمية غسل الجمعة واجباً في بعض الأحاديث، فالمراد به مزيد التأكيد، ولذا كان أفضل مما لا تسن فيه الجماعة، وليس الوتر من رواتب الفرائض، فلا تصح إضافته للعشاء.
ومن جعله من الرواتب نظر إلى توقفه على فعل العشاء ولو قضاءً، ولو صلى ما عدا ركعة الوتر .. أثيب عليه ثواب الوتر، وكذا من أتى ببعض التراويح .. أثيب على ما أتى به ثواب التراويح، كما في "التحفة"، زاد الرشيدي: وإن قصد الاقتصار عليه.
(وأقله ركعة)؛ لما مر في الحديث، فلا عبرة بمن خالفه، لكن قال الشرقاوي: المداومة عليها مكروهة.
ولو نوى الوتر وأطلق .. حمله على ما يريد عند (حج)، وعلى الثلاث عند (م ر)، ولو نذر الوتر .. لزمه ثلاث؛ لأن الاقتصار على واحدة مكروه، فلا يتناولها النذر.
(وأكثره: إحدى عشرة) ركعة وإن تخللها غيرها؛ للخبر المتفق عليه عن عائشة رضي الله عنها: (ما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يزيد في رمضان، ولا في غيره على إحدى عشرة ركعة).
وأدنى الكمال: ثلاث؛ لخبر: (كان صلى الله عليه وسلم يوتر بثلاث).
وأكمل منها: خمس، فسبع، فتسع، وإنما يحصل كمال سنته إذا فعل بالأوتار، وأمّا أصل السنة .. فيحصل مطلقاً كما مر، وقيل: أكثره ثلاث عشرة؛ للخبر الصحيح عن أم سلمة رضي الله عنها، لكن حمل على أنها حسبت سنة العشاء، وألحقه بعضهم
بالنفل المطلق في أن من نوى عدداً .. له أن يزيد وينقص، وهو ضعيف، وأفتى (حج) بأن من صلى الوتر ثلاثاً له أن يصلي باقيه بنية الوتر، وخالفه (م ر).
(ووقته: بين صلاة العشاء) ولو جمعها تقديماً (وطلوع الفجر) الصادق؛ لنقل الخلف عن السلف.
ووقت اختياره: إلى ثلث الليل في حق من لا يريد التهجد.
(وتأخيره) كله (بعد صلاة الليل) أي: الواقعة فيه بسائر أنواعها، من نحو راتبة وتراويح وقضاء فائتة ونفل مطلق أفضل وإن لم يكن بعد نوم؛ لخبر: "اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وتراً" (أو لآخره إذا كان) واثقاً أنه (يستيقظ) له .. آخره ولو بمن يوقظه (أفضل)؛ لخبر مسلم: "من خاف أن لا يقوم آخر الليل ... فليوتر أوله، ومن طمع أن يقوم آخره .. فليوتر آخر الليل، فإن صلاته آخر الليل مشهودة"، وعليه يحمل إطلاق بعض الأخبار أفضلية تقديمه، وبعضها أفضلية تأخيره، ويجري هذا التفصيل فيمن له تهجد اعتاده.
ثم إن فعله بعد نوم .. فهو وتر وتهجد، وإلا .. فوتر فقط.
وعلم من قولي كله: أن فعل بعض الوتر أول الليل أو كله ولو جماعة خلاف الأفضل.
ولو أوتر ثم أراد فعل صلاة .. فليؤخرها قليلاً.
وقيل: يشفعه، أي: يصلي ركعة فيصير وتره شفعاً، ثم يعيده بعد ما يريده من الصلاة؛ ليقع الوتر آخر صلاته، وبذلك فعل جمع من الصحابة، ويسمى نقض الوتر، ولعلهم لم يبلغهم النهي الصحيح عن ذلك، وهو: "لا وتران في ليلة".
(ويجوز وصله بتشهد) في الأخيرة، وهو أفضل (أو بتشهدين في) الركعتين (الأخيرتين)؛ لثبوت كل منهما في مسلم من فعله صلى الله عليه وسلم، ويمتنع في الوصل أكثر من تشهدين، وفعل أولهما قبل الأخيرتين؛ لأنه لم يرد، فإن فعل في غيرهما .. أبطل إن طالت به جلسة الاستراحة.
والفصل أفضل من الوصل إن ساواه عدداً؛ لأنه أحاديثه أكثر، ولأنه أكثر عملاً، والموجب للوصل مخالف للسنة الصحيحة، فلا يراعى.
وضابط الوصل والفصل: أن كل إحرام جمعت فيه الركعة الأخيرة مع ما قبلها وصل وإن فصل فيما قبلها بأن سلم من كل ركعتين مثلاً.
وكل إحرام فصل فيه الركعة الأخيرة عما قبلها فصل.
وعليه: فيتبعض الوتر فصلاً، ووصلاً.
فلو صلى عشراً بإحرام .. ففصل؛ لفصلها عن الركعة الأخيرة، وله التشهد بعد كل ركعتين أو أربع؛ لأن هذا فصل لا يمتنع فيه ذلك، وإذا صلاه بتشهدين .. لم يأت بسورة بعد التشهد الأول، وإذا صلاه مفصولاً .. كبر بعد كل سلام في أيام النحر والتشريق، ولو لم يسع الوقت الثلاث إلا موصولة .. فالوصل أفضل.
(وإذا أوتر بثلاث) .. ندب له أن (يقرأ) بعد الفاتحة (في) الركعة (الأولى "سورة الأعلى، وفي الثانية "الكافرون"، وفي الثالثة "المعوذات") -بكسر الواو- ويجوز فتحها، أي: المعوذ بهن، يعني: (الإخلاص)، و (المعوذتين) سواء اقتصر عليها، أم زاد عليها، وفصلها عما قبلها أو وصلها، وقرأ فيما قبلها أطول من (الأعلى) مع الترتيب والموالاة، كأن قرأ فيما إذا أوتر بخمس (المطففين)، فـ (الإنشقاق) في الأولى، و (البروج) و (الطارق) في الثانية.
وسن بعد الوتر: سبحان الملك القدوس ثلاثاً، اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك، وبمعافاتك من عقوبتك، وبك منك لا أحصي ثناءً عليك أنت كما أثنيت على نفسك.
(ثم يتلو الوتر في الفضيلة ركعتا الفجر)؛ لما صح من شدة مواظبته صلى الله عليه وسلم عليهما مع خبر: "إنهما خير من الدنيا وما فيها"، وندب تخفيفهما؛ للاتباع، وأن يقرأ بعد (الفاتحة) فيهما بآية (البقرة)، و (آل عمران)، أو بـ (الكافرون)، و (الإخلاص)، أو بـ (ألم نشرح)، و (ألم تر).
ولو قرأ آية (البقرة)، و (ألم نشرح)، و (الكافرون) في الأولى، وآية (آل عمران)، و (ألم تر)، و (الإخلاص) في الثانية .. كان أحسن، وعند الاقتصار فـ (الكافرون)، و (الإخلاص) أولى، ومرَّ قبيل شروط الصلاة ما يندب بينهما وبين الفرض.
(ثم) يتلو ركعتي الفجر بقية الرواتب المؤكدة، فهي في مرتبة واحدة وهي ثمان:
(ركعتان قبل الظهر أو الجمعة، وركعتان بعدهما، وركعتان بعد المغرب) وندب تطويلهما حتى ينصرف أهل المسجد لمن صلاهما فيه.
ومحل ندب (الكافرون)، و (الإخلاص) فيهما إن لم يرد تطويلهما.
(و) ركعتان (بعد العشاء) ولو لحاج بمزدلفة، وإنما ندب له ترك النفل المطلق؛ ليستريح، وندب تأخير راتبة قبلية بعد إجابة المؤذن فإن تعارضت القبلية وفضيلة التحرم .. أخر القبلية، وينوي بقبلية الجمعة سنتها.
قال (ب ج): إن كانت مجزية، وإلا .. صلى قبلها أربعاً، وقبل الظهر أربعاً، وبعده أربعاً، وسقطت بعدية الجمعة.
ويدخل وقت الراتبة مؤكدة وغيرها القبلية بدخول وقت الفرض ولو مجموعاً جمع تقديم، ويجوز تأخيرها، وإن كانت بعدية .. لم يدخل وقتها إلا بفعل الفرض، فلا تجوز صلاتها قبله ولو قضاءً.
ولذا يلغز بأن لنا صلاة خرج وقتها ولم يدخل.
ولو أخر القبلية إلى ما بعد الفرض .. جاز جمعها مع البعدية بسلام واحد عند (م ر)، لا نحو سنة الظهر والعصر.
فرع: يجوز أن يطلق في نية سنة الظهر المتقدمة مثلاً، ويتخير بين ركعتين وأربع، نقله (سم) عن (م ر).
(ثم) يتلو ما مر.
(التراويح) فهي في الفضل بعد ما ذكر وإن فعلت جماعة؛ لمواظبته صلى الله عليه وسلم على الرواتب أكثر منها، ولشرف الرواتب بشرف متبوعها.
وبه يعلم: أن جميع الرواتب ولو غير مؤكدة أفضل من التراويح، خلافاً للمصنف.
(وهي) لغير من بالمدينة (عشرون ركعة) كل ليلة من رمضان بنية قيام رمضان، أو سنة التراويح، أو من صلاة التراويح، والإتيان بـ (من) أولى كما مر؛ لما صح أنه صلى الله عليه وسلم صلى التراويح ليلتين أو ثلاثاً فصلوها معه، ثم تأخر وصلى في بيته باقي الشهر، وقال: "خشيت أن تفرض عليكم [صلاة الليل] فتعجزوا عنها".
وتعيين كونها عشرين جاء في حديث ضعيف، وأجمع عليه الصحابة.
وفي رواية مرسلة: ثلاث وعشرون، وجمع بينهما بأنهم كانوا يوترون بثلاث، فحسبت مع العشرين.
وسميت كل أربعة ترويحة؛ لأنهم كانوا يتروحون، أي: يستريحون عقبها.
أمَّا من بالمدينة ولو مجتازاً .. فله فعلها ستاً وثلاثين.
قال الشرقاوي: ويثابون على الست عشرة ثواب النفل المطلق، لا التراويح على الأقرب.
و (يسلم) في التراويح حتماً (من كل ركعتين)؛ لشبهها بالفرض في طلب الجماعة، فلا تغير عما ورد، فلو أحرم بأكثر من ركعتين عامداً عالماً .. لم تنعقد، وإلا .. انعقدت نفلاً مطلقاً، ولو اقتصر على بعض العشرين .. صح وأثيب عليه ثواب التراويح خلافاً لبعضهم، كما مر.
فقولهم: وهي عشرون، أي: أكثرها.
(ووقتها): (بين) فعل (العشاء) ولو مقدمة في الجمع (و) طلوع (الفجر) الصادق كالوتر.
قال عميرة: (وفعلها عقب العشاء أول الوقت من بدع الكسالى).
وفي "الإمداد": (ووقتها المختار يدخل بربع الليل) اهـ
ولو تعارض فعله مع العشاء أول الوقت أو في جوف الليل بعد النوم .. قدمتا؛ لكراهة النوم قبل العشاء، وكذا لو لم يفعل العشاء إلا بعد ثلث الليل؛ لأن فوات فضيلة الوقت في التراويح أهون من فوات ذلك في العشاء، ولو بان فساد العشاء .. وقعت نفلاً مطلقاً.
(ثم) يتلو التراويح (الضحى)؛ لمشروعية الجماعة في التراويح دونها، وأقلها: (ركعتان)، وأدنى كمالها: أربع، فَسِتٌّ.
وأكثرها: (إلى ثمان)، وعند (حج) أكثرها: اثنتا عشرة، والثمان أفضل.
(ويسلم من كل ركعتين) ندباً، ويجوز أكثر منهما ولو كلها بسلام إمَّا بتشهد آخرها، أو في كل شفع من ركعتين أو أربع.
ووقتها: (بعد ارتفاع الشمس) كرمح كما في: "التحقيق" و"المجموع"، لا من طلوع الشمس على في ما "الروضة" (إلى الاستواء، وتأخيرها إلى ربع النهار أفضل)؛ لحديث صحيح فيه.
ويسن أن يقرأ فيها: (والشمس) و (الضحى)، أو (الكافرون) و (الإخلاص)، وهما أفضل.
(ثم) بعد الضحى (ركعتا الإحرام) بنسك ولو مطلقاً، وتصح بأكثر منهما بإحرام واحد.
(وركعتا الطواف) وهما أفضل من ركعتي الإحرام؛ للخلاف في وجوبهما.
(وركعتا التحية) للمسجد، أي: تعظيمه؛ إذ التحية شرعاً: فعل يحصل به التعظيم فعلاً كان أو قولاً.
والمراد: تعظيم رب المسجد؛ إذ لو قصد تعظيمه بها .. لم تنعقد، لكن لا تشترط ملاحظة المضاف، وهو رب، لكنها أولى، ولو أطلق .. صح، بل لو قيل: المراد بهما تعظيم المسجد نفسه بإيقاع الصلاة فيه لله، لا له .. لم يبعد، وعليه: فلا تقدير مضاف، ولعله أولى.
والتحيات متعددة، تحية البيت: الطواف، والحرم: الإحرام، ومنى: رمي جمرة العقبة يوم العيد، وعرفة ومزدلفة: الوقوف، ولقاء المسلم: السلام، ومن الخطيب: الخطبة.
وتحية المسجد الخالص -ولو المسجد الحرام إن لم يرد الطواف حالا ًولو مدرساً ينتظر، أو لم يرد الجلوس فيه- بركعتين فأكثر، والركعتان أولى، بل قد تجب، كأن دخل وقت خطبة الجمعة، ويكره تركها بلا عذر؛ للخبر المتفق عليه: "إذا دخل أحدكم المسجد .. فلا يجلس حتى يصلي ركعتين".
نعم؛ من دخل قرب قيام فريضة تشرع له الجماعة فيها، وخشي لو اشتغل بها فاتته فضيلة التحرم .. انتظره قائماً، ودخلت التحية في الفريضة، فإن صلاها أو جلس ..
كره، كما تكره لخطيب دخل وقت الخطبة مع تمكنه منها، ولمريد طواف حالاً مع تمكنه منه، ولمن خاف فوت راتبة لو صلاها، ويحرم اشتغاله بها -كغيرها من السنن- عن فرض ضاق وقته أو وجب قضاؤه فوراً.
وخرج بالمسجد: نحو الرباط، وبالخالص: المشاع، فلا تصح فيه عند (حج).
(ثم) بعد ما مر (سنة الوضوء) وإن كان سببها متقدماً وسبب سنة الإحرام متأخراً.
ودليل ندبها: الاتباع.
ولو اغتسل عن جنابة واندرج الأصغر في الأكبر، أو توضا عنه .. فله أن يصلي ركعتين للوضوء، وركعتين للغسل، وأن يكتفي لهما بركعتين، أو يدرجهما في صلاة أخرى.
(وتحصل التحية بفرض أونفل) آخر (هو ركعتان أو أكثر نواها) معه (أو لا)؛ إذ المقصود أن لا تنتهك حرمته بدخوله بلا صلاة فيه، ثم المراد بحصولها بغيرها عند عدم نيتها: سقوط الطلب بذلك.
وتحصل فضيلتها أيضلً إن نواها، وكذا إن لم ينوها عند (م ر)، وكلام المصنف يحتمله، ويحتمل أن المراد بحصولها سقوط الطلب فقط.
نعم؛ إن نفاها .. لا يحصل له فضلها، ولا يسقط طلبها، أو نذرها .. لم تندرج في غيرها.
وأمَّا أقل من ركعتين، كركعة وسجدة نحو تلاوة وصلاة جنازة .. فلا تحصل به؛ للحديث المتقدم، وكالتحية غيرها مما مرَّ في ركن النية.
(وتتكرر) التحية (بتكرر الدخول) ولو على قرب؛ لتجدد سببها (وتفوت بالجلوس) قبل فعلها (عامداً) عالماً وإن قصر الفصل ولو لوضوء عند غير الخطيب.
نعم؛ لا تفوت بالجلوس مسوفزاً كعلى قدميه، ولا ليستريح قليلاً ثم يقوم لها، وكذا بالجلوس للشرب عند (حج)؛ لكراهته للقائم (أو ناسياً) أو جاهلاً (وطال الفصل) بقدر ركعتين بأقل مجزئ، بخلاف القصير؛ لعذره فيهما لا بالقيام وإن طال وقصد به الإعراض عنها عند (حج)، ولا بجلوسه؛ ليحرم بها جالساً.
ويقوم مقامها ومقام سجدة التلاوة والشكر الباقياتُ الصالحات أربعاً.
زاد ابن الرفعة: ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، كما مَّر.
(ويستحب زيادة) رواتب غير التي مرت، لكنها ليست متأكدة كتأكدها، وهي فعل (ركعتين قبل الظهر أو الجمعة، وركعتين بعده أو بعدها وأربع قبل العصر، وركعتين) خفيفتين (قبل المغرب)؛ للاتباع، حتى في راتبتي الجمعة، كما أوضحه الكردي.
(و) ركعتين (قبل العشاء)؛ للخبر الصحيح: "بين كل أذانين -أي: أذان وإقامة- صلاة"، ويسن تأخيرها بعد إجابة المؤذن، وبعد فراغ الفرض إن خشي فوت فضيلة التحرم كغيرها من قبليات الفرائض، بل وغيرها.
(و) من المندوب غير الراتب ركعتان (عند) إرادة الخروج إلى (السفر) أو غيره يفعلهما (في بيته)؛ للاتباع، ويقرأ فيهما سورتي (الإخلاص).
(و) ركعتان (عند القدوم) ويبدأ بهما (في المسجد) قبل دخول منزله، ويكفيانه عن ركعتي دخوله؛ فإنهما سنة لكل دخول إليه ولو من غير سفر، وركعتان عقب الأذان ينوي بهما سنته، وركعتان عند الزفاف لكل من الزوجين، أي: بعد العقد وقبل الوقاع، وركعتان أو أربع سنة الزوال.
قال السيوطي: لا يفصل بينهن بتسليم بعد الزوال قبل فعل الظهر، وركعتان لمن خرج من حمام، ولمن دخل أرضاً لا يعبد الله فيها، وللمسافر إذا نزل منزلاً، ولمن مرَّ بأرض لم يمر بها قط، وللقتل، وللخروج من مسجده صلى الله عليه وسلم.
قال السيوطي: وإذا نزل به ضيق أو شدة أو خصاصة في الرزق، أو مات له نحو ولد أو قريب، أو أحزنه أمر، وللتوبة ولو من صغيرة، يقول بعدهما: اللهم إني أتوب إليك من ذنب كذا، اللهم إن هذا آخر العهد به.
وركعتا رد الضالة، يقول بعدهما: اللهم رادّ الضالة وهادي الضلال، تهدي من الضلال، رٌدَّ عليَّ ضالتي بعزتك وسلطانك، فإنها من عطائك.
(وصلاة الاستخارة): أي: طلب الخير فيما يريد أن يفعله.
ومعناها في الخير: الاستخارة في تعيين وقته.
وهي: ركعتان؛ للاتباع، ويقرأ فيهما: (الكافرون)، و (الإخلاص)، ثم يدعو بعدهما بدعائها، وهو "اللهم إني أستخيرك بعلمك ... إلخ"، فإن لم يرد الاستخارة بعد الصلاة .. استخار بالدعاء ولو بنحو: اللهم اختر لي ما هو الخير، ويكررها إلى أن ينشرح صدره لشيء، ثم يمضي فيما انشرح له صدره، فإن لم ينشرح .. أخَّر إن أمكن، وإلاَّ .. شرع فيما تيسر، ففيه الخير إن شاء الله تعالى.
(و) صلاة (الحاجة) وهي ركعتان، فإذا سلم .. أثنى على الله بمجامع الحمد، ثم صلى على نبيه صلى الله عليه وسلم، ثم سأل الله تعالى حاجته.
(وصلاة الأوابين) وأكملها: عشرون ركعة بين المغرب والعشاء، وتندرج في غيرها عند (م ر)، وأقلها: ركعتان.
(وصلاة التسبيح): أربع ركعات، يقول في كل ركعة بعد الفاتحة والسورة: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر.
زاد في "الإحياء": ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم خمس عشرة مرة، وفي كل من الركوع والاعتدال والسجودين والجلوس بينهما وجلوس الاستراحة أو التشهد عشراً، فذلك خمس وسبعون مرة، علَّمها صلى الله عليه وسلم لعمه العباس، وذكر له فضلاً عظيماً فيها.
منه: "لو كانت ذنوبك مثل زبد البحر، أو رمل عالج .. غفر الله لك" وحديثها حسن.
قال التاج السبكي: لا يسمع بعظيم فضلها ويتركها إلا متهاون بالدين.
ففي حديثها: "إن استطعت أن تصليها في كل يوم مرة، وإلا .. ففي كل جمعة، وإلا .. ففي كل شهر، وإلا ففي كل سنة، وإلا .. ففي العمر مرة".
والأفضل لمن يصليها نهاراً: وّصْلُها، ولمن يصليها ليلاً: فَصْلُها ركعتين ركعتين.
ومن البدع القبيحة: صلاة الرغائب أولّ جمعة من رجب، وصلاة نصف شعبان، وحديثهما باطل، كما قاله النووي.
(ومن فاتته صلاة مؤقته) بوقت مخصوص وإن لم تشرع جماعة، أو اعتادها وإن لم تكن مؤقتة ( .. قضاها) ندباً وإن طال الزمان؛ للأمر به، وللاتباع في سنة الصبح والظهر القبلية.
(ولا يقضي) نفلاً مطلقاً، ولا (ما له سبب) كالكسوف والتحية؛ إذ لا مدخل للقضاء في ذلك؛ إذ فعله لعارض، وقد زال وإن نذره؛ لزوال سببه، ويؤيده قولهم: (لو قطع نفلاً مطلقاً .. سن قضاؤه، ولو فاته ورده من النفل المطلق .. ندب قضاؤه، وكذا من غير صلاة؛ لئلا يميل إلى الدعة) اهـ
فقيدوا ندب القضاء بالنفل المطلق، فيفيد أن ذا السبب لا يقضى وإن نذره.
(ولا حصر للنفل المطلق) عن الوقت والسبب؛ لخبر أبي ذر: "الصلاة خير موضوع، استكثر منها، أو أقل" فله صلاة ما شاء ولو من غير نية عدد ولو ركعة، بتشهد بلا كراهة، ولا خلاف الأولى، بخلافها في الوتر؛ للخلاف فيها فيه.
(فإن أحرم) فيه (بأكثر من ركعة ... فله أن يتشهد في كل ركعتين) وهو أفضل (أو) في (كل ثلاث أو) كل (أربع) وهكذا؛ لأنه معهود في الفرائض في الجملة.
قال المدابغي: (فإن قلت: عهد التشهد عقب الثانية كالصبح، وعقب الثالثة كالمغرب، وعقب الرابعة كالعصر، والخامسة عقب أيًّ .. قلت: ذلك مدفوع بقولهم: في الجملة).
(ولا يجوز) ولا يصح (في كل ركعة) من غير سلام؛ إذ لم يعهد له نظير أصلاً، ظاهره: وإن لم يطول جلسة الاستراحة.
قال في "التحفة": وهو مشكل؛ لما مر، إلا إن يفرق.
قال الونائي: فمن تشهد بعد ركعة مفردة ولو العاشرة في عشر نواها وقد تشهد في التاسعة .. بطلت صلاته، كما لو جلس في الثالثة بقصد التشهد وإن لم يزد على جلسة الاستراحة إن تشهد في الثانية قاله (ع ش).
أمَّا مع السلام .. فجائز، لكن كونه مثنى أفضل.
ولو صلى عشراً بخمس تشهدات في الخمس الأُول، وتشهدٍ آخر الخمس الثانية .. لم يصح ما لم ينو في تشهد كل من الخمس الأُول أنه يقتصر عليه، ثم ينوي أخرى، وهكذا.
ويسن أن يقرأ السورة ما لم يتشهد، بخلافه في الفرض لا يقرؤها بعد الثانية وإن ترك التشهد الأول؛ لأنه في الفرض له جابر، وهو السجود، بخلافه هنا.