شرح المقدمة الحضرمية المسمى بشرى الكريم بشرح مسائل التعليم
آيات الله الباهرة، فيكره ذلك، بخلاف استدبارهما؛ إذ الاستقبال أفحش.
قال الزيادي: (المراد: عند طلوعهما وغروبهما؛ إذ لا يمكنان في غيرهما إلا إن نام على قفاه).
(ولا يرفع ثوبه) إلا شيئاً فشيئاً (حتى يدنو من الأرض) فينهي حينئذ رفعه؛ محافظة على الستر، فإن خشي تنجسه .. كشفه بقدر الحاجة.
(ولا يبول) ولا يتغوط مائعاً (في مكان صلب)؛ لئلا يترشش، ومن ثم لو دقه بنحو حجر أو جعل فوقه تراباً .. زالت الكراهة.
(ولا ينظر) بلا حاجة (إلى السماء، ولا إلى فرجه، ولا إلى ما يخرج منه، ولا يعبث) ولا يأكل ولا يشرب ولا يطيل الجلوس ولا يلتفت يميناً او شمالاً ولا يستاك؛ إذ كل ذلك لا يليق بحالته.
(وأن يسبل ثوبه) عند فراغه شيئاً فشيئاً (قبل انتصابه)؛ لما مر.
(ويحرم البول) ونحوه (في المسجد ولو في إناء)؛ إذ لا يصلح له، كما في خبر مسلم، بخلاف نحو الفصد؛ لأنه اخف، ولذا عفي عن نحو الدم، لا البول (وعلى القبر) المحترم، وبين قبور نبشت؛ لاختلاطه بأجزاء الموتى، وبقرب قبر نبي، وعلى ما يحرم الاستنجاء به، ومحل نسك ضيق كالمشعر الحرام والصفا لا واسع، كمنى.
(ويكره عند القبر) المحترم، وتشتد عند قبر صالح، وقرب جدار مسجد، وبين بياض تخلل بين المزارع؛ لأنه مأوى الجن (وقائماً)؛ للنهي عنه (إلا لعذر) كفقد محل يصلح للجلوس (وفي متحدث الناس).
نعم؛ إن كان اجتماعهم على معصية كغيبة .. فلا كراهة
(فإذا عطس .. حمد الله) تعالى (بقلبه) ولا يحرك لسانه.
(فصل) في الاستنجاء،
وهو بالحجر من: خصائصنا، من: نجوت الشجرة إذا قطعتها، فكأن المستنجي يقطع الأذى عن نفسه.
واصطلاحاً -كالاستجمار والاستطابة-: إزالة الخارج من الفرج بما يأتي، لكن الاستجمار يختص بالأحجار.
(ويجب الاستنجاء) لا فوراً، بل عند خوف التضمخ بالنجاسة، وفيما لو علم أنه لا يجد الماء وقت الصلاة، وعند إرادة نحو الصلاة أو دخول وقتها، فوجوبه بدخول الوقت موسعاً ومضيقاً كبقية الشروط.
وإنما يجب (من كل) نجس (رطب) ملوث (خارج من أحد السبيلين) ولو نادراً، كدم ولو من نحو حيض، وقليلاً يعفى عنه بعد الحجر؛ إذ يغتفر في الدوام ما لا يغتفر في الابتداء؛ للأحاديث، منها: "وليستنج بثلاثة أحجار".
وإنما يجزئ (بالماء) على الأصل ولو من زمزم وإن كره به، وتكفي غلبة ظن إزالة النجاسة، وشمها في يده دليل على نجاسة اليد فقط، وهذا إن لم تعسر إزالة النجاسة، وإلا .. لم تجب إزالتها، وإن كانت يزيلها نحو الصابون، وإذا بلت اليد قبل الاستنجاء .. لم يظهر للنجاسة ريح فيها، وينبغي الاسترخاء قليلاً؛ لئلا تبقي النجاسة في تضاعيف شرج المقعدة.
(أو بالحجر) وكره من الحرم مع وجوده من غيره.
وخرج بـ (النجس): الطاهر كمني وإن سن منه؛ خروجاً من خلاف موجبه منه، قال (ب ج): كمالك؛ بناءً على القول عنده بوجوب غسل النجاسة، لا على قول بسنيته عنده الذي اعتمدوه.
وكريح وإن كان المحل رطباً، وبالملوَّث غيره، لكنه يسن منه.
وبـ (من أحد السبيلين) خروجه من ثقبة لم تعط حكم الفرج، فيتعين فيها الماء، كقلفة وصلها البول، وفرج امرأة وصل بولها لمدخل الذكر، وإذا جاز بالحجر .. فلا تعين، بل هو (أو) ما في معناه من كل (جامد) بأن لا يكون رطباً، ولا عليه رطوبة (طاهر)
لا نجس ولا متنجس، وإنما طهر الدابغ في جلد الميتة وإن كان نجساً؛ لأن ذلك إحالة.
(قالع) ولو حريراً لرجل، ونقداً لم يطبع ولم يهيأ لذلك، والأصح مع الحرمة، لا ما لا يقلع لملاسته أو لُزوجته أو رخوته، أو تناثر أجزائه كتراب.
(غير محترم) ولو مغصوباً، ومنه ما علم تبديله وخلا عن معظم من نحو التوراة، وجلد دبغ، أمَّا غير المدبوغ .. فمحترم من مأكول، ونجس من غيره.
أمَّا المحترم .. فهو جزء آدمي مطلقاً، أو حيوان متصل به، أو كتب علم شرعي وآلته وجلودها، وما كتب عليه معظم ومطعوم لنا، أو للجن، أو لنا وللبهائم ولو على السواء.
نعم؛ ما توقف إزالة النجس عليه، أو كان أسرع في إزالته .. يجوز استعماله في إزالته، كالملح لقطع الدم، ولو شك هل وجدت شروط الاستنجاء فيما استنجى به أم لا؟ أو هل انتقل الخارج أم لا؟ .. لم يضر.
(ويسن الجمع بينهما) بأن يقدم الحجر أو ما في معناه ثم الماء؛ ليزيل العين ثم الأثر، لتقل ملابسه للنجس، ويتجه إلحاق سائر النجاسات به، ويحصل أصل السنة.
(ولو) كان الجمع (بجامد متنجس) أو نجس، وبعدد (دون ثلاث مسحات) أمَّا كمال السنة .. فلا يحصل إلا بشروط الاستنجاء بالحجر كلها (فإن اقتصر على أحدهما .. فالماء أفضل)؛ لأنه يزيل العين والأثر.
(وشرط الحجر) أي: وشروط إجزاء الاقتصار على الحجر أو ما في معناه (أن لا يجف النجس) الخارج كله ولا بعضه، فإن جف شيء منه بحيث لا يقلعه الجامد .. تعين الماء.
(و) أن (لا ينتقل) عما استقر فيه عند الخروج، وإلاَّ .. تعين الماء وإن لم يجاوز الصفحة والحشفة على المعتمد؛ إذ لا ضرورة لهذا الانتقال.
(و) أن (لا يطرأ عليه نجس آخر) أي: لا يختلط به غير جنسه، وغير عرق ولو طاهراً، فإن اختلط به ولو بعد استجماره .. تعين الماء، سواء كان رطباً كماء وبول، أم جافاً نجساً كروث، أم طاهراً كتراب، وعند (م ر): لا يضر اختلاطه بالجاف الطاهر.
ولو استنجى بالماء ثم بال مع بقاء رطوبة الماء .. تعين الماء؛ لا ختلاطه بأجنبي.
نعم؛ لا يضر ماء الطهر بعد الاستجمار، كأن استنجى في دبره بحجر، ثم استنجى في قبله بماء فوصل لدبره.
(و) أن (لا يجاوز) الخارج (صفحته) في الغائط، وهي ما ينضم عند القيام (وحشفته) في البول؛ لأن مجاوزة ذلك نادرة، فلا تلحق بما تعم البلوى به، وأن لا يدخل بول المرأة مدخل الذكر؛ لأن الغالب أنَّ بول الثيب يدخل مدخل الذكر، أمَّا البكر .. فالبكارة تمنع دخوله، ويجزئ مسح الدبر بالحجر وإن كان عليه شعر.
(و) أن (لا يصيبه الماء) ولا غيره ولو لتطهيره، كما مر.
(و) أن (يكون ثلاث مسحات) ولو من حجر واحد، وإن لم يكن بأطرافه .. فلا يجزئ دونها وإن أنقى؛ للنهي عن الاستنجاء بدون ثلاثة أحجار، ولا فرق بين مسح الذكر صعوداً ونزولاً، فما في "التحفة": (انه لا يكفي مسحه صعوداً) .. ضعفوه، ولو مسح ذكره بموضع من حجر طويل وجره عليه .. أجزأه على احتمال في المطلب، كما لو جره على حائط.
والثلاث إنما تكفي إن أنقى المحل بهن (فإن لم ينق .. وجب الإنقاء) بالزيادة عليهن إلى أن لا يبقى إلاَّ أثر لا يزيله إلا الماء أو صغار الخزف.
والأفضل: أن يزيل هذا الأثر أيضاً بماء أو جامد.
(وسن الإيتار) إن حصل الإنقاء بشفع؛ للأمر به، لا تثليث الاستنجاء بالحجر؛ لأنهم غلبوا فيه التخفيف، بخلافه بالماء فكسائر النجاسات.
(واستيعاب المحل بالحجر) بكل من الثلاث بأن يبدأ بالأول من مقدم الصفحة اليمنى، ويديره قليلاً قليلاً برفق إلى موضع ابتدائه، ويبدأ بالثاني من مقدم اليسرى
كذلك، ويمر الثالث على صفيحتيه ومسربته، فإن احتاج لزائد على الثالث .. فصفة مسحه كالثالث، وفي كل لا يرفع الحجر المتنجس ثم يعيده، وإلاَّ .. تعين الماء، وسن وضع الحجر أولاً على محل طاهر قرب النجاسة، ثم يديره كما مر وفي "الروض" و"شرحه": (ولو أمر الحجر ولم يدره .. أجزأه إن لم ينقل شيئاً، وإلاَّ .. تعين الماء، ومحله في غير النقل الضروري، فيعفى عنه؛ إذ لو كلف عدمه .. لتعذر الوفاء به) اهـ
وكلام المصنف يفهم أنه لا يجب تعميم المحل بكل مسحة، وهو المنقول عن الشيخين وغيرهم، لكن اعتمد شيخ الإسلام وأكثر من بعده وجوبه؛ لأن من مسح واحدة يميناً، وثانية يساراً، وثالثة وسطاً، فإنما ذلك في معنى مسحة واحدة.
وقد قالوا: إنما وجبت الثلاث؛ استظهاراً، وهو إنما يحصل بتكرير المسح على الموضع الواحد.
(و) يسن (الاستنجاء باليسار)؛ للاتباع، فيكره باليمين، وقيل: يحرم؛ للنهي عنه، وإذا احتاج إلى اليدين في استنجائه .. جعل الحجر في يمينه، وأخذ ذكره بيساره، ثم يحركها وحدها.
(والاعتماد على) الإصبع (الوسطى في الدبر إن استنجى بالماء)؛ لأنه أمكن.
(وتقديم الماء) فيمن يستنجي به (للقبل)؛ إذ لو قدم الدبر .. خشي عود النجاسة إليه، وتقديم الدبر لمن يستنجي بالحجر؛ لأنه يجف قبل القبل، بل كثيراً ما يجف قبل الاستنجاء، فلا يجزئ فيه إلاَّ الماء.
(وتقديمه) أي: الاستنجاء (على الوضوء، ودلك يده) التي استنجى بها (بالأرض) أو نحوها (ثم يغسلها بعده) أي: الدلك.
(ونضح فرجه، وإزاره) من داخله.
(وأن يقول بعده: اللهم طهر قلبي من النفاق) في الاعتقاد والأعمال، (وحصن فرجي من الفواحش)؛ لمناسبته للحال، ولا يضر الشك بعد الاستنجاء في غسل الذكر -مثلاً- أو في تكميل الثلاث المسحات، كما لا يضر في الوضوء، ولو سال عرق
المستنجي بالحجر إلى قبله أو دبره .. عفي عنه وعن ملاقيه من الثوب ما لم يجاوز صفحته وحشفته.
(فصل) في موجبات الغسل
وما يحرم بها.
و (الغَسل) لغةً -بفتح الغين أفصح من ضمها-: مصدر غسل، واسم مصدر اغتسل.
وبضمها: مشترك بين المذكورين وبين الماء الذي يغتسل به.
وبالكسر: ما يغسل به من سدر ونحوه.
وأمَّا عند الفقهاء: فإن أضيف إلى السبب كغسل الجمعة .. فالضم أفصح، وكذا غسل البدن، وإن أضيف إلى نحو ثوب .. فالفتح أفصح.
وهو بالمعنيين الأولين لغة: سيلان الماء على الشيء.
وشرعاً: سيلانه على جميع البدن بنية ولو مندوبة، فيدخل غسل الميت.
(موجبات الغسل: الموت) ولو حكماً لمسلم غير شهيد، فدخل السقط البالغ أربعة أشهر وإن لم تظهر فيه أمارة حياة.
(والحيض، والنفاس) إجماعاً مع الانقطاع، وإرادة نحو صلاة ولو حكماً، بأن لم يرد فعلها، فينزل طلب الشارع لها منزلة إرادة فعلها، وكذا يقال في الوضوء والتيمم.
(والولادة ولو علقة ومضغة) أخبرت قابلة أنهما أصل آدمي (و) لو (بلا رطوبة) قال في "التحفة": (لأن ذلك مني منعقد)، قال الشرقاوي: (هذا يقتضي وجوب الغسل بخروج بعض الولد) وليس كذلك، فالأولى التعليل بأنها مظنة خروج دم النفاس، ثم نزلت المظنة منزلة اليقين، ثم انتقل إلى جعل الولادة موجبة الغسل وإن لم يخرج دم النفاس، وفي "الأصل" هنا ما ينبغي مراجعته.
(والجنابة) إجماعاً، وهي لغة: البعد.
وشرعاً: تُطلق على أمر اعتباري يقوم بجميع البدن، وعلى المنع من نحو الصلاة، وعلى السبب وهو: خروج المني، أو دخول الحشفة فرجاً، كما أشار إلى ذلك بقوله:
(بخروج المني) -بتشديد الياء وقد تخفف- إلى ظاهر الحشفة، وفرج البكر،
وإلى ما يظهر عند جلوس الثيب على قدميها، أي: مني الشخص نفسه ولو ظناً، كأن خرج منها مني الرجل بعد الغسل من جماع قضت شهوتها به؛ إذ يغلب على الظن حينئذٍ اختلاط منيها بمنيه.
وإنما تحصل بخروجه أول مرة من طريقه المعتاد، أو منفتح تحت صلب رجل، أي: عظام ظهره من عنقه إلى عجب الذنب، أو ترائب المرأة، أي: عظام صدرها، وكذا من المنفتح فيهما عند (م ر).
ولا بد من كونه مستحكماً إن خرج من غير طريقه المعتاد، وأن يكون الأصلي منسداً.
نعم، إن خلق الأصلي منسداً .. وجب الغسل بخروج المني مطلقاً ولو من المنافذ عند (حج).
(ويعرف) المني -ولو من امرأة ودماً- (بـ) واحدة من خواصه التي لا توجد في غيره وهي: (تدفقه، أو لذة بخروجه، أو ريح عجين) بُرٍّ، أو طلع نخل حال كونه (رطباً، أو) ريح (بياض بيض) دجاج حال كونه (جافاً).
وأن خرج بعد الغسل، فإن فقدت هذه الخواص .. فلا يجب الغسل، بخلاف فقد الثخن والبياض في مني الرجل، أو الرقة والصفرة في مني المرأة؛ لأن ذلك فيهما غالب لا دائم، ولو شك أهو مني أو مذي؟ تخير، فإن شاء .. جعله منياً واغتسل، أو مذياً وتوضأ، وغسل ما أصابه منه، وفي "الأصل" هنا ما ينبغي مراجعته.
(و) تحصل الجنابة أيضاً على الفاعل والمفعول به غير ميت وبهيمة (بإيلاج الحشفة) من واضح أصلي، أو مشتبه؛ لخبر الصحيحين: "إذا التقى الختانان .. فقد وجب الغسل" أي: إذا تحاذيا، وإنما يتحاذيان بتغييب الحشفة (أو قدرها) من فاقدها (في فرج) أي: بأن يصل إلى ما لا يجب غسله من باطن فرجِ واضحٍ (ولو دبراً)؛ لأنه من الانفراج، فيشمل الدبر كالقبل، سواء كان فرج حيٍّ آدمي أو جني (أو فرج ميت، أو بهيمة) ولو لم تشته كسمكة وإن لم يحصل انتشار ولا إنزال ولو ناسياً أو مكرهاً، أو بحائل كثيف لا فرج خنثى؛ لاحتمال زيادته.
نعم؛ إن أولج وأولج فيه .. تحققت جنابته، والميت والبهيمة لا غسل عليهما؛ لعدم تكليفهما، وإنما وجب غسل الميت بالموت؛ إكراماً له.
(و) كتحقق خروج المني بإحساس (رؤية) من يمكن إمناؤه (المني) يقيناً (في ثوبه) الذي لا يلبسه غيره (أو) في (فراش لا ينام فيه غيره) ممن يمكن أن يكون له مني؛ لعدم احتمال كونه من غيره ولو بظاهر الثوب عند (حج)، فيلزمه الغسل، وإعادة كل صلاة فرض صلاها لا يحتمل حدوثه بعدها.
(ويحرم بالجنابة: ما يحرم بالحدث) وقد مر.
(و) تزيد بحرمة (مكث) مسلم مكلف غير نبي (في المسجد) ورحبته، وهوائه، وجناح بجداره ولو في هواء الشارع، وشجره أصلها فيه، ومكث على فرعها الخارج عنه، وبقعة وقف بعضها مسجداً شائعاً، وتجب قسمتها، وتندب التحية فيها ولو قبل القسمة لا الاعتكاف قبلها.
(وتردد فيه) أي: المسجد ونحوه مما مر، ومن التردد: دخول مسجد لا باب له ثان، أو بقصد الرجوع إلى ما دخل منه، لا إن عنَّ له ذلك، ولو دخل بقصد المكث، فمر ولم يمكث .. أثم على قصده لا على المرور؛ وذلك لخبر: "لا أحل المسجد لحائض ولا جنب".
والتردد يشبه المكث، وإنما يحرمان (لغير عذر) فإن كان عذر، كأن أغلق عليه المسجد أو خاف من الخروج منه .. جاز المكث، ووجب التيمم بتراب لم يدخل في وقفه، أمَّا الكافر وغير المكلف، والنبي .. فلا يحرم عليهم المكث فيه مطلقاً.
(وقراءة القرآن) ولو حرفاً منه، وحيث لم يقرأ منه جملة مفيدة يأثم على قصده المعصية، وشروعه فيها، لا لكونه قارئاً وإنما تحرم القراءة بشروط منها:
كونها (بقصد القراءة) وحدها أو مع غيرها؛ لخبر: "لا يقرأ الجنب ولا الحائض شيئاً من القرآن"، فإن لم يقصدها، بأن قصد نحو ذكره أو مواعظه أو قصصه أو التحفظ أو التحصن، ولم يقصد معها القراءة .. لم يحرم، وكذا إن أطلق؛ لأنه عند وجود قرينة تقتضي صرفه عن موضوعه كالجنابة لا يكون قرآناً إلاَّ بقصد، ولو بما لا يوجد نظمه في غير القرآن كسورة الإخلاص، لكن تكره به، وفي حالة الإطلاق.
ومنها: كونها نفلاً، ومن ثم وجبت قراءة (الفاتحة) على فاقد الطهورين في المكتوبة، وقراءة آية في خطبة جمعة.
وكونها باللفظ بحيث يسمع نفسه حيث لا عارض، فلا تحرم بالقلب ولا الهمس.
وكونها من مسلم مكلف، فلا يمنع الكافر منها إن لم يكن معانداً ورجي إسلامه، ولا الصبي، والمجنون.
وخرج بـ (القرآن): نحو التوراة، وما نسخ تلاوته كآية الرجم، والأحاديث القدسية.
(فصل: وأقل الغسل) شيئان:
أحدهما: النية لغسل حي واجباً كان أو مندوباً؛ إذ المندوب كالمفروض في الواجب من جهة الاعتداد به، وفي المندوب من جهة كماله.
نعم؛ يتفارقان في كيفية النية.
فيجب في الجنب (نية رفع الجنابة) ذاتها إن أريد بها الأمر الاعتباري، أو المنع من نحو الصلاة، أو حكمها إن أريد سببها، وفي الحائض رفع حدث الحيض.
ويرتفع نفاس بنية حيض وعكسه ولو مع العمد ما لم يقصد المعنى الشرعي عند (حج).
وفي الولادة: رفع حدث الولادة.
ويكفي في الجميع: نية استباحة مفتقر إليه كالقراءة.
(أو) ينوي كلٌّ ممن ذكر (فرص الغسل) أو أداء الغسل، أو الغسل، عن نحو الحيض، أو للصلاة، أو الطهارة للصلاة لا الغسل، أو الطهارة فقط؛ لأنه يكون عادة وعبادة، وبه فارق الوضوء.
قال (ب ج): (وقد يكون مندوباً، فلا ينصرف للواجب إلا بالنص عليه؛ لأنه لما تردد القصد فيه بَيْنَ أسبابٍ ثلاثة: العادي كالتنظيف، والندب كالعيد، والوجوب كالجنابة .. أحتاج إلى التعيين، بخلاف الوضوء فليس له إلاَّ سبب واحد، وهو الحدث، فلم يحتج إلى تعيين؛ لأنه لا يكون عادة أصلا، ولا مندوبا لسبب، وليست الصلاة بعد الوضوء سببا للتجديد، وإنما هي مجوزة له فقط لا جالبة له، ولذلك لم تصح إضافته إليها، قاله البرماوي) اهـ
(أو رفع الحدث) أو الحدث الأكبر، أو عن جميع البدن، وهما أفضل من الإطلاق، فتجزئ في جميع ما ذكر؛ لتعرضه للمقصود في غير رفع الحدث، ولاستلزام رفع المطلق رفع المقيد فيه، ويأتي هنا ما مر في الوضوء.
ومنه: أنه يجب على سلس المني نية نحو الاستباحة، ولا يكفيه نيةُ رفع الحدث، أو الطهارة عنه، وأنه لو نفى من أحداثه غير ما نواه .. أجزأه وأنه لو نوى رفع جنابة الاحتلام وإنما عليه جنابة جماع، أو حدث حيض .. صح مع الغلط، ولو قصد بالجنابة معناها اللغوي -وهو البعد- ارتفع حدث نحو الحيض بنيتها ولو عمدا، ولو نوى الأصغر، وعليه أكبر .. ارتفع حدثه عن أعضاء الوضوء فقط غير رأسه؛ إذ لا مسح في الجنابة.
(و) ثانيهما: (استيعاب جميع) ظفره، و (شعره) ظاهراً وباطناً، وإن كثف (و) جميع ظاهر (بشره) وما ظهر من نحو منبت شعره زالت قبل غسل، وصماخ وأنف جدع، وشقوق لا غور لها، وفرج بكر أو ثيب إذا قعدت لقضاء حاجتها، وما تحت قلفة الأقلف إلا باطن فم وأنف وفرج وشعر بباطن أنف أو عين وإن طال، بل لا يسن غسل باطن عين لحدث، بخلافه للنجاسة، فيجب؛ لأنها أغلظ، وإلا باطن عقد شعر، ولا يجب قطعها للمشقة، وبه فارق الضفائر، فيجب نقضها، ولا التيمم عنه.
(ويجب قرن النية بأول مغسول)؛ ليعتد به، فلو نوى بعد غسل جزء .. وجبت إعادته، ولو اقترنت بسنة كالسواك .. فكما مر في الوضوء.
(وسننه) كثيرة منها: (الاستقبال) والقيام (والتسمية مقرونة بالنية، وغسل الكفَّين) ويفعل أوله ما مر في الوضوء، ويرتب أفعال غسله، فيغسل كفيه، ثم فرجه، وما حوله، ثم يتمضمض ويستنشق غيرهما في الوضوء الآتي، وكره تركهما؛ للخلاف في وجوبهما كالوضوء له، وندب تدارك ما فاته منها ولو بعد الغسل ثم -بعد ما مر- يتوضأ وضوءاً كاملاً بواجباته وسننه، وينوي به رفع الحدث الأصغر وإن تجردت جنابته عنه وإن أخره عن الغسل خروجاً من خلاف القائل بعدم اندراج الأصغر في الأكبر ومن خلاف
القائل إن خروج المني ينقض الوضوء كما بينته في "الأصل".
وينبغي لمن يغتسل من نحو إبريق قَرنُ النية بغسل محل الاستنجاء؛ إذ قد يغفل عنه فلا يتم طهره، وإن ذكره .. احتاج إلى لف خرقة على يده، وفيه كلفة، أو إلى المس، فينتقض وضوءه، فيصير على الكف حدث أصغر دون الأكبر، فلا يندرج حينئذٍ، فيحتاج إلى غسلها بنية الوضوء.
فالأولى أن ينوي رفع الحدث عن محل الاستنجاء فقط؛ ليسلم من ذلك.
(و) منها: (رفع الأذى) الطاهر كمني، والنجس الحكمي والعيني، الذي هو أثر مجرد، وإلاَّ .. وجبت إزالته قبل الغسل.
ومنها: أن يخط خطاً إذا اغتسل بفلاة ولم يجد ما يستتر به.
ويسن لمن اغتسل عارياً أن يقول: باسم الله الذي لا اله إلا هو؛ لأن ذلك ستر عن أعين الجن، ويجلس بمحل لا يناله رشاش فيه، ولا يدخل الماء بلا مئزر إلى أن يستره الماء.
(ثم) بعد الوضوء يندب (تعهد مواضع الانعطاف) كإبط وطِبَق بطن وأذنين، ولم يجب؛ لما مر أنه يكفي غلبة الظن في الطهارة، ويتأكد أن يميل أذنيه على ماء في كفه؛ ليثق بوصوله لباطنهما من غير دخوله صماخيه، وللصائم آكد، بل بحث وجوبه عليه.
(وتخليل أصول الشعر ثلاثا بيده المبلولة) كأن يدخل أصابعه العشر في الماء ثم الشعر ولو محرما عند (حج)، لكن برفق؛ لأن هذا -كما قبله- أقرب إلى الثقة بوصول الماء، وأبعد عن الإسراف.
(ثم الإفاضة) للماء (على رأسه) للاتباع، ولا يندب فيه التيامن إلاَّ لنحو أقطع لا تتأتى له الإفاضة (ثم) بعد فراغ الرأس تخليلاً، فإفاضةً يفيض الماء على (شقه الأيمن) المقدم منه ثم المؤخر (ثم الأيسر) كذلك.
(والتكرار) لجميع السنن حتى الذكر نظير ما في الوضوء؛ إذ أكثر سننه تجري هنا (ثلاثاً) قال في "التحفة": (يثلث -بالشروط السابقة في الوضوء- تخليل شعر رأسه ثم غسله؛ للاتباع، ثم تخليل شعور الوجه ثم غسله، ثم تخليل شعور البدن ثم غسله؛ قياسا على الرأس، وهذا الترتيب -وان لم أر من صرح به- ظاهر، وتثليث البقية إمَّا بان يغسل شقه الأيمن ثم الأيسر، ثم هكذا ثانية ثم ثالثة، أو يوالي ثلاثة الأيمن ثم ثلاثة الأيسر وقياس الوضوء .. تعين هذه للسنة).
وذكر الفرق بين الوضوء والغسل، ثم قال: (وكفى جري الماء ثلاثا إن كان جارياً، وإلا .. تحرك ثلاث مرات) اهـ
والأولى تأخير التكرار عن الدلك؛ ليتناول التكرار له.
(والدلك)؛ خروجا من خلاف موجبه وكونه في (كل مرة) من الثلاث لجميع البدن، فيستعين لما لا تصل يده إليه بخرقة.
قال في" التحفة": (ولا يضر تأخير الدلك عن الغسل ولا تقديمه على الإفاضة).
(واستصحاب النية) ذكراً بالقلب في جميعه كالوضوء.
(وأن لا ينقص ماؤه عن صاع) في معتدل خلقة؛ لأنه صلى الله عليه وسلم: (كان يغتسل بصاعٍ) فإن نقص أو أسبغ .. كفى، وأما غير المعتدل .. فيزيد وينقص بحسب حاله.
(وأن تتبع المرأة) ولو بكراً وخلية (غير معتدة الوفاة) والمحرمة (أثر الدم) حيضاً أو نفاساً (بمسك) بأن تجعله بعد غسلها بنحو قطنة، وتدخلها إلى ما يجب غسله من فرجها؛ للأمر به.
وحكمته: تطييب المحل لا سرعة العلوق فقط؛ لاستحبابه لغير مزوجة.
أمَّا معتدة الوفاة والمحرمة .. فيحرم عليهما.
نعم؛ يسن للمحدة تطييبه بقليل قسط أو أظفار.
(ثم) إن لم تجد مسكاً .. سن (بطيب) غيره (ثم) إن لم تجده .. سن (بطين، فإن لم تجده) أو لم تفعله ( .. فالماء كاف) في دفع الكراهة.
(و) يسن (أن لا يغتسل من خروج المني قبل البول)؛ لئلا يخرج منه مني بعد الغسل، فيجب ثانياً، ولا يندب تجديد غسل، ولا تيمم، بخلاف الوضوء، فيسن لسليم قد صلى به ولو نفلاً، وإلا .. حرم عند (حج).
(و) يسن (الذكر المأثور) بعد الوضوء، كما تقدم (بعد الفراغ من الغسل) بأن لا يطول فصل بينهما، مستقبلاً للقبلة.
(وترك الاستعانة) بأنواعها الثلاث، وترك التنشيف كما في الوضوء، ومن عليه غسل واجب، بنحو جنابة أو حيض، أو مسنون لنحو عيد وجمعة .. كفاه لهما غسل بنية أحدهما، ويحصل ثواب المنوي، وغيره يسقط طلبه ولا يحصل ثوابه، أمَّا الواجب والمسنون .. فلا يكفي لأحدهما عن الآخر، فإن نواهما بغسل واحد حصلا؛ لأن مبنى الطهارة على التداخل، بخلاف غيرهما.
وندب لنحو جنب: أن لا يزيل شيئا من بدنه إلا بعد الغسل؛ لأن الأجزاء تعود إليه في الآخرة، فيعود جنباً؛ تبكيتاً له، ثم تزول عنه ما عدا الأجزاء الأصلية، ويقال: إن كل شعرة تطالب بجنابتها.
ثم شرع في مكروهاته بقوله:
(ويكره الإسراف في الصب) للغسل من غير مسبل ومملوك للغير، وإلا .. حرم كالوضوء.
(والغسل والوضوء في ماء راكد) لم يستبحر؛ لأنه يقذره، وللخلاف في طهوريته.
(و) تكره (الزيادة على الثلاث) المحقَّقَة بنية الغسل من غير نحو مسبل، والنقص عنها كما مر جميعه في الوضوء.
(وترك المضمضة والاستنشاق) أو أحدهما؛ للخلاف في وجوب كل فيه كالوضوء.
(ويكره للجنب الأكل والشرب والنوم والجماع فبل غسل الفرج والضوء)؛ للأمر به
في الجماع، وللاتباع فيما عدا الشرب، وقياساً فيه على الأكل، فإن لم يجد الماء .. تيمم، ويحصل أصل السنة بغسل الفرج.
ويلحق بما ذكر إرادة الذكر.
والقصد في غير الجماع تخفيف الحدث، فينتقض به، وفيه زيادة النشاط، فلا ينتقض به، وهو كوضوء التجديد والقراءة، فلا بد فيه من نية معتبرة.
(وكذا منقطعة الحيض والنفاس) يكره لها ذلك، كالجنب، بل أولى.
ويحرم جماع من تنجس ذكره إلا سلساً، ومن يعلم من عادته أن الماء يفتر ذكره.
﴿باب النجاسة وإزالتها﴾
وهي في كلامه بمعنى الأعيان النجسة مجازا، علاقته السببية أو المجاورة.
وحقيقتها: وصف يقوم بالمحل يمنع صحة الصلاة حيث لا مرخص، والضمير في إزالتها للنجاسة بهذا المعنى، ففيه استخدام.
وأزالتها بالماء من خصائصنا، وكانت في بني إسرائيل بقطع موضع النجاسة من غير الحيوان.
وهي هنا لغةً -بمعنى العين- كل مستقذر ولو معنوياً، كالكبر، أو طاهراً شرعاً كالمني.
وشرعاً: مستقذر يمنع صحة الصلاة حيث لا مرخص.
وعرَّفها المصنف بالعد كالأكثرين؛ لسهولة معرفتها به بقوله: (وهي: الخمر والنبيذ) أي: كل مسكر، أي: شأن نوعه الإسكار، وإن لم يسكر هو بالفعل كقطرة خمر.
و (المسكر) هو: ذو الشدة المطربة، ولا يكون إلا مائعاً أصالة، كالخمر وهي: المتخذة من العنب ولو محترمة وهي التي عصرت لا بقصد الخمرية، فإن عصرت بقصدها .. فغير محترمة فتجب إراقتها، ويعتبر تغيير القصد قبل التخمر، وكالنبيذ وهو المتخذ من عصير غير العنب؛ للإجماع على ما قيل في الخمر، وقيس بها النبيذ.
أمَّا غير المائع كأفيون وحشيش وكثير عنبر وزعفران .. فطاهرات؛ لأنها مخدرة لا مسكرة، ولذا لم يحرم منها إلا القدر المخدر.
قال في "الإمداد": وظاهر كلامهم: أن الخمر المنعقدة نجسة وإن انتفت عنها الشدة المطربة، وهو متجه؛ لأنها لا تطهر إلا بالتخليل ولم يوجد وأن الحشيشة المذابة نجسة إن وجد فيها الإسكار.
(والكلب) ولو معلما؛ لخبر مسلم: "طهور إناء أحدكم إذا ولغ فيه الكلب أن يغسله سبع مرات أولاهن بالتراب".
والأصل عدم التعبد، وبقية بدنه كفمة، بل أولى؛ لأنه أطيب الحيوان نكهة؛ لكثرة لهثه.
(والخنزير) -بكسر الخاء- كالكلب، قالوا: لأنه أسوأ حالاً منه؛ إذ لا ينتفع به بحال، ولأنه مندوب قتله لغير ضرر، ولا يجب قتله كالكلب العقور إلا لدفع صياله، ويحرم قتل الكلب المعلَّم اتفاقاً، وكذا ما لا نفع فيه ولا ضرر على الأصح.
(وما تولد من أحدهما) مع حيوان آخر ولو طاهراً، ولو آدمياً وإن سفل، وكذا إن كان على صورة الآدمي عند (حج)؛ تغليباً للنجس، لكنه مكلف إن كان عاقلاً، فيعفى عنه كالوشم المتعذر إزالته، فيدخل المسجد، ويمس الناس ولو رطباً، ويؤمهم، ويتسرى عند الضرورة، وتحرم ذبيحته ومناكحته، ويفطم عن الولايات ولا ينسب للواطئ، ولا يرث، ولا يورث.
(والميتة) -بجميع أجزائها وإن لم تكن لها نفس سائلة- وهي: ما أزيلت حياتها بغير ذكاة شرعية؛ لآية: (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ الْمَيْتَةُ) [المائدة: 3] وتحريم ما ليس محترما، ولا مستقذراً، ولا ضرر فيه دليل على نجاسته.
فخرج: موت الجنين بذكاة أمه، والصيد بالضغطة أو الجارحة ولم تدرك حياته، والناد بالسهم؛ لأن ذلك ذكاة شرعية لها.
(إلا الآدمي) فميتته طاهرة؛ لتكريمه بالنص ولو كافراً.
ومعنى نجاسته في الآية: أن اعتقادهم نجس، أو أن ذواتهم كالنجس في وجوب الاجتناب، وعند مالك وأبي حنيفة: ميتة الآدمي نجسة إلا الأنبياء، والشهداء، وتطهر بالغسل.
(و) إلا (السمك والجراد) .. فطاهران؛ لخبر ابن عمر: "أحل لنا ميتتان ودمان: السمك والجراد، والكبد والطحال".
(و) من النجاسة أيضاً: (الدم) -بتخفيف الميم على المشهور- ولو معفواً عنه وإن تحلب من كبد أو طحال، ومنه ما يبقى على اللحم والعظام، لكن يعفى عنه في الأكل وإن اختلط بماء الطبخ وغيره، وكان وارداً على الماء.
نعم؛ إن لاقاه لغسله .. اشترط زوال أوصافه قبل وضعه في القدر.
واستثني أيضاً من نجاسة الدم: المسك ولو من ميتة إن تجسد وانعقد، والعلقة، والمضغة، ومني أو لبن خرجا بلون الدم، ودم بيضة لم تفسد.
(والقيح) وجدري متغير (والقئ) -بالهمز- ولو صافياً وصل إلى المعدة، وكذا إن لم يصلها وخرج بعد مجاوزة حرف الباطن عند (م ر).
(والروث والبول) ولو كانا من طائر أو سمك أو جراد، أو مما لا نفس له سائلة، أو من مأكول؛ لأنه صلى الله عليه وسلم سمى الروث: ركساً وهو شرعاً: النجس، وأمر بصب الماء على البول وفي"الفتح": (وما راثه الحيوان أو قاءه من المتصلب كالحب إن تغير عن حاله قبل البلع ولو يسيراً .. فنجس، وإلاَّ .. فمتنجس) اهـ
ويعفى عن بول بقر الدياسة على الحب، ونسج العنكبوت طاهر.
(والمذي) -بسكون المعجمة على الأفصح- للأمر بغسل الذكر، أي: رأسه منه، وهو ماء أصفر رقيق غالباً، يخرج عند شهوة ضعيفة، ويقال فيه من المرأة القذى.
(والودي) -بسكون المهملة على الأفصح-: ماء ثخين أبيض غالباً، يخرج عقب البول إن استمسكت الطبيعة، أو عند حمل شيء ثقيل.
(والماء المتغير السائل من فم النائم) إن تحقق كونه من المعدة، وإلاَّ .. فطاهر، قال في "الفتح": (ولو نتناً وأصفر).
نعم؛ يندب غسل ما احتمل أنه منها، ولو ابتلي بما علم أنه منها .. عفي عنه، وكذا ما ابتلي به من دم اللثة.
(ومني الكلب والخنزير والمتولد من أحدهما)؛ لأنه أصلها (ولبن ما لا يؤكل لحمه) ولو من أتان.
وفارق منيَه وبيضه بأنهما أصل حيوان طاهر، فكانا طاهرين مثله، واللبن مرباه، والأصل أقوى من المربى.
(إلا الآدمي) .. فلبنه طاهر ولو من صغير ذكر ميت، وكذا لبن المأكول وأنفحته، وبيض الميتة المتصلب، وبزر القز، ومترشح حيوان طاهر كعرق، ولعاب وبلغم لا من معدة وماء قروح ونفط لم يتغير ومسك وفأرته المنفصلة من حي وزباد وهو عرق سنور بري.
(وأما مني الحيوان غير الكلب والخنزير وما تولد من أحدهما والعلقة) وهي دم غليظ استحال عن المني (والمضغة) وهي لحمة صغيرة استحالت من العلقة (ورطوبة الفرج) -أي: القبل- الخارجة مما يصله ذكر المجامع، وهي: ماء أبيض متردد بين المذي والعرق ( .. فطاهرات) من الحيوان الطاهر، أمَّا المني .. فلأنه أصل حيوان طاهر، والعلقة والمضغة كالمني بل أولى؛ لأنها أقرب إلى الحيوانية، والرطوبة كالعرق، لكن قال (سم): (الرطوبة ليس لها قوة الانفصال إلاَّ التي من الباطن، فتكون نجسة) اهـ
ومحل طهارة المني إن كان رأس الذكر والفرج الذي خرج منه المني طاهراً، وإلاَّ .. كان متنجساً، وحرم الجماع حينئذٍ كما مر، والغالب أن يسبقه المذي، فينبغي التحرز عنه.
(والجزء المنفصل من الحي كميتته) طهارة ونجاسة، فما انفصل من آدمي أو سمك أو جراد .. طاهر، أو من غيره .. فنجس كميتته، إلا فأرة المسك المنفصلة في الحياة ولو احتمالا .. فطاهرة، وإلا لتنجس بها المسك؛ لرطوبته قبل انعقاده.
و (إلا شعر المأكول وريشه وصوفه ووبره .. فطاهرات) إن لم يعلم إبانة ذلك بعد الموت، سواء انتف أم جز أم تناثر؛ لآية (وَمِنْ أَصْوَافِهَا) [النحل: 80] وخرج بـ (الشعر) وما بعده: العضو المبان ولو قرناً أو ظلفاً وعليه شعر أو ريش ولو واحدة، فإنه مع شعره أو ريشه نجس ولا أثر لما بأصلها من الحمرة حيث لا لحم به، ولا لشعر خرج من أصله، بخلافه مع قطعة جلد، وإن قلت لكن يعفى عن ذلك في نحو عباءة إن قل.
ولو شك في شعر، أهو من مأكول أو غيره؟ أو انفصل من حي أو ميت؟ .. فطاهر؛ إذ الأصل فيه الطهارة، ومثله: العظم، بخلاف قطعة لحم جهل تذكية ما هي منه؛ إذ الأصل فيه عدم التذكية.
(ولا يظهر شئ من النجاسات) بغسل مطلقاً ولا باستحالة، وأمَّا ميتة وقعت في ملاحة فصارت ملحاً، أو حرقت فصارت رماداً، أو سرجين صار طينا .. فباقية على
نجاستها، وليست هذه استحالة؛ إذ هي أن يبقى الشئ بحاله، وإنما تتغير صفاته (إلا ثلاثة أشياء) .. فتطهر بالاستحالة على خلاف يأتي في الثالث.
(الخمر) أي: المسكر ولو نبيذاً؛ لصحة السلم في خل التمر والزبيب المستلزمة لطهارته، ولا يحمل ذلك على خل لا يستحيل عن نبيذ، كما لو صب العصير في دن عتيق أو على خل أكثر منه .. فإنه يتخلل في هذين من غير تنبذ، كما لو جردت حبات العنب عن عناقيدها وملئ بها دن وطين رأسه .. فيتخلل من غير تخمر؛ أخذاً بإطلاقهم، ولأن ذلك نادر، قال بعضهم: بحسب ما كان، وأمَّا الآن .. فغالبه لم يتخمر.
فتطهر الخمر بالتخلل ولو غير محترمة وإن فتح رأسها ونقلت من دن لآخر، ومن شمس لظل، وعكسه، وعَلَت لا بفعل فاعل أو به، ثم غمرت بخمر قبل جفاف ما علا منها، وكذا بعد جفافه، كما في "المغني" (مع إنائها) وغطائه ولو نحو خزف جديد (إذا صارت خلا بنفسها) من غير مصاحبة عين أجنبية؛ لأن علة النجاسة والتحريم الإسكار، وقد زال، ولأن الخل يحل إجماعاً، وهو مسبوق بالتخمر غالباً فلو لم يطهر .. لتعذر حله وحرم اتخاذه، أمَّا إذا تخللت بمصاحبة عين أجنبية نجسة -وإن نزعت قبل التخلل- أو طاهرة واستمرت إلى التخلل، أو تحلل منها شئ .. فلا تطهر؛ إذ النجس يقبل التنجس في الأولى، ولتنجسها بعد التخلل بالعين أو بما تحلل منها فيما بعدها.
وخرج بـ (بالأجنبية): نحو حبات العناقيد، فلا ينجس به قال الكردي: يعفى عن حبات العناقيد، ونوى التمر وتفله، وشماريخ العناقيد على المنقول؛ وفاقاً لـ (حج)، وخلافاً لشيخ الإسلام و (م ر) والخطيب.
(والجلد المتنجس بالموت) خرج جلد المذكاة والسمك فإنه طاهر قبل الموت وبعده، والمغلظ فإنه نجس قبل الموت فلا يطهر بالدباغ؛ لأنه إنما يطهر النجاسة الحاصلة بالموت من العفونة العارضة به دون الأصلية.
(ويطهر) ولو من غير مأكول (بالدبغ) أو الإندباغ (ظاهره) وهو: ما لاقاه الدابغ (وباطنه) وهو: ما لم يلاقه من أحد الوجهين، أو ما بينهما كذا في "التحفة".
وفي "النهاية": الباطن ما بطن، والظاهر ما ظهر من وجهيه؛ للأخبار الصحيحة
بذلك، كخبر: "إذا دبغ الإهاب فقد طهر"، فيجوز بيعه، وكذا أكله إن كان من مأكول عند (م ر).
وشرط الدبغ: أن يكون بحريف ولو نجساً ينقيه من الرطوبات المعفنة له بحيث لا يعود النتن والفساد لو نقع في الماء إليه، فلا يكفي بنحو شمس وتراب وملح وان طاب ريحه؛ إذ لا يزيل عفوناته.
وخرج بـ (الجلد): الشعر.
نعم؛ قليله يطهر، تبعاً له عند (حج)، ويعفى عنه عند (م ر)، ثم الجلد بعد الإندباغ كثوب متنجس، ولا يضر بقاء أثر الدباغ بعد غسله.
(وما صار حيواناً) كالميتة إذا صارت دوداً .. فإنه يتولد من عفوناتها، وهي نجسة؛ وذلك لحدوث الحياة فيه، وفيه نظر؛ إذ ليس قطعيا، بل يحتمل أنه خُلق فيها لا منها، والتمثيل بالمحتمل لا يحسن، وكذا يستحيل الدم مسكاً ولبناً، ومنياً، فيصير طاهراً.
(فصل) في إزالة النجاسة،
وهي إمَّا مغلظة، وهي نجاسة الكلب والخنزير، أو مخففة، وهي بول الصبي، أو متوسطة، وهي ما عدا ما ذكر، وكل منها إمَّا عينية، وهي ما تدرك بمس أو نظر أو ذوق أو شم، أو حكمية وهي ما لا يدرك بذلك.
(إذا تنجس) يقيناً (شيء) جامد ولو نفيساً (بملاقاة) شيء من (كلب أو فرعه) أو فضلته، أو ما تنجس به ولو معضهما من صيد ( .. غسل سبعاً) يقيناً وإن تكررت الملاقاة لذلك، ولنجاسة أخرى معه (إحداهن) في غير التراب، سواء الأولى وغيرها (بالتراب الطهور) بحيث يكدر الماء، ويصل بواسطته إلى جميع أجزاء المحل، سواء وضع التراب ثم صب الماء، أم مزجهما، ولا بد في التراب من كونه يجزئ في التيمم، لكن يكفي هنا كونه طيناً رطباً؛ لأنه تراب بالقوة؛ للأخبار الصحيحة بذلك وإن اختلف في التي تصاحب التراب؛ لأن في بعض الروايات: "إحداهن"، وهي مبينة للمراد، والنص على الأولى؛ الأكمل، وعلى السابعة؛ للجواز، ولأن القيود إذا تنافت .. سقطت وبقي أصل الحكم.
ومزيل العين الشاملة للأوصاف -وقيل: للجرم وحده- غسلة واحدة وإن كثر،
ولا يعتد بالتتريب قبل إزالة العين مطلقاً، ولا قبل إزالة الأوصاف إلا إن أزالها الماء المصاحب للتراب، ويكفي سبع جريات، أو تحريكه سبعاً.
وخرج بـ (الجامد) المائع، فإذا تنجس .. تعذر تطهيره -ومرَّ حكم تنجس الماء- وبـ (في غير الترابِ) الترابُ، فلا يجب تتريبه؛ إذ لا معنى لتتريب التراب، لكن لو أصاب نحو ثوب شيء من ذلك .. وجب تتريبه مع التسبيع، وبـ (التراب الطهور) نحو صابون وسدر وسحاقة خزف، والتراب المتنجس والمستعمل والمخلوط بنحو دقيق وإن قل، بحيث يؤثر في التغيير؛ للنص على التراب، وهو طهور، فلا يقوم غيره مقامه.
(والأفضل) جعل التراب حيث لا جرم، ولا وصف للنجاسة (في الأولى)؛ لما مر (ثم في غير الأخيرة)؛ لعدم الاحتياج حينئذٍ إلى تتريب ما يصيبه بعد التي فيها التراب؛ إذ لما أصابه من المغلظة .. حكم المنتقل عنه فيما بقي من عدد وتتريب، (والخنزير كالكلب) في جميع ما ذكر.
(وما تنجس ببول صبي لم يطعم) بفتح أوله للتغذي (غير اللبن) ولم يجاوز سنتين تحديداً، وقيل: تقريباً ( .. ينضح) النضح: غلبة الماء للمحل بلا سيلان، فإن سال .. فغسل لخبر الصحيحين: "أنه صلى الله عليه وسلم لما بال ابن لأم قيس في حجره .. دعا بماء فنضحه، ولم يغسله"، ولخبر: "يغسل من بول الجارية، وينضح من بول الغلام".
وفرق بينهما بأن الابتلاء بحمل الصبي أكثر، وبأن بوله أرق، فخفف فيه، فإن تناول غير اللبن للتغذي، أو جاوز السنتين .. تعين الماء، فلا يضر تناول نحو عسل للتحنيك أو للإصلاح، ولو أكل غير اللبن للتغذي، ثم اقتصر على اللبن .. غسل من بوله، ولو شك هل بلغ الحولين؟ .. غسل؛ لأن الرش رخصة لا يصار إليها إلا بيقين وقال (ع ش): يرش؛ لأن الأصل عدم بلوغه حولين، ولو وقعت قطرة من بول صبي في ماء مثلاً فأصاب شيئاً .. غسل وجوباً.
(وما تنجس بغير ذلك) المغلظ والمخفف من سائر النجاسات ( .. وجبت إزالة عينه وطعمه ولونه وريحه) ويجب نحو صابون، ودلك توقفت إزالة ما ذكر عليه مع طهارة
الغسالة؛ لتلازمهما طهارةً ونجاسةً، كما يأتي.
(ولا يضر بقاء لون أو ريح) ولو من مغلظ (عسر زواله) بحيث تصفو الغسالة، ولم يبق إلاَّ أثر محض كريح الخمر.
وضابط العسر: أن لا تزول بعد الغسل ثلاث مرات مع الحت والقرص في كلٍّ، ومع نحو أشنان توقفت الإزالة عليه بقول خبير، ووجده بحد غوث أو قرب -بتفصيله الآتي في التيمم- فإن تعذر نحو الصابون .. عفي عنه إلى وجوده، لكن ظاهر"التحفة" أنه يطهر، قال الشرقاوي: (وهو المعتمد).
(ويضر بقاؤهما) معاً بمحل واحد (أو الطعم وحده) وإن عسر زوالها؛ لقوة دلالتها على العين ووجبت الاستعانة بما يتوقف زوالها عليه من نحو صابون، فإن تعذر زوالها أو نحو الصابون .. عفي عنها إلى القدرة على إزالتها.
والأوجه: جواز طعم المحل إذا ظن طهارته.
تنبيه: ظاهر المتن: أنه لا يجب زوال الأوصاف في المخففة، وهو ظاهر الحديث، وقضية كلامهم كما في "الإمداد" واعتمده في "الفتح" و"الايعاب" أيضاً، لكن خالف في"التحفة" كـ"النهاية" وغيرهما، واعتمدوا أنه لا يكفي الرش فيها إلا حيث لا عين ولا وصف لا يزيله الرش.
تنبيه آخر: إذا غسل ثوباً متنجساً بنحو صابون حتى زالت النجاسة .. طهر وإن بقي ريح الصابون، قاله الطبلاوي.
وقال (م ر): لا يطهر حتى تصفو الغسالة من ريح الصابون، أي: لإمكان استتار ريح النجس في ريحه.
ويعفى عما يشق استقصاؤه، والمصبوغُ بعين النجس، أو بما فيه عينها .. لا يطهر حتى تصفو الغسالة من الصبغ، والمصبوغُ بمتنجس لا جرم للنجاسة فيه، ولا وصف كصبغٍ مائعٍ وقع فيه نحو بعرة وشيلت منه .. يطهر ما صبغ به إذا جف وإن لم تصفه غسالته من الصبغ بغمسه في ماء كثير، أو بإيراد الماء عليه، وفاقاً لشيخنا الطبلاوي.
انتهى (سم).
(وإن لم تكن للنجاسة عين) بأن كانت حكمية لا يدرك لها عين ولا وصف كبول جف، ولا لون ولا ريح ولا طعم له، وكذا عينية لم يبق لها إلا أثر محض، بحيث لو
عصر ما هي فيه لم ينفصل شيء منه، أي: مجرد لون أو ريح، وزال بجري الماء عليه ( .. كفى جري الماء عليها) مرة، ومن ذلك: سكين سقيت نجساً، وحب نقع في بول، ولحم طبخ به، فيطهر باطنها بجري الماء على ظاهرها كما في "التحفة".
ويعفى عن الخزف المعمول بنجس، والجبن المعمول بالأنفحة النجسة، والآجر المعمول بالسرجين، ويصح بيع ذلك، وبناء المساجد، وفرش عرصاتها به، والصلاة عليه مع الكراهة.
(ويشترط) في طهر المتنجس (ورود الماء القليل) عليه، وإلاَّ بأن ورد المتنجس على الماء .. فينجسه، بخلاف الكثير.
وفارق الوارد غيره بقوته بكونه عاملاً، ومن ثم لم يفترق الحال بين المنصب من نحو أنبوب، والصاعد من نحو فوارة.
ولو تنجس فمه .. كفاه أخذ الماء بيديه إليه وإن لم يعلها عند (حج)، وحرم بلع شيء منه قبل تطهيره ولو ريقه على احتمال فيه لـ (سم).
وتجب المبالغة بالغرغرة عند غسله، وغسل جميع ما في حد الظاهر منه ولو بالإرادة كصب ماء في إناء متنجس وإدارته في جوانبه ولو بعد مكثه مدة قبل الإدارة عند (حج)؛ لأن الإيراد منع تنجسه بالملاقاة، فلا يضر تأخير الإدارة عنها.
وهذا في وارد على حكمية أو عينية أزال أوصافها، وإلاَّ فيتنجس الماء مع بقاء الإناء على نجاسته، ولا يجب العصر على الأصح فيما يمكن عصره؛ إذ البلل بعض المنفصل، وقد فرض طهره، والخلاف مبني على أن الغسالة طاهرة أو نجسة، إن قلنا بطهرها .. لم يجب، وإلاَّ .. وجب.
(والغسالة) -لنجس ولو معفواً عنه- (القليلة) المنفصلة (طاهرة) غير مطهرة (إن لم تتغير) بأحد أوصافها، ولم يزد وزنها بعد اعتبار ما يأخذه الثوب من الماء، ويعطيه من الوسخ الطاهر.
(وقد طهر المحل) المغسول، بأن لم يبق شئ من أوصافها، بخلاف ما إذا تغيرت أو زاد وزنها أو لم يطهر المحل، كأن بقي فيه أحد أوصافها، ولم تعسر إزالته .. فنجسة
كالمحل؛ إذ البلل الباقي بالمحل بعضها، والشيء الواحد لا يتبعض طهارة ونجاسة، ولا بشكل طهرها بانتقال النجاسة إليها؛ لأنها -عند توفر ما مر من شروطها- قهرت النجاسة فأعدمتها، أمَّا الكثرة .. فلا تنجس إلا بالتغير، وأمَّا قبل انفصالها فطاهرة قطعاً؛ إذ الماء المتردد على الشيء له حكم الطاهر المطهر حتى ينفصل عنه بلا خلاف، ولو وضع في إجَّانة ثوباً فيه نحو دم برغوث، وغسله -ولو بالصب عليه- لا لإزالة دم نحو البرغوث، بل لنحو وسخ .. تنجس الماء بملاقاته، فلا بد بعد زواله من تطهيره، قاله (حج)، وخالفه (م ر) فأفتى بأن ذلك لا يضر، قال: (ومثله: لو غسل رجله عن حدث، وعليها طين شارع متنجس بمعفو عنه، أو توضأ أو أكل رطباً بيده التي فيه دم البرغوث؛ لأن ذلك ماء طهارة .. فلا يضر) اهـ
وفي كلام (حج) ما هو صريح فيه؛ فإنه ذكر أن ماء الطهر والشرب ونحوهما ليس بأجنبي، ولا يضر ملاقاته للنجس المعفو عنه.
ولو تنجس مصحف بغير معفو عنه .. وجب غسله ولو لصبي وأدى إلى تلفه إن وقع على حروف القرآن.
ولو أصاب الأرض نحو بول وجف .. طهر بصب الماء عليه وإن لم يغر.
﴿باب التيمم﴾
وهو لغةً: القصد.
وشرعاً: إيصال التراب إلى الوجه واليدين بشرائط تأتي.
وهو رخصة مطلقاً إلا في العاصي بسفره، فعلى خلاف يأتي، وصح بالتراب المغصوب؛ لأنه آلة للرخصة لا سببها، ومن خصائصنا؛ لخبر: "جعلت لنا الأرض كلها مسجداً، وتربتها طهوراً"، وفُرض سنة أربع أو خمس أو ست، ويختص بالوجه واليدين وإن كان لحدث اكبر.
(يتيمم المحدث والجنب) والحائض والنفساء ومأمور بطهر مسنون عن غير نجس والميت.
(لفقد الماء، والبرد، والمرض) أي: لواحد منها، ويكفي في كل منها غلبة الظن.
قال في "التحفة": وجعل هذه أسباباً؛ نظراً إلى الظاهر أنها المبيحة له، فلا ينافي أن المبيح له هو: العجز عن استعمال الماء حساً أو شرعاً، وتلك أسباب للعجز.
تنبيه: أراد المصنف بالفقد: الحسيّ فقط، لا ما يشمل الشرعي، وإلاَّ .. كان ذكره السببين بعده تكراراً.
قال في "التحفة": فالحسي: ما تعذر استعماله حساً، ويؤيده قولهم في راكب بحر خاف من الاستقاء منه: لا إعادة عليه؛ لأنه عادم للماء.
ويترتب على كون الفقد هنا حسياً: صحة تيمم العاصي بسفره حينئذٍ؛ لأنه لما عجز عن استعمال الماء حساً .. لم يكن لتوقف صحة تيممه على التوبة فائدة، بخلاف ما إذا كان مانعه شرعياً كعطش ومرض.
وعبارة "المجموع": (لا يتيمم لعطشٍ عاص بسفره قبل التوبة اتفاقاً، وكذا من به قروح وخاف من استعمال الماء الهلاك؛ لأنه قادر على التوبة واجد للماء) اهـ
فالفقد في كلام المصنف لم يشمل التيمم لنحو الحاجة إلى الماء أو إلى ثمنه، فيكون قد أخل به فلذا كان تعبير "المنهج" بالعجز عن استعمال الماء -أي: حساً أو شرعاً-
أولى؛ لأنه شامل لجميع أسباب التيمم، وجعل في "الروضة" كأصلها أسباب العجز المذكورة سبعة، والأولى كونها: خمسة، أحدها: الفقد الحسي، وقد أشار إليه بقوله: (فإن تيقن) من ذكر من المحدث والجنب (فقد الماء) ولو بخبر عدل عند (م ر)، وإن كان الفقد بفعله كأن أتلف الماء، لا إن باعه في الوقت؛ لعدم صحة البيع ( .. تيمم بلا طلب)؛ لأنه حينئذٍ عبث.
(وإن توهم) وجود (الماء، أو ظنه، أو شك فيه) .. وجب طلبه لكل تيمم في الوقت ولو بنائبة الثقة، أو من وقع في القلب صدقه وإن أنابه جمع ولو قبل الوقت؛ لآية (فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا) [النساء: 43]؛ إذ لا يقال لمن لم يطلب: لم يجد، ولأنه طهارة ضرورة ولا ضرورة مع إمكان الطهر بالماء، وإنما لم يجب طلب المال للحج والزكاة؛ لأنه شرط للوجوب، وهو لا يجب تحصيله، وما هنا شرط للانتقال عن الواجب إلى بدله، فلزم، كطلب الرقبة في الكفارة، وإنما منعت الإنابة في القبلة؛ لأن مدارها على الاجتهاد، وهو يختلف باختلاف الأشخاص، بخلاف الفقد هنا، فإنه حسي لا يختلف.
وإنما يحصل الطلب إن (فتش) بنفسه أو نائبه (في منزله وعند رفقته) المنسوبين لمنزله عادة إن جوز وجود ماء عندهم، وبذلهم له ولو بأن ينادي: من معه ماء يجود به ولو بالثمن؛ لا كل القافلة إن فحش كِبرُها، ثم نظر حوليه من الجهات الأربع إن كان بمستو، ويمعن نظره في موضع خضرة وطير، وإلا .. صعد مرتفعاً ونظر (و) إن احتاج لنحو شجر إلى تردد .. (تردد) من كل جهة (قدر حد الغوث) وهو: ثلاث مئة ذراع، (فإن لم يجد) الماء فيما ذكر ( .. تيمم)؛ لتحقق الفقد حينئذٍ، ولو طلبه لفائتة أو نافلة لو لعطش، فلم يجده، فلما فرغ من الطلب دخل وقت حاضرة .. تيمم بلا طلب، ولو مكث موضعه بعد التيمم ولم يتيقن فقد الماء .. وجب الطلب لكل تيمم يطرأ، ولو خفيت عليه بئر عند تيممه، ثم علمها .. فلا قضاء لما صلاه به قبل علمه بها، كما لو ورث ماء، وتيمم مع عدم علمه به.
(وإن تيقن وجود الماء) أي: وثق به بحسب العادة، أو بخبر ثقة، أو من وقع في قلبه صدقة ( .. طلبه) وجوباً إن كان (في حد القرب) وهو قرب نصف فرسخ (وهو ستة آلاف خطوة)؛ إذ الفرسخ: ثلاثة أميال، والميل: أربعة آلاف خطوة، قال
الشرقاوي: وهو بسير الأثقال: إحدى عشرة درجة وربع؛ وذلك أنهم يقصدون ما ذكر لدنياهم من نحو احتطاب، فلدينهم أولى.
(فإن كان) الماء (فوق حد القرب) ويسمى حد البعد ( .. تيمم) أي: جاز له التيمم وان علم وصوله في الوقت للمشقة في قصده.
(و) لكن (الأفضل) لمسافر، ومثله عار وعاجز عن قيام ومنفرد (تأخير الصلاة إن تيقن وصول الماء) أي: القدرة عليه أو على السترة أو القيام أو الجماعة (آخر الوقت) وقد بقي ما يسع جميع الصلاة وطهرها فيه؛ لما في ذلك من مزيد الفضل، وهذا إن لم تقترن بالتقديم فضيلة كالجماعة يخلو عنها التأخير، وإلاَّ .. فهو أفضل.
نعم؛ الأفضل أن يصليها أول الوقت بالتيمم، وآخره بالماء، أمَّا إذا لم يتيقنه .. فالتعجيل أفضل.
نعم؛ يسن تأخير لم يفحش عرفاً لظان جماعة، أو غيرها -مما مر- أثناء الوقت.
ولو علم ذو النوبة من متزاحمين على بئر أو سترة أنها لا تأتيه إلا بعد خروج الوقت .. صلى بلا إعادة؛ لأنه عاجز حالاً حساً، والقدرة لا تعتبر بعد الوقت، بخلاف من به خبث، وعنده ماء لو غسله به .. خرج الوقت، فيسعى في تطهيره؛ لأنه غير عاجز حالا.
وخرج بتقيدي الأفضلية بـ (المسافر) -وهو من بمحل لا يغلب فيه وجود الماء وإن كان مقيما- المقيم وهو من بمحل يغلب فيه وجوده، وإن كان مسافراً .. فيجب عليه التأخير جزماً وإن خرج الوقت.
والثاني من الأسباب: الخوف من طلبه، كما قال:
(ولا يجب طلبه) أي: الماء (في حد الغوث وحد القرب إلا إذا أمن نفساً) وعضواً وبضعاً (ومالاً) واختصاصاً محترمات ولو لغيره، نعم إن تيقن وجوده .. لم يعتبر الأمن على الاختصاص، والمال الذي يجب بذله لماء الطاهر ثمناً أو أجرة؛ لأنه ذاهب على كل تقدير، والاختصاص وإن كثر دانق خير منه.
(و) أمن (انقطاعاً عن الرفقة) وإن لم يستوحش، وفارق الجمعة بأنها لا بدل لها، ولا تتكرر كل يوم.
(وخروج وقت) لصلاة مسافر، وإلاَّ كأن نزل آخره -ولو قصده .. وخاف فوته- تيمم وصلى ولا قضاء، بخلاف من معه ماء لا يحتاج في تحصيله إلى طلب، كأن كان في منزله -ولو فوق حد الغوث- فيستعمله وإن خرج الوقت، وما ليس في منزله ليس في يده، فلا يعد واجداً له وإن قرب، بل يتيمم -كما في "الايعاب" وغيره- إن كان قصده .. يخرج الوقت، لكن في كلام الشرقاوي، و (ب ج) وغيرهما: أنه لو تيقن الماء في حد الغوث، فإنه كالذي معه الماء، فلا يشترط حينئذٍ الأمن على خروج الوقت.
ويؤيده قولهم: (ولو انتهى إلى المنزل في آخر الوقت، والماء بحد القرب ولو قصده خرج الوقت .. تيمم ولا قضاء)؛ لأن ظاهره أن قولهم: (والماء بحد القرب) قيد يخرج به ما لو كان بحد الغوث .. فيجب قصده، أمَّا المقيم .. فيقصد الماء وإن خرج الوقت كالعاصي بسفره، قال (سم): ولو فوق حد القرب ما لم يعد قصده سفرا).
(فإن وجد ماء لا يكفيه) لطهره ( .. وجب) عليه (استعماله)؛ إذ الميسور لا يسقط بالمعسور، وإنما لم يجب شراء بعض الرقبة في الكفارة؛ لأنه ليس برقبة وبعض الماء ماء، والتراب كالماء.
(ثم) بعد استعماله في بعض ما يريد تطهيره (تيمم) عن الباقي؛ إذ لا يتحقق الفقد المجوز للتيمم إلا بعد استعماله.
نعم؛ الترتيب واجبٌ في محدث، سنة في نحو جنب.
ولو كان عليه حدث وخبث، ومعه ما يكفي أحدهما فقط .. قدم الخبث؛ إذ لا بدل له وإن كان مقيما عند (م ر).
(ويجب) بعد دخول الوقت (شراؤه) أي: الماء، وكذا التراب ولو ناقصاً، وبمحل لا يسقط به الفرض، وشراء نحو دلو، واستئجاره، كما يلزمه شراء ساتر العورة فإن امتنع صاحبه من بيعه بثمن مثله ولو تعنتا .. لم يجبر عليه لطهر، وأجبر عليه لعطش محترم إن لم يحتجه مالكه لذلك حالاً، وله حينئذٍ مقاتلته عليه، فإن قتله .. فهدر، وإنما يجب ما ذكر لما يكفي الواجب فقط، و (بثمن) أو أجرة (مثله) وهو ما يرغب به زماناً ومكاناً ما لم ينته الأمر لسد الرمق؛ إذ قد تساوي الشربة حينئذٍ دنانير ولا يكلف الزيادة على ذلك وإن قلَّت، نعم؛ الزيادة في المؤجل التي لا تعد فيه غبناً يكلفها، وهذا (إن لم يحتج إليه) أي: الثمن أو الأجرة (لدين) عليه ولو مؤجلاً، و (مستغرقٍ) صفة.
لازمة؛ إذ من لازم الاحتياج إليه لأجله استغراقه (أو مؤنة سفره) المباح ذهاباً وإياباً على التفصيل في الحج.
ولذا اعتبرت هنا الحاجة للمسكن والخادم أيضاً، ويعتبر في المقيم الفضل عن يومه وليلته كالفطرة (أو نفقة) أي: مؤنة (حيوان) من آدمي وغيره وإن لم يكن له ولا معه؛ لأن هذه الأمور لا بدل لها، بخلاف الماء (محترم) وهو من حرم قتله كذمي وكلب غير عقور، بخلاف نحو مرتد وحربي وتارك صلاة -بشرطه الآتي- وزان محصن وكلب عقور، فلا يجوز لغير محترم شرب الماء، ويتيمم، ويحتمل خلافه؛ إذ لا يجوز له قتل نفسه، واستقربه في "الايعاب"، نعم إن كان إهداره يزول بتوبته كمرتد .. امتنع عليه شربه؛ لقدرته على التوبة المبيحة لترخصه، بخلاف نحو الزاني المحصن.
(ويجب) في الوقت إن تعين طريقاً، ولم يحتجه مالكه، وجوز بذله ولم يضق الوقت عن طلبه (طلب هبة الماء) وقرضه (واستعارة) نحو (دلو) ورشاء وقبولها إذا عرضت عليه؛ إذ لا تعظم المنة فيها ولم ينظروا لاحتمال تلف المعار، ووجوب غرم ثمنه مع زيادته على ثمن الماء؛ لأن الأصل السلامة، فإن لم يطلب أو يقبل .. أثم، ولم يصح تيممه ما دام الماء بحد القرب (دون اتهاب ثمنه) أي: ما ذكر من الماء، ونحو الدلو وأجرته واقتراض ثمن الماء، ونحو دلو؛ لثقل المنة فيه، وساتر العورة -فيما ذكر- كالدلو.
المبيح الثالث: الجهل بالماء ونسيانه: فإذا نسي بئراً بمحل نزوله أو ماء في رحلة أو ثمنه أو أضلهما، وتيمم وصلى، ثم تذكره أو وجده .. أعاد الصلاة، وإن أمعن الطلب؛ لوجود الماء مع نسبته إلى تقصير.
فإن أضل رحله الذي فيه نحو الماء في رحال، وأمعن الطلب، أو أُدرج في رحله ولم يعلمه، أو خفيت عليه بئر في موضعه، وتيمم وصلى .. فلا إعادة؛ إذ من شأن مخيم الرفقة أنه أوسع من مخيمه، فكان التقصير فيه أبعد، ولا ينافي وجوب القضاء -فيما مر- كونه مبيحاً لجواز التيمم، بل وجوبه معه على أنه يمكن دخوله في فقد الماء، كما يمكن دخول الثاني في الخامس، فترجع الأسباب إلى ثلاثة كما في "المنهاج".
تنبيه: مر عن "التحفة" أن المراد بالفقد الحسي: تعذر استعمال الماء حساً وإن كان موجودا، كما في راكب سفينة خاف غرقاً من أخذه من البحر، وعليه فهذا السبب من الفقد الحسي أيضاً.
وأما الثاني .. فمنه شرعي كخوف خروج الوقت، والانقطاع عن الرفقة، ومنه: حسي كالخوف من نحو سبع، لكن نقل (ب ج) عن (ق ل)، و (ح ف): أن ذلك من الشرعي، ويمكن أن يقال: إن نحو السبع مانع حسي من حيث أنه مانع له منه، وشرعي؛ لكون الشرع مانعاً له منه.
المبيح الرابع: الحاجة إلى الماء، كما قال:
(ولو كان معه ماء يحتاج إليه لعطش حيوان محترم) بأن يخشى عليه من العطش مرضاً أو غيره مما يأتي، وإن كان غير آدمي، أو لغيره، أو لم يكن معه (ولو في المستقبل) وإن ظن وجود الماء فيه ( .. وجب التيمم) وكالاحتياج إليه لعطش الاحتياجُ لبيعه لطعم محترم، أو لنحو دين عليه، أو لغسل نجاسة، ومع الاحتياج إليه لذلك يحرم الطهر به وإن قل ما توهم احتياج محترم في القافلة إليه وإن كبرت جداً، وكثير يتوهمون أن الطهر به حينئذٍ قربة، وهو من إفراط قبحهم وجهلهم، ولا يكلف الطهر به وجمعه لشرب غير دابة؛ لاستقذاره، ويلزمه ذلك لدابة خشي عليها وكفاها الذي استعمله، وكالمستعمل متغير بمستقذر عرفاً، بخلاف المتغير بنحو عرق سوس، يلزمه شربه إن كان يدفع العطش، والتطهر بالماء.
ولا يجوز شرب نجس ما دام معه ماء طاهر، بل يشربه ويتيمم، ويجوز سقي الدابة النجس، ويتطهر بالطاهر.
وغير المميز كالدابة في اسقائه المستقذر لا النجس، ويجوز لعطشان إيثار عطشان آخر بالماء، ولا يجوز لمحتاج إلى طهر إيثار محتاج آخر إليه بالماء، وإن كان حدثه أغلظ، إذ لا يجوز الإيثار في القرب، لأنها حق لله، بخلاف الشرب فحقه، ومن ظن حاجة غيره إلى الماء مآلاً .. لزمه تزوده له إن قدر، ولا يجوز ادخار ماء ولا استعماله لطبخ، وبلِّ كعك يسهل أكله يابساً، لكن جوّز (م ر) التيمم لاحتياجه لذلك حالاً، والخطيب: جوّزه مطلقاً.
ولو وجد العاصي بسفره الماء، واحتاجه لشربه أو كان به قروح .. لم يتيمم إلا إن تاب.
والخامس: أن يخاف من استعمال الماء محذوراً -مما يأتي- ولو متوقعاً، أو في الحضر؛ لآية (وَإِنْ كُنتُمْ مَرْضَى) [النساء: 43] أي: وخفتم من استعمال الماء محذوراً (فَتَيَمَّمُوا) [النساء: 43] بقرينة تفسير ابن عباس المرض بالجرح والجدري ونحوهما، كما قال: (ولا يتيمم للمرض) الحاصل أو المتوقع (إلا إذا خاف من استعمال الماء على نفس، أو) مال أو (منفعة عضو) -بضم أوّله وكسره- أي: خاف ذهاب ذلك أو نقصه، كنقض ضوء عين (أو) خاف (طول) مدة (المرض) وإن لم يزد، أو زيادته وإن لم يبطئ (أو حدوث شين قبيح) أي: فاحش كتغير لون أو نحول أو استحشاف أو ثغرة تبقى أو لحمة تزيد، وإنما يؤثر ذلك (في عضو ظاهر) وهو ما يبدو عند المهنة غالباً كالوجه واليدين، أو ما لا يعد كشفه هتكاً للمروءة، بخلاف الشين اليسير، كسواد قليل .. وبخلاف العضو الباطن ولو لأمة حسناء تنقص به قيمتها، ثم إن عرف ذلك بالتجربة أو بخبر عدل .. اعتمده، فإن انتفيا، وتوهم شيئا -مما مر- تيمم عند (حج)، وأعاد.
(ولا يتيمم للبرد إلا إذا لم تنفع تدفئة أعضاءه) في دفع المحذور المتقدم (ولم يجد ما يسخن به الماء) من إناء وحطب ونار (وخاف على) شيء -مما مر في المرض- من نفس، أو (منفعة عضو) له (أو حدوث) مرض، أو زيادته، أو بطأه أو (الشين المذكور) في المرض، فحينئذٍ يجوز للضرر، لكن عليه القضاء -كما يأتي- فإن نفعته التدفئة، أو قدر على التسخين، أو لم يخف شيئا مما مر في المرض .. لم يتيمم وإن تألم بالماء؛ إذ مجرد التألم لا يبيح التيمم.
(وإن خاف) شيئاً -مما مر- (من استعمال الماء) في جميع بدنه أو في جميع أعضاء وضوء المحدث .. وجب تيمم واحد، ولا غسل، أو (في بعض بدنه .. غسل الصحيح) ويتلطف بوضع خرقة مبلولة بقرب العليل ليغسل بقطرها ما حواليه من غير أن
يسيل إليه شيء، وهو غسل حقيقي، فإن تعذر .. أمسَّه ماء بلا إفاضة، وهذه رتبة فوق المسح ودون الغسل جوزت للحاجة هنا بدل الغسل للضرورة.
(وتيمم عن الجريح) تيمماً كاملاً (في الوجه واليدين) وإن كان الجرح في غيرهما بدلاً من غسل العليل؛ لئلا يخلو محل العلة عن الطهارة، ويجب أن يمر التراب على محل العلة -حيث لا ضرر إن كان بمحل التيمم- لا مسحه بالماء، لكن يسن، ولا يلزمه وضع ساتر على العليل لكن يسن إن تعذر إمرار التراب على العليل، وإلا .. لم يجز.
(فإن كان) مريد الطهارة (جنباً) أو نحوه ممن طلب غسل ولو مندوباً ( .. قدم ما شاء) من غسل الصحيح والتيمم؛ إذ لا ترتيب عليه، والأولى تقديم التيمم؛ ليزيل الماء أثره.
(وإن كان محدثاً) حدثاً أصغر ( .. تيمم عن الجراحة وقت غسل العليل)؛ رعاية لترتيب الوضوء، فلا ينتقل عن عضو عليل حتى يكمله غسلاً وتيمماً ومسحاً، فإن كان اليد .. وجب تقديم تيممها ومسحها -كغسلها- على مسح الرأس، وتأخيرهما عن غسل الوجه، وله تقديمهما على غسل الصحيح منها، وهو أولى؛ ليزيل الماء أثر التراب، وتأخيرهما عنه، وتوسيطه بينهما؛ إذ لا ترتيب في العضو الواحد، أو وجهه ويديه، فتيممان، فإن عمت الأعضاءَ الأربعة .. فتيمم واحد؛ لسقوط الترتيب.
ولا فرق فيما تقرر بين أن يكون على العليل جبيرة، أو لا، (ثم إن كان عليه جبيرة) وهي ألواح تهيأ للكسر أو الانخلاع تجعل على محله، لكن المراد هنا مطلق الساتر؛ ليشمل نحو اللصوق ( .. نزعها وجوباً) إن أمكن غسل الجرح بالماء، أو أخذت بعض الصحيح، أو كانت بمحل التيمم وأمكن مسح العليل بالتراب.
(فإن خاف من نزعها) محذوراً مما مر ( .. غسل الصحيح) حتى ما تحت أطرافها منه، ويتلطف -كما مر- (ومسح عليها) كلِّها في كل طهر وقت غسل العليل بماء إلى أن يبرأ بدلاً عما تحتها من الصحيح، فلو لم يكن تحتها منه شيء .. لم يجب مسحها، لا بتراب -لأنه ضعيف لا يؤثر مع الحائل، بخلاف الماء كما في مسح الخف- ولا بالماء؛ لأنه طهر لما تحتها من الصحيح، ولا شئ منه تحتها، ولو ترشح الساتر
بنحو دم .. عفي عن ماء مسحها كما في "التحفة" وغيرها، خلافاً "للشرح" (وتيمم عما تحتها) من الجريح تيمماً كاملاً (في الوجه واليدين) كما مر.
(ويجب عليه) أي: ذي الجبيرة (القضاء) إذا أخذت من الصحيح زائداً على حاجة الاستمساك وخشي شيئا مما مر من نزعها مطلقاً، أو (إذا) أخذت بقدر حاجة الاستمساك فقط، وقد (وضع الجبيرة على غير طهر) كامل، ولو في غير أعضاء الوضوء -عند (م ر) - وتعذر نزعها؛ لفوات شرط الستر من الوضع على طهر كالخف (أو كانت في الوجه واليدين) وإن وضعت على طهر؛ لنقص البدل والمبدل كما في "الروضة" لكن نقل عن "المجموع" ما يخالفه، ولا يجب القضاء إذا لم تكن بأعضاء التيمم، ولم تأخذ من الصحيح شيئاً مطلقاً، أو أخذت منه بقدر الاستمساك فقط، ووضعت على طهر.
(ويقضي) وجوباً أيضاً (إذا تيمم للبرد) ولو في السفر؛ لندرة فقد ما يسخن به، أو ما يدثر فيه أعضاءه، وإنما لم يؤمر بالقضاء عمرو بن العاص لما تيمم للبرد؛ لأنه على التراخي، وتأخير البيان إلى وقت الحاجة جائز.
(أو) إذا (تيمم لفقد الماء في الحضر) أي: في محل يندر فقده فيه، وفيما حواليه من سائر الجوانب إلى حد القرب، والعبرة عند (م ر): بمحل الصلاة، وبمحل التيمم عند (حج)، بخلافه في السفر أي: في محل يغلب فيه فقده، أو يستوي الأمران، فلا قضاء، وكذا لو شك فيه، أهو مما يغلب فيه الفقد، أم لا؟
(و) يقضي أيضاً المتيمم (المسافر العاصي بسفره) كآبق وناشزة في الأصح؛ لأن سقوط الفرض بالتيمم فيه رخصة أيضاً، فلا يناط بمعصية، وإنما يصح تيممه مع القضاء إن فقد الماء حساً، كحيلولة نحو سبع، فإن فقده شرعاً .. لم يصح تيممه.
وخرج بالعاصي بسفره: العاصي بإقامته بمحل لا يغلب فيه وجود الماء، وتيمم لفقده، والعاصي في سفره كأن سرق في سفره المباح، فلا قضاء عليهما، ومقابل الأصح لا قضاء على العاصي بسفره؛ لأنه لمَّا وجب عليه .. صار عزيمة، وفيه فسحة عظيمة؛ إذ قل مسافر غير عاص بسفره.
قاعدة تشمل التيمم وغيره وهي:
أنَّ العذر إمَّا عام -وهو ما يغلب وقوعه- أو نادر، وهو إما دائم .. فلا قضاء في العام والدائم- أو غير دائم، وهو إما قتال، أو فرار مباح، ولا قضاء أيضاً فيهما، أو غيرهما فيجب.
(فصل: شروط التيمم) أي: مالا بد منه فيه؛ إذ بعض ما سيذكره أركان (عشرة) بل أكثر؛ إذ منها أيضاً ما لم يذكره، كفقد الماء حساً، أو شرعاً، وعدم المعصية بالسفر في الفقد الشرعي، لكنه قد أشار لذلك فيما مر، أو يقال: هذه ليست شروطاً له؛ لأنها عدمية، والشرط وجودي.
الأول: (أن يكون بتراب) على أي لون كان -كالمدر والسبخ وغيرهما- ولو محروقاً بقي اسمه أو مخلوطاً بنحو خل جف وإن تغيرت به أوصافه، وما أخرجته الأرضة من التراب وغير ذلك من كل ما له غبار، حتى ما يتداوى به، وغبار رمل خشن ولو منه، بحيث لا يلصق بالعضو؛ لأن الرمل من جنس التراب، لا من جنس الحجر، فلا يصح بالحجر المسحوق وإن صار له غبار، ولا بما يلصق من التراب بالعضو، لنداوته أو نعومته -نعم؛ رطوبة العضو الضرورية، كمن بلي بدمع عينيه، أو بعرق يصح تيممه- ولا بغير التراب من أجزاء الأرض أو المتصل بها؛ لأن الصعيد في الآية: هو التراب، كما قاله ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، وقد ذكرت في "الشرح" هنا ما ينبغي مراجعته.
(و) الثاني: (أن يكون طاهراً) فلا يصح بمتنجس بنحو بول وإن جف، أو بعين نجاسة كتراب مقبرة نبشت؛ لاختلاطه بأجزاء الميت، ولو وقعت نجاسة في جانب من تراب، وجهل محلها منه .. لم يجتهد إلا إن جعله قسمين.
(و) الثالث: (أن لا يكون مستعملاً) في حدث -كما بقي في الوجه مثلاً بعد مسحه، أو تناثر منه بعد مسحه به- وكذا في خبث بأن استعمل في سابعة المغلظ، أو فيما قبلها وطهر، ولا يصير مطهراً بغسله في الصورتين؛ إذ وصف الاستعمال لا يزول عنه.
(و) الرابع: (أن لا يخالطه دقيق، ونحوه) وإن قل؛ لأنه لنعومته يمنع وصول التراب إلى العضو.
(و) الخامس: (أن يقصده)؛ لآية (فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً) [النساء:43] أي: اقصدوه بالنقل بالعضو أو إليه ولو بفعل غيره بإذنه ولو صبياً أو كافراً أو حائضاً عند (م ر) ولا بد من نية الآذن (فلو) انتفى النقل كأن (سفته) عليه (الريح، فردده) عليه، أي: على العضو، ونوى ( .. لم يكفه)؛ لانتفاء القصد بانتفاء النقل المحقق له وإن قصد بوقوفه في هبوبها التيمم؛ لأنه لم يقصد التراب، بل التراب قصده.
نعم؛ لو نقله بعد ذلك العضو ولو من بعض عضو إلى بعضه الآخر، أو أخذه من الهواء ومسح به مع النية .. كفى.
(و) السادس: (أن يمسح وجهه ويديه بضربتين) أي: نقلتين يحصل بكل منهما استيعاب محله، وتكره الزيادة حينئذٍ، فإن لم يحصل الاستيعاب .. وجبت الزيادة؛ لخبر الدارقطني مرفوعاً: "التيمم ضربة للوجه، وضربة للذراعين إلى المرفقين".
(و) السابع: (أن يزيل النجاسة) غير المعفو عنها إن كانت على بدنه (أولاً) أي: قبل التيمم إن أمكن، فلو تيمم قبل إزالتها .. لم يصح، سواء نجاسة محل النجو وغيرها؛ لأنه للإباحة، ولا إباحة مع المانع، فأشبه التيمم قبل الوقت، بخلاف ما لو تيمم عارياً وعنده سترة؛ لأن سترة العورة أخف من إزالة النجاسة، ولذا لا إعادة على من صلى عارياً، بخلاف ذي الخبث فإن لم يمكن .. صح تيممه عند (حج)، ويصلي صلاة فاقد الطهورين عند (م ر)، ويجب عليه القضاء عندهما.
(و) الثامن: (أن يجتهد في القبلة قبله) فلو تيمم قبل الاجتهاد فيها .. لم يصح عند (حج)، قال: ويفارق ستر العورة بما مرّ -أي: من أنه أخف من الخبث- فكذا هو أخف من ترك القبلة، وإنما صح طهر المستحاضة قبله؛ لأنه قوي أي:
لأنه بالماء.
(و) التاسع: (أن يقع) التيمم للصلاة التي يريد فعلها (بعد دخول الوقت) ولو ظناً؛ لأنه طهارة ضرورة ولا ضرورة قبله، بل يتيمم له فيه ولو قبل الإتيان بشرطه كستر وخطبة جمعة.
قال في "التحفة": (وإنما لم يصح التيمم قبل إزالة النجاسة الغير المعفو عنها عن البدن؛ للتضمخ بها مع كون التيمم طهارة ضعيفة؛ لا لكون زوالها شرطاً للصلاة، وإلا لما صح قبل زوالها عن الثوب والمكان، وألحق به الاجتهاد في القبلة -لما مر من وجوب الإعادة فيهما- ويدخل وقت الثانية في جمع التقديم بفعل الأولى، فيتيمم لها بعدها، لا قبلها.
نعم إن دخل وقتها قبل فعلها .. بطل تيممه؛ لأنه إنما صح لها تبعاً، وقد زالت التبعية بانحلال رابطة الجمع، وبه فارق ما مر من استباحة الظهر بالتيمم ضحىً لفائتة؛ لأنه ثم لما استباحها .. استباح غيرها تبعاً، وهنا لم يستبح ما نوى الصفة المنوية فلم يستبح غيره وقضيته بطلان تيممه ببطلان الجمع بطول الفصل، وإن لم يدخل الوقت فقولهم: (يبطل بدخوله) مثال، لا قيد، ولو أراد الجمع تأخيراً .. صح التيمم للظهر وقتها؛ لأصالته، لا للعصر؛ لأنه ليس وقتاً لها ولا لمتبوعها، لأنها الآن غير تابعة للظهر) اهـ
واستوجه (م ر) جواز صلاته بالتيمم فريضة أخرى، وإن خرج الوقت ويتيمم للفائتة وقت تذكرها، فلو تيمم شاكاً فيها، ثم بانت عليه .. لم يصح، والمنذورة المتعلقة بوقت معين لا يصح لها قبله، وصلاة الجنازة بعد أقل غسله لكن يكره قبل التكفين، والنقل المؤقت بعد دخول وقته، فلا يتيمم لراتبه بعدية إلاَّ بعد فعل الفرض، وذو السبب بعد دخول الوقت الذي تجوز فيه، فيتيمم لتحية مسجد بعد دخوله، ولاستسقاء، وكسوف بعد تجمع أكثر الناس إن أرادها معهم، والاَّ .. فبعد انقطاع الغيث في الأولى وعند أول الانكساف في الثانية.
وإنما لم يتوقف العيد والجنازة على تجمع الناس؛ لأن الجنازة مؤقتة بوقت معلوم من فراغ الغسل إلى الدفن، والعيد وقته محدود، فلم يتوقفا على اجتماع بخلاف الكسوف والاستسقاء لا نهاية لوقتهما، فنظر فيهما إلى ما عزم عليه، لكن توقف الرشيدي كـ (سم) في الفرق بين صلاة الجنازة والكسوف، بل هو مؤقت بوقت معلوم كالجنازة، ويتيمم للنفل المطلق أي وقت شاء إلاَّ وقت الكراهة أو قبله؛ ليصلي به فيه.
(و) العاشر: (أن يتيمم) ولو صبياً (لكل فرض عيني) ولو نذراً أو غير صلاة -أداء أو قضاء-، لقول ابن عباس: (من السنة أن لا يصلي بتيمم واحد إلا صلاة واحدة)، ولأن الوضوء كان يجب لكل فرض، فنسخ يوم الخندق في الوضوء، وبقي التيمم على ما كان عليه.
نعم؛ تمكين الحليل فرض، وله حكم النفل، وخطبة الجمعة فرض كفاية، ولها
حكم فرض العين؛ رعاية للقول إنها بمثابة ركعتين، وإنما لم يستبح الجمعة -عند (حج) - بنيتها نظراً لكونها فرض كفاية، بخلاف المعادة، فيجمع بينها وبين الأولى بتيمم سواء أسقطت الأولى القضاءَ، أم لا؛ لأن الفرض في الحقيقة أحدهما فقط، ولو نذر أن يصلي أربع ركعات، فإن صلاهن بتحرم واحد .. كفاه تيمم واحد، وإلا .. تيمم لكل ركعتين.
وخرج بالفرض العيني: النفل، وفرض الكفاية كصلاة جنازة وإن تعينت، فله أن يستبيح بتيمم واحد ما شاء منهما، وجمع كل منهما مع فرض.
(فصل: فروض) أي: أركان (التيمم خمسة:
الأول: النقل) للتراب، أي: تحويله من أرض أو هواء إلى العضو الممسوح، وأما القصد .. فداخل في النقل، لكن عدَّه جمع ركناً كالتراب، ولم يعدوا الماء ركناً في نحو الوضوء؛ لعدم اختصاصه به، بخلاف التراب.
(الثاني: نية الاستباحة) لما يفتقر إليه، كمس المصحف، والصلاة، وإذا نوى ذلك الأمر العام .. نزل على أدني مراتبه الآتية، ولو تيمم بنية الاستباحة مثلاً ظآناً أن حدثه أصغر، فبان أكبر، أو عكسه .. صح؛ لأن موجَبهما متحد، بخلاف ما لو تعمد ذلك؛ لتلاعبه.
ولو كان عليه حدث أكبر وأصغر، وتيمم بنيتهما، أو الأكبر فقط .. كفى لهما، أو بنية الأصغر فقط .. كفى له دون الأكبر.
ولا تصح نية التيمم إلا في بدل نحو غسل الجمعة، ولا فرض التيمم -نعم؛ إن نوى به الفرض الإبدالي .. صح واستباح به ما عدا الصلاة، وإن زاد للصلاة .. استباح به ما عدا الفرض، وإن زاد للصلاة المفروضة .. استباح به الفرض وما دونه- ولا رفع الحدث أو الطهارة عنه في نيته ما لم ينو بالحدث المنع، وبرفعه رفعاً خاصاً بفرض ونوافل.
(ويجب قرنها بالضرب) أي: النقل؛ لأنه أول الأركان (واستدامتها إلى مسح) شيء من (وجهه) حتى لو عزبت قبل مسح شيء منه .. بطلت وإن استحضرها عنده عند
(حج)؛ لأنه المقصود، والنقل وسيلة له، ولو نقل فأحدث، ثم جدد النية قبل المسح .. صح؛ لحصول النقل ثانياً مع النية (فإن نوى) بتيممه (استباحة الفرض) واحداً أو أكثر ( .. صلى الفرض) أي: استباح به فرضاً واحداً من صلاة أو غيرها ولو نذراً، أو غير ما نواه (والنفل) بأنواعه وإن لم ينو استباحته مع الفرض؛ لأنه تابع، كما إذا أعتق الأم .. فيعتق الحمل، وصلاة الجنازة في رتبة النفل وإن تعينت، وتمكين الحليل وإن كان فرضاً في رتبة مس المصحف، (أو) نوى (استباحة النفل أو الصلاة) أو الطواف (أو صلاة الجنازة) .. استباح به ما دون الفرض العيني من نفل صلاة وطواف وصلاة جنازة، ونحو سجدة تلاوة، وكذا خطبة جمعة عند (حج)، و (لم يصل) أي: يستبح (به الفرض) العيني أصالة، ولو من صبي ومعادة وطواف وداع؛ لأنه كالفرض العيني؛ لأن الفرض العيني أصل، فلا يكون تابعاً للنفل، ولا لمطلق الصلاة؛ إذ الأحوط تنزيلها على النفل، ولا لصلاة الجنازة؛ لأنها اشبهت النفل في جواز الترك، وإن نوى استباحة ما عدا الصلاة والطواف، كمس مصحف وحمله وسجدة تلاوة، ومكث نحو جنب بمسجد وقراءته قرآناً ولو فرضاً، وتمكين حليل .. استباح بكل مما ذكر ما في رتبته، وهو ما ذكر من مس المصحف وما بعده.
(الثالث: مسح) جميع (وجهه) السابق في الوضوء إلا ما يأتي؛ أي: إيصال التراب إليه، ولو بنحو خرقة، ومنه ظاهر لحيته المسترسل، والمقبل من أنفه على شفته، ونقل عن أبي حنيفة جواز الاقتصار على أكثر الوجه.
(الرابع: مسح يديه بمرفقيهما) كالوضوء؛ للآية، مع خبر الترمذي: "التيمم ضربتان: ضربة للوجه، وضربة لليدين إلى المرفقين" ولأنه بدل عن الوضوء، فيعطى حكمه في كون اليد إلى المرفقين، واختار النووي وغيره القديم أنه إلى الكوعين.
(الخامس: الترتيب بين المسحتين) ولو لجنب، لا بين النقلين، فلو ضرب بيديه، ونقل بيساره قبل يمينه، ومسح بيمينه وجهه، ثم مسح بيساره يمينه .. جاز؛ لأن النقل -وإن كان هنا ركناً كمسح الوجه- وسيلة، وهي يغتفر فيها ما لا يغتفر في المقاصد.
نعم؛ يسن ترتيبه؛ للخلاف القوي في وجوبه.
(وسننه: التسمية) أوّله، ولو لنحو جنب (وتقديم اليمنى) على اليسرى (و) تقديم (أعلى وجهه) على أسفله -كالوضوء في جميع ذلك- (وتخفيف الغبار)؛ للاتباع؛ ولئلا يشوه خلقه، ومن ثم لا يسن تكراره، وندب أن لا يمسح الغبار عن أعضاءه إلا بعد الصلاة، وأن لا يرفع يده عن العضو حتى يتم مسحه (والموالاة) فيه بتقدير التراب ماء كالوضوء (وتفريق الأصابع في الضربتين)؛ لأنه أبلغ في إثارة التراب، ولا ينافي ندب التفريق في الثانية نقل ابن الرفعة: الاتفاق على وجوبه فيها؛ لأنه محمول على من لم يرد تخليل الأصابع، والندب على من أراده (ونزع الخاتم)؛ في الضربة الأولى؛ ليكون مسح الوجه بجميع الراحة (ويجب نزع الخاتم في الثانية) عند المسح؛ ليصل الغبار إلى محله، ولا يكفي تحريكه ما لم يتيقن وصول التراب لجميع ما تحته.
(ومن سننه: إمرار اليد على العضو) الممسوح كالدلك في الوضوء (ومسح العضد) للتحجيل كالوضوء (وعدم التكرار) للمسح؛ إذ يسن تخفيف الغبار في الأولى، وأن يأتي به على الكيفية المشهورة، (والاستقبال) للقبلة (والشهادتان) وما بعدها كما في الوضوء (بعده) مستقبلاً للقبلة، رافعاً يديه وبصره إلى السماء كالوضوء.
وأمَّا مكروهاته .. فمنها: تكثير التراب، وتكرار المسح، وعدم التيامن، وغير ذلك.
وأما مبطلاته .. فثمانية: الحدث، والردة، ووجود الماء ولو في صلاة لم تسقط القضاء، وتوهم الماء في غير صلاة، كأن رأى من جوز معه ماء بلا حائل من نحو سبع وعطش، فلو سمع قائلاً يقول: من يريد ماء للشرب .. بطل تيممه؛ للتوهم، بخلاف من يريد للشرب ماء، والقدرة على ثمنه بلا مانع، كدين، وزوال العلة المبيحة للتيمم ولو في صلاة لا تسقط القضاء، لا توهم زوالها، والإقامة أو نيتها وهو في صلاة مقصورة في غير التوهم.
ويخالف الوضوء أنه لا يرفع الحدث بمعنى الأمر الاعتباري، ولا يجب إيصال التراب فيه إلى منابت الشعر، ولا يجمع به فرضان ولو من صبي، ولا يصلي به فرض
عين إذا تيمم لغيره، ولا يجاوز الوجه واليدين، وتبطله الردة، ويجب قصد التراب فيه، ونقله، وضربتان، ولا يصح قبل الوقت، ولا قبل معرفة القبلة، ولا قبل ازلة النجاسة، وتجب الإعادة فيه في صور، ولا يستحب تجديده ولا تثليثه، بخلاف الوضوء في جميع ذلك.
(ومن لم يجد ماء ولا تراباً .. صلى الفرض) المكتوب (وحده)؛ لحرمة الوقت، كالعاجز عن نحو السترة، وهي صلاة صحيحة في أحكامها، لكنها تبطل بتوهم التراب ولو بمحل لا يسقط القضاء، كما نقله (سم) عن (م ر)، وتجوز منه أول الوقت وإن رجى أحد الطهورين في الوقت عند (حج).
وخرج بالفرض المذكور: النفل ومنه نحو سجدة تلاوة ومس مصحف ونحوه، وقراءة قرآن سوى الفاتحة في الصلاة، ومر أن تمكين الحليل في رتبة مس المصحف، وبالمكتوب: النذر، وبالأداء: القضاء؛ لعدم الضرورة إلى جميع ما ذكر، وصلاة الجنازة كالنفل عند (م ر)، وفي "التحفة": يصلي قبل الدفن، ثم يعيد إذا وجد الماء أو التراب (و) إذا صلى فاقد الطهورين الفرض .. (أعاد) بالماء مطلقاً، أو بالتراب بمحل يسقط به الفرض؛ لأنه عذر نادر لا يدوم، والمراد بالإعادة: ما يشمل القضاء.
فرع من "العباب": (وجد فاقد الطهورين في الوقت بعد فعل الصلاة التراب بمحل لا تسقط فيه الصلاة بالتيمم وجب فعلها) اهـ
واختار النووي القول: بأن كل صلاة وجبت في الوقت مع خلل، لا تجب إعادتها؛ لأن القضاء بأمر جديد ولم يثبت.
(فصل) في الحيض
والاستحاضة والنفاس.
و (الحيض): دم جبلة يخرج في وقت مخصوص من أقصى الرحم، والأصل فيه آية: (وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ الْمَحِيضِ) [البقرة:222] وخبر الصحيحين: "هذا شيء كتبه الله على بنات آدم".
(وأقل) زمن (الحيض) -تقطع أو اتصل- أربع وعشرون ساعة، وهي قدر (يوم وليلة) متصلاً بأن تكون لو أدخلت فرجها نحو قطنه .. لتلوثت، وذلك باستقراء الشافعي