شرح المقدمة الحضرمية المسمى بشرى الكريم بشرح مسائل التعليمصفحات 163-202
أهل الأثرالأرشيف العلمي

شرح المقدمة الحضرمية المسمى بشرى الكريم بشرح مسائل التعليم

صفحات 163-202

فيه وفيما بعده، إذ لا ضابط لشيء من ذلك لغةً، ولا شرعاً، فرجع فيه إلى المتعارف بالاستقراء، فما نقص عن ذلك يقيناً .. فليس بحيض، بخلاف ما بلغه ولو بالشك -كما قاله (م ر) - في العدد، ولو مفرقاً في خمسة عشر يوماً بلياليهن، ولو أصفر أو أكدر؛ إذ كل منهما أذىً، فشملته الآية وإن لم يتقدمه قوي وخالف العادة.
(وأكثره) زمناً (خمسة عشر يوماً بلياليها) إن بلغ مجموعه منها قدر يوم وليلة وإن لم يتصل، وهو مع نقاء تخلله حيض إن لم يجاوز مع النقاء خمسة عشر يوماً؛ لأنه حينئذٍ يشبه الفترة بين دفعات الدم، فسحب عليه حكم الحيض.
أمَّا الذي لم يبلغ أقله أو جاوز أكثره .. فاستحاضة، وكذا ما أتى قبل تسع سنين أو قبل أقل الطهر.
(وغالبه: ست أو سبع).
(و) أول إمكان (وقته) ووقت إنزال صبي وصبية (تسع سنين) قمرية ولو ببلاد باردة تقريباً، فيتسامح قبل تمامها بما لا يسع أقل حيض وطهر، ولا آخر لسنه.
(وأقل) زمن (طهر) فاصل (بين) زمني (الحيضتين) لا بين حيض ونفاس؛ إذ يجوز أن يكون أقل من ذلك قال (ع ش): (بل يجوز أن لا يكون بينهما طهر أصلاً).
(خمسة عشر يوماً بلياليها)؛ لأنه أقل ما ثبت وجوده، ولا حد لأكثره إجماعاً؛ إذ قد لا تحيض المرأة أصلاً، ولو اطردت عادة امرأة، أو أكثر بمخالفة شئ من ذلك .. لم تتبع؛ لأن بحث الأولين أتم، وحمل دمها على الفساد أولى من خرق العادة المستمرة، وإنما خرقوها فيمن رأت الدم بعد سن اليأس، حيث حكموا بأنه حيض؛ لأن الاستقراء هنا أتم منه هناك؛ لعدم الخلاف فيه عندنا، بخلافه ثم.
(ويحرم به) أي: الحيض (ما يحرم بالجنابة)؛ لأنه أغلظ، بل يزيد بأنه يحرم به الطهر بنية التعبد في غير نحو نسك وعيد.
(ومرور المسجد) أي: فيه (إن خافت تلويثه) ولو احتمالاً؛ احتياطاً له، ومثلها كل ذي خبث يخشى منه تلويثه، فإن أمنته .. كره؛ لغلظ حدثها، وبه فارقت الجنب، وذا الخبث.
قال (م ر): (ومحل كراهة عبورها إذا لم تكن لها حاجة إلى العبور).

(والصوم) إجماعاً (والطلاق فيه) لزوجة موطوءة ولو في الدبر، أو في طهر وطئها فيه إن أمكن حبلها إن لم تبذل له مالاً في مقابلة؛ لتضررها بطول مدة التربص؛ إذ ما بقي منه لا يحسب من العدة، ومن ثم لو كانت حاملا بلاحق بالمطلق ولو احتمالاً .. لم يحرم.
(والاستمتاع بما بين السرة والركبة) بوطء مطلقاً أو بغيره بلا حائل؛ لآية: (فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ) [البقرة:222]، وخبر: "لك ما فوف الإزار"، كناية عن حل ما بينهما بحائل بغير وطء، وحل غيره مطلقاً، وقيل: إنما يحرم الوطء؛ لخبر: "اصنعوا كل شئ إلا النكاح" لكنه معارض للخبر الأول، فقدم الأول؛ لما فيه من الاحتياط.
وعبر بالاستمتاع كـ"الروضة"، وجرى عليه (حج) في غالب كتبه، فشمل النظر واللمس بلا حائل، لكنه يختص بالشهوة.
وعبر في "التحقيق" وغيره بالمباشرة المختصة باللمس بلا حائل بشهوة، وبغيرها دون النظر ولو بشهوة.
قال الكردي: والأول أوجه.
ومحل جواز مباشرة ما ذكر ما لم يعلم من عادته أنه إذا باشر .. وطئ؛ لقلة تقواه وقوة شبقه، وإلا .. حرم.
ويجوز تمتع الزوجة بما بين سرته وركبته وإن كانت هي المستمتعة عند (م ر)، ويستمر تحريم ما ذكر إلى أن تغتسل أو تتيمم.
نعم؛ الصوم والطلاق والطهر يحل بالانقطاع، ويستحب لمن وطئ في أول الدم أن يتصدق بدينار أو قدره ولو على فقير واحد، وبنصفه أو قدره لمن وطئ في آخره زوجاً كان أو غيره، وهو من الكبائر، وكذا يندب لمن ارتكب كبيرة التصدق بدينار، ولمن ارتكب صغيرة التصدق بنصفه.
(ويجب عليها) أي: الحائض (قضاء الصوم) بأمر جديد؛ لأن منعها من الصوم عزيمة، والمنع والوجوب لا يجتمعان (دون الصلاة) إجماعاً فيهما؛ لخبر عائشة: "كنا نؤمر بقضاء الصوم، ولا نؤمر بقضاء الصلاة"؛ للمشقة في قضائها، لأنها تكثر، ولم يبن أمرها على التأخير ولو بعذر، بخلاف الصوم، بل يكره قضاؤها عند (م ر)، ويحرم ولا يصح عند (حج).


(فصل) في المستحاضة.
والاستحاضة: دم علة يخرج من عرق فمه في أدنى الرحم.
وتنحصر بأنها: الدم الخارج في غير أوقات الحيض والنفاس، فهي الدم الخارج قبل تسع سنين أو بعدها، ونقص عن قدر يوم وليلة، والزائد على خمسة عشر يوماً بلياليها، والآتي قبل تمام أقل الطهر، أو مع الطلق ولم يتصل بحيض قبله.
وقيل: هي المتصلة بدم الحيض فقط، وغيره دم فساد.
والاستحاضة حدث دائم، فلا يمنع شيئاً مما يمتنع بالحيض من نحو صلاة ووطء ولو مع جريان الدم.
(والمستحاضة) إن لم تستنج بالحجر بشرطه (تغسل) وجوباً (فرجها) من النجاسة (ثم تحشوه) بنحو قطنه وجوباً؛ دفعاً للنجس أو تخفيفاً له (إلا إذا) تأذت به، كأن (أحرقها الدم) .. فلا يلزمها الحشو (أو كانت صائمة) .. فيلزمها تركه، والاقتصار على الشد نهاراً؛ رعاية لمصلحة الصوم، وإنما لم تراع الصلاة هنا، كمن ابتلع بعض خيط وطرفه من خارج حيث يؤمر بنزعه، أو بلعه ويفطر؛ لأن المحذور هنا -وهو النجس- لا ينتفي بالكلية (فإن لم يكفها) الحشو ( .. تعصبه) بعد الحشو (بخرقة) مشقوقة الطرفين على كيفية التلجم المشهور، ولا يضر بعد ذلك خروج الدم، إلا إن قصرت في الشد.
(ثم) بعد ما ذكر (تتوضأ أو تتيمم)؛ لوجوب الموالاة عليها في جميع ما ذكر.
وإنما يصح الطهر (في الوقت) ولو لنفل لا قبله؛ لأنه طهارة ضرورة كالتيمم.
ومن ثم كانت كالمتيمم في تعيين نية الاستباحة، وأنها لا تجمع به بين فرضي عين، ولا تصلي به فرضاً إذا تطهرت لنفل وغير ذلك، لكنها يصح طهرها قبل إزالة النجس.
(وتبادر) وجوباً عقب ما مر (بالصلاة) ولو نفلاً؛ تقليلاً للحدث، لكن لا يضر الفصل بدون ركعتين خفيفتين (فإن أخرت) زائداً على ذلك (لغير مصلحة الصلاة) كأكل ( .. استأنفت) جميع ما مر وجوباً وإن لم تزل العصابة عن محلها، ولا ظهر دم

لتكرر حدثها مع استغنائها عن احتماله، بخلاف ما هو لمصلحتها كإجابة مؤذن، وانتظار جماعة من كلِّ كمالٍ مطلوب لأجل الصلاة، فلا يضر وإن خرج الوقت.
(وتجب الطهارة، وتجديد العصب) وإن لم يزل عن محله وغير ذلك -مما مر- (لكل فرض) عيني ولو نذراً، ولكل حدث غير حدثها الدائم، ولها مع الفرض ما شاءت من النوافل ولو بعد الوقت.
(وسلس البول و) سلس (المذي) والودي والريح والغائط والمني (مثلها) -في جميع ما مر- وذو جرح سائل مثلها في وجوب الشد، وغسل الدم لكل فرض.
نعم؛ سلس المني يلزمه الغسل لكل فرض، وبقية أحكام المستحاضة تعلم من المطولات.
فائدة: (السلس) بالكسر: الشخص، وبالفتح: المصدر.
(وأقل) زمن (النفاس) وهو لغة: الدم الخارج أوله قبل خمسة عشر يوما بعد فراغ الرحم من جميع الولد، ولو علقة أو مضغة فيها صورة خفية؛ إذ لا يسمى ولادة إلا حينئذٍ من النفس، وهو الدم؛ إذ به قوام الحياة، أو لخروجه عقب نفس فأوله من خروج الدم، وإن تأخر عن الولادة .. فزمن النقاء بعد الولادة يلزمها فيه أحكام الطاهرات، لكنه يحسب من الستين (لحظةٌ) أي: ما وجد منه، فهو نفاس وإن قل.
(وأكثره) زمناً (ستون يوماً، وغالبه أربعون) يوماً بالاستقراء.
(ويحرم به ما يحرم بالحيض) -مما مر- لأنه دم حيض مجتمع قبل نفخ الروح، وبعده يكون غذاء الولد، ولا يؤثر في لحوقه بالحيض مخالفته له في أنه لا تتعلق به عدة، ولا استبراء، ولا بلوغ؛ لحصولها قبله بالولادة، والإنزال الناشئ عنه العلوق.
تتمة: يجب على النساء تعلم ما يحتجن من هذا الباب وغيره، فإن كان نحو زوجها عالماً .. لزمه تعليمها، وإلا فليسأل لها ويخبرها، أو لتخرج لتعلم ذلك، وليس لها الخروج لغير تعلم واجب من نحو مجلس ذكر إلاَّ برضاه، وبمحرم أو نحوه معها إن خرجت عن سور أو عمران البلد، بخلاف الواجب فتخرج له ولو غير تعلم ولو وحدها إذا أمنت، والله أعلم.


﴿باب الصلاة﴾ هي اسم مصدر صلى، مأخوذة من صلَيْتُ العود بالنار بالتخفيف إذا عطفته؛ لانعطاف أعضاء المصلي، أو من صلَّيت بالتشديد إذا حركت الصلوين عرقين في جانبي الخاصرتين ينحنيان عند انحناء المصلي.
وهي أفضل أركان الإسلام بعد الشهادتين، فالصوم، فالحج، فالزكاة.
وهي أيضاً أفضل عبادة البدن، ففرضها أفضل الفروض، ونفلها أفضل النفل، وإنما قدم الطهارة عليها؛ لأنها شرط لها، وهو مقدم طبعاً فيقدم وضعاً.
وخرج بعبادة البدن: عبادة القلب، كالإيمان والتفكر والمعرفة والتوكل والصبر ومحبة النبي صلى الله عليه وسلم، فهي أفضل من عبادة البدن.
وشرعت ليلة الإسراء من غير واسطةِ وحيٍ في أشرف الأوقات والأحوال، ولم يشاركها في ذلك شيء من الواجبات الشرعية.
وهي لغة: الدعاء بخير.
وشرعاً: أفعال وأقوال مفتتحةٌ بالتكبير، مختتمة بالتسليم غالباً، أو وضعاً فما خرج عن ذلك كصلاة المريض الذي يجريها على قلبه، والأخرس .. فمن غير الغالب أو لعارض، وسميت صلاة؛ لاشتمالها على الدعاء الذي هو صلاة لغة.
(تجب) أي: الصلاة المكتوبة، وهي الخمس المعلومة من الدين بالضرورة في كل يوم وليلة، والجمعة في يومها من الخمس، ولم تجتمع لعير نبينا صلى الله عليه وسلم، بل لآدم منها الصبح، ولداوود الظهر، ولسليمان العصر، وليعقوب المغرب، وليونس العشاء.
ويجب كل منها بدخول وقته وجوباً موسعاً إلى أن يبقى من وقته ما يسعها مع مقدماتها، فحينئذٍ يضيق.
(على كل مسلم) ولو فيما مضى، فتشمل المرتد ذكراً كان المسلم أو أنثى،

بخلاف الكافر الأصلي، فلا يطالب بها في الدنيا؛ لعدم صحتها منه وإن عذب على تركها -كغيرها من فروع الشريعة المجمع عليها- في الآخرة؛ لتمكنه من فعلها بالإسلام.
(بالغ عاقل) بلغته الدعوة -لا صبي- وإن لزم وليه أمره بها وصحت منه -ولا مجنون ومغمىً عليه وسكران بلا تعد، ولا من لم تبلغه الدعوة؛ لعدم تكليفهم، ووجوبها على متعد بنحو جنونه، وجوب انعقاد سبب؛ لوجوب القضاء.
(طاهر) لا حائض ونفساء وإن استعجلتا ذلك بدواء؛ لأنهما مكلفتان بتركها.
(فلا قضاء على كافر) أصلي أسلم؛ ترغيباً له في الإسلام؛ ولآية (قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ) [الأنفال:38]، أي: من حقوق الله، أما حقوق الآدمي .. فلا تسقط عنه، وكذا بعض حقه تعالى، كما لو زنى وأسلم فلا يسقط عنه الحد، وجزم (م ر) بعدم انعقاد قضاء أيام كفره، قال الكردي: والتحقيق خلافه، بل قوله بانعقاد قضاء الحائض يرد عليه.
(إلا المرتد) فيلزمه قضاء أيام ردته حتى زمن جنونه أو إغمائه أو سكره فيها، ولو بلا تعد تغليظاً عليه، بخلاف زمن نحو حيضها؛ إذ إسقاطها عنها عزيمة، فلم تؤثر فيها الردة، وعن نحو المجنون رخصة فأثرت؛ إذ ليس هو من أهلها، وأمر الحائض بترك الصوم مع وجوب قضائه خارج عن القياس؛ اتباعاً للنص.
(ولا) على (صبي) ولا صبية لما فاتهما في الصبا؛ لعدم تكليفهما، ويسن قضاء ما فاتهما فيه ولو قبل التميز، على خلاف فيه (ولا) على (حائض ونفساء)؛ لأنهما مكلفان بتركها، ومن ثم قال (حج): (يحرم قضاؤهما) -كما مر- (ولا) على (مجنون)؛ لعدم تكليفه (إلا المرتد) فيلزمه قضاء أيام جنونه؛ تغليظاً عليه (ولا) على نحو (مغمىً عليه) كمعتوه ومبرسم وسكران؛ لعدم تكليفهم، إلا المرتد .. فيلزمه القضاء مطلقاً كما مر، و (إلا السكران المتعدى بسكره) .. فيلزمه قضاء الزمن الذي ينتهي إليه السكر غالباً دون ما زاد عليه من أيام الجنون ونحوه، وفارق المرتد بأن من جُنَّ في ردته .. مرتد في جنونه حكماً، ومن جُنَّ في سكره .. ليس بسكران في دوام جنونه قطعاً.

(ويجب على) نحو (الولي) من كلٍّ من الأبوين وإن علا ولو من جهة الأم، والوجوب على الكفاية، فيسقط بفعل أحدهما؛ لأنه من الأمر بالمعروف، ولذا خوطبت به الأم ولا ولاية لها، ثم الوصي، ثم القيم، ثم الملتقط (والسيد) -والمودع، والمستعير، فالإمام، فصلحاء المسلمين- تعليم المميز من ذكر وأنثى، ما يضطر لمعرفته من الأمور الضرورية التي يشترك فيها العام والخاص وإن لم يكفر جاحدها.
ومنها: أنه صلى الله عليه وسلم رسول الله، واسمه محمد بن عبد الله، وأنه من قريش وأمه آمنة، ولونه أبيض وولد بمكة، وبعث بها، وهاجر إلى المدينة ودفن بها، وبيان النبوة والرسالة، وغير ذلك مما لا يسع المكلف جهله.
وأول ما يجب: معرفته صلى الله عليه وسلم بوجه، ثم معرفته تعالى بما لا بد منه، بمعرفة عقيدة على مذهب أهل السنة، فأول ما يجب تعليمه المميز ذلك.
ثم بعد ذلك يجب (أمر) كل من (الصبي المميز) والصبية المميزة مع التهديد بغير ضرب (بها) أي: الصلاة ولو قضاء، وبغيرها من أمور الشرع الظاهرة ولو سنة، كسواك، وينهاه عن منيهاته (لسبع) أي: عقب تمامها إن ميز وإلا .. فعند التميز، بأن يأكل ويشرب ويستنجي وحده، وإنما لم يجب أمره قبلها؛ لندرة التميز حينئذٍٍ.
(و) يجب (ضربه) وضربها (عليها) أي: على تركها أو ترك شيء من واجباتها، أو المجمع عليه من غيرها ضرباً غير مبرح، فإن لم يفد إلا المبرح .. تركه، وسن للمؤدب أن لا يزيد على ثلاث ضربات، ويحرم تبليغه أدنى الحدود (لعشر) أي: ولو في أثنائها عند (م ر)؛ للخبر الصحيح: "مروا أولادكم بالصلاة وهم أبناء سبع، واضربوهم عليها وهم أبناء عشر، وفرقوا بينهم في المضاجع"، لكن قال "الجمل": التفريق ليس بواجب، والصوم كالصلاة إن أطاقه.
وحكمة ذلك: التمرين عليها، ويستحب أمر قن صغير لا يعلم سابيه بها؛ ليألفها بعد البلوغ، واحتمال كفره إنما يمنع الوجوب فقط، ويستمر طلب ما ذكره الى بلوغه رشيداً.
ويجب ضرب زوجة كبيرة على نحو ترك الصلاة إن أمن نشوزاً، والصغيرة وجوب تعليمها على الأبوين، فإن عدما .. فالزوج، وبجوز للولي استخدام صغير وإعارته، وكذا الأجنبي، كما في "تشييد البنيان" فيما لا يقابل بأجرة؛ لمسامحة الشرع بذلك.

(وإذا) زال مانع إيجاب الصلاة، كأن (بلغ الصبي) أو الصبية (أو أفاق المجنون أو) نحو (المغمى عليه أو أسلم الكافر أو طهرت الحائض أو النفساء قبل خروج الوقت ولو بتكبيرة) أي: بقدر زمن يسع تكبيرة (التحرم) فأكثر ( .. وجب القضاء) لصلاة ذلك الوقت إن لم يمكنه الأداء في الوقت أو الأداء إن أمكنه.
وإنما يجب (بشرط بقاء السلامة من الموانع بقدر ما يسع الطهارة) وكذا بقية شروط الصلاة عند (حج)، قال: نعم الصبي والكافر لا يحتاجان إلى الشروط في الوقت؛ لإمكان تقديمها على زوال مانعها.
(و) بقدر زمن يسع تلك (الصلاة) بأخف ممكن منها، كركعتين للمسافر وإن أراد الإتمام؛ تغليباً للإيجاب، كما لو اقتدى قاصر بمتم لحظة .. لزمه الإتمام.
(ويجب) أيضاً (قضاء ماقبلها إن جمعت معها) كالظهر مع العصر، والمغرب مع العشاء؛ لاتحاد الوقتين في العذر، ففي الضرورة أولى (بشرط بقاء السلامة من الموانع) بعد زوال العذر (قدر الفرضين) بأخف ممكن.
(والطهارة) عن النجس والحدث وإن تعددت كما في طهر الضرورة، ولا بد أن يسع مع ذلك مؤداة وجبت، فلو بلغ، ثم جن -مثلاً- قبل ما يسع شيئاً من الفروض المذكورة .. فلا وجوب وإن زال الجنون عن قرب.
ولو أدرك ركعة من العصر -مثلاً- فعاد المانع بعد ما يسع المغرب .. وجبت فقط؛ لأنها صاحبة الوقت، وما فضل لا يكفي للعصر، هذا إن لم يشرع فيها قبل الغروب، وإلا .. تعينت عند (حج).
ولو أدرك من العصر قدر ركعتين، ومن المغرب كذلك .. وجبت العصر عند (حج)، ولم تجب واحدة منهما عند (ر م).
ولو أدرك ما يسع العصر والمغرب مع الطهارة دون الظهر .. تعين صرفه للمغرب والعصر، وسقط الظهر، وكذا يقال فيما لو أدرك آخر العشاء، فقس عليه.
ولو أدرك أول العشاء قدر ثلاث ركعات .. لم تجب هي، ولا المغرب.

(ولو) طرأ مانع، كأن (جن أو حاضت أو أغمى عليه أول الوقت) أو أثناءه، واستغرق المانع باقيه ( .. وجب) بعد زوال المانع (القضاء) لصلاة ذلك الوقت (إن مضى) منه (قدر الفرض مع الطهر) له (إن لم يمكن تقديمه) كتيمم وطهر سلس؛ لأنه أدرك من وقتها ما يمكن فعلها فيه، فلا يسقط بما طرأ، بخلاف طهر يمكن تقديمه، فلا يشترط اتساع ما أدركه من الوقت إلا للفرض؛ لأنه يمكن تقديمه، وقد عهد التكليف بالمقدمة قبل الوقت، كالسعي إلى الجمعة قبل وقت الجمعة على بعيد الدار، وإنما لم يؤثر هنا إدراك ما لا يسع الفرض؛ بخلاف نظيره آخر الوقت -كما مر؛ لإمكان البناء على ما فعله فيه بعد خروجه، بخلافه هنا، ولا تجب الثانية هنا وإن اتسع لها وقت الخلو من زمن الأولى، بخلاف عكسه السابق؛ لأن وقت الأولى لا يصلح للثانية إلا إذا صلاهما جمعاً، بخلاف العكس، كأن أدرك ركعة من الظهر في وقتها، وباقيها في وقت العصر، فتقع أداءً مع أن غالبها في وقت العصر، ويجب مع قضاء ذات الوقت المذكورة قضاء فرض قبلها إن صلح جمعه معها، ومضى من الوقت قدرهما بأخف ممكن من فعل نفسه، وقدر طهر لهما إن لم يمكن تقديمه، وصورة ذلك أن يستغرق وقت الأولى مانع، فيزول ويطرأ مانع آخر في وقت الثانية بعد مضي زمن يسعهما مع طهر لم يمكن تقديمه، كما يقع في ذي جنون تقطع.


(فصل) في مواقيت الصلاة،

والأصل فيها: خبر جبريل المشهور.
(أول وقت الظهر) وهو لغة: ما بعد الزوال.
واصطلاحاً: اسم للصلاة المفعولة حينئذٍ، سميت بذلك؛ لأنها أوّل صلاة ظهرت، أو لفعلها وقت الظهيرة، أي: شدة الحر وتسمى الأولى أيضاً، وصلاة الهجيرة عقب (زوال الشمس) إجماعاً.
و (الزوال): ميل الشمس عن وسط السماء المسمى بلوغها إليه بالاستواء باعتبار ما يظهر لنا، وإلا .. فالزوال يتحقق قبل ذلك، لكن لا حكم له حتى لو وافق التحرم أول ميلها في نفس الأمر، وقبل ظهوره لنا .. لم يصح، وكذا باقي الصلوات؛ إذ التكاليف لا ترتبط إلا بما دخل تحت الحس.

(وآخره مصير ظل كل شيء مثله غير ظل) الشمس الموجود عند (الاستواء) في غالب البلاد، وقد ينعدم في بعضها كمكة وصنعاء في بعض الأيام، قال في "العباب": (وهو يوم واحد، وهو أطول أيام السنة) وقال الشرقاوي: (ينعدم في أربعة وعشرين يوماً قبل أطول أيام السنة، وبعده كذلك).
والظل لغة: الستر، واصطلاحاً: أمر وجودي يخلقه الله لنفع البدن وغيره، تدل عليه الشمس في الدنيا، أمّا الآخرة .. فلا شمس فيها، والفيء أخص منه؛ لأنه الظل بعد الزوال.
والشمس في السماء الرابعة، وقيل: في السادسة، وهي أفضل من القمر؛ لكثرة نفعها، وما ذكر هو الوقت الكلي للظهر (ولها) كغيرها أوقات أخر غير الوقت الكلي من حيث التسمية، وإلا .. فهي أجزاء للوقت الكلي، ومجموع تلك الأوقات سبعة تجري كلها في جميع الصلوات إلا الصبح فليس له وقت عذر، وإلا الظهر فليس له وقت كراهة، فالظهر لها ستة أوقات، وهي: (وقت فضيلة) وسيأتي بيانه (أوله ثمّ) بعده وقت (اختيار) لكن قال الكردي: (المعتمد أن لها ستة أوقات ترجع لخمسة، وقت فضيلة أوله، ووقت جواز إلى ما يسع كلها وهو وقت الاختيار، ووقت حرمة وهو القدر الذي لا يسع كلها بأخف ممكن من فعل نفسه، وضرورة وهو ما تقدم، وعذر وهو وقت العصر لمن يجمع) اهـ فالراجح أنه من أوله ويمتد (إلى آخره)، وقال الشرقاوي: (المعتمد أن الاختيار والفضيلة والجواز تشترك في أول الوقت، فإذا مضى قدر الفضيلة .. خرج وقتها، وبقي وقت الاختيار إلى نصف الوقت تقريباً، فيخرج ويبقى وقت الجواز، فتشترك الثلاثة مبدأً لا غاية إلا المغرب .. فتشترك مبدأ وغاية) اهـ (وأول وقت العصر) وهو لغة: الدهر، واصطلاحاً: الصلاة المخصوصة، ولها أسماء أخر: صلاة البرد والوسطى.
وهي أفضل الصلوات بعد الجمعة كما يأتي في صلاة الجماعة.
وسميت بذلك؛ لمعاصرتها، أي: مقارنتها وقت الغروب (إذا خرج وقت الظهر) وهو: مصير ظل كل شيء مثله (وزاد قليلاً) على ظل الاستواء؛ إذ المصير من وقت

الظهر، بأدنى زيادة عليه تظهر لنا -لا في الواقع فقط- يدخل وقت العصر؛ لخبر مسلم: "وقت الظهر ما لم يحضر العصر" وليست هذه الزيادة فاصلة بين الوقتين، بل من العصر، لكن لا يكاد يُعرف وقته إلا بمضيها، ويبقى إلى الغروب وإن تأخر عن وقته المعتاد كرامة.
(ولها أربعة أوقات) بل سبعة: وقت (فضيلة أوله، واختيار إلى مصير الظل مثلين) غير ظل الاستواء.
قال الكردي: (وتقدم في الظهر أن وقت الاختيار هو وقت الجواز، وهما هنا متغايران -وسيأتي في المغرب اتحاد وقت الفضيلة والاختيار ابتداءً وانتهاءً فيها- وفي غيره متغايران، فتلخص أن للاختيار ثلاثة إطلاقات وإن قال في "التحفة": إطلاقان) اهـ (ثم) بعدهما وقت (جواز) بلا كراهة (إلى الاصفرار، ثم كراهة إلى آخره) أي: بقاء ما لا يسعها، ثم حرمة وعذر وضرورة.
(وأول وقت المغرب: الغروب) لجميع قرص الشمس.
والغروب لغة: البعد، والمغرب: وقت الغروب.
واصطلاحاً: الصلاة المخصوصة بعد غروب جميع الشمس، وتسمى أيضاً صلاة الشاهد -وسيأتي في الصيام ما له تعلق بالغروب- ويعرف بزوال الشمس من رؤوس الجبال، وبرؤية الظلام من جهة المشرق، بخلاف الصبح فيخرج بطلوع بعضها.
(ويبقى حتى يغيب الشفق) في القديم؛ للأحاديث الصحيحة الصريحة فيه، منها: خبر مسلم: "وقت المغرب مالم يغب الشفق" والشفق هو الحمرة، فقوله: (الأحمر) صفة مؤكدة كعشرة كاملة، وإطلاقه على الأصفر والأبيض مجاز، وقدر المؤقتون مغيبه لعشرين درجة من المغيب، ولو تقدم مغيبه عن ذلك وتأخر .. قال الشرقاوي: اعتمد مشايخنا ما وقتوه، و (ب ج): المعتمد أن العبرة بمغيبه.
ولها وقت فضيلة أوله وهو أيضاً وقت الاختيار والجواز، ثم وقت الكراهة، ثم

الحرمة، وأمَّا العذر .. وقت العشاء لمن يجمع.
(وهو) أي: غيبوبة الشفق الأحمر (أول وقت العشاء) -بكسر العين والمد- لغة: اسم لأوّل الظلام سميت به الصلاة المخصوصة؛ لفعلها فيه.
ويسن تأخيرها إلى مغيب الشفق الأصفر والأبيض خروجاً من الخلاف.
(ولها ثلاث أوقات) بل سبعة (وقت فضيلة أوله ثم) بعد وقت الفضيلة -على ما مر من الخلاف- وقت (اختيار إلى ثلث الليل) الأول (ثم) بعدهما وقت (جواز) بلا كراهة إلى الفجر الكاذب، ثم بكراهة إلى بقاء ما لا يسعها، ثم حرمة (إلى الفجر الصادق) ولها وقت عذر وضرورة.
(وهو) أي: الفجر الصادق (المنتشر ضؤوه) من جهة المشرق فقط (معترضاً بالأفق) أي: نواحي السماء، وقبله يطلع الكاذب مستطيلاً أعلاه أضواء من باقيه، ثم تعقبه ظلمة، ثم يطلع الصادق مستطيراً وبينهما خمس درج، وقد يتصل بالصادق، وكلاهما بياض شعاع الشمس عند قربها من الأفق الشرقي.
(وهو) أي: الفجر الصادق (أول وقت الصبح) -بضم الصاد، وحكي كسرها- أول النهار لغة، واصطلاحا: الصلاة المخصوصة؛ لخبر مسلم: "وقت صلاة الصبح من طلوع الفجر ما لم تطلع الشمس" سميت بذلك؛ لفعلها فيه، وتسمى أيضاً الفجر والبرد، والوسطى على قول.
(ولها أربعة أوقات) بل ستة (فضيلة أوله، ثم اختيار إلى الإسفار) أي: الإضاءة بحيث يميز الناظرُ القريبَ منه؛ لأن جبريل صلاها ثاني يوم كذلك (ثم جواز إلى الحمرة، ثم كراهة) إلى أن يبقى من وقتها ما لا يسعها، ثم حرمة، ولها وقت ضرورة لاعذر.
وهي نهارية شرعاً، وليلية حقيقة، ولذا طلب الجهر فيها، وهي عند الشافعي الصلاة الوسطى، لكن صحت الأحاديث أنها العصر، ومذهبه اتباع الحديث.

(ويكره تسمية المغرب عشاء، والعشاء عتمة)؛ للنهي عن ذلك (ويكره)؛ لخوف الفوات (النوم قبلها) بعد دخول وقتها، ولو وقت المغرب لمن يجمع، كأن ينام بعد المغرب قليلاً لا يمنع الجمع؛ ولأنه عليه الصلاة والسلام (كان يكره النوم قبلها والحديث بعدها)، قال ابن صلاح: والكراهة تعم سائر الصلوات، ومحل جوازه حيث غلبه بحيث صار لا يميز، ولم يمكنه دفعه وحينئذٍ فلا كراهة حيث كان عازماً على الفعل، أو غلب على ظنه تيقظه، وقد بقي من الوقت ما يسعها، وإلاَّ .. حرم بخلاف النوم قبلها، فلا يكره، بل لو قصد به حينئذٍ عدم فعلها في الوقت .. لم يحرم على المعتمد؛ لأنه غير مخاطب بها حينئذٍ.
(و) يكره (الحديث) وسائر الصنائع (بعدها) ولو مجموعة تقديماً، لكن استوجه (حج)، و (م ر) عدم كراهته إلابعد دخول وقتها، فيكره خوف فوات صلاة الليل، وأول وقت الصبح، وليختم عمله بأفضل الأعمال.
أما قبلها: فإن فوت وقت الاختيار .. كان خلاف الأولى، ولا يكره وإن خيف منه ما مر؛ إذ الخوف على ذلك بعد فعلها أكثر (إلا في خير)، كقراءة ومطالعة علم وإيناس نحو أهل أو ضيف ولو فسقه.
نعم؛ لو قصد إناسهم لفسقهم .. حرم، وكتكلم بما دعت حاجته إليه كحساب، فلا كراهة في ذلك؛ لأن ذلك خير ناجز، فلا يترك لمفسدة متوهمة؛ لخبر عمران بن الحصين: (كان صلى الله عليه وسلم يحدث أصحابه عامة الليل)، ولما كانت الصلاة أفضل موضوع، وكان أفضلها فعلها أول وقتها المسمى بوقت الفضيلة .. أشار لذلك بقوله: (وأفضل الأعمال) البدنية بعد النطق بالشهادتين المدخول في الإسلام بهما (الصلاة) ففرضها أفضل الفروض، ونفلها أفضل النوافل؛ لخبر أبي داوود: "استقيموا، واعلموا أن خير أعمالكم الصلاة"، ولخبر: "الصلاة خيرٌ موضوعٌ"، أما القلبية .. فأفضل من البدنية، وأفضلها معرفة الله، ثم العلم بالواجبات العينية.
وأفضل أحوال الصلاة -من حيث الوقت مع عدم العذر- أن تقع (أول الوقت) يقيناً ولو عشاء؛ لأنه من المحافظة عليها المأمور بها في آية (حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ) [البقرة:238]؛ وللخبر الصحيح: "أي الأعمال أفضل؟ قال: الصلاة لأول وقتها" وخبر: "أسفروا

بالفجر، فإنه أعظم للأجر".
وخبر: (كان يستحب أن يؤخر العشاء) معارَض؛ بأن تعجيلها هو الذي واظب عليه صلى الله عليه وسلم، ولأن المراد بالإسفار ظهوره يقيناً، لكن الأقوى دليلاً تأخير العشاء إلى ثلث الليل، وروى ابن عمر مرفوعاً: "الصلاة في أول وقتها رضوان الله، وفي آخره عفو الله".
والعفو إنما يكون للمقصرين.
(ويحصل ذلك) الفضل الذي سببه التعجيل (بأن يشتغل بأسباب الصلاة) كطهر، وستر، وأذان (حين دخل الوقت) أي: عقب دخوله، فلا يشترط لذلك تقدمها عليه وإن كان هو الأفضل، ولا العجلة على خلاف العادة، بل لو أخر متطهر بقدرها .. لم تفته فضيلته، ولا يضر التأخير لعذر كأكل خفيف أو كثير يؤثر فقده في الخشوع، وتقديم راتبة وغير ذلك من كل كمال اقترن بالتأخير دون التقديم، فالتأخير -حينئذٍ لمن أراد الاقتصار على صلاة واحدة- أفضل.
(و) من ذلك أنه (يسن التأخير عن أول الوقت للإبراد بالظهر) دون الجمعة؛ لأن الناس مأمورون بالتبكير إليها، فلا يتأذون بالحر، ولأن تعجيلها فيه مراعاة للمبكرين، وفي التأخير مراعاة لغيرهم، والمبكرون أولى بالمراعاة، وما في الصحيح من (الإبراد بها)؛ بيان للجواز، ودون الأذان، والأمر بالإبراد به محمول على الإقامة، أو لبيان الجواز.
ولندب الإبراد شروط كونه (في الحر) الشديد، وفي وقت الحر، و (بالبلد الحارة) وإن خالفت قطرها، وكونه (لمن يصلي جماعة) و (في موضع بعيد) مسجد أو غيره ولو مع وجود قريب أقل جماعة من البعيد بأن يحصل بالإتيان إليه مشقة تذهب الخشوع أو كماله؛ لكونهم يمشون في الشمس؛ لخبر: "إذا اشتد الحر .. فأبردوا، فإن شدة الحر من فيح جهنم"، دل بفحواه: أنه لابد من الشروط المذكورة، فلا يسن الإبراد في غير شدة الحر ولو بقطر حار، ولا في قطر بارد أو معتدل وإن اتفق فيه شدة الحر؛ إذ الفقهاء لا ينيطون الأحكام بالنادر ولا لمن يصلي منفرداً أو جماعة بمحل لا يتأذون بالحضور إليه.
نعم؛ يسن الإبراد لمنفرد يريد الصلاة بالمسجد، ولمسافرين؛ لشدة مشقة الحر بالبرية، ولمن حضر موضع الجماعة أول الوقت، أو أقام به ينتظر جماعة تبعاً لهم،

والأفضل: أن يصلي أول الوقت منفرداً، ثم وسطه جماعةً (إلى حصول الظل) الذي بقي من الشمس، وغايته نصف الوقت (و) منه أنه يسن التأخير أيضاً (لمن تيقن) وجود الماء، أو (السترة آخر الوقت)؛ لزيادة فضل الصلاة معهما (ولمن تيقن الجماعة آخره) بحيث يبقى منه ما يسعها لذلك (وكذا لو ظنها، ولم يفحش التأخير) عرفاً، ويحتمل ضبطه بنصف الوقت.
وخرج بـ (بالظن): الشك، فلا يندب له التأخير مطلقاً (و) أنه يسن أيضاً (للغيم) ونحوه مما يمنع العلم بدخول الوقت (حتى يتيقن) دخول (الوقت) بنحو رؤية شمس، أو إخبار ثقة (أو يخاف الفوات) للصلاة، ويندب أيضاً لمن يرمي الجمار، ولمسافر وقت الأولى، ولحاج تأخير مغرب مع العشاء إلى مزدلفة، وغيرها ذلك.
(ومن صلى ركعة) بأن فرغ من السجدة الثانية (في الوقت .. فهي) أي: الصلاة كلها (أداء، أو) صلى فيه (دونها .. فقضاء) سواء آخر لعذر، أم لا؛ لخبر الشيخين: "من أدرك ركعة من الصلاة .. فقد أدرك الصلاة" أي: مؤداة، واختصت الركعة بذلك؛ لاشتمالها على معظم أفعال الصلاة؛ إذ ما بعدها تكرير لها، فجعل ما بعد الوقت تابعاً لها بخلاف ما دونها.
(ويحرم تأخيرها) أي المكتوبة والمنذورة لغير عذر (إلى أن يقع بعضها) ولو التسليمة الأولى (خارجة) أي: الوقت وإن وقعت أداء.
قال المدابغي: ولو أدرك آخر الوقت، بحيث لو أدى الفريضة بسنتها فات الوقت، ولو اقتصر على الأركان أدركها فيه .. فالأفضل أن يتم السنن، فالأحوال ثلاثة، تارة يبقي ما يسعها بسننها، فالمد -حينئذٍ- خلاف الأولى، وتارة يبقي ما يسع واجباتها فقط، فالمد مندوب، وتارة يبقي ما لايسع واجباتها، فيحرم.


(فصل: ومن جهل الوقت) لنحو غيم ولم يمكنه معرفته ( .. أخذ) وجوباً (بخير ثقة) ولو عدل رواية (يخبر عن علم) كمشاهدة، وسماع مؤذن ثقة عارف بالمواقيت، أذّن في صحو ولم يعلم أن أذانه عن اجتهاد، فأذانه حينئذٍ من الإخبار عن علم، سواء سمعه بنفسه، أم أخبره به ثقة، فإن أمكنه معرفة الوقت .. تخير بين الأخذ بخبر الثقة، وتحصيل العلم به بنحو خروجه لنحو شمس، لكن يمتنع الاجتهاد مع الأول دون الثاني؛ لأن فيه مشقة عليه في الجملة، وأما غير الثقة .. فلا يؤخذ بخبره.
وإن وقع في القلب صدقة؛ لأن الشارع ألغاه مطلقاً فيما يدخله الاجتهاد؛ لأن الاجتهاد أقوى منه، وكذا خبر ثقة عن اجتهاد، فلا يأخذ به إلا أعمى بصر أو بصيرة؛ إذ المجتهد لا يقلد، فإن فقد المخبر عن علم .. أخذ إما بأذان مؤذنين كثروا يوم الغيم -بحيث يغلب على الظن إصابتهم-، أو بأذان ثقة عارف بالمواقيت في يومه ولم يكن أذان من ذكر عن اجتهاد.
(أو) باجتهاد بنحو (صياح) نحو (ديك مجرب) بإصابة الوقت أو بغيره -مما يأتي- أو حسابه إن كان عارفاً به، ويجوز تقليده عند جمع، لغلبة الظن بجميع ذلك.
(فإن لم يجد) ما ذكر من الإخبار عن علم ( .. اجتهد) وجوباً؛ لتعينه طريقاً (بقراءة أو حرفة) كخياطة أو ورد أو صياح نحو ديك (أو نحو ذلك) من كل ما يظن به دخول الوقت.
وقال الكردي: (الرتب ستة: الأولى: إمكان معرفة يقين الوقت، الثانية: وجود مخبر عن علم، ثالثها: دون الإخبار عن علم، وفوق الاجتهاد، وهي: المناكيب والساعات المجربة، والمؤذن الثقة في الغيم، ورابعها: إمكان الاجتهاد من البصير، خامسها: إمكانه من الأعمى، سادسها: التقليد.
فصاحب الأولى مخير بينها وبين الثانية إن وجدها، وإلا .. فبينها وبين الثالثة إن وجدت، وإلا .. فبينها وبين الرابعة، وصاحب الثانية لا يعدل لما تحتها، وصاحب الثالثة مخير بينها وبين الإجتهاد، وصاحب الرابعة لا يقلد، وصاحب الخامسة مخير بينها وبين التقليد)، وقد أشار المصنف إلى هذه بقوله:

(ويتخير الأعمى) القادر على الاجتهاد (بين تقليد ثقة) عارف (والإجتهاد)؛ نظراً لعجزه في الجملة، وإنما امتنع عليه التقليد في الأواني عند عدم التحير؛ لأن الإجتهاد هنا يستدعي أعمالاً مستغرقة للوقت، ففيه مشقة ظاهرة بخلافه ثم، وعلم من كلامه حرمة الصلاة، وعدم انعقادها مع الشك في دخول الوقت؛ إذ لابد من دخوله يقيناً أو ظناً، وإلا كانت باطلة؛ لأن مبنى العبادة على نفس الأمر وظنّ المكلف، وإذا اجتهد وظن دخول وقت صلاة وصلاها .. (فإن) تبين له مطابقته للواقع .. فذاك، أو أنها وقعت بعد الوقت .. صحت قضاءً، أو لم يتبن له شيء .. مضت صلاته على الصحة ظاهراً، أو (تيقن) وقوع (صلاته قبل الوقت) .. وقعت له نفلاً مطلقاً؛ لعذرة، ولم تقع له عن الصلاة التي نواها؛ لوقوعها بدون شرطها، وهو الوقت و (وجب قضاؤها) إن علم بعد الوقت في الأظهر، فإن علم في الوقت .. وجب إعادتها فيه إتفاقاً.
تنبيه: ظاهر المتن أن صياح الديك في رتبة الإخبار عن علم، وليس كذلك، بل هو مما يجتهد به، كما بينته في "الأصل".
(ويستحب المبادرة بقضاء الفائتة) بعذر كنوم ونسيان لم يتعد بهما؛ تعجيلاً لبراءة الذمة، وللأمر به.
(و) يندب أيضاً ترتيب الفوائت مطلقاً و (تقديمها) إن فاتت بعذر (على الحاضرة التي لا يخاف فوتها وإن خاف فوت الجماعة فيها) أي: الحاضرة على المعتمد خروجاً من خلاف من أوجب الترتيب، ولا يرد أن أحمد يوجب الجماعة عيناً؛ لأنها ليست شرطاً للصحة عنده على الأصح، بخلاف من يوجب الترتيب كالحنفية، فكان رعاية خلافه أولى، وإن كان الترتيب عندنا سنة، والجماعة فرض كفاية.
نعم؛ لو لم يقم الشعار لجماعة الحاضرة .. لم يبعد تقديمها على الفائته؛ لتعين الجماعة عليه أمّا إذا خاف فوت الحاضرة بأن يقع بعضها خارج الوقت عند (حج)، أو بأن لا يدرك في الوقت عند (م ر) .. فتلزمه البداءة بها؛ لتعين الوقت لها، ولئلا تصير قضاءً أيضاً.
(وتجب المبادرة بالفائته إن فاتت بغير عذر)؛ تغليظاً عليه ويجب صرف جميع

زمنه إليها، إلاَّ مالا بد منه في تحصيل مؤنة تلزمه، وفعل واجب آخر مضيق يخشى فوته، ونحو نوم وأكل، ولا يجوز له تنفل حتى يفرغ منها، وكذا يجب تقديم ما فات بغير عذر على ما فات بعذر، وإن فقد الترتيب عند (حج)؛ لأنه سنة، والبدار واجب، فإن خالف .. صح مع الحرمة، ولو تذكر فائتة وهو في حاضرة .. لم يقطعها مطلقاً، أو شرع في فائته ظاناً سعة وقت الحاضرة، فبان ضيقه .. لزمه قطعها، أو قلبها نفلاً بشرطه الآتي، ولو كان عليه فوائت لا تنقص عن عشر، ولا تزيد على عشرين .. وجب قضاء العشرين؛ لإنها لزمته يقيناً، فلا يبرأ منها إلا بيقين.


(فصل) في الصلاة المحرمة من حيث الوقت.

(تحرم الصلاة) التي لا سبب لها أو سببها متأخر عنها، ولا تنعقد (في غير حرم مكة) في خمسة أوقات: ثلاثة منها تتعلق بالزمان من غير نظر إلى من صلى، ولا لمن لم يصل، وهي: (وقت طلوع الشمس حتى ترتفع قدر رمح) طوله سبعة أذرع تقريباً فيما يظهر لنا، وإلا .. فالمسافة بعيدة.
(ووقت الاستواء) يقيناً (إلا يوم الجمعة) ولو لمن لم يحضرها؛ لأنه -وإن ضاق وقته- يسع التحرم، ويستمر التحريم (حتى تزول) الشمس.
(ووقت الاصفرار) للشمس (حتى تغرب).
واثنان منها: يتعلقان بفعل صاحبة الوقت، فمن فعلها .. حرمت عليه الصلاة المتقدمة آنفاً (و) هما: (بعد صلاة الصبح) المسقطة للقضاء لمن صلاها (حتى تطلع) الشمس، (وبعد صلاة العصر) المسقطة للقضاء لمن صلاها -ولو مجموعة تقديماً- (حتى تغرب)؛ لما صح من النهي عن الصلاة في هذه الأوقات الخمسة، ومن استثناء حرم مكة؛ لخبر:

"يا بني عبد مناف؛ لا تمنعوا أحداً طاف بهذا البيت، وصلى أية ساعة شاء من ليل أو نهار".
وروى الدارقطني، والبيهقي حديث: "لايصلي أحد بعد الصبح حتى تطلع الشمس، ولا بعد العصر حتى تغرب الشمس إلا بمكة"، وهذا صريح في تخصيص عموم النهي عن الصلاة في تلك الأوقات، وأن الصلاة المستثناة ليست من خصوص سنة الطواف؛ إذ لا ذكر للطواف فيه، وليست فيه خلاف الأولى عند حج؛ إذ الخلاف إذا خالف سنة صحيحة لا يراعي، وأما استثناء يوم الجمعة .. ففي خبر عند أبي داوود مرسل عضده ندب التبكير إليها وله شواهد، ومن عبر بكراهة تلك الصلاة كـ"المنهاج" .. أراد كراهة تحريم، وقيل: كراهة تنزيه، قال في "التحفة": وعليهما لا تنعقد؛ لأنها -أي الكراهة- بقسميها لذات كونها صلاة، وإلا لحرمت كل عبادة وهي تنافي الانعقاد؛ إذ لا يتناولها مطلق الأمر، وإلا كان مطلوباً منهياً عنه من جهةً واحدة، وهو محال.
(ولا يحرم) من الصلاة (ماله سبب غير متأخر) بأن كان متقدماً (كفائتة) ولو نفلا ً -وصلاة جنازة- أو مقارناً كصلاة استسقاء وكسوف، فإن سببهما -وهو التغير والقحط- مقارن دواماً، فيجب مقارنته للتحرم، فإن زال قبله .. لم تنعقد، وجعلهما (حج) مما سببهما متقدم؛ نظراً لتقدم السبب فيهما على التحرم وإن قارنه دواماً، ومما سببه متقدم منذورة ومعادة.
(وسنة وضوء وتحية) لمسجد، وسنة طواف وقدوم (وسجدة تلاوة) أو شكر، فلا تحرم هذه المذكورات ونحوها (إن لم يقصدها) أي: يقصد إيقاعها وقت الكراهة لكونه وقت كراهة، وإلا .. حرمت ولو قضاءً مضيقاً؛ لأنه حينئذٍ كالمراغم للشرع، بخلاف مالو لم يتحر ذلك الوقت وإن وقعت فيه، أو تحراه لغرض آخر، كأن أخر صلاة الجنازة إليه لأجل كثرة المصلين عليها، فيجوز وتنعقد.
والمراد بالتأخر وقسيميه بالنسبة إلى الصلاة، لا إلى الوقت المكروه، فصلاة الجنازة من طهر الميت وإن وقع في الوقت المكروه، فإذا تم طهره في الوقت المكروه .. كانت مما سببه متقدم وهو الطهر، وهو متقدم على الصلاة وإن تأخر عن دخول وقت الكراهة.
(ويحرم ما) لا سبب (لها) أصلاً كنفل مطلق، أو لها (سبب متأخر عنها كصلاة استخارة وإحرام) وحاجة وخروج من المنزل وعند القتل؛ لتأخر اسبابها عنها، والمتأخر ضعيف؛ لأحتمال وقوعه وعدمه.
(و) يحرم على مريد الجمعة -ولو كان في بيته، وإن لم تلزمه وحال مانع اقتداءٍ حينئذٍ- (الصلاة) مطلقاً إجماعاً (إذا صعد الخطيب) المنبر، وجلس عليه ولو بمكة، وإن لم يشرع في الخطبة، ولا سمعها المصلي ولو حال الدعاءِِ للسلطان، ولا تنعقد وإن تضيقت عليه؛ لإعراضه عن الخطيب بالكلية، بخلاف الكلام؛ إذ من شأن المصلي الإعراض عما سوى صلاته، ومن ثم استظهروا أن الطواف ليس كذلك، وكذا سجدة تلاوة وشكر عند (حج).
ووجب تخفيف الصلاة التي شرع فيها قبل صعود الخطيب وجلوسه، أما بعد ذلك .. فتحرم ولا تنعقد (إلا التحية ركعتين) لداخل مسجد ( .. فتسن) حينئذٍ (إن لم يخش فوت التكبير للإحرام) بالجمعة؛ لخبر: "إذا جاء أحدكم يوم الجمعة، وقد خرج الإمام يخطب .. فليركع ركعتين، وليتجوز فيهما" أي: لا يطولهما عرفاً كما في "التحفة"، و"النهاية"، أو يقتصر على الواجب، كما قاله غيرهما، ولو لم يكن صلى راتبة الجمعة القبلية، فالأولى نية التحية معها؛ ليثاب عليها باتفاق (حج)، و (م ر).
وخرج بالركعتين الزيادة عليهما، وبداخل مسجد الماكث فيه، والداخل غير مسجد، فتمتنع الصلاة فيما ذكر مطلقاً.
وبقوله: (إن لم يخش .. إلخ) ما لو خشي فواتها، فلا تسن له بل تكره، كالقعود حينئذٍ، بل يستمر قائماً إلى أن يحرم الإمام، فيحرم معه، ولو صلاها في هذه الحاله .. استحب أن يزيد الخطيب في الخطبة بقد ما يكملها.


(فصل) في الأذان والإقامة

وهما من خصوصياتنا، والأصل فيهما -قبل الإجماع المسبوق برواية عبد الله بن زيد المشهورة ليلة تشاورا فيما يجمع الناس- آية (إذَا نُودِىَ للِصَّلَوةِ) [الجمعة:9] وهما معلومان من الدين بالضرورة، يكفر جاحدهما، وشرعا في السنة الأولى من الهجرة.

(يستحب) للذكر (الأذان) وهو لغة: الإعلام، وشرعاً: ذكر مخصوص، مطلوبٌ للمكتوبة أصالة، فلا يرد أنه يؤذن للأولى من المتواليتين فقط؛ لأن وقوع الثانية تابعة -حقيقة في الجمع، أو صورة في الفوائت، أو الحاضرة والفائتة- صيرها كجزء من الأولى، ودخل بأصالة المعادةُ فيؤذن لها، على خلاف فيها.
(والإقامة) مصدر: أقام، وشرعاً: الذكر الآتي؛ لأنه يقيم للصلاة، وهي مجمع عليها (للمكتوبة) كالأذان، وإنما اختلفوا في كيفة مشروعيتهما، فقيل: فرضا كفاية؛ لأنهما من الشعائر الظاهرة، وفي تركهما تهاون بالدين، وعليه: فيقاتل أهل بلد تركوهما.
والأصح أنهما سنة كفاية للجماعة -كالتسمية على الأكل وعند الجماع، والتضحية من أهل بيت، وابتداء سلام، وتشميت عاطس، وما يفعل بالميت من المندوب- وسنة عين لمنفرد كما في أكله ونحوه.
ولا بد في أذان الإعلام من كونه، بحيث يسمعه جميع أهل البلد لو أصغوا إليه، ففي بلد صغير يكفي في محل واحد، وفي كبيرة في محال وإن لم يصلوا إلا في محل واحد، كيوم الجمعة.
وفي أذان غير الإعلام للجماعة أن يُسمِع ولو واحداً منهم، وللمنفرد أن يسمع نفسه كما يأتي وإنما يسن الأذان للمكتوبة بقيدين: الأول: (إن لم يصلها) بحاضرة أو (بفائته) أو مجموعة، وكذا بمعادة على ما مر.
والثاني: كونه (للرجل) أي: الذكر (ولو) صبياً، و (منفرداً) بعمران، أو غيره (ولو سمع الأذان) من غيره ولم يرد الصلاة معهم.
(و) يسن أيضاً (لجماعة ثانية) مع رفع الصوت به وإن كرهت، أو كانت بالبيت ولو جار مسجد؛ للخبر الصحيح: "إذا كنت في باديتك، أو غنمك فأذنت للصلاة .. فارفع صوتك بالنداء، فإنه لا يسمع مدى صوت المؤذن جن ولا إنس ولا شيء، إلا شهد له يوم القيامة".
نعم؛ لا يسن رفع الصوت به في محل وقعت به جماعة، أو صلوا منفردين وإن لم ينصرفوا، (ولفائتة)؛ لإن بلالاً أذن للصبح لما فاتته صلى الله عليه وسلم، لما نام وهو وأصحابه حتى طلعت الشمس.

(فإن اجتمع) عليه (فوائت) وأراد قضاءها متوالية، أو والى بين حاضرة وفائتة (أو جمع تقديماً أو تأخيراً) ووالى بينهما ( ... أذن للأولى وحدها)؛ لثبوت ذلك يوم الخندق وإن كان بسند فيه انقطاع، لكنه اعتضد بما مر من الأذان للفائته، وأقام للكل؛ لما صح من جمعه صلى الله عليه وسلم بمزدلفة بأذان وإقامتين.
(وتستحب الإقامة وحدها للمرأة) لنفسها وللنساء، لا للرجال والخناثى، وللخنثى لنفسه، على ما في "التحفة" لا للرجال، ولا لمثله؛ لأنها لاستنهاض الحاضرين، فلا رفع فيها يخشى منه الفتنة، لا الأذان؛ لما فيه من الرفع الذي يخشى منه الفتنة؛ ومن التشبه بالرجال، ومن ثم حرم عليهما رفع صوتهما به إن كان ثم أجنبي، لو أذن لهن رجل لم يصل بهن .. صح؛ لعدم المحذور المتقدم، كما قال (سم) في "شرح الغاية"، وإنما لم يحرم غناؤها ولا سماعه لأجنبي حيث لا فتنه؛ لأن تمكينها منه ليس فيه حمل الناس على مؤد لفتنة، بخلاف تمكينها من الأذان؛ لأنه يسن الإصغاء للمؤذن والنظر إليه، وكل منهما إليها مفتن، ولأنه لا تشبه فيه؛ إذ هو من وضع النساء، بخلاف الأذان فمختص بالذكر، فحرم عليها التشبه به فيه.
وقضية هذا حرمته عليها وإن لم يسمعه أجنبي؛ إذ التشبه علة للحرمة مستقلة، وخوف الفتنة علة أخرى، قال في "التحفة": (إلا أن يقال: لا يحصل التشبه إلا حينئذٍ، ويؤيده أنها لو أذنت للناس بقدر ما يسمعن .. لم يكره) اهـ لكن نازعه (سم) و (ع ش)، وغيرهما بأنها إذا قصدت الأذان الشرعي .. حرم، واعتمده (م ر)، وهل قراءتها القرآن بحضرة الأجانب كأذانها؟ قال في "المغني": نعم، وفي "النهاية": لا.
تنبيه: يسنان أيضاً خلف مسافر، وفي أذني مولود، والأذان وحده في أذن مهموم، مصروع، وغضبان، ومن ساء خلقه ولو بهيمة، وعند مزدحم جيش وحريق، وتغول الغيلان.
(و) يستحب (أن يقال في الصلاة المسنونة جماعة) وفعلت جماعة (غير) المنذورة و (الجنازة)، بل كصلاة عيد، وكسوف، واستسقاء، ووتر رمضان، وكذا جنازة لم يكن معها أحد، أو زادوا بذلك: (الصلاة جامعة) برفعهما أو نصبهما، أو رفع أحدهما

ونصب الآخر، أو الصلاة الصلاة، أو حي، أوهلموا إلى الصلاة، أو الصلاة رحمكم الله، أو التراويح -مثلاً- أثابكم الله، وتندب إجابة ذلك بلا حول ولا قوة إلا بالله.
(وشرط) صحة (الأذان) -كالإقامة- دخول (الوقت) في الواقع وإن لم يظن دخوله؛ لأنهما للصلاة، ولا معنى لهما قبل طلبها، وفيه لبس قبله، ولهذا حرم قبله، فإن أمنه .. لم يحرم؛ لأنه ذكر.
نعم؛ إن نوى به الأذان .. حرم؛ لأنه حينئذٍ تلبس بعبادة فاسدة، ويبقى جوازه ما بقي الوقت، لكن تنتهي مشروعيته بفعل الصلاة بالنسبة لمن صلاها (إلا) أذان (الصبح .. فيجوز بعد نصف الليل) كالدفع من مزدلفة، ولأن العرب تقول حينئذٍ: أنعم صباحاً؛ لخبر: "إن بلالاً يؤذن بليل، فكلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم".
والأفضل لكل محل جماعة مؤذنان واحد يؤذن قبل الفجر والأفضل كونه من السحر وإن جاز من نصف الليل والآخر بعده لما مر (وإلا) الأذان (الأول يوم الجمعة) .. فيجوز قبل الزوال على ما نسب لـ"الرونق" قياساً على الصبح، وفرق بينهما؛ بأن الناس قبل الفجر مشغولون بالنوم، فندب تقديمه؛ ليتهيؤا لإدراك فضيلة أول الوقت، ولا شاغل لهم يوم الجمعة يمنعهم من التهيؤ لأول وقتها.
ولا تقدم الإقامة على وقتها، وهو عند إرادة الدخول في الصلاة، فإن قدمت .. اعتد بها حيث لم يطل فصل بينهما.
نعم؛ طوله لتسوية الصفوف لا يضر كما في "التحفة"، ولو أقيمت بدون أذان .. اعتد بها، فإن اقتصر على أحدهما .. فالأذان أولى.
(و) شرطه أيضاً -كالإقامة- (الترتيب)؛ للاتباع، ولأن تركه يوهم اللعب ويخل بالإعلام، فإن أخل بالترتيب ولو ناسياً .. لم يصح، ويبني على المنتظم منه، والاستئناف أولى (والموالاة) بين كلماتها؛ إذ تركها يخل بالإعلام، فلو تركها في أحدهما ولو ناسيا .. بطل.
نعم؛ لا يضر يسير سكوت، أو كلام ولو عمداً وقصد به قطعه؛ إذ لا تشترط فيهما النية، بل عدم الصارف -ولا يسير جنون أو إغماء أو نوم؛ لعدم الإخلال، لكن يسن

الاستئناف حينئذٍ، ولو عطس في أحدهما .. حمد الله بقلبه.
وسن له تأخير رد السلام وتشميت العاطس إلى فراغه منه وإن طال الفصل، فإن لم يؤخره .. فخلاف السنة كالتكلم لمصلحة، وقد يجب لضرورة كإنذارمن محذور.
(وكونه) كالإقامة (من واحد)؛ إذ صدوره من اثنين يورث لبساً في الجملة، وهذا كالنسك فلا يبنى أحد فيه على فعل غيره وإن مات؛ لأنه لو أحصر .. لا يبني على فعل نفسه، فعدم بناء غيره على فعله أولى.
(و) كونهما (بالعربية إن كان ثم من يحسنها) وإلا صح بغيرها كأذكار الصلاة.
نعم؛ إن أذَََّن لنفسه بغيرها وهو لا يحسنها .. صح وإن كان ثم من يحسنها.
(وإسماع بعض الجماعة) بالفعل ولو واحداً أو أنثى والباقين بالقوة، والأكمل إسماع جميعهم، فلا يجزىء الإسرار بشيء منهما إلا لترجيع.
(وإسماع نفسه) بحيث يسمع جميعه حيث لا مانع من نحو صم (إن كان منفرداً)؛ لأن الغرض منهما حينئذٍ الذكر، لا الإعلام، والأكمل رفع صوته بهما، لكنه في الإقامة أخفض.
(وشرط المؤذن) كالمقيم إن نصبه الإمام: كونه مكلفاً أميناً عارفاً بالوقت، أو معه أمين يخبره به؛ لأن ذلك ولاية، فاعتبر فيه شروطها، وإلا .. حرم نصبه، ولا تصح توليته، ولايستحق عليها شيئاً وإن صح أذانه.
وشرطه مطلقاً كالمقيم: (الإسلام، والتميز، والذكورة) فلا يصحان من كافر؛ لأن في إتيانه بهما نوع استهزاء، ولأنهما مقدمتان للصلاة -التي هو ليس من أهلها- ولا من نحو صبي غير مميز، كسكران ومجنون وامرأة على ما مر.
(ويكره) فيهما التطريب والتلحين والتفخيم والتشادق و (التمطيط) أي: التمديد، قال الشيخ عز الدين: يحرم التلحين إن غير المعنى، أو أوهم محذوراً، بل كثير منه كفر [من العالم العامد]، كمد همزة أكبر أو أشهد، وباء أكبر، لأنه يصير به جمع كبر وهو طبل له وجه واحد، والوقف على إله والابتداء بإلا الله، ومد ألف الله، والصلاة والفلاح زيادةً

على ما تكلمت به العرب، وكقلب ألف الله هاء، أو عدم النطق بهاء الصلاة؛ لأنه يصير دعاء إلى النار، وعلى كل حال فقد عم الجهل في جميع أهل وظائف الدين، وتساهل بها غالب المسلمين.
(والكلام) اليسير (فيه) وفي الإقامة، حيث لا مصلحة ولا ضرورة كما مر.
(وترك إجابته) كالإقامة خروجاً من خلاف موجبها؛ للحديث الآتي، بل قيل: إن الكلام فيه يورث سوء الخاتمة.
(و) يكره (أن يؤذن) أو يقيم (قاعداً أو راكباً) لتركه القيام المأمور به (إلا المسافر الراكب) .. فلا يكرهان له؛ لحاجته إلى الركوب، لكن الأولى أن لا يقيم إلا بعد نزوله، ولا يكره له فيهما ترك الاستقبال ولا المشي؛ لاحتمالهما في صلاة النفل للمسافر، ففي أذانه أولى.
(وفاسقاً أو صبياً)؛ لأنهما غير مؤمنين على الوقت، ولا يقبل خبرهما فيه وإن ظن صدقهما وحصل به أصل السنة، ومن ثم لا يكرهان لكل منهما لنفسه، وكونه أعمى أيضاً ليس معه من يعرفه الوقت.
(وجنباً ومحدثاً)؛ لخبر: "كرهت أن أذكر الله على غير طهر"، وقضيته كراهة كل ذكر على غير طهر، وليس كذلك؛ ولذا استدل في "شرح المنهج" بخبر الترمذي: "لا يؤذن إلا متوضىء" (إلا إذا أحدث أثناء الأذان .. فيتمه) ندباً؛ لئلا يوهم التلاعب، فإن تطهر بنى إن قصر الفصل، وإلاَّ .. استأنف، وهما من جنب أشد كراهة من المحدث، والإقامة من كل أغلظ من الإذان؛ لقربها من الصلاة.
(و) يكره (التوجه لغير القبلة) لكل منهما إن قدر على الإستقبال؛ لتركه الاستقبال المنقول سلفاً وخلفاً، لكنه يجزىء؛ لأنه لا يخل بالإعلام.
قال الأطفيحي: (قال "م ر": "وعلم من سن التوجه حال الأذان أنه لا يدور على ما يؤذن عليه من منارة أو غيرها" اهـ ونقل (سم) عن (م ر): "أنه لا يدور، فإن دار كفى إن سمع آخره من سمع أوله وإلا .. فلا" اهـ والراجح: كراهة الدوران مطلقاً كبرت البلد أو صغرت، وإذا لم يسمع من بالجانب الآخر .. سن أن يؤذن فيه) اهـ شيخنا (ع ش) لكن كتب (ب ج) على "شرح المنهج" ما نصه: (قوله: "وتوجه لقبلة" أي: إن لم يحتج لغيرها، وإلا كمنارة وسط البلد .. فيدور حولها) اهـ زاد غيره: (وكذا لو كانت منارة البلد لغير جهة القبلة .. فيستقبل البلد وإن استدبر القبلة).
واعتمد هذا، بل جزم به جل المحشين، وعليه عمل أهل مصر وغيرها من غالب البلدان.
(وسن ترتيله) أي: التأني فيه بأن يأتي بكلماته مبينة، وإدراج الإقامة؛ للأمر بهما، ولأنه للغائبين فالترتيل فيه أبلغ، وهي للحاضرين فالإدراج فيها أشبه، ولذا كانت أخفض منه صوتاً.
(والترجيع) ولو في أذان غير الصلاة؛ لثبوته في خبر مسلم، وهو ذكر الشهادتين مرتين بحيث يسمع نفسه، فإن أذن لجمع .. سن أن يسمع من بقربه؛ ليتدبرها ويخلص فيهما؛ إذ هما المقصودتان، وليتذكر خفاءهما أول الإسلام، ثم ظهورهما الذي أنعم الله به، وسمي بذلك؛ لأنه رجع إلى خفص الصوت بعد رفعه بالتكبير، أو لأنه رجع للشهادتين بعد ذكرهما.
والأشهر: أنه اسم للأول، وفي "الروضة" أنه اسم للثاني، ولو جهر بالأولين .. أسر بالأخيرين.
(والتثويب) من ثاب إذا رجع (بالصبح) في أذانيه (أداءً، وقضاءً) وهو أنه يقول: الصلاة خير من النوم؛ لما صح أنه صلى الله عليه وسلم علمه لأبي محذورة وخص بالصبح؛ لما بالنائم من الكسل، وسمي بذلك؛ لأنه لما دعا إلى الصلاة والفلاح باللفظ الصريح .. عاد إلى الدعاء إليهما بالكناية، وهي أبلغ منه.
(والالتفات) فيهما ولو لنفسه، قال الشرقاوي: (لأنه قد يسمعه من لا يعلم به وقد يريد الصلاة معه، فمظنة فائدة الالتفات قائمة، فإن كان بمحل يقطع بعدم إتيان غيره له فيه .. لم يلتفت، ويسن الالتفات في الأذان لتغول الغيلان؛ لأنه أبلغ في الإعلام وأدفع لشرهم، ولذا يسن رفع الصوت فيه، بخلاف الأذان في أذن المولود؛ لعدم فائدتهما) اهـ

ولا يلتفت بصدره بل (برأسه وحده يمينه) مرة (في) مرتي (حي على الصلاة، ويساره) مرة (في) مرتي (حي على الفلاح)؛ لما في الصحيحين: أن بلالاً كان يفعل ذلك في الأذان وقيس به الإقامة، واختص به الحيعلتان؛ لأنه خطاب آدمي كسلام الصلاة، ولا يلتفت في الخطبة ولا في التثويب، كما قاله ابن العجيل.
(ووضع) طرفي أنملتي (أصبَعيه) وطرفي المسبحتين أولى (في صماخي أذنيه)؛ لما صح من فعل بلال ذلك بحضرته صلى الله عليه وسلم، فإن كان بإحدى السبابتين علة .. جعل أصبعاً أخرى، أو بإحدى يديه .. جعل السليمة فقط (في الأذان دون الإقامة)؛ لأن علته كونه أجمع للصوت الطلوب رفعه فيه أكثر، ويستدل به الأصم والبعيد وذلك مفقود فيها، ولذا لا يسن لمن يؤذن لنفسه بخفض الصوت، كذا قالوه، وقد يقال: نحو الأصم، كما يستدل به في الأذان يستدل به في الإقامة.
(وكون المؤذن) والمقيم (ثقة) أي عدل شهادة عارفاً بالمواقيت ولو بأجرة؛ ليقبل خبره بالوقت، وليؤمن نظره إلى العورات، ومن ذرية مؤذنيه صلى الله عليه وسلم، فمن ذريته، فمن ذرية أصحابه، (ومتطوعاً)؛ لخبر: "من أذن سبع سنين محتسباً .. كتب الله له براءة من النار" (وصيتاً) أي: عالي الصوت؛ لأنه أبلغ في الإعلام، ولخبر: "ألقه على بلال، فإنه أندى صوتاً منك".
(وعلى مرتفع) كمنارة أوسطح؛ لأنه حينئذٍ أبلغ في الإعلام، فإن لم يكونا .. فعلى باب المسجد، ولا يسن المرتفع للإقامة إلا لحاجة ككبر المسجد.
(وبقرب المسجد)؛ لأنه دعاء للجماعة، وهي فيه أفضل.
ويكره الخروج من المسجد بعد الأذان بغير صلاة.
(وجمع كل تكبيرتين بنفس)؛ لخفتهما، وإفراد كل من باقي كلماته بصوت، ويسن في الإقامة جمع كل كلمتين بصوت، وتبقى الأخيرة فتفرد بصوت.
(وبفتح الراء في الأولى) من التكبيرتين (في قوله: الله أكبر الله أكبر) قال ابن هشام في "مغنيه": (قال جماعة منهم المبرد: حركة راء أكبر فتحة، وإنه وصل بنية الوقف، ثم اختلفوا فقيل: هي حركة الساكنين، وقيل: حركة الهمز نقلت، وهذا كله خروج عن الظاهر لغير داع، والصواب: أن حركة الراء ضمة إعراب) اهـ والحاصل: أن الوقف أولى؛ لأنه المروي، ثم الرفع وأن الرفع أولى من الفتح؛ لأنه حركته الأصلية الإعرابية، فالإتيان به أولى من اجتلاب حركة أخرى؛ لالتقاء الساكنين، وإن كان جائزاً، (ويسكن) الراء (في) التكبيرة (الثانية) ندباً.
(و) يسن (قول: ألا صلوا في الرحال) أو في رحالكم أو بيوتكم مرتين، كما في "سنن أبي داوود" (في الليلة الممطرة) واليوم المطير وإن لم يكن ريح (أو ذات الريح) أو ذي الريح (أو) ذات (الظلمة) وفي كل ما هو من أعذار الجماعة؛ للأمر به، ويقول ذلك (بعد الأذان أو) بعد (الحيعلتين) والأول أولى، وجرى الشربيني على أن ذلك يجزي عن الحيعلتين.
(و) يسن (الأذان للصبح مرتين) ولو من واحد، والأفضل كونه من اثنين كما مر ليتميز الأول من الثاني، فإن اقتصر على أحدهما .. فالأولى الثاني (ويثوب فيهما).
(و) يسن لكل مؤذن ومقيم (ترك رد السلام) الذي سلم به غيره (عليه)؛ إذ لا يليق الكلام في أثنائهما، ويسن الرد بعدهما وإن طال الفصل، وكذا تشميت العاطس (وترك المشي فيه) وفيها؛ لأنه يخل بالإعلام ويجزيان وإن بعد كما مر ويستثنى المسافر، فلا بأس بأذانه ماشياً وراكباً، والأولى أن لا يؤذن إلا بعد نزوله.
(وأن يقول السامع) ولو نحو جنب إن فسر اللفظ على ما في "التحفة"، وكذا إن لم يفسره على ما في "الإمداد"، و"النهاية" (مثل ما يقول المؤذن والمقيم) وإن كرها، أو حرما لا لذاتهما، وإلاَّ .. لم يجب كما في أذان المرأة؛ لخبر: "إذا سمعتم المؤذن .. فقولوا مثل ما يقول، ثم صلوا عليّ"، وقيس به المقيم، ولما صح: "أن من فعل ذلك دخل الجنة"، وذلك بأن يجيب كل كلمة عقب فراغه منها، أو يسكت حتى يفرغ كل أو بعض الأذان والإقامة، ويجيب قبل أن يطول الفصل عرفاً، فأن قارنه من غير تقدم .. أجزأه عند (م ر).

قال الكردي: (وقد يقال: إن غفران الذنب ودخول الجنة اللذين في خبر مسلم، يتوقفان على الإجابة عقب كل كلمة؛ إذ الذي فيه: "إذا قال المؤذن: الله أكبر الله أكبر، فقال أحدكم: الله أكبر الله أكبر، ثم قال: أشهد أن لا إله إلا الله، فقال: أشهد أن لا إله إلا الله ... " الحديث) اهـ وأخذ من قوله في الحديث: "فقولوا مثل ما يقول" أنه يجيب الترجيع وإن لم يسمعه؛ لإنه لم يقل مثل ما تسمعون، وفي "فتاوى م ر" أنه لا يجيب غير أذان وإقامة الصلاة، ونحوه لـ (سم) في "حاشية التحفة"، لكن في "القلائد": أنه يجيبه.
وخرج بسامع المؤذن نفس المؤذن، ويجيب مؤذنين مرتبين سمعهم ولو بعد صلاته، والأول آكد، قال غير واحد: إلا أذاني الفجر فسواء، ولو سمع بعض الأذان .. أجاب حتى فيما لم يسمعه أيضاً؛ تبعاً لما سمعه، ولو ترك المؤذن الترجيع .. أتى به السامع؛ تبعاً لإجابته فيما عداه كما في "حاشية التحفة" لـ (سم)، ولو كان المؤذن يغير معنى بعض كلماته .. فيظهر أنه لا تسن إجابته؛ لأنه بعض أذان وهو لا يسن، فكذا إجابته، لكن نقل (سم) عن "العباب"، و"شرحه": سن إجابته، ثم قال: وقد يتوقف فيه، بل في إجزائه فليتأمل.
(إلا في الحيعلتين) وفي ألا صلوا في رحالكم (فيقول) في إجابتها (عقب كل: لا حول) أي: عن المعصية (ولا قوة) على الطاعة (إلا بالله، ويكرر ذلك أربعاً في الأذان بعد الحيعلتين) ومرتين في: ألا صلوا في رحالكم والإقامة؛ لخبر الصحيح: "أن من قال ذلك مخلصاً من قلبه .. دخل الجنة"، ويسن أن يجيب كلاً من الحيعلة بلفظة أيضاً، ثم يحوقل ويزيد مع حي على الفلاح: اللهم اجعلنا من المفلحين.
(وإلا في التثويب، فيقول) في إجابته مرتين: (صدقت وبررت) -بكسر الراء، وحكي فتحها- أي: صرت ذا بر؛ لخبر فيه، وبالحق نطقت؛ لأنه مناسب، وقيل: يقول: صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم الصلاة خير من النوم، كما في "الأذكار"، فينبغي الجمع بينه وبين ما قبله.
(وإلا في) كلمة (الإقامة) فيقول: (أقامها وأدامها) ما دامت السماوات

والأرض، وجعلني من صالحي أهلها مرتين، ولو ثنى الإقامة .. لم يجبه في الزائد، كما في "الإمداد"، وتردد فيه (م ر).
(و) يسن (أن يقطع القراءة) ونحو الذكر، كتدريس وإن كان واجباً؛ لأنه لا يفوت، بخلاف الإجابة؛ (للإجابة، وأن يجيب بعد) انقضاء ما لا تطلب معه الإجابة نحو (الجماع والخلاء والصلاة ما لم يطل الفصل) كما في "التحفة"، و"النهاية"، بل وأن طال كما في "الإمداد"، فإن أجاب فيما ذكر .. كرهت، إلا مصلياً أجاب بحيعلة أو تثويب أو صدقت أو قد قامت الصلاة .. فتبطل؛ لأنه كلام آدمي، بخلاف الإجابة بغير ذلك ولو بـ (صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم) و (أقامها الله).
(و) تسن (الصلاة) والسلام (على النبي صلى الله عليه وسلم) من المؤذن والمقيم والسامع (بعده) وبعدها، وكذا قبل الإقامة، ولا يسن بعدهما بعد لا إله إلا الله أن يقول: محمد رسول الله، قال في المغني: (وجهلة المؤذنين تقول قبل الإقامة: استغفر الله العظيم، وهو من البدع).
(ثم يقول) عقب ما ذكر: (اللهم رب هذه الدعوة) وهي الأذان، أو هو والإقامة (التامة) أي: السالمة من تطرق نقص؛ لاشتمالها على جميع شرائع الإسلام (والصلاة القائمة) أي: التي ستقام (آت محمداً الوسيلة) وهي أعلى درجة في الجنة لا تكون إلا له صلى الله عليه وسلم بالوعد الصادق، وحكمةُ طلبها له الإشارة إلى أنها من فضل الله عليه، ولينال السائل لها له صلى الله عليه وسلم الشفاعة منه.
(والفضيلة) عطف عام على خاص؛ لشمولها الوسيلة وغيرها (وابعثه مقاماً محموداً) أي: حال كونه في مقام محمود، وفي رواية صحيحة أيضاً: "المقام المحمود" (الذي وعدته) به بقولك: (عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَحْمُوداً) [الإسراء:79] وهو هنا اتفاقاً، وعلى الأشهر في الآية مقام الشفاعة العظمى في فصل القضاء، يحمده فيه الأولون والآخرون.

وقال اللَّقَّاني: (الحق أن الشفاعة أول المقام المحمود).
(و) يسن (الدعاء عقبه وبينه وبين الإقامة)؛ لأنه بينهما لا يرد، كما في خبر الترمذي، وأن يقول بعد أذان المغرب: اللهم هذا إقبال ليلك وإدبار نهارك وأصوات دعاتك، اغفر لي، وبعد أذان الصبح: اللهم هذا إقبال نهارك وإدبار ليلك وأصوات دعاتك، اغفر لي.
قال الكردي: (وروى مسلم: "من قال حين يسمع المؤذن: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمداً عبده ورسوله، رضيت بالله رباً وبمحمد رسولاً وبالإسلام ديناً .. غفر له ذنبه".
وفي روايه للبيهقي زيادة: "وبالقرآن إماماً وبالكعبة قبلة، وبعد الشهادتين والمتقدمتين: اللهم اكتب شهادتي هذه في عليين، وأشهد عليها ملائكتك المقربين، وأنبياءك المرسلين وعبادك الصالحين، واختم عليها بآمين، واجعل لي عندك عهداً توفينيه يوم القيامة إنك لا تخلف الميعاد .. بدرت إليه بطاقة من تحت العرش فيها أمانة من النار"، وتردد في "الإيعاب" هل يقول ذلك بعد الشهادتين أو بعد الدعاء بعد الأذان؟ ورجح الثاني) اهـ وفي "الأذكار" و"شرح البداية" للفاكهي: ويقول بعد قوله: وأشهد أن محمداً رسول الله: وأنا أشهد أن محمداً رسول الله، رضيت بالله رباً، وبمحمد رسولاً، وبالإسلام ديناً.
(والأذان) وحده (أفضل من الإمامة) عند (م ر)، بل ومنها مع الإقامة عند الزيادي، وعند (حج): الأذان مع الإقامة أفضل من الإمامة؛ لما ورد في فضل الأذان، ومنه: "المؤذنون أطول الناس أعناقاً يوم القيامة"، وخبر: "الأئمة ضمناء، والمؤذنون أمناء"، والأمانة أعلى من الضمان، وخبر: "المؤذن يغفر له مدى صوته، ويشهد له كل رطب ويابس"، ورجح الرافعي أن الإمامة أفضل منه مطلقاً؛ لأنها فرض كفاية، وهو سنة، ولقيامه صلى الله عليه وسلم والخلفاء بعده بها دونه.
(ويسن) للمتأهل لهما (الجمع بينهما) ولو لجماعة واحدة؛ لحديث حسن فيه، والنهي عن ذلك لم يثبت.

(وشرط المقيم: الإسلام والتمييز) وغيرهما كما مر.
(ويستحب أن تكون الإقامة في غير موضع الأذان، وبصوت أخفض من الأذان)؛ لحضور المصلين، (والالتفات في الحيعلة) فيها كالأذان، لا وضع أصبعيه في صماخيه فيها، ويسن لكل محل جماعةٍ مؤذنان؛ للاتباع ويزاد فيهما بقدر الحاجة، ويرتبون في أذانهم إن اتسع الوقت، وإلا .. تفرقوا في أقطار المسجد الكبير وأذنوا من غير مراعاة ترتيب، واجتمعوا عليه في مسجد صغير، ويقفون عليه كلمة كلمة إن لم يحصل اختلاط واضطراب، وإلا .. أذن بعضهم بالقرعة، ويندب أن يقيم المؤذن دون غيره؛ لخبر: "من أذن فهو مقيم" (فإن أذن جماعة .. فيقيم الراتب) وإن تأخر أذانه، (ثم) إن لم يكن راتب، أوكانوا كلهم راتبين .. فليقم (الأول)؛ لتقدمه، فإن أقام غيره .. اعتد به، لكنه خلاف الأولى، (ثم يقرع إن أذنوا معاً) وتشاحوا؛ لعدم المرجح، ولا يقيم في المحل الواحد إلا واحد، كما عليه السلف.
(و) وقت (الإقامة بنظر الإمام والأذان بنظر المؤذن)؛ لخبر: "المؤذن أملك بالأذان، والإمام أملك بالإقامة" فإن أقام من غير استئذانه .. اعتد بها في الأصح.
تنبه: يجوز الاستنابة في الأذان والإمامة ونحوهما من الوظائف، بشرط كون المناب أهلاً ومثل المنيب، فإن أناب غير أهلٍ كصبي وفاسق .. لم تصح إنابته، بل ويأثم المنيب، فإن تكرر منه ذلك .. انعزل، ولا يستحق شيئاً مما رصد لتلك الوظيفة.


﴿باب صفة الصلاة﴾ أي: كيفيتها؛ إذ صفة الشيء ما كان زائداً عليه، وما سيذكره هو ذات الصلاة من واجب ومندوب.
وينقسم الواجب: إلى ما هو داخل في ماهيتها، ويسمى ركناً، وإلى ما هو خارج عنها -أي: يفعل قبل التلبس بها، ثم يستمر إلى آخرها- ويسمى شرطاً كالطهارة.
وينقسم المندوب: إلى ما يجبر بسجود السهو ويسمى بعضاً وإلى ما لا يجبر ويسمى هيئة.
(فروضها) أي: أركانها (ثلاثة عشر) على ما في أكثر الكتب، يجعل الطمأنينة في محالها الأربعة هيئةً تابعة لها، ويؤيده جعلهم لها في التقدم والتأخر على الإمام، مع نحو الركوع ركناً واحداً، وقياس ذلك: أنه لو شك بعد الانتقال عن السجود مثلاً هل اطمأن فيه، أم لا؟ .. أنه لا يضر على القاعدة: إنه لا يضر الشك في شيء من الأركان بعد الفراغ من صلاة أو غيرها.
وأما الأثناء .. فيضر الشك في أصل الركن مطلقاً، لا في بعضه بعد فراغه، لكن المعتمد أنه يضر الشك فيها أثناء الصلاة مطلقاً؛ نظراً إلى القول بأنها ركن مستقل.
والأركان المذكورة ثلاثة أقسام: قلبي وهو: النية.
وقولي وهو: تكبيرة الإحرام، والفاتحة، والتشهد الأخير، والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم بعده والسلام.
وفعلي وهو: القيام والركوع والاعتدال والسجود والجلوس بين السجدتين، والجلوس في التشهد الأخير، والترتيب.
(الأول: النية)؛ لما مر في الوضوء، ولوجوبها في بعض الصلاة؛ لأنه بتمام التكبير يتبين دخوله فيها من أوله.
وهي (بالقلب) فلا يكفي النطق بها مع غفلته، ولا يضر النطق ما فيه، فلو

نوى بقلبه الظهر ونطق لسانه بغيره .. كان العبرة بما نواه، ثم الصلاة فرض، ونفل مقيد بوقت أو سبب، ونفل مطلق.
(فيكفيه في النفل المطلق) وهو ما لا يتقيد بوقت ولا سبب (و) ما ألحق به من المقيد، وهو ما المقصود منه إيجاد مطلق الصلاة، لا صلاة مخصوصة، وذلك نحو (تحية المسجد وسنة الوضوء) والاستخارة والطواف والزوال، والقدوم من سفر، ودخول منزل، والخروج منه أو من الحمام، وصلاة الحاجة، وبأرض لم يعبد الله فيها، ونحوها (نيةُ فعل الصلاة)؛ لتتميز عن غيرها، فلا يكفي إحضارها في الذهن مع عدم قصد فعلها، وهي هنا ماعدا النية؛ لأنها لا تنوى، وإلا .. لزم التسلسل؛ إذ كل نية تحتاج إلى نية، لكن هذا على القول أنه ينوي كل فرد فرد من أجزائها، فإن قلنا: ينوي مجموع الصلاة، وهو المعتمد .. فلا يلزم ذلك، كالعلم يتعلق بغيره ونفسه، وكالشاة من الأربعين تزكي نفسها وغيرها، وتندرج سنة الوضوء وما بعدها في غيرها من فرض أو نفل وإن لم تنو، بمعنى أنه يسقط طلبها ويثاب عليها عند (م ر)، وقال (حج): لا يثاب عليها إلا إذا نواها مع تلك الصلاة.
ٍأمَّا ما ليس في المعنى النفل المطلق كسنة الضحى .. فلا يندرج في غيره، بل إذا نوى مع ذلك غيره .. لم تنعقد الصلاة؛ لأن التشريك بين فرضين أو نفلين مقصودين أو بين فرض ونفل مقصود مبطلٌ فيما لم يبنَ على التداخل كالطهارة.
(وفي) النافلة (المؤقتة والتي لها سبب) إنما يكفيه (نية الفعل) للصلاة (والتعيين) لما أراده منهما؛ ليتمز عن غيره من الصلاة، وتمييزها إمَّا بما اشتهرت به كالضحى أو بالإضافة (كسنة الظهر) القبلية أو البعدية، ولا يجب تعين المؤكدة، بل تنصرف إليها عند الإطلاق، ويسن أن لا يطول فصل بين القبلية والبعدية وبين الفرض، وقيل: يجب، وكذا في سنة غير الظهر (أو) كسنة (عيد الفطر أو الأضحى) لا سنة العيد فقط، وإن اكتفي بذلك العز بن عبد السلام، كما في الكفارات، لكن فرقوا بأن الصلاة آكد، وكذا يقال في الكسوفين، وينوي في الجمعة قبليتها أو بعديتها، ولا يجوز أن يضيف سنة الوتر إلى العشاء وإن توقف فعلها على فعلها، بل ينوي سنة الوتر ولو في غير الأخيرة، أو مقدمة الوتر أو صلاة الليل في الأخيرة، ويصح نية الوتر، ويحمل على ما يريده عند

(حج)، وعلى ركعتين عند (م ر)، والأولى فيما زاد على ركعتين أن يقول: ركعتين من الوتر مثلاً وقيل: يجب.
(وفي الفرض) ولو نذراً أو كفاية إنما يكفيه ثلاثة أمور: (نية الفعل، والتعيين صبحاً أو غيرها) لما مر لا فرض الوقت، ولا ينافي ذلك أنه قد ينوي الجمعة ويتم ظهراً، وينوي القصر ويتم؛ لأن ما هنا باعتبار الذات، وصلاته غير ما ما نواه لعارض اقتضاه.
(ونية الفرضية) ويجمع الثلاثة قولك: أصلي فرض الظهر، أو أصلي الظهر فرضاً، وبذلك يتميز الفرض عن النفل، ومنه المعادة؛ لأن المراد بنية الفرض فيها صورته، وهنا المراد الفرض الحقيقي، وإنما تجب نية الفرضية (للبالغ) أي: عليه لا على الصبي، واعتمده (م ر)، لكن أوجبها (حج) عليه أيضاً، ويكفي نية المكتوبة فيها، والمنذورة في النذر عن نية الفرضية.
واعلم: أن من الفرض ما لا يشترط فيه نية الفرضية بلا خلاف وهو الحج والعمرة والزكاة وما تشترط فيه على الأصح وهو الصلاة وما لا تشترط فيه على الأصح وهو الصوم.
(ويستحب ذكر عدد الركعات) فإن أخطأ فيه ولو سهواً .. لم تنعقد عند (م ر).
(و) ذكر (الإضافة إلى الله) تعالى؛ ليتحقق معنى الإخلاص، ومراعاة لمن أوجب ذلك.
(و) ذكر (الأداء والقضاء) ولو في النفل؛ ليمتاز كل عن ضده، ويصح كل منهما بنية الآخر إن جهل حال لنحو غيم، أو قصد المعنى اللغوي؛ إذ كل بمعنى الآخر لغةً، وإلا .. لم يصح؛ لتلاعبه، وظاهر الشرح الصحة عند الإطلاق، ولو صلى الصبح مثلاً قبل وقته، وعليه صبح فائتة .. وقع عن الفائته مطلقاً عند (م ر)، وقيده (حج) بما إذا لم ينو به صبح اليوم الذي هو فيه في ظنه، وإلا .. لم يصح عنه؛ للصارف، وإذا نوى الصبح وأطلق، وعليه صبح فائت .. وقع عن صبح يومه لاعن القضاء، وتردد (سم) فيمن صلى الظهر مثلاً ثانياً، ولم يقيده بأداء ولا إعاده ولا قضاء، فهل يقع إعاده أو قضاء؟

واعلم: أن لهم استحضاراً حقيقياً، بأن يستحضر أركان الصلاة مفصلات، وما يجب التعرض له من القصد والتعيين ونية الفرضية، والقصر في السفر، والمأمومية للمأموم، والإمامة للإمام، ومقارنة حقيقية (و) وهي أنه (يجب أن يقرن النية) المشتملة على جميع ما مر (بالتكبيرة) أي: بابتداء تكبيرة الإحرام، ويستمر مستصحباً لذلك كله إلى الراء، واستحضاراً عرفياً وهو أن يستحضر هيئة الصلاة إجمالاً مع ما يجب التعرض له كما مر ومقارنة عرفية بأن يقرن ما استحضره بالتكبير.
ٍقال القليوبي: (قال بعضهم: المقارنة العرفية عدم الغفلة بذكر النية حال التكبير مع بذل المجهود.
وقال شيخنا (م ر): المراد بها الإكتفاء باستحضار ما مر في أي جزء من التكبير أوله أو وسطه أو آخره.
وقال بعضهم: هو استحضار ذلك قبيل التكبير، وإن غفل عنه فيه وفاقاً للأئمة الثلاثة، والذي يتجه الأول؛ لإنه المنقول عن السلف) اهـ والأول هو أصل المذهب، لكن المختار الثاني، وصوبه المحققون؛ إذ الأول لا تحويه القدرة البشرية.
(الثاني) من الأركان (أن يقول: الله أكبر)؛ للخبر الصحيح: "تحريمها التكبير وتحليلها التسليم".
وحكمه افتتاحها بالتكبير: ليستحضر المصلي عظمة معناها الدال على عظمة من تهيأ لخدمته، حتى يتم له الهيبة والخشوع، ومن ثم زيد في تكريرها؛ ليدوم له ذانك في جميع صلاته؛ إذ لا روح ولا كمال لها بدونهما، ومر أنه يتبين بتمامها دخوله فيها بأولها كغيرها من العقود.
(ولا يضر تخلل يسيرِ وصفٍ لله تعالى) بين الله وأكبر، كالله الجليل، أو عز وجل أكبر، بخلاف نحو الله لا إله إلا هو أكبر؛ إذ وجود ثلاث كلمات فاصلة بينهما مضر.
وخرج بـ (تخلل): إلحاق صفات بعد التكبير أو تقديمها على الجلالة فلا يضر، وبـ (الوصف) غيرة كـ (هو) أو (يا) نحو الله هو، أو يا رحمن أكبر، فيضر.
(أو) يسير (سكوت) كسكتة تنفس (ويترجم) وجوباً (العاجز) عن النطق بالتكبير بالعربية (بأي لغة شاء) ولا يعدل لذكر غيره.
ٍ

(ويجب تعلمه) لنفسه، ونحو طفله (ولو بالسفر) وإن طال إن قدر ووجد مؤن السفر المعتبرة في الحج.
ووقت وجوب التعلم من الإسلام فيمن طرأ إسلامه، وفي غيره من التمييز عند (حج)، ومن البلوغ عند (م ر)، وكذا غير التكبير من الواجبات.
والأخرس يحرك لسانه به إن قدر، وإلا .. نواه (ويؤخر الصلاة) عن أول الوقت (للتعلم) إن رجاه؛ حتى لا يبقى إلا ما يسعها بمقدماتها، فحينئذٍ يجب فعلها بحسب حاله، ولا يعيد إلا فيما فرط في تعلمه.
(ويشترط إسماع نفسه) جميع حروف (التكبير) حيث لا مانع من نحو لغط، وإلا .. فيرفع قدر ما يسمعه لو لم يكن مانع (وكذا القراءة، وسائر الأركان) والسنن القولية، فلا يعتد بها إلا بما ذكر.
ويشترط أيضاً لتكبيرة التحرم: إيقاعها في القيام في الفرض وإلى القبلة، وتقديم الجلالة، وعدم مد همزة الجلالة ويجوز إسقاطها إن وصلها بـ (إماماً) أو (مأموماً)، لكنه خلاف الأولى، بخلاف همزة أكبر؛ لأنها همزة قطع وعدم مد ألف لجلالة زيادة على سبع ألفات، وعدم مد باء أكبر؛ إذ مده يصيره جمع كبر، وهو طبل له وجه واحد، وعدم تشديد بائها، لكن قال الكردي: (لا يمكن تشديد الباء إلا بتحريك الكاف) وعدم زيادة واو ساكنة أو متحركة بين الكلمتين، وعدم واوٍ قبل الجلالة وإنما صح في السلام زيادتها؛ لتقدم ما يمكن العطف عليه ثم لا هنا، وتأخيرها عن جمع تكبيرة إمامه، وفقد الصارف فيضر هنا التشريك على المعتمد بخلاف تكبيرات الانتقال؛ لأن الانعقاد يحتاط له أكثر من غيره، ولو كبر للإحرام تكبيرات ناوياً بكل افتتاحاً .. دخل بالأوتار وخرج بالأشفاع إن لم يتكلم، أو ينو خروجاً أو افتتاحاً بينهما .. وإلاَّ فيخرج منها ويدخل بالتكبير، فإن لم ينو بغير الأولى شيئاً .. لم يضر.
(الثالث) من الأركان (القيام) من أول التحرم إجماعاً (في الفرض) ولو منذوراً أو كفاية، أو على صورة الفرض، كصلاة صبي ومعادة (للقادر) عليه ولو بمعين، ولو بأجرة فضلت عما يعتبر في الفطرة، أو بعكازة أطاق القيام عليها؛ لخبر البخاري: "صل قائماً، فإن لم تستطع .. فقاعداً .. فإن لم تستطع .. فعلى جنب" زاد النسائي: "فإن لم تستطع .. فمستلقياً".

(وشرطه) أن يعتمد على قدميه، و (نصب فقار) أي: عظام (ظهره) لا رقبته، ولا يضر استناده إلى شيء وأن كان بحيث لو رفع .. لسقط؛ لوجود اسم القيام، لكن يكره كقيامه على ظهر قدميه، وإنما لم يجز نظيره من السجود؛ لأنه ينافي وضع القدمين المأمور به فيه، ولو وقف منحنياً بحيث صار إلى أقل الركوع أقرب، أو مائلاً لأحد جنبيه بحيث لا يسمى قائماً .. لم يصح.
(فإن لم يقدر) على القيام إلا منحنياً أو متكئاً على شيء ( .. وقف منحنياً) في الأولى، وكما قدر في الثانية؛ إذ الميسور لا يسقط بالمعسور، ويلزمه في الأولى زيادة انحناء لركوعه إن قدر، وإلا .. ميز كلاً من القيام والركوع والاعتدال بالنية.
(فإن لم يقدر) على القيام بأن لحقته به مشقة شديدة أو ظاهرة -عبارتان معناهما واحد- وهي: التي لا تحتمل عادة وإن لم تبح التيمم، كدوران رأس.
وهل التي تذهب الخشوع شديدة؟ قال (حج): لا، و (م ر): نعم، بل قال الشرقاوي: أو كماله ( .. قعد) كيف شاء ولا ينقص ثوابه.
ولو نهض محتملاً للمشقة .. قال (حج): لم تجزه القراءة في نهوضه؛ لأنه دون القيام الصائر إليه، ولا يَرد أن النهوض أعلى من الجلوس الذي هو فرضه؛ لأن الجلوس إنما هو بفرضه ما دام فيه، وفيه نظر.
وأفضل القعود هنا: الافتراش، فالتربيع؛ للخلاف في أفضليته حتى على الافتراش، فالإقعاء المسنون؛ لأنه في كل جلوس تعقبه حركة، وهو أن يلصق بطون أصابع رجليه بالأرض، ويضع ألييه على عقبيه، بخلاف الإقعاء الآخر فمكروه مطلقاً، وهو أن يجلس على وركيه ناصباً ركبتيه.
(وركع) المصلي قاعداً ولو نفلاً (محاذباً جبهته) ما (قدام ركبتيه) وهذا أقله.
(والأفضل أن يحاذي محل سجوده) وهما على وِزَان ركوع القائم تقريباً.
(فإن لم يقدر) على القعود بأن نالته به مشقة شديدة ( .. اضطجع) وجوباً (على جنبه)؛ للخبر المتقدم، ويستقبل القبلة بوجهه ندباً، وبمقدم بدنه وجوباً (و) الاضطجاع على الجنب (الأيمن أفضل) ويكره على الأيسر بلا عذر.

(فإن لم يقدر) على الاضطجاع ( .. استلقى) على ظهره (ويرفع رأسه) قليلاً (بشيء) وجوباً، ليتوجه بوجهه للقبلة، فإن تعذر به .. وجب بأخمصاه، وإلا ندب .. ثم إن أطاق الركوع والسجود .. أتى بهما، أو الركوع فقط .. كرره للسجود، وزاد له قليلاً على أكمل الركوع إن أمكن؛ ليتميز عن الركوع، فإن لم يمكنه .. لم يلزمه جعل أقل الركوع له وأكمله للسجود.
(ويومىء برأسه للركوع والسجود) حتماً من عجز عما ذكر (و) يجب كونه (للسجود أكثر).
وظاهر قوله: (قدر إمكانه) أنه لا يكفي للسجود أدنى زيادة على الركوع إذا قدر على أكثر من ذلك، وبه صرح في "الإمداد"، لكنه صرح في "الفتح"، و"التحفة" بالاكتفاء.
(فإن لم يقدر) على الإيماء برأسه ( .. أومأ بطرفه) إلى أفعال الصلاة، ومن لازِمِه الإيماء بالجفن والحاجب، ولا يجب هنا زيادة إيماء للسجود، واعتمده (حج) و (م ر)، ونظر فيه (سم).
(فإن لم يقدر) عليه ( .. أجرى الأركان) الفعلية (على قلبه) وكذا القولية إن اعتقل لسانه، بأن يمثل نفسه مكبراً، وقائماً وقارئاً وراكعاً وهكذا، ولا إعادة عليه.
وقال (سم): إذا كان عدم القدرة للإكراه .. تجب؛ لندرته، ومتى قدر على مرتبة أثناء صلاته أعلى مما هو فيها .. لزمه الانتقال إليها، كما أن من عجز عن مرتبة .. انتقل لما دونها وبنى حتى على قراءته، ويقرأ في انتقاله هاوياً، لا ناهضاً.
تنبيه: كما يسقط القيام بالعجز الحسي يسقط بالعجز الشرعي، ومنه ما لو لم يمكن مداوته إلا قاعداً أو مستلقياً .. فيصلي كذلك بلا إعادة، وما لو كان دائم حدث ويستمسك بالقعود مثلاً .. فيصلي قاعداً بلا إعادة، وما لو خاف من صلاته قائماً السقوط، ومن لو صلى جماعة .. عجز عن القيام ولا يعجز عنه منفرداً، فيصلي جماعة قاعداً، ولا إعادة وإن كان الانفراد قائماً أفضل، ومن لو قام .. خاف رؤية عدو وفساد تدبير الحرب،

فيصلي قاعداً ويقضي، بخلاف ما لو خاف من رؤيته على نفسه .. فلا قضاء، وما لو صلى بمكان ضيق لا يمكنه القيام فيه حال المطر .. فيصلي فيه قاعداً، وانتظاره انقطاع المطر أفضل، وما لو كان لا يمكنه الصلاة قائماً إلا بثلاث حركات متوالية .. فيصلي قاعداً وجوباً، ولا إعادة كما قاله عبد الله بن عمر مخرمة، لكن أفتى (حج) في هذه بوجوب القيام، ومن لو صلى قاعداً توجه إلى القبلة أو قائماً فلا فيصلي قاعداً.
(ويتنفل القادر) على القيام (قاعداً) إجماعاً؛ لكثرت النوافل (ومضطجعاً) وعلى اليمين أفضل (لا مستلقياً)؛ لعدم وروده (ويقعُدُ) من صلى مضطجعاً وجوباً إن قدر (للركوع والسجود) ولا يومئ بهما، ويكفي الاضطجاع في الاعتدال وبين السجدتين.
قال في "الإمداد": ووجوب القعود للركوع والسجود لا يحيل ذلك؛ إذ يتصور بترك الطمأنينة في ذلك القعود.
(وأجر القاعد) في النفل (القادر) على القيام (نصف أجر القائم) فيه (و) أجر (المضطجع) فيه (نصف أجر القاعد) فيه؛ للخبر الصحيح بذلك، أما العاجز .. فلا ينقص أجره بالقعود والاضطجاع، وكذا الأنبياء، وللمتنفل قراءة الفاتحة في نهوضه إلى القيام؛ لأنه أعلى من الجلوس وفي هويه، وله أيضاً أن يكبر للإحرام في حال نهوضه.
(الرابع) من الأركان: قراءة (الفاتحة) في قيام كل ركعة أو بدله في الفرض والنفل للمنفرد وغيره، في السرية والجهرية، حفظاً أو تلقيناً أو نظراً في مصحف؛ لخبر الصحيحين: "لا صلاة لمن لم يقرأ فيها بفاتحة الكتاب"، ولخبر: "لا تجزئ صلاة لا يقرأ فيها بفاتحة الكتاب" (إلا لمعذور لسبقٍ) حقيقةًٍ (أو غيره) وهو السبق الحكمي، كزحمة ونسيان وبطء حركة، كأن لم يقم من السجود إلا والإمام راكع أو قريب منه، فتسقط عنه (الفاتحة) كلها في الأولى وبعضها في الثانية كما يأتي في شروط القدوة.
(والبسملة) آية كاملة منها عملاً، ويكفي في ثبوتها الظن، سيما وقد قرب من اليقين؛ لإجماع الصحابة على ثبوتها في المصحف بخطه، مع مبالغتهم في تجريده عما ليس منه حتى نقطه وشكله، وأما إثبات نحو أسماء السور والأعشار فيه .. فأحدثها

فصول الكتاب · 4 فصل · 711 صفحة
جارٍ التحميل