شرح المقدمة الحضرمية المسمى بشرى الكريم بشرح مسائل التعليمصفحات 581-620
أهل الأثرالأرشيف العلمي

وأجيب بأنه لا يلزم من الحرمة الفدية، ومالا إليه في "الإمداد" و"النهاية" ولم يرجح في "التحفة" شيئاً.
وقضية كلامهم: أنه لو شفي أو أقام مدة تمكن فيها من القضاء، ثم سافر في شعبان مثلاً، ولم يقض .. لزمته الفدية.
نعم؛ القن لا تلزمه الفدية بتأخير القضاء؛ إذ لا مال له، وفي لزومها بعد عتقه خلاف.
وتلزم الفدية بتحقق الفوات وإن لم يدخل رمضان، فلو فاته عشر من رمضان، فمات باقي خمس من شعبان .. لزمه خمسة عشر مداً، عشرة لأصل الصوم، وخمسة للتأخير؛ إذ لو عاش .. لم يمكنه إلاَّ قضاء خمسة.


(فصل: صوم التطوّع سنة).
وللصوم من الفاضائل ما لا يحصى؛ ولذا اضافه تعالى إليه دون غيره من العبادات، فقال: "كل عمل ابن آدم له إلا الصوم فإنه لي، وأنا أجزي به"، فهو مع كونه من أعظم قواعد الإسلام بل أعظمها عند جمع، لا يطَّلع عليه من غير إخبار به غير الله، حتى قيل: إنَّ التبعات لا تتعلق به، وقيل: التضعيف له ولغيره لا يؤخذ فيها.
والراجح: خلافهما.
(وهو) أي: المؤكد منه (ثلاثة أقسام): الأول: (ما يتكرر بتكرر السنين، وهو صوم) يوم (عرفة) وهو تاسع ذي الحجة؛ لخبر مسلم: "صيام يوم عرفة أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله والسنة التي بعده".
وآخر الأولى سلخ الحجة وأوّل الثانية أوّل المحرّم الذي يلي ذلك.
وفي "التحفة": (المكفَّر: هو الصغائر الواقعة في السنتين، فإن لم تكن له .. رفعت درجته) اهـ

ومال (م ر) إلى ما قاله ابن المنذر بأنه يكفر الكبائر.
قال الكردي: (ما صرحت الأحاديث بأن شرط التكفير اجتناب الكبائر .. لا شبهة في عدم تكفيره الكبائر، وما صرحت فيه أنه يكفر الكبائر .. لا ينبغي التوقف أنه يكفرها، وما أطلقت الأحاديث في التكفير به .. ملت في الأصل: أنَّ الإطلاق يشمل الكبائر، والفضل واسع) اهـ ونقل الشرقاوي عن ابن عباس رضي الله عنه أن في الحديث بشرى بحياة السنة المقبلة لمن صامه.
وإنما يسن صومه (لغير الحاج والمسافر) ولو سفراً قصيراً والمريض.
أمَّا الحاج .. فيسن له فطره وإن لم يضعفه؛ تأسياً به صلى الله عليه وسلم، ويتقوّى على الدعاء.
فصيامه له خلاف السنة، وقيل: مكروه، واستوجهه في التحفة؛ لصحة النهي عنه.
نعم؛ يسن صومه لحاج غير مسافر لا يصل عرفة إلا ليلاً.
وأمَّا المسافر .. فيسنّ له الفطر إن أتعبه الصوم، ومثله: المريض.
وظاهر كلامهم أنَّ باقي ما يطلب صومه لا فرق فيه بين المسافر وغيره؛ لأنهم خصوا التفصيل المذكور بعرفة.
وأجاب بعضهم بأنه يجري في غير عرفة بالأولى؛ لأنه دون عرفة في التأكيد.
وظاهر إطلاقهم: عدم انتفاء الكراهة بضم يوم إلى عرفة قبله أو بعده، بل فرقوا بينه وبين الجمعة وإن اتحدت العلة فيهما.
ويسن صوم الثمانية الأيام قبله، وهي المراد بقوله: (وعشر ذي الحجة).
لكن الثامن مطلوب؛ احتياطاً ليوم عرفة، ولدخوله في الثمانية، كما أن يوم عرفة مطلوب؛ لكونه من عشر ذي الحجة.
ويوم عرفة (وعاشوراء) بالمد -كما بعده- عاشر المحرم؛ لخبر: "أحتسب على الله -أي: أدّخر عنده، أو أرجو منه- أن يكفر السنة التي قبله".
ولعظم فضل هذه الأمة شاركت أهل الكتاب في فضيلة هذا اليوم، واختصت بعرفة الذي فيه الأجر ضعفه وبغيره.
وصَرف الأمر بصومه في الإخبار عن الوجوب إلى الندب المؤكد خبر الصحيحين:

"إنّ َهذا اليوم يوم عاشوراء، ولم يكتب عليكم صيامه، فمن شاء .. فليصم، ومن شاء .. فليفطر".
(وتاسوعاء) وهو: تاسع المحرم؛ لخبر: "لئن بقيت إلى القابل .. لأصومنّ التاسع"، فمات قبله.
والحكمة في صومه: الاحتياط لعاشوراء؛ لاحتمال الغلط والمخالفة لأهل الكتاب، والاحتراز من إفراده على ما قيل: إنه مكروه.
(و) لذا يسنّ صوم (الحادي عشر منه)؛ لحصول الاحتياط به كالتاسع، بل يسنّ صوم عشر المحرم الأول نظير ما في الحجة، ذكره الغزالي.
(و) صوم (ست من شوّال)؛ لأنها مع صوم جميع رمضان "كصيام الدهر" رواه مسلم؛ إذ الحسنة بعشر أمثالها، كما جاء: (أنّ َصيام رمضان بعشرة أشهر، وصيام ستة أيام -أي: من شوال- بشهرين، فذلك صيام السنة) أي: مثل صيامها بلا مضاعفة.
نظير ما قالوه في (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ) [الإخلاص:1]: تعدل ثلث القرآن، والمراد ثواب الفرض، وإلا .. لم يكن لخصوصية ست شوّال معنى.
وحاصله: أنَّ من صامها مع رمضان كل سنة .. كان كمن صام الدهر فرضاً بلا مضاعفة.
وقضية إطلاق المتن: ندب صومها حتى لمن أفطر رمضان.
وقيده (حج) بغير من تعدّى بفطره؛ لأنه يلزمه القضاء فوراً.
قال (م ر): أي: يحصل له أصل السنة وإن لم يحصل له الثواب المذكور؛ لترتبه في الخبر على صيام رمضان).
ثم قال: (وقضيةُ قول المحاملي: يكره لمن عليه قضاء تطوّع بالصوم كراهةُ صومها لمن أفطره بعذر، فينافي ما مرَّ، إلا أن يجمع بأنه ذو وجهين، أو يحمل ذاك على: من لا قضاء عليه كصبي بلغ، وهذا: على من عليه قضاء) اهـ وإذا لم يصمها في شوّال .. سنَّ له قضاؤها بعده؛ لتوقيتها.
(وسنّ تواليها واتصالها بالعيد)؛ مبادرة بالعبادة، ولما في التأخير من التعريض للفوات، ويحصل أصل السنة بصومها منفصلة عن العيد.
ويظهر أنَّ اتصالها بالعيد أفضل من صومها أيام البيض والسود وإن تأدى بذلك ثلاث

سنن؛ لما في ذلك من الخلاف القوي، خصوصاً إذا نوى ست شوّال مع البيض والسود؛ لما مر في الكلام على التعين في النية عن الإسنوي من عدم حصول شيء منها.
(و) القسم الثاني: صوم (ما يتكرر بتكرر الشهور، وهي أيام) الليالي (البيض، وهي الثالث عشر والرابع عشر والخامس عشر من كل شهر)؛ لصحة أمر أبي ذر بصومها.
والاحتياط: صوم الثاني عشر معها، وخروجاً من الخلاف أنه أوَّلها، لكنه مخالف للسنة الصحيحة.
نعم؛ في الحجة يصوم بدل الثالث عشر السادس عشر أو يوماً بعده.
وحكمة كونها ثلاثة: أنَّ الحسنة بعشر أمثالها، فصومها كصوم الشهر كله، ولذا حصل ذلك أيضاً بصوم ثلاثة من أيّ أيام الشهر، وكان صومها في أيام البيض سنة ثانية.
وخصت هذه؛ لتعميم لياليها بالنور المناسب للشكر بالعبادة عليه، ولتعسر تعميم اليوم بعبادة غير الصوم.
(و) صوم (الأيام السود، وهي الثامن والعشرون وتالياه) أي: أيام الليالي السود.
وإن نقص الشهر .. صام أوّل يوم من الشهر الداخل، ويتأدّى به أيضاً سنة صوم أوّل يوم من الشهر؛ إذ يسن صوم ثلاثة أيام أول كل شهر.
وإذا فاتته البيض وأراد صوم السود .. ينويهما؛ ليحوز فضلهما.
وسميت سوداً؛ لسواد لياليها.
وحكمة صومها: تزويد الشهر بالعبادة، وطلباً لكشف سواد القلب؛ فإنّ الشيء بالشيء يذكر.
وينبغي أن يصوم معها السابع والعشرين؛ احتياطاً، وخروجاً من الخلاف.
(و) القسم الثالث: (ما يتكرر الأسابيع، وهو الإثنين والخميس)؛ للخبر الحسن: أنه صلى الله عليه وسلم كان يتحرّى صومهما ويقول: "إنهما تعرض الأعمال فيهما، فأحب أن يعرض عملي وأنا صائم" أي: فتعرض فيهما عرضاً إجمالياً، وكذا في ليلتي النصف من شعبان والقدر.

وتعرض عرضاً تفصيلياً كل يوم وليلة، بالليل مرة وبالنهار مرة؛ إذ تجتمع ملائكة الليل والنهار عند صلاة العصر ثم ترتفع ملائكة النهار، وتبقى ملائكة الليل وتجتمع عند صلاة الصبح، فترتفع ملائكة الليل وتبقى ملائكة النهار، وهو معنى خبر: "يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل، وملائكة بالنهار"، وعرض أعمال الأسبوع من ملائكة الليل والنهار، والعرض جميعه على الله تعالى.
وفائدته: إظهار شرف الطائعين، وإلا .. فهو تعالى لا يخفى عليه شيء.
وفي (ب ج): أنها تعرض أيضاً على النبي صلى الله عليه وسلم سائر الأيام، وعلى الأنبياء والآباء والأمهات يوم الجمعة.
والراجح: أنَّ أوّل الأسبوع السبت، وقيل: الأحد.
(ويسن صوم الأشهر الحرم) بل هي أفضل الشهور للصوم بعد رمضان (وهي: ذو القَعدة) -بفتح القاف- (وذو الحجة) -بكسر الحاء على الأشهر- (ومحرم ورجب).
وعليه: فهن من سنتين، وقيل: من سنة، فيقال: المحرم ورجب وذو القعدة وذو الحجة.
(وكذا) يسنّ (صوم شعبان)؛ لما صح: أنه صلى الله عليه وسلم كان يصوم غالبه.
(وأفضلها) أي: الأشهر المذكورة وغيرها بعد رمضان (المحرم)؛ لخبر مسلم بذلك (ثم باقي الحرم).
وفي "الأسنى": تقديم رجب وفي "الإيعاب" تقديم ذي الحجة، فرجب فذي القعدة.
(ثم) بعد الحرم (شعبان)؛ لأنه صلى الله عليه وسلم كان يصوم غالبه، وظاهره أَنَّ بقية الشهور سواء.
(ويكره إفراد الجمعة) بالصوم؛ لصحة النهي عن صومه، إلا أن يصوم يوماً قبله أو يوماً بعده، وليتقوّى بفطره على الوظائف الدينية.
قال في "الشرح"، و"الإمداد": (ومن ثمَّ لو لم يضعف عنها بالصوم .. لم يكره إفراده) اهـ

ورده في "التحفة" كـ"النهاية" بندب فطر عرفة وإن لم يضعف به؛ لأن من شأنه الضعف.
(و) إفراد (السبت والأحد) بالصوم؛ للنهي عن الأول، وقيس به الثاني بجامع أن اليهود تعظم الأوّل، والنصارى تعظم الثاني، فقصد بذلك الشارع مخالفتهم.
قال في" الإيعاب": (ففي الصوم تشبه بهم في مطلق التعظيم، وإلا .. فتعظيمهم إياه بتحريم الشغل، والتخلي للعبادة والتبسط بالتنعم بالأكل وغيره، وكذلك النصارى تعظم الأحد) اهـ والكراهة من حيث الإفراد، أمَّا الصوم .. فمندوب، ولذا يصح نذره إن لم يقيده بالإفراد، ومحلها حيث لا سبب له.
أمًّا صومه لسبب كقضاء ونذر وعادة، كأن يصوم ويفطر يوماً فوافق صومه يوماً منها .. فلا كراهة.
وخرج بـ (الإفراد): جمع اثنين منها ولو الجمعة والأحد، وجمع غيرها معها، فلا كراهة؛ إذ المجموع لم يعظمه أحد.
وفي "الإيعاب": أنَّ العزم على وصله بما بعده يدفع الكراهة وإن لم يصم غيره ولو لغير عذر.
ولا يكره تخصيصه بالاعتكاف، ولا فراد صوم يوم عيد من أعياد أهل الملل؛ لأنه لم يشتهر.
ويسن صوم الدهر غير العيدين، وأيام التشريق لمن لم يخف ضرراً، أو فوات حق ولو مندوباً راجحاً على الصوم، أو متعلقاً بحق الغير كالزوجة؛ لخبر: "من صام الدهر .. ضيقت عليه جهنم هكذا، وعقد تسعين".
فإن خاف ما ذكر .. حرم إن خاف فوات واجب، وإلا .. كره إن كان راجحاً على الصوم، وإلا كأن خاف فوت صلاة الضحى من صوم يوم .. فلا كراهة، بل يسن، ومع ندبه فصوم يوم وفطر يوم أفضل منه كما قال.
(وأفضل الصيام: صوم يوم وفطر يوم)؛ لخبر: "أفضل الصيام صيام داوود كان يصوم يوماً ويفطر يوماً".
وفي "التحفة": (وظاهر كلامهم: أنَّ من فعله فوافق فطره يوماً يسن صومه كالبيض: يكون فطره فيه أفضل، لكن بحث بعضهم: أن صومه أفضل) اهـ وبه أفتى الشهاب الرملي، قال: ولا يخرجه ذلك عن صوم يوم وفطر يوم.
ومن تلبس بتطوع من صوم أو غيره .. فله قطعه، لكن يكره لغير عذر؛ لخبر: "الصائم المتطوع أمير نفسه إن شاء صام، وإن شاء أفطر".
وقيس بالصوم غيره، ولا يجب قضاؤه خلافاً للأئمة الثلاثة.
وأمَّأ قوله تعالى: (وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ) [محمد:33] .. فمحمول على الفرض أو النهي فيه للتنزيه؛ للحديث المذكور، لكن يندب قضاؤه، وكذا ما اعتاده، وهذا في نفل غير نسك؛ لوجوب إتمامه.
وحرم قطع فرض عيني ولو غير فوري، بل هو من الكبائر.
أمَّا فرض الكفاية .. فالأصح أنه يجوز قطعه إلا جهاداً ونسكاً، وتجهيز ميت.
نعم؛ لا بأس بترك نحو غسله؛ ليدخل غيره محله وإن لم يتعب؛ إذ لا محذور فيه، كما قاله الشوبري.
وحرَّم جمعٌ قطعه مطلقاً، إلا طلب علم إن كان غير فرض عين؛ لأن كل مسألة مستقلة برأسها، فلا قطع في الحقيقة فيه.
فرع: يحرم على مزوجة صوم نفل مما يتكرر في السنة أو الأشهر أو الأسبوع، وقضاء موسع وزوجها حاضر بالبلد، إلا بعلم رضاه وإن جرت عادته بغيبته جميع النهار؛ إذ قد يأتي على خلاف عادته نهاراً.
أمَّا ما يتكرر بتكرر السنين كعرفة .. فلها إن لم يمنعها صومه، وحيث حرم فصامت صح، ولزوجها وطؤها، والحرمة عليها.
وكالزوج السيد إن حلت له أو حصل لها ضرر ينقص الخدمة، والعبد كالأمة التي لا تحل له.
ولا يلحق صلاة التطوع بالصوم؛ لقصر زمنها.
أمَّا الفرض غير الموسع ولو نذراً نذرته بلا إذنه .. فليس له قطعه، والله سبحانه وتعالى أعلم.


﴿كتاب الاعتكاف﴾ وهو لغة: لزوم الشيء ولو شراً.
وشرعاً: مكث مخصوص من شخص مخصوص في مكان مخصوص بنية، هو بالمعنى اللغوي من الشرائع القديمة.
و (هو) بالمعنى الشرعي (سنة مؤكدة) كل وقت إجماعاً، وهو في عشر رمضان الأخيرة آكد.
(وشروطه سبعة: الإسلام والعقل) فلا يصح من كافر ومجنون ومغمى عليه وسكران ونحوهم؛ إذ لا نية لهم.
(والنقاء عن الحيض والنفاس، وأن لا يكون جنباً)؛ لحرمته مع كل منها.
قال (م ر): وأن لا تكون به نحو قروح تلوث المسجد، ولا يمكن التحرز عنها، ونظر فيه (حج)؛ لأن الحرمة في ذلك لعارض لا لذات اللبث، بخلافها ثمة.
ومن ثم صح اعتكاف زوجة وقنّ بلا إذن زوج وسيد مع الإثم.
ولو اعتكف فيما وقف على غيره .. صح؛ لأن الحرمة من حيث كونه حق الغير لا للمكث.
واعلم: أن في عبارة المتن تسامحاً؛ لأن ما مضى من الشروط شروط للمعتكف الذي هو أحد أركان الاعتكاف لا للاعتكاف، وأطلق الشروط على ما بعضه أركان وهي المقصودة هنا، وهي أربعة: الأول: المعتكف، أشار إليه بذكر شروطه الأربعة المذكورة.
(و) بقي من الشروط السبعة التي ذكرها ثلاثة، وهي أركان، وهي اللبث والمسجد والنية.
الأول: (أن يلبث فوق قدر طمأنينة الصلاة) ساكناً، أو يتردد قدر ذلك.
وفي "حاشية الفتح": (لو دخل المسجد بقصد أنه إذا وصل الباب الآخر رجع .. كفته النية حين قصده مع ذهابه، بخلاف ما لو عنَّ له الرجوع .. لا تكفيه مع أخذه في العود، ويحرم على الجنب دخوله في الصورة الأولى دون الثانية؛ لأنه فيها لا يشبه التردد) اهـ وقيل: يكفي المرور للاعتكاف بلا مكث، كالوقوف بعرفة.
فيسن للمار فيه نية الاعتكاف على هذا القول إن قلده ويصح الاعتكاف ولو من مفطر؛ لخبر: "ليس على المعتكف صيام إلا أن يجعله -أي: ينذره- على نفسه"، فلا يكفي الاعتكاف قدر الطمأنينة فما دونها.
ولو نذر اعتكافاً وأطلق .. كفاه لحظة زائدة على قدر الطمأنينة؛ لحصول اسمه بها.
والأفضل فيه يوم كامل؛ خروجاً من خلاف مالك، ويستحب ضم الليلة إليه.
(و) الركن الثاني: (أن يكون في المسجد) الخالص الذي أرضه غير محتكرة؛ للاتباع، سواء سطحه وروشنه وإن كان كله في هواء غيره ورحبته المعدودة منه وإن خص بطائفة ليس هو منهم، كما مر.
أمَّا ما وقف بعضه شائعاً .. فلا يصح فيه اعتكاف.
ويحرم على الجنب المكث فيه؛ احتياطاً فيهما.
نعم؛ يسن له التحية كما في "فتاوى حج"، ونقله (سم) عن تقرير (م ر).
وأمَّا ما أرضه محتكره، فلا يصح فيه؛ إذ المسجد ما فيها لا هي.
نعم؛ إن بنى فيه نحو مسطبة وبلطها أو سمر نحو خشب أو سجادة فيها، ووقف ذلك مسجداً .. صح؛ لقولهم: يصح وقف السفل دون العلو وعكسه، وجرى أحكام المساجد عليه.
وإذا أزيل الموقوف المذكور .. زال عنه حكم الوقف.
قال (سم): (ولو أعيد في ذلك المكان أو غيره، فهل يعود له حكم المسجد بدون تجديد وقفية لأنه ثبت له حكم المسجد، أم لا؟ فيه نظر) اهـ ونقل الشرقاوي عن (زي) و (ق ل): ثبوت حكام المسجد له وإن أزيل.
وعلله (ع ش) بأن أحكام الوقف إذا ثبتت .. لا تزول، ويؤيده أنه يغتفر في الدوام ما لا يغتفر في الابتداء.
(و) المسجد (الجامع أولى)؛ لكثرة جماعته غالباً، ولاستغنائه عن الخروج منه

للجمعة، وخروجاً من خلاف موجبه، وبه يعلم أنه أولى وإن قلت جماعته، أو لم يحتج للخروج للجمعة منه لنحو قصر مدته.
نعم؛ ما عيَّنه أولى وإن لم يتعين إن لم يحتج للخروج.
ويجب الجامع إن نذر مدة متتابعة يتخللها جمعة، وهو من أهلها، ولم يشترط الخروج لها؛ لأنه لها شرط يقطع التتابع؛ لتقصيره بعدم شرطه، وإذا شرطه .. تعين أقرب جامع إليه إن لم تسبق صلاة بعضها، وإلا .. جاز الذهاب إليه.
ولو عين في نذره مسجد مكة أو المدينة أو الأقصى .. تعين، فلا يقوم غيرها مقامها، ويقوم الأوّل مقام الأخيرين، والثاني مقام الثالث، ولا عكس.
والمراد بمسجد مكة جميع المسجد، وبمسجد المدينة ما كان في زمنه صلى الله عليه وسلم، وهو مئة ذراع دون ما زيد فيه.
أمَّا غير المساجد الثلاثة .. فلا يتعين، ولو مسجد قباء ما لم يشرع في اعتكاف متتابع .. فيتعين فيما هو فيه؛ لئلا ينقطع التتابع.
نعم؛ لو عدل حين خروجه لقضاء الحاجة إلى مسجد آخر مثل مسافته فأقل .. جاز؛ لانتفاء المحذور، ولو عين له زمناً .. تعين، فلو قدمه ... لم يصح، أو أخره .. فقضاء.
ومثله: الصوم وكذا الصلاة، كما جزم به الشيخان في النذر، وأثم بتعمده.
والفرق بينه وبين المكان: أن تعلق العبادة به أقوى؛ لأنه يذهب منه جزء معها، بخلاف المكان.
نعم؛ لا تتعين الصدقة بتعين الزمن، بل بتعين المكان.
فرع: لا يكره للمعتكف صنعة كخياطة بالمسجد ما لم تكثر، إلا كتابة العلم .. فتسنّ؛ لأنها عبادة، وله تسريح شعره فيه؛ للاتباع والأمر بأصلاح أموره، والتحدث بما لا إثم فيه، والأكل والشرب والوضوء وغسل يديه فيه ما لم يقذره، وإلا .. حرم.
وتكره الحرفة فيه لغيره حيث لم يتخذه دكاناً، وإلا .. حرمت.
وكره نحو فصد واحتجام فيه، فإن لوّثه .. حرم، كإدخال نجاسة فيه إلا لحاجة إن أمن تقذيره.
والأولى للمعتكف الاشتغال بالعبادة، كمطالعة علم وسماعه وصلاة.

(و) الثالث (أن ينوي الاعتكاف) في ابتدائه، لا في دوامه؛ لما يأتي في مسألة الخروج مع العزم؛ لأنه عبادة، فاشترط مقارنتها لأوّله من المكث أو التردّد.
وينبغي لداخل المسجد لنحو صلاة أن ينذر الاعتكاف بنحو لله عليَّ، أو نذرت أن أعتكف في هذا المسجد مدة إقامتي هذه فيه؛ ليثاب عليه ثواب الواجب، ثم ينويه.
(وتجب نية الفرضية إن نذره) فيقول: نويت فرض الاعتكاف، أو الاعتكاف المنذور، وندب زيادة لله تعالى، والتعرض للأداء والقضاء.
واعلم: أنه أطلق الاعتكاف .. كفته نيته وإن طال (و) لكنه (يجدد النية) وجوباً إن عاد (بالخروج) من المسجد ولو لقضاء الحاجة إن أراد الاعتكاف؛ لأنّ الثاني اعتكاف جديد فاحتاج لنية جديدة، هذا (إن لم ينو الرجوع) إليه حال خروجه.
فإن نواه وعاد ولو لمسجد آخر .. لم يحتج لتجديدها وإن طال خروجه، وصدر منه ما ينافي الاعتكاف كجماع، لا ما ينافي النية كنية قطع؛ لقيام هذا العزم مقامها؛ لوجود نية الزيادة قبل الخروج، فكانت كنية المدتين معاً.
(وإن قدره) أي: الاعتكاف المذكور (بمدّة) مطلقة أو معينة .. لم يشترط تتابعها، واعتكف لذلك (فيجددها) أي: النية وجوباً إذا عاد (إن خرج) بغير عزم على العود، وإلا .. لم يحتج لتجديدها على المعتمد، وهذا إن خرج (لغير قضاء الحاجة).
فإن خرج لها، أو لإخراج ريح على ما في "الشرح" .. لم يحتج لتجديدها؛ إذ ذلك لابد منه، فهو كالمستثنى عند النية.
(وإن كان) الاعتكاف (متتابعاً .. جددها) إن عاد وجوباً (إن خرج لما يقطع التتابع) كعيادة مريض، بخلاف ما لا يقطعه كقضاء الحاجة، والأكل مما يأتي في الفصل الآتي.
وتجب المبادرة بعد زوال عذره، وإلا .. انقطع التتابع كما يأتي.
وقيد تجديدها هنا في "الشرح" بما إذا خرج غير عازم على العود.
قال الكردي: (ولم يحضرني من قيد به في هذا المحل غيره في هذا "الشرح"، وعليه: فإذا عاد .. يكون عوده ابتداء مدة الاعتكاف من غير تجديد نية) اهـ

والحاصل: أن المراتب ثلاث: الإطلاق، والتقييد بمدة، وبالتتابع، سواء كان منذوراً أم مندوباً.
وإذا أطلقه وكان منذوراً .. وقع أقل مجزئ منه فرضاً، والباقي نفلاً كالركوع ونحوه مما يتجزأ.
واعتمد (ع ش): وقوع الكل فرضاً هنا، وفرق بـ (أن القاعدة المذكورة فيما له أقل وأكمل كالركوع، وأمَّا الاعتكاف .. فلم يجعلوا له إلا أقل) اهـ فليتأمل، فإنه مر أن الأفضل: كونه يوماً كاملاً، لكنهم لم يجعلوه أكمله.
(وإن عين في نذره مسجداً .. فله أن يعتكف في غيره) والأفضل فيما عينه (إلا المساجد الثلاثة) .. فتتعين، ويجزئ فيها الفاضل عن المفضول، ولا عكس، كما مر.
ودليل تفاضلها: ما صح من غير طعن فيه: (أن الصلاة في المسجد الحرام بمئة ألف صلاة، وفي مسجد المدينة بألف صلاة فيما عدا المسجد الحرام، وفي الأقصى أفضل من خمس مئة صلاة فيما سواه إلا المسجدين الأوّلين).
وقال (حج) في باب النذر: الصلاة في المسجد الحرام بمئة ألف ألف ألف ثلاثاً في غير المسجدين.
(ويحرم) الاعتكاف على الزوجة والقن (بغير إذن الزوج والسيد).
نعم؛ إن لم تفت به منفعة، كأن حضرا المسجد بإذنهما فنوياه .. جاز.


(فصل: يبطل الاعتكاف) بموجب جناية تفطر الصائم.
فيبطل (بالجماع) من واضح عمداً مع العلم والاختيار.
(وبالمباشرة بشهوة إن أنزل) والاستمناء كما مر في الصوم مبسوطاً، وإن فعل ذلك خارج المسجد؛ لمنافاته له.

فيحرم في الاعتكاف الواجب مطلقاً، وفي المندوب في المسجد، ولايبطل ما مضى لا إن كان متتابعاً، ويبطل في المتتابع من حيث وجوب الإعادة لا الثواب.
وإنما بطل في الصوم والصلاة والوضوء إن أبطله بلا عذر؛ لإنها خصلة واحدة إذا بطل بعض شيء منه .. بطل كله، ولا كذلك الاعتكاف.
ويأتي ذلك في كل ما يبطل ثواب الاعتكاف من غيبة وشتم.
(و) يبطل (بالجنون والإغماء) إن طرأا بسبب تعدياً به؛ لأنهما حينئذٍ كالسكر، فإن طرأا بلا تعد .. لم يقطعانه إن بقيا في المسجد، أو أخرجا منه؛ لعدم إمكان حفظهما فيه، أو لمشقته، لكن لا يحسب زمن الجنون، بخلاف الإغماء.
(و) يبطل أيضاً بالحيض والاحتلام، ونحوه من (الجنابة) التي لا تبطل الصوم، كالإنزال بلا مباشرة، وجماع ناس إن لم يغتسل فوراً؛ لوجوب المبادرة بالغسل، رعاية للتتابع، وإلا .. لم ينقطع.
وله الغسل في المسجد إن لم يمكث فيه، والخروج له وإن أمكنه في المسجد؛ لأنه أصون لمروءته ولحرمة المسجد.
وإذا خرج له .. جدد النية إن كان اعتكافه غير متتابع، وإلا .. فلا.
(والردة، والسكرِ) المحرَّم وإن لم يخرج المتصف بأحدهما من المسجد؛ لعدم أهليته للعبادة، أمَّا غير المحرم .. فلا يبطل به الاعتكاف، ويحسب زمنه من الاعتكاف إن لم يخرج من المسجد.
(وإذا نذر اعتكاف مدة متتابعة .. لزمه) اعتكافها مع تتابعها، فلا يجوز تقديمه عليها ولا تأخيره عنها.
وإنما يلزمه التتابع إن تلفظ بالتزامه، لا إن نواه، أو كانت المدة معينة كشهر كذا، وإلا .. فلا، ولو التزم التفريق .. كفاه التتابع.
(ويقطع التتابع: السكر والكفر وتعمد الجماع) وغيرها مما يبطل الاعتكاف، كما مر.
(وتعمد الخروج) من المسجد لغير ضروري، ولا ملحق به (لا لقضاء الحاجة) فلا

يبطل بالخروج لذلك؛ إذ لا بد منه وإن كثر خروجه له لعارض نظراً إلى جنسه، ولكثرة اتفاقه.
ولا يكلف المشي فيه على خلاف عادته، فإن تأنى على خلافها .. ضر، ومثلها غسل الجنابة وإزالة النجاسة، ولا الصبر إلى حد الضرورة، ولا غير داره كسقاية المسجد إن لم يلق به.
وله الوضوء خارج المسجد ولو مندوباً عند (م ر)؛ تبعاً للاستنجاء، أو لتعذره فيه.
(و) لا لأجل (الأكل) وإن أمكن في المسجد؛ لأنه قد يستحيي منه فيه ما لم يكن مهجوراً.
وقيده في "الفتح" بمن تخترم مروءته بالأكل في الطريق.
وإذا خرج لما ذكر إلى داره، فإن تفاحش بعدها عن المسجد عرفاً بأن يذهب به أكثر الوقت المنذور، وفي طريقه مكان أقرب منه لائق به وإن كان لصديقه .. تعين الأقرب، وإلا .. انقطع تتابعه.
ولا يضر وقوفه لشغل من جميع الأغراض بقدر صلاة جنازة معتدلة، كما في "الشرح" و"الإمداد"، وبأقل مجزئ كما في "التحفة" إن لم يجامع ولم يعدل عن طريقه، أو يتباطأ في مشيه، وإلا .. بطل تتابعه.
ولا يضر تكرر ذلك كعيادة مريض وقادم وصلاة جنازة؛ لأن كلاً على حدته يسير، فلا نظر لضمه لغيره.
(و) لا لأجل (الشرب إن تعذر الماء في المسجد) وإلا بأن أمكن بإحضاره إليه من نحو بيته .. لم يجز الخروج له.
(ولا للمرض إن شق لبثه فيه)؛ لاحتياجه إلى نحو فرش وتردد طبيب (أو خشي تلويثه) بمستقذر ولو طاهراً، فخرج منه لذلك، بخلاف حمى خفيفة وصداع.
(ومثله) في ذلك (الجنون والإغماء) فلا يقطعان التتابع إن دام في المسجد أو خرج منه؛ لعدم إمكان حفظه فيه أو لمشقة احتياجه؛ لما مر.
ولا يحسب زمن جنون من المدة مطلقاً، ولا زمن إغماء إن خرج، وإلا .. حسبت منها.

(ولا إن) أُخرج وقد (أكره بغير حق على الخروج) أو خرج خوفاً من ظالم أو غريم وهو معسر ولا بينة له بإعساره، أو من نحو سبع أو حريق؛ لعذره.
بخلاف من أخرج بحق كزوجة اعتكفت بلا إذن زوج، وغريم موسر أخرج لأداء حق مطل به، فينقطع تتابعه.
(ولا يقطعه الحيض إن لم تسعه مدة الطهر) بأن كانت مدة الاعتكاف لا تخلو عنه غالباً، فتبني على ما سبق إذا طهرت؛ لأنه بغير اختيارها.
ومثَّل لها في "المجموع" بأن تزيد على خمسة عشر يوماً.
واستشكله الإسنوي بأن الثلاثة والعشرين تخلو عنه غالباً؛ إذ غالبه ست أو سبع، وبقية الشهر طهر؛ إذ هو غالباً يكون فيه حيض وطهر.
ولا يقطعه خروج مؤذن راتب للأذان إلى منارة المسجد المنفصلة عنه، لكنها قريبة منه؛ لإلفه صعودها وإلف الناس لصوته.
ولا لإقامة حدّ عليه ثبت بغير إقراره، ولا لعدة ليست بسببها، ولأداء شهادة تعين عليه ولم يمكنه أداؤها في المسجد؛ للعذر في جميع ذلك.
ويسلك في خروجه لذلك أقرب الطرق.
تتمة: إذا شرط ناذر الاعتكاف متتابعاً الخروجَ منه لعارض مباح مقصود لا ينافي الاعتكاف .. صح الشرط، ثم إن عين شيئاً .. لم يتجاوزه، وإلا .. جاز الخروج لكل عارض مباح ولو دنيوياً، كلقاء أمير.
فإن شرطه لا لعارض كـ: إلا أن يبدو لي، أو لمحرم، أولما ينافي الاعتكاف، كجماع أو لغير مقصود كنزهة؛ إذ لا تسمى غرضاً مقصوداً في مثل ذلك .. فهو باطل، ويبطل نذره أيضاً به.
ولو نذر نحو صلاة أو صوم أو حج، وشرط الخروج لعارض .. فكما تقرر.
بخلاف نحو الوقف لا يجوز فيه شرط احتياج مثلاً؛ لأنه يقتضي الانفكاك عن اختصاص الآدمي به، فلم يقبل ذلك الشرط كالعتق، ثم الزمن المصروف لذلك العارض لا يجب تداركه إن عين المدة، كهذا الشهر، وإن لم يعينها كشهر مطلقاً .. وجب تداركه.


﴿باب الحج﴾ بفتح الحاء وكسرها مصدر، والأكثر الفتح، والقياس الكسر.
لغة: القصد، أو كثرته إلى من يعظم.
وشرعاً: قصد الكعبة؛ للأفعال الآتية، كما في "المجموع".
واعترض بأنه نفس الأفعال، واستدل له بخبر: "الحج عرفة"، أي: إتيانها، وهو فعل لا قصد، فالأفعال أجزاؤه لا وجود له بدونها، والأول هو الموافق للغالب من أن المعنى الشرعي مشتمل على المعنى اللغوي بزيادة.
لكن يؤيد أنه الأفعال قولهم: أركان الحج خمسة أو ستة، فدل على أنه نفس الأركان، وهي أفعال.
(والعمرة) بضم أوّليه، أو بفتح فسكون: الزيارة، وقيل: القصد إلى محل عامر.
وشرعاً: زيارة الكعبة؛ للأفعال الآتية.
وهما من الشرائع القديمة، فالمخصوص بنا ما عدا الطواف، أو كونهما على هذه الكيفية.
وفرض في السنة السادسة.
وهو -حيث كان مبروراً- يكفر جميع الذنوب حتى الكبائر وتبعات الناس عند (م ر) بشرط أن لا يتمكن من الوفاء بعده.
(هما) سنتان من صبي ورقيق، وفرضا كفاية؛ لإحياء الكعبة كل سنة مرة من جمع يظهر بهم الشعار ولو صغاراً، وهما على من لم يؤد نسكه بشرطه.
(فرضان) أمّا الحج .. فإجماعاً، بل معلوم من الدين بالضرورة، ومن أركان الإسلام.
وأمّا العمرة .. فعلى الأظهر؛ لما صح عن عائشة رضي الله عنها قالت: يا رسول الله، هل على النساء جهاد؟ قال: "نعم، جهاد لا قتال فيه: الحج والعمرة".
ولا يغني عنها الحج؛ لأن كلاً أصل برأسه؛ لاختلاف ميقاتهما زماناً ومكاناً.

ولا يشكل بإجزاء الغسل عن الوضوء؛ لبناء الطهارة على التداخل، ولأن ما قصد من الوضوء موجود في الغسل.
ولا يجبان بأصل الشرع غير مرة على التراخي بشرط العزم على الفعل بعد، وأن لا يتضيقا بنذر أو خوف غصب أو تلف مال بقرينة.
وإذا أخر، فمات .. تبين فسقه من وقت خروج قافلة بلده في أخر سني الإمكان إلى موته.
ولهما خمس مراتب: صحة مطلقة، وشرطها: الإسلام، فيصح إحرام ولي عن محجوره، أي: ينوي جعله محرماً، ويحضره المواقف، ويفعل عنه بنفسه أو نائبه ما لا يتأتى منه.
والوقت القابل لما نواه، وإلا كأن نوى فيما لا يقبله أصلاً كأيام منى .. لم ينعقد، أو في غيرها ونوى حجاً في غير أيامه .. انعقد عمرة.
والعلم بالكيفية عند الإحرام، وبالأعمال عند فعلها ولو بوجه فيهما.
وصحة مباشرة، وشرطها على ما مر في الصحة المطلقة التمييز، وإذن الولي، ولو كمل بعد الإحرام وقبل غيره من الأركان .. أجزأه عن حجة الإسلام.
فلا تصح مباشرة غير مميز ومن لم يأذن له وليه.
ووقوع عن نذر، وشرطه مع ما مر في الصحة المطلقة التكليف.
ووقوع عن فرض الإسلام، وشرطه مع ما مر فيما قبله الحرية التامة.
فلو تكلف الفقير النسك .. أجزأه عن الفرض، كما لو حج القن عن نذره بلا إذن سيده .. فيكفيه عن نذره.
(وشرط وجوبهما: الإسلام) فلا يجبان على كافر أصلي إلا للعقاب على تركهما في الآخرة نظير ما مر في الصلاة، ولا أثر لاستطاعته في كفره.
أمّا المرتد .. فيجبان عليه كالمسلم، إلا أنهما لا يصحان منه في ردته.
وإذا مات مرتداً .. لا يقضيان عنه.
(والحرية، والتكليف، والاستطاعة) فلا يجبان على قن وغير مكلف ومستطيع؛ لنقصهم.

واستطاعة الحج استطاعة للعمرة؛ لتمكنه من القران، وهو لا يزيد على عمل إفراد الحج في العمل.
ولا يصح نسك غير فرض الإسلام إلا بعده، فيجب فرض الإسلام، فالقضاء، فالنذر.
نعم؛ لو أفسده حال كماله .. وقع عن حجة الإسلام وعن القضاء، وكذا عن نذره إن عين سنة وحج فيها.
والاستطاعة نوعان: أحدهما: استطاعة مباشرة، فتمتد من خروج أهل بلده للنسك إلى عودهم، فمن لم يستطع في جزء من ذلك .. لم يلزمه، ولا عبرة بما قبل ذلك ولا بما بعده لتلك السنة.
(ولها) أي: استطاعة المباشرة (شروط) أحد عشر: (الأول: وجود) مؤن السفر من (الزاد وأوعيته) حتى السفرة (ومؤنة) نفسه وغيرها مما يحتاجه، كأجرة خفير، مدة (ذهابه وإيابه) وإقامته على العادة وإن لم يكن له في بلده أهل ولا عشيرة.
نعم؛ لو قصر سفره للنسك بأن كان دون يومين من مكة، وكان يكتسب في أول يوم كفاية أيام الحج، وهي ما بين زوال سابع ذي الحجة وزوال ثالث عشره لمن لم ينفر النفر الأوّل .. لم يشترط في حقه وجود الزاد، وكذا غيره مما أمكن تحصيله، بخلاف ما لو لم يكتسب كذلك أو طال سفره؛ لما فيه من الجمع بين مشقة الكسب ومشقة السفر.
ولو قدر على كسب كفاية أيام الحج في الحضر .. فقياس ما مر وجوبه.
ورد بأنه إذا قدر على الكسب أوّل السفر .. عدّ مستطيعاً، ولا كذلك في الحضر، فلا يعد بها مستطيعاً، بل محصلاً لسبب الاستطاعة في السفر، وتحصيل السبب لا يجب.
ويعتبر في العمرة القدرة على مؤنة ما يسعها، وهو نصف يوم مع مؤنة مدة سفره.
(الثاني: وجود الراحلة) ولو لم تلق به، كبقرة عند (حج) بشراء أو استئجار بعوض المثل، لا بأزيد وإن قل كالتيمم، والشراء أفضل.
وإنما تجب (لما بينه وبين مكة مرحلتان) بسير الأثقال وإن قدر على المشي بلا مشقة؛ لأنها من شأنه حينئذٍ.

نعم؛ هو الأفضل؛ خروجاً من خلاف موجبه ولو لامرأة لا تخشى منه فتنة بوجه، وللعصبة منعها عند خوفها عليها.
ولو قدر على دابة إلى دون مرحلتين، ومشى الباقي أو عكسه .. قال (حج): لم يلزمه؛ لأن تحصيل السبب لا يجب، وردّ كونه من تحصيل السبب.
والمعتبر وجود الراحلة لمن لم تلحقه بها مشقة تبيح التيمم عند (م ر) أو لا تحتمل عادة عند (حج).
(أو) وجود (شق محمل لمن لا يقدر على الراحلة) بأن تلحقه بها المشقة المذكورة؛ إذ لا استطاعة معها.
فإن لحقته بالمحمل .. اشترط كنيسة، أي: محارة.
فإن لحقته بها .. فسرير يحمله رجال، ولا نظر لزيادة مؤنتهما؛ إذ الفرض أنها فاضلة، كما يأتي.
(وللمرأة) والخنثى وإن لم يتضررا، ولم يعتادا المحمل كنساء الأعراب؛ لأنه أستر لهما، ولا ينافيه ما مر من ندب المشي لهما؛ لأن الوجوب يحتاط له أكثر.
ويشترط في وجود المحمل كونه (مع وجود الشريك) عدل لائق به، غير مشهور بخلاعة، وأن يوافقه على الركوب بين المحملين إِذا نزل لنحو قضاء حاجة، ولا نحو برص به، ولا شديد العداوة له.
فإن لم يجده بشروطه .. لم يلزمه النسك وإن قدر على تمام المحمل.
نعم؛ إن سهلت معادلته بما يريد استصحابه .. تعين هو أو الشريك.
(ولا تشترط الراحلة لمن بينه وبين مكة أقل من مرحلتين وهو قوي على المشي) ولو امرأة بأن لا تلحقه به المشقة المتقدمة وإن كان إلى عرفة مرحلتان.
ومقتضاه أنه لو قرب من عرفة وبعد من مكة .. لم يعتبر؛ وذلك لأنه لا ضرر عليه في ذلك.
وحيث لم يلزمه المشي فالركوب قبل الإحرام وبعده أفضل ولو لامرأة لم تخش من المشي فتنة، وهو على القتب أفضل.
تنبيه: (الشق) بفتح أوله، و (المحمل) بفتح ميمه الأولى وكسر الثانية، -وقيل:

عكسه-: وهو شيء من نحو الخشب يجعل في جانب البعير بلا شيء يستر الراكب فيه.
و (الكنيسة) هي: المحمل إلا أن عليه أعواداً عليها ما يظلل من الشمس من الكنس، أي: الستر، ومنه (الْجَوَارِ الْكُنَّسِ) [التكوير:16].
و (المحفة): التخت.
(ويشترط كون ذلك كله) أي: ما مر من الراحلة والمؤن (فاضلاً) عما يعتبر في الفطرة بتفصيله.
ومن ذلك: كونه فاضلاً (عن دَيْنه) ولو مؤجلاً ولو لله ككفارة، ودينه الحال على مليء وبه حجة كالذي بيده، وإلا .. فكمعدوم.
(و) عن (مؤنة من عليه مؤنتهم) من زوجة وقريب ومملوك محتاج لخدمته.
والمراد بـ (المؤنة): اللائقة بهم مطعماً وملبساً، وإعفاف أصل وأجرة طبيب وثمن دواء وغيرها.
وبـ (من عليه مؤنتهم): ما يشمل أهل الضرورات من المسلمين ولو من غير أقاربه؛ لما ذكروه في "السير" من: أن دفع ضرورات المسلمين بإطعام جائع وكسوة عار ونحوهما فرض على من ملك أكثر من كفاية سنة، وقد أهمل هذا غالب الناس حتى من ينتمي إلى الصلاح.
وشرط الفضل المذكور كونه لجميع مدة غيبته (ذهاباً وإياباً) وإقامة؛ لئلا يضيعوا، بل وإن لم يكن له ببلده أهل ولا عشيرة كما مر؛ لما في الغربة من الوحشة، ولنزع النفوس إلى الأوطان.
ويحرم عليه السفر حتى يترك لممونه مؤنة مدة ذهابه وإيابه.
لكن يخيره الحاكم بين طلاق زوجته وترك مؤنتها عند (حج).
(وعن مسكن وخادم يحتاج إليه)؛ لخدمة له أو لممونه؛ تقديماً لحاجته الناجزة، وفيهما التفصيل المار في الفطرة، ومثلهما الثوب.
ولو احتاج إلى صرف ما يحج به لتزوجه مع خوف عنت .. فالأفضل له التزوّج به، لكن يستقر عليه الحج؛ لأن النكاح من الملاذ، فلا يمنع استقراره.
وأفتى الشهاب الرملي بوجوب الحج على من بيده وظيفة أمكنه النزول عنها بما يكفيه للحج وإن لم يكن له غيرها.

ونقل (سم) عن السيوطي: أنه لا يلزمه ذلك.
(الثالث: أمن الطريق) أمنا لائقاً بالسفر ولو بخفير، بأجرة مثله على نفسه، وجميع ما يحتاج لاستصحابه لسفره، لا على مال نحو تجارة أمن عليه ببلده، ولا على مال غيره إن لم يلزمه حفظه والسفر به؛ لأن خوفه على ذلك -ولو من رصدي، ما لم يكن المعطي له الإمام- يمنع الاستطاعة إن خاف في جميع الطرق.
وإلا .. وجب سلوك الذي يأمن فيه وإن طال إن وجد مؤنة سلوكه.
ويشترط أيضاً: وجود رفقة يخرج معهم وقت العادة إن خاف وحده، ولا أثر لمجرد وحشة؛ لأنه لا بدل له، وبه فارق الوضوء.
ولو اختص الخوف به .. لم يستقر في ذمته كما اعتمده (حج) و (م ر).
وقال شيخ الإسلام والخطيب: يستقر عليه.
والأظهر: وجوب ركوب البحر ولو على امرأة وجدت محلاً تنعزل فيه عن الرجال إن تعين طريقاً، ولو لجدب الأرض وغلبت السلامة فيه وقت سفره.
ويجوز للولي ركوبه البحر بنحو الصبي إن غلبت السلامة وله مصلحة فيه، لا بماله ولو لتجارة؛ إذ المال يحتاط له أكثر.
(الرابع: وجود الزاد والماء في المواضع المعتاد حمله منها بثمن مثله، وهو القدر اللائق به في ذلك المكان والزمان) وإن غلت الأسعار، ولا نظر لما مضى.
نعم؛ لا يعتبر حالة الضرورة التي يقصد فيها القوت والماء لسد الرمق.
فلو خلا بعض المنازل عن ذلك .. فلا وجوب؛ لأنه إن لم يحمل ذلك معه .. خاف على نفسه، وإن حمله .. عظمت المؤنة.
وكذا لا يجب عليه الحج إذا لم يجد أحدهما إلا بأكثر من ثمن مثله وإن قلت الزيادة.
ونقل (م ر) والخطيب عن الدميري: أنه يغتفر الزيادة اليسيرة؛ لأنه لا بدل له، بخلاف ماء الطهارة.
(و) وجود (علف الدابة في كل مرحلة)؛ لعظم المؤنة في حمله؛ لكثرته، بخلاف الماء والزاد.

لكن في "المجموع" وغيره: اعتبار العادة فيه أيضاً، واعتمدوه، وإلا .. لم يجب الحج على آفاقي.
والخامس: ما أشار إليه بقوله: (ولا يجب) ولا يستقر النسك (على المرأة) ولو عجوزاً لا تشتهى أو مكية.
(إلا إن) وجد فيها ما مر، و (خرج معها) ولو بأجرة مثل قدرت عليها (زوج أو محرم) ولو فاسقاً؛ لأنه يغار عليها من مواقع الريب.
نعم؛ لو علم أنه لا يغار عليها .. لم يكف.
أو مراهقاً أو أعمى له حذاقة تأمن معه.
وتشترط: مصاحبته لها بحيث تمنع الريبة وإن بعد عنها في بعض الأوقات، أو لم يكن معها، لكنه قريب.
ويكفي عبدها، أو أجنبي ممسوح إن كانت هي وهو ثقتين (أو نسوة ثقات) -أي: ثلاث فأكثر- ذوات عدالة ولو إماء.
ويتجه الاكتفاء بالمراهقات بقيده السابق، وبمحارم فسقهن بغير زنا أو قيادة وإن لم يكن معهن نحو محرم لإحداهن؛ لانقطاع الأطماع باجتماعهن.
ومن ثَمّ جازت خلوة رجل بامرأتين دون عكسه.
واعتمد في شرحي "المنهج"، و"التحرير" و (م ر)، والخطيب: الاكتفاء باثنتين.
قال الكردي: ومحله: إن كانت واحدة منهما لا تفارقها.
أمّا الجواز .. فلها أن تخرج لفرض الإسلام ككل واجب ولو وحدها إذا أمنت.
ومن الواجب: خروج المرأة إلى محل حراثتها؛ لأن طلب الحلال واجب ولو شابة، لكنهن قد فرطن في عدم ستر جميع البدن وغيره.
(الخامس) وهو في الحقيقة السادس: (أن يثبت على الراحلة بلا مشقة شديدة) وإلا .. لم يجب عليه بنفسه، بل هو معضوب، وسيأتي.
السابع: وجود ما مر من الزاد وغيره وقت خروج الناس من بلده.

الثامن: أن يبقى بعد الاستطاعة ما يمكنه الوصول فيه إلى مكة بالسير المعتاد، بحيث لا يحتاج في بعض الأيام أو الليالي لقطع أكثر من مرحلة شرعية وإن اعتيد، وإلا .. لم يجب.
وإنما وجبت الصلاة بأوّل وقتها قبل مضي ما يسعها؛ لإمكان تتميمها بعده، بخلاف الحج، على أن ابن الصلاح قال: يجب ثم يسقط.
وفائدته عنده: وصفه بالإيجاب، وأنه لو مات يقضي من تركته قطعاً، ويلزمه الشروع في المقدمات.
أمّا العمرة .. فيعتبر لها ما يسع أعمالها، وقدر بثلثي يوم.
التاسع: أن يجد رفقة حيث لم يأمن وحده، يخرج معهم في الوقت المعتاد لا قبله؛ لزيادة المؤنة عليه، ولا بعده؛ لأنه يحتاج إلى قطع أكثر من مرحلة شرعية في بعض الأيام، وكل منهما يمنع الوجوب، وإن كان الأفضل خروجه معهم.
العاشر: أن يجد ما مرَّ من الزاد ونحوه بمال حاصل عنده، أو بدين حال على مليء، فلا تلزمه الاستدانة لذلك وإن تعينت لوفائه جهة ظاهرة، ولا اتهاب، ولا قبول نحو هبة؛ للمنة، ولا شراؤه بأكثر من ثمنه.
والحادي عشر: ما أشار إليه بقوله: (ولا يجب على الأعمى الحج) ولا العمرة (إلا إذا وجد قائداً) يقوده ويهديه عند ركوبه ونزوله، ولو بأجرة مثل قدر عليها، ويشترط فيه ما في الشريك المتقدم، ولا على أقطع إلا إن وجد معيناً، ولا على سفيه إلا إن وجد حافظ نفقة له.
تنبيه: لو استطاع ثم افتقر .. لزمه الكسب والمشي إن قدر عليه ولو فوق مرحلتين، وكذا السؤال على ما في "الإحياء".
لكنه لا يجب لدين آدمي عصى به، فالحج أولى.
النوع الثاني: استطاعة تحصيله بإنابة غيره عنه، وإنما تكون في ميت ومعضوب كما أشار إليه بقوله: (ومن عجز عن) نسك (الحج) أو العمرة وقد أيس عن مباشرته (بنفسه)؛ لزمانة أو مرض لا يرجى برؤه أو هرم، ويسمى معضوباً -بمعجمة- من العضب، أي: القطع، كأنه قطع عن الحركة، أو بمهملة، كأنه قطع عصبه.

( .. وجب عليه الاستنابة) فيه عن نفسه فوراً إن عضب بعد الوجوب والتمكن.
وعلى التراخي إن عضب قبل الوجوب أو معه أو بعده ولم يمكنه الأداء؛ لأنه مستطيع؛ إذ الاستطاعة بالمال كهي بالنفس، ولخبر الصحيحين: (إن فريضة الله على عباده في الحج أدركت أبي شيخاً كبيراً لا يثبت على الراحلة أفأحج عنه؟ قال: "نعم") وهذا في حجة الوداع، وهذا فيمن بينه وبين مكة مسافة قصر، وإلا .. وجب أن يتكلفه بنفسه كما يأتي.
وإنما تجب عليه الاستنابة (إن قدر عليها) بعد عضبه (بماله) بأن وجد أجرة من يحج عنه بأجرة مثل، فاضلة عما يحتاجه من نحو مسكن وخادم، ونحو كتب فقه وإن كانت تبقى سنين عديدة، وكذا مؤنة ممونه وجميع ما يحتاجه يوم الاستئجار لا ما بعده؛ لأنه لم يفارقهم، فيمكنه تحصيل مؤنة ممونه لما بعده.
ويكلف استئجار من رضي بأقل من أجرة مثل، كالإذن للمطيع الآتي بالأولى، وليست المنة هنا كهي بالمال.
ولو لم يجد إلا أجرة ماش .. لزمه استئجاره.
(أو) قدر عليها (بمن يطيعه) بأن وجد متبرعاً يحج عنه غير معضوب، وهو عدل تصح منه حجة الإسلام، ولا حج عليه.
أمّا الفاسق .. فلا تصح إنابته عن غيره مطلقاً ولو مع المشاهدة؛ لأن النية لا اطلاع عليها.
نعم؛ المعضوب نفسه يصح استئجاره فاسقاً ليحج عنه.
ويقبل قول الأجير: حججت ولو فاسقاً؛ لأن ذلك لا يعرف إلا منه.
وإذا اجتمعت الشروط في المطيع ولو أنثى معها محرم .. لزمه القبول فوراً وإن لزمه الحج على التراخي.
نعم؛ إن كان المطيع بعضاً وهو ماش .. لم تجب إجابته؛ لأن مشيه يشق عليه، وكذا إن لم يجد كفايته لسفره وإن كان راكباً كسوباً، ما لم يكن قريباً من مكة، ويكسب في يوم كفاية أيام الحج.
والفقير المعوّل على الكسب أو السؤال كالبعض عند (حج).
فيما ذكر.
وللولي منع أنثى من المشي فيما لا يلزمها، وللوالد منع ولده من حج تطوّع.

ولو توسم الطاعة من قريب أو أجنبي .. لزمه سؤاله، بخلاف ما لو بذل له مالاً ليستأجر به من يحج عنه ولو بعضه؛ للمنة.
نعم؛ لو استأجر بعضه من يحج عنه، أو قال له: استأجر، وأنا أدفع للأجير الأجرة .. لزمه الإذن في الأولى، والاستئجار في الثانية كما في "التحفة".
لكن اعترض بأن فيهما لزوم قبول المال من البعض، وهو لا يجب.
قال الونائي: وليس لمطاع أذن رجوع مطلقاً، ولا لمطيع أحرم.
ولا يُلزم وارث إجابة متطوع عن ميته، ولا يحج عن معضوب إلا بإذنه؛ لافتقاره إلى نية، والمعضوب من أهلها، ولا يصح عنه حج تطوّع.
وفي "الفتح": وتجوز نيابة رقيق وصبي مميز عنه وعن ميت في نفل لا فرض.
وفي "التحفة": (ولو مات أجير عين قبل الإحرام .. لم يستحق شيئاً، أو بعده .. استحق القسط بأن توزع أجرة المثل على السير والأعمال، ويعطى ما يخص عمله من أجرة المثل وإن لم يجز عن المستأجر له، ولا تصح على زيارته صلى الله عليه وسلم؛ لعدم انضباطها.
نعم؛ إن انضبطت، كأن كتب ما يدعو له بورقة، أو جاعله على الدعاء .. صحت) اهـ قال الكردي: (وتجوز استنابة معضوب أجيراً بأكثر من أجرة مثل، أو مطيعاً معضوباً أو معوّلا على الكسب أو السؤال أو بعضاً ماشياً أو امرأة ماشية، أو لم يجد ما يكفيه أيام الحج، أو بذل له مالاً؛ ليستأجر به من يحج عنه، أو استأجر المطيع الأجنبي عنه، أو قال: ائذن لي في الاستئجار، ويجب فيما عدا ذلك) اهـ وعلى كلٍّ فتصح استنابته (إلا إذا كان بينه وبين مكة دون مسافة القصر) وإلا ( .. فيلزمه) أن يحج (بنفسه)؛ لأنه لا يتعذر عليه الركوب فيما مر من محمل فمحفة فسرير، ولا نظر للمشقة عليه؛ لاحتمالها في حد القرب وإن كانت تبيح التيمم كما في "التحفة".
وفي "المغني"، كـ"النهاية": عدم اللزوم عند كثرتها.
وفي "حاشية متن العباب" لـ (حج): عدم الصحة للمكي مطلقاً، والصحة لمن دون مسافة القصر، وتعذر عليه بنفسه ولو على سرير.

ولو امتنع المعضوب من الإذن في النسك .. لم يأذن الحاكم عنه، ولا يجبره عليه مطلقاً، ولا يلزم الفرع امتثال أمر أصله المعضوب في الحج عنه.
تنبيه: الإحجاج عن المعضوب قلَّ في دائرة الإسلام، بل لا يكاد يوجد، فينبغي التنبيه عليه.
وأمّا من مات بعد استقرار النسك عليه ولم يؤده .. فعلى وصيه، فوارثه، فالحاكم إنابة من يؤديه عنه من تركته فوراً؛ لخبر البخاري: (إن أمي نذرت أن تحج، فماتت قبل أن تحج، أفأحج عنها؟ قال: "حجي عنها، أفرأيت أن لو كان على أمك دين أكنت قاضيه؟ " قالت: نعم، قال: "فالله أحق بالوفاء").
فإن لم تكن تركة .. سن للوارث والأجنبي وإن لم يأذن له الوارث أن يؤدي نسكه وإن لم يستطع؛ لأنه بالدين أشبه.
بخلاف الصوم فلا بد من إذنه؛ لأنه عباده بدنية محضة.
ولا يجوز التنفل عنه به إلا إن أوصى به.
فرع: الإجارة: إجارة عين، كاستأجرتك لتحج عني، أو عن ميتي بكذا.
فيشترط: أن يحج بنفسه، وأن يكون قادراً على الشروع في العمل.
فلا يصح استئجار من لا يمكنه الشروع لنحو مرض أو خوف، أو قبل خروج القافلة، لكن لا يضر انتظار خروجها بعد الاستئجار.
فالمكي ونحوه يستأجر في أشهر الحج؛ لتمكنه من الإحرام، وغيره يستأجر عند خروجه بحيث يصل الميقات في أشهر الحج.
وإجارة ذمة، كألزمت ذمتك الحج عني، أو عن ميتي، فتصح ولو لمستقبل بشرط حلول الأجرة، وتسليمها في مجلس العقد.
وله أن يحج بنفسه، وأن يحج غيره، ويجوز أن يحج عن غيره بالنفقة.
واغتفرت الجهالة فيه؛ لأنه ليس إجارة ولا جعالة، بل إرزاق.


(فصل) في المواقيت.

جمع ميقات، وهو لغة: الحد.
وشرعاً -هنا-: زمن العبادة ومكانها.
وبدأ بالزمان، لتوقف صحة الحج عليه، فقال: (يحرم بالعمرة كل وقت)؛ إذ ميقاتها الأبد، وقيل: السنة.
فعلى الأول: له أن يستمر على إحرامه بالعمرة أبداً، ويكملها متى شاء.
وعلى الثاني: يحرم تأخيرها للعام الذي بعده، ومال إليه الأذرعي.
وإنما لم تختص بوقت؛ لأنها صحت عنه صلى الله عليه وسلم، وعن غيره في أوقات مختلفة.
نعم؛ قد تمتنع لعارض، كمحرم بها، وحاج لم ينفر من منى نفراً صحيحاً.
وإن لم يكن بها، أو سقط عنه الرمي والمبيت، ومن عليه رمي أيام التشريق ولو كله، وقد خرج وقته .. حل إحرامه ونكاحه وغيرهما، ولا يتوقف ذلك على بدل الرمي، بخلاف رمي يوم النحر يتوقف عليه التحلل أو على بدله إذا خرج وقت الرمي، فهو إذا لم يفعله باق على إحرامه.
ومنه يعلم: امتناع حجتين في عام خلافاً لمن زعمه.
ويسن الإكثار من العمرة ولو في اليوم الواحد؛ إذ هي أفضل من الطواف حيث استوى زمنهما؛ لأنها لا تقع من الحر المكلف إلا فرضاً.
لكن أطال السيوطي في رسالة له في تفضيله.
(و) يحرم (بالحج في أشهره، وهي: شوّال، وذو القعدة، وعشر) ليال (من ذي الحجة) أي: فيصح الإحرام به من ابتداء شوّال إلى فجر يوم النحر وإن ضاق الوقت، كأن أحرم به بمصر قبيل فجر نحر.
ودعوى: أن الليالي إذا أطلقت تبعتها الأيام، فيدخل يوم النحر، وبه قال الحنفية: شرطها: إرادة المتكلم ذلك، ومن أين لنا ذلك؟!.

ويدل لمذهبنا الخبر الصحيح: "من شهد معنا صلاتنا هذه -أي: صبح يوم النحر، أي: بمزدلفة- فوقف معنا حتى ندفع، وقد وقف بعرفة قبل ذلك ليلاً أو نهاراً .. فقد تم حجه، وقضى تفثه"، فتأمله، فإنه نص صريح لمذهبنا.
ويصح عند أبي حنيفة ومالك جميع السنة، لكنه مكروه قبل شوّال.
(فلو أحرم به في غير وقته) كرمضان وبقية ذي الحجة ( .. انعقد عمرة) مجزئة عن عمرة الإسلام إن كانت عليه، علم به أو جهل، ولا يبطل؛ لأنه شديد التعلق، إذ لا يخرج منه كغيره بالفساد، بل ينصرف لما يقبله.
ولو شك هل أحرم في وقته أو قبله؟ انعقد حجاً؛ لأن أصل تقدير كل حادث بأقرب زمن أخص من مطلق العدم، فقدم عليه.
نعم؛ ينبغي الاحتياط، فينوي الحج إن لم يشرع في الأعمال؛ لصحة إدخال الحج على العمرة، وإلا .. فيفعل ما يفعل من أحرم بأحد النسكين ونسيه.
(و) أمّا الميقات المكاني .. فهو (إن كان بمكة .. فيحرم) ولو قارناً أو متمتعاً أو آفاقياً (بالحج منها) لا خارجها ولو محاذياً لها عند (حج)؛ لخبر: "حتى أهل مكة من مكة".
فلو أحرم خارجها في محل تقصر فيه الصلاة لمسافر منها، ولم يعد إليها قبل الوقوف .. أثم، ولزمه دم، وكذا إن عاد إليها قبله وقد وصل إلى مسافة القصر.
قال في "التحفة": كذا قالوه، ومحله إن كان ميقات الجهة التي خرج إليها أبعد من مرحلتين .. فيتعين الوصول للميقات أو محاذاته؛ لإساءته بترك الإحرام من مكة.
بخلاف ما لو كان ميقاتها على مرحلتين، أو لا ميقات لها، فيكفي الوصول إليهما.
وإنما سقط دم التمتع بالمرحلتين مطلقاً؛ لأن هذا فيه إساءة ترك الإحرام من مكة، فشدد فيه أكثر، ولأنه ببعده منها مرحلتين انقطعت نسبته إليها، فصار كالآفاقي، فتعين ميقات جهته أو محاذاته.
ويستثنى من ذلك: من يريد قضاء نسك أفسده، فيعتبر في حقه الأبعد من ميقات طريق القضاء والأداء، أو مثل مسافته.
والأجير المكي إذا استؤجر عن آفاقي .. فيلزمه الإحرام من ميقات المحجوج عنه كما اعتمدوه.

لكن في مواضع من "الإيعاب"، و"المنح"، وفي "شرح الغاية" لـ (سم): الاكتفاء بميقات آفاقي يمر عليه الأجير وإن كان أقرب من ميقات المحجوج عنه، ونقله (سم) عن "المجموع"، وعن نص الشافعي، ولا إثم ولا دم عليه ولا حط، وهو -وإن كان غير معتمد عند أكثر المتأخرين- فيه فسحة كبيرة، ويجوز تقليده والعمل به للأجير؛ لأن هذا من عمل النفس.
قال (سم): وعلى جواز العدول للأقرب، فيجوز للمكي الأجير عن آفاقي الإحرام من مكة، ولا حطّ ولا دم عليه، وهو ما اعتمده الجمال الطبري.
والذي اعتمده المحب الطبري: (لزوم الخروج إلى الميقات ولو أقرب من ميقات المحجوج عنه على ما تقدم من جواز العدول للأقرب، فإن خالف .. لزمه الدم والحط.
وفرق بين مكة وغيرها من المواقيت بأن المستأجر لو أتى غيرها من المواقيت .. كان ميقاته، ولو أتى إليها بلا إحرام مع إرادة النسك ثم أحرم منها .. لزمه الدم، فأجيره كذلك فيهما.
وعلى هذا: لو شرط المستأجر الإحرام من مكة .. فسدت الإجارة، فإن حج الأجير منها .. استحق أجرة المثل، والدم على المستأجر، أي: للإذن في الإحرام من مكة) اهـ ولو تبرع مكي بنسك عن آفاقي وأحرم به من مكة .. استوجه في "المنح": وجوب الدم على المتبرع؛ لأنه الذي ورط نفسه.
(و) أمَّا الإحرام (بالعمرة) .. فهو لمن بالحرم من مكة وغيرها (من أدنى الحل) من أي جانب شاء ولو ظناً بالاجتهاد، فإن لم يظهر له شيء .. تعين الاحتياط.
ولو أخرج إحدى رجليه عن الحرم واعتمد عليها وأحرم .. كفاه؛ وذلك لأنه عليه الصلاة والسلام أرسل عائشة مع أخيها عبد الرحمن إلى التنعيم فاعتمرت منه، ولو لم يجب ذلك لما أرسلها مع ضيق الوقت.
ولو أحرم في الحرم ولم يخرج إلى الحل .. لزمه الإثم والدم، وكذا الحط إن كانت لغيره، وإن خرج إليه .. فلا إثم ولا حط.
وكذا لا إثم إن كان عند الإحرام عازماً على الخروج.
وأفضل بقاع الحل للإحرام بالعمرة الجعرانة -بالتخفيف والتشديد- موضع بين الطائف

ومكة على اثني عشر ميلاً منها، وعلى ثلاثة أميال من الحرم.
ثم التنعيم المعروف الآن بمساجد عائشة، على فرسخ من مكة.
ثم الحديبية -مخففة، وقيل: مشددة: اسم بئر بين طريق حدة- بكسر الحاء المهملة -وقيل: بجيم مضمومة- وكل صحيح؛ إذ حدة بالحاء في طريق جدة والمدينة، يقال: أنها المعروفة ببئر شمس، وفيها مسجده صلى الله عليه وسلم الذي بويع فيه تحت الشجرة وذلك؛ للاتباع في الأول، ولأمر عائشة به في الثاني، ولهمه بالاعتمار منه في الثالث.
لكن في "المجموع": أنه أحرم من ذي الحليفة.
وجمع بأنه أولاً همَّ بالاعتمار منها، ثم أحرم.
واستشكل تقديم الجعرانة؛ لأنه عليه السلام أحرم منها في رجوعه من غزوة حنين، ولم يكن في الحرم، والكلام في الأفضل لمن هو فيه، وهو ظاهر.
(وغير المكي) -أي: من ليس بمكة من آفاقي أو مكي- قصد مكة للنسك حجاً أو عمرة (يحرم بالحج والعمرة من الميقات) التي أقته صلى الله عليه وسلم لطريقه التي سلكها.
(وهو لتهامة اليمن: يلملم) ويقال له: ألَمْلَمُ، ويرمرم.
قال الكردي: (جبل من جبال تهامة جنوبي مكة مشهور بالسعدية، بينه وبين مكة مرحلتان) اهـ وقوله مرحلتان: أي: تقريباً، وإلا .. فبينهما مرحلتان ونصف.
(ولنجده) أي: اليمن ونجد الحجاز (قَرْن) -بسكون الراء- جبل عند الطائف على مرحلتين من مكة.
(ولأهل العراق) وخرسان (ذات عرق) بكسر فسكون و (عرق): الجبل الصغير المشرف على العقيق، وهو واد، والإحرام منه أفضل؛ لأنه أبعد من مكة، ولأنه ورد أنه ميقات أهل المشرق.
(ولأهل الشام) الذين لا يمرون بذي الحليفة (و) أهل (مصر والمغرب: الجحفة) قرية خربة، أقرب من رابغ إلى مكة على أربع مراحل ونصف منها، والإحرام من رابغ أفضل إن جهلت الجحفة، أو تعذر بها فعل السنن.

(ولأهل المدينة) والشام، كما هي عادتهم الآن (ذو الحليفة) المسماة بأبيار علي، وبينها وبين المدينة ثلاثة أميال، وبين مكة عشر ديار، أي: منازل، والدار أكثر من مرحلة، بل تقارب مرحلتين.
فإن سلكوا طريق الجحفة أو ذات عرق .. فما سلكوا طريقه فهو ميقاتهم وإن حاذوا ميقاتاً قبله؛ لأن عين الميقات أقوى من محاذاته، فكل من مرَّ بميقات فهو من أهله؛ لأنه صلى الله عليه وسلم أقت جميع ما ذكر لمن ذكر، وقال: "هن -أي: المواقيت- لهن -أي: النواحي المذكورة- ولمن أتى عليهن من غير أهلهن".
وأمَّا توقيت عمر ذات عرق .. فاجتهاد منه وافق النص.
والأفضل: أن يحرم من الميقات لا من قبله إلا فيما مر، وأجير شرط عليه الإحرام من فوقه ومن أوله ليقطعه كله محرماً.
نعم؛ الميقات الذي به مسجد .. يحرم منه ثم يعود إلى أول الميقات.
وفي "المنح": الأفضل: أن يصلي به سنة الإحرام ثم يعود إلى أول الميقات، ويحرم منه عند ابتداء سيره منه، ويجوز الإحرام من آخر الميقات.
ومن سلك طريقاً لاينتهي به لميقات، فإن حاذى ميقاتاً يمنة أو يسرة .. أحرم من محاذاته، فإن اشتبه عليه موضع المحاذاة .. اجتهد، فإن تحير .. قلد، فإن لم يظهر له شيء .. احتاط ما لم يضق الوقت، أو يخاف الفوات.
والأصل: براءة الذمة وعدم العصيان؛ لعدم تيقن المجاوزة.
أو حاذى ميقاتين بأن كان إذا مر على كلٍّ تكون المسافة منه إليه واحدة .. فالأصح أنه يحرم من محاذاة أبعدهما من مكة وإن حاذى الأقرب إليها أولاً، فأن استوت مسافتهما في القرب إلى طريقه وإلى مكة .. أحرم من محاذاتهما ما لم يحاذي أحدهما قبل الآخر، وإلا .. فمنه، أمَّا إذا لم تستو مسافتهما إليه بأن كان بين طريقه إذا مر عليه ميلان، والآخر إذا مر عليه ميل .. فهذا ميقاته وإن كان أقرب إلى مكة.
ومن لم يحاذ ميقاتاً قبل مرحلتين، كالجائي من سواكن إلى جدة؛ فإنه يصلها قبل أن يحاذي ميقاتاً، وجدة مرحلتان إلى مكة .. أحرم على مرحلتين من مكة؛ إذ لا ميقات دونهما.
وبما تقرر يعلم: أن المحاذاة بعد المرحلتين لا تعتبر.

وأن المراد من قولهم: (ومن لم يحاذ ميقاتاً): من لم يحاذه قبل مرحلتين، وإلا .. فعدم المحاذاة محال؛ لاكتناف المواقيت لمكة، على أن (سم) قال: هلاَّ اعتبرت المحاذاة ولو بعد المرحلتين، وربما أيده إطلاقهم المحاذاة.
ومن مسكنه بين مكة والميقات .. فميقاته مسكنه؛ لقوله في الخبر: "ومن كان دون ذلك .. فمن حيث أنشأ"، حتى أهل مكة من مكة.
نعم؛ مريد العمرة يخرج لأدنى الحل، كما مر.
فإن أحرم بعد مجاوزة مسكنه ولم يعد إليه .. لزمه الدم وإن كان من حاضري المسجد الحرام.
وأمَّا من مسكنه بين ميقاتين، كأهل الصفراء وبدر .. فميقاته الثاني، خلافاً "للمنح" من أن مسكنه: ميقاته على تفصيل ذكرته في "الأصل".
ومن قصد الحرم لا لنسك بل لنحو تجارة .. سن أن يحرم بنسك من ميقاته لو أراده، وكره تركه.
ومن جاوز الميقات غير مريد نسك ثم أراده .. أحرم من موضع إرادته، ويسمى الميقات المعنوي؛ لما في الحديث السابق.
ومن بلغه مريد العمرة مطلقاً أو الحج في عامه، وكذا في غير عامه عند (حج) .. وجب عليه الإحرام بالنسك الذي أراده وإن أراد إقامة طويلة كشهر بموضع قبل مكة، خلافاً للشهاب الرملي.
ولو كان قاصداً الإحرام بالحج عند المجاوزة، فأحرم بعمرة ثم أدخله عليها .. لزمه الدم، وإن لم يطرأ له قصده إلا بعد مجاوزته .. فلا.
ويقاس بذلك ما لو قصد الإحرام بالعمرة وحدها عند المجاوزة، فأحرم بالحج، وهذا إن أمكن ما نواه، وإلا كأن نوى الحج في القابل .. تعينت العمرة.
(فإن جاوز الميقات) إلى جهة الحرم ولو جاهلاً (مريد للنسك) ولو في القابل غير محرم ولم ينو العود إليه أو إلى مثله (ثم أحرم) بعمرة مطلقاً، أو بحج في السنة التي أراد النسك فيها ولو غير الأولى عند (حج) .. عصى إجماعاً إن لم يتوقف إحرامه على إذن كرقيق وإن عاد؛ لأنه إنما يرفع دوام الإثم، ومع العصيان ( .. فعليه دم إن لم يعد) بعد إحرامه (إلى) ذلك (الميقات) أو مثل مسافته (قبل التلبس بنسك) ولو مسنوناً على

صورة الركن، كطواف القدوم، ويلزمه العود إليه محرماً، أو ليحرم منه إن لم يحرم، أو إلى مثله؛ تداركاً لإثمه، أو لتقصيره في الجهل والنسيان وإن كان لا إثم فيهما؛ إذ لا فرق في المأمورات بين العالم العامد وغيره إلا في الإثم.
فإن عاد بعد التلبس بنسك .. لم يسقط عنه الدم، أو قبله .. سقط.
أمَّا لو جاوزه لا إلى جهة الحرم بل يمنة أو يسره .. فله أن يؤخر إحرامه إلى محل مثل مسافة ميقاته إلى مكة أو أبعد.
وبه يعلم أنه ليس للجائين من اليمن تأخير إحرامهم إلى جدة وإن قال في "التحفة"، وتبعه جماعة: إن مسافتها كمسافة يلملم إلى مكة؛ لتحقق التفاوت بنحو الربع كما هو مشاهد، فلا معنى للخلاف.
نعم؛ أفتى بما في "التحفة" الشيخ محمد صالح الرئيس؛ تبعاً للشيخ إدريس الصعيدي، وعلله بأن مبنى المواقيت على التقريب؛ لتصريحهم أن يلملم وذات عرق وجدة على مرحلتين، مع أن بعضها يزيد على ذلك.
وسمعت: أن (يلملم): جبل طويل، وأن آخره إلى مكة كجدة إليها أو أقل، فإن صح ذلك .. اتجه بل اتضح ما في "التحفة"؛ لأن العبرة من حيث الوجوب في المواقيت بآخرها.
وخرج بقولنا: (إلى جهة الحرم أيضاً): من مر على الميقات بعد نسكه قاصداً بلده، كأهل اليمن يزورون بعد الحج، ويمرون في رجوعهم بذي الحليفة قاصدين النسك في عامهم بعد إقامتهم ببلدهم، فلا يجب عليهم الإحرام؛ لأن مجاوزتهم الميقات في غير جهة الحرم، بخلاف المكي إذا رجع بعد الزيارة إلى مكة.
وبـ (مريد النسك): من لا يريده عند المجاوزة وإن أراده بعد كما مر.
وبـ (غير ناو العود): من نواه وعاد، أو لم يعد؛ لعذر كمرض .. فلا إثم وإن وجب على الأخير الدم.
وبـ (ثم أحرم): ما لو لم يحرم، أو أحرم بحج في غير السنة التي أراد النسك فيها .. فلا دم عليه؛ لأنه لنقص النسك، ومع عدم الإحرام لا نسك، وكذا لو أحرم في غير التي أرادها .. فلا نقص.
وفارقت العمرة الحج في: كون الإحرام بها يلزمه الدم ولو في غير تلك السنة؛ لأن إحرامه في سنة لا يصلح لغيرها، بخلافها؛ إذ إحرامها لا يتأقت.


(فصل) في أركان الحج.

أي: أجزاء الحج والعمرة، وهي التي يتوقف صحتهما عليها، ولا تجبر بدم ولا غيره.
(أركان الحج خمسة) بل ستة: (الإحرام) أي: نية الدخول في النسك (والوقوف بعرفة، والطواف، والسعي، والحلق)، وترتيب معظمها؛ إذ لا بد من تقديم الإحرام على الكل، والوقوف على ما بعده إن لم يقدم السعي بعد طواف القدوم، وتأخير الطواف والسعي والحلق عن الوقوف والإحرام، ولا ترتيب بينها إلا بين الطواف والسعي.
(وأركان العمرة أربعة) بل خمسة، وهي ما عدا الوقوف من أركان الحج.
(وهي: الإحرام، والطواف، والسعي، والحلق)، والترتيب في جميعها على ما ذكره، وكلها تصح مع الحدثين إلا الطواف وهو أفضلها عند (م ر)، وعند (حج): الوقوف؛ لأنه الركن الأعظم، لفوات الحج بفواته، ثم بعدهما السعي ثم الحلق.


(فصل: الإحرام) الذي هو ركن من أركان النسك (نية) الدخول في (الحج أو العمرة أو هما)؛ لخبر: "من أراد أن يهل بحج أو عمرة .. فليفعل، ومن أراد أن يهل بحج .. فليفعل، ومن أراد أن يهل بعمرة .. فليفعل".
وهو بهذا الاعتبار ركن.
ويطلق أيضاً على نفس الدخول فيه بالنية؛ لاقتضائه دخول الحرم، كأنجد إذا دخل نجداً، أو تحريم الأنواع الآتية.

وهذا هو المراد بقولهم: يفسده الجماع، وتحرم به المحرمات الآتية.
وبقولهم: ينعقد الإحرام، أي: يحصل الدخول فيه بالنية.
(وينعقد) الإحرام أيضاً في أشهر الحج (مطلقاً) -بفتح اللام وكسرها- لما روى الشافعي: (أنه صلى اللله عليه وسلم خرج هو وأصحابه ينتظرون القضاء -أي: نزول الوحي- فأمر من لا هدي معه أن يجعل إحرامه عمرة، ومن معه هدي أن يجعله حجاً).
(ثم يصرفه) أي: الإحرام المطلق بالنية (لما شاء) من حج أو عمرة، أو كليهما، وإن ضاق الوقت أو فات عند (حج).
والأفضل: صرفه للعمرة؛ خروجاً من الخلاف، ولا يجزئه العمل قبل الصرف.
نعم؛ إن طاف ثم صرفه حجاً .. وقع عن طواف القدوم، ولا يجزئه السعي بعده قبل الصرف؛ لأنه يحتاط للركن ما لا يحتاط للسنة.
وفي "الإيعاب": أنه يجزيه السعي بعده.
ولو أفسده قبل الصرف .. فأيهما عينه كان مفسداً له.
أمَّا في غير أشهر الحج .. فينعقد عمرة، وله أن يحرم كإحرام زيد، ثم إن كان زيد مطلقاً أو غير محرم أو أحرم فاسداً .. انعقد له مطلقاً، وإن علم إحرام زيد وكان زيد مفصلاً ابتداء .. تبعه في تفصيله.
بخلاف ما لو أحرم مطلقاً وصرفه حجاً أو عمرة، وأدخل عليها الحج، ثم أحرم كإحرامه .. فلا يلزمه في الأولى أن يصرفه لما صرفه له، ولا في الثانية إدخال الحج على العمرة إلا أن يقصد التشبيه به في الصورتين.
وإذا تعذر معرفة إحرام زيد .. جعل نفسه قارناً، وعمل عمله، ولا يبرأ من العمرة؛ لاحتمال أنه كان محرماً بحج، وهو يمتنع إدخال العمرة عليه.
ويغني عن نية القران نية الحج؛ إذ لا يحصل له وإن نوى القران سواء، ولا يلزمه دم إن نوى القران.
ولو اقتصر على عمل عمرة .. لم يحصل له التحلل، أو على عمل الحج بلا نيته .. حصل له التحلل، ولا يبرأ من شيء منهما.
(ويستحب التلفظ بالنية) التي يريدها مما مر؛ لتأكد ما في القلب، كسائر العبادات.

(فيقول) بقلبه وجوباً، وبلسانه ندباً: (نويت الحج أو العمرة) أو هما، أو النسك (وأحرمت به لله تعالى) عطف مرادف أتى به؛ للتأكيد.
ولا تجب نية الفرضية جزماً؛ لأنه لو نوى به النفل .. وقع عن الفرض، ولو تخالف القلب واللسان .. فالعبرة بما في القلب.
(وإن حج أو اعتمر عن غيره .. قال: نويت الحج أو العمرة عن فلان، وأحرمت به لله تعالى) ولو أخر لفظ فلان عن: (وأحرمت به لله تعالى) .. لا يضر على المعتمد إن كان عازماً عند نويت الحج مثلاً أن يأتي به، وإلا وقع للحاج نفسه.
(ويستحب) استقبال القبلة و (التلبية مع النية) فيقول عقب تلفظه بالنية المارة: لبيك اللهم ... إلخ، ولا يجهر بهذه التلبية، ويذكر فيها دون غيرها ما أحرم به.
قال في "الشرح": لخبر مسلم: "إذا توجهتم إلى منى .. فأهلوا بالحج".
و (الإهلال): رفع الصوت بالتلبية، أي: هنا، وإلا فهو رفع الصوت مطلقاً.
قال الكردي: (ولفظ التلبية ثابت في البخاري، فلو استدل به هنا، وأخر هذا إلى رفع الصوت بالتلبية .. كان أنسب) اهـ فإن لبى بلا نية .. لم ينعقد؛ لخبر: "إنما الأعمال بالنيات"، أو نوى ولم يلب .. انعقد على الصحيح، ولو لبى بغير ما نوى .. فالعبرة بما نواه.
(و) يستحب (الإكثار منها) للمحرم، ولو نحو حائض في كل محل لا نجاسة به كحش، وإلا .. كرهت، ولا في طواف وسعي.
ويستمر على ذلك إلى شروعه في أسباب التحلل، كرمي جمرة العقبة.
ويتأكد عند تغاير الأحوال كركوب وصعود واجتماع وأضدادها، ومنه عند فراغ الصلاة، ويقدمها على أذكار الصلاة.
(ورفع الصوت بها لذكر) ولو بمسجد، بحيث لا يجهد نفسه ولا يشوش على غيره؛ للخبر السابق وغيره.
أمَّا غير الذكر .. فيكره جهره بها بحضرة أجانب، وإلا .. جهر دون الذكر، ولم

يحرم بحضرة أجانب كالأذان؛ لأن كلاً هنا مشغول بتلبية نفسه عن تلبية غيره.
(إلاَّ في أول مرة) التي مع الإحرام ( .. فيسر بها) وإن لم يذكر فيها ما أحرم به، وتحرم إجابة كافر بها.
(وصيغتها) المحبوبة تلبيته صلى الله عليه وسلم وهي: (لبيك) مصدر مثنى، قصد به التكثير من لب: أقام أو أجاب، أي: إقامة على طاعتك بعد إقامة، أو إجابة -لأمرك لنا على لسان خليلك عليه السلام- بعد إجابة.
(اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن) الأولى كسرها؛ لما في "الفتح" من إيهام: أن التلبية مختصة بحالة شهود النعمة وما معها.
والأكمل: إخلاصها بغير شهود شيء آخر لذاته تعالى، ومن الاحتياج إلى تقدير.
(الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك) وندب وقفة لطيفة على (والملك)؛ دفعاً لتوهم عود النفي بـ (لا) لما قبلها وإن بعد جداً وعلى لبيك الثاني والثالث؛ ليكون في الثالث أبعد من إيهام التعليل له بما بعده.
(ويكررها) أي: جميع التلبية المذكورة، لا لبيك فقط كما هو وجه ضعيف (ثلاثاً) ويواليها.
(ثم) بعد فراغه من التلبية ثلاثاً، أو دونها (يصلي) ويسلم (على النبي) وآله وصحبه (صلى الله عليه وسلم).
والأفضل: بعد كل ثلاث منها، وكونها بصوت أخفض من التلبية، وتكريرها ثلاثاً، وأن لا يرد على من سلم عليه إلا بعد فراغها كالمؤذن.
(ثم) بعد ما ذكر (سأل الله الرضى والجنة، واستعاذ) به (من النار) كما جاء بسند ضعيف (ثم دعا بما أحب) ديناً ودنيا.
وندب أن لا يتكلم أثناء تلبيته إلا برد سلام .. فيسن، وتأخيره إن بقي المسلم عنده أفضل، وإلا بإنذار مشرف على تلف .. فيجب.

(وإذا رأى المحرم أو غيره) أي: أدرك بأي حاسة كان (شيئاً يعجبه أو يكرهه .. قال) ندباً: (لبيك إن العيش) أي: الكامل، وهو الهنيء الذي لا يعقبه كدر، ولا يشوبه تنغص هو (عيش الآخرة)؛ لأنه صلى الله عليه وسلم قال ذلك في أسر أحواله حين رأى جمع المسلمين بعرفة، وفي أشدها في حفر الخندق، ويظهر تقييد لبيك بالمحرم.
وغيره يقول: اللهم إن العيش عيش الآخرة، كما ورد أيضاً في حفر الخندق.


(فصل) في سنن تتعلق بالإحرام.

(ويسن الغسل للإحرام) بسائر كيفياته؛ للاتباع ولو لنحو حائض وإن أراده قبل الميقات، ويكره تركه ولو لحائض، وتأخيره لطهرها أولى.
وإحرام الجنب مكروه، وغير المميز يغسله وليه، وينوي عنه ولو بنائبه.
ويكفي تقدمه على الإحرام إن نسب إليه عرفاً، كأن يغتسل بمكة، ويحرم من التنعيم، ومن عجز عن الماء .. تيمم، ويكفيه تيمم واحد له وللوضوء على المعتمد، كما مر.
وندب لمريد إحرام قص شارب، وأخذ شعر نحو إبط وظفر قبل الغسل، إلا في عشر ذي الحجة لمريد تضحية .. فيكره، فغسل رأسه بنحو سدر، فمسح بحناء لوجه امرأة غير محدة ولو عجوزاً يستر بشرته؛ لأنها مأمورة بكشفه، وخضب كفيها به.
ويكره بعد إحرام (ولدخول مكة) ولو حلالاً.
والأفضل: كونه بـ (ذي طوى): بئر في الزاهر لمار بها، وإلا .. فمن مثلها مسافة، فإن لم يغتسل قبل دخولها .. اغتسل فيها.
ويستثنى من قرب غسله بحيث لم يتغير ريحه، كأن اغتسل لإحرامه من التنعيم ودخل مكة، فلا يسن له الغسل، وكذا يقال في بقية الأغسال، بخلاف من اغتسل بمحل غير

قريب كالحديبية، فيغتسل لدخول مكة وإن لم يتغير ريحه، وهذا إنما هو عند عدم التغير، وإلا .. فيسن مطلقاً.
ويسن أيضاً لدخول حرم مكة وحرم المدينة، ولدخول الكعبة والمدينة ما لم يتقدمها غسل قريب مطلوب.
(ولوقوف عرفة) ويدخل كغسل الجمعة، ورمي أيام التشريق بالفجر، والأفضل: كونه بعد الزوال، وبنمرة.
(و) للوقوف بـ (مزدلفة) والأفضل: كونه بالمشعر الحرام بعد الفجر، ويجوز من نصف الليل.
(ولرمي) الجمار كل يوم من أيام التشريق؛ لآثار وردت في ذلك، ولاجتماع الناس عند ذلك، والأفضل كونه بعد الزوال.
فإن لم يغتسل بعرفة .. ندب لدخول مزدلفة، أو لم يغتسل لوقوف مزدلفة .. ندب لرمي جمرة العقبة، أو لم يغتسل لدخول مكة .. سن لطواف القدوم.
وبالجملة: فيسن عند كل ازدحام واجتماع في طواف وغيره وإن قلنا لا يسن للطواف.
(و) يستحب بعد الغسل (تطييب بدنه للإحرام)؛ للاتباع إلا لصائم وبائن .. فيكره لهما ما لم تكن لهما رائحة يتأذى بها وتوقفت إزالتها على الطيب، وإلا لمحدة .. فيحرم.
وإنما لم يسن لغير ذكر التطيب لنحو الجمعة؛ لضيق وقته ومكانه، فلا يمكنه تجنب الرجال.
وأفضله: المسك وأن يخلط بماء ورد؛ ليذهب جرمه، ويكره الزباد؛ لقول أحمد بنجاسته.
(دون ثوبه) فلا يسن تطييبه، بل يباح كما في "شرح المنهج"، و"المغني"، و"الفتح"، و"م ر".
أو يكره كما في "التحفة"؛ للخلاف القوي في حرمته، ولا تحرم استدامته وإن كان له جرم في بدن أو ثوب بعد الإحرام؛ لخبر عائشة: (كأني أنظر إلى وبيص المسك -أي: بريقه- في مفرق رسول الله صلى الله عليه وسلم).

وخرج بـ (استدامته): ما لو أخذه من بدنه أو ثوبه ثم رده إليه أو مسه بيده مثلاً عمداً .. فتلزمه مع الحرمة الفدية.
ولو نزع ثوبه المطيب ولو بحيث لو رش بماء ظهر ريحه ثم لبسه .. لزمته الفدية في الأصح، ومقابله لا فدية؛ إذ العادة لبسه ثم خلعه، فجعل عفواً، ولا يسع الناس إلا هذا، أو ترك تطييب الثوب رأساً.
بل قال مالك: يمتنع التطيب في الثوب والبدن؛ لخبر فيه، لكن قالوا: إنه منسوخ.
ويندب الجماع قبل الإحرام خصوصاً لمن يشق عليه تركه.
(و) يندب لذكر (لبس إزار ورداء) قبيل الإحرام؛ للاتباع، وكونهما (أبيضين)؛ لخبر: "البسوا من ثيلبكم البياض"، و (جديدين ثم مغسولين) ويندب غسل جديد احتملت نجاسته.
ويسن للمرأة لبس البياض، ويكره لها لبس المصبوغ.
تنبيه: قضية كلام كثيرين كـ"الإيضاح"، و"الروضة": أن التجرد عن المخيط سنة قبل الإحرام، وفي "المجموع" وغيره: أنه واجب، وأطال كل لترجيح ما قاله، وبينت ذلك في "الأصل"، والوجوب غير بعيد.
(و) يسن لبس (نعلين) وكونهما جديدين؛ لخبر: "يحرم أحدكم في إزار ورداء ونعلين" (و) صلاة (ركعتين) فأكثر بعد ما ذكر في غير وقت الكراهة إلا في حرم مكة كما مر؛ لخبر الشيخين: (أنه صلى الله عليه وسلم صلى بذي الحليفة ركعتين ثم أحرم).
ولا بد أن ينوي بهما سنة الإحرام، ويغني عنهما غيرهما كفريضة وإن لم ينوهما معها فيسقط طلبهما، بل ويثاب عليهما عند (م ر) على ما مر.
ويقرأ فيهما سورتي (الإخلاص) وأن يصليهما في المسجد إن كان هناك على ما مر في فصل المواقيت.
ثم بعد أن يصليهما (يحرم بعدهما) بحيث ينسبان إليه حال كونه (مستقبلاً) للقبلة عند الإحرام.

فصول الكتاب · 4 فصل · 711 صفحة
جارٍ التحميل