شرح المقدمة الحضرمية المسمى بشرى الكريم بشرح مسائل التعليمصفحات 501-540
أهل الأثرالأرشيف العلمي

زكاة فيما دون ما ذكر فيهما ولو بعض حبة وإن راج رواج التام أو أكثر، ويكمل النوع بالنوع لا الجنس بجنس آخر كما مر.
(ولا شيء في المغشوش) منهما (حتى يبلغ خالصه نصاباً) فحينئذٍ يخرج خالصاً أو مغشوشاً قدر الزكاة، ويكون متطوّعاً بالغش.
ولا يجوز للولي إخراج المغشوش؛ إذ لا يجوز له التبرع بنجاسه ما لم تستغرق مؤنة السبك.
قال الشرقاوي: (وقدر العشرين الدينار بالبنادقة -أي: المشاخص- سبعة وعشرون إلا ربعاً، والمئتي الدرهم بالريالات ثمانية وعشرون ونصف تقريباً إن كان في كل واحد درهمان من النحاس، فإن كان فيه درهم .. فخمسة وعشرون ريالاً) اهـ فليراجع.
وتجوز المعاملة بالمغشوش معيناً وفي الذمة، لكن لا يجوز بيع بعضها ببعض مطلقاً؛ لأنه من قاعدة مد عجوة ودرهم.
ويكره للإمام ضرب المغشوش، ولغيره الضرب مطلقاً، بل يحرم إن كثر غشه، وكان على ضريبة الإمام.
ولو اختلط إناء وزنه ألف من أحدهما ست مئة ومن الآخر أربع مئة، وجهل أكثرهما .. زكى ست مئة ذهباً، وست مئة فضة، أو ميز بنار أو ماء.
ولو ملك نصاباً نصفه في يده ونصفه مغصوب، أو دين ولو مؤجلاً، أو على معسر .. زكى ما في يده حالاً، والآخر عند قبضه أو قدرته عليه (ولا في الحلي المباح) إذا علمه المالك (ولم يقصد كنزه) سواء اتخذه بلا قصد أو بقصد استعمال مباحٍ، أو بقصد أن يؤجره أو يعيره لمن يحل له؛ لأنه معد لاستعمال مباح في جميع ذلك، فأشبه أمتعة الدار.
أمَّا الحلي المكروه كضبة صغيرة لزينة، والمحرم لعينه كإناء من أحدهما، وما حلي به جدار أو مسجد، أو بالقصد كحلي امرأة قصد رجل لبسه، أو سلاح محلى بفضة قصدت امرأة لبسه، ومن المحرم حلي نساء بالغن في السرف فيه، بل وإن لم يبالغن فيه، والسرف: كونه بمقدار لا يعد مثله زينة، بل تنفر منه النفس .. ففي جميع ذلك زكاة.
أمَّا إذا لم يعلمه كأن ورثه، ولم يعلم به، ثم مضت أحوال، ثم علمه .. فتجب زكاته؛ لأنه لم يقصد به استعمالاً مباحاً.

ولا يَرِدُ الحلي الذي اتخذه لا بقصد شيء؛ لأن الاتخاذ قريب من الاستعمال، وأمَّا ما قصد كنزه .. فتجب زكاته؛ لما مر.
ولو انكسر الحلي المباح، فإن قصد إصلاحه وأمكن بنحو لحام، لا بصوغ .. لم تجب زكاته وإن لم يقصد إصلاحه إلا بعد حول أو أكثر؛ لبقاء صورته ولا أثر لتكسر لا يمنع الاستعمال.
فإن لم يقصد إصلاحه أو قصده، وأحوج كسره إلى صوغ جديد، ومضى عليه حول بعد علمه بكسره .. وجبت زكاته.
وينعقد حوله من انكساره، فإن لم يعلم بانكساره .. فلا زكاة مطلقاً.
ولو كان وزن المحرم مئتين وقيمته ثلاث مئة .. زكى المئتين؛ لأن صنعته محرمة تجب إزالتها، بخلاف المحرم لعارض كحلي لرجل، فالعبرة: بقيمته، فيخير المالك بين أن يخرج ربع عشرة مشاعاً، وبين أن يخرج مصوغاً كخاتم يساوي ربع عشر قيمته.
فإذا كان وزنه مئتين، وقيمته ثلاث مئة .. أخرج خاتماً وزنه خمسة، وقيمته سبعة ونصف، ولا يخرج سبعة ونصفاً؛ لأنه ربا.
وقياس قول ابن سريج: (أخذ القيمة للضرورة) أخذُ سبعة ونصف، كمن أتلف حلياً ذهباً ونقد البلد ذهب، فيجوز أخذ قيمته ذهباً وإن زادت على وزنه في الأصح.
فروع: يحل للمرأة أنواع الحلي من ذهب وفضة، ومنه النعل والتاج وتحلية ما فيه قرآن ولو لوحاً ولو للتبرك وعلاقته بذهب.
ويحل للرجل تحلية مصحف بفضة، لا ذهب -نعم؛ له كتابة القرآن بذهب- ولا كتابة كتاب علم بذهب أو فضة.
وجرى في "التحفة" على: حرمة التمويه في غير كتابة حروف القرآن مطلقاً.
ولو باعت مصحفها المحلى بذهب لرجل .. حرم عليه القراءة فيه إن حصل منه شيء بالعرض على النار، وإلا .. حل.
وحرم على رجل وأنثى أصبع من ذهب أو فصة، وعلى غير أنثى حلي الذهب مطلقاً إلا أنف وأنملة لمقطوعهما، ويحل خاتم فضة كما مر ولو لذكر وله، وكذا امرأة وخنثى

تعين عليهما الجهاد تحلية آلة حرب بلا سرف من فضة، كسيف ورمح وجنبية ومنطقة وأطراف السهام، ونحو الدرع والترس والخف وسكين الحرب لا المهنة؛ لأن فيه إرهاباً للكفار.
ولا يجوز بذهب؛ لزيادة الإسراف والخيلاء فيه، ولا تحلية ما لا يلبسه كسرج ولجام مطلقاً، والتحلية: جعل عين النقد في محال مفرقة مع الإحكام حتى يصير كالجزء منها، ولإمكان فصلها من غير نقص فارقت التمويه.
وقضية تعريفهم هذا للتحلية: أن ما يجعل على غمد نحو السيف ليس من التحلية؛ لعدم انطباق تعريفها عليه، وبه صرح المدابغي، والونائي، وقال: لأنه لم يقاتل بالغمد.
واستدلال الشافعية لجواز التحلية بأنه قد ثبت: أن قبيعة ونعل سيفة صلى لله عليه وسلم كانا من فضة يدل: على جواز تحلية الغمد.
قال في "المغني": والقبيعة: -بفتح القاف وكسر الباء الموحدة- هي التي تكون على رأس قائم السيف، ونعل السيف ما يكون في أسفل غمده.
فانظر إلى استدلالهم بقبيعة سيفه صلى الله عليه وسلم ونعله لصحة التحلية، تجده صريحاً في جواز تحلية الغمد، وفي عدم مطابقة تعريفهم التحلية لما استدلوا به من الحديث؛ لأن الفضة التي في أسفل غمد السيف ليست في محالَّ مفرقة، إلى آخر تعريفهم للتحلية.
والكلام حيث لا سرف كتعميم الغمد بالتحلية، وإلا .. حرم وفي غير الخارج عن حد نحو السيف.
أمَّا الخارج عنه كالحدوة .. فحرام جزماً لكن أجازه أبو حنيفة بشرط كون بعضه في حد نحو السيف، فليقلده من ابتلي بذلك.
تنبيه: محل حرمة الذهب: حيث لم يصدأ، بحيث لم يبن منه شيء، وإلا .. حل؛ لزوال الخيلاء حينئذٍ كما في "التحفة" و"النهاية"، (قالا: كما مر في أناء صدئ، أو غشي) اهـ وربما يفهم تعبيرهما بالتغشية أنه لو غطي بنحو طين أو خرقة .. أنه يحل، وعليه فهو كالحرير، ولكنهم لم يشيروا لذلك.

وكالذهب الفضة المحرمة كالحذوة إذا صدئت، فتحل ولو بما لا يحصل منه شيء بالعرض على النارعلى ما في الآنية عند (حج).
(ويشترط الحول في) وجوب زكاة (النقد)؛ لخبر أبي داوود: "ولا زكاة في مال حتى يحول عليه الحول" وكالماشية.
نعم؛ لو ملك نصاب نقد ستة أشهر، ثم أقرضه إنساناً .. لم ينقطع الحول كما مر، وكذا لو اشترى بعينه عرض تجارة .. فيبني على حوله فيهما.
ولا زكاة في سائر الجواهر كلؤلؤ وياقوت؛ لعدم وروده فيها، ولأنها معدّة لاستعمال مباح، فأشبهت الماشية العاملة.
(وفي الركاز) -أي: المركوز- أي: المدفون بالأرض (الخمس) إن إستخرجه أهل الزكاة؛ للخبر الصحيح فيه بذلك، وَلأنه لا مؤنة فيه، بخلاف المعدن.
والتفاوت بحسب المؤنة معهود في المعشرات، ويصرف كالمعدن مصرف الزكاة على المشهور؛ لأنه مستفاد من الأرض كالقوت، وقيل: لأهل الخمس.
(ولا) يشترط (حول فيه ولا في المعدن)؛ لأنه يشترط لتحصيل النماء فيه، وكلاهما نماء في نفسه.
(وشرط الركاز: أن يكون نقداً) ذهباً أو فضة ولو غير مضروبين.
وأن يكون (نصاباً) ولو بضمه لِمَا ملكه من جنسه أو عرض تجارة يقوم به.
أمَّا غير النقد، والنقد دون النصاب .. فلا شيء فيه؛ لأنه مال مستفاد من الأرض، فاختص فيما تجب فيه الزكاة نوعاً وقدراً.
(و) أن يكون (من دفين الجاهلية) وهم من قبل بعثته صلى الله عليه وسلم، ويكتفي بعلامة تدل عليه من ضرب أو غيره.
(و) أن يوجد (في موات) ولو بدار حرب، أو في خراب أو قلاع أو قبور جاهلية.
(أو) في (ملك أحياه) من الموات، أو أرض موقوفة عليه واليد له كما في "النهاية".

أمَّا ما وجده على الأرض .. فلقطة إن لم يعلم أنه أظهره نحو سيل، وإلا .. فركاز.
أو كان دفين من عاصر الإسلام، وبلغته الدعوة .. فهو فيء.
أو وجد بدارنا في طريق نافذ أو مسجد، أو دفنه مسلم، أو من له أمان بموات، أو كان إسلامياً، كأن كان عليه أو معه قرآن أو اسم ملك من ملوك الإسلام، أو شك في كونه إسلامياً .. فلقطة.
وأمَّا ما وجد في دار الحرب في ملك حربي .. فغنيمة ما لم يدخل بأمانهم، فيجب رده.
وأمَّا ما وجد بدارنا في ملك شخص .. فله، فيحفظ له، فلمن أيس منه فهو لبيت المال كغيره من الأموال الضائعة، فإن نفاه ذلك الشخص .. فلمن ملك منه، ثم لمن قبله، وهكذا حتى ينتهي إلى المحيي، فهو له وإن نفاه عند (حج).
وحيث حكم به للمحيي، فعليه خمسه حالاً زكاة الركاز، وزكاة السنين الماضية للباقي كضال وجده.
تنبيه: يمنع ذمي من أخذ معدن وركاز بدارنا؛ لأنه دخيل فيها.
نعم؛ ما أخذه قبل الإزعاج يملكه كحطبها.


(فصل) في زكاة التجارة.

ذكرها بعد النقدين؛ لأنها تقوم بهما، وهي من أفضل المكاسب.
وأفضلها: السهم من الغنيمة، فالزراعة، فالصناعة، فالتجارة.
وصح خبر: "وفي البز صدقته"، وهو الثياب المعدة للبيع والسلاحُ، وزكاة العين لا تجب في هذين، فتعين حمله على زكاة التجارة.
وروى أبو داوود: الأمر بإخراج الصدقة مما يعد للبيع.
(و) الواجب (في) مال (التجارة) الذي لا زكاة في عينه لولا التجارة، كخيل ورقيق وثياب وغيرها من سائر العروض، وما يتولد منها من نتاج وثمرة وغيرهما (ربع العشر) اتفاقاً في ربع العشر كالنقد؛ لأن عروضها تقوم به.

أمَّا ما في عينه زكاة .. فلا زكاة للتجارة فيه، فإن نقص نصاب العين، كتسعة وثلاثين من الغنم قيمتها: مئتا درهم .. وجبت زكاة التجارة.
ومحل ذلك: ما لم يَسبق حولُ التجارة، وإلا كأن اشترى بمال التجارة بعد ستة أشهر من حولها مثلاً نصاب سائمة أو معلوفة للتجارة، فأسامها بعد ستة أشهر .. فتجب زكاة التجارة لانقضاء حولها، ثم يفتتح حولاً لزكاة العين أبداً.
ولا يتصور سبق حول العين في السائمة؛ لأنه ينقطع بالمبادلة، بل في نحو الثمر بأن يبدو صلاحه قبل تمام حول التجارة، فيخرج زكاة العين، ثم يفتتح لزكاة التجارة حولها من أداء زكاة العين أبداً، ولو نقصت قيمة النخل مثلاً عن نصاب التجارة .. لا يكمل بقيمة الثمر؛ لأنه أدى زكاة عينه، وما في عينه زكاة لا زكاة للتجارة فيه.
ولو زرع للقنية في أرض التجارة .. وجبت زكاة العين في الزرع، وزكاة التجارة في الأرض.
(وشروطها) أي: التجارة التي تجب الزكاة في مالها (ستة: الأول: العروض) التي لا تجب الزكاة في عينها لولا التجارة (دون النقد)؛ لوجوبها في عينه، فلا تجب فيه وإن بادل بجنسه؛ لأن التجارة فيه ضعيفة نادرة بالنسبة لغيره، ومرَّ قول ابن سريج: (بشروا الصيارفة أن لا زكاة عليهم).
(الثاني: نية التجارة.
الثالث: اقتران النية) المذكورة (بالتملك) وكذا في مجلس العقد كما استقر به في "الإمداد".
ولا بد من اقترانها بكل ما يملك إلى أن يفرغ رأس مال التجارة، ثُم لا يحتاج إلى تجديد نية بعد ذلك؛ لانسحاب حكم التجارة عليه.
(الرابع: أن يكون التملك بمعاوضة) محضة، وهي ما يفسد بفساد العوض، كبيع وإجارة.
ومنه: أن يستأجر المنافع كسفينة وبيت ليؤجرها بقصد الربح، وكشراء نحو صبغ أو دباغ ليعمل به للناس بالعوض وإن لم يمكث عنده حولاً، لا لأمتعة نفسه، ولا صابون ليغسل به، ونحوه مما يستهلك؛ إذ لا يقع مسلماً لهم، أي: شأنه ذلك.

أو غير محضة، وهي التي لا تفسد بفساد العوض، كعوض دم ومهر، وعوض خلع نوى به التجارة، فيصير مال تجارة.
بخلاف ما ملك بغير معاوضة، كإرث وهبة بلا ثواب وإقالة، ورد بعيب لغرض قنية قصد به التجارة، واقتراض واحتطاب، فلا يصير ذلك عرض تجارة وإن نواها مع تملكه؛ لعدم المعاوضة.
والإقالة والرد: فسخ للمعاوضة، لا معاوضة.
بخلاف ما لو اشترى بعرضِ تجارةٍ عرضاً آخر للتجارة، فرد عليه عرضه .. فلا تنقطع التجارة فيه.
(الخامس: أن لا ينض) مال التجارة (ناقصاً) عن النصاب، (بنقده) الذي يقوم به (في أثناء الحول) فإن نض في أثنائه ناقصاً عن النصاب، كأن اشترى عرضاً بذهب، ثم باعه أثناء الحول بسبعة عشر مثقالاً .. انقطع حول التجارة؛ لتحقق نقص النصاب حساً بالتنضيض، فإذا اشترى بها عرضاً آخر بنية التجارة .. انعقد حولها من شرائها، وهذا إن لم يكن بملكه حال بيعة نقد من جنسه يكمله نصاباً، وإلا .. بقي حولها الأوَّل.
ولو اشترى عرض تجارة بعين عشرين ديناراً مثلاً، أو بعين عشرة دنانير، وفي ملكه عشرة أخرى .. فيبني حولها على حول النقد؛ لاشتراكهما في قدر الواجب وجنسه، كما يُبنى حولُ الدين على حول العين من النقد وعكسه، بخلاف ما لو اشتراه بنقد في الذمة، ثم نقد ما عنده فيه .. فينقطع حول النقد.
ويبدئ حول التجارة من شرائه؛ لأن صرفه إلى هذه الجهة لم يتعين، بخلافه فيما لو اشتراه بعينه .. فيتعين.
نعم؛ لو اشترى عرضاً بنصاب نقدٍَ في ذمته ونقدَ ما عنده في مجلس العقد .. كان كما لو اشترى بعينه، بخلاف ما لو أقبض عن الفضة ذهباً أو عكسه .. فينقطع الحول وإن أقبضه في المجلس.
ويبتدئ حوله من شرائه، كما لو اشتراه بعين نقد دون نصاب، وليس في ملكه ما يكمله، أو بعرض قنية؛ لأن ما ملكه به لا حول له حتى يبني عليه.
أمَّا لو نض بنقد لا يقوم به، أو يقوم به وهو نصاب .. فلا ينقطع، كما لو باعه بعرض؛ إذ المبادلة لا تقطع حول التجارة.

(السادس: أن لا يقصد القنية) بمال التجارة (في أثناء الحول)، فإن قصدها -ولو محرمة في مالها كله أو بعضه ولو مبهماً عند (م ر)، ويرجع في تعينه إليه- انقطع حول ما نواها فيه بمجرد نيتها، بخلاف مجرد الاستعمال.
وإنما أثَّر مجرد نية القنية دون نية التجارة؛ لأن الحبس للانتفاع، والنية محصلة له، والتجارة: التقليب بقصد الربح، والنية لا تحصله، على أن القنية هي الأصل، فيكفي فيها أدنى صارف.
(وواجبها: ربع عشر القيمة)؛ لأنها متعلَّق هذه الزكاة، فلا يجزئ إخراجها من عين العرض، كما دل عليه قول عمر رضي الله عنه لمن يبيع الأُدْم: (قومه وأدّ زكاته)، أي: أدّ ربع عشر القيمة آخر الحول.
فإن أخر الإخراج بعد التمكن ونقصت القيمة .. ضمن ما نقص؛ لتقصيره، بخلافه قبله.
وإن زادت ولو قبل التمكن أو بعد الإتلاف .. فلا يعتبر، ويكتفي بتقويم المالك الثقة.
(ويقوم) عرض التجارة ليؤخذ ربع عشر قيمته (بجنس رأس المال) الذي اشترى العرض به وإن لم يكن نصاباً ولا نقد البلد وإن أبطله السلطان، وإن كان غير مضروب .. قوم بالمضروب من جنسه، فإن بلغ به نصاباً .. زكاه، وإلا .. فلا وإن بلغ نصاباً بجنس آخر.
ويبتدأ لها حول من آخر الحول الأول، وهكذا وإن مضى سنون، وإدا بلغ نصاباً بما يقوم به .. زكاه منه، لا بد من العين وإن كانت نقد البلد وبلغت نصاباً باعتبارها.
(أو بنقد البلد) الغالب (إن ملكه) بنقد، وجهل أو نسي، أو (بعرض) قنية أو نحو نكاح، فإن حال عليه الحول بمحل لا نقد فيه .. اعتبر غالب نقد أقرب البلاد إليه، فإن ساوى نصاباً به .. زكاه، وإلا .. فلا زكاة.
فإن غلب نقدان، وتم بأحدهما نصابا .. قوم به، أو بكل منهما .. تخير، ولو ملكه بنقد وعرض؛ كمئتي درهم وعرض .. قوم ما قابل النقد به، والباقي بغالب نقد البلد

وإن كان دون نصاب، أو من أحد الغالبين إذا بلغه به فقط.
ويجري ذلك في اختلاف الصفة، كأن اشترى بدنانير صحاح ومكسرة، وتفاوتا قيمة، فيقوم ما يخص كلاً به إن بلغ مجموعهما نصاباً؛ لاتحاد الجنس.
(ولا يشترط كونه) أي: مال التجارة (نصاباً إلا في حول آخر الحول) فمتى بلغه آخره .. وجبت زكاته، وإلا .. فلا، سواء اشتراه بنصاب أو دونه، وسواء أباعه بعد التقويم بنصاب أو دونه؛ لأن آخر الحول وقت الوجوب، فقطع النظر عما سواه؛ لاضطراب القيم.
ولو قوم آخر الحول بمئتين، وباعه بثلاث مئة؛ لرغبة أو غبن .. ضمت الزيادة إلى الأصل في الحول الثاني، لا الأوّل، وإن قوم بثلاث مئة وباعه بمئتين .. زكى ثلاث مئة.
ويضم ربح حاصل في أثناء الحول للأصل في الحول إن لم ينض بما قوم به، وإلا .. فلا ضم، بل يزكى الربح؛ لحوله والأصل لحوله، فلو اشترى في المحرم عرضاً بعشرين ديناراً، وباعه في أوّل رجب بأربعين، واشترى بها فيه عرضاَ آخر، وباعه لتمام الحول بمئة دينار هي قيمته آخر الحول .. زكى خمسين آخر الحول؛ لأن رأس المال عشرون، ونصيبها من الربح ثلاثون، فتزكى مع العشرين؛ لحصوله آخر الحول، ولو ينض قبله؛ وزكى لحول الربح الأول -وهو أوّل رجب- عشرين، ولايزكي معها حصتها من الربح؛ لأنها قد نضت قبل حول أصلها، بل تفرد بحولها، فتزكى لحول الربح الثاني -وهو بعد ستة أشهر أخرى- ثلاثين، وهي نصف الربح الثاني؛ لأن ابتداءه من حين ملكه؛ لتميزه عن الربح الأول بالنضوض قبل حوله.
وزكاة مال القراض على مالكه وإن ظهر ربح فيه؛ لأنه ملكه، إذ العامل لا يملك حصته منه إلا بالقسمة، لا بالظهور، فإن أخرجها المالك من غيره .. فذاك، أو منه .. حسبت من الربح، كالمؤن التي تلزم المال، كأجرة كيل ودلال وفطرة عبيدِ تجارةٍ وجناياتهم.


(فصل) في زكاة الفطر.

أضيفت لأحد سببيها، وهو أول جزء من شوّال؛ لتحقق الوجوب به وإن كان لا بد فيه من رمضان أيضاً، ولذا تصح إضافتها له، فيقال: زكاة الصوم، وزكاة رمضان.
ويقال أيضاً: صدقة البدن، وزكاة الأبدان.
وزكاة الفطرة، بمعنى القدر المخرج، فبالإضافة بيانية، أي: زكاة الفطرة، أو بمعنى الخلقة، فهي على معنى اللام، أي: أنها تزكية للنفس أو تنمية لعملها.
وهي مجمع عليها على ما قيل، وفي الخبر الصحيح: "إنها طهرة للصائم من اللغو والرفث".
وورود: "أنّ صوم رمضان معلق بين السماء والأرض، لا يرفع إلا بزكاة الفطر" كناية عن توقف تمام ثوابه إلا بها، فلا ينافي حصول الثواب.
ووجوبها على الصغير إنما هو بطريق التبع على أنه يمكن أن فيها تطهيراً وتنمية له، لكن لا يعلق صومه كغيره ممن لم يخاطب بها؛ إذ لا تقصير منهم.
(وتجب زكاة الفطر بشروط:) منها: (إدراك غروب الشمس ليلة العيد) بأن يدرك حياً حياة مستقرة لذلك، ولآخر جزء من رمضان؛ لإضافتها إلى الفطر في خبر: "فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم زكاة الفطر من رمضان على الناس صاعاً من تمر، أو صاعاً من شعير على كل حر، أو عبد ذكر أو أنثى من المسلمين" رواه الشيخان.
فالوجوب نشأ من الصوم، والفطر منه، فكان لكل منهما دخل فيه فأسند إليهما، لا لأحدهما؛ لئلا يلزم التحكم، فلا تجب بما يحدث بعد الغروب من نكاح وإسلام وولد وغنى.
ولو شك في الحدوث قبل الغروب أو بعده .. فلا وجوب.
ولا تسقط بما يحدث بعده من نحو موت وطلاق ولو بائناً، ولو قبل التمكن من الأداء.
ولو أخرج زكاة عبده قبل الغروب، ثم مات أو باع العبد قبله .. وجب الإخراج على الوارث أو المشتري.

(و) منها (أن يكون) المخرج عنه (مسلماً) فلا تجب على كافر بالمعنى السابق في الصلاة؛ لأنها طهرة، وليس هو من أهلها.
أمّا المخرج .. فقد يكون كافراً؛ لأنه يلزمه فطرة نحو قريبه وعبده المسلمين، لأنها تجب أولاً على المؤدى عنه، ثم يتحملها المؤدّي.
وعلى التحمل فهو كالحوالة.
فلو أعسر زوج الحرة الموسرة .. لم يلزمها الإخراج، وإنما جاز إخراج المتحمل عنه بغير إذن المتحمل؛ نظراً لكونها طهرة له، فلا تأييد فيه للقول بأنه تحمل ضمان.
والكافر المتحمل لها عن المسلم يصح إخراجه لها بلا نية كما في "الروضة" عن الإمام.
لكن في "المجموع": أنه ينوي؛ لأن المغلب فيها المالية، لا العبادة.
والمرتد إن عاد إلى الإسلام .. أخرجها عن نفسه وعن ممونه، وإلا .. فلا وجوب؛ لأن ماله فيء.
ولا فطرة على صغار الأرقاء إلا إن علم إسلام سابيهم.
ومنها: أن يكون حراً، أو مبعضا، فلا فطرة على كامل رق، لا عن نفسه ولا عن غيره؛ إذ غير المكاتب لا يملك، وهو ملكه ضعيف لا يحتمل المواساة، وهذا في الكتابة الصحيحة.
أمَّا الفاسدة .. فتلزم سيده وإن لم تلزمه نفقته.
فعلم أن الرقيق لا تلزمه فطرة زوجته، بل إن كانت أمة .. فعلى سيدها، أو حرة .. فعليها.
أمَّا المبعض .. فيلزمه بقسط ما فيه من الحرية، والباقي على مالك باقيه؛ إذ هي تابعة للنفقة، وهي مشتركة كذلك، هذا إن لم تكن مهايأة، أو كانت ووقع جزء من رمضان في نوبة أحدهما، وجزء من شوال في نوبة الآخر، وإلا .. لزمت من وقع زمن الوجوب في نوبته.
وكذا شريكان في قن، وولدان في والدٍ تهايأا فيه، والكلام في نفس المبعض.
أمَّا مملوكه وقريبه .. فيلزمه جميع فطرته مطلقاً وإن قال الخطيب بالقسط في ممونه أيضاً.

(و) منها (أن يكون) المخرج عن نفسه أو ممونه موسراً، بأن يكون (ما يخرجه فاضلاً عن مؤنته ومؤنة من عليه مؤنته ليلة العيد ويومه)؛ لأن مؤنته ومؤنة ممونه ضرورية، فاعتبر الفضل عنها.
والمراد بليلة العيد: المتأخرة عن يومه، كما في النفقات.
وإنما لم تعتبر زيادة على يوم وليلة؛ لعدم ضبط ما وراءهما.
ويسن لمن طرأ يساره أثناء ليلة العيد أو يومه إخراجها.
وأفهم المتن: أنه لا يجب الكسب لها، ومحله إن لم تصر ديناً عليه، وإلا .. وجبت؛ لتعديه.
وإنما أوجبوه لنفقة القريب؛ لأن الاضطرار فيها أشد، ولأنه لما وجب لنفسه .. وجب لبعضه أيضاً، وفاضلاً أيضاً عن دينه، ولو مؤجلاً عند (حج)، وإنما لم يمنعها في زكاة المال؛ لتعلقها بعينة فيه.
(و) فاضلاً (عن دست ثوب) له أو لممونه (يليق به) أي: بكل منهما، منصباً ومروءة وضعفاً، قدراً ونوعاً، زماناً ومكاناً، حتى ما جرت به عادة أمثاله مما يتجمل به يوم العيد ونحوه، وما يحتاج إليه من الزيادة للبرد .. فيترك له ولو في الصيف؛ لأنه بصدد الاحتياج إليه، ولأنه يبقى للمفلس، والفطرة ليست بأشد من الدين.
وكذا لابد من كونه فاضلاً عما اعتيد للعيد من كعك ونحوه.
قال الشرقاوي: (ولا يتقيد ذلك بيوم العيد) (و) عن (مسكن وخادم يحتاج إليه).
أي: إلى كل منهما له أو لممونه -لأنهما من أموره المهمة، وكالكفارة- إن لاقا به ولم يجد موقوفاً عليه لائقاً به وإن اعتاد السكنى بالأجرة.
نعم؛ ثمنهما يمنع فقره ما دام معه، فلو كانا نفيسين يمكن إبدالهما بلائقين به، ويخرج التفاوت .. لزمه ذلك وإن كانا مألوفين.
وكالقن أمة احتاجها لنحو تسرًّ له، أمَّا لو احتاج إلى الخادم؛ لخدمة أرضه مثلاً، وللمسكن لإيواء نحو دواب أو ثمرة .. فيباعان في الفطرة، ومثلهما الثوب.
ويترك أيضاً للفقيه كتبه، وللجندي سلاحه، وللمرأة حليها، فتمنع الحاجة إلى ذلك -بتفصيله الآتي في قسم الصدقات- وجوبها لم تصر ديناً عليه.

(و) كما تجب عليه الفطرة عن نفسه (تجب) عليه أيضاً (عمن في نفقته) وقت غروب الشمس ليلة عيد الفطر (من المسلمين من زوجة) عليه نفقتها ولو رجعية، أو حاملاً ولو بائناً ولو أمة؛ لوجوب نفقتها، والفطرة تابعة لها، بخلاف بائن غير حامل.
وأمَّا خادم زوجته التي يُخدم مثلها عادة .. فإن أخدمها أمته أو أمتها أو أجنبية، ولم يكن لها شيء معين من نفقة أو كسوة أو أجرة ولو بإجارة فاسدة .. لزمته فطرتها، وإن عين لها شيء .. فلا فطرة لها عليه، وبمثله يقال في خادمه.
أمَّا من لا يلزمه نفقتها لنحو نشوز أو غيبة أو حبس بدين، أو لعدم تمكين؛ بنحو صغر .. فلا يلزم الزوج فطرتها، ولا فطرة خادمها، ولا نفقتهما، بخلاف نحو مريضة ومن حيل بينه وبينها لعذرها.
ولا فطرة عليه لزوجة أبيه وإن لزمه نفقتها؛ لتوقف إعفافه على النفقة دون الفطرة.
ولو أعسر الزوج بأن لم يملك شيئاً، أو كان قناً .. لم يلزم زوجته الحرة فطرتها وإن كانت غنية، لكن يسن لها إخراجها؛ خروجاً من الخلاف.
وإنما لزمت سيد أمة مزوجة بمعسر؛ لكمال تسليم الحرة دون الأمة؛ إذ للسيد استخدامها والسفر بها.
ولو كان الزوج حنفياً .. لم تجب عليه ولا عليها؛ عملاً بعقيدتهما.
وفي عكس ذلك يتوجه الطلب عليه وعليها؛ عملاً بعقيدتهما، فأي واحد أخرج عنها من غالب قوت البلد كفى، وسقط الطلب عن الآخر.
فإن أخرج الحنفي القيمة، أو من غير غالب قوت البلد على مذهبه .. لم يسقط عن الآخر الطلب.
وكذا الواجب عند الحنفي أربعة أرطال فقط، فإذا أخرجها .. لزم الآخر كمال الخمسة والثلث.
وممن تجب نفقته دون فطرته: عبد بيت المال والمسجد وموقوف ولو على معين ومَن على مياسير المسلمين نفقته.
وممن فطرته على واحد، ونفقته على الآخر قن شرط عمله مع عامل القراض أو المساقاة، ومن أجَّره سيده وشرط نفقته على المستأجر، ومن حج بالنفقة، ففطرة الأولين على السيد، والثالث على نفسه.

(و) من (ولد) وإن سفل (ووالد) وإن علا؛ لعجزهما، بخلاف الوالد الغني بمال، والولد الغني بمال أو كسب لائق به، فلا يجب عليه فطرتهما كنفقتهما.
فلو قدر أحدهما على قوت يوم العيد فقط .. لم تجب على أصله ولا فرعه، بل ولا يصح إخراجها عنه إلا بإذنه، وهذا كثير الوقوع، فليتنبه له.
(و) من (مملوك) ومنه مكاتب كتابة فاسدة والمدبر والمعلق عتقه بصفة وأم الولد والمرهون والمؤجر والموصى بمنفعته والآبق وإن انقطع خبره، وحينئذٍ يتعذر إخراجها عنه إلا على القول بجواز النقل، كما هو الواقع في زماننا، فتأمله.
(والواجب) عن كل رأس (صاع) نبوي.
وحكمته: أن الفقير لا يجد من يستعمله يوم العيد، وثلاثة أيام بعده غالباً، وهو يحمل نحو ثلاثة أرطال ماء، فيجيء منه ثمانية أرطال، كل يوم رطلان، كذا في "التحفة".
لكنه لا يتأتى في نحو الأقط، والصاع لا يصرف لواحد، بل للأصناف الثمانية، أو من وجد منهم، وهو بالدوعني: ميرزه إلا ثلثا من الحب الخالص، فليزد على ذلك بقدر ما فيه من نحو الطين، وبالوزن خمسة أرطال وثلث تقريباً، وإلا .. فالمدار إنما هو على الكيل.
بل الأكثر: أن الخمسة الأرطال والثلث لا يجيء منها صاع حب ولا تمر كما جربناه مراراً، وهو برطال دوعن: سبعة أرطال، أو سبعة ونصف على جودة الحب والتمر، وعدمها.
فمن أخرج من التمر المرزوم .. فلينتبه، فإنهم يقولون: إنه ستة أرطال، وهو لا يجيء منها صاع، وهذا فيما شأنه أن يكال.
أمَّا ما لا يكال كالجبن .. فمعياره الوزن، كما في الربا.
وإنما يجزئ صاع (سليم من العيب) المنافي صلاحية الادخار والاقتيات، فلا تجزئ القيمة والمعيب.
ومنه: مسوس ومبلول إلا إن جف وعاد؛ لصلاحية الادخار والاقتيات .. فلا تجزئ القيمة والمعيب، ولا قديم تغير بنحو طعم.

قال في "التحفة": (وإن كان قوت البلد، لكن قال القاضي: يجوز حينئذٍ، وقيده ابن الرفعة بما إذا كان المخرج يأتي منه صاع، وفيهما نظر؛ لأنه مع ذلك يسمى معيباً، بل يخرج سليم من غالب قوت أقرب محل إليه) اهـ ولا جبن فيه ملح يعيبه.
ويجب كونه (من غالب قوت البلد) أي: محل المؤدّى عنه في غالب السنة؛ لأن نفوس المستحقين إنما تتشوف لذلك، ولا نظر لوقت الوجوب.
ومن لا قوت لهم يخرجون من قوت أقرب محل إليهم، فإن استوى محلان، واختلفا واجباً .. خُيِّر.
ولو كان الغالب مختلطاً كبر بشعير .. اعتبر أكثرهما، وإلا .. تخير.
ولا يخرج من المختلط إلا إن كان فيه قدر صاع من الواجب، وجنسه القوت المعشر السليم، وكذا أقط وجبن ولبن إذا لم ينزع زبد كل منهما، ولم يُفسد جوهر الأولين الملحُ؛ لثبوت بعض المعشر، والأقط في الأخبار، وقيس بهما الباقي.
ولا لحم ومخيض وسمن وغيرها مما ليس معشراً، ولا لبناً أو أقطاً أو جبناً وإن كان قوت البلد؛ لانتفاء الاقتيات بها عادة.
ويجزئ الأعلى عن الأدنى الذي هو غالب قوت البلد.
وفارق عدم إجزاء الذهب عن الفضة: بتعلق الزكاة، ثم بالعين، فتعينت المواساة منها.
والفطرة طهرة للبدن، فنظر لما به قوامه وغذاؤه، والأقوات متساوية في هذا الغرض، وتعيين بعضها إنما هو رفق، فإذا عدل إلى الأعلى .. كان أولى في غرض هذه الزكاة.
ويؤخذ منه: أن المستحق لو أبى الأعلى وطلب الواجب .. أجيب المالك، وفيه نظر، بل يجاب المستحق.
كما لو أبى الدائن غير جنس دينه ولو أعلى وإن أمكن الفرق، قاله في "التحفة".
ولا يجزئ الأدنى عن الأعلى الذي هو غالب قوت محله، وفي المساوي خلاف الصحيح: إجزاؤه.
لكن في "شرحي الإرشاد": أنه لا يجزئ الجنس المساوي، وأن غلبة النوع كغلبة

الجنس، والاعتبار بكونه أعلى بزيادة نفع الاقتيات.
وقد رمز بعضهم لما تجب فيه زكاة الفطر مرتباً الأعلى، فالأعلى، بقوله [من البسيط]: (بـ) ـالله (سـ) ـل (شـ) ـيخ (ذ) ي (ر) مز (حـ) ـكي (مـ) ـثلاً (عـ) ـن (فـ) ـور (تـ) ـرك (ز) كاة (ا) لفطر (لـ) ـو (جـ) ـهلا حروف أولها جاءت مُرَتّبة ... أسماء قوت زكاة الفطر ولو عقلا أي: فأعلاها بر، فسلت، فشعير، فذرة والدخن نوع منها على ما مر، فأرز، فحمص، فماش، فعدس، فول، فتمر، فزبيب، فأقط، فلبن، فجبن.
وهذا هو المعتمد وإن قدم بعض المتأخر في "التحفة"، وما نصوا على أنه خير لا يختلف باختلاف البلدان.
ولا يجزئ منزوع النوى، بخلاف الكبيس بنواه فيخرج منه ما يأتي صاعاً قبل كبسه يقيناً.
وعليه: فليس هو كما لا يكال كالجبن، حتى يكون معياره الوزن.
قال (سم): (قضية كون الدخن من الذرة: أنها لا تتقدم عليه، كما لا يتقدم بعض أنواع البر مثلاً على بعض.
نعم؛ إن ثبت أنها أنفع منه في الاقتيات .. فينبغي تقديمها، والقياس .. التزامه في أنواع نحو البر إذا تفاوتت في الاقتيات، لكن قضية إطلاقهم يخالفه) اهـ وبقي من المعشرات أجناس لم يذكروا رتبها، كالطهف والدقسة، قال أبو رجاء: وهي الكنب عندنا، والظاهر أنها بعد الذرة.
ولا يبعض صاع عن واحد من جنسين وإن كان أحدهما أعلى من الواجب، وإن تعدد المؤدي كشريكين في قن وإن اختلف واجب فطرة أنفسهما؛ لأن العبرة بالمؤدى عنه.
كما لا يجوز في الكفارة المخيرة أن يكسو خمسة ويطعم خمسة.
أمَّا من نوعي جنس .. فيجوز كما في "التحفة"، وغيرها.
وهو يؤيد: ما مر أن أنواع الجنس يقوم بعضها مقام بعض وإن غلب بعضها، أو كان أنفع، وله أن يخرج عن نفسه من جنس يجزئ في الفطرة، وعن ممونة أعلى منه، وعكسه، كما له أن يخرج عن جبران شاتين، وعن جبران آخر عشرين درهماً.

والأصل: أن يخرج من ماله زكاة موليه الغني، ويرجع عليه إن نوى الرجوع.
أمَّا الوصي والقيم .. فلا يجوز لهما ذلك إلا بإذن قاض، كأصل لا ولاية له، كأن كان ولده رشيداً، فإن لم يوجد قاض .. أخرجا عنه من مالهما، ورجعا إن نويا الرجوع عليه.
وإنما جاز أداء الدين بغير إذن المدين؛ لأنه لا يتوقف على نية بخلاف الزكاة.
(وإن قدر على بعضه) أي: الصاع (فقط .. أخرجه) أي: البعض وجوباً؛ إذ الميسور لا يسقط بالمعسور، ومحافظة على الوجوب ما أمكن.
وعند الضيق يجب أن يقدم نفسه ثم زوجته فخادمها فولده الصغير فأباه وإن علا ولو من قِبَل أم فأمه، وقدم الأب هنا على الأم؛ لأن الفطرة للشرف، وهو أشرف، وقدمت في النفقة؛ لأنها للحاجة، والأم أحوج.
(ويجوز) لغير ولي (إخراجها) أي: الفطرة (في رمضان) ولو أول ليلة منه؛ لأنها تجب بسببين: رمضان، والفطر منه، فجاز تقديمها كزكاة المال على أحدهما -والتقديم بيومين جائز اتفاقاً، فالحق به الباقي- لا عليهما، وسيأتي شرط إجزاء المعجل، وأن تركه أفضل؛ خروجاً من خلاف مالك وإن كان إخراجها في رمضان أعظم نفعاً.
أمّا الولي .. فيجوز له تعجيلها من ماله عن موليه لا من مال موليه.
(ويسن) إخراج الفطرة نهاراً في يوم العيد و (قبل صلاة العيد) المفعوله له في وقت الفضيلة أولى؛ للأمر به قبل الخروج إليها في الصحيحين.
فإن أخرت عنه .. سن المبادرة بأدائها أول النهار؛ توسعة على المستحقين، بل يكره تأخيرها عن صلاة العيد.
نعم؛ تأخيرها لنحو قريب وجار، كزكاة المال أفضل ما لم يؤخرها عن يوم العيد، ولو تعارض الإخراج وصلاة العيد جماعة .. قدم الجماعة ما لم تشتد حاجة المستحقين.
وألحق الخوارزمي ليلته بيومه، ووجه بأن الفقراء يهيئونها لغدهم، فلا يتأخر أكلهم عن غيرهم.
(ويحرم تأخيرها عن يومه) أي: العيد بلا عذر؛ لأن القصد إغناؤهم فيه؛ لأنه يوم سرور.

فعلم أن لها خمسة أوقات: وقت جواز في رمضان، ووجوب بغروب شمس آخر يوم من رمضان، وفضيلة قبل صلاة العيد، وكراهة وهو تأخيرها عنها إلا لنحو قريب، وحرمة وهو تأخيرها عن يوم العيد لغير عذر، والعذر كغيبة ماله دون مرحلتين، ولا يلزمه الاقتراض.
فإن غاب لمرحلتين فأكثر .. لم تجب عليه؛ لأنه حينئذٍ في حكم الفقير.


(فصل) في النية في الزكاة وتعجيلها.

(وتجب النية) بالقلب، وتسن باللسان (فينوي) المزكي (هذه زكاة مالي) ولو بدون الفرض؛ لأنها لا تكون إلا فرضاً كرمضان.
والأفضل: نية الفرضية معها (ونحو ذلك) كهذا صدقة مالي، أو صدقة المال المفروضة أو الواجبة، بخلاف صدقة مالي؛ لأنها قد تكون نافلة، وبخلاف فرض مالي؛ لأنه قد يكون غير زكاة، ككفارة.
ولا يجب تعيين المال المخرج عنه الزكاة في النية، فلو كان عنده خمس من الإبل، وأربعون شاة، فأخرج شاة أنثى ناوياً بها الزكاة ولم يعين .. أجزأه وإن ردد فقال: عن الإبل أو الغنم.
فلو تلف أحدهما .. جعلها عن الباقي، ولو عين .. لم تقع عن غيره.
فإن قال: عن كذا إلا إن كان تالفاً .. فعن غيره، فبان تالفاً .. وقع عن غيره، فإن تعدد الغير .. جعله عما شاء منه.
ويأتي ذلك في مئتي درهم حاضرة، ومئتين غائبة عن المجلس أو عن البلد، وجوزنا النقل.
ومن شك في زكاة في ذمته، فأخرج عنها إن كانت، وإلا .. فمعجلة عن زكاة تجارته مثلاً .. أجزأه عما في ذمته إن لم يبن الحال، واغتفر تردده في النية؛ للضرورة.

ولو أخرج أكثر مما عليه بنية الفرض والنفل بلا تعيين .. لم يجزئه، أو بنية الفرض فقط .. صح، ووقع الزائد تطوعاً.
ولو شك في نية الزكاة بعد دفعها .. لم يضر عند (ح ف)، فارقاً بينها وبين الصلاة بأن الصلاة عبادة بدنية وهذه مالية.
وللولي أن يفوضها للسفيه، بل قال (سم): تكفي نيته وإن لم يفوضها الولي إليه، كما وافق عليه (م ر).
وتكفي النية عند عزل المال عن الزكاة وبعده، وعند دفعها للإمام أو الوكيل.
والأفضل: أن ينويا عند تفريقها أيضاً، بل تجب إن دفعها الوكيل من ماله بإذن المالك.
وله أن يوكل فيها أهلاً لها لا صبي مميز وقن.
ولو أفرز قدرها بنيتها .. لم يتعين إلا بقبض المستحق لها بإذن المالك عند (حج).
قال: (وإنما تعينت المعينة للأضحية؛ إذ لا حق للفقراء ثَمَّ في غيرها، وهنا حق المستحقين شائع في المال؛ لأنهم شركاء بقدرها، فلم ينقطع حقهم إلا بقبض معتبر.
وبه يرد جزم بعضهم: أنه لو أفرز قدرها بنيتها .. كفى أخذ المستحقين لها من غير أن يدفع إليهم المالك.
ومما يرده قولهم: لو قال لآخر: اقبض ديني من فلان، وهو لك زكاة .. لم يكف حتى ينوي هو بعد قبضه، ثم يأذن له في أخذها.
ويوجه بأن للمالك بعد النية، والعزل: أن يعطي ويحرم من يشاء) اهـ وخالفه (م ر)، فقال: (ولو نوى الزكاة مع الإفراز، فأخذها صبي أو كافر ودفعها لمستحقها، أو أخذها المستحق، ثم علم المالك .. أجزأه) اهـ ويؤخذ منه أنه لو أعطاه زكاة ليعطيه لزيد، فأعطاها لمستحق آخر .. أجزأته.
لكن اعترضه الرشيدي بقوله: (انظر هذا مع ما مر له أنه لا بد من تعيين المدفوع إليه لهما، أي: الصبي والكافر) اهـ ولو قال: تصدق بهذا، ثم قبل تفرقته نوى به الزكاة .. أجزأ عنها.

وأفتى بعضهم: بأن التوكيل المطلق في إخراجها يستلزم التوكيل في نيتها.
واستوجه في "التحفة": أنه لا بد معه من نية المالك، أو تفويضها للوكيل.
ولو دفعها للإمام أو الوكيل بلا نية .. لم تجزه وإن نوى الإمام أو الوكيل.
ولو امتنع من أدائها .. أخذها الإمام منه قهراً، فإن نوى بها الزكاة .. أجزأه، وإلا .. وجبت النية على الإمام، فإن نوى، وإلا .. ضمن.
واعلم: أن للزكاة وقت وجوب، ووقت جواز، فإذا حال الحول على المال الزكوي .. وجبت الزكاة وإن لم يتمكن المالك من أدائها؛ إذ التمكن شرط للضمان، لا للوجوب.
فإذا تمكن .. وجب أداؤها فوراً، بأن حضر المال، أو قدر عليه، وحضر المستحق، وخلا المالك من مهم ديني ودنيوي، وزال حجر فلس، وجفف ثمر ونقي حب ومعدن.
فإن أخر الأداء بعد التمكن .. أثم، وضمن إن تلف المال قدر الزكاة.
نعم؛ إن لم يشترط ضرر المستحقين الحاضرين .. ندب التأخير؛ لانتظار نحو قريب أو جار أو أفضل.
فإن اشتد ضررهم .. حرم، ويضمن بالتأخير مطلقاً.
والأظهر: أن صرفها للإمام أفضل؛ لأنه أعرف بالمستحقين، وأقدر على التفرقة والاستيعاب، وقبضه مبرئ يقيناً إلا إن كان جائراً في الزكاة، فالأفضل أن يفرقها المالك أو وكيله مطلقاً.
لكن في "المجموع": أن دفع زكاة المال الظاهر إليه ولو جائزاً أفضل.
ولو طلبها عن مال ظاهر .. وجب دفعها إليه اتفاقاً.
(ويجوز) لمالك لا ولي؛ لما مر في تعجيل الفطرة (تعجيلها قبل) تمام (الحول) وبعد انعقاده، بأن توجد شروط التجارة المارة فيها، ويملك النصاب في غيرها؛ لما صح: (أنه صلى الله عليه وسلم رخص فيه للعباس قبل الحول)، ولأن لوجوبها سببين: الحول والنصاب، وما له سببان .. يجوز تقديمه على أحدهما، كتقديم كفارة اليمين على الحنث.

وخرج بـ (بعد انعقاد حوله): التعجيل لأكثر من عام، فلا يصح فيه؛ لعدم انعقاد حوله، فإن عجل لعامين .. أجزأه عن الأول.
وقال (حج): إن ميز واجب كل عام.
ويجوز التعجيل في الفطرة أول رمضان كما مر، ولنابت بعد وجوبها فيه ولو قبل جفاف وتنقية؛ لإمكان معرفتها تخميناً، ثم إن بان نقص .. كملها، أو زيادة .. فهي تبرع.
(وشرط إجزاء المعجل) في جميع ما مر (أن يبقى المالك أهلاً للوجوب) عليه وبقاء المال (إلى آخر الحول) أو جفاف ثمر وتنقية حب أو دخول شوَّال.
فلو مات أو افتقر أو تلف المال أو خرج عن ملكه وليس مال تجارة .. لم يقع المعجل زكاة، ولا يضر تلف المعجل.
ويشترط أيضاً: أن لا يتغير الواجب، وإلا كأن عجل بنت مخاض عن خمس وعشرين، فبلغت بالتوالد ستاً وثلاثين في الحول .. لم تجز وإن صارت بنت لبون، بل يستردها ويعطيها أو غيرها.
ولو نوى بها الزكاة وهي باقية بيد المستحق، ومضى بعد النية زمن يمكن فيه القبض .. أجزأت.
قال الكردي: إن كانت المعجلة باقية، وإلا .. أجزأت وإن لم تكن بنت لبون.
(وأن يكون القابض في آخر الحول) أي: وقت الوجوب (مستحقاً).
فلو مات أو استغنى بغير المعجل كزكاة أخرى، وكذا إن غاب المال أو الآخذ عن بلد الوجوب عند (حج) .. لم يجزئ المعجل؛ لعدم أهليته عند الوجوب، واعتمد (م ر): أنه لا يضر غيبتهما.
قال الشرقاوي: قرر شيخنا (ح ف): أنه لا يضر غيبة الدافع عن محل الوجوب في زكاة الفطر.
ولو مات المدفوع له مثلاً .. لزم المالك الدفع ثانياً.
ولو بان القابض غير مستحق يوم القبض .. استرد منه وإن كان آخر الحول مستحقاً، ولا يضر الشك في ذلك.

(وإذا لم يجزئه) المعجل؛ لفوات شرط مما مر ( .. استرد) من القابض (إن علم القابض) عند قبضه أو بعده وقبل خروجه عن ملكه (أنها) أي: العين المعجلة (زكاة معجلة) ولو بقول المالك.
أمَّا قبل المانع .. فلا يسترد مطلقاً كمتبرع بتعجيل دين مؤجل وإن شرط أن له ذلك، والقبض مع ذك صحيح إن علم بفساد الشرط؛ لتبرعه بالدفع.
أمَّا لو لم يعلم القابض التعجيل .. فلا استرداد.
وإذا اختلفا في موجب استرداد، كشرط المزكي له لمانع يعرض، وعدم استحقاقه عند القبض أو الوجوب .. صدق القابض ووريثه بيمينه؛ لأن الأصل عدمه، ولاتفاقهما على ملك القابض له، والأصل بقاؤه.
وفيما لو اختلفا في علم القابض التعجيل .. يحلف على نفي علمه به.
وإذا ثبت الاسترداد والمعجل باق في ملك القابض .. استرد، وإلا .. فبدله من مثل أو قيمة، ولا يجب هنا المثل صورة مطلقاً.
والعبرة بقيمة وقت قبض، لا وقت تلف؛ لأن ما زاد حصل في ملك القابض، فلا يضمنه.
ويسترد ذلك بزيادة متصلة كسمن وتعلم صنعة، لا بزيادة منفصلة كثمرة وولد، ولا بأرش نقص صفة، وهو ما لا يفرد بعقد كمرض، وسقوط جزء كيد إن حدثت المنفصلة ونقص الصفة قبل سبب الرد؛ لحدوثهما في ملك القابض، كما لو رجع الواهب في هبته، فوجد الموهوب ناقصاً.
والرجوع إنما يرفع العقد من حينه، لا من أصله، ولذا لو تبين القابض غير مستحق عند القبض .. رجع عليه بها وبأرش النقص مطلقاً؛ لتبين عدم ملكه له.
أمَّا لو حدثا بعد سبب الرجوع أو معه .. فيستردهما إن علم قابض التعجيل قبل تصرفه في المقبوض.
وأمَّا نقص العين، وهو ما يفرد بعقد، كتلف إحدى الشاتين .. فيضمن بدله قطعاً، ولا شيء للقابض إذا أنفق على المقبوض، ثم رجع فيه الدافع؛ لأنه إنما أنفق على نية أن لا يرجع؛ قياساً على مشتر شراء فاسداً أنفق، كذا في (ب ج) عن (ع ش) وهو ظاهر، وإن نقل الكردي عن "الإيعاب": أنه يرجع.

والزكاة تتعلق بالمال الذي تجب في عينه تعلق الشركة بقدرها؛ لأنها تجب بصفة المال جودة ورداءة، وتؤخذ من عينه قهراً عند الامتناع.
وإنما جاز الإخراج من غيره؛ رفقاً بالمالك.
فإن باع ما الواجب فيه من جنس المال المزكى كأربعين شاة .. بطل في قدرها شائعاً، وهو جزء من كل شاة، فيرد شاة من الأربعين للمستحقين، ويصح، ولـ (سم) إشكال فيه بينته في "الأصل".
ولو عزل قدر الزكاة بنيتها ثم باع الباقي .. صح على خلاف فيه، ولمشتر جهل .. الخيار، وأجرى ذلك: (سم) في الثمر.
فيصح البيع إذا أفرز قدر الزكاة بنيتها في الجميع، وغير الثمر مثله كنقد؛ إذ لا خصوصية لشيء منها، وإن كان الواجب من غير جنس المال كشاة في خمس من الإبل ملك المستحقون بقدر قيمتها من الإبل، فلو باع الخمس من الإبل قبل إخراج الشاة بطل في الجميع؛ للجهل بقيمة الشاة وحصتها من الإبل.
أمَّا ما تعلقت الزكاة بقيمة كمال التجارة .. فيصح بيع جميعه؛ لأن القيمة لا تفوت بالبيع.
نعم؛ إن باعه بمحاباة .. بطل فيما قيمته قدر الزكاة من المحاباة.
ولو رهن المال الزكوي فتم حوله، وله مال آخر .. أخذت زكاته من الآخر، وإلا .. فمن المرهون، ولا يلزم الراهن بدل الزكاة إذا أيسر، ليكون رهناً مكانه، ولا خيار للمرتهن.
ومن له دين حلَّ، وقدر على استيفائه .. لزمه إخراج زكاته حتى للأحوال الماضية إلى أن ينقص عن النصاب، وليس عنده ما يكمله.
كما تجب في ضال ومجحود ومغصوب ومرهون وغائب، وما اشتراه وتم حوله قبل قبضه أو حبس عنه بأسر، ونحوه لملك النصاب وتمام الحول.
لكن لا يجب الإخراج إلا عند عود الضال والمغصوب، وأن يسهل الوصول إلى الغائب، فيخرجها حينئذٍ عن جميع الأحوال الماضية بشرطه المتقدم.
والغائب يجب الإخراج عنه في بلد المال.
قال الكردي: فإن كان سائراً .. لم يجب الإخراج حتى يصل لمالكه أو وكيله، فإن كان أحدهما سائراً معه .. صرف إلى فقراء أقرب البلاد إليه.


(فصل: ويجب صرف الزكاة) ولو فطرة.
لكن اختار جميع جواز صرفها إلى ثلاثة فقراء أو مساكين، وآخرون جوازه للواحد، فالعمل به ليس خارجاً عن المذهب.
(إلى الموجودين من الأصناف الثمانية)؛ للآية المشار فيها بلام الملك في بعضها، ولأن الواو للتشريك، فقول المخالف -القصد بيان مجرد الصرف، وأنه يجوز دفعها ولو لواحد- يحتاج لدليل، على أنّ القاعدة الأصولية: من الأخذ بالأحوط عند التعارض يؤيد مذهبنا لو قلنا: بأنَّ الواو محتملة الأمرين.
والموجود منهم الآن في هذه البلاد أربعة: الفقراء والمساكين والغارمون وابن السبيل.
(وهم: الفقراء) -جمع فقير- وهو من لا نفقة له واجبة ولا مال ولا كسب حلال، يقع جميعها أو مجموعها موقعاً من كفايته مطعماً وملبساً ومسكناً، وغيرها مما لابد منه على ما يليق به وبممونه، كمن يحتاج لعشرة ولم يجد إلا أربعة فما دون.
وقضيته: أن الكسوب غير فقير وإن لم يكتسب، وهو كذلك هنا، وفيمن تلزمه نفقة بعضه.
لكن الأصل الفقير تجب مؤنته وإن قدر على الكسب؛ لحرمته، وفي بعض صور الحج.
لكن الكسب لا يخرج عن الفقر إلا إن لاق به من غير مشقة لا تحتمل عادة.
ووجد من يستعمله.
وعليه: فالملوك ونحوهم وأتباعهم فقراء؛ إذ لا مال لهم حلال، ولا قدرة لهم على كسب لائق بهم.
ومن له مال وعليه دين .. غير فقير حتى يصرفه في دينه، وهذا في فقير الزكاة، لا فقير غيرها كما بينته في "الأصل".

(و) الصنف الثاني: (المساكين) وهو من له ما يسد مسداً من حاجته بملك أو منفق أو كسب حلال على ما مر، ولا يكفيه الكفاية اللائقة بحاله مما مر، كمن يحتاج لعشرة، وعنده سبعة أو ثمانية وإن ملك أكثر من نصاب.
والمراد: أن لا يكفيه للعمر الغالب؛ أي: ما بقي منه باعتبار الآخذ، لا ممونه؛ لأن القصد إغناؤه، ولا يحصل إلا بذلك.
فإن زاد عمره عليه .. أعطي سنة سنة، والعمر الغالب ستون سنة، ومن له عقار ينقص دخله عن كفايته .. فقير أو مسكين.
نعم؛ إن كان نفيساً ولو باعه حصل بثمنه ما يكفيه دخله للعمر الغالب .. لزمه بيعه.
ولا يمنع الفقرَ والمسكنة مسكنه الذي يحتاجه لسكناه، أو سكنى مموَّنه ولاق به وإن اعتاد السكنى بأجرة ولم يجد نحو موقوف عليه، ولا ثيابُهُ المحتاج إليها ولو لتجمل في بعض الأيام وإن تعددت إن لاقت به، ولا حلي امرأة لائق بها، وقنه المحتاج لخدمته له، أو لممونه إن شق عليه خدمة نفسه، أو كانت تخل بمنصبه، ولا كتبه المحتاج إليها ولو نادراً، كمرة في سنة ولو لطب أو تاريخ أو وعظ.
ولو تعددت عنده كتب من فن .. بقيت كلها لمدرس، والمبسوط لغيره.
أو كان عنده نسخ من كتاب .. أبقي له الأصح.
وإن كانت إحدى النسختين كبيرة الحجم والأخرى صغيرته .. أبقيتا لمدرس؛ لاحتياجه لحمل الصغيرة إلى درسه، وغيره يبقى له الأصح.
وقال الشرقاوي: يبقى له كلها؛ إذ الصحيحة لا تخلو عن سقم، فيحتاج لثانية.
ولا آلة المحترف، كخيل جندي إن لم يعطه الإمام بدلها.
وثمن ما ذكر ما دام معه يمنع فقره ومسكنته حتى يصرفه فيه.
ولا يمنعهما ماله الغائب لمرحلتين، ولا حاضر حيل بينه وبينه، ولا المؤجل؛ لأنه معسر، فيعطى حتى يصله، أو يحل، أو يجد من يقرضه.
ولو اشتغل عن الكسب بفرض كفاية، كعلم شرعي، أو آلة له، أو صلاة جنازة .. فهو فقير، فيعطى به إن لم يكتسب معه وأمكن تحصيله له، أو بنوافل من صلاة أو غيرها .. فلا؛ إذ نفعه غير متعد.
نعم؛ لو نذر صوم الدهر ومنعه صومه عن الكسب .. أعطي؛ للضرورة.

كما لو احتاج لنكاح ولا شيء معه .. فيعطى ما يصرفه فيه والمكفي بنفقة نحو قريب غير فقير.
نعم؛ للمنفق وغيره أن يعطيه بغير الفقر والمسكنة كغرم، ولو لم يكفه -نحو قريبه- الكفاية التامة .. جاز أن يعطى من سهم الفقراء أو المساكين تمامها، ولو ممن تلزمه نفقته وإن أثم بترك تمام كفايته.
ولو سقطت نفقة الزوجة بنشوز .. لم تعط؛ لقدرتها على النفقة برجوعها للطاعة.
ولو غاب المنفق ولم يترك منفقاً ولا مالاً .. أعطي قريبه وزوجته بالفقر أو المسكنة.
والمعتدة التي لها نفقة كالتي في العصمة.
ويسن للزوجة أن تعطي زوجها من زكاتها وإن أنفقه عليها.
(و) الصنف الثالث: (الغارمون) -أي: المدينون- وهم أنواع: الأول: من استدان لدفع فتنة بين متنازعين وإن كان ثمَّ من يسكنها غيره .. فيعطى ما استدانه إن حل ولم يوفه من ماله وإن كان غنياً ولو بنقد وغيره؛ لعموم نفعه.
الثاني: من استدان لقرى ضيف وبناء مسجد أو قنطرة أو فك أسير أو نحوها من المصالح العامة .. فيعطى وإن كان غنياً بغير نقد إن حل الدين ولم يوفه من ماله.
بل لو قيل: يعطى ولو غنياً بنقد .. لم يبعد.
ولا يجوز دفع الزكاة لبناء نحو مسجد ابتداء.
الثالث: من استدان لنفسه، وصرفه في غير معصية أو لها، وتاب وظهرت قرائن صدقة وإن قصرت المدة، أو لمباح وصرفه في معصية إن عرف قصد الإباحة، أولا، لكن لا يصدق فيه، بل لا بد من بينه.
وتعتمد البينة القرائن المفيدة له كالإعسار .. فيعطى في جميع ما ذكر قدر دينه إن حل وعجز عن وفائه.
ثم إن لم يكن معه شيء .. أعطي الكل، وإلا .. فإن كان بحيث لو قضى دينه مما معه تمسكن .. ترك له مما معه ما يكفيه العمر الغالب.
ثم إن فضل شيء .. صرفه في دينه، وتمم باقيه، وإلا .. قضي عنه الكل.
ومن الاستدانه لمعصية إتلاف مال غيره عمداً، والإسراف في النفقة من دين.

ومحل إباحة صرف المال في اللذات فيمن يصرفه من ماله، أو من دين يرجو وفاءه من جهة ظاهرة.
الرابع: الضامن، فيعطى إن أعسر وحل الدين، وكان ضامناً لمعسر أو موسر لا يرجع هو عليه، كأن ضمن بغير إذنه.
ومن قضى دينه بنحو قرض .. أعطي لبقاء دينه ما يوفي به قرضه.
بخلاف من مات ولم يخلف وفاءً؛ لأنه ليس من أهل الاستحقاق.
ولا يحبس عن مقامه الكريم من استدان لنفع عام.
تنبيه: دفع لمدينه زكاة بشرط أن يردها له عن دينه، لم يجز، فإن نويا ذلك بلا شرط .. لم يضر، وكره؛ لقاعدة: كل شرط ضر التصريح به كره إضماره.
وكذا إن وعد المدين بذلك وحده، ولا يلزمه الوفاء بوعده.
ولو قال لمدينه: أعطني ديني، وأرده لك زكاة، فأعطاه .. برئ المدين، ولا يلزم دائنه إعطاؤه.
ولو قال: جعلت الدين الذي لي عليك زكاة .. لم يجز، بل لا بد من قبضه ودفعه له عن الزكاة إن شاء.
(و) الرابع: (أبناء السبيل) الشامل للذكر والأنثى، سمُّوا بذلك؛ لملازمتهم الطريق.
(وهم المسافرون، أو المريدون السفر المباح) ولو مكروهاً (المحتاجون) بأن لم يكن معهم ما يكفيهم لسفرهم.
فمن سافر كذلك ولو لنزهة، أو كان غريباً مجتازاً بمحل الزكاة .. أعطي ولو كسوباً جميع كفاية سفره، ذهاباً وإياباً إن قصد الرجوع، وإن كان له مال بغيره ولو دون مسافة قصر، أو وجد من يقرضه.
ويفرق بين هذا وما مر من اشتراط مسافة القصر، وعدم وجود مقرض بأن الضرورة في السفر أشد، والحاجة فيه أغلب.
ومن ثم لم يفرقوا فيه بين القادر على الكسب وغيره ولو بلا مشقة؛ إذ حاجته هنا متحققة دون ما مر.

ويعطى أيضاً ما يحمله إن عجز عن المشي أو طال سفره، وما يحمل عليه زاده، ومتاعه إن عجز عن حمله.
أمَّا في سفر المعصية .. فلا يعطى؛ لأن القصد إعانته على سفره، ولا إعانة لعاص، فإن تاب .. أعطي لبقية سفره.
وجعل من سفر المعصية سفره بلا مال -ويجعل نفسه كَلاّ على غيره- ومعه مال.
(و) الصنف الخامس: (العاملون عليها) أي: من نصبه الإمام لأخذ الزكوات، ولم يجعل له أجرة من بيت المال، وإلا .. سقط.
كما لو فرقها المالك بنفسه أو وكيله، وهم كساع يجبيها، وبعثه واجب وشرط فيه دون من بعده؛ كونه أهلاً للشهادة؛ إذ هو الأصل والباقون أعوان له، فيكفون ولو كفاراً، وككاتب وقاسم وحاشر يجمع ذوي الأموال أو السُّهْمان.
والعريف: الذي يعرف أرباب الاستحقاق.
والحاسب والحافظ والجندي والكيال والوزان والعداد الذين يميزون بين أنصباء المستحقين، وليس منهم الإمام والوالي والقاضي، بل رزقهم من خمس خمس المصالح؛ لأن عملهم عام.
وقضيته: دخول قبض الزكاة وصرفها في ولاية القاضي، وهو كذلك إن لم يعين لها الإمام غيره، وله الأخذ من سهم الغارم إن استدان لإصلاح، ومن سهم الغازي.
ولو منع حقه من بيت المال، أو كان في محل لا بيت مال فيه .. أخذ بنحو الفقر والغرم مطلقاً.
(و) السادس: (المؤلفة قلوبهم، وهم) أصناف: الأول: (ضعفاء النية في) أهل الإسلام بأن تكون عنده وحشة منهم، أو في (الإسلام) نفسه؛ بناءً على أن الإيمان يزيد وينقص، بل وعلى مقابله؛ لأنه يزيد عليه بزيادة ثمرته وإشراق نوره، فيعطون؛ ليتقوى إسلامهم.
وهذا بناء على اتحاد الإيمان والإسلام، أو أن المراد بالإسلام الأعمال، ولا كلام في زيادتها ونقصها.
(و) الثاني: (شريف في قومه) مسلم بحيث (يتوقع بإعطائه إسلام نظرائه) ولو امرأة.

والثالث: مسلم يقاتل، أو يخوف مانعي الزكاة حتى يحملها إلى الإمام.
والرابع: من يقاتل من يليه من الكفار والبغاة، فيعطيان إن كان إعطاؤهما أسهل من بعث جيش.
وحذفهما المصنف؛ لأن الأول في معنى العامل، والثاني في معنى الغازي.
وفي اشتراط إعطائهم الحاجة إليهم نظر بالنسبة إلى الأولين.
وكفى بالضعف والشرف حاجة، وكذا الأخيران، فاشتراط كون إعطائهما أسهل من بعث جيش يغني عن اشتراط الاحتياج.
ولا يعطى كافر لا لتألف ولا غيره؛ إذ قد أعز الله الإسلام، وأغنى عن التألف.
وقضيته: أنه لو حصل ضعف بالإسلام .. جاز، ولا يختص التألف بالإمام.
(و) السابع: (الغزاة المتطوعون) بالجهاد، بأن لم يكن لهم سهم في ديوان المرتزقة من الفيء.
وهم المراد بـ (فِي سَبِيلِ اللَّهِ) [البقرة:154] في الآية، وضع على هؤلاء؛ لأنهم قاتلوا بلا مقابل، فيعطون ولو أغنياء؛ إعانة لهم على الغزو؛ لأنهم لا حظَّ لهم في الفيء، كما لا حظ لأهله في الزكاة.
(و) الثامن: (المكاتبون كتابة صحيحة) كما فسر بهم الآية أكثر العلماء، فيعطون إن لم يكن معهم وفاء وإن قدروا على وفاء دينهم بالكسب، بخلاف الفاسدة فلا يعطى لها من الزكاة.
وشرط آخذ الزكاة من هذه الأصناف: الحرية الكاملة، فلا يعطى رقيق ولو مبعضاً إلا المكاتب.
والإسلام، فلا يعطى منها كافرٌ إجماعاً إلا في العامل كما مر.
وأن لا يكون هاشمياً، ولا مطلبياً؛ لخبر مسلم: "إن هذه الصدقات إنما هي أوساخ الناس، وإنها لا تحل لمحمد، ولا لآل محمد" وألحق بهم: مواليهم؛ لخبر: "مولى القوم منهم".
والأظهر: أنهم لا يعطون وإن منعوا حقهم من خمس الخمس؛ لكونها أوساخاً كما في الحديث، لكن ذهب جم غفير إلى جوازها لهم إذا منعوا مما مر، وأنَّ علة المنع مركبة من كونها أوساخاً، ومن استغنائهم بمالهم من خمس الخمس، كما في حديث

الطبراني وغيره، حيث علل فيه بقوله: إن لكم في خمس الخمس ما يغنيكم، وقد منعوا مما لهم من خمس الخمس، فلم يبق للمنع إلا جزء علة، وهو لا يقتضي التحريم.
لكن ينبغي للدافع إليهم الزكاة أن يبين لهم أنها زكاة، فلربما يتورع من دفعت إليه منهم منها.
ومن شرط الآخذ أيضاً: أن لا يكون مموناً للمزكي أو غيره؛ لأنه غير فقير على ما مر، وأن لا يكون محجوراً عليه.
ومن ثم أفتى النووي في بالغ تارك الصلاة: أنه لا يقبضها له إلا وليه.
ويجوز دفعها لفاسق إلا إن علم أنه يصرفها في معصية .. فيحرم وتجزئ.


فصل: من علم دافعُ الزكاة من إمام أو مالك حالَه .. عمل فيه بعلمه، فيعطي من علم استحقاقه، ويمنع من علم عدم استحقاقه، ومن جهل حاله: فإن ادعى ضعف إسلام .. أعطاه بلا يمين ولا بينة.
وإن ادعى فقراً أو مسكنة، أو أنه غير كسوب .. فكذلك، إلا إن ادعى عيالاً أو تلف مال عرف .. فيكلف بينة.
ومثله مدعي أنه عامل أو مكاتب أو من المؤلفة .. فيكلفون بينة، أي: رجلين، أو رجل وامرأتين ولو بغير لفظ شهادة أو استشهاد قاض.
ويغني عنها استفاضة وإخبار من وقع في القلب صدقه ولو نحو الدائن في المدين.
وأمَّا بيان قدر ما يعطاه كلٌّ .. فيعطى فقير ومسكين كفاية ما بقي من عمره الغالب وهو ستون سنة كما مر، فإن زاد عمره على ذلك .. أعطي كفاية سنة فسنة.
والمراد أنه يعطى ثمن ما يكفيه دخله لذلك، فيشتري له عقار، أو ماشية أو نحوهما، بحسب حاله يستغله ويكتفي به عن الزكاة، ويملكه، ويورث عنه، لكن ليس له إخراجه عن ملكه.
ولو ملك دون كفاية العمر الغالب .. كمل له من الزكاة كفايته، حتى لو كان له تسعون، وكان لا يكفيه إلا ربح مئة .. كمل له المئة إن كانت التسعون لو أنفقها .. لا تكفيه للعمر الغالب، فإن كانت تكفيه للعمر الغالب .. لم تكمل له العشرة؛ لأنه غني، وإن كان ربحها لا يكفيه لذلك.

فالربح والعقار إنما يعتبران إذا كان النقد لا يكفيه للعمر الغالب، وربحه أو غلة عقار يشتري به ما يكفيه لذلك.
وأمَّا إذا كان نقد يكفيه لذلك .. فهو غني، ولا حق له في الزكاة، وهذا ظاهر إن شاء الله.
ويؤيده أنه إنما يعطى عقاراً مثلاً يبقى بقية عمره فقط إن أمكن، وإلا .. فيعطاه وإن بقي أكثر من ذلك؛ للضرورة.
فالمقصود: كفاية بقية العمر الغالب بنقد أو ربح أو استغلال عقار، بل النقد هو الأصل.
فإذا كفى .. لم يكن لاعتبار غيره معنى؛ لحصول الغنى به.
وإنما أطلت هنا، وفي "الأصل"؛ لأنه أشكل على بعض الأجلاء.
ومن يحسن الكسب بحرفة .. يعطى ما يشتري به آلاتها، أو بتجارة .. فيعطى ما يشتري به ما يحسن تجارته لما يفي ربحه بكفايته غالباً.
فالبقلي يكفيه خمسة دراهم، والباقلاني عشرة، والفاكهي عشرون، والخباز خمسون، والعطار ألف، والبزاز ألفان، والصيرفي خمسة الآف، والجوهري عشرة آلاف، وكل ذلك تقريب، وإلا .. فيزيد وينقص بحسب الزمان والمكان والحال.
ويعطى ابن السبيل ما يوصله مقصده -بكسر الصاد- أوماله إن كان له مال بطريقه.
فلا يعطى مؤنة إيابه إن لم يقصده، ولا مؤنة إقامته الزائدة على مدة إقامة المسافر.
ويعطى مكاتب وغارم قدر دينهما.
ويعطى غاز حاجته في غزوه نفقة وكسوة له ولممونه وقيمة سلاح وفرساً، إن كان فارساً، ذهاباً وغياباً إن لم يقصد عدم الإياب، وإقامة وإن طالت؛ لأن اسمه لا يزول عنه بذلك، بخلاف ابن السبيل، وإذا أعطاه ما ذكر .. ملكه، فلا يسترد منه إلا ما فضل.
وللإمام أن يكتري السلاح والفرس له، ويعطى ما يحمل عليه زاده ومتاعه إن لم يعتد حمله بنفسه، ويسترد منه إذا رجع، كما في ابن السبيل، فإنه يهيأ له ذلك.
ويعطي المؤلفة الإمام أو المالك ما يراه، والعامل يعطيه الإمام أجرة مثله.
فإن زاد سهمه عليها .. رد الفاضل إلى بقية الأصناف، وإن نقص .. كمل من مال الزكاة أو سهم المصالح.
ومن فيه صفتا استحقاق للزكاة كفقير غارم .. فلا يأخذ من زكاة واحدة إلا بأحدهما بخيرته.

نعم؛ إن أخذ بالغرم وأعطاه دائنه وبقي فقيراً ... أخذ به.
أمَّا من زكاتين، كمِن ذهب بالفقر، ومن فضة بالغرم .. فيجوز ولو من شخص واحد.


فصل: ويجب تعميم الأصناف الثمانية بالزكاة حتى العامل إن قسم الإمام، وإلا .. فمن عداه إن وجدوا، وإلا .. فإلى من وجد منهم، حتى لو لم يوجد إلا فقير واحد .. صرفت كلها له.
والمعدوم لا سهم له، والموجود غالباً فقير ومسكين وغارم وابن السبيل.
فإن لم يوجد أحد منهم .. حفظت إلى أن يوجدوا كلهم أو بعضهم.
وعلى الإمام تعميم آحاد الصنف؛ إذ لا يتعذر عليه ذلك، لكن يجوز له إعطاء زكاة شخص واحد بواحد.
لأن الزكوات في يده كالزكاة الواحد.
نعم؛ إن قل مال الزكاة بحيث لا يسد مسداً لو استوعبهم .. لم يلزمه الاستيعاب.
وتجب التسوية بين الأصناف وإن تفاوتت حاجاتهم إلا العامل كما مر.
ولو زاد سهم صنف عن كفايتهم .. ردَّ زائدة على سهم من نقص سهمه عن كفايته.
ولا تجب بين آحاد الصنف إن قسم المالك أو الإمام، وقلَّ ما عنده منها؛ لعدم انضباط الحاجات التي من شأنها التفاوت، بخلاف الأصناف، فمحصورة، لكن يسن التساوي إن تساوت حاجاتهم.
أمَّا إذا قسم الإمام وكثر ما عنده، فإن استوت حاجاتهم .. وجبت، وإلا .. فيراعيها، وإذا لم تجب .. فالقاطنون أولى.
(وأقل ذلك) أي: من يعطى إذا فرَّق المالك (ثلاثة)؛ عملاً بأقل الجمع في غير الأخيرين وقياساً فيهما، إلا العامل .. فيجوز كونه واحداً.
فإن أخل بصنف .. غرم حصته، أو ببعض الثلاثة .. غرم له أقل متمول.
نعم؛ الإمام إنما يغرم مما عنده من الزكاة (إلا إذا انحصروا) -أي: المستحقون- في محل الوجوب، بأن سهل عادة ضبطهم، ومعرفة عددهم.
فيجب الاستيعاب إن لم يزيدوا على ثلاثة من كل صنف، أو زادوا (ووفت الزكاة بحاجاتهم) الناجزة، وهي مؤنة يوم وليلة، وكسوة فصل، ويملكونها في الأولى وإن لم

تف بحاجاتهم، وفي الثانية إن وفت بها بقدر حاجاتهم، ولا يضرهم حدوث نحو غنى أو موت، بل تورث عنهم وإن كان ورثتهم أغنياء أو ورثة للمزكي، ولهم التصرف فيها قبل قبضها إلا بالاستبدال، ولا يشاركهم قادم عليهم بعد وقت الوجوب.
فأن زادوا على ثلاثة ولم ينحصروا .. لم يملكوا إلا بالقسمة.
فإن انحصر بعض الأصناف دون بعض .. فلكل حكمه.
نعم؛ العامل يملك بالعمل.
والحاصل: أنه يجب تعميم الأصناف، والتسوية بينهم مطلقاً، وتعميم آحاد كل صنف إن وفي المال بهم، والتسوية بينهم إن تساوت حاجاتهم، حيث قسم الإمام مطلقاً أوالمالك، وانحصروا في ثلاثة مطلقاً، أو في أكثر، ووفت بحاجاتهم، فيملوكنها بقدر حاجاتهم.
(وإلا العامل .. فإنه) لا يجب الإعطاء فيه لثلاثة، بل (يجوز أن يكون واحداً) إذا حصل به الغرض، بل لو قسم المالك .. سقط سهمه.
فرع: لا يجوز نقل الزكاة على الأظهر عن محل المؤدى عنه في الفطرة، وعن محل المال الذي وجبت فيه الزكاة، وهو الذي كان فيه عند وجوبها مع وجود مستحق فيه، إلى محل آخر؛ لتصرف لمستحقه ما لم ينسب إليه، بحيث يعد محلاً واحداً وإن خرج عن سوره وعمرانه، كما في "التحفة" من اضطراب طويل.
وإذا منعنا النقل .. حرم، ولم يجز؛ لخبر الصحيحين: "صدقة تؤخذ من أغنيائهم، فترد على فقرائهم"، ولامتداد أطماع مستحقي كل محل إلى ما فيه من الزكاة، والنقل يوحشهم.
وبه فارقت الكفارة والنذر والوصية والوقف على الفقراء.
ويؤخذ من أن العبرة ببلد المال أن العبرة في الدين ببلد المدين.
لكن قال بعضهم: له صرف زكاته في أي محل شاء؛ لأن ما في الذمة ليس محل مخصوص وهو المعتمد.
وفي (ب ج): (لا يجوز نقل الزكاة لمن هو خارج السور) اهـ والكلام في غير الإمام ونائبه.

أمَّا هما .. فيجوز لهما نقلها كل إلى محل عمله، لا خارجه، ولهما أن يأذنا للمالك فيه.
ولو حال الحول على مال بنحو بادية لا مستحق بها .. صرفت لأقرب محل إليها، ولنحو أهل خيام لا قرار لهم صرفها لمن معهم ولو بعض صنف، كمن بسفينة في لجة.
فإن فقدوا .. فلأقرب محل إليهم عند تمام الحول، فإن تعذر الوصول إليه .. حفظت إلى أن يتيسر الوصول إليه إن ترجاه عن قرب، وإلا .. صرفت للأقرب إليه، وفي هذا كله عسر شديد، وربما كان سبباً لضياع الزكاة.
فالأحسن أن يستأذن القاضي أو الإمام في نقلها، أو يعمل بمقابل الأظهر من جواز النقل مطلقاً، كما هو مذهب أكثر العلماء، بل لا دلالة في الحديث المار لمنع النقل إلا بإضمار في (فقرائهم)، أي: إلى فقراء بلدهم.
فإن لم يضمر .. كان دليلاً لجواز النقل؛ لأن الظاهر أن الضمير في (فقرائهم) للمسلمين الصادقين بمن ببلده وغيرها.
وعلى كل فعدم النقل أولى وأحوط.
وإذا نقل الزكاة فتلفت .. ضمنها إن لم يجب، وذلك، كأن فقدت الأصناف ببلد الوجوب، أو فضل عنهم شيء، فيجب حينئذٍ نقل الكل أو الفاضل؛ لكن ينقله لأقرب محل إليه، فإن جاوزه .. حرم على الأظهر.
وإنما امتنع نقل دم النسك مطلقاً؛ لأنه وجب لأهل الحرم بالنص الصريح، بخلاف الزكاة لا نص صريح فيها.
وإذا نقل، فإن وجب .. فمؤنته من الزكاة، وإلا .. فعلى الناقل.
فرع: إذا امتنع المستحقون من أخذ الزكاة .. قوتلوا؛ لتعطيلهم هذا الشعار العظيم.
ولو قال له: فرّق هذا على المساكين .. لم يدخل هو ولا ممونه فيهم، وإن نص على ذلك، قاله في"التحفة".


(فصل) في صدقة التطوع.

وهي المراد عند الإطلاق غالباً، وهي سنة مؤكدة؛ للأحاديث الشهيرة فيها، منها، الخبر الصحيح: "كل امرء في ظل صدقته حتى يفصل بين الناس".
وقد تحرم، كأن ظن أن آخذها يصرفها في معصية.
وقد تجب كأن يجد مضطراً ومعه ما يطعمه فاضلاً عنه، لكن قد ذكروا أنه لا يجب بذله له إلا ببدله.
قال في "التحفة": والحاصل: أنه يجب البذل هنا -أي: للمحتاجين- من غير اضطرار بلا بدل، لا مطلقاً، بل مما زاد على كفاية سنة، وثم -أي: في المضطر- يجب البذل بما لم يحتجه حالاً ولو على فقير، لكن بالبدل.
(والأفضل الإسرار بصدقة التطوع)؛ لأنه صلى الله عليه وسلم عدَّ من السبعة الذين يستظلون بظل العرش من أخفى صدقته حتى لا تعلم شماله ما أنفقت يمينه.
نعم؛ إن أظهرها مقتدى به؛ ليقتدى به، ولم يقصد نحو رياء، ولا تأذى به الآخذ .. كان أفضل.
وجعل بعضهم من الصدقة الخفية أن يبيع مثلاً درهمين بدرهم, (بخلاف الزكاة) فإظهارها للإمام، وكذا للمالك أفضل.
وقد ذكرت في "الأصل" من يستظل بالعرش، وهم سبعون.
(و) الأفضل (التصدق على القريب)؛ لأنه أولى من الأجنبي، والأفضل تقديم (الأقرب) فالأقرب من المحارم وإن لزمته نفقتهم (والزوج) أو الزوجة، فهما في درجة الأقرب، كما في "الشرح".
وفي"التحفة": ثم الزوج أو الزوجة.
(ثم) بعد ما ذكر (الأبعد) من الأقارب، يقدم منهم الأقرب فالأقرب رحماً؛ والرحم من جهة الأب والأم سواء (ثم محارم الرضاع، ثم المصاهرة، ثم الولاء) من الجانبين، كأن زوج عتيقه بعتيقته، فولاء ولدهما له من الجانبين، ثم من جانب.

(و) الأفضل (الجار) فرحمه الجار أولى من رحم لا جوار له، ولذا لم يعطف فيه وما بعده بـ (ثم)؛ لأنهم يكونون من الأقارب وغيرهم والجار الأجنبي أولى من قريب بمحل لا يجوز نقل زكاة المتصدق إليه، وإلا .. قدم القريب.
(و) الأفضل التصدق (على العدوّ) القريب، ثم الأجنبي، والأشد عداوة أولى؛ لما فيه من التأليف وكسر النفس.
(و) على (أهل الخير) و (المحتاجين)؛ إذ هما أولى من غيرهما وإن اختص الغير بقرب ونحوه، وكان عبد الله بن المبارك يخص طلبة العلم بصدقته.
(و) الأفضل كون تصدقه (في) سائر (الأزمنة الفاضلة، كالجمعة) ورمضان، لاسيما عشره الآخر؛ لخبر أبي داوود بذلك، وللعجز عن الكسب فيه.
ويليه عشر ذي الحجة (والأماكن الفاضلة) كمكة، فالمدينة، فبيت المقدس.
والمراد: أنه إذا حصلت تلك الأزمنة والأمكنة .. تأكدت الصدقة فيها، لا أنه يسن التأخير لها إليها.
(وعند الأمور المهمة كالغزو والكسوف والمرض والحج) والسفر؛ لأنها أرجى للقبول وقضاء الحوائج، وكشف الكرب، وعقب كل معصية.
(وبما يحبه)؛ لآية (لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ) [آل عمران:92].
وتكره برديء عرفاً إن وجد غيره، كمسوس حب، لا بنحو فلس وثوب خلق كما في "الإيعاب"، وبما فيه شبهة.
وينبغي أن يأنف من التصدق بقليل؛ إذ ما قبله الله كثير، ولآية (فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَه) [الزلزلة:5]، وخبر: "اتقوا النار ولو بشق تمرة"، وغيرها.
وأن يتصدق بثويه إذا لبس جديداً غيره، ويقول عند لبسه: الحمد لله الذي كساني ما أواري به سوأتي، وأتجمل به في حياتي.
(و) أن يكون تصدقه بالبسملة و (بطيب نفس، وبشر)؛ لما فيه من تكثير الأجر وجبر القلب، وأن لا يطمع في دعاء المعطى، فإن دعا له .. ندب الرد عليه.

ويكره الأخذ بمن بيده حلال وحرام كسلطان جائر، وتشتد الكراهة وتخف بكثرة الشبهة وقلتها، ولا يحرم إلا ما تيقن حرمته ويمكن معرفة صاحبه.
وإنما لم يحرم؛ لأن الأصل المعتمد في الأملاك اليد، ولم يثبت أصل آخر فيه يعارضه، فاستصحب ولم يبال بغلبة الظن.
(ولا يحل التصدق بما يحتاج إليه لنفقته) إن لم يصبر على الإضاقة (أو نفقة من عليه نفقته)؛ لخبر: "كفى بالمرء إثماً أن يضيع من يقوت"، ولأن كفايتهم فرض، وهو لا يترك لسنة، وكالنفقة بقية المؤن.
وخرج بـ (الصدقة): الضيافة، فتجوز ولو بقوته وقوت عياله؛ لتأكدها، حتى ذهب جمع إلى وجوبها.
لكن حمل في "الإيعاب" وغيره الجواز على ما إذا لم يتضرر الممون، أو علم رضاه وكان الضيف محتاجاً.
ولا يرد أن كثيراً من السلف تصدقوا بما يحتاجونه لعيالهم؛ لأنه يحتمل رضاهم وصبرهم.
وإنما تحرم بما يحتاج إليه هو، أو ممونه (في) مؤن (يومه وليلته) وكسوة الفصل، لا بما زاد على ذلك، كما يأتي.
(أو) بما يحتاج إليه (لدين لا يرجو له وفاء) من جهة ظاهرة ولو عند حلول المؤجل.
نعم؛ الواجب لا يجوز تركه لسنة.
ومع حرمة التصدق بما ذكر، يملكه المتصدق عليه؛ لأن الحرمة لأمر خارج عن الصدقة كما في "التحفة" و"النهاية"، بل ألَّف (حج) في ذلك مؤلفاً بسيطاً سماه: "قرة العين ببيان أن التبرع لا يبطله الدين".
وجرى جمع أنه لا يملكه، منهم: (حج) في "الشرح"، و"الفتح"، وعبارتهما: (وحيث حرم التصدق بشيء لا يملكه المتصدق عليه، زاد في "الفتح": كما بينته في "الأصل" مع فروع أخر) اهـ واعتمده جمُّ غفير منهم: ابن زياد، وبالغ في الرد على (حج)، وألف في ذلك أربعة مؤلفات.

أمَّا إذا ظن وفاءه من جهة ظاهرة ولو عند حلول المؤجل .. فلا بأس بالتصدق، بل قد يسن.
نعم؛ إن وجب أداؤه فوراً؛ لطلب صاحبه أو لعصيانه به ولم يعلم رضا صاحبه بالتأخير .. حرم قبل وفائه.
(ويستحب) التصدق (بما فضل عن حاجته) وحاجة ممونه يومهم وليلتهم وكسوة فصلهم ووفاء دينه مطلقاً.
وفي وجه: (إذا لم يشق عليه الصبر على الضيق) ولا عليهم على الأصح؛ لأن الصديق رضي الله عنه تصدق بجميع ماله، وقبله منه صلى الله عليه وسلم.
فإن شق الصبر عليه .. كره؛ للخبر الصحيح: "الصدقة من كان عن ظهر غنى"، أي: غنى النفس، وهو صبرها على الفقر.
وبهذا التفصيل جمعوا بين الأحاديث المختلفة الظواهر، كهذا الحديث، وخبر أبي بكر السابق.
نعم؛ يلزم الموسر -وهو هنا من معه زائد على كفاية سنة- المواساة لأهل الحاجات بما زاد على كفاية سنة بنحو إطعام جائع، وإكساء عار، وتجهيز ميت لا تركة له، وغير ذلك مما به دفع ضرورات المسلمين.
(ويكره) للمتصدق (أن يأخذ صدقته) أو نحوها، كزكاته وكفارته ونذره (ممن أخذ) ذلك (منه ببيع أو غيره)؛ لأن (العائد في صدقته كالكلب العائد لقيئه) كما في الحديث.
وخرج بـ (يأخذ) المشعر بالاختيار: ما لو ورثها، فلا يكره له التصرف فيها، وما لو أخذها من غيره .. فلا يكره.
ولو بعث لفقير صدقة أو زكاة .. لم يملكه إلا بقبضه، فإن لم يأخذ الصدقة .. سن له التصدق بها على غيره؛ لئلا يكون في معنى العائد في صدقته.
(ويحرم السؤال على الغني بمال أو حرفة) تليق به ولم تشق عليه مشقة لا تحتمل عادة، ويكفيه وممونه دخلها.

فإن اختل شرط من ذلك .. جاز له السؤال، وله أن يسأل ما يحتاج إليه بعد يوم وليلة إلى وقت يعلم فيه تيسر ما يكفيه بسؤال أو غيره، وهذا في غير سؤال ما اعتيد سؤاله بين الأصدقاء كقلم وسواك، وإلا .. فلا حرمة مطلقاً في سؤاله.
ولا يحرم على الدافع الدفع ولو لمظهر فاقة مع علمه بغناه وإن كان الدفع لغيره أفضل.
ومن أعطي لوصف ظن اتصافه به كفقر أو صلاح، بأن توفرت له القرائن أنه إنما أعطي لذلك، أو صرح له المعطي بذلك، وهو باطناً بخلافه، أو به وصف باطناً، لو اطلع عليه المعطي لم يعطه .. حرم عليه الأخذ، ولا يملك ما أخذه.
وكذا لو علم إنما أعطاه؛ لباعث الإلحاح، أو الحياء منه أو من الحاضرين، ولولاه لما أعطاه .. فهو حرام، يلزمه رده.
ويكره السؤال بوجه الله تعالى ما يتعلق بالدنيا، لا ما يتعلق بالآخرة، كتعليم خير.
(والمن بالصدقة) حرام (يبطلها)؛ لآية (لا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالأَذَى) [البقرة:264]، ولخبر مسلم: "ثلاثة لا يكلمهم الله، ولا ينظر إليهم، ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم"، فقال أبو ذر: خابوا وخسروا، من هم يا رسول الله؟ قال: "المسبل، والمان، والمنفق سلعته بالحلف الكاذبة".
(وتتأكد) الصدقة (بالماء)؛ لخبر: "أي الصدقة أفضل؟ قال: "الماء"، أي: إن كان الاحتياج إليه أكثر من الطعام، وإلا .. فهو أفضل، ولخبر: "من أطعم جائعا .. أطعمه الله من ثمار الجنة، ومن سقى مؤمناً على ظمأ .. سقاه الله يوم القيامة من الرحيق المختوم، ومن كسى مؤمناً عارياً .. كساه الله من خضر الجنة" رواه أبو داوود، والترمذي باسناد جيد.
(والمنيحة) وهي: الشاة ونحوها اللبون، بأن يعطيها المحتاج؛ ليأخذ لبنها ما دامت لبوناً، ثم يردها إليه؛ لما في ذلك من مزيد البر والإحسان.
ويستحب أن لا يخلي يوماً من الصدقة بشيء وإن قل؛ لما مر، ولخبر البخاري: "ما من يوم يصبح العباد فيه إلا وفيه ملكان، يقول أحدهما: اللهم أعط منفقاً خلفاً، ويقول الآخر: اللهم أعط ممسكاً تلفاً".
وأخذ الزكاة للفقير أسلم من أخذه الصدقة والهدية؛ إذ الزكاة لكل فقير ولو عاصياً.
والصدقة والهدية قلَّ أن يسلم آخذها من أمر لو اطلع عليه المعطي .. لم يؤثره بها، والله سبحانه أعلم.


﴿كتاب الصوم﴾ هو لغة: الإمساك، ومنه: (إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْماً) [مريم:26] أي: سكوتاً.
وشرعاً: الإمساك عما يأتي على وجه مخصوص.
وفرض في شعبان ثاني سني الهجرة، وينقص ويكمل.
وثوابهما واحد من حيث الثواب المترتب على رمضان من غير نظر لأيامه وإن زاد الكمال بما يترتب على يوم الثلاثين من الواجب والمندوب.
وهو من خصوصياتنا، وقيل: ليس من أمة إلا وفرض عليها رمضان إلا أنهم ضلوا عنه.
(يجب صوم رمضان) إجماعاً، وهو معلوم من الدين بالضرورة، يكفر جاحد وجوبه، وأحد أركان الإسلام.
من (الرمض) وهو شدة الحر؛ لأن وضع اسمه على مسماه وافق ذلك.
وكذا بقية الشهور؛ بناء على أن اللغات اصطلاحية، والراجح أنها توقيفية، أي بتوقيف الله تعالى عليها لآدم عليه السلام.
وهو أفضل الشهور حتى من عشر ذي الحجة؛ لخبر: "رمضان سيد الشهور"، كما أن ليلة القدر أفضل الليالي، ويوم عرفة أفضل الأيام مطلقاً، ويوم الجمعة أفضل أيام الأسبوع.
نعم؛ يوم ولادته صلى الله عليه وسلم أفضل الأيام مطلقاً في حق أمته، وليلة الإسراء أفضل الليالي في حقه، لكنهما غير دائرين في بقية السنين.
وأفهم المتن أنه لا يكره ذكر رمضان بلا ذكر شهر، وهو كذلك.
(باستكمال شعبان ثلاثين) يوماً، حتى لو رأى شعبان وحده ولم يثبت .. ثبت في حقه باستكمال شعبان ثلاثين من رؤيته.
(أو) بثبوته عند قاض ولو بعلمه إن بين مستنده.
أو (برؤية عدل) واحد (الهلال) بعد الغروب وإن كان حديد البصر، لا بواسطة نحو مرآة ليلة الثلاثين من شعبان.

فصول الكتاب · 4 فصل · 711 صفحة
جارٍ التحميل