شرح المقدمة الحضرمية المسمى بشرى الكريم بشرح مسائل التعليمصفحات 421-460
أهل الأثرالأرشيف العلمي

﴿باب صلاة العيدين﴾ عيد الفطر والأضحى وما يتعلق بهما، وهي كالكسوف والاستسقاء من خواص هذه الأمة.
والعيد مشتق من: العود؛ لتكرره بتكرر السنين، أو لعود السرور فيه.
وأوّل عيد صلاه النبي صلى الله عليه وسلم عيد الفطر من السنة الثانية من الهجرة، وشرع فيها كالأضحية، وفرض رمضان في شعبانها، وزكاة الفطر في رمضانها.
وصلاة عيد الأضحى أفضل من صلاة عيد الفطر، ويوم من رمضان أفضل من يوم عيد الفطر، والتهنئة بالعيد سنة.
ويدخل وقتها في عيد الفطر بمغرب ليلته، وفي الأضحى بصبح عرفة كالتكبير، وبالعام والشهر.
(هي سنة) مؤكدة؛ لمواظبته صلى الله عليه وسلم عليها، وإنما ترك صلاة عيد النحر بمنى؛ لكثرة ما عليه من الأشغال في ذلك اليوم، ولا دليل أنه تركها مطلقاً، بل روي أنه فعلها، وحمل على أنه فعلها منفرداً، ولذلك كانت للحاج منفرداً ولو بغير منى أفضل من الجماعة، ولغيره جماعة لو مسافرين أفضل.
ويكره تعدد الجماعة فيها بلا حاجة.
وهي فرض عين عند أبي حنيفة، وكفاية عند أحمد، وقول عندنا.
(ووقتها بعد طلوع) أوّل شيء من (الشمس) وإن قل، وقيل: بعد تمام طلوعها (إلى الزوال) من اليوم الذي يعيد فيه الناس وإن تأخر يوماً، كما في الوقوف بعرفة.
(ويسن تأخيرها إلى الارتفاع) للشمس قدر رمح؛ للاتباع، وخروجاً من خلاف مالك، وقول عندنا، ففعلها قبل ذلك خلاف الأولى.
(وفعلها في المسجد)؛ لشرفه، وتقف الحيض ببابه؛ ليسمعن الخطبة، لندبه لهن وحرمة دخولهن المسجد، و (ال) في المسجد للجنس الصادق بالمتعدد.

نعم؛ مرَّ كراهة التعدد بلا حاجة (إلا إذ ضاق) المسجد عن الناس، ولا نحو مطر .. فتندب في الصحراء، ويكره مخالفة ذلك فيهما.
نعم؛ مسجد مكة وبيت المقدس لا يضيقان بأهلهما.
وألحق ابن الأستاذ بهما مسجد المدينة؛ لأنه الأن متسع، واعتمداه في "المغني" و"النهاية".
وإذا خرج إلى الصحراء .. استخلف في المسجد من يصلي بالضعفة ومن لم يرد الخروج، ولا يخطب إلا بإذنه.
(و) يسن (إحياء ليلتهما) ولو جمعة (بالعبادة) من نحو صلاة وقراءة وذكر؛ لخبر: "من أحيا ليلتي العيد .. أحيا الله قلبه يوم تموت القلوب"، ويحصل بإحياء معظم الليل وبصلاتي الصبح والعشاء في جماعة، بل وبصلاة الصبح جماعة.
نعم؛ الحاج لا يسن له من الصلاة غير الرواتب، بل اختار جمع عدم سن الرواتب له، بل أنكر ابن الصلاح سن إحيائها للحاج.
(و) يسن (الغسل) لكل من العيدين.
ويدخل وقته (من نصف الليل)؛ ليتسع الوقت لأهل السواد الآتين إليها قبل الفجر؛ لبعد خطتهم.
(والتطيب والتزين) بما مر في الجمعة، إلا إنه هنا يسن له أن يلبس أحسن ثيابه ولو غير بياض، وعند التساوي البياض أولى.
وفارق الجمعة بأن المراد هنا إظهار النعم، وهو بالأعلى أولى، وفي الجمعة إظهار الكمال، وهو في البياض أعلى، وإلا أنه هنا يسن الغسل والتزين والتطيب (للقاعد) أي: لمن لم يرد الخروج لصلاة العيد (والخارج) لها (والكبار، والصغار للمصلي) منهم ولو منفرداً (وغيره)؛ لأن الغسل هنا لليوم، بخلافه في الجمعة فلمريد الحضور، ولذا لم يسن لغيره.
نعم؛ لا يزيل شيئا من بدنه في الأضحى حتى يضحي من معه أضحية.
(و) يسن (خروج العجوز) بإذن زوجها لصلاة العيد والجماعات (ببذلة) أي: في

ثياب مهنتها (بلا طيب) ويتنظفن بالماء، ويكره مع التزين أو التطيب، كما يكره لذات هيئة ولو عجوزاً، ولشابه ولو مبتذلة، بل يصلين في بيوتهن، ولا بأس بجماعتهن، ولا بأن تعظهن واحدة منهن، وندب التزين لمن لم يخرج منهن.
(والبكور) لمريد صلاة العيد ومن الفجر؛ ليحوز فضيلة القرب من الإمام وإنتظار الصلاة، هذا إن خرجوا للصحراء، وإلا .. فيسن خروجه بما يريده من الزينة، ويمكث بعد صلاة الفجر.
فإن لم يخرج بذلك أو أراد زيادة تزيين .. ذهب وتزين، ورجع فوراً، ولو تعارض البكور وتفريق الفطرة .. فالأولى تفريقها، أو والغسل .. أخر له.
ومحل ندب التبكير (لغير الإمام) أمَّا هو .. فالسنة حضوره وقت صلاته (والمشي) إلى المصلى (ذهاباً) أي: في ذهابه إلا لعذر وبسكينة؛ للخبر الصحيح في الجمعة: "وأتوها وأنتم تمشون وعليكم السكينة".
أمَّا مع العذر، كبعد أو ضعف .. فلا بأس بركوبه، كما في رجوعه منها.
(والرجوع) من المصلى (بطريق آخر أقصر) من طريق الذهاب؛ للاتباع.
والحكمة: أن أجر الذهاب أعظم، فندب تطويله؛ ليكثر الأجر بكثرة الخطا، وليستفتى ويتصدق ويزور فيهما، ولتشهد له الطريقان، وغير ذلك (كما في سائر العبادات) فيسن فيها ما ذكر؛ لما ذكر إلا في الحج والغزو .. فيسن فيهما الركوب مطلقاً.
(و) يسن للإمام (الإسراع) في الخروج إلى الصلاة (في) عيد (النحر، والتأخر) قليلاً (في) الخروج إلى صلاة عيد (الفطر)؛ لخبر مرسل فيه، وهو حجة في مثل هذا.
وحكمته: اتساع وقت الأضحية بعد الصلاة.
ووقت إخراج الفطرة قبلها؛ فإن هذا أفضل أوقاتهما.
(و) يسن لكل أحد (الأكل) والشرب (فيه) أي: الفطر (قبلها) أي: الصلاة ولو في الطريق أو المسجد، ولا تنخرم به المروءة؛ للعذر.
(و) يسن (تمر، ووتر) أي: كون مأكوله ذلك، وألحق به الزبيب.

ويمسك في الأضحى؛ للاتباع، وليمتاز يوم العيد عما قبله بالمبادرة بالأكل أو تأخيره، أي: من حيث الأصل وإن كان صائماً فيما قبل الأضحى، ومفطراً فيما قبل عيد الفطر؛ لأن المراد شأنه ذلك.
وصلاة العيد: ركعتان، وهي كغيرها فيما يجب، ويسن، ويكره لكنها تزيد على غيرها بأمور تندب فيها (و) منها: أنه (يكبر) مصليها (في الأولى) ولو قضاء (قبل القراءة) والتعوذ (سبعاً يقيناً) غير تكبيرة الإحرام والركوع، فإن شك أخذ بالأقل (مع رفع اليدين) في كل تكبيرة حذو المنكبين كما مر في صفة الصلاة، وأن يضع يمناه على يسراه بين كل تكبيرتين.
ووقت التكبيرات المذكورة (بين الاستفتاح والتعوذ) فلو تركها ولو سهواً، وشرع في التعوذ، أو في قراءة السورة قبل الفاتحة .. لم تفت، أو في الفاتحة هو أو إمامه قبل تمام المأموم التكبيرات المذكورة .. فاتت؛ لفوات محلها، فلا يتداركها.
ولو أتى به بعد (الفاتحة) .. سن له إعادتها وإن حصل تكرير ركن قولي، وهو مبطل في قول؛ لأنه ضعيف جداً؛ ولأن محله حيث لا عذر، أمَّا معه كما هنا .. فلا، أو بعد الركوع بأن ارتفع ليأتي به .. بطلت صلاته إن علم وتعمد.
(وفي الثانية خمساً) يقيناً، سوى تكبيرة القيام، نظير ما تقرر في الأولى.
ولو ترك إمامه التكبيرات .. لم يأت بها، أو نقص أو زاد .. وافقه سواء أتى به قبل القراءة أو بعدها وقبل الركوع.
نعم؛ الزيادة التي لا يراها أحدهما لا يوافقه فيها.
وإنما أتى المأموم بدعاء الافتتاح، وتكبير الانتقال وإن تركه إمامه؛ لأنهما سنة من الصلاة، والتكبير سنة فيها؛ ولأنهما آكد بكونهما مجمعاً عليهما.
وعبارة (سم): (ولو تركه الإمام .. لم يأت به المأموم، فإن أتى به .. لم تبطل صلاته؛ لأنه ذكر هذا إن اتحدت صلاتهما، أمَّا لو اقتدى مصلي العيد بمصلي الصبح مثلاً .. فإنه يأتي بالتكبير؛ لأن المخالفة مع اتحاد الصلاة تفحش في الجملة، وتعد افتئاتاً على الإمام) اهـ ويكره ترك التكبيرات والزيادة فيها والنقص منها، وترك رفع اليدين والذكر بينهما.

(ولا يكبر المسبوق إلا ما أدرك) من التكبيرات مع إمامه.
قال في "الشرح": (فلو اقتدى به في الأولى مثلاً، وأدرك منها تكبيرة .. كبرها فقط، أو في أوّل الثانية .. كبر معه خمساً فقط، وأتى في ثانيته بخمس فقط؛ لأن في قضاء ذلك ترك سنة أخرى) اهـ قال (ب ج): قال (م ر): ويسن أن يتدارك المتروك مع تكبيرها قياساً على قراءة الجمعة من الركعة الأولى من الجمعة، فإنه إذا تركها فيها .. سن له أن يقرأها مع المنافقين في الثانية، وجرى (حج) على أنه لا يتدارك.
(و) سن (قراءة "ق") في الأولى (و"اقتربت") في الثانية، وإن أمَّ بجمع غير محصورين (أو "الأعلى") في الأولى (و"الغاشية") في الثانية بكمالها؛ للاتباع، والأوليان أولى، ومرَّ أنه يجهر في العيد ولو قضاء.
(ويقول) ندباً (بين كل تكبيرتين) من السبع والخمس المتقدمة (الباقيات الصالحات) المذكورة في آية: (وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ) [الكهف:46] وهي عند ابن عباس، وجماعه: (سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر) ولو زاد ذكراً آخر .. جاز إن لم يطل فصل.
ومن الجائز: ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
ويسن كون ذلك (سراً) والتكبير جهراً، وكونه (واضعاً يمناه على يسراه) تحت صدره (بينهما) أي: بين كل من التكبيرات المذكورة، ولو والى التكبير والرفع .. لم تبطل صلاته، حيث لم يزد على المسنون عند (م ر).
وقال (حج): (تبطل، وإنه لو اقتدى بحنفي والى التكبير والرفع .. لزمه مفارقته، قال: وليس كما مر في سجود الشكر من أنه لا يلزمه مفارقته إذا سجد في (ص)؛ لأن المأموم يرى مطلق السجود في الصلاة، لا توالي الأفعال اختياراً، ويظهر ضبط الموالاة بأن لا يستقر العضو بحيث ينفصل رفعه من هويه، حتى لا يسميان حركة واحدة) اهـ ولا تبطل بالشك في الموالاة.

ويسن وصل التعوذ بالتكبيرات (ثم) إذا أتم الصلاة .. (خطب) ندباً ولو لاثنين .. ولو مسافرين وإن خرج الوقت، وصلوا فرادى لا لواحد ولا لجماعة النساء إلا أن يخطب لهن ذكر .. فلا يعتد بهما قبلها إجماعاً (خطبتين) كخطبتي الجمعة في الأركان والسنن دون الشروط، فلا تجب لهن، بل تسن.
لكن لابد من السماع، ولو لواحد، وكذا كونها عربية عند (م ر) ويسن أن يسلم كما مر في خطبة الجمعة، وأن يقبل عليهم ثم (يجلس قبلهما جلسة خفيفة) بقدر الأذان في الجمعة، ثم يشرع فيهما (ويذكر فيهما) أي: الخطبتين (ما يليق) بالحال فيتعرض لأحكام زكاة الفطر في عيده، ولأحكام الأضحية في عيدها؛ للاتباع في بعض ذلك، وقياسا في الباقي.
(ويكبر) ندباً (في) الخطبة (الأولى) عند افتتاحها (تسعاً) متوالية يقيناً إفراداً.
(وفي) الخطبة (الثانية) عند افتتاحها (سبعاً ولاء) كذلك؛ لقول بعض التابعين: إنه من السنة، والتكبير المذكور مقدمه، والشيء قد يفتتح بمقدمه.
وقال الكردي: وقوله: (متوالية) قال (سم): فيضر الفصل الطويل.
وفي "المغني" و"النهاية": الولاء في التكبيرات، وكذا الإفراد سنة، فلو فصل بين التكبيرات بذكر أو قراءة .. جاز، وفي "شرحي الإرشاد": كان حسناً.
وينبغي أن يفصل بين الخطبتين بالتكبير، ويكثر منه في فصول الخطبة.


(فصل) في توابع ما مر.

(يكبر) ندباً كل أحد (غير الحاج) ويسن كونه (برفع الصوت إن كان رجلاً)، إظهاراً لشعار العيد.
أمَّا غير الذكر .. فلا يرفع صوته به إن خلا عن الرجال الأجانب، لكن دون جهر الرجل؛ قياساً على جهر الصلاة (من غروب ليلة العيدين في الطرق ونحوها) من المنازل

والمساجد والأسواق وغيرها، ماشياً وراكباً وقائماً وقاعداً ومضجعاً في جميع الأحوال، إلا في نحو خلاء؛ لآية: (وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ) [البقرة:185] أي: عند إكمالها، وهذا التكبير المرسل والمطلق إذ لا يتقيد بصلاة ولا غيرها.
ويسن تأخيره عن أذكارها، فإن قدمه عليها .. كره إن نوى به المقيد، وإلا .. فاته الأفضل، ولا كراهة.
وتكبير ليلة عيد الفطر آكد من تكبير ليلة عيد الأضحى؛ للنص عليه، وتكبير ليلة عيد الأضحى بالقياس عليه، ومقيد الأضحى أفضل من المرسل بقسميه؛ لشرفه بالصلاة.
(ويتأكد مع الزحمة) وتغاير الأحوال؛ قياسا على التلبية للحاج.
وصيغته المحبوبة المندوبة التي تداولها أهل كل عصر؛ لاشتمالها على ما صح في مسلم على الصفا مع زيادة أخذت من فعل بعض الصحابة والسلف هي: (ثلاث تكبيرات متوالية، ويزيد:) بعد الثلاث (لا إله إلا الله، والله اكبر الله اكبر، ولله الحمد، وندب زيادة: الله أكبر كبيراً، والحمد لله كثيراً، وسبحان الله بكرة وأصيلاً) الأصيل: العصر، والمراد جميع الأزمنة.
ويزيد ندبا: لا إله إلا الله، ولا نعبد إلا إياه، مخلصين له الدين ولو كره الكافرون، لا إله إلا الله وحده، صدق وعده، وأعز جنده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده، لا إله إلا الله، والله اكبر؛ لأنه مناسب، ولأنه صلى الله عليه وسلم قال نحو ذلك على الصفا.
(ويستمر) مكبراً كذلك (إلى تحرم الإمام) أي: نطقه بالراء منه لمن صلى مأموماً، وإلى إحرام نفسه لمن صلى منفرداً، وإلى الزوال لمن لم يصل؛ لتمكنه من إيقاعه إليه.
وفي (ب ج) وغيره: المراد من تحرم الإمام دخول وقت إحرامه المطلوب، سواء صلى معه أو منفرداً، أو لم يصل، أو أخر الإمام صلاته.
(ويكبر الحاج من ظهر يوم النحر إلى صبح آخر) أيام (التشريق)؛ لأن أوّل صلاة يصليها بعد تحلله الظهر.

وآخر صلاة يصليها بمنى قبل نفره الثاني الصبح، إي: شأنه الأكمل ذلك، فلا فرق بين أن يقدم أو يؤخر عن ذلك، ولا بين من بمنى وغيره كما في "الشرح" وغيره لـ (حج) واعتمد (م ر): أن العبرة بالتحلل، تقدم أو تأخر، فمتى تحلل .. كبر.
وقال الرشيدي على قول "المنهاج": ويختم بصبح آخر أيام التشريق، أي: من حيث كونه حاجاً، كما يؤخذ من العلة، وإلا .. فمن المعلوم أنه بعد ذلك يكبر إلى الغروب مثل غيره، فتنبه له، وأقره غيره عليه.
(ويكبر غيره) أي: الحاج (من) عقب فعل (صبح عرفة إلى) عقب فعل (عصر آخر) أيام (التشريق)؛ للاتباع، وهذا معتمد (حج).
واعتمد (م ر): أنه يدخل بفجر يوم عرفة وإن لم يصلها، وينتهي بغروب آخر أيام التشريق، وعلى كل يكبر بعد صلاة العصر وينتهي به عند (حج)، وعند (م ر) بالغروب.
وإنما يندب التكبير المذكور لحاج وغيره (بعد صلاة كل فرض أو نفل، أداء وقضاء وجنازة ومنذورة) في الأيام المذكورة دون غيرها، فلو فاتته صلاة من هذه الأيام وقضاها في غيرها .. لم يكبر.
وخرج بـ (الصلاة): سجدة تلاوة وشكر، فلا يكبر بعدهما، والخلاف في تكبير يرفع به صوته، ويجعله شعاراً للوقت، وإلا فلو استغرق عمره بالتكبير .. كان حسناً.
(وإن نسي) التكبير، أو تركه عمداً عقب الصلاة ( .. كبر إذا تذكر) أو إذا أراده ما دامت أيام التشريق وإن طال الفصل؛ لأنه شعار للوقت، لا تتمة للصلاة، بخلاف سجود السهو.
(ويكبر) ندباً (لرؤية النعم) مرة كما في "الايعاب" (في الأيام المعلومات وهي عشر ذي الحجة)؛ لقوله تعالى: (وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ) [الحج:28] وأما (وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ) [البقرة:203] .. فقال البيضاوي: كبروه إدبار الصلوات، وعند ذبح القرابين، ورمي الجمار وغيرها في أيام التشريق.

(ولو شهدوا) وقُبلوا (قبل الزوال) يوم الثلاثين من رمضان برؤية الهلال، وقد بقي من الوقت ما يسع جمع الناس، وصلاة العيد أو ركعة منها (برؤية الهلال الليلة الماضية .. أفطرنا وصلينا العيد) أداء؛ لبقاء وقته.
أو قبل الزوال بزمن لا يسع ما ذكر (أو بعد الزوال، وعدلوا قبل الغروب) .. قبلوا وافطرنا، لكن الصلاة (فاتت) أي: فات أداؤها؛ لخروج وقتها.
نعم؛ تسن لمنفرد ومن حضر معه إن بقي ما يسع ركعة، ثم مع الناس؛ إذ تسن إعادتها، ومحل اشتراط الوقت للإعادة في غير ذلك.
(وتقضى) إذا فات وقتها متى شاء مريده ككل مؤقتة، وفي باقي اليوم أولى، فإن عسر اجتماع الناس فيه .. ففي الغد، أمَّا المنفرد .. فيعجل.
(أو) شهدوا (بعد الغروب) أو قبله، وعُدِّلوا بعده .. لم يُقبلوا بالنسبة لصلاة العيد؛ إذ لا فائدة في قبولهم إلا منع الصلاة في الغد، و (صليت من الغد أداء)؛ للخبر الصحيح: "الفطر يوم يفطر الناس، والأضحى يوم يضحي الناس، وعرفة يوم يعرف الناس".
أمَّا بالنسبة لغيرها، كأجل وطلاق وعتق ونحوها علقت بشوال .. فيقبلوا.
ومن الغير زكاة الفطر، فتخرج قبل الغد، ويصح صوم الغد كما في (ب ج)؛ لأنه ثاني شوال.


﴿باب صلاة الكسوف﴾ للشمس وللقمر.
ويقال أيضا: خسوفان، وللأول: كسوف، وللثاني: خسوف، وهو الأشهر والأفصح، وقيل: عكسه.
وشرعت صلاة كسوف الشمس في السنة الثانية للهجرة، وصلاة خسوف القمر في جمادى الآخر من السنة الخامسة.
(هي سنة مؤكدة) لمنفرد وغيره، ويكره تركها وإن لم يثبت فيه نهي مخصوص؛ لتأكدها، وللخلاف في وجوبها، وهو إذا لم يكن شاذاً .. ينزل منزلة النهي المخصوص.
(وهي ركعتان) يحرم بهما بنية صلاة كسوف الشمس أو القمر ولو سلم منها والكسوف باق لم يفتتح أخرى له، كما لا يجوز زيادة في عدد ركوعها على الأوجه، وتسن إعادتها مع جماعة، ويجوز فيها ثلاث كيفيات: أحدها -وهي أقلها-: أن تصلى كركعتي سنة الصبح، وليس له حينئذٍ أن يصليها بأكمل من ذلك، كما إنه إذا نوى الأكمل .. ليس له أن يأتي بالأقل، بل يأتي بأدنى الكمال، أو بالأكمل، وفي الإطلاق يخير بين الثلاث الكيفيات عند (م ر).
وعند (حج): لا يجوز إلا الاقتصار حينئذٍ على الأقل.
وظاهر كلامهم: أن له الأكمل بنية أدنى الكمال، وعكسه، وهذا في غير مأموم، أمَّا هو فإذا أطلق .. فيتبع إمامه، وإن نوى الأقل والإمام الأكمل أو عكسه .. لم تصح له؛ لعدم تمكنه من متابعة إمامه.
(و) ثانيها: أنه (يستحب) حيث لا عذر (زيادة قيامين) يقرأ الفاتحة في كلٍ وجوباً، وشيئاً من القرآن بلا تطويل ندباً (وركوعين) يقتصر فيهما على العادة، بأن يجعل في كل ركعة قياماً بعد الركوع وركوعاً بعد القيام الثاني.
وندب تعوذ للقراءة في كل قيام، وسمع الله لمن حمده، ثم ربنا لك الحمد في كل اعتدال وإن كان يقرأ فيه.

(و) ثالثها: وهي الأكمل: أنه يندب (تطويل القيامات) وإن لم يرض المأمومون إلا لعذر، كما إذا بدأ بالكسوف قبل الفرض كما يأتي.
فيقرأ بعد ما يطلب من (الفاتحة) والافتتاح والتعوذ في القيام الأول (البقرة)، وفي الثاني: (آل عمران)، وفي الثالث: (النساء)، وفي الرابع: (المائدة)، أو قدرهن، (والبقرة) لمن يحسنها أفضل.
وفي "الأم": يقرا في الأوّل: (البقرة) والثاني كمئتي آية معتدلة منها، والثالث كمئة وخمسين منها، والرابع كمئة منها.
قال الشيخان: الأمر في ذلك على التقريب، فيخير بينهما، وبينت وجهه في "الأصل".
(وتطويل الركوعات والسجودات)؛ للاتباع، بأن يسبح في أول كل منهما كمئة آية من البقرة، وفي الثاني كثمانين، وفي الثالث كسبعين، وفي الرابع كخمسين تقريباً في الجميع، والمعتبر الوسط من الآيات.
وتسن جماعة وفي المسجد وإن ضاق؛ لأن الخروج للصحراء يعرضها للفوات.
(والجهر) بالقراءة (في) صلاة كسوف (القمر) إجماعا؛ لأنها ليلية أو ملحقة بها، والإسرار في صلاة كسوف الشمس؛ للاتباع.
(ثم خطب خطبتين) بعد الصلاة إجماعا كخطبتي الجمعة في أركان وسنن على ما مر في خطبة العيد (أو واحدة) على ما في "البويطي".
والمعتمد: أنه لا بد من الخطبتين.
(ويحث) الخطيب الناس (على الخير) من توبة وصدقة وعتق، ويحذرهم من الغفلة والتمادي في الغرور، ويذكر ما يناسب الحال؛ للاتباع في التحذير والأمر به في الباقي.
ولا تدرك الركعة بالركوع الثاني من كل منهما كما مر.
وسن هنا الغسل لا التزين؛ لخوف الفوات.
(وتفوت) صلاة (الكسوف) إذ لم يشرع فيها (بالانجلاء) التام يقيناً، لا لبعضه أو مع الشك، ولا نظر هنا لقول المنجمين وإن كثروا.

فإن انجلى أثناءها .. فيتمها أداء وإن كانت لا توصف بالقضاء.
ولو بان الانجلاء قبل الشروع فيها وهي-كسنة الصبح- وقعت نفلاً مطلقاً، وإلا .. لم تنعقد.
(و) تفوت أيضاً (بغروب الشمس) كاسفة؛ لزوال سلطانها، والانتفاع بها.
(و) تفوت صلاة (الخسوف) للقمر قبل الشروع فيها (بالانجلاء) لجميعه، كما في الشمس.
(وبطلوع الشمس)؛ ولزوال سلطانه (لا بالفجر) أي: بطلوعه والقمر خاسف، فلا تفوت في الجديد؛ لبقاء ظلمة الليل، والانتفاع بضوئه، وله الشروع فيها لو خسف بعد الفجر (ولا بغروبه خاسفاً) ولو بعد الفجر وقبل طلوع الشمس، كما لو غاب تحت سحاب مع بقاء سلطانه.
ولا تفوت الخطبة بالانجلاء؛ لأن خطبته صلى الله عليه وسلم إنما كانت بعده.
(وإذا اجتمع صلوات وخاف) مريدها (فواتها .. قدم) الأخوف فوتاً، ثم الآكد، لكن يقدم (الفرض) العيني وجوباً، ولو منذوراً عند خوف فواته وإن كان غيره أخوف منه فوتاً؛ لتحتمه، فكان أهم.
ففي الجمعة يخطب لها ثم يصليها، ثم يصلي الكسوف، ثم يخطب له.
(ثم) يقدم وجوباً بعد الفرض العيني صلاة (الجنازة)؛ لأنها وإن لم يخش فوت وقت صلاتها بالتأخير مظنة التغير.
فإن خيف تغيرها .. وجب تقديمها حتى على الفرض العيني ولو جمعة وإن خرج وقته؛ لأن الاشتغال بدفنها عذر في إخراج الفرض عن وقته، ولا بأس بتأخيرها عن الجمعة؛ لكثرة المصلين إن لم يخش تغيرها؛ لأنه تأخير يسير لمصلحة.
كما أطبقوا على تأخيرها إلى ما بعد صلاة نحو العصر؛ لكثرة المصلين حينئذٍ، وقضيته: وإن قد صلِّى عليها.
(ثم) بعدهما .. يقدم (العيد)؛ لأنه آكد من الكسوف (ثم الكسوف) ولو اجتمع

كسوف ووتر .. قدم الكسوف وإن تيقن فوت الوتر؛ لأن الكسوف آكد ولا يقضى إذا فات بخلاف الوتر.
(وإن وسع الوقت) وأمن الفوات ( .. قدم الجنازة) مطلقاً، (ثم الكسوف)؛ لخوف فوته بالانجلاء.
فيقرأ فيه بعد (الفاتحة) بنحو سورة (الإخلاص) في كل قيام، ثم الفرض، ثم العيد، لكن يؤخر خطبة الكسوف عن الفرض؛ إذ لا يخاف فوتها.
وإن اجتمع عيد وكسوف مع جمعة وصلاهما بعدها .. كفى لهما خطبتان بعدهما، يذكر أحكامهما فيهما، ويراعي العيد، فيكبر في الخطبة؛ لأنه أفضل.
وإنما لا يضر التشريك هنا مع أنهما سنتان مقصودتان؛ لأنهما تابعتان للصلاة، ويغتفر في التابع ما لا يغتفر في غيره.
فإن صلاهما قبلها .. سقطت خطبتهما؛ للمبادرة بأداء الفرض، وخطب بعدهما بقصد خطبتها فقط، فإن نواهما معها .. بطلت؛ لأنه شرَّك بين فرض ونفل مقصود، وهو يضر، وليس هذا كما لو نوى الفرض وسنة الوضوء بالصلاة؛ لأن المقصود من سنة الوضوء يحصل بالفرض.
وخطبة الجمعة لا تتضمن خطبة الكسوف.
(ويصلون لنحو الزلازل والصواعق) والريح الشديدة (منفردين) ركعتين، لا كصلاة الكسوف ولا جماعة؛ لعدم ورودها، وذلك لئلا يكونوا غافلين.
ويظهر أنها ينوي بها رفع ذلك، وأنها تدخل في غيرها.


﴿باب صلاة الاستسقاء﴾ وما يتبع ذلك.
والاستسقاء لغة: طلب السقيا.
وشرعاً: طلب سقيا العباد كلاً أو بعضاً من الله تعالى عند الحاجة إليها.
ولو قال باب الاستسقاء .. لكان أعم، فيشمل الاستسقاء بالصلاة وغيرها، والأصل فيه الاتباع، والإجماع.
نعم؛ النوع الثالث بدعة عند الحنفية، وهو مردود بالأخبار الصحيحة.
وقدم الكسوف عليها؛ لأنها أفضل منها.
(وسن) مؤكداً لكل أحد (الاستسقاء) بأنواعه الثلاث عند الاحتياج للماء أو زيادته ولو للغير ما لم يكن ذا بدعة أو ضلالة.
وأدنى الثلاثة كونه (بالدعاء) فرادى أو مجتمعين في أي وقت من غير صلاة.
وأوسطها بالدعاء (خلف الصلوات) ولو نفلاً (وفي خطبة الجمعة) ونحوها كعقب درس وأذان؛ لأنه في ذلك أقرب إلى الإجابة.
(و) ثالثها وهو (الأفضل): الاستسقاء بخطبتين وركعتين على الكيفية الآتية؛ لثبوتها في الصحيحين وغيرهما.
ويكرر الاستسقاء بأنواعه الثلاثة، أو بعضها حتى يسقوا؛ لخبر: "إن الله يحب الملحين في الدعاء".
فإن أرادوا التكرير بالصلاة والخطبة .. خرج بهم من الغد صياماً، فإن شق ورأى التأخير أياماً .. صام بهم ثلاثاً، وخرج بهم في الرابع صياماً، وهكذا.
فإن سقوا قبل الصلاة .. أتموا صيام الأيام إن لم تتم، واجتمعوا لشكر ودعاء، وخطب بهم، وصلوا صلاة الاستسقاء.
وفرق في "التحفة" بين هذا، وما لو وقع الانجلاء بعد اجتماعهم.
ووجهه: أن القصد بالصلاة ثم دفع التخويف المقصود بالكسوف، كما دلت عليه

الأحاديث، وقد زال، وهنا تجديد الشكر على هذه النعمة الظاهرة، ولم يفت.
أو بعدها .. لم يجتمعوا لشكر ولا دعاء.
ويسن -كما في "التحفة" و"النهاية"- أو يجب -كما في "فتاوى (م ر) "-، حيث اقتضت المصلحة ذلك (أن يأمر الإمام) أو نائبه العام، كالقاضي والوزير أو ذو شوكة بمحل انحصرت قوته فيه (الناس) مريد الحضور وغيره (بالبر) من نحو صدقة وعتق وتوبة وخروج من المظالم.
(و) يأمر المطيقين منهم بموالاة (صوم ثلاثة أيام) قبل يوم الخروج الآتي؛ لأن الصوم معين على الرياضة والخشوع، وبأمره يصير واجباً، فيجب فيه تبييت النية، والتعيين كما قاله الشرقاوي.
ولو لم يبيت ونوى نهاراً .. كفاه عن المأمور به، ووقع نفلاً مطلقاً.
فتبييت النية إنما هو لدفع الإثم، وإذا لم ينو نهاراً .. لم يجب عليه الإمساك، ولا يجب قضاؤه، ويكفي صوم هذه الأيام المأمور بها عن نذر أو قضاء أو كفارة.
ولا يجوز فطره عند (م ر) في السفر؛ لأنه لا يقضي، ولا يجب على الآمر وإن قلنا: المتكلم يدخل في عموم كلامه؛ لبعد أن يوجب الإنسان على نفسه شيئاً بغير صيغة التزام.
وإذا سقوا قبل تمام الأيام المأمور بها .. وجب إتمامها.
ولو أمر الإمام بالصيام في النصف الأخير من شعبان، أو أمر الصبيان بالصوم .. وجب، ولو أمر من هو في ولايته، ثم خرج عنها .. لم يسقط، ولو أمر بصدقة .. وجب أقل متمول، والمخاطب به من يخاطب بزكاة الفطر، فإن عين قدراً على كل إنسان أو بعض الناس .. لزمه ما عينه إن كان غنياً، فإن كان بقدر زكاة الفطر .. لزم من تلزمه، وإن كان زائداً عليها .. وجب إن كان غني زكاة، أي: بأن فضل عما يكفيه للعمر الغالب، وإلا .. وجب أقل متمول، وإذا أمر بحرام على المأمور وإن لم يكن حراماً عند الآمر .. لم تجب طاعته فيه، أو بمباح للمأمور كالتسعير، أو بمندوب لا مصلحة عامة فيه، كصلاة راتبة .. وجب ظاهراً فقط، أو بمندوب فيه مصلحة عامة كالصيام للاستسقاء .. وجب ظاهراً وباطناً، أو بواجب .. تأكد وجوبه، وفي "الأصل" بسط هنا.

(ويخرجون) بعد صوم الثلاثة حيث لا عذر (في) اليوم (الرابع صياماً) فيه كالثلاثة قبله؛ إذ الصائم لا ترد دعوته، ونظم من لا يرد دعاؤهم بعضهم بقوله (البسيط): وسبعة لا يرد الله دعوتهم ... مظلومُ والدُ ذو صوم وذو مرض ودعوةٌ لأخ بالغيب، ثم نبي ... لأمة ثم ذو حج بذاك قضي (إلى الصحراء) ولو في مكة والمدينة وايلياء؛ لأنهم يخرجون بالصبيان والبهائم، والمسجد ينزه عنهم.
وفي "التحفة": إلا في المساجد الثلاثة على ما قاله جمع؛ لاتباع السلف والخلف.
والصبيان والبهائم توقف بباب المسجد، وإلا إن قلوا .. فالمسجد أفضل لهم (بثياب البذلة) -بكسر الموحدة، وسكون المعجمة- أي: ثياب الخدمة؛ لأنه اللائق بالحال من إظهار المسكنة، ولا يصحبون طيباً (متخشعين) في مشيهم وجلوسهم، مع حضور القلب وامتلائه بالهيبة والخوف من الله تعالى.
(و) يخرجون (بالمشايخ والصبيان) ولو غير مميزين؛ لأن دعاءهم أقرب إلى الإجابة، وبالمجانين الذين لا يخاف منهم عند (حج) (والبهائم)؛ لأن الجميع طالبون فضله تعالى؛ ولخبر: "لولا شباب خشع، وبهائم رتع، وشيوخ ركع، وأطفال رضع .. لصب عليكم العذاب صباً".
ويكره إخراج الكفار ولو ذميين معنا أو منفردين؛ لأنهم ربما كانوا سبب القحط، فإن خرجوا .. أمروا بالتميز عنا، ولا ينفردون بيوم كما في "التحفة" و"شرحي الإرشاد".
وفي "الايعاب": ينبغي أن يحرص الإمام على أن يكون خروجهم في غير يوم خروجنا.
وفي "شرحي الزبد والبهجة" لـ (م ر): ولا يمنعون في يومنا ولا غيره.
ويسن كون خروجهم (بعد غسل وتنظيف) بالماء والسواك وقطع الروائح الكريهة؛ لئلا يتأذى بعضهم ببعض، وخروج في طريق، ورجوع بأخرى.
(ويصلون) الاستسقاء (ركعتين كالعيد) أي: كصلاته، فيكبر في أوّل الأولى

سبعاً، وأول الثانية خمساً يقيناً، ويأتي بجميع ما مرَّ ثم، ويجوز إن يصليها بأكثر من ركعتين بإحرام واحد إن نوى ذلك عند (حج).
وتخالف العيد في: جواز الزيادة على الركعتين، وفي عدم تقييدها بوقت، بل تجوز ولو في الليل، ووقت الكراهة.
نعم؛ الأكمل صلاتها في وقت العيد، وفي المناداة لها والصوم قبلها.
(ويخطب خطبتين) كخطبتي العيد فيما مر فيهما، لكن يجوز هنا خطبتان (أو واحدة) على ما مر في الكسوف وكونها قبل الصلاة (وبعدها أفضل)؛ لأنه الأكثر من فعله صلى الله عليه وسلم، بخلاف خطبة العيد والكسوف لم ترد قبل صلاتهما.
(و) في أنه إذا خطب هنا (استغفر الله تعالى بدل التكبير) قبل الخطبة الأولى تسعاً، وقبل الثانية سبعاً يقيناً؛ لأنه اللائق، ولآية (اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً) [نوح:10] ويسن الإكثار من قراءتها إلى (أَنْهَاراً).
ومن الاستغفار، والأولى كون صيغته: استغفر الله الذي لا إله إلا هو الحي القيوم وأتوب إليه.
وقيل: يكبر كالعيد (ويدعو) في الخطبتين (جهراً) والأولى كونه بدعاء رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ومنه دعاء الكرب، وهو: لا إله إلا الله العظيم الحليم، لا إله إلا الله رب العرش العظيم، لا إله إلا الله رب السموات وورب الأرض ورب العرش الكريم.
ومنه: يا حي يا قيوم برحمتك أستغيث.
ويسن الإكثار من: اللهم ربنا آتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار.
ومن الأدعية الواردة في ذلك ومنها: اللهم اسقنا غيثاً مغيثاً هنيئاً مريئاً مُريعاً -بضم أوله- غدقاً مجللاً سحاً طبقاً دائماً، اللهم اسقنا الغيث والرحمة ولا تجعلنا من القانطين، اللهم إن بالعباد والبلاد والخلق من اللأواء والجهد والضنك ما لا نشكو إلا إليك، اللهم أنبت لنا الزرع، وادرّ لنا الضرع، واسقنا من بركات السماء، وأنبت لنا من بركات الأرض، اللهم ارفع عنا الجد والجوع والعري، واكشف عنا من البلاء ما لا يكشفه غيرك، اللهم إنا نستغفرك إنك كنت غفاراً، فأرسل السماء علينا مدراراً.

(و) تخالف الخطبة هنا خطبة العيد أيضاً في أنه إذا خطب هنا (استقبل القبلة) بالدعاء (بعد) مضي (ثلث الخطبة الثانية) كما هو الأفضل إلى فراغ الدعاء فإن استقبل في الأولى .. جاز ولم يستقبل في الثانية، وإلا .. كره.
(وحوَّل الإمام والناس) حال جلوسهم (ثيابهم) أي: أرديتهم (حينئذٍ) أي: حين استقباله القبلة، بأن يجعل ما كان على كل جانب من الأيمن والأيسر والأعلى والأسفل على الآخر، وهذا في المربع.
أمَّا المثلث والمدور والبالغ الطول .. فليس فيه إلا تحويل ما على أحد الجانبين على الآخر.
وحكمته: التفاؤل بتغيير الحال إلى الرخاء.
(وبالغ فيها) أي: الثانية حال استقباله (في الدعاء سراً وجهراً) فإذا أسرَّ .. دعوا سراً، وإذا جهر .. أمَّنُوا على دعائه، ويجعلون ظهور أكفهم في الدعاء إلى السماء ككل دعاء لرفع بلاء واقع أو متوقع.
(ثم) بعد فراغه من الدعاء (استقبل الناس) وحثهم على الطاعة، وصلى وسلم على النبي صلى الله عليه وسلم، وختم بأستغفر الله لي ولكم، وترك كلٌّ رداءه محولاً حتى ينزع ثيابه، ويستشفع كلٌّ بخالص عمله، وبأهل الخير سيما أقاربه صلى الله عليه وسلم.


(فصل) في توابع ما مر:

(ويسن أن يظهر غير عورته) لكل مطر، و (لأول مطر السنة) آكد؛ للاتباع، ولأنه حديث عهد بربه، أي: بتكوينه.
والمراد بأول مطر السنة: أوَّل واقع بعد طول العهد بعدمه، وبالعورة: عورة المحارم.
وأصل السنة يحصل بكشف جزء من بدنه وإن قل.

(ويغتسل ويتوضأ في السيل) سواء سيل أوّل السنة وغيره (فإن لم يجمعهما) .. فليغتسل، فإن لم يغتسل ( .. فليتوضأ).
قال (ب ج): (ولا يحتاج فيهما من حيث التبرك إلى نية، وله نية السبب ونية غيرهما إن صادفه، ويحصلان معه، وهذا هو المعتمد، ثم قال: والقياس أنه لا يحتاج لترتيب، إذ المقصود وصول الماء إلى الأعضاء) اهـ لكن في "التحفة": أنهما كغيرهما، فيكفي نية الغسل في السيل للغسل، أمَّا الوضوء .. فلا بد له من نية معتبرة مما مرَّ في بابه.
(ويسبح للرعد) وهو ملك (والبرق) وهو أجنحته يسوق بهما السحاب، فالمسموع صوته، أي: يسبح عندهما، وإن لم يسمع ولم ير (ولا يتبعه) أي: البرق، ومثله: الرعد والمطر (بصره)؛ لما صح: أن ابن الزبير كان إذا سمع الرعد .. ترك الحديث، وقال: (سبحان من يسبح الرعد بحمده والملائكة من خيفته)، وقيس بالرعد البرق.
وقال الماوردي: إن السلف كانوا يكرهون الإشارة إلى الرعد والبرق، ويقولون عند ذلك: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، سبوح قدوس، فيختار الاقتداء بهم.
(ويقول عند نزول المطر اللهم صيِّباً) -بتحتية مشدّدة- المطر الكثير (هنيئاً، وسيِّباً) أي: عطاء (نافعاً) مرتين أو ثلاثاً؛ للاتباع المأخوذ من أحاديث متفرقة.
ويكثر الدعاء والشكر حال المطر (و) يقول (بعده) أي: بعد نزول المطر (مطرنا بفضل الله ورحمته) ويكره تنزيهاً: مطرنا بنوء كذا، أي: بوقت النجم الفلاني؛ لإيهام أن للنوء تأثيراً، فإن اعتقد أنه يؤثر .. كفر.
(و) يقول (عند التضرر بكثرة المطر) أو دوام الغيم: (اللهم حوالينا ولا علينا) -أي: اصرفه عما يضره من نحو الأبنية إلى ما لا يضره من نحو الجبال والصحارى- اللهم على الآكام والظراب وبطون الأودية ومنابت الشجر، اللهم سقيا رحمة -أي: اسقنا سقيا رحمة- ولا سقيا عذاب، ولا محق ولا بلاء، ولا هدم ولا غرق.
ولا يصلي للتضرر بذلك كما في "المنهاج" قال (م ر): (لأنه لم يرد، لكن ذكروا: أنها تسن لنحو الزلزلة في بيته منفرداً، وظاهر أن هذا مثله) اهـ قال (ب ج): فينوي بها رفع المطر.
(ويكره سب الريح) ولو غير معتادة؛ لأنها من روح الله أي: غالباً؛ للنهي عن سبها، بل يسأل الله خيرها ويستعيذ به من شرها، كما في الحديث.


(فصل) في حكم تارك الصلاة

المكتوبة جحداً أو كسلاً.
(من جحد) وهو مكلف (وجوب) الصلاة (المكتوبة) أو ركناً مجمعاً عليه منها أو فيه خلاف واه، كذا في "التحفة"، وفيه نظر؛ إذ لا يكفر بارتكاب المجمع عليه إلا إن علم من الدين بالضرورة، وما فيه خلاف .. ليس معلوماً من الدين بالضرورة.
( .. كفر) إجماعاً وإن فعلها، ككل معلوم من الدين بالضرورة؛ إذ الإيمان التصديق بما علم من الدين بالضرورة، وعدم التصديق بذلك ضده، وهو الكفر.
أمَّا غير المكلف .. فمرفوع عنه كل حرج، فلا معصية ولا كفر له.
(أو تركها) أي: المكتوبة (كسلاً) أو تهاوناً مع اعتقاد وجوبها (أو) ترك (الوضوء) لها ونحوه من واجباتها المعلومة من الدين بالضرورة (أو) ترك (الجمعة) إن وجبت عليه إجماعاً، لا أهل القرى؛ لخلاف أبي حنيفة في وجوبها عليهم (و) إن (صلى الظهر) كما في "التحقيق" وغيره، وهو المعتمد.
وأفتى الغزالي، وأقره الرافعي وابن الرفعة وصاحب الإرشاد: أنه إذا قال: أصلي الظهر .. لا يقتل، أي: وإن كان مرتكباً كبيرة بتركها.
قال في "الفتح": ويقويه أن أبا حنيفة وصاحبيه قالوا: تجزئه الظهر، إلا أن يقال: إنه واه.
( .. فهو مسلم) وإن عصى بتركها؛ لما في الحديث: "إن الله إن شاء .. عفا عنه، وإن شاء .. عذبه"، والكافر لا يدخل في ذلك تحت المشيئة.

وأمَّا خبر مسلم: "بين العبد وبين الكفر ترك الصلاة" .. فمحمول على جحدها، أو على التغليظ.
(و) مع كونه مسلماً (يجب) على الإمام أو نائبه دون غيرهما (قتله) ولو بصلاة واحدة، لكن بشرط إخراجها عن وقت الضرورة.
فلا يقتله بترك الظهر حتى تغرب الشمس، ولا بترك المغرب حتى يطلع الفجر.
ويقتله في الصبح بطلوع الشمس، وفي العشاء بطلوع الفجر، لا يقال لا يقتل بالحاضرة؛ لأنه لم يخرجها عن وقتها، ولا بالفائتة؛ لأنه لا قتل بالقضاء وإن وجب فوراً؛ لأنا نقول: بأن يقتل بالحاضرة إذا أمره بها الإمام أو نائبه دون غيرهما في الوقت، بحيث يبقى منه ما يسع الصلاة والطهارة.
وقيل: ما يسع ركعة، وتوعده بالقتل على إخراجها، فامتنع حتى خرج وقتها؛ لأنه حينئذٍ معاند للشرع عناداً يقتضي مثله القتل، فهو ليس لحاضرة فقط، ولا لفائتة فقط، بل لمجموع الأمرين: الأمر، والإخراج مع التصميم.
وخرج بـ (كسلاً): ما لو تركها لعذر ولو فاسداً، كأن قال: صليت، وإن ظن كذبه.
وقال (ب ج): وإن قطع بكذبه؛ لاحتمال طروء حال عليه .. تجوز له الصلاة بالإيماء، لكن يجب أمره بها، وكأن فقد الطهورين، وكذا كل من تلزمه الإعادة؛ للخلاف في وجوبها عليه، وكذا كل ما اختلف فيه خلافاً غير واهٍ، وإن لم يقلده؛ لأن خلاف العلماء شبهة، والحدود تدرأ بالشبهات.
وإنما يقتل (بالسيف) ويمتنع بغيره؛ لخبر: "وإذا قتلتم .. فأحسنوا القتلة".
(بعد الاستتابة) وجوباً -على ما في "الروضة"- كالمرتد، أو ندبا -كما في "التحقيق"- بمعنى أن القتل يجوز بغيرها، وإن وجبت لا لقتله بل من حيث الأمر بالمعروف.
وفرقوا بأن المرتد في النار، فوجبت استتابتة، بخلاف هذا، فهو مسلم مصيره إلى الجنة، فإذا استتيب .. قتل.
(إن لم يتب) فإن تاب .. وجب قبول توبته، وصار معصوماً؛ لأنه بالتوبة خرج عن المعاندة المقتضية لقتله.

واستشكل قبول توبته، وهو حد، والحدود لا تسقط بالتوبة، وأجيب بأجوبة: منها: أن التوبة هنا تفيد تدارك الفائت، بخلافها في نحو الزنا والسرقة، وتوبته هنا بعوده لفعل الصلاة.
وقضيته: أنه لو قال: تبت وسأصلي بعد، ولم يذكر عذراً للتأخير .. أنه غير تائب.
ويؤيده قولهم: أنه يستتاب فوراً، فإن تاب فوراً، وإلا .. قتل؛ لأن الإمهال يؤدي إلى تأخير صلوات.
وقيل: يمهل بعد الاستتابة حالاً ثلاثة أيام، ولو قتله إنسان قبل أمر الإمام له بها .. ضمنه، أو بعده وبعد إخراجها عن وقتها بغير أمر الإمام .. أثم، ولا ضمان ولو قبل الاستتابة إن لم يكن مثله وقلنا: الاستتابة مندوبة، وإلاَّ .. ضمنه.
وخرج بـ (المكتوبة): المنذورة المؤقتة، فلا يقتل بتركها؛ لأنها ليست كالمكتوبة.
قال في "الشرح": (ولا يقتل بفائتة بعذر، وكذا بغير عذر، وقال: أصليها؛ لتوبته بخلاف ما إذا لم يقل ذلك) اهـ ومحل قتله بها: إن فاتته بعد أمر الإمام له بإيقاعها في وقتها .. فامتنع فلا قتل بفائتة إلا مع ذلك، كما مر.


﴿باب الجنائز﴾ بفتح الجيم: جمع جنازة، به وبالكسر: اسم للميت في النعش، وقيل: بالفتح لذلك، وبالكسر للنعش وهو فيه، وقيل: عكسه، من جَنَزَ: ستر.
وهذا الباب يشتمل على مقدمات ومقاصد، وبدأ بالأول فقال: (يستحب) لكل أحد (ذكر الموت بقلبه) ولسانه (والإكثار منه) أي: من ذكره بأن يجعله نصب عينيه؛ لأنه معين على امتثال أوامر الله، واجتناب نواهيه؛ لخبر: "أكثروا من ذكر هاذم اللذات، فإنه ما ذكر في كثير -أي: من الأمل- إلا قلله، ولا في قليل -أي: من العمل- إلا كثره".
(و) يستحب (الاستعداد له) أي: للموت (بالتوبة) وهي الندم والإقلاع، والعزم على أن لا يعود إلى المنهي عنه، والخروج من المظالم إن كانت عليه.
وحينئذٍ تكون واجبة فوراً، قيل وكل لحظة تمضي ولا يتوب فهو ذنب وهكذا.
وعليه: فلا نجاة إلا مع عفو ومسامحة، نسأل الله العافية.
(والمريض أولى) أي: أشد مطالبة بذلك؛ لنزول مقدّمات الموت به.
(ويسن عيادة المريض المسلم حتى الأرمد والعدوّ)؛ إذ فيها قطع العداوة، وجلب المودة مع ما في ذلك من الصلة، وإدخال السرور وغيرهما، ومن لا يعرفه؛ لما مر في العدو بإبدال قطع العداوة بقطع التناكر.
(والجار)؛ لما استفاض من عظم حقوقه (والكافر) غير الحربي (إن كان جاراً أو قريباً) أو نحوهما، كخادم، ومن رجي إسلامه وفاء بحقوقهم، وللاتباع؛ لخبر الشيخين عن البراء: (أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم باتباع الجنائز وعيادة المريض وغيره) فإن انتفى ما ذكر .. أبيحت.

نعم؛ أهل الجور تكره زيارتهم، وقد تحرم.
ومحل سن العيادة إن لم يشق على المزور، وإلا .. كرهت، وحيث سنت فيبادر بها، ولو أوّل يوم من مرضه، لكن لا يواليها كل يوم، بل تكون (غِباً) أي: يوماً بعد يوم إلا أن يكون مغلوباً عليه.
نعم؛ نحو القريب والصديق ممن يأنس أو يتبرك به المريض.
يزوره بقدر قابليته له ولو مراراً في يوم واحدٍ، (ويخفف) المكث عنده ندباً، بل يكره إطالته؛ لما فيها من إضجاره ومنعه من بعض تصرفاته ما لم يفهم منه الرغبة في الإطالة .. فتندب.
(ويدعو له بالعافية إن احتملت حياته) أي: طمع فيها ولو على بعد.
والأفضل: أسأل الله العظيم، رب العرش العظيم أن يشفيك، سبع مرات؛ للخبر الصحيح: "أن من عاد مريضاً لم يحضر أجله، فقال ذلك سبع مرات، عافاه الله من ذلك المرض".
ويذكر له ما في المرض من الثواب، حتى قال بعضهم: إن ساعة أو يوماً منه خير عنده من قيامه أربعين سنة، وإنه يعقبه الفرج، وإن ما من تعب إلا وله عند الله فرج.
(وإلا) يطمع في حياته ( .. فيرغبه في توبة) بلطف بأن يدخل له ذلك في مناسبة كلام لا يختص به.
(و) في (وصية) فيما له وعليه بخط موثوق به، ويشهد بها، ويكفي قوله: اشهد عليّ بما في هذه الورقة.
بل تسن الوصية لكل أحد؛ لخبر الصحيحين: "ما حق امرئ مسلم له شيء يوصي فيه يبيت ليلتين إلاَّ ووصيته مكتوبة عنده".
وروى ابن ماجه: "من مات على وصية .. مات على سبيل وسنة، ومات على تقى وشهادة، ومات مغفوراً له".
ومن فوائدها: الاتباع وتذكيره بالصدقة وإراحة الوارث والتكلم مع الموتى.
وليحذر من الإضرار فيها ببعض الورثة، ففيه وعيد شديد، منه أنه من الكبائر.
ومنه أنه يختم له بشر عمله، وأن الله يقطع ميراثه من الجنة وغير ذلك.
(و) في (تحسين ظنه بالله) تعالى، بأن يذكر له كرم الله تعالى، والأحاديث الدالة

على سعة فضله وكرمه تعالى، ويذكر له من أعماله ما يزيل عنه القنوط، وأنه من أهل الإسلام والصلاة والصيام، وأنه تعالى يحب العفو، ويأمره بملازمة الطيب والتزين كالجمعة، وبقراءة القرآن والذكر وحكايات الصالحين، لا سيما قراءة: (قل هو الله احد)، وآية (الكرسي)، وآخر (الحشر)، ولا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين.
فإن من أكثر من ذلك في مرض موته تكون -إن شاء الله- خاتمته حسنة، وفيه ثواب عظيم بينته في "الأصل".
وبالجملة: فليحرص على صلاح آخر عمره، فإنه عليه مدار الدنيا والآخرة، ويلازم الصبر؛ ليكون له أسوة بالأنبياء ومن اتبعهم.
(ويحسن المريض ظنه بربه) تعالى، فإن ذلك هو حسن الخاتمة؛ لخبر مسلم: "لا يموت أحدكم إلا وهو يحسن ظنه بالله" أي: أنه يرحمه ويعفو عنه، ولخبر: "أنا عند ظن عبدي بي، فليظن بي ما شاء".
وهذا الوقت ينبغي فيه تغليب جانب الرجاء على الخوف؛ إذ لم يبق في تغليبه للمريض فائدة.
بخلاف الصحيح فيسوي بينهما؛ ليبعثه الخوف على العمل، واجتناب المنهي عنه، وليخرجه الرجاء عن القنوط، فإنه مذموم.
(ويكره له الشكوى) إلا لنحو صديق؛ ليدعوَ له أو ليتعهده، أو لنحو طبيب؛ ليداويه، فلا بأس بذلك، وإلا كتبرمه من القضاء، كقول بعضهم: ما فعلت تحتك يا رب؟ .. فإنه حرام، بل يخشى منه الكفر، ولا يحرم التبرم من المقضي -كالمرض والفقر- دون القضاء، والأنينُ خلاف الأولى إن لم يغلبه أو يحصل به استراحة من ألمه، وإلا .. فهو مباح، وينبغي إن يبدله بنحو تسبيح.
(و) يكره (تمني الموت)؛ لضر في بدنه أو ماله؛ للنهي الصحيح عنه (بلا خوف فتنة الدين) وإلا .. فيسن، وكذا تمنيه لنحو شهادة أو محبة لقاء الله، أو ببلد شريف كمكة، أو جار صالح، وهذا خرج بقولنا: لضر في بدنه أو ماله.
ويسن التداوي مع الاعتماد على الله تعالى، والرضا عنه؛ للأمر به، ولجمعه بين

فضيلتي: التوكل وتعاطي السبب الذي خلقه الله؛ للتداوي به، وخروجاً من تزكية النفس بأنه من المتوكلين الراضين، وربما لا يصبر ويرجع إلى التداوي.
(و) لكن يكره (إكراهه على تناول الدواء) وإن ظن أنه ينفعه، ومثله الطعام؛ لما فيه من التشويش عليه، ولخبر: "لا تكرهوا مرضاكم على الطعام والشراب، فإن الله يطعمهم ويسقيهم" لكنه ضعيف، فلذلك كان مكروها.
(وإذا حضره) -أي: المريض- أمارات (الموت .. ألقي) ندباً (على شقه الأيمن) ووجه للقبلة، كما في اللحد (فإن تعذر) على الأيمن ( .. فالأيسر) فإنه أبلغ في الاستقبال من الاستلقاء على قفاه، (وإلا) يتيسر على الأيسر ( .. فعلى قفاه و) يجعل (وجهه وأخمصاه) -بفتح الميم أشهر من ضمها وكسرها- وهما المنخفض من بطن القدمين، والمراد هنا: جميع أسفلهما (للقبلة)؛ لأنه الممكن، (ويرفع رأسه) بشيء؛ ليتوجه وجهه للقبلة.
(ويلقن) ندباً ولو غير مكلف (لا إله إلا الله) بأن تذكر عنده؛ للأمر به في خبر مسلم، ولا تسن زيادة: محمد رسول الله؛ لأنه لم يرد مع أنه مسلم، فلو كان كافراً .. لقن جميع الشهادتين قطعاً.
(ولا يلح عليه) بها؛ لئلا يضجر، بل يسن أن يقتصر على مرة؛ فإن قالها، وإلا .. أعيدت عليه، فإذا قالها .. لم تعد عليه إلا إن تكلم بغيرها؛ لتكون آخر كلامه؛ لما صح: "أن من كانت آخر كلامه دخل الجنة"، أي: مع الفائزين، وإلا .. فكل مسلم يدخلها.
(ولا يقال له: قل) لئلا يتأذى، بل يذكرها بين يديه.
(والأفضل تلقين غير الوارث) والعدو والحاسد إن كان ثم غيرهم، وإلا .. قدم الوارث.
ولو اجتمع ورثة .. قدم أشفقهم، ولو كان المريض فقيراً .. لقنه مطلقاً الوارث؛ لعدم التهمة، وكذا لو كان غير متهم ألبتة وإن كان المريض غنياً.

وورد: "أن جبريل عليه السلام يحضر من مات على طهارة من أمة محمد صلى الله عليه وسلم" فليحرص المريض ومن حضره الموت على طهارته.
ويسن أن يقرأ عنده: (يس)؛ لخبر: "اقرؤوا على موتاكم (يس) " أي: من حضره الموت.
وروي: "أن المريض إذا قرئ عليه (يس) .. يموت رياناً، ويدخل قبره رياناً".
(فإذا مات) أي: تحقق موته بظهور أماراته، كاسترخاء قدم وامتداد جلدة الوجه، وميل الأنف وانخلاع الكف ( .. غمض عيناه) ندباً (وشد لحياه بعصابة عريضة) تعمها، يربط بها فوق رأسه؛ لئلا يدخل فمه الهوام، ويقبح منظره.
(ولينت) أصابعه و (مفاصله) عقب موته، فيرد ساعده لعضده، وساقه لفخذه، وهو لبطنه، ثم يردهما؛ تسهيلاً لغسله، لبقاء الحرارة فيه، وإلا .. لم تلن بعد، فإن لم تلن .. تلطف في تليينها (ولو بدهن إن احتيج إليه) ويظهر أنه حينئذٍ سنة؛ لتوقف سنة التليين عليه، إذ للوسائل حكم المقاصد.
فقولهم: (لا بأس به حينئذٍ) ظاهره أنه مباح، وهو غير ظاهر.
ومفهوم كلامهم: أنه لو لغير حاجة به بأس، ولعله مكروه.
وبه يعلم فساد عادة جهتنا من دهنهم لكل أحد.
(وتنزع ثياب موته) أي: التي مات فيها ولو طاهرة، ولو شهيدا؛ خوف التغيير.
وفي "التحفة": لا ينزع عنه الطاهر، ويشمر لحقوه خوف التنجيس، وليحذر من كشف شيء من بدنه خصوصاً عورته.
(ويستر بثوب خفيف) طرفاه في غير محرم تحت رأسه ورجليه، إتباعاً لما فعل به صلى الله عليه وسلم.
(ويوضع على بطنه شيء ثقيل) والأولى: كونه فوق الثوب ومن حديد، كسيف ومرآة؛ لأنه أبلغ في دفع النفخ لسر فيه، فإن فقد .. فطين، ثم ما تيسر؛ لئلا ينتفخ.
وكون أقله قدر عشرين درهماً، فإن زاد قدراً لو وضع عليه حياً آذاه .. حرم، وإذا لم يثبت على بطنه، لكونه على أحد جنبيه .. ربط بنحو عصابة على بطنه؛ ليثبت عليها.

ويكره وضع نحو مصحف على بطنه.
فإن كان عليه قذر .. حرم.
(ويستقبل به القبلة) كالمحتضر فيما مر، ويندب وضعه على نحو سرير من غير فرش؛ لئلا يتغير بنداوة الأرض إن كانت ندية.
(ويتولى جميع ذلك) أي: الإلقاء وما بعده (أرفق محارمه به) المتحد معه ذكورة أو أنوثة، ومثله أحد الزوجين، بل أولى، ويجوز تولي المحرم ذلك، كالأخ لأخته، وعكسه.
بل بحث الاذرعي جوازه لأجنبي مع أجنبية مع الغض وعدم المس، واعتمده في "الإمداد"، و"المغني" وغيرهما، واستبعده (م ر).
(ويدعى له) عند فعل ما ذكر به وغيره بالثبات والرحمة والمغفرة؛ لاحتياجه حينئذٍ إلى الدعاء.
(ويبادر) حالاً ندباً كغيره مما مر (ببراءة ذمته) بقضاء دينه، واستحلال من يعلم أن له عليه حقاً بنحو غيبة مسارعة إلى الخير، ولفك نفسه من حبسها عن مقامها الكريم حتى يقضى عنه، وإن خلف وفاء ولم يعص به عند (حج).
فإن لم يتيسر المبادرة .. سأل وليه غرماءه إن يحللوه ويحتالوا عليه، فإذا فعل ذلك .. برئ الميت حالاً، وهو على خلاف القاعدة؛ إذ الحوالة لا تصح إلا برضا المحيل والمحتال، وأن تكون على من عليه دين للمحيل، وليس هنا كذلك وإن كان ضماناً.
فالضامن والمضمون عنه لا يبرآن إلا بأداء الدين أو الإبراء منه، وإنما جوز ذلك؛ للحاجة.
واخذ الزركشي من الحديث: أن الأجنبي في ذلك كالوارث، وأنه لا فرق بين أن يخلف الميت تركه، أم لا.
(وإنفاذ وصيته)؛ استجلاباً للبرء، وإدخال الثواب عليه، والدعاء له.
نعم؛ قد تجب المبادرة فيهما كأن أوصى بها، أو طلب الدائن أو الموصى له حقه، أو عصى الميت في الدين، كأن عصى باستدانته أو بتأخير أدائه، وتمكن الوصي أو الوارث من تركته ولم يؤدِّ منها.
(ويستحب الإعلام بموته) بالنداء ونحوه (للصلاة) عليه والدعاء له، وتكره ترثيته

بذكر محاسنه في نظم أو نثر؛ للنهي عنها، ومحلها حيث لا ندب معها، وإلا .. حرمت.
نعم؛ إن كانت بحقٍّ في نحو عالم وخلت عن نحو الندب .. ندبت.
وندب تقبيل وجه نحو عالم لكل أحد، ولأهل ميت وأصدقائه تقبيل وجهه، ولغيرهم خلاف الأولى.


(فصل) في غسل الميت وما يتعلق به.

(غسله) أي: الميت المسلم الغير الشهيد ولو غريقاً وسقطاً وقاتل نفسه (وتكفينه والصلاة عليه) وحمله (ودفنه فرض كفاية) إجماعاً، إلا قولاً للمالكية في غسله أنه سنة على من علم بموته من أقاربه وغيرهم، فإذا فعله واحد منا ولو غير مميز أو ميتاً أو غسل الميت نفسه، وكذا لو غسلته الجن عند (م ر) .. سقط الحرج عن الباقين.
أمَّا الكافر .. فيجب تكفين وحمل ودفن ذي أمان، ويجوز غسله، وتحرم الصلاة عليه.
ولا يجب لحربي شيء من ذلك، ويجوز عليه ما عدا الصلاة.
(وأقل الغسل) للميت (تعميم بدنه) كله، كالحي ولو من كافر وغير مميز، حتى غسل ما ظهر من فرج المرأة عند جلوسها على قدميها، ولا تجب لهذا الغسل نية، بل تسن؛ إذ المقصود منه النظافة، ولا يشكل بالأغسال المسنونة؛ لأن الغسل من الحي يقع عادة وعبادة، فاحتاج لنية، وغسل الميت لا يقع إلا عبادة.
ويجب كون غسله (بعد إزالة النجاسة) العينية عنه إن كانت عليه.
أمَّا الحكمية والتي في معناها من العينية .. فتكفي جرية واحدة لها ولغسله، كما مر.
(ويسن) إن يغسل (في قميص)؛ لأنه أستر له، وكونه بالياً سخيفاً؛ ليصل الماء إليه بسهولة، ثم إن اتسع .. أدخل يده في كمه، وإلا .. فتح دخاريصه، فإن لم يجده أو لم يرد غسله فيه .. ستر ما بين سرته وركبته مع جزء من كل منهما.

(وفي خلوة) عن غير الغاسل ومعينه والولي وإن لم يعاون؛ إذ قد يكون ببدنه ما يطلب إخفاؤه (وتحت سقف)؛ لأنه استر.
(و) يرفع (على) نحو (لوح) مهيأ لذلك؛ لئلا يصيبه الرشاش، ويستقبل به القبلة، ويرفع منه ما يلي الرأس، ويغطي وجهه بخرقة من أوّل ما يضعه على المغتسل.
(ويغض الغاسل، ومن يعينه بصره) ندباً في غير عورة، وفيها وجوباً، إلا حليل وحليلته، فلا حرمة فيهما، لكنه يكره؛ لأنه قد يكون به ما يكره اطلاع أحد عليه (إلا لحاجة) إلى النظر، كمعرفة المغسول من غيره، فلا بأس به، واللمس كالنظر.
وندب غسله بماء بارد؛ لأنه يشد البدن، والمسخن يرخيه، فلا يغسل به إلا لنحو شدة برد أو وسخ، ولا يبالغ في تسخينه، والماء المالح أولى من العذب؛ لأنه يرخي البدن.
ويكره غسله من زمزم؛ للخلاف في نجاسة الميت، وندب أن يعد إناء واسعاً للماء، ويبعده عما يقذره من الرشاش وغيره، ويعد معه إناءين صغيراً ومتوسطاً يغرف بالصغير من الكبير إلى الوسط، ثم يغسله بالمتوسط.
(و) سن (مسح بطنه) بيده اليسرى (بقوة) غير شديدة؛ (ليخرج ما فيه) من الفضلات؛ لئلا تخرج بعد الغسل.
ويكون ذلك (بعد إجلاسه) عند وضعه على المغتسل برفق (مائلاً) إلى ورائه قليلاً، ويسند ظهره إلى ركبته اليمنى؛ لئلا يسقط، ويضع يده اليمنى على كتفه وإبهامه في نقرة قفاه، وهو مؤخر عنقه؛ لئلا يتمايل رأسه (مع فوح مجمرة بالطيب) من موته إلى انقضاء غسله ولو محرماً وخالياً.
(و) مع (كثرة صب) الماء عليه؛ ليذهب عين الخارج وريحه ما أمكن.
ثم يضجعه لقفاه (وغسل سوأتيه والنجاسة) التي حولهما، كما يستنجي الحي، لكن يجب كونه (بخرقة) يلفها على يده اليسرى في غسل السوأتين، وندباً في غسل النجاسة في غيرهما، وتلف ثانية؛ لغسل سائر البدن.
(ثم أخذ) خرقة (أخرى) ولفها على يده اليسرى؛ (ليسوكه) بها بسبابتها، مبلولة

بالماء، ولا يفتح أسنانه؛ لئلا يسبق الماء إلى بطنه، فيسرع فساده، ثم ينظف بخرقة أخرى على خنصرها مبلولة أنفه (ويخرج) بها (ما في أنفه) من أذى.
(ثم يوضئه) ثلاثاً ثلاثاً كالحي، بمضمضة واستنشاق وينشفه ويميل فيهما رأسه؛ لئلا يسبق الماء إلى بطنه، ولا يكفي عنهما ما مر؛ لأنه كالسواك، ويخرج بعود لين ما تحت أظفاره وظاهر أذنيه وصماخيه.
(ثم) بعد ذلك (غسل رأسه، ثم لحيته بالسدر) أو نحوه كخطمي، ولا يعكس؛ لئلا ينزل الماء من رأسه إلى لحيته، فيحتاج إلى غسلها ثانياً، ويسرحهما بمشط واسع الأسنان برفق.
(ثم غسل ما أقبل منه) بأن يبدأ بشقه (الأيمن) مما يلي وجهه من عنقه إلى قدمه (ثم الأيسر) كذلك (ثم) يحوله إلى شقه الأيسر، فيغسل منه (ما أدبر) بأن يغسل شقه (الأيمن) مما يلي قفاه من كتفه إلى قدمه (ثم) يحوله إلى الأيمن، فيغسل (الأيسر) كذلك، ولا يعيد غسل رأسه ولحيته، بل يبدأ بصفحة عنقه فما تحتها.
ويحرم كبه على وجهه، وإنما كره للحي؛ لأنه فعله بنفسه، وهنا فعله به غيره.
وهذه الغسلة -بكيفيتها المذكورة- يندب كونها (بالسدر) أو الخطمي أو نحوهما (ثم) إذا فرغ من الغسل كما ذكر (أزاله) -أي: السدر أو نحوه- بصب الماء الخالص من رأسه إلى قدمه (ثم صب) وجوباً (الماء الخالص) عما يسلبه الطهورية الكائن في غير محرم (مع قليل كافور)؛ لأنه يدفع الهوام، وهو في الأخيرة آكد، ويكره تركه.
ويغسله بذلك (من قرنه إلى قدمه) وهذه غسلة واحدة، وفي بعض النسخ زيادة: (البارد قبل الخالص)، لكن التي نقلت منها ليس فيها ذلك.
وندب أن يكرر غسله بالقراح (ثلاثاً) والأولى كونها متوالية، فتحصل الثلاث من خمس، والأولى غسله بسدر ثلاثاً، ثم مزيله، ثم ثلاث قراح، فتحصل الثلاث من سبع، كغسله بسدر فمزيلة بسدر، فمزيلة فثلاث قراح، فإن غسله بسدرٍ فمزيلة فقراح ثلاثاً .. حصلت الثلاث من تسع.
(ثم) بعد فراغه من غسله (نشفه) ندباً (بثوب) -أي: خرقة مع المبالغة في

ذلك؛ لئلا تبتل أكفانه، فيسرع فساده، وبه فارق التنشيف في طهر الحي.
ويؤخذ منه: أن الأرض التي لا تُبلي سريعاًً أفضل من التي تبلي سريعاً؛ لأن تنعم الروح مع البدن أكمل من تنعمه وحده وإن محل ذلك في المؤمن الطائع.
وندب أن يكون نتنشيفه (بعد إعادة تليينه) يعد فراغ غسله؛ لتبقى لينه، وأن يأتي بذكر الوضوء والذكر على الأعضاء.
(ويكره أخذ شعره) أي: الميت غير المحرم (وظفره) وإن كان لما يزال؛ للفطرة، واعتاد إزالته حياً؛ لأنه محدث، وقد صح النهي عن محدثات الأمور التي لم يشهد لها الشرع باستحباب، وقيل: يسن؛ لأنه تنظيف.
وردوه بأن أجزاء الميت محرمة، ولذا حرم ختنه وإن عصى بتأخيره أو تعذر غسل ما تحت قلفته، وحينئذٍ يجري الخلاف في أنه ييمم عما تحتها عند (حج)، ويصلي عليه، أو لا ييمم ويدفن بلا صلاة عند (م ر).
أمَّا المحرم .. فلا يفعل به شيء مما يحرم على المحرم؛ لأنه يبعث ملبياً، لكن لا فدية على من فعل به ذلك، بخلاف معتدة الوفاة فتطيب؛ لأن امتناعها منه؛ للتفجع وقد زال.
ولو خرج بعد الغسل نجس ولو من فرج، وقبل التكفين .. وجبت إزالته فقط -ولو بعد الصلاة عند (حج)، و (م ر)، وقال جمع: لا تجب بعدها- لا إعادة الغسل؛ لأن الفرض قد سقط، ولو لم يمكن قطع الخارج منه .. صح غسله والصلاة عليه، لكن يجب فيه الحشو والعصب على محل النجس، والمبادرة بالصلاة عليه كالسلس.
وسن كون الغاسل أميناً، فإن رأى خيراً .. سن ذكره، أو ضده .. حرم الإ لمصلحة، ككونه متجاهراً بمعصيه؛ ليحذر ذلك.
(والأولى بغسل الرجل الرجال) -بالرفع- فيقدمون حتى على الزوجة.
نعم؛ الأفقه بباب الغسل أولى من الأقرب، والأسن والفقيه ولو أجنبياً أولى من غير الفقيه ولو قريباً، عكس الصلاة؛ إذ القصد هنا إحسان الغسل، والأفقه أولى به، وثم الدعاء وهو من الأسن والقريب أقرب؛ للإجابة.
فيقدم رجال العصبة، فالولاء، فالوالي إن انتظم بيت المال، فذووا الأرحام، فالرجال الأجانب فالزوجة الحرة وإن نكحت، فالنساء المحارم.

(و) الأولى (بالمرأة) أي: بغسلها (النساء) فهن أحق من الرجال.
وأولاهن ذات محرمية ولو حائضاً؛ لأنها أشفق، فإن استويا في المحرمية .. قدمت ذات عصوبة لو قدرت ذكراً، كعمة على خالة ثم ذات رحم غير محرم، كبنت العم.
وتقدم القربى فالقربى، ثم ذات الولاء، ثم محارم الرضاع، ثم محارم المصاهرة، ثم بعد النساء الزوج وإن نكح اختها وأربعاً سواها، ويتقي المس ندباً، بل يلف خرقة، ثم رجال المحارم بترتيبهم في الصلاة.
وشرط المقدم: الحرية، والاتحاد في الدين، وعدم القتل المانع للإرث، وعدم الصبا، والفسق، والعداوة.
قال في "التحفة": (صريح كلامهما: أن هذا الترتيب واجب، لكن أطال جمع متأخرون في ندبه، وإنه المذهب) اهـ ويغسل أمته ولو مكاتبة، وأم ولد حيث لم تكن مزوجة ولا معتدة ولا مبعضة، وليس لأمة تغسيل سيدها؛ لانتقال الملك فيها للغير.
ولكل من الرجل والمرأة تغسيل صغير وصغيرة لم يبلغا حد الشهوة، والخنثى الذى لا محرم له؛ للحاجة، ولضعف الشهوة، وبه فارق حرمة نظر أحد الفريقين له في حياته.
(وحيث تعذر غسله)؛ لفقد ماء، أو لتأدي غسله إلى تهريه؛ لنحو حرق أو لدغ أو للخوف على الغاسل، ولم يمكنه التحفظ (أو لم يحضر) في المرأة (إلا) رجل (أجنبي، أو) في الرجل إلا امرأة (أجنبية .. يمم) وجوباً وإن كان عليه نجس لا يعفى عنه عند (حج)، لكن بحائل؛ لحرمة النظر حينئذٍ إلى شيء من بدن الميت والمس.
ويؤخذ منه: أنه لو كان في ثياب سابغة وبحضرة نهر مثلاً، وأمكن غمسه به؛ ليصل الماء لكل بدنه من غير مس ولا نظر .. وجب.
قال (سم): (أو أمكن صب ماء عليه يعمه).


(فصل: وأقل الكفن) الواجب (ثوب) يحل له لبسه في حياته، ويليق به؛ لحصول الستر به، فلا يجوز تكفينه بغير ثياب إن وجدت، وإلا .. وجب جلد فحشيش فطين، وما نقص عن تمام البدن من هذه .. تمم مما بعده.
قال (ب ج): (ويقدم الحرير على الجلد وما بعده، بل يحرم تكفينه في غير لائق به ولو من الثياب) اهـ ولا بما ليس له لبسه حياً، كحرير ومزعفر لرجل وخنثى إن وجد غيرهما، ويقدم حرير على نجس عين اتفاقاً، وعلى متنجس بما لا يعفى عنه عند (م ر).
ويكفي -بالنسبة لحق الله تعالى- ثوب (ساتر للعورة) فقط، فلا يكفي مهلهل، ولا يجب زائد على ما يستر العورة المختلفة بالذكورة والأنوثة دون الرق والحرية؛ لزوال الرق بالموت على الأصح وإن بقيت آثاره كتغسيله لأمته.
أمَّا بالنسبة لحق الميت .. فيجب ثوب يعم جميع بدنه إلا رأس محرم، ووجه محرمة وإن كفن من مال غيره؛ تكريماً له، وستراً لما يعرض له من التغيير.
وللميت اسقاط الزائد على ستر العورة عند (حج)، بخلاف ساتر العورة؛ لأنه حق الله، وللغرماء المنع من الثاني والثالث، وللورثة المنع من الزيادة على الثلاثة، لا من الثلاثة؛ إذ كل من كفن من ماله ولا دين عليه مستغرق لماله يجب له ثلاثة وإن لم يخلف سواها.
ومن كفن من مال غيره .. لم يجب له إلا واحد يعم جميع بدنه ولو عالماً ولياً.
(ويسن للرجل) أي: الذكر إن لم يكفن من ماله، أو كان عليه دين مستغرق لتركته برضى دائنه، وإلا .. وجبت، كما مر (ثلاث لفائف) يعم كل منها جميع البدن إلا رأس محرم، ووجه محرمة، وكون كل واسعاً طولاً وعرضاً؛ اتباعاً لما فعل به صلى الله عليه وسلم، ويحرم كونها لا تفضي عليه إلا بمشقة.
(وللمرأة) أي: الأنثى ولو صغيرة، وللخنثى (خمسة: إزار) على ما بين سرتها وركبتها أولاً (ثم قميص) يجعل فوق الإزار.
وإطلاقهم يقتضي أنه كقميص الحي، بل صرح به الشرقاوي وغيره، فما اعتيد في

جهتنا من جعله إلى نصف الساق، وبلا أكمام .. منكر شديد التحريم.
(ثم) بعد القميص (خمار) واسع، كخمار الحي يغطى به الرأس.
(ثم) بعد ما ذكر (لفافتان) يلف فيهما؛ لخبر: (أنه صلى الله عليه وسلم كفن ابنته زينب في خمسة) كما ذكر، وكالمرأة الخنثى؛ احتياطاً.
ولو قال بعض الورثة: لا نكفنه إلا في ثلاثة .. أجيب كما مر، وكذا لو كان في الورثة محجور عليه .. فليس للميت ولو امرأة إلا ثلاثة، فليتنبه له، فإن العمل في الأنثى على خلافه، ومن كفن في ثلاث .. فهي لفائف ولو لامرأة.
(والبياض) أفضل من غيره، بل لو قيل بوجوبه الآن؛ لما في غيره من الإزراء .. لم يبعد، ولو أوصى بغيره .. لم تصح؛ لأنه مكروه، ولا تصح الوصية به.
(والمغسول) أفضل من الجديد؛ لأنه آيل للبِلى والصديد، والحي أولى بالجديد.
والمراد بإحسان الكفن في خبر مسلم: بياضه ونظافته وسبوغته، لا ارتفاعه؛ لكراهة المغالاة فيه؛ لنهي عنه.
نعم؛ إن كان في الورثة نحو صغير .. حرمت، وهذا ما في "شرحي الإرشاد" و"النهاية" وغيرها.
ورده في "التحفة" بأن المذهب نقلاً ودليلاً أولوية الجديد، ومن ثم كفن فيه صلى الله عليه وسلم.
(و) الثوب (القطن أفضل) من غيره؛ لأنه صلى الله عليه وسلم كفن منه، ويعتبر حال الميت، فإن كان موسراً .. فمن جياد الثياب بلا مغالاة كما مر، أو متوسطاً .. فمن أوسطها، أو مقلاً .. فمن خشنها، وفي "الأصل" هنا زيادة بسط.
(وبُخِّرَ) ندباً كفن غير محرم، وندب كونه ثلاثاً، و (بعود) وأن يكون العود غير مطيب بمسك، ثم بعد تبخيره تبسط أحسن اللفائف وأوسعها إن تفاوتت.
ولو تعارض الحسن والسعة .. قدم السعة، ثم تبسط الثانية، وهي التي تلي الأولى سعة وحسناً فوق الأولى، والثالثة فوق الثانية، كما يفعل الحي أحسن ثيابه من أعلى، ثم ما يليه، ويذر على كل واحدة قبل وضع الأخرى حنوط؛ لأنه يدفع سرعة بلائهن، والحنوط -بفتح الحاء- نوع من الطيب يختص بالميت، يشتمل على صندل وذريرة وكافور، وقيل: طيب خلط للميت.

و (الكافور): الجزء الأعظم من الطيب؛ لتأكده، ولأن المراد زيادته على ما يجعل في أصل الحنوط، وندب الإكثار منه.
ثم يوضع الميت فوق الأخيرة برفق مستلقياً على قفاه، وتجعل يداه على صدره ويمناه على يسراه، أو يرسلان لجنبه، ويضع عليه حتى رأسه ولحيته حنوطاً وكافوراً، ويشد إلياه بخرقه كالحفاظ بعد دس قطن بينهما عليه حنوط، حتى يصل لحلقة دبره، ويبالغ في شده؛ ليمنع الخارج، ويكره دسه داخل الحلقة، أو يحرم.
ويجعل قطناً على كل من المنافذ الأصلية والطارئة ومواضع السجود السبعة؛ إكراماً لها، ثم تلف عليه اللفائف بأن يثني كل منها من طرف شقه الأيسر على الأيمن، ثم من طرف الأيمن على الأيسر، كما يفعل الحي بالقباء، ويجعل الفاضل عند رأسه أكثر، ثم تشد الفائف بشداد عليها؛ لئلا تنتشر عند الحمل إلا في محرم .. فتشد بلا عقد، فإذا وضع في قبره .. حل الشداد؛ لزوال مقتضيه، وكراهة بقاء معقود معه في قبره.
ولا يلبس محرم محيطاً، ولا أنثى محرمة قفازين، ولا تشد أكفان ذكر ولا يغطى رأسه، ولا وجه امرأة.
فروع: الأول: يحرم كتابة معظم، كقرآن أو ذكر على الكفن؛ صيانة له عن التنجيس.
الثاني: اتخاذ الكفن مكروه إلا من حل أو أثر صالح، وللوارث إبداله؛ لأنه ينتقل إليه كما يجوز له نزع ثياب الشهيد الملطخة بدم الشهادة، وتكفينه في غيرها وإن كان فيها أثر العبادة.
نعم؛ إن عينه لتكفينه امتنع إبداله.
أما القبر .. فيستحب اتخاذه، ولا يصير أحق به ما دام حياً كما قاله (سم).
الثالث: محل تجهيز الميت تركته التي لم يتعلق بعينها حق، لا ثلثها فقط، ويقدم من طلب تجهيزه منها من الورثة على من طلبه من ماله، ويراعى فيها حاله سعة وضيقاً وإن كان عليه دين، إلا زوجة وخادمها .. فعلى زوج غني عليه نفقتهما وإن كان لها تركة، ومثلها بائن حامل ورجعية مطلقاً.
وخرج بالزوج ابنه، فلا يلزمه تجهيز زوجة أبيه وإن لزمه نفقتها في حياتها، وبالغني الفقير وهو من لا تلزمه الفطرة كما في (ع ش) أو من ليس عنده فاضل عما يترك

للمفلس، أو من لا تلزمه إلا نفقة المعسرين كما في "التحفة" وبـ (عليه نفقتهما) صغيرة وناشزة، فمؤن تجهيزهما في تركتهما، فبيت المال، فمياسير المسلمين، وفي الأصل هنا ما ينبغي مراجعته.
واعلم: أن حمل الجنازة من وظيفة الرجال، ولا دناءة فيه، ويحرم حملها بهيئة مزرية، كفي قفة أو يخاف منها سقوطها، والحمل بين العمودين أفضل من التربيع إن أريد الاقتصار على أحدهما.
وكيفية الأول: أن يحمله ثلاثة، يضع أحدهم الخشبتين المقدمتين على عاتقيه، وياخذ اثنان بالمؤخرتين (والأفضل أن يحمل الجنازة) عند عجز المتقدم عن حمل المقدمتين كما ذكر (خمسة) بأن يعينه اثنان، فيضع كل واحد منهما إحدى المقدمتين على عاتقه، والثلاثة الباقون على ما ذكرناه، واحد يحمل المقدمتين، واثنان يحملان المؤخرتين، فحاملوها بلا عجز ثلاثة وبه خمسة، فإن عجزوا .. فسبعة فتسعة فأكثر بحسب الحاجة.
والتربيع: أن يحمله أربعة، كل واحد بعمود، فإن عجزوا .. فستة فثمانية أو أكثر، أشفاعاً بحسب الحاجة، ويكره الاقتصار على واحد، أو اثنين إلا في الطفل.
والجمع بين الكيفيتين: بأن يحمل تارة بالكيفية الأولى، وتارة بالثانية أفضل من الاقتصار على أحداهما (و) ويندب لكل مشيع قادر (المشي)؛ للاتباع.
ويكره الركوب لغير عذر في ذهابه معها ولو لذي منصب دون رجوعه، وكونه ولو لراكب (قدامها)؛ للاتباع ولأنهم شفعاء، وحقهم التقدم، وخبر: "امشوا خلف الجنائز" الذي أخذ به الحنفية .. ضعيفٌ (و) كونه (بقريها) بحيث لو التفت .. رآها رؤية كاملة، فإن بعد عنها وعد مشيعاً لها .. حصلت الفضيلة وإن لم يرها لكثرة المشيّعين، أو لمنعطف، وإلا فلا (والإسراع بها) بين المشي المعتاد والخبب إن لم يضره، وإلا تأنّى، ويندب ستر المرأة بشيء كالخيمة ولو من حرير عند (م ر) حتى يجوز تحلية المرأة بالحلي إن رضي الورثة الكاملون، وأن يكون رأس الميت أول النعش ولو لغير القبلة (ويكره اللغط فيها) أي: يكره رفع الصوت حال السير بها، وحال غسله وتكفينه ووضعه في القبر ولو بذكر، لكن قال ابن زياد: إن أدى سكوتهم إلى نحو غيبة .. كان أولى؛ ليشتغلوا به عنها.

نعم؛ يسن الاشتغال بنحو الذكر سراً وإن لم يؤد السكوت لما مر.
(و) يكره (إتباعها) بإسكان التاء (بنار) بمجمرة أو غيرها؛ لأنه تفاؤل قبيح.
نعم؛ لو احتيج إليه كضوء في دفن بليل في ظلمة .. لم يكره (واتباع النساء) الجنازة إن لم يتضمن حراماً، وإلا حرم للنهي عنه.
فروع: من مرت به جنازة .. ينبغي أن يدعو لها، ويثني عليها إن كان أهلاً، ويقول: سبحان الحي الذي لا يموت، ويتأكد الاعتناء بحضور الجنائز من الغسل إلى تمام الدفن؛ لخبر الصحيحين "من صلى على الجنازة .. فله قيراط، ومن شهدها حتى تدفن .. فله قيراطان قيل: وما القيراطان، قال: مثل الجبلين العظيمين"، وفي حديث الطبراني "من تبع جنازة حتى يقضي دفنها .. كتب له ثلاث قراريط" فعليه: يكون الأول لحضور معها من المنزل قبل الصلاة، والثاني للصلاة، والثالث للتشييع ويؤيده ما في البخاري: أن القيراطين غير قيراط الصلاة، ويتعدد بتعدد الجنائز.
ووجود منكر مع الجنازة كالنوح لا يمنع من تشيع الميت؛ لأن الحق لا يترك للباطل.


(فصل) في أركان الصلاة على الميت

وما يتعلق بها، وهي من خصائصنا، لكن نظر فيه بالصلاة على آدم عليه السلام.
(أركان صلاة الميت السبعة: الأول: النية، كغيرها) فيجب فيها ما يجب في نية سائر الفروض.
ومنه: مقارنة النية للتكبير، ونية الفرضية ولو من أنثى، لا بقيد كونها كفاية كما لا تتقيد ثم بكونها عيناً، وفي نية الفرضية من الصبي الخلاف السابق ثَمَّ.
لكن نقل (ب ج) عن (م ر): وجوبها عليه هنا؛ لأنها تسقط الحرج عن غيره، وثمَّ لا تسقط عنه، وتصح نية فرض الكفاية هنا وإن تعينت عليه؛ لأن تعينها عليه عارض.

ويجب على المأموم نية الاقتداء، فإن لم ينوها وتابع في تكبيرة مع انتظار كثير .. بطلت.
ولا يجب تعيين الميت، بل يكفى أدنى مميزكـ (على هذا)، أو (من صلى عليه الإمام) ولو في صلاة الغائب، ولابدَّ في الصلاة عليه من شرط كونه غائباً مغسلاً غير شهيد.
قال الكردي: (وتندرج في قوله: أصلى على من تصح الصلاة عليه، فإن تذكر هذا الإجمال ونواه .. فواضح، وإلا .. فلا بد من التعرض لهذه الشروط) اهـ ويكفي في الجمع قصدهم لا معرفة عددهم، فلو نوى على بعض منهم معين .. صح، أو مبهم .. لم تصح وإن صلى ثانياً على من بقي منهم.
ولو عين الميت وأخطأ ولم يشر إليه .. لم تصح على ما مر في تعيين الإمام، ومن حضر من الموتى بعد النية .. وجب له استئناف صلاة، فإن نواه أثناء صلاته على غيره .. لم تصح ولم يبعد بطلانها إن علم وتعمد؛ لتلاعبه.
ولو نوى عشرة، فبانوا أحد عشر .. لم تصح، أو عكسه .. صحت، أو على حي وميت .. صحت على الميت إن جهل.
ولو نوى حاضراً وغائباً، والإمامُ حاضراً أو عكسه .. صحت؛ إذ توافق النيات غير شرط.
(الثاني) من الأركان: (أربع تكبيرات) بتكبيرة الإحرام إجماعاً، فإن زاد ولو عالماً عامداً وبقصد الركنية .. لم يضر، لثبوته في مسلم، ولأنه ذكر، وزيادته لا تضر، كتكرير الفاتحة بقصد الركنية.
وإذا زاد الإمام .. لا يتابعه؛ لأنه غير مشروع، وللمأموم حينئذٍ مفارقته، وهو فراق بعذر، أو ينتظره.
ولو تابعه المسبوق في الزيادة وأتى بواجبه من نحو قراءة .. حسب له وإن علم الزيادة؛ لأنها جائزة للإمام، وبهذا فارق المسبوق المتابع لإمامه في خامسة، حيث فصل فيه بين الجهل فتصح وتحسب له، والعلمِ فتبطل صلاته.
(الثالث: قراءة "الفاتحة") أو بدلها؛ لعموم خبر: "لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب".
والأفضل: كونها بعد الأولى، وتصح بعد غيرها على المعتمد، وإذا أتى بها بعد غير

الأولى .. جاز تقديمها على ذكره وتأخيرها عنه، بل يصح الإتيان بها بعد الزائدة كالخامسة.
أمَّا غيرها .. فتتعين الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم بعد الثانية، والدعاء للميت بعد الثالثة.
(الرابع: القيام للقادر) عليه ولو صبياً وامرأة مع رجال؛ لأنها فرض كالخمس، فيأتي هنا ما مر ثمَّ في القيام، وإلحاقها بالنفل في التيمم لا يلزم منه ذلك هنا؛ لأن القيام هو المقوم لصورتها، ففي عدمه محو لصورتها بالكلية.
(الخامس: الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم بعد) التكبيرة (الثانية)؛ لأنه من السنة، كما رواه الحاكم عن جمع من الصحابة وصححه، ولفعل السلف والخلف.
ويسن الصلاة على الآل، والدعاء للمؤمنين عقبها، والحمد قبلها.
ويسن ضم السلام للصلاة هنا بخلافه في غيرها من الصلوات؛ لتقدمه فيه.
لكن في (ب ج) عن (م ر): عدم سن السلام هنا، وأن لا كراهة في الإفراد هنا.
(السادس: الدعاء للميت) بخصوصه بأخروي ولو أقل ما ينطلق عليه اسم الدعاء، كاللهم ارحمه وذلك؛ لأنه المقصود من الصلاة، وما قبله كالمقدمة له.
وصح خبر: "إذا صليتم على الميت .. فأخلصوا له الدعاء".
وظاهره: أن الطفل كغيره في ذلك، وليس قوله: اللهم اجعله فرطاً .. إلخ، مغنياً عن الدعاء له عند (حج)؛ لأنه دعاء باللازم، وهو لا يكفي؛ لأنه إذا لم يكف بالعموم .. فهذا أولى.
وإنما يجزئ الدعاء له (بعد الثالثة) أي: عقبها.
قال في "التحفة": (قال في "المجموع": وليس لتخصيصه بها دليل واضح) اهـ ومع ذلك تابع الأصحاب على تعيينه فيها دون الأولى بالفاتحة.
قال غيره: (وكذا ليس لتخصيص الصلاة بالثانية ذلك) اهـ واعترضه (سم) بما رده (ب ج) وغيره.

فصول الكتاب · 4 فصل · 711 صفحة
جارٍ التحميل