شرح كفاية المتحفظ (تحرير الرواية في تقرير الكفاية)صفحات 73-105

الأسماء في الآية دون الأفعال حسن، وأحسن منه ما ذكره بعض أئمة الأصول عند الاستدلال بالآية، قال: فالأسماء كلها معلمة من عند الله بالنص، وكذا الأفعال والحروف أيضا لعدم القائل بالفصل، ولأن الأفعال والحروف أيضا أسماء، لأن الاسم ما كان علامة، والتمييز من تصرفات النحاة لا من اللغة، ولأن التكلم بالأسماء وحدها متعذر كما أشار إليه في المحصول والحاصل وغيرهما.
ثم أخذ في الخصائص يحتج للقول بالمواضعة: وذلك أنهم ذهبوا إلى أن أصل اللغة لابد فيه من المواضعة قالوا: وذلك بأن يجتمع حكيمان أو ثلاثة فصاعدا، فيحتاجوا إلى الإبانة عن الأشياء المعلومات فيضعوا لكل واحد منها سمة ولفظا، إذا ذكر عرف به مسماه ليمتاز من غيره، ويغني بذكره عن إحضاره إلى مرآة العين، فيكون ذلك أقرب وأسهل من تكلف إحضاره، وأطال القول في تقرير هذا الكلام، وإن كان واضحا بنحو ورقة، ثم قال: وذهب بعضهم إلى أن أصل اللغات كلها إنما هو من الأصوات المسموعات، كدوي الريح وصوت الرعد وخرير الماء وشحيج الحمار ونعيق الغراب وصهيل الفرس ونحو ذلك، ثم ولدت اللغات عن ذلك فيما بعد، وهذا عندي وجه صالح ومذهب متقبل.
قال: واعلم فيما بعد أنني على تقادم الوقت دائم التنقير والبحث عن هذا الموضع، فأجد الدواعي والخوالج قوية التجاذب لي، مختلفة جهات التغول على فكري، وذلك أني تأملت حال هذه اللغة الشريفة الكريمة اللطيفة، فوجدت فيها من الحكمة والدقة

والإرهاف والرقة ما يملك علي جانب الفكر حتى يكاد يطمح بي أمام غلوة السحر، فمن ذلك ما نبه عليه أصحابنا، ومنه ما حذوته على أمثلتهم فعرفت بتتابعه وانقياده علي، وبعد مراميه وآماده، صحة ما وفقوا لتقديمه منه، ولطف ما أسعدوا به، وفرق لهم عنه، ويضاف إلى ذلك وارد الأخبار المأثورة بأنها من عند الله تعالى، فقوي في نفسي اعتقاد كونها توقيفيا من الله سبحانه وتعالى، وأنها وحي.
ثم أقول في هذا ضد هذا: إنه كما وقع لأصحابنا ولنا، وتنبهوا وتنبهنا على تأول هذه الحكمة الرائعة الباهرة، كذلك لا ينكر أن يكون الله تعالى، قد خلق من قبلنا - وأن بعد مداه عنا من كان ألطف منا أذهانا، وأسرع خواطر وأجرأ جنانا، فأقف بين تين الخلتين حسيرا، وأكاثرهما فأنكفئ مكثورا، وان خطر خاطر فيما بعد يعلق الكف بإحدى الجهتين ويكفها عن صاحبتها قلنا به.
قلت: فحاصل كلامه أولا وآخرا يرجع إلى ثلاثة أقوال: التوقيف، وهو الذي رواه عن شيخه أبي علي الفارسي مستدلا بالآية، والمواضعة والتواطؤ وهو الذي نسبه لأهل النظر في أول كلامه، واستدل في الأثناء بما أطال فيه الكلام بلا طائل، وتأول الآية بما مر من أن معنى علمه: قدره على وضعها، ونقل عن قوم أنه: كان يجتمع حكيمان أو ثلاثة فصاعدا... الخ.
وعن آخرين أن أصل اللغات كلها من الأصوات المسموعات كدوي الريح... الخ.
واستحسن هذا الأخير، قال: إنه وجه صالح ومذهب متقبل، ثم مال للتوقيف، وأيده بالأثر، وجزم بأنها من عند الله، ثم غلبه ما لديه مما لا اعتماد عليه، فاستنبط قولا ثالثا واعتمده، زاعما أنه الذي ترجح عنده في الوقت، وهو الوقف عن القول بكل منهما، وأنه لا يدري ذلك لعدم دليل قاطع وبرهان ساطع، فأنت تراه كيف ينتقل من تخير إلى تحير، ومن ترجيح دليل إلى بحث في تعليل.

وقال الفخر الرازي في المحصول، وتبعه التاج الأرموي في الحاصل والسراج الأرموي في التحصيل ما حاصله: الألفاظ إما أن تدل على المعاني بذواتها، أو بوضع الله تعالى إياها، أو بوضع الناس، أو يكون البعض بوضع الله والباقي بوضع الناس، والأول مذهب عباد بن سليمان، والثاني مذهب أبي الحسن الأشعري وابن فورك، والثالث مذهب أبي هاشم، وأما الرابع فإما أن يكون الابتداء من الله والتتمة من الناس، وهو مذهب الأستاذ أبي إسحق الاسفراييني أو الابتداء من الناس والتتمة من الله وهو مذهب قوم.
ثم أخذوا في رد مذهب عباد من أصله، والاستدلال بما عده من المذاهب بما لها وما عليها مما ليس محله هذا المختصر.

وقال أبو الفتح بن برهان في كتاب «الوصول إلى الأصول»: اختلف العلماء في اللغة: هل تثبت توقيفا واصطلاحا؟ فذهبت المعتزلة إلى أن اللغات بأسرها تثبت اصطلاحا، وذهبت طائفة إلى أنها تثبت توقيفا، وزعم

الأستاذ أبو اسحق أن القدر الذي يدعو به الإنسان غيره إلى التواضع يثبت توقيفا، وما عدا ذلك يجوز أن يثبت بكل واحد من الطريقين.

وقال القاضي أبو بكر محمد بن الطيب: يجوز أن يثبت توقيفا، ويجوز أن يثبت اصطلاحا، ويجوز أن يثبت بعضه توقيفا وبعضه اصطلاحا، والكل ممكن.
وعمدة كل من هذه الأقوال وأدلتها وما لها وما عليها مبسوط في المطولات من دواوين الأصول.

وقال الإمام الغزالي في المنخول: قال قائلون: اللغات كلها اصطلاحية، إذ التوقيف يثبت بقول الرسول، ولا يفهم قوله دون ثبوت اللغة.
وقال آخرون: هي توقيفية، إذ الاصطلاح يفرض بعد دعاء البعض البعض بالاصطلاح، ولابد من عبارة يفهم منها قصد الاصطلاح.
وقال الآخرون: ما يفهم منه قصد التواضع توقيفي دون ما عداه.
ثم اختار تجويز العقل لذلك كله تبعا لشيخه إمام الحرمين.
وأطال في تقريره.

وقال ابن الحاجب في المختصر الأصلي: الظاهر من هذه الأقوال قول الأشعري وقال التاج السبكي في شرح منهاج البيضاوي: ومعنى قول ابن الحاجب: القول بالوقف عن القطع بواحد من هذه الاحتمالات.
وترجيح مذهب الأشعري بغلبة الظن محال، وقد كان بعض الضعفاء يقول: إن هذا الذي قاله ابن الحاجب مذهب لم يقل به واحد، لأن العلماء في المسألة بين متوقف وقاطع بمقالته، فالقول بالظهور لا قائل به، قال: وهذا ضعيف، فإن المتوقف لعدم قاطع قد يرجح بالظن، ثم إن كانت المسألة ظنية اكتفي في العمل بها بذلك الترجيح وإلا توقف عن العمل بها.
ثم قال: والإنصاف أن الأدلة ظاهرة فيما قاله الأشعري، فالمتوقف إن توقف لعدم القطع فهو مصيب، وإن ادعى عدم الظهور فهو غير مصيب، هذا هو الحق الذي قاله جماعة من المتأخرين منهم الشيخ تقي الدين بن دقيق العيد، وقد أشار السبكي لمثله في شرحه على ابن الحاجب الموسوم برفع الحاجب.
وهذا ما تحمله هذه العجالة، التي هي بالنسبة إلى مبادئ هذا الفن درة في نحر، أو قطرة من بحر، والله أعلم.

تنبيه: قال التاج في رفع الحاجب: الصحيح عندي أنه لا فائدة لهذه المسألة، وهو ما صححه ابن الأنباري وغيره، ولذلك قيل: ذكرها في الأصول فضول.
وأشار لمثله في شرح منهاج البيضاوي.
قلت: والحق أنه ليس كذلك، بل ذكرها له فائدتان: فقهية ولذا ذكرت في أصوله، ونحوية ولذا ذكرها ابن جني في الخصائص، وتبعه الجلال في الاقتراح وأشار لها في

المزهر، وهي جواز قلب اللغات.
فإن قلنا: اصطلاحية جاز، وإلا فلا، وإطباق كثير من النحاة على أن المصحفات ليست بكلام ينبغي أن يكون من هذا الأصل، والله أعلم.

الفائدة الرابعة:

إذا جرينا على مذهب الأشعري الذي هو المختار عند جمع من المحققين، وقلنا إن اللغات توقيفية، ففي الطريق إلى علمها وكيفية وصوله إلينا مذاهب، حكاها ابن الحاجب وغيره:

أحدها: بالوحي إلى بعض الأنبياء.

والثاني: بخلق الأصوات في بعض الأجسام تدل عليها، وإسماعها لمن عرفها ونقلها.

والثالث: بعلم ضروري خلقه في بعضهم، حصل له إفادة اللفظ للمعنى.
قال ابن السبكي في رفع الحاجب: والظاهر من هذه هو الأول، لأنه المعتاد في تعليم الله تعالى لخلقه، والله أعلم.

الفائدة الخامسة:

قال ابن جني في الخصائص: الصواب وهو رأي أبي الحسن الأخفش، سواء قلنا بالتوقيف أم بالاصطلاح، أن اللغة لم توضع كلها في وقت واحد، بل وقعت متلاحقة متتابعة، قال الأخفش: اختلاف لغات العرب إنما جاء من قبل أن أول ما وضع منها وضع على خلاف، وإن كان كله مسوقا على صحة وقياس، ثم أحدثوا من بعد أشياء كثيرة للحاجة إليها، غير أنها على قياس ما كان وضع في الأصل مختلفا.
قال: ويجوز أن يكون الموضوع الأول ضربا واحدا، ثم الآن جاء بعد أن خالف قياس الأول إلى قياس ثان جار في الصحة

مجرى الأول.
قال: وأما أي الأجناس الثلاثة الاسم والفعل والحرف، وضع قبل - فلا يدرى ذلك، ويحتمل في كل من الثلاثة أنه وضع قبل، وبه صرح أبو علي الفارسي.
والله أعلم.

الفائدة السادسة:

اختلف، هل وضع الواضع المفردات والمركبات الإسنادية أو المفردات خاصة؟ فذهب الفخر الرازي وابن الحاجب وابن مالك وغيرهم، إلى الثاني وقالوا: ليس المركب بموضوع، وإلا لتوقف استعمال الجمل على النقل عن العرب كالمفردات، ورجح القرافي والتاج السبكي وغيرهما من الأصوليين أنه موضوع، لأن العرب حجرت في التراكيب كما حجرت في المفردات.

الفائدة السابعة:

في الطريق إلى معرفة اللغة:

قال الفخر الرازي في المحصول: الطريق إلى معرفة اللغة إما النقل المحض كأكثر اللغة، أو استنباط العقل من النقل، كما إذا نقل إلينا أن الجمع المعرف يدخله الاستثناء ونقل إلينا أن الاستثناء إخراج ما يتناوله اللفظ، فيستدل بهذين النقلين على أن صيغ الجمع للعموم.
وأما العقل الصرف فلا مجال له في ذلك.
قال والنقل المحض إما تواتر أو آحاد.
واقتصر ابن الحاجب في مختصره، والآمدي في إحكامه على الطريق الأول فقط وهو النقل المحض.
وعقد لذلك ابن فارس في فقه اللغة بابا، فقال: باب القول في مأخذ اللغة: تؤخذ اللغة اعتياديا كالصبي العربي يسمع أبويه أو غيرهما، وتؤخذ تلقينا من ملقن، وتؤخذ سماعا من الرواة الثقاة ذوي الصدق والأمانة.
وأشار لمثله ابن الأنباري، والزركشي في «البحر» وغيرهما.
وزعم ابن جني

أن اللغة تكون بالقرائن، فقال في الخصائص: من قال إن اللغة لا تعرف إلا نقلا فقد أخطأ فإنها تعلم بالقرائن أيضا.
واستدل بأمور لا تخلو عن نظر تام.
والذي تميل إليه النفس أنها إنما تدرك بالنقل المحض أو الممزوج بالعقل كما أشار إليه في المحصول، ولذلك منع جمع من المحققين ثبوتها بالقياس، وصرحوا بأن القياس لا يجري في شيء من اللغة كما أشار إليه أبو الفتح بن برهان في كتاب «الوصول إلى الأصول» وإمام الحرمين في «البرهان»، والغزالي في «المنخول» وغيرهم.
والله أعلم.

الفائدة الثامنة:

في سعة اللغة وعدم الإحاطة بها.
أشار إليه ابن فارس في مواضع من فقه اللغة، وعقد له أبوابا فقال: باب القول على لغة العرب وهل يجوز أن يحاط بها؟.
قال بعض الفقهاء: كلام العرب لا يحيط به إلا نبي، وهذا كلام حري أن يكون صحيحا، وما بلغنا أن أحدا ممن مضى ادعى حفظ اللغة كلها، ثم أخذ في تبرئة الخليل مما وقع في آخر كتاب العين المنسوب له من قوله: «هذا آخر كلام العرب»، وتنزيهه عن مثل هذا القيل لورعه وتقواه، ولمراقبته لله في سره ونجوه.
قلت: وما نقله في صدر هذا الباب عن بعض الفقهاء هو نص الإمام الشافعي - رضي الله عنه - فقد قال في أول الرسالة: لسان العرب أوسع الألسنة مذهبا، وأكثرها ألفاظا، ولا نعلمه يحيط بجميع علمه إنسان غير نبي، ولكن لا يذهب منه شيء على عامتنا حتى لا يكون موجودا فيها من يعرفه، وأطال في تفصيل ذلك.
وقال ابن فارس في موضع آخر من الفقه: باب القول على أن لغة العرب لم تنته إلينا بكليتها، وأن الذي جاءنا عن العرب قليل من كثير، وأن كثيرا من الكلام ذهب بذهاب

أهله: ذهب علماؤنا أو أكثرهم إلى أن الذي انتهى إلينا من كلام العرب هو الأقل، ولو جاءنا جميع ما قالوه لجاء شعر كثير وكلام كثير، وأحر بهذا القول أن يكون صحيحا، لأنا نرى علماء اللغة يختلفون في كثير مما قالته العرب، فلا يكاد واحد منهم يخبر عن حقيقة ما خولف فيه، بل يسلك طريق الاحتمال والإمكان، وأخذ في أمثلة ذلك، وإيراد كثير مما لا يسعه هذا المختصر.

الفائدة التاسعة:

قال ابن جني في الخصائص: اللغات على اختلافها كلها حجة، ألا ترى أن لغة الحجاز في إعمال ما، ولغة تميم في ترك إعمالها، كل منهما يقبله القياس، فليس لك أن ترد إحدى اللغتين لصاحبتها، لأنها ليست أحق بذلك من الأخرى، لكن غاية مالك في ذلك أن تتخير إحداهما فتقويها على أختها، وتعتقد أن أقوى القياسين أقبل لها وأشد أنسا بها، فأما رد إحداهما بالأخرى فلا.
وقال الشيخ أبو حيان في شرح التسهيل: كل ما كان لغة لقبيلة قيس عليه، وقال أيضا: إنما يسوغ التأويل إذا كانت الجادة على شيء، ثم جاء شيء يخالف الجادة فيتأول، أما إذا كانت لغة طائفة من العرب لم تتكلم إلا بها فلا تأويل.

الفائدة العاشرة:

عقد ابن فارس في فقه اللغة بابا لانتهاء الخلاف في اللغات، وذكر أنه يقع في الكلمة الواحدة لغتان كالصرام والحصاد، وثلاث كالزجاج،

وأربع كالصداق، وخمس كالشمال، وست كالقسطاس.
قال: ولا يكون أكثر من هذا.
قلت: فهو صريح في أن الكلمة لا يكون فيها أكثر من ست لغات وهو بعيد جدا، فقد حكوا ألفاظا كثيرة فيها عشر لغات وأكثر كما في الشمال الذي زعم أن فيها خمس لغات، فقد حكى المجد فيها إحدى عشرة لغة، وزد عليه لغة أخرى ثانية عشرة كما سيأتي.
والخاتم حكى العراقي فيها عشر لغات، والأترج حكى فيه الشهاب القسطلاني ثماني لغات، وغير ذلك مما لا يخفى عمن له ممارسة باستقراء اللغات، حتى إنه لا يمكن الإحاطة بالألفاظ التي فيها عشر لغات وأكثر، بل من الألفاظ مما فيه عشرون وثلاثون لغة وأزيد، فكلامه لا يخلو عن مسامحة، وإن نقله الجلال السيوطي في المزهر، وسلمه، واحتج به، فإن الاستقراء يأباه كما سنلم ببعض ذلك في أثناء الشرح، إن شاء الله تعالى.

وهذا بعض ما يتحمله المقام من متعلقات الفنون اللغوية من الكلام، ولو وفيناه حقه، وأعطيناه من الكلام والفوائد مستحقه، لاحتاج إلى سفر على جهة الاستقلال، ولربما تعجز الأسفار عن الإسفار عما في فنون هذا العلم من

قيل وقال.
وقد ألف الإمام جلال الدين السيوطي - رحمه الله تعالى - في فنون اللغة مصنفا حافلا سماه المزهر، وذكر فيه من أنواع هذا الفن خمسين نوعا، استطرد نكتا لطيفة، وفوائد مهمة شريفة، وملأه بالنقول الغريبة، والمسائل العجيبة، غير أنه أخلاه من المباحث العقلية التي أوجبت الانتقاد عليه في مواضع تعارضت فيها النصوص النقلية، وقد أبديت أسرار ذلك في حاشية سميتها «المسفر عن خبايا المزهر»، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل، ومنه سبحانه أستمد المعونة، فهو حسبي ونعم الوكيل.

ولنرجع إلى ما نحن بصدده فنقول: سبق تفسير قوله: «هذا كتاب مختصر في اللغة»، وقوله: (وما يحتاج إليه من غريب الكلام) أقول: ما موصولة في محل جر معطوفة على اللغة، أي كتاب في اللغة وفي الشيء الذي يحتاج إليه، وهو من عطف الخاص على العام، لأن اللغة تعم المحتاج إليه وغيره، ونكتته الاهتمام بشأن المحتاج، والاعتناء بالتنبيه على كونه أورده في هذا النبذة المختصرة، ولا يجوز رفعه بالعطف على كتاب لاقتضائه أنه شيء زائد على الكتاب، مغاير له، وخارج عنه، وذلك مما لا معنى له في هذا المقام.
«ويحتاج» بالبناء للمفعول أي يقصد ويفتقر، ونائب فاعله الجار والمجرور، وضميره عائد إلى ما، ويجوز كون ما موصوفة، والجملة صفتها، أي في شيء يحتاج إليه، ويكون فيه إشارة إلى قلة ما ذكره من الغريب، لأنه لا تفي به الأسفار فضلا عن هذه النبذة وكونها موصولة أظهر في بادئ الرأي، والله أعلم.
ويحتاج مضارع احتاج، افتعل من الحاجة وهي الفقر، أو أخص منه، وتطلق على ما يتوقف عليه أمر الإنسان، ولشهرتها وكون معرفتها من الضروريات قال المجد كالجوهري وغيرهما: الحاجة معروفة كالحوجاء، والجمع حاج، وحاجات، وحوج، وحوائج، على غير قياس، أو مولدة

أو كأنهم جمعوا حائجة.
قلت: إنما قالوا على غير قياس لأنه لا يعرف جمع «فعلة» على «فعائل»، وقولهم أو مولدة إشارة إلى ما ذهب إليه الأصمعي من أن حوائج كلمة مولدة لم تستعملها العرب، وقد قلده في ذلك الرئيس أبو محمد القاسم بن علي الحريري في «درة الغواص»، وجعل الحوائج من أوهام الخواص، زاعما أنه لم يحفظ لتصحيحه شاهدا من كلام العرب، ولا ألفى له حجة في دواوين الأدب، إلا بيتا واحدا للبديع الهمذاني نسبه فيه للغلط، وأكثر فيه عليه من اللغط.
وهذا قصور ظاهر لا يرضاه شاد فضلا عن ماهر، وقد تصدر للرد عليه ونسبه للغلط فيما استند إليه الإمام أبو محمد عبد الله بن بري في رسالة جلب فيها نصوص الأئمة الأعلام، وأحاديث عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وأشعارا حجة من إنشاء العرب العرباء الذين هم رؤساء الكلام، كلها تشهد باستعمال لفظ الحوائج وشيوعه بينهم، وقد أورده الخليل في كتابه العين، وأبو الفتح بن جني في كتاب اللمع، وابن السكيت في كتاب الألفاظ له، وسيبويه في باب تفعل واستفعل من كتابه، وابن دريد في جمهرته، وتلميذه المهلبي فيما كتبه عنه، ونقل عن أبي عمرو بن العلاء، وغيرهم من الأئمة.
قلت: وإنما غلط الأصمعي في هذه اللفظة حتى جعلها مولدة، كونها خارجة عن القياس كما أومأ إليه ابن بري وغيره، لأن ما كان على مثال الحاجة مثل غارة وجارة لا يجمع على غوائر وجوائر، وقطع بذلك على أنها مولدة غير فصيحة، على أنه حكى الرياشي والسجستاني عن

عبد الرحمن عن الأصمعي أنه رجع عن هذا القول، وإنما هو شيء كان عرض له من غير بحث ولا نظر، وهذا هو الأبه به لأن مثله لا يجهل ذلك مع شيوعه وكثرة استعماله في كلام النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وفي كلام غيره من العرب الفصحاء، وكأن الحريري - رحمه الله - لم يطن على أذنيه إلا ما نقل عن الأصمعي، فتلقاه بالقبول تقليدا، ولم يتأمل تأمل ألمعي، وكان في غنى عن توهيم العوام فضلا عن الخواص، بمثل هذه النتائج التي أنتجها شكل عقل معقول بالعقم غير غواص.
وإنما نبهت على هذه المسألة لغرابتها في الدواوين، وخشية أن يغتر بما ذكره الحريري من لا تحرير عنده من الغاوين.
وقولهم: أو كأنهم، أي العرب جمعوا حائجة، أي توهموا عند الجمع أن مفرده «حائجة» فجمعوه على حوائج كما يقتضيه القياس، نظير ما قالوا: إن الليالي جمع ليلاه على القياس كما قاله ابن العربي، لا ليلة على غير قياس، وقد قال: الخليل في كتاب العين: إن الحجة مخففة من حائجة، وإن لم ينطق بها، لأنهم كثيرا ما يستعملون الفروع ويهجرون الأصول تخفيفا، إلا أن بعض أئمة اللغة نقل عن أبي عمرو بن العلاء أنه يقال: في نفسي حاجة وحائجة وحوجاء وعليه فالحوائج جمع حائجة قياسا، إذ فاعلة تجمع على فواعل بلا توقف كما في الدواوين النحوية والصرفية، ولكنهم في المفرد يستعملون الحاجة غالبا تخفيفا ويهجرون الحائجة، وفي الجمع بالعكس، ومثله كثير في كلامهم كما يشهد له الاستقراء، والله أعلم.

ثم أقول: إنه يجوز كما قال قوم من علماء اللسان أن تكون الحوائج جمع حوجاء، وقياسها حواج كصحار جمع صحراء، ثم قدمت الياء على الجيم فصارت حوائج، والقلب في كلامهم مطروق، مشهور، كثير جدا، كما في أبوابه من الدواوين النحوية والصرفية، وعليه فوزنه «فعالي»، ثم «فعائل»، والله أعلم.

والفعل احتاج كما مر، وحاج يحوج حوجا كقال، حكاها الجوهري وأنشد عليها قول الكميت:

غنيت فلم أرددكم عند بغية... وحجت فلم أكددكم بالأصابع

قلت: أكددكم معناه: أشر إليكم، قال في الصحاح: الكد: الشدة في العمل وطلب الكسب، وكددت الشيء: أتعبته، والكد: الإشارة بالإصبع كما يشير السائل، وأنشد البيت المذكور.
ومثله في الدواوين اللغوية.
ويتعدى حاج بالألف، فيقال: أحوجته إلى الغير، أي جعلته محتاجا إليه، أو أفقرته إليه، ويستعمل أحوج الرباعي لازما أيضا، فيقال: أحوج فلان، فهو محوج، أي: احتاج كما أشار إليه في القاموس والصحاح والمصباح وغيرها.
وبما سبق علم أن احتاج وحاج - كقال - لازمان، وأن أحوج يستعمل لازما ومتعديا، والله أعلم.

تنبيه: القياس في محوج أن يجمع جمع مذكر سالما كمكرم ومحسن، فيقال: «محوجون»، إلا أن الناس يقولون في الجمع محاويج مثل مفاليس، حتى إن بعض أهل اللغة ينكره، ويقول إنه ليس بممسوع من العرب

وإن اشتهر، والحق أنه مسموع وارد في كلامهم، وأغلفه أرباب التآليف لشهرته، وأشار إليه في المصباح، والله أعلم.

الغريب

وقوله: «من غريب الكلام» بيان «لما يحتاج» في محل نصب على الحال كما هو مقرر في «من» البيانية، والإضافة في «غريب الكلام» من إضافة الصفة إلى الموصوف، أي: ما يحتاج إليه من الكلام الغريب.
والغريب - كما أشار إليه السعد في المطول قسمان: غريب حسن: وهو الذي لا يعاب استعماله على العرب، لأنه لم يكن غريبا عندهم لشهرته بينهم، وتداوله على ألسنتهم، وهو في النظم أحسن منه في النثر، كما أشار إليه السعد والسيد وابن رشيق في العمدة وغيرهم.
ومن هذا القسم غريب القرآن والحديث الذي قالوا إن معرفته من الضروريات للمفسر والمحدث كما اشترطوه في شروطهما، ولذلك اعتنى جمع من الأعلام بالتنصيف فيه، وأفرده خلق لا يحصون، منهم أبو عبيدة وأبو عمر الزاهد وابن دريد والعزيزي الذي أقام على ما قيل خمس عشرة سنة يهذب غريبه ويحرره هووشيخه أبو بكر بن الأنباري، وأحسن ذلك مفردات الراغب، قال ابن الصلاح: وحيث رأيت في كتب التفسير، «قال أهل المعاني»: فالمراد مصنفو الكتب في معاني القرآن كالزجاج والفراء والأخفش وابن الأنباري.
وقد اعتنى بغريب الحديث القاضي أبو الفضل عياض، وابن الأثير، وابن قتيبة، والخطابي، والهروي وغيرهم.

وغريب قبيح: وهو ما يعاب استعماله مطلقا نظما ونثرا، وتخلو منه

الدواوين اللغوية المتداولة بين علماء هذا الشأن، ويسمى عندهم بالوحشي الغليظ وبالمتوعر، وهو مع غرابته ثقيل على السمع، كريه على الذوق، وهذا هو الذي اشترط علماء المعاني خلو الكلام منه في الفصاحة دون الأول كما عرف في محله، قلت: ومراد المصنف بالغريب هنا القسم الأول، وكأنه أراد أن ما ذكره غريب بالنسبة لهذه الأعصار التي غلبت فيها العجمة على الناس، وقل تعاطيهم للعلوم اللسانية، حتى صارت الألفاظ الضرورية عند الأقدمين من الناس فضلا عن العرب تسمى وحشية غريبة لعدم تداولها بين الناس.
وإلا فإنه لم يذكر شيئا من الغريب بالنسبة لما اصطلح عليه علماء هذا الشأن لاختصاره، وعدم استيفائه لباب من أبواب اللغة المشهورة المتداولة عند الأقدمين، فضلا عن غرابتها كما يعلمه من مارس فنونها، والله أعلم.

ولما وصف كتابه بأنه مختصر مشتمل على المحتاج إليه من الكلام الغريب نبه على ما أودعه فيه على جهة الإجمال ليرغب فيه الطالب فقال: (أودعناه كثيرا من الأسماء والصفات) أقول: أصل الإيداع الدفع على وجه الوديعة، تقول: أودعته مالا: إذا دفعت إليه ليكون وديعة، وأودعته أيضا: قبلت ما أودعكه، فهو من الأضداد كما في الصحاح والقاموس وغيرهما، ثم صار يستعمل بمعنى الجعل.
تقول: أودعت كذا في كذا: إذا جعلته فيه، وهو قريب من الأول.
ومنه قول المصنف: أودعناه أي جعلناه في هذا الكتاب كثيرا، فالضمير مفعوله الأول، وكثيرا مفعوله الثاني، وهو فعيل من الكثرة بالفتح كما في الفصيح وغيره، وتكسر في لغة، أو هو رديء، أو خطأ كما أوضحته في شرح نظم الفصيح.
والكثرة نقيض القلة، وكثر الشيء ككرم، فهو كثير، كأمير، وغراب، وصاحب، وصيقل.

وقوله: «من الأسماء» بيان لما في «كثير» من الإيهام، فهو صفة له، «والأسماء» جمع اسم، وهو يطلق على ما يقابل الفعل والحرف وعلى ما يقابل الكنية واللقب، وعلى ما يقابل الصفة على ما قرر في العربية، وكأنه أراد الإطلاق الثالث لأنه قابله بالصفات.
والخلاف في كون الأسماء مشتقة من السمو وهو العلو كما هو مذهب البصريين الذي عليه المعول بدليل التكسير والتصغير، أو من الوسم وهو العلامة كما يدعيه الكوفيون - مشهور مبسوط.
وقد أوضحت كلا من المذهبين مع ماله وما عليه في «السمط».
والصفات: جمع صفة، وأصلها وصفة، فحذفت الواو منها لما تقرر من وجوب حذف الواو من مضارع مثله، وفعلته عملا بقوله في الخلاصة:

فا أمر أو مضارع من كوعد... احذف، وفي كعدة ذاك اطرد

والصفة والوصف والنعت ألفاظ مترادفة من حيث اللغة، وفرق المتكلمون بين الوصف والصفة، فقالوا: الوصف يقوم بالواصف، والصفة بالموصوف، كما فرق أقوام من الكوفيين منهم أبو العباس ثعلب بين النعت والصفة، فقالوا: النعت ما كان خاصا بعضو كالأعور والأعرج، فإنهما يخصان موضعين من الجسد، والصفة للعموم كالعظيم والكريم.
ومن ثم قال جماعة: الله تعالى يوصف ولا ينعت.
والله أعلم.

وجملة أودعناه... الخ.
صفة أخرى لكتاب، وأتى مع كونه واحدا بضمير الجمع الدال على العظمة إظهارا لملزومها وهو تعظيم الله إياه بالعلم كما قاله «الجلال المحلي» في شرح قول «التاج السبكي»: نحمدك اللهم

على نعم يؤذن الحمد بازديادها»، وأيده بقوله تعالى: ﴿وأما بنعمة ربك فحدث﴾، بل هذا المقام أولى به من ذاك، إذ ليس هنا مقام حمد ولا دعاء بخلاف ذاك كما أوضحته في شرح نظم الفصيح وحواشي السعد وغيرهما.
واعتبر الجوارح المعينة للعقل على هذا التأليف، وعبر عنها بضمير الجمع كما اختاروه في «نحمدك» ومثله يقال في «جنبناه» وما بعده، والله أعلم.

الحوشي والغريب من الألفاظ

ولما ذكر ما أودعه في كتابه، عقبه بذكر ما جنبه إياه، زيادة في الترغيب، فقلا: (وجنبناه حوشي الألفاظ واللغات) أقول: التجنيب: الإبعاد، يقال: جنبته الشيء، ومنه، كنصر: إذا أبعدته، ومنه ﴿واجنبني وبني أن نعبد الأصنام﴾ ويشدد للمبالغة فيقال: جنبته تجنيبا كما يقال: قطع وقطع، كما أشار الفيومي كالجوهري.
وزاد المجد: أجنب رباعيا كأبعد إبعادا وزنا ومعنى.

والحوشي: بضم الحاء المهملة وبعد الواو شين معجمة فياء نسبة، هكذا هو في غالب النسخ التي رأيناها [ورويناها] ويوجد في بعض النسخ «وجنبناه وحشي» بالفتح منسوب إلى الوحش، وكلاهما بمعنى واحد، بل ظاهر عبارتهم أن الغريب أيضا مثلهما، إلا أن الصواب فيه ما قدمناه، وإن كان إطلاقه على الوحشي أكثر كما في عمدة ابن رشيق وكتب المعاني واللغة، والله أعلم.
وأما الحوشي بالضم ففسره في القاموس بالغامض من الكلام.
وفي الصحاح حوشي الكلام: وحشيه وغريبه، وفي الصحاح: مستغربه.
وفي

عمدة ابن رشيق: الوحشي من الكلام: ما نفر عن السمع، ويقال له أيضا: حوشي، كأنه منسوب إلى الحوش، وهو بقايا «إبل وبار» بأرض قد غلبت عليها الجن فعمرتها، ونفت عنها الإنس، لا يطأها إنسي إلا خبلوه، قال رؤبة:

جرت رجالا من بلاد الحوش

قال: وإذا كانت اللفظة خشنة مستغربة لا يعلمها إلا العالم المبرز أو الأعرابي القح فتلك وحشية.
قلت: ما ذكره من كون الألفاظ الوحشية منسوبة إلى الحوش هو المشهور في دواوين الأدب، وإن لم يذكره اللغويين فيه، بل ذكروه في الإبل الحوشية ونحوها مما يوصف بالحياة، فقد قال المجد: والحوشي من الإبل وغيرها منسوب إلى الحوش، وهو بلاد الجن.
أو فحول جن ضربت في «نعم مهرة»، فنسبت إليها.
فذكر فيه وجهين بخلاف ابن رشيق.
قال الجوهري: وأصل الحوش فيما زعموا: بلاد الجن من وراء «رمل يبرين» لا يسكنها أحد من لناس، قال: والحوش: النعم المتوحشة، ويقال إن الإبل الحوشية منسوبة إلى الحوش، وهي فحول جن تزعم العرب أنها ضربت في نعم أحدهم فنسبت إليها.
وفي المصباح: حكى ابن قتيبة أن الإبل الحوشية منسوبة إلى الحوش، وأنها فحول من الجن ضربت في إبل فنسبت إليها، وحكاها أبو حاتم أيضا، وقال: هي النجائب المهرية ومثله في غالب الدواوين اللغوية مقتصرين به على الإبل، وإن قال المجد: من

الإبل وغيرها، فإن قوله بعد: أو فحول... الخ، ربما تعين الإبل، ومن ثم قيل إن في عبارته تدافعا كما أوضحته في حواشيه: والله أعلم.

وأما الوحشي فإن معناه يفهم مما قدمناه، وكلام علماء المعاني فيه أوضح من كلام اللغويين، وكذلك قالوا كما نقله السعد في مطوله، والسيد في شرح المفتاح، وغيرهما:

الوحشي منسوب إلى الوحش الذي يسكن القفار، استعيرت للألفاظ التي لم يؤنس استعمالها فيوجد فيها ثقلا على السمع وكراهية على الذوق، كما أشرنا إليه من قبل في تعريف الغريب القبيح لأنه مرادفه عندهم كما مر آنفا، والله أعلم.

و«الألفاظ» جمع لفظ، وهو في الأصل مصدر لفظت الشيء، وبه، كضرب وسمع: إذا رميته، ثم ن قل في عرف علماء اللسان ابتداء كما هو ظاهر إطلاقاتهم، أو بعد جعله بمعنى الملفوظ كالخلق بمعنى المخلوق، كما ارتضاه الرضي مقتصرا عليه - إلى ما يتلفظ به الإنسان.
قال في التوضيح: والمراد باللفظ: الصوت المشتمل على بعض الحروف الهجائية.
وقد أشار الفخر الرازي إلى مناسبة إطلاقه على الصوت فقال: سمي الصوت لفظا لكونه يحدث بسبب رمي الهواء من داخل الرئة إلى خارجها، إطلاقا لاسم السبب على المسبب، ونقله في التصريح.
والمشهور في اللفظ أنه يطلق على المستعمل الموضوع له معنى، وعلى المهمل الذي لا معنى له، بخلاف القول والكلام.
وحقق الرضي في شرح الحاجبية أن القول والكلام واللفظ من حيث أصل اللغة بمعنى، لكن القول اشتهر في المفيد بخلاف اللفظ

والكلام، واشتهر الكلام لغة في المركب.
قال: واللفظ خاص بما يخرج من الفم، فلا يقال لفظ الله كما يقال كلام الله، والله أعلم.

وقد اشتهر على الألسنة جمع لفظ على ألفاظ، وارتكبه الجماء الغفير من المحققين في الفنون، وفيه أنه مصدر، وقد صرح سيبويه وغيره بأنه لا يجمع، وما ورد من ذلك كالأشغال والحلوم شاذ يقتصر منه على ما سمع، ولا يتجاوزه على ما شحنت به دواوين العربية، إلا أن يجاب عنه بأنه تنوسي فيه معنى المصدرية، وحكم عليه بالاسمية فصار في عدادها كما أومأ إليه في المصباح.
فيبقى حينئذ أن «فعلا» الصحيح لم يجمع على أفعال إلا في كلمات شاذة ذكر منها ابن هشام فرخا وأفراخا، وزندا وأزنادا، حملا وأحمالا.
قيل: ولا رابع لها.
وإن ذكر في التصريح كلمات غيرها، وعد منها لفظا وألفاظا اغترارا بما في الصحاح، فإن مثل هذا لا يثبت إلا بنقل صريح، وكثير من الأقدمين لم يتعرضوا له بنفي ولا إثبات، وقد يكون من الخطأ المشهور المفضل على الصواب المهجور، والله أعلم.

و«اللغات» جمع لغة، وقد سبق الكلام فيها مستوفى، والإضافة في «حوشي الألفاظ» من إضافة الصفة إلى الموصوف، والمعنى: أبعدنا عن كتابنا هذه الألفاظ الغريبة المستوحشة واللغات الحوشية المستكرهة لاستثقال النفوس لها وكراهتها في الأسماع والأذواق، ولذلك عيب أقوام من فحول الأدباء بارتكابهم الغرائب والنوادر والوحشيات في نظامهم، وقد بالغ ابن رشيق في العمدة في النكير على مرتكب الغرائب والوحشيات وذمهم حتى قال قصيدته النونية المشهورة التي أولها:

قبح الله صنعة الشعر ماذا... من صنوف الجهال فيها لقينا

يؤثرون الغريب [منه] على ما... كان سهلا للسامعين مبينا

وأنكر ذلك الصفي الحلي في قصيدته السينية المشهورة التي قالها لما قيل في شعره: لا عيب فيه سوى قلة استعماله لغة العرب.

وقال إبراهيم بن المهدي لكاتبه عبد الله بن صاعد: إياك وتتبع وحشي الكلام طمعا في نيل البلاغة، فإن ذلك هو العي الأكبر، وعليك بما سهل مع تجنبك ألفاظ السفل.
ونبه على ذلك حازم في منهاج البلغاء.
وإن مال أقوام لاستحسان استعمال الغريب واستطراف ارتكابه حتى قال ابن خميس الأندلسي من قصيده:

العشي تعجز والنوابغ... عن شكر أنعمك السوابغ

ما ذاق طعم بلاغة... من ليس للحوشي ماضغ

والحق - كما أشير إليه في منهاج البلغاء وغيره - أن ذلك يختلف باختلاف المقامات والقرائح، إذ لكل مقام مقال، ولكل أقوام تخاطب لا يحسن بغيره بينهم القيل والقال، كما هو مبسوط في دواوين الأدب، وشروح كلام العرب، والله أعلم.

ثم زاد في أوصاف الكتاب ترغيبا فيه فقال: (وأعريناه من الشواهد) أقول: «الإعراء»: التجريد، عري بفتح العين وكسر الراء المهملتين كرضي: تجرد من الثياب، هذا أصله، ثم استعمله أرباب التأليف في التجريد من الأشياء، وأعربته: جردته، وكذلك عريته، فأما عرا بالفتح كدعا فمعناه: قصد وطلب، يقال عراه يعروه عروا.
إذا قصده لطلب رفده، وعراه الأمر: نزل به كاعتراه.
وهذا واوي اللام بخلاف عري من الثياب فهو يائي كما في أمهات اللغة، وكثير ممن ينسب للفضل لا يحسن التفرقة بينهما ضبطا ولا مادة.

الاستشهاد في اللغة

«والشواهد»: جمع شاهد، وهو اسم فاعل من شهد الشيء كعلم: إذا عاينه، والشهادة: الخبر القاطع، وقد شهد كعلم وكرم شهادة، قاله في القاموس، وقد أوضحت معناها لغة واصطلاحا في شرح نظم الفصيح، والمراد بالشواهد عند علماء اللسان: الجزئيات التي تذكر لإثبات القواعد من كلام الله تعالى، أو كلام رسوله صلى الله عليه وآله وسلم، أو كلام العرب العرباء الثابتة فصاحتهم، الموثوق بعربيتهم.

وها هنا تنبيهات يحتاج إلى تحصيلها الهمم العالية، والقرائح النبيهات:

التنبيه] الأول

لا خلاف بين العلماء في الاستدلال بالقرآن العظيم، والاحتجاج به في جميع الفنون العلمية على اختلافها وكثرتها، ولا سيما علوم اللسان: لغة وصرفا ونحوا وبيانا بأنواع الثلاثة.
وأما الحديث الشريف فاختلف فيه، فذهب إلى الاحتجاج به والاستدلال بألفاظه وتراكيبه جمع من الأئمة، منهم: شيخا هذه الصناعة وإماماها، الجمالان: ابنا مالك وهشام، والجوهري، وصاحب البدعي، والحريري، وابن سيده، وابن فارس، وابن خروف، وابن جني، وأبو محمد عبد الله بن بري، والسهيلي وغيرهم ممن يطول ذكره، وهو الذي ينبغي التعويل عليه والمصير إليه، إذ المتكلم به صلى الله عليه وآله وسلم أفصح الخلق على الإطلاق، وأبلغ من أعجزت فصاحته الفصحاء على جهة العموم والاستغراق، فالاحتجاج بكلامه عليه الصلاة والسلام الذي هو أفصح العبارات وأبلغ الكلام، مع تأييده بأسرار البلاغة ودلائل الإعجاز من الملك العلام أولى وأجدر من الاحتجاج بكلام الأعراب الأجلاف، بل لا ينبغي أن يلتفت في هذا المقام لمقال من جار عن الوفا، وإلى إجراء الخلاف، على أنا لا نعلم أحدا من علماء العربية خالف في هذه المسألة إلا ما أبداه الشيخ أبو حيان في شرح التسهيل، وأبو الحسن بن الضائع في شرح الجمل، وتابعهما على ذلك الجلال السيوطي - رحمه الله - فأولع بنقل كلامهما، وألهج به في كتبه، واعتنى باستيفائه في كتاب الموسوم بـ «الاقتراح في علم أصول النحو»، وهو كتاب بديع في بابه، رتبه على ترتيب أصول الفقه في

الأبواب والفصول، وأبدى فيه نكتا غريبة جعلها للفروع النحوية كالأصول، واستوفاه أيضا فيما كتبه على المغني، ولهج به في غيرهما من كتبه ظانا أنه من الفوائد الغريبة، متلقيا له بالقبول تقليدا، غافلا ع ن أنه في هذا الباب لا يسمن ولا يغني.

فأما ابن الضائع فحجته في المنع تجويز الرواية بالمعنى، قال: ولولا تصريح العلماء بجواز النقل بالمعنى في الحديث لكان أولى في إثبات فصيح اللغة كلام النبي صلى الله عليه وآله وسلم، لأنه أفصح العرب، وسيأتي جوابه، وأما أبو حيان فقد أطال على عادته - عفا الله عنه - في التحامل على الإمام ابن مالك بلا طائل، وأبدى أدلة حالية بالتمويه، خالية من الدلائل.
وحاصل ما قاله: إن نحاة البلدين البصرة والكوفة لم يستدلوا بالحديث، وتابعهم على ذلك نحاة الأقاليم، وعلل ذلك بوجهين: جواز الرواية بالمعنى، ووقوع اللحن كثيرا في الأحاديث لأن كثيرا من الرواة كانوا غير عرب بالطبع، ولا يعلمون لسان العرب بصناعة النحو، فوقع اللحن في كلامهم، وبنى على ذلك كلامه كله واعتراضه على الشيخ ابن مالك.

فأما عدم استدلالهم بالحديث فلا يدل على أنهم يمنعون ذلك، ولا يجوزونه كما توهمه، بل تركهم له لعدم تعاطيهم إياه، وقلة إسفارهم عن محياه، على أن كتب الأقدمين الموضوعة في اللغة لا تكاد تخلو عن الأحاديث والاستدلال بها على إثبات الكلمات، واللغة أخت النحو، وأيضا في الصدر الأول لم يكن الحديث مدونا مشهورا مستعملا استعمال الأشعار العربية والآي القرآنية، وإنما اشتهر ودون بعدهم، فعدم احتجاجهم به لعدم

اشتهاره بينهم، وعلماء الحديث غير علماء العربية، ولما تداخلت العلوم وتشاركت استعملوا بعضها في بعض، وأدخلوا فنا في فن، حتى صارت المنقولات المحضة نوعا من المعقولات، وبالجملة فكونهم يحتجوا بالحديث لا يلزم منه منعهم ذلك كما لا يخفى.
وأما ادعاؤه أن الأقاليم تابعوهم على ذلك فهو مصادرة، بل هذه كتب الأندلسيين وأهل المغرب قاطبة مشحونة بذلك، وقد استدل بالحديث في كتب النحو طوائف، منهم الصفار، والسيرافي، والشريف الغرناطي، والشريف الصقلي في شروحهم لكتاب سيبويه، وابن عصفور، وابن الحاج في شرح المغرب، وابن الخباز في شرح ألفية ابن معطي، وأبو عبد الله بن بري وغيرهم مما أسلفنا ذكره آنفا، وشيد أركانه المحققون كالإمام النووي في شرح مسلم وغيره، والعلامة المحقق البدر الدماميني في شرح التسهيل وغيره، وقاضي القضاة ابن خلدون في مواضع من مصنفاته، بل خص هذه المسألة بالتصنيف وأجاب عن كل ما أورده جوابا شافيا، ومال إليه العلامة النظار أبو إسحق الشاطبي، والعلامة القناري وغير واحد.

وشيد أركانه عصري شيوخنا العلامة عبد القادر البغدادي في أوائل «شرح شواهد الرضي» بما لا مزيد عليه، بل رأيت الاستدلال بالحديث في

كلام أبي حيان مرات، ولا سيما في مسائل الصرف، إلا أنه لا يقر له عماد، فهو كل حين في اجتهاد.

وأما الرواية بالمعنى، فهي وإن كانت رأي قوم، فقد منعها آخرون منهم مالك رضي الله عنه، بل نسب المنع للجمهور من المحدثين والأصوليين والفقهاء كما نقله القرطبي وغيره.
وبعد تسليمه، فمن أجازه اشترط له شروطا مشهورة في علوم الاصطلاح لم تذكر في شيء مما استدل به ابن مالك وغيره، بل قالوا: إنه لا يجوز النقل بالمعنى إلا لمن أحاط بدقائق علم اللغة، وكانت جميع المحسنات الفائقة بأقسامها على ذكر منه، فيراعيها في نظم كلامه، ثم فتح احتمال التغيير والتصرف في التعبير يؤدي إلى خرق بعيد الالتئام، في جميع الأحكام، لأن المخالف يقول لمخالفه المستدل في حكم بلفظ حديث: لعل هذا اللفظ من الراوي.
وقالوا: إنه إذا فتح هذا الباب لا يبقى لنا وثوق بحديث ولا اطمئنان لشيء من الآثار الواردة عنه صلى الله عليه وآله وسلم، وأوجد المبتدعة مسلكا للطعن في جميع الأحاديث، وانتقلنا إلى النظر في دلالاتها على العمومات والإطلاقات وغير ذلك مما يترتب على هذا القول من المفاسد العظام.
وأما ادعاء اللحن في الحديث فهو باطل، لأنه إن أراد اللحن الذي هو الخطأ في الإعراب بحيث لا يتخرج على وجه من الوجوه، فهذا لا وجود له في شيء من الأحاديث أصلا، وإن أراد أنه على خلاف الظاهر، كنصب الجزأين بـ: أن ونحوه من الأحاديث

الواردة على لغة من اللغات الغير المشهورة فهو لا يضر، لأن القرآن العظيم وهو متواتر فيه آيات على خلاف الظاهر في الإعراب، احتاج هو في «بحره» و«نهره» إلى تأويلها وتخريجها على وجه صحيح، ولم يدع أنها ملحونة، وإن ورد في كلام عائشة - رضي الله عنها - وغيرها التعبير في حقها باللحن، فقد أجابوا عنه كما بسطه الجلال في الاتقان، ولم تخرج بسبب ذلك عن القرآن.
وما رأيت أحدا من الأشياخ المحققين إلا وهو يستدل بالأحاديث على القواعد النحوية والألفاظ اللغوية، ويستنبطون من الأحاديث النبوية الأحكام النحوية والصرفية واللغوية وغير ذلك من أنواع العلوم اللسانية، كما يستخرجون منها الأحكام الشرعية.

وقد طال ما اقترح على الجهابذة من الأصحاب والأساتذة أن أخص هذه المسألة بتصنيف مستقل، فما تسعف الأقدار بذلك لكثرة العوارض والقواطع، ولما أبديت هذا الكلام في هذا الشرح قنعوا به وارتضوا وأيدوه، وبعد الفراغ من هذا الكتاب بأزمان، هيأ الله سبحانه لي الأسباب وفتح لي الباب، فعنيت بشرح الاقتراح لأغراض بينتها في خطبة الشرح، وبذلت الجهد في تحقيق هذا البحث، ونقلت صدر كلامي الذي هنا فيه، ثم تتبعت كلام أبي حيان وابن الضائع الذي نقله الجلال هنالك، ونقضته لبنة لبنة بما لا غبار عليه في نحو كراسين منه، وأبديت هنالك من التحقيقات العجيبة ما لا يشك مطالعه أنه نفحة من النفحات النبوية، ومنحة من المنحات المصطفوية، ويعلم متقنه

بالمطالعة أن الحق ما قاله الإمام ابن مالك علامة «جيان» لا ما قاله أبو حيان، ويجزم بأن كلام ابن الضائع كلام ضائع، والله الموفق سبحانه.

التنبيه الثاني:

لا خلاف بين أئمة العربية في أن كلام العرب كله نظمه ونثره ويستدل به على إثبات القواعد العربية مطلقا، من لغة وصرف ونحو وغير ذلك، وإنما وقع الخلاف في معرفة من يستدل بكلامه، ومن لا يحتج بكلامه، فاحتاجوا إلى بيان معرفة طبقات المتكلمين، وجعلوهم شعراء، لأن المحفوظ المنقول أغلبه شعر، فقالوا إن طبقات الشعراء أربعة: جاهليون كامرئ القيس وطرفة وزهير وأضرابهم، ومخضرمون وهم الذين أدركوا الجاهلية والإسلام كحسان ولبيد وكعب وأضرابهم، وإسلاميون كالفرزدق وجرير وأضرابهما، ومولدون كبشار ومن بعده إلى الآن، فأما الجاهليون والمخضرمون فقد أجمعوا على الاستشهاد بكلامهم، وإثبات القواعد في سائر الفنون بنثارهم ونظمهم.
وأما الطبقة الثالثة وكلهم الإسلاميون، فاختلفوا في الاستدلال بكلامهم، وأطبق المحققون على الاستشهاد ولم يعبئوا بالخلاف في ذلك.
وأما طبقة المحققون على الاستشهاد بكلامهم في القواعد النحوية والألفاظ العربية، بل يجوز الاستشهاد بشعرهم في المعاني والبيان والبديع فقط، وخالف الزمخشري وأتباعه السلف، فاستشهد بكلام المولدين كأبي تمام، وقال في الكشاف: لأني أجعل ما يقوله بمنزلة ما يرويه، واعترضوا عليه بأن قبول الرواية مبني على الضبط والوثوق، واعتبار القول مبني على معرفة الأوضاع اللغوية والإحاطة بقوانينها، ومن البين أن إتقان الرواية لا يستلزم إتقانالدراية، وأطال في الرد عليه الفاضل التفتزاني، والمحقق في الكشف وغير واحد.

وألممت بأكثر ذلك في شرح شواهد البيضاوي، ولا حجة له في استشهاد سيبويه ببيت لبشار أنشده في الكتاب، لأنه إنما أورده مثالا، ولم يجعله شاهدا، وكان بشار هجاء، فتوعد سيبويه فقطع لسانه لذلك كما صرحوا به، والله أعلم.

التنبيه الثالث:

قصر الطبقات على ما ذكرنا وحصرها في أربع هو المشهور المتداول بين الجمهور، ولذلك اقتصرنا عليه في شروح الشواهد وشرح نظم الفصيح وغيرهما.
وزاد فيها جماعة ففصلوها على غير هذا الترتيب فقالوا: الشعراء طبقات: جاهليون كامرئ القيس، ومخضرمون كلبيد، ومتقدمون، ويقال إسلاميون، وهم الذين كانوا في صدر الإسلام كجرير والفرزدق، ومولدون وهم من بعدهم كبشار، ومحدثون وهم من بعدهم كأبي تمام، ومتأخرون كمن حدث بعدهم من شعراء الحجاز والعراق فجعل الطبقة الرابعة ثلاثا،

والصواب أنها كلها نوع واحد، وأن كل من حدث من بشار إلى الآن كلهم مولدون لا يستشهد بشعرهم إلا في المعاني خاصة دون الألفاظ، ولذلك اقتصرت على ما ذكرت أولا في شرح نظم الفصيح وغيره من شروح الشواهد، وإن استوفيت هذه الأنواع كلها في شرح شواهد البيضاوي لاحتياج المقام لذلك، ولاختياره تبعا للزمخشري الاستشهاد بهؤلاء اعتمادا على عدم الفرق بين الرواية والقول، وأوضحت أن الحق ما عليه الجمهور، وأن الاعتماد على ما رووه دون ما رأوه كما مرت الإشارة إليه.
والله أعلم.

التنبيه الرابع:

العلوم التي تحتاج إلى استشهاد من علوم الأدب ثمانية: اللغة، والصرف، والنحو، والعروض، والقوافي، والمعاني، والبيان، والبديع، فأما العلوم الخمسة الأولى فلا يستشهد عليها إلا بالطبقات الثلاث الأولى، وبالقرآن، أو بالحديث كما حققناه، لأن المعتبر فيها ضبط الألفاظ، والجري على تلك القوانين، والثلاثة الأخيرة يجوز الاستشهاد بكلام البحتري وأبي تمام وأبي الطيب وأبي العلاء وهلم جرا، كما حققه الأندلسي في شرح بديعية رفيقه ابن جابر، وإن كان في كلامه قصور يعلم بالوقوف عليه كما نبهنا عليه في شرح نظم الفصيح، وحواشي عقود الجمان وغيرهما، والله أعلم.

ولشدة احتياج مبحث الشواهد إلى غريب هذه الفوائد جعلتها في لبتها

أزهى من قلائد الفرائد، فلا يعدها طولا من أتقن النظر، وكان موصول الفكر بالصلاة والعوائد.

وقوله: (ليسهل حفظه) علة «أعريناه» أي: جردناه من الشواهد ليكون ذلك سببا في سهولة حفظه، ويجوز أن يعم ما قبله أيضا، أي جنبناه الوحشي ليسهل، لأن الوحشي مما تنفر منه الطباع كما مر، ويسهل مضارع سهل الأمر ككرم سهالة: إذا تيسر وتهيأ، فهو سهل بالفتح.
«والحفظ» بالكسر: مصدر حفظ الشيء كفرح: إذا منعه من الضياع، ثم قالوا: حفظ القرآن ونحوه: إذا وعاه على ظهر قلبه، وهو المراد هنا: والضمير لكتاب.
أي: ليتيسر وعي الكتاب واستظهاره، أي: علمه على ظهر الغيب.
(ويقرب تناوله) أي: يدنو تعاطيه، قرب إليه، ومنه، ككرم: دنا، والتناول: الأخذ، أو بسرعة.
(وجعلناه) أي الكتاب (مغنيا) أي كافيا اسم فاعل من أغناه بالغين المعجمة أي صيره غنيا لا يحتاج لأحد، من اعتنى بهذا الكتاب وحفظه: اغتنى به عن غيره إذا كان متوسطا، ولذلك قال: (لمن اقتصد) أي توسط (في هذا الفن) أي النوع، وهو اللغة، والاقتصاد في الشيء والقصد فيه هو التوسط، وعدم الإفراط والتفريط: يقال: قصده، وله، وإليه، يقصد كضرب، وضم المضارع غلط لا أصل له، وإن جرى على ألسنة كثيرين: إذا أمه وتوجه إليه.
وقصده: إذا ترك الإفراط، كاقتصد.
و«الفن» بالفتح: النوع والضرب وجمعه فنون، أي لمن توسط في هذا الفن من فنون العلم وهو فن اللغة، أي بخلاف الماهر المتبحر، فإنه لا تكفيه بحار الأمهات فضلا عن المتوسطات، فضلا عن هذه الورقات.
(ومعينا) أي: مساعدا ومقويا، اسم فاعل من أعانه على الشيء: إذا ساعده عليه، وفيه جناس التصحيف والتحريف مع مغنيا، (لمن أراد الاتساع فيه) أي في هذا الفن، لأن من أراد الاتساع لا يكتفي بهذه العجالة، وإنما يكون مثلها معينا له ومقويا على الاطلاع لغيره، وزاد اللام في المفعول لتقويه اسم الفاعل.
(وسميناه) أي الكتاب، أي وضعنا له اسما علما عليه، يقال سماه كذا وبه تسميه، وأسماه فلانا وبه: إذا وضعه له، وجعله مميزا له

دون غيره، وقد استعمله المصنف متعديا للمفعولين بنفسه ولذلك قال: (كفاية المتحفظ ونهاية المتلفظ)، فمجموع هذه الفقرة هو العلم على هذا الكتاب، وقد طابق الاسم المسمى، فإنه كفاية لمن يتحفظ، أي: يتكلف الحفظ، فهو أبلغ من الحافظ، و«نهاية» أي: غاية لمن يتكلف اللفظ أيضا، وذلك يقتضي التوسعة والزيادة على اللفظ، لكن في القاموس أن لفظ وتلفظ بمعنى واحد، يقال: لفظ الشيء وبه، كضرب وسمع، لفظا، إذا رماه، ولفظ الكلام: نطق به، وقد صرحوا بأنه مجاز لما فيه من معنى الرمي كما أوضحته في مصنفات النحو.
وقد سمينا هذا الشرح: «تحرير الرواية في تقرير الكفاية» (وصنفناه) أي الكتاب، أي جعلناه أصنافا، أي: أنواعا وضروبا، عقدنا لها (أبوابا)، جمع باب، أصله بوب محركة، فتحركت الواو وانفتح ما قبلها فصار بابا، ولذلك جمع على أبواب، وهو مذكر، ولذلك يصغر على بويب، ومعناه: المدخل، ويستعمله المصنفون في مسائل متعددة من جنس واحد تقريبا للمراجعة.
أي: جعلنا كل صنف منه في باب على حدة، زيادة في تسهيل حفظه وتقريب تناوله.
(فمن ذلك) المذكور من جعل أصنافه أبوابا أي مبوبة، زيادة في الضبط، والظاهر أن «من» تبعيضية، والظرف خبر مقدم عن قوله: (باب في صفات الرجال المحمودة) جمع صفة، وقد مر الكلام عليها، وعلى الفرق بينها وبين الوصف، وإن كانت كلها مترادفة بالنسبة لأصل اللغة.

جارٍ التحميل