وَرَهْنُ الْجَانِي وَالْمُرْتَدِّ كَبَيْعِهِمَا.
وَرَهْنُ الْمُدَبَّرِ
وَالْمُعَلَّقِ عِتْقُهُ بِصِفَةٍ يُمْكِنُ سَبْقُهَا حُلُولَ الدَّيْنِ بَاطِلٌ عَلَى الْمَذْهَبِ.
[مغني المحتاج]
الدَّيْنَ وَلِلرَّهْنِ الثُّلُثُ لَا تَعَلُّقَ لَلْمُرْتَهِنِ بِهِ، وَالْأَصَحُّ فِي صُورَةِ رَهْنِ الْوَلَدِ دُونَهَا أَنَّ التَّقْوِيمَ يَنْعَكِسُ فَيُقَوَّمُ الْوَلَدُ وَحْدَهُ مَحْضُونًا مَكْفُولًا ثُمَّ مَعَ أُمِّهِ.
فَالزَّائِدُ قِيمَةُ الْأُمِّ، وَحُكْمُ الْوَلَدِ مَعَ الْأَبِ وَغَيْرِهِ مِمَّنْ يَمْتَنِعُ التَّفْرِيقُ بَيْنَهُمَا كَحُكْمِهِ مَعَ الْأُمِّ.
(وَرَهْنُ الْجَانِي وَالْمُرْتَدِّ كَبَيْعِهِمَا) وَتَقَدَّمَ فِي الْبَيْعِ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ بَيْعُ الْجَانِي الْمُتَعَلِّقِ بِرَقَبَتِهِ مَالٌ بِخِلَافِ الْمُتَعَلِّقِ بِهَا قَوَدٌ أَوْ بِذِمَّتِهِ مَالٌ، وَفِي الْخِيَارِ أَنَّهُ يَصِحُّ بَيْعُ الْمُرْتَدِّ، وَإِذَا صَحَّ رَهْنُ الْجَانِي لَا يَكُونُ مُخْتَارًا لِلْفِدَاءِ بِخِلَافِ بَيْعِهِ عَلَى وَجْهٍ؛ لِأَنَّ مَحَلَّ الْجِنَايَةِ بَاقٍ فِي الرَّهْنِ بِخِلَافِهِ فِي الْبَيْعِ، وَرَهْنُ الْمُحَارِبِ صَحِيحٌ أَيْضًا كَبَيْعِهِ.
(وَرَهْنُ الْمُدَبَّرِ) وَهُوَ الْمُعَلَّقُ عِتْقُهُ بِمَوْتِ سَيِّدِهِ بَاطِلٌ عَلَى الْمَذْهَبِ وَإِنْ جَازَ بَيْعُهُ لِمَا فِيهِ مِنْ الْغَرَرِ؛ لِأَنَّ السَّيِّدَ قَدْ يَمُوتُ فَجْأَةً فَيَبْطُلُ مَقْصُودُ الرَّهْنِ، وَقِيلَ يَجُوزُ كَبَيْعِهِ.
قَالَ فِي الرَّوْضَةِ: وَهُوَ قَوِيٌّ فِي الدَّلِيلِ، وَقِيلَ عَلَى قَوْلَيْنِ مَبْنِيَّيْنِ عَلَى أَنَّ التَّدْبِيرَ وَصِيَّةٌ أَوْ تَعْلِيقُ عِتْقٍ بِصِفَةٍ، فَإِنْ قُلْنَا بِالْأَوَّلِ جَازَ وَكَانَ رُجُوعًا أَوْ بِالثَّانِي فَلَا، وَهَذِهِ الطَّرِيقَةُ أَقْرَبُ إلَى الْقِيَاسِ.
(وَ) رَهْنُ (الْمُعَلَّقِ عِتْقُهُ بِصِفَةٍ) تَتَقَدَّمُ عَلَى حُلُولِ الدَّيْنِ بِأَنْ يُتَيَقَّنَ الْحُلُولُ بَعْدَ وُجُودِ الصِّفَةِ، وَكَذَا لَوْ اُحْتُمِلَ الْأَمْرَانِ أَوْ عُلِمَتْ الْمُقَارَنَةُ أَوْ لَمْ تُعْلَمْ بَلْ كَانَ (يُمْكِنُ سَبْقُهَا حُلُولَ الدَّيْنِ بَاطِلٌ عَلَى الْمَذْهَبِ) إذَا لَمْ يُشْرَطْ بَيْعُهُ قَبْلَ وُجُودِهَا لِمَا فِيهِ مِنْ الْغَرَرِ؛ لِأَنَّهُ رَهَنَ مَا لَا يُمْكِنُ الِاسْتِيفَاءُ مِنْهُ، وَقِيلَ فِيهِ قَوْلٌ آخَرُ: إنَّهُ يَجُوزُ، وَهُوَ مُخْرِجٌ مِنْ رَهْنِ مَا يَتَسَارَعُ إلَيْهِ الْفَسَادُ، وَفَرَّقَ الْأَوَّلَ بِأَنَّ الظَّاهِرَ فِي هَذَا مِنْ جِهَةِ الرَّاهِنِ بَيْعُهُ إذَا خَشِيَ تَلَفَهُ وَجَعْلُ ثَمَنِهِ رَهْنَهُ، وَالظَّاهِرُ فِي ذَلِكَ بَقَاؤُهُ عَلَى الْوَفَاءِ بِهِ لِغَرَضِهِ فِي تَحْصِيلِ الْعِتْقِ، فَإِنْ شَرَطَ بَيْعَهُ قَبْلَ وُجُودِ الصِّفَةِ، أَوْ تَيَقَّنَ حُلُولَهُ قَبْلَهَا بِأَنْ رَهَنَهُ بِحَالٍّ أَوْ مُؤَجَّلٍ يَحِلُّ قَبْلَ وُجُودِهَا بِزَمَنٍ يَسَعُ الْبَيْعَ صَحَّ الرَّهْنُ جَزْمًا، وَلَا بُدَّ مِنْ هَذَا الْقَيْدِ فِيمَا إذَا كَانَ الدَّيْنُ حَالًّا، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَالْمُدَبَّرُ لَا يُعْلَمُ فِيهِ ذَلِكَ، فَسَقَطَ مَا قِيلَ: إنَّ التَّدْبِيرَ تَعْلِيقُ عِتْقٍ بِصِفَةٍ عَلَى الْأَصَحِّ فَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَصِحَّ بِالدَّيْنِ الْحَالِّ كَالْمُعَلَّقِ عِتْقُهُ بِصِفَةٍ كَمَا قَالَهُ الْبُلْقِينِيُّ، أَوْ يُمْنَعُ فِيهِمَا كَمَا قَالَهُ السُّبْكِيُّ، وَقَالَ: إنَّهُ مُقْتَضَى إطْلَاقِ النُّصُوصِ اهـ. وَفَرَّقَ بَعْضُهُمْ بِأَنَّ الْعِتْقَ فِي الْمُدَبَّرِ آكَدُ مِنْهُ فِي الْمُعَلَّقِ عِتْقُهُ بِصِفَةٍ بِدَلِيلِ أَنَّهُمْ اخْتَلَفُوا فِي جَوَازِ بَيْعِهِ دُونَ الْمُعَلَّقِ بِصِفَةٍ: أَيْ؛ وَلِأَنَّ بَعْضَ الْمَذَاهِبِ يَمْنَعُ صِحَّةَ بَيْعِ الْمُدَبَّرِ، فَإِنْ لَمْ يَبِعْ الْمُعَلَّقَ عِتْقُهُ بِصِفَةٍ حَتَّى وُجِدَتْ عَتَقَ كَمَا رَجَّحَهُ ابْنُ الْمُقْرِي بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْعِبْرَةَ فِي الْعِتْقِ
وَلَوْ رَهَنَ مَا يَسْرُعُ فَسَادُهُ فَإِنْ أَمْكَنَ تَجْفِيفُهُ كَرُطَبٍ فَعَلَ، وَإِلَّا رَهَنَهُ بِدَيْنٍ حَالٍّ أَوْ مُؤَجَّلٍ يَحِلُّ قَبْلَ فَسَادِهِ أَوْ شَرَطَ بَيْعَهُ وَجَعَلَ الثَّمَنَ رَهْنًا صَحَّ، وَيُبَاعُ عِنْدَ خَوْفِ فَسَادِهِ وَيَكُونُ ثَمَنُهُ رَهْنًا، وَإِنْ شَرَطَ مَنْعَ بَيْعِهِ لَمْ يَصِحَّ.
وَإِنْ أَطْلَقَ فَسَدَ فِي الْأَظْهَرِ،
[مغني المحتاج]
الْمُعَلَّقِ بِحَالِ التَّعْلِيقِ لَا بِحَالِ وُجُودِ الصِّفَةِ، وَلِلْمُرْتَهِنِ الْخِيَارُ بِالْعِتْقِ فِي فَسْخِ الْبَيْعِ الْمَشْرُوطِ فِيهِ الرَّهْنُ إنْ جَهِلَ التَّعْلِيقَ كَمَا فِي رَهْنِ الْجَانِي.
(وَلَوْ رَهَنَ مَا يَسْرُعُ فَسَادُهُ) بِمُؤَجَّلٍ يَحِلُّ بَعْدَ الْفَسَادِ أَوْ مَعَهُ أَوْ قَبْلَهُ بِزَمَنٍ لَا يَسَعُ الْبَيْعَ (فَإِنْ أَمْكَنَ تَجْفِيفُهُ كَرُطَبٍ) يَجِيءُ مِنْهُ تَمْرٌ أَوْ عِنَبٌ يَجِيءُ مِنْهُ زَبِيبٌ، أَوْ لَحْمٌ طَرِيٌّ يُتَقَدَّدُ (فَعَلَ) حِفْظًا لِلرَّهْنِ، وَالْمُجَفِّفُ لَهُ هُوَ الْمَالِكُ وَمُؤْنَتُهُ عَلَيْهِ كَمَا قَالَهُ صَاحِبُ الْمَطْلَبِ.
أَمَّا إذَا كَانَ يَحِلُّ قَبْلَ فَسَادِهِ بِزَمَنٍ يَسَعُ الْبَيْعَ فَإِنَّهُ يُبَاعُ عَلَى حَالِهِ (وَإِلَّا) أَيْ، وَإِنْ لَمْ يُمْكِنُ تَجْفِيفُهُ كَالثَّمَرَةِ الَّتِي لَا تُجَفَّفُ وَاللَّحْمِ الَّذِي لَا يُتَقَدَّدُ وَالْبُقُولُ يُنْظَرُ (فَإِنْ رَهَنَهُ بِدَيْنٍ حَالٍّ أَوْ مُؤَجَّلٍ يَحِلُّ قَبْلَ فَسَادِهِ) بِزَمَنٍ يَسَعُ بَيْعُهُ فِيهِ عَلَى الْعَادَةِ (أَوْ) يَحِلُّ بَعْدَ فَسَادِهِ أَوْ مَعَهُ، لَكِنْ (شَرَطَ) فِي هَاتَيْنِ الصُّورَتَيْنِ (بَيْعَهُ) عِنْدَ إشْرَافِهِ عَلَى الْفَاسِدِ (وَجَعَلَ الثَّمَنَ رَهْنًا) مَكَانَهُ (صَحَّ) الرَّهْنُ فِي الصُّوَرِ كُلِّهَا لِانْتِفَاءِ الْمَحْذُورِ.
فَإِنْ قِيلَ: شَرْطُ جَعْلِ ثَمَنِهِ رَهْنًا يُنَافِيهِ مَا يَأْتِي مِنْ أَنَّ الْإِذْنَ فِي بَيْعِ الْمَرْهُونِ بِشَرْطِ جَعْلِ ثَمَنِهِ رَهْنًا لَا يَصِحُّ.
أُجِيبَ بِأَنَّ ذَلِكَ اُغْتُفِرَ هُنَا لِلْحَاجَةِ.
(وَيُبَاعُ) الْمَرْهُونُ وُجُوبًا فِي الصُّورَتَيْنِ الْأَخِيرَتَيْنِ (عِنْدَ خَوْفِ فَسَادِهِ) عَمَلًا بِالشَّرْطِ وَحِفْظًا لِلْوَثِيقَةِ، وَكَذَا يُبَاعُ فِي الصُّورَتَيْنِ الْأُولَتَيْنِ كَمَا فِي الرَّوْضَةِ وَأَصْلِهَا (وَيَكُونُ ثَمَنُهُ رَهْنًا) مَكَانَهُ فِي الصُّوَرِ كُلِّهَا بِلَا إنْشَاءِ عَقْدٍ.
(وَإِنْ شَرَطَ مَنْعَ بَيْعِهِ) قَبْلَ الْحُلُولِ (لَمْ يَصِحَّ) الرَّهْنُ لِمُنَافَاةِ الشَّرْطِ لِمَقْصُودِ التَّوَثُّقِ.
(وَإِنْ أَطْلَقَ) بِأَنْ لَمْ يَشْرِطْ وَاحِدًا مِنْهُمَا (فَسَدَ) الرَّهْنُ (فِي الْأَظْهَرِ) لِتَعَذُّرِ الْوَفَاءِ مِنْهُ؛ لِأَنَّ الْبَيْعَ قَبْلَ الْمَحَلِّ لَمْ يُؤْذَنْ فِيهِ وَلَيْسَ مِنْ مُقْتَضَى الرَّهْنِ، وَهَذَا مَا عَزَاهُ الرَّافِعِيُّ فِي الشَّرْحِ الْكَبِيرِ إلَى تَصْحِيحِ الْعِرَاقِيِّينَ وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ.
وَالثَّانِي: يَصِحُّ، وَعَزَاهُ الرَّافِعِيُّ فِي الشَّرْحِ الصَّغِيرِ إلَى تَصْحِيحِ الْأَكْثَرِينَ.
وَقَالَ الْإِسْنَوِيُّ: إنَّ الْفَتْوَى عَلَيْهِ، وَيُبَاعُ عِنْدَ تَعَرُّضُهُ لِلْفَسَادِ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ لَا يَقْصِدُ إتْلَافَ مَالِهِ.
(وَإِنْ لَمْ يُعْلَمْ هَلْ يَفْسُدُ) الْمَرْهُونُ (قَبْلَ) حُلُولِ (الْأَجَلِ صَحَّ) الرَّهْنُ الْمُطْلَقُ (فِي الْأَظْهَرِ) ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ فَسَادِهِ قَبْلَ الْحُلُولِ.
وَالثَّانِي: يَفْسُدُ لِجَهْلِنَا إمْكَانَ الْبَيْعِ عِنْدَ الْمَحِلِّ، وَهُوَ نَظِيرُ مَا صَحَّحَهُ فِي الْمُعَلَّقِ عِتْقُهُ بِصِفَةٍ لَا يُعْلَمُ تَتَقَدَّمُ أَوْ تَتَأَخَّرُ، وَفَرَّقَ الْأَوَّلَ بِأَنَّ سَبَبَ الْفَسَادِ ثَمَّ وَهُوَ التَّعْلِيقُ مَوْجُودٌ عِنْدَ ابْتِدَاءِ الرَّهْنِ بِخِلَافِهِ هُنَا، وَبِأَنَّ عَلَامَةَ الْفَسَادِ هُنَا تَظْهَرُ دَائِمًا بِخِلَافِهَا ثَمَّ، وَبِأَنَّ الشَّخْصَ لَيْسَ لَهُ غَرَضٌ
وَإِنْ لَمْ يُعْلَمْ هَلْ يَفْسُدُ قَبْلَ الْأَجَلِ صَحَّ فِي الْأَظْهَرِ.
وَإِنْ رَهَنَ مَا لَا يَسْرُعُ فَسَادُهُ فَطَرَأَ مَا عَرَّضَهُ لِلْفَسَادِ كَحِنْطَةٍ ابْتَلَّتْ لَمْ يَنْفَسِخْ الرَّهْنُ بِحَالٍ.
وَيَجُوزُ أَنْ يَسْتَعِيرَ شَيْئًا لِيَرْهَنَهُ،
[مغني المحتاج]
فِي إتْلَافِ مَالِهِ وَلَهُ غَرَضٌ فِي عِتْقِهِ لِتَشَوُّفِ الشَّارِعِ إلَيْهِ، وَلَوْ أَذِنَ الرَّاهِنُ لِلْمُرْتَهِنِ فِي بَيْعِ الْمَرْهُونِ فَفَرَّطَ بِأَنْ تَرَكَهُ أَوْ لَمْ يَأْذَنْ لَهُ وَتَرَكَ الرَّفْعَ إلَى الْقَاضِي كَمَا بَحَثَهُ الرَّافِعِيُّ وَقَوَّاهُ الْمُصَنِّفُ: ضَمِنَ.
فَإِنْ قِيلَ: سَيَأْتِي أَنَّهُ لَا يَصِحُّ بَيْعُ الْمُرْتَهَنِ إلَّا بِحَضْرَةِ الْمَالِكِ فَيَنْبَغِي حَمْلُ الصُّورَةِ الْأُولَى عَلَيْهِ.
أُجِيبَ بِأَنَّ بَيْعَهُ ثَمَّ إنَّمَا امْتَنَعَ فِي غَيْبَةِ الْمَالِكِ لِكَوْنِهِ لِلِاسْتِيفَاءِ وَهُوَ مُتَّهَمٌ بِالِاسْتِعْجَالِ فِي تَرْوِيجِ السِّلْعَةِ، بِخِلَافِهِ هُنَا فَإِنَّ غَرَضَهُ الزِّيَادَةُ فِي الثَّمَنِ لِيَكُونَ وَثِيقَةً لَهُ، وَلَوْ رَهَنَ الثَّمَرَةَ مَعَ الشَّجَرِ صَحَّ مُطْلَقًا إلَّا إنْ كَانَ الثَّمَرُ لَا يَتَجَفَّفُ فَلَهُ حُكْمُ مَا يُسْرِعُ إلَيْهِ الْفَسَادُ فَيَصِحُّ تَارَةً وَيَفْسُدُ أُخْرَى، وَيَصِحُّ فِي الشَّجَرِ مُطْلَقًا، وَوَجْهُهُ عِنْدَ فَسَادِهِ فِي الثَّمَرَةِ الْبِنَاءُ عَلَى تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ، وَإِنْ رَهَنَ الثَّمَرَةَ مُفْرَدَةً فَإِنْ كَانَتْ لَا تَتَجَفَّفُ فَهِيَ كَمَا يَتَسَارَعُ إلَيْهِ الْفَسَادُ، وَقَدْ تَقَدَّمَ حُكْمُهُ، وَإِنْ كَانَتْ تَتَجَفَّفُ جَازَ رَهْنُهَا وَلَوْ قَبْلَ بُدُوِّ الصَّلَاحِ وَبِغَيْرِ شَرْطِ قَطْعٍ؛ لِأَنَّ حَقَّ الْمُرْتَهِنِ لَا يُبْطِلُ بِاحْتِيَاجِهَا، بِخِلَافِ الْبَيْعُ فَإِنَّ حَقَّ الْمُشْتَرِي يَبْطُلُ، وَلَوْ رَهَنَهَا بِمُؤَجَّلٍ يَحِلُّ قَبْلَ الْجِدَادِ وَأَطْلَقَ الرَّهْنَ بِأَنْ لَمْ يَشْرِطْ الْقَطْعَ وَلَا عَدَمَهُ لَمْ يَصِحَّ؛ لِأَنَّ الْعَادَةَ فِي الثِّمَارِ الْإِبْقَاءُ إلَى الْجِدَادَ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ رَهَنَ شَيْئًا عَلَى أَنْ لَا يَبِيعَهُ عِنْدَ الْمَحَلِّ إلَّا بَعْدَ أَيَّامٍ وَيُجْبَرُ الرَّاهِنُ عَلَى إصْلَاحِهَا مِنْ سَقْيٍ وَجِدَادٍ وَتَجْفِيفٍ وَنَحْوِهَا، فَإِنْ تَرَكَ إصْلَاحَهَا بِرِضَا الْمُرْتَهِنِ جَازَ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ لَهُمَا لَا يَعْدُوهُمَا وَهُمَا مُطْلَقَا التَّصَرُّفِ، وَلَيْسَ لِأَحَدِهِمَا مَنْعُ الْآخَرِ مِنْ قَطْعِهَا وَقْتَ الْجِدَادِ.
أَمَّا قَبْلَهُ فَلِكُلٍّ مِنْهُمَا الْمَنْعُ إنْ لَمْ تَدْعُ إلَيْهِ ضَرُورَةٌ، وَلَوْ رَهَنَ ثَمَرَةً يُخْشَى اخْتِلَاطُهَا بِدَيْنٍ حَالٍّ أَوْ مُؤَجَّلٍ يَحِلُّ قَبْلَ الِاخْتِلَاطِ أَوْ بَعْدَهُ بِشَرْطِ قَطْعِهَا قَبْلَهُ صَحَّ إذْ لَا مَانِعَ، وَإِنْ أُطْلِقَ الرَّهْنُ صَحَّ عَلَى الْأَصَحِّ، فَإِنْ اخْتَلَطَ قَبْلَ الْقَبْضِ حَيْثُ صَحَّ الْعَقْدُ انْفَسَخَ لِعَدَمِ لُزُومِهِ أَوْ بَعْدَهُ فَلَا، ثُمَّ إنْ اتَّفَقَا عَلَى كَوْنِ الْكُلِّ أَوْ الْبَعْضِ رَهْنًا فَذَاكَ وَإِلَّا فَالْقَوْلُ قَوْلُ الرَّاهِنِ فِي قَدْرِهِ بِيَمِينِهِ، وَرَهْنُ مَا اشْتَدَّ حَبُّهُ مِنْ الزَّرْعِ كَبَيْعِهِ، فَإِنْ رَهَنَهُ مَعَ الْأَرْضِ أَوْ مُنْفَرِدًا وَهُوَ بَقْلٌ فَكَرَهْنِ الثَّمَرَةِ مَعَ الشَّجَرَةِ أَوْ مُنْفَرِدَةً قَبْلَ بُدُوِّ الصَّلَاحِ وَقَدْ مَرَّ.
(وَإِنْ رَهَنَ مَا لَا يَسْرُعُ فَسَادُهُ فَطَرَأَ مَا عَرَّضَهُ لِلْفَسَادِ) قَبْلَ الْحُلُولِ (كَحِنْطَةٍ ابْتَلَّتْ لَمْ يَنْفَسِخْ الرَّهْنُ بِحَالٍ) وَإِنْ تَعَذَّرَ تَجْفِيفُهَا؛ لِأَنَّ الدَّوَامَ أَقْوَى مِنْ الِابْتِدَاءِ.
أَلَا تَرَى أَنَّ الْآبِقَ لَا يَصِحُّ بَيْعُهُ، وَلَوْ أَبَقَ بَعْدَ الْبَيْعِ وَقَبْلَ الْقَبْضِ لَمْ يَنْفَسِخْ، فَكَذَا هُنَا، وَسَوَاءٌ طَرَأَ قَبْلَ الْقَبْضِ أَمْ بَعْدَهُ، بَلْ يُجْبَرُ الرَّاهِنُ عِنْدَ تَعَذُّرِ تَجْفِيفِهِ عَلَى بَيْعِهِ وَجَعْلِ ثَمَنِهِ رَهْنًا مَكَانَهُ حِفْظًا لِلْوَثِيقَةِ.
(وَيَجُوزُ أَنْ يَسْتَعِيرَ شَيْئًا لِيَرْهَنَهُ) بِدَيْنِهِ؛ لِأَنَّ الرَّهْنَ تَوَثَّقَ، وَهُوَ يَحْصُلُ بِمَا لَا
وَهُوَ فِي قَوْلٍ عَارِيَّةٌ، وَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ ضَمَانُ دَيْنٍ فِي رَقَبَةِ ذَلِكَ الشَّيْءِ
فَيُشْتَرَطُ ذِكْرُ جِنْسِ الدَّيْنِ وَقَدْرِهِ وَصِفَتِهِ، وَكَذَا الْمَرْهُونُ عِنْدَهُ فِي الْأَصَحِّ
، فَلَوْ تَلِفَ فِي يَدِ الْمُرْتَهِنِ فَلَا ضَمَانَ
[مغني المحتاج]
يَمْلِكُهُ بِدَلِيلِ الْإِشْهَادِ وَالْكَفَالَةِ، بِخِلَافِ بَيْعِ مِلْكِ غَيْرِهِ لِنَفْسِهِ لَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّ الْبَيْعَ مُعَاوَضَةٌ فَلَا يَمْلِكُ الثَّمَنَ مَنْ لَا يَمْلِكُ الْمُثَمَّنَ، وَشَمِلَ كَلَامُهُمْ الدَّرَاهِمَ وَالدَّنَانِيرَ فَتَصِحُّ إعَارَتُهُمَا لِذَلِكَ، وَهُوَ الْمُتَّجَهُ كَمَا قَالَهُ الْإِسْنَوِيُّ وَإِنْ لَمْ تَصِحَّ إعَارَتُهُمَا لِغَيْرِ ذَلِكَ، (وَهُوَ) أَيْ عَقْدُ الِاسْتِعَارَةِ بَعْدَ الرَّهْنِ (فِي قَوْلٍ عَارِيَّةٌ) أَيْ بَاقٍ عَلَيْهَا لَمْ يَخْرُجْ عَنْهَا مِنْ جِهَةِ الْمُعِيرِ إلَى ضَمَانِ الدَّيْنِ فِي ذَلِكَ الشَّيْءِ، وَإِنْ كَانَ يُبَاعُ فِيهِ كَمَا سَيَأْتِي (وَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ ضَمَانُ دَيْنٍ) مِنْ الْمُعِيرِ (فِي رَقَبَةِ ذَلِكَ الشَّيْءِ) الْمَرْهُونِ؛ لِأَنَّهُ كَمَا يَمْلِكُ أَنْ يُلْزِمَ ذِمَّتَهُ دَيْنَ غَيْرِهِ، فَيَنْبَغِي أَنْ يَمْلِكَ إلْزَامَ ذَلِكَ عَيْنَ مَالِهِ؛ لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا مَحَلُّ حَقِّهِ وَتَصَرُّفِهِ، فَعُلِمَ أَنَّهُ لَا تَعَلُّقَ لِلدَّيْنِ بِذِمَّتِهِ حَتَّى لَوْ مَاتَ لَمْ يَحِلَّ الدَّيْنُ، وَلَوْ تَلِفَ الْمَرْهُونُ لَمْ يَلْزَمْهُ الْأَدَاءُ.
(فَيُشْتَرَطُ) عَلَى هَذَا (ذِكْرُ جِنْسِ الدَّيْنِ) كَكَوْنِهِ ذَهَبًا أَوْ فِضَّةً (وَقَدْرِهِ) كَعَشَرَةٍ أَوْ مِائَةٍ (وَصِفَتِهِ) مِنْ صِحَّةٍ وَتَكَسُّرٍ وَحُلُولٍ وَتَأْجِيلٍ لِاخْتِلَافِ الْأَغْرَاضِ بِذَلِكَ كَمَا فِي الضَّمَانِ (وَكَذَا الْمَرْهُونُ عِنْدَهُ) فَيُشْتَرَطُ ذِكْرُهُ (فِي الْأَصَحِّ) لِمَا مَرَّ.
وَالثَّانِي: لَا يُشْتَرَطُ لِضَعْفِ الْغَرَضِ فِيهِ، وَلَا يُشْتَرَطُ شَيْءٌ مِمَّا ذُكِرَ عَلَى قَوْلِ الْعَارِيَّةِ، وَمَتَى خَالَفَ مَا عَيَّنَهُ لَهُ بَطَلَ الرَّهْنُ عَلَى الْقَوْلَيْنِ لِلْمُخَالَفَةِ لَا إنْ رَهَنَ بِأَقَلَّ مِمَّا عَيَّنَهُ لَهُ كَأَنْ عَيَّنَ لَهُ أَلْفَ دِرْهَمٍ فَرَهَنَهُ بِمِائَةٍ فَلَا يَبْطُلُ لِرِضَا الْمُعِيرِ بِهِ فِي ضِمْنِ رِضَاهُ بِالْأَكْثَرِ هَذَا إذَا كَانَ مِنْ جِنْسِهِ، فَلَوْ قَالَ: ارْهَنْهُ بِمِائَةِ دِينَارٍ فَرَهَنَهُ بِمِائَةِ دِرْهَمٍ لَمْ يَصِحَّ لِاخْتِلَافِ الْأَغْرَاضِ بِذَلِكَ، وَلَوْ رَهَنَهُ بِأَزْيَدَ مِمَّا عَيَّنَهُ بَطَلَ فِي الْجَمِيعِ لَا فِي الزَّائِدِ فَقَطْ لِلْمُخَالَفَةِ وَإِنْ خَالَفَ فِي ذَلِكَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ، وَلَوْ اسْتَعَارَهُ لِيَرْهَنَهُ عِنْدَ وَاحِدٍ فَرَهَنَهُ عِنْدَ اثْنَيْنِ أَوْ عَكْسُهُ لَمْ يَصِحَّ لِاخْتِلَافِ الْأَغْرَاضِ بِذَلِكَ، إذْ فِي الْأُولَى قَدْ يَبِيعُ أَحَدُ الْمُرْتَهِنَيْنِ الْمَرْهُونَ دُونَ الْآخَرِ، فَيَتَشَقَّصُ الْمِلْكُ عَلَى الْمُعِيرِ، وَفِي الثَّانِيَةِ لَا يَنْفَكُّ مِنْهُ شَيْءٌ بِأَدَاءِ بَعْضِ الدَّيْنِ بِخِلَافِ مَا لَوْ رَهَنَهُ مِنْ اثْنَيْنِ، فَإِنَّهُ يَنْفَكُّ بِأَدَاءِ نَصِيبِ أَحَدِهِمَا مَا يَخُصُّهُ مِنْ الْمَرْهُونِ، وَلَوْ قَالَ لَهُ الْمَالِكُ: ضَمِنْتُ مَا لِفُلَانٍ عَلَيْكَ فِي رَقَبَةِ عَبْدِي مِنْ غَيْرِ قَبُولِ الْمَضْمُونِ لَهُ كَفَى وَكَانَ كَالْإِعَارَةِ لِلرَّهْنِ.
، (فَلَوْ تَلِفَ) الْمَرْهُونُ الْمُعَارُ بَعْدَ رَهْنِهِ أَوْ بِيعَ فِي جِنَايَتِهِ (فِي يَدِ الْمُرْتَهِنِ فَلَا ضَمَانَ) عَلَى الْمُرْتَهِنِ بِحَالٍ؛ لِأَنَّهُ أَمِينٌ، وَلَا عَلَى الرَّاهِنِ عَلَى قَوْلِ الضَّمَانِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُسْقِطْ الْحَقَّ عَنْ ذِمَّتِهِ وَيَضْمَنُهُ عَلَى قَوْلِ الْعَارِيَّةِ.
أَمَّا إذَا تَلِفَ فِي يَدِ الرَّاهِنِ فَعَلَيْهِ ضَمَانُهُ؛ لِأَنَّهُ مُسْتَعِيرٌ وَلَمْ يَتِمَّ عَلَيْهِ حُكْمُ الضَّمَانِ، وَلَوْ أَعْتَقَهُ الْمَالِكُ فَكَإِعْتَاقِ
وَلَا رُجُوعَ لِلْمَالِكِ بَعْدَ قَبْضِ الْمُرْتَهِنِ، فَإِذَا حَلَّ الدَّيْنُ أَوْ كَانَ حَالًّا رُوجِعَ الْمَالِكُ لِلْبَيْعِ.
وَيُبَاعُ إنْ لَمْ يَقْضِ الدَّيْنَ ثُمَّ يَرْجِعُ الْمَالِكُ بِمَا بِيعَ بِهِ.
[مغني المحتاج]
الْمَرْهُونِ فَيَنْفُذُ قَبْلَ قَبْضِ الْمُرْتَهِنِ لَهُ مُطْلَقًا وَبَعْدَهُ مِنْ الْمُوسِرِ دُونَ الْمُعْسِرِ، وَلَوْ أَتْلَفَهُ إنْسَانٌ أُقِيمَ بَدَلُهُ مَقَامَهُ كَمَا قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: إنَّهُ ظَاهِرُ كَلَامِهِمْ.
(وَلَا رُجُوعَ لِلْمَالِكِ بَعْدَ قَبْضِ الْمُرْتَهِنِ) عَلَى الْقَوْلَيْنِ وَإِلَّا لَمْ يَكُنْ لِهَذَا الرَّهْنِ مَعْنًى، إذْ لَا وُثُوقَ بِهِ.
وَأَفْهَمَ جَوَازُ الرُّجُوعِ قَبْلَ قَبْضِهِ، وَهُوَ كَذَلِكَ عَلَى الْقَوْلَيْنِ لِعَدَمِ لُزُومِهِ، وَلِلْمُرْتَهِنِ حِينَئِذٍ فَسْخُ بَيْعٍ شُرِطَ فِيهِ رَهْنُ ذَلِكَ إنْ جَهِلَ الْحَالَ، وَإِذَا كَانَ الدَّيْنُ مُؤَجَّلًا وَقَبَضَ الْمُرْتَهِنُ الْمُعَارَ فَلَيْسَ لِلْمَالِكِ إجْبَارُ الرَّاهِنِ عَلَى فَكِّهِ، (فَإِذَا حَلَّ الدَّيْنُ أَوْ كَانَ حَالًّا) وَأَمْهَلَهُ الْمُرْتَهِنُ فَلِلْمَالِكِ ذَلِكَ، فَإِنْ طَالَبَهُ وَامْتَنَعَ مِنْ أَدَاءِ الدَّيْنِ (رُوجِعَ الْمَالِكُ لِلْبَيْعِ) فَقَدْ يُرِيدُ فِدَاءَهُ؛ وَلِأَنَّ الْمَالِكَ لَوْ رَهَنَ عَنْ دَيْنِ نَفْسِهِ لَوَجَبَتْ مُرَاجَعَتُهُ فَهُنَا أَوْلَى.
(وَ) بَعْدَ ذَلِكَ (يُبَاعُ) الْمُعَارُ (إنْ لَمْ يَقْضِ الدَّيْنَ) مِنْ جِهَةِ الْمَالِكِ أَوْ الرَّاهِنِ عَلَى الْقَوْلَيْنِ وَإِنْ لَمْ يَأْذَنْ الْمَالِكُ، وَسَوَاءٌ أَكَانَ الرَّاهِنُ مُعْسِرًا أَمْ مُوسِرًا كَمَا يُطَالَبُ الضَّامِنُ فِي الذِّمَّةِ مَعَ يَسَارِ الْأَصِيلِ وَإِعْسَارِهِ (ثُمَّ يَرْجِعُ الْمَالِكُ) عَلَى الرَّاهِنِ (بِمَا بِيعَ بِهِ) الْمَرْهُونُ لِانْتِفَاعِ الرَّاهِنِ بِهِ فِي دَيْنِهِ، سَوَاءٌ بِيعَ بِقِيمَتِهِ أَمْ بِأَكْثَرَ أَمْ أَقَلَّ بِقَدْرٍ يَتَغَابَنُ النَّاسُ بِمِثْلِهِ، هَذَا عَلَى قَوْلِ الضَّمَانِ.
فَأَمَّا عَلَى قَوْلِ الْعَارِيَّةِ فَيَرْجِعُ بِقِيمَتِهِ إنْ بِيعَ بِهَا أَوْ بِأَقَلَّ، وَكَذَا بِأَكْثَرَ عِنْدَ الْأَكْثَرِينَ؛ لِأَنَّ الْعَارِيَّةَ بِهَا تُضْمَنُ.
وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَجَمَاعَةٌ: يَرْجِعُ بِمَا بِيعَ بِهِ؛ لِأَنَّهُ ثَمَنُ مِلْكِهِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: وَهَذَا أَحْسَنُ، زَادَ فِي الرَّوْضَةِ: هَذَا هُوَ الصَّوَابُ وَإِنْ قَضَى مِنْ جِهَةِ الرَّاهِنِ انْفَكَّ الرَّهْنُ وَرَجَعَ الْمَالِكُ فِي عَيْنِ مَالِهِ، فَإِنْ قَضَاهُ الْمَالِكُ انْفَكَّ الرَّهْنُ وَرَجَعَ بِمَا دَفَعَهُ عَلَى الرَّاهِنِ إنْ قَضَى بِإِذْنِهِ وَإِلَّا فَلَا رُجُوعَ لَهُ كَمَا لَوْ أَدَّى دَيْنَ غَيْرِهِ فِي غَيْرِ ذَلِكَ.
فَإِنْ قِيلَ الرَّهْنُ بِالْإِذْنِ كَالضَّمَانِ بِهِ فَيَرْجِعُ وَإِنْ قَضَى بِغَيْرِ الْإِذْنِ أَيْضًا.
أُجِيبَ بِأَنَّ مَحَلَّ ذَلِكَ إذَا قَضَى مِنْ ثَمَنِ الْمَرْهُونِ كَمَا مَرَّ.
أَمَّا إذَا قَضَى مِنْ غَيْرِهِ كَمَا هُنَا فَلَا.
وَحَاصِلُهُ قَصْرُ الرُّجُوعِ فِيهِمَا عَلَى مَحَلِّ الضَّمَانِ، وَهُوَ هُنَا رَقَبَةُ الْمَرْهُونِ وَثَمَّ ذِمَّةُ الضَّامِنِ، فَإِنْ أَنْكَرَ الرَّاهِنُ الْإِذْنَ فَشَهِدَ بِهِ الْمُرْتَهِنُ لِلْمُعِيرِ قُبِلَ لِعَدَمِ التُّهْمَةِ وَيُصَدَّقُ الرَّاهِنُ فِي عَدَمِ الْإِذْنِ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُهُ.
وَلَوْ رَهَنَ شَخْصٌ شَيْئًا مِنْ مَالِهِ عَنْ غَيْرِهِ بِإِذْنِهِ صَحَّ وَيَرْجِعُ عَلَيْهِ إنْ بِيعَ بِمَا بِيعَ بِهِ أَوْ بِغَيْرِ إذْنِهِ صَحَّ وَلَمْ يَرْجِعْ عَلَيْهِ بِشَيْءٍ كَنَظِيرِهِ فِي الضَّمَانِ فِيهِمَا.
وَلَوْ قَالَ الْمَدْيُونُ لِغَيْرِهِ: ارْهَنْ عَبْدَكَ مَثَلًا بِدَيْنِي مِنْ فُلَانٍ فَرَهَنَهُ فَهُوَ كَمَا لَوْ قَبَضَهُ وَرَهَنَهُ.
.
فَصْلٌ شَرْطُ الْمَرْهُونِ بِهِ كَوْنُهُ دَيْنًا ثَابِتًا لَازِمًا فَلَا يَصِحُّ بِالْعَيْنِ الْمَغْصُوبَةِ وَالْمُسْتَعَارَةِ فِي الْأَصَحِّ
[مغني المحتاج]
[فَصْلٌ شَرْطُ الْمَرْهُونِ بِهِ كَوْنُهُ دَيْنًا]
ثُمَّ شَرَعَ فِي الرُّكْنِ الرَّابِعِ وَهُوَ الْمَرْهُونُ بِهِ مُتَرْجِمًا بِفَصْلٍ، فَقَالَ فَصْلٌ شَرْطُ الْمَرْهُونِ بِهِ كَوْنُهُ دَيْنًا فَلَا يَصِحُّ الرَّهْنُ بِالْعَيْنِ مَضْمُونَةً، كَانَتْ كَالْمَغْصُوبِ كَمَا سَيَأْتِي، أَوْ أَمَانَةً كَالْمَوْدُوعِ وَمَالِ الْقِرَاضِ؛ لِأَنَّهُ تَعَالَى ذَكَرَ الرَّهْنَ فِي الْمُدَايَنَةِ فَلَا يَثْبُتُ فِي غَيْرِهَا؛ وَلِأَنَّهَا لَا تُسْتَوْفَى مِنْ ثَمَنِ الْمَرْهُونِ وَذَلِكَ مُخَالِفٌ لِغَرَضِ الرَّهْنِ عِنْدَ الْبَيْعِ، وَمِنْ هُنَا يُؤْخَذُ بُطْلَانُ مَا جَرَتْ بِهِ عَادَةُ بَعْضِ النَّاسِ مِنْ كَوْنِهِ يَقِفُ كِتَابًا وَيَشْرِطُ أَنْ لَا يُعَارَ أَوْ لَا يَخْرُجَ مِنْ مَكَان يَحْبِسُهُ فِيهِ إلَّا بِرَهْنٍ، وَبِهِ صَرَّحَ الْمَاوَرْدِيُّ وَإِنْ أَفْتَى الْقَفَّالُ بِخِلَافِهِ، وَبَحَثَ السُّبْكِيُّ بَحْثًا، وَهُوَ أَنَّ الْوَاقِفَ إنْ عَنَى الرَّهْنَ الشَّرْعِيَّ لَمْ يَصِحَّ أَوْ اللُّغَوِيَّ وَهُوَ أَنْ يَكُونَ الْمَرْهُونُ تَذْكِرَةً صَحَّ وَإِنْ لَمْ يُعْرَفْ لَهُ إرَادَةٌ فَالْأَقْرَبُ صِحَّتُهُ، وَيُحْمَلُ عَلَى الثَّانِي تَصْحِيحًا لِلْكَلَامِ مَا أَمْكَنَ، وَاعْتَرَضَ الزَّرْكَشِيُّ قَوْلَهُ: إنَّ الْأَقْرَبَ صِحَّتُهُ، وَحَمَلَهُ عَلَى اللُّغَوِيِّ بِأَنَّ الْأَحْكَامَ الشَّرْعِيَّةَ لَا تَتْبَعُ اللُّغَةَ وَكَيْفَ يُحْكَمُ بِالصِّحَّةِ مَعَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ حَبْسُهُ شَرْعًا، وَأَيُّ فَائِدَةٍ فِي الصِّحَّةِ حِينَئِذٍ؟ اهـ.
وَضَعَّفَ بَعْضُهُمْ مَا أَفْتَى بِهِ الْقَفَّالُ: بِأَنَّ الرَّاهِنَ أَحَدُ الْمُسْتَحَقِّينَ وَالرَّاهِنُ لَا يَكُونُ مُسْتَحِقًّا، إذْ الْمَقْصُودُ بِالرَّهْنِ الْوَفَاءُ مِنْ ثَمَنِ الْمَرْهُونِ عِنْدَ التَّلَفِ، وَهَذَا الْمَوْقُوفُ لَوْ تَلِفَ بِغَيْرِ تَعَدٍّ وَلَا تَفْرِيطٍ لَمْ يُضْمَنْ، وَعَلَى إلْغَاءِ الشَّرْطِ لَا يَجُوزُ إخْرَاجُهُ بِرَهْنٍ لِتَعَذُّرِهِ وَلَا بِغَيْرِهِ فَكَأَنَّهُ قَالَ: لَا يَخْرُجُ مُطْلَقًا.
نَعَمْ إنْ تَعَسَّرَ الِانْتِفَاعُ بِهِ فِي الْمَحَلِّ الْمَوْقُوفِ فِيهِ وَوُثِقَ بِمَنْ يَنْتَفِعُ بِهِ فِي غَيْرِ ذَلِكَ الْمَحَلِّ أَنَّهُ يَرُدُّهُ إلَى مَحَلِّهِ بَعْدَ قَضَاءِ حَاجَتِهِ جَازَ إخْرَاجُهُ كَمَا أَفْتَى بِهِ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ.
وَيُشْتَرَطُ فِي الدَّيْنِ ثَلَاثَةُ شُرُوطٍ: أَحَدُهَا - كَوْنُهُ (ثَابِتًا) فَلَا يَصِحُّ بِغَيْرِهِ، سَوَاءٌ أَوُجِدَ سَبَبُ وُجُوبِهِ كَنَفَقَةِ زَوْجَتِهِ فِي الْغَدِ أَمْ لَا: كَرَهْنِهِ عَلَى مَا سَيَقْتَرِضُهُ كَمَا سَيَأْتِي؛ لِأَنَّ الرَّهْنَ وَثِيقَةُ حَقٍّ فَلَا تُقَدَّمُ عَلَيْهِ كَالشَّهَادَةِ، فَلَوْ ارْتَهَنَ قَبْلَ ثُبُوتِ الْحَقِّ وَقَبْضِهِ كَانَ مَأْخُوذًا عَلَى جِهَةِ سَوْمِ الرَّهْنِ، فَإِذَا اُسْتُحِقَّتْ الْمَنْفَعَةُ أَوْ اسْتَقْرَضَ لَمْ يَصِرْ رَهْنًا إلَّا بِقَبْضٍ جَدِيدٍ.
ثَانِيهَا كَوْنُهُ مَعْلُومًا لِلْعَاقِدَيْنِ، فَلَوْ جَهِلَاهُ أَوْ أَحَدُهُمَا لَمْ يَصِحَّ كَمَا فِي الضَّمَانِ، ذَكَرَهُ الْمُتَوَلِّي وَغَيْرُهُ، وَنَصُّ الْأُمِّ يَشْهَدُ لَهُ.
ثَالِثُهَا: كَوْنُهُ (لَازِمًا) فَلَا يَصِحُّ بِمَا لَا يَلْزَمُ وَلَا يَئُولُ إلَى اللُّزُومِ كَمَالِ الْكِتَابَةِ كَمَا سَيَأْتِي؛ لِأَنَّهُ لَا فَائِدَةَ فِي الْوَثِيقَةِ مَعَ تَمَكُّنِ الْمَدْيُونِ مِنْ إسْقَاطِ الدَّيْنِ.
ثُمَّ شَرَعَ الْمُصَنِّفُ فِي بَعْضِ مُحْتَرَزَاتِ الشُّرُوطِ الَّتِي ذَكَرَهَا فَقَالَ (فَلَا يَصِحُّ بِالْعَيْنِ الْمَغْصُوبَةِ وَالْمُسْتَعَارَةِ فِي الْأَصَحِّ) لِمَا مَرَّ.
وَالثَّانِي: يَصِحُّ كَضَمَانِهَا لِتُرَدَّ بِجَامِعِ التَّوَثُّقِ، وَفَرَّقَ الْأَوَّلَ
وَلَا بِمَا سَيُقْرِضُهُ.
وَلَوْ قَالَ: أَقْرَضْتُك هَذِهِ الدَّرَاهِمَ وَارْتَهَنْتُ بِهَا عَبْدَكَ فَقَالَ اقْتَرَضْتُ وَرَهَنْتُ أَوْ قَالَ بِعْتُكَهُ بِكَذَا وَارْتَهَنْتُ الثَّوْبَ بِهِ فَقَالَ اشْتَرَيْتُ وَرَهَنْتُ صَحَّ فِي الْأَصَحِّ، وَلَا يَصِحُّ بِنُجُومِ الْكِتَابَةِ وَلَا بِجَعْلِ الْجَعَالَةِ قَبْلَ الْفَرَاغِ،
[مغني المحتاج]
بِأَنَّ ضَمَانَهَا لَا يَجُرَّ - لَوْ لَمْ تَتْلَفْ - إلَى ضَرَرٍ، بِخِلَافِ الرَّهْنِ بِهَا فَيَجُرُّ إلَى ضَرَرِ دَوَامِ الْحَجْرِ فِي الْمَرْهُونِ.
تَنْبِيهٌ: لَوْ عَبَّرَ بِالْعَيْنِ الْمَضْمُونَةِ لَكَانَ أَخْصَرَ وَأَشْمَلَ لِتَنَاوُلِهِ الْمَأْخُوذَ بِبَيْعٍ فَاسِدٍ وَالْمَأْخُوذَ بِسَوْمٍ وَالْمَبِيعَ وَالصَّدَاقَ قَبْلَ الْقَبْضِ، بَلْ لَوْ اقْتَصَرَ عَلَى الْعَيْنِ لَكَانَ أَوْلَى لِيَشْمَلَ غَيْرَ الْمَضْمُونِ كَالْمَوْدُوعِ كَمَا مَرَّ، وَهَذِهِ الْمَسَائِلُ خَرَجَتْ عَنْ الصِّحَّةِ بِقَوْلِهِ: دَيْنًا (وَلَا بِمَا سَيُقْرِضُهُ) لِمَا مَرَّ، وَعَنْ ذَلِكَ الدَّاخِلِ فِي الدَّيْنِ بِتَجَوُّزٍ اُحْتُرِزَ بِقَوْلِهِ ثَابِتًا.
(وَلَوْ) امْتَزَجَ الرَّهْنُ بِسَبَبِ ثُبُوتِ الدَّيْنِ كَأَنْ (قَالَ: أَقْرَضْتُك هَذِهِ الدَّرَاهِمَ وَارْتَهَنْتُ بِهَا عَبْدَكَ، فَقَالَ: اقْتَرَضْتُ وَرَهَنْتُ، أَوْ قَالَ: بِعْتُكَهُ بِكَذَا وَارْتَهَنْتُ الثَّوْبَ بِهِ فَقَالَ: اشْتَرَيْتُ وَرَهَنْتُ صَحَّ فِي الْأَصَحِّ) ؛ لِأَنَّ شَرْطَ الرَّهْنِ فِي ذَلِكَ جَائِزٌ، فَمَزْجُهُ أَوْلَى؛ لِأَنَّ التَّوَثُّقَ فِيهِ آكَدُ؛ لِأَنَّهُ قَدْ لَا يَفِي بِالشَّرْطِ، وَالثَّانِي: لَا يَصِحُّ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: وَهُوَ الْقِيَاسُ؛ لِأَنَّ أَحَدَ شِقَّيْ الْعَقْدِ قَدْ تَقَدَّمَ عَلَى ثُبُوتِ الدَّيْنِ.
وَأَجَابَ الْأَوَّلُ بِأَنَّ ذَلِكَ اُغْتُفِرَ لِحَاجَةِ التَّوَثُّقِ، وَبِهَذَا يُعْلَمُ أَنَّهُ لَا حَاجَةَ هُنَا فِي صُورَةِ الْبَيْعِ إلَى تَقْدِيرِ وُجُودِ الثَّمَنِ وَانْعِقَادِ الرَّهْنِ عَقِبَهُ، بِخِلَافِ مَا لَوْ قَالَ أَعْتِقْ عَبْدَكَ عَنِّي بِكَذَا وَأَعْتَقَهُ عَنْهُ فَإِنَّهُ يُقَدَّرُ الْمِلْكُ لَهُ ثُمَّ يَعْتِقُ عَلَيْهِ لِاقْتِضَاءِ الْعَقْدِ تَقَدُّمَ الْمِلْكِ، وَهَذَا التَّرْتِيبُ الَّذِي ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ شَرْطٌ، وَضَابِطُهُ أَنْ يَتَقَدَّمَ الْخِطَابُ بِالْقَرْضِ مَثَلًا عَلَى الْخِطَابِ بِالرَّهْنِ، وَجَوَابُ الْقَرْضِ عَلَى جَوَابِ الرَّهْنِ، وَقَالَ: بِعْتُكَ أَوْ زَوَّجْتُكَ أَوْ أَجَرْتُكَ بِكَذَا عَلَى أَنْ تَرْهَنَنِي كَذَا، فَقَالَ: اشْتَرَيْتُ أَوْ تَزَوَّجْتُ أَوْ اسْتَأْجَرْتُ وَرَهَنْتُ صَحَّ - كَمَا رَجَّحَهُ ابْنُ الْمُقْرِي - وَإِنْ لَمْ يَقُلْ الْأَوَّلُ بَعْدُ: ارْتَهَنْتُ أَوْ قَبِلْتُ لِتَضَمُّنِ هَذَا الشَّرْطِ الِاسْتِيجَابَ.
وَمِنْ صُوَرِ مَزْجِ الرَّهْنِ: أَنْ يَقُولَ: بِعْنِي عَبْدَكَ بِكَذَا وَرَهَنْتُ بِهِ هَذَا الثَّوْبَ، فَيَقُولُ: بِعْتُ وَارْتَهَنْتُ (وَلَا يَصِحُّ) الرَّهْنُ (بِنُجُومِ الْكِتَابَةِ) لِمَا سَلَفَ (وَلَا بِجَعْلِ الْجَعَالَةِ قَبْلَ الْفَرَاغِ) مِنْ الْعَمَلِ؛ لِأَنَّ لَهُمَا فَسْخَهَا مَتَى شَاءَا.
فَإِنْ قِيلَ: الثَّمَنُ فِي مُدَّةِ الْخِيَارِ كَذَلِكَ مَعَ أَنَّهُ يَصِحُّ كَمَا سَيَأْتِي.
أُجِيبَ بِأَنَّ مُوجِبَ الثَّمَنِ الْبَيْعُ وَقَدْ تَمَّ، بِخِلَافِ مُوجِبِ الْجُعَلِ وَهُوَ الْعَمَلُ، وَعَنْ الْمَسْأَلَتَيْنِ اُحْتُرِزَ بِقَوْلِهِ لَازِمًا.
وَصُورَةُ الْمَسْأَلَةِ أَنْ يَقُولَ: مَنْ رَدَّ عَبْدِي فَلَهُ دِينَارٌ، فَيَقُولُ شَخْصٌ: ائْتِنِي بِرَهْنٍ وَأَنَا أَرُدُّهُ، وَمِثْلُهُ: إنْ رَدَدْتَهُ فَلَكَ دِينَارٌ وَهَذَا رَهْنٌ بِهِ، أَوْ
وَقِيلَ يَجُوزُ بَعْدَ الشُّرُوعِ.
وَيَجُوزُ بِالثَّمَنِ فِي مُدَّةِ الْخِيَارِ.
وَبِالدَّيْنِ رَهْنٌ بَعْدَ رَهْنٍ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَرْهَنَهُ الْمَرْهُونَ عِنْدَهُ بِدَيْنٍ آخَرَ فِي الْجَدِيدِ.
[مغني المحتاج]
مَنْ جَاءَ بِهِ فَلَهُ دِينَارٌ وَهَذَا رَهْنٌ (وَقِيلَ يَجُوزُ بَعْدَ الشُّرُوعِ) فِي الْعَمَلِ لِانْتِهَاءِ الْأَمْرِ فِيهِ إلَى اللُّزُومِ.
أَمَّا بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْهُ فَيَصِحُّ قَطْعًا لِلُّزُومِ الْجُعْلِ بِهِ.
(وَيَجُوزُ) الرَّهْنُ (بِالثَّمَنِ فِي مُدَّةِ الْخِيَارِ) لِأَنَّهُ آيِلٌ إلَى اللُّزُومِ، وَالْأَصْلُ فِي وَضْعِهِ اللُّزُومُ، بِخِلَافِ جُعْلِ الْجَعَالَةِ، وَظَاهِرٌ أَنَّ الْكَلَامَ حَيْثُ قُلْنَا مَلَكَ الْمُشْتَرِي الْمَبِيعَ لِيَمْلِكَ الْبَائِعُ الثَّمَنَ كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ الْإِمَامُ، وَلَا شَكَّ أَنَّهُ لَا يُبَاعُ الْمَرْهُونُ فِي الثَّمَنِ مَا لَمْ تَمْضِ مُدَّةُ الْخِيَارِ، وَدَخَلَتْ الْمَسْأَلَةُ فِي قَوْلِهِ لَازِمًا بِتَجَوُّزٍ.
قَالَ الْإِسْنَوِيُّ وَغَيْرُهُ: وَلَا يُغْنِي عَنْ الثَّابِتِ اللَّازِمُ؛ لِأَنَّ الثُّبُوتَ مَعْنَاهُ الْوُجُودُ فِي الْحَالِ وَاللُّزُومُ وَعَدَمُهُ صِفَةٌ لِلدَّيْنِ فِي نَفْسِهِ لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى وُجُودِ الدَّيْنِ، كَمَا يُقَالُ: دَيْنُ الْقَرْضِ لَازِمٌ، وَدَيْنُ الْكِتَابَةِ غَيْرُ لَازِمٍ، فَلَوْ اقْتَصَرَ عَلَى الدَّيْنِ اللَّازِمِ لَوَرَدَ عَلَيْهِ مَا سَيُقْرِضُهُ وَنَحْوُهُ مِمَّا لَمْ يَثْبُتْ.
وَقَالَ ابْنُ الصَّلَاحِ: وَلِأَنَّ الِالْتِزَامَاتِ لَا يُكْتَفَى بِهَا فِي الْمُخَاطَبَاتِ، وَهُمَا وَصْفَانِ مَقْصُودَانِ يُحْتَرَزُ بِهِمَا عَنْ عَدَمِ الثُّبُوتِ وَاللُّزُومِ، وَلَا فَرْقَ فِي الدَّيْنِ بَيْنَ الْمُسْتَقِرِّ: كَدِينِ الْقَرْضِ وَثَمَنِ الْمَبِيعِ الْمَقْبُوضِ، وَغَيْرِ الْمُسْتَقِرِّ: كَثَمَنِ الْمَبِيعِ قَبْلَ قَبْضِهِ وَالْأُجْرَةِ قَبْلَ الِانْتِفَاعِ فِي إجَارَةِ الْعَيْنِ، وَالصَّدَاقِ قَبْلَ الدُّخُولِ.
أَمَّا الْأُجْرَةُ فِي إجَارَةِ الذِّمَّةِ فَلَا يَصِحُّ الرَّهْنُ بِهَا لِعَدَمِ لُزُومِهَا فِي الذِّمَّةِ، إذْ يَلْزَمُ قَبْضُهَا فِي الْمَجْلِسِ قَبَلَ التَّفَرُّقِ، فَهِيَ كَرَأْسِ مَالِ السَّلَمِ، وَيَصِحُّ بِالْمَنْفَعَةِ فِي إجَارَةِ الذِّمَّةِ لَا بِهَا فِي إجَارَةِ الْعَيْنِ، لِأَنَّهَا فِي الْأُولَى دَيْنٌ بِخِلَافِهَا فِي الثَّانِيَةِ، وَيَصِحُّ بِمَالِ الْمُسَابَقَةِ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ فِي عَقْدِهَا اللُّزُومُ لَا بِالذِّمَةِ قَبْلَ الْحُلُولِ؛ لِأَنَّهَا لَمْ تَثْبُتْ، وَلِهَذَا تَسْقُطُ بِطُرُوِّ الْمَوْتِ وَالْجُنُونِ بِخِلَافِهَا بَعْدَ الْحُلُولِ لِثُبُوتِهَا فِي الذِّمَّةِ، وَلَا بِالزَّكَاةِ وَلَوْ بَعْدَ الْحُلُولِ لِعَدَمِ ثُبُوتِهَا قَبْلَهُ، وَلِعَدَمِ الدَّيْنِ بَعْدَهُ كَمَا اقْتَضَاهُ كَلَامُ الْإِسْنَوِيِّ وَابْنِ الْمُقْرِي لِتَعَلُّقِهَا بِالْعَيْنِ شَرِكَةً، وَالْمُعْتَمَدُ الْجَوَازُ بَعْدَ الْحَوْلِ كَمَا فِي أَصْلِ الرَّوْضَةِ، لِأَنَّ الزَّكَاةَ قَدْ تَجِبُ فِي الذِّمَّةِ ابْتِدَاءً كَزَكَاةِ الْفِطْرِ وَدَوَامًا بِأَنْ تَلِفَ الْمَالُ بَعْدَ الْحَوْلِ وَبِتَقْدِيرِ بَقَائِهِ، فَالتَّعَلُّقُ بِهِ لَيْسَ عَلَى سَبِيلِ الشَّرِكَةِ الْحَقِيقِيَّةِ؛ لِأَنَّ لَهُ أَنْ يُعْطَى مِنْ غَيْرِهَا بِغَيْرِ رِضَا الْمُسْتَحِقِّينَ قَطْعًا فَصَارَتْ الذِّمَّةُ كَأَنَّهَا مَنْظُورٌ إلَيْهَا.
(وَ) يَجُوزُ (بِالدَّيْنِ) الْوَاحِدِ (رَهْنٌ بَعْدَ رَهْنٍ) لِأَنَّهُ زِيَادَةٌ فِي الْوَثِيقَةِ وَيَصِيرَانِ كَمَا لَوْ رَهَنَهُمَا مَعًا (وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَرْهَنَهُ الْمَرْهُونَ) قَالَ الشَّارِحُ: بِالنَّصْبِ مَفْعُولٌ ثَانٍ (عِنْدَهُ بِدَيْنٍ آخَرَ) مَعَ بَقَاءِ رَهْنِهِ الْأَوَّلِ (فِي الْجَدِيدِ) وَإِنْ وَفَّى بِالدَّيْنَيْنِ وَكَانَا مِنْ جِنْسَيْنِ كَمَا لَا يَجُوزُ رَهْنُهُ عِنْدَ غَيْرِ الْمُرْتَهِنِ، وَالْقَدِيمُ الْجَوَازُ، وَنَصَّ عَلَيْهِ فِي الْجَدِيدِ أَيْضًا كَمَا تَجُوزُ الزِّيَادَةُ عَلَى الرَّهْنِ بِدَيْنٍ وَاحِدٍ، وَفَرَّقَ الْأَوَّلَ بِأَنَّ الدَّيْنَ
وَلَا يَلْزَمُ إلَّا بِقَبْضِهِ مِمَّنْ يَصِحُّ عَقْدُهُ وَتَجْرِي فِيهِ النِّيَابَةُ لَكِنْ لَا يَسْتَنِيبُ الرَّاهِنَ وَلَا عَبْدَهُ، وَفِي الْمَأْذُونِ لَهُ وَجْهٌ،
[مغني المحتاج]
يَشْغَلُ الرَّهْنَ وَلَا يَنْعَكِسُ، وَالزِّيَادَةُ فِي الرَّهْنِ شَغْلُ فَارِغٍ فَيَصِحُّ، وَالزِّيَادَةُ فِي الدَّيْنِ شَغْلُ مَشْغُولٍ فَلَا يَصِحُّ.
نَعَمْ لَوْ جَنَى الرَّقِيقُ الْمَرْهُونُ فَفَدَاهُ الْمُرْتَهِنُ بِإِذْنِ الرَّاهِنِ لِيَكُونَ رَهْنًا بِالدَّيْنِ وَالْفِدَاءِ جَازَ؛ لِأَنَّهُ مِنْ مَصَالِحِ الرَّهْنِ لِتَضَمُّنِهِ اسْتِبْقَاءَهُ، وَمِثْلُهُ لَوْ أَنْفَقَ الْمُرْتَهِنُ عَلَى الْمَرْهُونِ بِإِذْنِ الْحَاكِمِ لِعَجْزِ الرَّاهِنِ عَنْ النَّفَقَةِ أَوْ غَيْبَتِهِ لِيَكُونَ مَرْهُونًا بِالدَّيْنِ وَالنَّفَقَةِ، وَكَذَا لَوْ أَنْفَقَ عَلَيْهِ بِإِذْنِ الرَّاهِنِ كَمَا قَالَهُ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَالرُّويَانِيُّ وَإِنْ نَظَرَ فِيهِ الزَّرْكَشِيُّ، وَلَوْ رَهَنَ الْوَارِثُ التَّرِكَةَ الَّتِي عَلَيْهَا الدَّيْنُ وَلَوْ غَيْرَ مُسْتَغْرَقٍ لَهَا مِنْ غَرِيمِ الْمَيِّتِ بِدَيْنٍ آخَرَ لَمْ يَصِحَّ كَالْعَبْدِ الْجَانِي وَتَنْزِيلًا لِلرَّهْنِ الشَّرْعِيِّ مَنْزِلَةَ الرَّهْنِ الْجَعْلِيِّ.
(وَلَا يَلْزَمُ) الرَّهْنُ مِنْ جِهَةِ الرَّاهِنِ (إلَّا بِقَبْضِهِ) أَيْ الْمَرْهُونِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ [البقرة: 283] فَلَوْ لَزِمَ بِدُونِ الْقَبْضِ لَمْ يَكُنْ لِلتَّقْيِيدِ بِهِ فَائِدَةٌ؛ وَلِأَنَّهُ عَقْدُ تَبَرُّعٍ يَحْتَاجُ إلَى الْقَبُولِ فَلَا يَلْزَمُ إلَّا بِالْقَبْضِ كَالْهِبَةِ وَالْقَرْضِ، وَلَا تُرَدُّ الْوَصِيَّةُ؛ لِأَنَّهَا إنَّمَا تَحْتَاجُ إلَى الْقَبُولِ فِيمَا إذَا كَانَ الْمُوصَى لَهُ مُعَيَّنًا فَلِلرَّاهِنِ الرُّجُوعُ فِيهِ قَبْلَ الْقَبْضِ.
أَمَّا الْمُرْتَهِنُ لِنَفْسِهِ فَلَا يَلْزَمُ فِي حَقِّهِ بِحَالٍ، وَقَدْ يُتَصَوَّرُ فَسْخُهُ لِلرَّهْنِ بَعْدَ قَبْضِهِ كَأَنْ يَكُونَ الرَّهْنُ مَشْرُوطًا فِي بَيْعٍ وَيَقْبِضُهُ قَبْلَ التَّفَرُّقِ مِنْ الْمَجْلِسِ ثُمَّ يُفْسَخُ الْبَيْعُ فَيَنْفَسِخُ الرَّهْنُ تَبَعًا.
قَالَ الرَّافِعِيُّ فِي بَابِ الْخِيَارِ: وَالْمُرَادُ بِالْقَبْضِ الْقَبْضُ الْمَعْهُودُ فِي الْبَيْعِ وَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ الْقَبْضُ وَالْإِقْبَاضُ (مِمَّنْ يَصِحُّ) مِنْهُ (عَقْدُهُ) أَيْ عَقْدُ الرَّهْنِ فَلَا يَصِحُّ شَيْءٌ مِنْهُمَا مِنْ غَيْرِهِ كَصَبِيٍّ وَمَجْنُونٍ وَمَحْجُورِ سَفَهٍ (وَتَجْرِي فِيهِ) أَيْ فِي كُلٍّ مِنْ الْقَبْضِ وَالْإِقْبَاضِ (النِّيَابَةُ) كَالْعَقْدِ (لَكِنْ لَا يَسْتَنِيبُ) الْمُرْتَهِنُ فِي الْقَبْضِ (الرَّاهِنَ) وَلَا نَائِبَهُ فِي الْإِقْبَاضِ لِئَلَّا يُؤَدِّيَ إلَى اتِّحَادِ الْقَابِضِ وَالْمُقْبِضِ، خَرَجَ بِذَلِكَ مَا لَوْ كَانَ الرَّاهِنُ وَكِيلًا فِي عَقْدِ الرَّهْنِ فَقَطْ أَوْ وَلِيًّا فَرَشَدَ مُوَلِّيهِ مَثَلًا فَإِنَّهُ يَجُوزُ لِلْمُرْتَهِنِ أَنْ يَسْتَنِيبَهُ فِي الْقَبْضِ لِانْتِفَاءِ الْعِلَّةِ مَعَ أَنَّ عِبَارَةَ الْمُصَنَّفِ تَقْتَضِي عَدَمَ الصِّحَّةِ فِي ذَلِكَ، فَلَوْ قَالَ: لَكِنْ لَا يَسْتَنِيبُ مُقْبِضًا مِنْ رَاهِنٍ أَوْ نَائِبِهِ، لَكَانَ أَوْلَى، وَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَقُولَ وَلَا عَكْسُهُ؛ لِأَنَّ الرَّاهِنَ لَوْ قَالَ لِلْمُرْتَهِنِ: وَكَّلْتُكَ فِي قَبْضِهِ لِنَفْسِكَ لَمْ يَصِحَّ.
فَإِنْ قِيلَ أَطْلَقُوا أَنَّهُ لَوْ أَذِنَ لَهُ فِي قَبْضِهِ صَحَّ وَهُوَ إنَابَةٌ فِي الْمَعْنَى.
أُجِيبَ بِأَنَّ إذْنَهُ إقْبَاضٌ مِنْهُ لَا تَوْكِيلٌ (وَلَا) يَسْتَنِيبُ (عَبْدَهُ) أَيْ الرَّاهِنُ، وَلَوْ كَانَ مَأْذُونًا لَهُ فِي التِّجَارَةِ أَوْ مُدَبَّرًا؛ لِأَنَّ يَدَهُ كَيَدِ مَوْلَاهُ (وَفِي الْمَأْذُونِ لَهُ وَجْهٌ) أَنَّهُ يَصِحُّ لِانْفِرَادِهِ بِالْيَدِ وَالتَّصَرُّفِ كَالْمُكَاتَبِ، وَفَرَّقَ الْأَوَّلَ بِأَنَّ السَّيِّدَ مُتَمَكِّنٌ مِنْ الْحَجْرِ عَلَيْهِ وَأُمُّ الْوَلَدِ كَالْقِنِّ.
فَإِنْ قِيلَ: لَوْ وَكَّلَ رَجُلٌ الْعَبْدَ فِي شِرَاءِ نَفْسِهِ مِنْ مَوْلَاهُ صَحَّ مَعَ أَنَّهُ لَا
وَيَسْتَنِيبُ مُكَاتَبَهُ
وَلَوْ رَهَنَ وَدِيعَةً عِنْدَ مُودِعٍ أَوْ مَغْصُوبًا عِنْدَ غَاصِبٍ لَمْ يَلْزَمْ مَا لَمْ يَمْضِ زَمَنُ إمْكَانِ قَبْضِهِ، وَالْأَظْهَرُ اشْتِرَاطُ إذْنِهِ فِي قَبْضِهِ
وَلَا يُبَرِّئُهُ ارْتِهَانُهُ عَنْ الْغَصْبِ، وَيُبَرِّئُهُ الْإِيدَاعُ فِي الْأَصَحِّ.
[مغني المحتاج]
يَصِحُّ فِيمَا لَوْ وَكَّلَ مَوْلَاهُ، فَلَيْسَتْ هُنَا يَدُ الْعَبْدِ كَيَدِ مَوْلَاهُ.
أُجِيبَ بِأَنَّ شِرَاءَ الْعَبْدِ نَفْسَهُ مِنْ مَوْلَاهُ صَحِيحٌ فِي الْجُمْلَةِ لِتَشَوُّفِ الشَّارِعِ إلَى الْعِتْقِ فَلَمْ يَنْظُرُوا فِيهِ إلَى تَنْزِيلِ الْعَبْدِ مَنْزِلَةَ مَوْلَاهُ فِي ذَلِكَ (وَيَسْتَنِيبُ مُكَاتَبَهُ) لِاسْتِقْلَالِهِ بِالْيَدِ وَالتَّصَرُّفِ كَالْأَجْنَبِيِّ، وَمِثْلُهُ الْمُبَعَّضُ إذَا كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ سَيِّدِهِ مُهَايَأَةٌ وَوَقَعَ الْقَبْضُ فِي نَوْبَتِهِ وَإِنْ وَقَعَ التَّوْكِيلُ فِي نَوْبَةِ السَّيِّدِ وَلَمْ يَشْتَرِطْ فِيهِ الْقَبْضَ فِي نَوْبَتِهِ.
(وَلَوْ رَهَنَ) مَالَهُ بِيَدِ غَيْرِهِ مِنْهُ كَأَنْ رَهَنَ (وَدِيعَةً عِنْدَ مُودِعٍ أَوْ مَغْصُوبًا عِنْدَ غَاصِبٍ) أَوْ مُؤَجَّرًا عِنْدَ مُسْتَأْجَرٍ أَوْ مَقْبُوضًا بِسَوْمٍ عِنْدَ مُسْتَامٍ أَوْ مُعَارًا عِنْدَ مُسْتَعِيرٍ (لَمْ يَلْزَمْ) هُنَا الرَّهْنُ (مَا لَمْ يَمْضِ زَمَنُ إمْكَانِ قَبْضِهِ) أَيْ الْمَرْهُونِ كَنَظِيرِهِ فِي الْبَيْعِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ فِي يَدِهِ لَكَانَ اللُّزُومُ مُتَوَقِّفًا عَلَى هَذَا الزَّمَانِ، وَابْتِدَاءُ زَمَنِ إمْكَانِ الْقَبْضِ مِنْ وَقْتِ الْإِذْنِ فِيهِ لَا الْعَقْدِ وَافْهَمْ أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ ذَهَابُهُ إلَيْهِ وَهُوَ الْأَصَحُّ، (وَالْأَظْهَرُ اشْتِرَاطُ إذْنِهِ) أَيْ الرَّاهِنِ (فِي قَبْضِهِ) ؛ لِأَنَّ يَدَهُ كَانَتْ عَنْ غَيْرِ جِهَةِ الرَّهْنِ وَلَمْ يَقَعْ تَعَرُّضٌ لِلْقَبْضِ عَنْهُ، وَالثَّانِي: لَا يُشْتَرَطُ؛ لِأَنَّ الْعَقْدَ مَعَ صَاحِبِ الْيَدِ يَتَضَمَّنُ الْإِذْنَ.
وَلَوْ رَهَنَ الْأَبُ مَالَهُ عِنْدَ طِفْلِهِ أَوْ عَكْسُهُ اُشْتُرِطَ فِيهِ مُضِيُّ زَمَنِ الْإِمْكَانِ، وَقَصْدُ الْأَبِ لِلْقَبْضِ كَالْإِذْنِ فِيهِ (وَلَا يُبَرِّئُهُ ارْتِهَانُهُ عَنْ الْغَصْبِ) وَإِنْ لَزِمَ لِأَنَّهُ وَإِنْ كَانَ عَقْدَ أَمَانَةٍ فَالْغَرَضُ مِنْهُ التَّوَثُّقُ وَهُوَ لَا يُنَافِي الضَّمَانَ بِدَلِيلِ مَا لَوْ رَهَنَهُ شَيْئًا فَتَعَدَّى فِيهِ فَإِنَّهُ لَا يُبْطِلُ الرَّهْنَ، وَكَذَا لَا يَبْرَأُ الْمُسْتَعِيرُ بِالرَّهْنِ وَإِنْ مَنَعَهُ الْمُعِيرُ الِانْتِفَاعَ لِمَا مَرَّ، وَيَجُوزُ لَهُ الِانْتِفَاعُ بِالْمُعَارِ الَّذِي ارْتَهَنَهُ لِبَقَاءِ الْإِعَارَةِ، وَإِنْ رَجَعَ الْمُعِيرُ فِيهِ امْتَنَعَ ذَلِكَ عَلَيْهِ، وَلِلْغَاصِبِ إجْبَارُ الرَّاهِنِ عَلَى إيقَاعِ يَدِهِ عَلَيْهِ لِيَبْرَأَ مِنْ الضَّمَانِ ثُمَّ يَسْتَعِيرُهُ مِنْهُ بِحُكْمِ الرَّهْنِ وَلَيْسَ لِلرَّاهِنِ إجْبَارُهُ عَلَى رَدِّ الْمَرْهُونِ إلَيْهِ لِيُوقِعَ يَدَهُ عَلَيْهِ، ثُمَّ يَسْتَعِيرَهُ مِنْهُ الْمُرْتَهِنُ بِحُكْمِ الرَّهْنِ إذْ لَا غَرَضَ لَهُ فِي بَرَاءَةِ الْمُرْتَهِنِ (وَيُبَرِّئُهُ) عَنْ الْغَصْبِ (الْإِيدَاعُ فِي الْأَصَحِّ) ؛ لِأَنَّ الْإِيدَاعَ ائْتِمَانٌ، وَهُوَ يُنَافِي الضَّمَانَ بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَوْ تَعَدَّى فِي الْوَدِيعَةِ لَمْ يَبْقَ أَمِينًا بِخِلَافِ الرَّهْنِ.
وَالثَّانِي لَا يُبَرِّئُهُ كَالرَّهْنِ، وَرُدَّ بِمَا مَرَّ، وَلَوْ أَبْرَأَ الْغَاصِبُ مِنْ ضَمَانِ الْمَغْصُوبِ وَهُوَ بَاقٍ لَمْ يَبْرَأْ؛ لِأَنَّ الْأَعْيَانَ لَا يُبْرَأُ مِنْهَا، إذْ الْإِبْرَاءُ إسْقَاطُ مَا فِي الذِّمَّةِ أَوْ تَمْلِيكُهُ وَكَذَا لَوْ أَبْرَأَهُ عَنْ ضَمَانِ مَا يَثْبُتُ فِي ذِمَّتِهِ بَعْدَ تَلَفِهِ لِأَنَّهُ إبْرَاءٌ عَمَّا لَمْ يَجِبْ، وَلَوْ أَجَّرَهُ الْمَغْصُوبَ أَوْ قَارَضَهُ فِيهِ أَوْ وَكَّلَهُ فِي التَّصَرُّفِ فِيهِ أَوْ زَوَّجَهُ إيَّاهُ لَمْ يَبْرَأْ لِمَا عُلِمَ مِمَّا مَرَّ
وَيَحْصُلُ الرُّجُوعُ عَنْ الرَّهْنِ قَبْلَ الْقَبْضِ بِتَصَرُّفٍ يُزِيلُ الْمِلْكَ كَهِبَةٍ مَقْبُوضَةٍ وَبِرَهْنٍ مَقْبُوضٍ وَكِتَابَةٍ وَكَذَا تَدْبِيرُهُ فِي الْأَظْهَرِ وَبِإِحْبَالِهَا، لَا الْوَطْءِ وَالتَّزْوِيجِ.
وَلَوْ مَاتَ الْعَاقِدُ قَبْلَ الْقَبْضِ أَوْ جُنَّ أَوْ تَخَمَّرَ الْعَصِيرُ أَوْ أَبَقَ الْعَبْدُ، لَمْ يَبْطُلْ الرَّهْنُ فِي الْأَصَحِّ.
[مغني المحتاج]
فِي رَهْنِهِ مِنْهُ.
نَعَمْ إنْ تَصَرَّفَ فِي مَالِ الْقِرَاضِ أَوْ فِيمَا وُكِّلَ فِيهِ بَرِيءَ؛ لِأَنَّهُ سَلَّمَهُ بِإِذْنِ مَالِكِهِ وَزَالَتْ عَنْهُ يَدُهُ، وَكَذَا كُلُّ مَنْ كَانَتْ يَدُهُ يَدَ ضَمَانٍ كَالْمُسْتَعِيرِ وَالْمُسْتَامِ.
وَقَدْ عُلِمَ مِمَّا تَتَقَرَّرَ أَنَّ هَذَا الْحُكْمَ لَا يَخْتَصُّ بِالِارْتِهَانِ وَلَا بِالْغَصْبِ.
(وَيَحْصُلُ الرُّجُوعُ عَنْ الرَّهْنِ قَبْلَ الْقَبْضِ بِتَصَرُّفٍ يُزِيلُ الْمِلْكَ كَهِبَةٍ مَقْبُوضَةٍ) وَبَيْعٍ وَإِعْتَاقٍ لِزَوَالِ مَحَلِّ الرَّهْنِ (وَبِرَهْنٍ مَقْبُوضٍ وَكِتَابَةٍ) لِتَعَلُّقِ حَقِّ الْغَيْرِ بِهِ.
تَنْبِيهٌ: تَقْيِيدُهُ تَبَعًا لِلرَّافِعِيِّ الْهِبَةَ وَالرَّهْنَ بِالْقَبْضِ يَقْتَضِي أَنَّ ذَلِكَ بِدُونِ قَبْضٍ لَا يَكُونُ رُجُوعًا، وَهُوَ مُوَافِقٌ لِتَخْرِيجِ الرَّبِيعِ وَتَنْظِيرِهِ فِي الْأَصَحِّ، وَاَلَّذِي نَقَلَهُ السُّبْكِيُّ وَغَيْرُهُ عَنْ النَّصِّ: أَنَّهُ رُجُوعٌ وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ.
وَقَالَ الْأَذْرَعِيُّ: وَالصَّوَابُ عَلَى الْمَذْهَبِ حَذْفُ لَفْظِ الْقَبْضِ فِي الْهِبَةِ وَالرَّهْنِ جَمِيعًا؛ لِأَنَّهَا زِيَادَةٌ مُوهِمَةٌ، وَقَضِيَّةُ إطْلَاقِ الْمُصَنِّفِ تَبَعًا لِغَيْرِهِ الْكِتَابَةَ أَنَّهُ لَا فَرْقَ فِيهَا بَيْنَ الصَّحِيحَةِ وَالْفَاسِدَةِ فِي الْجَزْمِ بِهَا، وَإِلْحَاقُ الْفَاسِدِ بِالتَّدْبِيرِ فِي جَرَيَانِ الْخِلَافِ أَشْبَهُ؛ لِأَنَّهَا تَعْلِيقُ عِتْقٍ بِصِفَةٍ (وَكَذَا تَدْبِيرُهُ) يَحْصُلُ بِهِ الرُّجُوعِ (فِي الْأَظْهَرِ) ؛ لِأَنَّ مَقْصُودَهُ الْعِتْقُ، وَهُوَ مُنَافٍ لِلرَّهْنِ.
وَالثَّانِي: لَا؛ لِأَنَّ الرُّجُوعَ عَنْ التَّدْبِيرِ مُمْكِنٌ (وَبِإِحْبَالِهَا) مِنْهُ أَوْ مِنْ أَبِيهِ كَمَا فِي فَتَاوَى الْقَاضِي لِتَعَلُّقِ الْعِتْقِ بِهِ (لَا الْوَطْءِ) بِغَيْرِ إحْبَالٍ وَإِنْ أَنْزَلَ وَكَانَتْ مِمَّنْ تَحْبَلُ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ سَبَبًا لِزَوَالِ الْمِلْكِ (وَ) لَا (التَّزْوِيجِ) إذْ لَا تَعَلُّقَ لَهُ بِمَوْرِدِ الرَّهْنِ، سَوَاءٌ أَكَانَ الْمُزَوَّجُ عَبْدًا أَمْ أَمَةً، بَلْ رَهْنُ الْمُزَوَّجُ ابْتِدَاءً صَحِيحٌ وَلَا الْإِجَارَةِ، وَلَوْ حَلَّ الدَّيْنُ الْمَرْهُونُ قَبْلَ انْقِضَائِهَا؛ لِأَنَّ رَهْنَ الْمُؤَجَّرِ وَبَيْعَهُ صَحِيحَانِ.
(وَلَوْ مَاتَ الْعَاقِدُ) الرَّاهِنُ أَوْ الْمُرْتَهِنُ (قَبْلَ الْقَبْضِ) لِلْمَرْهُونِ (أَوْ جُنَّ) أَوْ أُغْمِيَ عَلَيْهِ (أَوْ تَخَمَّرَ الْعَصِيرُ أَوْ أَبَقَ الْعَبْدُ) قَبْلَ الْقَبْضِ فِيهِنَّ أَيْضًا (لَمْ يُبْطِلْ الرَّهْنُ فِي الْأَصَحِّ) أَمَّا الْمَوْتُ فَلِأَنَّ مَصِيرَ الرَّهْنِ إلَى اللُّزُومِ فَلَا يَتَأَثَّرُ بِمَوْتِهِ كَالْبَيْعِ فِي زَمَنِ الْخِيَارِ، وَوَجْهُ مُقَابِلِهِ أَنَّهُ جَائِزٌ كَالْوَكَالَةِ، وَعَلَى الْأَوَّلِ يَقُومُ وَارِثُ الرَّاهِنِ مَقَامَهُ فِي الْإِقْبَاضِ وَوُرَّاثُ الْمُرْتَهِنِ مَقَامَهُ فِي الْقَبْضِ.
وَأَمَّا الْإِغْمَاءُ وَالْجُنُونُ فَمُرَتَّبَانِ عَلَى الْمَوْتِ، فَإِنْ قُلْنَا: لَا يَبْطُلُ ثَمَّ، فَهُنَا أَوْلَى، وَإِلَّا فَوَجْهَانِ، وَعَلَى الْأَصَحِّ يَقُومُ مَنْ يَنْظُرُ فِي مَالِ الْمَجْنُونِ مَقَامَهُ فِي الْقَبْضِ وَالْإِقْبَاضِ،
وَلَيْسَ لِلرَّاهِنِ الْمُقْبِضِ تَصَرُّفٌ يُزِيلُ الْمِلْكَ، لَكِنْ فِي إعْتَاقِهِ أَقْوَالٌ أَظْهَرُهَا يَنْفُذُ مِنْ الْمُوسِرِ وَيَغْرَمُ قِيمَتَهُ يَوْمَ
[مغني المحتاج]
وَالْمُغْمَى عَلَيْهِ تُنْتَظَرُ إفَاقَتُهُ، وَحَجْرُ الْفَلِسِ أَوْ السَّفَهِ عَلَى أَحَدِهِمَا كَالْجُنُونِ عَلَى الْمَذْهَبِ، وَأَمَّا فِي التَّخَمُّرِ وَالْإِبَاقِ فَبِالْقِيَاسِ عَلَى مَا لَوْ كَانَ بَعْدَ الْقَبْضِ لِاغْتِفَارِ مَا يَقَعُ فِي الدَّوَامِ، وَوَجْهُ مُقَابِلِهِ اخْتِلَالُهُ فِي حَالِ ضَعْفِ الرَّهْنِ وَعَدَمِ لُزُومِهِ، وَعَلَى الْأَوَّلِ يَبْطُلُ حُكْمُ الرَّهْنِ لِلْعَصِيرِ وَلَوْ بَعْدَ الْقَبْضِ مَا دَامَ مُتَخَمِّرًا لِخُرُوجِهِ عَنْ الْمَالِيَّةِ، فَإِنْ تَخَلَّلَ عَادَ رَهْنًا كَمَا عَادَ مِلْكًا، وَلِلْمُرْتَهِنِ الْخِيَارُ فِي الْبَيْعِ الْمَشْرُوطِ فِيهِ الرَّهْنُ سَوَاءٌ تَخَلَّلَ أَمْ لَا إنْ كَانَ قَبْلَ الْقَبْضِ لِنُقْصَانِ الْخَلِّ عَنْ الْعَصِيرِ فِي الْأَوَّلِ، وَفَوَاتِ الْمَالِيَّةِ فِي الثَّانِي.
أَمَّا بَعْدَ الْقَبْضِ فَلَا خِيَارَ لَهُ؛ لِأَنَّهُ تَخَمَّرَ فِي يَدِهِ فَلَوْ قَبَضَهُ خَمْرًا وَتَخَلَّلَ اسْتَأْنَفَ الْقَبْضَ لِفَسَادِ الْقَبْضِ الْأَوَّلِ بِخُرُوجِ الْعَصِيرِ عَنْ الْمَالِيَّةِ لَا الْعَقْدِ لِوُقُوعِهِ حَالَ الْمَالِيَّةِ وَلَا بُطْلَانَ قَطْعًا فِي الْمَوْتِ أَوْ الْجُنُونِ أَوْ الْإِبَاقِ بَعْدَ الْقَبْضِ، وَلَوْ مَاتَتْ الشَّاةُ الْمَرْهُونَةُ فِي يَدِ الرَّاهِنِ أَوْ الْمُرْتَهِنِ فَدَبَغَ الْمَالِكُ أَوْ غَيْرُهُ جِلْدَهَا عَادَ مِلْكًا لِلرَّاهِنِ وَلَمْ يُعَدَّ رَهْنًا؛ لِأَنَّ مَالِيَّتَهُ حَدَثَتْ بِالْمُعَالَجَةِ بِخِلَافِ الْخَلِّ.
فَإِنْ قِيلَ قَدْ يَحْدُثُ بِهَا أَيْضًا كَنَقْلِهِ مِنْ شَمْسٍ إلَى ظِلٍّ وَعَكْسِهِ، وَقَدْ يَقَعُ الْجِلْدُ فِي مَدْبَغَةٍ مِنْ غَيْرِ مُعَالَجَةٍ.
أُجِيبَ بِأَنَّ ذَلِكَ نَادِرٌ فَأُلْحِقَ بِالْغَالِبِ.
نَعَمْ إنْ أَعْرَضَ عَنْهُ الْمَالِكُ فَدَبَغَهُ غَيْرُهُ فَهُوَ لَهُ، وَخَرَجَ عَنْ الرَّهْنِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْأَذْرَعِيُّ.
(وَلَيْسَ لِلرَّاهِنِ الْمُقْبِضِ تَصَرُّفٌ) مَعَ غَيْرِ الْمُرْتَهِنِ بِغَيْرِ إذْنِهِ (يُزِيلُ الْمِلْكَ) كَالْهِبَةِ وَالْبَيْعِ وَالْوَقْفِ لِأَنَّهُ لَوْ صَحَّ لَفَاتَتْ الْوَثِيقَةُ.
وَأَمَّا مَعَهُ أَوْ بِإِذْنِهِ فَسَيَأْتِي أَنَّهُ يَصِحُّ (لَكِنْ) إذَا لَمْ يَصِحَّ تَصَرُّفُهُ (فِي إعْتَاقِهِ أَقْوَالٌ أَظْهَرُهَا يَنْفُذُ) بِالْمُعْجَمَةِ (مِنْ الْمُوسِرِ) بِقِيمَةِ الْمَرْهُونِ، وَبَحَثَ الْبُلْقِينِيُّ بِأَنَّ الْمُعْتَبَرَ الْيَسَارُ بِأَقَلِّ الْأَمْرَيْنِ مِنْ قِيمَةِ الْمَرْهُونِ وَمِنْ قَدْرِ الدَّيْنِ، وَهُوَ كَمَا قَالَ الزَّرْكَشِيُّ التَّحْقِيقُ دُونَ الْمُعْسِرِ؛ لِأَنَّهُ عِتْقٌ يُبْطِلُ بِهِ حَقُّ الْغَيْرِ، فَفَرَّقَ فِيهِ بَيْنَ الْمُوسِرِ وَالْمُعْسِرِ كَعِتْقِ الشَّرِيكَيْنِ، فَإِنْ أَيْسَرَ بِبَعْضِهَا عَتَقَ الْقَدْرُ الَّذِي أَيْسَرَ بِقِيمَتِهِ، وَإِقْدَامُ الْمُوسِرِ عَلَى الْعِتْقِ جَائِزٌ كَمَا اقْتَضَاهُ نَصُّ الشَّافِعِيِّ كَمَا قَالَهُ الْبُلْقِينِيُّ وَغَيْرُهُ وَاقْتَضَاهُ كَلَامُ الرَّافِعِيِّ وَغَيْرُهُ فِي بَابِ النَّذْرِ، وَإِنْ نَقَلَ الرَّافِعِيُّ عَنْ الْإِمَامِ فِي بَحْثِ التَّنَازُعِ فِي جِنَايَةِ الْمَرْهُونِ أَنَّهُ يَمْتَنِعُ إقْدَامُهُ عَلَيْهِ، وَالثَّانِي يَنْفُذُ مُطْلَقًا وَيَغْرَمُ الْمُعْسِرُ إذَا أَيْسَرَ الْقِيمَةَ وَتَصِيرُ رَهْنًا.
وَالثَّالِثُ لَا يَنْفُذُ مُطْلَقًا، وَإِنْ اُحْتُرِزَ بِقَوْلِهِ فِي إعْتَاقِهِ عَنْ الْحُكْمِ بِعِتْقِهِ لَا بِإِعْتَاقِ الرَّاهِنِ بَلْ بِالسِّرَايَةِ كَمَا إذَا رَهَنَ نِصْفَ عَبْدٌ ثُمَّ أَعْتَقَ بَاقِيَهُ فَإِنَّهُ يَعْتِقُ إنْ نَفَّذْنَا إعْتَاقَهُ، وَكَذَا إنْ لَمْ نُنَفِّذْهُ فِي الْأَصَحِّ.
لَكِنْ يُشْتَرَطُ الْيَسَارُ عَلَى الْأَصَحِّ، لِأَنَّ هَذَا حُكْمٌ مِنْ الشَّرْعِ بِعِتْقِهِ لَا إعْتَاقُهُ (وَ) عَلَى الْأَوَّلِ (يَغْرَمُ قِيمَتَهُ) جَبْرًا لِحَقِّ الْمُرْتَهِنِ وَتُعْتَبَرُ قِيمَتُهُ (يَوْمَ) أَيْ
عِتْقِهِ رَهْنًا، وَإِذَا لَمْ نُنَفِّذْهُ فَانْفَكَّ لَمْ نُنَفِّذْهُ فِي الْأَصَحِّ.
وَلَوْ عَلَّقَهُ بِصِفَةٍ فَوُجِدَتْ وَهُوَ رَهْنٌ فَكَالْإِعْتَاقِ، أَوْ بَعْدَهُ نَفَذَ عَلَى الصَّحِيحِ.
وَلَا رَهْنُهُ لِغَيْرِهِ،
[مغني المحتاج]
وَقْتُ (عِتْقِهِ) وَتَصِيرُ (رَهْنًا) أَيْ: مَرْهُونَةً مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ إلَى عَقْدٍ، وَإِنْ حَلَّ الدَّيْنُ أَوْ تَصَرَّفَ فِي قَضَاءِ دَيْنِهِ إنْ حَلَّ (وَإِذَا لَمْ نُنَفِّذْهُ) لِكَوْنِهِ مُعْسِرًا أَوْ عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّهُ لَا يَنْفُذُ مُطْلَقًا (فَانْفَكَّ) الرَّهْنُ بِإِبْرَاءٍ أَوْ غَيْرِهِ (لَمْ نُنَفِّذْهُ فِي الْأَصَحِّ) ؛ لِأَنَّهُ أَعْتَقَهُ وَهُوَ لَا يُمْكِنُ إعْتَاقُهُ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ أَعْتَقَ الْمَحْجُورَ عَلَيْهِ بِالسَّفَهِ ثُمَّ زَالَ عَنْهُ الْحَجْرُ.
وَالثَّانِي: يَنْفُذُ لِزَوَالِ الْمَانِعِ، وَعَلَى الْأَوَّلِ لَوْ بِيعَ فِي الدَّيْنِ ثُمَّ مَلَكَهُ لَمْ يَعْتِقْ أَيْضًا كَمَا فُهِمَ مِنْ الْمَتْنِ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى، وَلَوْ اسْتَعَارَ مَنْ يُعْتَقُ عَلَيْهِ لِيَرْهَنَهُ ثُمَّ رَهَنَهُ ثُمَّ وَرِثَهُ هَلْ يُعْتَقُ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ عِتْقٌ قَهْرِيٌّ مِنْ الشَّرْعِ أَوْ لَا لِتَعَلُّقِ الْوَثِيقَةِ بِهِ، وَالْأَوْجَهُ أَنْ يُقَالَ: إنْ كَانَ مُوسِرًا عَتَقَ وَإِلَّا فَلَا.
(وَلَوْ عَلَّقَهُ) أَيْ عِتْقَ الْمَرْهُونِ فِي حَالِ الرَّهْنِ بِفَكَاكِ الرَّهْنِ وَانْفَكَّ عَتَقَ إذَا لَمْ يُوجَدْ حَالَ الرَّهْنِ إلَّا التَّعْلِيقُ، وَهُوَ لَا يَضُرُّ أَوْ عَلَّقَهُ (بِصِفَةٍ) أُخْرَى كَقُدُومِ زَيْدٍ (فَوُجِدَتْ) بَعْدَ انْفِكَاكِ الرَّهْنِ بِأَنْ انْفَكَّ مَعَ وُجُودِهَا أَوْ قَبْلَهُ عَتَقَ أَيْضًا لِمَا مَرَّ، أَوْ وُجِدَتْ (وَهُوَ رَهْنٌ فَكَالْإِعْتَاقِ) فِيمَا مَرَّ فَيُفْصَلُ فِيهِ بَيْنَ الْمُوسِرِ وَغَيْرِهِ؛ لِأَنَّ التَّعْلِيقَ مَعَ وُجُودِ الصِّفَةِ كَالتَّنْجِيزِ.
(أَوْ) وُجِدَتْ (بَعْدَهُ) أَيْ بَعْدَ فَكَاكِ الرَّهْنِ أَوْ مَعَهُ (نَفَذَ) الْعِتْقُ (عَلَى الصَّحِيحِ) وَالثَّانِي: يَقُولُ التَّعْلِيقُ بَاطِلٌ كَالتَّنْجِيزِ فِي قَوْلٍ، وَلَوْ رَهَنَ نِصْفَ عَبْدِهِ مَثَلًا ثُمَّ أَعْتَقَ نِصْفَهُ، فَإِنْ أَعْتَقَ نِصْفَهُ الْمَرْهُونَ عَتَقَ مَعَ بَاقِيهِ إنْ كَانَ مُوسِرًا أَوْ غَيْرَ الْمَرْهُونِ أَوْ أَطْلَقَ عِتْقَ غَيْرِ الْمَرْهُونِ مِنْ الْمُوسِرِ وَغَيْرِهِ، وَيَسْرِي إلَى الْمَرْهُونِ عَلَى الْمُوسِرِ أَخْذًا مِمَّا مَرَّ، وَيَنْفُذُ عِتْقُ الْمَرْهُونِ مِنْ الْمُوسِرِ عَنْ كَفَّارَتِهِ لَا عَنْ كَفَّارَةِ غَيْرِهِ بِسُؤَالِهِ؛ لِأَنَّهُ بَيْعٌ إنْ وَقَعَ بِعِوَضٍ وَإِلَّا فَهِبَةٌ، وَهُوَ مَمْنُوعٌ مِنْهُمَا.
فَإِنْ قِيلَ: يَرُدُّ عَلَى ذَلِكَ مَا لَوْ مَاتَ الرَّاهِنُ فَانْتَقَلَتْ الْعَيْنُ إلَى وَارِثِهِ فَأَعْتَقَهَا عَنْ مُوَرِّثِهِ، وَكَذَا إنْ لَمْ يَرْهَنْهُ وَلَكِنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ فَإِنَّهُ يَنْتَقِلُ إلَى الْوَارِثِ مَرْهُونًا، وَمَعَ ذَلِكَ يَجُوزُ إعْتَاقُهُ عَنْ مُوَرِّثِهِ كَمَا هُوَ حَاصِلُ كَلَامِ الرَّافِعِيِّ فِي بَابِ الْوَصِيَّةِ، وَعَلَّلَهُ بِأَنَّ إعْتَاقَهُ كَإِعْتَاقِهِ.
أُجِيبَ بِأَنَّ الْوَارِثَ خَلِيفَةُ مُوَرِّثِهِ فَفِعْلُهُ كَفِعْلِهِ فِي ذَلِكَ؛ وَلِأَنَّ الْكَلَامَ فِي إعْتَاقِ الرَّاهِنِ نَفْسَهُ، وَفِي الرَّهْنَ الْجَعْلِيِّ لَا غَيْرِهِمَا، وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْإِعْتَاقَ عَنْ الْمُرْتَهِنِ جَائِزٌ كَالْبَيْعِ مِنْهُ.
فَرْعٌ الْمُبَعَّضُ إذَا كَانَ لَهُ عَلَى سَيِّدِهِ دَيْنٌ فَرَهَنَ عِنْدَهُ نِصْفَهُ صَحَّ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُعْتِقَهُ إلَّا بِإِذْنِهِ إذَا كَانَ مُعْسِرًا، فَإِنْ كَانَ مُوسِرًا صَحَّ بِغَيْرِ إذْنِهِ كَالْمُرْتَهِنِ الْأَجْنَبِيِّ (وَلَا) يَصِحُّ (رَهْنُهُ لِغَيْرِهِ) أَيْ غَيْرِ الْمَرْهُونِ عِنْدَهُ لِمُزَاحِمَتِهِ حَقَّ الْأَوَّلِ فَيَفُوتُ مَقْصُودُ الرَّهْنِ.
وَأَمَّا الرَّهْنُ
وَلَا التَّزْوِيجُ.
وَلَا الْإِجَارَةُ
إنْ كَانَ الدَّيْنُ حَالًّا أَوْ يَحِلُّ قَبْلَهَا، وَلَا الْوَطْءُ
، فَإِنْ وَطِئَ فَالْوَلَدُ حُرٌّ، وَفِي نُفُوذِ الِاسْتِيلَادِ أَقْوَالُ الْإِعْتَاقِ، فَإِنْ لَمْ نُنَفِّذْهُ فَانْفَكَّ نَفَذَ فِي الْأَصَحِّ
،
[مغني المحتاج]
عِنْدَهُ فَتَقَدَّمَ الْخِلَافُ فِيهِ (وَلَا التَّزْوِيجُ) مِنْ غَيْرِهِ؛ لِأَنَّهُ يَقِلُّ الرَّغْبَةَ وَيُنْقِصُ الْقِيمَةَ، سَوَاءٌ فِي ذَلِكَ الْعَبْدُ وَالْأَمَةُ، زَوَّجَ الْأَمَةَ لِزَوْجِهَا الْأَوَّلِ أَمْ لِغَيْرِهِ، خَلِيَّةً كَانَتْ عِنْدَ الرَّاهِنِ أَمْ مُزَوَّجَةً.
فَإِنْ زَوَّجَ فَالنِّكَاحُ بَاطِلٌ؛ لِأَنَّهُ مَمْنُوعٌ مِنْهُ قِيَاسًا عَلَى الْبَيْعِ، وَأَمَّا التَّزْوِيجُ مِنْهُ فَيَصِحُّ كَمَا قَالَ الزَّرْكَشِيُّ، وَاحْتُرِزَ عَنْ الرَّجْعَةِ فَإِنَّهَا تَصِحُّ لِبَقَاءِ حَقُّ الزَّوْجُ (وَلَا الْإِجَارَةُ) مِنْ غَيْرِهِ.
(إنْ كَانَ الدَّيْنُ حَالًّا أَوْ يَحِلُّ قَبْلَهَا) أَيْ قَبْلَ انْقِضَاءِ مُدَّتِهَا؛ لِأَنَّهَا تُنْقِصُ الْقِيمَةَ وَتُقِلُّ الرَّغَبَاتِ عِنْدَ الْحَاجَةِ إلَى الْبَيْعِ، فَإِنْ حَلَّ بَعْدَهَا أَوْ مَعَ انْقِضَائِهَا صَحَّتْ إذَا كَانَ الْمُسْتَأْجِرُ ثِقَةً لِانْتِفَاءِ الْمَحْذُورِ حَالَةَ الْبَيْعِ وَيَصِحُّ أَيْضًا إذَا احْتَمَلَ التَّقَدُّمَ وَالتَّأَخُّرَ وَالْمُقَارَنَةَ أَوْ اثْنَيْنِ مِنْهَا كَمَا هُوَ قَضِيَّةُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ وَإِنْ قَالَ الْإِسْنَوِيُّ: فِيهِ نَظَرٍ.
أَمَّا الْإِجَارَةُ مِنْهُ فَتَصِحُّ وَيَسْتَمِرُّ الرَّهْنُ، وَخَرَجَ بِذَلِكَ الْإِعَارَةُ فَتَجُوزُ إذَا كَانَ الْمُسْتَعِيرُ ثِقَةً (وَلَا الْوَطْءُ) لِمَا فِيهِ مِنْ النَّقْصِ فِي الْبِكْرِ، وَخَوْفِ الْإِحْبَالِ فِيمَنْ تَحْبَلُ، وَحَسْمًا لِلْبَابِ فِي غَيْرِهَا.
نَعَمْ لَوْ خَافَ الزِّنَا لَوْ لَمْ يَطَأْ جَازَ لَهُ وَطْؤُهَا كَمَا بَحَثَهُ الْأَذْرَعِيُّ، وَاحْتُرِزَ بِالْوَطْءِ عَنْ بَقِيَّةِ التَّمَتُّعَاتِ كَاللَّمْسِ وَالْقُبْلَةِ فَيَجُوزُ كَمَا جَزَمَ بِهِ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَجَمَاعَةٌ، وَقَالَ الرُّويَانِيُّ وَجَمَاعَةٌ بِحُرْمَتِهَا خَوْفَ الْوَطْءِ.
قَالَ شَيْخُنَا وَغَيْرُهُ: وَقَدْ يَجْمَعُ بَيْنَهُمَا بِحَمْلِ الثَّانِي عَلَى مَا إذَا خَافَ الْوَطْءَ وَالْأَوَّلُ عَلَى مَا إذَا أَمِنَهُ اهـ. وَهُوَ جَمْعٌ حَسَنٌ.
، (فَإِنْ وَطِئَ) وَلَوْ عَالِمًا بِالتَّحْرِيمِ فَلَا حَدَّ عَلَيْهِ وَلَا مَهْرَ، وَإِذَا أَحْبَلَ (فَالْوَلَدُ حُرٌّ) نَسِيبٌ؛ لِأَنَّهَا عَلِقَتْ بِهِ فِي مِلْكِهِ.
وَعَلَيْهِ أَرْشُ الْبَكَارَةِ إنْ افْتَضَّهَا لِإِتْلَافِهِ جُزْءًا مِنْ الْمَرْهُونِ.
وَإِنْ شَاءَ قَضَاهُ مِنْ الدَّيْنِ أَوْ جَعَلَهُ رَهْنًا وَيُعَزَّرُ الْعَالِمُ بِالتَّحْرِيمِ (وَفِي نُفُوذِ الِاسْتِيلَادِ أَقْوَالُ الْإِعْتَاقِ) السَّابِقَةِ، أَظْهَرُهَا يَنْفُذُ مِنْ الْمُوسِرِ دُونَ الْمُعْسِرِ وَيَفْعَلُ فِي قِيمَتِهَا مَا تَقَدَّمَ، وَيُبَاعُ عَلَى الْمُعْسِرِ مِنْهَا بِقَدْرِ الدَّيْنِ وَإِنْ نَقَصَتْ بِالتَّشْقِيصِ رِعَايَةً لِحَقِّ الْإِيلَادِ بِخِلَافِ غَيْرِهَا مِنْ الْأَعْيَانِ الْمَرْهُونَةِ بَلْ يُبَاعُ كُلُّهُ دَفْعًا لِلضَّرَرِ عَنْ الْمَالِكِ، لَكِنْ لَا يُبَاعُ شَيْءٌ مِنْ الْمُسْتَوْلَدَةِ إلَّا بَعْدَ أَنْ تَضَعَ وَلَدَهَا؛ لِأَنَّهَا حَامِلٌ بِحُرٍّ وَبَعْدَ أَنْ تَسْقِيَهُ اللِّبَأَ وَيُوجَدَ مُرْضِعَةً خَوْفًا مِنْ أَنْ يُسَافِرَ بِهَا الْمُشْتَرِي فَيُهْلِكَ وَلَدَهَا.
وَإِنْ اسْتَغْرَقَهَا الدَّيْنُ أَوْ عُدِمَ مَنْ يَشْتَرِي الْبَعْضَ بِيعَتْ كُلُّهَا بَعْدَ مَا ذُكِرَ لِلْحَاجَةِ إلَيْهِ فِي الْأُولَى وَلِلضَّرُورَةِ فِي الثَّانِيَةِ وَلَيْسَ لِلرَّاهِنِ أَنْ يَهَبَهَا لِلْمُرْتَهِنِ بِخِلَافِ الْبَيْعِ؛ لِأَنَّ الْبَيْعَ إنَّمَا جُوِّزَ لِلضَّرُورَةِ (فَإِنْ لَمْ نُنَفِّذْهُ فَانْفَكَّ) الرَّهْنُ مِنْ غَيْرِ بَيْعٍ (نَفَذَ) الِاسْتِيلَادُ (فِي الْأَصَحِّ) بِخِلَافِ نَظِيرِهِ فِي الْإِعْتَاقِ؛ لِأَنَّهُ قَوْلٌ يَقْتَضِي الْعِتْقَ فِي
فَلَوْ مَاتَتْ بِالْوِلَادَةِ غَرِمَ قِيمَتَهَا رَهْنًا فِي الْأَصَحِّ، وَلَهُ كُلُّ انْتِفَاعٍ لَا يَنْقُصُهُ
كَالرُّكُوبِ وَالسُّكْنَى، لَا الْبِنَاءُ وَالْغِرَاسُ،
[مغني المحتاج]
الْحَالِ فَإِذَا رَدَّ لَغَا، وَالْإِيلَادُ فِعْلٌ لَا يُمْكِنُ رَدُّهُ، وَإِنَّمَا يُمْنَعُ حُكْمُهُ فِي الْحَالِ لِحَقِّ الْغَيْرِ.
فَإِذَا زَالَ حَقُّ الْغَيْرِ ثَبَتَ حُكْمُهُ، أَمَّا إذَا انْفَكَّ بِبَيْعٍ فَإِنَّ الْإِيلَادَ لَا يَنْفَكُّ إلَّا إذَا مَلَكَ الْأَمَةَ، وَلَوْ مَلَكَ بَعْضَهَا فَهَلْ يَسْرِي إلَى بَاقِيهَا إذَا كَانَ مُوسِرًا؟ لَمْ أَرَ مَنْ ذَكَرَهُ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ يَسْرِي كَمَنْ مَلَكَ بَعْضَ مَنْ يُعْتَقُ عَلَيْهِ، وَهُوَ نَظِيرُ الْمَسْأَلَةِ بِلَا شَكٍّ.
، (فَلَوْ مَاتَتْ) هَذِهِ الْأَمَةُ الَّتِي أَوْلَدَهَا الرَّاهِنُ (بِالْوِلَادَةِ) أَوْ نَقَصَتْ بِهَا، وَهُوَ مُعْسِرٌ حَالَ الْإِيلَادِ ثُمَّ أَيْسَرَ (غَرِمَ قِيمَتَهَا) وَقْتَ الْإِحْبَالِ فِي الْأُولَى تَكُونُ (رَهْنًا) مِنْ غَيْرِ إنْشَاءِ مَكَانِهَا، وَالْأَرْشُ فِي الثَّانِيَةِ يَكُونُ رَهْنًا مَعَهَا كَذَلِكَ (فِي الْأَصَحِّ) ؛ لِأَنَّهُ تَسَبَّبَ فِي هَلَاكِهَا أَوْ نَقْصِهَا بِالْإِحْبَالِ بِغَيْرِ اسْتِحْقَاقٍ، وَلَهُ أَنْ يَصْرِفَ ذَلِكَ فِي قَضَاءِ دَيْنِهِ، وَالثَّانِي لَا يَغْرَمُ لِبُعْدِ إضَافَةِ الْهَلَاكِ أَوْ النَّقْصِ إلَى الْوَطْءِ، وَيَجُوزُ كَوْنُهُ مِنْ عِلَلٍ وَعَوَارِضَ وَمَوْتِ أَمَةِ الْغَيْرِ بِالْوِلَادَةِ مِنْ وَطْءِ شُبْهَةٍ يُوجِبُ قِيمَتَهَا لِمَا مَرَّ لَا مِنْ وَطْءِ زِنًا وَلَوْ بِإِكْرَاهٍ؛ لِأَنَّهَا لَا تُضَافُ إلَى وَطْئِهِ؛ لِأَنَّ الشَّرْعَ قَطَعَ نَسَبَ الْوَلَدِ عَنْهُ؛ وَلَوْ وَطِئَ حُرَّةً بِشُبْهَةٍ فَمَاتَتْ بِالْوِلَادَةِ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ دِيَتُهَا؛ لِأَنَّ الْوَطْءَ سَبَبٌ ضَعِيفٌ، وَإِنَّمَا أَوْجَبْنَا الضَّمَانَ فِي الْأَمَةِ؛ لِأَنَّ الْوَطْءَ بِسَبَبِ الِاسْتِيلَاءِ عَلَيْهَا وَالْعُلُوقُ مِنْ آثَارِهِ فَأَدَمْنَا بِهِ الْيَدَ وَالِاسْتِيلَاءَ، وَالْحُرَّةُ لَا تَدْخُلُ تَحْتَ الْيَدِ وَالِاسْتِيلَاءِ، وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ فِي مَوْتِ زَوْجَتِهِ أَمَةً كَانَتْ أَوْ حُرَّةً بِالْوِلَادَةِ لِأَنَّهُ تَوَلَّدَ مِنْ مُسْتَحِقٍّ (وَلَهُ) أَيْ الرَّاهِنِ (كُلُّ انْتِفَاعٍ لَا يَنْقُصُهُ) أَيْ الْمَرْهُونِ، وَالْأَفْصَحُ تَخْفِيفُ الْقَافِ.
قَالَ تَعَالَى ﴿ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئًا﴾ [التوبة: 4] .
وَيَجُوزُ تَشْدِيدُهَا (كَالرُّكُوبِ) وَالِاسْتِخْدَامِ (وَالسُّكْنَى) لِخَبَرِ الدَّارَقُطْنِيّ وَالْحَاكِمِ «الرَّهْنُ مَرْكُوبٌ وَمَحْلُوبٌ» وَخَبَرِ الْبُخَارِيِّ «الظَّهْرُ يُرْكَبُ بِنَفَقَتِهِ إذَا كَانَ مَرْهُونًا» ، وَقِيسَ عَلَى ذَلِكَ مَا أَشْبَهَهُ كَلُبْسٍ وَإِنْزَاءِ فَحْلٍ عَلَى أُنْثَى يَحِلُّ الدَّيْنُ قَبْلَ ظُهُورِ حَمْلِهَا أَوْ تَلِدُ قَبْلَ حُلُولِهِ بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ يَحِلُّ قَبْلَ وِلَادَتِهَا أَوْ بَعْدَ ظُهُورِ حَمْلِهَا فَلَيْسَ لَهُ الْإِنْزَاءُ عَلَيْهَا لِامْتِنَاعِ بَيْعِهَا دُونَ حَمْلِهَا؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مَرْهُونٍ، وَإِذَا أَخَذَ الرَّاهِنُ الْمَرْهُونَ لِلِانْتِفَاعِ الْجَائِزِ فَتَلِفَ فِي يَدِهِ مِنْ غَيْرِ تَقْصِيرٍ لَمْ يُضَمِّنْهُ كَمَا قَالَهُ الرُّويَانِيُّ (لَا الْبِنَاءُ وَالْغِرَاسُ) فِي الْأَرْضِ الْمَرْهُونَةِ.
وَلَوْ كَانَ الدَّيْنُ مُؤَجَّلًا وَلَمْ يَلْتَزِمْ قَلَعَهُمَا عِنْدَ فَرَاغِ الْأَجَلِ لِنَقْصِ الْقِيمَةِ بِذَلِكَ.
فَإِنْ الْتَزَمَ ذَلِكَ جَازَ لَهُ كَمَا نَصَّ عَلَيْهِ فِي الْأُمِّ، وَجَرَى عَلَيْهِ الدَّارِمِيُّ، وَهُوَ كَمَا قَالَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ ظَاهِرٌ إذَا لَمْ
فَإِنْ فَعَلَ لَمْ يَقْلَعْ قَبْلَ الْأَجَلِ وَبَعْدَهُ إنْ لَمْ تَفِ الْأَرْضُ بِالدَّيْنِ وَزَادَتْ بِهِ.
ثُمَّ أَمْكَنَ الِانْتِفَاعُ بِغَيْرِ اسْتِرْدَادٍ لَمْ يَسْتَرِدَّ وَإِلَّا فَيَسْتَرِدُّ.
وَيُشْهِدُ
[مغني المحتاج]
يُحْدِثْ قَلْعُهُ نَقْصًا فِي الْأَرْضِ، وَلَا تَطُولُ مُدَّتُهُ بِحَيْثُ تَضُرُّ بِالْمُرْتَهِنِ وَلَهُ زِرَاعَةُ مَا يُدْرِكُهُ قَبْلَ حُلُولِ الدَّيْنِ أَوْ مَعَهُ كَمَا بَحَثَهُ شَيْخُنَا إنْ لَمْ يُنْقِصْ الزَّرْعُ قِيمَةَ الْأَرْضِ إذْ لَا ضَرَرَ عَلَى الْمُرْتَهِنِ، وَإِذَا حَلَّ الدَّيْنُ قَبْلَ إدْرَاكِهِ لِعَارِضٍ تُرِكَ إلَى الْإِدْرَاكِ (فَإِنْ) كَانَتْ قِيمَتُهَا تَنْقُصُ بِذَلِكَ أَوْ كَانَ الزَّرْعُ مِمَّا يُدْرَكُ بَعْدَ الْحُلُولِ أَوْ (فَعَلَ) الْبِنَاءَ وَالْغِرَاسَ (لَمْ يَقْلَعْ) مَا ذَكَرَ (قَبْلَ) حُلُولِ (الْأَجَلِ) لِاحْتِمَالِ قَضَاءِ الدَّيْنِ مِنْ غَيْرِ الْأَرْضِ (وَبَعْدَهُ) يُقْلَعُ (إنْ لَمْ تَفِ الْأَرْضُ) أَيْ قِيمَتُهَا (بِالدَّيْنِ وَزَادَتْ بِهِ) أَيْ الْقَلْعِ وَلَمْ يَأْذَنْ الرَّاهِنُ فِي بَيْعِهِ مَعَ الْأَرْضِ وَلَمْ يَحْجُرْ عَلَيْهِ بِفَلَسٍ لِتَعَلُّقِ حَقِّ الْمُرْتَهِنِ بِأَرْضٍ فَارِغَةٍ.
أَمَّا إذَا وَفَّتْ قِيمَةُ الْأَرْضِ بِالدَّيْنِ أَوْ لَمْ تَزِدْ بِالْقَلْعِ أَوْ أَذِنَ الرَّاهِنُ فِيمَا ذُكِرَ أَوْ حُجِرَ عَلَيْهِ فَلَا يَقْلَعُ بَلْ يُبَاعُ مَعَ الْأَرْضِ فِي الْأَخِيرَتَيْنِ وَيُوَزَّعُ الثَّمَنُ عَلَيْهِمَا وَيُحْسَبُ النَّقْصُ فِي الثَّالِثَةِ عَلَى الزَّرْعِ أَوْ الْبِنَاءِ أَوْ الْغِرَاسِ إنْ كَانَتْ قِيمَةُ الْأَرْضِ فِيهَا بَيْضَاءَ أَكْثَرَ مِنْ قِيمَتِهَا مَعَ مَا فِيهَا، وَلَيْسَ لِلرَّاهِنِ السَّفَرُ بِالْمَرْهُونِ وَإِنْ قَصَرَ سَفَرَهُ لِمَا فِيهِ مِنْ الْخَطَرِ بِلَا ضَرُورَةٍ.
فَإِنْ دَعَتْ ضَرُورَةٌ إلَى ذَلِكَ كَأَنْ جَلَا أَهْلُ بَلَدٍ لِخَوْفٍ أَوْ قَحْطٍ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ كَانَ لَهُ السَّفَرُ بِهِ.
(ثُمَّ إنْ أَمْكَنَ الِانْتِفَاعُ) بِالْمَرْهُونِ بِمَا أَرَادَهُ الرَّاهِنُ مِنْهُ (بِغَيْرِ اسْتِرْدَادٍ) لَهُ كَأَنْ يَرْهَنَ رَقِيقًا لَهُ صَنْعَةٌ يُمْكِنُهُ أَنْ يَعْمَلَهَا عِنْدَ الْمُرْتَهِنِ (لَمْ يَسْتَرِدَّ) مِنْ الْمُرْتَهِنِ لِأَجْلِ عَمَلِهَا عِنْدَهُ (وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ الِانْتِفَاعُ بِهِ بِغَيْرِ اسْتِرْدَادٍ كَأَنْ يَكُونَ دَارًا يَسْكُنُهَا أَوْ دَابَّةً يَرْكَبُهَا أَوْ عَبْدًا يَخْدُمُهُ (فَيَسْتَرِدُّ) لِلْحَاجَةِ إلَى ذَلِكَ.
نَعَمْ لَا يَسْتَرِدُّ الْجَارِيَةَ إلَّا إذَا أَمِنَ مِنْ غَشَيَانِهَا لِكَوْنِهِ مَحْرَمًا لَهَا أَوْ ثِقَةً وَلَهُ أَهْلٌ، ثُمَّ مَا لَا يَدُومُ اسْتِيفَاءُ مَنَافِعِهِ عِنْدَ الرَّاهِنِ يَرُدُّهُ عِنْدَ عَدَمِ الْحَاجَةِ إلَيْهِ فَيَرُدُّ عَبْدَ الْخِدْمَةِ وَالدَّابَّةَ إلَى الْمُرْتَهِنِ لَيْلًا وَيُرَدُّ الْحَارِسَ نَهَارًا.
تَنْبِيهٌ: ظَاهِرُ عِبَارَةِ الْمُصَنِّفِ تَشْمَلُ مَا لَوْ كَانَ الرَّقِيقُ يُحْسِنُ الْخِيَاطَةَ وَأَرَادَ السَّيِّدُ الرَّاهِنُ أَنْ يَأْخُذَهُ لِلْخِدْمَةِ أَنَّهُ لَا يُمَكَّنُ مِنْ أَخْذِهِ وَلَيْسَ مُرَادًا، فَلَوْ زَادَ مَا قَدَّرْتُهُ فِي كَلَامِهِ لَكَانَ أَوْلَى (وَيُشْهِدُ) الْمُرْتَهِنُ عَلَى الرَّاهِنِ بِالِاسْتِرْدَادِ لِلِانْتِفَاعِ فِي كُلِّ اسْتِرْدَادِهِ (إنْ اتَّهَمَهُ) شَاهِدَيْنِ كَمَا قَالَهُ الشَّيْخَانِ.
قَالَ فِي الْمَطْلَبِ: أَوْ رَجُلًا وَامْرَأَتَيْنِ؛ لِأَنَّهُ فِي الْمَالِ، وَقِيَاسُهُ الِاكْتِفَاءُ بِوَاحِدٍ لِيَحْلِفَ مَعَهُ، فَإِنْ وُثِقَ بِهِ لَمْ يُكَلَّفْ الْإِشْهَادَ.
قَالَ الشَّيْخَانِ: لَا كُلَّ مَرَّةٍ: أَيْ لَا يَشْهَدُ أَصْلًا فَهُوَ نَفْيٌ لِلْمُقَيَّدِ بِقَيْدِهِ كَقَوْلِهِمْ: لَا ضَبَّ فِيهَا يَنْحَجِرُ: أَيْ لَا ضَبَّ وَلَا انْحِجَارَ فَسَقَطَ مَا قِيلَ إنَّ ظَاهِرَ كَلَامِهِمَا الْإِشْهَادُ فِي بَعْضِ الْمَرَّاتِ، وَإِنَّهُ مُخَالِفٌ لِقَوْلِ الْحَاوِي: وَيَشْهَدُ لَهُمَا ظَاهِرُ الْعَدَالَةِ.
إنْ اتَّهَمَهُ
وَلَهُ بِإِذْنِ الْمُرْتَهِنِ مَا مَنَعْنَاهُ.
، وَلَهُ الرُّجُوعُ قَبْلَ تَصَرُّفِ الرَّاهِنِ، فَإِنْ تَصَرَّفَ جَاهِلًا بِرُجُوعِهِ فَكَتَصَرُّفِ وَكِيلٍ جَهِلَ عَزْلَهُ.
وَلَوْ أَذِنَ فِي بَيْعِهِ لِيُعَجِّلَ الْمُؤَجِّلَ مِنْ ثَمَنِهِ لَمْ يَصِحَّ الْبَيْعُ.
[مغني المحتاج]
فَرْعٌ لَا تُزَالُ يَدُ الْبَائِعِ عَنْ الْمَحْبُوسِ بِالثَّمَنِ لِاسْتِيفَاءِ مَنَافِعِهِ؛ لِأَنَّ مِلْكَ الْمُشْتَرِي غَيْرُ مُسْتَقَرٍّ بَلْ يَتَكَسَّبُ فِي يَدِهِ لِلْمُشْتَرِي (وَلَهُ) أَيْ الرَّاهِنِ (بِإِذْنِ الْمُرْتَهِنِ مَا مَنَعْنَاهُ) مِنْ التَّصَرُّفَاتِ وَالِانْتِفَاعَاتِ مِنْ غَيْرِ بَدَلٍ؛ لِأَنَّ الْمَنْعَ كَانَ لِحَقِّهِ وَقَدْ زَالَ بِإِذْنِهِ فَيَحِلُّ الْوَطْءُ، فَإِنْ لَمْ تَحْبَلْ فَالرَّهْنُ بِحَالِهِ، وَإِنْ أَحْبَلَهَا أَوْ أَعْتَقَ أَوْ بَاعَ أَوْ وَهَبَ نَفَذَ وَبَطَلَ الرَّهْنُ.
قَالَ فِي الذَّخَائِرِ: فَلَوْ أَذِنَ لَهُ فِي الْوَطْءِ فَوَطِئَ ثُمَّ أَرَادَ الْعَوْدَ إلَى الْوَطْءِ مُنِعَ، لِأَنَّ الْإِذْنَ يَتَضَمَّنُ مَرَّةً إلَّا أَنْ تَحْبَلَ مِنْ تِلْكَ الْوَطْأَةِ فَلَا مَنْعَ؛ لِأَنَّ الرَّهْنَ قَدْ بَطَلَ اهـ.
وَظَاهِرُ كَلَامِ الْأَصْحَابِ أَنَّ لَهُ الْوَطْءَ فِيمَنْ لَمْ تَحْبَلْ مَا لَمْ يَرْجِعْ الْمُرْتَهِنُ.
، (وَلَهُ) أَيْ الْمُرْتَهِنِ (الرُّجُوعُ) عَنْ الْإِذْنِ (قَبْلَ تَصَرُّفِ الرَّاهِنِ) ؛ لِأَنَّ حَقَّهُ بَاقٍ كَمَا لِلْمَالِكِ أَنْ يَرْجِعَ قَبْلَ تَصَرُّفِ الْوَكِيلِ (فَإِنْ تَصَرَّفَ) بَعْدَ رُجُوعِهِ بِغَيْرِ إعْتَاقٍ وَإِيلَادٍ وَهُوَ مُوسِرٌ (جَاهِلًا بِرُجُوعِهِ فَكَتَصَرُّفِ وَكِيلٍ جَهِلَ عَزْلَهُ) مِنْ مُوَكِّلِهِ، وَسَيَأْتِي فِي بَابِهِ أَنَّ الْأَصَحَّ عَدَمُ النُّفُوذِ، فَإِنْ كَانَ عَالِمًا بِرُجُوعِهِ فَلَا يَنْفُذُ قَطْعًا.
وَأَمَّا تَصَرُّفُهُ بِالْإِعْتَاقِ وَالْإِحْبَالِ إذَا كَانَ مُوسِرًا فَنَافِذٌ كَمَا عُلِمَ مِمَّا مَرَّ، وَلِلْمُرْتَهِنِ الرُّجُوعُ فِيمَا وَهَبَ الرَّاهِنُ أَوْ رُهِنَ بِإِذْنِ الْمُرْتَهِنِ قَبْلَ قَبْضِ الْمَوْهُوبِ أَوْ الْمَرْهُونِ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يَتِمُّ بِالْقَبْضِ، وَلَا رُجُوعَ لَهُ فِيمَا أَذِنَ لَهُ فِي بَيْعِهِ فِي زَمَنِ الْخِيَارِ؛ لِأَنَّ الْبَيْعَ مَبْنِيٌّ عَلَى اللُّزُومِ وَالْخِيَارُ دَخِيلٌ فِيهِ، إنَّمَا يَظْهَرُ أَثَرُهُ فِي حَقِّ مَنْ لَهُ الْخِيَارُ، وَمَتَى تَصَرَّفَ بِإِعْتَاقٍ أَوْ نَحْوِهِ وَادَّعَى الْإِذْنَ وَأَنْكَرَهُ الْمُرْتَهِنُ صُدِّقَ بِيَمِينِهِ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الْإِذْنَ وَبَقَاءُ الرَّهْنِ، فَإِنْ نَكَلَ حَلَفَ الرَّاهِنُ، وَكَانَ كَمَا لَوْ تَصَرَّفَ بِإِذْنِهِ، فَإِنْ لَمْ يَحْلِفْ الرَّاهِنُ وَكَانَ التَّصَرُّفُ بِالْعِتْقِ أَوْ الْإِيلَادِ حَلَفَ الْعَتِيقُ وَالْمُسْتَوْلَدَة، لِأَنَّهُمَا يُثْبِتَانِ الْحَقَّ لِأَنْفُسِهِمَا، بِخِلَافِهِ فِي نُكُولِ الْمُفْلِسِ أَوْ وَارِثِهِ حَيْثُ لَا يَحْلِفُ الْغُرَمَاءُ؛ لِأَنَّهُمْ يُثْبِتُونَ الْحَقَّ لِلْمُفْلِسِ أَوَّلًا.
(وَلَوْ أَذِنَ فِي بَيْعِهِ) أَيْ الْمَرْهُونُ فَبَاعَهُ وَالدَّيْنُ مُؤَجَّلٌ فَلَا شَيْءَ لَهُ عَلَى الرَّاهِنِ لِيَكُونَ رَهْنًا مَكَانَهُ لِبُطْلَانِ الرَّهْنِ، أَوْ حَالٌّ قُضِيَ حَقَّهُ مِنْ ثَمَنِهِ وَحُمِلَ إذْنُهُ الْمُطْلَقُ عَلَى الْبَيْعِ فِي غَرَضِهِ وَإِنْ أَذِنَ لَهُ فِي الْبَيْعِ أَوْ الْإِعْتَاقِ (لِيُعَجِّلَ الْمُؤَجِّلَ مِنْ ثَمَنِهِ) أَوْ مِنْ غَيْرِ الثَّمَنِ فِي الْبَيْعِ، أَوْ مِنْ قِيمَتِهِ، أَوْ مِنْ غَيْرِهَا فِي الْإِعْتَاقِ بِأَنْ شَرَطَ ذَلِكَ (لَمْ يَصِحَّ الْبَيْعُ) لِفَسَادِ الْإِذْنِ.
تَنْبِيهٌ: لَوْ عَبَّرَ الْمُصَنِّفُ بِقَوْلِهِ: بِشَرْطِ أَنْ يُعَجِّلَ كَمَا قَدَّرْتُهُ فِي كَلَامِهِ تَبَعًا لِلْمُحَرَّرِ
وَكَذَا لَوْ شَرَطَ رَهْنَ الثَّمَنِ فِي الْأَظْهَرِ.
فَصْلٌ إذَا لَزِمَ الرَّهْنُ فَالْيَدُ فِيهِ لِلْمُرْتَهِنِ وَلَا تُزَالُ إلَّا لِلِانْتِفَاعِ كَمَا سَبَقَ
وَلَوْ شَرَطَا وَضْعَهُ عِنْدَ عَدْلٍ جَازَ،
[مغني المحتاج]
وَالْحَاوِي لَكَانَ أَوَّلًا، فَإِنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ عِبَارَةِ الْمُصَنِّفِ الِاشْتِرَاطُ، وَقَدْ قَالَ السُّبْكِيُّ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ: الَّذِي يَظْهَرُ أَنَّهُ لَيْسَ بِشَرْطٍ فَلَا يُلْتَفَتُ إلَيْهِ، وَيَصِحُّ الْإِذْنُ وَالْبَيْعُ.
قَالَ: فَالْوَجْهُ حَمْلُهُ عَلَى أَنَّهُ صَرَّحَ بِالشَّرْطِ كَمَا صَوَّرَهُ الْأَصْحَابُ.
قَالَ: وَلَا شَكَّ أَنَّهُ لَوْ قَالَ: أَذِنْتُ لَكَ فِي بَيْعِهِ لِتَعَجُّلٍ وَنَوَى الِاشْتِرَاطَ كَانَ كَالتَّصْرِيحِ بِهِ، وَإِنَّمَا النَّظَرُ إذَا أَطْلَقَ هَلْ نَقُولُ ظَاهِرُهُ الشَّرْطُ أَوْ لَا؟ وَالْأَقْرَبُ الْمَنْعُ.
(وَكَذَا لَوْ شَرَطَ) فِي الْإِذْنِ فِي بَيْعِهِ أَوْ إعْتَاقِهِ (رَهْنَ الثَّمَنِ) أَوْ الْقِيمَةِ: أَيْ جَعْلَهُ مَرْهُونًا مَكَانَهُ لَمْ يَصِحَّ (فِي الْأَظْهَرِ) وَإِنْ كَانَ الدَّيْنُ حَالًّا لَمَا ذُكِرَ، وَفَسَادُ الشَّرْطِ كَجَهَالَةِ الثَّمَنِ عِنْدَ الْإِذْنِ، وَالثَّانِي: يَصِحُّ الْبَيْعُ وَيَلْزَمُ الرَّاهِنَ الْوَفَاءُ بِالشَّرْطِ وَلَا تَضُرُّ الْجَهَالَةُ فِي الْبَدَلِ؛ لِأَنَّ الرَّهْنَ قَدْ يَنْتَقِلُ مِنْ الْعَيْنِ إلَى الْبَدَلِ شَرْعًا كَمَا لَوْ أَتْلَفَ الْمَرْهُونَ فَجَازَ أَنْ يَنْتَقِلَ إلَيْهِ شَرْطًا.
وَلَوْ قَالَ الْمُرْتَهِنُ لِلرَّاهِنِ اضْرِبْ الْمَرْهُونَ فَضَرَبَهُ فَمَاتَ لَمْ يَضْمَنْ لِتَوَلُّدِهِ مِنْ مَأْذُونٍ فِيهِ، فَإِنْ قَالَ لَهُ: أَدِّبْهُ فَضَرَبَهُ فَمَاتَ فَعَلَيْهِ ضَمَانُهُ؛ لِأَنَّ الْمَأْذُونَ فِيهِ هُنَا لَيْسَ مُطْلَقَ الضَّرْبِ بَلْ ضَرْبُ تَأْدِيبٍ وَهُوَ مَشْرُوطٌ بِسَلَامَةِ الْعَاقِبَةِ، كَمَا لَوْ أَدَّبَ الزَّوْجُ زَوْجَتَهُ، أَوْ الْإِمَامُ إنْسَانًا كَمَا سَيَأْتِي إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فِي ضَمَانِ الْمُتْلَفَاتِ.
[فَصْلٌ فِيمَا يَتَرَتَّبُ عَلَى لُزُومِ الرَّهْنِ]
ِ (إذَا لَزِمَ الرَّهْنُ) بِالْإِقْبَاضِ (فَالْيَدُ فِيهِ) أَيْ الْمَرْهُونِ (لِلْمُرْتَهِنِ) ؛ لِأَنَّهَا الرُّكْنُ الْأَعْظَمُ فِي الْوُثُوقِ (وَلَا تُزَالُ إلَّا لِلِانْتِفَاعِ كَمَا سَبَقَ) وَهَذَا فِي الْغَالِبِ وَإِلَّا فَقَدْ لَا تَكُونُ لَهُ الْيَدُ، كَمَا لَوْ رَهَنَ رَقِيقًا مُسْلِمًا أَوْ مُصْحَفًا مِنْ كَافِرٍ أَوْ سِلَاحًا مِنْ حَرْبِيٍّ فَيُوضَعُ عِنْدَ مَنْ لَهُ تَمَلُّكُهُ، وَمَا لَوْ رَهَنَ أَمَةً فَإِنْ كَانَتْ صَغِيرَةً لَا تُشْتَهَى أَوْ كَانَ الْمُرْتَهِنُ مَحْرَمًا لَهَا، أَوْ ثِقَةً مِنْ امْرَأَةٍ، أَوْ مَمْسُوحٍ، أَوْ مِنْ أَجْنَبِيٍّ عِنْدَهُ حَلِيلَتُهُ أَوْ مَحْرَمُهُ، أَوْ امْرَأَتَانِ ثِقَتَانِ وُضِعَتْ عِنْدَهُ وَإِلَّا فَعِنْدَ مَحْرَمٍ لَهَا، أَوْ ثِقَةٍ مِمَّنْ مَرَّ، وَالْخُنْثَى كَالْأَمَةِ، لَكِنْ لَا يُوضَعُ عِنْدَ امْرَأَةٍ أَجْنَبِيَّةٍ.
(وَلَوْ شَرَطَا) أَيْ الرَّاهِنُ وَالْمُرْتَهِنُ (وَضْعَهُ) أَيْ الْمَرْهُونِ (عِنْدَ عَدْلٍ جَازَ) ؛ لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا قَدْ لَا يَثِقُ بِصَاحِبِهِ، وَكَمَا يَتَوَلَّى الْعَبْدُ الْحِفْظَ يَتَوَلَّى الْقَبْضَ أَيْضًا كَمَا اقْتَضَاهُ كَلَامُ ابْنِ الرِّفْعَةِ، وَخَرَجَ بِعَدْلِ الْفَاسِقُ فَلَا يُوضِعَانِهِ عِنْدَهُ إذَا كَانَا مُتَصَرِّفَيْنِ أَوْ أَحَدُهُمَا عَنْ الْغَيْرِ كَوَلِيٍّ وَوَكِيلٍ وَقَيِّمٍ
أَوْ عِنْدَ اثْنَيْنِ وَنَصَّا عَلَى اجْتِمَاعِهِمَا عَلَى حِفْظِهِ أَوْ الِانْفِرَادِ بِهِ فَذَاكَ.
وَإِنْ أَطْلَقَا فَلَيْسَ لِأَحَدِهِمَا الِانْفِرَادُ فِي الْأَصَحِّ.
وَلَوْ مَاتَ الْعَدْلُ أَوْ فَسَقَ جَعَلَاهُ حَيْثُ يَتَّفِقَانِ، وَإِنْ تَشَاحَّا وَضَعَهُ الْحَاكِمُ عِنْدَ عَدْلٍ.
[مغني المحتاج]
وَمَأْذُونٍ لَهُ، وَعَامِلِ قِرَاضٍ، وَمُكَاتَبٍ حَيْثُ يَجُوزُ لَهُمْ ذَلِكَ وَإِلَّا فَيَجُوزُ، وَعَلَى هَذَا يُحْمَلُ قَوْلُ الشَّرْحَيْنِ وَالرَّوْضَةِ عِنْدَ ثَالِثٍ، فَعِبَارَةُ الْمُصَنِّفِ أَوْلَى؛ لِأَنَّ مَفْهُومَهَا فِيهِ تَفْصِيلٌ، وَهُوَ لَا يُرَدُّ، وَالْقَوْلُ قَوْلُ الْعَدْلِ فِي دَعْوَى الْهَلَاكِ وَالرَّدِّ لِلْمُرْتَهِنِ، فَإِنْ أَتْلَفَهُ خَطَأً، أَوْ أَتْلَفَهُ غَيْرُهُ أُخِذَ مِنْهُ الْبَدَلُ وَحَفِظَهُ بِالْإِذْنِ الْأَوَّلِ، أَوْ أَتْلَفَهُ عَمْدًا أُخِذَ مِنْهُ الْبَدَلُ وَوُضِعَ عِنْدَ آخَرَ، وَلَوْ أَتْلَفَهُ مُكْرَهًا فَكَمَا لَوْ أَتْلَفَهُ خَطَأً.
قَالَ الْأَذْرَعِيُّ: وَلَوْ شَرَطَا وَضْعَهُ بَعْدَ اللُّزُومِ عِنْدَ الرَّاهِنِ صَحَّ كَمَا هُوَ مُقْتَضَى كَلَامِ ابْنِ الرِّفْعَةِ وَإِنْ اقْتَضَى كَلَامُ الْغَزَالِيِّ خِلَافَهُ (أَوْ عِنْدَ اثْنَيْنِ) مَثَلًا (وَنَصَّا عَلَى اجْتِمَاعِهِمَا عَلَى حِفْظِهِ أَوْ الِانْفِرَادِ بِهِ فَذَاكَ) ظَاهِرٌ أَنَّهُ يُتَّبَعُ الشَّرْطُ فِيهِ.
(وَإِنْ أَطْلَقَا فَلَيْسَ لِأَحَدِهِمَا الِانْفِرَادُ) بِحِفْظِهِ (فِي الْأَصَحِّ) كَنَظِيرِهِ فِي الْوَكَالَةِ وَالْوِصَايَةِ فَيَجْعَلَانِهِ فِي حِرْزٍ لَهُمَا كَمَا فِي النَّصِّ عَلَى اجْتِمَاعِهِمَا، فَإِنْ انْفَرَدَ أَحَدُهُمَا بِحِفْظِهِ ضَمِنَ نِصْفَهُ.
قَالَ فِي الْأَنْوَارِ: فَإِذَا سَلَّمَ أَحَدُهُمَا لِلْآخَرِ ضَمِنَا مَعًا النِّصْفَ.
وَالثَّانِي: لَهُ الِانْفِرَادُ لِمَا فِي اجْتِمَاعِهِمَا مِنْ الْمَشَقَّةِ، وَلِلْمَوْضُوعِ عِنْدَهُ الْمَرْهُونُ أَنْ يَرُدَّهُ عَلَى الْعَاقِدَيْنِ أَوْ إلَى وَكِيلِهِمَا، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَرُدَّهُ إلَى أَحَدِهِمَا بِلَا إذْنٍ، فَإِنْ غَابَا وَلَا وَكِيلَ لَهُمَا رَدَّهُ إلَى الْحَاكِمِ، فَإِنْ رَدَّهُ إلَى أَحَدِهِمَا بِلَا إذْنٍ مِنْ الْآخَرِ فَتَلِفَ ضَمِنَهُ وَالْقَرَارُ عَلَى الْقَابِضِ، وَلَوْ غَصَبَهُ الْمُرْتَهِنُ مِنْ الْعَدْلِ أَوْ غَصَبَ الْعَيْنَ شَخْصٌ مِنْ مُؤْتَمَنٍ كَمُودِعٍ ثُمَّ رَدَّهَا إلَى مَنْ غَصَبَهَا مِنْهُ بَرِيءَ، بِخِلَافِ مَنْ غَصَبَ مِنْ الْمُلْتَقِطِ اللُّقَطَةَ قَبْلَ تَمَلُّكِهَا ثُمَّ رَدَّهَا إلَيْهِ لَمْ يَبْرَأْ؛ لِأَنَّ الْمَالِكَ لَمْ يَأْمَنْهُ، وَلَوْ غَصَبَ الْعَيْنَ مِنْ ضَامِنٍ مَأْذُونٍ لَهُ كَالْمُسْتَعِيرِ ثُمَّ رَدَّهَا إلَيْهِ بَرِيءَ كَمَا جَزَمَ بِهِ صَاحِبُ الْأَنْوَارِ، وَلَا يُنْقَلُ الْمَرْهُونُ عِنْدَ آخَرَ إلَّا إنْ اتَّفَقَ الْعَاقِدَانِ عَلَيْهِ فَحِينَئِذٍ يَجُوزُ وَلَوْ بِلَا سَبَبٍ.
(وَلَوْ مَاتَ الْعَدْلُ) الْمَوْضُوعُ عِنْدَهُ (أَوْ فَسَقَ) أَوْ عَجَزَ عَنْ حِفْظِهِ أَوْ زَادَ فِسْقُ الْفَاسِقِ أَوْ حَدَثَتْ عَدَاوَةٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَحَدِهِمَا وَطَلَبَا أَوْ أَحَدُهُمَا نَقْلَهُ نُقِلَ، وَ (جَعَلَاهُ حَيْثُ يَتَّفِقَانِ) سَوَاءٌ كَانَ عَدْلًا أَمْ فَاسِقًا بِشَرْطِهِ الْمُتَقَدِّمِ (وَإِنْ تَشَاحَّا وَضَعَهُ الْحَاكِمُ عِنْدَ عَدْلٍ) يَرَاهُ؛ لِأَنَّهُ الْعَدْلِ قَطْعًا لِلنِّزَاعِ، وَلَوْ كَانَ فِي يَدِ الْمُرْتَهِنِ فَتَغَيَّرَ حَالُهُ فَكَتَغَيُّرِ حَالِ الْعَدْلِ.
فَإِنْ قِيلَ مَا صُورَةُ التَّشَاحُحِ؟ لِأَنَّهُ إنْ كَانَ قَبْلَ الْقَبْضِ فَالتَّسْلِيمُ غَيْرُ وَاجِبٍ وَإِجْبَارُ الْحَاكِمِ إنَّمَا يَكُونُ فِي وَاجِبٍ، وَإِنْ كَانَ بَعْدَهُ فَلَا يَجُوزُ نَزْعُهُ مِمَّنْ هُوَ فِي يَدِهِ إلَّا بِاتِّفَاقِهِمَا كَمَا مَرَّ.
أُجِيبَ بِأَنَّ صُورَتَهَا فِيمَا إذَا كَانَ الرَّهْنُ مَشْرُوطًا فِي بَيْعٍ أَوْ وَضَعَاهُ عِنْدَ عَدْلٍ فَفَسَقَ أَوْ مَاتَ كَمَا هُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ، وَكَانَ الْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ
وَيَسْتَحِقُّ بَيْعَ الْمَرْهُونِ عِنْدَ الْحَاجَةِ، وَيُقَدَّمُ الْمُرْتَهِنُ بِثَمَنِهِ وَيَبِيعُهُ الرَّاهِنُ أَوْ وَكِيلُهُ بِإِذْنِ الْمُرْتَهِنِ، فَإِنْ لَمْ يَأْذَنْ قَالَ لَهُ الْحَاكِمُ تَأْذَنُ أَوْ تُبْرِئُ، وَلَوْ طَلَبَ الْمُرْتَهِنُ بَيْعَهُ فَأَبَى الرَّاهِنُ أَلْزَمَهُ الْقَاضِي قَضَاءَ الدَّيْنِ أَوْ بَيْعَهُ، فَإِنْ أَصَرَّ بَاعَهُ الْحَاكِمُ.
[مغني المحتاج]
فَإِنْ تَشَاحَّا كَالرَّوْضَةِ لِيُشِيرَ إلَى التَّفْرِيعِ.
(وَيَسْتَحِقُّ بَيْعَ الْمَرْهُونِ عِنْدَ الْحَاجَةِ) لِوَفَاءِ الدَّيْنِ إنْ لَمْ يُوفَ مِنْ غَيْرِهِ (وَيُقَدَّمُ الْمُرْتَهِنُ بِثَمَنِهِ) عَلَى سَائِرِ الْغُرَمَاءِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ فَائِدَةُ الرَّهْنِ، وَكَذَا يَسْتَحِقُّ بَيْعَهُ فِي جِنَايَتِهِ وَعِنْدَ الْإِشْرَافِ عَلَى التَّلَفِ قَبْلَ الْحُلُولِ.
وَاسْتَنْبَطَ ابْنُ الرِّفْعَةِ مِنْ اسْتِحْقَاقِ الْبَيْعِ أَنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَى الرَّاهِنِ الْوَفَاءُ مِنْ غَيْرِ الرَّهْنِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْإِمَامُ وَرَدَّهُ السُّبْكِيُّ وَاخْتَارَ أَنَّهُ يَجِبُ الْوَفَاءُ: إمَّا مِنْ الرَّهْنِ، وَإِمَّا مِنْ غَيْرِهِ إذَا كَانَ أَسْرَعَ وَطَالَبَ الْمُرْتَهِنُ بِهِ فَإِنَّهُ يَجِبُ تَعْجِيلًا لِلْوَفَاءِ، وَهَذَا هُوَ الظَّاهِرُ (وَيَبِيعُهُ الرَّاهِنُ أَوْ وَكِيلُهُ بِإِذْنِ الْمُرْتَهِنِ) ؛ لِأَنَّ لَهُ فِيهِ حَقًّا (فَإِنْ لَمْ يَأْذَنْ) أَيْ الْمُرْتَهِنُ (قَالَ لَهُ الْحَاكِمُ: تَأْذَنُ) فِي بَيْعِهِ (أَوْ تُبْرِئُ) وَهُوَ بِمَعْنَى الْأَمْرِ: أَيْ ائْذَنْ أَوْ أَبْرِئْ دَفْعًا لِضَرَرِ الرَّاهِنِ (وَلَوْ طَلَبَ الْمُرْتَهِنُ بَيْعَهُ فَأَبَى الرَّاهِنُ) ذَلِكَ (أَلْزَمَهُ الْقَاضِي قَضَاءَ الدَّيْنِ أَوْ بَيْعَهُ، فَإِنْ أَصَرَّ) الرَّاهِنُ أَوْ الْمُرْتَهِنُ عَلَى الِامْتِنَاعِ أَوْ أَقَامَ الْمُرْتَهِنُ حُجَّةً بِالدَّيْنِ الْحَالِّ فِي غِيبَةِ الرَّاهِنِ (بَاعَهُ الْحَاكِمُ) عَلَيْهِ وَوُفِيَ الدَّيْنُ مِنْ ثَمَنِهِ دَفْعًا لِضَرَرِ الْآخَرِ، وَظَاهِرٌ أَنَّهُ لَا يَتَعَيَّنُ بَيْعُهُ فَقَدْ يَجِدُ لَهُ مَا يُوفِي بِهِ الدَّيْنَ مِنْ غَيْرِ ذَلِكَ.
وَقَدْ وَقَعَ أَنَّ شَخْصًا رَهَنَ دَارًا بِدَيْنٍ ثُمَّ غَابَ وَلَهُ دَارٌ أُخْرَى غَيْرُ مَرْهُونَةٍ فَادَّعَى الْمُرْتَهِنُ عَلَى الْغَائِبِ عِنْدَ حَاكِمٍ وَأَثْبَتَ الرَّهْنَ وَالدَّيْنَ وَكَانَتْ كُلٌّ مِنْ الدَّارَيْنِ يُمْكِنُ وَفَاءُ الدَّيْنِ مِنْ ثَمَنِهَا فَتَرَكَ الْقَاضِي الدَّارَ الْمَرْهُونَةَ وَبَاعَ الدَّارَ الَّتِي لَيْسَتْ بِمَرْهُونَةٍ فَاخْتَلَفَ الْمُفْتُونَ فِي ذَلِكَ، فَمِنْهُمْ مَنْ أَفْتَى بِالْجَوَازِ؛ لِأَنَّ الْوَاجِبَ الْوَفَاءُ مِنْ مَالِ الْمَدْيُونِ، فَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْمَرْهُونِ وَغَيْرِهِ كَمَا لَوْ لَمْ يَكُنْ بِالدَّيْنِ رَهْنٌ، وَمِنْهُمْ مَنْ أَفْتَى بِعَدَمِ الْجَوَازِ؛ لِأَنَّ بَيْعَ الْمَرْهُونِ مُسْتَحَقٌّ دُونَ غَيْرِهِ فَلَا وَجْهَ لِبَيْعِ غَيْرِهِ مَعَ إمْكَانِ بَيْعِهِ، وَأَوْلَى مِنْ ذَلِكَ مَا أَفْتَى بِهِ السُّبْكِيُّ مِنْ أَنَّ لِلْحَاكِمِ بِيعَ مَا يَرَى بَيْعَهُ مِنْ الْمَرْهُونِ وَغَيْرِهِ؛ لِأَنَّ لَهُ وِلَايَةً عَلَى الْغَائِبِ فَيَفْعَلُ مَا يَرَاهُ مَصْلَحَةً، فَإِنْ كَانَ لِلْغَائِبِ نَقْدٌ حَاضِرٌ مِنْ جِنْسِ الدَّيْنِ وَطَلَبَهُ الْمُرْتَهِنُ وَفَّاهُ مِنْهُ وَأَخَذَ الْمَرْهُونَ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ نَقْدٌ حَاضِرٌ وَكَانَ بَيْعُ الْمَرْهُونِ أَرْوَجَ وَطَلَبَهُ الْمُرْتَهِنُ بَاعَهُ دُونَ غَيْرِهِ، وَلَوْ بَاعَهُ الرَّاهِنُ عِنْدَ الْعَجْزِ عَنْ اسْتِئْذَانِ الْمُرْتَهِنِ وَالْحَاكِمِ صَحَّ كَمَا هُوَ قَضِيَّةُ كَلَامِ الْمَاوَرْدِيُّ، وَلَوْ لَمْ يَجِدْ الْمُرْتَهِنُ عِنْدَ غَيْبَةِ الرَّاهِنِ بَيِّنَةً أَوْ لَمْ يَكُنْ ثَمَّ حَاكِمٌ فِي الْبَلَدِ فَلَهُ بَيْعُهُ بِنَفْسِهِ كَالظَّافِرِ بِغَيْرِ جِنْسِ حَقِّهِ.
فَرْعٌ شَخْصٌ رَهَنَ عَيْنًا بِدَيْنٍ مُؤَجَّلٍ وَغَابَ مَنْ لَهُ الدَّيْنُ فَأَحْضَرَ الرَّاهِنُ الْمَبْلَغَ إلَى
وَلَوْ بَاعَهُ الْمُرْتَهِنُ بِإِذْنِ الرَّاهِنِ فَالْأَصَحُّ أَنَّهُ إنْ بَاعَ بِحَضْرَتِهِ صَحَّ وَإِلَّا فَلَا.
وَلَوْ شُرِطَ أَنْ يَبِيعَهُ الْعَدْلُ جَازَ، وَلَا يُشْتَرَطُ مُرَاجَعَةُ الرَّاهِنِ فِي الْأَصَحِّ، فَإِذَا بَاعَ فَالثَّمَنُ عِنْدَهُ مِنْ ضَمَانِ الرَّاهِنِ حَتَّى يَقْبِضُهُ الْمُرْتَهِنُ.
[مغني المحتاج]
الْحَاكِمِ وَطَلَبَ مِنْهُ قَبْضَهُ لَيَفُكَّ الرَّهْنَ هَلْ لَهُ ذَلِكَ؟ . أَجَابَ السُّبْكِيُّ بِأَنَّ لَهُ ذَلِكَ، وَهُوَ ظَاهِرٌ.
(وَلَوْ بَاعَهُ الْمُرْتَهِنُ بِإِذْنِ الرَّاهِنِ، فَالْأَصَحُّ أَنَّهُ إنْ بَاعَهُ بِحَضْرَتِهِ صَحَّ) الْبَيْعُ (وَإِلَّا فَلَا) يَصِحُّ؛ لِأَنَّهُ يَبِيعُهُ لِغَرَضِ نَفْسِهِ فَيُتَّهَمُ فِي الْغَيْبَةِ بِالِاسْتِعْجَالِ وَتَرْكِ التَّحَفُّظِ دُونَ الْحُضُورِ.
وَالثَّانِي: يَصِحُّ مُطْلَقًا كَمَا لَوْ أَذِنَ لَهُ فِي بَيْعِ غَيْرِهِ.
وَالثَّالِثُ: لَا يَصِحُّ مُطْلَقًا؛ لِأَنَّ الْإِذْنَ لَهُ فِيهِ تَوْكِيلٌ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِحَقِّهِ، إذْ الْمُرْتَهِنُ مُسْتَحِقٌّ لِلْبَيْعِ، وَمَحَلُّ هَذِهِ الْأَقْوَالِ إذَا كَانَ الدَّيْنُ حَالًّا وَلَمْ يُعَيَّنْ لَهُ الثَّمَنِ وَلَمْ يَقُلْ اسْتَوْفِ حَقَّكَ مِنْ ثَمَنِهِ فَإِنْ كَانَ الدَّيْنُ مُؤَجَّلًا صَحَّ جَزْمًا، أَوْ عَيَّنَ لَهُ الثَّمَنَ صَحَّ عَلَى غَيْرِ الثَّالِثِ لِانْتِفَاءِ التُّهْمَةِ، أَوْ قَالَ: بِعْهُ وَاسْتَوْفِ حَقَّكَ مِنْ ثَمَنِهِ لَمْ يَصِحَّ عَلَى غَيْرِ الثَّانِي لِوُجُودِ التُّهْمَةِ وَإِذْنِ الْوَارِثِ لِغُرَمَاءِ الْمَيِّتَ فِي بَيْعِ التَّرِكَةِ، وَالسَّيِّدِ لِلْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ فِي بَيْعِ الْجَانِي كَإِذْنِ الرَّاهِنِ لِلْمُرْتَهِنِ فِي بَيْعِ الْمَرْهُونِ.
(وَلَوْ شُرِطَ) بِضَمِّ أَوَّلِهِ (أَنْ يَبِيعَهُ) أَيْ الْمَرْهُونَ (الْعَدْلُ) عِنْدَ الْمَحِلِّ (جَازَ) وَصَحَّ هَذَا الشَّرْطُ (وَلَا يُشْتَرَطُ مُرَاجَعَةُ الرَّاهِنِ) فِي الْبَيْعِ (فِي الْأَصَحِّ) ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاءُ الْإِذْنِ الْأَوَّلِ.
وَالثَّانِي: تُشْتَرَطُ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ لَهُ غَرَضٌ فِي بَقَاءِ الْعَيْنِ وَقَضَاءِ الْحَقِّ مِنْ غَيْرِهَا، وَاحْتُرِزَ بِالرَّاهِنِ عَنْ الْمُرْتَهِنِ، فَيُشْتَرَطُ مُرَاجَعَتُهُ قَطْعًا كَمَا نَقَلَهُ الرَّافِعِيُّ عَنْ الْعِرَاقِيِّينَ، فَإِنَّهُ رُبَّمَا أَمْهَلَ أَوْ أَبْرَأَ، وَقَالَ الْإِمَامُ لَا خِلَافَ أَنَّهُ لَا يُرَاجَعُ؛ لِأَنَّ غَرَضَهُ تَوْفِيَةُ الْحَقِّ، وَالْمُعْتَمَدُ الْأَوَّلُ؛ لِأَنَّ إذْنَهُ فِي الْبَيْعِ قَبْلَ الْقَبْضِ لَا يَصِحُّ بِخِلَافِ الرَّاهِنِ، وَيَنْعَزِلُ الْعَدْلُ بِعَزْلِ الرَّاهِنِ وَمَوْتِهِ لَا الْمُرْتَهِنِ وَمَوْتِهِ، لِأَنَّهُ وَكِيلُهُ فِي الْبَيْعِ، وَإِذْنُ الْمُرْتَهِنِ شَرْطٌ فِي صِحَّتِهِ، لَكِنْ يَبْطُلُ إذْنُهُ بِعَزْلِهِ وَبِمَوْتِهِ، فَإِنْ جَدَّدَهُ لَهُ لَمْ يَشْتَرِطْ تَجْدِيدَ تَوْكِيلٍ الرَّاهِنِ لَهُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَنْعَزِلْ، وَإِنْ جَدَّدَ الرَّاهِنُ إذْنًا لَهُ بَعْدَ عَزْلِهِ لَهُ اُشْتُرِطَ إذْنُ الْمُرْتَهِنِ لِانْعِزَالِ الْعَدْلِ بِعَزْلِ الرَّاهِنِ (فَإِذَا بَاعَ) الْعَدْلُ وَقَبَضَ الثَّمَنَ (فَالثَّمَنُ عِنْدَهُ مِنْ ضَمَانِ الرَّاهِنِ) ؛ لِأَنَّهُ مِلْكُهُ وَالْعَدْلُ أَمِينُهُ، فَمَا تَلِفَ فِي يَدِهِ يَكُونُ مِنْ ضَمَانِ الْمَالِكِ وَيَسْتَمِرُّ ذَلِكَ (حَتَّى يَقْبِضُهُ الْمُرْتَهِنُ) فَإِنْ ادَّعَى الْعَدْلُ تَلَفَ الثَّمَنِ عِنْدَهُ وَلَمْ يُبَيِّنْ السَّبَبَ صُدِّقَ بِيَمِينِهِ، وَإِنْ بَيَّنَهُ فَفِيهِ التَّفْصِيلُ الْآتِي فِي الْوَدِيعَةِ، وَإِنْ ادَّعَى أَنَّهُ سَلَّمَهُ لِلْمُرْتَهِنِ فَأَنْكَرَ صُدِّقَ بِيَمِينِهِ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ التَّسْلِيمِ، وَإِذَا رَجَعَ بَعْدَ حَلِفِهِ عَلَى الرَّاهِنِ رَجَعَ الرَّاهِنُ عَلَى الْعَدْلِ، وَلَوْ صَدَّقَهُ فِي التَّسْلِيمِ أَوْ كَانَ قَدْ أَذِنَ لَهُ فِيهِ أَوْ لَمْ يَأْمُرْهُ بِالْإِشْهَادِ لِتَقْصِيرِهِ بِتَرْكِ الْإِشْهَادِ.
فَإِنْ قَالَ لَهُ: أَشْهَدْتُ وَغَابَ الشُّهُودُ أَوْ مَاتُوا فَصَدَّقَهُ الرَّاهِنُ أَوْ قَالَ لَهُ لَا تَشْهَدْ أَوْ
وَلَوْ تَلِفَ ثَمَنُهُ فِي يَدِ الْعَدْلِ ثُمَّ اسْتَحَقَّ الْمَرْهُونُ فَإِنْ شَاءَ الْمُشْتَرِي رَجَعَ عَلَى الْعَدْلِ، وَإِنْ شَاءَ عَلَى الرَّاهِنِ وَالْقَرَارُ عَلَيْهِ.
وَلَا يَبِيعُ الْعَدْلُ إلَّا بِثَمَنِ مِثْلِهِ حَالًّا مِنْ نَقْدِ بَلَدِهِ، فَإِنْ زَادَ رَاغِبٌ
[مغني المحتاج]
أَدَّى بِحَضْرَةِ الرَّاهِنِ لَمْ يَرْجِعْ لِاعْتِرَافِهِ لَهُ فِي الْأُولَتَيْنِ، وَلِإِذْنِهِ لَهُ فِي الثَّانِيَةِ، وَلِتَقْصِيرِهِ فِي الرَّابِعَةِ.
(وَلَوْ تَلِفَ ثَمَنُهُ فِي يَدِ الْعَدْلِ ثُمَّ اسْتَحَقَّ الْمَرْهُونُ) الْمَبِيعَ (فَإِنْ شَاءَ الْمُشْتَرِي رَجَعَ عَلَى الْعَدْلِ) لِوَضْعِ يَدِهِ عَلَيْهِ (وَإِنْ شَاءَ) رَجَعَ (عَلَى الرَّاهِنِ) لِإِلْجَائِهِ الْمُشْتَرِي شَرْعًا إلَى التَّسْلِيمِ لِلْعَدْلِ بِحُكْمِ تَوْكِيلِهِ (وَالْقَرَارُ عَلَيْهِ) أَيْ الرَّاهِنِ لِمَا ذُكِرَ فَيَرْجِعُ الْعَدْلُ بَعْدَ غُرْمِهِ عَلَيْهِ.
تَنْبِيهٌ: ظَاهِرُ كَلَامِهِ: أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ تَلَفِهِ بِتَفْرِيطٍ وَغَيْرِهِ، وَلَيْسَ مُرَادًا، بَلْ إذَا كَانَ بِتَقْصِيرٍ فَإِنَّهُ يَقْتَصِرُ فِي الضَّمَانِ عَلَيْهِ كَمَا قَالَ السُّبْكِيُّ: إنَّهُ الْأَقْرَبُ.
نَعَمْ إنْ نَصَّبَهُ الْحَاكِمُ لِلْبَيْعِ لِمَوْتِ الرَّاهِنِ أَوْ غَيْبَتِهِ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ طَرِيقًا فِي الضَّمَانِ حَيْثُ لَا تَقْصِيرَ؛ لِأَنَّهُ نَائِبُ الْحَاكِمِ، وَالْحَاكِمُ لَا يَضْمَنُ فَكَذَا هُوَ.
(وَلَا يَبِيعُ الْعَدْلُ) الْمَرْهُونَ (إلَّا بِثَمَنِ مِثْلِهِ حَالًّا مِنْ نَقْدِ بَلَدِهِ) كَالْوَكِيلِ، فَإِنْ أَخَلَّ بِشَيْءٍ مِنْهَا لَمْ يَصِحَّ الْبَيْعُ، لَكِنْ لَا يَضُرُّ النَّقْصُ عَنْ ثَمَنِ الْمِثْلِ بِمَا يَتَغَابَنُ بِهِ النَّاسُ؛ لِأَنَّهُمْ يَتَسَامَحُونَ فِيهِ.
قَالَ الْإِسْنَوِيُّ: وَالْمُتَّجَهُ إلْحَاقُ الرَّاهِنِ وَالْمُرْتَهِنِ بِهِ، وَرَدَّهُ الزَّرْكَشِيُّ بِأَنَّ الْحَقَّ لَهُمَا لَا يَعْدُوهُمَا، فَيَجُوزُ بِغَيْرِ ذَلِكَ بِخِلَافِ الْعَدْلِ، وَرُدَّ عَلَيْهِ بِأَنَّ الْكَلَامَ فِي كُلٍّ مِنْهُمَا مُنْفَرِدًا.
نَعَمْ مَحَلُّهُ فِي بَيْعِ الرَّاهِنِ كَمَا قَالَ الزَّرْكَشِيُّ فِيمَا إذَا نَقَصَ عَنْ الدَّيْنِ، فَإِنْ لَمْ يَنْقُصْ عَنْهُ، كَمَا لَوْ كَانَ الْمَرْهُونُ يُسَاوِي مِائَةً وَالدَّيْنُ عَشَرَةً، فَبَاعَهُ بِإِذْنِ الْمُرْتَهِنِ بِالْعَشَرَةِ صَحَّ، إذْ لَا ضَرَرَ عَلَى الْمُرْتَهِنِ فِي ذَلِكَ، وَلَوْ قَالَ الرَّاهِنُ لِلْعَدْلِ: لَا تَبِعْهُ إلَّا بِالدَّرَاهِمِ وَقَالَ الْمُرْتَهِنُ: لَا تَبِعْهُ إلَّا بِالدَّنَانِيرِ لَمْ يَبِعْ بِوَاحِدٍ مِنْهُمَا لِاخْتِلَافِهِمَا فِي الْإِذْنِ كَذَا أَطْلَقَهُ الشَّيْخَانِ، وَمَحَلُّهُ كَمَا قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: إذَا كَانَ لِلْمُرْتَهِنِ فِيهِ غَرَضٌ وَإِلَّا كَأَنْ كَانَ حَقُّهُ دَرَاهِمَ وَنَقْدُ الْبَلَدِ دَرَاهِمُ، وَقَالَ الرَّاهِنُ: بِعْهُ بِالدَّرَاهِمِ، وَقَالَ الْمُرْتَهِنُ: بِالدَّنَانِيرِ فَلَا يُرَاعَى خِلَافُهُ وَيُبَاعُ بِالدَّرَاهِمِ كَمَا قَطَعَ بِهِ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَالْمَاوَرْدِيُّ وَغَيْرُهُمَا، وَإِذَا امْتَنَعَ عَلَى الْعَدْلِ الْبَيْعُ بِوَاحِدٍ مِنْهُمَا بَاعَهُ الْحَاكِمُ بِنَقْدِ الْبَلَدِ وَأَخَذَ بِهِ حَقَّ الْمُرْتَهِنِ إنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ نَقْدِ الْبَلَدِ، أَوْ بَاعَ بِجِنْسِ الدَّيْنِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ نَقْدِ الْبَلَدِ إنْ رَأَى ذَلِكَ (فَإِنْ زَادَ) فِي الثَّمَنِ (رَاغِبٌ) يُوثَقُ بِهِ زِيَادَةً لَا يَتَغَابَنُ النَّاسُ بِمِثْلِهَا بَعْدَ لُزُومِ الْبَيْعِ لَمْ تُؤَثِّرْ وَلَكِنْ يُسْتَحَبُّ أَنْ يَسْتَقْبِلَ الْمُشْتَرِي لِيَبِيعَهُ بِالزِّيَادَةِ لِلرَّاغِبِ أَوْ لِلْمُشْتَرِي إنْ
قَبْلَ انْقِضَاءِ الْخِيَارِ فَلْيَفْسَخْ وَلْيَبِعْهُ.
وَمُؤْنَةُ الْمَرْهُونِ عَلَى الرَّاهِنِ، وَيُجْبَرُ عَلَيْهَا لِحَقِّ الْمُرْتَهِنِ عَلَى الصَّحِيحِ.
وَلَا يُمْنَعُ الرَّاهِنِ مِنْ مَصْلَحَةِ الْمَرْهُونِ كَفَصْدٍ وَحِجَامَةٍ،
[مغني المحتاج]
شَاءَ أَوْ زَادَ الرَّاغِبُ (قَبْلَ انْقِضَاءِ الْخِيَارِ) لِلْمَجْلِسِ أَوْ الشَّرْطِ (فَلْيَفْسَخْ) أَيْ الْعَدْلُ الْبَيْعَ (وَلْيَبِعْهُ) لَهُ أَوْ لِلْمُشْتَرِي إنْ شَاءَ، وَلَوْ بَاعَهُ ابْتِدَاءً مِنْ غَيْرِ فَسْخٍ صَحَّ وَكَانَ الْبَيْعُ فَسْخًا، وَهُوَ أَوْلَى؛ لِأَنَّهُ قَدْ يُفْسَخُ فَيَرْجِعُ الرَّاغِبُ، فَلَوْ لَمْ يَفْعَلْ مَا ذُكِرَ انْفَسَخَ؛ لِأَنَّ زَمَنَ الْخِيَارِ كَحَالَةِ الْعَقْدِ وَهُوَ يَمْتَنِعُ عَلَيْهِ أَنْ يَبِيعَهُ بِمِثْلِ الثَّمَنِ وَهُنَاكَ رَاغِبٌ بِزِيَادَةٍ، فَلَوْ رَجَعَ الرَّاغِبُ عَنْ الزِّيَادَةِ.
فَإِنْ كَانَ قَبْلَ التَّمْكِينِ مِنْ بَيْعِهِ فَالْبَيْعُ الْأَوَّلُ بِحَالِهِ وَإِلَّا بَطَلَ وَاسْتُؤْنِفَ مِنْ غَيْرِ افْتِقَارٍ إلَى إذْنٍ جَدِيدٍ إنْ كَانَ الْخِيَارُ لَهُمَا أَوْ لِلْبَائِعِ لِعَدَمِ انْتِقَالِ الْمِلْكِ وَإِلَّا فَلَا بُدَّ مِنْ إذْنٍ جَدِيدٍ.
(وَمُؤْنَةُ الْمَرْهُونِ) مِنْ نَفَقَةِ رَقِيقٍ وَكُسْوَتِهِ وَعَلَفِ دَابَّةٍ وَأُجْرَةِ سَقْيِ أَشْجَارٍ وَجِدَادِ ثِمَارٍ وَتَجْفِيفِهَا وَرَدِّ آبِقٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ (عَلَى الرَّاهِنِ) الْمَالِكِ بِالْإِجْمَاعِ إلَّا مَا رُوِيَ عَنْ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ: أَنَّهَا عَلَى الْمُرْتَهِنِ (وَيُجْبَرُ عَلَيْهَا لِحَقِّ الْمُرْتَهِنِ عَلَى الصَّحِيحِ) حِفْظًا لِلْوَثِيقَةِ، وَالثَّانِي لَا يُجْبَرُ عِنْدَ الِامْتِنَاعِ وَلَكِنْ يَبِيعُ الْقَاضِي جُزْءًا مِنْهُ فِيهَا بِحَسَبِ الْحَاجَةِ إلَّا أَنْ تَسْتَغْرِقَ الْمُؤْنَةُ الرَّهْنَ قَبْلَ الْأَجَلِ فَيُبَاعُ وَيُجْعَلُ ثَمَنُهُ رَهْنًا، وَعَلَى الْأَوَّلِ لَوْ غَابَ الْمَالِكُ أَوْ أَعْسَرَ فَكَهَرَبِ الْجَمَّالِ، وَسَيَأْتِي فِي الْإِجَارَةِ.
تَنْبِيهٌ: قَالَ الْإِسْنَوِيُّ قَوْلُهُ: وَيُجْبَرُ عَلَيْهَا إلَخْ حَشْوٌ لَا حَاجَةَ إلَيْهِ، بَلْ يُوهِمُ أَنَّ الْإِيجَابَ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، فَلَوْ حَذَفَهُ كَانَ أَصْوَبَ.
نَعَمْ لَوْ حَذَفَ الْوَاوَ مِنْ قَوْلِهِ وَيُجْبَرُ زَالَ الْإِيهَامُ خَاصَّةً اهـ.
وَهَذَا مَمْنُوعٌ، إذْ كَلَامُ الرَّوْضَةِ صَرِيحٌ فِي أَنَّ الْخِلَافَ فِي الْإِجْبَارِ وَعَدَمِهِ فَقَطْ، وَقَدْ مَرَّ أَنَّ كَوْنَ الْمُؤْنَةِ عَلَى الْمَالِكِ مَجْمَعٌ عَلَيْهِ إلَّا مَا حُكِيَ عَنْ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ.
فَإِنْ قِيلَ يُسْتَثْنَى مِنْ كَلَامِهِمْ الْمُؤَنُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِالْمُدَاوَاةِ كَالْفَصْدِ وَالْحِجَامَةِ وَتَوْدِيجِ الدَّابَّةِ، وَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الْفَصْدِ فِي الْآدَمِيِّينَ وَالْمُعَالَجَةِ بِالْأَدْوِيَةِ فَلَا تَجِبُ عَلَيْهِ؟ .
أُجِيبَ بِأَنَّ هَذِهِ لَا تُسَمَّى مُؤْنَةً فَلَمْ يَتَنَاوَلْهَا كَلَامُهُمْ، وَلِهَذَا ذَكَرَهَا الْمُصَنِّفُ عَقِبَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ.
(وَلَا يُمْنَعُ الرَّاهِنِ مِنْ مَصْلَحَةِ الْمَرْهُونِ: كَفَصْدٍ وَحِجَامَةٍ) وَمُعَالَجَةٍ بِالْأَدْوِيَةِ وَالْمَرَاهِمِ حِفْظًا لِمِلْكِهِ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى عَدَمِ دُخُولِهَا فِيمَا تَقَدَّمَ، وَلَهُ خِتَانُ الرَّقِيقِ إنْ لَمْ يَخَفْ مِنْهُ وَكَأَنْ يَنْدَمِلُ قَبْلَ الْحُلُولِ، سَوَاءٌ فِي ذَلِكَ الصَّغِيرُ وَالْكَبِيرُ كَمَا أَطْلَقَهُ الْجُمْهُورُ؛ لِأَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْهُ، وَالْغَالِبُ فِيهِ السَّلَامَةُ، وَلَهُ قَطْعُ السِّلْعَةِ وَالْيَدِ الْمُتَأَكِّلَةِ وَالْمُدَاوَاةُ إذَا غَلَبَتْ السَّلَامَةُ وَإِلَّا امْتَنَعَ عَلَيْهِ ذَلِكَ، وَلَهُ نَقْلُ الْمُزْدَحِمِ مِنْ النَّخْلِ إذَا قَالَ أَهْلُ الْخِبْرَةِ نَقْلُهَا أَنْفَعُ، وَقَطْعُ الْبَعْضِ مِنْهَا لِإِصْلَاحِ الْأَكْثَرِ،
وَهُوَ أَمَانَةٌ فِي يَدَ الْمُرْتَهِنَ، وَلَا يَسْقُطُ بِتَلَفِهِ شَيْءٌ مِنْ دَيْنِهِ.
وَحُكْمُ فَاسِدِ الْعُقُودِ حُكْمُ صَحِيحِهَا فِي الضَّمَانِ.
[مغني المحتاج]
وَالْمَقْطُوعُ مِنْهَا مَرْهُونٌ بِحَالِهِ، وَمَا يَحْدُثُ مِنْ سَعَفٍ وَجَرِيدٍ وَلِيفٍ غَيْرٌ مَرْهُونٍ، وَكَذَا مَا كَانَ ظَاهِرًا مِنْهَا عِنْدَ الْعَقْدِ كَالصُّوفِ بِظَهْرِ الْغَنَمِ، وَلَهُ رَعْيُ الْمَاشِيَةِ فِي الْأَمْنِ نَهَارًا وَيَرُدُّهَا إلَى الْمُرْتَهِنِ أَوْ الْعَدْلِ لَيْلًا، وَلَهُ أَنْ يَنْتَجِعَ بِهَا إلَى الْكَلَأِ وَنَحْوِهِ لِعَدَمِ الْكِفَايَةِ فِي مَكَانِهَا وَيَرُدُّهَا إلَى عَدْلٍ يَتَّفِقَانِ عَلَيْهِ أَوْ يَنْصِبُهُ الْحَاكِمُ، وَيَجُوزُ لِلْمُرْتَهِنِ الِانْتِجَاعُ بِهَا لِلضَّرُورَةِ كَمَا يَجُوزُ لَهُ نَقْلُ الْمَتَاعِ مِنْ بَيْتٍ غَيْرِ مُحَرَّزٍ إلَى مُحَرَّزٍ، فَإِنْ انْتَجَعَا إلَى مَكَان وَاحِدٍ فَذَاكَ، أَوْ إلَى مَكَانَيْنِ فَلْتَكُنْ مَعَ الرَّاهِنِ وَيَتَّفِقَانِ عَلَى عَدْلٍ يَبِيتُ عِنْدَهُ أَوْ يَنْصِبُهُ الْحَاكِمُ كَمَا مَرَّ (وَهُوَ) أَيْ الْمَرْهُونُ (أَمَانَةٌ فِي يَدَ الْمُرْتَهِنَ) لِخَبَرِ «الرَّهْنُ مِنْ رَاهِنِهِ» : أَيْ مِنْ ضَمَانِ رَاهِنِهِ «لَهُ غُنْمُهُ وَعَلَيْهِ غُرْمُهُ» . وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: وَهَذَا أَفْصَحُ مَا قَالَهُ الْعَرَبُ الشَّيْءُ مِنْ فُلَانٍ: أَيْ مِنْ ضَمَانِهِ، فَلَوْ شَرَطَ كَوْنَهُ مَضْمُونًا لَمْ يَصِحَّ الرَّهْنُ (وَلَا يَسْقُطُ بِتَلَفِهِ شَيْءٌ مِنْ دَيْنِهِ) كَمَوْتِ الْكَفِيلِ بِجَامِعِ التَّوَثُّقِ
تَنْبِيهٌ: قَوْلُهُ: وَلَا يَسْقُطُ بِالْوَاوِ أَحْسَنُ مِنْ حَذْفِهَا فِي الْمُحَرَّرِ وَالرَّوْضَةِ وَأَصْلِهَا؛ لِأَنَّهَا تَدُلُّ عَلَى ثُبُوتِ حُكْمِ الْأَمَانَةِ مُطْلَقًا، وَيَتَسَبَّبُ عَدَمُ السُّقُوطِ عَنْهَا، وَلَا يَلْزَمُهُ ضَمَانُهُ بِمِثْلٍ أَوْ قِيمَةٍ إلَّا إنْ اسْتَعَارَ الرَّاهِنُ أَوْ تَعَدَّى فِيهِ أَوْ مَنَعَ مِنْ رَدِّهِ بَعْدَ سُقُوطِ الدَّيْنِ وَالْمُطَالَبَةِ.
أَمَّا بَعْدَ سُقُوطِهِ وَقَبْلَ الْمُطَالَبَةِ فَهُوَ بَاقٍ عَلَى أَمَانَتِهِ.
فُرُوعٌ لَيْسَ لِلرَّاهِنِ أَنْ يَقُولَ لِلْمُرْتَهِنِ: أَحْضِرْ الْمَرْهُونَ وَأَنَا أَقْضِي دَيْنَك، إذْ لَا يَلْزَمُهُ الْإِحْضَارُ وَلَوْ بَعْدَ قَضَاءِ الدَّيْنِ، وَإِنَّمَا عَلَيْهِ التَّمْكِينُ كَالْمُودَعِ، وَالْإِحْضَارُ وَمَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ مِنْ مُؤْنَةٍ عَلَى رَبِّ الْمَالِ وَلَوْ قَالَ: خُذْ هَذَا الْكِيسَ وَاسْتَوْفِ حَقَّكَ مِنْهُ فَهُوَ أَمَانَةٌ فِي يَدِهِ إلَى أَنْ يَسْتَوْفِيَ، فَإِذَا اسْتَوْفَاهُ صَارَ مَضْمُونًا عَلَيْهِ، وَلَوْ قَالَ: خُذْهُ بِدَرَاهِمِكَ وَكَانَتْ الدَّرَاهِمُ الَّتِي فِيهِ مَجْهُولَةَ الْقَدْرِ أَوْ كَانَتْ أَكْثَرَ أَوْ أَقَلَّ مِنْ دَرَاهِمِهِ لَمْ يَمْلِكْهُ وَدَخَلَ فِي ضَمَانِهِ بِحُكْمِ الشِّرَاءِ الْفَاسِدِ، وَإِنْ كَانَتْ مَعْلُومَةً بِقَدْرِ حَقِّهِ مَلَكَهَا إذَا لَمْ يَكُنْ لِلْكِيسِ قِيمَةٌ وَإِلَّا فَهُوَ مِنْ قَاعِدَةِ مُدِّ عَجْوَةٍ.
(وَحُكْمُ فَاسِدِ الْعُقُودِ) الصَّادِرَةِ مِنْ رَشِيدٍ (حُكْمُ صَحِيحِهَا فِي الضَّمَانِ) وَعَدَمِهِ؛ لِأَنَّ الْعَقْدَ إنْ اقْتَضَى صَحِيحُهُ الضَّمَانَ بَعْدَ التَّسْلِيمِ كَالْبَيْعِ وَالْإِعَارَةِ فَفَاسِدُهُ أَوْلَى
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[مغني المحتاج]
أَوْ عَدَمَهُ كَالرَّهْنِ وَالْهِبَةِ بِلَا ثَوَابٍ وَالْعَيْنِ الْمُسْتَأْجَرَةِ فَفَاسِدَةٌ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّ وَاضِعَ الْيَدِ أَثْبَتَهَا بِإِذْنِ مَالِكِهَا وَلَمْ يَلْتَزِمْ بِالْعَقْدِ ضَمَانًا، وَالْمُرَادُ بِمَا ذُكِرَ التَّسْوِيَةُ فِي أَصْلِ الضَّمَانِ لَا فِي
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[مغني المحتاج]
الضَّامِنِ وَلَا فِي الْمِقْدَارِ فَإِنَّهُمَا قَدْ لَا يَسْتَوِيَانِ، وَخَرَجَ بِزِيَادَةِ الصَّادِرِ مِنْ رَشِيدٍ مَا لَوْ صَدَرَ مِنْ غَيْرِهِ مَا لَا يَقْتَضِي صَحِيحُهُ الضَّمَانَ فَإِنَّهُ مَضْمُونٌ.
وَاسْتُثْنِيَ مِنْ طَرْدِ هَذِهِ الْقَاعِدَةِ وَمِنْ
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[مغني المحتاج]
عَكْسِهَا مَسَائِلُ: فَمِنْ الْأَوَّلِ مَا إذَا قَالَ: قَارَضْتُكَ عَلَى أَنَّ الرِّبْحَ كُلَّهُ لِي فَهُوَ قِرَاضٌ فَاسِدٌ، وَلَا يَسْتَحِقُّ الْعَامِلُ أُجْرَةً، وَمَا لَوْ قَالَ: سَاقَيْتُكَ عَلَى أَنَّ الثَّمَرَةَ كُلَّهَا لِي فَهُوَ فَاسِدٌ وَلَا
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[مغني المحتاج]
يَسْتَحِقُّ الْعَامِلُ أُجْرَةً، وَالْأَوْلَى عَدَمُ اسْتِثْنَاءِ هَاتَيْنِ الصُّورَتَيْنِ؛ لِأَنَّهُمَا لَمْ يَدْخُلَا فِي هَذِهِ الْقَاعِدَةِ؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ بِهَا مَا يَقْتَضِي فَسَادُهُ ضَمَانَ الْعِوَضِ الْمَقْبُوضِ، وَالْمَالِكُ هُنَا لَمْ يَقْبِضْ
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[مغني المحتاج]
عِوَضًا فَاسِدًا وَالْعَامِلُ رَضِيَ بِإِتْلَافِ مَنَافِعِهِ وَبَاشَرَ إتْلَافَهَا.
وَمَا لَوْ صَدَرَ عَقْدُ الذِّمَّةِ مِنْ غَيْرِ الْإِمَامِ فَهُوَ فَاسِدٌ وَلَا جِزْيَةَ فِيهِ عَلَى الذِّمِّيِّ.
قَالَ ابْنُ السُّبْكِيّ: وَهَذِهِ لَا تُسْتَثْنَى أَيْضًا؛ لِأَنَّ
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[مغني المحتاج]
الْقَائِلَ بِعَدَمِ الْوُجُوبِ لَا يَقُولُ بِفَسَادِهَا، بَلْ يُجْعَلُ الصَّادِرُ لَغْوًا غَيْرَ عَقْدٍ صَحِيحٍ وَلَا فَاسِدٍ: أَيْ فَإِتْلَافُ الْحَرْبِيِّ غَيْرُ مَضْمُونٍ فَلَمْ يَلْزَمْهُ عِوَضُ الْمَنْفَعَةِ، كَمَا لَوْ دَخَلَ دَارَنَا وَأَقَامَ فِيهَا مُدَّةً
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[مغني المحتاج]
وَلَمْ يَعْلَمْ بِهِ الْإِمَامُ.
وَمِنْ الثَّانِي الشَّرِكَةُ فَإِنَّهُ لَا يَضْمَنُ كُلٌّ مِنْ الشَّرِيكَيْنِ عَمَلَ الْآخَرِ مَعَ صِحَّتِهَا وَيَضْمَنُهُ مَعَ فَاسِدِهَا، فَإِذَا خَلَطَا أَلْفًا بِأَلْفَيْنِ وَعَمِلَا فَصَاحِبُ الْأَلْفَيْنِ يَرْجِعُ عَلَى
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[مغني المحتاج]
صَاحِبِ الْأَلْفِ بِثُلُثِ أُجْرَةِ مِثْلِهِ، وَصَاحِبُ الْأَلْفِ يَرْجِعْ بِثُلُثَيْ أُجْرَتِهِ عَلَى صَاحِبِ الْأَلْفَيْنِ، وَأَمَّا لَوْ صَدَرَ الرَّهْنُ أَوْ الْإِجَارَةُ مِنْ مُتَعَدٍّ كَغَاصِبٍ فَتَلِفَتْ الْعَيْنُ فِي يَدِ الْمُرْتَهِنِ أَوْ الْمُسْتَأْجِرِ
وَلَوْ شَرَطَ كَوْنَ الْمَرْهُونِ مَبِيعًا لَهُ عِنْدَ الْحُلُولِ فَسَدَ، وَهُوَ قَبْلَ الْمَحِلِّ أَمَانَةٌ.
وَيُصَدَّقُ الْمُرْتَهِنُ فِي دَعْوَى التَّلَفِ بِيَمِينِهِ، وَلَا يُصَدَّقُ فِي الرَّدِّ عِنْدَ الْأَكْثَرِينَ.
وَلَوْ وَطِئَ الْمُرْتَهِنُ الْمَرْهُونَةَ بِلَا شُبْهَةٍ فَزَانٍ، وَلَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ جَهِلْتُ تَحْرِيمَهُ إلَّا أَنْ يَقْرُبَ إسْلَامُهُ أَوْ يَنْشَأَ بِبَادِيَةٍ بَعِيدَةٍ عَنْ الْعُلَمَاءِ
[مغني المحتاج]
فَلِلْمَالِكِ تَضْمِينُهُ، وَإِنْ كَانَ الْقَرَارُ عَلَى الْمُتَعَدِّي مَعَ أَنَّهُ لَا ضَمَانَ فِي صَحِيحِ الرَّهْنِ وَالْإِجَارَةِ، وَلَوْ قِيلَ فِي هَذِهِ الْقَاعِدَةِ: كُلُّ عَيْنٍ لَا تَعَدِّيَ فِيهَا وَكَانَتْ مَضْمُونَةً بِعَقْدٍ صَحِيحٍ كَانَتْ مَضْمُونَةً بِفَاسِدِ ذَلِكَ الْعَقْدِ وَمَا لَا فَلَا يُرَدُّ كَمَا قَالَ شَيْخِي وَغَيْرُهُ شَيْءٌ مِنْ هَذِهِ الْمُسْتَثْنَيَاتِ.
وَمِنْ فُرُوعِ هَذِهِ الْقَاعِدَةِ مَا ذَكَرَهُ بِقَوْلِهِ.
(وَلَوْ شَرَطَ كَوْنَ الْمَرْهُونِ مَبِيعًا لَهُ عِنْدَ الْحُلُولِ فَسَدَ) أَيْ الرَّهْنُ لِتَأْقِيتِهِ وَالْبَيْعُ لِتَعْلِيقِهِ (وَهُوَ) أَيْ الْمَرْهُونُ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ (قَبْلَ الْمَحِلِّ) بِكَسْرِ الْحَاءِ أَيْ وَقْتِ الْحُلُولِ (أَمَانَةٌ) ؛ لِأَنَّهُ مَقْبُوضٌ بِحُكْمِ الرَّهْنِ الْفَاسِدِ وَبَعْدَهُ مَضْمُونٌ بِحُكْمِ الشِّرَاءِ الْفَاسِدِ، وَاسْتَثْنَى الزَّرْكَشِيُّ مَا إذَا لَمْ يَمْضِ بَعْدَ زَمَنِ الْحُلُولِ زَمَنٌ يَتَأَتَّى فِيهِ الْقَبْضُ وَتَلِفَ فَلَا ضَمَانَ، وَمِنْ ذَلِكَ مَا لَوْ رَهَنَهُ أَرْضًا وَأَذِنَ لَهُ فِي غَرْسِهَا بَعْدَ شَهْرٍ فَهِيَ قَبْلَ الْغَرْسِ أَمَانَةٌ بِحُكْمِ الرَّهْنِ وَبَعْدَهُ عَارِيَّةٌ مَضْمُونَةٌ بِحُكْمِ الْعَارِيَّةِ.
تَنْبِيهٌ: قَدْ تَتَنَاوَلُ عِبَارَةُ الْمُصَنِّفِ مَا لَوْ عَلَّقَ ذَلِكَ عَلَى عَدَمِ الْقَضَاءِ فَقَالَ: رَهَنْتُكَ وَإِذَا لَمْ أَقْضِكَ عِنْدَ الْحُلُولِ فَهُوَ مَبِيعٌ مِنْكَ وَلَا شَكَّ فِي فَسَادِ الْبَيْعِ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ.
وَأَمَّا الرَّهْنُ فَالظَّاهِرُ كَمَا قَالَ السُّبْكِيُّ صِحَّتُهُ وَكَلَامُ الرُّويَانِيِّ يَقْتَضِيهِ، وَكَذَا إذَا لَمْ يَأْتِ بِذَلِكَ عَلَى سَبِيلِ الشَّرْطِ بَلْ رَهَنَهُ رَهْنًا صَحِيحًا وَأَقْبَضَهُ ثُمَّ قَالَ لَهُ: إذَا حَلَّ الْأَجَلُ فَهُوَ مَبِيعٌ مِنْك بِكَذَا فَقَبِلَ فَالْبَيْعُ بَاطِلٌ وَالرَّهْنُ صَحِيحٌ بِحَالِهِ.
.
(وَيُصَدَّقُ الْمُرْتَهِنُ فِي دَعْوَى التَّلَفِ بِيَمِينِهِ) إذَا لَمْ يَذْكُرْ سَبَبَهُ، فَإِنْ ذَكَرَهُ فَفِيهِ التَّفْصِيلُ الْآتِي فِي الْوَدِيعَةِ، وَالْمَقْصُودُ مِنْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ هُوَ عَدَمُ الضَّمَانِ وَلَمْ يُصَرِّحْ بِهِ الْمُصَنِّفُ وَإِلَّا فَالْمُتَعَدِّي كَالْغَاصِبِ يُصَدَّقُ بِيَمِينِهِ فِي ذَلِكَ (وَلَا يُصَدَّقُ فِي) دَعْوَى (الرَّدِّ) عَلَى الرَّاهِنِ (عِنْدَ الْأَكْثَرِينَ) ؛ لِأَنَّهُ قَبَضَهُ لِغَرَضِ نَفْسِهِ كَالْمُسْتَعِيرِ كَمَا أَنَّ الْمُسْتَأْجِرَ لَا يُصَدَّقُ فِي دَعْوَى الرَّدِّ عَلَى الْمُؤَجِّرِ لِذَلِكَ وَيُصَدَّقُ عِنْدَ غَيْرِهِمْ بِيَمِينِهِ كَالْمُودِعِ.
ضَابِطٌ: كُلُّ أَمِينٍ ادَّعَى الرَّدَّ عَلَى مَنْ ائْتَمَنَهُ يُصَدَّقُ بِيَمِينِهِ إلَّا الْمُرْتَهِنَ وَالْمُسْتَأْجِرَ.
(وَلَوْ وَطِئَ الْمُرْتَهِنُ الْمَرْهُونَةَ) مِنْ غَيْرِ إذْنِ الرَّاهِنِ (بِلَا شُبْهَةٍ) مِنْهُ (فَزَانٍ) فَعَلَيْهِ الْحَدُّ، وَيَجِبُ الْمَهْرُ إنْ أَكْرَهَهَا، بِخِلَافِ مَا إذَا طَاوَعَتْهُ (وَلَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ جَهِلْتُ تَحْرِيمَهُ) أَيْ الْوَطْءِ (إلَّا أَنْ يَقْرُبَ عَهْدُهُ بِالْإِسْلَامِ، أَوْ يَنْشَأَ بِبَادِيَةٍ بَعِيدَةٍ عَنْ الْعُلَمَاءِ) فَيُقْبَلَ قَوْلُهُ لِدَفْعِ الْحَدِّ؛ لِأَنَّهُ قَدْ
وَإِنْ وَطِئَ بِإِذْنِ الرَّاهِنِ قُبِلَ دَعْوَاهُ جَهْلَ التَّحْرِيمِ فِي الْأَصَحِّ فَلَا حَدَّ، وَيَجِبُ الْمَهْرُ إنْ أَكْرَهَهَا، وَالْوَلَدُ حُرٌّ نَسِيبٌ، وَعَلَيْهِ قِيمَتُهُ لِلرَّاهِنِ.
وَلَوْ أَتْلَفَ الْمَرْهُونَ وَقَبَضَ بَدَلَهُ صَارَ رَهْنًا،
[مغني المحتاج]
يَخْفَى عَلَيْهِ بِخِلَافِ غَيْرِهِ وَيَجِبُ الْمَهْرُ.
وَيُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ الْحُكْمُ كَذَلِكَ فِيمَا لَوْ كَانَتْ الْمَرْهُونَةُ لِأَبِيهِ أَوْ أُمِّهِ وَادَّعَى جَهْلَ تَحْرِيمِهَا عَلَيْهِ كَمَا نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ فِي الْأُمِّ، وَاحْتُرِزَ بِقَوْلِهِ: بِلَا شُبْهَةٍ عَمَّا إذَا ظَنَّهَا زَوْجَتَهُ أَوْ أَمَتَهُ فَإِنَّهُ لَا حَدَّ عَلَيْهِ وَيَجِبُ الْمَهْرُ.
قَالَ الْأَذْرَعِيُّ: إنْ أَرَادَ الْأَئِمَّةُ بِقُرْبِ الْإِسْلَامِ مَنْ قَدِمَ مِنْ دَارِ الْحَرْبِ وَنَحْوِهَا فَذَاكَ.
وَأَمَّا مُخَالِطُونَا مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ فَلَا يَنْقَدِحُ فَرْقٌ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْأَغْبِيَاءِ مِنْ عَوَامِّنَا، فَإِمَّا أَنْ يُصَدَّقُوا أَوْ لَا اهـ.
وَالظَّاهِرُ إطْلَاقُ كَلَامِ الْأَصْحَابِ، وَالْمُرَادُ جَهْلُ تَحْرِيمِ وَطْءِ الْمَرْهُونَةِ كَأَنْ قَالَ: ظَنَنْتُ أَنَّ الِارْتِهَانَ يُبِيحُ الْوَطْءَ وَإِلَّا فَكَدَعْوَى جَهْلِ تَحْرِيمِ الزِّنَا.
قَالَ الشَّارِحُ: وَقَوْلُهُ فَزَانٍ: أَيْ فَهُوَ زَانٍ كَمَا فِي الْمُحَرَّرِ جَوَابُ " لَوْ " بِمَعْنَى إنْ مُجَرَّدَةٍ عَنْ زَمَانٍ انْتَهَى، وَهُوَ جَوَابٌ عَمَّا يُقَالُ " لَوْ " نَفْسُهَا لَا تُجَابُ بِالْفَاءِ أَجَابَ بِأَنَّهُمْ أَجْرَوْهَا مَجْرَى إنْ، وَقَالَ: مُجَرَّدَةٌ عَنْ الزَّمَانِ؛ لِأَنَّهَا تَقْتَضِي الِاسْتِقْبَالَ، وَقَالَ: فَهُوَ زَانٍ؛ لِأَنَّ جَوَابَهَا لَا يَكُونُ إلَّا جُمْلَةً.
.
(وَإِنْ وَطِئَ بِإِذْنِ الرَّاهِنِ) الْمَالِكِ لَهَا (قُبِلَ دَعْوَاهُ جَهْلَ التَّحْرِيمِ) لِلْوَطْءِ مُطْلَقًا (فِي الْأَصَحِّ) ؛ لِأَنَّ التَّحْرِيمَ بَعْدَ الْإِذْنِ لَمَّا خَفِيَ عَلَى عَطَاءٍ مَعَ أَنَّهُ مِنْ عُلَمَاءِ التَّابِعِينَ لَا يَبْعُدُ خَفَاؤُهُ عَلَى الْعَوَامّ، وَالثَّانِي: لَا يُقْبَلُ لِبُعْدِ مَا يَدَّعِيهِ إلَّا أَنْ يَقْرُبَ عَهْدُهُ بِالْإِسْلَامِ أَوْ يَنْشَأَ بَعِيدًا عَنْ الْعُلَمَاءِ، وَإِذَا قُبِلَ قَوْلُهُ فِي ذَلِكَ (فَلَا حَدَّ) عَلَيْهِ، وَأَفْهَمَ كَلَامُهُمْ أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَدَّعِ الْجَهْلَ أَنَّهُ يُحَدُّ وَهُوَ كَذَلِكَ (وَيَجِبُ الْمَهْرُ إنْ أَكْرَهَهَا) أَوْ جَهِلَتْ التَّحْرِيمَ كَأَعْجَمِيَّةٍ لَا تَعْقِلُ (وَالْوَلَدُ حُرٌّ نَسِيبٌ) فِي هَذِهِ الصُّورَةِ وَفِي صُورَةِ انْتِفَاءِ الْحَدِّ السَّابِقَتَيْنِ لِأَنَّ الشُّبْهَةَ كَمَا تَدْرَأُ الْحَدَّ تُثْبِتُ النَّسَبَ وَالْحُرِّيَّةَ (وَعَلَيْهِ قِيمَتُهُ لِلرَّاهِنِ) لِتَفْوِيتِهِ الرِّقَّ عَلَيْهِ.
قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: وَيَنْبَغِي أَنْ يُسْتَثْنَى مِنْهُ مَا لَوْ كَانَ يُعْتَقُ عَلَى الرَّاهِنِ كَمَا سَيَأْتِي فِي نِكَاحِ الْأَمَةِ، وَإِذَا مَلَكَ الْمُرْتَهِنُ هَذِهِ الْأَمَةَ لَمْ تَصِرْ أُمَّ وَلَدٍ لَهُ؛ لِأَنَّهَا عَلِقَتْ بِهِ فِي غَيْرِ مِلْكِهِ.
نَعَمْ لَوْ كَانَ أَبًا لِلرَّاهِنِ صَارَتْ أُمَّ وَلَدٍ لَهُ بِالْإِيلَادِ كَمَا هُوَ مَعْلُومٌ فِي النِّكَاحِ، وَلَوْ ادَّعَى بَعْدَ الْوَطْءِ أَنَّهُ كَانَ مِلْكَهَا فَنَكَلَ الرَّاهِنُ وَحَلَفَ فَالْوَلَدُ رَقِيقٌ كَأُمِّهِ، فَإِنْ نَكَلَ الرَّاهِنُ فَحَلَفَ الْمُرْتَهِنُ أَوْ مَلَكَهَا صَارَتْ أُمَّ وَلَدٍ لَهُ، وَالْوَلَدُ حُرٌّ لِإِقْرَارِهِ كَمَا لَوْ أَقَرَّ بِحُرِّيَّةِ عَبْدِ غَيْرِهِ ثُمَّ مَلَكَهُ.
.
(وَلَوْ أَتْلَفَ الْمَرْهُونَ وَقَبَضَ بَدَلَهُ) أَوْ لَمْ يَقْبِضْ كَمَا فِي زِيَادَةِ الرَّوْضَةِ (صَارَ رَهْنًا) لِقِيَامِهِ مَقَامَهُ وَيُجْعَلُ فِي يَدِ مَنْ كَانَ الْأَصْلُ فِي يَدِهِ وَلَا يَحْتَاجُ إلَى إنْشَاءِ رَهْنٍ، بِخِلَافِ بَدَلِ الْمَوْقُوفِ إذَا أُتْلِفَ فَإِنَّ الْأَصَحَّ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ إنْشَاءِ الْوَقْفِ فِيهِ، وَالْفَرْقُ أَنَّ الْقِيمَةَ يَصِحُّ أَنْ
وَالْخَصْمُ فِي الْبَدَلِ الرَّاهِنُ، فَإِنْ لَمْ يُخَاصِمْ لَمْ يُخَاصِمْ الْمُرْتَهِنُ فِي الْأَصَحِّ.
فَلَوْ وَجَبَ قِصَاصٌ اقْتَصَّ الرَّاهِنُ وَفَاتَ الرَّهْنُ، فَإِنْ وَجَبَ الْمَالُ بِعَفْوِهِ أَوْ بِجِنَايَةِ خَطَإٍ لَمْ يَصِحَّ عَفْوُهُ عَنْهُ
[مغني المحتاج]
تَكُونَ رَهْنًا، وَلَا يَصِحُّ أَنْ تَكُونَ وَقْفًا، وَلَا يَضُرُّ كَوْنُهُ دَيْنًا قَبْلَ قَبْضِهِ فِي الثَّانِيَةِ، وَإِنْ اقْتَضَى كَلَامُ الْمُصَنِّفِ خِلَافَهُ؛ لِأَنَّ الدَّيْنَ إنَّمَا يَمْتَنِعُ رَهْنُهُ ابْتِدَاءً كَمَا مَرَّتْ الْإِشَارَةُ إلَيْهِ عِنْدَ شَرْطِ الْمَرْهُونِ كَوْنَهُ عَيْنًا (وَالْخَصْمُ فِي الْبَدَلِ) الْمَالِكُ (الرَّاهِنُ) أَوْ الْمُعِيرُ لِلْمَرْهُونِ؛ لِأَنَّهُ الْمَالِكُ لِلرَّقَبَةِ وَالْمَنْفَعَةِ (فَإِنْ لَمْ يُخَاصِمْ لَمْ يُخَاصِمْ الْمُرْتَهِنُ فِي الْأَصَحِّ) وَإِنْ تَعَلَّقَ حَقُّهُ بِمَا فِي الذِّمَّةِ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مَالِكٍ وَلَهُ إذَا خَاصَمَ الْمَالِكَ حُضُورُ خُصُومَتِهِ لِتَعَلُّقِ حَقِّهِ بِالْبَدَلِ، وَالثَّانِي: يُخَاصِمُ؛ لِأَنَّ حَقَّهُ تَعَلَّقَ بِمَا فِي الذِّمَّةِ، وَيَجْرِي الْخِلَافُ فِيمَا لَوْ غَصَبَ الْمَرْهُونَ، وَمَحَلُّ الْخِلَافِ إذَا تَمَكَّنَ الْمَالِكُ مِنْ الْمُخَاصَمَةِ.
أَمَّا لَوْ بَاعَ الْمَالِكُ الْعَيْنَ الْمَرْهُونَةَ فَلِلْمُرْتَهِنِ الْمُخَاصَمَةُ جَزْمًا كَمَا أَفْتَى بِهِ الْبُلْقِينِيُّ وَاسْتَظْهَرَهُ ابْنُ شُهْبَةَ.
(فَلَوْ) جَنَى رَقِيقٌ عَلَى الرَّقِيقِ الْمَرْهُونِ، وَ (وَجَبَ قِصَاصٌ اقْتَصَّ الرَّاهِنُ) مِنْهُ أَوْ عَفَا مَجَّانًا (وَفَاتَ الرَّهْنُ) لِفَوَاتِ مَحَلِّهِ بِلَا بَدَلٍ.
هَذَا إذَا كَانَتْ الْجِنَايَةُ فِي النَّفْسِ، فَإِذَا كَانَتْ فِي طَرَفٍ أَوْ نَحْوِهِ فَالرَّهْنُ بَاقٍ بِحَالِهِ، وَلَوْ أَعْرَضَ الرَّاهِنُ عَنْ الْقِصَاصِ وَالْعَفْوِ بِأَنْ سَكَتَ عَنْهُمَا لَمْ يُجْبَرْ عَلَى أَحَدِهِمَا؛ لِأَنَّهُ يَمْلِكُ إسْقَاطَهُ فَتَأْخِيرُهُ أَوْلَى (فَإِنْ وَجَبَ الْمَالُ بِعَفْوِهِ) عَنْ الْقِصَاصِ عَلَى مَالٍ (أَوْ بِجِنَايَةِ خَطَإٍ) أَوْ شِبْهِ عَمْدٍ أَوْ عَمْدٍ يُوجِبُ مَالًا لِعَدَمِ الْمُكَافَأَةِ مَثَلًا صَارَ الْمَالُ مَرْهُونًا وَلَوْ لَمْ يُقْبَضْ كَمَا مَرَّ (لَمْ يَصِحَّ عَفْوُهُ) أَيْ الرَّاهِنِ عَنْهُ لِتَعَلُّقِ حَقِّ الْمُرْتَهِنِ بِهِ.
تَنْبِيهٌ: قَوْلُ بَعْضِ الْمُتَأَخِّرِينَ: ثَمَّ مَحَلُّ كَوْنِ مَا ذُكِرَ رَهْنًا فِي الذِّمَّةِ إذَا كَانَ الْجَانِي غَيْرَ الرَّاهِنِ وَإِلَّا فَلَا يَصِيرُ مَرْهُونًا إلَّا بِالْغُرْمِ، إذْ لَا فَائِدَةَ فِي كَوْنِهِ مَرْهُونًا فِي ذِمَّتِهِ بِخِلَافِهِ فِي ذِمَّةِ غَيْرِهِ مَمْنُوعٌ إذْ فَائِدَتُهُ أَنَّهُ يُقَدَّمُ بِهِ عَلَى الْغُرَمَاءِ، وَقَوْلُ الْمَاوَرْدِيُّ: وَمَحَلُّ مَا ذُكِرَ فِي الْجِنَايَةِ إذَا نَقَصَتْ الْقِيمَةُ بِهَا وَلَمْ يَزِدْ الْأَرْشُ فَلَوْ لَمْ تَنْقُصْ بِهَا كَأَنْ قُطِعَ ذَكَرُهُ وَأُنْثَيَاهُ أَوْ نَقَصَتْ بِهَا، وَكَانَ الْأَرْشُ زَائِدًا عَلَى مَا نَقَصَ مِنْهَا فَازَ الْمَالِكُ بِالْأَرْشِ كُلِّهِ فِي الْأُولَى، وَبِالزَّائِدِ عَلَى مَا ذُكِرَ فِي الثَّانِيَةِ مَمْنُوعٌ أَيْضًا لِأَنَّ حَقَّ الْمُرْتَهِنِ تَعَلَّقَ بِذَلِكَ فَهُوَ كَمَا لَوْ زَادَ سِعْرُ الْمَرْهُونِ بَعْدَ رَهْنِهِ، وَلَوْ اقْتَصَرَ الْمُصَنِّفُ عَلَى قَوْلِهِ: فَإِنْ وَجَبَ الْمَالُ لِيَشْمَلَ مَا لَوْ وَجَبَ الْمَالُ ابْتِدَاءً بِجِنَايَةِ عَمْدٍ لَا قِصَاصَ فِيهَا كَمَا قَدَّرْتُهُ فِي كَلَامِهِ كَالْهَاشِمَةِ أَوْ لِكَوْنِ الْجَانِي
وَلَا إبْرَاءُ الْمُرْتَهِنِ الْجَانِي وَلَا يَسْرِي الرَّهْنُ إلَى زِيَادَتِهِ الْمُنْفَصِلَةِ كَثَمَرَةٍ وَوَلَدٍ
، فَلَوْ رَهَنَ حَامِلًا وَحَلَّ الْأَجَلُ وَهِيَ حَامِلٌ بِيعَتْ، وَإِنْ وَلَدَتْهُ بِيعَ مَعَهَا فِي الْأَظْهَرِ، فَإِنْ كَانَتْ حَامِلًا عِنْدَ الْبَيْعِ الرَّهْنِ فَالْوَلَدُ لَيْسَ بِرَهْنٍ فِي الْأَظْهَرِ.
[مغني المحتاج]
أَصْلًا لَكَانَ أَوْلَى.
.
(وَلَا) يَصِحُّ (إبْرَاءُ الْمُرْتَهِنِ الْجَانِي) لِأَنَّهُ غَيْرُ مَالِكٍ وَلَا يَسْقُطُ بِإِبْرَائِهِ حَقُّهُ مِنْ الْوَثِيقَةِ إلَّا إنْ أَسْقَطَهُ مِنْهَا (وَلَا يَسْرِي الرَّهْنُ إلَى زِيَادَتِهِ) أَيْ الْمَرْهُونِ (الْمُنْفَصِلَةِ كَثَمَرَةٍ وَوَلَدٍ) وَصُوفٍ وَلَبَنٍ وَبَيْضٍ وَمَهْرِ جَارِيَةٍ؛ لِأَنَّهُ عَقْدٌ لَا يُزِيلُ الْمِلْكَ عَنْ الرَّقَبَةِ فَلَا يَسْرِي إلَيْهَا كَالْإِجَارَةِ بِخِلَافِ الْمُتَّصِلَةِ كَسِمَنٍ وَكِبَرٍ وَتَعْلِيمٍ فَإِنَّهَا تَتْبَعُ الْأَصْلَ لِعَدَمِ تَمْيِيزِهَا.
، (فَلَوْ رَهَنَ حَامِلًا وَحَلَّ الْأَجَلُ وَهِيَ حَامِلٌ بِيعَتْ) كَذَلِكَ لِأَنَّا إنْ قُلْنَا الْحَمْلُ يُعْلَمُ وَهُوَ الْأَصَحُّ فَكَأَنَّهُ رَهَنَهُمَا مَعًا، وَإِلَّا فَقَدْ رَهَنَهَا وَالْحَمْلُ مَحْضُ صِفَةٍ.
تَنْبِيهٌ عِبَارَةُ الْمُحَرَّرِ، وَلَوْ رَهَنَ حَامِلًا وَمَسَّتْ الْحَاجَةُ إلَى الْبَيْعِ وَهِيَ حَامِلٌ بَعْدُ فَتُبَاعُ فِي الدَّيْنِ، وَهِيَ أَعَمُّ مِنْ عِبَارَةِ الْكِتَابِ لِشُمُولِهَا الْبَيْعَ فِي جِنَايَةٍ مَثَلًا (وَإِنْ وَلَدَتْهُ بِيعَ مَعَهَا فِي الْأَظْهَرِ) بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْحَمْلَ يُعْلَمُ فَهُوَ رَهْنٌ.
وَالثَّانِي: لَا يُبَاعُ مَعَهَا بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْحَمْلَ لَا يُعْلَمَ فَهُوَ كَالْحَادِثِ بَعْدَ الْعَقْدِ (وَإِنْ كَانَتْ L 6008 حَامِلًا عِنْدَ الْبَيْعِ دُونَ الرَّهْنِ فَالْوَلَدُ لَيْسَ بِرَهْنٍ فِي الْأَظْهَرِ) بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ يُعْلَمُ، وَالثَّانِي: نَعَمْ بِنَاءً عَلَى مُقَابِلِهِ فَيَتْبَعُ كَالصِّفَةِ.
تَنْبِيهٌ: قَضِيَّةُ كَلَامِهِ أَنَّ مُقَابِلَ الْأَظْهَرِ أَنَّ الْوَلَدَ يَكُونُ مَرْهُونًا، وَلَيْسَ مُرَادًا لِأَنَّهُ مُفَرَّعٌ عَلَى أَنَّ الْحَمْلَ لَا يُعْلَمُ فَكَيْفَ يُرْهَنُ؟ وَإِنَّمَا الْمُرَادُ أَنَّهُ يُبَاعُ مَعَهَا كَالسَّمْنِ، وَعَلَى الْأَوَّلِ يَتَعَذَّرُ بَيْعُهَا حَتَّى تَضَعَ.
قَالَ ابْنُ الْمُقْرِي تَبَعًا لِلْإِسْنَوِيِّ: إنْ تَعَلَّقَ بِهِ حَقٌّ ثَالِثٌ بِوَصِيَّةٍ أَوْ حَجْرِ فَلَسٍ أَوْ مَوْتٍ أَوْ تَعَلَّقَ الدَّيْنُ بِرَقَبَةِ أُمِّهِ دُونَهُ كَالْجَانِيَةِ وَالْمُعَارَةِ لِلرَّهْنِ أَوْ نَحْوِهَا؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ اسْتِثْنَاءَ الْحَمْلِ مُتَعَذَّرٌ وَتَوْزِيعَ الثَّمَنِ عَلَى الْأُمِّ، وَالْحَمْلِ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْحَمْلَ لَا تُعْرَفُ قِيمَتُهُ.
أَمَّا إذَا لَمْ يَتَعَلَّقْ بِهِ أَوْ بِهَا شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ فَإِنَّ الرَّاهِنَ يَلْزَمُ بِالْبَيْعِ أَوْ بِتَوْفِيَةِ الدَّيْنِ، فَإِذَا امْتَنَعَ مِنْ الْوَفَاءِ مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى أَجْبَرَهُ الْحَاكِمُ عَلَى بَيْعِهَا إنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ غَيْرُهَا.
ثُمَّ إنْ تَسَاوَى الثَّمَنُ وَالدَّيْنُ فَذَاكَ، وَإِنْ فَضَلَ مِنْ الثَّمَنِ شَيْءٌ أَخَذَهُ الْمَالِكُ، وَإِنْ نَقَصَ طُولِبَ بِالْبَاقِي، وَلَوْ رَهَنَ نَخْلَةً ثُمَّ أَطْلَعَتْ اُسْتُثْنِيَ طَلْعُهَا عِنْدَ بَيْعِهَا وَلَا يُمْنَعُ بَيْعُهَا مُطْلَقًا بِخِلَافِ الْحَامِلِ.
فَصْلٌ جَنَى الْمَرْهُونُ قُدِّمَ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ.
فَإِنْ اقْتَصَّ أَوْ بِيعَ لَهُ بَطَلَ الرَّهْنُ
، وَإِنْ جَنَى عَلَى سَيِّدِهِ فَاقْتَصَّ بَطَلَ.
وَإِنْ عُفِيَ عَلَى مَالٍ لَمْ يَثْبُتْ عَلَى الصَّحِيحِ فَيَبْقَى رَهْنًا.
[مغني المحتاج]
[فَصْلٌ إذَا جنى الْمَرْهُونُ جِنَايَةً تَتَعَلَّقُ بِرَقَبَتِهِ]
فَصْلٌ إذَا (جَنَى الْمَرْهُونُ) عَلَى أَجْنَبِيٍّ جِنَايَةً تَتَعَلَّقُ بِرَقَبَتِهِ (قُدِّمَ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ) عَلَى الْمُرْتَهِنِ؛ لِأَنَّهُ لَا حَقَّ لَهُ فِي غَيْرِ الرَّقَبَةِ، فَلَوْ قُدِّمَ الْمُرْتَهِنُ عَلَيْهِ لَضَاعَ حَقُّهُ.
وَأَمَّا الْمُرْتَهِنُ فَحَقُّهُ مُتَعَلِّقٌ بِهَا وَبِالذِّمَّةِ فَلَا يَفُوتُ بِفَوَاتِهَا، وَلَوْ أَمَرَهُ سَيِّدُهُ بِالْجِنَايَةِ وَهُوَ مُمَيِّزٌ فَلَا أَثَرَ لِإِذْنِهِ فِي شَيْءٍ إلَّا فِي الْإِثْمِ، أَوْ غَيْرِ مُمَيِّزٍ أَوْ أَعْجَمِيٍّ يَعْتَقِدُ وُجُوبَ طَاعَةِ سَيِّدِهِ فِي كُلِّ مَا يَأْمُرُهُ بِهِ وَالْجَانِي هُوَ السَّيِّدُ وَلَا يَتَعَلَّقُ بِرَقَبَةِ الْعَبْدِ قِصَاصٌ وَلَا مَالٌ وَلَا يُقْبَلُ قَوْلُ السَّيِّدِ أَنَا أَمَرْتُهُ بِالْجِنَايَةِ فِي حَقِّ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ يَتَضَمَّنُ قَطْعَ حَقِّهِ عَنْ الرَّقَبَةِ، بَلْ يُبَاعُ الْعَبْدُ فِيهَا وَعَلَى سَيِّدِهِ قِيمَتُهُ لِتَكُونَ رَهْنًا مَكَانَهُ لِإِقْرَارِهِ بِأَمْرِهِ بِالْجِنَايَةِ، وَأَمْرُ غَيْرِ السَّيِّدِ الْعَبْدَ بِالْجِنَايَةِ كَالسَّيِّدِ فِيمَا ذُكِرَ كَمَا ذَكَرُوهُ فِي الْجِنَايَاتِ، وَصَرَّحَ بِهِ الْمَاوَرْدِيُّ هُنَا.
(فَإِنْ اقْتَصَّ) الْمُسْتَحِقُّ فِي النَّفْسِ أَوْ غَيْرِهَا بِأَنْ أَوْجَبَتْ الْجِنَايَةُ قِصَاصًا (أَوْ بِيعَ) الْمَرْهُونُ كُلُّهُ أَوْ بَعْضُهُ (لَهُ) أَيْ لِحَقِّ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ بِأَنْ أَوْجَبَتْ الْجِنَايَةُ مَالًا أَوْ عَفَا عَلَى مَالٍ (بَطَلَ الرَّهْنُ) فِيمَا اقْتَصَّ أَوْ بِيعَ لِفَوَاتِ مَحَلِّهِ، نَعَمْ إنْ وَجَبَتْ قِيمَتُهُ كَأَنْ كَانَ تَحْتَ يَدِ غَاصِبٍ لَمْ يَفُتْ الرَّهْنُ بَلْ تَكُونُ قِيمَتُهُ رَهْنًا مَكَانَهُ فَلَوْ عَادَ الْمَبِيعُ إلَى مِلْكِ الرَّاهِنِ لَمْ يَكُنْ رَهْنًا.
تَنْبِيهٌ: قَدْ عُلِمَ مِنْ اقْتِصَارِهِ عَلَى الْقِصَاصِ وَالْبَيْعِ أَنَّهُ لَوْ سَقَطَ حَقُّ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ بِعَفْوٍ أَوْ فِدَاءٍ لَمْ يُبْطِلْ.
، (وَإِنْ جَنَى) الْمَرْهُونُ (عَلَى سَيِّدِهِ فَاقْتَصَّ بَطَلَ) الرَّهْنُ فِي الْمُقْتَصِّ نَفْسًا كَانَ أَوْ طَرَفًا كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي الْمُحَرَّرِ.
تَنْبِيهٌ: قَالَ الْإِسْنَوِيُّ: التَّاءُ فِي اقْتَصَّ مَفْتُوحَةٌ وَالضَّمِيرُ يَعُودُ إلَى الْمُسْتَحِقِّ فَيَشْمَلُ السَّيِّدَ وَالْوَارِثَ وَالسُّلْطَانُ فِيمَنْ لَا وَارِثَ لَهُ.
وَلَا يَصِحُّ ضَمُّهَا؛ لِأَنَّهُ لَا يَتَعَدَّى إلَّا بِمِنْ.
وَقَالَ الشَّارِحُ: بِضَمِّ التَّاءِ وَقَدَّرَ مِنْهُ وَالْأُولَى أَوْلَى لِسَلَامَتِهَا مِنْ التَّقْدِيرِ، وَلَكِنْ يُؤَيِّدُ الشَّارِحَ مَا يَأْتِي فِي ضَبْطِ عُفِيَ مِنْ قَوْلِهِ.
(وَإِنْ عُفِيَ عَلَى مَالٍ لَمْ يَثْبُتْ عَلَى الصَّحِيحِ) ؛ لِأَنَّ السَّيِّدَ لَا يَثْبُتُ لَهُ عَلَى عَبْدِهِ مَالٌ ابْتِدَاءً (فَيَبْقَى رَهْنًا) كَمَا كَانَ.
وَالثَّانِي: يَثْبُتُ الْمَالُ وَيُتَوَصَّلُ بِهِ إلَى فَكِّ الرَّهْنِ، وَمَحَلُّ الْخِلَافِ فِي غَيْرِ الْأَمَةِ الَّتِي اسْتَوْلَدَهَا السَّيِّدُ الْمُعْسِرُ.
أَمَّا هِيَ فَإِنَّ
وَإِنْ قَتَلَ مَرْهُونًا لِسَيِّدِهِ عِنْدَ آخَرَ فَاقْتَصَّ بَطَلَ الرَّهْنَانِ، وَإِنْ وَجَبَ مَالٌ تَعَلَّقَ بِهِ حَقُّ مُرْتَهِنِ الْقَتِيلِ، فَيُبَاعُ وَثَمَنُهُ رَهْنٌ، وَقِيلَ يَصِيرُ رَهْنًا.
فَإِنْ كَانَا مَرْهُونَيْنِ عِنْدَ شَخْصٍ بِدَيْنٍ وَاحِدٍ نَقَصَتْ الْوَثِيقَةُ،
[مغني المحتاج]
الِاسْتِيلَادَ لَا يَنْفُذُ فِي حَقِّ الْمُرْتَهِنِ وَلَا تُبَاعُ فِي الْجِنَايَةِ عَلَى السَّيِّدِ جَزْمًا، لِأَنَّ الْمُسْتَوْلَدَةَ لَوْ جَنَتْ عَلَى أَجْنَبِيٍّ لَا تُبَاعُ بَلْ يَفْدِيهَا السَّيِّدُ فَتَكُونُ جِنَايَتُهَا عَلَى سَيِّدِهَا فِي الرَّهْنِ كَالْعَدَمِ.
تَنْبِيهٌ: قَوْلُهُ عُفِيَ هُوَ بِضَمِّ الْعَيْنِ كَمَا نُقِلَ عَنْ خَطِّ الْمُصَنِّفِ لِيَشْمَلَ عَفْوَ السَّيِّدِ وَالْوَارِثِ لَكِنَّهُ مُعْتَرَضٌ مِنْ جِهَةِ اصْطِلَاحِهِ، فَإِنَّ الْخِلَافَ فِي عَفْوِ السَّيِّدِ وَجْهَانِ وَفِي عَفْوِ الْوَارِثِ قَوْلَانِ فَثُبُوتُ الْمَالِ فِي الْأَوَّلِ ضَعِيفٌ.
وَالثَّانِي: قَوِيٌّ وَأَتَى بِالْفَاءِ لِأَنَّهُ مُفَرَّعٌ عَلَى الصَّحِيحِ، وَعَلَى مُقَابِلِهِ هُوَ رَهْنٌ أَيْضًا، لَكِنْ يُبَاعُ فِي الْجِنَايَةِ وَيَبْطُلُ الرَّهْنُ، وَلَوْ جَنَى عَلَى سَيِّدِهِ خَطَأً كَانَ كَالْعَفْوِ، فَلَوْ قَالَ: وَإِنْ وُجِدَ سَبَبُ الْمَالِ لَكَانَ أَشْمَلَ.
.
(وَإِنْ قَتَلَ) الْمَرْهُونُ (مَرْهُونًا لِسَيِّدِهِ عِنْدَ) مُرْتَهِنٍ (آخَرَ فَاقْتَصَّ) السَّيِّدُ مِنْهُ (بَطَلَ الرَّهْنَانِ) لِفَوَاتِ مَحِلِّهِمَا (وَإِنْ) عُفِيَ عَلَى غَيْرِ مَالٍ صَحَّ كَمَا مَرَّ (وَإِنْ) عُفِيَ عَلَى مَالٍ أَوْ (وَجَبَ مَالٌ) بِجِنَايَةِ خَطَإٍ أَوْ نَحْوِهِ (تَعَلَّقَ بِهِ) أَيْ الْمَالِ (حَقُّ مُرْتَهَنِ الْقَتِيلِ) وَالْمَالُ مُتَعَلِّقٌ بِرَقَبَةِ الْقَاتِلِ (فَيُبَاعُ) إنْ لَمْ تَزِدْ قِيمَتُهُ عَلَى الْوَاجِبِ بِالْقَتْلِ (وَثَمَنُهُ) إنْ لَمْ يَزِدْ عَلَى الْوَاجِبِ (رَهْنٌ) وَإِلَّا فَقَدْرُ الْوَاجِبِ مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ يَصِيرُ نَفْسُهُ رَهْنًا (وَقِيلَ يَصِيرُ رَهْنًا) وَلَا يُبَاعُ؛ لِأَنَّهُ لَا فَائِدَةَ فِي الْبَيْعِ إذَا كَانَ الْوَاجِبُ أَكْثَرَ مِنْ قِيمَتِهِ أَوْ مِثْلَهَا وَدُفِعَ بِأَنَّ حَقَّ الْمُرْتَهِنِ فِي مَالِيَّتِهِ لَا فِي عَيْنِهِ؛ وَلِأَنَّهُ قَدْ يَرْغَبُ فِيهِ بِزِيَادَةٍ فَيَتَوَثَّقُ مُرْتَهِنُ الْقَاتِلِ بِهَا، فَإِنْ كَانَ الْوَاجِبُ أَقَلَّ مِنْ قِيمَتِهِ فَعَلَى الْأَوَّلِ يُبَاعُ مِنْهُ بِقَدْرِ الْوَاجِبِ وَيَبْقَى الْبَاقِي رَهْنًا، فَإِنْ تَعَذَّرَ بَيْعُ بَعْضِهِ أَوْ نَقَصَ بِهِ بَيْعُ الْكُلِّ وَصَارَ الزَّائِدُ رَهْنًا عِنْدَ مُرْتَهِنِ الْقَتِيلِ، وَعَلَى الثَّانِي يَنْتَقِلُ مِنْ الْقَاتِلِ بِقَدْرِ الْوَاجِبِ إلَى مُرْتَهِنِ الْقَتِيلِ.
تَنْبِيهٌ: مَحَلُّ الْخِلَافِ إذَا طَلَبَ الرَّاهِنُ النَّقْلَ وَمُرْتَهِنُ الْقَتِيلِ الْبَيْعَ فَأَيُّهُمَا يُجَابُ؟ فِيهِ الْوَجْهَانِ: أَمَّا إذَا طَلَبَ الرَّاهِنُ الْبَيْعَ وَمُرْتَهِنُ الْقَتِيلِ النَّقْلَ، فَالْمُجَابُ الرَّاهِنُ إذْ لَا حَقَّ لِلْمُرْتَهِنِ فِي عَيْنِهِ، وَلَوْ اتَّفَقَ الرَّاهِنُ وَالْمُرْتَهِنَانِ عَلَى أَحَدِ الطَّرَفَيْنِ فَهُوَ الْمَسْلُوكُ قَطْعًا أَوْ الرَّاهِنُ وَمُرْتَهِنُ الْقَتِيلِ عَلَى نَقْلِ الْقَاتِلِ أَوْ بَعْضِهِ إلَى الْمُرْتَهِنِ لِيَكُونَ رَهْنًا فَلَيْسَ لِمُرْتَهِنِ الْقَاتِلِ الْمُنَازَعَةُ وَطَلَبُ الْبَيْعِ؛ لِأَنَّهُ فَائِدَةٌ لَهُ فِي ذَلِكَ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: وَمُقْتَضَى التَّعْلِيلِ بِتَوَقُّعِ رَاغِبٍ أَنَّهُ لَهُ ذَلِكَ.
(فَإِنْ كَانَا) أَيْ الْقَاتِلُ وَالْمَقْتُولُ (مَرْهُونَيْنِ عِنْدَ شَخْصٍ) أَوْ أَكْثَرَ (بِدَيْنٍ وَاحِدٍ نَقَصَتْ الْوَثِيقَةُ) بِفَتْحِ النُّونِ وَالصَّادِ الْمُهْمَلَةِ كَمَا لَوْ مَاتَ أَحَدُهُمَا.
أَوْ بِدَيْنَيْنِ
وَفِي نَقْلِ الْوَثِيقَةِ غَرَضٌ نُقِلَتْ.
وَلَوْ تَلِفَ مَرْهُونٌ بِآفَةٍ بَطَلَ.
وَيَنْفَكُّ بِفَسْخِ الْمُرْتَهِنِ
[مغني المحتاج]
تَنْبِيهٌ: لَوْ قَالَ عِنْدَ مُسْتَحِقٍّ لَكَانَ أَوْلَى لِيَشْمَلَ مَا قَدَّرْتُهُ إذْ لَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ الْوَاحِدِ وَغَيْرِهِ (أَوْ بِدَيْنَيْنِ) عِنْدَ شَخْصٍ وَتَعَلَّقَ الْمَالُ بِرَقَبَةِ الْقَاتِلِ.
، (وَفِي نَقْلِ الْوَثِيقَةِ) بِهِ إلَى دَيْنِ الْقَتِيلِ (غَرَضٌ) أَيْ فَائِدَةٌ لِلْمُرْتَهِنِ (نُقِلَتْ) وَإِلَّا فَلَا، فَلَوْ كَانَ أَحَدُ الدَّيْنَيْنِ حَالًّا وَالْآخَرُ مُؤَجَّلًا أَوْ كَانَ أَحَدُهُمَا أَطْوَلَ أَجَلًا مِنْ الْآخَرِ فَلِلْمُرْتَهِنِ التَّوَثُّقُ بِثَمَنِ الْقَاتِلِ لِدَيْنِ الْقَتِيلِ، فَإِنْ كَانَ حَالًّا فَالْفَائِدَةُ اسْتِيفَاؤُهُ مِنْ ثَمَنِ الْقَاتِلِ فِي الْحَالِّ أَوْ مُؤَجَّلًا فَقَدْ تَوَثَّقَ وَيُطَالِبُ بِالْحَالِّ وَإِنْ اتَّفَقَ الدَّيْنَانِ قَدْرًا وَحُلُولًا وَتَأْجِيلًا وَقِيمَةُ الْقَتِيلِ أَكْثَرُ مِنْ قِيمَةِ الْقَاتِلِ أَوْ مُسَاوِيَةً لَهَا لَمْ تُنْقَلْ الْوَثِيقَةُ لِعَدَمِ الْفَائِدَةِ، وَإِنْ كَانَتْ قِيمَةُ الْقَاتِلِ أَكْثَرَ نُقِلَ مِنْهُ قَدْرُ قِيمَةِ الْقَتِيلِ، وَحَيْثُ قِيلَ بِالنَّقْلِ لِلْقَاتِلِ أَوْ بَعْضِهِ فَالْمُرَادُ بِهِ أَنَّهُ يُبَاعُ وَيَصِيرُ ثَمَنُهُ رَهْنًا مَكَانَ الْقَتِيلِ لَا رَقَبَتُهُ لِمَا مَرَّ، وَلَوْ اخْتَلَفَ جِنْسُ الدَّيْنَيْنِ: بِأَنْ كَانَ أَحَدُهُمَا دَنَانِيرَ وَالْآخَرُ دَرَاهِمَ وَاسْتَوَيَا فِي الْمَالِيَّةِ بِحَيْثُ لَوْ قُوِّمَ أَحَدُهُمَا بِالْآخَرِ لَمْ يَزِدْ وَلَمْ يَنْقُصْ لَمْ يُؤَثِّرْ خِلَافًا لِمَا وَقَعَ فِي الْوَسِيطِ مِنْ تَأْثِيرِهِ، فَقَدْ قَالَ الشَّيْخَانِ: إنَّهُ مُخَالِفٍ لِنَصِّ الشَّافِعِيِّ وَالْأَصْحَابِ كُلِّهِمْ، وَلَا أَثَرَ لِاخْتِلَافِهِمَا فِي الِاسْتِقْرَارِ وَعَدَمِهِ: كَأَنْ يَكُونَ أَحَدُهُمَا عِوَضَ مَبِيعٍ قَبْلَ الْقَبْضِ أَوْ صَدَاقًا قَبْلَ الدُّخُولِ وَالْآخَرُ بِخِلَافِهِ، وَلَوْ كَانَ بِأَحَدِهِمَا ضَامِنٌ فَطَلَبَ الْمُرْتَهِنُ نَقْلَ الْوَثِيقَةِ مِنْ الدَّيْنِ الَّذِي بِالضَّمَانِ إلَى الْآخَرِ حَتَّى يَحْصُلَ لَهُ التَّوَثُّقُ فِيهِمَا.
أُجِيبَ كَمَا هُوَ قَضِيَّةُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ، وَاسْتَظْهَرَهُ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ؛ لِأَنَّهُ غَرَضٌ، وَقَضِيَّتُهُ أَنَّهُ لَوْ قَالَ الْمُرْتَهِنُ: بِيعُوهُ وَضَعُوا ثَمَنَهُ مَكَانَهُ فَإِنِّي لَا آمَنُ جِنَايَتَهُ مَرَّةً أُخْرَى، فَتُؤْخَذُ رَقَبَتُهُ فِيهَا وَيَبْطُلُ الرَّهْنُ: أَنَّهُ يُجَابُ لِأَنَّهُ غَرَضٌ، وَفِي إجَابَتِهِ وَجْهَانِ بِلَا تَرْجِيحٍ رَجَّحَ الزَّرْكَشِيُّ مِنْهُمَا الْمَنْعَ، وَهُوَ الظَّاهِرُ كَسَائِرِ مَا يُتَوَقَّعُ مِنْ الْمُفْسِدَاتِ، ثُمَّ نَقَلَ عَنْ أَبِي خَلَفٍ الطَّبَرِيِّ مَا حَاصِلُهُ أَنَّهُ الْمَذْهَبُ، وَلَوْ اقْتَصَّ السَّيِّدُ مِنْ الْقَاتِلِ فَاتَتْ الْوَثِيقَةُ.
، (وَلَوْ تَلِفَ مَرْهُونٌ بِآفَةٍ) سَمَاوِيَّةٍ (بَطَلَ) الرَّهْنُ لِفَوَاتِهِ.
تَنْبِيهٌ: شَمِلَ تَعْبِيرُهُ بِالتَّلَفِ تَخَمُّرَ الْعَصِيرِ، وَقَضِيَّتُهُ أَنَّهُ لَوْ عَادَ خَلًا لَا يَعُودُ رَهْنًا وَتَقَدَّمَ أَنَّ الْأَصَحَّ عَوْدُهُ، وَقَدْ يُرَدُّ عَلَى تَقْيِيدِهِ بِالْآفَةِ مَا لَوْ أَذِنَ الْمُرْتَهِنُ لِلرَّاهِنِ فِي ضَرْبِ الْمَرْهُونِ فَضَرَبَهُ وَتَلِفَ مِنْهُ فَإِنَّهُ يَنْفَسِخُ الرَّهْنُ كَمَا نَصَّ عَلَيْهِ فِي الْأُمِّ، وَجَرَى عَلَيْهِ الْأَصْحَابُ.
.
(وَيَنْفَكُّ) الرَّهْنُ (بِفَسْخِ الْمُرْتَهِنِ) وَلَوْ بِدُونِ الرَّاهِنِ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ لَهُ وَهُوَ جَائِزٌ مِنْ جِهَتِهِ.
نَعَمْ التَّرِكَةُ إذَا قُلْنَا: إنَّهَا مَرْهُونَةٌ بِالدَّيْنِ وَهُوَ الْأَصَحُّ وَأَرَادَ صَاحِبُ الدَّيْنِ الْفَسْخَ لَمْ يَكُنْ لَهُ
وَبِالْبَرَاءَةِ مِنْ الدَّيْنِ، فَإِنْ بَقِيَ شَيْءٌ مِنْهُ لَمْ يَنْفَكَّ شَيْءٌ مِنْ الرَّهْنِ.
وَلَوْ رَهَنَ نِصْفَ عَبْدٍ بِدَيْنٍ وَنِصْفَهُ بِآخَرَ فَبَرِئَ مِنْ أَحَدِهِمَا انْفَكَّ قِسْطُهُ، وَلَوْ رَهَنَاهُ فَبَرِئَ أَحَدُهُمَا انْفَكَّ نَصِيبُهُ.
[مغني المحتاج]
ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الرَّهْنَ لِمَصْلَحَةِ الْمَيِّتِ فَالْفَكُّ يُفَوِّتُهَا، وَخَرَجَ بِالْمُرْتَهِنِ الرَّاهِنُ فَلَا يَنْفَكُّ بِفَسْخِهِ لِلُزُومِهِ مِنْ جِهَتِهِ (وَبِالْبَرَاءَةِ مِنْ) جَمِيعِ (الدَّيْنِ) بِأَيِّ وَجْهٍ كَانَ وَلَوْ بِحَوَالَةِ الْمُرْتَهِنِ عَلَى الرَّاهِنِ، وَلَوْ اعْتَاضَ عَنْ الدَّيْنِ عَيْنًا انْفَكَّ الرَّهْنُ، فَلَوْ تَلِفَتْ أَوْ تَقَايَلَا فِي الْمُعَاوَضَةِ قَبْلَ قَبْضِهَا عَادَ الْمَرْهُونُ رَهْنًا (فَإِنْ بَقِيَ شَيْءٌ مِنْهُ) أَيْ مِنْ الدَّيْنِ، وَإِنْ قَلَّ (لَمْ يَنْفَكَّ شَيْءٌ مِنْ الرَّهْنِ) بِالْإِجْمَاعِ كَمَا نَقَلَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ، وَكَحَقِّ حَبْسِ الْمَبِيعِ وَعِتْقِ الْمُكَاتَبِ؛ وَلِأَنَّهُ وَثِيقَةٌ لِجَمِيعِ أَجْزَاءِ الدَّيْنِ، فَلَوْ شَرَطَ كُلَّمَا قُضِيَ مِنْ الْحَقِّ شَيْءٌ انْفَكَّ مِنْ الرَّهْنِ بِقَدْرِهِ فَسَدَ الرَّهْنُ لِاشْتِرَاطِ مَا يُنَافِيه كَمَا قَالَهُ الْمَاوَرْدِيُّ.
(وَلَوْ رَهَنَ نِصْفَ عَبْدٍ بِدَيْنٍ وَنِصْفَهُ بِآخَرَ) فِي صَفْقَةٍ أُخْرَى (فَبَرِئَ مِنْ أَحَدِهِمَا انْفَكَّ قِسْطُهُ) لِتَعَدُّدِ الصَّفْقَةِ بِتَعَدُّدِ الْعَقْدِ (وَلَوْ رَهَنَاهُ) بِدَيْنٍ (فَبَرِئَ أَحَدُهُمَا) مِمَّا عَلَيْهِ (انْفَكَّ نَصِيبُهُ) لِتَعَدُّدِ الصَّفْقَةِ بِتَعَدُّدِ الْعَاقِدِ وَلَوْ اتَّحَدَ وَكِيلُهُمَا.
قَالَ الْإِمَامُ: لِأَنَّ الْمَدَارَ عَلَى اتِّحَادِ الدَّيْنِ وَعَدَمِهِ، وَمَتَى تَعَدَّدَ الْمُسْتَحِقُّ أَوْ الْمُسْتَحَقُّ عَلَيْهِ تَعَدَّدَ الدَّيْنُ، بِخِلَافِ الْبَيْعِ، فَإِنَّ الْعِبْرَةَ فِيهِ بِتَعَدُّدِ الْوَكِيلِ وَاتِّحَادِهِ؛ لِأَنَّهُ عَقْدُ ضَمَانٍ فَنُظِرَ فِيهِ إلَى الْمُبَاشِرِ لَهُ بِخِلَافِ الرَّهْنِ، وَلَوْ رَهَنَهُ عِنْدَ اثْنَيْنِ فَبَرِئَ مِنْ دَيْنِ أَحَدِهِمَا انْفَكَّ قِسْطُهُ لِتَعَدُّدِ مُسْتَحِقِّ الدَّيْنِ.
فَإِنْ قِيلَ مَا يَأْخُذْهُ أَحَدُهُمَا مِنْ الدَّيْنِ لَا يَخْتَصُّ بِهِ بَلْ هُوَ مُشْتَرَكٌ بَيْنَهُمَا، فَكَيْفَ تَنْفَكُّ حِصَّتُهُ مِنْ الرَّهْنِ بِأَخْذِهِ؟ .
أُجِيبَ بِأَنَّ مَا هُنَا مَحَلُّهُ إذَا لَمْ تَتَّحِدْ جِهَةُ دَيْنِهِمَا، أَوْ إذَا كَانَتْ الْبَرَاءَةُ بِالْإِبْرَاءِ لَا بِالْأَخْذِ، وَلَوْ رَهَنَ عَبْدًا اسْتَعَارَهُ مِنْ اثْنَيْنِ لِيَرْهَنَهُ ثُمَّ أَدَّى نِصْفَ الدَّيْنِ وَقَصَدَ فِكَاكَ نِصْفِ الْعَبْدِ أَوْ أَطْلَقَ ثُمَّ جَعَلَهُ عَنْهُ انْفَكَّ نِصْفُهُ نَظَرًا إلَى تَعَدُّدِ الْمَالِكِ، بِخِلَافِ مَا إذَا قَصَدَ الشُّيُوعَ أَوْ أَطْلَقَ ثُمَّ جَعَلَهُ عَنْهُمَا أَوْ لَمْ يُعْرَفْ حَالُهُ.
(فُرُوعٌ) : لَوْ رَهَنَ شَخْصٌ آخَرُ عَبْدَيْنِ فِي صَفْقَةٍ وَسَلَّمَ أَحَدَهُمَا لَهُ كَانَ مَرْهُونًا بِجَمِيعِ الدَّيْنِ كَمَا لَوْ سَلَّمَهُمَا وَتَلِفَ أَحَدُهُمَا، وَلَوْ مَاتَ الرَّاهِنُ عَنْ وَرَثَتِهِ فَفَدَى أَحَدُهُمْ نَصِيبَهُ لَمْ يَنْفَكَّ كَمَا فِي الْمُوَرَّثِ؛ وَلِأَنَّ الرَّهْنَ صَدَرَ ابْتِدَاءً مِنْ وَاحِدٍ، وَقَضِيَّتُهُ حَبْسُ كُلِّ الْمَرْهُونِ إلَى الْبَرَاءَةِ مِنْ كُلِّ الدَّيْنِ، بِخِلَافِ مَا لَوْ فَدَى نَصِيبَهُ مِنْ التَّرِكَةِ فَإِنَّهُ يَنْفَكُّ؛ لِأَنَّ تَعَلُّقَ الدَّيْنِ بِالتَّرِكَةِ: إمَّا كَتَعَلُّقِ الرَّهْنِ بِهِ، فَهُوَ كَمَا لَوْ تَعَدَّدَ الرَّاهِنُ، أَوْ كَتَعَلُّقِ الْأَرْشِ بِالْجَانِي فَهُوَ كَمَا لَوْ جَنَى الْعَبْدُ الْمُشْتَرَكُ فَأَدَّى أَحَدُ الشَّرِيكَيْنِ نَصِيبَهُ يَنْقَطِعُ التَّعَلُّقُ عَنْهُ، وَلَوْ مَاتَ الْمُرْتَهِنُ عَنْ