بَابُ زَكَاةِ الْمَعْدِن وَالرِّكَازِ وَالتِّجَارَةِ
[مغني المحتاج]
بِذَهَبٍ فَقَدْ أَحْسَنَ، وَلَا زَكَاة عَلَيْهِ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَكْتُبَ لِلرِّجَالِ أَوْ لِلنِّسَاءِ وَهُوَ كَذَلِكَ.
وَإِنْ نَازَعَ فِي ذَلِكَ الْأَذْرَعِيُّ، وَاحْتَرَزَ الْمُصَنِّفُ بِتَحْلِيَةِ الْمُصْحَفِ عَنْ تَحْلِيَةِ الْكُتُبِ فَلَا يَجُوزُ تَحْلِيَتُهَا عَلَى الْمَشْهُورِ.
قَالَ فِي الذَّخَائِرِ سَوَاءٌ فِيهِ كُتُبُ الْحَدِيثِ وَغَيْرُهَا، وَلَوْ حَلَّى الْمَسَاجِدَ أَوْ الْكَعْبَةَ أَوْ قَنَادِيلَهَا بِذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ حَرُمَ؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ فِي مَعْنَى الْمُصْحَفِ، وَلِأَنَّ ذَلِكَ لَمْ يُنْقَلْ عَنْ السَّلَفِ فَهُوَ بِدْعَةٌ وَكُلُّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ إلَّا مَا اُسْتُثْنِيَ بِخِلَافِ كِسْوَةِ الْكَعْبَةِ بِالْحَرِيرِ فَيُزَكَّى ذَلِكَ لَا إنْ جُعِلَ وَقْفًا عَلَى الْمَسْجِدِ فَلَا يُزَكَّى لِعَدَمِ الْمَالِكِ الْمُعَيَّنِ، وَظَاهِرٌ كَمَا قَالَ شَيْخُنَا إنَّ مَحَلَّ صِحَّةِ وَقْفِهِ إذَا حَلَّ اسْتِعْمَالُهُ بِأَنْ اُحْتِيجَ إلَيْهِ، وَإِلَّا فَوَقْفُ الْمُحَرَّمِ بَاطِلٌ، وَبِذَلِكَ عُلِمَ أَنَّ وَقْفَهُ لَيْسَ عَلَى التَّحَلِّي كَمَا تُوُهِّمَ فَإِنَّهُ بَاطِلٌ كَالْوَقْفِ عَلَى تَزْوِيقِ الْمَسْجِدِ وَنَقْشِهِ؛ لِأَنَّهُ إضَاعَةُ مَالٍ، وَقَضِيَّةُ مَا ذُكِرَ أَنَّهُ مَعَ صِحَّةِ وَقْفِهِ لَا يَجُوزُ اسْتِعْمَالُهُ عِنْدَ عَدَمِ الْحَاجَةِ إلَيْهِ.
وَبِهِ صَرَّحَ الْأَذْرَعِيُّ نَقْلًا لَهُ عَنْ الْعِمْرَانِيِّ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ.
(وَشَرْطُ زَكَاةِ النَّقْدِ الْحَوْلُ) لِخَبَرِ أَبِي دَاوُد وَغَيْرِهِ «لَا زَكَاةَ فِي مَالٍ حَتَّى يَحُولَ عَلَيْهِ الْحَوْلُ» (1) نَعَمْ لَوْ مَلَكَ نِصَابًا سِتَّةَ أَشْهُرٍ مَثَلًا ثُمَّ أَقْرَضَهُ إنْسَانًا لَمْ يَنْقَطِعْ الْحَوْلُ كَمَا ذَكَرَهُ الرَّافِعِيُّ فِي بَابِ زَكَاةِ التِّجَارَةِ فِي أَثْنَاءِ تَعْلِيلٍ وَأَسْقَطَهُ مِنْ الرَّوْضَةِ.
(وَلَا زَكَاةَ فِي سَائِرِ الْجَوَاهِرِ كَاللُّؤْلُؤِ) وَالْيَاقُوتِ وَالزَّبَرْجَدِ وَالْفَيْرُوزَجِ وَالْمَرْجَانِ لِعَدَمِ وُرُودِهَا فِي ذَلِكَ، وَلِأَنَّهَا مُعَدَّةٌ لِلِاسْتِعْمَالِ فَأَشْبَهَتْ الْمَاشِيَةَ الْعَامِلَةَ.
.
خَاتِمَةٌ: كُلُّ حُلِيٍّ لَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ، مِنْ النَّاسِ حُكْمُ صَنْعَتِهِ كَحُكْمِ صَنْعَةِ الْإِنَاءِ فَلَا يَضْمَنُهُ كَاسِرُهُ عَلَى الْأَصَحِّ بِخِلَافِ مَا يَحِلُّ لِبَعْضِ النَّاسِ لَا يُكْسَرُ لِإِمْكَانِ الِانْتِفَاعِ بِهِ: وَلَوْ كَسَرَهُ أَحَدٌ ضَمِنَهُ:.
وَلَا يَجُوزُ تَثْقِيبُ الْآذَانِ لِلْقُرْطِ وَإِنْ أُبِيحَ الْقُرْطُ؛ لِأَنَّهُ تَعْذِيبٌ بِلَا فَائِدَةٍ، وَوَجَبَ الْقِصَاصُ عَلَى الْمُثَقِّبِ إنْ وُجِدَتْ شُرُوطُهُ كَمَا قَالَهُ فِي الْأَنْوَارِ.
وَيَجُوزُ سَتْرُ الْكَعْبَةِ بِالْحَرِيرِ لِفِعْلِ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ لَهُ تَعْظِيمًا لَهَا بِخِلَافِ سَتْرِ غَيْرِهَا بِهِ وَأَخَذَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ مِنْ التَّعْلِيلِ جَوَازَ سَتْرِ قَبْرِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِهِ.
وَيَنْبَغِي اعْتِمَادُهُ.
قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: وَلَا بَأْسَ بِتَزْيِينِ الْمَسْجِدِ بِالْقَنَادِيلِ: أَيْ مِنْ غَيْرِ النَّقْدَيْنِ وَالشُّمُوعِ الَّتِي لَا تُوقَدُ؛ لِأَنَّهُ نَوْعُ احْتِرَامٍ.
[بَاب زَكَاةِ الْمَعْدِنِ وَالرِّكَازِ وَالتِّجَارَةِ]
(بَابُ زَكَاةِ الْمَعْدِنِ وَالرِّكَازِ وَالتِّجَارَةِ) بَدَأَ الْمُصَنِّفُ بِأَوَّلِهَا: وَهُوَ بِفَتْحِ الْمِيمِ وَكَسْرِ الدَّالِ اسْمٌ لِلْمَكَانِ الَّذِي خَلَقَ اللَّهُ تَعَالَى فِيهِ الْجَوَاهِرَ مِنْ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْحَدِيدِ وَالنُّحَاسِ، سُمِّيَ بِذَلِكَ لِعُدُونِهِ: أَيْ إقَامَتِهِ: يُقَالُ عَدَنَ إذَا أَقَامَ فِيهِ، وَمِنْهُ ﴿جَنَّاتِ عَدْنٍ﴾ [التوبة: 72] أَيْ إقَامَةٍ، وَيُسَمَّى الْمُسْتَخْرَجُ مَعْدِنًا أَيْضًا كَمَا فِي التَّرْجَمَةِ.
وَالْأَصْلُ فِي زَكَاتِهِ قَبْلَ الْإِجْمَاعِ قَوْله تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا﴾ [البقرة: 254]
مَنْ اسْتَخْرَجَ ذَهَبًا أَوْ فِضَّةً مِنْ مَعْدِنٍ لَزِمَهُ رُبْعُ عُشْرِهِ، وَفِي قَوْلٍ الْخُمُسُ، فِي قَوْلٍ إنْ حَصَلَ بِتَعَبٍ فَرُبْعُ عُشْرِهِ، وَإِلَّا فَخُمُسُهُ.
وَيُشْتَرَطُ النِّصَابُ لَا الْحَوْلُ عَلَى الْمَذْهَبِ فِيهِمَا.
وَيَضُمُّ بَعْضَهُ إلَى بَعْضٍ إنْ تَتَابَعَ الْعَمَلُ وَلَا يُشْتَرَطُ اتِّصَالُ النَّيْلِ عَلَى الْجَدِيدِ، وَإِذَا قَطَعَ الْعَمَلَ بِعُذْرٍ ضَمَّ، وَإِلَّا فَلَا يَضُمُّ الْأَوَّلَ إلَى الثَّانِي،
[مغني المحتاج]
أَيْ زَكُّوا ﴿مِنْ طَيِّبَاتِ﴾ [البقرة: 57] أَيْ خِيَارِ ﴿مَا كَسَبْتُمْ﴾ [البقرة: 134] أَيْ مِنْ الْمَالِ ﴿وَمِنَ﴾ [البقرة: 8] طَيِّبَاتِ ﴿وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ﴾ [البقرة: 267] مِنْ الْأَرْضِ أَيْ مِنْ الْحُبُوبِ وَالثِّمَارِ، وَخَبَرُ الْحَاكِمِ فِي صَحِيحِهِ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أَخَذَ مِنْ الْمَعَادِنِ الْقَبَلِيَّةِ الصَّدَقَةَ» ، وَهِيَ بِفَتْحِ الْقَافِ وَالْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ: نَاحِيَةٌ مِنْ قَرْيَةٍ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ يُقَالُ لَهَا الْفُرْعُ بِضَمِّ الْفَاءِ وَإِسْكَانِ الرَّاءِ فَقَالَ (مَنْ اسْتَخْرَجَ) وَهُوَ مِنْ أَهْلِ الزَّكَاةِ (ذَهَبًا أَوْ فِضَّةً) لَا غَيْرَهُمَا كَيَاقُوتٍ وَزَبَرْجَدٍ وَنُحَاسٍ وَحَدِيدٍ (مِنْ مَعْدِنٍ) مِنْ أَرْضٍ مُبَاحَةٍ أَوْ مَمْلُوكَةٍ لَهُ (لَزِمَهُ رُبْعُ عُشْرِهِ) لِعُمُومِ الْأَدِلَّةِ السَّابِقَةِ كَخَبَرِ «وَفِي الرِّقَةِ رُبْعُ الْعُشْرِ» وَلَا تَجِبُ عَلَيْهِ زَكَاتُهُ فِي الْمُدَّةُ الْمَاضِيَةِ إذَا وَجَدَهُ فِي مِلْكِهِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَتَحَقَّقْ كَوْنُهُ مِلْكَهُ مِنْ حِينِ مَلَكَ الْأَرْضَ لِاحْتِمَالِ كَوْنِ الْمَوْجُودِ مِمَّا يُخْلَقُ شَيْئًا فَشَيْئًا، وَالْأَصْلُ عَدَمُ وُجُوبِ الزَّكَاةِ (وَفِي قَوْلٍ) يَلْزَمُهُ (الْخُمُسُ) كَالرِّكَازِ بِجَامِعِ الْخَفَاءِ فِي الْأَرْضِ (فِي قَوْلٍ إنْ حَصَلَ بِتَعَبٍ) كَأَنْ احْتَاجَ إلَى طَحْنٍ أَوْ مُعَالَجَةٍ بِالنَّارِ أَوْ حَفْرٍ (فَرُبْعُ عُشْرِهِ، وَإِلَّا) بِأَنْ حَصَلَ بِلَا تَعَبٍ (فَخُمُسُهُ) ؛ لِأَنَّ الْوَاجِبَ يَزْدَادُ بِقِلَّةِ الْمُؤْنَةِ وَيَنْقُصُ بِكَثْرَتِهَا كَالْمُعَشَّرَاتِ.
(وَيُشْتَرَطُ) لِوُجُوبِ الزَّكَاةِ فِيهِ (النِّصَابُ) ؛ لِأَنَّ مَا دُونَهُ لَا يَحْتَمِلُ الْمُوَاسَاةَ كَمَا فِي سَائِرِ الْأَمْوَالِ الزَّكَوِيَّةِ (لَا الْحَوْلُ عَلَى الْمَذْهَبِ فِيهِمَا) وَقَطَعَ بِهِ؛ لِأَنَّ الْحَوْلَ إنَّمَا يُعْتَبَرُ لِأَجْلِ تَكَامُلِ النَّمَاءِ، وَالْمُسْتَخْرَجُ مِنْ الْمَعْدِنِ نَمَاءٌ فِي نَفْسِهِ فَأَشْبَهَ الثِّمَارَ وَالزُّرُوعَ.
وَقِيلَ: فِي اشْتِرَاطِ كُلٍّ مِنْهُمَا قَوْلَانِ، وَطَرِيقُ الْخِلَافِ مُفَرَّعٌ فِي النِّصَابِ عَلَى وُجُوبِ الْخُمُسِ؛ لِأَنَّهُ مَالٌ يَجِبُ تَخْمِيسُهُ فَلَا يُعْتَبَرُ فِيهِ النِّصَابُ كَالْفَيْءِ وَالْغَنِيمَةِ، وَفِي الْحَوْلِ عَلَى وُجُوبِ رُبْعِ الْعُشْرِ لِعُمُومِ «لَا زَكَاةَ فِي مَالٍ حَتَّى يَحُولَ عَلَيْهِ الْحَوْلُ» ، وَإِنَّمَا عَبَّرَ بِالْمَذْهَبِ؛ لِأَنَّ الْأَصَحَّ الْقَطْعُ بِاشْتِرَاطِ النِّصَابِ وَبِعَدَمِ اشْتِرَاطِ الْحَوْلِ.
(وَيَضُمُّ بَعْضَهُ) أَيْ الْمُسْتَخْرَجِ (إلَى بَعْضٍ إنْ) اتَّحَدَ الْمَعْدِنُ: أَيْ الْمُخْرَجُ وَ (تَتَابَعَ الْعَمَلُ) كَمَا يَضُمُّ الْمُتَلَاحِقَ مِنْ الثِّمَارِ، وَلَا يُشْتَرَطُ بَقَاءُ الْأَوَّلِ عَلَى مِلْكِهِ، وَيُشْتَرَطُ اتِّحَادُ الْمَكَانِ الْمُسْتَخْرَجِ مِنْهُ فَلَوْ تَعَدَّدَ لَمْ يَضُمَّ تَقَارَبَا أَوْ تَبَاعَدَا؛ لِأَنَّ الْغَالِبَ فِي اخْتِلَافِ الْمَكَانِ اسْتِئْنَافُ عَمَلٍ، هَكَذَا عَلَّلَ بِهِ شَيْخِي، وَكَذَا فِي الرِّكَازِ نَقَلَهُ فِي الْكِفَايَةِ عَنْ النَّصِّ (وَلَا يُشْتَرَطُ) فِي الضَّمِّ (اتِّصَالُ النَّيْلِ عَلَى الْجَدِيدِ) ؛ لِأَنَّهُ لَا يَحْصُلُ غَالِبًا إلَّا مُتَفَرِّقًا، وَالْقَدِيمُ إنْ طَالَ زَمَنُ الِانْقِطَاعِ لَمْ يُضَمَّ كَمَا لَوْ قَطَعَ الْعَمَلَ (وَإِذَا قَطَعَ الْعَمَلَ بِعُذْرٍ) كَإِصْلَاحِ الْآلَةِ وَهَرَبِ الْأُجَرَاءِ وَالْمَرَضِ وَالسَّفَرِ ثُمَّ عَادَ إلَيْهِ (ضُمَّ) وَإِنْ طَالَ الزَّمَنُ عُرْفًا؛ لِأَنَّهُ لَا يُعَدُّ بِذَلِكَ مُعْرِضًا؛ لِأَنَّهُ عَازِمٌ عَلَى الْعَمَلِ إذَا ارْتَفَعَ الْعُذْرُ (وَإِلَّا) بِأَنْ قَطَعَ الْعَمَلَ بِلَا عُذْرٍ (فَلَا يَضُمُّ) سَوَاءٌ أَطَالَ الزَّمَنُ أَمْ لَا لِإِعْرَاضِهِ، وَمَعْنَى عَدَمِ الضَّمِّ أَنَّهُ لَا يَضُمُّ (الْأَوَّلَ إلَى الثَّانِي) فِي
وَيَضُمُّ الثَّانِيَ إلَى الْأَوَّلِ كَمَا يَضُمُّهُ إلَى مَا مَلَكَهُ بِغَيْرِ الْمَعْدِنِ فِي إكْمَالِ النِّصَابِ.
وَفِي الرِّكَازِ الْخُمُسُ، يُصْرَفُ مَصْرِفَ الزَّكَاةِ عَلَى الْمَشْهُورِ.
وَشَرْطُهُ النِّصَابُ،
[مغني المحتاج]
إكْمَالِ النِّصَابِ (وَيَضُمُّ الثَّانِيَ إلَى الْأَوَّلِ) إنْ كَانَ بَاقِيًا (كَمَا يَضُمُّهُ إلَى مَا مَلَكَهُ بِغَيْرِ الْمَعْدِنِ) كَإِرْثٍ وَهِبَةٍ وَغَيْرِهِمَا (فِي إكْمَالِ النِّصَابِ) فَإِذَا اسْتَخْرَجَ مِنْ الْفِضَّةِ خَمْسِينَ دِرْهَمًا بِالْعَمَلِ الْأَوَّلِ وَمِائَةً وَخَمْسِينَ بِالثَّانِي فَلَا زَكَاةَ فِي الْخَمْسِينَ، وَتَجِبُ فِي الْمِائَةِ وَالْخَمْسِينَ كَمَا تَجِبُ فِيهَا لَوْ كَانَ مَالِكًا لِخَمْسِينَ مِنْ غَيْرِ الْمَعْدِنِ وَيَنْعَقِدُ الْحَوْلُ عَلَى الْمِائَتَيْنِ مِنْ حِينِ تَمَامِهِمَا إذَا أَخْرَجَ حَقَّ الْمَعْدِنِ مِنْ غَيْرِهِمَا، وَلَوْ كَانَ الْأَوَّلُ نِصَابًا ضُمَّ الثَّانِي إلَيْهِ قَطْعًا، وَتَقْيِيدُ الْمُصَنِّفِ بِقَوْلِهِ فِي إكْمَالِ النِّصَابِ لَا تَرِدُ عَلَيْهِ هَذِهِ الصُّورَةُ؛ لِأَنَّهَا بِالْوُجُوبِ أَوْلَى مِمَّا صَرَّحَ بِهِ.
تَنْبِيهٌ: خَرَجَ بِقَوْلِنَا: وَهُوَ مِنْ أَهْلِ الزَّكَاةِ الْمُكَاتَبُ فَإِنَّهُ يَمْلِكُ مَا يَأْخُذُهُ مِنْ الْمَعْدِنِ وَلَا زَكَاةَ عَلَيْهِ فِيهِ.
وَأَمَّا مَا يَأْخُذُهُ الْعَبْدُ فَلِسَيِّدِهِ فَتَلْزَمُهُ زَكَاتُهُ، وَيُمْنَعُ الذِّمِّيُّ مِنْ أَخْذِ الْمَعْدِنِ وَالرِّكَازِ بِدَارِ الْإِسْلَامِ كَمَا يُمْنَعُ مِنْ الْإِحْيَاءِ بِهَا؛ لِأَنَّ الدَّارَ لِلْمُسْلِمِينَ وَهُوَ دَخِيلٌ فِيهَا، وَالْمَانِعُ لَهُ الْحَاكِمُ فَقَطْ وَإِنْ صَرَّحَ الْغَزَالِيُّ بِأَنَّهُ يَجُوزُ لِكُلِّ مُسْلِمٍ، فَإِنْ أَخَذَهُ قَبْلَ مَنْعِهِ مَلَكَهُ كَمَا لَوْ احْتَطَبَ وَيُفَارِقُ مَا أَحْيَاهُ بِتَأَبُّدِ ضَرَرِهِ، وَلَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ بِنَاءً عَلَى أَنَّ مَصْرِفَ حَقِّ الْمَعْدِنِ مَصْرِفُ الزَّكَاةِ لَا مَصْرِفُ الْفَيْءِ وَهُوَ الْأَصَحُّ، وَوَقْتُ وُجُوبِ حَقِّ الْمَعْدِنِ حُصُولُ النَّيْلِ فِي يَدِهِ عَلَى الْمَذْهَبِ، وَوَقْتُ الْإِخْرَاجِ عَقِبَ التَّخْلِيصِ وَالتَّنْقِيَةِ مِنْ التُّرَابِ وَنَحْوِهِ، كَمَا أَنَّ وَقْتَ الْحُبُوبِ فِي الزَّرْعِ اشْتِدَادُ الْحَبِّ، وَوَقْتُ الْإِخْرَاجِ التَّنْقِيَةُ، وَيُجْبَرُ عَلَى التَّنْقِيَةِ، كَمَا فِي تَنْقِيَةِ الْحُبُوبِ، وَمُؤْنَتُهَا عَلَيْهِ كَمُؤْنَةِ الْحَصَادِ وَالدِّيَاسِ فَلَا يُجْزِئُ إخْرَاجُ الْوَاجِبِ قَبْلَهَا لِفَسَادِ الْقَبْضِ.
فَإِنْ قَبَضَهُ السَّاعِي قَبْلَهَا ضَمِنَ فَيَلْزَمُهُ رَدُّهُ إنْ كَانَ بَاقِيًا، وَبَدَلُهُ إنْ كَانَ تَالِفًا، وَصُدِّقَ بِيَمِينِهِ فِي قَدْرِهِ إنْ اخْتَلَفَا فِيهِ قَبْلَ التَّلَفِ أَوْ بَعْدَهُ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ بَرَاءَةُ ذِمَّتِهِ، وَإِنْ تَلِفَ فِي يَدِهِ قَبْلَ التَّمْيِيزِ غَرِمَهُ.
فَإِنْ كَانَ تُرَابُ فِضَّةٍ قُوِّمَ بِذَهَبٍ، أَوْ تُرَابُ ذَهَبٍ قُوِّمَ بِفِضَّةٍ وَالْمُرَادُ بِالتُّرَابِ فِي الْمَوْضِعَيْنِ الْمَعْدِنُ الْمُخْرَجُ، فَإِنْ اخْتَلَفَا فِي قِيمَتِهِ صُدِّقَ السَّاعِي بِيَمِينِهِ؛ لِأَنَّهُ غَارِمٌ.
قَالَ فِي الْمَجْمُوعِ: فَإِنْ مَيَّزَهُ السَّاعِي فَإِنْ كَانَ قَدْرَ الْوَاجِبِ أَجْزَأَهُ وَإِلَّا رَدَّ التَّفَاوُتَ أَوْ أَخَذَهُ وَلَا شَيْءَ لِلسَّاعِي بِعَمَلِهِ؛ لِأَنَّهُ مُتَبَرِّعٌ وَلَوْ تَلِفَ بَعْضُهُ فِي يَدِ الْمَالِكِ قَبْلَ التَّنْقِيَةِ وَالتَّمَكُّنِ مِنْهَا وَمِنْ الْإِخْرَاجِ سَقَطَتْ زَكَاتُهُ لَا زَكَاةُ الْبَاقِي وَإِنْ نَقَصَ عَنْ النِّصَابِ فَكَتَلَفِ بَعْضِ الْمَالِ قَبْلَ التَّمَكُّنِ.
وَلَوْ اسْتَخْرَجَ اثْنَانِ مِنْ مَعْدِنٍ نِصَابًا زَكَّيَاهُ لِلْخُلْطَةِ.
ثُمَّ شَرَعَ فِي ذِكْرِ ثَانِي مَا فِي التَّرْجَمَةِ، وَسَيَأْتِي تَعْرِيفُهُ فَقَالَ: (وَفِي الرِّكَازِ الْخُمُسُ) رَوَاهُ الشَّيْخَانِ، وَخَالَفَ الْمَعْدِنَ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ لَا مُؤْنَةَ فِي تَحْصِيلِهِ، أَوْ مُؤْنَتُهُ قَلِيلَةٌ فَكَثُرَ وَاجِبُهُ كَالْمُعَشَّرَاتِ (يُصْرَفُ) أَيْ الْخُمُسُ وَكَذَا الْمَعْدِنُ (مَصْرِفَ الزَّكَاةِ عَلَى الْمَشْهُورِ) ؛ لِأَنَّهُ حَقٌّ وَاجِبٌ فِي الْمُسْتَفَادِ مِنْ الْأَرْضِ فَأَشْبَهَ الْوَاجِبَ فِي الثِّمَارِ وَالزُّرُوعِ وَرَجَّحَ فِي أَصْلِ الرَّوْضَةِ وَالْمَجْمُوعِ الْقَطْعَ بِهِ، وَعَلَيْهِ يُشْتَرَطُ كَوْنُ الْوَاجِدِ مِنْ أَهْلِ الزَّكَاةِ، وَالثَّانِي أَنَّهُ يُصْرَفُ لِأَهْلِ الْخُمُسِ؛ لِأَنَّهُ مَالٌ جَاهِلِيٌّ حَصَلَ الظَّفْرُ بِهِ مِنْ غَيْرِ إيجَافِ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ فَكَانَ كَالْفَيْءِ، فَعَلَى هَذَا يَجِبُ عَلَى الْمُكَاتَبِ وَالْكَافِرِ وَلَا يَحْتَاجُ إلَى نِيَّةٍ.
وَالنَّقْدُ عَلَى الْمَذْهَبِ لَا الْحَوْلُ، وَهُوَ الْمَوْجُودُ الْجَاهِلِيُّ.
فَإِنْ وُجِدَ إسْلَامِيٌّ عُلِمَ مَالِكُهُ فَلَهُ، وَإِلَّا فَلُقَطَةٌ، وَكَذَا إنْ لَمْ يُعْلَمْ مِنْ أَيِّ الضَّرْبَيْنِ هُوَ، وَإِنَّمَا يَمْلِكُهُ الْوَاجِدُ.
[مغني المحتاج]
تَنْبِيهٌ: مَصْرِفٌ بِكَسْرِ الرَّاءِ مَحَلُّ الصَّرْفِ وَهُوَ الْمُرَادُ هُنَا وَبِفَتْحِهَا مَصْدَرٌ (وَشَرْطُهُ النِّصَابُ) وَلَوْ بِالضَّمِّ كَمَا مَرَّ (وَالنَّقْدُ) أَيْ الذَّهَبُ وَالْفِضَّةُ الْمَضْرُوبُ وَغَيْرُهُ كَالسَّبَائِكِ (عَلَى الْمَذْهَبِ) ؛ لِأَنَّهُ مَالٌ مُسْتَفَادٌ مِنْ الْأَرْضِ فَاخْتَصَّ بِمَا تَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ قَدْرًا وَنَوْعًا كَالْمَعْدِنِ.
وَالثَّانِي لَا يُشْتَرَطَانِ لِعُمُومِ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «وَفِي الرِّكَازِ الْخُمُسُ» (1) وَالطَّرِيقُ الثَّانِي الْقَطْعُ بِالْأَوَّلِ (لَا الْحَوْلُ) فَلَا يُشْتَرَطُ بِلَا خِلَافٍ وَإِنْ جَرَى فِي الْمَعْدِنِ خِلَافٌ لِلْمَشَقَّةِ فِيهِ (وَهُوَ) أَيْ الرِّكَازُ بِمَعْنَى الْمَرْكُوزِ (الْمَوْجُودُ الْجَاهِلِيُّ) أَيْ دَفِينُ الْجَاهِلِيَّةِ، وَالْمُرَادُ بِالْجَاهِلِيَّةِ مَا قَبْلَ الْإِسْلَامِ - أَيْ قَبْلَ مَبْعَثِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَمَا صَرَّحَ بِهِ الشَّيْخُ أَبُو عَلِيٍّ، سُمُّوا بِذَلِكَ لِكَثْرَةِ جَهَالَاتِهِمْ، وَيُعْتَبَرُ فِي كَوْنِ الدَّفِينِ الْجَاهِلِيِّ رِكَازًا كَمَا قَالَهُ أَبُو إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيُّ: أَنْ لَا يَعْلَمَ أَنَّ مَالِكَهُ بَلَغَتْهُ الدَّعْوَةُ، فَإِنْ عَلِمَ أَنَّهَا بَلَغَتْهُ وَعَانَدَ وَوُجِدَ فِي بِنَائِهِ أَوْ بَلَدِهِ الَّتِي أَنْشَأَهَا كَنْزٌ فَلَيْسَ بِرِكَازٍ بَلْ فَيْءٌ حَكَاهُ فِي الْمَجْمُوعِ عَنْ جَمَاعَةٍ وَأَقَرَّهُ، وَلَمْ يُبَيِّنْ الْمُصَنِّفُ هَلْ الْمُرَادُ بِالْجَاهِلِيِّ ضَرْبًا أَوْ دَفْنًا لَكِنَّ قَوْلَهُ بَعْدُ: وَكَذَا إنْ لَمْ يَعْلَمْ مِنْ أَيِّ الضَّرْبَيْنِ هُوَ.
يَدُلُّ عَلَى إرَادَتِهِ الْأَوَّلَ، وَعِبَارَةُ الرَّوْضَةِ: الرِّكَازُ دَفِينُ الْجَاهِلِيَّةِ، قِيلَ: وَهِيَ أَوْلَى فَإِنَّ الْحُكْمَ مَنُوطٌ بِدَفْنِهِمْ إذْ لَا يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِهِ عَلَى ضَرْبِ الْجَاهِلِيَّةِ كَوْنُهُ دَفِينَ الْجَاهِلِيَّةِ لِاحْتِمَالِ أَنَّ مُسْلِمًا عَثَرَ بِكَنْزٍ جَاهِلِيٍّ فَأَخَذَهُ ثُمَّ دَفَنَهُ كَذَا قَالَاهُ.
وَ.
أُجِيبَ عَنْهُ بِأَنَّ الْأَصْلَ وَالظَّاهِرَ عَدَمُ أَخْذِ مُسْلِمٍ لَهُ ثُمَّ دَفْنِهِ ثَانِيًا وَلَوْ قُلْنَا بِهِ لَمْ يَكُنْ لَنَا رِكَازٌ بِالْكُلِّيَّةِ.
قَالَ السُّبْكِيُّ: وَالْحَقُّ أَنَّهُ يُشْتَرَطُ الْعِلْمُ بِكَوْنِهِ مِنْ دَفْنِهِمْ فَإِنَّهُ لَا سَبِيلَ إلَيْهِ، وَإِنَّمَا يُكْتَفَى بِعَلَامَةٍ تَدُلُّ عَلَيْهِ مِنْ ضَرْبٍ أَوْ غَيْرِهِ اهـ. وَهَذَا أَوْلَى.
وَالتَّقْيِيدُ بِدَفْنِ الْجَاهِلِيِّ يَقْتَضِي أَنَّ مَا وُجِدَ فِي الصَّحَارِي مِنْ دَفِينِ الْحَرْبِيِّينَ الَّذِينَ عَاصَرُوا الْإِسْلَامَ لَا يَكُونُ رِكَازًا بَلْ فَيْئًا.
قَالَ الْإِسْنَوِيُّ: وَيَدُلُّ لَهُ كَلَامُ أَبِي إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيِّ السَّابِقُ،.
وَيُشْتَرَطُ فِي كَوْنِهِ رِكَازًا أَيْضًا أَنْ يَكُونَ مَدْفُونًا، فَإِنْ وَجَدَهُ ظَاهِرًا فَإِنْ عَلِمَ أَنَّ السَّيْلَ أَظْهَرَهُ فَرِكَازٌ، أَوْ أَنَّهُ كَانَ ظَاهِرًا فَلُقَطَةٌ، وَإِنْ شَكَّ فَكَمَا لَوْ شَكَّ فِي أَنَّهُ ضَرْبُ الْجَاهِلِيَّةِ أَوْ الْإِسْلَامِ، قَالَهُ الْمَاوَرْدِيُّ (فَإِنْ وُجِدَ) دَفِينٌ (إسْلَامِيٌّ) كَأَنْ يَكُونَ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ الْقُرْآنِ أَوْ اسْمُ مَلِكٍ مِنْ مُلُوكِ الْإِسْلَامِ (عُلِمَ مَالِكُهُ فَلَهُ) لَا لِلْوَاجِدِ فَيَجِبُ رَدُّهُ عَلَى مَالِكِهِ؛ لِأَنَّ مَالَ الْمُسْلِمِ لَا يُمْلَكُ بِالِاسْتِيلَاءِ عَلَيْهِ (وَإِلَّا) بِأَنْ لَمْ يُعْلَمْ مَالِكُهُ (فَلُقَطَةٌ) يُعَرِّفُهُ الْوَاجِدُ كَمَا يُعَرِّفُ اللُّقَطَةَ الْمَوْجُودَةَ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ (وَكَذَا إنْ لَمْ يُعْلَمْ مِنْ أَيِّ الضَّرْبَيْنِ) الْجَاهِلِيِّ وَالْإِسْلَامِيِّ (هُوَ) بِأَنْ كَانَ مِمَّا لَا أَثَرَ عَلَيْهِ كَالتِّبْرِ وَالْحُلِيِّ وَالْأَوَانِي، أَوْ كَانَ مِثْلُهُ يُضْرَبُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَالْإِسْلَامِ فَهُوَ لُقَطَةٌ يُفْعَلُ فِيهِ مَا مَرَّ (وَإِنَّمَا يَمْلِكُهُ) أَيْ الرِّكَازَ (الْوَاجِدُ) .
وَتَلْزَمُهُ الزَّكَاةُ إذَا وَجَدَهُ فِي مَوَاتٍ أَوْ مِلْكٍ أَحْيَاهُ.
فَإِنْ وُجِدَ فِي مَسْجِدٍ أَوْ شَارِعٍ فَلُقَطَةٌ عَلَى الْمَذْهَبِ.
أَوْ فِي مِلْكِ شَخْصٍ فَلِلشَّخْصِ إنْ ادَّعَاهُ، وَإِلَّا فَلِمَنْ مَلَكَ مِنْهُ، وَهَكَذَا حَتَّى يَنْتَهِيَ إلَى الْمُحْيِي.
وَلَوْ تَنَازَعَهُ بَائِعٌ وَمُشْتَرٍ، أَوْ مُكْرٍ وَمُكْتَرٍ، أَوْ مُعِيرٌ وَمُسْتَعِيرٌ صُدِّقَ ذُو الْيَدِ بِيَمِينِهِ.
فَصْلٌ
[مغني المحتاج]
(وَتَلْزَمُهُ الزَّكَاةُ) فِيهِ (إذَا وَجَدَهُ فِي مَوَاتٍ) سَوَاءٌ أَكَانَ بِدَارِ الْإِسْلَامِ أَمْ بِدَارِ الْحَرْبِ وَإِنْ كَانُوا يَذُبُّونَ عَنْهُ، وَسَوَاءٌ أَحْيَاهُ الْوَاجِدُ أَوْ أَقْطَعَهُ أَمْ لَا، وَكَالْمَوَاتِ مَا وُجِدَ فِي قُبُورِهِمْ أَوْ خَرَائِبِهِمْ أَوْ قِلَاعِهِمْ (أَوْ) وُجِدَ (فِي مِلْكٍ أَحْيَاهُ) ؛ لِأَنَّهُ مَلَكَ الرِّكَازَ بِإِحْيَاءِ الْأَرْضِ.
(فَإِنْ وُجِدَ) الرِّكَازَ (فِي مَسْجِدٍ أَوْ شَارِعٍ فَلُقَطَةٌ عَلَى الْمَذْهَبِ) يَفْعَلُ فِيهِ مَا مَرَّ؛ لِأَنَّ يَدَ الْمُسْلِمِينَ عَلَيْهِ وَقَدْ جُهِلَ مَالِكُهُ فَيَكُونُ لُقَطَةً.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ رِكَازٌ كَالْمَوَاتِ بِجَامِعِ اشْتِرَاكِ النَّاسِ فِي الثَّلَاثَةِ.
(أَوْ) وَجَدَ (مِلْكَ شَخْصٍ) أَوْ مَوْقُوفٍ عَلَيْهِ (فَلِلشَّخْصِ إنْ ادَّعَاهُ) يَأْخُذُ بِلَا يَمِينٍ كَأَمْتِعَةِ الدَّارِ كَذَا قَالَاهُ.
وَقَالَ ابْنُ الرِّفْعَةِ وَالسُّبْكِيُّ: الشَّرْطُ أَنْ لَا يَنْفِيَهُ.
قَالَ الْإِسْنَوِيُّ: وَهُوَ الصَّوَابُ كَسَائِرِ مَا بِيَدِهِ، وَالْمُعْتَمَدُ مَا قَالَاهُ وَيُفَارِقُ سَائِرَ مَا بِيَدِهِ بِأَنَّهَا ظَاهِرَةٌ مَعْلُومَةٌ لَهُ غَالِبًا بِخِلَافِهِ فَاعْتُبِرَ دَعْوَاهُ لَهُ؛ لِاحْتِمَالِ أَنَّ غَيْرَهُ دَفَنَهُ (وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يَدَّعِهِ بِأَنْ نَفَاهُ أَوْ سَكَتَ (فَلِمَنْ مَلَكَ مِنْهُ) وَتَقُومُ وَرَثَتُهُ مَقَامَهُ بَعْدَ مَوْتِهِ، فَإِنْ نَفَاهُ بَعْضُهُمْ سَقَطَ حَقُّهُ وَسَلَكَ بِالْبَاقِي مَا ذُكِرَ (وَهَكَذَا) يَجْرِي مَا تَقَرَّرَ (حَتَّى يَنْتَهِيَ) الْأَمْرُ (إلَى الْمُحْيِي) لِلْأَرْضِ فَيَكُونَ لَهُ وَإِنْ لَمْ يَدَّعِهِ؛ لِأَنَّهُ بِإِحْيَاءِ الْأَرْضِ مَلَكَ مَا فِيهَا وَلَا يَدْخُلُ فِي الْبَيْعِ؛ لِأَنَّهُ مَنْقُولٌ فَيُسَلَّمُ إلَيْهِ وَيُؤْخَذُ مِنْهُ الْخُمْسُ الَّذِي لَزِمَهُ يَوْمَ مَلَكَهُ، وَإِذَا أَخَذْنَاهُ مِنْهُ أَلْزَمْنَاهُ زَكَاةَ الْبَاقِي لِلسِّنِينَ الْمَاضِيَةِ كَمَا فِي الْمَغْصُوبِ وَالضَّالِّ، فَإِنْ مَاتَ الْمُحْيِي قَامَ وَارِثُهُ مَقَامَهُ، فَإِنْ لَمْ يَنْفِهِ بَعْضُهُمْ أُعْطِيَ نَصِيبَهُ مِنْهُ وَحُفِظَ الْبَاقِي، فَإِنْ أَيِسَ مِنْ مَالِكِهِ تَصَدَّقَ بِهِ الْإِمَامُ، أَوْ مَنْ هُوَ فِي يَدِهِ، وَلَوْ ادَّعَاهُ اثْنَانِ وَقَدْ وُجِدَ فِي مِلْكِ غَيْرِهِمَا فَهُوَ لِمَنْ صَدَّقَهُ الْمَالِكُ مِنْهُمَا فَيُسَلَّمُ إلَيْهِ.
(وَلَوْ تَنَازَعَهُ) أَيْ الرِّكَازَ فِي الْمِلْكِ (بَائِعٌ وَمُشْتَرٍ أَوْ مُكْرٍ وَمُكْتَرٍ أَوْ مُعِيرٌ وَمُسْتَعِيرٌ) بِأَنْ قَالَ الْمُشْتَرِي وَالْمُكْتَرِي وَالْمُسْتَعِيرُ هُوَ لِي وَأَنَا دَفَنْتُهُ، وَقَالَ الْبَائِعُ وَالْمُكْرِي وَالْمُعِيرُ مِثْلَ ذَلِكَ (صُدِّقَ ذُو الْيَدِ) أَيْ الْمُشْتَرِي وَالْمُكْتَرِي وَالْمُسْتَعِيرُ (بِيَمِينِهِ) كَمَا لَوْ تَنَازَعَا فِي أَمْتِعَةِ الدَّارِ، هَذَا إذَا أَمْكَنَ صِدْقُهُ وَلَوْ عَلَى بُعْدٍ فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ لِكَوْنِ مِثْلِ ذَلِكَ لَا يُمْكِنُ دَفْنُهُ فِي مُدَّةِ يَدِهِ لَمْ يُصَدَّقْ، وَلَوْ وَقَعَ التَّنَازُعُ بَعْدَ عَوْدِ الْمِلْكِ إلَى الْبَائِعِ أَوْ الْمُكْرِي أَوْ الْمُعِيرِ، فَإِنْ قَالَ كُلٌّ مِنْهُمْ: دَفَنْتُهُ بَعْدَ عَوْدِ الْمِلْكِ إلَى صُدِّقَ بِيَمِينِهِ إنْ أَمْكَنَ ذَلِكَ، وَإِنْ قَالَ: دَفَنْتُهُ قَبْلَ خُرُوجِهِ مِنْ يَدِي صُدِّقَ الْمُشْتَرِي وَالْمُكْتَرِي وَالْمُسْتَعِيرُ عَلَى الْأَصَحِّ؛ لِأَنَّ الْمَالِكَ سَلَّمَ لَهُ حُصُولَ الْكَنْزِ فِي يَدِهِ فَيَدُهُ تَنْسَخُ الْيَدَ السَّابِقَةَ.
ثُمَّ شَرَعَ فِي ذِكْرِ ثَالِثِ مَا فِي التَّرْجَمَةِ وَتَرْجَمَ لَهُ بِفَصْلٍ فَقَالَ:.
[فَصْلٌ شَرْطُ زَكَاةِ التِّجَارَةِ]
(فَصْلٌ) أَيْ فِي زَكَاةِ التِّجَارَةِ، وَهِيَ تَقْلِيبُ الْمَالِ بِالْمُعَاوَضَةِ لِغَرَضِ الرِّبْحِ.
وَالْأَصْلُ فِي وُجُوبِهَا قَوْله تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ﴾ [البقرة: 267] قَالَ مُجَاهِدٌ: نَزَلَتْ فِي التِّجَارَةِ، وَقَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «فِي الْإِبِلِ صَدَقَتُهَا وَفِي الْبَقَرِ صَدَقَتُهَا، وَفِي الْغَنَمِ صَدَقَتُهَا، وَفِي الْبُرِّ صَدَقَتُهُ»
شَرْطُ زَكَاةِ التِّجَارَةِ الْحَوْلُ، وَالنِّصَابُ مُعْتَبَرًا بِآخِرِ الْحَوْلِ، وَفِي قَوْلٍ بِطَرَفَيْهِ، وَفِي قَوْلٍ بِجَمِيعِهِ
فَعَلَى الْأَظْهَرِ لَوْ رُدَّ إلَى النَّقْدِ فِي خِلَالِ الْحَوْلِ وَهُوَ دُونَ النِّصَابِ وَاشْتَرَى بِهِ سِلْعَةً فَالْأَصَحُّ أَنَّهُ يَنْقَطِعُ الْحَوْلُ، وَيُبْتَدَأُ حَوْلُهَا مِنْ شِرَائِهَا.
وَلَوْ تَمَّ الْحَوْلُ، وَقِيمَةُ الْعَرْضِ دُونَ النِّصَابِ فَالْأَصَحُّ أَنَّهُ يُبْتَدَأُ حَوْلٌ، وَيَبْطُلُ الْأَوَّلُ.
[مغني المحتاج]
رَوَاهُ الْحَاكِمُ بِإِسْنَادَيْنِ صَحِيحَيْنِ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ عَنْ أَبِي ذَرٍّ، وَالْبَزُّ بِفَتْحِ الْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ وَبِالزَّايِ، يُقَالُ لِلثِّيَابِ الْمُعَدَّةِ لِلْبَيْعِ عِنْدَ الْبَزَّازِينَ، وَعَلَى السِّلَاحِ قَالَهُ الْجَوْهَرِيُّ، وَزَكَاةُ الْعَيْنِ لَا تَجِبُ فِي الثِّيَابِ وَالسِّلَاحِ، فَتَعَيَّنَ الْحَمْلُ عَلَى زَكَاةِ التِّجَارَةِ.
وَعَنْ سَمُرَةَ «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَأْمُرُنَا أَنْ نُخْرِجَ الصَّدَقَةَ مِنْ الَّذِي يُعَدُّ لِلْبَيْعِ» . قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: وَأَجْمَعَ عَامَّةُ أَهْلِ الْعِلْمِ عَلَى وُجُوبِهَا.
وَأَمَّا خَبَرُ «لَيْسَ عَلَى الْمُسْلِمِ فِي عَبْدِهِ وَلَا فَرَسِهِ صَدَقَةٌ» (2) فَمَحْمُولٌ عَلَى مَا لَيْسَ لِلتِّجَارَةِ.
(شَرْطُ زَكَاةِ التِّجَارَةِ: الْحَوْلُ) قَطْعًا (وَالنِّصَابُ) كَذَلِكَ كَغَيْرِهَا مِنْ الْمَوَاشِي وَالنَّاضِّ (مُعْتَبَرًا) أَيْ النِّصَابُ (بِآخِرِ الْحَوْلِ) فَقَطْ؛ لِأَنَّهُ وَقْتُ الْوُجُوبِ فَلَا يُعْتَبَرُ غَيْرُهُ لِكَثْرَةِ اضْطِرَابِ الْقِيَمِ (وَفِي قَوْلٍ بِطَرَفَيْهِ) أَيْ أَوَّلِهِ وَآخِرِهِ دُونَ وَسَطِهِ.
أَمَّا الْأَوَّلُ فَلَا يُجْزِئُ فِي الْحَوْلِ.
وَأَمَّا الْآخَرُ؛ فَلِأَنَّهُ وَقْتُ الْوُجُوبِ وَلَا يُعْتَبَرُ مَا بَيْنَهُمَا؛ لِأَنَّ تَقْوِيمَ الْعَرْضِ فِي كُلِّ لَحْظَةٍ يَشُقُّ (وَفِي قَوْلٍ بِجَمِيعِهِ) كَالنَّقْدِ وَالْمَوَاشِي، وَفَرَّقَ الْأَوَّلُ بَيْنَهُمَا بِأَنَّ الِاعْتِبَارَ هُنَا بِالْقِيمَةِ وَتَعْسُرُ مُرَاعَاتُهَا كُلَّ وَقْتٍ لِاضْطِرَابِ الْأَسْعَارِ ارْتِفَاعًا وَانْخِفَاضًا.
وَالْأَوَّلُ مَنْصُوصٌ وَالثَّانِي وَالثَّالِثُ مُخَرَّجَانِ، وَمِنْهُمْ مَنْ عَبَّرَ عَنْهَا بِالْأَوْجُهِ؛ لِأَنَّ الْمُخَرِّجَ يُعَبِّرُ عَنْهُ تَارَةً بِالْقَوْلِ وَتَارَةً بِالْوَجْهِ.
(فَعَلَى الْأَظْهَرِ) وَهُوَ اعْتِبَارُ آخِرِ الْحَوْلِ (لَوْ رُدَّ) مَالُ التِّجَارَةِ (إلَى النَّقْدِ) الَّذِي يُقَوَّمُ بِهِ بِأَنْ بِيعَ بِهِ (فِي خِلَالِ) أَيْ أَثْنَاءِ (الْحَوْلِ، وَهُوَ دُونَ النِّصَابِ وَاشْتَرَى بِهِ سِلْعَةً فَالْأَصَحُّ أَنَّهُ يَنْقَطِعُ الْحَوْلُ، وَيُبْتَدَأُ حَوْلُهَا مِنْ) وَقْتِ (شِرَائِهَا) لِتَحَقُّقِ نُقْصَانِهَا حِسًّا بِالتَّنْضِيضِ.
وَالثَّانِي لَا يَنْقَطِعُ كَمَا لَوْ بَادَلَ بِهَا سِلْعَةً نَاقِصَةً عَنْ النِّصَابِ فَإِنَّ الْحَوْلَ لَا يَنْقَطِعُ؛ لِأَنَّ الْمُبَادَلَةَ مَعْدُودَةٌ مِنْ التِّجَارَةِ، وَأَشَارَ الْمُصَنِّفُ بِالْأَلِفِ وَاللَّامِ فِي النَّقْدِ إلَى الْمَعْهُودِ، وَهُوَ الَّذِي يُقَوَّمُ بِهِ كَمَا قَدَّرْتُهُ فِي كَلَامِهِ، فَلَوْ بَاعَهُ بِدَرَاهِمَ وَالْحَالُ يَقْتَضِي التَّقْوِيمَ بِدَنَانِيرَ أَوْ بِالْعَكْسِ فَهُوَ كَبَيْعِ سِلْعَةٍ بِسِلْعَةٍ، وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ لَا يَنْقَطِعُ، وَاحْتَرَزَ بِقَوْلِهِ وَهُوَ دُونَ النِّصَابِ عَمَّا لَوْ بَاعَهُ بِنَقْدٍ يُقَوَّمُ بِهِ وَهُوَ نِصَابٌ فَحَوْلُهُ بَاقٍ، وَمَا ذَكَرَ مِنْ التَّفْرِيعِ يَأْتِي عَلَى الْقَوْلِ الثَّانِي وَالثَّالِثِ أَيْضًا مِنْ بَابِ أَوْلَى.
(وَلَوْ تَمَّ الْحَوْلُ وَقِيمَةُ الْعَرْضِ) بِسُكُونِ الرَّاءِ (دُونَ النِّصَابِ) وَلَيْسَ مَعَهُ مَا يَكْمُلُ بِهِ النِّصَابُ مِنْ جِنْسِ مَا يُقَوَّمُ بِهِ (فَالْأَصَحُّ أَنَّهُ يُبْتَدَأُ حَوْلٌ وَيَبْطُلُ) الْحَوْلُ (الْأَوَّلُ) فَلَا تَجِبُ الزَّكَاةُ حَتَّى يَتِمَّ حَوْلٌ ثَانٍ؛ لِأَنَّ الْأَوَّلَ
وَيَصِيرُ عَرْضُ التِّجَارَةِ لِلْقُنْيَةِ بِنِيَّتِهَا، وَإِنَّمَا يَصِيرُ الْعَرْضُ لِلتِّجَارَةِ إذَا اقْتَرَنَتْ نِيَّتُهَا بِكَسْبِهِ بِمُعَاوَضَةٍ كَشِرَاءٍ، وَكَذَا الْمَهْرُ وَعِوَضُ الْخُلْعِ فِي الْأَصَحِّ، لَا بِالْهِبَةِ وَالِاحْتِطَابِ وَالِاسْتِرْدَادِ بِعَيْبٍ
[مغني المحتاج]
مَضَى فَلَا زَكَاةَ فِيهِ، وَالثَّانِي لَا يَنْقَطِعُ، بَلْ مَتَى بَلَغَتْ قِيمَةُ الْعَرْضِ نِصَابًا وَجَبَتْ الزَّكَاةُ وَيُبْتَدَأُ الْحَوْلُ الثَّانِي وَقْتَئِذٍ إذْ يَصْدُقُ عَلَيْهِ أَنَّ مَالَ التِّجَارَةِ قَدْ أَقَامَ عِنْدَهُ حَوْلًا بَلْ وَزِيَادَةً وَتَمَّ نِصَابًا فَيَقُولُ الْعَامِلُ: هُنَا كَمَا قَالَ الْأَخُ الشَّقِيقُ فِي الْمَسْأَلَةِ الْحِمَارِيَّةِ: هَبْ أَنَّ أَبَانَا كَانَ حِمَارًا أَلَسْنَا مِنْ أُمٍّ وَاحِدَةٍ؟ أَمَّا إذَا كَانَ مَعَهُ مِنْ أَوَّلِ الْحَوْلِ مَا يَكْمُلُ بِهِ النِّصَابُ، كَمَا لَوْ كَانَ مَعَهُ مِائَةُ دِرْهَمٍ فَابْتَاعَ بِخَمْسِينَ مِنْهَا عَرْضًا لِلتِّجَارَةِ فَبَلَغَتْ قِيمَتُهُ فِي آخِرِ الْحَوْلِ مِائَةً وَخَمْسِينَ فَإِنَّهُ تَلْزَمُهُ زَكَاةُ الْجَمِيعِ آخِرَ الْحَوْلِ وَإِنْ مَلَكَهُ فِي أَثْنَائِهِ، كَمَا لَوْ ابْتَاعَ بِالْمِائَةِ ثُمَّ مَلَكَ خَمْسِينَ زَكَّى الْجَمِيعَ إذَا تَمَّ حَوْلُ الْخَمْسِينَ؛ لِأَنَّ الْخَمْسِينَ إنَّمَا تُضَمُّ فِي النِّصَابِ لَا فِي الْحَوْلِ.
(وَيَصِيرُ عَرْضُ التِّجَارَةِ لِلْقُنْيَةِ بِنِيَّتِهَا) أَيْ الْقُنْيَةِ؛ لِأَنَّهَا الْأَصْلُ فَاكْتَفَيْنَا فِيهَا بِالنِّيَّةِ، بِخِلَافِ عَرْضِ الْقُنْيَةِ لَا يَصِيرُ لِلتِّجَارَةِ بِمُجَرَّدِ نِيَّتِهَا كَمَا سَيَأْتِي؛ لِأَنَّهَا خِلَافُ أَصْلٍ كَمَا أَنَّ الْمُسَافِرَ يَصِيرُ مُقِيمًا بِمُجَرَّدِ النِّيَّةِ إذَا نَوَى وَهُوَ مَاكِثٌ وَلَا يَصِيرُ مُسَافِرًا إلَّا بِالْفِعْلِ، وَأَيْضًا الْقُنْيَةُ هِيَ الْحَبْسُ لِلِانْتِفَاعِ وَقَدْ وُجِدَ بِالنِّيَّةِ الْمَذْكُورَةِ مَعَ الْإِمْسَاكِ، وَالتِّجَارَةُ: هِيَ التَّقْلِيبُ بِقَصْدِ الْأَرْبَاحِ وَلَمْ يُوجَدْ ذَلِكَ، فَلَوْ لَبِسَ ثَوْبَ تِجَارَةٍ بِلَا نِيَّةِ قُنْيَةٍ فَهُوَ مَالُ تِجَارَةٍ، فَإِنْ نَوَاهَا بِهِ فَلَيْسَ مَالَ تِجَارَةٍ، وَقَضِيَّةُ إطْلَاقِ الْمُصَنِّفِ: أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَقْصِدَ بِنِيَّتِهَا اسْتِعْمَالًا جَائِزًا أَوْ مُحَرَّمًا كَلُبْسِ الدِّيبَاجِ وَقَطْعِ الطَّرِيقِ بِالسَّيْفِ، وَهُوَ كَذَلِكَ كَمَا هُوَ أَحَدُ وَجْهَيْنِ فِي التَّتِمَّةِ يَظْهَرُ تَرْجِيحُهُ.
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَلَوْ نَوَى الْقُنْيَةَ بِبَعْضِ عَرْضِ التِّجَارَةِ وَلَمْ يُعَيِّنْهُ فَفِي تَأْثِيرِهِ وَجْهَانِ أَقْرَبُهُمَا كَمَا قَالَ شَيْخِي إنَّهُ يُؤَثِّرُ وَيُرْجَعُ فِي التَّعْيِينِ إلَيْهِ، وَإِنْ قَالَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ أَقْرَبُهُمَا الْمَنْعُ (وَإِنَّمَا يَصِيرُ الْعَرْضُ لِلتِّجَارَةِ إذَا اقْتَرَنَتْ نِيَّتُهَا بِكَسْبِهِ بِمُعَاوَضَةٍ) مَحْضَةٍ، وَهِيَ الَّتِي تَفْسُدُ بِفَسَادِ عِوَضِهَا (كَشِرَاءٍ) سَوَاءٌ أَكَانَ بِعَرْضٍ أَمْ نَقْدٍ أَمْ دَيْنٍ حَالٍّ أَمْ مُؤَجَّلٍ لِانْضِمَامِ قَصْدِ التِّجَارَةِ إلَى فِعْلِهَا، وَمِنْ الْمَمْلُوكِ بِمُعَاوَضَةٍ مَا اتَّهَبَهُ بِثَوَابٍ أَوْ صَالَحَ عَلَيْهِ وَلَوْ عَنْ دَمٍ وَمَا أَجَرَ بِهِ نَفْسَهُ، أَوْ مَالَهُ، أَوْ مَا اسْتَأْجَرَهُ، أَوْ مَنْفَعَةَ مَا اسْتَأْجَرَهُ بِأَنْ كَانَ يَسْتَأْجِرُ الْمَنَافِعَ وَيُؤْجِرُهَا بِقَصْدِ التِّجَارَةِ، أَوْ غَيْرِ مَحْضَةٍ، وَهِيَ الَّتِي لَا تَفْسُدُ بِفَسَادِ عِوَضِهَا كَمَا ذَكَرَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ (وَكَذَا الْمَهْرُ وَعِوَضُ الْخُلْعِ) فَإِنَّهُمَا يَصِيرَانِ لِلتِّجَارَةِ إذْ اقْتَرَنَا بِنِيَّتِهَا (فِي الْأَصَحِّ) ؛ لِأَنَّهُمَا مُلِكَا بِمُعَاوَضَةٍ، وَلِهَذَا تَثْبُتُ الشُّفْعَةُ فِيمَا مُلِكَ بِهِمَا، وَالثَّانِي: لَا؛ لِأَنَّهُمَا لَيْسَا مِنْ عُقُودِ الْمُعَاوَضَاتِ الْمَحْضَةِ، وَصَحَّحَ فِي الْمَجْمُوعِ الْقَطْعَ بِالْأَوَّلِ، وَإِذَا ثَبَتَ حُكْمُ التِّجَارَةِ لَمْ يُحْتَجْ فِي كُلِّ مُعَامَلَةٍ إلَى نِيَّةٍ جَدِيدَةٍ (لَا بِالْهِبَةِ) غَيْرِ ذَاتِ الثَّوَابِ (وَالِاحْتِطَابِ) وَالِاحْتِشَاشِ وَالِاصْطِيَادِ وَالْإِرْثِ (وَالِاسْتِرْدَادِ بِعَيْبٍ) أَوْ إقَالَةٍ أَوْ فَلَسٍ لِانْتِفَاءِ الْمُعَاوَضَةِ، بَلْ الِاسْتِرْدَادُ الْمَذْكُورُ فَسْخٌ لَهَا؛ وَلِأَنَّ الْمِلْكَ مَجَّانًا لَا يُعَدُّ تِجَارَةً، فَلَوْ قَصَدَ التِّجَارَةَ بَعْدَ التَّمَلُّكِ لَمْ يُؤَثِّرْ، إذْ النِّيَّةُ الْمُجَرَّدَةُ لَاغِيَةٌ، فَمَنْ اشْتَرَى بِعَرْضٍ لِلْقُنْيَةِ عَرْضًا لِلتِّجَارَةِ أَوْ اشْتَرَى بِعَرْضٍ لِلتِّجَارَةِ عَرْضًا لِلْقُنْيَةِ، ثُمَّ رُدَّ عَلَيْهِ بِعَيْبٍ أَوْ إقَالَةٍ لَمْ يَصِرْ مَالَ تِجَارَةٍ، وَإِنْ نَوَى بِهِ التِّجَارَةَ لِانْتِفَاءِ الْمُعَاوَضَةِ فَلَا يَعُودُ مَا كَانَ لِلتِّجَارَةِ مَالَ تِجَارَةٍ، بِخِلَافِ الرَّدِّ بِعَيْبٍ أَوْ إقَامَةٍ مِنْ شِرَاءِ عَرْضِ التِّجَارَةِ بِعَرْضِ التِّجَارَةِ فَإِنَّهُ يَبْقَى حُكْمُ التِّجَارَةِ كَمَا لَوْ بَاعَ عَرْضَ التِّجَارَةِ وَاشْتَرَى بِثَمَنِهِ عَرْضًا آخَرَ، وَلَوْ اشْتَرَى لِلتِّجَارَةِ دِبَاغًا لِيَدْبُغَ بِهِ
وَإِذَا مَلَكَهُ بِنَقْدِ نِصَابٍ فَحَوْلُهُ مِنْ حِينِ مَلَكَ النَّقْدَ، أَوْ دُونَهُ أَوْ بِعَرْضِ قُنْيَةٍ فَمِنْ الشِّرَاءِ، وَقِيلَ إنْ مَلَكَهُ بِنِصَابِ سَائِمَةٍ بَنَى عَلَى حَوْلِهَا
وَيَضُمُّ الرِّبْحَ، إلَى الْأَصْلِ فِي الْحَوْلِ إنْ لَمْ يَنِضَّ لَا إنْ نَضَّ فِي الْأَظْهَرِ،
[مغني المحتاج]
لِلنَّاسِ أَوْ صِبْغًا لِيَصْبُغَ بِهِ لَهُمْ صَارَ مَالَ تِجَارَةٍ فَتَلْزَمُهُ زَكَاتُهُ بَعْدَ مُضِيِّ حَوْلِهِ، بِخِلَافِ الصَّابُونِ إذَا اشْتَرَاهُ لَهَا لِيَغْسِلَ بِهِ لِلنَّاسِ أَوْ الْمِلْحِ لِيَعْجِنَ بِهِ لَهُمْ لَا يَصِيرُ مَالَ تِجَارَةٍ فَلَا زَكَاةَ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ يُسْتَهْلَكُ فَلَا يَقَعُ مُسَلَّمًا لَهُمْ.
(وَإِذَا مَلَكَهُ) أَيْ عَرْضَ التِّجَارَةِ (بِنَقْدِ) وَهُوَ الذَّهَبُ وَالْفِضَّةُ وَلَوْ غَيْرَ مَضْرُوبَيْنِ (نِصَابٍ) أَوْ دُونَهُ وَفِي مِلْكِهِ بَاقِيه: كَأَنْ اشْتَرَى بِعَيْنٍ عِشْرِينَ دِينَارًا أَوْ بِمِائَتَيْ دِرْهَمٍ أَوْ بِعَيْنٍ عَشَرَةً أَوْ مِائَةَ دِرْهَمٍ، وَفِي مِلْكِهِ عَشَرَةٌ أَوْ مِائَةٌ أُخْرَى (فَحَوْلُهُ مِنْ حِينِ مَلَكَ) ذَلِكَ (النَّقْدَ) لِاشْتِرَاكِهِمَا فِي قَدْرِ الْوَاجِبِ وَفِي جِنْسِهِ.
أَمَّا إذَا اشْتَرَاهُ بِنَقْدٍ فِي الذِّمَّةِ ثُمَّ نَقَدَهُ فَإِنَّهُ يَنْقَطِعُ حَوْلُ النَّقْدِ وَيَبْتَدِئُ حَوْلُ التِّجَارَةِ مِنْ وَقْتِ الشِّرَاءِ؛ لِأَنَّ صَرْفَهُ إلَى هَذِهِ الْجِهَةِ لَمْ يَتَعَيَّنْ (أَوْ دُونَهُ) أَيْ أَوْ مَلَكَهُ بِدُونِ النِّصَابِ، وَلَيْسَ فِي مِلْكِهِ بَاقِيهِ (أَوْ بِعَرْضِ قُنْيَةٍ) كَالثِّيَابِ (فَمِنْ الشِّرَاءِ) حَوْلُهُ؛ لِأَنَّ مَا مَلَكَهُ بِهِ لَمْ يَكُنْ مَالَ زَكَاةٍ (وَقِيلَ إنْ مَلَكَهُ بِنِصَابِ سَائِمَةٍ بَنَى عَلَى حَوْلِهَا) ؛ لِأَنَّهَا مَالُ زَكَاةٍ جَارٍ فِي الْحَوْلِ، فَكَانَ كَمَا لَوْ مَلَكَهُ بِنِصَابِ نَقْدٍ، وَفَرَقَ الْأَوَّلَ بِأَنَّ الْوَاجِبَ فِي الْمَقِيسِ مُخْتَلِفٌ، بِخِلَافِ الْمَقِيسِ عَلَيْهِ.
(وَيَضُمُّ الرِّبْحَ) الْحَاصِلُ فِي أَثْنَاءِ الْحَوْلِ (إلَى الْأَصْلِ فِي الْحَوْلِ إنْ لَمْ يَنِضَّ) بِكَسْرِ النُّونِ: أَيْ يَصِرْ نَاضًّا بِمَا يُقَوَّمُ بِهِ قِيَاسًا عَلَى النِّتَاجِ مَعَ الْأُمَّهَاتِ؛ وَلِأَنَّ الْمُحَافَظَةَ عَلَى حَوْلِ كُلِّ زِيَادَةٍ مَعَ اضْطِرَابِ الْأَسْوَاقِ مِمَّا يَشُقُّ، فَلَوْ اشْتَرَى عَرْضًا فِي الْمُحَرَّمِ بِمِائَتِي دِرْهَمٍ فَصَارَتْ قِيمَتُهُ قَبْلَ آخِرِ الْحَوْلِ وَلَوْ بِلَحْظَةٍ ثَلَاثَمِائَةٍ زَكَّى الْجَمِيعَ آخِرَ الْحَوْلِ، وَسَوَاءٌ حَصَلَ الرِّبْحُ بِزِيَادَةٍ فِي نَفْسِ الْعَرْضِ كَسِمَنِ الْحَيَوَانِ أَمْ بِارْتِفَاعِ الْأَسْوَاقِ، وَلَوْ بَاعَ الْعَرْضَ بِدُونِ قِيمَتِهِ زَكَّى الْقِيمَةَ أَوْ بِأَكْثَرَ مِنْهَا فَفِي زَكَاةِ الزَّائِدِ مَعَهَا وَجْهَانِ أَوْجَهُهُمَا الْوُجُوبُ (لَا إنْ نَضَّ) أَيْ صَارَ الْكُلُّ نَاضًّا بِنَقْدِ التَّقْوِيمِ بِبَيْعٍ أَوْ إتْلَافِ أَجْنَبِيٍّ وَأَمْسَكَهُ إلَى آخِرِ الْحَوْلِ أَوْ اشْتَرَى بِهِ عَرْضًا قَبْلَ تَمَامِهِ فَلَا يَضُمُّ بَلْ يُزَكِّي الْأَصْلَ بِحَوْلِهِ وَيُفْرِدُ الرِّبْحَ بِحَوْلِهِ (فِي الْأَظْهَرِ) فَلَوْ اشْتَرَى عَرْضًا لِلتِّجَارَةِ بِعِشْرِينَ دِينَارًا ثُمَّ بَاعَهُ لِسِتَّةِ أَشْهُرٍ بِأَرْبَعِينَ دِينَارًا وَاشْتَرَى بِهَا عَرْضًا آخَرَ وَبَلَغَ آخِرَ الْحَوْلِ بِالتَّقْوِيمِ أَوْ بِالتَّنْضِيضِ مِائَةً زَكَّى خَمْسِينَ؛ لِأَنَّ رَأْسَ الْمَالِ عِشْرُونَ وَنَصِيبَهَا مِنْ الرِّبْحِ ثَلَاثُونَ، فَتُزَكَّى الثَّلَاثُونَ الرِّبْحَ مَعَ أَصْلِهَا الْعِشْرِينَ؛ لِأَنَّهُ حَصَلَ فِي آخِرِ الْحَوْلِ مِنْ غَيْرِ نُضُوضٍ لَهُ قَبْلَهُ، ثُمَّ إنْ كَانَ قَدْ بَاعَ الْعَرْضَ قَبْلَ حَوْلِ الْعِشْرِينَ الرِّبْحِ كَأَنْ بَاعَهُ آخِرَ الْحَوْلِ الْأَوَّلِ زَكَّاهَا لِحَوْلِهَا: أَيْ لِسِتَّةِ أَشْهُرٍ مِنْ مُضِيِّ الْأَوَّلِ، وَزَكَّى رِبْحَهَا، وَهُوَ ثَلَاثُونَ بِحَوْلِهِ: أَيْ لِسِتَّةِ أَشْهُرٍ أُخْرَى، فَإِنْ كَانَتْ الْخَمْسُونَ الَّتِي زَكَّى عَنْهَا أَوَّلًا بَاقِيَةً زَكَّاهَا أَيْضًا لِحَوْلِ الثَّلَاثِينَ، وَإِلَّا: أَيْ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ قَدْ بَاعَ الْعَرْضَ قَبْلَ حَوْلِ الْعِشْرِينَ الرِّبْحِ زَكَّى رِبْحَهَا وَهُوَ الثَّلَاثُونَ مَعَهَا؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَنِضَّ قَبْلَ فَرَاغِ حَوْلِهَا، وَالثَّانِي يُزَكِّي الرِّبْحَ بِحَوْلِ الْأَصْلِ كَمَا يُزَكِّي النِّتَاجَ بِحَوْلِ الْأُمَّهَاتِ، وَفَرَقَ الْأَوَّلَ بِأَنَّ النِّتَاجَ جُزْءٌ مِنْ الْأَصْلِ فَأَلْحَقْنَاهُ بِهِ، بِخِلَافِ الرِّبْحِ فَإِنَّهُ لَيْسَ جُزْءًا؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا حَصَلَ بِحُسْنِ التَّصَرُّفِ، وَلِهَذَا يَرُدُّ الْغَاصِبُ نِتَاجَ
وَالْأَصَحُّ أَنَّ وَلَدَ الْعَرْضِ وَثَمَرَهُ مَالُ تِجَارَةٍ وَأَنَّ حَوْلَهُ حَوْلُ الْأَصْلِ، وَوَاجِبُهَا رُبْعُ عُشْرِ الْقِيمَةِ.
فَإِنْ مُلِكَ بِنَقْدٍ قُوِّمَ بِهِ إنْ مُلِكَ بِنِصَابٍ، وَكَذَا دُونَهُ فِي الْأَصَحِّ، أَوْ بِعَرْضٍ فَبِغَالِبِ نَقْدِ الْبَلَدِ، فَإِنْ غَلَبَ نَقْدَانِ وَبَلَغَ بِأَحَدِهِمَا نِصَابًا قُوِّمَ بِهِ،
[مغني المحتاج]
الْحَيَوَانِ دُونَ الرِّبْحِ.
أَمَّا إذَا كَانَ النَّاضُّ الْمَبِيعُ بِهِ مِنْ غَيْرِ مَا يُقَوَّمُ بِهِ فَهُوَ كَبَيْعِ عَرْضٍ بِعَرْضٍ عَلَى الْمَذْهَبِ فَيُضَمُّ الرِّبْحُ إلَى الْأَصْلِ، وَلَوْ كَانَ رَأْسُ الْمَالِ دُونَ نِصَابٍ: كَأَنْ اشْتَرَى عَرْضًا بِمِائَةِ دِرْهَمٍ وَبَاعَهُ بَعْدَ سِتَّةِ أَشْهُرٍ بِمِائَتَيْ دِرْهَمٍ وَأَمْسَكَهَا إلَى تَمَامِ حَوْلِ الشِّرَاءِ زَكَّاهُمَا إنْ ضَمَمْنَا الرِّبْحَ إلَى الْأَصْلِ وَاعْتَبَرْنَا النِّصَابَ آخِرَ الْحَوْلِ فَقَطْ وَإِلَّا زَكَّى مِائَةَ الرِّبْحِ بَعْدَ سِتَّةِ أَشْهُرٍ (وَالْأَصَحُّ أَنَّ وَلَدَ الْعَرْضِ) مِنْ الْحَيَوَانِ غَيْرِ السَّائِمَةِ كَمَعْلُوفَةٍ وَخَيْلٍ (وَثَمَرَهُ) كَثَمَرِ الشَّجَرَةِ وَأَغْصَانِهَا وَأَوْرَاقِهَا وَصُوفِ الْحَيَوَانِ وَوَبَرِهِ وَشَعْرِهِ (مَالُ تِجَارَةٍ) ؛ لِأَنَّهُمَا جُزْءَانِ مِنْ الْأُمِّ وَالشَّجَرِ.
وَالثَّانِي: لَا؛ لِأَنَّهُمَا لَمْ يَحْصُلَا بِالتِّجَارَةِ، وَمَحِلُّ الْخِلَافِ إذَا لَمْ تَنْقُصْ قِيمَةُ الْأُمِّ بِالْوِلَادَةِ، أَمَّا إذَا نَقَصَتْ بِهَا كَأَنْ كَانَتْ الْأُمُّ تُسَاوِي أَلْفًا فَصَارَتْ بِالْوِلَادَةِ ثَمَانِيَةً وَقِيمَةُ الْوَلَدِ مِائَتَانِ، فَإِنْ نَقَصَتْ الْأُمُّ يُجْبَرُ بِقِيمَةِ الْوَلَدِ جَزْمًا، وَفِيهِ احْتِمَالٌ لِلْإِمَامِ (وَ) الْأَصَحُّ عَلَى الْأَوَّلِ (أَنَّ حَوْلَهُ حَوْلُ الْأَصْلِ) تَبَعًا كَنِتَاجِ السَّائِمَةِ.
وَالثَّانِي: لَا، بَلْ تُفْرَدُ بِحَوْلٍ مِنْ انْفِصَالِ الْوَلَدِ وَظُهُورِ الثَّمَرَةِ؛ لِأَنَّهَا زِيَادَةٌ مُتَمَيِّزَةٌ عَنْ مَالِ التِّجَارَةِ، فَأُفْرِدَتْ كَمَا سَبَقَ فِي الرِّبْحِ النَّاضِّ، وَفِي الرَّوْضَةِ وَأَصْلِهَا، تَصْحِيحُ الْقَطْعِ بِالْأَوَّلِ، فَكَانَ يَنْبَغِي لِلْمُصَنِّفِ التَّعْبِيرُ بِالْمَذْهَبِ (وَوَاجِبُهَا) أَيْ التِّجَارَةِ (رُبْعُ عُشْرِ الْقِيمَةِ) أَمَّا كَوْنُهُ رُبْعَ عُشْرٍ، فَلَا خِلَافَ فِيهِ كَالنَّقْدِ، وَأَمَّا كَوْنُهُ مِنْ الْقِيمَةِ فَهُوَ الْجَدِيدُ؛ لِأَنَّ الْقِيمَةَ مُتَعَلِّقُ هَذِهِ الزَّكَاةِ، فَلَا يَجُوزُ الْإِخْرَاجُ مِنْ عَيْنِ الْعَرْضِ، وَالْقَدِيمُ: يَجِبُ الْإِخْرَاجُ مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ الَّذِي يَمْلِكُهُ، وَالْقِيمَةُ تَقْدِيرٌ، وَفِي قَوْلٍ يَتَخَيَّرُ بَيْنَهُمَا لِتَعَارُضِ الدَّلِيلَيْنِ.
(فَإِنْ مُلِكَ) الْعَرْضُ (بِنَقْدٍ قُوِّمَ بِهِ إنْ مُلِكَ بِنِصَابٍ) سَوَاءٌ أَكَانَ ذَلِكَ النَّقْدُ هُوَ الْغَالِبُ أَمْ لَا، وَسَوَاءٌ أَبْطَلَهُ السُّلْطَانُ أَمْ لَا كَمَا يَقْتَضِيهِ إطْلَاقُ الْمُصَنِّفِ؛ لِأَنَّهُ أَصْلُ مَا بِيَدِهِ، فَكَانَ أَوْلَى مِنْ غَيْرِهِ، وَفِي قَوْلٍ قَدِيمٍ إنَّ التَّقْوِيمَ لَا يَكُونُ إلَّا بِنَقْدِ الْبَلَدِ دَائِمًا.
حَكَاهُ صَاحِبُ التَّقْرِيبِ (وَكَذَا) إذَا مُلِكَ الْعَرْضُ بِنَقْدٍ (دُونَهُ) أَيْ النِّصَابِ فَإِنَّهُ يُقَوَّمُ بِهِ (فِي الْأَصَحِّ) ؛ لِأَنَّهُ أَصْلُهُ.
وَالثَّانِي: يُقَوَّمُ بِغَالِبِ نَقْدِ الْبَلَدِ كَمَا لَوْ اشْتَرَى بِعَرْضٍ.
وَمَحَلُّ الْخِلَافِ مَا إذَا لَمْ يَمْلِكْ بَقِيَّةَ النِّصَابِ مِنْ ذَلِكَ النَّقْدِ.
فَإِنْ مَلَكَهُ قَوَّمَ بِهِ قَطْعًا؛ لِأَنَّهُ اشْتَرَى بِبَعْضِ مَا انْعَقَدَ عَلَيْهِ الْحَوْلُ وَابْتَدَأَ الْحَوْلَ مِنْ وَقْتِ مَلَكَ الدَّرَاهِمَ قَالَهُ الرَّافِعِيُّ.
قَالَ فِي الرَّوْضَةِ: لَكِنْ يَجْرِي فِيهِ الْقَوْلُ الَّذِي حَكَاهُ صَاحِبُ التَّقْرِيبِ (أَوْ) مُلِكَ الْعَرْضُ (بِعَرْضٍ) لِلْقُنْيَةِ أَوْ بِخُلْعٍ أَوْ نِكَاحٍ أَوْ صُلْحٍ عَنْ دَمِ عَمْدٍ (فَبِغَالِبِ نَقْدِ الْبَلَدِ) مِنْ الدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ يُقَوَّمُ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا تَعَذَّرَ التَّقْوِيمُ بِالْأَصْلِ رُجِعَ إلَى نَقْدِ الْبَلَدِ عَلَى قَاعِدَةِ التَّقْوِيمَاتِ فِي الْإِتْلَافِ وَنَحْوِهِ، فَإِنْ حَالَ الْحَوْلُ بِمَحَلٍّ لَا نَقْدَ فِيهِ كَبَلَدٍ يُتَعَامَلُ فِيهِ بِالْفُلُوسِ أَوْ نَحْوِهَا اُعْتُبِرَ أَقْرَبُ الْبِلَادِ إلَيْهِ، وَلَوْ مُلِكَ بِدَيْنٍ فِي ذِمَّةِ الْبَائِعِ أَوْ بِنَحْوِ سَبَائِكَ قُوِّمَ بِجِنْسِهِ مِنْ النَّقْدِ كَمَا فِي الْكِفَايَةِ (فَإِنْ غَلَبَ نَقْدَانِ) عَلَى التَّسَاوِي (وَبَلَغَ) مَالُ التِّجَارَةِ (بِأَحَدِهِمَا) دُونَ الْآخَرِ (نِصَابًا قُوِّمَ بِهِ) لِبُلُوغِهِ نِصَابًا بِنَقْدٍ غَالِبٍ، وَفَرَّقَ بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ مَا إذَا بَلَغَ النَّقْدُ الَّذِي عِنْدَهُ نِصَابًا فِي أَحَدِ الْمِيزَانَيْنِ دُونَ الْآخَرَ، فَإِنَّهُ لَا
فَإِنْ بَلَغَ بِهِمَا قُوِّمَ بِالْأَنْفَعِ لِلْفُقَرَاءِ، وَقِيلَ يَتَخَيَّرُ الْمَالِكُ.
وَإِنْ مُلِكَ بِنَقْدٍ وَعَرْضٍ قَوَّمَ مَا قَابَلَ النَّقْدَ بِهِ وَالْبَاقِيَ بِالْغَالِبِ.
وَتَجِبُ فِطْرَةُ عَبْدِ التِّجَارَةِ مَعَ زَكَاتِهَا وَلَوْ كَانَ الْعَرْضُ سَائِمَةً، فَإِنْ كَمُلَ نِصَابُ إحْدَى الزَّكَاتَيْنِ فَقَطْ وَجَبَتْ أَوْ نِصَابُهُمَا فَزَكَاةُ الْعَيْنِ فِي الْجَدِيدِ
فَعَلَى هَذَا لَوْ سَبَقَ حَوْلُ التِّجَارَةِ، بِأَنْ اشْتَرَى بِمَالِهَا بَعْدَ سِتَّةِ أَشْهُرٍ نِصَابَ سَائِمَةٍ
[مغني المحتاج]
زَكَاةَ عَلَيْهِ بِأَنَّهُ هُنَا قَدْ تَحَقَّقَ تَمَامُ النِّصَابِ بِأَحَدِ النَّقْدَيْنِ دُونَ ذَاكَ (فَإِنْ بَلَغَ) نِصَابًا (بِهِمَا) أَيْ بِكُلٍّ مِنْهُمَا (قُوِّمَ بِالْأَنْفَعِ) مِنْهُمَا (لِلْفُقَرَاءِ) كَاجْتِمَاعِ الْحِقَاقِ وَبَنَاتِ اللَّبُونِ، هَذَا مَا نَقَلَ الرَّافِعِيُّ تَصْحِيحًا عَنْ مُقْتَضَى إيرَادِ الْإِمَامِ وَالْبَغَوِيِّ (وَقِيلَ يَتَخَيَّرُ الْمَالِكُ) فَيُقَوَّمُ بِأَيِّهِمَا شَاءَ كَمَا فِي شَاتَيْ الْجُبْرَانِ وَدَرَاهِمِهِ، وَهَذَا مَا صَحَّحَهُ فِي أَصْلِ الرَّوْضَةِ، وَنَقَلَ الرَّافِعِيُّ تَصْحِيحَهُ عَنْ الْعِرَاقِيِّينَ وَالرُّويَانِيِّ وَبِهِ الْفَتْوَى كَمَا فِي الْمُهِمَّاتِ، وَالْفَرْقُ بَيْنَ هَذِهِ وَبَيْنَ اجْتِمَاعِ الْحِقَاقِ وَبَنَاتِ اللَّبُونِ أَنَّ تَعَلُّقَ الزَّكَاةِ بِالْعَيْنِ أَشَدُّ مِنْ تَعَلُّقِهَا بِالْقِيمَةِ فَلَمْ يَجِبْ لِلتَّقْوِيمِ بِالْأَنْفَعِ كَمَا لَا يَجِبُ عَلَى الْمَالِكِ الشِّرَاءُ بِالْأَنْفَعِ لِيُقَوِّمَ بِهِ عِنْدَ آخِرِ الْحَوْلِ.
(وَإِنْ مُلِكَ بِنَقْدٍ وَعَرْضٍ) كَأَنْ اشْتَرَى بِمِائَتَيْ دِرْهَمٍ وَعَرْضٍ قُنْيَةً (قَوَّمَ مَا قَابَلَ النَّقْدَ بِهِ وَالْبَاقِي بِالْغَالِبِ) مِنْ نَقْدِ الْبَلَدِ؛ لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا لَوْ انْفَرَدَ كَانَ حُكْمُهُ كَذَلِكَ، فَكَذَا إذَا اجْتَمَعَا، وَهَكَذَا إذَا اشْتَرَى بِجِنْسٍ وَاحِدٍ مُخْتَلِفِ الصِّفَةِ كَالصِّحَاحِ وَالْمُكَسَّرَةِ إذَا تَفَاوَتَا.
(وَتَجِبُ فِطْرَةُ عَبْدِ التِّجَارَةِ مَعَ زَكَاتِهَا) أَيْ التِّجَارَةِ لِاخْتِلَافِ سَبَبِهَا، فَلَا يَتَدَاخَلَانِ: كَالْقِيمَةِ وَالْكَفَّارَةِ فِي الْعَبْدِ الْمَقْتُولِ (وَلَوْ كَانَ الْعَرْضُ سَائِمَةً) أَوْ غَيْرَهَا مِمَّا تَجِبُ الزَّكَاةُ فِي عَيْنِهِ كَثَمَرٍ (فَإِنَّ كَمُلَ) بِتَثْلِيثِ الْمِيمِ (نِصَابُ إحْدَى الزَّكَاتَيْنِ) الْعَيْنِ وَالتِّجَارَةِ (فَقَطْ) دُونَ نِصَابِ الْأُخْرَى كَأَنْ مَلَكَ تِسْعَةً وَثَلَاثِينَ مِنْ الْغَنَمِ قِيمَتُهَا مِائَتَانِ أَوْ أَرْبَعِينَ مِنْ الْغَنَمِ قِيمَتُهَا دُونَ الْمِائَتَيْنِ (وَجَبَتْ) زَكَاةُ مَا كَمُلَ نِصَابُهُ لِوُجُودِ سَبَبِهَا مِنْ غَيْرِ مُعَارِضٍ (أَوْ) كَمُلَ (نِصَابُهُمَا) كَأَرْبَعِينَ شَاةً قِيمَتُهَا مِائَتَا دِرْهَمٍ (فَزَكَاةُ الْعَيْنِ) تَجِبُ (فِي الْجَدِيدِ) وَفِي أَحَدِ قَوْلَيْ الْقَدِيمِ لِلِاتِّفَاقِ عَلَيْهَا، بِخِلَافِ زَكَاةِ التِّجَارَةِ فَإِنَّهَا مُخْتَلَفٌ فِيهَا، وَلِهَذَا لَا يَكْفُرُ جَاحِدُهَا بِخِلَافِ الْأُولَى، وَأَيْضًا زَكَاةُ التِّجَارَةِ مُتَعَلِّقَةٌ بِالْقِيمَةِ، فَقُدِّمَ الْمُتَعَلِّقُ بِالْعَيْنِ كَالْعَبْدِ الْمَرْهُونِ إذَا جَنَى، وَتُقَدَّمُ زَكَاةُ التِّجَارَةِ فِي أَحَدِ قَوْلَيْ الْقَدِيمِ؛ لِأَنَّهَا أَنْفَعُ لِلْمُسْتَحِقِّينَ فَإِنَّهَا تَجِبُ فِي كُلِّ شَيْءٍ وَزَكَاةُ الْعَيْنِ تَخْتَصُّ بِبَعْضِ الْأَعْيَانِ، وَلَا يُجْمَعُ بَيْنَ الزَّكَاتَيْنِ بِلَا خِلَافٍ كَمَا فِي الْمَجْمُوعِ، وَعَلَى الْجَدِيدِ: لَوْ كَانَ مَعَ مَا فِيهِ زَكَاةُ عَيْنِ مَا لَا زَكَاةَ فِي عَيْنِهِ، كَأَنْ اشْتَرَى شَجَرًا لِلتِّجَارَةِ، فَبَدَا صَلَاحُ ثَمَرِهِ وَجَبَ مَعَ تَقْدِيمِ زَكَاةِ التِّجَارَةِ عَنْ الثَّمَرِ زَكَاةُ الشَّجَرِ.
تَنْبِيهٌ لَوْ قَالَ الْمُصَنِّفُ: وَلَوْ كَانَ الْعَرْضُ مِمَّا تَجِبُ الزَّكَاةُ فِي عَيْنِهِ لَكَانَ أَعَمَّ، وَاسْتَغْنَى عَمَّا قَدَّرْتُهُ فِي كَلَامِهِ، وَلَوْ اشْتَرَى نَقْدًا بِنَقْدٍ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِلتِّجَارَةِ انْقَطَعَ الْحَوْلُ، وَإِنْ كَانَ لَهَا كَالصَّيَارِفَةِ فَالْأَصَحُّ انْقِطَاعُهُ أَيْضًا.
وَحُكِيَ عَنْ ابْنِ سُرَيْجٍ أَنَّهُ قَالَ: بَشِّرْ الصَّيَارِفَةَ بِأَنْ لَا زَكَاةَ عَلَيْهِمْ (فَعَلَى هَذَا) أَيْ الْجَدِيدِ (لَوْ سَبَقَ حَوْلُ) زَكَاةِ (التِّجَارَةِ) حَوْلَ زَكَاةِ الْعَيْنِ (بِأَنْ) وَأَوْلَى مِنْهُ كَأَنْ (اشْتَرَى بِمَالِهَا بَعْدَ سِتَّةِ أَشْهُرٍ) مِنْ حَوْلِهَا (نِصَابَ سَائِمَةٍ) وَلَمْ يَقْصِدْ بِهِ الْقُنْيَةَ
فَالْأَصَحُّ وُجُوبُ زَكَاةِ التِجارة لِتَمَامِ حَوْلِهَا ثُمَّ يَفْتَتِحُ حَوْلًا لِزَكَاةِ الْعَيْنِ أَبَدًا.
وَإِذَا قُلْنَا: عَامِلُ الْقِرَاضِ لَا يَمْلِكُ الرِّبْحَ بِالظُّهُورِ فَعَلَى الْمَالِكِ زَكَاةُ الْجَمِيعِ، فَإِنْ أَخْرَجَهَا مِنْ مَالِ الْقِرَاضِ حُسِبَتْ مِنْ الرِّبْحِ فِي الْأَصَحِّ، وَإِنْ قُلْنَا يَمْلِكُ بِالشُّهُورِ لَزِمَ الْمَالِكَ زَكَاةُ رَأْسِ الْمَالِ، وَحِصَّتُهُ مِنْ الرِّبْحِ، وَالْمَذْهَبُ: أَنَّهُ يَلْزَمُ الْعَامِلَ زَكَاةُ حِصَّتِهِ.