مغني المحتاج إلى معرفة معاني ألفاظ المنهاجصفحات 325-364
أهل الأثرالأرشيف العلمي

عَدْلٌ.

وَالْإِمَامَةُ أَفْضَلُ مِنْهُ فِي الْأَصَحِّ.
قُلْتُ: الْأَصَحُّ أَنَّهُ أَفْضَلُ مِنْهَا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

[مغني المحتاج]

«أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمَرَ عِشْرِينَ رَجُلًا فَأَذَّنُوا فَأَعْجَبَهُ صَوْتُ أَبِي مَحْذُورَةَ فَعَلَّمَهُ الْأَذَانَ» (عَدْلٌ) لِيُقْبَلَ خَبَرُهُ عَنْ الْأَوْقَاتِ، وَيُؤْمَنَ نَظَرُهُ إلَى الْعَوْرَاتِ، وَيُكْرَهُ أَذَانُ فَاسِقٍ وَصَبِيٍّ وَأَعْمَى لَيْسَ مَعَهُ بَصِيرٌ يَعْرِفُ الْوَقْتَ؛ لِأَنَّهُ رُبَّمَا غَلِطَ فِي الْوَقْتِ، وَلِأَنَّهُ يُفَوِّتُ عَلَى النَّاسِ فَضِيلَةَ أَوَّلِ الْوَقْتِ، وَلِذَلِكَ اُسْتُحِبَّ كَوْنُهُ عَالِمًا بِالْمَوَاقِيتِ.

فُرُوعٌ: يُكْرَهُ تَمْطِيطُ الْأَذَانِ: أَيْ تَمْدِيدُهُ وَالتَّغَنِّي بِهِ: أَيْ التَّطْرِيبُ، وَيُسَنُّ أَنْ يَكُونَ الْمُؤَذِّنُ مِنْ وَلَدِ مُؤَذِّنِي رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَبِلَالٍ وَابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ وَأَبِي مَحْذُورَةَ وَسَعْدٍ الْقُرَظِيِّ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَمِنْ أَوْلَادِ مُؤَذِّنِي أَصْحَابِهِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ أَحَدٌ مِنْهُمْ فَمِنْ أَوْلَادِ الصَّحَابَةِ ذَكَرَهُ فِي الْمَجْمُوعِ.

وَيُكْرَهُ الرُّكُوبُ فِيهِ لِلْمُقِيمِ لِمَا فِيهِ مِنْ تَرْكِ الْقِيَامِ الْمَأْمُورِ بِهِ بِخِلَافِ الْمُسَافِرِ لَا يُكْرَهُ أَذَانُهُ رَاكِبًا لِلْحَاجَةِ إلَى الرُّكُوبِ فِي السَّفَرِ، فَإِنْ أَذَّنَ مَاشِيًا أَجْزَأَهُ إنْ لَمْ يَبْعُدْ عَنْ مَكَانِ ابْتِدَائِهِ بِحَيْثُ لَا يَسْمَعُ آخِرَهُ مَنْ يَسْمَعُ أَوَّلَهُ وَإِلَّا لَمْ يُجْزِهِ، وَيُنْدَبُ أَنْ يَتَحَوَّلَ مِنْ مَكَانِ الْأَذَانِ لِلْإِقَامَةِ وَلَا يُقِيمُ وَهُوَ يَمْشِي، وَيُسَنُّ أَنْ يَفْصِلَ الْمُؤَذِّنُ وَالْإِمَامُ بَيْنَ الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ بِقَدْرِ اجْتِمَاعِ النَّاسِ فِي مَكَانِ الصَّلَاةِ وَبِقَدْرِ أَدَاءِ السُّنَّةِ الَّتِي قَبْلَ الْفَرِيضَةِ، وَيَفْصِلُ بَيْنَهُمَا فِي الْمَغْرِبِ بِنَحْوِ سَكْتَةٍ لَطِيفَةٍ كَقُعُودٍ لَطِيفٍ لِضِيقِ وَقْتِهَا، وَلِاجْتِمَاعِ النَّاسِ لَهَا قَبْلَ وَقْتِهَا عَادَةً، وَعَلَى مَا صَحَّحَهُ الْمُصَنِّفُ مِنْ أَنَّ لِلْمَغْرِبِ سُنَّةً قَبْلَهَا يَفْصِلُ بِقَدْرِ أَدَائِهَا أَيْضًا.

(وَالْإِمَامَةُ أَفْضَلُ مِنْهُ) أَيْ الْأَذَانِ (فِي الْأَصَحِّ) لِمُوَاظَبَتِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَخُلَفَائِهِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ - عَلَيْهَا، وَلِأَنَّ الْقِيَامَ بِالشَّيْءِ أَوْلَى مِنْ الدُّعَاءِ إلَيْهِ، وَاخْتَارَ هَذَا السُّبْكِيُّ مَعَ قَوْلِهِ إنَّ السَّلَامَةَ فِي تَرْكِهَا، وَنَقَلَ فِي الْإِحْيَاءِ عَنْ بَعْضِ السَّلَفِ أَنَّهُ قَالَ: لَيْسَ بَعْدَ الْأَنْبِيَاءِ أَفْضَلُ مِنْ الْعُلَمَاءِ، وَلَا بَعْدَ الْعُلَمَاءِ أَفْضَلُ مِنْ الْأَئِمَّةِ الْمُصَلِّينَ؛ لِأَنَّهُمْ قَامُوا بَيْنَ اللَّهِ وَبَيْنَ خَلْقِهِ: هَؤُلَاءِ بِالنُّبُوَّةِ، وَهَؤُلَاءِ بِالْعِلْمِ، وَهَؤُلَاءِ بِعِمَادِ الدِّينِ (قُلْتُ الْأَصَحُّ أَنَّهُ) أَيْ الْأَذَانَ (أَفْضَلُ مِنْهَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ﴾ [فصلت: 33] [فُصِّلَتْ] قَالَتْ عَائِشَةُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا -: هُمْ الْمُؤَذِّنُونَ، وَلِخَبَرِ «إنَّ خِيَارَ عِبَادِ اللَّهِ الَّذِينَ يُرَاعُونَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ وَالْأَظِلَّةَ لِذِكْرِ اللَّهِ» رَوَاهُ الْحَاكِمُ وَصَحَّحَ إسْنَادَهُ، وَلِدُعَائِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَهُ بِالْمَغْفِرَةِ، وَلِلْإِمَامِ بِالْإِرْشَادِ، وَالْمَغْفِرَةُ أَعْلَى مِنْ الْإِرْشَادِ كَمَا قَالَهُ الرَّافِعِيُّ.
وَقَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: دَعَا لِلْإِمَامِ بِالرُّشْدِ خَوْفَ زَيْغِهِ، وَلِلْمُؤَذِّنِ بِالْمَغْفِرَةِ لِعِلْمِهِ بِسَلَامَةِ حَالِهِ.
وَأُجِيبَ عَنْ الْأَوَّلِ بِأَنَّ الْأَذَانَ يَحْتَاجُ إلَى فَرَاغٍ وَكَانُوا مُشْتَغِلِينَ بِمَصَالِحِ الْأُمَّةِ، وَقِيلَ: لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَوْ أَذَّنَ لَوَجَبَ الْحُضُورُ عَلَى مَنْ سَمِعَهُ، وَضُعِّفَ هَذَا بِأَنَّ قَرِينَةَ الْحَالِ تَصْرِفُهُ إلَى الِاسْتِحْبَابِ، وَلِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَذَّنَ مَرَّةً فِي السَّفَرِ كَمَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ، وَقِيلَ: أَذَّنَ مَرَّتَيْنِ وَصَحَّحَ الْمُصَنِّفُ فِي نُكَتِهِ أَنَّ الْأَذَانَ مَعَ الْإِقَامَةِ أَفْضَلُ مِنْ الْإِمَامَةِ، وَجَرَى عَلَى ذَلِكَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ، وَالْمُعْتَمَدُ مَا فِي الْكِتَابِ تَبَعًا لِصَاحِبِ التَّنْبِيهِ، وَإِذَا كَانَ أَفْضَلَ مِنْ الْإِمَامَةِ فَهُوَ أَفْضَلُ مِنْ الْخَطَابَةِ؛ لِأَنَّ الْإِمَامَةَ أَفْضَلُ مِنْهَا؛ لِأَنَّ الْإِمَامَ يَأْتِي بِالْمَشْرُوطِ وَالْخَطِيبُ يَأْتِي بِالشَّرْطِ، وَالْإِتْيَانُ بِالْمَشْرُوطِ أَوْلَى، وَقِيلَ: الْأَذَانُ وَالْإِمَامَةُ سَوَاءٌ، وَقِيلَ: إنْ عَلِمَ مِنْ نَفْسِهِ

وَشَرْطُهُ الْوَقْتُ إلَّا الصُّبْحَ فَمِنْ نِصْفِ اللَّيْلِ.

[مغني المحتاج]

الْقِيَامَ بِحُقُوقِ الْإِمَامَةِ فَهِيَ أَفْضَلُ وَإِلَّا فَالْأَذَانُ، وَحُكِيَ عَنْ نَصِّ الْأُمِّ.
فَإِنْ قِيلَ: كَيْفَ فَضَّلَ الْمُصَنِّفُ الْأَذَانَ مَعَ مُوَافَقَتِهِ الرَّافِعِيَّ عَلَى تَصْحِيحِهِ أَنَّهُ سُنَّةٌ وَتَصْحِيحُهُ فَرْضِيَّةَ الْجَمَاعَةِ إذْ يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ تَفْضِيلُ سُنَّةٍ عَلَى فَرْضٍ وَإِنَّمَا يُرَجِّحُهُ عَلَيْهَا مَنْ يَقُولُ بِسُنِّيَّتِهَا؟ . أُجِيبَ بِأَنَّهُ لَا مَانِعَ مِنْ تَفْضِيلِ سُنَّةٍ عَلَى فَرْضٍ، فَقَدْ فُضِّلَ ابْتِدَاءُ السَّلَامِ عَلَى الْجَوَابِ، وَإِبْرَاءُ الْمُعْسِرِ عَلَى إنْظَارِهِ مَعَ أَنَّ الْأَوَّلَ فِيهِمَا سُنَّةٌ، وَالثَّانِيَ وَاجِبٌ.

فُرُوعٌ: يُسَنُّ لِمَنْ صَلُحَ لِلْأَذَانِ وَالْإِمَامَةِ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا قَالَ فِي الرَّوْضَةِ: وَفِيهِ حَدِيثٌ حَسَنٌ فِي التِّرْمِذِيِّ، وَقِيلَ يُكْرَهُ وَقِيلَ يُبَاحُ، وَيُسَنُّ أَنْ يَتَطَوَّعَ الْمُؤَذِّنُ بِالْأَذَانِ لِخَبَرِ «مَنْ أَذَّنَ سَبْعَ سِنِينَ مُحْتَسِبًا كُتِبَ لَهُ بَرَاءَةٌ مِنْ النَّارِ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَغَيْرُهُ.
وَفِي رِوَايَةٍ «مَنْ أَذَّنَ خَمْسَ صَلَوَاتٍ إيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ» وَأَنْ يَكُونَ الْأَذَانُ بِقُرْبِ الْمَسْجِدِ وَأَنْ لَا يَكْتَفِيَ أَهْلُ الْمَسَاجِدِ الْمُتَقَارِبَةِ بِأَذَانِ بَعْضِهِمْ بَلْ يُؤَذَّنُ فِي كُلِّ مَسْجِدٍ.

وَيُكْرَهُ أَنْ يَخْرُجَ مِنْ الْمَسْجِدِ بَعْدَ الْأَذَانِ قَبْلَ أَنْ يُصَلِّيَ إلَّا لِعُذْرٍ.

وَوَقْتُ الْأَذَانِ مَنُوطٌ بِنَظَرِ الْمُؤَذِّنِ وَلَا يَحْتَاجُ فِيهِ إلَى مُرَاجَعَةِ الْإِمَامِ، وَالْإِقَامَةُ بِنَظَرِ الْإِمَامِ فَلَا يُقِيمُ إلَّا بِإِذْنِهِ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «الْمُؤَذِّنُ أَمْلَكُ بِالْأَذَانِ وَالْإِمَامُ أَمْلَكُ بِالْإِقَامَةِ» رَوَاهُ ابْنُ عَدِيٍّ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي هُرَيْرَةَ، فَلَوْ أَقَامَ الْمُؤَذِّنُ بِغَيْرِ إذْنِ الْإِمَامِ اُعْتُدَّ بِهِ.

(وَشَرْطُهُ) أَيْ الْأَذَانِ (الْوَقْتُ) ؛ لِأَنَّهُ لِلْإِعْلَامِ بِدُخُولِهِ فَلَا يَصِحُّ، وَلَا يَجُوزُ قَبْلَهُ بِالْإِجْمَاعِ لِمَا فِيهِ مِنْ الْإِلْبَاسِ، لَكِنْ نَصَّ فِي الْبُوَيْطِيِّ عَلَى سُقُوطِ مَشْرُوعِيَّتِهِ بِفِعْلِ الصَّلَاةِ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ مَشْرُوعِيَّةَ الْأَذَانِ لِلصَّلَاةِ وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ كَمَا مَرَّ، لَا لِلْوَقْتِ، وَعَلَى هَذَا لَوْ نَوَى الْمُسَافِرُ تَأْخِيرَ الصَّلَاةِ، فَإِنْ قُلْنَا بِالْأَوَّلِ لَمْ يُؤَذِّنْ وَإِلَّا أَذَّنَ (إلَّا الصُّبْحَ) أَيْ أَذَانَهُ (فَمِنْ نِصْفِ اللَّيْلِ) يَصِحُّ لِخَبَرِ الصَّحِيحَيْنِ «إنَّ بِلَالًا يُؤَذِّنُ بِلَيْلٍ فَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى تَسْمَعُوا أَذَانَ ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ» (1) زَادَ الْبُخَارِيُّ «وَكَانَ رَجُلًا أَعْمَى لَا يُنَادِي حَتَّى يُقَالَ لَهُ أَصْبَحْتَ أَصْبَحْتَ» كَمَا مَرَّ، وَإِنَّمَا جُعِلَ وَقْتُهُ فِي النِّصْفِ الثَّانِي؛ لِأَنَّهُ أَقْرَبُ إلَى الصُّبْحِ إذْ مُعْظَمُ اللَّيْلِ قَدْ ذَهَبَ وَقَرُبَ الْأَذَانُ مِنْ الْوَقْتِ فَهُوَ مَنْسُوبٌ إلَى الصُّبْحِ، وَلِهَذَا تَقُولُ الْعَرَبُ بَعْدَهُ: أَنْعِمْ صَبَاحًا.
قَالَ فِي الْإِقْلِيدِ: فَيُسْتَحَبُّ تَقْدِيمُهُ قَبْلَ الْوَقْتِ خِلَافًا لِمَا أَطْلَقَهُ الْأَكْثَرُونَ مِنْ أَنَّهُ يَجُوزُ؛ لِأَنَّ وَقْتَهَا يَدْخُلُ عَلَى النَّاسِ وَفِيهِمْ الْجُنُبُ وَالنَّائِمُ، فَاسْتُحِبَّ تَقْدِيمُ أَذَانِهَا لَيَنْتَبِهُوا وَيَتَأَهَّبُوا لِيُدْرِكُوا فَضِيلَةَ أَوَّلِ الْوَقْتِ، وَخَرَجَ بِالْأَذَانِ الْإِقَامَةُ فَلَا تُقَدَّمُ بِحَالٍ، وَيُشْتَرَطُ فِيهَا أَيْضًا أَنْ لَا يَطُولَ الْفَصْلُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الصَّلَاةِ كَمَا فِي الْمَجْمُوعِ.
قَالَ الْمُصَنِّفُ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ فِي كَلَامِهِ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ بَيْنَ أَذَانَيْهِمَا إلَّا أَنْ يَنْزِلَ هَذَا وَيَرْقَى هَذَا، قَالَ الْعُلَمَاءُ: مَعْنَاهُ أَنَّ بِلَالًا كَانَ يُؤَذِّنُ قَبْلَ الْفَجْرِ وَيَتَرَبَّصُ بَعْدَ أَذَانِهِ لِلدُّعَاءِ وَنَحْوِهِ ثُمَّ يَرْقُبُ الْفَجْرَ، فَإِذَا قَارَبَ طُلُوعَهُ نَزَلَ فَأَخْبَرَ ابْنَ أُمِّ مَكْتُومٍ فَيَتَأَهَّبُ ثُمَّ يَرْقَى، وَقِيلَ: يَدْخُلُ وَقْتُ أَذَانِهِ فِي الشِّتَاءِ لِسُبْعٍ يَبْقَى

وَيُسَنُّ مُؤَذِّنَانِ لِلْمَسْجِدِ يُؤَذِّنُ وَاحِدٌ قَبْلَ الْفَجْرِ، وَآخَرُ بَعْدَهُ

وَيُسَنُّ لِسَامِعِهِ مِثْلُ قَوْلِهِ

[مغني المحتاج]

مِنْ اللَّيْلِ، وَفِي الصَّيْفِ لِنِصْفِ سُبْعٍ، وَصَحَّحَهُ الرَّافِعِيُّ فِي شَرْحِهِ وَضَعَّفَهُ الْمُصَنِّفُ فِي زِيَادَةِ الرَّوْضَةِ، وَقَالَ: إنَّ قَائِلَهُ اعْتَمَدَ حَدِيثًا بَاطِلًا مُحَرَّفًا، وَيَدْخُلُ سُبْعُ اللَّيْلِ الْأَخِيرِ بِطُلُوعِ الْفَجْرِ الْأَوَّلِ، وَقِيلَ: وَقْتُهُ جَمِيعُ اللَّيْلِ، وَقِيلَ: إذَا خَرَجَ وَقْتُ اخْتِيَارِ الْعِشَاءِ، وَضَبَطَ الْمُتَوَلِّي السَّحَرَ بِمَا بَيْنَ الْفَجْرِ الْكَاذِبِ وَالصَّادِقِ، وَقَالَ ابْنُ أَبِي الصَّيْفِ: السَّحَرُ هُوَ السُّدُسُ الْأَخِيرُ.

(وَيُسَنُّ مُؤَذِّنَانِ لِلْمَسْجِدِ) وَنَحْوَهُ تَأَسِّيًا بِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَمِنْ فَوَائِدِهِمَا أَنَّهُ (يُؤَذِّنُ وَاحِدٌ) لِلصُّبْحِ (قَبْلَ الْفَجْرِ وَآخَرُ بَعْدَهُ) لِلْخَبَرِ السَّابِقِ، وَيُزَادُ عَلَيْهِمَا بِقَدْرِ الْحَاجَةِ وَالْمَصْلَحَةِ كَمَا صَحَّحَهُ الْمُصَنِّفُ خِلَافًا لِلرَّافِعِيِّ فِي اسْتِحْبَابِ الِاقْتِصَارِ عَلَى أَرْبَعَةٍ، وَيَتَرَتَّبُونَ إنْ اتَّسَعَ الْوَقْتُ، وَيَقْتَرِعُونَ لِلْبُدَاءَةِ إنْ تَنَازَعُوا، فَإِنْ ضَاقَ الْوَقْتُ وَالْمَسْجِدُ كَبِيرٌ تَفَرَّقُوا فِي أَقْطَارِهِ وَإِنْ صَغُرَ اجْتَمَعُوا إنْ لَمْ يُؤَدِّ اجْتِمَاعُهُمْ إلَى اضْطِرَابٍ وَاخْتِلَاطٍ وَيَقِفُونَ عَلَيْهِ كَلِمَةً كَلِمَةً فَإِنْ أَدَّى إلَى ذَلِكَ أَذَّنَ بَعْضُهُمْ بِالْقُرْعَةِ.
قَالَ فِي الْمَجْمُوعِ: وَعِنْدَ التَّرْتِيبِ لَا يَتَأَخَّرُ بَعْضُهُمْ عَنْ بَعْضٍ: لِئَلَّا يَذْهَبَ أَوَّلُ الْوَقْتِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ إلَّا مُؤَذِّنٌ وَاحِدٌ سُنَّ لَهُ أَنْ يُؤَذِّنَ الْمَرَّتَيْنِ.
فَإِنْ اقْتَصَرَ عَلَى مَرَّةٍ فَالْأَوْلَى أَنْ تَكُونَ بَعْدَ الْفَجْرِ، وَالْمُؤَذِّنُ الْأَوَّلُ أَوْلَى بِالْإِقَامَةِ إلَّا أَنْ يَكُونَ الرَّاتِبُ غَيْرَهُ فَالرَّاتِبُ أَوْلَى، وَيَجُوزُ لِلْإِمَامِ أَنْ يَرْزُقَ الْمُؤَذِّنَ مِنْ مَالٍ الْمَصَالِحِ.
قَالَ فِي الْمَجْمُوعِ: وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَرْزُقَ مُؤَذِّنًا وَهُوَ يَجِدُ مُتَبَرِّعًا كَمَا نَصَّ عَلَيْهِ.
قَالَ الْقَاضِي حُسَيْنٌ: لِأَنَّ الْإِمَامَ فِي بَيْتِ الْمَالِ كَالْوَصِيِّ فِي مَالِ الْيَتِيمِ، وَالْوَصِيُّ لَوْ وَجَدَ مَنْ يَعْمَلُ فِي مَالِ الْيَتِيمِ مُتَبَرِّعًا لَمْ يَجُزْ أَنْ يَسْتَأْجِرَ عَلَيْهِ مِنْ مَالِ الْيَتِيمِ فَكَذَا الْإِمَامُ.

فَإِنْ تَطَوَّعَ بِهِ فَاسِقٌ وَثَمَّ أَمِينٌ أَوْ أَمِينٌ، وَثَمَّ أَمِينٌ أَحْسَنُ صَوْتًا مِنْهُ وَأَبَى الْأَمِينُ فِي الْأُولَى وَالْأَحْسَنُ صَوْتًا فِي الثَّانِيَةِ إلَّا بِالرِّزْقِ رَزَقَهُ الْإِمَامُ مِنْ سَهْمِ الْمَصَالِحِ عِنْدَ الْحَاجَةِ بِقَدْرِهَا، وَلِلْإِمَامِ أَنْ يَرْزُقَهُمْ وَإِنْ تَعَدَّدُوا بِعَدَدِ الْمَسَاجِدِ وَإِنْ تَقَارَبَتْ وَأَمْكَنَ جَمْعُ النَّاسِ بِأَحَدِهَا لِئَلَّا تَتَعَطَّلَ، وَيَبْدَأُ وُجُوبًا إنْ ضَاقَ بَيْتُ الْمَالِ وَنَدْبًا إنْ اتَّسَعَ بِالْأَهَمِّ كَمُؤَنِ الْجَامِعِ، وَأَذَانُ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ أَهَمُّ مِنْ غَيْرِهِ لِكَثْرَةِ جَمَاعَتِهَا وَقَصْدِ النَّاسِ لَهَا، وَلِلْإِمَامِ وَغَيْرِهِ اسْتِئْجَارُهُ عَلَى الْأَذَانِ؛ لِأَنَّهُ عَمَلٌ مَعْلُومٌ يُرْزَقُ عَلَيْهِ كَكِتَابَةِ الصَّكِّ وَلِرُجُوعِ نَفْعِهِ إلَى عُمُومِ الْمُسْلِمِينَ فَهُوَ كَتَعْلِيمِ الْقُرْآنِ وَلَا يُشْتَرَطُ بَيَانُ الْمُدَّةِ إذَا اسْتَأْجَرَهُ الْإِمَامُ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ بَلْ يَكْفِي أَنْ يَقُولَ اسْتَأْجَرْتُكَ كُلَّ شَهْرٍ بِكَذَا بِخِلَافِ مَا إذَا اسْتَأْجَرَهُ مِنْ مَالِهِ أَوْ اسْتَأْجَرَهُ غَيْرُهُ فَلَا بُدَّ مِنْ بَيَانِهَا عَلَى الْأَصْلِ فِي الْإِجَارَةِ، وَتَدْخُلُ الْإِقَامَةُ فِي اسْتِئْجَارِ الْأَذَانِ ضِمْنًا، وَيَبْطُلُ إفْرَادُهَا بِإِجَارَةٍ إذْ لَا كُلْفَةَ فِيهَا، وَفِي الْأَذَانِ كُلْفَةٌ غَالِبًا لِرِعَايَةِ الْوَقْتِ فَسَقَطَ مَا قِيلَ: إنَّ هَذِهِ الصُّورَةَ لَيْسَتْ بِصَافِيَةٍ عَنْ الْإِشْكَالِ.

وَلَا يَصِحُّ الْأَذَانُ لِلْجَمَاعَةِ بِالْعَجَمِيَّةِ وَهُنَاكَ مَنْ يُحْسِنُ الْعَرَبِيَّةَ، بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ هُنَاكَ مَنْ لَا يُحْسِنُهَا، فَإِنْ أَذَّنَ لِنَفْسِهِ وَكَانَ لَا يُحْسِنُ الْعَرَبِيَّةَ صَحَّ.
وَإِنْ كَانَ هُنَاكَ مَنْ يُحْسِنُهَا، وَعَلَيْهِ أَنْ يَتَعَلَّمَ، حَكَاهُ فِي الْمَجْمُوعِ عَنْ الْمَاوَرْدِيُّ، وَأَقَرَّهُ.

(وَيُسَنُّ لِسَامِعِهِ) أَيْ الْمُؤَذِّنِ وَمُسْتَمِعِهِ كَمَا فُهِمَ بِالْأَوْلَى، وَمِثْلُ الْمُؤَذِّنِ الْمُقِيمِ (مِثْلُ قَوْلِهِ) لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إذَا سَمِعْتُمْ النِّدَاءَ فَقُولُوا مِثْلَ مَا يَقُولُ الْمُؤَذِّنُ» (1) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَيُقَاسُ بِالْمُؤَذِّنِ

إلَّا فِي حَيْعَلَتَيْهِ فَيَقُولُ: لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاَللَّهِ.

[مغني المحتاج]

الْمُقِيمُ، وَتَنَاوَلَتْ عِبَارَتُهُ الْجُنُبَ وَالْحَائِضَ وَنَحْوَهُمَا وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ كَمَا جَزَمَا بِهِ خِلَافًا لِلسُّبْكِيِّ فِي قَوْلِهِ لَا يُجِيبَانِ لِحَدِيثِ «كَرِهْتُ أَنْ أَذْكُرَ اللَّهَ إلَّا عَلَى طُهْرٍ» وَلِابْنِهِ فِي قَوْلِهِ: وَيُمْكِنُ أَنْ يُتَوَسَّطَ، فَيُقَالُ: تُجِيبُ الْحَائِضُ لِطُولِ زَمَنِهَا بِخِلَافِ الْجُنُبِ، وَتَنَاوَلَتْ أَيْضًا الْمُجَامِعَ وَقَاضِيَ الْحَاجَةِ، لَكِنْ إنَّمَا يُجِيبَانِ بَعْدَ الْفَرَاغِ.
كَمَا قَالَهُ فِي الْمَجْمُوعِ، وَمَحَلُّهُ مَا لَمْ يَطُلْ الْفَصْلُ، فَإِنْ طَالَ لَمْ تُسْتَحَبَّ لَهُمَا الْإِجَابَةُ، وَفَارَقَ هَذَا تَكْبِيرَ الْعِيدِ الْمَشْرُوعَ عَقِبَ الصَّلَاةِ حَيْثُ يُتَدَارَكُ وَإِنْ طَالَ الْفَصْلُ بِأَنَّ الْإِجَابَةَ تَنْقَطِعُ مَعَ الطُّولِ بِخِلَافِ التَّكْبِيرِ وَمَنْ فِي صَلَاةٍ، وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ لَا يُسْتَحَبُّ لَهُ الْإِجَابَةُ بَلْ تُكْرَهُ، فَإِنْ قَالَ فِي التَّثْوِيبِ: صَدَقْتَ وَبَرَرْتَ، أَوْ قَالَ: حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ أَوْ الصَّلَاةُ خَيْرٌ مِنْ النَّوْمِ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ، بِخِلَافِ صَدَقَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَا تَبْطُلُ بِهِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي الْمَجْمُوعِ، وَإِنْ أَجَابَ فِي أَثْنَاءِ الْفَاتِحَةِ وَجَبَ اسْتِئْنَافُهَا، وَإِذَا كَانَ السَّامِعُ أَوْ الْمُسْتَمِعُ فِي قِرَاءَةٍ أَوْ ذِكْرٍ اُسْتُحِبَّ لَهُ أَنْ يَقْطَعَهُمَا وَيُجِيبَ، أَوْ فِي طَوَافٍ أَجَابَ فِيهِ كَمَا قَالَهُ الْمَاوَرْدِيُّ.

وَيُسَنُّ أَنْ يُجِيبَ فِي كُلِّ كَلِمَةٍ عَقِبَهَا بِأَنْ لَا يُقَارِنَ وَلَا يَتَأَخَّرَ كَمَا فِي الْمَجْمُوعِ.
قَالَ الْإِسْنَوِيُّ: وَمُقْتَضَاهُ الْإِجْزَاءُ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ وَامْتِنَاعُهُ عِنْدَ التَّقَدُّمِ، وَأَفْهَمَ كَلَامُ الْمُصَنِّفِ: أَنَّهُ لَوْ عَلِمَ أَذَانَ غَيْرِهِ أَوْ إقَامَتَهُ وَلَمْ يَسْمَعْهُ لِبُعْدٍ أَوْ صَمَمٍ لَا تُسَنُّ لَهُ الْإِجَابَةُ.
وَقَالَ فِي الْمَجْمُوعِ: إنَّهُ الظَّاهِرُ؛ لِأَنَّهَا مُعَلَّقَةٌ بِالسَّمَاعِ فِي خَبَرِ «إذَا سَمِعْتُمْ الْمُؤَذِّنَ» وَكَمَا فِي نَظِيرِهِ مِنْ تَشْمِيتِ الْعَاطِسِ.
قَالَ: وَإِذَا لَمْ يَسْمَعْ التَّرْجِيعَ فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ تُسَنُّ لَهُ الْإِجَابَةُ فِيهِ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «قُولُوا مِثْلَ مَا يَقُولُ» وَلَمْ يَقُلْ مِثْلَ مَا تَسْمَعُونَ، وَيُؤْخَذُ مِنْ كَلَامِ الْمَجْمُوعِ فِي ذَلِكَ أَنَّهُ لَوْ سَمِعَ بَعْضَ الْأَذَانِ يُسَنُّ لَهُ أَنْ يُجِيبَ فِي الْجَمِيعِ، وَبِهِ صَرَّحَ الزَّرْكَشِيُّ وَغَيْرُهُ.

قَالَ فِي الْمَجْمُوعِ: وَإِذَا سَمِعَ مُؤَذِّنًا بَعْدَ مُؤَذِّنٍ، فَالْمُخْتَارُ أَنَّ أَصْلَ الْفَضِيلَةِ فِي الْإِجَابَةِ شَامِلٌ لِلْجَمِيعِ إلَّا أَنَّ الْأَوَّلَ مُتَأَكَّدٌ يُكْرَهُ تَرْكُهُ، وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: إجَابَةُ الْأَوَّلِ أَفْضَلُ إلَّا أَذَانَيْ الصُّبْحِ فَلَا أَفْضَلِيَّةَ فِيهِمَا لِتَقَدُّمِ الْأَوَّلِ وَوُقُوعِ الثَّانِي فِي الْوَقْتِ وَإِلَّا أَذَانَيْ الْجُمُعَةِ لِتَقَدُّمِ الْأَوَّلِ وَمَشْرُوعِيَّةِ الثَّانِي فِي زَمَنِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (إلَّا فِي حَيْعَلَتَيْهِ) وَهُمَا حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ، حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ (فَيَقُولُ) بَدَلَ كُلٍّ مِنْهُمَا (لَا حَوْلَ) أَيْ عَنْ الْمَعْصِيَةِ إلَّا بِعِصْمَةِ اللَّهِ (وَلَا قُوَّةَ) عَلَى الطَّاعَةِ (إلَّا بِاَللَّهِ) أَيْ بِعَوْنِ اللَّهِ، فَقَدْ ثَبَتَ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ قَالَ «كُنْتُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقُلْتُ: لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاَللَّهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَتَدْرِي مَا تَفْسِيرُهَا؟ قُلْتُ: لَا.
قَالَ: لَا حَوْلَ عَنْ مَعْصِيَةِ اللَّهِ إلَّا بِعِصْمَةِ اللَّهِ وَلَا قُوَّةَ عَلَى طَاعَةِ اللَّهِ إلَّا بِعَوْنِ اللَّهِ ثُمَّ ضَرَبَ بِيَدَيْهِ عَلَى مَنْكِبَيَّ وَقَالَ: هَكَذَا أَخْبَرَنِي جِبْرِيلُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -» وَيَقُولُ ذَلِكَ فِي الْأَذَانِ أَرْبَعًا، وَفِي الْإِقَامَةِ مَرَّتَيْنِ.
قَالَهُ فِي الْمَجْمُوعِ: وَقِيلَ: يُحَوْقِلُ مَرَّتَيْنِ فِي الْأَذَانِ، وَاخْتَارَهُ ابْنُ الرِّفْعَةِ وَكَلَامُ الْمُصَنِّفِ يَمِيلُ إلَيْهِ وَلَوْ عَبَّرَ بِحَيْعَلَاتِهِ لَوَافَقَ الْأَوَّلَ الْمُعْتَمَدَ

قُلْتُ: وَإِلَّا فِي التَّثْوِيبِ، فَيَقُولُ: صَدَقْتَ وَبَرِرْتَ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

وَلِكُلٍّ أَنْ يُصَلِّيَ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَعْدَ فَرَاغِهِ، ثُمَّ اللَّهُمَّ رَبَّ هَذِهِ الدَّعْوَةِ

[مغني المحتاج]

وَإِنَّمَا لَمْ يَقُلْ فِي الْحَيْعَلَتَيْنِ مِثْلَ مَا يَقُولُ؛ لِأَنَّهُمَا دُعَاءٌ إلَى الصَّلَاةِ لَا يَلِيقُ بِغَيْرِ الْمُؤَذِّنِ وَالْمُقِيمِ، فَسُنَّ لِلْمُجِيبِ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ تَفْوِيضٌ مَحْضٌ إلَى اللَّهِ تَعَالَى، وَلِقَوْلِهِ فِي خَبَرِ مُسْلِمٍ «وَإِذَا قَالَ حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ قَالَ: أَيْ سَامِعُهُ لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاَللَّهِ، وَإِذَا قَالَ حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ قَالَ: لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاَللَّهِ» وَفِي آخِرِ الْحَدِيثِ مَنْ قَالَ ذَلِكَ مُخْلِصًا مِنْ قَلْبِهِ دَخَلَ الْجَنَّةَ (1) وَفِي الصَّحِيحَيْنِ: «لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاَللَّهِ كَنْزٌ مِنْ كُنُوزِ الْجَنَّةِ» أَيْ أَجْرُهَا مُدَّخَرٌ لِقَائِلِهَا كَمَا يُدَّخَرُ الْكَنْزُ.

فَائِدَةٌ: الْحَاءُ وَالْعَيْنُ لَا يَجْتَمِعَانِ فِي كَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ أَصْلِيَّةِ الْحُرُوفِ لِقُرْبِ مَخْرَجِهِمَا إلَّا أَنْ تُؤَلَّفَ كَلِمَةٌ مِنْ كَلِمَتَيْنِ كَقَوْلِهِمْ حَيْعَلَ، فَإِنَّهَا مُرَكَّبَةٌ مِنْ كَلِمَتَيْنِ.
مِنْ حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ، وَمِنْ حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ، وَمِنْ الْمُرَكَّبِ مِنْ كَلِمَتَيْنِ قَوْلُهُمْ حَوْقَلَ إذَا قَالَ: لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاَللَّهِ هَكَذَا قَالَهُ الْجَوْهَرِيُّ.
وَقَالَ الْأَزْهَرِيُّ وَغَيْرُهُ: حَوْلَقَ بِتَقْدِيمِ اللَّامِ عَلَى الْقَافِ فَهِيَ مُرَكَّبَةٌ مِنْ حَاءِ حَوْلَ وَقَافِ قُوَّةَ، وَكَقَوْلِهِمْ: بَسْمَلَ، إذَا قَالَ: بِسْمِ اللَّهِ، وَحَمْدَلَ، إذَا قَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ، وَالْهَيْلَلَةُ، إذَا قَالَ: لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ، وَالْجَعْفَلَةُ، جُعِلْتُ فِدَاءَكَ، وَالطَّلْبَقَةُ، أَطَالَ اللَّهُ بَقَاءَكَ، وَالدَّمْعَزَةُ، أَدَامَ اللَّهُ عِزَّكَ.
وَالْفَلَاحُ الظَّفَرُ بِالْمَطْلُوبِ، وَالنَّجَاةُ مِنْ الْمَرْهُوبِ.

قَالَ الْإِسْنَوِيُّ: وَالْقِيَاسُ أَنَّ السَّامِعَ يَقُولُ فِي قَوْلِ الْمُؤَذِّنِ: أَلَا صَلُّوا فِي رِحَالِكُمْ: لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاَللَّهِ (قُلْتُ: وَإِلَّا فِي التَّثْوِيبِ) فِي أَذَانَيْ الصُّبْحِ (فَيَقُولُ) بَدَلَ كَلِمَتَيْهِ (صَدَقْتَ وَبَرِرْتَ) بِكَسْرِ الرَّاءِ الْأُولَى وَسُكُونِ الثَّانِيَةِ، وَحُكِيَ فَتْحُ الْأُولَى: أَيْ صِرْت ذَا بِرٍّ: أَيْ خَيْرٍ كَثِيرٍ (وَاَللَّهُ أَعْلَمُ) لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ الْمُنَاسَبَةِ، وَلِخَبَرٍ وَرَدَ فِيهِ، قَالَهُ ابْنُ الرِّفْعَةِ، قَالَ الدَّمِيرِيُّ: وَلَا يُعْرَفُ مَنْ قَالَهُ، وَقِيلَ يَقُولُ: صَدَقَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الصَّلَاةُ خَيْرٌ مِنْ النَّوْمِ، وَالْمَشْهُورُ اسْتِحْبَابُ الْإِجَابَةِ فِي كَلِمَاتِ الْإِقَامَةِ كَمَا تَقَرَّرَ إلَّا فِي كَلِمَتَيْ الْإِقَامَةِ، فَيَقُولُ " أَقَامَهَا اللَّهُ وَأَدَامَهَا مَا دَامَتْ السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ " لِمَا فِيهِ مِنْ الْمُنَاسَبَةِ أَيْضًا، وَلِخَبَرٍ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد لَكِنْ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ.
وَقَالَ الْإِمَامُ يَقُولُ: (اللَّهُمَّ أَقِمْهَا وَأَدِمْهَا وَاجْعَلْنِي مِنْ صَالِحِي أَهْلِهَا) (2) وَهُوَ أَيْضًا مَرْوِيٌّ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقِيلَ يُجِيبُ إلَّا فِي كَلِمَتَيْهَا فَقَطْ.

(وَ) يُسَنُّ (لِكُلٍّ) مِنْ مُؤَذِّنٍ وَسَامِعٍ وَمُسْتَمِعٍ قَالَ شَيْخُنَا وَمُقِيمٍ، وَلَمْ أَرَهُ لِغَيْرِهِ (أَنْ يُصَلِّيَ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -) وَيُسَلِّمَ أَيْضًا لِمَا مَرَّ مِنْ أَنَّهُ يُكْرَهُ إفْرَادُهَا عَنْهُ (بَعْدَ فَرَاغِهِ) مِنْ الْأَذَانِ أَوْ الْإِقَامَةِ عَلَى مَا مَرَّ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إذَا سَمِعْتُمْ الْمُؤَذِّنَ فَقُولُوا مِثْلَ مَا يَقُولُ ثُمَّ صَلُّوا عَلَيَّ فَإِنَّهُ مَنْ صَلَّى عَلَيَّ صَلَاةً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ بِهَا عَشْرًا» (ثُمَّ) يَقُولُ: (اللَّهُمَّ) أَصْلُهُ يَا اللَّهُ حُذِفَتْ مِنْهُ يَا وَعُوِّضَ عَنْهُ الْمِيمُ؛ وَلِهَذَا لَا يَجُوزُ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا (رَبَّ هَذِهِ الدَّعْوَةِ) بِفَتْحِ الدَّالِ: أَيْ الْأَذَانِ أَوْ الْإِقَامَةِ عَلَى

التَّامَّةِ، وَالصَّلَاةِ الْقَائِمَةِ آتِ مُحَمَّدًا الْوَسِيلَةَ وَالْفَضِيلَةَ، وَابْعَثْهُ مَقَامًا مَحْمُودًا الَّذِي وَعَدْتَهُ.

فَصْلٌ اسْتِقْبَالُ الْقِبْلَةِ شَرْطٌ لِصَلَاةِ الْقَادِرِ

[مغني المحتاج]

مَا مَرَّ (التَّامَّةِ) أَيْ السَّالِمَةِ مِنْ تَطَرُّقِ نَقْصٍ إلَيْهَا (وَالصَّلَاةِ الْقَائِمَةِ) أَيْ الَّتِي بِهِ تُقَامُ (آتِ) أَعْطِ (مُحَمَّدًا الْوَسِيلَةَ وَالْفَضِيلَةَ وَابْعَثْهُ مَقَامًا مَحْمُودًا الَّذِي وَعَدْتَهُ) لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَنْ قَالَ ذَلِكَ حِينَ يَسْمَعُ النِّدَاءَ حَلَّتْ لَهُ شَفَاعَتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ» (1) رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ: أَيْ حَصَلَتْ وَزَادَ فِي التَّنْبِيهِ بَعْدَ وَالْفَضِيلَةَ: وَالدَّرَجَةَ الرَّفِيعَةَ، وَبَعْدَ وَعَدْتَهُ: يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ، وَالْوَسِيلَةُ أَصْلُ مَا يُتَوَسَّلُ بِهِ إلَى الشَّيْء، وَالْجَمْعُ وَسَائِلُ، وَالْمُرَادُ مِنْهَا فِي الْحَدِيثِ الْقُرْبُ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى، وَقِيلَ: مَنْزِلَةٌ فِي الْجَنَّةِ كَمَا ثَبَتَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ: وَقِيلَ: قُبَّتَانِ فِي أَعْلَى عِلِّيِّينَ إحْدَاهُمَا مِنْ لُؤْلُؤَةٍ بَيْضَاءَ يَسْكُنُهَا مُحَمَّدٌ وَآلُهُ، وَالْأُخْرَى مِنْ يَاقُوتَةٍ صَفْرَاءَ يَسْكُنُهَا إبْرَاهِيمُ وَآلُهُ، وَالْمَقَامُ الْمَذْكُورُ هُوَ الْمُرَادُ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ [الإسراء: 79] [الْإِسْرَاءُ] وَهُوَ مَقَامُ الشَّفَاعَةِ فِي فَصْلِ الْقَضَاءِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَحْمَدُهُ فِيهِ الْأَوَّلُونَ وَالْآخِرُونَ رَوَاهُ الْبَزَّارُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ.
وَقَالَ مُجَاهِدٌ وَالطَّبَرِيُّ: الْمَقَامُ الْمَحْمُودُ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُجْلِسُهُ عَلَى الْعَرْشِ، وَوَقَعَ فِي الْمُحَرَّرِ وَالشَّرْحِ الْمَقَامُ الْمَحْمُودُ مُعَرَّفًا، وَنَكَّرَهُ فِي الْمَجْمُوعِ، وَاعْتَرَضَ بِرِوَايَةِ النَّسَائِيّ وَابْنِ خُزَيْمَةَ وَابْنِ حِبَّانَ وَالْبَيْهَقِيِّ لَهُ مُعَرَّفًا بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ.
فَإِنْ قِيلَ: مَا فَائِدَةُ طَلَبِ ذَلِكَ لَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ وَاجِبُ الْوُقُوعِ بِوَعْدِ اللَّهِ تَعَالَى؟ . أُجِيبَ بِأَنَّ فِي ذَلِكَ إظْهَارًا لِشَرَفِهِ وَعَظِيمِ مَنْزِلَتِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَزَادَهُ فَضْلًا وَشَرَفًا لَدَيْهِ، وَقَوْلُ الْمُصَنِّفِ: الَّذِي وَعَدْتَهُ فِي مَحَلِّ نَصْبٍ بَدَلٌ مِنْ قَوْلِهِ مَقَامًا لَا نَعْتٌ لَهُ: لِأَنَّهُ يَجُوزُ إبْدَالُ الْمَعْرِفَةِ مِنْ النَّكِرَةِ وَلَا يَجُوزُ نَعْتُ النَّكِرَةِ بِالْمَعْرِفَةِ كَمَا لَا يَجُوزُ نَعْتُ الْمَعْرِفَةِ بِالنَّكِرَةِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَنْصُوبًا بِتَقْدِيرِ أَعْنِي، وَمَرْفُوعًا خَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ.

تَتِمَّةٌ: يُنْدَبُ الدُّعَاءُ بَيْنَ الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ لِخَبَرِ «الدُّعَاءُ لَا يُرَدُّ بَيْنَ الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ فَادْعُوَا» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ.
قَالَ فِي الْعُبَابِ: وَأَكَّدَهُ بِسُؤَالِ الْعَافِيَةِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَأَنْ يَقُولَ الْمُؤَذِّنُ وَمَنْ سَمِعَهُ بَعْدَ أَذَانِ الْمَغْرِبِ: اللَّهُمَّ هَذَا إقْبَالُ لَيْلِكَ وَإِدْبَارُ نَهَارِكَ وَأَصْوَاتُ دُعَاتِكَ فَاغْفِرْ لِي، وَبَعْدَ أَذَانِ الصُّبْحِ: اللَّهُمَّ هَذَا إقْبَالُ نَهَارِكَ وَإِدْبَارُ لَيْلِكَ وَأَصْوَاتُ دُعَاتِكَ فَاغْفِرْ لِي (2) .

[فَصْلٌ فِي اسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ]

(فَصْلٌ) اسْتِقْبَالُ الْقِبْلَةِ: بِالصَّدْرِ لَا بِالْوَجْهِ (شَرْطٌ لِصَلَاةِ الْقَادِرِ) عَلَى الِاسْتِقْبَالِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى:

إلَّا فِي شِدَّةِ الْخَوْفِ.

وَنَفْلُ السَّفَرِ، فَلِلْمُسَافِرِ التَّنَفُّلُ رَاكِبًا وَمَاشِيًا، وَلَا يُشْتَرَطُ طُولُ سَفَرِهِ عَلَى الْمَشْهُورِ.

[مغني المحتاج]

﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ﴾ [البقرة: 144] أَيْ نَحْوَ ﴿الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: 144] [الْبَقَرَةُ] وَالِاسْتِقْبَالُ لَا يَجِبُ فِي غَيْرِ الصَّلَاةِ، فَتَعَيَّنَ أَنْ يَكُونَ فِيهَا، وَقَدْ وَرَدَ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ لِلْمُسِيءِ صَلَاتَهُ وَهُوَ خَلَّادُ بْنُ رَافِعٍ الزُّرَقِيُّ الْأَنْصَارِيُّ: «إذَا قُمْتَ إلَى الصَّلَاةِ فَأَسْبِغْ الْوُضُوءَ ثُمَّ اسْتَقْبِلْ الْقِبْلَةَ» (1) رَوَاهُ الشَّيْخَانِ.
وَرَوَيَا «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَكَعَ رَكْعَتَيْنِ قِبَلَ الْكَعْبَةِ: أَيْ وَجْهَهَا، وَقَالَ: هَذِهِ الْقِبْلَةُ» مَعَ خَبَرِ «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي» فَلَا تَصِحُّ الصَّلَاةُ بِدُونِهِ إجْمَاعًا.
وَالْقِبْلَةُ فِي اللُّغَةِ: الْجِهَةُ وَالْمُرَادُ هُنَا الْكَعْبَةُ، وَلَوْ عَبَّرَ بِهَا لَكَانَ أَوْلَى؛ لِأَنَّهَا الْقِبْلَةُ الْمَأْمُورُ بِهَا وَلَكِنَّ الْقِبْلَةَ صَارَتْ فِي الشَّرْعِ حَقِيقَةَ الْكَعْبَةِ لَا يُفْهَمُ مِنْهَا غَيْرُهَا، سُمِّيَتْ قِبْلَةً؛ لِأَنَّ الْمُصَلِّيَ يُقَابِلُهَا، وَكَعْبَةً لِارْتِفَاعِهَا وَقِيلَ لِاسْتِدَارَتِهَا.
أَمَّا الْعَاجِزُ عَنْهُ كَمَرِيضٍ لَا يَجِدُ مَنْ يُوَجِّهُهُ إلَيْهَا وَمَرْبُوطٍ عَلَى خَشَبَةٍ فَيُصَلِّي عَلَى حَالِهِ وَيُعِيدُ وُجُوبًا.
قَالَ فِي الْكِفَايَةِ: وَوُجُوبُ الْإِعَادَةِ دَلِيلٌ عَلَى الِاشْتِرَاطِ: أَيْ فَلَا يَحْتَاجُ إلَى التَّقْيِيدِ بِالْقَادِرِ، فَإِنَّهَا شَرْطٌ لِلْعَاجِزِ أَيْضًا بِدَلِيلِ الْقَضَاءِ، وَلِذَلِكَ لَمْ يَذْكُرْهُ فِي التَّنْبِيهِ وَالْحَاوِي، وَاسْتَدْرَكَ عَلَى ذَلِكَ السُّبْكِيُّ، فَقَالَ: لَوْ كَانَ شَرْطًا لَمَا صَحَّتْ الصَّلَاةُ بِدُونِهِ، وَوُجُوبُ الْقَضَاءِ لَا دَلِيلَ فِيهِ اهـ. وَفِي هَذَا نَظَرٌ؛ لِأَنَّ الشَّرْطَ إذَا فُقِدَ تَصِحُّ الصَّلَاةُ بِدُونِهِ وَتُعَادُ كَفَاقِدِ الطَّهُورَيْنِ، ثُمَّ رَأَيْتُ الْأَذْرَعِيَّ تَعَرَّضَ لِذَلِكَ.

(إلَّا فِي) صَلَاةِ (شِدَّة الْخَوْفِ) فِيمَا يُبَاحُ مِنْ قِتَالٍ أَوْ غَيْرِهِ فَرْضًا كَانَتْ أَوْ نَفْلًا، فَلَيْسَ التَّوَجُّهُ بِشَرْطٍ فِيهَا لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالا أَوْ رُكْبَانًا﴾ [البقرة: 239] [الْبَقَرَةُ] قَالَ ابْنُ عُمَرَ " مُسْتَقْبِلِي الْقِبْلَةِ وَغَيْرَ مُسْتَقْبِلِيهَا " رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي التَّفْسِيرِ قَالَ فِي الْكِفَايَةِ: نَعَمْ لَوْ قَدَرَ أَنْ يُصَلِّيَ قَائِمًا إلَى غَيْرِ الْقِبْلَةِ وَرَاكِبًا إلَى الْقِبْلَةِ وَجَبَ الِاسْتِقْبَالُ رَاكِبًا؛ لِأَنَّهُ آكَدُ مِنْ الْقِيَامِ؛ لِأَنَّ الْقِيَامَ يَسْقُطُ فِي النَّافِلَةِ بِغَيْرِ عُذْرٍ، بِخِلَافِ الِاسْتِقْبَالِ، وَقَدْ أَعَادَ الْمُصَنِّفُ الْمَسْأَلَةَ مَبْسُوطَةً فِي صَلَاةِ الْخَوْفِ، وَنَذْكُرُ مَا فِيهَا هُنَاكَ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

(وَ) وَإِلَّا فِي (نَفْلِ السَّفَرِ) الْمُبَاحِ لِقَاصِدِ مَحَلٍّ مُعَيَّنٍ؛ لِأَنَّ النَّفَلَ يُتَوَسَّعُ فِيهِ كَجَوَازِهِ قَاعِدًا لِلْقَادِرِ، وَخَرَجَ بِذَلِكَ النَّفَلُ فِي الْحَضَرِ فَلَا يَجُوزُ، وَإِنْ اُحْتِيجَ فِيهِ لِلتَّرَدُّدِ كَمَا فِي السَّفَرِ لِعَدَمِ وُرُودِهِ (فَلِلْمُسَافِرِ) السَّفَرَ الْمَذْكُورَ (التَّنَفُّلُ رَاكِبًا) لِحَدِيثِ جَابِرٍ قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُصَلِّي عَلَى رَاحِلَتِهِ حَيْثُ تَوَجَّهَتْ بِهِ: أَيْ فِي جِهَةِ مَقْصِدِهِ، فَإِذَا أَرَادَ الْفَرِيضَةَ نَزَلَ فَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ (وَمَاشِيًا) قِيَاسًا عَلَى الرَّاكِبِ، بَلْ أَوْلَى.
وَالْحِكْمَةُ فِي التَّخْفِيفِ فِي ذَلِكَ عَلَى الْمُسَافِرِ أَنَّ النَّاسَ مُحْتَاجُونَ إلَى الْأَسْفَارِ، فَلَوْ شَرَطَ فِيهَا الِاسْتِقْبَالَ لِلنَّفْلِ لَأَدَّى إلَى تَرْكِ أَوْرَادِهِمْ أَوْ مَصَالِحِ مَعَايِشِهِمْ، وَيُشْتَرَطُ تَرْكُ الْأَفْعَالِ الْكَثِيرَةِ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ كَالرَّكْضِ وَالْعَدْوِ (وَلَا يُشْتَرَطُ طُولُ سَفَرِهِ عَلَى الْمَشْهُورِ) لِعُمُومِ الْحَاجَةِ قِيَاسًا عَلَى تِلْكَ الْجُمُعَةِ، وَالسَّفَرِ الْقَصِيرِ.
قَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَغَيْرُهُ: مِثْلُ أَنْ يَخْرُجَ

فَإِنْ أَمْكَنَ اسْتِقْبَالُ الرَّاكِبِ فِي مَرْقَدٍ، وَإِتْمَامُ رُكُوعِهِ وَسُجُودِهِ لَزِمَهُ وَإِلَّا فَالْأَصَحُّ أَنَّهُ إنْ سَهُلَ الِاسْتِقْبَالُ وَجَبَ وَإِلَّا فَلَا.

وَيَخْتَصُّ بِالتَّحَرُّمِ.
وَقِيلَ: يُشْتَرَطُ فِي السَّلَامِ أَيْضًا.

وَيَحْرُمُ انْحِرَافُهُ عَنْ

[مغني المحتاج]

إلَى ضَيْعَةٍ مَسِيرَتُهَا مِيلٌ أَوْ نَحْوَهُ، وَقَالَ الْقَاضِي وَالْبَغَوِيُّ: أَنْ يَخْرُجَ إلَى مَكَان لَا تَلْزَمُ فِيهِ الْجُمُعَةُ لِعَدَمِ سَمَاعِ النِّدَاءِ وَهُمَا مُتَقَارِبَانِ.
وَالثَّانِي يُشْتَرَطُ كَالْقَصْرِ، وَفُرِّقَ الْأَوَّلُ بِأَنَّ النَّفَلَ أَخَفُّ فَيُتَوَسَّعُ فِيهِ؛ وَلِهَذَا جَازَ مِنْ قُعُودٍ فِي الْحَضَرِ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى الْقِيَامِ.

(فَإِنْ أَمْكَنَ) أَيْ سَهُلَ (اسْتِقْبَالُ الرَّاكِبِ) غَيْرَ مَلَّاحٍ (فِي مَرْقَدٍ) كَمَحْمَلٍ وَاسِعٍ وَهَوْدَجٍ فِي جَمِيعِ صَلَاتِهِ (وَإِتْمَامُ) الْأَرْكَانِ كُلِّهَا أَوْ بَعْضِهَا نَحْوَ (رُكُوعِهِ وَسُجُودِهِ لَزِمَهُ) ذَلِكَ لِتَيَسُّرِهِ عَلَيْهِ كَرَاكِبِ السَّفِينَةِ، وَفِي قَوْلٍ لَا يَلْزَمُهُ؛ لِأَنَّ الْحَرَكَةَ تَضُرُّ بِالدَّابَّةِ بِخِلَافِ السَّفِينَةِ (وَإِلَّا) وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ أَيْ يَسْهُلْ ذَلِكَ كَأَنْ كَانَ عَلَى سَرْجٍ أَوْ قَتَبٍ (فَالْأَصَحُّ أَنَّهُ إنْ سَهُلَ الِاسْتِقْبَالُ) بِأَنْ تَكُونَ الدَّابَّةُ وَاقِفَةً، وَأَمْكَنَ انْحِرَافُهُ عَلَيْهَا أَوْ تَحْرِيفُهَا أَوْ سَائِرَةً وَبِيَدِهِ زِمَامُهَا وَهِيَ سَهْلَةٌ (وَجَبَ) لِتَيَسُّرِهِ عَلَيْهِ (وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يَسْهُلْ بِأَنْ كَانَتْ الدَّابَّةُ سَائِرَةً وَهِيَ مَقْطُورَةٌ وَلَمْ يَسْهُلْ انْحِرَافُهُ عَلَيْهَا أَوْ جَمُوحًا لَا يَسْهُلُ تَحْرِيفُهَا (فَلَا) يَجِبُ لِلْمَشَقَّةِ وَاخْتِلَالِ أَمْرِ السَّيْرِ عَلَيْهِ، وَقِيلَ يَجِبُ عَلَيْهِ مُطْلَقًا، فَإِنْ تَعَذَّرَ لَمْ تَصِحَّ صَلَاتُهُ وَقِيلَ لَا يَجِبُ مُطْلَقًا؛ لِأَنَّ وُجُوبَهُ يُشَوِّشُ عَلَيْهِ السَّيْرَ.

(وَيَخْتَصُّ) وُجُوبُ الِاسْتِقْبَالِ (بِالتَّحَرُّمِ) فَلَا يَجِبُ فِيمَا عَدَاهُ، وَإِنْ سَهُلَ، وَالْفَرْقُ أَنَّ الِانْعِقَادَ يُحْتَاطُ لَهُ مَا لَا يُحْتَاطَ لِغَيْرِهِ لِوُقُوعِ أَوَّلِ الصَّلَاةِ بِالشَّرْطِ، ثُمَّ يَجْعَلُ مَا بَعْدَهُ تَابِعًا لَهُ، وَيَدُلُّ لِذَلِكَ «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ إذَا سَافَرَ فَأَرَادَ أَنْ يَتَطَوَّعَ اسْتَقْبَلَ بِنَاقَتِهِ الْقِبْلَةَ فَكَبَّرَ ثُمَّ صَلَّى حَيْثُ وَجَّهَهُ رِكَابُهُ» (1) رَوَاهُ أَبُو دَاوُد بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ كَمَا قَالَهُ فِي الْمَجْمُوعِ (وَقِيلَ يُشْتَرَطُ فِي السَّلَامِ أَيْضًا) ؛ لِأَنَّهُ آخِرُ طَرَفَيْ الصَّلَاةِ، فَاشْتُرِطَ فِيهِ ذَلِكَ كَالتَّحَرُّمِ وَالْأَصَحُّ الْمَنْعُ كَمَا فِي سَائِرِ الْأَرْكَانِ وَلَا يُشْتَرَطُ فِيمَا بَيْنَهُمَا جَزْمًا.
قَالَ فِي الْمُهِمَّاتِ: وَقَضِيَّةُ كَلَامِ الشَّيْخَيْنِ فِيمَا إذَا كَانَتْ سَهْلَةً أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ الِاسْتِقْبَالُ فِي غَيْرِ التَّحَرُّمِ أَيْضًا وَإِنْ كَانَتْ وَاقِفَةً، وَهُوَ بَعِيدٌ.
قَالَ ابْنُ الصَّبَّاغِ: وَالْقِيَاسُ أَنَّهُ مَا دَامَ وَاقِفًا لَا يُصَلِّي إلَّا إلَى الْقِبْلَةِ وَهُوَ مُتَعَيِّنٌ، وَفِي الْكِفَايَةِ عَنْ الْأَصْحَابِ أَنَّهُ لَوْ وَقَفَ لِاسْتِرَاحَةٍ أَوْ انْتِظَارِ رُفْقَةٍ لَزِمَهُ الِاسْتِقْبَالُ مَا دَامَ وَاقِفًا، فَإِنْ سَارَ أَتَمَّ صَلَاتَهُ إلَى جِهَةِ سَفَرِهِ إنْ كَانَ سَيْرُهُ لِأَجْلِ سَيْرِ الرُّفْقَةِ، وَإِنْ كَانَ مُخْتَارًا لَهُ بِلَا ضَرُورَةٍ لَمْ يَجُزْ أَنْ يَسِيرَ حَتَّى تَنْتَهِيَ صَلَاتُهُ؛ لِأَنَّهُ بِالْوُقُوفِ لَزِمَهُ فَرْضُ التَّوَجُّهِ، وَفِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ عَنْ الْحَاوِي نَحْوَهُ اهـ. وَمَا قَالَهُ كَمَا قَالَ شَيْخِي ظَاهِرٌ فِي الْوَاقِفَةِ، وَلَكِنْ لَا يَلْزَمُهُ بِالْوُقُوفِ إتْمَامُ التَّوَجُّهِ لِظَاهِرِ الْحَدِيثِ السَّابِقِ.
أَمَّا الْمَاشِيَةُ فَلَا يَجِبُ الِاسْتِقْبَالُ عَلَيْهَا فِي غَيْرِ التَّحَرُّمِ وَإِنْ سَهُلَ.
أَمَّا مَلَّاحُ السَّفِينَةِ وَهُوَ الَّذِي يُسَيِّرُهَا فَلَا يَلْزَمُهُ تَوَجُّهٌ؛ لِأَنَّ تَكْلِيفَهُ ذَلِكَ يَقْطَعُهُ عَنْ التَّنَفُّلِ أَوْ عَمَلِهِ بِخِلَافِ بَقِيَّةِ مَنْ فِي السَّفِينَةِ، فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُمْ ذَلِكَ، وَهَذَا مَا صَحَّحَهُ الْمُصَنِّفُ فِي التَّحْقِيقِ وَغَيْرِهِ، وَإِنْ صَحَّحَ الرَّافِعِيُّ فِي الشَّرْحِ الصَّغِيرِ اللُّزُومَ.

(وَيَحْرُمُ انْحِرَافُهُ عَنْ) صَوْبِ

طَرِيقِهِ إلَّا إلَى الْقِبْلَةِ.

وَيُومِئُ بِرُكُوعِهِ، وَسُجُودِهِ أَخْفَضَ.

وَالْأَظْهَرُ أَنَّ الْمَاشِيَ يُتِمُّ رُكُوعَهُ وَسُجُودَهُ، وَيَسْتَقْبِلُ فِيهِمَا وَفِي إحْرَامِهِ،

[مغني المحتاج]

(طَرِيقِهِ) ؛ لِأَنَّهُ بَدَلٌ عَنْ الْقِبْلَةِ (إلَّا إلَى الْقِبْلَةِ) ؛ لِأَنَّهَا الْأَصْلُ حَتَّى لَوْ انْحَرَفَ بِرُكُوبِهِ مَقْلُوبًا عَنْ صَوْبِ مَقْصِدِهِ إلَى الْقِبْلَةِ لَمْ يَضُرَّ، سَوَاءٌ أَكَانَتْ الْقِبْلَةُ خَلْفَهُ أَمْ لَا خِلَافًا لِمَا وَقَعَ فِي الدَّمِيرِيِّ مِنْ أَنَّهُ يَضُرُّ إذَا كَانَتْ خَلْفَهُ، فَإِنْ انْحَرَفَ إلَى غَيْرِهَا عَالِمًا مُخْتَارًا بَطَلَتْ صَلَاتُهُ، وَكَذَا النِّسْيَانُ أَوْ خَطَأُ طَرِيقٍ أَوْ جِمَاحُ دَابَّةٍ إنْ طَالَ الزَّمَنُ وَإِلَّا فَلَا، وَلَكِنْ يَسْجُدُ لِلسَّهْوِ؛ لِأَنَّ عَمْدَ ذَلِكَ مُبْطِلٌ وَفِعْلُ الدَّابَّةِ مَنْسُوبٌ إلَيْهِ، وَهَذَا مَا جَزَمَ بِهِ ابْنُ الصَّبَّاغِ وَصَحَّحَاهُ فِي الْجِمَاحِ، وَالرَّافِعِيُّ فِي الشَّرْحِ الصَّغِيرِ فِي النِّسْيَانِ، وَنَقَلَهُ الْخُوَارِزْمِيُّ (1) فِيهِ عَنْ الْإِمَامِ الشَّافِعِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -. وَقَالَ الْإِسْنَوِيُّ: تَتَعَيَّنُ الْفَتْوَى بِهِ، لَكِنَّ الْمَنْصُوصَ فِيهِ كَمَا فِي الرَّوْضَةِ وَأَصْلِهَا أَنَّهُ لَا يَسْجُدُ وَصَحَّحَهُ فِي الْمَجْمُوعِ وَغَيْرِهِ، وَالْمُعْتَمَدُ الْأَوَّلُ.

: وَلَوْ انْحَرَفَتْ الدَّابَّةُ بِنَفْسِهَا مِنْ غَيْرِ جِمَاحٍ وَهُوَ غَافِلٌ عَنْهَا ذَاكِرٌ لِلصَّلَاةِ فَفِي الْوَسِيطِ إنْ قَصُرَ الزَّمَانُ لَمْ تَبْطُلْ، وَإِلَّا فَوَجْهَانِ اهـ. قَالَ شَيْخُنَا: أَوْجَهُهُمَا الْبُطْلَانُ، وَلَوْ أَحْرَفَهُ غَيْرُهُ قَهْرًا بَطَلَتْ وَإِنْ عَادَ عَنْ قُرْبٍ لِنُدْرَتِهِ، وَلَوْ كَانَ لِصَوْبِ مَقْصِدِهِ طَرِيقَانِ: أَحَدُهُمَا يَسْتَقْبِلُ فِيهِ الْقِبْلَةَ.
وَالْآخَرُ لَا يَسْتَقْبِلُ فِيهِ فَسَلَكَهُ فَهَلْ يُشْتَرَطُ فِيهِ أَنْ يَكُونَ لَهُ غَرَضٌ فِي سُلُوكِهِ كَمَا فِي مَسَافَةِ الْقَصْرِ لَمْ أَرَ مَنْ ذَكَرَهُ، وَالظَّاهِرُ كَمَا قَالَ شَيْخِي عَدَمُ الِاشْتِرَاطِ، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ النَّفَلَ يُتَوَسَّعُ فِيهِ.

(وَيُومِئُ) أَيْ يَكْفِيهِ الْإِيمَاءُ (بِرُكُوعِهِ وَسُجُودِهِ) وَيَكُونُ سُجُودُهُ (أَخْفَضَ) مِنْ رُكُوعِهِ، وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ وَسُجُودُهُ وُجُوبًا إنْ أَمْكَنَ تَمْيِيزًا بَيْنَهُمَا لِلِاتِّبَاعِ، وَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ وَضْعُ الْجَبْهَةِ عَلَى السَّرْجِ وَنَحْوِهِ لِمَا فِيهِ مِنْ الْمَشَقَّةِ، وَلَا أَنْ يَنْحَنِيَ غَايَةَ الْوُسْعِ، وَذَلِكَ لِمَا رَوَى الْبُخَارِيُّ «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يُصَلِّي عَلَى رَاحِلَتِهِ حَيْثُ تَوَجَّهَتْ بِهِ يُومِئُ إيمَاءً إلَّا الْفَرَائِضَ» (2) ، وَفِي حَدِيثِ التِّرْمِذِيِّ فِي صَلَاتِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى الرَّاحِلَةِ بِالْإِيمَاءِ يَجْعَلُ السُّجُودَ أَخْفَضَ مِنْ الرُّكُوعِ.

(وَالْأَظْهَرُ أَنَّ الْمَاشِيَ يُتِمُّ) وُجُوبًا (رُكُوعَهُ وَسُجُودَهُ وَيَسْتَقْبِلُ فِيهِمَا وَفِي إحْرَامِهِ) وَجُلُوسِهِ بَيْنَ سَجْدَتَيْهِ لِسُهُولَتِهِ عَلَيْهِ بِالْمُكْثِ.
وَالثَّانِي يَكْفِيهِ أَنْ يُومِئَ بِالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ كَالرَّاكِبِ، وَيَلْزَمُهُ الِاسْتِقْبَالُ فِيهِمَا، وَيَلْزَمُهُ فِي الْإِحْرَامِ عَلَى الْأَصَحِّ، وَلَا

وَلَا يَمْشِي إلَّا فِي قِيَامِهِ وَتَشَهُّدِهِ.

وَلَوْ صَلَّى فَرْضًا عَلَى دَابَّةٍ وَاسْتَقْبَلَ وَأَتَمَّ رُكُوعَهُ وَسُجُودَهُ وَهِيَ وَاقِفَةٌ جَازَ، أَوْ سَائِرَةٌ فَلَا.

[مغني المحتاج]

يَلْزَمُهُ عَلَى الْقَوْلَيْنِ فِي السَّلَامِ (وَ) الْأَظْهَرُ أَنَّهُ (لَا يَمْشِي) أَيْ يَحْرُمُ عَلَيْهِ الْمَشْيُ (إلَّا فِي قِيَامِهِ) الشَّامِلِ لِاعْتِدَالِهِ (وَتَشَهُّدِهِ) وَلَوْ التَّشَهُّدَ الْأَوَّلَ فَلَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَمْشِيَ فِي غَيْرِهِمَا كَجُلُوسِهِ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ.
وَالثَّانِي: لَا يَمْشِي إلَّا فِي الْقِيَامِ فَقَطْ.
وَالثَّالِثُ: لَا يُشْتَرَطُ اللُّبْثُ بِالْأَرْضِ فِي شَيْء، وَيُومِئُ بِالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ كَالرَّاكِبِ.
فَإِنْ قِيلَ: قِيَامُ الِاعْتِدَالِ رُكْنٌ قَصِيرٌ فَلِمَ جَوَّزْتُمْ فِيهِ الْمَشْيَ دُونَ الْجُلُوسِ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ؟ . أُجِيبَ بِأَنَّ مَشْيَ الْقَائِمِ سَهْلٌ فَسَقَطَ عَنْهُ التَّوَجُّهُ فِيهِ لِيَمْشِيَ فِيهِ شَيْئًا مِنْ سَفَرِهِ قَدْرَ مَا يَأْتِي بِالذِّكْرِ الْمَسْنُونِ فِيهِ، وَمَشْيُ الْجَالِسِ لَا يُمْكِنُ إلَّا بِالْقِيَامِ، وَهُوَ غَيْرُ جَائِزٍ فَلَزِمَهُ التَّوَجُّهُ فِيهِ.

وَلَوْ بَلَغَ الْمُسَافِرُ الْمُحَطَّ الَّذِي يَنْقَطِعُ بِهِ السَّيْرُ أَوْ بَلَغَ طَرَفَ بُنْيَانِ بَلَدٍ تَلْزَمُ الْإِقَامَةُ بِهِ، أَوْ نَوَى وَهُوَ مُسْتَقِلٌّ مَاكِثٌ بِمَحَلِّ الْإِقَامَةِ بِهِ.
وَإِنْ لَمْ يَصْلُحْ لَهَا لَزِمَهُ أَنْ يَنْزِلَ عَنْ دَابَّتِهِ إنْ لَمْ يَسْتَقِرَّ فِي نَحْوِ هَوْدَجٍ وَلَمْ يُمْكِنْهُ أَنْ يُتِمَّهَا مُسْتَقْبِلًا، وَهِيَ وَاقِفَةٌ لِانْقِطَاعِ سَفَرِهِ الَّذِي هُوَ سَبَبُ الرُّخْصَةِ بِخِلَافِ الْمَارِّ بِذَلِكَ وَلَوْ بَقَرِيَّةٍ لَهُ فِيهَا أَهْلٌ فَلَا يَلْزَمُهُ النُّزُولُ، فَالشَّرْطُ فِي جَوَازِ التَّنَفُّلِ رَاكِبًا وَمَاشِيًا دَوَامُ السَّفَرِ وَالسَّيْرِ، فَلَوْ نَزَلَ فِي أَثْنَاءِ صَلَاتِهِ لَزِمَهُ أَنْ يُتِمَّهَا لِلْقِبْلَةِ قَبْلَ رُكُوبِهِ، فَإِنْ رَكِبَ قَبْلَ ذَلِكَ أَوْ ابْتَدَأَهَا وَهُوَ نَازِلٌ لِلْقِبْلَةِ ثُمَّ رَكِبَ قَبْلَ أَنْ يُتِمَّهَا بَطَلَتْ صَلَاتُهُ إلَّا أَنْ يَضْطَرَّ إلَى الرُّكُوبِ، وَلَهُ الْعَدْوُ وَرَكْضُ الدَّابَّةِ فِي صَلَاتِهِ لِحَاجَةٍ تَتَعَلَّقُ بِسَفَرِهِ كَخَوْفِ تَخَلُّفِهِ عَنْ الرُّفْقَةِ، فَإِنْ فَعَلَ ذَلِكَ بِلَا حَاجَةٍ أَوْ لِحَاجَةٍ لَا تَتَعَلَّقُ بِالسَّفَرِ كَصَيْدٍ يُرِيدُ إمْسَاكَهُ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ وَإِنْ كَانَ ظَاهِرُ كَلَامِ ابْنِ الْمُقْرِي فِي الثَّانِيَةِ أَنَّهَا لَا تَبْطُلُ.

وَلَوْ بَالَتْ أَوْ رَاثَتْ دَابَّتُهُ أَوْ أَوْطَأَهَا نَجَاسَةً لَمْ يَضُرَّ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُلَاقِهَا، نَعَمْ قَالَ صَاحِبُ الْعُبَابِ: لَوْ دُمِيّ فَمُ الدَّابَّةِ وَعِنَانُهَا بِيَدِهِ ضَرَّ اهـ. وَيَنْبَغِي أَنْ يَلْحَقَ بِذَلِكَ كُلُّ نَجَاسَةٍ اتَّصَلَتْ بِالدَّابَّةِ وَعِنَانُهَا بِيَدِهِ أَخْذًا مِنْ مَسْأَلَةِ مَسْكِ الْحَبْلِ الْمُتَّصِلِ بِسَاجُورِ الْكَلْبِ، وَهَذَا ظَاهِرٌ إذَا صَلَّى عَلَيْهَا، وَهِيَ وَاقِفَةٌ، فَإِنْ كَانَتْ سَائِرَةً لَمْ يَضُرَّ؛ لِأَنَّ الْحَاجَةَ تَدْعُو إلَى ذَلِكَ.
أَمَّا الْمَاشِي فَتَبْطُلُ صَلَاتُهُ إنْ وَطِئَ نَجَاسَةً عَمْدًا وَلَوْ يَابِسَةً وَإِنْ لَمْ يَجِدْ مَعْدَلًا عَنْ النَّجَاسَةِ كَمَا جَزَمَ بِهِ ابْنُ الْمُقْرِي، وَهُوَ مُقْتَضَى كَلَامِ التَّحْقِيقِ بِخِلَافِ مَا لَوْ وَطِئَهَا نَاسِيًا، وَهِيَ يَابِسَةٌ لِلْجَهْلِ بِهَا مَعَ مُفَارَقَتِهِ لَهَا حَالًا، فَأَشْبَهَتْ مَا لَوْ وَقَعَتْ عَلَيْهِ فَنَحَّاهَا فِي الْحَالِ، وَهِيَ يَابِسَةٌ أَوْ رَطْبَةٌ وَهِيَ مَعْفُوٌّ عَنْهَا كَذَرْقِ طَيْرٍ عَمَّتْ بِهِ الْبَلْوَى كَمَا جَزَمَ بِهِ ابْنُ الْمُقْرِي أَيْضًا، وَلَا يُكَلَّفُ التَّحَفُّظَ وَالِاحْتِيَاطَ فِي الْمَشْيِ؛ لِأَنَّ تَكْلِيفَهُ يُشَوِّشُ عَلَيْهِ غَرَضَ السَّيْرِ.

(وَلَوْ صَلَّى) مُمَيِّزٌ (فَرْضًا عَلَى دَابَّةٍ وَاسْتَقْبَلَ وَأَتَمَّ رُكُوعَهُ وَسُجُودَهُ) وَسَائِرُ أَرْكَانِهِ بِأَنْ كَانَ فِي نَحْوِ هَوْدَجٍ (وَهِيَ وَاقِفَةٌ) وَإِنْ لَمْ تَكُنْ مَعْقُولَةً أَوْ عَلَى سَرِيرٍ يَحْمِلُهُ رِجَالٌ وَإِنْ مَشَوْا أَوْ فِي أُرْجُوحَةٍ أَوْ فِي الزَّوْرَقِ الْجَارِي (جَازَ) وَقَيَّدَ فِي الْمُحَرَّرِ وَالتَّنْبِيهِ الدَّابَّةَ بِالْمَعْقُولَةِ.
قَالَ الْمُصَنِّفُ فِي الدَّقَائِقِ: الصَّوَابُ حَذْفُهُ (أَوْ سَائِرَةٌ فَلَا) يَجُوزُ؛ لِأَنَّ سَيْرَهَا مَنْسُوبٌ إلَيْهِ بِدَلِيلِ جَوَازِ الطَّوَافِ عَلَيْهَا، وَفَرَّقَ الْمُتَوَلِّي بَيْنَهَا وَبَيْنَ الرِّجَالِ السَّائِرِينَ بِالسَّرِيرِ، بِأَنَّ الدَّابَّةَ لَا تَكَادُ تَثْبُتُ عَلَى حَالَةٍ وَاحِدَةٍ فَلَا تُرَاعِي الْجِهَةَ بِخِلَافِ الرِّجَالِ، قَالَ حَتَّى لَوْ كَانَ لِلدَّابَّةِ مَنْ يَلْزَمُ

وَمَنْ صَلَّى فِي الْكَعْبَةِ، وَاسْتَقْبَلَ جِدَارَهَا أَوْ بَابَهَا مَرْدُودًا أَوْ مَفْتُوحًا مَعَ ارْتِفَاعِ عَتَبَتِهِ ثُلُثَيْ ذِرَاعٍ أَوْ عَلَى سَطْحِهَا مُسْتَقْبِلًا مِنْ بِنَائِهَا مَا سَبَقَ جَازَ

[مغني المحتاج]

لِجَامَهَا وَيُسَيِّرُهَا بِحَيْثُ لَا تَخْتَلِفُ الْجِهَةُ جَازَ ذَلِكَ، وَيُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّهُ لَوْ كَانَ الْحَامِلُ لِلسَّرِيرِ غَيْرُ مُمَيِّزٍ كَمَجْنُونٍ لَمْ يَصِحَّ لِمَا ذُكِرَ، وَشَمَلَتْ عِبَارَتُهُ الصَّلَاةَ الْمَنْذُورَةَ وَصَلَاةَ الْجِنَازَةِ لِسُلُوكِهِمْ بِالْأَوَّلِ مَسْلَكَ وَاجِبِ الشَّرْعِ، وَلِأَنَّ الرُّكْنَ الْأَعْظَمَ فِي الثَّانِيَةِ الْقِيَامُ، وَفِعْلُهَا عَلَى الدَّابَّةِ السَّائِرَةِ يَمْحُو صُورَتَهَا، فَإِنْ فَرَضَ إتْمَامَهَا عَلَيْهَا فَكَذَلِكَ كَمَا اقْتَضَاهُ كَلَامُهُمْ خِلَافًا لِمَا صَرَّحَ بِهِ الْإِمَامُ مِنْ الْجَوَازِ وَصَوَّبَهُ الْإِسْنَوِيُّ؛ لِأَنَّ الرُّخْصَةَ فِي النَّفْلِ إنَّمَا كَانَتْ لِكَثْرَتِهِ وَتَكَرُّرِهِ، وَهَذِهِ نَادِرَةٌ.

وَلَا يَجُوزُ لِمَنْ يُصَلِّي فَرْضًا فِي سَفِينَةٍ تَرْكُ الْقِيَامِ إلَّا مِنْ عُذْرٍ كَدَوَرَانِ رَأْسٍ وَنَحْوِهِ، فَإِنْ حَوَّلَتْهَا الرِّيحُ فَتَحَوَّلَ صَدْرُهُ عَنْ الْقِبْلَةِ وَجَبَ رَدُّهُ إلَيْهَا وَيَبْنِي إنْ عَادَ فَوْرًا وَإِلَّا بَطَلَتْ صَلَاتُهُ، وَيُصَلِّي الْمَصْلُوبُ أَوْ الْغَرِيقُ وَنَحْوُهُ حَيْثُ تَوَجَّهَ لِلضَّرُورَةِ وَيُعِيدُ.

(وَمَنْ صَلَّى) فَرْضًا أَوْ نَفْلًا (فِي الْكَعْبَةِ وَاسْتَقْبَلَ جِدَارَهَا أَوْ بَابَهَا مَرْدُودًا أَوْ مَفْتُوحًا مَعَ ارْتِفَاعِ عَتَبَتِهِ ثُلُثَيْ ذِرَاعٍ) بِذِرَاعِ الْآدَمِيِّ تَقْرِيبًا (أَوْ) صَلَّى (عَلَى سَطْحِهَا) أَوْ فِي عَرْصَتِهَا إذَا انْهَدَمَتْ وَالْعِيَاذُ بِاَللَّهِ تَعَالَى (مُسْتَقْبِلًا مِنْ بِنَائِهَا مَا سَبَقَ) وَهُوَ ثُلُثَيْ ذِرَاعٍ أَوْ اسْتَقْبَلَ شَاخِصًا كَذَلِكَ مُتَّصِلًا بِالْكَعْبَةِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِنْهَا كَشَجَرَةٍ نَابِتَةٍ وَعَصًا مُسَمَّرَةٍ أَوْ مَبْنِيَّةٍ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ قَدْرَ قَامَتِهِ طُولًا وَعَرْضًا (جَازَ) أَيْ مَا صَلَّاهُ؛ لِأَنَّهُ مُتَوَجِّهٌ إلَى جُزْءٍ مِنْ الْكَعْبَةِ أَوْ إلَى مَا هُوَ كَالْجُزْءِ مِنْهَا، وَإِنْ خَرَجَ بَعْضُهُ عَنْ مُحَاذَاةِ الشَّاخِصِ؛؛ لِأَنَّهُ مُوَاجِهٌ بِبَعْضِهِ جُزْءًا وَبِبَاقِيهِ هَوَاءَ الْكَعْبَةِ بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ الشَّاخِصُ أَقَلَّ مِنْ ثُلُثَيْ ذِرَاعٍ فَلَا تَصِحُّ الصَّلَاةُ إلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ سُتْرَةُ الْمُصَلِّي فَاعْتُبِرَ فِيهِ قَدْرُهَا،؛ لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «سُئِلَ عَنْهَا فَقَالَ كَمُؤَخِّرَةِ الرَّحْلِ» (1) رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ أَنَّهُ لَوْ اسْتَقْبَلَ الشَّاخِصَ الْمَذْكُورَ فِي حَالِ قِيَامِهِ دُونَ بَقِيَّةِ صَلَاتِهِ كَأَنْ اسْتَقْبَلَ خَشَبَةً عَرْضُهَا ثُلُثَا ذِرَاعٍ مُعْتَرِضَةً فِي بَابِ الْكَعْبَةِ تُحَاذِي صَدْرَهُ فِي حَالِ قِيَامِهِ دُونَ بَقِيَّةِ صَلَاتِهِ أَنَّهَا تَصِحُّ، وَفِي ذَلِكَ وَقْفُهُ، بَلْ الَّذِي يَنْبَغِي أَنَّهَا لَا تَصِحُّ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ إلَّا عَلَى الْجِنَازَةِ؛ لِأَنَّهُ مُسْتَقْبِلٌ فِي جَمِيعِ صَلَاتِهِ بِخِلَافِ غَيْرِهَا؛ لِأَنَّهُ فِي حَالِ سُجُودِهِ غَيْرُ مُسْتَقْبِلٍ لِشَيْءٍ مِنْهَا، وَلَوْ أُزِيلَ هَذَا الشَّاخِصُ فِي أَثْنَاءِ صَلَاتِهِ لَمْ يَضُرَّ؛ لِأَنَّهُ يُغْتَفَرُ فِي الدَّوَامِ مَا لَا يُغْتَفَرُ فِي الِابْتِدَاءِ.

وَبِخِلَافِ مَا إذَا صَلَّى إلَى مَتَاعٍ مَوْضُوعٍ أَوْ زَرْعٍ نَابِتٍ أَوْ خَشَبَةٍ مَغْرُوزَةٍ فِيهَا لَمْ تَصِحَّ صَلَاتُهُ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ كَالْجُزْءِ مِنْهَا.
فَإِنْ قِيلَ: قَدْ عَدُّوا الْأَوْتَادَ الْمَغْرُوزَةَ مِنْ الدَّارِ بِدَلِيلِ دُخُولِهَا فِي بَيْعِ الدَّارِ فَلِمَ لَا يَعُدُّوا الْعَصَا الْمَغْرُوزَة فِي الْكَعْبَةِ مِنْهَا؟ . أُجِيبَ بِأَنَّ الْعَادَةَ جَرَتْ بِغَرْزِ الْأَوْتَادِ فِي الدَّارِ لِلْمَصْلَحَةِ فَعُدَّتْ مِنْ الدَّارِ لِذَلِكَ.

وَلَوْ وَقَفَ خَارِجَ الْعَرْصَةِ وَلَوْ عَلَى جَبَلٍ أَجْزَأَهُ وَلَوْ بِغَيْرِ شَاخِصٍ؛ لِأَنَّهُ يُعَدُّ مُتَوَجِّهًا إلَيْهَا بِخِلَافِ الْمُصَلِّي فِيهَا، وَالْغَرَضُ فِي الْقِبْلَةِ إصَابَةُ الْعَيْنِ فِي الْقُرْبِ يَقِينًا، وَفِي الْبُعْدِ ظَنَّا فَلَا يَكْفِي إصَابَةُ الْجِهَةِ لِلْأَدِلَّةِ السَّابِقَةِ أَوَّلَ الْفَصْلِ.

فَلَوْ خَرَجَ عَنْ مُحَاذَاةِ الْكَعْبَةِ بِبَعْضِ بَدَنِهِ بِأَنْ وَقَفَ بِطَرْفِهَا، وَخَرَجَ عَنْهُ بِبَعْضِهِ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ.

وَلَوْ امْتَدَّ صَفٌّ طَوِيلٌ بِقُرْبِ الْكَعْبَةِ

وَمَنْ أَمْكَنَهُ عِلْمُ الْقِبْلَةِ حَرُمَ عَلَيْهِ التَّقْلِيدُ وَالِاجْتِهَادُ.

[مغني المحتاج]

وَخَرَجَ بَعْضُهُمْ عَنْ الْمُحَاذَاةِ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مُسْتَقْبِلًا لَهَا وَلَا شَكَّ أَنَّهُمْ إذَا بَعُدُوا عَنْهَا حَاذَوْهَا وَصَحَّتْ صَلَاتُهُمْ، وَإِنْ طَالَ الصَّفُّ؛ لِأَنَّ صَغِيرَ الْحَجْمِ كُلَّمَا زَادَ بُعْدُهُ زَادَتْ مُحَاذَاتُهُ كَغَرَضِ الرُّمَاةِ.
وَاسْتَشْكَلَ بِأَنَّ ذَلِكَ إنَّمَا يَحْصُلُ مَعَ الِانْحِرَافِ وَلَوْ اسْتَقْبَلَ الرُّكْنَ صَحَّ كَمَا قَالَهُ الْأَذْرَعِيُّ؛ لِأَنَّهُ مُسْتَقْبِلُ الْبِنَاءِ الْمُجَاوِرِ لِلرُّكْنِ، وَإِنْ كَانَ بَعْضُ بَدَنِهِ خَارِجًا عَنْ الرُّكْنِ مِنْ الْجَانِبَيْنِ، بِخِلَافِ مَا لَوْ اسْتَقْبَلَ الْحِجْرَ بِكَسْرِ الْحَاءِ فَقَطْ فَإِنَّهُ لَا يَكْفِي؛ لِأَنَّ كَوْنَهُ مِنْ الْبَيْتِ مَظْنُونٌ لَا مَقْطُوعٌ بِهِ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا ثَبَتَ بِالْآحَادِ.

وَلَوْ اسْتَدْبَرَ الْكَعْبَةَ نَاسِيًا، وَطَالَ الزَّمَنُ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ لِمُنَافَاةِ ذَلِكَ لَهَا بِخِلَافِ مَا إذَا قَصَّرَ أَوْ أُمِيلَ عَنْهَا قَهْرًا بَطَلَتْ صَلَاتُهُ، وَإِنْ قَصُرَ الزَّمَنُ.
وَصَلَاةُ النَّفْلِ فِي الْكَعْبَةِ أَفْضَلُ مِنْهُ خَارِجَهَا، وَكَذَا الْفَرْضُ إنْ لَمْ تُرْجَ جَمَاعَةٌ خَارِجَهَا، فَإِنْ رُجِيَتْ فَخَارِجُهَا أَفْضَلُ؛ لِأَنَّ الْمُحَافَظَةَ عَلَى فَضِيلَةٍ تَتَعَلَّقُ بِنَفْسِ الْعِبَادَةِ أَوْلَى مِنْ الْمُحَافَظَةِ عَلَى فَضِيلَةِ تَتَعَلَّقُ بِمَكَانِهَا كَالْجَمَاعَةِ بِبَيْتِهِ، فَإِنَّهَا أَفْضَلُ مِنْ الِانْفِرَادِ فِي الْمَسْجِدِ وَكَالنَّافِلَةِ بِبَيْتِهِ فَإِنَّهَا أَفْضَلُ مِنْهَا فِي الْمَسْجِدِ، وَإِنْ كَانَ الْمَسْجِدُ أَفْضَلَ مِنْهُ، وَإِنَّمَا لَمْ يُرَاعَ خِلَافُ مَنْ قَالَ بِعَدَمِ صِحَّةِ الصَّلَاةِ فِي الْكَعْبَةِ لِعَدَمِ احْتِرَامِهِ بِمُخَالَفَتِهِ لِسُنَّةٍ صَحِيحَةٍ، فَإِنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَّى فِيهَا.

(وَمَنْ أَمْكَنَهُ عِلْمُ الْقِبْلَةِ) بِأَنْ كَانَ بِحَضْرَةِ الْبَيْتِ أَوْ بِمَكَّةَ وَلَا حَائِلَ أَوْ عَلَى جَبَلِ أَبِي قُبَيْسٍ أَوْ عَلَى سَطْحٍ بِحَيْثُ يُعَايِنُهَا، وَشَكَّ فِيهَا لِظُلْمَةٍ أَوْ غَيْرِهَا لَمْ يَعْمَلْ بِغَيْرِ عِلْمِهِ، وَ (حَرُمَ عَلَيْهِ التَّقْلِيدُ) أَيْ الْأَخْذُ بِقَوْلِ مُجْتَهِدٍ (وَالِاجْتِهَادُ) أَيْ الْعَمَلُ بِهِ كَالْحَاكِمِ يَجِدُ النَّصَّ، وَكَذَا يَحْرُمُ عَلَيْهِ الْأَخْذُ بِخَبَرِ الْغَيْرِ كَمَا يُعْلَمُ مِمَّا سَيَأْتِي، وَلَوْ عَبَّرَ الْمُصَنِّفُ بِقَوْلِهِ: حَرُمَ عَلَيْهِ الرُّجُوعُ إلَى غَيْرِهِ لَشَمِلَهُ، فَإِنَّ قَبُولَ قَوْلِ الْمُخْبِرِ لَيْسَ تَقْلِيدًا.

وَلَوْ بَنَى مِحْرَابَهُ عَلَى الْعِيَانِ صَلَّى إلَيْهِ أَبَدًا وَلَا يَحْتَاجُ فِي كُلِّ صَلَاةٍ إلَى الْمُعَايَنَةِ، وَكَذَا لَوْ صَلَّى بِالْمُعَايَنَةِ لَا يَحْتَاجُ إلَيْهَا فِي كُلِّ صَلَاةٍ، وَفِي مَعْنَى الْمُعَايِنِ مَنْ نَشَأَ بِمَكَّةَ، وَتَيَقَّنَ إصَابَةَ الْقِبْلَةِ، وَإِنْ لَمْ يُعَايِنْهَا حِينَ يُصَلِّي.

وَلَوْ حَالَ بَيْنَ الْحَاضِرِ بِمَكَّةَ وَبَيْنَ الْكَعْبَةِ حَائِلٌ خَلْقِيٌّ كَجَبَلٍ أَوْ حَادِثٌ كَبِنَاءٍ جَازَ لَهُ أَنْ يَجْتَهِدَ لِلْمَشَقَّةِ فِي تَكْلِيفِ الْمُعَايَنَةِ كَمَا ذَكَرَهُ فِي التَّحْقِيقِ، وَمَحَلُّهُ إذَا كَانَ لِحَاجَةٍ، فَإِنْ بَنَى حَائِلًا مَنَعَ الْمُشَاهَدَةَ بِلَا حَاجَةٍ لَمْ تَصِحَّ صَلَاتُهُ بِالِاجْتِهَادِ لِتَفْرِيطِهِ، وَمَحَلُّهُ أَيْضًا عِنْدَ فَقْدِ الْمُخْبِرِ عَنْ عِلْمٍ، فَإِنْ وُجِدَ فَهُوَ مُقَدَّمٌ عَلَى الِاجْتِهَادِ كَمَا سَيَأْتِي.

وَلَا يَجُوزُ لَهُ الِاجْتِهَادُ فِي مَحَارِيبِ الْمُسْلِمِينَ وَمَحَارِيبِ مُعْظَمِ طَرِيقِهِمْ وَقُرَاهُمْ الْقَدِيمَةِ إنْ نَشَأَ بِهَا قُرُونٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ، وَإِنْ صَغُرَتْ وَخَرِبَتْ إنْ سَلِمَتْ مِنْ الطَّعْنِ؛ لِأَنَّهَا لَمْ تُنْصَبْ إلَّا بِحَضْرَةِ جَمْعٍ مِنْ أَهْلِ الْمَعْرِفَةِ بِالْأَدِلَّةِ فَجَرَى ذَلِكَ مَجْرَى الْخَبَرِ عَنْ عِلْمٍ إلَّا تَيَامُنًا وَتَيَاسُرًا فَيَجُوزُ إذْ لَا يَبْعُدُ الْخَطَأُ فِيهِمَا بِخِلَافِهِ فِي الْجِهَةِ وَلَا يَجُوزُ ذَلِكَ فِي مِحْرَابِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَمَسَاجِدِهِ الَّتِي صَلَّى فِيهَا إنْ عُلِمَتْ؛ لِأَنَّهُ لَا يُقِرُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى خَطَأٍ.

فَلَوْ تَخَيَّلَ حَاذِقٌ فِيهَا يَمْنَةً أَوْ يَسْرَةً فَخَيَالُهُ بَاطِلٌ، وَمَحَارِيبُهُ كُلُّ مَا ثَبَتَتْ صَلَاتُهُ فِيهِ إذْ لَمْ يَكُنْ فِي زَمَنِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - هَذَا الْمِحْرَابُ الَّذِي هُوَ الطَّاقُ الْمَعْرُوفُ.
وَالْمِحْرَابُ لُغَةً صَدْرُ الْمَجْلِسِ، سُمِّيَ بِهِ؛ لِأَنَّ الْمُصَلِّيَ يُحَارِبُ فِيهِ الشَّيْطَانَ، وَأَلْحَقَ بَعْضُ الْأَصْحَابِ قِبْلَةَ الْبَصْرَةِ وَالْكُوفَةِ

وَإِلَّا أَخَذَ بِقَوْلِ ثِقَةٍ يُخْبِرُ عَنْ عِلْمٍ.

فَإِنْ فَقَدَ وَأَمْكَنَ الِاجْتِهَادُ حَرُمَ التَّقْلِيدُ.

فَإِنْ تَحَيَّرَ لَمْ يُقَلِّدْ فِي الْأَظْهَرِ وَصَلَّى كَيْفَ كَانَ وَيَقْضِي.

وَيَجِبُ تَجْدِيدُ الِاجْتِهَادِ لِكُلِّ صَلَاةٍ تَحْضُرُ

[مغني المحتاج]

بِمَوْضِعٍ صَلَّى فِيهِ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِنَصْبِ الصَّحَابَةِ لَهُمَا.

وَيَجُوزُ الِاجْتِهَادُ فِي خَرِبَةٍ أَمْكَنَ أَنْ يَكُونَ بَنَاهَا الْكُفَّارُ، وَكَذَا فِي طَرِيقٍ يَنْدُرُ مُرُورُ الْمُسْلِمِينَ بِهَا أَوْ يَسْتَوِي مُرُورُ الْفَرِيقَيْنِ بِهَا.
.

(وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْهُ عِلْمُ الْقِبْلَةِ بِشَيْءٍ مِمَّا ذُكِرَ (أَخَذَ) وُجُوبًا (بِقَوْلِ ثِقَةٍ) بَصِيرٍ مَقْبُولِ الرِّوَايَةِ وَلَوْ عَبْدًا وَامْرَأَةً (يُخْبِرُ عَنْ عِلْمٍ) بِالْقِبْلَةِ أَوْ الْمِحْرَابِ الْمُعْتَمَدِ وَلَا يَجُوزُ لَهُ الِاجْتِهَادُ، وَيَجِبُ عَلَيْهِ السُّؤَالُ عَمَّنْ يُخْبِرُهُ بِذَلِكَ عِنْدَ الْحَاجَةِ إلَيْهِ.
فَإِنْ قِيلَ: قَدْ يُشْكِلُ هَذَا بِمَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّ مَنْ بِمَكَّةَ وَبَيْنَهُ وَبَيْنَ الْقِبْلَةِ حَائِلٌ لَا يُكَلَّفُ الصُّعُودَ.
أُجِيبَ بِأَنَّ السُّؤَالَ لَا مَشَقَّةَ فِيهِ بِخِلَافِ الصُّعُودِ، فَإِنْ فُرِضَ أَنَّ عَلَيْهِ فِي السُّؤَالِ مَشَقَّةً لِبُعْدِ الْمَكَانِ أَوْ نَحْوِهِ كَانَ الْحُكْمُ فِيهَا كَمَا فِي تِلْكَ، نَبَّهَ عَلَى ذَلِكَ الزَّرْكَشِيُّ، وَخَرَجَ بِمَقْبُولِ الرِّوَايَةِ غَيْرُهُ كَفَاسِقٍ وَصَبِيٍّ مُمَيِّزٍ وَكَافِرٍ، وَيَعْتَمِدُ الْأَعْمَى وَمَنْ فِي ظُلْمَةِ الْمِحْرَابِ بِالْمَسِّ، وَإِنْ لَمْ يَرَيَاهُ قَبْلَ ذَلِكَ كَمَا يَعْتَمِدُهُ الْبَصِيرُ الَّذِي لَيْسَ فِي ظُلْمَةٍ بِالْمُشَاهَدَةِ تَنْبِيهٌ قَدْ عُلِمَ مِنْ عَدَمِ جَوَازِ الِاجْتِهَادِ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى الْخَبَرِ عَدَمُ جَوَازِ الْأَخْذِ بِالْخَبَرِ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى الْيَقِينِ وَهُوَ كَذَلِكَ فَلَا يَجُوزُ لِلْأَعْمَى وَلَا لِمَنْ هُوَ فِي لَيْلَةٍ مُظْلِمَةٍ الْأَخْذُ بِهِ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى الْيَقِينِ بِاللَّمْسِ نَبَّهَ عَلَى ذَلِكَ شَيْخُنَا، نَعَمْ إنْ حَصَلَ لَهُ بِذَلِكَ مَشَقَّةٌ جَازَ لَهُ الْأَخْذُ بِقَوْلِ ثِقَةٍ يُخْبِرُ عَنْ عِلْمٍ كَمَا يُؤْخَذُ مِنْ الْجَوَابِ الْمُتَقَدِّمِ.

(فَإِنْ فَقَدَ) مَا ذُكِرَ (وَأَمْكَنَ الِاجْتِهَادُ) بِأَنْ كَانَ بَصِيرًا يَعْرِفُ أَدِلَّةَ الْقِبْلَةِ وَهِيَ كَثِيرَةٌ أَضْعَفُهَا الرِّيَاحُ لِاخْتِلَافِهَا، وَأَقْوَاهَا الْقُطْبُ، قَالَا: وَهُوَ نَجْمٌ صَغِيرٌ فِي بَنَاتِ نَعْشٍ الصُّغْرَى بَيْنَ الْفَرْقَدَيْنِ وَالْجَدْيِ، وَكَأَنَّهُمَا سَمَّيَاهُ نَجْمًا لِمُجَاوَرَتِهِ لَهُ، وَإِلَّا فَهُوَ كَمَا قَالَ السُّبْكِيُّ وَغَيْرُهُ: لَيْسَ نَجْمًا، بَلْ نُقْطَةٌ تَدُورُ عَلَيْهَا هَذِهِ الْكَوَاكِبُ بِقُرْبِ النَّجْمِ، وَيَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْأَقَالِيمِ، فَفِي الْعِرَاقِ يَجْعَلُهُ الْمُصَلِّي خَلْفَ أُذُنِهِ الْيُمْنَى، وَفِي مِصْرَ خَلْفَ الْيُسْرَى، وَفِي الْيَمَنِ قُبَالَتَهُ مِمَّا يَلِي جَانِبَهُ الْأَيْسَرَ، وَفِي الشَّامِ وَرَاءَهُ، وَقِيلَ يَنْحَرِفُ بِدِمَشْقَ وَمَا قَارَبَهَا إلَى الشَّرْقِ قَلِيلًا (حَرُمَ) عَلَيْهِ (التَّقْلِيدُ) وَهُوَ قَبُولُ قَوْلِ الْمُخْبِرِ عَنْ اجْتِهَادٍ؛ لِأَنَّ الْمُجْتَهِدَ لَا يُقَلِّدُ مُجْتَهِدًا وَوَجَبَ عَلَيْهِ الِاجْتِهَادُ إلَّا إنْ ضَاقَ الْوَقْتُ عَنْهُ، فَالْأَصَحُّ أَنَّهُ لَا يَجْتَهِدُ وَيُصَلِّي عَلَى حَسَبِ حَالِهِ وَيُعِيدُ وُجُوبًا.

(فَإِنْ تَحَيَّرَ) الْمُجْتَهِدُ فَلَمْ يَظْهَرْ لَهُ شَيْءٌ لِنَحْوِ تَعَارُضِ أَدِلَّةٍ أَوْ غَيْمٍ أَوْ ظُلْمَةٍ (لَمْ يُقَلِّدْ فِي الْأَظْهَرِ) ؛ لِأَنَّهُ مُجْتَهِدٌ وَقَدْ يَزُولُ التَّحَيُّرُ عَنْ قُرْبٍ (وَصَلَّى كَيْفَ كَانَ) لِحُرْمَةِ الْوَقْتِ (وَيَقْضِي) وُجُوبًا؛ لِأَنَّهُ نَادِرٌ.
وَالثَّانِي: يُقَلِّدُ وَلَا يَقْضِي؛ لِأَنَّهُ الْآنَ عَاجِزٌ عَنْ مَعْرِفَةِ الصَّوَابِ فَأَشْبَهَ الْأَعْمَى، قَالَ الْإِمَامُ: وَمَحَلُّ الْخِلَافِ عِنْدَ ضِيقِ الْوَقْتِ، أَمَّا قَبْلَهُ فَيَمْتَنِعُ التَّقْلِيدُ قَطْعًا.
قَالَ فِي شَرْحِ الْوَسِيطِ: وَمَا قَالَهُ الْإِمَامُ شَاذٌّ، وَالْمَشْهُورُ التَّعْمِيمُ.

(وَيَجِبُ تَجْدِيدُ الِاجْتِهَادِ) أَوْ التَّقْلِيدِ فِي نَحْوِ الْأَعْمَى (لِكُلِّ صَلَاةٍ) مَفْرُوضَةٍ عَيْنِيَّةٍ وَلَوْ مَنْذُورَةً أَوْ قَضَاءً (تَحْضُرُ

عَلَى الصَّحِيحِ.

وَمَنْ عَجَزَ عَنْ الِاجْتِهَادِ وَتَعَلُّمِ الْأَدِلَّةِ كَأَعْمَى قَلَّدَ ثِقَةً عَارِفًا.

وَإِنْ قَدَرَ فَالْأَصَحُّ وُجُوبُ التَّعَلُّمِ فَيَحْرُمُ التَّقْلِيدُ.

وَمَنْ صَلَّى بِالِاجْتِهَادِ فَتَيَقَّنَ الْخَطَأَ قَضَى فِي الْأَظْهَرِ،

[مغني المحتاج]

عَلَى الصَّحِيحِ) وَعَبَّرَ فِي الرَّوْضَةِ بِالْأَصَحِّ إنْ لَمْ يَكُنْ ذَاكِرًا لِلدَّلِيلِ الْأَوَّلِ سَعْيًا فِي إصَابَةِ الْحَقِّ لِتَأَكُّدِ الظَّنِّ عِنْدَ الْمُوَافَقَةِ، وَقُوَّةِ الثَّانِي عِنْدَ الْمُخَالَفَةِ؛ لِأَنَّهَا لَا تَكُونُ إلَّا عَنْ أَمَارَةٍ أَقْوَى، وَالْأَقْوَى أَقْرَبُ إلَى الْيَقِينِ.
وَالثَّانِي: لَا يَجِبُ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ اسْتِمْرَارُ الظَّنِّ الْأَوَّلِ.
أَمَّا إذَا كَانَ ذَاكِرًا لِدَلِيلِهِ الْأَوَّلِ فَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ تَجْدِيدُ الِاجْتِهَادِ قَطْعًا وَلَا يَجِبُ لِلنَّافِلَةِ جَزْمًا، وَمِثْلُهَا صَلَاةُ الْجِنَازَةِ كَمَا فِي التَّيَمُّمِ، وَعِبَارَتُهُ شَامِلَةٌ لِكُلِّ صَلَاةٍ، فَلَوْ عَبَّرَ بِالْمَفْرُوضَةِ الْعَيْنِيَّةِ كَمَا قَدَّرْتُهُ لَسَلِمَ مِنْ ذَلِكَ.

(وَمَنْ عَجَزَ) بِفَتْحِ الْجِيمِ أَفْصَحُ مِنْ كَسْرِهَا (عَنْ الِاجْتِهَادِ فِي) الْكَعْبَةِ (وَ) عَنْ (تَعَلُّمِ الْأَدِلَّةِ كَأَعْمَى) الْبَصَرِ أَوْ الْبَصِيرَةِ (قَلَّدَ) وُجُوبًا (ثِقَةً) وَلَوْ عَبْدًا أَوْ امْرَأَةً (عَارِفًا) بِالْأَدِلَّةِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: 43] [النَّحْلُ] بِخِلَافِ الْفَاسِقِ وَالْمُمَيِّزِ وَغَيْرِ الْعَارِفِ، فَإِنْ صَلَّى بِلَا تَقْلِيدٍ قَضَى وَإِنْ صَادَفَ الْقِبْلَةَ بِخِلَافِ مَا صَلَّاهُ بِالتَّقْلِيدِ إذَا صَادَفَ الْقِبْلَةَ أَوْ لَمْ يَتَبَيَّنْ لَهُ الْحَالُ، وَيُعِيدُ فِيهِ السُّؤَالَ لِكُلِّ فَرِيضَةٍ تَحْضُرُ عَلَى الْخِلَافِ الْمُتَقَدِّمِ فِي تَجْدِيدِ الِاجْتِهَادِ كَمَا ذَكَرَهُ فِي الْكِفَايَةِ.

فَإِنْ اخْتَلَفَ عَلَيْهِ مُجْتَهِدَانِ قَلَّدَ أَعْلَمَهُمَا نَدْبًا كَمَا فِي الشَّرْحِ الْكَبِيرِ لِلرَّافِعِيِّ، وَوُجُوبًا كَمَا فِي الصَّغِيرِ لَهُ.
قَالَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ: وَهُوَ الْأَشْبَهُ، وَنَقَلَهُ فِي الْكِفَايَةِ عَنْ نَصِّ الْأُمِّ، فَإِنْ اسْتَوَيَا تَخَيَّرَ، وَقِيلَ يُصَلِّي مَرَّتَيْنِ.

(وَإِنْ قَدَرَ) الْمُكَلَّفُ عَلَى تَعَلُّمِ الْأَدِلَّةِ (فَالْأَصَحُّ وُجُوبُ التَّعَلُّمِ) عِنْدَ إرَادَةِ السَّفَرِ لِعُمُومِ حَاجَةِ الْمُسَافِرِ إلَيْهَا وَكَثْرَةِ الِاشْتِبَاهِ عَلَيْهِ بِخِلَافِهِ فِي الْحَضَرِ فَفَرْضُ كِفَايَةٍ إذْ لَمْ يُنْقَلْ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثُمَّ السَّلَفُ بَعْدَهُ أَلْزَمُوا آحَادَ النَّاسِ تَعَلُّمَهَا بِخِلَافِ شُرُوطِ الصَّلَاةِ وَأَرْكَانِهَا، وَمَا قَرَّرْتُ بِهِ كَلَامَ الْمُصَنِّفِ هُوَ مَا صَحَّحَهُ فِي بَقِيَّةِ كُتُبِهِ وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ، وَإِنْ كَانَ ظَاهِرُهُ هُنَا الْإِطْلَاقَ، بَلْ قَالَ السُّبْكِيُّ: مَحَلُّهُ فِي السَّفَرِ الَّذِي يَقِلُّ فِيهِ الْعَارِفُونَ بِأَدِلَّتِهَا دُونَ مَا يَكْثُرُ فِيهِ كَرَكْبِ الْحَجِيجِ فَهُوَ كَالْحَضَرِ وَهُوَ تَقْيِيدٌ حَسَنٌ (فَيَحْرُمُ) عَلَيْهِ (التَّقْلِيدُ) ضَاقَ الْوَقْتُ عَنْ التَّعَلُّمِ أَوْ اتَّسَعَ، فَإِنْ ضَاقَ صَلَّى كَيْفَ كَانَ وَوَجَبَتْ عَلَيْهِ الْإِعَادَةُ.
وَالثَّانِي: لَا يَجِبُ عَلَيْهِ التَّعَلُّمُ بِخُصُوصِهِ، بَلْ هُوَ فَرْضُ كِفَايَةٍ فَيَجُوزُ لَهُ التَّقْلِيدُ وَلَا يَقْضِي مَا يُصَلِّيهِ بِهِ.

(وَمَنْ صَلَّى بِالِاجْتِهَادِ) مِنْهُ أَوْ مِنْ مُقَلِّدِهِ (فَتَيَقَّنَ الْخَطَأَ) فِي جِهَةٍ أَوْ تَيَامَنَ أَوْ تَيَاسَرَ مُعَيَّنًا قَبْلَ الْوَقْتِ أَوْ فِيهِ أَعَادَ أَوْ بَعْدَهُ (قَضَى) وُجُوبًا (فِي الْأَظْهَرِ) وَإِنْ لَمْ يَظْهَرْ لَهُ الصَّوَابُ لِتَيَقُّنِهِ الْخَطَأَ فِيمَا يُؤْمَنُ مِثْلُهُ فِي الْعَادَةِ كَالْحَاكِمِ يَحْكُمُ بِاجْتِهَادِهِ ثُمَّ يَجِدُ النَّصَّ بِخِلَافِهِ، وَاحْتَرَزُوا بِقَوْلِهِمْ فِيمَا يُؤْمَنُ مِثْلُهُ فِي الْعَادَةِ عَنْ الْأَكْلِ فِي الصَّوْمِ نَاسِيًا وَالْخَطَأِ فِي الْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ حَيْثُ لَا تَجِبُ الْإِعَادَةُ؛ لِأَنَّهُ لَا يُؤْمَنُ مِثْلُهُ فِيهَا وَالثَّانِي: لَا يَقْضِي؛ لِأَنَّهُ تَرَكَ الْقِبْلَةَ بِعُذْرٍ فَأَشْبَهَ تَرْكَهَا فِي حَالِ الْقِتَالِ، وَنَقَلَهُ التِّرْمِذِيُّ عَنْ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَاخْتَارَهُ الْمُزَنِيّ، وَخَرَجَ بِتَيَقُّنِ الْخَطَأِ ظَنُّهُ، وَالْمُرَادُ بِالْيَقِينِ هُنَا مَا يَمْنَعُ الِاجْتِهَادَ فَيَدْخُلُ فِيهِ خَبَرُ الثِّقَةِ عَنْ مُعَايَنَةٍ، وَبِمُعَيَّنٍ الْمُبْهَمُ كَمَا فِي الصَّلَاةِ

فَلَوْ تَيَقَّنَهُ فِيهَا وَجَبَ اسْتِئْنَافُهَا.

وَإِنْ تَغَيَّرَ اجْتِهَادُهُ عُمِلَ بِالثَّانِي وَلَا قَضَاءَ حَتَّى لَوْ صَلَّى أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ لِأَرْبَعِ جِهَاتٍ بِالِاجْتِهَادِ فَلَا قَضَاءَ.

[مغني المحتاج]

إلَى جِهَاتٍ أَرْبَعٍ بِاجْتِهَادَاتٍ فَلَا قَضَاءَ فِيهَا كَمَا سَيَأْتِي.
(فَلَوْ تَيَقَّنَهُ فِيهَا) أَيْ الصَّلَاةِ (وَجَبَ اسْتِئْنَافُهَا) بِنَاءً عَلَى وُجُوبِ الْقَضَاءِ بَعْدَ الْفَرَاغِ لِعَدَمِ الِاعْتِدَادِ بِمَا مَضَى، وَإِلَى هَذَا الْبِنَاءِ أَشَارَ بِقَوْلِهِ فَلَوْ، وَيَنْحَرِفُ عَنْ مُقَابِلِهِ إلَى جِهَةِ الصَّوَابِ وَيُتِمُّهَا إنْ ظَهَرَ لَهُ مَعَ ذَلِكَ جِهَةُ الصَّوَابِ؛ لِأَنَّ الْمَاضِيَ مُعْتَدٌ بِهِ، وَدَخَلَ فِي عِبَارَتِهِ تَيَقُّنُ الْخَطَأِ يَمْنَةً أَوْ يَسْرَةً وَهُوَ كَذَلِكَ.

(وَإِنْ تَغَيَّرَ اجْتِهَادُهُ) ثَانِيًا فَظَهَرَ لَهُ الصَّوَابُ فِي جِهَةٍ غَيْرِ الْجِهَةِ الْأُولَى (عُمِلَ بِالثَّانِي) وُجُوبًا إنْ تَرَجَّحَ، سَوَاءٌ أَكَانَ فِي الصَّلَاةِ أَمْ لَا؛ لِأَنَّهُ الصَّوَابُ فِي ظَنِّهِ وَالْخَطَأُ فِيهِ غَيْرُ مُعَيَّنٍ (وَلَا قَضَاءَ) ؛ لِأَنَّ الِاجْتِهَادَ لَا يُنْقَضُ بِالِاجْتِهَادِ (حَتَّى لَوْ صَلَّى) صَلَاةً (أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ لِأَرْبَعِ جِهَاتٍ بِالِاجْتِهَادِ) أَرْبَعَ مَرَّاتٍ بِالشَّرْطِ الْمُتَقَدِّمِ (فَلَا) إعَادَةَ وَلَا (قَضَاءَ) ؛ لِأَنَّ كُلَّ رَكْعَةٍ مُؤَدَّاةٌ بِاجْتِهَادٍ وَلَمْ يَتَعَيَّنْ فِيهَا الْخَطَأُ، فَإِنْ اسْتَوَيَا وَلَمْ يَكُنْ فِي صَلَاةٍ تَخَيَّرَ بَيْنَهُمَا إذْ لَا مَزِيَّةَ لِأَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ، وَإِنْ كَانَ فِيهَا عُمِلَ بِالْأَوَّلِ وُجُوبًا كَمَا نَقَلَهُ فِي أَصْلِ الرَّوْضَةِ عَنْ الْبَغَوِيِّ، وَصَوَّبَهُ الْإِسْنَوِيُّ خِلَافًا لِظَاهِرِ كَلَامِ الْمَجْمُوعِ مِنْ تَصْحِيحِ وُجُوبِ الْعَمَلِ بِالثَّانِي وَلَوْ مَعَ التَّسَاوِي، وَفَارَقَ حُكْمَ التَّسَاوِي قَبْلَهَا بِأَنَّهُ هُنَا الْتَزَمَ بِدُخُولِهِ فِيهَا جِهَةً فَلَا يَتَحَوَّلُ إلَّا بِأَرْجَحَ مَعَ أَنَّ التَّحَوُّلَ فِعْلٌ أَجْنَبِيٌّ لَا يُنَاسِبُ الصَّلَاةَ فَاحْتِيطَ لَهَا، وَشَرْطُ الْعَمَلِ بِالثَّانِي فِي الصَّلَاةِ أَنْ يَظُنَّ الصَّوَابَ مُقَارِنًا لِظُهُورِ الْخَطَأِ، فَإِنْ لَمْ يَظُنَّهُ مُقَارِنًا بَطَلَتْ صَلَاتُهُ، وَإِنْ قَدَرَ عَلَى الصَّوَابِ عَلَى قُرْبٍ لِمُضِيِّ جُزْءٍ مِنْ صَلَاتِهِ إلَى غَيْرِ قِبْلَةٍ مَحْسُوبَةٍ.

وَلَوْ طَرَأَ عَلَى الْمُجْتَهِدِ فِي أَثْنَاءِ صَلَاتِهِ شَكٌّ فِي جِهَةِ الْقِبْلَةِ وَلَمْ يَتَرَجَّحْ لَهُ شَيْءٌ مِنْ الْجِهَاتِ لَمْ يُؤَثِّرْ كَمَا نَقَلَهُ فِي الْمَجْمُوعِ عَنْ نَصِّ الْأُمِّ وَاتِّفَاقِ الْأَصْحَابِ.

خَاتِمَةٌ: لَوْ اجْتَهَدَ اثْنَانِ فِي الْقِبْلَةِ وَاتَّفَقَ اجْتِهَادُهُمَا وَصَلَّى أَحَدُهُمَا بِالْآخَرِ، فَتَغَيَّرَ اجْتِهَادُ أَحَدِهِمَا لَزِمَهُ الِانْحِرَافُ إلَى الْجِهَةِ الثَّانِيَةِ، وَيَنْوِي الْمَأْمُومُ الْمُفَارَقَةَ وَإِنْ اخْتَلَفَا تَيَامُنًا وَتَيَاسُرًا، وَالتَّغَيُّرُ الْمَذْكُورُ عُذْرٌ فِي مُفَارَقَةِ الْمَأْمُومِ.

وَلَوْ قِيلَ لِأَعْمَى وَهُوَ فِي صَلَاتِهِ: صَلَاتُكَ إلَى الشَّمْسِ وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّ قِبْلَتَهُ غَيْرُهَا اسْتَأْنَفَ لِبُطْلَانِ تَقْلِيدِ الْأَوَّلِ بِذَلِكَ، وَإِنْ أَبْصَرَ وَهُوَ فِي أَثْنَائِهَا وَعَلِمَ أَنَّهُ لِلْقِبْلَةِ بِخَبَرِ ثِقَةٍ أَوْ نَجْمٍ أَوْ مِحْرَابٍ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ أَتَمَّهَا، أَوْ عَلَى الْخَطَأِ أَوْ تَرَدَّدَ بَطَلَتْ لِانْتِفَاءِ ظَنِّ الْإِصَابَةِ وَإِنْ ظَنَّ الصَّوَابَ غَيْرَ جِهَتِهِ انْحَرَفَ إلَى مَا ظَنَّهُ كَمَا لَوْ تَغَيَّرَ اجْتِهَادُ الْبَصِيرِ فِيهَا.

وَلَوْ قَالَ مُجْتَهِدٌ لِلْمُقَلِّدِ وَهُوَ فِي صَلَاتِهِ أَخْطَأَ بِك مُقَلِّدُك، وَالْمُجْتَهِدُ الثَّانِي عِنْدَهُ أَعْرَفُ مِنْ الْأَوَّلِ أَوْ قَالَ لَهُ: أَنْتَ عَلَى الْخَطَأِ قَطْعًا وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ أَعْرَفَ مِنْ الْأَوَّلِ وَجَبَ عَلَيْهِ أَنْ يَتَحَوَّلَ إنْ بَانَ لَهُ الصَّوَابُ مُقَارِنًا لِلْقَوْلِ بِأَنْ أَخْبَرَ بِهِ وَبِالْخَطَأِ مَعًا لِبُطْلَانِ تَقْلِيدِ الْأَوَّلِ بِقَوْلِ مَنْ هُوَ أَرْجَحُ مِنْهُ فِي الْأُولَى وَبِقَطْعِ الْقَاطِعِ فِي الثَّانِيَةِ، فَلَوْ كَانَ الْأَوَّلُ فِي الثَّانِيَةِ أَيْضًا قُطِعَ بِأَنَّ الصَّوَابُ مَا ذَكَرَهُ وَلَمْ يَكُنْ الثَّانِي أَعْلَمَ لَمْ يُؤَثِّرْ، فَإِنْ لَمْ يَتَبَيَّنْ لَهُ الصَّوَابُ مُقَارِنًا بَطَلَتْ صَلَاتُهُ، وَإِنْ بَانَ لَهُ الصَّوَابُ عَنْ قُرْبٍ لِمَا مَرَّ.

بَابُ صِفَةِ الصَّلَاةِ أَرْكَانُهَا ثَلَاثَةَ عَشَرَ: النِّيَّةُ

[مغني المحتاج]

[بَابُ صِفَةِ الصَّلَاةِ]

(بَابُ صِفَةِ) أَيْ كَيْفِيَّةُ (الصَّلَاةِ) وَهِيَ تَشْتَمِلُ عَلَى أَرْكَانٍ، وَهِيَ الْمَذْكُورَةُ هُنَا، وَعَلَى شُرُوطٍ، وَهِيَ الْمَذْكُورَةُ فِي أَوَّلِ الْبَابِ الْآتِي وَأَبْعَاضٍ وَهِيَ السُّنَنُ الْمَجْبُورَةُ بِسُجُودِ السَّهْوِ، وَهَيْئَاتٍ وَهِيَ السُّنَنُ الَّتِي لَا تُجْبَرُ، وَالرُّكْنُ كَالشَّرْطِ فِي أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْهُ، وَيُفَارِقُهُ بِأَنَّ الشَّرْطَ هُوَ الَّذِي يَتَقَدَّمُ عَلَى الصَّلَاةِ، وَيَجِبُ اسْتِمْرَارُهُ فِيهَا كَالطُّهْرِ وَالسَّتْرِ، وَالرُّكْنُ: مَا تَشْتَمِلُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ، كَالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ، فَخَرَجَ بِتَعْرِيفِ الشَّرْطِ التُّرُوكُ كَتَرْكِ الْكَلَامِ فَلَيْسَتْ بِشُرُوطٍ كَمَا صَوَّبَهُ فِي الْمَجْمُوعِ بَلْ مُبْطِلَةٌ لِلصَّلَاةِ كَقَطْعِ النِّيَّةِ، وَقِيلَ: إنَّهَا شُرُوطٌ كَمَا قَالَهُ الْغَزَالِيُّ وَوَافَقَهُ ابْنُ الْمُقْرِي كَأَصْلِهِ فِي بَابِ شَرْطِ الصَّلَاةِ، وَيَشْهَدُ لِلْأَوَّلِ أَنَّ الْكَلَامَ الْيَسِيرَ نَاسِيًا لَا يَضُرُّ وَلَوْ كَانَ تَرْكُهُ مِنْ الشُّرُوطِ لَضَرَّ.
فَإِنْ قِيلَ تَعْرِيفُ الشَّرْطِ بِمَا ذَكَرَ يُخْرِجُ التَّوَجُّهَ لِلْقِبْلَةِ عَنْ كَوْنِهِ شَرْطًا كَمَا قَالَهُ ابْنُ الرِّفْعَةِ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يُعْتَبَرُ فِي الْقِيَامِ وَالْقُعُودِ مَعَ أَنَّ الْمَشْهُورَ أَنَّهُ شَرْطٌ.
أُجِيبَ بِأَنَّ التَّوَجُّهَ إلَيْهَا حَاصِلٌ فِي غَيْرِهِمَا أَيْضًا عُرْفًا، إذْ يُقَالُ عَلَى الْمُصَلِّي حِينَئِذٍ إنَّهُ مُتَوَجِّهٌ إلَيْهَا لَا مُنْحَرِفٌ عَنْهَا مَعَ أَنَّ التَّوَجُّهَ إلَيْهَا بِبَعْضِ مُقَدَّمِ بَدَنِهِ حَاصِلٌ حَقِيقَةً أَيْضًا، وَذَلِكَ كَافٍ.
فَائِدَةٌ قَدْ شُبِّهَتْ الصَّلَاةُ بِالْإِنْسَانِ، فَالرُّكْنُ كَرَأْسِهِ، وَالشَّرْطُ كَحَيَاتِهِ، وَالْبَعْضُ كَأَعْضَائِهِ، وَالْهَيْئَاتُ كَشَعْرِهِ (أَرْكَانُهَا ثَلَاثَةَ عَشَرَ) كَذَا فِي الْمُحَرَّرِ بِجَعْلِ الطُّمَأْنِينَةِ كَالْهَيْئَةِ التَّابِعَةِ، وَجَعَلَهَا فِي التَّنْبِيهِ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ، فَزَادَ الطُّمَأْنِينَةَ فِي الرُّكُوعِ وَالِاعْتِدَالِ وَالسُّجُودِ وَالْجُلُوسِ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ وَنِيَّةَ الْخُرُوجِ مِنْ الصَّلَاةِ، وَجَعَلَهَا فِي التَّحْقِيقِ وَالرَّوْضَةِ سَبْعَةَ عَشَرَ؛ لِأَنَّ الْأَصَحَّ أَنَّ نِيَّةَ الْخُرُوجِ لَا تَجِبُ، وَجَعَلَهَا فِي الْحَاوِي أَرْبَعَةَ عَشَرَ، فَزَادَ الطُّمَأْنِينَةَ إلَّا أَنَّهُ جَعَلَهَا فِي الْأَرْكَانِ الْأَرْبَعَةِ رُكْنًا وَاحِدًا وَالْخِلَافُ بَيْنَهُمْ لَفْظِيٌّ، فَمَنْ لَمْ يَعُدَّ الطُّمَأْنِينَةَ رُكْنًا جَعَلَهَا فِي كُلِّ رُكْنٍ كَالْجُزْءِ مِنْهُ وَكَالْهَيْئَةِ التَّابِعَةِ لَهُ، وَيُؤَيِّدُهُ كَلَامُهُمْ فِي التَّقَدُّمِ وَالتَّأَخُّرِ بِرُكْنٍ أَوْ أَكْثَرَ، وَبِهِ يُشْعِرُ خَبَرُ «إذَا قُمْتَ إلَى الصَّلَاةِ» الْآتِي، وَمَنْ عَدَّهَا أَرْكَانًا فَذَاكَ لِاسْتِقْلَالِهَا، وَصِدْقِ اسْمِ السُّجُودِ وَنَحْوِهِ بِدُونِهَا، وَجُعِلَتْ أَرْكَانًا لِتَغَايُرِهَا بِاخْتِلَافِ مَحَالِّهَا، وَمَنْ جَعَلَهَا رُكْنًا وَاحِدًا فَلِكَوْنِهَا جِنْسًا وَاحِدًا كَمَا عَدُّوا السَّجْدَتَيْنِ رُكْنًا لِذَلِكَ.
الْأَوَّلُ (النِّيَّةُ) لِأَنَّهَا وَاجِبَةٌ فِي بَعْضِ الصَّلَاةِ، وَهُوَ أَوَّلُهَا لَا فِي جَمِيعِهَا، فَكَانَتْ رُكْنًا كَالتَّكْبِيرِ وَالرُّكُوعِ، وَقِيلَ: هِيَ شَرْطٌ؛ لِأَنَّهَا عِبَارَةٌ عَنْ قَصْدِ فِعْلِ الصَّلَاةِ، فَتَكُونُ خَارِجَ الصَّلَاةِ، وَلِهَذَا قَالَ الْغَزَالِيُّ: هِيَ بِالشَّرْطِ أَشْبَهُ، وَتَظْهَرُ فَائِدَةُ الْخِلَافِ فِيمَا لَوْ افْتَتَحَ النِّيَّةَ مَعَ مُقَارَنَةِ مُفْسِدٍ مِنْ نَجَاسَةٍ أَوْ غَيْرِهَا وَتَمَّتْ بِلَا مَانِعٍ.
إنْ قُلْنَا: إنَّهَا رُكْنٌ لَمْ تَصِحَّ، أَوْ شَرْطٌ صَحَّتْ، وَفِيهَا كَلَامٌ لِلرَّافِعِيِّ ذَكَرْتُهُ مَعَ زِيَادَةٍ فِي شَرْحِ التَّنْبِيهِ، وَالْأَصْلُ فِيهَا قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [البينة: 5] [الْبَيِّنَةُ] قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ:

فَإِنْ صَلَّى فَرْضًا وَجَبَ قَصْدُ فِعْلِهِ وَتَعْيِينُهُ

وَالْأَصَحُّ وُجُوبُ نِيَّةِ الْفَرْضِيَّةِ

دُونَ الْإِضَافَةِ إلَى اللَّهِ تَعَالَى، -

[مغني المحتاج]

وَالْإِخْلَاصُ فِي كَلَامِهِمْ النِّيَّةُ، وَقَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى» وَأَجْمَعَتْ الْأُمَّةُ عَلَى اعْتِبَارِ النِّيَّةِ فِي الصَّلَاةِ، وَبَدَأَ بِهَا؛ لِأَنَّ الصَّلَاةَ لَا تَنْعَقِدُ إلَّا بِهَا.

(فَإِنْ صَلَّى) أَيْ أَرَادَ أَنْ يُصَلِّيَ (فَرْضًا) وَلَوْ نَذْرًا أَوْ قَضَاءً أَوْ كِفَايَةً (وَجَبَ قَصْدُ فِعْلِهِ) بِأَنْ يَقْصِدَ فِعْلَ الصَّلَاةِ لِتَتَمَيَّزَ عَنْ سَائِرِ الْأَفْعَالِ، وَهِيَ هُنَا مَا عَدَا النِّيَّةَ؛ لِأَنَّهَا لَا تُنْوَى لِلُزُومِ التَّسَلْسُلِ فِي ذَلِكَ؛ وَلِأَنَّ مَا كَانَ مِنْ الْأَعْمَالِ حُصُولُ صُورَتِهِ كَافٍ فِي حُصُولِ مَصْلَحَتِهِ لَمْ يَفْتَقِرْ إلَى نِيَّةٍ، وَالنِّيَّةُ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْهَا شَيْئَانِ: تَمْيِيزُ الْعِبَادَاتِ عَنْ الْعَادَاتِ وَتَمْيِيزُ رُتَبِ الْعِبَادَاتِ، وَذَلِكَ حَاصِلٌ بِحُصُولِهَا مِنْ غَيْرِ تَوَقُّفٍ عَلَى شَيْءٍ آخَرَ (وَ) وَجَبَ (تَعْيِينُهُ) مِنْ ظُهْرٍ أَوْ غَيْرِهِ لِيَمْتَازَ عَنْ سَائِرِ الصَّلَوَاتِ.
قَالَ فِي الْعُبَابِ: وَفِي إجْزَاءِ نِيَّةِ صَلَاةٍ يُشْرَعُ التَّثْوِيبَ فِي أَذَانِهَا، وَالْقُنُوتُ فِيهَا أَبَدًا عَنْ نِيَّةِ الصُّبْحِ تَرَدُّدٌ اهـ. وَيَنْبَغِي الِاكْتِفَاءُ، وَتَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى النِّيَّةِ فِي بَابِ الْوُضُوءِ، وَلَوْ عَبَّرَ بِقَوْلِهِ: قَصْدُ فِعْلِهَا وَتَعْيِينِهَا لَكَانَ أَوْلَى، وَاسْتَغْنَى عَمَّا قَدَّرْتُهُ تَبَعًا لِلشَّارِحِ، فَالْمُرَادُ قَصْدُ فِعْلِ الْفَرْضِ مِنْ حَيْثُ كَوْنُهُ صَلَاةً لَا مِنْ حَيْثُ كَوْنُهُ فَرْضًا وَإِلَّا لَتَضَمَّنَ قَصْدَ الْفَرْضِيَّةِ، فَإِنَّ مَنْ قَصَدَ فِعْلَ الْفَرْضِ فَقَدْ قَصَدَ الْفَرْضِيَّةَ لَا شَكَّ، فَلَا يَحْسُنُ بَعْدَ ذَلِكَ.

قَوْلُهُ (وَالْأَصَحُّ وُجُوبُ نِيَّةِ الْفَرْضِيَّةِ) ؛ لِأَنَّهُ مَعْنَى الْأَوَّلِ، وَإِنَّمَا وَجَبَتْ نِيَّةُ الْفَرْضِيَّةِ مَعَ مَا ذَكَرَ الصَّادِقُ بِالصَّلَاةِ الْمُعَادَةِ لِيَتَعَيَّنَ بِنِيَّةِ الْفَرْضِ لِلصَّلَاةِ الْأَصْلِيَّةِ، وَفِي الْمُعَادَةِ خِلَافٌ فِي نِيَّةِ الْفَرْضِيَّةِ كَمَا سَيَأْتِي إنْ شَاءَ اللَّهُ - تَعَالَى - فِي صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ.
وَالثَّانِي: لَا تَجِبُ؛ لِأَنَّ مَا يُعَيِّنُهُ يَنْصَرِفُ إلَيْهَا بِدُونِ هَذِهِ النِّيَّةِ، بِخِلَافِ الْمُعَادَةِ فَلَا يَنْصَرِفُ إلَيْهَا إلَّا بِقَصْدِ الْإِعَادَةِ، وَعَلَى الْأَوَّلِ تَكْفِي نِيَّةُ النَّذْرِ فِي الْمَنْذُورِ عَنْ نِيَّةِ الْفَرْضِيَّةِ كَمَا قَالَهُ فِي الذَّخَائِرِ، وَلَا تَجِبُ فِي صَلَاةِ الصَّبِيِّ كَمَا صَحَّحَهُ فِي التَّحْقِيقِ، وَصَوَّبَهُ فِي الْمَجْمُوعِ خِلَافًا لِمَا فِي الرَّوْضَةِ وَأَصْلِهَا؛ لِأَنَّ صَلَاتَهُ تَقَعُ نَفْلًا، فَكَيْفَ يَنْوِي الْفَرْضِيَّةَ.

فَائِدَةٌ الْعِبَادَاتُ الْمَشْرُوطُ فِيهَا النِّيَّةُ فِي وُجُوبِ التَّعَرُّضِ لِلْفَرْضِ خَمْسَةُ أَقْسَامٍ: الْأَوَّلُ: يُشْتَرَطُ بِلَا خِلَافٍ كَالزَّكَاةِ هَكَذَا فِي الدَّمِيرِيِّ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّ نِيَّةَ الْفَرْضِيَّةِ فِي الْمَالِ لَيْسَتْ بِشَرْطٍ؛ لِأَنَّ الزَّكَاةَ لَا تَقَعُ إلَّا فَرْضًا، وَبِهِ فَارَقَتْ مَا لَوْ نَوَى صَلَاةَ الظُّهْرِ.
الثَّانِي: عَكْسُهُ الْحَجُّ وَالْعُمْرَةُ.
الثَّالِثُ: يُشْتَرَطُ عَلَى الْأَصَحِّ كَالصَّلَاةِ.
الرَّابِعُ: عَكْسُهُ كَصَوْمِ رَمَضَانَ عَلَى مَا فِي الْمَجْمُوعِ مِنْ عَدَمِ الِاشْتِرَاطِ.
الْخَامِسُ: عِبَادَةٌ لَا يَكْفِي فِيهَا ذَلِكَ بَلْ يَضُرُّ، وَهِيَ: التَّيَمُّمُ فَإِنَّهُ إذَا نَوَى فَرْضَهُ لَمْ يَكْفِ.

(دُونَ الْإِضَافَةِ إلَى اللَّهِ - تَعَالَى -) فَلَا تَجِبُ؛ لِأَنَّ الْعِبَادَةَ لَا تَكُونُ إلَّا لَهُ تَعَالَى.
وَقِيلَ: تَجِبُ لِيَتَحَقَّقَ مَعْنَى الْإِخْلَاصِ، وَعَلَى الْأَوَّلِ تُسْتَحَبُّ لِذَلِكَ.
قَالَ الدَّمِيرِيُّ: وَفِي تَصْوِيرِ عَدَمِ الْإِضَافَةِ إلَى اللَّهِ تَعَالَى إشْكَالٌ، فَإِنَّ فِعْلَ الْفَرْضِ لَا يَكُونُ إلَّا لِلَّهِ، فَلَا يَنْفَكُّ قَصْدُ الْفَرْضِيَّةِ عَنْ نِيَّةِ الْإِضَافَةِ إلَى اللَّهِ تَعَالَى اهـ. وَلَا تَجِبُ نِيَّةُ اسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ وَلَا عَدَدُ الرَّكَعَاتِ فِي الْأَصَحِّ فِيهِمَا، وَلَكِنْ تُسَنُّ خُرُوجًا مِنْ الْخِلَافِ، وَلَوْ غَيْرَ الْعَدَدِ كَأَنْ نَوَى الظُّهْرَ ثَلَاثًا

وَأَنَّهُ يَصِحُّ الْأَدَاءُ بِنِيَّةِ الْقَضَاءِ وَعَكْسُهُ.

وَالنَّفَلُ ذُو الْوَقْتِ أَوْ السَّبَبِ كَالْفَرْضِ فِيمَا سَبَقَ.

[مغني المحتاج]

أَوْ خَمْسًا لَمْ يَنْعَقِدْ، وَفَرَضَهُ الرَّافِعِيُّ فِي الْعَالِمِ، وَقَضِيَّتُهُ أَنَّهُ لَا يَضُرُّ فِي الْغَلَطِ، وَمُقْتَضَى قَوْلِهِمْ: أَنَّ مَا وَجَبَ التَّعَرُّضُ لَهُ جُمْلَةً يَضُرُّ الْخَطَأُ فِيهِ أَنَّهُ يَضُرُّ؛ لِأَنَّ الظُّهْرَ يَشْتَمِلُ عَلَى الْعَدَدِ جُمْلَةً فَيَضُرُّ الْخَطَأُ فِيهِ، وَهَذَا هُوَ الظَّاهِرُ.

(وَ) الْأَصَحُّ (أَنَّهُ يَصِحُّ الْأَدَاءُ بِنِيَّةِ الْقَضَاءِ) عِنْدَ جَهْلِ الْوَقْتِ بِغَيْمٍ أَوْ نَحْوِهِ كَأَنْ ظَنَّ خُرُوجَ الْوَقْتِ فَصَلَّاهَا قَضَاءً فَبَانَ بَقَاؤُهُ (وَعَكْسُهُ) كَأَنْ ظَنَّ بَقَاءَ الْوَقْتِ فَصَلَّاهَا أَدَاءً فَبَانَ خُرُوجُهُ لِاسْتِعْمَالِ كُلٍّ بِمَعْنَى الْآخَرِ، تَقُولُ: قَضَيْتُ الدَّيْنَ وَأَدَّيْتُهُ بِمَعْنًى وَاحِدٍ.
قَالَ تَعَالَى: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ﴾ [البقرة: 200] [الْبَقَرَةُ] أَيْ أَدَّيْتُمْ وَالثَّانِي لَا يَصِحُّ بَلْ يُشْتَرَطَانِ لِيَتَمَيَّزَ كُلٌّ مِنْهُمَا عَنْ الْآخَرِ كَمَا فِي الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ، وَعَلَى الْأَوَّلِ يُسَنُّ لِذَلِكَ.
أَمَّا إذَا فَعَلَ ذَلِكَ عَالِمًا فَلَا تَصِحُّ صَلَاتُهُ قَطْعًا لِتَلَاعُبِهِ كَمَا نَقَلَهُ فِي الْمَجْمُوعِ عَنْ تَصْرِيحِهِمْ.
نَعَمْ إنْ قَصَدَ بِذَلِكَ الْمَعْنَى اللُّغَوِيَّ لَمْ يَضُرَّ كَمَا قَالَهُ فِي الْأَنْوَارِ، وَقِيلَ: يُشْتَرَطُ التَّعَرُّضُ لِنِيَّةِ الْقَضَاءِ دُونَ الْأَدَاءِ؛ لِأَنَّ الْأَدَاءَ يَتَمَيَّزُ بِالْوَقْتِ بِخِلَافِ الْقَضَاءِ، وَقِيلَ: إنْ كَانَ عَلَيْهِ فَائِتَةٌ مِثْلُهَا اُشْتُرِطَ التَّعَرُّضُ لِنِيَّةِ الْأَدَاءِ وَإِلَّا فَلَا يُشْتَرَطُ التَّعَرُّضُ لِلْوَقْتِ، فَلَوْ عَيَّنَ الْيَوْمَ وَأَخْطَأَ.
قَالَ الْبَغَوِيّ وَالْمُتَوَلِّي: صَحَّ فِي الْأَدَاءِ؛ لِأَنَّ مَعْرِفَتَهُ بِالْوَقْتِ الْمُتَعَيَّنِ لِلْفِعْلِ بِالشُّرُوعِ فَلَغَا خَطَؤُهُ فِيهِ، وَلَا تَصِحُّ فِي الْقَضَاءِ؛ لِأَنَّ وَقْتَ الْفِعْلِ غَيْرُ مُتَعَيَّنٍ لَهُ بِالشُّرُوعِ وَلَمْ يَنْوِ قَضَاءَ مَا عَلَيْهِ، وَقَضِيَّةُ كَلَامِ أَصْلِ الرَّوْضَةِ فِي التَّيَمُّمِ الصِّحَّةُ مُطْلَقًا، وَهُوَ الظَّاهِرُ، وَمَنْ عَلَيْهِ فَوَائِتُ لَا يُشْتَرَطُ أَنْ يَنْوِيَ ظُهْرَ يَوْمِ كَذَا بَلْ يَكْفِيهِ نِيَّةُ الظُّهْرِ أَوْ الْعَصْرِ أَوْ الْفَائِتَةِ إنْ شَرَطْنَا نِيَّةَ الْقَضَاءِ.

(وَالنَّفَلُ ذُو الْوَقْتِ أَوْ) ذُو (السَّبَبِ كَالْفَرْضِ فِيمَا سَبَقَ) مِنْ اشْتِرَاطِ قَصْدِ فِعْلِ الصَّلَاةِ وَتَعْيِينِهَا كَصَلَاةِ الْكُسُوفِ أَوْ الِاسْتِسْقَاءِ أَوْ عِيدِ الْفِطْرِ وَالْأَضْحَى أَوْ رَاتِبَةِ الْعِشَاءِ.
قَالَ فِي الْمَجْمُوعِ: وَكَسُنَّةِ الظُّهْرِ الَّتِي قَبْلَهَا أَوْ الَّتِي بَعْدَهَا وَتَبِعَهُ السُّبْكِيُّ، وَوَجْهُهُ أَنَّ تَعْيِينَهَا إنَّمَا يَحْصُلُ بِذَلِكَ لِاشْتِرَاكِهَا فِي الِاسْمِ وَالْوَقْتِ وَإِنْ لَمْ يُؤَخِّرْ الْمُقَدَّمَةَ كَمَا يَجِبُ تَعْيِينُ الظُّهْرِ لِئَلَّا يَلْتَبِسَ بِالْعَصْرِ، وَكَمَا يَجِبُ تَعْيِينُ عِيدِ الْفِطْرِ عَنْ الْأَضْحَى لِئَلَّا يَلْتَبِسَ بِهِ، فَانْدَفَعَ مَا قِيلَ إنَّ مَحَلَّ هَذَا إذَا أَخَّرَ الْمُقَدَّمَةَ عَنْ الْفَرْضِ.
وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: يَنْبَغِي فِي صَلَاةِ الْعِيدِ أَنْ لَا يَجِبَ التَّعَرُّضُ لِكَوْنِهِ فِطْرًا أَوْ نَحْرًا لِاسْتِوَائِهِمَا فِي جَمِيعِ الصِّفَاتِ فَيَلْتَحِقُ بِالْكَفَّارَاتِ، بِخِلَافِ الْكُسُوفِ وَالْخُسُوفِ لِاخْتِلَافِهِمَا بِالْجَهْرِ وَالْإِسْرَارِ.
وَالْوِتْرُ صَلَاةٌ مُسْتَقِلَّةٌ فَلَا يُضَافُ إلَى الْعِشَاءِ، فَإِنْ أَوْتَرَ بِوَاحِدَةٍ أَوْ بِأَكْثَرَ وَوَصَلَ نَوَى الْوِتْرَ، وَإِنْ فَصَلَ نَوَى بِالْوَاحِدَةِ الْوِتْرَ، وَيَتَخَيَّرُ فِي غَيْرِهَا بَيْنَ نِيَّةِ صَلَاةِ اللَّيْلِ وَمُقَدِّمَةِ الْوِتْرِ وَسُنَّتِهِ وَهِيَ أُولَى أَوْ رَكْعَتَيْنِ مِنْ الْوِتْرِ عَلَى الْأَصَحِّ.
قَالَ الْإِسْنَوِيُّ: وَمَحَلُّ ذَلِكَ إذَا نَوَى عَدَدًا فَإِنْ لَمْ يَنْوِ فَهَلْ يَلْغُو لِإِبْهَامِهِ أَوْ يَصِحُّ؟ وَيُحْمَلُ عَلَى رَكْعَةٍ؛ لِأَنَّهُ الْمُتَيَقِّنُ أَوْ ثَلَاثٍ؛ لِأَنَّهَا أَفْضَلُ كَنِيَّةِ الصَّلَاةِ فَإِنَّهَا تَنْعَقِدُ رَكْعَتَيْنِ مَعَ صِحَّةِ الرَّكْعَةِ أَوْ إحْدَى عَشْرَةَ؛ لِأَنَّ الْوِتْرَ لَهُ غَايَةٌ؟ فَحَمَلْنَا الْإِطْلَاقَ عَلَيْهَا بِخِلَافِ الصَّلَاةِ فِيهِ نَظَرٌ اهـ. وَالظَّاهِرُ كَمَا قَالَ شَيْخُنَا أَنَّهُ يَصِحُّ، وَيُحْمَلُ عَلَى مَا يُرِيدُهُ مِنْ رَكْعَةٍ إلَى

وَفِي نِيَّةِ النَّفْلِيَّةِ وَجْهَانِ.
قُلْتُ: الصَّحِيحُ لَا تُشْتَرَطُ نِيَّةُ النَّفْلِيَّةِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَيَكْفِي فِي النَّفْلِ الْمُطْلَقِ نِيَّةُ فِعْلِ الصَّلَاةِ، وَالنِّيَّةُ بِالْقَلْبِ

وَيُنْدَبُ النُّطْقُ قُبَيْلَ التَّكْبِيرِ.

[مغني المحتاج]

إحْدَى عَشْرَةَ وِتْرًا، وَيُسْتَثْنَى مِنْ ذَوَاتِ السَّبَبِ تَحِيَّةُ الْمَسْجِدِ، وَرَكْعَتَا الْوُضُوءِ، وَالْإِحْرَامِ، وَالِاسْتِخَارَةِ، فَيَكْفِي فِيهَا نِيَّةُ فِعْلِهَا كَمَا فِي الْكِفَايَةِ فِي الْأُولَى وَالْإِحْيَاءِ فِي الثَّانِيَةِ وَقِيَاسًا عَلَيْهَا فِي الثَّالِثَةِ وَالرَّابِعَةِ كَمَا بَحَثَهُ بَعْضُهُمْ، وَإِنْ قَالَ فِي الْكِفَايَةِ: إنَّ الْمَنْقُولَ فِي الثَّالِثَةِ أَنَّهُ لَا يَكْفِي.

(وَفِي) اشْتِرَاطِ (نِيَّةِ النَّفْلِيَّةِ وَجْهَانِ) كَمَا فِي اشْتِرَاطِ نِيَّةِ الْفَرْضِيَّةِ فِي الْفَرْضِ، وَعَبَّرَ بِالتَّعْرِيفِ فِي الْمُحَرَّرِ وَالرَّوْضَةِ وَكَانَ فِي أَصْلِ الْمُصَنِّفِ كَذَلِكَ لَكِنَّهُ كَشَطَ الْأَلِفَ وَاللَّامَ وَصَحَّحَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ فِيهِمَا إبْهَامَ اشْتِرَاطِهَا، وَقَدْ صَوَّبَ فِي الرَّوْضَةِ وَالْمَجْمُوعِ الْجَزْمَ بِخِلَافِهِ، وَقَالَ هُنَا: (قُلْتُ: الصَّحِيحُ لَا تُشْتَرَطُ نِيَّةُ النَّفْلِيَّةِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ) ؛ لِأَنَّ النَّفْلِيَّةَ مُلَازِمَةٌ لِلنَّفْلِ، بِخِلَافِ الظُّهْرِ وَنَحْوِهَا، فَإِنَّهَا قَدْ تَكُونُ فَرْضًا وَقَدْ لَا تَكُونُ بِدَلِيلِ الْمُعَادَةِ وَصَلَاةِ الصَّبِيِّ كَمَا سَبَقَ، وَفِي اشْتِرَاطِ نِيَّةِ الْأَدَاءِ وَالْقَضَاءِ وَالْإِضَافَةِ إلَى اللَّهِ تَعَالَى الْخِلَافُ السَّابِقُ (وَيَكْفِي فِي النَّفْلِ الْمُطْلَقِ) وَهُوَ الَّذِي لَا يَتَقَيَّدُ بِوَقْتٍ وَلَا سَبَبٍ (نِيَّةُ فِعْلِ الصَّلَاةِ) ؛ لِأَنَّ النَّفَلَ أَدْنَى دَرَجَاتِ الصَّلَاةِ، فَإِذَا قَصَدَهَا وَجَبَ حُصُولُهُ، وَلَمْ يَذْكُرُوا هُنَا خِلَافًا فِي اشْتِرَاطِ نِيَّةِ النَّفْلِيَّةِ، وَيُمْكِنُ مَجِيئُهُ كَمَا قَالَ الرَّافِعِيُّ وَمَجِيءُ الْخِلَافِ فِي الْإِضَافَةِ إلَى اللَّهِ تَعَالَى (وَالنِّيَّةُ بِالْقَلْبِ) بِالْإِجْمَاعِ؛ لِأَنَّهَا الْقَصْدُ، فَلَا يَكْفِي النُّطْقُ مَعَ غَفْلَةِ الْقَلْبِ بِالْإِجْمَاعِ، وَنَبَّهَ بِذَلِكَ هُنَا عَلَى جَمِيعِ الْأَبْوَابِ فَإِنَّهُ لَمْ يَذْكُرْهُ إلَّا هُنَا، وَلَا يَضُرُّ النُّطْقُ بِخِلَافِ مَا فِي الْقَلْبِ، كَأَنْ قَصَدَ الصُّبْحَ وَسَبَقَ لِسَانُهُ إلَى الظُّهْرِ.

(وَيُنْدَبُ النُّطْقُ) بِالْمَنْوِيِّ (قُبَيْلَ التَّكْبِيرِ) لِيُسَاعِدَ اللِّسَانُ الْقَلْبَ وَلِأَنَّهُ أَبْعَدُ عَنْ الْوَسْوَاسِ: قَالَ الْأَذْرَعِيُّ: وَلَا دَلِيلَ لِلنَّدَبِ اهـ وَهُوَ مَمْنُوعٌ، بَلْ قِيلَ بِوُجُوبِ التَّلَفُّظِ بِالنِّيَّةِ فِي كُلِّ عِبَادَةٍ.

وَلَوْ عَقَّبَ النِّيَّةَ بِلَفْظِ: إنْ شَاءَ اللَّهُ، أَوْ نَوَاهَا وَقَصَدَ بِذَلِكَ التَّبَرُّكَ أَوْ أَنَّ الْفِعْلَ وَاقِعٌ بِالْمَشِيئَةِ لَمْ يَضُرَّ، أَوْ التَّعْلِيقَ، أَوْ أَطْلَقَ لَمْ يَصِحَّ لِلْمُنَافَاةِ.

وَلَوْ قَلَبَ الْمُصَلِّي صَلَاتَهُ الَّتِي هُوَ فِيهَا صَلَاةً أُخْرَى عَالِمًا عَامِدًا بَطَلَتْ صَلَاتُهُ، أَوْ أَتَى بِمَا يُنَافِي الْفَرْضَ دُونَ النَّفْلِ، كَأَنْ أَحْرَمَ الْقَادِرُ بِالْفَرْضِ قَاعِدًا أَوْ أَحْرَمَ بِهِ الشَّخْصُ قَبْلَ الْوَقْتِ عَامِدًا عَالِمًا بِذَلِكَ لَمْ تَنْعَقِدْ صَلَاتُهُ لِتَلَاعُبِهِ، فَإِنْ كَانَ مَعْذُورًا كَمَنْ ظَنَّ دُخُولَ الْوَقْتِ فَأَحْرَمَ بِالْفَرْضِ أَوْ قَلَبَهُ نَفْلًا مُطْلَقًا لِيُدْرِكَ جَمَاعَةً مَشْرُوعَةً وَهُوَ مُنْفَرِدٌ، فَسَلَّمَ مِنْ رَكْعَتَيْنِ لِيُدْرِكَهَا، أَوْ رَكَعَ الْمَسْبُوقُ قَبْلَ تَمَامِ التَّكْبِيرِ جَاهِلًا انْقَلَبَتْ نَفْلًا لِلْعُذْرِ، إذْ لَا يَلْزَمُ مِنْ بُطْلَانِ الْخُصُوصِ بُطْلَانُ الْعُمُومِ، وَخَرَجَ بِذَلِكَ مَا لَوْ قَلْبَهَا نَفْلًا مُعَيَّنًا كَرَكْعَتَيْ الضُّحَى فَلَا تَصِحُّ لِافْتِقَارِهِ إلَى التَّعْيِينِ، وَمَا إذَا لَمْ تُشْرَعْ الْجَمَاعَةُ كَمَا لَوْ كَانَ يُصَلِّي الظُّهْرَ فَوَجَدَ مَنْ يُصَلِّي الْعَصْرَ، فَلَا يَجُوزُ الْقَطْعُ كَمَا ذَكَرَهُ فِي الْمَجْمُوعِ فِي بَابِهَا، وَمَا لَوْ عَلِمَ أَنَّهُ أَحْرَمَ قَبْلَ الْوَقْتِ فِي أَثْنَاءِ صَلَاتِهِ فَإِنَّهُ لَا يُتِمُّهَا لِتَبَيُّنِ بُطْلَانِهَا، وَإِنَّمَا وَقَعَتْ لَهُ نَافِلَةً لِقِيَامِ الْعُذْرِ، كَمَنْ صَلَّى بِالِاجْتِهَادِ لِغَيْرِ الْقِبْلَةِ ثُمَّ تَبَيَّنَ لَهُ الْحَالُ، فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْهَا وَقَعَتْ لَهُ نَافِلَةً، وَإِنْ كَانَ فِي أَثْنَائِهَا بَطَلَتْ كَمَا مَرَّ، وَلَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَسْتَمِرَّ فِيهَا.

الثَّانِي تَكْبِيرَةُ الْإِحْرَامِ، وَيَتَعَيَّنُ عَلَى الْقَادِرِ: اللَّهُ أَكْبَرُ.

وَلَا تَضُرُّ زِيَادَةٌ لَا تَمْنَعُ الِاسْمَ كَاَللَّهِ أَكْبَرُ وَكَذَا اللَّهُ الْجَلِيلُ أَكْبَرُ فِي الْأَصَحِّ،

[مغني المحتاج]

فُرُوعٌ: لَوْ قَالَ شَخْصٌ لِآخَرَ: صَلِّ فَرْضَك وَلَك عَلَيَّ دِينَارٌ فَصَلَّى بِهَذِهِ النِّيَّةِ لَمْ يَسْتَحِقَّ الدِّينَارَ وَأَجْزَأَتْهُ صَلَاتُهُ، وَلَوْ نَوَى الصَّلَاةَ وَدَفَعَ الْغَرِيمُ صَحَّتْ صَلَاتُهُ؛ لِأَنَّ دَفْعَهُ حَاصِلٌ وَإِنْ لَمْ يَنْوِهِ، بِخِلَافِ مَا لَوْ نَوَى بِصَلَاتِهِ فَرْضًا وَنَفْلًا غَيْرَ نَحْوِ تَحِيَّةِ الْمَسْجِدِ لِتَشْرِيكِهِ بَيْنَ عِبَادَتَيْنِ لَا تَنْدَرِجُ إحْدَاهُمَا فِي الْأُخْرَى، وَلَوْ قَالَ: أُصَلِّي لِثَوَابِ اللَّهِ تَعَالَى أَوْ لِلْهَرَبِ مِنْ عِقَابِهِ صَحَّتْ صَلَاتُهُ خِلَافًا لِلْفَخْرِ الرَّازِيِّ.

(الثَّانِي) مِنْ الْأَرْكَانِ (تَكْبِيرَةُ الْإِحْرَامِ) فِي الْقِيَامِ أَوْ بَدَلِهِ لِحَدِيثِ أَبِي دَاوُد وَالتِّرْمِذِيِّ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ «مِفْتَاحُ الصَّلَاةِ الْوُضُوءُ، وَتَحْرِيمُهَا التَّكْبِيرُ، وَتَحْلِيلُهَا التَّسْلِيمُ» (1) ، وَحَدِيثِ الْمُسِيءِ صَلَاتَهُ: «إذَا قُمْتَ إلَى الصَّلَاةِ فَكَبِّرْ ثُمَّ اقْرَأْ مَا تَيَسَّرَ مَعَكَ مِنْ الْقُرْآنِ ثُمَّ ارْكَعْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ رَاكِعًا ثُمَّ ارْفَعْ حَتَّى تَعْتَدِلَ قَائِمًا ثُمَّ اُسْجُدْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ سَاجِدًا ثُمَّ ارْفَعْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ جَالِسًا ثُمَّ افْعَلْ ذَلِكَ فِي صَلَاتِكَ كُلِّهَا» رَوَاهُ الشَّيْخَانِ.
وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ «ثُمَّ اُسْجُدْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ سَاجِدًا ثُمَّ ارْفَعْ حَتَّى تَسْتَوِيَ قَائِمًا ثُمَّ افْعَلْ ذَلِكَ فِي صَلَاتِكَ كُلِّهَا» ، وَفِي صَحِيحِ ابْنِ حِبَّانَ بَدَلَ قَوْلِهِ (حَتَّى تَعْتَدِلَ قَائِمًا) ، (حَتَّى تَطْمَئِنَّ قَائِمًا) . فَائِدَةٌ إنَّمَا سُمِّيَتْ هَذِهِ التَّكْبِيرَةُ بِتَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ؛ لِأَنَّهُ يَحْرُمُ بِهَا عَلَى الْمُصَلِّي مَا كَانَ حَلَالًا لَهُ قَبْلَهَا مِنْ مُفْسِدَاتِ الصَّلَاةِ كَالْأَكْلِ وَالشُّرْبِ وَالْكَلَامِ وَنَحْوِ ذَلِكَ.

(وَيَتَعَيَّنُ) فِيهَا (عَلَى الْقَادِرِ) عَلَى النُّطْقِ بِهَا (اللَّهُ أَكْبَرُ) ؛ لِأَنَّهُ الْمَأْثُورُ مِنْ فِعْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَعَ رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي» . فَإِنْ قِيلَ: الْأَقْوَالُ لَا تُرَى فَكَيْفَ يُسْتَدَلُّ بِذَلِكَ؟ . أُجِيبَ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِالرُّؤْيَةِ الْعِلْمُ: أَيْ كَمَا عَلِمْتُمُونِي أُصَلِّي، فَلَا يُجْزِئُ اللَّهُ الْكَبِيرُ لِفَوَاتِ مَدْلُولِ أَفْعَلَ، وَهُوَ التَّفْضِيلُ، وَكَذَا الرَّحْمَنُ أَوْ الرَّحِيمُ أَكْبَرُ عَنْ الْأَصَحِّ وَلَوْ قَالَ الرَّحْمَنُ أَجَلُّ أَوْ الرَّبُّ أَعْظَمُ لَمْ يَجُزْ قَطْعًا لِفَوَاتِ اللَّفْظَيْنِ مَعًا.

(وَلَا تَضُرُّ زِيَادَةٌ لَا تَمْنَعُ الِاسْمَ) أَيْ اسْمَ التَّكْبِيرِ (كَاَللَّهِ أَكْبَرُ) بِزِيَادَةِ اللَّامِ؛ لِأَنَّهُ لَفْظٌ يَدُلُّ عَلَى التَّكْبِيرِ وَعَلَى زِيَادَةِ مُبَالَغَةٍ فِي التَّعْظِيمِ، وَهُوَ الْإِشْعَارُ بِالتَّخْصِيصِ فَصَارَ كَقَوْلِهِ: اللَّهُ أَكْبَرُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ، إذْ مَعْنَى اللَّهُ أَكْبَرُ: أَيْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ (وَكَذَا) لَا يَضُرُّ اللَّهُ أَكْبَرُ وَأَجَلُّ، أَوْ (اللَّهُ الْجَلِيلُ أَكْبَرُ فِي الْأَصَحِّ) وَكَذَا كُلُّ صِفَةٍ مِنْ صِفَاتِهِ تَعَالَى إذَا لَمْ يَطُلْ بِهَا الْفَصْلُ، كَقَوْلِهِ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ أَكْبَرُ لِبَقَاءِ النَّظْمِ، وَالْمَعْنَى بِخِلَافِ مَا لَوْ تَخَلَّلَ غَيْرُ صِفَاتِهِ تَعَالَى كَقَوْلِهِ: اللَّهُ هُوَ الْأَكْبَرُ، أَوْ طَالَتْ صِفَاتُهُ تَعَالَى كَاَللَّهِ الَّذِي لَا إلَهَ إلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ أَكْبَرُ، أَوْ طَالَ سُكُوتُهُ بَيْنَ كَلِمَتَيْ التَّكْبِيرِ، أَوْ زَادَ حَرْفًا فِيهِ يُغَيِّرُ الْمَعْنَى كَمَدَّةِ هَمْزَةِ اللَّهِ وَأَلِفٍ بَعْدَ الْبَاءِ، أَوْ زَادَ وَاوًا سَاكِنَةً أَوْ مُتَحَرِّكَةً بَيْنَ الْكَلِمَتَيْنِ، أَوْ زَادَهَا قَبْلَ الْكَلِمَتَيْنِ كَمَا فِي فَتَاوَى الْقَفَّالِ، وَلَوْ شَدَّدَ الْبَاءَ مِنْ أَكْبَرُ، فَفِي فَتَاوَى ابْنِ رَزِينٍ أَنَّهَا لَا تَنْعَقِدُ، وَوَجْهُهُ وَاضِحٌ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ تَشْدِيدُهَا إلَّا

لَا أَكْبَرُ اللَّهُ عَلَى الصَّحِيحِ.

وَمَنْ عَجَزَ تَرْجَمَ، وَوَجَبَ التَّعَلُّمُ إنْ قَدَرَ.

[مغني المحتاج]

بِتَحْرِيكِ الْكَافِ؛ لِأَنَّ الْبَاءَ الْمُدْغَمَةَ سَاكِنَةٌ، وَالْكَافَ سَاكِنَةٌ وَلَا يُمْكِنُ النُّطْقُ بِهِمَا، وَإِذَا حُرِّكَتْ تَغَيَّرَ الْمَعْنَى؛ لِأَنَّهُ يَصِيرُ أَكْبَر، وَنَقَلَ عَنْهُ شَيْخُنَا أَنَّهُ قَالَ: لَوْ شَدَّدَ الرَّاءَ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ.
وَاعْتُرِضَ عَلَيْهِ بِأَنَّ الْوَجْهَ خِلَافُهُ، وَلَعَلَّ النَّقْلَ اخْتَلَفَ عَنْهُ وَلَوْ لَمْ يَجْزِمْ الرَّاءَ مِنْ أَكْبَرَ لَمْ يَضُرَّ خِلَافًا لِمَا اقْتَضَاهُ كَلَامُ ابْنِ يُونُسَ فِي شَرْحِ التَّنْبِيهِ، وَاسْتَدَلَّ لَهُ الدَّمِيرِيُّ بِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «التَّكْبِيرُ جَزْمٌ» اهـ. قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ: إنَّ هَذَا لَا أَصْلَ لَهُ، وَإِنَّمَا هُوَ قَوْلُ النَّخَعِيِّ نَبَّهَ عَلَى ذَلِكَ فِي تَخْرِيجِ أَحَادِيثِ الرَّافِعِيِّ، وَعَلَى تَقْدِيرِ وُجُودِهِ فَمَعْنَاهُ عَدَمُ التَّرَدُّدِ فِيهِ، وَالثَّانِي: تَضُرُّ الزِّيَادَةُ فِيهِ بِالصِّفَاتِ الْمَذْكُورَةِ لِاسْتِقْلَالِهَا بِخِلَافِ اللَّهُ الْأَكْبَرُ، وَعَلَى الْأَوَّلِ الِاقْتِصَارُ عَلَى اللَّهُ أَكْبَرُ أَوْلَى اتِّبَاعًا لِلسُّنَّةِ وَلِلْخُرُوجِ مِنْ الْخِلَافِ (لَا أَكْبَرُ اللَّهُ) فَإِنَّهُ يَضُرُّ (عَلَى الصَّحِيحِ) ؛ لِأَنَّهُ لَا يُسَمَّى تَكْبِيرًا بِخِلَافِ عَلَيْكُمْ السَّلَامُ آخِرَ الصَّلَاةِ كَمَا سَيَأْتِي؛ لِأَنَّهُ يُسَمَّى سَلَامًا، وَالثَّانِي لَا يَضُرُّ؛ لِأَنَّ تَقْدِيمَ الْخَبَرِ جَائِزٌ.

فَائِدَةٌ: هَمْزَةُ الْجَلَالَةِ: هَمْزَةُ وَصْلٍ، فَلَوْ قَالَ الْمُصَلِّي مَأْمُومًا اللَّهُ أَكْبَرُ بِحَذْفِ هَمْزَةِ الْجَلَالَةِ صَحَّ كَمَا جَزَمَ بِهِ فِي الْمَجْمُوعِ لَكِنَّهُ خِلَافُ الْأَوْلَى.

وَالْحِكْمَةُ فِي افْتِتَاحِ الصَّلَاةِ بِالتَّكْبِيرِ كَمَا ذَكَرَهُ الْقَاضِي عِيَاضٌ اسْتِحْضَارُ الْمُصَلِّي عَظَمَةَ مَنْ تَهَيَّأَ لِخِدْمَتِهِ وَالْوُقُوفِ بَيْنَ يَدَيْهِ لِيَمْتَلِئَ هَيْبَةً فَيَحْضُرُ قَلْبُهُ وَيَخْشَعُ وَلَا يَعْبَثُ، وَيَجِبُ أَنْ يُكَبِّرَ قَائِمًا حَيْثُ يَلْزَمُهُ الْقِيَامُ لِظَاهِرِ الْخَبَرِ السَّابِقِ، وَأَنْ يُسْمِعَ نَفْسَهُ إذَا كَانَ صَحِيحَ السَّمْعِ لَا عَارِضَ عِنْدَهُ مِنْ لَغَطٍ أَوْ غَيْرِهِ، وَيُسَنُّ أَنْ لَا يُقْصِرَهُ بِحَيْثُ لَا يُفْهَمُ، وَأَنْ لَا يُمَطِّطَهُ بِأَنْ يُبَالِغَ فِي مَدِّهِ بَلْ يَأْتِي بِهِ مُبَيِّنًا، وَالْإِسْرَاعُ بِهِ أَوْلَى مِنْ مَدِّهِ لِئَلَّا تَزُولَ النِّيَّةُ، وَبِخِلَافِ تَكْبِيرِ الِانْتِقَالَاتِ لِئَلَّا يَخْلُوَ بَاقِيهَا عَنْ الذِّكْرِ.

وَأَنْ يَجْهَرَ بِتَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ وَتَكْبِيرَاتِ الِانْتِقَالَاتِ الْإِمَامُ لِيُسْمِعَ الْمَأْمُومِينَ فَيَعْلَمُوا صَلَاتَهُ بِخِلَافِ غَيْرِهِ مِنْ مَأْمُومٍ وَمُنْفَرِدٍ فَالسُّنَّةُ فِي حَقِّهِ الْإِسْرَارُ.
نَعَمْ إنْ لَمْ يَبْلُغْ صَوْتُ الْإِمَامِ جَمِيعَ الْمَأْمُومِينَ جَهَرَ بَعْضُهُمْ وَاحِدٌ أَوْ أَكْثَرَ بِحَسَبِ الْحَاجَةِ لِيُبَلِّغَ عَنْهُ لِخَبَرِ الصَّحِيحَيْنِ «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَّى فِي مَرَضِهِ بِالنَّاسِ وَأَبُو بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - يُسْمِعُهُمْ التَّكْبِيرَ» .

وَلَوْ كَبَّرَ لِلْإِحْرَامِ تَكْبِيرَاتٍ نَاوِيًا بِكُلٍّ مِنْهَا الِافْتِتَاحَ دَخَلَ فِي الصَّلَاةِ بِالْأَوْتَارِ وَخَرَجَ مِنْهَا بِالْأَشْفَاعِ؛ لِأَنَّ مَنْ افْتَتَحَ صَلَاةً ثُمَّ نَوَى افْتِتَاحَ صَلَاةٍ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ.
هَذَا إنْ لَمْ يَنْوِ بَيْنَ كُلِّ تَكْبِيرَتَيْنِ خُرُوجًا وَافْتِتَاحًا وَإِلَّا فَيَخْرُجُ بِالنِّيَّةِ وَيَدْخُلُ بِالتَّكْبِيرِ، فَإِنْ لَمْ يَنْوِ بِغَيْرِ التَّكْبِيرَةِ الْأُولَى شَيْئًا لَمْ يَضُرَّ؛ لِأَنَّهُ ذَكَرَ، وَمَحَلُّ مَا ذُكِرَ مَعَ الْعَمْدِ كَمَا قَالَهُ ابْنُ الرِّفْعَةِ.
أَمَّا مَعَ السَّهْوِ فَلَا بُطْلَانَ.

(وَمَنْ عَجَزَ) وَهُوَ نَاطِقٌ عَنْ النُّطْقِ بِالتَّكْبِيرِ بِالْعَرَبِيَّةِ وَلَمْ يُمْكِنُهُ التَّعَلُّمُ فِي الْوَقْتِ (تَرْجَمَ) ؛ لِأَنَّهُ لَا إعْجَازَ فِيهِ، وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ يَأْتِي بِمَدْلُولِ التَّكْبِيرِ بِأَيِّ لُغَةٍ شَاءَ، وَقِيلَ إنْ عَرَفَهُ بِالسُّرْيَانِيَّةِ أَوْ الْعِبْرَانِيَّةِ تَعَيَّنَتْ لِشَرَفِهَا بِإِنْزَالِ بَعْضِ كُتُبِ اللَّهِ تَعَالَى بِهَا، وَبَعْدَهُمَا الْفَارِسِيَّةُ أَوْلَى مِنْ التُّرْكِيَّةِ وَالْهِنْدِيَّةِ، وَانْفَرَدَ أَبُو حَنِيفَةَ بِجَوَازِ التَّرْجَمَةِ لِلْقَادِرِ (وَوَجَبَ التَّعَلُّمُ إنْ قَدَرَ) عَلَيْهِ وَلَوْ بِسَفَرٍ إلَى بَلَدٍ آخَرَ فِي الْأَصَحِّ؛ لِأَنَّ مَا لَا يَتِمُّ الْوَاجِبُ إلَّا بِهِ فَهُوَ

وَيُسَنُّ رَفْعُ يَدَيْهِ فِي تَكْبِيرِهِ حَذْوَ مَنْكِبَيْهِ، وَالْأَصَحُّ رَفْعُهُ مَعَ ابْتِدَائِهِ.

[مغني المحتاج]

وَاجِبٌ، وَقِيلَ: لَا يَلْزَمُهُ السَّفَرُ كَمَا لَا يَلْزَمُهُ ذَلِكَ عِنْدَ عَدَمِ الْمَاءِ لِيَتَوَضَّأَ، وَفَرْقُ الْأَوَّلِ بِأَنَّ هَذَا تَعَلُّمُ كَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ يَنْتَفِعُ بِهَا طُولَ عُمْرِهِ بِخِلَافِ الْمَاءِ وَبَعْدَ التَّعَلُّمِ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ قَضَاءُ مَا صَلَّاهُ بِالتَّرْجَمَةِ قَبْلَهُ إلَّا أَنْ يَكُونَ أَخَّرَ مَعَ التَّمَكُّنِ مِنْهُ فَإِنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ صَلَاتِهِ بِالتَّرْجَمَةِ عِنْدَ ضِيقِ الْوَقْتِ لِحُرْمَتِهِ، وَيَجِبُ الْقَضَاءُ لِتَفْرِيطِهِ بِالتَّأْخِيرِ، وَهَذِهِ الْأَحْكَامُ جَارِيَةٌ فِيمَا عَدَا الْقُرْآنِ مِنْ الْوَاجِبَاتِ.
فَائِدَةٌ: تَرْجَمَةُ التَّكْبِيرِ بِالْفَارِسِيَّةِ خداي بزركتر فَلَا يَكْفِي خداي بزرك لِتَرْكِهِ التَّفْضِيلَ كَاللَّهُ كَبِيرٌ.

وَيَلْزَمُ السَّيِّدَ أَنْ يُعَلِّمَ غُلَامَهُ الْعَرَبِيَّةَ لِأَجْلِ التَّكْبِيرِ أَوْ يُخَلِّيَهُ لِيَكْتَسِبَ أُجْرَةَ الْمُعَلَّمِ فَلَوْ لَمْ يُعَلِّمْهُ وَاسْتَكْسَبَهُ عَصَى بِذَلِكَ.

وَأَمَّا الْعَاجِزُ لِخَرَسٍ فَيَجِبُ عَلَيْهِ تَحْرِيكُ لِسَانِهِ وَشَفَتَيْهِ وَلَهَاتِهِ بِالتَّكْبِيرِ قَدْرَ إمْكَانِهِ، قَالَ فِي الْمَجْمُوعِ: وَهَكَذَا حُكْمُ تَشَهُّدِهِ وَسَلَامِهِ وَسَائِرِ أَذْكَارِهِ، قَالَ ابْنُ الرِّفْعَةِ: فَإِنْ عَجَزَ عَنْ ذَلِكَ نَوَاهُ بِقَلْبِهِ كَمَا فِي الْمَرِيضِ.

(وَيُسَنُّ) لِلْمُصَلِّي (رَفْعُ يَدَيْهِ فِي تَكْبِيرِهِ) لِلْإِحْرَامِ بِالْإِجْمَاعِ كَمَا نَقَلَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ وَغَيْرُهُ وَلَوْ مُضْطَجِعًا مُسْتَقْبِلًا بِكَفَّيْهِ الْقِبْلَةَ مُمِيلًا أَطْرَافَ أَصَابِعِهِمَا نَحْوَهَا كَمَا قَالَ الْمَحَامِلِيُّ وَإِنْ اسْتَغْرَبَهُ الْبُلْقِينِيُّ مُفَرِّقًا أَصَابِعَهُمَا تَفْرِيقًا وَسَطًا كَمَا فِي الرَّوْضَةِ، قَالَ وَإِنْ فِي الْمَجْمُوعِ الْمَشْهُورُ عَدَمُ التَّقْيِيدِ بِهِ كَاشِفًا لَهُمَا، فَالْمُرَادُ بِالْيَدَيْنِ هُنَا الْكَفَّانِ، وَيَرْفَعُهُمَا (حَذْوَ) بِذَالٍ مُعْجَمَةٍ: أَيْ مُقَابِلَ (مَنْكِبَيْهِ) لِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَرْفَعُ يَدَيْهِ حَذْوَ مَنْكِبَيْهِ إذَا افْتَتَحَ الصَّلَاةَ» (1) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
قَالَ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ وَغَيْرِهِ.
مَعْنَى حَذْوِ مَنْكِبَيْهِ أَنْ تُحَاذِيَ أَطْرَافُ أَصَابِعِهِ أَعْلَى أُذُنَيْهِ وَإِبْهَامَاهُ شَحْمَتَيْ أُذُنَيْهِ وَرَاحَتَاهُ مَنْكِبَيْهِ، وَقَالَ الْأَذْرَعِيُّ: بَلْ مَعْنَاهُ كَوْنُ رُءُوسِ أَصَابِعِهِ حَذْوَ مَنْكِبَيْهِ، وَالْمَنْكِبُ مَجْمَعُ عَظْمِ الْعَضُدِ وَالْكَفِّ فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ الرَّفْعُ إلَّا بِزِيَادَةٍ عَلَى الْمَشْرُوعِ أَوْ نَقْصٍ مِنْهُ أَتَى بِالْمُمْكِنِ مِنْهُمَا، فَإِنْ أَمْكَنَهُ الْإِتْيَانُ بِكُلٍّ مِنْهُمَا فَالزِّيَادَةُ أَوْلَى؛ لِأَنَّهُ أَتَى بِالْمَأْمُورِ وَزِيَادَةٍ، فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْهُ رَفْعُ إحْدَى يَدَيْهِ رَفَعَ الْأُخْرَى، وَأَقْطَعُ الْكَفَّيْنِ يَرْفَعُ سَاعِدَيْهِ، وَأَقْطَعُ الْمِرْفَقَيْنِ يَرْفَعُ عَضُدَيْهِ تَشْبِيهًا بِرَفْعِ الْيَدَيْنِ (وَالْأَصَحُّ) فِي زَمَنِ الرَّفْعِ (رَفْعُهُ مَعَ ابْتِدَائِهِ) أَيْ التَّكْبِيرِ لِلِاتِّبَاعِ كَمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ، سَوَاءٌ انْتَهَى التَّكْبِيرُ مَعَ الْحَطِّ أَمْ لَا كَمَا <m s=1450 2> ذَكَرَهُ الرَّافِعِيُّ وَرَجَّحَهُ الْمُصَنِّفُ فِي الرَّوْضَةِ وَشَرْحِ مُسْلِمٍ وَصَحَّحَ فِي التَّحْقِيقِ وَالْمَجْمُوعِ، وَشَرْحِ الْوَسِيطِ أَنَّهُ يُسَنُّ انْتِهَاؤُهُمَا مَعًا، وَنَقَلَهُ فِي الْأَخِيرَيْنِ عَنْ نَصِّ الْأُمِّ.
قَالَ فِي الْمُهِمَّاتِ فَهُوَ الْمُفْتَى بِهِ.
وَالثَّانِي يَرْفَعُ قَبْلَ التَّكْبِيرِ وَيُكَبِّرُ مَعَ ابْتِدَاءِ الْإِرْسَالِ وَيُنْهِيه مَعَ انْتِهَائِهِ، وَقِيلَ: يَرْفَعُ غَيْرَ مُكَبِّرٍ ثُمَّ يُكَبِّرُ وَيَدَاهُ مُرْتَفِعَتَانِ فَإِذَا فَرَغَ أَرْسَلَهُمَا مِنْ غَيْرِ تَكْبِيرٍ، فَإِنْ تَرَكَ الرَّفْعَ حَتَّى شَرَعَ فِي التَّكْبِيرِ أَتَى بِهِ فِي أَثْنَائِهِ لَا بَعْدَهُ لِزَوَالِ سَبَبِهِ، وَرَدَّهُمَا مِنْ الرَّفْعِ إلَى تَحْتِ صَدْرِهِ أَوْلَى مِنْ إرْسَالِهِمَا بِالْكُلِّيَّةِ ثُمَّ اسْتِئْنَافُ رَفْعِهِمَا إلَى

وَيَجِبُ قَرْنُ النِّيَّةِ بِالتَّكْبِيرَةِ، وَقِيلَ يَكْفِي بِأَوَّلِهِ.

[مغني المحتاج]

تَحْتِ صَدْرِهِ.
قَالَ الْمُتَوَلِّي: وَيَنْبَغِي أَنْ يَنْظُرَ قَبْلَ الرَّفْعِ وَالتَّكْبِيرِ إلَى مَوْضِعِ سُجُودِهِ وَيُطْرِقُ رَأْسَهُ قَلِيلًا.

(وَيَجِبُ قَرْنُ النِّيَّةِ بِالتَّكْبِيرَةِ) أَيْ تَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ؛ لِأَنَّهَا أَوَّلُ الْأَرْكَانِ، وَذَلِكَ بِأَنْ يَأْتِيَ بِهَا عِنْدَ أَوَّلِهَا وَيَسْتَمِرُّ ذَاكِرًا لَهَا إلَى آخِرِهَا كَمَا يَجِبُ حُضُورُ شُهُودِ النِّكَاحِ إلَى الْفَرَاغِ مِنْهُ (وَقِيلَ: يَكْفِي) قَرْنُهَا (بِأَوَّلِهِ) بِأَنْ يَسْتَحْضِرَ مَا يَنْوِيهِ قَبْلَهُ وَلَا يَجِبُ اسْتِصْحَابُهَا إلَى آخِرِهِ، وَاخْتَارَ الْمُصَنِّفُ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ وَالْوَسِيطِ تَبَعًا لِلْإِمَامِ وَالْغَزَالِيِّ الِاكْتِفَاءَ بِالْمُقَارَنَةِ الْعُرْفِيَّةِ عِنْدَ الْعَوَامّ بِحَيْثُ يُعَدُّ مُسْتَحْضِرًا لِلصَّلَاةِ اقْتِدَاءً بِالْأَوَّلِينَ فِي تَسَامُحِهِمْ بِذَلِكَ.
وَقَالَ ابْنُ الرِّفْعَةِ: إنَّهُ الْحَقُّ، وَصَوَّبَهُ السُّبْكِيُّ، وَلِي بِهِمَا أُسْوَةٌ، وَعَلَى الْأَوَّلِ لَوْ عَزَبَتْ قَبْلَ تَمَامِ التَّكْبِيرِ لَمْ تَصِحَّ الصَّلَاةُ؛ لِأَنَّ النِّيَّةَ مُعْتَبَرَةٌ فِي الِانْعِقَادِ، وَالِانْعِقَادُ لَا يَحْصُلُ إلَّا بِتَمَامِ التَّكْبِيرَةِ، وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ اشْتِرَاطُ مُقَارَنَةِ النِّيَّةِ لِلْجَلِيلِ مَثَلًا إذَا قَالَ: اللَّهُ الْجَلِيلُ أَكْبَرُ، وَالظَّاهِرُ كَمَا أَفْتَى بِهِ شَيْخِي أَنَّ كَلَامَهُمْ خَرَجَ مَخْرَجَ الْغَالِبِ مِنْ عَدَمِ زِيَادَةِ شَيْءٍ بَيْنَ لَفْظَيْ التَّكْبِيرِ فَلَا دَلَالَةَ لَهُ عَلَى اشْتِرَاطِ الْمُقَارَنَةِ فِيمَا عَدَا لَفْظَيْ التَّكْبِيرِ نَظَرًا لِلْمَعْنَى، إذْ الْمُعْتَبَرُ اقْتِرَانُهَا بِاللَّفْظِ الَّذِي يَتَوَقَّفُ الِانْعِقَادُ عَلَيْهِ وَهُوَ اللَّهُ أَكْبَرُ فَلَا يُشْتَرَطُ اقْتِرَانُهَا بِمَا تَخَلَّلَ بَيْنَهُمَا، وَلَا يَجِبُ اسْتِصْحَابُهَا بَعْدَ التَّكْبِيرِ لِلْعُسْرِ لَكِنَّهُ يُسَنُّ، وَيُعْتَبَرُ عَدَمُ الْمُنَافِي كَمَا فِي عَقْدِ الْإِيمَانِ بِاَللَّهِ تَعَالَى، فَإِنْ نَوَى الْخُرُوجَ مِنْ الصَّلَاةِ أَوْ تَرَدَّدَ فِي أَنْ يَخْرُجَ أَوْ يَسْتَمِرَّ بَطَلَتْ بِخِلَافِ الْوُضُوءِ وَالِاعْتِكَافِ وَالْحَجِّ وَالصَّوْمِ؛ لِأَنَّهَا أَضْيَقُ بَابًا مِنْ الْأَرْبَعَةِ فَكَانَ تَأْثِيرُهَا بِاخْتِلَافِ النِّيَّةِ أَشَدُّ.

فَالْعِبَادَةُ فِي قَطْعِ النِّيَّةِ أَضْرَبُ: الْأَوَّلُ: الْإِيمَانُ وَالصَّلَاةُ يَبْطُلَانِ بِنِيَّةِ الْخُرُوجِ وَبِالتَّرَدُّدِ.
الثَّانِي: الْحَجُّ وَالْعُمْرَةُ لَا يَبْطُلَانِ بِهِمَا.
الثَّالِثُ: الصَّوْمُ وَالِاعْتِكَافُ الْأَصَحُّ أَنَّهُمَا لَا يَبْطُلَانِ.
الرَّابِعُ: الْوُضُوءُ لَا يَبْطُلُ بِنِيَّةِ الْخُرُوجِ بَعْدَ الْفَرَاغِ عَلَى الْمَذْهَبِ وَلَا بِالتَّرَدُّدِ فِيهِ قَطْعًا، وَلَا أَثَرَ لِلْوَسَاوِسِ الطَّارِقَةِ لِلْفِكْرِ بِلَا اخْتِيَارٍ بِأَنْ وَقَعَ فِي فِكْرِهِ أَنَّهُ لَوْ تَرَدَّدَ فِي الصَّلَاةِ كَيْفَ يَكُونُ الْحَالُ فَقَدْ يَقَعُ مِثْلُهُ فِي الْإِيمَانِ بِاَللَّهِ تَعَالَى.

فُرُوعٌ لَوْ عُلِّقَ الْخُرُوجُ مِنْ الصَّلَاةِ بِحُصُولِ شَيْءٍ بَطَلَتْ فِي الْحَالِ وَلَوْ لَمْ يَقْطَعْ بِحُصُولِهِ كَتَعْلِيقِهِ بِدُخُولِ شَخْصٍ، وَفَارَقَ ذَلِكَ مَا لَوْ نَوَى فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى أَنْ يَفْعَلَ فِي الثَّانِيَةِ فِعْلًا مُبْطِلًا لِلصَّلَاةِ كَتَكَلُّمٍ وَأَكْلٍ حَيْثُ لَا تَبْطُلُ فِي الْحَالِ بِأَنَّهُ هُنَا لَيْسَ بِجَازِمٍ وَهُنَاكَ جَازِمٌ، وَالْمُحَرَّمُ عَلَيْهِ إنَّمَا هُوَ فِعْلُ الْمُنَافِي لِلصَّلَاةِ وَلَمْ يَأْتِ بِهِ.

وَلَوْ شَكَّ هَلْ أَتَى بِتَمَامِ النِّيَّةِ أَوْ لَا أَوْ هَلْ نَوَى ظُهْرًا أَوْ عَصْرًا، فَإِنْ تَذَكَّرَ بَعْدَ طُولِ زَمَانٍ أَوْ بَعْدَ إتْيَانِهِ بِرُكْنٍ وَلَوْ قَوْلِيًّا كَالْقِرَاءَةِ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ لِانْقِطَاعِ نَظْمِهَا، وَنُدْرَةُ مِثْلِ ذَلِكَ فِي الْأُولَى، وَلِتَقْصِيرِهِ بِتَرْكِ التَّوَقُّفِ إلَى التَّذَكُّرِ فِي الثَّانِيَةِ، وَإِنْ كَانَ جَاهِلًا إذْ كَانَ مِنْ حَقِّهِ أَنْ لَا يَأْتِيَ بِهِ وَيَتَوَقَّفَ عَنْ الْإِتْيَانِ بِهِ، بِخِلَافِ مَنْ زَادَ فِي صَلَاتِهِ رُكْنًا نَاسِيًا إذْ لَا حِيلَةَ فِي النِّسْيَانِ، ذَكَرَهُ فِي الْمَجْمُوعِ وَبَعْضُ الرُّكْنِ الْقَوْلِيِّ فِيمَا ذُكِرَ كَكُلِّهِ، وَمَحَلُّهُ إذَا طَالَ زَمَنُ الشَّكِّ أَوْ لَمْ يُعِدْ مَا قَرَأَهُ فِيهِ، وَأَلْحَقَ الْبَغَوِيّ فِي فَتَاوِيهِ قِرَاءَةَ السُّورَةِ فِيمَا ذُكِرَ بِقِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ، وَفِيهَا عَنْ الْأَصْحَابِ أَنَّهُ لَوْ ظَنَّ أَنَّهُ فِي صَلَاةٍ أُخْرَى فَأَتَمَّ عَلَيْهِ صَحَّتْ صَلَاتُهُ اهـ. فَإِنْ تَذَكَّرَ قَبْلَ طُولِ الزَّمَانِ وَإِتْيَانِهِ بِرُكْنٍ لَمْ تَبْطُلْ لِكَثْرَةِ عُرُوضِ مِثْلِ ذَلِكَ.
وَقَوْلُ

الثَّالِثُ الْقِيَامُ فِي فَرْضِ الْقَادِرِ.

[مغني المحتاج]

ابْنِ الْمُقْرِي تَبَعًا لِلْقَمُولِيِّ (1) : إنَّهُ لَوْ قَنَتَ فِي سُنَّةِ الْفَجْرِ ظَانًّا أَنَّهَا الصُّبْحُ وَطَالَ الزَّمَانُ أَوْ أَتَى بِرُكْنٍ ثُمَّ تَذَكَّرَ بَطَلَتْ، قَالَ شَيْخِي: ضَعِيفٌ لِمُخَالَفَتِهِ لِمَا نَقَلَهُ الْبَغَوِيّ عَنْ الْأَصْحَابِ فِي الْمَسْأَلَةِ الَّتِي قَبْلَ هَذِهِ.

وَلَوْ شَكَّ فِي الطَّهَارَةِ وَهُوَ جَالِسٌ لِلتَّشَهُّدِ الْأَوَّلِ فَقَامَ إلَى الثَّالِثَةِ ثُمَّ تَذَكَّرَ الطَّهَارَةَ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ كَمَا لَوْ شَكَّ فِي النِّيَّةِ ثُمَّ تَذَكَّرَ بَعْدَ إحْدَاثِ فِعْلٍ، بِخِلَافِ مَا لَوْ قَامَ لِيَتَوَضَّأَ فَتَذَكَّرَ فَإِنَّهَا لَا تَبْطُلُ بَلْ يَعُودُ وَيَبْنِي وَيَسْجُدُ لِلسَّهْوِ.

(الثَّالِثُ) مِنْ أَرْكَانِ الصَّلَاةِ (الْقِيَامُ فِي فَرْضِ الْقَادِرِ) عَلَيْهِ وَلَوْ بِمُعَيَّنٍ بِأُجْرَةٍ فَاضِلَةٍ عَنْ مُؤْنَتِهِ وَمُؤْنَةِ مُمَوَّنِهِ يَوْمَهُ وَلَيْلَتَهُ فَيَجِبُ حَالَةَ الْإِحْرَامِ بِهِ، وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِ الرَّوْضَةِ كَأَصْلِهَا يَجِبُ أَنْ يُكَبِّرَ قَائِمًا حَيْثُ يَجِبُ الْقِيَامُ، لِخَبَرِ الْبُخَارِيِّ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ «كَانَتْ بِي بَوَاسِيرُ فَسَأَلْتُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ الصَّلَاةِ؟ فَقَالَ: صَلِّ قَائِمًا، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَقَاعِدًا، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَعَلَى جَنْبٍ» (2) . زَادَ النَّسَائِيُّ " فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَمُسْتَلْقِيًا، لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلَّا وُسْعَهَا "، وَأَجْمَعَ الْأُمَّةُ عَلَى ذَلِكَ، وَهُوَ مَعْلُومٌ مِنْ الدِّينِ بِالضَّرُورَةِ، وَخَرَجَ بِالْفَرْضِ النَّفَلُ وَبِالْقَادِرِ الْعَاجِزُ وَسَيَأْتِي حُكْمُهُمَا، لَكِنَّهُ أَفْهَمَ صِحَّةَ صَلَاةِ الصَّبِيِّ قَاعِدًا مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى الْقِيَامِ، وَالْأَصَحُّ كَمَا فِي الْبَحْرِ خِلَافُهُ.
وَمِثْلُ صَلَاةِ الصَّبِيِّ الصَّلَاةُ الْمُعَادَةُ، وَاسْتَثْنَى بَعْضُهُمْ مِنْ كَلَامِهِ مَسَائِلَ: مِنْهَا مَا لَوْ خَافَ رَاكِبُ سَفِينَةٍ غَرَقًا، أَوْ دَوَرَانَ رَأْسٍ فَإِنَّهُ يُصَلِّي مِنْ قُعُودٍ وَلَا إعَادَةَ عَلَيْهِ وَمِنْهَا مَا لَوْ كَانَ بِهِ سَلَسُ بَوْلٍ لَوْ قَامَ سَالَ بَوْلُهُ، وَإِنْ قَعَدَ لَمْ يُسِلْ فَإِنَّهُ يُصَلِّي مِنْ قُعُودٍ عَلَى الْأَصَحِّ بِلَا إعَادَةٍ.
وَمِنْهَا مَا لَوْ قَالَ طَبِيبٌ ثِقَةٌ لِمَنْ بِعَيْنِهِ مَاءٌ: إنْ صَلَّيْتَ مُسْتَلْقِيًا أَمْكَنَ مُدَاوَاتُك فَلَهُ تَرْكُ الْقِيَامِ عَلَى الْأَصَحِّ، وَلَوْ أَمْكَنَ الْمَرِيضُ الْقِيَامَ مُنْفَرِدًا بِلَا مَشَقَّةٍ وَلَمْ يُمْكِنْهُ ذَلِكَ فِي جَمَاعَةٍ إلَّا بِأَنْ يُصَلِّيَ بَعْضَهَا قَاعِدًا فَالْأَفْضَلُ الِانْفِرَادُ، وَتَصِحُّ مَعَ الْجَمَاعَةِ وَإِنْ قَعَدَ فِي بَعْضِهَا كَمَا فِي زِيَادَةِ الرَّوْضَةِ.
وَمِنْهَا مَا لَوْ كَانَ لِلْغُزَاةِ رَقِيبٌ يَرْقُبُ الْعَدُوَّ، وَلَوْ قَامَ لَرَآهُ الْعَدُوُّ، أَوْ جَلَسَ الْغُزَاةُ فِي مَكْمَنٍ، وَلَوْ قَامُوا لَرَآهُمْ الْعَدُوُّ وَفَسَدَ تَدْبِيرُ الْحَرْبِ صَلَّوْا قُعُودًا، وَوَجَبَتْ الْإِعَادَةُ عَلَى الْمَذْهَبِ لِنُدْرَةِ ذَلِكَ، لَا إنْ خَافُوا قَصْدَ الْعَدُوِّ لَهُمْ، فَلَا تَلْزَمُهُمْ الْإِعَادَةُ كَمَا صَحَّحَهُ فِي التَّحْقِيقِ، وَنَقَلَهُ فِي الرَّوْضَةِ عَنْ تَصْحِيحِ الْمُتَوَلِّي، وَقِيلَ: تَلْزَمُهُمْ الْإِعَادَةُ كَمَا نَقَلَهُ الرُّويَانِيُّ عَنْ النَّصِّ، وَعَلَى الْأَوَّلِ يُفَرَّقُ بِأَنَّ الْعُذْرَ هُنَا أَعْظَمُ مِنْهُ ثَمَّ، وَفِي الْحَقِيقَةِ لَا اسْتِثْنَاءَ؛ لِأَنَّ مَنْ ذُكِرَ عَاجِزٌ إمَّا لِضَرُورَةِ التَّدَاوِي، أَوْ خَوْفِ الْغَرَقِ، أَوْ الْخَوْفِ عَلَى

وَشَرْطُهُ نَصْبُ فَقَارَهُ، فَإِنْ وَقَفَ مُنْحَنِيًا أَوْ مَائِلًا بِحَيْثُ لَا يُسَمَّى قَائِمًا لَمْ يَصِحَّ.

فَإِنْ لَمْ يُطِقْ انْتِصَابًا، وَصَارَ كَرَاكِعٍ فَالصَّحِيحُ أَنَّهُ يَقِفُ كَذَلِكَ، وَيَزِيدُ انْحِنَاءَهُ لِرُكُوعِهِ إنْ قَدَرَ

وَلَوْ أَمْكَنَهُ

الْقِيَامُ دُونَ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ قَامَ وَفَعَلَهُمَا بِقَدْرِ إمْكَانِهِ.

وَلَوْ عَجَزَ عَنْ الْقِيَامِ قَعَدَ كَيْفَ شَاءَ.

وَافْتِرَاشُهُ

[مغني المحتاج]

الْمُسْلِمِينَ، أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ فَتَنَاوَلَهُ كَلَامُهُ.
فَإِنْ قِيلَ: لِمَ أُخِّرَ الْقِيَامُ عَنْ النِّيَّةِ وَالتَّكْبِيرُ مَعَ أَنَّهُ مُقَدَّمٌ عَلَيْهِمَا؟ . أُجِيبَ بِأَنَّهُمَا رُكْنَانِ فِي الصَّلَاةِ مُطْلَقًا وَهُوَ رُكْنٌ فِي الْفَرِيضَةِ فَقَطْ، فَلِذَا قُدِّمَا عَلَيْهِ.

(وَشَرْطُهُ) أَيْ الْقِيَامِ (نَصْبُ فَقَارِهَ) أَيْ الْمُصَلِّي، وَهُوَ بِفَتْحِ الْفَاءِ عِظَامٌ مِنْ الظَّهْرِ أَوْ مَفَاصِلِهِ؛ لِأَنَّ اسْمَ الْقِيَامِ دَائِرٌ مَعَهُ، لَا نَصْبَ رَقَبَتِهِ لِمَا مَرَّ أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ إطْرَاقُ الرَّأْسِ (فَإِنْ وَقَفَ مُنْحَنِيًا) إلَى قُدَّامِهِ أَوْ خَلْفِهِ (أَوْ مَائِلًا) إلَى يَمِينِهِ أَوْ يَسَارِهِ (بِحَيْثُ لَا يُسَمَّى قَائِمًا لَمْ يَصِحَّ) قِيَامُهُ لِتَرْكِهِ الْوَاجِبَ بِلَا عُذْرٍ.
وَالِانْحِنَاءُ السَّالِبُ لِلِاسْمِ: أَنْ يَصِيرَ إلَى الرُّكُوعِ أَقْرَبَ كَمَا فِي الْمَجْمُوعِ، وَمُقْتَضَاهُ أَنَّهُ لَوْ كَانَ أَقْرَبَ إلَى الْقِيَامِ أَوْ اسْتَوَى الْأَمْرَانِ صَحَّ، وَهُوَ كَذَلِكَ وَإِنْ نَظَرَ فِيهِ الْأَذْرَعِيُّ، وَلَوْ اسْتَنَدَ إلَى شَيْءٍ كَجِدَارٍ أَجْزَأَهُ مَعَ الْكَرَاهَةِ، وَلَوْ تَحَامَلَ عَلَيْهِ وَكَانَ بِحَيْثُ لَوْ رَفَعَ مَا اسْتَنَدَ إلَيْهِ لَسَقَطَ لِوُجُودِ اسْمِ الْقِيَامِ، وَإِنْ كَانَ بِحَيْثُ يَرْفَعُ قَدَمَيْهِ إنْ شَاءَ وَهُوَ مُسْتَنِدٌ لَمْ يَصِحَّ؛ لِأَنَّهُ لَا يُسَمَّى قَائِمًا بَلْ مُعَلِّقًا نَفْسَهُ.

(فَإِنْ لَمْ يُطِقْ انْتِصَابًا) لِنَحْوُ مَرَضٍ كَكِبَرٍ (وَصَارَ كَرَاكِعٍ فَالصَّحِيحُ أَنَّهُ يَقِفُ) وُجُوبًا (كَذَلِكَ) ؛ لِأَنَّهُ إلَى الْقِيَامِ أَقْرَبُ (وَيَزِيدُ انْحِنَاءَهُ لِرُكُوعِهِ إنْ قَدَرَ) عَلَى الزِّيَادَةِ لِيَتَمَيَّزَ الرُّكْنَانِ.
وَالثَّانِي: لَا بَلْ يَقْعُدُ، فَإِذَا وَصَلَ إلَى الرُّكُوعِ لَزِمَهُ الِارْتِفَاعُ؛ لِأَنَّ حَدَّ الرُّكُوعِ يُفَارِقُ حَدَّ الْقِيَامِ، فَلَا يَتَأَدَّى هَذَا بِذَاكَ.

(وَلَوْ أَمْكَنَهُ) الْقِيَامُ مُتَّكِئًا عَلَى شَيْءٍ أَوْ الْقِيَامُ عَلَى رُكْبَتَيْهِ لَزِمَهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ مَيْسُورُهُ.

أَوْ أَمْكَنَهُ (الْقِيَامُ دُونَ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ) لِعِلَّةٍ بِظَهْرِهِ مَثَلًا تَمْنَعُ الِانْحِنَاءَ (قَامَ) وُجُوبًا (وَفَعَلَهُمَا بِقَدْرِ إمْكَانِهِ) فِي الِانْحِنَاءِ لَهُمَا بِالصُّلْبِ، لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ «إذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ» فَإِنْ عَجَزَ فَبِالرَّقَبَةِ وَالرَّأْسِ، فَإِنْ عَجَزَ أَوْمَأَ إلَيْهِمَا.

وَلَوْ قَدَرَ عَلَى الرُّكُوعِ دُونَ السُّجُودِ أَتَى بِهِ مَرَّتَيْنِ: مَرَّةً لِلرُّكُوعِ وَمَرَّةً لِلسُّجُودِ، وَإِنْ قَدَرَ عَلَى زِيَادَةٍ عَلَى الرُّكُوعِ لَزِمَهُ أَنْ يَقْتَصِرَ فِي الرُّكُوعِ عَلَى حَدِّ الْكَمَالِ وَيَأْتِيَ بِالزِّيَادَةِ لِلسُّجُودِ، وَمَنْ قَدَرَ عَلَى الْقِيَامِ وَالِاضْطِجَاعِ فَقَطْ قَامَ بَدَلَ الْقُعُودِ.
قَالَ فِي الرَّوْضَةِ عَنْ الْبَغَوِيِّ: لِأَنَّهُ قُعُودٌ وَزِيَادَةٌ، وَأَوْمَأَ بِالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ إمْكَانَهُ وَتَشَهَّدَ قَائِمًا (وَلَوْ عَجَزَ عَنْ الْقِيَامِ قَعَدَ) لِلْحَدِيثِ السَّابِقِ وَلِلْإِجْمَاعِ (كَيْفَ شَاءَ) لِإِطْلَاقِ الْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ، وَلَا يَنْقُصُ ثَوَابُهُ عَنْ ثَوَابِ الْمُصَلِّي قَائِمًا؛ لِأَنَّهُ مَعْذُورٌ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: وَلَا نَعْنِي بِالْعَجْزِ عَدَمُ الْإِمْكَانِ فَقَطْ، بَلْ فِي مَعْنَاهُ خَوْفُ الْهَلَاكِ أَوْ الْغَرَقِ وَزِيَادَةُ الْمَرَضِ، أَوْ لِخَوْفِ مَشَقَّةٍ شَدِيدَةٍ، أَوْ دَوَرَانِ الرَّأْسِ فِي حَقِّ رَاكِبِ السَّفِينَةِ كَمَا تَقَدَّمَ بَعْضُ ذَلِكَ.
قَالَ فِي زِيَادَةِ الرَّوْضَةِ: وَاَلَّذِي اخْتَارَهُ الْإِمَامُ فِي ضَبْطِ الْعَجْزِ أَنْ تَلْحَقَهُ مَشَقَّةٌ تُذْهِبُ خُشُوعَهُ، لَكِنَّهُ قَالَ فِي الْمَجْمُوعِ: إنَّ الْمَذْهَبَ خِلَافُهُ اهـ. وَجَمَعَ شَيْخِي بَيْنَ كَلَامَيْ الرَّوْضَةِ وَالْمَجْمُوعِ بِأَنَّ إذْهَابَ الْخُشُوعِ يَنْشَأُ عَنْ مَشَقَّةٍ شَدِيدَةٍ.

(وَ) لَكِنْ (افْتِرَاشُهُ) وَسَيَأْتِي بَيَانُهُ فِي

أَفْضَلُ مِنْ تَرَبُّعِهِ فِي الْأَظْهَرِ.

وَيُكْرَهُ الْإِقْعَاءُ بِأَنْ يَجْلِسَ عَلَى وَرِكَيْهِ نَاصِبًا رُكْبَتَيْهِ ثُمَّ يَنْحَنِي لِرُكُوعِهِ بِحَيْثُ تُحَاذِي جَبْهَتُهُ مَا قُدَّامُ رُكْبَتَيْهِ، وَالْأَكْمَلُ أَنْ تُحَاذِيَ مَوْضِعَ سُجُودِهِ.

فَإِنْ عَجَزَ عَنْ الْقُعُودِ صَلَّى لِجَنْبِهِ الْأَيْمَنِ، فَإِنْ عَجَزَ فَمُسْتَلْقِيًا.

[مغني المحتاج]

مَوْضِعِ قِيَامِهِ (أَفْضَلُ مِنْ تَرَبُّعِهِ) وَغَيْرِهِ (فِي الْأَظْهَرِ) ؛ لِأَنَّهَا هَيْئَةٌ مَشْرُوعَةٌ فِي الصَّلَاةِ فَكَانَتْ أَوْلَى مِنْ غَيْرِهَا.
وَالثَّانِي تَرْبِيعُهُ أَفْضَلُ، وَهُوَ نَصُّهُ فِي الْبُوَيْطِيِّ.
وَقِيلَ: إنَّ تَرْبِيعَ الْمَرْأَةِ أَفْضَلُ، وَاخْتَارَهُ فِي الْحَاوِي؛ لِأَنَّهُ أَسْتَرُ لَهَا، وَقِيلَ: التَّوَرُّكُ أَفْضَلُ؛ لِأَنَّهُ أَعْوَنُ لِلْمُصَلِّي.
فَإِنْ قِيلَ: لَا يُؤْخَذُ مِنْ الْعِبَارَةِ تَفْضِيلُ الِافْتِرَاشِ عَلَى سَائِرِ الْهَيْئَاتِ بَلْ عَلَى التَّرْبِيعِ فَقَطْ، وَلَمْ يُقَيِّدْهُ فِي الْمُحَرَّرِ بِالتَّرْبِيعِ.
أُجِيبَ بِأَنَّهُ إذَا فَضَلَ عَلَى التَّرْبِيعِ فَغَيْرُهُ أَوْلَى، وَفِيهِ نَظَرٌ إذْ لَا يَلْزَمُ مِنْ أَفْضَلِيَّتِهِ عَلَى التَّرْبِيعِ أَفْضَلِيَّتِهِ عَلَى التَّوَرُّكِ؛ لِأَنَّ التَّوَرُّكَ قُعُودُ عِبَادَةٍ، بِخِلَافِ التَّرْبِيعِ، وَإِنَّمَا فُضِّلَ الِافْتِرَاشُ عَلَى التَّوَرُّكِ؛ لِأَنَّهُ قُعُودٌ يَعْقُبُهُ حَرَكَةٌ فَأَشْبَهَ التَّشَهُّدَ الْأَوَّلَ، فَلَوْ أَطْلَقَ كَالْمُحَرَّرِ أَوْ زَادَ مَا قَدَّرْتُهُ كَانَ أَوْلَى.

(وَيُكْرَهُ الْإِقْعَاءُ) هُنَا وَفِي سَائِرِ قَعَدَاتِ الصَّلَاةِ لِلنَّهْيِ عَنْهُ كَمَا أَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ، وَفُسِّرَ الْإِقْعَاءُ بِتَفَاسِيرَ أَحْسَنُهَا مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ بِقَوْلِهِ (بِأَنْ يَجْلِسَ) الْمُصَلِّي (عَلَى وَرِكَيْهِ) وَهُمَا أَصْلُ فَخْذَيْهِ (نَاصِبًا رُكْبَتَيْهِ) بِأَنْ يُلْصِقَ أَلْيَيْهِ بِمَوْضِعِ صَلَاتِهِ، وَيَنْصِبَ فَخْذَيْهِ وَسَاقَيْهِ كَهَيْئَةِ الْمُسْتَوْفِزِ، وَضَمَّ إلَيْهِ أَبُو عُبَيْدَةَ أَنْ يَضَعَ يَدَيْهِ عَلَى الْأَرْضِ، وَوَجْهُ النَّهْيِ عَنْهُ مَا فِيهِ مِنْ التَّشَبُّهِ بِالْكَلْبِ وَالْقِرْدِ كَمَا وَقَعَ التَّصْرِيحُ بِهِ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ.
وَمِنْ الْإِقْعَاءِ نَوْعٌ مُسْتَحَبٌّ عِنْدَ الْمُصَنِّفِ وَابْنِ الصَّلَاحِ، وَهُوَ أَنْ يَفْرِشَ رِجْلَيْهِ وَيَضَعَ أَلْيَيْهِ عَلَى عَقِبَيْهِ، وَجَعَلَهُ الرَّافِعِيُّ أَحَدَ الْأَوْجُهِ فِي تَفْسِيرِ الْإِقْعَاءِ الْمَكْرُوهِ، وَعَلَى هَذَا فَهُوَ تَفْسِيرٌ ثَانٍ لِلْمَكْرُوهِ، وَفَسَّرَ الْبَيْهَقِيُّ الْمُسْتَحَبَّ بِأَنْ يَضَعَ أَطْرَافَ أَصَابِعِهِ بِالْأَرْضِ وَأَلْيَيْهِ عَلَى عَقِبَيْهِ، وَفِي الْبُوَيْطِيِّ نَحْوَهُ، وَظَاهِرُهُ نَصْبُ قَدَمَيْهِ لَا فَرْشُهُمَا.
وَالتَّفْسِيرُ الثَّالِثُ أَنْ يَضَعَ يَدَيْهِ عَلَى الْأَرْضِ وَيَقْعُدَ عَلَى أَطْرَافِ أَصَابِعِهِ.
قَالَ فِي الْمَجْمُوعِ: وَيُكْرَهُ أَيْضًا أَنْ يَقْعُدَ مَادًّا رِجْلَيْهِ (ثُمَّ يَنْحَنِي) الْمُصَلِّي قَاعِدًا (لِرُكُوعِهِ بِحَيْثُ تُحَاذِي) أَيْ تُقَابِلُ (جَبْهَتُهُ مَا قُدَّامُ رُكْبَتَيْهِ) وَهَذَا أَقَلُّ رُكُوعِهِ (وَالْأَكْمَلُ أَنْ تُحَاذِيَ مَوْضِعَ سُجُودِهِ) ؛ لِأَنَّهُ يُضَاهِي رُكُوعَ الْقَائِمِ فِي الْمُحَاذَاةِ فِي الْأَقَلِّ وَالْأَكْمَلِ.

(فَإِنْ عَجَزَ) الْمُصَلِّي (عَنْ الْقُعُودِ) بِأَنْ نَالَهُ مِنْ الْقُعُودِ تِلْكَ الْمَشَقَّةُ الْحَاصِلَةُ مِنْ الْقِيَامِ (صَلَّى لِجَنْبِهِ) مُسْتَقْبِلًا الْقِبْلَةَ بِوَجْهِهِ وَمُقَدَّمِ بَدَنِهِ وُجُوبًا لِحَدِيثِ عِمْرَانَ السَّابِقِ: وَكَالْمَيِّتِ فِي اللَّحْدِ، وَالْأَفْضَلُ أَنْ يَكُونَ عَلَى (الْأَيْمَنِ) وَيُكْرَهُ عَلَى الْأَيْسَرِ بِلَا عُذْرٍ كَمَا ذَكَرَهُ فِي الْمَجْمُوعِ (فَإِنْ عَجَزَ) عَنْ الْجَنْبِ (فَمُسْتَلْقِيًا) عَلَى ظَهْرِهِ وَأُخْمُصَاهُ لِلْقِبْلَةِ، وَلَا بُدَّ مِنْ وَضْعِ نَحْوِ وِسَادَةٍ تَحْتَ رَأْسِهِ لِيَسْتَقْبِلَ بِوَجْهِهِ الْقِبْلَةَ إلَّا أَنْ يَكُونَ فِي الْكَعْبَةِ وَهِيَ مَسْقُوفَةٌ، فَالْمُتَّجَهُ كَمَا قَالَ فِي الْمُهِمَّاتِ: جَوَازُ الِاسْتِلْقَاءِ عَلَى ظَهْرِهِ، وَكَذَا عَلَى وَجْهِهِ وَإِنْ لَمْ تَكُنْ مُسْقَفَةً؛ لِأَنَّهُ كَيْفَمَا تَوَجَّهَ فَهُوَ مُتَوَجِّهٌ لِجُزْءٍ مِنْهَا، وَيَرْكَعُ وَيَسْجُدُ بِقَدْرِ إمْكَانِهِ، فَإِنْ قَدَرَ الْمُصَلِّي عَلَى الرُّكُوعِ فَقَطْ كَرَّرَهُ لِلسُّجُودِ، وَمَنْ قَدَرَ عَلَى زِيَادَةٍ عَلَى أَكْمَلِ الرُّكُوعِ تَعَيَّنَتْ تِلْكَ الزِّيَادَةُ لِلسُّجُودِ؛ لِأَنَّ الْفَرْقَ بَيْنَهُمَا وَاجِبٌ عَلَى الْمُتَمَكِّنِ.

وَلَوْ عَجَزَ عَنْ

وللقادر التنفل قاعدا وَكَذَا مُضْطَجِعًا فِي الْأَصَحِّ.

[مغني المحتاج]

السُّجُودِ إلَّا أَنْ يَسْجُدَ بِمُقَدَّمِ رَأْسِهِ أَوْ صُدْغِهِ، وَكَانَ بِذَلِكَ أَقْرَبَ إلَى الْأَرْضِ وَجَبَ، فَإِنْ عَجَزَ عَنْ ذَلِكَ أَوْمَأَ بِرَأْسِهِ، وَالسُّجُودُ أَخْفَضُ مِنْ الرُّكُوعِ، فَإِنْ عَجَزَ فَبِبَصَرِهِ، فَإِنْ عَجَزَ أَجْرَى أَفْعَالَ الصَّلَاةِ بِسُنَنِهَا عَلَى قَلْبِهِ وَلَا إعَادَةَ عَلَيْهِ، وَلَا تَسْقُطُ عَنْهُ الصَّلَاةُ وَعَقْلُهُ ثَابِتٌ لِوُجُودِ مَنَاطِ التَّكْلِيفِ.

فُرُوعٌ: لَوْ قَدَرَ فِي أَثْنَاءِ صَلَاتِهِ عَلَى الْقِيَامِ أَوْ الْقُعُودِ أَوْ عَجَزَ عَنْهُ أَتَى بِالْمَقْدُورِ لَهُ وَبَنَى عَلَى قِرَاءَتِهِ، وَيُسْتَحَبُّ إعَادَتُهَا فِي الْأُولَيَيْنِ لِتَقَعَ حَالَ الْكَمَالِ، وَإِنْ قَدَرَ عَلَى الْقِيَامِ أَوْ الْقُعُودِ قَبْلَ الْقِرَاءَةِ قَرَأَ قَائِمًا أَوْ قَاعِدًا، وَلَا تُجْزِئُهُ قِرَاءَتُهُ فِي نُهُوضِهِ لِقُدْرَتِهِ عَلَيْهَا فِيمَا هُوَ أَكْمَلُ مِنْهُ، فَلَوْ قَرَأَ فِيهِ شَيْئًا أَعَادَهُ، وَتَجِبُ الْقِرَاءَةُ فِي هُوِيِّ الْعَاجِزِ؛ لِأَنَّهُ أَكْمَلُ مِمَّا بَعْدَهُ وَلَوْ قَدَرَ عَلَى الْقِيَامِ بَعْدَ الْقِرَاءَةِ وَجَبَ قِيَامٌ بِلَا طُمَأْنِينَةٍ لِيَرْكَعَ مِنْهُ لِقُدْرَتِهِ عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا لَمْ تَجِبْ الطُّمَأْنِينَةُ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مَقْصُودٍ لِنَفْسِهِ، وَإِنْ قَدَرَ عَلَيْهِ فِي الرُّكُوعِ قَبْلَ الطُّمَأْنِينَةِ ارْتَفَعَ لَهَا إلَى حَدِّ الرُّكُوعِ عَنْ قِيَامٍ، فَإِنْ انْتَصَبَ ثُمَّ رَكَعَ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ لِمَا فِيهِ مِنْ زِيَادَةِ رُكُوعٍ، أَوْ بَعْدَ الطُّمَأْنِينَةِ فَقَدْ تَمَّ رُكُوعُهُ، وَلَا يَلْزَمُهُ الِانْتِقَالُ إلَى حَدِّ الرَّاكِعِينَ، وَلَوْ قَدَرَ فِي الِاعْتِدَالِ قَبْلَ الطُّمَأْنِينَةِ قَامَ وَاطْمَأَنَّ، وَكَذَا بَعْدَهَا إنْ أَرَادَ قُنُوتًا فِي مَحَلِّهِ، وَإِلَّا فَلَا يَلْزَمُهُ الْقِيَامُ؛ لِأَنَّ الِاعْتِدَالَ رُكْنٌ قَصِيرٌ فَلَا يَطُولُ، وَقَضِيَّةُ الْمُعَلَّلِ جَوَازُ الْقِيَامِ، وَقَضِيَّةُ التَّعْلِيلِ مَنْعُهُ، وَهُوَ كَمَا قَالَ شَيْخُنَا أَوْجَهُ، فَإِنْ قَنَتَ قَاعِدًا بَطَلَتْ صَلَاتُهُ.

فَائِدَةٌ: سُئِلَ الشَّيْخُ عِزُّ الدِّينِ (1) عَنْ رَجُلٍ يَتَّقِي الشُّبُهَاتِ، وَيَقْتَصِرُ عَلَى مَأْكُولٍ يَسُدُّ الرَّمَقَ مِنْ نَبَاتِ الْأَرْضِ وَنَحْوِهِ فَضَعُفَ بِسَبَبِ ذَلِكَ عَنْ الْجُمُعَةِ وَالْجَمَاعَةِ وَالْقِيَامِ فِي الْفَرَائِضِ فَأَجَابَ بِأَنَّهُ لَا خَيْرَ فِي وَرَعٍ يُؤَدِّي إلَى إسْقَاطِ فَرَائِضِ اللَّهِ تَعَالَى.

(وَلِلْقَادِرِ) عَلَى الْقِيَامِ (التَّنَفُّلُ قَاعِدًا) بِالْإِجْمَاعِ سَوَاءٌ الرَّوَاتِبُ وَغَيْرُهَا؛ لِأَنَّ النَّفَلَ يَكْثُرُ، فَاشْتِرَاطُ الْقِيَامِ فِيهِ يُؤَدِّي إلَى الْحَرَجِ أَوْ التَّرْكِ، وَلِهَذَا قِيلَ: لَا يُصَلِّي الْعِيدَيْنِ وَالْكُسُوفَيْنِ وَالِاسْتِسْقَاءَ مِنْ قُعُودٍ مَعَ الْقُدْرَةِ لِنُدْرَتِهَا.

(وَكَذَا) لَهُ النَّفَلُ (مُضْطَجِعًا) مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى الْقِيَامِ (فِي الْأَصَحِّ) لِحَدِيثِ الْبُخَارِيِّ «مَنْ صَلَّى قَائِمًا فَهُوَ أَفْضَلُ، وَمَنْ صَلَّى قَاعِدًا فَلَهُ نِصْفُ أَجْرِ الْقَائِمِ، وَمَنْ صَلَّى نَائِمًا أَيْ مُضْطَجِعًا فَلَهُ نِصْفُ أَجْرِ الْقَاعِدِ» . وَالْأَفْضَلُ أَنْ يَكُونَ عَلَى شِقِّهِ الْأَيْمَنِ، فَإِنْ اضْطَجَعَ عَلَى الْأَيْسَرِ جَازَ، وَيَلْزَمُهُ أَنْ يَقْعُدَ لِلرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ، وَقِيلَ: يُومِئُ بِهِمَا أَيْضًا.
وَالثَّانِي: لَا يَصِحُّ مِنْ اضْطِجَاعٍ

الرَّابِعُ: الْقِرَاءَةُ، وَيُسَنُّ بَعْدَ التَّحَرُّمِ دُعَاءُ الِافْتِتَاحِ

[مغني المحتاج]

لِمَا فِيهِ مِنْ انْمِحَاقِ صُورَةِ الصَّلَاةِ.
قَالَ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ: فَإِنْ اسْتَلْقَى مَعَ إمْكَانِ الِاضْطِجَاعِ لَمْ يَصِحَّ، وَقِيلَ: الْأَفْضَلُ أَنْ يُصَلِّيَ مُسْتَلْقِيًا فَإِنَّ اضْطَجَعَ صَحَّ.
قَالَ: وَالصَّوَابُ الْأَوَّلُ، وَمَحَلُّ نُقْصَانِ أَجْرِ الْقَاعِدِ وَالْمُضْطَجِعِ عِنْدَ الْقُدْرَةِ وَإِلَّا لَمْ يَنْقُصْ مِنْ أَجْرِهِمَا شَيْءٌ.

(الرَّابِعُ) مِنْ أَرْكَانِ الصَّلَاةِ (الْقِرَاءَةُ) لِلْفَاتِحَةِ كَمَا سَيَأْتِي (وَيُسَنُّ بَعْدَ التَّحَرُّمِ) أَيْ عَقِبَهُ وَلَوْ لِلنَّفْلِ (دُعَاءُ الِافْتِتَاحِ) وَهُوَ: «وَجَّهْتُ وَجْهِيَّ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا أَنَا مِنْ الْمُشْرِكِينَ إنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي أَيْ عِبَادَتِي وَمَحْيَايَ بِفَتْحِ الْيَاءِ وَمَمَاتِي بِإِسْكَانِ الْيَاءِ عَلَى مَا عَلَيْهِ الْأَكْثَرُ فِيهِمَا، وَيَجُوزُ فِيهِمَا الْإِسْكَانُ وَالْفَتْحُ، لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْت وَأَنَا مِنْ الْمُسْلِمِينَ» ، وَإِنْ كَانَ الَّذِي فِي الْآيَةِ ﴿وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الأنعام: 163] [الْأَنْعَامَ] وَذَلِكَ لِلِاتِّبَاعِ.
رَوَاهُ مُسْلِمٌ إلَّا كَلِمَةَ: مُسْلِمًا، فَابْنُ حِبَّانَ.
وَفِي رِوَايَةٍ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ.
وَكَانَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ بِمَا فِيهَا؛ لِأَنَّهُ أَوَّلُ مُسْلِمٍ فِي هَذِهِ الْأُمَّةِ، وَيُسْرِعُ بِهِ الْمَأْمُومُ وَيَقْتَصِرُ عَلَيْهِ لِيَسْمَعَ قِرَاءَةَ إمَامِهِ، وَيَزِيدُ الْمُنْفَرِدُ وَإِمَامُ عَلِمَ رِضَا مُقْتَدٍ بِهِ: اللَّهُمَّ أَنْتَ الْمَلِكُ لَا إلَهَ إلَّا أَنْتَ سُبْحَانَك وَبِحَمْدِكَ، أَنْتَ رَبِّي وَأَنَا عَبْدُكَ، ظَلَمْتُ نَفْسِي وَاعْتَرَفْتُ بِذَنْبِي فَاغْفِرْ لِي ذُنُوبِي جَمِيعًا إنَّهُ لَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إلَّا أَنْتَ، وَاهْدِنِي لِأَحْسَنِ الْأَخْلَاقِ لَا يَهْدِينِي لِأَحْسَنِهَا إلَّا أَنْتَ، وَاصْرِفْ عَنِّي سَيِّئَهَا لَا يَصْرِفُ عَنِّي سَيِّئَهَا إلَّا أَنْتَ، لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ، وَالْخَيْرُ كُلُّهُ فِي يَدَيْكَ، وَالشَّرُّ لَيْسَ إلَيْكَ: أَيْ لَا يُتَقَرَّبُ بِهِ إلَيْكَ.
وَقِيلَ: لَا يُفْرَدُ بِالْإِضَافَةِ إلَيْكَ، وَقِيلَ: لَا يَصْعَدُ، وَإِنَّمَا يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ، وَقِيلَ: لَيْسَ شَرًّا بِالنِّسْبَةِ إلَيْكَ فَإِنَّكَ خَلَقْتَهُ لِحِكْمَةٍ بَالِغَةٍ، وَإِنَّمَا هُوَ شَرٌّ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْخَلْقِ، أَنَا بِكَ وَإِلَيْكَ، تَبَارَكْتَ وَتَعَالَيْتَ، أَسْتَغْفِرُك وَأَتُوبُ إلَيْكَ.
وَقَدْ صَحَّ دُعَاءُ الِافْتِتَاحِ أَخْبَارٌ أُخَرُ لَا نُطِيلُ بِذِكْرِهَا، وَظَاهِرُ كَلَامِ الْأَصْحَابِ أَنَّهُ لَا فَرْقَ فِي التَّعْبِيرِ بِقَوْلِهِ: حَنِيفًا وَمِنْ الْمُشْرِكِينَ وَمِنْ الْمُسْلِمِينَ بَيْنَ الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ، وَهُوَ صَحِيحٌ عَلَى إرَادَةِ الْأَشْخَاصِ: أَيْ وَأَنَا مِنْ الْأَشْخَاصِ الْمُسْلِمِينَ، وَأَنَا شَخْصٌ حَنِيفًا مُسْلِمًا، فَتَأْتِي بِهِمَا الْمَرْأَةُ كَذَلِكَ عَلَى أَنَّهُمَا حَالَانِ مِنْ الْوَجْهِ، وَالْمُرَادُ بِالْوَجْهِ: ذَاتُ الْإِنْسَانِ وَجُمْلَةُ بَدَنِهِ، وَلَا يَصِحُّ كَوْنُهُمَا حَالَيْنِ مِنْ تَاءِ الضَّمِيرِ فِي وَجَّهْتُ؛ لِأَنَّهُ كَانَ يَلْزَمُ التَّأْنِيثُ، وَيَدُلُّ لَهُ مَا رَوَاهُ الْحَاكِمُ فِي مُسْتَدْرَكِهِ «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ لِفَاطِمَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا -: قَوْمِي فَاشْهَدِي أُضْحِيَّتَكِ، وَقَوْلِي: إنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي إلَى قَوْلِهِ: وَأَنَا مِنْ الْمُسْلِمِينَ» . وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ﴾ [التحريم: 12] [التَّحْرِيمَ] : أَيْ الْقَوْمِ الْمُطِيعِينَ، وَلَوْ تَرَكَ دُعَاءُ الِافْتِتَاحِ عَمْدًا أَوْ سَهْوًا حَتَّى شَرَعَ فِي التَّعَوُّذِ لَمْ يَعُدْ إلَيْهِ فِي الْأَصَحِّ، وَلَا يُسَنُّ لِمَنْ خَافَ فَوْتَ الْقِرَاءَةِ خَلْفَ الْإِمَامِ أَوْ فَوْتَ وَقْتِ الصَّلَاةِ أَوْ وَقْتِ الْأَدَاءِ بِأَنْ لَمْ يَبْقَ مِنْ وَقْتِهَا إلَّا مَا يَسَعُ رَكْعَةً، بَلْ يَأْتِي بِالْقِرَاءَةِ؛ لِأَنَّهَا فَرْضٌ، فَلَا يَشْتَغِلُ عَنْهُ بِالنَّفْلِ وَلَا فِيمَا إذَا أَدْرَكَ الْإِمَامَ فِي غَيْرِ الْقِيَامِ إلَّا فِيمَا إذَا أَدْرَكَ الْإِمَامَ فِي التَّشَهُّدِ الْأَخِيرِ وَسَلَّمَ قَبْلَ أَنْ يَجْلِسَ، أَوْ فِي التَّشَهُّدِ وَقَامَ قَبْلَ أَنْ يَجْلِسَ، أَوْ خَرَجَ مِنْ الصَّلَاةِ بِحَدَثٍ أَوْ غَيْرِهِ قَبْلَ أَنْ يُوَافِقَهُ، وَلَا فِي صَلَاةِ جِنَازَةٍ.

(ثُمَّ التَّعَوُّذُ) قَبْلَ الْقِرَاءَةِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ [النحل: 98]

ثُمَّ التَّعَوُّذُ، وَيُسِرُّهُمَا، وَيَتَعَوَّذُ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ عَلَى الْمَذْهَبِ، وَالْأُولَى آكَدُ.

وَتَتَعَيَّنُ الْفَاتِحَةُ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ

[مغني المحتاج]

[النَّحْلُ] وَالرَّجِيمُ: الْمَطْرُودُ، وَقِيلَ: الْمَرْجُومُ بِالشُّهُبِ، وَيَحْصُلُ بِكُلٍّ مَا اشْتَمَلَ عَلَى التَّعَوُّذِ مِنْ الشَّيْطَانِ، وَأَفْضَلُهُ: أَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ، وَقِيلَ: أَعُوذُ بِاَللَّهِ السَّمِيعِ الْعَلِيمِ مِنْ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ، وَيُسْتَثْنَى مِنْ اسْتِحْبَابِ التَّعَوُّذِ مَا تَقَدَّمَ اسْتِثْنَاؤُهُ فِي دُعَاءِ الِافْتِتَاحِ إلَّا فِي صَلَاةِ الْجِنَازَةِ فَإِنَّهُ يُسَنُّ التَّعَوُّذُ فِيهَا (وَيُسِرُّهُمَا) أَيْ الِافْتِتَاحَ وَالتَّعَوُّذَ نَدْبًا فِي الْجَهْرِيَّةِ وَالسَّرِيَّةِ كَسَائِرِ الْأَذْكَارِ الْمُسْتَحَبَّةِ بِحَيْثُ يُسْمِعُ نَفْسَهُ لَوْ كَانَ سَمِيعًا، وَقِيلَ: يُسْتَحَبُّ الْجَهْرُ بِالتَّعَوُّذِ فِي الْجَهْرِيَّةِ تَبَعًا لِلْقِرَاءَةِ فَأَشْبَهَ التَّأْمِينَ (وَيَتَعَوَّذُ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ عَلَى الْمَذْهَبِ) لِحُصُولِ الْفَصْلِ بَيْنَ الْقِرَاءَتَيْنِ بِالْكُوعِ وَغَيْرِهِ (وَالْأُولَى آكَدُ) مِمَّا بَعْدَهَا لِلِاتِّفَاقِ عَلَيْهَا، وَلِأَنَّ افْتِتَاحَ الْقِرَاءَةِ فِي الصَّلَاةِ إنَّمَا هُوَ فِيهَا.
وَالطَّرِيقُ الثَّانِي قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا هَذَا.
وَالثَّانِي: يَتَعَوَّذُ فِي الْأَوَّلِ فَقَطْ؛ لِأَنَّ الْقِرَاءَةَ فِي الصَّلَاةِ وَاحِدَةٌ كَمَا لَا يُعِيدُهُ لَوْ سَجَدَ لِلتِّلَاوَةِ ثُمَّ عَادَ لِلْقِرَاءَةِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الرَّافِعِيُّ، وَصَرَّحَ بِهِ الْمُصَنِّفُ فِي مَجْمُوعِهِ، وَعَلَى هَذَا لَوْ تَرَكَهُ فِي الْأُولَى عَمْدًا أَوْ سَهْوًا أَتَى بِهِ فِي الثَّانِيَةِ بِخِلَافِ دُعَاءِ الِافْتِتَاحِ.
تَنْبِيهٌ: كَلَامُ الْمُصَنِّفِ يَقْتَضِي اسْتِحْبَابَ التَّعَوُّذِ لِقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ، وَلَمْ تُوجَدْ بِخِلَافِ دُعَاءِ الِافْتِتَاحِ.

(وَتَتَعَيَّنُ الْفَاتِحَةُ) أَيْ قِرَاءَتُهَا حِفْظًا، أَوْ نَظَرًا فِي مُصْحَفٍ أَوْ تَلْقِينًا أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ (فِي كُلِّ رَكْعَةٍ) فِي قِيَامِهَا أَوْ بَدَلِهِ لِلْمُنْفَرِدِ وَغَيْرِهِ سِرِّيَّةً كَانَتْ الصَّلَاةُ أَوْ جَهْرِيَّةً فَرْضًا أَوْ نَفْلًا، لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَا يَقْرَأُ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ» (1) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَخَبَرُ «لَا تُجْزِئُ صَلَاةٌ لَا يُقْرَأُ فِيهَا بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ» . رَوَاهُ ابْنَا خُزَيْمَةَ وَحَبَّانَ فِي صَحِيحَيْهِمَا.
وَلِفِعْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَمَا فِي مُسْلِمٍ مَعَ خَبَرِ الْبُخَارِيِّ «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي» . وَأَمَّا قَوْله تَعَالَى: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ﴾ [المزمل: 20] [الْمُزَّمِّلُ] فَوَارِدٌ فِي قِيَامِ اللَّيْلِ لَا فِي قَدْرِ الْقِرَاءَةِ، أَوْ مَحْمُولٌ مَعَ خَبَرِ «ثُمَّ اقْرَأْ مَا تَيَسَّرَ مَعَكَ مِنْ الْقُرْآنِ عَلَى الْفَاتِحَةِ» أَوْ عَلَى الْعَاجِزِ عَنْهَا، جَمْعًا بَيْنَ الْأَدِلَّةِ، وَتَتَعَيَّنُ الْفَاتِحَةُ أَيْضًا فِي الْقِيَامِ الثَّانِي مِنْ صَلَاةِ الْكُسُوفَيْنِ، وَيَتَعَوَّذُ قَبْلَ قِرَاءَتِهَا كَمَا سَيَأْتِي إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
فَائِدَةٌ: نَقَلَ تَعَيُّنَ الْفَاتِحَةِ الشَّيْخُ أَبُو زَيْدٍ عَنْ نَيِّفٍ وَعِشْرِينَ صَحَابِيًّا، وَسُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِافْتِتَاحِ الْقُرْآنِ بِهَا، وَبِأُمِّ الْكِتَابِ وَبِأُمِّ الْقُرْآنِ، وَالْأَسَاسِ؛ لِأَنَّهَا أَوَّلُهُ وَأَصْلُهُ كَمَا سُمِّيَتْ مَكَّةُ أُمَّ الْقُرَى؛ لِأَنَّهَا أَوَّلُ الْأَرْضِ وَأَصْلُهَا وَمِنْهَا دُحِيَتْ، وَزِيدَ عَلَى ذَلِكَ أَنَّهَا سُمِّيَتْ أَيْضًا السَّبْعَ الْمَثَانِيَ؛ لِأَنَّهَا سَبْعُ آيَاتٍ وَتُثَنَّى فِي الصَّلَاةِ، وَأُنْزِلَتْ مَرَّتَيْنِ مَرَّةً بِمَكَّةَ وَمَرَّةً بِالْمَدِينَةِ، وَالْوَافِيَةَ بِالْفَاءِ؛ لِأَنَّ تَبْعِيضَهَا لَا يَجُوزُ، وَالْوَاقِيَةَ بِالْقَافِ؛ لِأَنَّهَا تَقِي مِنْ السُّوءِ، وَالْكَافِيَةَ؛ لِأَنَّهَا لَا تُجْزِئُ

إلَّا رَكْعَةَ مَسْبُوقٍ.

وَالْبَسْمَلَةُ مِنْهَا

[مغني المحتاج]

عَنْ غَيْرِهَا، وَالشِّفَاءَ، وَوَرَدَ فِيهِ حَدِيثٌ، وَمَعْنَاهُ وَاضِحٌ، وَالْكَنْزَ، وَالْحَمْدَ لِذِكْرِ الْحَمْدِ فِيهَا.
قَالَ الدَّمِيرِيُّ: وَفِي تَفْسِيرِ تَقِيِّ الدِّينِ بْنِ مَخْلَدٍ: أَنَّ إبْلِيسَ لَعَنَهُ اللَّهُ - تَعَالَى - رَنَّ أَرْبَعَ رَنَّاتٍ: رَنَّةٌ حِينَ لُعِنَ، وَرَنَّةٌ حَيْثُ أُهْبِطَ، وَرَنَّةٌ حِينَ وُلِدَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَرَنَّةٌ حِينَ أُنْزِلَتْ فَاتِحَةُ الْكِتَابِ (إلَّا رَكْعَةَ مَسْبُوقٍ) فَإِنَّهَا لَا تَتَعَيَّنُ عَلَى الْأَصَحِّ الْآتِي فِي صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ، وَظَاهِرُ كَلَامِهِ عَدَمُ لُزُومِ الْمَسْبُوقِ الْفَاتِحَةَ وَهُوَ وَجْهٌ، وَالْأَصَحُّ أَنَّهَا وَجَبَتْ عَلَيْهِ وَتَحَمَّلَهَا عَنْهُ الْإِمَامُ، وَتَظْهَرُ فَائِدَةُ الْخِلَافِ فِيمَا لَوْ بَانَ إمَامُهُ مُحْدِثًا أَوْ فِي خَامِسَةٍ أَنَّ الرَّكْعَةَ لَا تُحْسَبُ لَهُ؛ لِأَنَّ الْإِمَامَ لَيْسَ أَهْلًا لِلتَّحَمُّلِ، فَلَعَلَّ الْمُرَادَ أَنَّ تَعْيِينَهَا لَا يَسْتَقِرُّ عَلَيْهِ لِتَحَمُّلِ الْإِمَامِ عَنْهُ، وَيُتَصَوَّرُ سُقُوطُ الْفَاتِحَةِ أَيْضًا فِي كُلِّ مَوْضِعٍ حَصَلَ لِلْمَأْمُومِ فِيهِ عُذْرٌ تَخَلَّفَ بِسَبَبِهِ عَنْ الْإِمَامِ بِأَرْبَعَةِ أَرْكَانٍ طَوِيلَةٍ وَزَالَ عُذْرُهُ، وَالْإِمَامُ رَاكِعٌ فَيَحْتَمِلُ عَنْهُ الْفَاتِحَةَ كَمَا لَوْ كَانَ بَطِيءَ الْقِرَاءَةِ أَوْ نَسِيَ أَنَّهُ فِي الصَّلَاةِ، أَوْ امْتَنَعَ مِنْ السُّجُودِ بِسَبَبِ زَحْمَةٍ أَوْ شَكَّ بَعْدَ رُكُوعِ إمَامِهِ فِي قِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ فَتَخَلَّفَ لَهَا، نَبَّهَ عَلَى ذَلِكَ الْإِسْنَوِيُّ مُعْتَرِضًا بِهِ عَلَى الْحَصْرِ فِي رَكْعَةِ الْمَسْبُوقِ.

(وَالْبَسْمَلَةُ) آيَةٌ (مِنْهَا) أَيْ الْفَاتِحَةِ لِمَا رُوِيَ «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَدَّ الْفَاتِحَةَ سَبْعَ آيَاتٍ، وَعَدَّ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ آيَةً مِنْهَا» . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي تَارِيخِهِ.
وَرَوَى الدَّارَقُطْنِيّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «إذَا قَرَأْتُمْ الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاقْرَءُوا بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ إنَّهَا أُمُّ الْقُرْآنِ وَأُمُّ الْكِتَابِ وَالسَّبْعُ الْمَثَانِي وَبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ إحْدَى آيَاتِهَا» . وَرَوَى ابْنُ خُزَيْمَةَ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَدَّ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ آيَةً، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ: أَيْ إلَى آخِرِهَا سِتَّ آيَاتٍ» . فَإِنْ قِيلَ يَشْكُلُ وُجُوبُهَا فِي الصَّلَاةِ بِقَوْلِ أَنَسٍ «كَانَ النَّبِيُّ وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَعُثْمَانُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ - يَفْتَتِحُونَ الصَّلَاةَ بِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ» (1) كَمَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَبِقَوْلِهِ: «صَلَّيْتُ مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ فَلَمْ أَسْمَعْ أَحَدًا مِنْهُمْ يَقْرَأُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ» كَمَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
أُجِيبَ بِأَنَّ مَعْنَى الْأَوَّلِ كَانُوا يَفْتَتِحُونَ بِسُورَةِ الْحَمْدِ، وَيُبَيِّنُهُ مَا صَحَّ عَنْ أَنَسٍ كَمَا قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ " إنَّهُ كَانَ يُجْهَرُ بِالْبَسْمَلَةِ، وَقَالَ: لَا آلُو أَنْ أَقْتَدِيَ بِصَلَاةِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ". وَأَمَّا الثَّانِي فَقَالَ أَئِمَّتُنَا: إنَّهُ رِوَايَةٌ لِلَفْظِ الْأُولَى بِالْمَعْنَى الَّذِي عَبَّرَ عَنْهُ الرَّاوِي بِمَا ذَكَرَ بِحَسَبِ فَهْمِهِ، وَلَوْ بَلَغَ الْخَبَرُ بِلَفْظِهِ كَمَا فِي الْبُخَارِيِّ لَأَصَابَ: إذْ اللَّفْظُ الْأَوَّلُ هُوَ الَّذِي اتَّفَقَ عَلَيْهِ الْحُفَّاظُ، وَآيَةُ مِنْ كُلِّ سُورَةٍ إلَّا بَرَاءَةً لِإِجْمَاعِ الصَّحَابَةِ عَلَى إثْبَاتِهَا فِي الْمُصْحَفِ بِخَطِّهِ أَوَائِلَ السُّوَرِ سِوَى بَرَاءَةَ دُونَ الْأَعْشَارِ وَتَرَاجِمِ السُّوَرِ وَالتَّعَوُّذِ، فَلَوْ لَمْ تَكُنْ قُرْآنًا لَمَا أَجَازُوا ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ يُحْمَلُ عَلَى اعْتِقَادِ مَا لَيْسَ بِقُرْآنٍ قُرْآنًا وَلَوْ كَانَتْ لِلْفَصْلِ كَمَا قِيلَ لَأُثْبِتَتْ فِي أَوَّلِ بَرَاءَةٍ وَلَمْ تَثْبُتْ فِي أَوَّلِ الْفَاتِحَةِ.
فَإِنْ قِيلَ: الْقُرْآنُ إنَّمَا يَثْبُتُ بِالتَّوَاتُرِ، أُجِيبَ بِأَنَّ مَحَلَّهُ فِيمَا يَثْبُتُ قُرْآنًا قَطْعًا.
أَمَّا مَا يَثْبُتُ قُرْآنًا حُكْمًا فَيَكْفِي فِيهِ الظَّنُّ

وَتَشْدِيدَاتِهَا فَائِدَةٌ: مَا أُثْبِتَ فِي الْمُصْحَفِ الْآنَ مِنْ أَسْمَاءِ السُّوَرِ وَالْأَعْشَارُ شَيْءٌ ابْتَدَعَهُ الْحَجَّاجُ فِي زَمَنِهِ.

وَلَوْ أَبْدَلَ ضَادًا بِظَاءٍ لَمْ تَصِحَّ فِي الْأَصَحِّ.

[مغني المحتاج]

كَمَا يَكْفِي فِي كُلِّ ظَنِّيٍّ، وَأَيْضًا إثْبَاتُهَا فِي الْمُصْحَفِ بِخَطِّهِ مِنْ غَيْرِ نَكِيرٍ فِي مَعْنَى التَّوَاتُرِ، وَأَيْضًا قَدْ ثَبَتَ التَّوَاتُرُ عِنْدَ قَوْمٍ دُونَ آخَرِينَ.
فَإِنْ قِيلَ: لَوْ كَانَتْ قُرْآنًا لَكَفَرَ جَاحِدُهَا، أُجِيبَ بِأَنَّهَا لَوْ لَمْ تَكُنْ قُرْآنًا لَكَفَرَ مُثْبِتُهَا، وَأَيْضًا التَّكْفِيرُ لَا يَكُونُ بِالظَّنِّيَّاتِ، وَهِيَ آيَةٌ كَامِلَةٌ مِنْ أَوَّلِ الْفَاتِحَةِ قَطْعًا، وَكَذَا فِيمَا عَدَا بَرَاءَةً مِنْ بَاقِي السُّوَرِ عَلَى الْأَصَحِّ، وَفِي قَوْلٍ إنَّهَا بَعْضُ آيَةٍ وَالسُّنَّةُ أَنْ يَصِلَهَا بِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَأَنْ يَجْهَرَ بِهَا حَيْثُ يَشْرَعُ الْجَهْرُ بِالْقِرَاءَةِ.

(وَتَشْدِيدَاتُهَا) مِنْهَا؛ لِأَنَّهَا هَيْئَاتٌ لِحُرُوفِهَا الْمُشَدَّدَةِ وَوُجُوبُهَا شَامِلٌ لِهَيْئَاتِهَا فَالْحُكْمُ عَلَى التَّشْدِيدِ بِكَوْنِهِ مِنْ الْفَاتِحَةِ فِيهِ تَجَوُّزٌ، وَلِذَا عَبَّرَ فِي الْمُحَرَّرِ بِقَوْلِهِ: وَيَجِبُ رِعَايَةُ تَشْدِيدَاتِهَا، فَلَوْ عَبَّرَ بِهَا لَكَانَ أَوْلَى، وَهِيَ أَرْبَعَ عَشْرَةَ شَدَّةً مِنْهَا ثَلَاثٌ فِي الْبَسْمَلَةِ فَلَوْ خَفَّفَ مِنْهَا تَشْدِيدَةً بَطَلَتْ قِرَاءَةُ تِلْكَ الْكَلِمَةِ لِتَغْيِيرِهِ النَّظْمَ، بَلْ قَالَ فِي الْحَاوِي وَالْبَحْرِ: لَوْ تَرَكَ الشَّدَّةَ مِنْ قَوْلِهِ إيَّاكَ مُتَعَمِّدًا وَعَرَفَ مَعْنَاهُ أَنَّهُ يُكَفِّرُ؛ لِأَنَّ الْإِيَا ضَوْءُ الشَّمْسِ فَكَأَنَّهُ قَالَ: نَعْبُدُ ضَوْءَ الشَّمْسِ، وَإِنْ كَانَ نَاسِيًا أَوْ جَاهِلًا سَجَدَ لِلسَّهْوِ، وَلَوْ شَدَّدَ الْمُخَفَّفَ أَسَاءَ وَأَجْزَأَهُ كَمَا قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ وَالرُّويَانِيُّ.

(وَلَوْ أَبْدَلَ ضَادًا) مِنْهَا: أَيْ أَتَى بَدَلَهَا (بِظَاءٍ لَمْ تَصِحَّ) قِرَاءَتُهُ لِتِلْكَ الْكَلِمَةِ (فِي الْأَصَحِّ) لِتَغْيِيرِهِ النَّظْمَ وَاخْتِلَافِ الْمَعْنَى، فَإِنَّ الضَّادَ مِنْ الضَّلَالِ وَالظَّاءَ مِنْ قَوْلِهِمْ: ظَلَّ يَفْعَلُ كَذَا ظَلُولًا إذَا فَعَلَهُ نَهَارًا وَقِيَاسًا عَلَى بَاقِي الْحُرُوفِ، وَالثَّانِي: تَصِحُّ لِعُسْرِ التَّمْيِيزِ بَيْنَ الْحَرْفَيْنِ عَلَى كَثِيرٍ مِنْ النَّاسِ، وَالْخِلَافُ مَخْصُوصٌ بِقَادِرٍ لَمْ يَتَعَمَّدْ أَوْ عَاجِزٍ أَمْكَنَهُ التَّعَلُّمَ فَلَمْ يَتَعَلَّمْ.
أَمَّا الْعَاجِزُ عَنْ التَّعَلُّمِ فَتُجْزِئُهُ قَطْعًا وَهُوَ أُمِّيٌّ، وَالْقَادِرُ الْمُتَعَمِّدُ لَا تُجْزِئُهُ قَطْعًا وَلَوْ أَبْدَلَ الضَّادَ بِغَيْرِ الظَّاءِ لَمْ تَصِحَّ قِرَاءَتُهُ قَطْعًا، وَلَوْ أَبْدَلَ ذَالَ الَّذِينَ الْمُعْجَمَةَ بِالْمُهْمَلَةِ لَمْ تَصِحَّ كَمَا اقْتَضَى إطْلَاقُ الرَّافِعِيِّ وَغَيْرِهِ الْجَزْمَ بِهِ خِلَافًا لِلزَّرْكَشِيِّ وَمَنْ تَبِعْهُ، وَلَوْ نَطَقَ بِالْقَافِ مُتَرَدِّدَةً بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْكَافِ كَمَا يَنْطِقُ بِهَا الْعَرَبُ صَحَّ مَعَ الْكَرَاهَةِ كَمَا جَزَمَ بِهِ الرُّويَانِيُّ وَغَيْرُهُ، وَإِنْ قَالَ فِي الْمَجْمُوعِ فِيهِ نَظَرٌ.
فَإِنْ قِيلَ: كَانَ الصَّوَابُ أَنْ يَقُولَ: وَلَوْ أَبْدَلَ ظَاءً بِضَادٍ، إذْ الْبَاءُ مَعَ الْإِبْدَالِ تَدْخُلُ عَلَى الْمَتْرُوكِ لَا عَلَى الْمَأْتِيِّ بِهِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالإِيمَانِ﴾ [البقرة: 108] [الْبَقَرَةُ] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ﴾ [سبأ: 16] [سَبَأُ] . أُجِيبَ بِأَنَّ الْبَاءَ فِي التَّبْدِيلِ وَالْإِبْدَالِ إذَا اقْتَصَرَ فِيهِمَا عَلَى الْمُتَقَابِلَيْنِ وَدَخَلَتْ عَلَى أَحَدِهِمَا إنَّمَا تَدْخُلُ عَلَى الْمَأْخُوذِ لَا عَلَى الْمَتْرُوكِ، فَقَدْ نَقَلَ الْأَزْهَرِيُّ عَنْ ثَعْلَبٍ بَدَّلْتُ الْخَاتَمَ بِالْحَلَقَةِ إذَا أَذَبْتُهُ وَسَوَّيْتُهُ حَلَقَةً، وَبَدَّلْت الْحَلَقَةَ بِالْخَاتَمِ إذَا أَذَبْتُهَا وَجَعَلْتُهَا خَاتَمًا، وَأَبْدَلْتُ الْخَاتَمَ بِالْحَلَقَةِ إذَا نَحَّيْتُ هَذَا وَجَعَلْتُ هَذِهِ مَكَانَهُ.
قَالَ السُّبْكِيُّ بَعْدَ نَقْلِهِ بَعْضَ ذَلِكَ عَنْ الْوَاحِدِيِّ عَنْ ثَعْلَبٍ عَنْ الْفَرَّاءِ، وَرَأَيْتُ فِي شِعْرِ الطُّفَيْلِ بْنِ عَمْرٍو الدَّوْسِيِّ لَمَّا أَسْلَمَ فِي زَمَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: [الْوَافِرُ] فَأَلْهَمَنِي هُدَايَ اللَّهُ عَنْهُ ... وَبَدَّلَ طَالِعِي نَحْسِي بِسَعْدِي

وَيَجِبُ تَرْتِيبُهَا وَمُوَالَاتُهَا، فَإِنْ تَخَلَّلَ ذِكْرٌ قَطَعَ الْمُوَالَاةَ فَإِنْ تَعَلَّقَ بِالصَّلَاةِ كَتَأْمِينِهِ لِقِرَاءَةِ إمَامِهِ وَفَتْحِهِ عَلَيْهِ فَلَا فِي الْأَصَحِّ.

[مغني المحتاج]

وَمَنْشَأُ الِاعْتِرَاضِ تَوَهُّمُ أَنَّ الْإِبْدَالَ الْمُسَاوِيَ لِلتَّبْدِيلِ كَالِاسْتِبْدَالِ وَالتَّبَدُّلِ، فَإِنَّ ذَيْنَكَ تَدْخُلُ الْبَاءُ فِيهِمَا عَلَى الْمَتْرُوكِ، قَالَ شَيْخُنَا: وَبِذَلِكَ عُلِمَ فَسَادُ مَا اُعْتُرِضَ بِهِ عَلَى الْفُقَهَاءِ مِنْ أَنَّ ذَلِكَ لَا يَجُوزُ، بَلْ يَلْزَمُ دُخُولُهَا عَلَى الْمَتْرُوكِ.

(وَيَجِبُ تَرْتِيبُهَا) بِأَنْ يَأْتِيَ بِهَا عَلَى نَظْمِهَا الْمَعْرُوفِ؛ لِأَنَّهُ مَنَاطُ الْبَلَاغَةِ وَالْإِعْجَازِ، فَلَوْ بَدَأَ بِنِصْفِهَا الثَّانِي مَثَلًا ثُمَّ أَتَى بِالنِّصْفِ الْأَوَّلِ لَمْ يُعْتَدَّ بِالنِّصْفِ الثَّانِي وَيَبْنِي عَلَى الْأَوَّلِ إنْ سَهَا بِتَأْخِيرِهِ وَلَمْ يُطَلْ الْفَصْلُ وَيَسْتَأْنِفُ إنْ تَعَمَّدَ وَلَمْ يُغَيِّرْ الْمَعْنَى أَوْ طَالَ الْفَصْلُ بَيْنَ فَرَاغِهِ مِنْ النِّصْفِ الْأَوَّلِ وَتَذَكُّرِهِ، فَإِنْ تَرَكَهُ عَامِدًا وَلَمْ يُغَيِّرْ الْمَعْنَى اسْتَأْنَفَ الْقِرَاءَةَ وَإِنْ غَيَّرَهُ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ.
فَإِنْ قِيلَ: لِمَ وَجَبَ الِاسْتِئْنَافُ هُنَا وَلَمْ يَجِبْ فِي الْوُضُوءِ وَالْأَذَانِ وَالطَّوَافِ وَالسَّعْيِ؟ . أُجِيبَ بِأَنَّ التَّرَتُّبَ هُنَا لَمَّا كَانَ مَنَاطَ الْإِعْجَازِ كَمَا مَرَّ كَانَ الِاعْتِنَاءُ بِهِ أَكْثَرَ فَجَعَلَ قَصْدَ التَّكْمِيلِ بِالْمُرَتَّبِ صَارِفًا عَنْ صِحَّةِ الْبِنَاءِ بِخِلَافِ تِلْكَ الصُّوَرِ، وَمَنْ صَرَّحَ بِأَنَّهُ يَبْنِي فِي ذَلِكَ مُرَادُهُ مَا إذَا لَمْ يَقْصِدْ التَّكْمِيلَ بِالْمُرَتَّبِ، وَإِنْ تَرَكَهُ سَاهِيًا وَلَمْ يُطِلْ غَيْرَ الْمُرَتَّبِ بَنَى، وَإِنْ طَالَ اسْتَأْنَفَ (وَ) تَجِبُ (مُوَالَاتُهَا) بِأَنْ يَصِلَ الْكَلِمَاتِ بَعْضَهَا بِبَعْضٍ وَلَا يَفْصِلُ إلَّا بِقَدْرِ التَّنَفُّسِ لِلِاتِّبَاعِ مَعَ خَبَرِ «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي» فَلَوْ أَخَلَّ بِهَا سَهْوًا لَمْ يَضُرَّ كَتَرْكِ الْمُوَالَاةِ فِي الصَّلَاةِ بِأَنْ طَوَّلَ رُكْنًا قَصِيرًا نَاسِيًا، بِخِلَافِ مَا لَوْ تَرَكَ الْفَاتِحَةَ سَهْوًا فَإِنَّهُ يَضُرُّ؛ لِأَنَّ الْمُوَالَاةَ صِفَةٌ، وَالْقِرَاءَةَ أَصْلٌ، فَإِنْ قِيلَ: نِسْيَانُ التَّرْتِيبِ يَضُرُّ مَعَ أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا وَاجِبٌ.
أُجِيبَ بِأَنَّ أَمْرَ الْمُوَالَاةِ أَسْهَلُ مِنْ التَّرْتِيبِ بِدَلِيلِ تَطْوِيلِ الرُّكْنِ الْقَصِيرِ نَاسِيًا كَمَا مَرَّ، بِخِلَافِ التَّرْتِيبِ إذْ لَا يُعْتَدُّ بِالْمُقَدَّمِ مِنْ سُجُودٍ عَلَى رُكُوعٍ مَثَلًا، وَلَوْ شَكَّ هَلْ قَرَأَهَا أَوْ لَا لَزِمَهُ قِرَاءَتُهَا؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ قِرَاءَتِهَا، أَوْ شَكَّ هَلْ تَرَكَ مِنْهَا شَيْئًا بَعْدَ تَمَامِهَا لَمْ يُؤَثِّرْ، فَإِنْ شَكَّ فِي ذَلِكَ قَبْلَ تَمَامِهَا اسْتَأْنَفَهَا (فَإِنْ تَخَلَّلَ ذِكْرٌ) أَجْنَبِيٌّ لَا يَتَعَلَّقُ بِالصَّلَاةِ (قَطَعَ الْمُوَالَاةَ) وَإِنْ قَلَّ كَالتَّحْمِيدِ عِنْدَ الْعُطَاسِ، وَإِجَابَةِ الْمُؤَذِّنِ وَالتَّسْبِيحِ لِلدَّاخِلِ؛ لِأَنَّ الِاشْتِغَالَ بِهِ يُوهِمُ الْإِعْرَاضَ عَنْ الْقِرَاءَةِ فَلِيَسْتَأْنِفهَا، هَذَا إنْ تَعَمَّدَ، فَإِنْ كَانَ سَهْوًا فَالصَّحِيحُ الْمَنْصُوصُ أَنَّهُ لَا يَقْطَعُ كَمَا عُلِمَ مِمَّا مَرَّ بَلْ يَبْنِ، وَقِيلَ إنْ طَالَ الذِّكْرُ قَطَعَ الْمُوَالَاةَ وَإِلَّا فَلَا.
فَائِدَةٌ: الذِّكْرُ بِاللِّسَانِ ضِدُّ الْإِنْصَاتِ وَذَالُهُ مَكْسُورَةٌ، وَبِالْقَلْبِ ضِدُّ النِّسْيَانِ وَذَالُهُ مَضْمُومَةٌ، قَالَهُ الْكِسَائِيُّ، وَقَالَ غَيْرُهُ: هُمَا لُغَتَانِ بِمَعْنًى (فَإِنْ تَعَلَّقَ بِالصَّلَاةِ كَتَأْمِينِهِ لِقِرَاءَةِ إمَامِهِ وَفَتْحِهِ عَلَيْهِ) إذَا تَوَقَّفَ فِيهَا وَالْفَتْحُ: هُوَ تَلْقِينُ الْآيَةِ عِنْدَ التَّوَقُّفِ فِيهَا، وَمَحَلُّهُ كَمَا فِي التَّتِمَّةِ إذَا سَكَتَ فَلَا يُفْتَحُ عَلَيْهِ مَا دَامَ يُرَدِّدُ التِّلَاوَةَ وَسُجُودِهِ لِتِلَاوَتِهِ وَسُؤَالِ رَحْمَةٍ وَاسْتِعَاذَةٍ مِنْ عَذَابٍ لِقِرَاءَةِ آيَتِهِمَا (فَلَا) يَقْطَعُ الْمُوَالَاةَ (فِي الْأَصَحِّ) لِنَدْبِ ذَلِكَ لِلْمَأْمُومِ فِي الْأَصَحِّ، وَالثَّانِي: يَقْطَعُهَا؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مَنْدُوبًا كَالْحَمْدِ عِنْدَ الْعُطَاسِ وَغَيْرِهِ.
وَرَدَ بِأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ مِنْ مَصْلَحَةِ الصَّلَاةِ، وَالِاحْتِيَاطُ اسْتِئْنَافُهَا لِلْخُرُوجِ مِنْ الْخِلَافِ وَمَحَلُّ الْخِلَافِ فِي الْعَامِدِ، فَإِنْ كَانَ سَاهِيًا لَمْ يَقْطَعْ مَا ذُكِرَ جَزْمًا.

وَيَقْطَعُ السُّكُوتُ الطَّوِيلُ، وَكَذَا يَسِيرٌ قَصَدَ بِهِ قَطْعَ الْقِرَاءَةِ فِي الْأَصَحِّ.

فَإِنْ جَهِلَ الْفَاتِحَةَ فَسَبْعُ آيَاتٍ

[مغني المحتاج]

(وَيَقْطَعُ) الْمُوَالَاةَ (السُّكُوتُ) الْعَمْدُ (الطَّوِيلُ) لِإِشْعَارِهِ بِالْإِعْرَاضِ مُخْتَارًا كَانَ أَوْ لِعَائِقٍ لِإِخْلَالِهِ بِالْمُوَالَاةِ الْمُعْتَبَرَةِ، أَمَّا النَّاسِي فَلَا يَقْطَعُ عَلَى الصَّحِيحِ وَإِنْ أَفْهَمَ كَلَامُ الْمُصَنِّفِ خِلَافَهُ (وَكَذَا) يَقْطَعُ (يَسِيرٌ قَصَدَ بِهِ قَطْعَ الْقِرَاءَةِ فِي الْأَصَحِّ) لِتَأْثِيرِ الْفِعْلِ مَعَ النِّيَّةِ كَنَقْلِ الْوَدِيعَةِ بِنِيَّةِ الْخِيَانَةِ فَإِنَّهُ يَضْمَنُ، وَإِنْ لَمْ يَضْمَنْ بِأَحَدِهِمَا مُنْفَرِدًا، وَالثَّانِي: لَا يَقْطَعُ؛ لِأَنَّ قَصْدَ الْقَطْعِ وَحْدَهُ لَا يُؤَثِّرُ، وَالسُّكُوتُ الْيَسِيرُ وَحْدَهُ لَا يُؤَثِّرُ أَيْضًا فَكَذَا إذَا اجْتَمَعَا، وَجَوَابُهُ كَمَا قَالَ الشَّارِحُ: الْمَنْعُ، فَإِنْ لَمْ يَقْصِدْ الْقَطْعَ وَلَمْ يَطُلْ السُّكُوتُ لَمْ يَضُرَّ كَنَقْلِ الْوَدِيعَةِ بِلَا نِيَّةِ تَعَدٍّ، وَكَذَا إنْ نَوَى قَطْعَ الْقِرَاءَةَ وَلَمْ يَسْكُتْ.
فَإِنْ قِيلَ: لِمَ بَطَلَتْ الصَّلَاةُ بِنِيَّةِ قَطْعِهَا فَقَطْ؟ . أُجِيبَ بِأَنَّ نِيَّةَ الصَّلَاةِ رُكْنٌ تَجِبُ إدَامَتُهَا حُكْمًا، وَالْقِرَاءَةُ لَا تَفْتَقِرُ إلَى نِيَّةٍ خَاصَّةٍ فَلَمْ يُؤَثِّرْ فِيهَا نِيَّةُ قَطْعِهَا، وَيُؤْخَذُ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ نِيَّةَ الْقَطْعِ لَا تُؤَثِّرُ فِي الرُّكُوعِ وَغَيْرِهِ مِنْ الْأَرْكَانِ وَهُوَ كَذَلِكَ، وَالْيَسِيرُ: مَا جَرَتْ بِهِ الْعَادَةُ كَتَنَفُّسٍ وَاسْتِرَاحَةٍ، وَالطَّوِيلُ مَا زَادَ عَلَى سَكْتَةِ الِاسْتِرَاحَةِ كَمَا قَالَهُ ابْنُ الْمُقْرِي أَخْذًا مِنْ كَلَامِ الْمَجْمُوعِ، وَعَدَلَ إلَيْهِ عَنْ ضَبْطِ أَصْلِهِ لَهُ بِمَا أَشْعَرَ بِقَطْعِ الْقِرَاءَةِ أَوْ إعْرَاضِهِ عَنْهَا مُخْتَارًا أَوْ لِعَائِقٍ، وَهَذَا أَوْلَى؛ لِأَنَّهُ يُفِيدُ أَنَّ السُّكُوتَ لِلْإِعْيَاءِ لَا يُؤَثِّرُ، وَإِنْ طَالَ؛ لِأَنَّهُ مَعْذُورٌ، وَنَقَلَهُ فِي الْمَجْمُوعِ عَنْ نَصِّ الْأُمِّ، وَيُسْتَثْنَى مِنْ كُلٍّ مِنْ الضَّابِطَيْنِ مَا لَوْ نَسِيَ آيَةً فَسَكَتَ طَوِيلًا لِتَذَكُّرِهَا فَإِنَّهُ لَا يُؤَثِّرُ كَمَا قَالَهُ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ، وَلَوْ قَرَأَ نِصْفَ الْفَاتِحَةِ مَثَلًا وَشَكَّ هَلْ أَتَى بِالْبَسْمَلَةِ ثُمَّ ذَكَرَ بَعْدَ الْفَرَاغِ أَنَّهُ أَتَى بِهَا أَعَادَ مَا قَرَأَهُ بَعْدَ الشَّكِّ فَقَطْ كَمَا قَالَهُ الْبَغَوِيّ وَاعْتَمَدَهُ شَيْخِي خِلَافًا لِابْنِ سُرَيْجٍ الْقَائِلِ بِوُجُوبِ الِاسْتِئْنَافِ وَلَوْ كَرَّرَ آيَةً مِنْ الْفَاتِحَةِ الْأُولَى أَوْ الْأَخِيرَةِ أَوْ شَكَّ فِي غَيْرِهِمَا فَكَرَّرَهُ لَمْ يَضُرَّ، وَكَذَا إنْ لَمْ يَشُكَّ عَلَى الْمَذْهَبِ كَمَا قَالَهُ الْإِمَامُ، وَاعْتَمَدَهُ فِي التَّحْقِيقِ، وَقَالَ الْمُتَوَلِّي: إنْ كَرَّرَ الْآيَةَ الَّتِي هُوَ فِيهَا لَمْ يَضُرَّ، وَإِنْ أَعَادَ بَعْضَ الْآيَاتِ الَّتِي فَرَغَ مِنْهَا بِأَنْ وَصَلَ إلَى ﴿أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ [الفاتحة: 7] [الْفَاتِحَةَ] ثُمَّ قَرَأَ ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة: 4] [الْفَاتِحَةَ] فَإِنْ اسْتَمَرَّ عَلَى الْقِرَاءَةِ أَجْزَأَتْهُ، وَإِنْ اقْتَصَرَ عَمْدًا عَلَى ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة: 4] ثُمَّ عَادَ فَقَرَأَ ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة: 7] [الْفَاتِحَةُ] لَزِمَهُ اسْتِئْنَافُ الْقِرَاءَةِ؛ لِأَنَّ هَذَا غَيْرُ مَعْهُودٍ فِي التِّلَاوَةِ اهـ. وَاعْتَمَدَ مَا قَالَهُ الْمُتَوَلِّي فِي الْأَنْوَارِ، وَالْأَوَّلُ أَوْجَهُ، وَيُسَنُّ أَنْ يَصِلَ ﴿أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ [الفاتحة: 7] بِمَا بَعْدَهُ إذْ لَيْسَ وَقْفًا وَلَا مُنْتَهَى آيَةٍ.

(فَإِنْ جَهِلَ الْفَاتِحَةَ) بِكَمَالِهَا بِأَنْ لَمْ يُمْكِنْهُ مَعْرِفَتُهَا لِعَدَمِ مُعَلِّمٍ أَوْ مُصْحَفٍ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ (فَسَبْعُ آيَاتٍ) إنْ أَحْسَنَهَا عَدَدَ آيَاتِهَا بِالْبَسْمَلَةِ، وَاسْتَحَبَّ الشَّافِعِيُّ قِرَاءَةَ ثَمَانِ آيَاتٍ لِتَكُونَ الثَّامِنَةُ بَدَلًا عَنْ السُّورَةِ، نَقَلَهُ الْمَاوَرْدِيُّ، وَفِي اشْتِرَاطِ كَوْنِ الْبَدَلِ مُشْتَمِلًا عَلَى ثَنَاءٍ وَدُعَاءٍ كَمَا فِي الْفَاتِحَةِ وَجْهَانِ فِي شَرْحِ التَّنْبِيهِ لِلطَّبَرِيِّ أَوْجَهُهُمَا عَدَمُ الِاشْتِرَاطِ فَلَا يُجْزِئُ دُونَ عَدَدِ آيَاتِهَا وَإِنْ طَالَ لِرِعَايَتِهِ فِيهَا وَلَا دُونَ حُرُوفِهَا كَالْآيِ بِخِلَافِ صَوْمِ يَوْمٍ قَصِيرٍ عَنْ طَوِيلٍ لِعُسْرِ رِعَايَةِ السَّاعَاتِ وَلَا التَّرْجَمَةِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ [يوسف: 2]

مُتَوَالِيَةٍ، فَإِنْ عَجَزَ فَمُتَفَرِّقَةٌ.
قُلْتُ: الْأَصَحُّ الْمَنْصُوصُ جَوَازُ الْمُتَفَرِّقَةِ مَعَ حِفْظِهِ مُتَوَالِيَةً، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ

فَإِنْ عَجَزَ أَتَى بِذِكْرٍ.

[مغني المحتاج]

يُوسُفُ] فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْعَجَمِيَّ لَيْسَ بِقُرْآنٍ بِخِلَافِ مَا إذَا عَجَزَ عَنْ التَّكْبِيرِ أَوْ الْخُطْبَةِ أَوْ الْإِتْيَانِ بِالشَّهَادَتَيْنِ بِالْعَرَبِيَّةِ فَإِنَّهُ يُتَرْجِمُ عَنْهَا؛ لِأَنَّ نَظْمَ الْقُرْآنِ مُعْجِزٌ (مُتَوَالِيَة) ؛ لِأَنَّهُ أَشْبَهَ الْفَاتِحَةَ (فَإِنْ عَجَزَ) عَنْ الْمُتَوَالِيَةِ (فَمُتَفَرِّقَةٌ) لِأَنَّهُ الْمَقْدُورُ (قُلْتُ: الْأَصَحُّ الْمَنْصُوصُ جَوَازُ الْمُتَفَرِّقَةِ) مِنْ سُورَةٍ أَوْ سُوَرٍ (مَعَ حِفْظِهِ مُتَوَالِيَةً، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ) كَمَا فِي قَضَاءِ رَمَضَانَ.
قَالَ فِي الرَّوْضَةِ: وَقَطَعَ بِهِ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَالْبَنْدَنِيجِيّ وَصَاحِبُ الْبَيَانِ وَاعْتَرَضَهُ فِي الْمُهِمَّاتِ بِأَنَّ مَنْ نَقَلَ عَنْهُ جَوَازَ كَوْنِهَا مِنْ سُورَةٍ أَوْ سُوَرٍ لَمْ يُصَرِّحْ بِالْجَوَازِ مَعَ حِفْظِ الْمُتَوَالِيَةِ بَلْ أَطْلَقَ فَيُمْكِنُ حَمْلُ إطْلَاقِهِ عَلَى مَا قَيَّدَهُ غَيْرُهُ اهـ. وَظَاهِرُ إطْلَاقِهِ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ تُفِيدَ الْمُتَفَرِّقَةُ مَعْنًى مَنْظُومًا أَمْ لَا كَثُمَّ نَظَرٌ.
قَالَ فِي الْمَجْمُوعِ وَالتَّنْقِيحِ: وَهُوَ الْمُخْتَارُ كَمَا أَطْلَقَهُ الْجُمْهُورُ لِإِطْلَاقِ الْأَخْبَارِ اهـ. وَاخْتَارَ الْإِمَامُ الْأَوَّلَ وَأَقَرَّهُ فِي الرَّوْضَةِ وَأَصْلِهَا.
قَالَ بَعْضُهُمْ: وَالثَّانِي هُوَ الْقِيَاسُ؛ لِأَنَّهُ كَمَا يَحْرُمُ قِرَاءَتُهَا عَلَى الْجُنُبِ فَكَذَلِكَ يُعْتَدُّ بِقِرَاءَتِهَا هَهُنَا، وَيَلْزَمُ الْإِمَامَ أَنَّهُ لَوْ كَانَ يَحْفَظُ أَوَائِلَ السُّوَرِ خَاصَّةً كَ " الم " وَ " الر " وَ " المر " وَ " طسم " أَنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ قِرَاءَتُهَا عِنْدَ مَنْ يَجْعَلُهَا أَوَائِلَ السُّوَرِ، وَهُوَ بَعِيدٌ؛ لِأَنَّا مُتَعَبِّدُونَ بِقِرَاءَتِهَا وَهِيَ قُرْآنٌ مُتَوَاتِرٌ اهـ. وَقَالَ الْأَذْرَعِيُّ: الْمُخْتَارُ مَا ذَكَرَهُ الْإِمَامُ، وَإِطْلَاقُهُمْ مَحْمُولٌ عَلَى الْغَالِبِ ثُمَّ مَا اخْتَارَهُ الشَّيْخُ: أَيْ الْمُصَنِّفُ إنَّمَا يَنْقَدِحُ إذَا لَمْ يُحْسِنْ غَيْرَ ذَلِكَ، أَمَّا مَعَ حِفْظِهِ مُتَوَالِيَةً أَوْ مُتَفَرِّقَةً مُنْتَظِمَةَ الْمَعْنَى فَلَا وَجْهَ لَهُ وَإِنْ شَمِلَهُ إطْلَاقُهُمْ اهـ. وَهَذَا يُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ جَمْعًا بَيْنَ الْكَلَامَيْنِ: وَهُوَ جَمْعٌ حَسَنٌ، وَمَنْ يُحْسِنُ بَعْضَ الْفَاتِحَةِ يَأْتِي بِهِ وَبِبَدَلِ الْبَاقِي إنْ أَحْسَنَهُ وَإِلَّا كَرَّرَهُ فِي الْأَصَحِّ، وَكَذَا مَنْ يُحْسِنُ بَعْضَ بَدَلِهَا مِنْ الْقُرْآنِ، وَيَجِبُ التَّرْتِيبُ بَيْنَ الْأَصْلِ وَالْبَدَلِ، فَإِنْ كَانَ يُحْسِنُ الْآيَةَ فِي أَوَّلِ الْفَاتِحَةِ أَتَى بِهَا ثُمَّ يَأْتِي بِالْبَدَلِ، وَإِنْ كَانَ آخِرَ الْفَاتِحَةِ أَتَى بِالْبَدَلِ ثُمَّ بِالْآيَةِ وَإِنْ كَانَ فِي وَسَطِهَا أَتَى بِبَدَلِ الْأَوَّلِ ثُمَّ قَرَأَ مَا فِي الْوَسَطِ ثُمَّ أَتَى بِبَدَلِ الْآخَرِ، فَإِنْ قِيلَ: كَانَ الْأَوْلَى لِلْمُصَنِّفِ أَنْ يُعَبِّرَ بِالْمُرَتَّبَةِ؛ لِأَنَّ الْمُوَالَاةَ تُذْكَرُ فِي مُقَابَلَةِ التَّفَرُّقِ، وَالْمُرَتَّبُ يُذْكَرُ فِي مُقَابَلَةِ الْقَلْبِ بِالتَّقْدِيمِ وَالتَّأْخِيرِ فَتَفْرِيقُ الْقِرَاءَةِ يُخِلُّ بِمُوَالَاتِهَا وَلَا يُخِلُّ بِتَرْتِيبِهَا وَقَدْ يَأْتِي بِالْقِرَاءَةِ مُتَوَالِيَةً لَكِنْ لَا مَعَ تَرْتِيبِهَا.
أُجِيبَ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِالْمُتَوَالِيَةِ التَّوَالِي عَلَى تَرْتِيبِ الْمُصْحَفِ فَيُسْتَفَادُ التَّرْتِيبُ مَعَ التَّوَالِي جَمِيعًا بِخِلَافِ مَا لَوْ عَبَّرَ بِالْمَرْتَبَةِ فَإِنَّهُ لَا يُسْتَفَادُ مِنْهَا التَّوَالِي.

(فَإِنْ عَجَزَ) عَنْ الْقُرْآنِ (أَتَى بِذِكْرٍ) غَيْرِهِ لِمَا رَوَى أَبُو دَاوُد وَغَيْرُهُ «أَنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إنِّي لَا أَسْتَطِيعُ أَنْ آخُذَ مِنْ الْقُرْآنِ شَيْئًا فَعَلِّمْنِي مَا يُجْزِينِي عَنْهُ فَقَالَ: قُلْ سُبْحَانَ اللَّهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ وَلَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَاَللَّهُ أَكْبَرُ وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاَللَّهِ» ثُمَّ قِيلَ: يَتَعَيَّنُ هَذَا الذِّكْرُ وَيُضِيفُ إلَيْهِ كَلِمَتَيْنِ: أَيْ نَوْعَيْنِ آخَرَيْنِ مِنْ الذِّكْرِ نَحْوَ: مَا شَاءَ اللَّهُ كَانَ وَمَا لَمْ يَشَأْ لَمْ يَكُنْ لِتَصِيرَ السَّبْعَةُ أَنْوَاعٍ مَقَامَ سَبْعِ آيَاتٍ، وَجَرَى عَلَى ذَلِكَ فِي التَّنْبِيهِ.
وَقِيلَ:

وَلَا يَجُوزُ نَقْصُ حُرُوفِ الْبَدَلِ عَنْ الْفَاتِحَةِ فِي الْأَصَحِّ.

فَإِنْ لَمْ يُحْسِنْ شَيْئًا وَقَفَ قَدْرَ الْفَاتِحَةِ.

وَيُسَنُّ عَقِبَ الْفَاتِحَةِ آمِينَ

[مغني المحتاج]

تَكْفِي هَذِهِ الْخَمْسَةُ أَنْوَاعٍ لِذِكْرِهَا فِي الْحَدِيثِ وَسُكُوتِهِ عَلَيْهَا، وَرُدَّ بِأَنَّ سُكُوتَهُ لَا يَنْفِي الزِّيَادَةَ عَلَيْهَا وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ لَا يَتَعَيَّنُ شَيْءٌ مِنْ الذِّكْرِ؛ لِأَنَّ الْقُرْآنَ بَدَلٌ عَنْ الْفَاتِحَةِ وَالذِّكْرَ بَدَلٌ عَنْ الْقُرْآنِ وَغَيْرَ الْفَاتِحَةِ مِنْ الْقُرْآنِ لَا يَتَعَيَّنُ فَكَذَلِكَ هُوَ بَلْ يَجِبُ أَنْ يَأْتِيَ بِسَبْعَةِ أَنْوَاعٍ مِنْ أَيْ ذِكْرٍ كَانَ.
إمَّا الْمَذْكُورُ أَوْ غَيْرُهُ لِيَقُومَ كُلُّ نَوْعٍ مَقَامَ آيَةٍ، وَأَمْرُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِلْأَعْرَابِيِّ بِالذِّكْرِ الْمَخْصُوصِ يَحْتَمِلُ أَنَّهُ كَانَ يَحْفَظُهُ وَلَا يَحْفَظُ مَا سِوَاهُ قَالَ الْإِمَامُ: وَالْأَشْبَهُ إجْزَاءُ دُعَاءٍ يَتَعَلَّقُ بِالْآخِرَةِ دُونَ الدُّنْيَا وَرَجَّحَهُ فِي الْمَجْمُوعِ وَالتَّحْقِيقِ، قَالَ الْإِمَامُ: فَإِنْ لَمْ يَعْرِفْ غَيْرَ مَا يَتَعَلَّقُ بِالدُّنْيَا أَتَى بِهِ وَأَجْزَأَهُ، وَهَذَا هُوَ الْمُعْتَمَدُ، وَإِنْ نَازَعَ فِي ذَلِكَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ كَالْإِمَامِ السُّبْكِيُّ.

(وَلَا يَجُوزُ نَقْصُ حُرُوفِ الْبَدَلِ) مِنْ قُرْآنٍ أَوْ غَيْرِهِ (عَنْ) حُرُوفِ (الْفَاتِحَةِ فِي الْأَصَحِّ) كَمَا لَا يَجُوزُ النَّقْصُ عَنْ آيَاتِهَا، وَحُرُوفُهَا مِائَةٌ وَسِتَّةٌ وَخَمْسُونَ حَرْفًا بِالْبَسْمَلَةِ، وَبِقِرَاءَةِ مَالِكٍ بِالْأَلِفِ.
قَالَ فِي الْكِفَايَةِ: وَيُعَدُّ الْحَرْفُ الْمُشَدَّدُ مِنْ الْفَاتِحَةِ بِحَرْفَيْنِ مِنْ الذِّكْرِ وَلَا يُرَاعَى فِي الذِّكْرِ التَّشْدِيدُ، وَالْمُرَادُ أَنَّ الْمَجْمُوعَ لَا يَنْقُصُ عَنْ الْمَجْمُوعِ لَا أَنَّ كُلَّ آيَةٍ أَوْ نَوْعٍ مِنْ الذِّكْرِ، وَالدُّعَاءُ مِنْ الْبَدَلِ قَدْرُ آيَةٍ مِنْ الْفَاتِحَةِ.
وَالثَّانِي: يَجُوزُ سَبْعُ آيَاتٍ أَوْ سَبْعَةُ أَذْكَارٍ أَقَلُّ مِنْ حُرُوفِ الْفَاتِحَةِ كَمَا يَجُوزُ صَوْمُ يَوْمٍ قَصِيرٍ قَضَاءً عَنْ صَوْمِ يَوْمٍ طَوِيلٍ، وَدَفَعَ بِأَنَّ الصَّوْمَ يَخْتَلِفُ زَمَانُهُ طُولًا وَقِصَرًا فَلَمْ يُعْتَبَرُ فِي قَضَائِهِ مُسَاوَاةٌ، بِخِلَافِ الْفَاتِحَةِ لَا تَخْتَلِفُ، فَاعْتُبِرَ فِي بَدَلِهَا الْمُسَاوَاةُ.
قَالَ ابْنُ الْأُسْتَاذِ: قَطَعُوا بِاعْتِبَارِ سَبْعَ آيَاتٍ، وَاخْتَلَفُوا فِي عَدَدِ الْحُرُوفِ، وَالْحُرُوفُ هِيَ الْمَقْصُودُ؛ لِأَنَّ الثَّوَابَ عَلَيْهَا اهـ وَلَا يُشْتَرَطُ فِي الذِّكْرِ وَالدُّعَاءِ أَنْ يَقْصِدَ بِهِمَا الْبَدَلِيَّةَ، بَلْ الشَّرْطُ أَنْ لَا يَقْصِدَ بِهِمَا غَيْرَهَا.

(فَإِنْ لَمْ يُحْسِنْ شَيْئًا) بِأَنْ عَجَزَ عَنْ ذَلِكَ كُلِّهِ حَتَّى عَنْ تَرْجَمَةِ الذِّكْرِ وَالدُّعَاءِ (وَوَقَفَ) وُجُوبًا (قَدْرَ الْفَاتِحَةِ) فِي ظَنِّهِ؛ لِأَنَّهُ وَاجِبٌ فِي نَفْسِهِ.
قَالَ ابْنُ النَّقِيبِ: وَهَلْ يُنْدَبُ أَنْ يَزِيدَ فِي الْقِيَامِ قَدْرَ سُورَةٍ؟ لَمْ أَرَ مَنْ ذَكَرَهُ، وَفِيهِ نَظَرٌ اهـ وَيَنْبَغِي أَنْ يَزِيدَ ذَلِكَ.
وَلَمَّا كَانَ لِلْفَاتِحَةِ سُنَّتَانِ سَابِقَتَانِ وَهُمَا دُعَاءُ الِافْتِتَاحِ وَالتَّعَوُّذُ، وَسُنَّتَانِ لَاحِقَتَانِ وَهُمَا التَّأْمِينُ وَقِرَاءَةُ السُّورَةِ، وَقَدْ فَرَغَ مِنْ ذِكْرِ الْأُولَيَيْنِ شَرَعَ فِي ذِكْرِ الْأَخِيرَتَيْنِ.

فَقَالَ: (وَيُسَنُّ عَقِبَ الْفَاتِحَةِ) بَعْدَ سَكْتَةٍ لَطِيفَةٍ (آمِينَ) سَوَاءٌ أَكَانَ فِي صَلَاةٍ أَمْ لَا؟ ، وَلَكِنْ فِي الصَّلَاةِ أَشَدُّ اسْتِحْبَابًا لِمَا رَوَى أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَغَيْرُهُمَا عَنْ وَائِلِ بْنِ حُجْرٍ قَالَ: «صَلَّيْتُ خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَلَمَّا قَالَ: - وَلَا الضَّالِّينَ - قَالَ: - آمِينَ - وَمَدَّ بِهَا صَوْتَهُ» . وَرَوَى الْبُخَارِيُّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ " إذَا قَالَ الْإِمَامُ: وَلَا الضَّالِّينَ، فَقُولُوا آمِينَ فَإِنَّ مَنْ وَافَقَ قَوْلُهُ قَوْلَ الْمَلَائِكَةِ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ " وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِالْعَقِبِ هُنَا أَنْ يَصِلَ التَّأْمِينَ بِهَا كَمَا يُعْلَمُ مِمَّا قَدَّرْتُهُ، وَإِنَّمَا فَصَلَ بَيْنَهُمَا بِذَلِكَ لِيَتَمَيَّزَ عَنْ الْقِرَاءَةِ وَلَا يَفُوتُ التَّأْمِينُ إلَّا بِالشُّرُوعِ فِي غَيْرِهِ عَلَى الْأَصَحِّ كَمَا فِي الْمَجْمُوعِ، وَقِيلَ: بِالرُّكُوعِ، وَاخْتَصَّ بِالْفَاتِحَةِ؛ لِأَنَّ نِصْفَهَا دُعَاءٌ فَاسْتُحِبَّ أَنْ يَسْأَلَ اللَّهَ - تَعَالَى - إجَابَتَهُ، وَلَا

خَفِيفَةُ الْمِيمِ بِالْمَدِّ، وَيَجُوزُ الْقَصْرُ

وَيُؤَمِّنُ مَعَ تَأْمِينِ إمَامِهِ

وَيَجْهَرُ بِهِ فِي الْأَظْهَرِ.

[مغني المحتاج]

يُسَنُّ عَقِبَ بَدَلِ الْفَاتِحَةِ مِنْ قِرَاءَةٍ وَلَا ذِكْرٍ كَمَا هُوَ مُقْتَضَى كَلَامِهِمْ، وَقَالَ الْغَزِّيُّ (1) : يَنْبَغِي أَنْ يُقَالَ: إنْ تَضَمَّنَ ذَلِكَ دُعَاءً اُسْتُحِبَّ وَمَا بَحَثَهُ صَرَّحَ بِهِ الرُّويَانِيُّ.
فَائِدَةٌ: رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا - مَرْفُوعًا «حَسَدَنَا الْيَهُودُ عَلَى الْقِبْلَةِ الَّتِي هُدِينَا إلَيْهَا وَضَلُّوا عَنْهَا، وَعَلَى الْجُمُعَةِ، وَعَلَى قَوْلِنَا خَلْفَ الْإِمَامِ: آمِينَ» وَيَجُوزُ فِي عَقِبِ ضَمُّ الْعَيْنِ وَإِسْكَانِ الْقَافِ.
وَأَمَّا قَوْلُ كَثِيرٍ مِنْ النَّاسِ عَقِيبَ بِيَاءٍ بَعْدَ الْقَافِ، فَهِيَ لُغَةٌ قَلِيلَةٌ، وَآمِينَ: اسْمُ فِعْلٍ بِمَعْنَى اسْتَجِبْ، وَهِيَ مَبْنِيَّةٌ عَلَى الْفَتْحِ مِثْلَ كَيْفَ وَأَيْنَ (خَفِيفَةُ الْمِيمِ بِالْمَدِّ) هَذِهِ هِيَ اللُّغَةُ الْمَشْهُورَةُ الْفَصِيحَةُ.
قَالَ الشَّاعِرُ: [الْبَسِيطُ] آمِينَ آمِينَ لَا أَرْضَى بِوَاحِدَةٍ ... حَتَّى أُبَلِّغَهَا أَلْفَيْنِ آمِينَا (وَيَجُوزُ الْقَصْرُ) ؛ لِأَنَّهُ لَا يُخِلُّ بِالْمَعْنَى، وَحَكَى الْوَاحِدِيُّ مَعَ الْمَدِّ لُغَةً ثَالِثَةً، وَهِيَ الْإِمَالَةُ، وَحُكِيَ التَّشْدِيدُ مَعَ الْقَصْرِ وَالْمَدِّ: أَيْ قَاصِدِينَ إلَيْكَ وَأَنْتَ أَكْرَمُ أَنْ لَا تُخَيِّبَ مَنْ قَصْدَكَ وَهُوَ لَحْنٌ، بَلْ قِيلَ: إنَّهُ شَاذٌّ مُنْكَرٌ، وَلَا تَبْطُلُ بِهِ الصَّلَاةُ لِقَصْدِهِ الدُّعَاءَ بِهِ كَمَا صَحَّحَهُ فِي الْمَجْمُوعِ.
قَالَ فِي الْأُمِّ: وَلَوْ قَالَ: آمِينَ رَبَّ الْعَالَمِينَ وَغَيْرَ ذَلِكَ مِنْ الذِّكْرِ كَانَ حَسَنًا.

(وَيُؤَمِّنُ مَعَ تَأْمِينِ إمَامِهِ) لَا قَبْلَهُ وَلَا بَعْدَهُ لِخَبَرِ «إذَا أَمَّنَ الْإِمَامُ فَأَمِّنُوا فَإِنَّهُ مَنْ وَافَقَ تَأْمِينُهُ تَأْمِينَ الْمَلَائِكَةِ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ» (2) وَخَبَرِ «إذَا قَالَ أَحَدُكُمْ آمِينَ وَقَالَتْ الْمَلَائِكَةُ فِي السَّمَاءِ آمِينَ فَوَافَقَتْ إحْدَاهُمَا الْأُخْرَى غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ» رَوَاهُمَا الشَّيْخَانِ، وَلَيْسَ لَنَا مَا تُسْتَحَبُّ فِيهِ مُقَارَنَةُ الْإِمَامِ سِوَى هَذِهِ؛ لِأَنَّ التَّأْمِينَ لِلْقِرَاءَةِ لَا لِلتَّأْمِينِ وَقَدْ فَرَغَ مِنْهَا، وَبِذَلِكَ عُلِمَ أَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ: إذَا أَمَّنَ الْإِمَامُ إذَا أَرَادَ التَّأْمِينَ، وَمَعْنَى مُوَافَقَةِ الْمَلَائِكَةِ أَنْ يُوَافِقَهُمْ فِي الزَّمَنِ، وَقِيلَ فِي الصِّفَاتِ مِنْ الْإِخْلَاصِ وَغَيْرِهِ، وَالْمُرَادُ بِالْمَلَائِكَةِ هُنَا الْحَفَظَةُ، وَقِيلَ غَيْرُهُمْ، لِخَبَرِ «فَوَافَقَ قَوْلُهُ قَوْلَ أَهْلِ السَّمَاءِ» . وَأَجَابَ الْأَوَّلُ بِأَنَّهُ إذَا قَالَهَا الْحَفَظَةُ قَالَهَا مَنْ فَوْقَهُمْ حَتَّى يَنْتَهِيَ إلَى أَهْلِ السَّمَاءِ.
قَالَ شَيْخُنَا: وَلَوْ قِيلَ بِأَنَّهُمْ الْحَفَظَةُ وَسَائِرُ الْمَلَائِكَةِ لَكَانَ أَقْرَبَ، فَإِنْ لَمْ تَتَّفِقْ مُوَافَقَتُهُ أَمَّنَ عَقِبَهُ، فَإِنْ لَمْ يُؤَمِّنْ الْإِمَامُ أَوْ لَمْ يَسْمَعْهُ أَوْ لَمْ يَدْرِ هَلْ أَمَّنَ أَوْ لَا؟ أَمَّنَ هُوَ، وَلَوْ أَخَّرَ الْإِمَامُ التَّأْمِينَ عَنْ وَقْتِهِ الْمَنْدُوبِ أَمَّنَ الْمَأْمُومُ.
قَالَ فِي الْمَجْمُوعِ: وَلَوْ قَرَأَ مَعَهُ وَفَرَغَا مَعًا كَفَى تَأْمِينُ وَاحِدٍ، أَوْ فَرَغَ قَبْلَهُ قَالَ الْبَغَوِيّ: يَنْتَظِرُهُ، وَالْمُخْتَارُ أَوْ الصَّوَابُ أَنَّهُ يُؤَمِّنُ لِنَفْسِهِ ثُمَّ لِلْمُتَابَعَةِ.

(وَيَجْهَرُ بِهِ) الْمَأْمُومُ فِي الْجَهْرِيَّةِ (فِي الْأَظْهَرِ) تَبَعًا لِإِمَامِهِ لِلِاتِّبَاعِ رَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ وَغَيْرُهُ

وَتُسَنُّ سُورَةٌ بَعْدَ الْفَاتِحَةِ إلَّا فِي الثَّالِثَةِ وَالرَّابِعَةِ فِي الْأَظْهَرِ.

[مغني المحتاج]

وَصَحَّحُوهُ مَعَ خَبَرِ «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي» وَالثَّانِي يُسِرُّ كَسَائِرِ أَذْكَارِهِ، وَقِيلَ: إنْ كَثُرَ الْجَمْعُ جَهَرَ وَإِلَّا فَلَا.
أَمَّا الْإِمَامُ وَالْمُنْفَرِدُ فَيَجْهَرَانِ قَطْعًا، وَقِيلَ فِيهِمَا وَجْهٌ شَاذٌّ، وَأَمَّا السِّرِّيَّةُ فَيُسِرُّونَ فِيهَا جَمِيعُهُمْ كَالْقِرَاءَةِ، قَالَ فِي الْمَجْمُوعِ: وَمَحَلُّ الْخِلَافِ إذَا أَمَّنَ الْإِمَامُ فَإِنْ لَمْ يُؤَمِّنْ اُسْتُحِبَّ لِلْمَأْمُومِ التَّأْمِينُ جَهْرًا قَطْعًا لِيَسْمَعَهُ الْإِمَامُ فَيَأْتِيَ بِهِ اهـ. وَجَهْرُ الْأُنْثَى وَالْخُنْثَى بِالتَّأْمِينِ كَجَهْرِهِمَا بِالْقِرَاءَةِ، وَسَيَأْتِي.

فَائِدَةٌ: يَجْهَرُ الْمَأْمُومُ خَلْفَ الْإِمَامِ فِي خَمْسَةِ مَوَاضِعَ: أَرْبَعَةُ مَوَاضِعَ تَأْمِينٍ، يُؤَمِّنُ مَعَ تَأْمِينِ الْإِمَامِ، وَفِي دُعَائِهِ فِي قُنُوتِ الصُّبْحِ، وَفِي قُنُوتِ الْوِتْرِ فِي النِّصْفِ الثَّانِي مِنْ رَمَضَانَ، وَفِي قُنُوتِ النَّازِلَةِ فِي الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ، وَإِذَا فَتَحَ عَلَيْهِ.

(وَتُسَنُّ) لِلْإِمَامِ وَالْمُنْفَرِدِ (سُورَةٌ) يَقْرَؤُهَا فِي الصَّلَاةِ (بَعْدَ الْفَاتِحَةِ) وَلَوْ كَانَتْ الصَّلَاةُ سِرِّيَّةً (إلَّا فِي الثَّالِثَةِ) مِنْ الْمَغْرِبِ وَغَيْرِهَا (وَالرَّابِعَةِ) مِنْ الرُّبَاعِيَّةِ (فِي الْأَظْهَرِ) لِلِاتِّبَاعِ فِي الشِّقَّيْنِ رَوَاهُ الشَّيْخَانِ، وَمُقَابِلُ الْأَظْهَرِ دَلِيلُهُ الِاتِّبَاعُ فِي حَدِيثِ مُسْلِمٍ، وَالِاتِّبَاعَانِ فِي الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ، وَيُقَاسُ عَلَيْهِمَا غَيْرُهُمَا، وَالسُّورَةُ عَلَى الثَّانِي أَقْصَرُ كَمَا اشْتَمَلَ عَلَيْهِ الْحَدِيثُ، وَسَيَأْتِي آخِرَ الْبَابِ سُنَّ تَطْوِيلُ قِرَاءَةِ الْأُولَى عَلَى الثَّانِيَةِ فِي الْأَصَحِّ، وَكَذَا الثَّالِثَةُ عَلَى الرَّابِعَةِ عَلَى الثَّانِي.
قَالَ الشَّارِحُ: ثُمَّ فِي تَرْجِيحِهِمْ الْأَوَّلَ تَقْدِيمٌ لِدَلِيلِهِ النَّافِي عَلَى دَلِيلِ الثَّانِي الْمُثْبِتُ عَكْسَ الرَّاجِحِ فِي الْأُصُولِ لِمَا قَامَ عِنْدَهُمْ فِي ذَلِكَ اهـ. وَيَظْهَرُ أَنَّهُمْ إنَّمَا قَدَّمُوهُ لِتَقْوِيَتِهِ بِحَدِيثِ الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَبِي قَتَادَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقْرَأُ فِي الظُّهْرِ بِالْأُولَيَيْنِ بِأُمِّ الْكِتَابِ وَسُورَتَيْنِ، وَفِي الرَّكْعَتَيْنِ الْأَخِيرَتَيْنِ بِأُمِّ الْكِتَابِ وَيُسْمِعُنَا الْآيَةَ أَحْيَانًا، وَيُطَوِّلُ فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى مَا لَا يُطَوِّلُ فِي الثَّانِيَةِ، وَكَذَا فِي الْعَصْرِ وَهَكَذَا فِي الصُّبْحِ» (1) اهـ. وَإِنَّمَا لَمْ تَجِبْ السُّورَةُ لِحَدِيثِ «أُمُّ الْقُرْآنِ عِوَضٌ مِنْ غَيْرِهَا، وَلَيْسَ غَيْرُهَا عِوَضًا مِنْهَا» رَوَاهُ الْحَاكِمُ، وَقَالَ: إنَّهُ عَلَى شَرْطِهِمَا، وَخَرَجَ بِقَوْلِهِ بَعْدَ الْفَاتِحَةِ مَا لَوْ قَرَأَهَا قَبْلَهَا أَوْ كَرَّرَ الْفَاتِحَةَ، فَإِنَّهُ لَا يُجْزِئُهُ؛ لِأَنَّهُ خِلَافُ مَا وَرَدَ فِي السُّنَّةِ، وَلِأَنَّ الشَّيْءَ الْوَاحِدَ لَا يُؤَدَّى بِهِ فَرْضٌ وَنَفْلٌ فِي مَحَلٍّ وَاحِدٍ، نَعَمْ لَوْ لَمْ يُحْسِنْ غَيْرَ الْفَاتِحَةِ وَأَعَادَهَا يَتَّجِهُ كَمَا قَالَ الْأَذْرَعِيُّ الْإِجْزَاءُ، وَيُحْمَلُ كَلَامُهُمْ عَلَى الْغَالِبِ، وَيَحْصُلُ أَصْلُ السُّنَّةِ بِقِرَاءَةِ شَيْءٍ مِنْ الْقُرْآنِ وَلَوْ آيَةً، وَالْأَوْلَى ثَلَاثُ آيَاتٍ لِتَكُونَ قَدْرَ أَقْصَرِ سُورَةٍ، وَالسُّورَةُ الْكَامِلَةُ أَفْضَلُ مِنْ قَدْرِهَا مِنْ طَوِيلَةٍ؛ لِأَنَّ الِابْتِدَاءَ بِهَا وَالْوَقْفَ عَلَى آخِرِهَا صَحِيحَانِ بِالْقَطْعِ بِخِلَافِهِمَا فِي بَعْضِ السُّورَةِ فَإِنَّهُمَا يَخْفَيَانِ، وَمَحَلُّهُ فِي غَيْرِ التَّرَاوِيحِ.
أَمَّا فِيهَا فَقِرَاءَةُ بَعْضِ الطَّوِيلَةِ أَفْضَلُ كَمَا أَفْتَى بِهِ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَغَيْرُهُ، وَعَلَّلُوهُ بِأَنَّ السُّنَّةَ فِيهَا الْقِيَامُ بِجَمِيعِ الْقُرْآنِ، وَعَلَيْهِ فَلَا يَخْتَصُّ ذَلِكَ بِالتَّرَاوِيحِ، بَلْ كُلُّ مَحَلٍّ وَرَدَ فِيهِ الْأَمْرُ بِالْبَعْضِ فَالِاقْتِصَارُ عَلَيْهِ أَفْضَلُ كَقِرَاءَةِ آيَتَيْ الْبَقَرَةِ

قُلْتُ: فَإِنْ سَبَقَ بِهِمَا قَرَأَهَا فِيهِمَا عَلَى النَّصِّ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

وَلَا سُورَةَ لِلْمَأْمُومِ، بَلْ يَسْتَمِعُ

فَإِنْ بَعُدَ أَوْ كَانَتْ سِرِّيَّةً قَرَأَ فِي الْأَصَحِّ.

[مغني المحتاج]

وَآلِ عِمْرَانَ فِي رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ (قُلْتُ: فَإِنْ سَبَقَ بِهِمَا) أَيْ بِالثَّالِثَةِ وَالرَّابِعَةِ مِنْ صَلَاةِ نَفْسِهِ؛ لِأَنَّ مَا يُدْرِكُهُ الْمَسْبُوقُ هُوَ أَوَّلُ صَلَاتِهِ (قَرَأَهَا فِيهِمَا) حِينَ تَدَارَكَهُمَا (عَلَى النَّصِّ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ) لِئَلَّا تَخْلُوَ صَلَاتُهُ مِنْ سُورَتَيْنِ، وَقِيلَ: لَا كَمَا لَا يَجْهَرُ فِيهِمَا عَلَى الْمَشْهُورِ، وَفَرَّقَ الْأَوَّلُ بِأَنَّ السُّنَّةَ فِي آخِرِ الصَّلَاةِ الْإِسْرَارُ بِخِلَافِ الْقِرَاءَةِ فَإِنَّهُ لَا يُقَالُ إنَّهُ يُسَنُّ تَرْكُهَا، بَلْ لَا يُسَنُّ فِعْلُهَا، وَأَيْضًا الْقِرَاءَةُ سُنَّةٌ مُسْتَقِلَّةٌ، وَالْجَهْرُ صِفَةٌ لِلْقِرَاءَةِ فَكَانَتْ أَحَقَّ، وَإِنَّمَا قَدَّرْت الثَّالِثَةَ وَالرَّابِعَةَ لَا الْأُولَتَيْنِ، وَإِنْ كَانَ صَحِيحًا أَيْضًا لِاتِّحَادِ الضَّمِيرَيْنِ، ثُمَّ مَحَلُّ مَا تَقَرَّرَ عَلَى الْأَوَّلِ كَمَا أَفْهَمَهُ التَّعْلِيلُ إذَا لَمْ يَقْرَأْ السُّورَةَ فِي أُولَيَيْهِ، فَإِنْ قَرَأَهَا فِيهِمَا لِسُرْعَةِ قِرَاءَتِهِ وَبُطْءِ قِرَاءَةِ إمَامِهِ أَوْ لِكَوْنِ الْإِمَامِ قَرَأَهَا فِيهِمَا لَمْ يُسَنَّ لَهُ قِرَاءَتُهَا فِي الْأَخِيرَتَيْنِ، وَلَوْ سَقَطَتْ قِرَاءَتُهَا عَنْهُ لِكَوْنِهِ مَسْبُوقًا أَوْ بَطِيءَ الْحَرَكَةِ فَلَا يَقْرَؤُهَا فِي الْأَخِيرَتَيْنِ، وَيُسْتَثْنَى مِنْ ذَلِكَ فَاقِدُ الطَّهُورَيْنِ إذَا كَانَ عَلَيْهِ حَدَثٌ أَكْبَرُ فَلَا يَجُوزُ لَهُ قِرَاءَةُ السُّورَةِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي التَّيَمُّمِ.

(وَلَا سُورَةَ لِلْمَأْمُومِ) فِي جَهْرِيَّةٍ (بَلْ يَسْتَمِعُ) لِقِرَاءَةِ إمَامِهِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ﴾ [الأعراف: 204] [الْأَعْرَافُ] الْآيَةَ، وَقَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إذَا كُنْتُمْ خَلْفِي فَلَا تَقْرَءُوا إلَّا بِأُمِّ الْقُرْآنِ» حَسَنٌ صَحِيحٌ، وَالِاسْتِمَاعُ مُسْتَحَبٌّ، وَقِيلَ وَاجِبٌ، وَجَزَمَ بِهِ الْفَارِقِيُّ (1) فِي فَوَائِدِ الْمُهَذَّبِ.

(فَإِنْ) لَمْ يَسْمَعْ قِرَاءَتَهُ كَأَنْ (بَعُدَ) الْمَأْمُومُ عَنْهُ أَوْ كَانَ بِهِ صَمَمٌ أَوْ سَمِعَ صَوْتًا لَا يَفْهَمُهُ كَمَا قَالَهُ الْمُصَنِّفُ فِي أَذْكَارِهِ (أَوْ كَانَتْ) الصَّلَاةُ (سِرِّيَّةً) وَلَمْ يَجْهَرْ الْإِمَامُ فِيهَا أَوْ جَهْرِيَّةً، وَأَسَرَّ فِيهَا (قَرَأَ) الْمَأْمُومُ السُّورَةَ (فِي الْأَصَحِّ) إذْ لَا مَعْنَى لِسُكُوتِهِ.
أَمَّا إذَا جَهَرَ الْإِمَامُ فِي السَّرِيَّةِ فَإِنَّ الْمَأْمُومَ يَسْتَمِعُ لِقِرَاءَتِهِ كَمَا صَرَّحَ فِي الْمَجْمُوعِ اعْتِبَارًا بِفِعْلِ الْإِمَامِ، وَصَحَّحَ الرَّافِعِيُّ فِي الشَّرْحِ الصَّغِيرِ: اعْتِبَارَ الْمَشْرُوعِ فِي الْفَاتِحَةِ، فَعَلَى هَذَا يَقْرَأُ الْمَأْمُومُ فِي السِّرِّيَّةِ مُطْلَقًا وَلَا يَقْرَأُ فِي الْجَهْرِيَّةِ مُطْلَقًا، وَمُقَابِلُ الْأَصَحِّ لَا يَقْرَأُ مُطْلَقًا لِإِطْلَاقِ النَّهْيِ.

فُرُوعٌ: يُسْتَحَبُّ لِلْإِمَامِ، وَالْمُنْفَرِدِ الْجَهْرُ فِي الصُّبْحِ وَالْأُولَيَيْنِ مِنْ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ، وَلِلْإِمَامِ فِي الْجُمُعَةِ لِلِاتِّبَاعِ وَالْإِجْمَاعِ فِي الْإِمَامِ وَلِلْقِيَاسِ عَلَيْهِ فِي الْمُنْفَرِدِ، وَيُسِرُّ كُلٌّ مِنْهُمَا فِيمَا عَدَا ذَلِكَ، هَذَا فِي الْمُؤَدَّاةِ، وَأَمَّا الْمَقْضِيَّةُ فَيُجْهَرُ فِيهَا مِنْ مَغِيبِ الشَّمْسِ إلَى طُلُوعِهَا، وَيُسِرُّ مِنْ طُلُوعِهَا إلَى غُرُوبِهَا، وَيَسْتَثْنِي كَمَا قَالَ الْإِسْنَوِيُّ صَلَاةُ الْعِيدِ فَإِنَّهُ يَجْهَرُ فِي قَضَائِهَا كَمَا يَجْهَرُ فِي أَدَائِهَا، هَذَا كُلُّهُ فِي حَقِّ الذَّكَرِ.

أَمَّا الْأُنْثَى وَالْخُنْثَى فَيَجْهَرَانِ حَيْثُ لَا يَسْمَعُ أَجْنَبِيٌّ، وَيَكُونُ جَهْرُهُمَا دُونَ جَهْرِ الذَّكَرِ، فَإِنْ كَانَ يَسْمَعُهُمَا أَجْنَبِيٌّ أَسَرَّا، فَإِنْ جَهَرَا لَمْ تَبْطُلْ

وَيُسَنُّ لِلصُّبْحِ وَالظُّهْرِ طِوَالُ الْمُفَصَّلِ، وَلِلْعَصْرِ وَالْعِشَاءِ أَوْسَاطَهُ، وَلِلْمَغْرِبِ قِصَارُهُ.

[مغني المحتاج]

صَلَاتُهُمَا، وَوَقَعَ فِي الْمَجْمُوعِ وَالتَّحْقِيقِ أَنَّ الْخُنْثَى يُسِرُّ بِحَضْرَةِ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ.
قَالَ فِي الْمُهِمَّاتِ: وَهُوَ مَرْدُودٌ - أَيْ لِأَنَّهُ بِحَضْرَةِ النِّسَاءِ - إمَّا ذَكَرٌ أَوْ أُنْثَى، وَفِي الْحَالَيْنِ يُسَنُّ لَهُ الْجَهْرُ، وَيُمْكِنُ حَمْلُ كَلَامِهِمَا عَلَى أَنَّهُ يُسِرُّ إذَا اجْتَمَعَ الرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ وَهُوَ صَحِيحٌ، وَأَمَّا النَّوَافِلُ غَيْرُ الْمُطْلَقَةِ فَيَجْهَرُ فِي صَلَاةِ الْعِيدَيْنِ وَخُسُوفِ الْقَمَرِ وَالِاسْتِسْقَاءِ وَالتَّرَاوِيحِ وَالْوِتْرِ فِي رَمَضَانَ وَرَكْعَتَيْ الطَّوَافِ إذَا صَلَّاهُمَا لَيْلًا، وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهَا فِي أَبْوَابِهَا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَيُسِرُّ فِيمَا عَدَا ذَلِكَ.

وَأَمَّا النَّوَافِلُ الْمُطْلَقَةُ فَيُسِرُّ فِيهَا نَهَارًا وَيَتَوَسَّطُ فِيهَا لَيْلًا بَيْنَ الْإِسْرَارِ وَالْجَهْرِ إنْ لَمْ يُشَوِّشْ عَلَى نَائِمٍ أَوْ مُصَلٍّ أَوْ نَحْوَهُ وَإِلَّا فَالسُّنَّةُ الْإِسْرَارُ، فَقَدْ نَقَلَ فِي الْمَجْمُوعِ عَنْ الْعُلَمَاءِ أَنَّ مَحَلَّ فَضِيلَةِ رَفْعِ الصَّوْتِ بِقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ إذَا لَمْ يَخَفْ رِيَاءً وَلَمْ يَتَأَذَّ بِهِ أَحَدٌ، وَإِلَّا فَالْإِسْرَارُ أَفْضَلُ، وَهَذَا جَمْعٌ بَيْنَ الْأَخْبَارِ الْمُقْتَضِيَةِ لِأَفْضَلِيَّةِ الْإِسْرَارِ، وَالْأَخْبَارِ الْمُقْتَضِيَةِ لِأَفْضَلِيَّةِ الرَّفْعِ اهـ. وَيُقَاسُ عَلَى ذَلِكَ مَنْ يَجْهَرُ بِالذِّكْرِ أَوْ الْقِرَاءَةِ بِحَضْرَةِ مَنْ يُطَالِعُ أَوْ يَدْرِسُ أَوْ يُصَنِّفُ كَمَا أَفْتَى بِهِ شَيْخِي قَالَ: وَلَا يَخْفَى أَنَّ الْحُكْمَ عَلَى كُلٍّ مِنْ الْإِسْرَارِ وَالْجَهْرِ بِكَوْنِهِ سُنَّةً مِنْ حَيْثُ ذَاتُهُ، وَاخْتَلَفُوا فِي التَّوَسُّطِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ، يُعْرَفُ بِالْقَايِسَةِ بَيْنَ الْجَهْرِ وَالْإِسْرَارِ كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ﴾ [الإسراء: 110] الْآيَةَ.
وَقَالَ بَعْضٌ آخَرُ: يَجْهَرُ تَارَةً وَيُسِرُّ أُخْرَى كَمَا وَرَدَ فِي فِعْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي صَلَاةِ اللَّيْلِ، وَالْأَوَّلُ أَوْلَى.

وَيُنْدَبُ لِلْإِمَامِ أَنْ يَسْكُتَ بَعْدَ تَأْمِينِهِ فِي الْجَهْرِيَّةِ قَدْرَ قِرَاءَةِ الْمَأْمُومِ الْفَاتِحَةَ، وَيَشْتَغِلُ حِينَئِذٍ بِذِكْرٍ أَوْ دُعَاءٍ أَوْ قِرَاءَةٍ سِرًّا، جَزَمَ بِهِ فِي الْمَجْمُوعِ، وَالْقِرَاءَةُ أَوْلَى.

فَائِدَةٌ السَّكَتَاتُ الْمَنْدُوبَةُ فِي الصَّلَاةِ أَرْبَعَةٌ: سَكْتَةٌ بَعْدَ تَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ يَفْتَتِحُ فِيهَا، وَسَكْتَةٌ بَيْنَ وَلَا الضَّالِّينَ وَآمِينَ، وَسَكْتَةٌ لِلْإِمَامِ بَيْنَ التَّأْمِينِ فِي الْجَهْرِيَّةِ وَبَيْنَ قِرَاءَةِ السُّورَةِ بِقَدْرِ قِرَاءَةِ الْمَأْمُومِ الْفَاتِحَةَ، وَسَكْتَةٌ قَبْلَ تَكْبِيرَةِ الرُّكُوعِ.
قَالَ فِي الْمَجْمُوعِ: وَتَسْمِيَةُ كُلٍّ مِنْ الْأُولَى وَالثَّالِثَةِ سَكْتَةٌ مَجَازٌ، فَإِنَّهُ لَا يَسْكُتُ حَقِيقَةً لِمَا تَقَرَّرَ فِيهِمَا، وَعَدَّهَا الزَّرْكَشِيُّ خَمْسَةً: الثَّلَاثَةُ الْأَخِيرَةُ، وَسَكْتَةٌ بَيْنَ تَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ وَالِافْتِتَاحِ، وَسَكْتَةٌ بَيْنَ الِافْتِتَاحِ وَالْقِرَاءَةِ، وَعَلَيْهِ لَا مَجَازَ إلَّا فِي سَكْتَةِ الْإِمَامِ بَعْدَ التَّأْمِينِ، وَالْمَشْهُورُ الْأَوَّلُ.

(وَيُسَنُّ لِلصُّبْحِ وَالظُّهْرِ طِوَالُ الْمُفَصَّلِ) بِكَسْرِ الطَّاءِ جَمْعٌ، وَالْمُفْرَدُ طَوِيلٌ وَطُوَالُ بِضَمِّ الطَّاءِ وَتَخْفِيفِ الْوَاوِ، فَإِذَا أَفْرَطَ فِي الطُّولِ شَدَدْتُهَا (وَلِلْعَصْرِ وَالْعِشَاءِ أَوْسَاطَهُ) وَسُنِّيَّةُ هَذَا فِي الْإِمَامِ مُقَيَّدَةٌ كَمَا فِي الْمَجْمُوعِ وَغَيْرِهِ بِرِضَا مَأْمُومِينَ مَحْصُورِينَ (وَلِلْمَغْرِبِ قِصَارُهُ) لِخَبَرِ النَّسَائِيّ فِي ذَلِكَ، وَظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ التَّسْوِيَةُ بَيْنَ الصُّبْحِ وَالظُّهْرِ، وَلَكِنَّ الْمُسْتَحَبَّ أَنْ يَقْرَأَ فِي الظُّهْرِ قَرِيبٌ مِنْ الطِّوَالِ كَمَا فِي الرَّوْضَةِ كَأَصْلِهَا، وَالْحِكْمَةُ فِي ذَلِكَ أَنَّ وَقْتَ الصُّبْحِ طَوِيلٌ، وَالصَّلَاةُ رَكْعَتَانِ فَحَسُنَ تَطْوِيلُهُمَا، وَوَقْتُ الْمَغْرِبِ ضَيِّقٌ فَحَسُنَ فِيهِ الْقِصَارُ، وَأَوْقَاتُ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ وَالْعِشَاءِ طَوِيلَةٌ لَكِنَّ الصَّلَوَاتِ أَيْضًا طَوِيلَةٌ، فَلَمَّا تَعَارَضَ ذَلِكَ رَتَّبَ عَلَيْهِ التَّوَسُّطَ فِي غَيْرِ الظُّهْرِ، وَفِيهَا

وَلِصُبْحِ الْجُمُعَةِ فِي الْأُولَى الم تَنْزِيلُ، وَفِي الثَّانِيَةِ هَلْ أَتَى

الْخَامِسُ الرُّكُوعُ وَأَقَلُّهُ أَنْ يَنْحَنِيَ قَدْرَ بُلُوغِ رَاحَتَيْهِ رُكْبَتَيْهِ

[مغني المحتاج]

قَرِيبٌ مِنْ الطِّوَالِ، وَاسْتَثْنَى الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ فِي مُخْتَصَرِهِ، وَالْغَزَالِيُّ فِي الْخُلَاصَةِ وَالْإِحْيَاءِ صَلَاةَ الصُّبْحِ فِي السَّفَرِ، فَالسُّنَّةُ فِيهَا أَنْ يَقْرَأَ فِي الْأُولَى ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ [الكافرون: 1] [الْكَافِرُونَ] وَفِي الثَّانِيَةِ الْإِخْلَاصَ، وَالْمُفَصَّلُ الْمُبَيَّنُ الْمُمَيَّزُ.
قَالَ تَعَالَى ﴿كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ﴾ [فصلت: 3] [فُصِّلَتْ] أَيْ جُعِلَتْ تَفَاصِيلَ فِي مَعَانٍ مُخْتَلِفَةٍ مِنْ وَعْدٍ وَوَعِيدٍ وَحَلَالٍ وَحَرَامٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَسُمِّيَ بِذَلِكَ لِكَثْرَةِ الْفُصُولِ فِيهِ بَيْنَ السُّوَرِ، وَقِيلَ لِقِلَّةِ الْمَنْسُوخِ فِيهِ، وَآخِرُهُ ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾ [الناس: 1] [النَّاسُ] وَفِي أَوَّلِهِ عَشَرَةُ أَقْوَالٍ لِلسَّلَفِ، قِيلَ الصَّافَّاتُ، وَقِيلَ الْجَاثِيَةُ، وَقِيلَ الْقِتَالُ، وَقِيلَ الْفَتْحُ، وَقِيلَ الْحُجُرَاتُ، وَقِيلَ قَافٌ، وَقِيلَ الصَّفُّ، وَقِيلَ تَبَارَكَ، وَقِيلَ سَبَّحَ، وَقِيلَ الضُّحَى، وَرَجَّحَ الْمُصَنِّفُ فِي الدَّقَائِقِ وَالتَّحْرِيرِ: أَنَّهُ الْحُجُرَاتُ، وَعَلَى هَذَا طِوَالُهُ، كَالْحُجُرَاتِ وَاقْتَرَبَتْ، وَالرَّحْمَنِ، وَأَوْسَاطُهُ كَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا، وَاللَّيْلِ إذَا يَغْشَى، وَقِصَارُهُ كَالْعَصْرِ، وَقُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ، وَقِيلَ طِوَالٌ مِنْ الْحُجُرَاتِ إلَى عَمَّ، وَمِنْهَا إلَى الضُّحَى أَوْسَاطُهُ، وَمِنْهَا إلَى آخِرِ الْقُرْآنِ قِصَارُهُ.

فَائِدَةٌ: قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: الْقُرْآنُ يَنْقَسِمُ إلَى فَاضِلٍ وَمَفْضُولٍ كَآيَةِ الْكُرْسِيِّ وَتَبَّتْ، فَالْأَوَّلُ كَلَامُ اللَّهِ فِي اللَّهِ وَالثَّانِي كَلَامُ اللَّهِ فِي غَيْرِهِ، فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُدَاوِمَ عَلَى قِرَاءَةِ الْفَاضِلِ وَيَتْرُكَ الْمَفْضُولَ "؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يَفْعَلْهُ " وَلِأَنَّهُ يُؤَدِّي إلَى هِجْرَانِ بَعْضِ الْقُرْآنِ وَنِسْيَانِهِ.

(وَلِصُبْحِ الْجُمُعَةِ فِي الْأُولَى الم تَنْزِيلُ، وَفِي الثَّانِيَةِ هَلْ أَتَى) بِكَمَالِهِمَا لِلِاتِّبَاعِ، رَوَاهُ الشَّيْخَانِ.
فَإِنْ تَرَكَ الم فِي الْأُولَى سُنَّ أَنْ يَأْتِيَ بِهَا فِي الثَّانِيَةِ، فَإِنْ اقْتَصَرَ عَلَى بَعْضِهِمَا أَوْ قَرَأَ غَيْرَهُمَا خَالَفَ السُّنَّةَ قَالَ الْفَارِقِيُّ: وَلَوْ ضَاقَ الْوَقْتُ عَنْهُمَا أَتَى بِالْمُمْكِنِ وَلَوْ آيَةَ السَّجْدَةِ وَبَعْضَ ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الإِنْسَانِ﴾ [الإنسان: 1] [الْإِنْسَانُ] قَالَ الْأَذْرَعِيُّ: وَلَمْ أَرَهُ لِغَيْرِهِ، وَعَنْ أَبِي إِسْحَاقَ وَابْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ لَا تُسْتَحَبُّ الْمُدَاوَمَةُ عَلَيْهِمَا لِيُعْرَفَ أَنَّ ذَلِكَ غَيْرُ وَاجِبٍ، وَقِيلَ لِلشَّيْخِ عِمَادِ الدِّينِ بْنِ يُونُسَ: إنَّ الْعَامَّةَ صَارُوا يَرَوْنَ قِرَاءَةَ السَّجْدَةِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَاجِبَةً وَيُنْكِرُونَ عَلَى مَنْ تَرَكَهَا، فَقَالَ: تُقْرَأُ فِي وَقْتٍ وَتُتْرَكُ فِي وَقْتٍ فَيَعْلَمُونَ أَنَّهَا غَيْرُ وَاجِبَةٍ.

(الْخَامِسُ) مِنْ الْأَرْكَانِ (الرُّكُوعُ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿ارْكَعُوا﴾ [الحج: 77] [الْحَجُّ] وَلِخَبَرِ «إذَا قُمْتَ إلَى الصَّلَاةِ» وَلِلْإِجْمَاعِ (وَأَقَلُّهُ) أَيْ الرُّكُوعِ فِي حَقِّ الْقَائِمِ (أَنْ يَنْحَنِيَ) انْحِنَاءً خَالِصًا لَا انْخِنَاسَ فِيهِ (قَدْرَ بُلُوغِ رَاحَتَيْهِ) أَيْ رَاحَتَيْ يَدَيْ الْمُعْتَدِلِ خِلْقَةً (رُكْبَتَيْهِ) إذَا أَرَادَ وَضْعَهَا فَلَا يَحْصُلُ بِانْخِنَاسٍ وَلَا بِهِ مَعَ انْحِنَاءٍ؛ لِأَنَّهُ لَا يُسَمَّى رُكُوعًا.
أَمَّا رُكُوعُ الْقَاعِدِ فَتَقَدَّمَ وَظَاهِرُ تَعْبِيرِهِ بِالرَّاحَةِ وَهِيَ بَطْنُ الْكَفِّ أَنَّهُ لَا يَكْتَفِي بِالْأَصَابِعِ وَهُوَ كَذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ مُقْتَضَى كَلَامِ التَّنْبِيهِ الِاكْتِفَاءَ بِهَا، فَلَوْ طَالَتْ يَدَاهُ أَوْ قَصْرَتَا أَوْ قُطِعَ شَيْءٌ مِنْهُمَا لَمْ يُعْتَبَرْ ذَلِكَ، فَإِنْ عَجَزَ عَمَّا ذُكِرَ إلَّا بِمُعِينٍ وَلَوْ بِاعْتِمَادٍ عَلَى شَيْءٍ أَوْ انْحِنَاءٍ عَلَى شِقِّهِ

فصول الكتاب · 11 فصل · 627 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول مغني المحتاج إلى معرفة معاني ألفاظ المنهاج · 627 صفحة
المقدمة
بَابُ صَلَاةِ الْمُسَافِرِ
بَابُ صَلَاةِ الْكُسُوفَيْنِ
بَابُ زَكَاةِ النَّقْدِبَابُ زَكَاةِ الْمَعْدِن وَالرِّكَازِ وَالتِّجَارَةِ
بَاب زَكَاةِ الْفِطْرِ
كتاب البيع
بَابُ الضَّمَانِ
بَابُ مَا يَحْرُمُ مِنْ النِّكَاحِ
بَابُ نِكَاحِ الْمُشْرِكِ
بَابُ قَاطِعِ الطَّرِيقِ
جارٍ التحميل