مغني المحتاج إلى معرفة معاني ألفاظ المنهاجصفحات 399-438
أهل الأثرالأرشيف العلمي

وَفُرْقَةٌ لَا بِسَبَبِهَا كَطَلَاقٍ.

وَيُسْتَحَبُّ أَنْ لَا تَنْقُصَ عَنْ ثَلَاثِينَ دِرْهَمًا، فَإِنْ تَنَازَعَا قَدَّرَهُ الْقَاضِي بِنَظَرِهِ مُعْتَبِرًا حَالَهُمَا، وَقِيلَ، وَقِيلَ حَالَهَا، وَقِيلَ أَقَلَّ مَالٍ.

[مغني المحتاج]

فَائِدَةٌ: فِي فَتَاوَى الْمُصَنِّفِ أَنَّ وُجُوبَ الْمُتْعَةِ مِمَّا يَغْفُلُ النِّسَاءُ عَنْ الْعِلْمِ بِهَا فَيَنْبَغِي تَعْرِيفُهُنَّ وَإِشَاعَةُ حُكْمِهَا لِيَعْرِفْنَ ذَلِكَ (وَفُرْقَةٌ لَا بِسَبَبِهَا) بِأَنْ كَانَتْ مِنْ الزَّوْجِ كَرِدَّتِهِ وَلِعَانِهِ وَإِسْلَامِهِ، أَوْ مِنْ أَجْنَبِيٍّ كَإِرْضَاعِ أُمِّ الزَّوْجِ أَوْ بِنْتِ زَوْجَتِهِ وَوَطْءِ أَبِيهِ أَوْ ابْنِهِ لَهَا بِشُبْهَةٍ حُكْمُهَا (كَطَلَاقٍ) فِي إيجَابِ الْمُتْعَةِ وَعَدَمِهِ أَيْ إذَا لَمْ يَسْقُطْ بِهَا الشَّطْرُ كَمَا اقْتَضَاهُ كَلَامُ الْمُصَنِّفِ.
وَقَالَ الزَّرْكَشِيُّ: إنَّهُ لَا بُدَّ مِنْهُ.
فَإِنْ قِيلَ: كَيْفَ يُتَصَوَّرُ وُجُوبُ الْمُتْعَةِ لِلزَّوْجَةِ الصَّغِيرَةِ فِي مَسْأَلَةِ الْإِرْضَاعِ وَقَدْ تَقَرَّرَ أَنَّ الْمُتْعَةَ مُخْتَصَّةٌ بِالتَّفْوِيضِ أَوْ الدُّخُولِ وَكِلَاهُمَا مُسْتَحِيلٌ فِيمَنْ هُوَ فِي سِنِّ الْإِرْضَاعِ.
أَمَّا الدُّخُولُ فَوَاضِحٌ.
وَأَمَّا التَّفْوِيضُ فَإِنَّهَا لَوْ زُوِّجَتْ وَجَبَ لَهَا مَهْرُ الْمِثْلِ.
أُجِيبَ بِتَصَوُّرِ ذَلِكَ فِي أَمَةٍ صَغِيرَةٍ زَوَّجَهَا سَيِّدُهَا بِالتَّفْوِيضِ لِعَبْدٍ فَإِنَّ الْحُرَّ لَا يَنْكِحُ أَمَةً صَغِيرَةً، وَفِيمَا إذَا زَوَّجَ الْكَافِرُ ابْنَتَهُ الصَّغِيرَةَ كَافِرًا مُفَوَّضَةً وَكَانَ عِنْدَهُمْ أَنْ لَا مَهْرَ لِلْمُفَوَّضَةِ وَأَرْضَعَتْهَا أُمُّهُ أَوْ بِنْتُهُ ثُمَّ تَرَافَعَا إلَيْنَا فَإِنَّا نَقْضِي بِصِحَّةِ النِّكَاحِ وَلُزُومِ الْمُتْعَةِ.
أَمَّا إذَا كَانَتْ الْفُرْقَةُ مِنْهَا أَوْ بِسَبَبِهَا كَرِدَّتِهَا وَإِسْلَامِهَا وَلَوْ تَبَعًا أَوْ فَسْخِهِ بِعَيْبِهَا فَلَا مُتْعَةَ لَهَا، سَوَاءٌ كَانَتْ قَبْلَ الدُّخُولِ أَمْ بَعْدَهُ؛ لِأَنَّ الْمَهْرَ يَسْقُطُ بِذَلِكَ، وَوُجُوبُهُ آكَدُ مِنْ وُجُوبِ الْمُتْعَةِ بِدَلِيلِ أَنَّهُمَا لَوْ ارْتَدَّا مَعًا لَا مُتْعَةَ وَيَجِبُ الشَّطْرُ، وَالْفَرْقُ أَنَّ مِلْكَهَا لِلصَّدَاقِ سَابِقٌ عَلَى الرِّدَّةِ بِخِلَافِ الْمُتْعَةِ، وَمِثْلُ ذَلِكَ مَا لَوْ سُبِيَا مَعًا، وَلَوْ اشْتَرَاهَا الزَّوْجُ لَمْ تَسْتَحِقَّ مُتْعَةً وَإِنْ اسْتَدْعَى الزَّوْجُ شِرَاءَهَا؛ لِأَنَّهَا تَجِبُ بِالْفُرْقَةِ فَتَكُونُ لِلْمُشْتَرِي، فَلَوْ أَوْجَبْنَاهَا لَأَوْجَبْنَاهَا لَهُ عَلَى نَفْسِهِ فَلَمْ تَجِبْ، بِخِلَافِ الْمَهْرِ فَإِنَّهُ يَجِبُ بِالْعَقْدِ فَوَجَبَ لِلْبَائِعِ، وَتَجِبُ الْمُتْعَةُ لِسَيِّدِ الْأَمَةِ وَفِي كَسْبِ الْعَبْدِ كَالْمَهْرِ.

(وَيُسْتَحَبُّ أَنْ لَا تَنْقُصَ) الْمُتْعَةُ (عَنْ ثَلَاثِينَ دِرْهَمًا) أَوْ مَا قِيمَتُهُ ذَلِكَ.
قَالَ فِي الْبُوَيْطِيِّ: وَهَذَا أَدْنَى الْمُسْتَحَبِّ، وَأَعْلَاهُ خَادِمٌ، وَأَوْسَطُهُ ثَوْبٌ اهـ. وَيُسَنُّ أَنْ لَا تَبْلُغَ نِصْفَ مَهْرِ الْمِثْلِ كَمَا قَالَهُ ابْنُ الْمُقْرِي: فَإِنْ بَلَغَتْهُ أَوْ جَاوَزَتْهُ جَازَ لِإِطْلَاقِ الْآيَةِ.
قَالَ الْبُلْقِينِيُّ وَغَيْرُهُ: وَلَا يَزِيدُ وُجُوبًا عَلَى مَهْرِ الْمِثْلِ، وَلَمْ يَذْكُرُوهُ اهـ. وَمَحَلُّ ذَلِكَ مَا إذَا فَرَضَهُ الْحَاكِمُ، وَيَشْهَدُ لَهُ مِنْ كَلَامِ الْأَصْحَابِ نَظَائِرُ، مِنْهَا أَنَّ الْحَاكِمَ لَا يَبْلُغُ بِحُكُومَةِ عُضْوٍ مُقَدَّرَةٍ.
وَمِنْهَا أَنْ لَا يَبْلُغَ بِالتَّعْزِيرِ الْحَدَّ وَغَيْرُ ذَلِكَ.
أَمَّا إذَا اتَّفَقَ عَلَيْهَا الزَّوْجَانِ فَلَا يُشْتَرَطُ ذَلِكَ، وَيُحْمَلُ عَلَى هَذَا كَلَامُ مَنْ اعْتَرَضَ عَلَى الْبُلْقِينِيُّ وَقَالَ: الْأَوْجَهُ خِلَافُ كَلَامِهِ، بَلْ مُقْتَضَى النَّظَائِرِ أَنْ لَا يَصِلَ إلَى مَهْرِ الْمِثْلِ إذَا فَرَضَهَا الْقَاضِي وَهُوَ ظَاهِرٌ، ثُمَّ إنْ تَرَاضَيَا عَلَى شَيْءٍ فَذَاكَ.

(فَإِنْ تَنَازَعَا) فِي قَدْرِهَا (قَدَّرَهَا الْقَاضِي بِنَظَرِهِ) أَيْ اجْتِهَادِهِ بِحَسَبِ مَا يَلِيقُ بِالْحَالِ (مُعْتَبِرًا حَالَهُمَا) مِنْ يَسَارِ الزَّوْجِ وَإِعْسَارِهِ وَنَسَبِهَا وَصِفَاتِهَا لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ﴾ [البقرة: 236] [الْبَقَرَةُ] ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: 241] [الْبَقَرَةُ] (وَقِيلَ) يَعْتَبِرُ () فَقَطْ لِظَاهِرِ الْآيَةِ وَكَالنَّفَقَةِ (وَقِيلَ حَالَهَا) فَقَطْ لِأَنَّهَا كَالْبَدَلِ عَنْ الْمَهْرِ، وَهُوَ مُعْتَبَرٌ (وَقِيلَ) لَا يُقَدِّرُهَا بِشَيْءٍ، بَلْ الْوَاجِبُ (أَقَلُّ مَالٍ) مُتَمَوَّلٍ كَمَا يَجُوزُ جَعْلُهُ صَدَاقًا، وَفُرِّقَ بِأَنَّ الْمَهْرَ بِالتَّرَاضِي، وَعَلَى تَقْدِيرِهِ يَجِبُ مَا يُقَرِّرُهُ.

فَصْلٌ اخْتَلَفَا فِي قَدْرِ مَهْرٍ أَوْ صِفَتِهِ تَحَالَفَا، وَيَتَحَالَفُ وَارِثَاهُمَا أَوْ وَارِثُ وَاحِدٍ وَالْآخَرُ ثُمَّ يُفْسَخُ الْمَهْرُ، وَيَجِبُ مَهْرُ مِثْلٍ.

وَلَوْ ادَّعَتْ تَسْمِيَةً فَأَنْكَرَهَا تَحَالَفَا فِي الْأَصَحِّ.

[مغني المحتاج]

[فَصْلٌ فِي التَّحَالُفُ عِنْدَ التَّنَازُعِ فِي الْمَهْرِ الْمُسَمَّى]

، إذَا (اخْتَلَفَا) أَيْ الزَّوْجَانِ قَبْلَ وَطْءٍ أَوْ بَعْدَهُ مَعَ بَقَاءِ الزَّوْجِيَّةِ أَوْ زَوَالِهَا (فِي قَدْرِ مَهْرٍ) مُسَمًّى وَكَانَ مَا يَدَّعِيهِ الزَّوْجُ أَقَلَّ كَقَوْلِهِ: عُقِدَ بِأَلْفٍ، فَقَالَتْ: بَلْ بِأَلْفَيْنِ (أَوْ) فِي (صِفَتِهِ) الشَّامِلَةِ لِجِنْسِهِ وَالْحُلُولِ وَالتَّأْجِيلِ وَقَدْرِ الْأَجَلِ، كَأَنْ قَالَتْ بِأَلْفِ دِينَارٍ، فَقَالَ: بَلْ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ أَوْ قَالَتْ بِأَلْفٍ صَحِيحَةٍ، فَقَالَ: بَلْ مُكَسَّرَةٍ أَوْ بِحَالٍّ فَقَالَ بَلْ بِمُؤَجَّلٍ أَوْ بِمُؤَجَّلٍ إلَى سَنَةٍ فَقَالَ بَلْ إلَى سَنَتَيْنِ وَلَا بَيِّنَةَ لِأَحَدِهِمَا أَوْ تَعَارَضَتْ بَيِّنَتَاهُمَا (تَحَالَفَا) قِيَاسًا عَلَى الْبَيْعِ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُدَّعٍ وَمُدَّعًى عَلَيْهِ، وَكَيْفِيَّةُ الْيَمِينِ وَمَنْ يُبْدَأُ بِهِ عَلَى مَا مَرَّ فِي الْبَيْعِ، لَكِنْ يُبْدَأُ هُنَا بِالزَّوْجِ لِقُوَّةِ جَانِبِهِ بَعْدَ التَّحَالُفِ بِبَقَاءِ الْبُضْعِ لَهُ.
تَنْبِيهٌ: لَوْ وَجَبَ مَهْرُ مِثْلٍ لِفَسَادِ التَّسْمِيَةِ وَنَحْوِهِ فَاخْتَلَفَا فِي مِقْدَارِهِ فَلَا تَحَالُفَ، وَيُصَدَّقُ الزَّوْجُ بِيَمِينِهِ لِأَنَّهُ غَارِمٌ وَالْأَصْلُ بَرَاءَةُ ذِمَّتِهِ عَمَّا زَادَ (وَيَتَحَالَفُ) عِنْدَ الِاخْتِلَافِ السَّابِقِ أَيْضًا (وَارِثَاهُمَا أَوْ وَارِثُ وَاحِدٍ) مِنْهُمَا (وَالْآخَرُ) لِقِيَامِهِ مَقَامَ مُوَرِّثِهِ.
تَنْبِيهٌ: قَضِيَّتُهُ أَنَّهُ كَتَحَالُفِ الزَّوْجَيْنِ، وَلَيْسَ مُرَادًا، فَإِنَّ الزَّوْجَيْنِ يَحْلِفَانِ عَلَى الْبَتِّ فِي النَّفْيِ وَالْإِثْبَاتِ، وَالْوَارِثُ يَحْلِفُ عَلَى الْبَتِّ فِي الْإِثْبَاتِ، وَنَفْيُ الْعِلْمِ فِي النَّفْيِ عَلَى الْقَاعِدَةِ فِي الْحَلِفِ عَلَى فِعْلِ الْغَيْرِ، فَيَقُولُ وَارِثُ الزَّوْجِ وَاَللَّهِ لَا أَعْلَمُ أَنَّ مُوَرِّثِي نَكَحَهَا بِأَلْفٍ وَإِنَّمَا نَكَحَهَا بِخَمْسِمِائَةٍ، وَيَقُولُ وَارِثُ الزَّوْجَةِ: وَاَللَّهِ لَا أَعْلَمُ أَنَّهُ نَكَحَ مُوَرِّثَتِي بِخَمْسِمِائَةٍ وَإِنَّمَا نَكَحَهَا بِأَلْفٍ (ثُمَّ) بَعْدَ التَّحَالُفِ الْمَذْكُورِ (يُفْسَخُ الْمَهْرُ) الْمُسَمَّى لِمَصِيرِهِ بِالتَّحَالُفِ مَجْهُولًا، وَلَا يَنْفَسِخُ بِنَفْسِ التَّحَالُفِ كَالْبَيْعِ، وَأَشَارَ إلَى فَائِدَةِ التَّحَالُفِ بِقَوْلِهِ (وَيَجِبُ مَهْرُ مِثْلٍ) وَإِنْ زَادَ عَلَى مَا ادَّعَتْهُ لِأَنَّهُمَا لَمَّا تَحَالَفَا وَجَبَ رَدُّ الْبُضْعِ وَهُوَ لَا يُمْكِنُ فَيَجِبُ بَدَلُهُ كَالْمَبِيعِ التَّالِفِ، وَالْكَلَامُ فِيمَنْ يَفْسَخُهُ عَلَى الْخِلَافِ فِيمَنْ يَفْسَخُ الْبَيْعَ بَعْدَ التَّحَالُفِ، وَفِي أَنَّهُ هَلْ يُفْسَخُ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا أَوْ ظَاهِرًا فَقَطْ الْخِلَافُ فِي الْبَيْعِ.
أَمَّا إذَا كَانَ مُدَّعَى الزَّوْجِ الْأَكْثَرَ فَلَا تَحَالُفَ لِأَنَّهُ مُعْتَرِفٌ لَهَا بِمَا تَدَّعِيهِ وَزِيَادَةٍ وَيَبْقَى الزَّائِدُ فِي يَدِهِ.

(وَلَوْ ادَّعَتْ تَسْمِيَةً) لِقَدْرٍ أَكْثَرَ مِنْ مَهْرِ مِثْلِهَا (فَأَنْكَرَ) ذِكْرَ (هَا) لَهَا بِأَنْ قَالَ: لَمْ تَقَعْ تَسْمِيَةٌ وَلَمْ يَدَّعِ تَفْوِيضًا يُفْسِدُ النِّكَاحَ (تَحَالَفَا فِي الْأَصَحِّ) ؛ لِأَنَّ حَاصِلَهُ الِاخْتِلَافُ فِي قَدْرِ الْمَهْرِ؛ لِأَنَّهُ يَقُولُ الْوَاجِبُ مَهْرُ الْمِثْلِ وَهِيَ تَدَّعِي زِيَادَةً عَلَيْهِ، وَالثَّانِي: يُصَدَّقُ الزَّوْجُ بِيَمِينِهِ لِمُوَافَقَتِهِ لِلْأَصْلِ وَيَجِبُ مَهْرُ الْمِثْلِ، وَلَوْ ادَّعَى تَسْمِيَةً لِقَدْرٍ أَقَلَّ مِنْ مَهْرِ الْمِثْلِ فَأَنْكَرَتْ ذِكْرَهَا تَحَالَفَا أَيْضًا عَلَى الْأَصَحِّ، فَإِنْ كَانَ قَدْرَ مَهْرِ الْمِثْلِ أَوْ أَكْثَرَ مِنْهُ أَوْ كَانَ

وَلَوْ ادَّعَتْ نِكَاحًا وَمَهْرَ مِثْلٍ فَأَقَرَّ بِالنِّكَاحِ وَأَنْكَرَ الْمَهْرَ أَوْ سَكَتَ فَالْأَصَحُّ تَكْلِيفُهُ الْبَيَانَ، فَإِنْ ذَكَرَ قَدْرًا وَزَادَتْ تَحَالَفَا، وَإِنْ أَصَرَّ مُنْكِرًا حَلَفَتْ وَقَضَى لَهَا.

وَلَوْ اخْتَلَفَ فِي قَدْرِهِ زَوْجٌ وَوَلِيُّ صَغِيرَةٍ أَوَمَجْنُونَةٍ تَحَالَفَا فِي الْأَصَحِّ.

[مغني المحتاج]

مِنْ غَيْرِ نَقْدِ الْبَلَدِ تَحَالَفَا أَيْضًا كَمَا ذَكَرَهُ ابْنُ الرِّفْعَةِ أَمَّا إذَا ادَّعَى التَّفْوِيضَ فَالْأَصْلُ عَدَمُ التَّسْمِيَةِ مِنْ جَانِبٍ وَعَدَمُ التَّفْوِيضِ مِنْ جَانِبٍ فَيَحْلِفُ كُلٌّ مِنْهُمَا عَلَى نَفْيِ مُدَّعَى الْآخَرِ تَمَسُّكًا بِالْأَصْلِ، وَإِنْ ادَّعَى أَحَدُهُمَا التَّفْوِيضَ وَالْآخَرُ السُّكُوتَ عَنْ الْمَهْرِ صُدِّقَ الْآخَرُ بِيَمِينِهِ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ التَّفْوِيضِ فَيَجِبُ مَهْرُ الْمِثْلِ، فَإِنْ كَانَ تَرْكُ التَّسْمِيَةِ يُفْسِدُ النِّكَاحَ لِوُقُوعِهِ مِنْ غَيْرِ جَائِزَةِ التَّصَرُّفِ فَلَا تَحَالُفَ.

(وَلَوْ ادَّعَتْ نِكَاحًا وَمَهْرَ مِثْلٍ) لِعَدَمِ تَسْمِيَةٍ صَحِيحَةٍ (فَأَقَرَّ بِالنِّكَاحِ وَأَنْكَرَ الْمَهْرَ) بِأَنْ نَفَاهُ فِي الْعَقْدِ (أَوْ سَكَتَ) عَنْهُ وَلَمْ يَدَّعِ تَفْوِيضًا (فَالْأَصَحُّ) عَدَمُ سَمَاعِ ذَلِكَ مِنْهُ، وَ (تَكْلِيفُهُ الْبَيَانَ) لِمَهْرِ الْمِثْلِ؛ لِأَنَّ النِّكَاحَ يَقْتَضِي الْمَهْرَ (فَإِنْ ذَكَرَ قَدْرًا وَزَادَتْ) عَلَيْهِ (تَحَالَفَا) وَهُوَ فِي الْحَقِيقَةِ تَحَالُفٌ فِي قَدْرِ مَهْرِ الْمِثْلِ (وَإِنْ أَصَرَّ) الزَّوْجُ (مُنْكِرًا حَلَفَتْ) أَيْ الزَّوْجَةُ الْيَمِينَ الْمَرْدُودَةَ أَنَّهَا تَسْتَحِقُّ عَلَيْهِ مَهْرَ مِثْلِهَا (وَقُضِيَ لَهَا) بِهِ.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ لَا يُكَلَّفُ بَيَانَ مَهْرٍ، وَالْقَوْلُ قَوْلُهُ بِيَمِينِهِ إنَّهَا لَا تَسْتَحِقُّ عَلَيْهِ مَهْرًا لِأَنَّ الْأَصْلَ بَرَاءَةُ ذِمَّتِهِ.
وَالثَّالِثُ: الْقَوْلُ قَوْلُهَا بِيَمِينِهَا؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ مَعَهَا.
قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ قَرِيبَةٌ فِي الْمَعْنَى مِنْ الَّتِي قَبْلَهَا وَإِنَّمَا الِاخْتِلَافُ بَيْنَهُمَا فِي التَّصْوِيرِ، وَفَرَّقَ غَيْرُهُ بَيْنَهُمَا بِأَنَّ تِلْكَ فِي إنْكَارِ التَّسْمِيَةِ الْمُقْتَضِيَةِ لِمَهْرِ الْمِثْلِ بِأَنْ ادَّعَتْ زَائِدًا عَلَى مَهْرِ الْمِثْلِ، أَوْ شَيْئًا مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ فَيَتَحَالَفَانِ.
وَأَمَّا هَذِهِ فَالزَّوْجُ فِيهَا مُنْكِرٌ الْمَهْرَ أَصْلًا، وَلَا سَبِيلَ إلَى إنْكَارِهِ مَعَ اعْتِرَافِهِ بِالنِّكَاحِ، فَلِذَلِكَ كُلِّفَ الْبَيَانَ لِمَهْرِ مِثْلٍ، فَإِنْ ذَكَرَ قَدْرًا أَنْقَصَ مِمَّا ذَكَرَتْ تَحَالَفَا، وَإِنْ أَصَرَّ عَلَى الْإِنْكَارِ حَلَفَتْ وَقُضِيَ لَهَا.

(وَلَوْ اخْتَلَفَ فِي قَدْرِهِ زَوْجٌ وَوَلِيُّ صَغِيرَةٍ أَوَمَجْنُونَةٍ تَحَالَفَا فِي الْأَصَحِّ) لِأَنَّ الْوَلِيَّ هُوَ الْعَاقِدُ، وَلَهُ وِلَايَةُ قَبْضِ الْمَهْرِ، فَكَانَ اخْتِلَافُهُ مَعَ الزَّوْجِ كَاخْتِلَافِ الْبَالِغَةِ مَعَهُ وَلِأَنَّهُ يُقْبَلُ إقْرَارُهُ فِي النِّكَاحِ وَالْمَهْرِ فَلَا يَبْعُدُ تَحْلِيفُهُ، وَفَائِدَةُ التَّحَالُفِ أَنَّهُ رُبَّمَا يَنْكَلُ الزَّوْجُ فَيُحَلَّفُ الْوَلِيُّ فَيَثْبُتُ مُدَّعَاهُ وَلَكَ أَنْ تَقُولَ كَمَا قَالَ شَيْخُنَا: إنَّ هَذِهِ الْفَائِدَةَ تَحْصُلُ بِتَحْلِيفِ الزَّوْجِ مِنْ غَيْرِ تَحَالُفٍ.
وَالثَّانِي: لَا تَحَالُفَ؛ لِأَنَّا لَوْ حَلَّفْنَا الْوَلِيَّ لَأَثْبَتْنَا بِيَمِينِهِ حَقَّ غَيْرِهِ، وَذَلِكَ مَحْذُورٌ.
وَيُؤَيِّدُهُ مَا فِي الدَّعَاوَى مِنْ أَنَّهُ لَوْ ادَّعَى دَيْنًا لِمُوَلِّيَتِهِ فَأَنْكَرَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ وَنَكَلَ لَا يَحْلِفُ، وَإِنْ ادَّعَى مُبَاشَرَةَ سَبَبِهِ.
وَأَجَابَ الْأَوَّلَ بِأَنَّ حَلِفَهُ هُنَاكَ مُطْلَقًا عَلَى اسْتِحْقَاقِ مُوَلِّيهِ فَهُوَ حَلِفٌ لِلْغَيْرِ فَلَا يَقْبَلُ النِّيَابَةَ، وَهُنَا عَلَى أَنَّ الْعَقْدَ وَقَعَ هَكَذَا فَهُوَ حَلَفَ عَلَى فِعْلِ نَفْسِهِ، وَالْمَهْرُ يَثْبُتُ ضِمْنًا، وَيُغْتَفَرُ فِي الضِّمْنِ مَا لَا يُغْتَفَرُ فِي غَيْرِهِ، وَإِنَّمَا يَتَحَالَفَانِ إذَا ادَّعَى وَلِيُّ الصَّغِيرَةِ أَوْ الْمَجْنُونَةِ الزِّيَادَةَ عَلَى مَهْرِ الْمِثْلِ وَاعْتَرَفَ الزَّوْجُ بِمَهْرِ الْمِثْلِ، فَإِنْ ادَّعَى الزَّوْجُ دُونَ مَهْرِ الْمِثْلِ فَلَا تَحَالُفَ؛ لِأَنَّهُ يَجِبُ مَهْرُ الْمِثْلِ بِدُونِهِ وَإِنْ نَقَّصَ الْوَلِيُّ، وَإِنَّمَا لَمْ يَتَحَالَفَا كَمَا لَوْ ادَّعَى الزَّوْجُ مَهْرَ الْمِثْلِ ابْتِدَاءً لِأَنَّهُ يَدَّعِي تَسْمِيَةً فَاسِدَةً، فَلَا عِبْرَةَ بِدَعْوَاهُ، وَلَوْ اعْتَرَفَ الزَّوْجُ بِقَدْرٍ يَزِيدُ عَلَى مَهْرِ الْمِثْلِ وَادَّعَى الْوَلِيُّ أَكْثَرَ فَلَا تَحَالُفَ؛ لِئَلَّا يَرْجِعَ

وَلَوْ قَالَتْ نَكَحَنِي يَوْمَ كَذَا بِأَلْفٍ، وَيَوْمَ كَذَا بِأَلْفٍ وَثَبَتَ الْعَقْدَانِ بِإِقْرَارِهِ أَوْ بِبَيِّنَةٍ لَزِمَهُ أَلْفَانِ، فَإِنْ قَالَ لَمْ أَطَأْ فِيهِمَا أَوْ فِي أَحَدِهِمَا صُدِّقَ بِيَمِينِهِ وَسَقَطَ الشَّطْرُ، وَإِنْ قَالَ كَانَ الثَّانِي تَجْدِيدَ لَفْظٍ لَا عَقْدًا لَمْ يُقْبَلْ.

[مغني المحتاج]

الْوَاجِبُ إلَى مَهْرِ الْمِثْلِ فَيُرْجَعَ فِيهِ إلَى قَوْلِ الزَّوْجِ، وَلَكِنْ لَا بُدَّ مِنْ تَحْلِيفِهِ عَلَى نَفْيِ الزِّيَادَةِ كَمَا قَالَهُ الْبُلْقِينِيُّ رَجَاءَ أَنْ يَنْكُلَ فَيَحْلِفَ الْوَلِيُّ وَيُثْبِتُ مُدَّعَاهُ، وَلَوْ ادَّعَى الْوَلِيُّ مَهْرَ الْمِثْلِ أَوْ أَكْثَرَ وَذَكَرَ الزَّوْجُ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ لَمْ يَتَحَالَفَا بَلْ يُؤْخَذُ بِمَا قَالَهُ الزَّوْجُ، وَلَوْ نَكَلَ الْوَلِيُّ اُنْتُظِرَ بُلُوغُ الصَّبِيَّةِ كَمَا رَجَّحَهُ الْإِمَامُ وَغَيْرُهُ فَلَعَلَّهَا تَحْلِفُ، وَتَحْلِفُ صَغِيرَةٌ بَلَغَتْ عَاقِلَةً قَبْلَ التَّحَالُفِ؛ لِأَنَّهَا مِنْ أَهْلِ الْيَمِينِ فَلَا يَحْلِفُ الْوَلِيُّ، وَيَجْرِي هَذَا الْحُكْمُ فِي اخْتِلَافِ الْمَرْأَةِ مَعَ وَلِيِّ الصَّغِيرِ وَفِي اخْتِلَافِ وَلِيَّيْ الزَّوْجَيْنِ الصَّغِيرَيْنِ، وَلَا يَحْلِفُ مُجْبِرُ الْبَالِغَةِ الْعَاقِلَةِ بَلْ هِيَ الَّتِي تَحْلِفُ لِأَنَّهَا مِنْ أَهْلِ الْيَمِينِ بِخِلَافِ الْوَكِيلَيْنِ فِي الْعَقْدِ الْمَالِيِّ كَالْبَيْعِ فَيَحْلِفَانِ؛ لِأَنَّهُمَا الْعَاقِدَانِ بِخِلَافِ الْمُوَكِّلَيْنِ، وَأَمَّا الْوَكِيلُ فِي عَقْدِ النِّكَاحِ فَكَالْوَلِيِّ فِيمَا ذُكِرَ، وَلَا يَحْلِفُ وَلِيُّ الصَّغِيرَةِ فِيمَا لَمْ يُنْشِئْهُ، فَلَوْ ادَّعَى عَلَى رَجُلٍ أَنَّهُ أَتْلَفَ مَا لَهَا وَأَنْكَرَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ وَنَكَلَ لَمْ يَحْلِفْ هُوَ يَمِينَ الرَّدِّ؛ لِأَنَّهُ لَا يَتَعَلَّقُ بِإِنْشَائِهِ بَلْ يَحْلِفُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، فَإِنْ نَكَلَ لَمْ يُقْضَ بِنُكُولِهِ بَلْ يُتَوَقَّفْ حَتَّى يَبْلُغَ الصَّبِيُّ أَوْ الصَّبِيَّةُ وَيَحْلِفَ، وَكَالصَّغِيرِ وَالصَّغِيرَةِ فِيمَا ذُكِرَ الْمَجْنُونُ وَالْمَجْنُونَةُ.

(وَلَوْ قَالَتْ) فِي دَعْوَاهَا عَلَى زَيْدٍ مَثَلًا (نَكَحَنِي يَوْمَ كَذَا) كَالسَّبْتِ (بِأَلْفٍ وَيَوْمَ كَذَا) كَالْخَمِيسِ (بِأَلْفٍ وَثَبَتَ الْعَقْدَانِ بِإِقْرَارِهِ أَوْ بِبَيِّنَةٍ) أَوْ بِيَمِينِهَا بَعْدَ نُكُولِهِ (لَزِمَهُ أَلْفَانِ) لِإِمْكَانِ صِحَّةِ الْعَقْدَيْنِ بِأَنْ يَتَخَلَّلَهُمَا خُلْعٌ، وَلَا حَاجَةَ إلَى التَّعَرُّضِ لَهُ وَلَا لِلْوَطْءِ فِي الدَّعْوَى.
أَمَّا عَدَمُ التَّعَرُّضِ لِتَخَلُّلِ الْفُرْقَةِ فَلِأَنَّ الْعَقْدَ الثَّانِيَ لَا يَكُونُ إلَّا بَعْدَ ارْتِفَاعِ الْأَوَّلِ.
وَأَمَّا عَدَمُ التَّعَرُّضِ لِلْوَطْءِ فَلِأَنَّ الْمُسَمَّى فِي كُلِّ عَقْدٍ يَجِبُ بِالْعَقْدِ، وَالْأَصْلُ بَقَاؤُهُ حَتَّى يَثْبُتَ إسْقَاطُهُ (فَإِنْ قَالَ) الزَّوْجُ (لَمْ أَطَأْ فِيهِمَا) أَيْ الْعَقْدَيْنِ (أَوْ فِي أَحَدِهِمَا صُدِّقَ بِيَمِينِهِ) لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الْوَطْءِ (وَسَقَطَ الشَّطْرُ) مِنْ الْأَلْفَيْنِ أَوْ أَحَدِهِمَا لِأَنَّهُ فَائِدَةُ تَصْدِيقِهِ.
تَنْبِيهٌ: صُورَةُ الْمَسْأَلَةِ إذَا ادَّعَى عَدَمَ الْوَطْءِ فِي الثَّانِي أَنْ يَدَّعِيَ الطَّلَاقَ وَإِلَّا فَمُجَرَّدُ دَعْوَى عَدَمِ الْوَطْءِ لَا يُسْقِطُ الشَّطْرَ فِي الثَّانِي، وَإِنَّمَا يُسْقِطُهُ فِي الْأَوَّلِ (وَإِنْ قَالَ كَانَ الثَّانِي تَجْدِيدَ لَفْظٍ) لِلْعَقْدِ الْأَوَّلِ (لَا عَقْدًا) ثَانِيًا (لَمْ يُقْبَلْ) قَوْلُهُ لِمُخَالَفَتِهِ الظَّاهِرَ، وَلَهُ تَحْلِيفُهَا عَلَى نَفْيِ مَا ادَّعَاهُ لِإِمْكَانِهِ.

فُرُوعٌ: لَوْ أَعْطَاهَا مَالًا، فَقَالَتْ: أَعْطَيْته هَدِيَّةً وَقَالَ: بَلْ صَدَاقًا، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ بِيَمِينِهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ الْمُعْطَى مِنْ جِنْسِ الصَّدَاقِ؛ لِأَنَّهُ أَعْرَفُ بِكَيْفِيَّةِ إزَالَةِ مِلْكِهِ، وَلَوْ أَعْطَى مَنْ لَا دَيْنَ لَهُ عَلَيْهِ شَيْئًا، وَقَالَ: أَعْطَيْتُك إيَّاهُ بِعِوَضٍ وَأَنْكَرَ صُدِّقَ الْمُنْكِرُ بِيَمِينِهِ.
فَإِنْ قِيلَ: لِمَ لَمْ يَقُلْ إنَّهُ أَعْرَفُ بِكَيْفِيَّةِ إزَالَةِ مِلْكِهِ كَمَا مَرَّ؟ . أُجِيبَ بِأَنَّ الزَّوْجَ مُسْتَقِلٌّ بِأَدَاءِ الدَّيْنِ وَبِقَصْدِهِ وَبِأَنَّهُ يُرِيدُ إبْرَاءَ الذِّمَّةِ، بِخِلَافِ مَنْ لَا دَيْنَ عَلَيْهِ فِيهِمَا.

، وَتُسْمَعُ دَعْوَى تَسْلِيمِ الصَّدَاقِ إلَى وَلِيِّ صَغِيرَةٍ وَمَجْنُونَةٍ وَسَفِيهَةٍ،

فَصْلٌ وَلِيمَةُ الْعُرْسِ

[مغني المحتاج]

لَا وَلِيِّ رَشِيدَةٍ وَلَوْ بِكْرٍ فَلَا تُسْمَعُ دَعْوَاهُ عَلَيْهِ إلَّا إذَا ادَّعَى إذْنَهَا نُطْقًا فَتُسْمَعُ عَلَيْهِ لِلْإِذْنِ الصَّرِيحِ لَهُ فِي الْقَبْضِ.

وَلَوْ اخْتَلَفَا فِي عَيْنِ الْمَنْكُوحَةِ صُدِّقَ كُلٌّ مِنْهُمَا فِيمَا نَفَاهُ بِيَمِينِهِ؛ لِأَنَّهُ اخْتِلَافٌ فِي عَقْدَيْنِ، وَإِنْ قَالَ لِامْرَأَتَيْنِ: تَزَوَّجْتُكُمَا بِأَلْفٍ، فَقَالَتْ إحْدَاهُمَا: بَلْ أَنَا فَقَطْ بِأَلْفٍ تَحَالَفَا؛ لِأَنَّهُ اخْتِلَافٌ فِي قَدْرِ مَهْرِ الْمُتَّفَقُ عَلَى نِكَاحِهَا وَأَمَّا الْأُخْرَى فَالْقَوْلُ قَوْلُهَا فِي نَفْيِ النِّكَاحِ.

، وَلَوْ قَالَتْ حُرَّةٌ لِمَنْ يَمْلِكُ أَبَوَيْهَا وَنَكَحَهَا بِأَحَدِهِمَا مُعَيِّنًا أَصْدَقَتْنِي أُمِّي فَقَالَ: بَلْ أَبَاك تَحَالَفَا وَفُسِخَ عَقْدُ الصَّدَاقِ وَوَجَبَ لَهَا عَلَيْهِ مَهْرُ الْمِثْلِ إلَّا إنْ نَكَلَا أَوْ نَكَلَتْ وَحَلَفَ هُوَ فَلَا يَجِبُ لَهَا مَهْرٌ؛ لِأَنَّ مَنْ ادَّعَى شَيْئًا وَنَكَلَ عَنْ الْيَمِينِ بَعْدَ الرَّدِّ كَانَ كَمَنْ لَمْ يَدَّعِ شَيْئًا وَعَتَقَ الْأَبُ دُونَ الْأُمِّ فِي الصُّوَرِ كُلِّهَا بِإِقْرَارِ الزَّوْجِ بِدُخُولِهِ فِي مِلْكِ مَنْ يَعْتِقُ عَلَيْهِ وَوُقِفَ وَلَاؤُهُ؛ لِأَنَّهُ يَقُولُ: هُوَ لَهَا، وَهِيَ مُنْكِرَةٌ، وَلَا تَعْتِقُ الْأُمُّ إلَّا إنْ نَكَلَ وَحَلَفَتْ.

وَلَوْ أَصْدَقَهَا جَارِيَةً ثُمَّ وَطِئَهَا عَالِمًا بِالْحَالِ قَبْلَ الدُّخُولِ لَمْ يُحَدَّ لِشُبْهَةِ اخْتِلَافِ الْعُلَمَاءِ فِي أَنَّهَا هَلْ تَمْلِكُ قَبْلَ الدُّخُولِ جَمِيعَ الصَّدَاقِ أَوْ نِصْفَهُ فَقَطْ أَوْ بَعْدَهُ حُدَّ، وَلَا تُقْبَلُ دَعْوَى جَهْلِ مِلْكِ الْجَارِيَةِ بِالدُّخُولِ إلَّا مِنْ قَرِيبِ عَهْدٍ بِالْإِسْلَامِ أَوْ مِمَّنْ نَشَأَ بِبَادِيَةٍ بَعِيدَةٍ عَنْ الْعُلَمَاءِ.

[فَصْلٌ فِي الْوَلِيمَةِ]

ِ وَاشْتِقَاقِهَا كَمَا قَالَ الْأَزْهَرِيُّ مِنْ الْوَلْمِ، وَهُوَ الِاجْتِمَاعُ؛ لِأَنَّ الزَّوْجَيْنِ يَجْتَمِعَانِ، وَمِنْهُ: أَوْلَمَ الرَّجُلُ إذَا اجْتَمَعَ عَقْلُهُ وَخُلُقُهُ، وَهِيَ تَقَعُ عَلَى كُلِّ طَعَامٍ يُتَّخَذُ لِسُرُورِ حَادِثٍ مِنْ عُرْسٍ وَإِمْلَاكٍ وَغَيْرِهَا، لَكِنَّ اسْتِعْمَالَهَا مُطْلَقَةً فِي الْعُرْسِ أَشْهَرُ، وَفِي غَيْرِهِ بِقَيْدٍ، فَيُقَالُ: وَلِيمَةُ خِتَانٍ أَوْ غَيْرِهِ، وَهِيَ لِدَعْوَةِ الْأَمْلَاكِ، وَهُوَ الْعَقْدُ: وَلِيمَةٌ وَمِلَاكٌ وَشَنْدَخِيٌّ، وَلِلْخِتَانِ إعْذَارٌ بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ وَإِعْجَامِ الدَّالِ، وَلِلْوِلَادَةِ عَقِيقَةٌ، وَلِلسَّلَامَةِ مِنْ الطَّلْقِ خُرْسٌ بِضَمِّ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَسِينٍ مُهْمَلَةٍ، وَتُقَالُ بِصَادٍ، وَلِلْقُدُومِ مِنْ السَّفَرِ نَقِيعَةٌ مِنْ النَّقْعِ، وَهُوَ الْغُبَارُ، وَهِيَ طَعَامٌ يُصْنَعُ لَهُ، سَوَاءٌ أَصَنَعَهُ الْقَادِمُ أَمْ صَنَعَهُ غَيْرُهُ لَهُ كَمَا أَفَادَهُ كَلَامُ الْمَجْمُوعِ فِي آخِرِ صَلَاةِ الْمُسَافِرِ، وَلِلْبِنَاءِ وَكِيرَةٌ: مِنْ الْوَكْرِ، وَهُوَ الْمَأْوَى، وَلِلْمُصِيبَةِ وَضِيمَةٌ بِكَسْرِ الضَّادِ الْمُعْجَمَةِ، وَقِيلَ هَذِهِ لَيْسَتْ مِنْ الْوَلَائِمِ نَظَرًا لِاعْتِبَارِ السُّرُورِ، لَكِنَّ ظَاهِرَ كَلَامِهِمْ أَنَّهُ مِنْهَا، وَيُوَجَّهُ كَلَامُهُمْ بِأَنَّ اعْتِبَارَ السُّرُورِ إنَّمَا هُوَ فِي الْغَالِبِ، وَلِحِفْظِ الْقُرْآنِ حِذَاقٌ بِكَسْرِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَبِذَالٍ مُعْجَمَةٍ، وَبِلَا سَبَبٍ مَأْدُبَةٌ بِضَمِّ الدَّالِ وَفَتْحِهَا، وَالْكُلُّ مُسْتَحَبٌّ.
قَالَ الْأَذْرَعِيُّ: وَالظَّاهِرُ أَنَّ اسْتِحْبَابَ وَلِيمَةِ الْخِتَانِ مَحَلُّهُ فِي خِتَانِ الذُّكُورِ دُونَ الْإِنَاثِ فَإِنَّهُ يُخْفَى وَيُسْتَحْيَا مِنْ إظْهَارِهِ، وَيُحْتَمَلُ اسْتِحْبَابُهُ لِلنِّسَاءِ فِيمَا بَيْنَهُنَّ خَاصَّةً أَيْ وَهَذَا أَوْجَهُ قَالَ: وَأَطْلَقُوا اسْتِحْبَابَ الْوَلِيمَةِ لِلْقُدُومِ مِنْ السَّفَرِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ مَحَلَّهُ فِي السَّفَرِ الطَّوِيلِ لِقَضَاءِ الْعُرْفِ بِهِ.
أَمَّا مَنْ غَابَ يَوْمًا أَوْ أَيَّامًا يَسِيرَةً إلَى بَعْضِ النَّوَاحِي الْقَرِيبَةِ فَكَالْحَاضِرِ وَآكَدُهَا (وَلِيمَةُ الْعُرْسِ) بِضَمِّ الْعَيْنِ مَعَ

سُنَّةٌ.

وَفِي قَوْلٍ أَوْ وَجْهٍ وَاجِبَةٌ.

وَالْإِجَابَةُ إلَيْهَا فَرْضُ عَيْنٍ،

[مغني المحتاج]

ضَمِّ الرَّاءِ وَإِسْكَانِهَا فَإِنَّهَا (سُنَّةٌ) مُؤَكَّدَةٌ لِثُبُوتِهَا عَنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَوْلًا وَفِعْلًا، وَفِي الْبُخَارِيِّ: «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَوْلَمَ عَلَى بَعْضِ نِسَائِهِ بِمُدَّيْنِ مِنْ شَعِيرٍ، وَأَنَّهُ أَوْلَمَ عَلَى صَفِيَّةَ بِتَمْرٍ وَسَمْنٍ وَأَقِطٍ، وَأَنَّهُ قَالَ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ وَقَدْ تَزَوَّجَ: أَوْلِمْ وَلَوْ بِشَاةٍ» .

وَأَقَلُّهَا لِلْمُتَمَكِّنِ شَاةٌ وَلِغَيْرِهِ مَا قَدَرَ عَلَيْهِ.
قَالَ النَّسَائِيُّ: وَالْمُرَادُ أَقَلُّ الْكَمَالِ شَاةٌ لِقَوْلِ التَّنْبِيهِ: وَبِأَيِّ شَيْءٍ أَوْلَمَ مِنْ الطَّعَامِ جَازَ، وَهُوَ يَشْمَلُ الْمَأْكُولَ وَالْمَشْرُوبَ الَّذِي يُعْمَلُ فِي حَالِ الْعَقْدِ مِنْ سُكَّرٍ وَغَيْرِهِ، وَقَدْ جَمَعَ بَعْضُهُمْ أَسْمَاءَ الْوَلَائِمِ فِي أَبْيَاتٍ فَقَالَ: وَلِلضِّيَافَةِ أَسْمَاءٌ ثَمَانِيَةٌ ... وَلِيمَةُ الْعُرْسِ ثُمَّ الْخُرْسُ لِلْوَلَدِ كَذَا الْعَقِيقَةُ لِلْمَوْلُودِ سَابِعَهُ ... ثُمَّ الْوَكِيرَةُ لِلْبُنْيَانِ إنْ تَجِدْ ثُمَّ النَّقِيعَةُ عِنْدَ الْعَوْدِ مِنْ سَفَرٍ ... وَفِي الْخِتَانِ هُوَ الْإِعْذَارُ فَاجْتَهِدْ وَضِيمَةٌ لِمُصَابٍ ثُمَّ مَأْدُبَةٌ ... مِنْ غَيْرِ مَا سَبَبٍ جَاءَتْكَ بِالْعَدَدِ وَالشَّنْدَخِيُّ لِأَمْلَاكٍ فَقَدْ كَمُلَتْ ... تِسْعًا وَقُلْ لِلَّذِي يَدْرِيهِ فَاعْتَمِدْ وَقَوْلُهُ: قُلْ لِلَّذِي يَدْرِيه أَيْ الشَّنْدَخِيِّ، وَأَهْمَلَ النَّاظِمُ عَاشِرًا وَهُوَ الْحِذَاقُ.

وَلَمْ يَتَعَرَّضُوا لِاسْتِحْبَابِ الْوَلِيمَةِ لِلتَّسَرِّي، وَقَدْ صَحَّ: «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمَّا أَوْلَمَ عَلَى صَفِيَّةَ قَالُوا: إنْ لَمْ يَحْجُبْهَا فَهِيَ أُمُّ وَلَدٍ، وَإِنْ حَجَبَهَا فَهِيَ امْرَأَتُهُ» وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى عَدَمِ اخْتِصَاصِ الْوَلِيمَةِ بِالزَّوْجَةِ وَنَدْبِهَا لِلتَّسَرِّي، إذْ لَوْ اُخْتُصَّتْ بِالزَّوْجَةِ لَمْ يَتَرَدَّدُوا فِي كَوْنِهَا زَوْجَةً أَوْ سُرِّيَّةً.

تَنْبِيهٌ: لَمْ يَتَعَرَّضُوا لِوَقْتِ الْوَلِيمَةِ، وَاسْتَنْبَطَ السُّبْكِيُّ مِنْ كَلَامِ الْبَغَوِيِّ أَنَّ وَقْتَهَا مُوَسَّعٌ مِنْ حِينِ الْعَقْدِ فَيَدْخُلُ وَقْتُهَا بِهِ، وَالْأَفْضَلُ فِعْلُهَا بَعْدَ الدُّخُولِ؛ لِأَنَّهُ «- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يُولِمْ عَلَى نِسَائِهِ إلَّا بَعْدَ الدُّخُولِ» فَتَجِبُ الْإِجَابَةُ إلَيْهَا مِنْ حِينِ الْعَقْدِ وَإِنْ خَالَفَ الْأَفْضَلَ خِلَافًا لِمَا بَحَثَهُ ابْنُ السُّبْكِيّ فِي التَّوْشِيحِ (وَفِي قَوْلٍ) كَمَا حَكَاهُ فِي الْمُهَذَّبِ (أَوْ وَجْهٍ) كَمَا فِي غَيْرِهِ (وَاجِبَةٌ) عَيْنًا لِظَاهِرِ الْأَمْرِ فِي خَبَرِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ السَّابِقِ، وَالْأَوَّلُ حَمَلَهُ عَلَى النَّدْبِ قِيَاسًا عَلَى الْأُضْحِيَّةِ وَسَائِرِ الْوَلَائِمِ، وَلِأَنَّهُ أَمَرَ فِيهِ بِالشَّاةِ، وَلَوْ كَانَ الْأَمْرُ لِلْوُجُوبِ لَوَجَبَتْ، وَهِيَ لَا تَجِبُ إجْمَاعًا لَا عَيْنًا وَلَا كِفَايَةً.

تَنْبِيهٌ: لَوْ نَكَحَ أَرْبَعًا هَلْ يُسْتَحَبُّ لِكُلِّ وَاحِدَةٍ وَلِيمَةٌ وَاحِدَةٌ عَنْ الْجَمِيعِ أَوْ يَكْفِيه، أَوْ يَفْصِلُ بَيْنَ الْعَقْدِ الْوَاحِدِ وَالْعُقُودِ.
قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: فِيهِ نَظَرٌ اهـ وَالْأَوْجَهُ الْأَوَّلُ كَمَا قَالَهُ غَيْرُهُ.

(وَالْإِجَابَةُ إلَيْهَا) أَيْ وَلِيمَةِ الْعُرْسِ عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّهَا سُنَّةٌ (فَرْضُ عَيْنٍ) لِخَبَرِ الصَّحِيحَيْنِ: «إذَا دُعِيَ أَحَدُكُمْ إلَى الْوَلِيمَةِ فَلْيَأْتِهَا» وَخَبَرِ مُسْلِمٍ: «شَرُّ الطَّعَامِ طَعَامُ الْوَلِيمَةِ يُدْعَى لَهَا الْأَغْنِيَاءُ وَتُتْرَكُ الْفُقَرَاءُ، وَمَنْ لَمْ يُجِبْ الدَّعْوَةَ فَقَدْ عَصَى اللَّهَ وَرَسُولَهُ» . قَالُوا: وَالْمُرَادُ وَلِيمَةُ الْعُرْسِ؛

وَقِيلَ كِفَايَةٍ، وَقِيلَ سُنَّةٌ.

وَإِنَّمَا تَجِبُ أَوْ تُسَنُّ بِشَرْطِ أَنْ لَا يَخُصَّ الْأَغْنِيَاءَ وَأَنْ يَدْعُوَهُ فِي الْيَوْمِ الْأَوَّلِ، فَإِنْ أَوْلَمَ ثَلَاثَةً لَمْ تَجِبْ فِي الثَّانِي، وَتُكْرَهُ فِي الثَّالِثِ،

[مغني المحتاج]

لِأَنَّهَا الْمَعْهُودَةُ عِنْدَهُمْ، وَيُؤَيِّدُهُ مَا فِي الصَّحِيحَيْنِ مَرْفُوعًا: «إذَا دُعِيَ أَحَدُكُمْ إلَى وَلِيمَةِ عُرْسٍ فَلْيُجِبْ» وَحَكَى ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ وَغَيْرُهُ الْإِجْمَاعَ عَلَى ذَلِكَ (وَقِيلَ) الْإِجَابَةُ إلَيْهَا فَرْضُ (كِفَايَةٍ) لِأَنَّ الْمَقْصُودَ إظْهَارُ النِّكَاحِ وَالتَّمْيِيزُ عَنْ السِّفَاحِ، وَهُوَ حَاصِلٌ بِحُصُولِ الْبَعْضِ (وَقِيلَ: سُنَّةٌ) لِأَنَّهُ تَمْلِيكُ مَالٍ فَلَمْ يَجِبْ كَغَيْرِهِ، وَالْخَبَرُ مَحْمُولٌ عَلَى تَأَكُّدِ الِاسْتِحْبَابِ.
أَمَّا عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّهَا وَاجِبَةٌ فَإِنَّ الْإِجَابَةَ تَجِبُ قَطْعًا، قَالَهُ الْمُتَوَلِّي وَتَابَعَاهُ.
تَنْبِيهٌ: قَضِيَّةُ قَوْلِهِ إلَيْهَا عَدَمُ الْإِجَابَةِ إلَى غَيْرِهَا مِنْ الْوَلَائِمِ وَهُوَ الصَّحِيحُ، بَلْ هِيَ سُنَّةٌ لِمَا فِي مُسْنَدِ أَحْمَدَ عَنْ الْحَسَنِ قَالَ: دُعِيَ عُثْمَانُ بْنُ أَبِي الْعَاصِ إلَى خِتَانٍ فَلَمْ يُجِبْ وَقَالَ: لَمْ يَكُنْ يُدْعَى لَهُ عَهْدَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. وَقِيلَ: يَطَّرِدُ الْخِلَافُ السَّابِقُ، وَاخْتَارَهُ السُّبْكِيُّ وَغَيْرُهُ، فَفِي مُسْلِمٍ: «مَنْ دُعِيَ إلَى عُرْسٍ أَوْ نَحْوِهِ فَلْيُجِبْ» وَفِي أَبِي دَاوُد: «إذَا دَعَا أَحَدُكُمْ أَخَاهُ فَلْيُجِبْ عُرْسًا كَانَ أَوْ غَيْرَهُ» وَقَضِيَّتُهُمَا وُجُوبُ الْإِجَابَةِ فِي سَائِرِ الْوَلَائِمِ، وَبِهِ أَجَابَ جُمْهُورُ الْعِرَاقِيِّينَ كَمَا قَالَهُ الزَّرْكَشِيُّ.

(وَإِنَّمَا تَجِبُ) الْإِجَابَةُ (أَوْ تُسَنُّ) كَمَا مَرَّ (بِشَرْطِ) أَيْ بِشُرُوطٍ مِنْهَا (أَنْ لَا يَخُصَّ) بِالدَّعْوَةِ (الْأَغْنِيَاءَ) لِغِنَاهُمْ لِخَبَرِ: " شَرُّ الطَّعَامِ " بَلْ يَعُمُّ عَشِيرَتَهُ، أَوْ جِيرَانَهُ، أَوْ أَهْلَ حِرْفَتِهِ، وَإِنْ كَانُوا كُلُّهُمْ أَغْنِيَاءَ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ أَنْ يَعُمَّ جَمِيعَ النَّاسِ لِتَعَذُّرِهِ، بَلْ لَوْ كَثُرَتْ عَشِيرَتُهُ أَوْ نَحْوُهَا، أَوْ خَرَجَتْ عَنْ الضَّبْطِ، أَوْ كَانَ فَقِيرًا لَا يُمْكِنُهُ اسْتِيعَابُهَا، فَالْوَجْهُ كَمَا قَالَ الْأَذْرَعِيُّ عَدَمُ اشْتِرَاطِ عُمُومِ الدَّعْوَةِ، بَلْ الشَّرْطُ أَنْ لَا يَظْهَرَ مِنْهُ قَصْدُ التَّخْصِيصِ.
قَالَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ: وَلَوْ لِغَيْرِ الْأَغْنِيَاءِ وَلَيْسَ بِظَاهِرٍ، بَلْ لَوْ خَصَّصَ بِذَلِكَ الْفُقَرَاءَ كَانَ أَوْلَى، وَمِنْهَا أَنْ يَكُونَ الدَّاعِي مُسْلِمًا، فَلَوْ كَانَ كَافِرًا لَمْ تَجِبْ إجَابَتُهُ لِانْتِفَاءِ طَلَبِ الْمَوَدَّةِ مَعَهُ، وَلِأَنَّهُ يُسْتَقْذَرُ طَعَامُهُ لِاحْتِمَالِ نَجَاسَتِهِ وَفَسَادِ تَصَرُّفِهِ، وَلِهَذَا لَا يُسْتَحَبُّ إجَابَةُ الذِّمِّيِّ كَاسْتِحْبَابِ إجَابَةِ الْمُسْلِمِ فِيمَا يُسْتَحَبُّ فِيهِ إجَابَتُهُ، وَيُؤْخَذُ مِنْ هَذَا أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ إجَابَةُ الذِّمِّيِّ وَإِنْ كُرِهَتْ مُخَالَطَتُهُ.
وَمِنْهَا أَنْ يَكُونَ الْمَدْعُوُّ مُسْلِمًا أَيْضًا، فَلَوْ دَعَا مُسْلِمٌ كَافِرًا لَمْ تَجِبْ إجَابَتُهُ كَمَا قَالَهُ الْمَاوَرْدِيُّ وَالرُّويَانِيُّ (وَ) مِنْهَا (أَنْ يَدْعُوَهُ فِي الْيَوْمِ الْأَوَّلِ، فَإِنْ أَوْلَمَ ثَلَاثَةً) مِنْ الْأَيَّامِ أَوْ أَكْثَرَ (لَمْ تَجِبْ) إجَابَتُهُ (فِي) الْيَوْمِ (الثَّانِي) قَطْعًا بَلْ تُسَنُّ فِيهِ (وَتُكْرَهُ فِي الثَّالِثِ) وَفِيمَا بَعْدَهُ، فَفِي أَبِي دَاوُد وَغَيْرِهِ: «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: الْوَلِيمَةُ فِي الْيَوْمِ الْأَوَّلِ حَقٌّ، وَفِي الثَّانِي مَعْرُوفٌ، وَفِي الثَّالِثِ - أَيْ وَفِيمَا بَعْدَهُ - رِيَاءٌ وَسُمْعَةٌ» نَعَمْ لَوْ لَمْ يُمْكِنْهُ اسْتِيعَابُ النَّاسِ فِي الْيَوْمِ الْأَوَّلِ لِكَثْرَتِهِمْ، أَوْ صِغَرٍ

وَأَنْ لَا يُحْضِرَهُ لِخَوْفٍ أَوْ طَمَعٍ فِي جَاهِهِ، وَأَنْ لَا يَكُونَ ثَمَّ مَنْ يَتَأَذَّى بِهِ أَوْ لَا يَلِيقُ بِهِ مُجَالَسَتُهُ وَلَا مُنْكَرٌ،

[مغني المحتاج]

مَنْزِلِهِ، أَوْ غَيْرِهِمَا وَجَبَتْ الْإِجَابَةُ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ فِي الْحَقِيقَةِ كَمَا قَالَ الْأَذْرَعِيُّ كَوَلِيمَةٍ وَاحِدَةٍ دَعَا النَّاسَ إلَيْهَا أَفْوَاجًا فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ، وَلَوْ أَوْلَمَ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ مَرَّتَيْنِ لِغَيْرِ عُذْرٍ مِمَّا مَرَّ فَالظَّاهِرُ كَمَا قَالَ الزَّرْكَشِيُّ أَنَّ الثَّانِيَةَ كَالْيَوْمِ الثَّانِي فَلَا تَجِبُ الْإِجَابَةُ.
وَمِنْهَا أَنْ يَكُونَ الدَّاعِي مُطْلَقَ التَّصَرُّفِ، فَلَا تُطْلَبُ إجَابَةُ الْمَحْجُورِ عَلَيْهِ لِصِبًا أَوْ جُنُونٍ أَوْ سَفَهٍ وَإِنْ أَذِنَ وَلِيُّهُ؛ لِأَنَّهُ مَأْمُورٌ بِحِفْظِ مَالِهِ لَا بِإِتْلَافِهِ.
نَعَمْ إنْ اتَّخَذَهَا الْوَلِيُّ مِنْ مَالِهِ وَهُوَ أَبٌ أَوْ جَدٌّ فَالظَّاهِرُ كَمَا قَالَ الْأَذْرَعِيُّ وُجُوبُ الْحُضُورِ (وَ) مِنْهَا (أَنْ لَا يُحْضِرَهُ) أَيْ يَدْعُوَهُ (لِخَوْفٍ) مِنْهُ لَوْ لَمْ يُحْضِرْهُ (أَوْ طَمَعٍ فِي جَاهِهِ) أَوْ إعَانَتِهِ عَلَى بَاطِلٍ، بَلْ لِلتَّوَدُّدِ وَالتَّقَرُّبِ، وَكَذَا لَا بِقَصْدِ شَيْءٍ كَمَا اقْتَضَاهُ كَلَامُهُ.
وَمِنْهَا أَنْ يُعَيِّنَ الْمَدْعُوَّ بِنَفْسِهِ أَوْ نَائِبِهِ، لَا إنْ نَادَى فِي النَّاسِ، كَأَنْ قَالَ لِغَيْرِهِ: اُدْعُ مَنْ شِئْت، أَوْ افْتَحْ الْبَابَ وَقَالَ لِيَحْضُرْ مَنْ أَرَادَ؛ لِأَنَّ الِامْتِنَاعَ حِينَئِذٍ لَا يُورِثُ وَحْشَةً.
وَمِنْهَا أَنْ لَا يَعْتَذِرَ الْمَدْعُوُّ إلَى الدَّاعِي وَيَرْضَى بِتَخَلُّفِهِ وَإِلَّا زَالَ الْوُجُوبُ.
وَمِنْهَا أَنْ لَا يَسْبِقَ الدَّاعِي غَيْرَهُ، فَلَوْ دَعَاهُ اثْنَانِ أَجَابَ السَّابِقَ، فَإِنْ جَاءَا مَعًا أَجَابَ أَقْرَبَهُمَا رَحِمًا ثُمَّ دَارًا.
وَمِنْهَا أَنْ لَا يَدْعُوَهُ مَنْ أَكْثَرُ مَالِهِ حَرَامٌ، فَمَنْ كَانَ كَذَلِكَ كُرِهَتْ إجَابَتُهُ، فَإِنْ عَلِمَ أَنَّ عَيْنَ الطَّعَامِ حَرَامٌ حَرُمَتْ إجَابَتُهُ وَإِلَّا فَلَا وَتُبَاحُ الْإِجَابَةُ، وَلَا تَجِبُ إذَا كَانَ فِي مَالِهِ شُبْهَةٌ، وَلِهَذَا قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: لَا تَجِبُ الْإِجَابَةُ فِي زَمَانِنَا اهـ. وَلَكِنْ لَا بُدَّ أَنْ يَغْلِبَ عَلَى الظَّنِّ أَنَّ فِي مَالِ الدَّاعِي شُبْهَةً وَمِنْهَا أَنْ لَا يَكُونَ الدَّاعِي امْرَأَةً أَجْنَبِيَّةً وَلَيْسَ فِي مَوْضِعِ الدَّعْوَةِ مَحْرَمٌ لَهَا وَلَا لِلْمَدْعُوِّ وَإِنْ لَمْ يَخْلُ بِهَا.
وَمِنْهَا أَنْ يَكُونَ الْمَدْعُوُّ حُرًّا، فَلَوْ دَعَا عَبْدًا لَزِمَهُ إنْ أَذِنَ لَهُ سَيِّدُهُ، وَكَذَا الْمُكَاتَبُ إنْ لَمْ يَضُرَّ حُضُورُهُ بِكَسْبِهِ، فَإِنْ ضَرَّ وَأَذِنَ لَهُ سَيِّدُهُ فَوَجْهَانِ: وَالْأَوْجَهُ عَدَمُ الْوُجُوبِ، وَالْمَحْجُورُ فِي إبَاحَةِ الدَّعْوَةِ كَالرَّشِيدِ، وَمِنْهَا أَنْ يَدْعُوَهُ فِي وَقْتِ الْوَلِيمَةِ وَقَدْ تَقَدَّمَ.
وَمِنْهَا أَنْ لَا يَكُونَ الْمَدْعُوُّ قَاضِيًا، فَإِنْ كَانَ لَمْ تَجِبْ الْإِجَابَةُ كَمَا بَحَثَهُ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ، وَكَذَا كُلُّ ذِي وِلَايَةٍ عَامَّةٍ.
وَمِنْهَا أَنْ لَا يَكُونَ مَعْذُورًا بِمُرَخِّصٍ فِي تَرْكِ الْجَمَاعَةِ كَمَا قَالَهُ الرُّويَانِيُّ وَالْمَاوَرْدِيُّ، وَمِنْهَا أَنْ لَا يَكُونَ الدَّاعِي ظَالِمًا أَوْ فَاسِقًا أَوْ شِرِّيرًا أَوْ مُتَكَلَّفًا طَلَبًا لِلْمُبَاهَاةِ وَالْفَخْرِ، قَالَهُ فِي الْإِحْيَاءِ.
وَمِنْهَا أَنْ لَا يَتَعَيَّنَ عَلَى الْمَدْعُوِّ حَقٌّ كَأَدَاءِ شَهَادَةٍ وَصَلَاةِ جِنَازَةٍ (وَ) مِنْهَا (أَنْ لَا يَكُونَ ثَمَّ) أَيْ فِي مَوْضِعِ الدَّعْوَةِ (مَنْ يَتَأَذَّى) الْمَدْعُوُّ (بِهِ، أَوْ لَا يَلِيقُ بِهِ مُجَالَسَتُهُ) كَالْأَرَاذِلِ، فَإِنْ كَانَ فَهُوَ مَعْذُورٌ فِي التَّخَلُّفِ لِمَا فِيهِ مِنْ التَّأَذِّي فِي الْأَوَّلِ وَالْغَضَاضَةِ فِي الثَّانِي، وَلَا أَثَرَ لِعَدَاوَةٍ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الدَّاعِي، وَأَنْ لَا يَكُونَ فِي الْوَلِيمَةِ عَدُوٌّ لَهُ لَا يَتَأَذَّى بِهِ كَمَا قَالَهُ الْمَاوَرْدِيُّ، وَبَحَثَ الزَّرْكَشِيُّ أَنَّ الْعَدَاوَةَ الظَّاهِرَةَ عُذْرٌ (وَ) مِنْهَا أَنْ (لَا) يُوجَدَ ثَمَّ (مُنْكَرٌ) كَخَمْرٍ، أَوْ مَلَاهٍ مُحَرَّمَةٍ، لِحَدِيثِ: «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلَا يَقْعُدَنَّ عَلَى مَائِدَةٍ يُدَارُ عَلَيْهَا الْخَمْرُ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: حَسَنٌ غَرِيبٌ وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ وَقَالَ: إنَّهُ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ.

فَإِنْ كَانَ يَزُولُ بِحُضُورِهِ فَلْيَحْضُرْ.

وَمِنْ الْمُنْكَرِ فِرَاشُ حَرِيرٍ وَصُورَةُ حَيَوَانٍ عَلَى سَقْفٍ أَوْ جِدَارٍ أَوْ وِسَادَةٍ أَوْ سِتْرٍ أَوْ ثَوْبٍ مَلْبُوسٍ،

[مغني المحتاج]

تَنْبِيهٌ: يَشْمَلُ إطْلَاقُهُ مَا لَوْ كَانَ هُنَاكَ دَاعِيَةٌ إلَى بِدْعَةٍ وَلَا يَقْدِرُ الْمَدْعُوُّ عَلَى رَدِّهِ، وَمَا إذَا كَانَ هُنَاكَ مَنْ يُضْحِكُ بِالْفُحْشِ وَالْكَذِبِ، وَبِهِ صَرَّحَ فِي الْإِحْيَاءِ.
وَمَا إذَا كَانَ هُنَاكَ آنِيَةُ نَقْدٍ، وَبِهِ صَرَّحَ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ (فَإِنْ كَانَ) الْمُنْكَرُ (يَزُولُ بِحُضُورِهِ فَلْيَحْضُرْ) حَتْمًا إجَابَةً لِلدَّعْوَةِ وَإِزَالَةً لِلْمُنْكَرِ، فَإِنْ لَمْ يَزُلْ بِحُضُورِهِ حَرُمَ الْحُضُورُ؛ لِأَنَّهُ كَالرِّضَا بِالْمُنْكَرِ، فَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ بِهِ حَتَّى حَضَرَ نَهَاهُمْ، فَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا وَجَبَ الْخُرُوجُ إلَّا إنْ خَافَ مِنْهُ كَأَنْ كَانَ فِي لَيْلٍ وَخَافَ وَقَعَدَ كَارِهًا بِقَلْبِهِ وَلَا يَسْمَعُ لِمَا يَحْرُمُ اسْتِمَاعُهُ، وَإِنْ اشْتَغَلَ بِالْحَدِيثِ وَالْأَكْلِ جَازَ لَهُ ذَلِكَ، كَمَا لَوْ كَانَ ذَلِكَ فِي جِوَارِ بَيْتِهِ لَا يَلْزَمُهُ التَّحَوُّلُ وَإِنْ بَلَغَهُ الصَّوْتُ، وَلَوْ كَانَ الْمُنْكَرُ مُخْتَلَفًا فِيهِ كَشُرْبِ النَّبِيذِ وَالْجُلُوسِ عَلَى الْحَرِيرِ حَرُمَ الْحُضُورُ عَلَى مُعْتَقِدِ تَحْرِيمِهِ قَالَهُ الشَّارِحُ نَاقِلًا لَهُ نَقْلَ الْمَذْهَبِ، وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ مِمَّا يَغْفُلُ عَنْهَا كَثِيرٌ مِنْ طَلَبَةِ الْعِلْمِ، وَقَدْ قُلْتُهَا فِي مَجْلِسٍ فِيهِ جَمَاعَةٌ مِنْ عُلَمَائِنَا فَأَنْكَرَهَا بَعْضُهُمْ، فَقُلْت لَهُ: هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ قَالَهَا الْجَلَالُ الْمَحَلِّيُّ فَسَكَتَ، وَيُؤَيَّدُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ قَوْلُ الْمُصَنِّفِ.

(وَمِنْ الْمُنْكَرِ فِرَاشُ) أَيْ فِرَاشُ (حَرِيرٍ) لِلنَّهْيِ عَنْ افْتِرَاشِهِ كَمَا مَرَّ فِي بَابِهِ.
فَإِنْ قِيلَ: هَذَا يُخَالِفُ قَوْلَهُمْ فِي كِتَابِ السِّيَرِ: لَا يُنْكَرُ إلَّا الْمُجْمَعُ عَلَى تَحْرِيمِهِ.
أُجِيبَ بِأَنَّ الْخِلَافَ إنَّمَا يُرَاعَى إذَا لَمْ يُخَالِفْ سُنَّةً صَحِيحَةً، وَالسُّنَّةُ قَدْ صَحَّتْ بِالنَّهْيِ عَنْ الِافْتِرَاشِ، فَلَا عِبْرَةَ بِخِلَافٍ يُصَادِمُ النَّصَّ، وَلِهَذَا حَدَّ الشَّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - شَارِبَ النَّبِيذِ الْمُخْتَلَفِ فِيهِ، وَمِنْ ذَلِكَ يُؤْخَذُ مَا أَفْتَى بِهِ ابْنُ الرِّفْعَةِ مِنْ أَنَّ الْفُرْجَةَ عَلَى الزِّينَةِ حَرَامٌ أَيْ لِمَا فِيهَا مِنْ الْمُنْكَرَاتِ.
تَنْبِيهٌ: مَحَلُّ مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ فِي دَعْوَةٍ اُتُّخِذَتْ لِلرِّجَالِ، فَأَمَّا دَعْوَةُ النِّسَاءِ خَاصَّةً فَيَنْبَنِي عَلَى افْتِرَاشِهِنَّ لِلْحَرِيرِ، فَإِنْ مَنَعْنَاهُ لَهُنَّ فَلَا فَرْقَ وَإِنْ جَوَّزْنَاهُ وَهُوَ الْأَصَحُّ كَمَا مَرَّ فِي بَابِهِ فَلَيْسَ بِمُنْكَرٍ، وَالتَّقْيِيدُ بِالِافْتِرَاشِ يُخْرِجُ سِتْرَ الْجِدَارِ بِهِ مَعَ أَنَّهُ حَرَامٌ عَلَى الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ، وَلَوْ حَذَفَ الْحَرِيرَ وَقَالَ كَالْغَزَالِيِّ: وَفَرْشُ غَيْرِ حَلَالٍ كَانَ أَوْلَى لِيَشْمَلَ فَرْشَ الْمَغْصُوبِ وَالْمَسْرُوقِ، وَفَرْشَ جُلُودِ النُّمُورِ فَإِنَّهَا حَرَامٌ كَمَا قَالَهُ الْحَلِيمِيُّ وَابْنُ الْمُنْذِرِ وَغَيْرُهُمَا، وَلِيُنَبِّهَ عَلَى أَنَّ الْمُحَرَّمَ الْمَصْدَرُ أَعْنِي الْفَرْشَ لَا الْفِرَاشَ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ مَطْوِيًّا وَلَا حُرْمَةَ فِيهِ (وَ) مِنْ الْمُنْكَرِ أَنْ يَكُونَ فِي مَوْضِعِ الدَّعْوَةِ (صُورَةُ حَيَوَانٍ) آدَمِيًّا كَانَ أَوْ غَيْرَهُ كَبِيرًا أَوْ صَغِيرًا عَلَى صُورَةِ حَيَوَانٍ مَعْهُودٍ كَفَرَسٍ أَمْ لَا كَآدَمِيٍّ بِجَنَاحَيْنِ مَرْفُوعَةٌ كَأَنْ كَانَتْ (عَلَى سَقْفٍ أَوْ جِدَارٍ أَوْ وِسَادَةٍ) مَنْصُوبَةٍ كَمَا فِي الْمُحَرَّرِ وَالرَّوْضَةِ وَأَصْلِهَا (أَوْ سِتْرٍ) بِكَسْرِ الْمُهْمَلَةِ بِخَطِّهِ مُعَلَّقٌ لِزِينَةٍ أَوْ مَنْفَعَةٍ (أَوْ) عَلَى (ثَوْبٍ مَلْبُوسٍ) لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «امْتَنَعَ مِنْ الدُّخُولِ عَلَى عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا - مِنْ أَجْلِ النُّمْرُقَةِ الَّتِي عَلَيْهَا التَّصَاوِيرُ، فَقَالَتْ: أَتُوبُ إلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ مِمَّا أَذْنَبْت.
فَقَالَ: مَا بَالُ هَذِهِ النُّمْرُقَةِ، فَقَالَتْ: اشْتَرَيْتُهَا لَك لِتَقْعُدَ عَلَيْهَا وَتَتَوَسَّدَهَا.
فَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: إنَّ أَصْحَابَ هَذِهِ الصُّوَرِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يُعَذَّبُونَ، فَيُقَالُ لَهُمْ: أَحْيُوا مَا خَلَقْتُمْ وَإِنَّ الْبَيْتَ الَّذِي فِيهِ هَذِهِ الصُّوَرُ لَا تَدْخُلُهُ الْمَلَائِكَةُ»

وَيَجُوزُ مَا عَلَى أَرْضٍ وَبِسَاطٍ وَمِخَدَّةٍ.

[مغني المحتاج]

مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَقَالَ: «أَشَدُّ النَّاسِ عَذَابًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ الْمُصَوِّرُونَ» وَلِأَنَّهَا شَبِيهَةٌ بِالْأَصْنَامِ.
تَنْبِيهٌ: قَضِيَّةُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ تَحْرِيمُ دُخُولِ الْبَيْتِ الْمُشْتَمِلِ عَلَى هَذِهِ الصُّوَرِ، وَكَلَامُ أَصْلِ الرَّوْضَةِ يَقْتَضِي تَرْجِيحَ عَدَمِ تَحْرِيمِهِ حَيْثُ قَالَ: وَهَلْ دُخُولُ الْبَيْتِ الَّذِي فِيهِ الصُّوَرُ الْمَصْنُوعَةُ حَرَامٌ أَوْ مَكْرُوهٌ؟ وَجْهَانِ، وَبِالتَّحْرِيمِ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ، وَبِالْكَرَاهَةِ قَالَ صَاحِبُ التَّقْرِيبِ وَالصَّيْدَلَانِيّ، وَرَجَّحَهُ الْإِمَامُ وَالْغَزَالِيُّ فِي الْوَسِيطِ اهـ. وَفِي الشَّرْحِ الصَّغِيرِ عَنْ الْأَكْثَرِينَ أَنَّهُمْ مَالُوا إلَى الْكَرَاهَةِ، وَصَوَّبَهُ الْإِسْنَوِيُّ، وَهَذَا هُوَ الرَّاجِحُ كَمَا جَزَمَ بِهِ صَاحِبُ الْأَنْوَارِ، وَلَكِنْ حَكَى فِي الْبَيَانِ عَنْ عَامَّةِ الْأَصْحَابِ التَّحْرِيمَ وَبِذَلِكَ عُلِمَ أَنَّ مَسْأَلَةَ الدُّخُولِ غَيْرُ الْحُضُورِ خِلَافًا لِمَا فَهِمَهُ الْإِسْنَوِيُّ وَكَصُوَرِ الْحَيَوَانِ فِي ذَلِكَ فُرُشُ الْحَرِيرِ كَمَا يُومِئُ إلَيْهِ كَلَامُ الرَّوْضَةِ، وَخَرَجَ بِكَوْنِ الصُّورَةِ فِي مَوْضِعِ الدَّعْوَةِ، إذَا كَانَتْ فِي الْمَمَرِّ، فَلَا بَأْسَ بِدُخُولِ الْحَمَّامِ الَّذِي عَلَى بَابِهِ صُوَرٌ كَمَا فِي الشَّرْحِ وَالرَّوْضَةِ، وَبِالْوِسَادَةِ الْمَنْصُوبَةِ غَيْرُ الْمَنْصُوبَةِ، وَسَيَأْتِي فِي كَلَامِهِ التَّجْوِيزُ فِي الْمِخَدَّةِ، وَالْوِسَادَةُ وَالْمِخَدَّةُ لَفْظَانِ مُتَرَادِفَانِ، وَجُمِعَ بَيْنَ كَلَامِهِ بِأَنَّ مُرَادَهُ بِالْجَوَازِ فِي الْمِخَدَّةِ الصَّغِيرَةِ الَّتِي يُتَّكَأُ عَلَيْهَا، وَبِالْمَنْعِ فِي الْوِسَادَةِ الْكَبِيرَةِ الْمَنْصُوبَةِ كَمَا عَبَّرَ بِهِ فِي الرَّوْضَةِ، وَتَعْبِيرُ الْكِتَابِ لَا يَدُلُّ عَلَيْهِ وَإِنَّمَا يُحْمَلُ عَلَيْهِ عِنَايَةً بِهِ، وَقَوْلُ الْمُصَنِّفِ: وَثَوْبٌ مَلْبُوسٌ يَقْتَضِي أَنَّهُ إنَّمَا يَكُونُ مُنْكَرًا فِي حَالِ كَوْنِهِ مَلْبُوسًا.
قَالَ الْأَذْرَعِيُّ: وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ مَا يُرَادُ لِلُّبْسِ، سَوَاءٌ كَانَ مَلْبُوسًا فِي تِلْكَ السَّاعَةِ أَمْ مُعَلَّقًا أَمْ مَوْضُوعًا عَلَى الْأَرْضِ اهـ. وَالْأَوْجَهُ مَا فِي الْكِتَابِ.
فَائِدَةٌ: يُسْتَثْنَى مِنْ صُورَةِ الْحَيَوَانِ لُعَبُ الْبَنَاتِ فَلَا تَحْرُمُ كَمَا فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ لِلْمُصَنِّفِ تَبَعًا لِلْقَاضِي عِيَاضٍ فِي نَقْلِهِ ذَلِكَ عَنْ الْعُلَمَاءِ: «وَلِأَنَّ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا - كَانَتْ تَلْعَبُ بِهَا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -» رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
وَحِكْمَتُهُ تَدْرِيبُهُنَّ أَمْرَ التَّرْبِيَةِ، وَقَدْ عُلِمَ مِمَّا تَقَرَّرَ أَنَّ مَا تَرَكَهُ الْمُصَنِّفُ مِنْ الشُّرُوطِ أَكْثَرُ مِمَّا ذَكَرَهُ، وَالْمَرْأَةُ إنْ دَعَتْ نِسَاءً فَكَمَا فِي الرِّجَالِ (وَيَجُوزُ مَا) أَيْ صُورَةُ حَيَوَانٍ كَائِنَةٌ (عَلَى أَرْضٍ وَبِسَاطٍ) يُوطَأُ (وَمِخَدَّةٍ) يُتَّكَأُ عَلَيْهَا وَآنِيَةٍ تُمْتَهَنُ الصُّوَرُ بِاسْتِعْمَالِهَا كَطَبَقٍ وَخِوَانٍ وَقَصْعَةٍ، وَالضَّابِطُ فِي ذَلِكَ إنْ كَانَتْ الصُّورَةُ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا يُهَانُ جَازَ وَإِلَّا فَلَا، لِمَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ عَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا -: «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَدِمَ مِنْ سَفَرٍ وَقَدْ سَتَرَتْ عَلَى صُفَّةٍ لَهَا سِتْرًا فِيهِ الْخَيْلُ ذَوَاتُ الْأَجْنِحَةِ فَأَمَرَ بِنَزْعِهَا» وَفِي رِوَايَةٍ: «قَطَعْنَا مِنْهَا وِسَادَةً أَوْ وِسَادَتَيْنِ، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَرْتَفِقُ بِهِمَا» كَذَا اسْتَدَلُّوا بِهِ.
قَالَ السُّبْكِيُّ: وَفِيهِ نَظَرٌ، إذْ يُحْتَمَلُ كَوْنُ الْقَطْعِ فِي مَوْضِعِ الصُّورَةِ فَزَالَتْ وَجُعِلَتْ وِسَادَةً اهـ. وَقَدْ يُجَابُ بِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ ذَلِكَ،

وَمَقْطُوعُ الرَّأْسِ وَصُورَةُ شَجَرٍ.

وَيَحْرُمُ تَصْوِيرُ حَيَوَانٍ.

وَلَا تَسْقُطُ إجَابَةٌ بِصَوْمٍ، فَإِنْ شَقَّ عَلَى الدَّاعِي صَوْمُ نَفْلٍ فَالْفِطْرُ أَفْضَلُ.

وَيَأْكُلُ الضَّيْفُ مِمَّا قُدِّمَ لَهُ بِلَا لَفْظٍ،

[مغني المحتاج]

وَلِأَنَّ مَا يُوطَأُ وَيُطْرَحُ مُهَانٌ مُبْتَذَلٌ، وَأَمَّا الصُّورَةُ الْمَنْقُوشَةُ عَلَى دِينَارٍ أَوْ دِرْهَمٍ، فَالْقِيَاسُ كَمَا قَالَ الزَّرْكَشِيُّ إلْحَاقُهَا بِالثَّوْبِ أَيْ غَيْرِ الْمَلْبُوسِ لِامْتِهَانِهِ بِالِاسْتِعْمَالِ.
تَنْبِيهٌ: أَشْعَرَ كَلَامُهُ وُجُوبَ الْإِجَابَةِ مَعَ وُجُودِ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ وَتَجْوِيزَ اسْتِعْمَالِهَا وَهُوَ كَذَلِكَ فِي الْأَوَّلِ دُونَ الثَّانِي، فَإِنَّ الصَّحِيحَ تَحْرِيمُ التَّصْوِيرِ عَلَى الْأَرْضِ وَغَيْرِهَا كَمَا سَيَأْتِي وَتَعْبِيرُهُ أَوَّلًا بِالْوِسَادَةِ وَثَانِيًا بِالْمِخَدَّةِ يَقْتَضِي الْمُغَايَرَةَ بَيْنَهُمَا، وَقَدْ تَقَدَّمَ مَا فِيهِ.

(وَ) يَجُوزُ مُرْتَفِعٌ (مَقْطُوعُ الرَّأْسِ وَصُورَةُ شَجَرٍ) وَنَحْوُهُ مِمَّا لَا رُوحَ فِيهِ كَشَمْسٍ وَقَمَرٍ، لِمَا رَوَى الْبُخَارِيُّ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ لَمَّا قَالَ لَهُ الْمُصَوِّرُ: لَا أَعْرِفُ صَنْعَةً غَيْرَهَا: " قَالَ: إنْ لَمْ يَكُنْ فَصَوِّرْ مِنْ الْأَشْجَارِ مَا لَا نَفْسَ لَهُ ".

(وَيَحْرُمُ تَصْوِيرُ حَيَوَانٍ) لِلْحَدِيثِ الْمَارِّ؛ وَلِمَا فِيهِ مِنْ مُضَاهَاةِ خَلْقِ اللَّهِ تَعَالَى.
قَالَ الْمُتَوَلِّي: وَسَوَاءٌ أَعَمِلَ لَهَا رَأْسًا أَمْ لَا خِلَافًا لِأَبِي حَنِيفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -. وَقَالَ الْأَذْرَعِيُّ: إنَّ الْمَشْهُورَ عِنْدَنَا جَوَازُ التَّصْوِيرِ إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ رَأْسٌ لِمَا أَشَارَ إلَيْهِ الْحَدِيثُ مِنْ قَطْعِ رُءُوسِهَا اهـ. وَهَذَا هُوَ الظَّاهِرُ.
تَنْبِيهٌ: قَضِيَّةُ إطْلَاقِ الْمُصَنِّفِ أَنَّهُ لَا فَرْقَ فِي تَصْوِيرٍ عَلَى الْحِيطَانِ أَوْ الْأَرْضِ أَوْ نَسْجِ الثِّيَابِ، وَهُوَ الصَّحِيحُ فِي زِيَادَةِ الرَّوْضَةِ.

(وَلَا تَسْقُطُ إجَابَةٌ بِصَوْمٍ) لِخَبَرِ مُسْلِمٍ: «إذَا دُعِيَ أَحَدُكُمْ فَلْيُجِبْ، فَإِنْ كَانَ مُفْطِرًا فَلْيَطْعَمْ، وَإِنْ كَانَ صَائِمًا فَلْيُصَلِّ» وَالْمُرَادُ بِالصَّلَاةِ الدُّعَاءُ، بِدَلِيلِ رِوَايَةِ ابْنِ السُّنِّيِّ: «فَإِنْ كَانَ صَائِمًا دَعَا لَهُ بِالْبَرَكَةِ» وَلَا يَلْزَمُهُ الْأَكْلُ إذَا كَانَ مُفْطِرًا فَخَبَرُ مُسْلِمٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «إذَا دُعِيَ أَحَدُكُمْ إلَى طَعَامٍ، فَإِنْ شَاءَ طَعِمَ وَإِنْ شَاءَ تَرَكَ» وَقِيلَ: يَلْزَمُهُ لِمَا فِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ: «وَإِنْ كَانَ مُفْطِرًا فَلْيَطْعَمْ» وَجَرَى عَلَيْهِ فِي التَّنْبِيهِ وَصَحَّحَهُ الْمُصَنِّفُ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ، وَاخْتَارَهُ فِي تَصْحِيحِ التَّنْبِيهِ وَعَلَى الْأَوَّلِ يُسَنُّ لَهُ الْأَكْلُ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي الرَّوْضَةِ: وَأَقَلُّهُ عَلَى الْوُجُوبِ وَالنَّدْبِ لُقْمَةٌ (فَإِنْ شَقَّ عَلَى الدَّاعِي صَوْمُ نَفْلٍ) مِنْ الْمَدْعُوِّ (فَالْفِطْرُ) لَهُ (أَفْضَلُ) مِنْ إتْمَامِ الصَّوْمِ وَلَوْ آخِرَ النَّهَارِ لِجَبْرِ خَاطِرِ الدَّاعِي: «لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمَّا أَمْسَكَ مَنْ حَضَرَ مَعَهُ وَقَالَ: إنِّي صَائِمٌ.
قَالَ لَهُ: يَتَكَلَّفُ لَك أَخُوك الْمُسْلِمُ، وَتَقُولُ: إنِّي صَائِمٌ؟ أَفْطِرْ، ثُمَّ اقْضِ يَوْمًا مَكَانَهُ» رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ وَغَيْرُهُ: فَإِنْ لَمْ يَشُقَّ عَلَيْهِ ذَلِكَ فَالْإِمْسَاكُ أَفْضَلُ، وَلَا يُكْرَهُ أَنْ يَقُولَ: إنِّي صَائِمٌ، حَكَاهُ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ عَنْ الْأَصْحَابِ، أَمَّا صَوْمُ الْفَرْضِ فَلَا يَجُوزُ الْخُرُوجُ مِنْهُ وَلَوْ مُوَسَّعًا كَنَذْرٍ مُطْلَقٍ.

(وَيَأْكُلُ الضَّيْفُ مِمَّا قُدِّمَ لَهُ بِلَا لَفْظٍ) مِنْ مَالِكِ الطَّعَامِ اكْتِفَاءً بِالْقَرِينَةِ الْعُرْفِيَّةِ كَمَا فِي الشُّرْبِ مِنْ السِّقَايَاتِ فِي الطُّرُقِ.
قَالَ الْمُصَنِّفُ: وَمَا وَرَدَ فِي الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ مِنْ لَفْظِ الْإِذْنِ فِي ذَلِكَ مَحْمُولٌ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ، نَعَمْ إنْ كَانَ يَنْتَظِرُ حُضُورَ غَيْرِهِ فَلَا يَأْكُلْ إلَّا بِإِذْنٍ لَفْظًا أَوْ بِحُضُورِ الْغَيْرِ لِاقْتِضَاءِ الْقَرِينَةِ عَدَمَ الْأَكْلِ بِدُونِ ذَلِكَ.

وَلَا يَتَصَرَّفُ فِيهِ إلَّا بِالْأَكْلِ.

وَلَهُ أَخْذُ مَا يَعْلَمُ رِضَاهُ بِهِ.

[مغني المحتاج]

تَنْبِيهٌ: أَفْهَمَ قَوْلُهُ مِمَّا قُدِّمَ لَهُ أَنَّهُ لَيْسَ لِلْأَرَاذِلِ أَنْ يَأْكُلُوا مِمَّا بَيْنَ أَيْدِي الْأَمَاثِلِ مِنْ الْأَطْعِمَةِ النَّفِيسَةِ الْمَخْصُوصَةِ بِهِمْ، وَبِهِ صَرَّحَ الشَّيْخُ عِزُّ الدِّينِ.
قَالَ: إذْ لَا دَلَالَةَ عَلَى ذَلِكَ بِلَفْظٍ وَلَا عُرْفٍ بَلْ الْعُرْفُ زَاجِرٌ عَنْهُ، وَأَنَّ الضَّيْفَ لَا يَأْكُلُ جَمِيعَ مَا قُدِّمَ لَهُ، وَبِهِ صَرَّحَ ابْنُ الصَّبَّاغِ.
قَالَ ابْنُ شُهْبَةَ: وَفِيهِ نَظَرٌ إذَا كَانَ قَلِيلًا يَقْتَضِي الْعُرْفُ أَكْلَ جَمِيعِهِ اهـ. وَهَذَا ظَاهِرٌ إذَا عَلِمَ رِضَا مَالِكِهِ بِذَلِكَ، وَصَرَّحَ الْمَاوَرْدِيُّ بِتَحْرِيمِ الزِّيَادَةِ عَلَى الشِّبَعِ أَيْ إذَا لَمْ يَعْلَمْ رِضَا مَالِكِهِ، وَإِنَّهُ لَوْ زَادَ لَمْ يَضْمَنْ.
قَالَ الْأَذْرَعِيُّ: وَفِيهِ وَقْفَةٌ اهـ. وَحَدُّ الشِّبَعِ أَنْ لَا يُعَدَّ جَائِعًا، وَأَمَّا الزِّيَادَةُ عَلَى الشِّبَعِ مِنْ مَالِ نَفْسِهِ الْحَلَالِ فَمَكْرُوهٌ، وَكَذَا مِنْ مَالِ غَيْرِهِ إذَا عَلِمَ رِضَا مَالِكِهِ.
قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: وَلَوْ كَانَ الضَّيْفُ يَأْكُلُ كَعَشَرَةٍ مَثَلًا وَمُضِيفُهُ جَاهِلًا بِحَالِهِ لَمْ يَجُزْ لَهُ أَنْ يَأْكُلَ فَوْقَ مَا يَقْتَضِيهِ الْعُرْفُ فِي الْمِقْدَارِ، قَالَ: وَلَوْ كَانَ الطَّعَامُ قَلِيلًا فَأَكَلَ لُقَمًا كِبَارًا مُسْرِعًا حَتَّى يَأْكُلَ أَكْثَرَ الطَّعَامِ وَيَحْرِمَ أَصْحَابَهُ لَمْ يَجُزْ لَهُ ذَلِكَ، وَيَحْرُمُ التَّطَفُّلُ، وَهُوَ حُضُورُ الْوَلِيمَةِ مِنْ غَيْرِ دَعْوَةٍ إلَّا إذَا عَلِمَ رِضَا الْمَالِكِ بِهِ لِمَا بَيْنَهُمَا مِنْ الْأُنْسِ وَالِانْبِسَاطِ، وَقَيَّدَ ذَلِكَ الْإِمَامُ بِالدَّعْوَةِ الْخَاصَّةِ، أَمَّا الْعَامَّةُ كَأَنْ فَتَحَ الْبَابَ لِيَدْخُلَ مَنْ شَاءَ فَلَا تَطَفُّلَ، وَالتَّطْفِيلُ مَأْخُوذٌ مِنْ التَّطَفُّلِ، وَهُوَ مَنْسُوبٌ إلَى طُفَيْلٍ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ كَانَ يَأْتِي الْوَلَائِمَ بِلَا دَعْوَةٍ، فَكَانَ يُقَالُ لَهُ طُفَيْلُ الْأَعْرَاسِ (وَلَا يَتَصَرَّفُ فِيهِ) بِبَيْعٍ وَلَا غَيْرِهِ (إلَّا بِالْأَكْلِ) لِأَنَّهُ الْمَأْذُونُ فِيهِ عُرْفًا فَلَا يُطْعِمُ سَائِلًا وَلَا هِرَّةً إلَّا إنْ عَلِمَ رِضَا مَالِكِهِ بِهِ، وَلِلضَّيْفِ تَلْقِيمُ صَاحِبِهِ إلَّا أَنْ يُفَاضِلَ الْمُضِيفُ طَعَامَهُمَا، فَلَيْسَ لِمَنْ خُصَّ بِنَوْعٍ أَنْ يُطْعِمَ غَيْرَهُ مِنْهُ، وَظَاهِرُهُ الْمَنْعُ، سَوَاءٌ أَخُصَّ بِالنَّوْعِ الْعَالِي أَمْ بِالسَّافِلِ وَهُوَ مُحْتَمَلٌ، وَيُحْتَمَلُ تَخْصِيصُهُ بِمَنْ خُصَّ بِالْعَالِي، وَنَقَلَ الْأَذْرَعِيُّ هَذَا عَنْ مُقْتَضَى كَلَامِ الْأَصْحَابِ.
قَالَ: وَهُوَ ظَاهِرٌ، وَيُكْرَهُ لِصَاحِبِ الطَّعَامِ أَنْ يُفَاضِلَ بَيْنَ الضِّيفَانِ فِي الطَّعَامِ؛ لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ كَسْرِ الْخَاطِرِ.
تَنْبِيهٌ: يَمْلِكُ الْمُضِيفُ مَا الْتَقَمَهُ بِوَضْعِهِ فِي فَمِهِ عَلَى مَا اقْتَضَى كَلَامُ الشَّرْحِ الصَّغِيرِ تَرْجِيحَهُ، وَجَزَمَ بِهِ ابْنُ الْمُقْرِي وَصَرَّحَ بِتَرْجِيحِهِ الْقَاضِي وَالْإِسْنَوِيُّ، وَإِنْ كَانَ قَضِيَّةُ كَلَامِ الْمُتَوَلِّي أَنَّهُ يَتَبَيَّنُ بِالِازْدِرَادِ أَنَّهُ مَلَكَهُ قَبْلَهُ، وَقِيلَ: يَمْلِكَهُ بِالْوَضْعِ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَحَيْثُ قُلْنَا: يَمْلِكُ الْأَخْذَ أَوْ بِالْوَضْعِ فِي الْفَمِ، فَهَلْ لَهُ أَنْ يُبِيحَهُ لِغَيْرِهِ أَوْ يَتَصَرَّفَ فِيهِ بِغَيْرِ الْأَكْلِ؟ وَجْهَانِ الصَّحِيحُ قَوْلُ الْجُمْهُورِ لَا يَجُوزُ كَمَا لَا يُعِيرُ الْمُسْتَعِيرُ، فَالْمُرَادُ أَنَّهُ يَمْلِكُ أَنْ يَنْتَفِعَ بِنَفْسِهِ كَالْعَارِيَّةِ لَا أَنَّهُ مَلَكَ الْعَيْنَ كَمَا تَوَهَّمَهُ بَعْضُهُمْ، وَفَرَّعَ عَلَيْهِ جَوَازَ تَصَرُّفِهِ فِيهِ بِالْبَيْعِ وَغَيْرِهِ، نَعَمْ النَّازِلُ بِأَهْلِ الذِّمَّةِ، إذَا شَرَطَ الْإِمَامُ عَلَيْهِمْ ضِيَافَةَ مَنْ يَمُرُّ بِهِمْ مِنْ الْمُسْلِمِينَ، فَإِنَّهُمْ إذَا قَدَّمُوا لِلضَّيْفِ شَيْئًا يَمْلِكُهُ بِلَا خِلَافٍ وَكَانَ لَهُ أَنْ يَرْتَحِلَ بِهِ كَمَا ذَكَرَهُ الرَّافِعِيُّ فِي كِتَابِ الْجِزْيَةِ.

(وَلَهُ) أَيْ الضَّيْفِ (أَخْذُ مَا يَعْلَمُ رِضَاهُ) أَيْ الْمُضِيفِ (بِهِ) وَالْمُرَادُ بِالْعِلْمِ مَا يَشْمَلُ الظَّنَّ؛ لِأَنَّ مَدَارَ الضِّيَافَةِ عَلَى طِيبِ النَّفْسِ، فَإِذَا تَحَقَّقَ وَلَوْ بِالْقَرِينَةِ رَتَّبَ عَلَيْهِ مُقْتَضَاهُ، وَيَخْتَلِفُ ذَلِكَ بِاخْتِلَافِ الْأَحْوَالِ

وَيَحِلُّ نَثْرُ سُكَّرٍ وَغَيْرُهُ فِي الْإِمْلَاكِ، وَلَا يُكْرَهُ فِي الْأَصَحِّ، وَيَحِلُّ الْتِقَاطُهُ، وَتَرْكَهُ أَوْلَى.

[مغني المحتاج]

وَبِمِقْدَارِ الْمَأْخُوذِ وَبِحَالِ الْمُضِيفِ وَبِالدَّعْوَةِ، فَإِنْ شَكَّ فِي وُقُوعِهِ فِي مَحَلِّ الْمُسَامَحَةِ، فَالصَّحِيحُ فِي أَصْلِ الرَّوْضَةِ التَّحْرِيمُ.
قَالَ فِي الْإِحْيَاءِ: وَإِذَا عَلِمَ رِضَاهُ يَنْبَغِي لَهُ مُرَاعَاةُ النَّصَفَةِ مَعَ الرُّفْقَةِ، فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَأْخُذَ إلَّا مَا يَخُصَّهُ أَوْ يَرْضَوْنَ بِهِ عَنْ طَوْعٍ لَا عَنْ حَيَاءٍ.

(وَيَحِلُّ نَثْرُ سُكَّرٍ) وَهُوَ رَمْيُهُ مُفَرَّقًا (وَغَيْرُهُ) كَدَنَانِيرَ وَدَرَاهِمَ وَجَوْزٍ وَلَوْزٍ (فِي الْإِمْلَاكِ) عَلَى الْمَرْأَةِ لِلنِّكَاحِ وَفِي الْخِتَانِ، وَكَذَا فِي سَائِرِ الْوَلَائِمِ كَمَا بَحَثَهُ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ عَمَلًا بِالْعُرْفِ (وَلَا يُكْرَهُ) النَّثْرُ (فِي الْأَصَحِّ) وَلَكِنْ تَرْكُهُ أَوْلَى؛ لِأَنَّهُ سَبَبٌ إلَى مَا يُشْبِهُ النُّهْبَةَ، وَقَدْ وَرَدَ فِي الصَّحِيحِ النَّهْيُ عَنْهَا، وَقِيلَ: يُسْتَحَبُّ لِمَا فِيهِ مِنْ الْبِرِّ، وَقِيلَ: يُكْرَهُ لِلدَّنَاءَةِ فِي الْتِقَاطِهِ بِالِانْتِهَابِ (وَيَحِلُّ الْتِقَاطُهُ) لِأَنَّ مَالِكَهُ إنَّمَا طَرَحَهُ لِمَنْ يَأْخُذُهُ (وَ) لَكِنَّ (تَرْكَهُ أَوْلَى) كَالنَّثْرِ، هَذَا مَا فِي الرَّوْضَةِ، وَلَا يُخَالِفُهُ نَصُّ الشَّافِعِيِّ، وَالْجُمْهُورُ عَلَى كَرَاهَةِ النَّثْرِ وَالِالْتِقَاطِ إنْ حُمِلَتْ الْكَرَاهَةُ عَلَى خِلَافِ الْأَوْلَى.
نَعَمْ إنْ عَلِمَ أَنَّ النَّاثِرَ لَا يُؤْثِرُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَمْ يَقْدَحْ الِالْتِقَاطُ فِي مُرُوءَةِ الْمُلْتَقِطِ لَمْ يَكُنْ التَّرْكُ أَوْلَى، وَيُكْرَهُ أَخْذُهُ مِنْ الْهَوَاءِ بِإِزَارٍ أَوْ غَيْرِهِ، فَإِنْ أَخَذَهُ مِنْهُ أَوْ الْتَقَطَهُ أَوْ بَسَطَ حِجْرَهُ لَهُ فَوَقَعَ فِيهِ مَلَكَهُ، وَإِنْ لَمْ يَبْسُطْ حِجْرَهُ لَهُ لَمْ يَمْلِكْهُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ مِنْهُ قَصْدُ تَمَلُّكٍ وَلَا فِعْلٌ، لَكِنْ هُوَ أَوْلَى بِهِ مِنْ غَيْرِهِ، فَلَوْ أَخَذَهُ غَيْرُهُ.
قَالَ فِي أَصْلِ الرَّوْضَةِ: فَفِي مِلْكِهِ وَجْهَانِ جَارِيَانِ فِيمَا لَوْ عَشَّشَ طَائِرٌ فِي مِلْكِهِ فَأَخَذَ فَرْخَهُ غَيْرُهُ، وَفِيمَا إذَا دَخَلَ السَّمَكُ مَعَ الْمَاءِ حَوْضَهُ، وَفِيمَا إذَا وَقَعَ الثَّلْجُ فِي مِلْكِهِ فَأَخَذَهُ غَيْرُهُ، وَفِيمَا إذَا أَحْيَا مَا تَحَجَّرَهُ غَيْرُهُ، لَكِنَّ الْأَصَحَّ أَنَّ الْمُحْيِيَ يَمْلِكُ، وَفِي هَذِهِ الصُّوَرِ مَيْلُهُمْ إلَى الْمَنْعِ أَكْثَرُ؛ لِأَنَّ الْمُتَحَجِّرَ غَيْرُ مَالِكٍ، فَلَيْسَ الْإِحْيَاءُ تَصَرُّفًا فِي مِلْكِ غَيْرِهِ، بِخِلَافِ هَذِهِ الصُّوَرِ اهـ. وَالْمُعْتَمَدُ فِي مَسْأَلَةِ النِّثَارِ أَنَّ مَنْ أَخَذَهُ لَا يَمْلِكُهُ كَمَا رَجَّحَهُ الشَّارِحُ، بِخِلَافِهِ فِي غَيْرِهَا كَمَا هُوَ مُصَرَّحٌ بِهِ فِي أَبْوَابِهَا، وَالْفَرْقُ أَنَّ الِاسْتِيلَاءَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَقْوَى؛ لِأَنَّهُ وَقَعَ فِيمَا هُوَ مُلَابِسٌ لَهُ بِخِلَافِ غَيْرِهَا.
وَالصَّبِيُّ يَمْلِكُ مَا الْتَقَطَهُ وَالسَّيِّدُ يَمْلِكُ مَا الْتَقَطَهُ رَقِيقُهُ.

خَاتِمَةٌ: فِي آدَابِ الْأَكْلِ: تُسَنُّ التَّسْمِيَةُ قَبْلَ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ وَلَوْ مِنْ جُنُبٍ وَحَائِضٍ لِلْأَمْرِ بِهَا فِي الْأَكْلِ وَيُقَاسُ بِهِ الشُّرْبُ، وَلَوْ سَمَّى مَعَ كُلِّ لُقْمَةٍ فَهُوَ حَسَنٌ، وَأَقَلُّهَا بِسْمِ اللَّهِ، وَأَكْمَلُهَا بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، وَهِيَ سُنَّةُ كِفَايَةٍ لِلْجَمَاعَةِ، وَمَعَ ذَلِكَ تُسَنُّ لِكُلٍّ مِنْهُمْ، فَإِنْ تَرَكَهَا أَوَّلَهُ أَتَى بِهَا فِي أَثْنَائِهِ، فَإِنْ تَرَكَهَا فِي أَثْنَائِهِ أَتَى بِهَا فِي آخِرِهِ فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَتَقَيَّأُ مَا أَكَلَهُ أَوْ شَرِبَهُ، وَيُسَنُّ الْحَمْدُ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْ ذَلِكَ وَيَجْهَرُ بِهِمَا لِيُقْتَدَى بِهِ فِيهِمَا، وَيُسَنُّ غَسْلُ الْيَدِ قَبْلَهُ وَبَعْدَهُ، لَكِنَّ الْمَالِكَ يَبْتَدِئُ بِهِ فِيمَا قَبْلَهُ وَيَتَأَخَّرُ بِهِ فِيمَا بَعْدَهُ لِيَدْعُوَ النَّاسَ إلَى كَرَمِهِ، وَيُسَنُّ أَنْ يَأْكُلَ بِثَلَاثِ أَصَابِعَ لِلِاتِّبَاعِ، وَتُسَنُّ الْجَمَاعَةُ وَالْحَدِيثُ غَيْرُ الْمُحَرَّمِ كَحِكَايَةِ الصَّالِحِينَ عَلَى الطَّعَامِ وَتَقْلِيلُ الْكَلَامِ أَوْلَى، وَيُسَنُّ لَعْقُ الْإِنَاءِ وَالْأَصَابِعِ، وَأَكْلُ سَاقِطٍ لَمْ يَتَنَجَّسْ، أَوْ تَنَجَّسَ وَلَمْ يَتَعَذَّرْ تَطْهِيرُهُ وَطَهُرَ، وَيُسَنُّ مُوَاكَلَةُ عَبِيدِهِ وَصِغَارِهِ وَزَوْجَاتِهِ، وَأَنْ لَا يَخُصَّ نَفْسَهُ بِطَعَامٍ إلَّا لِعُذْرٍ كَدَوَاءٍ بَلْ يُؤْثِرُهُمْ عَلَى نَفْسِهِ، وَلَا يَقُومُ الْمَالِكُ عَنْ الطَّعَامِ وَغَيْرُهُ يَأْكُلُ مَا دَامَ يَظُنُّ بِهِ حَاجَةً إلَى

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

[مغني المحتاج]

الْأَكْلِ وَمِثْلُهُ مَنْ يَقْتَدِي بِهِ، وَأَنْ يُرَحِّبَ بِضَيْفِهِ وَيُكْرِمَهُ، وَأَنْ يَحْمَدَ اللَّهَ عَلَى حُصُولِهِ ضَيْفًا عِنْدَهُ، وَيُكْرَهُ الْأَكْلُ مُتَّكِئًا وَهُوَ الْجَالِسُ مُتَعَمِّدًا عَلَى وِطَاءٍ تَحْتَهُ كَقُعُودِ مَنْ يُرِيدُ الْإِكْثَارَ مِنْ الطَّعَامِ.
قَالَهُ الْخَطَّابِيُّ، وَأَشَارَ غَيْرُهُ إلَى أَنَّهُ الْمَائِلُ إلَى جَنْبِهِ، وَمِثْلُهُ الْمُضْطَجِعُ كَمَا فُهِمَ بِالْأَوْلَى، وَيُكْرَهُ الْأَكْلُ مِمَّا يَلِي غَيْرَهُ وَمِنْ الْأَعْلَى وَالْوَسَطِ، وَنَصُّ الشَّافِعِيِّ عَلَى تَحْرِيمِهِ مَحْمُولٌ عَلَى الْمُشْتَمِلِ عَلَى الْإِيذَاءِ، وَيُسْتَثْنَى مِنْ ذَلِكَ نَحْوُ الْفَاكِهَةِ مِمَّا يُتَنَقَّلُ بِهِ فَيَأْخُذُ مِنْ أَيِّ جَانِبٍ شَاءَ، وَيُكْرَهُ تَقْرِيبُ فَمِهِ مِنْ الطَّعَامِ بِحَيْثُ يَقَعُ مِنْ فَمِهِ إلَيْهِ شَيْءٌ وَذَمُّهُ، لَا قَوْلُهُ لَا أَشْتَهِيهِ أَوْ مَا اعْتَدْت أَكْلَهُ، وَيُكْرَهُ نَفْضُ يَدِهِ فِي الْقَصْعَةِ وَالشُّرْبُ مِنْ فَمِ الْقِرْبَةِ، وَالْأَكْلُ بِالشِّمَالِ وَالتَّنَفُّسُ وَالنَّفْخُ فِي الْإِنَاءِ، وَالْبُزَاقُ وَالْمُخَاطُ حَالَ أَكْلِهِمْ، وَقَرْنُ تَمْرَتَيْنِ وَنَحْوِهِمَا كَعِنَبَتَيْنِ بِغَيْرِ إذْنِ الشُّرَكَاءِ.
وَيُسَنُّ لِلضَّيْفِ وَإِنْ لَمْ يَأْكُلْ أَنْ يَدْعُوَ لِلْمُضِيفِ كَأَنْ يَقُولَ: أَكَلَ طَعَامَكُمْ الْأَبْرَارُ، وَأَفْطَرَ عِنْدَكُمْ الصَّائِمُونَ، وَصَلَّتْ عَلَيْكُمْ الْمَلَائِكَةُ، وَذَكَرَكُمْ اللَّهُ فِيمَنْ عِنْدَهُ.
وَيُسَنُّ قِرَاءَةُ سُورَةِ الْإِخْلَاصِ وَقُرَيْشٍ، ذَكَرَهُ الْغَزَالِيُّ وَغَيْرُهُ.
وَيُنْدَبُ أَنْ يَشْرَبَ بِثَلَاثَةِ أَنْفَاسٍ بِالتَّسْمِيَةِ فِي أَوَائِلِهَا وَبِالْحَمْدِ فِي أَوَاخِرِهَا، وَيَقُولُ فِي آخِرِ الْأَوَّلِ: الْحَمْدُ لِلَّهِ، وَيَزِيدُ فِي الثَّانِي: رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَفِي الثَّالِثِ: الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، وَأَنْ يَنْظُرَ فِي الْكُوزِ قَبْلَ الشُّرْبِ، وَلَا يَتَجَشَّأُ فِيهِ بَلْ يُنَحِّيهِ عَنْ فَمِهِ بِالْحَمْدِ وَيَرُدَّهُ بِالتَّسْمِيَةِ، وَالشُّرْبُ قَائِمًا خِلَافُ الْأَوْلَى.
وَمِنْ آدَابِ الْأَكْلِ: أَنْ يَلْتَقِطَ فُتَاتَ الطَّعَامِ، وَأَنْ يَقُولَ الْمَالِكُ لِضَيْفِهِ وَلِغَيْرِهِ كَزَوْجَتِهِ وَوَلَدِهِ إذَا رَفَعَ يَدَهُ مِنْ الطَّعَامِ: كُلْ، وَيُكَرِّرَهُ عَلَيْهِ مَا لَمْ يَتَحَقَّقْ أَنَّهُ اكْتَفَى مِنْهُ، وَلَا يَزِيدُ عَلَى ثَلَاثِ مَرَّاتٍ، وَأَنْ يَتَخَلَّلَ، وَلَا يَبْتَلِعَ مَا يَخْرُجُ مِنْ أَسْنَانِهِ بِالْخِلَالِ بَلْ يَرْمِيهِ، وَيَتَمَضْمَضُ بِخِلَافِ مَا يَجْمَعُهُ بِلِسَانِهِ مِنْ بَيْنِهَا فَإِنَّهُ يَبْلَعُهُ، وَأَنْ يَأْكُلَ قَبْلَ أَكْلِهِ اللَّحْمَ لُقْمَةً أَوْ لُقْمَتَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةً مِنْ الْخُبْزِ حَتَّى يَسُدَّ الْخَلَلَ، وَأَنْ لَا يَشُمَّ الطَّعَامَ، وَلَا يَأْكُلَهُ حَارًّا حَتَّى يَبْرُدَ.

وَمِنْ آدَابِ الضَّيْفِ: أَنْ لَا يَخْرُجَ إلَّا بِإِذْنِ صَاحِبِ الْمَنْزِلِ، وَأَنْ لَا يَجْلِسَ فِي مُقَابَلَةِ حُجْرَةِ النِّسَاءِ وَسُتْرَتِهِنَّ، وَأَنْ لَا يُكْثِرَ النَّظَرَ إلَى الْمَوْضِعِ الَّذِي يَخْرُجُ مِنْهُ الطَّعَامُ.

وَمِنْ آدَابِ الْمُضِيفِ: أَنْ يُشَيِّعَ الضَّيْفَ عِنْدَ خُرُوجِهِ إلَى بَابِ الدَّارِ، وَيَنْبَغِي لِلْآكِلِ أَنْ يُقَدِّمَ الْفَاكِهَةَ ثُمَّ اللَّحْمَ ثُمَّ الْحَلَاوَةَ، وَإِنَّمَا قُدِّمَتْ الْفَاكِهَةُ لِأَنَّهَا أَسْرَعُ اسْتِحَالَةً، فَيَنْبَغِي أَنْ تَقَعَ أَسْفَلَ الْمَعِدَةِ، وَيُنْدَبُ أَنْ يَكُونَ عَلَى الْمَائِدَةِ بَقْلٌ، وَسَيَأْتِي إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى زِيَادَةٌ عَلَى ذَلِكَ فِي بَابِ الْأَطْعِمَةِ

كِتَابُ الْقَسْمِ وَالنُّشُوزُ يَخْتَصُّ الْقَسْمُ بِزَوْجَاتٍ.

وَمَنْ بَاتَ عِنْدَ بَعْضِ نِسْوَتِهِ لَزِمَهُ عِنْدَ مَنْ بَقِيَ.

[مغني المحتاج]

[كِتَابُ الْقَسْمِ وَالنُّشُوزُ]

كِتَابُ الْقَسْمِ بِفَتْحِ الْقَافِ وَسُكُونِ السِّينِ مَصْدَرُ قَسَمْت الشَّيْءَ.
وَأَمَّا بِالْكَسْرِ فَالنَّصِيبُ، وَالْقَسَمُ بِفَتْحِ الْقَافِ، وَالسِّينِ: الْيَمِينُ (وَالنُّشُوزُ) هُوَ الْخُرُوجُ عَنْ الطَّاعَةِ، وَكَانَ يَنْبَغِي لِلْمُصَنِّفِ أَنْ يَزِيدَ فِي التَّرْجَمَةِ وَعِشْرَةُ النِّسَاءِ، إذْ هُوَ مَقْصُودُ الْبَابِ (يَخْتَصُّ الْقَسْمُ) أَيْ وُجُوبُهُ (بِزَوْجَاتٍ) أَيْ بِثِنْتَيْنِ مِنْهُنَّ فَأَكْثَر وَلَوْ كُنَّ غَيْرَ حَرَائِرَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلا تَعْدِلُوا﴾ [النساء: 3] أَيْ فِي الْقَسْمِ الْوَاجِبِ ﴿فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: 3] فَأَشْعَرَ أَنَّهُ لَا يَجِبُ فِي مِلْكِ الْيَمِينِ فَلَا دَخْلَ لِلْإِمَاءِ غَيْرِ الزَّوْجَاتِ فِيهِ وَإِنْ كُنَّ مُسْتَوْلَدَاتٍ أَوْ مَعَ زَوْجَاتٍ؛ لِأَنَّهُ لَا حَقَّ لَهُنَّ فِي الِاسْتِمْتَاعِ، وَالْمُرَادُ بِالِاخْتِصَاصِ الْوُجُوبُ كَمَا مَرَّ فَإِنَّهُ مُسْتَحَبٌّ فِي الْإِمَاءِ كَيْ لَا يَحْقِدَ بَعْضُ الْإِمَاءِ عَلَى بَعْضٍ.
وَيُسَنُّ أَيْضًا عَدَمُ تَعْطِيلِهِنَّ.
تَنْبِيهٌ: إدْخَالُ الْبَاءِ عَلَى الْمَقْصُورِ عَلَيْهِ خِلَافُ الْكَثِيرِ مِنْ دُخُولِهَا عَلَى الْمَقْصُورِ، فَلَا حَاجَةَ حِينَئِذٍ لِدَعْوَى بَعْضِهِمْ الْقَلْبَ فِي كَلَامِ الْمَتْنِ الَّذِي هُوَ خِلَافُ مُقْتَضَى الظَّاهِرِ، وَلَا يَرِدُ عَلَيْهِ الْمَوْطُوءَةُ بِشُبْهَةٍ وَلَا الرَّجْعِيَّةُ وَإِنْ كَانَتْ فِي حُكْمِ الزَّوْجَاتِ لِتَعَارُضِ الْمَانِعِ وَالْمُقْتَضَى.

(وَ) الْمُرَادُ مِنْ الْقَسْمِ لِلزَّوْجَاتِ، وَالْأَصْلُ فِيهِ اللَّيْلُ كَمَا سَيَأْتِي أَنْ يَبِيتَ عِنْدَهُنَّ وَلَا يَلْزَمُهُ ذَلِكَ ابْتِدَاءً لِأَنَّهُ حَقُّهُ فَلَهُ تَرْكُهُ، بَلْ (مَنْ بَاتَ عِنْدَ بَعْضِ نِسْوَتِهِ) بِقُرْعَةٍ أَوْ غَيْرِهَا (لَزِمَهُ) وَلَوْ عِنِّينًا وَمَجْبُوبًا وَمَرِيضًا الْمَبِيتُ (عِنْدَ مَنْ بَقِيَ) مِنْهُنَّ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إذَا كَانَ عِنْدَ الرَّجُلِ امْرَأَتَانِ فَلَمْ يَعْدِلْ بَيْنَهُمَا جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَشِقُّهُ مَائِلٌ أَوْ سَاقِطٌ» رَوَاهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ وَالْحَاكِمُ.
«وَكَانَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: يَقْسِمُ بَيْنَ نِسَائِهِ وَيُطَافُ بِهِ عَلَيْهِنَّ فِي مَرَضِهِ حَتَّى رَضِينَ بِتَمْرِيضِهِ فِي بَيْتِ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا -» . وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْعُذْرَ وَالْمَرَضَ لَا يُسْقِطُ الْقَسْمَ، وَظَاهِرُ هَذَا أَنَّ الْقَسْمَ كَانَ وَاجِبًا عَلَيْهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ الْمَشْهُورُ فِي الْمَذْهَبِ، وَقَوْلُ الْعِرَاقِيِّينَ خِلَافًا لِلْإِصْطَخْرِيِّ فِي عَدَمِ وُجُوبِهِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ﴾ [الأحزاب: 51] وَلَكِنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَقْسِمُ تَكَرُّمًا.

وَلَوْ أَعْرَضَ عَنْهُنَّ أَوْ عَنْ الْوَاحِدَةِ لَمْ يَأْثَمْ.

وَيُسْتَحَبُّ أَنْ لَا يُعَطِّلَهُنَّ.

[مغني المحتاج]

تَنْبِيهٌ: عِبَارَتُهُ تُوهِمُ أَنَّهُ إنَّمَا يَجِبُ الْقَسْمُ إذَا بَاتَ عِنْدَ وَاحِدَةٍ، وَلَيْسَ مُرَادًا، بَلْ يَجِبُ عِنْدَ إرَادَتِهِ ذَلِكَ، وَيَحْرُمُ الِابْتِدَاءُ بِوَاحِدَةٍ بِلَا قُرْعَةٍ عَلَى الْأَصَحِّ كَمَا سَنَذْكُرُهُ، وَقَوْلُهُ: بَاتَ يَقْتَضِي أَنَّهُ لَوْ كَانَ يُقِيمُ عِنْدَ إحْدَاهُنَّ نَهَارًا يَجُوزُ عَلَى الدَّوَامِ مِنْ غَيْرِ قَضَاءٍ لِعَدَمِ الْبَيْتُوتَةِ؛ لِأَنَّ بَاتَ فِي اللُّغَةِ يَكُونُ بِاللَّيْلِ غَالِبًا، وَهُوَ بَعِيدٌ، وَالْأَوْلَى أَنْ يُجْعَلَ بَاتَ فِي كَلَامِهِ بِمَعْنَى صَارَ، فَلَا يَخْتَصُّ بِوَقْتٍ، وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا﴾ [الفرقان: 64] .

وَلَا تَجِبُ التَّسْوِيَةُ بَيْنَهُنَّ فِي الْجِمَاعِ فَإِنَّهُ يَتَعَلَّقُ بِالنَّشَاطِ وَالشَّهْوَةِ، وَهِيَ لَا تَتَأَتَّى فِي كُلِّ وَقْتٍ وَلَا فِي سَائِرِ الِاسْتِمْتَاعَاتِ، وَلَا يُؤَاخَذُ بِمَيْلِ الْقَلْبِ إلَى بَعْضِهِنَّ لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَقْسِمُ بَيْنَ نِسَائِهِ، وَيَقُولُ: «اللَّهُمَّ هَذَا قَسْمِي فِيمَا أَمْلِكُ فَلَا تَلُمْنِي فِيمَا تَمْلِكُ وَلَا أَمْلِكُ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَغَيْرُهُ، وَصَحَّحَ الْحَاكِمُ إسْنَادَهُ.
.

وَيَجُوزُ أَنْ يُؤْثِرَ بَعْضَ نِسَائِهِ بِالتَّبَرُّعِ دُونَ بَعْضٍ وَإِنْ اسْتَوْحَشَ بِذَلِكَ، وَالْأَوْلَى التَّسْوِيَةُ فِي ذَلِكَ وَفِي سَائِرِ الِاسْتِمْتَاعَاتِ.

(وَلَوْ أَعْرَضَ عَنْهُنَّ) ابْتِدَاءً أَوْ بَعْدَ اسْتِكْمَالِ نَوْبَةٍ أَوْ أَكْثَرَ (أَوْ عَنْ الْوَاحِدَةِ) الَّتِي لَيْسَ تَحْتَهُ غَيْرُهَا فَلَمْ يَبِتْ عِنْدَهُنَّ وَلَا عِنْدَهَا (لَمْ يَأْثَمْ) لِأَنَّهُ حَقُّهُ كَمَا مَرَّ فَجَازَ لَهُ تَرْكُهُ كَسُكْنَى الدَّارِ الْمُسْتَأْجَرَةِ؛ وَلِأَنَّ فِي دَاعِيَةٍ الطَّبْعِ مَا يُغْنِي عَنْ إيجَابِهِ.
تَنْبِيهٌ: عِبَارَةُ الْمُحَرَّرِ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ الطَّلَبُ، وَهِيَ أَوْلَى مِنْ تَعْبِيرِ الْمُصَنِّفِ، إذْ لَا يَلْزَمُ مِنْ نَفْيِ الْإِثْمِ عَدَمُ الطَّلَبِ بِدَلِيلِ الْمَدْيُونِ قَبْلَ الطَّلَبِ لَا يَأْثَمُ بِتَرْكِ الدَّفْعِ.

(وَيُسْتَحَبُّ أَنْ لَا يُعَطِّلَهُنَّ) مِنْ الْمَبِيتِ وَلَا الْوَاحِدَةَ بِأَنْ يَبِيتَ عِنْدَهُنَّ أَوْ عِنْدَهَا وَيُحْصِنَهَا وَيُحْصِنَهُنَّ؛ لِأَنَّهُ مِنْ الْمُعَاشَرَةِ بِالْمَعْرُوفِ؛ وَلِأَنَّ تَرْكَهُ قَدْ يُؤَدِّي إلَى الْفُجُورِ، وَأَوْلَى دَرَجَاتِ الْوَاحِدَةِ أَنْ لَا يُخَلِّيَهَا كُلَّ أَرْبَعِ لَيَالٍ عَنْ لَيْلَةٍ اعْتِبَارًا بِمَنْ لَهُ أَرْبَعُ زَوْجَاتٍ.
قَالَ الْقَمُولِيُّ فِي الْجَوَاهِرِ: وَالْأَوْلَى أَنْ يَنَامَا فِي فِرَاشٍ

وَتَسْتَحِقُّ الْقَسْمَ مَرِيضَةٌ وَرَتْقَاءُ وَحَائِضٌ وَنُفَسَاءُ، لَا نَاشِزَةٌ.

فَإِنْ لَمْ يَنْفَرِدْ بِمَسْكَنٍ دَارَ عَلَيْهِنَّ فِي بُيُوتِهِنَّ، وَإِنْ انْفَرَدَ فَالْأَفْضَلُ الْمُضِيُّ

[مغني المحتاج]

وَاحِدٍ إذَا لَمْ يَكُنْ لِأَحَدِهِمَا عُذْرٌ فِي الِانْفِرَادِ، سِيَّمَا إذَا عَرَفَ حِرْصَهَا عَلَى ذَلِكَ.

ثُمَّ شَرَعَ فِيمَنْ يَسْتَحِقُّ الْقَسْمَ وَمَنْ لَا يَسْتَحِقُّهُ، فَقَالَ: (وَيَسْتَحِقُّ الْقَسْمَ مَرِيضَةٌ) وَقَرْنَاءُ (وَرَتْقَاءُ وَحَائِضٌ وَنُفَسَاءُ) وَمَنْ آلَى مِنْهَا أَوْ ظَاهَرَ وَمُحْرِمَةٌ وَمَجْنُونَةٌ لَا يَخَافُ مِنْهَا.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: وَكَذَا كُلُّ مَنْ بِهَا عُذْرٌ شَرْعِيٌّ أَوْ طَبِيعِيٌّ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْهُ الْأُنْسُ لَا الِاسْتِمْتَاعُ.
أَمَّا الْمَجْنُونَةُ الَّتِي يَخَافُ مِنْهَا وَلَمْ يَظْهَرْ مِنْهَا نُشُوزٌ وَهِيَ مُسَلِّمَةٌ لَهُ فَلَا يَجِبُ لَهَا قَسْمٌ كَمَا بَحَثَهُ الزَّرْكَشِيُّ وَإِنْ اسْتَحَقَّتْ النَّفَقَةَ، فَهِيَ مُسْتَثْنَاةٌ مِنْ قَوْلِنَا: وَضَابِطُ مَنْ يَسْتَحِقُّ الْقَسْمَ كُلُّ مَنْ وَجَبَتْ نَفَقَتُهَا وَلَمْ تَكُنْ مُطَلَّقَةً لِتَخْرُجَ الرَّجْعِيَّةُ.
وَيُسْتَثْنَى مِنْ اسْتِحْقَاقِ الْمَرِيضَةِ الْقَسْمَ مَا لَوْ سَافَرَ بِنِسَائِهِ فَتَخَلَّفَتْ وَاحِدَةٌ لِمَرَضٍ فَلَا قَسْمَ لَهَا وَإِنْ كَانَتْ تَسْتَحِقُّ النَّفَقَةَ كَمَا نَقَلَهُ الْبُلْقِينِيُّ عَنْ تَصْرِيحِ الْمَاوَرْدِيُّ وَأَقَرَّهُ.
وَضَابِطُ مَنْ لَا يَسْتَحِقُّهُ كُلُّ امْرَأَةٍ لَا نَفَقَةَ لَهَا فَلَا تَسْتَحِقُّهُ أَمَةٌ لَمْ تُسَلِّمْ لِلزَّوْجِ لَيْلًا وَنَهَارًا، وَلَا الصَّغِيرَةُ الَّتِي لَا تُطِيقُ الْوَطْءَ، وَلَا الْمَحْبُوسَةُ، وَلَا الْمَغْصُوبَةُ، وَ (لَا نَاشِزَةٌ) بِخُرُوجِهَا عَنْ طَاعَةِ زَوْجِهَا كَأَنْ خَرَجَتْ مِنْ مَسْكَنِهِ بِغَيْرِ إذْنِهِ، أَوْ لَمْ تَفْتَحْ لَهُ الْبَابَ لِيَدْخُلَ، أَوْ لَمْ تُمَكِّنْهُ مِنْ نَفْسِهَا بِلَا عُذْرٍ لَهَا كَمَرَضٍ وَإِلَّا فَهِيَ عَلَى حَقِّهَا كَمَا قَالَهُ الْمَاوَرْدِيُّ، أَوْ دَعَاهَا فَاشْتَغَلَتْ بِحَاجَتِهَا، أَوْ ادَّعَتْ الطَّلَاقَ، وَفِي مَعْنَى النَّاشِزِ الْمُعْتَدَّةُ عَنْ شُبْهَةٍ لِتَحْرِيمِ الْخَلْوَةِ بِهَا، وَنُشُوزُ الْمَجْنُونَةِ كَالْعَاقِلَةِ لَكِنَّهَا لَا تَأْثَمُ.

وَضَابِطُ مَنْ يَجِبُ عَلَيْهِ الْقَسْمُ: كُلُّ زَوْجٍ عَاقِلٍ وَلَوْ سَكْرَانَ أَوْ سَفِيهًا أَوْ مُرَاهِقًا، فَإِنْ جَارَ أَوْ تَقَطَّعَ وَلَمْ يَنْضَبِطْ فَلَا يَلْزَمُ الْوَلِيَّ الطَّوَافُ بِهِ عَلَيْهِنَّ، سَوَاءٌ أَمِنَ مِنْهُ الضَّرَرَ أَمْ لَا، إلَّا إنْ طُولِبَ بِقَضَاءِ قَسْمٍ وَقَعَ مِنْهُ، أَوْ كَانَ الْجِمَاعُ يَنْفَعُهُ بِقَوْلِ أَهْلِ الْخِبْرَةِ، أَوْ مَالَ إلَيْهِ بِمَيْلِهِ إلَى النِّسَاءِ فَيَلْزَمُهُ أَنْ يَطُوفَ بِهِ عَلَيْهِنَّ أَوْ يَدْعُوَهُنَّ إلَى مَنْزِلِهِ أَوْ يَطُوفَ بِهِ عَلَى بَعْضِهِنَّ، وَيَدْعُوَ بَعْضَهُنَّ إذَا كَانَ ثَمَّ عُذْرٌ بِحَسَبِ مَا يَرَى.

وَإِذَا قَسَمَ لِوَاحِدَةٍ فِي الْجُنُونِ وَأَفَاقَ فِي نَوْبَةِ الْأُخْرَى اُنْتُظِرَتْ إفَاقَةُ الْأُخْرَى وَقَضَى فِيهَا إقَامَتَهُ عِنْدَ تِلْكَ فِي الْجُنُونِ، فَإِنْ ضَرَّهُ الْجِمَاعُ بِقَوْلِهِمْ وَجَبَ عَلَى وَلِيِّهِ مَنْعُهُ مِنْهُ، فَإِنْ تَقَطَّعَ الْجُنُونُ وَانْضَبَطَ كَيَوْمٍ وَيَوْمٍ قَسَمَ بِنَفْسِهِ أَيَّامَ الْإِفَاقَةِ وَيَلْغُو أَيَّامُ الْجُنُونِ كَأَيَّامِ الْغَيْبَةِ قَالَهُ الْبَغَوِيّ وَغَيْرُهُ.
وَقَالَ الْمُتَوَلِّي: يُرَاعَى الْقَسْمُ فِي أَيَّامِ الْإِفَاقَةِ وَيُرَاعِيهِ الْوَلِيُّ فِي أَيَّامِ الْجُنُونِ وَيَكُونُ لِكُلِّ وَاحِدَةٍ نَوْبَةٌ مِنْ هَذِهِ وَنَوْبَةٌ مِنْ هَذِهِ، وَهَذَا حَسَنٌ، وَأَطْلَقَ الْمَحَامِلِيُّ عَنْ الْأُمِّ أَنَّ عَلَى الْمَحْبُوسِ الْقَسْمَ، وَأَنَّ مَنْ امْتَنَعَتْ مِنْ إتْيَانِهِ سَقَطَ حَقُّهَا مِنْهُ.
وَقَالَ الْعِمْرَانِيُّ: إنْ أَمْكَنَ أَنْ يَأْوِينَ مَعَهُ فِيهِ فَهُنَّ عَلَى حَقِّهِنَّ، وَذَلِكَ بِأَنْ يَصْلُحَ لِلسُّكْنَى.
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَإِنْ لَمْ يُمْكِنُهُنَّ لِكَثْرَةِ مَنْ مَعَهُ مِنْ الرِّجَالِ هُنَاكَ أَوْ مُنِعَ مِنْ النِّسَاءِ سَقَطَ الْقَسْمُ، وَالْأَوَّلُ مَحْمُولٌ عَلَى ذَلِكَ.

وَلَوْ حَبَسَتْهُ إحْدَى زَوْجَتَيْهِ عَلَى حَقِّهَا فَلَيْسَ لِلْأُخْرَى أَنْ تَبِيتَ مَعَهُ كَمَا أَفْتَى بِهِ ابْنُ الصَّبَّاغِ لِئَلَّا يَتَّخِذَ الْحَبْسَ مَسْكَنًا.

(فَإِنْ لَمْ يَنْفَرِدْ) الزَّوْجُ عَنْ نِسَائِهِ (بِمَسْكَنٍ) لَهُ (دَارَ) وُجُوبًا (عَلَيْهِنَّ فِي بُيُوتِهِنَّ) تَوْفِيَةً لِحَقِّ الْقَسْمِ (وَإِنْ انْفَرَدَ) بِمَسْكَنٍ (فَالْأَفْضَلُ الْمُضِيُّ

إلَيْهِنَّ، وَلَهُ دُعَاؤُهُنَّ، وَالْأَصَحُّ تَحْرِيمُ ذَهَابِهِ إلَى بَعْضٍ وَدُعَاءِ بَعْضٍ، إلَّا لِغَرَضٍ كَقُرْبِ مَسْكَنِ مَنْ مَضَى إلَيْهَا أَوْ خَوْفٍ عَلَيْهَا.

وَيَحْرُمُ أَنْ يُقِيمَ بِمَسْكَنِ وَاحِدَةٍ وَيَدْعُوهُنَّ إلَيْهِ.

وَأَنْ يَجْمَعَ بَيْنَ ضَرَّتَيْنِ فِي مَسْكَنٍ إلَّا بِرِضَاهُمَا.

[مغني المحتاج]

إلَيْهِنَّ) اقْتِدَاءً بِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَصِيَانَةً لَهُنَّ عَنْ الْخُرُوجِ (وَلَهُ دُعَاؤُهُنَّ) إلَى مَسْكَنِهِ وَعَلَيْهِنَّ الْإِجَابَةُ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ حَقٌّ لَهُ، وَمَنْ امْتَنَعَتْ مِنْهُنَّ فَهِيَ نَاشِزَةٌ أَيْ حَيْثُ لَا عُذْرَ، فَإِنْ كَانَ لِعُذْرٍ كَمَرَضٍ وَنَحْوِهِ عُذِرَتْ وَبَقِيَتْ عَلَى حَقِّهَا، قَالَهُ الْمَاوَرْدِيُّ.
وَقَالَ ابْنُ كَجٍّ: إنْ مَنَعَهَا مَرَضٌ عَلَيْهِ أَنْ يَبْعَثَ إلَيْهَا مَنْ يَحْمِلُهَا إلَيْهِ وَجُمِعَ بَيْنَهُمَا بِحَمْلِ الْأَوَّلِ عَلَى الْمَرَضِ الْمَعْجُوزِ مَعَهُ عَنْ الرُّكُوبِ.
وَالثَّانِي عَلَى غَيْرِهِ، وَاسْتَثْنَى الْمَاوَرْدِيُّ مَا إذَا كَانَتْ ذَاتَ قَدْرٍ وَخَفَرٍ وَلَمْ تَعْتَدِ الْبُرُوزَ فَلَا تَلْزَمُهَا إجَابَتُهُ، وَعَلَيْهِ أَنْ يَقْسِمَ لَهَا فِي بَيْتِهَا.
قَالَ الْأَذْرَعِيُّ: وَهُوَ حَسَنٌ وَإِنْ اسْتَغْرَبَهُ الرُّويَانِيُّ.
وَأَمَّا الْمَطَرُ وَالْوَحْلُ الشَّدِيدَانِ وَنَحْوُهَا، فَإِنْ بَعَثَ لَهَا مَرْكُوبًا وَوِقَايَةً مِنْ الْمَطَرِ فَلَا عُذْرَ، وَإِلَّا فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ عُذْرًا، وَيَخْتَلِفُ هَذَا بِاخْتِلَافِ النَّاسِ (وَالْأَصَحُّ تَحْرِيمُ ذَهَابِهِ إلَى بَعْضٍ) مِنْ نِسَائِهِ (وَدُعَاءِ بَعْضٍ) مِنْهُنَّ لِمَسْكَنِهِ لِمَا فِيهِ مِنْ الْوَحْشَةِ، وَلِمَا فِي تَفْضِيلِ بَعْضِهِنَّ عَلَى بَعْضٍ مِنْ تَرْكِ الْعَدْلِ.
وَالثَّانِي: لَا كَمَا لَهُ الْمُسَافَرَةُ بِبَعْضٍ دُونَ بَعْضٍ، وَهَذَا مَا نَصَّ عَلَيْهِ فِي الْإِمْلَاءِ، وَقَطَعَ بِهِ الْعِرَاقِيُّونَ وَغَيْرُهُمْ.
وَأَجَابَ مَنْ قَالَ بِالْأَوَّلِ.
قَالَ الْأَذْرَعِيُّ: وَهُمْ الْأَقَلُّونَ عَنْ الْقِيَاسِ عَلَى الْمُسَافَرَةِ بِأَنَّهَا تَكُونُ بِالْقُرْعَةِ، وَهِيَ تَدْفَعُ الْوَحْشَةَ وَإِنْ أَقْرَعَ هُنَا.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: وَجَبَ أَنْ يَجُوزَ، وَعَبَّرَ فِي الرَّوْضَةِ بِقَوْلِهِ: يَنْبَغِي الْقَطْعُ بِالْجَوَازِ أَنْ يُحْمَلَ النَّصُّ عَلَى مَا إذَا كَانَ ثَمَّ عُذْرٌ كَمَا نَبَّهَ عَلَى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ (إلَّا لِغَرَضٍ كَقُرْبِ مَسْكَنِ مَنْ مَضَى إلَيْهَا) دُونَ الْأُخْرَى (أَوْ خَوْفٍ عَلَيْهَا) لِكَوْنِهَا جَمِيلَةً مَثَلًا دُونَ غَيْرِهَا لِكَوْنِهَا دَمِيمَةً أَوْ حَصَلَ تَرَاضٍ أَوْ قُرْعَةٌ كَمَا مَرَّ فَلَا يَحْرُمُ عَلَيْهِ مَا ذُكِرَ، وَيَلْزَمُ مَنْ دَعَاهَا الْإِجَابَةُ، فَإِنْ أَبَتْ بَطَلَ حَقُّهَا.

(وَيَحْرُمُ أَنْ يُقِيمَ بِمَسْكَنِ وَاحِدَةٍ) مِنْهُنَّ (وَيَدْعُوهُنَّ) أَيْ مَنْ بَقِيَ مِنْهُنَّ (إلَيْهِ) لِأَنَّ إتْيَانَ بَيْتِ الضَّرَّةِ شَاقٌّ عَلَى النَّفْسِ، وَلَا يَلْزَمُهُنَّ الْإِجَابَةُ، فَإِنْ أَجَبْنَ فَلِصَاحِبَةِ الْبَيْتِ الْمَنْعُ، وَإِنْ كَانَ الْبَيْتُ مِلْكَ الزَّوْجِ؛ لِأَنَّ حَقَّ السُّكْنَى فِيهِ لَهَا كَمَا قَالَهُ ابْنُ دَاوُد.
تَنْبِيهٌ: التَّعْبِيرُ بِالْإِقَامَةِ يَقْتَضِي الدَّوَامَ، وَبَحَثَ الزَّرْكَشِيُّ أَنَّ الْحُكْمَ كَذَلِكَ وَلَوْ مَكَثَ أَيَّامًا لَا عَلَى نِيَّةِ الْإِقَامَةِ وَهُوَ ظَاهِرٌ، وَلَوْ رَضِينَ كُلُّهُنَّ بِذَلِكَ جَازَ، وَلَوْ قَالَ: إلَّا بِرِضَاهُنَّ كَالَّتِي بَعْدَهَا لَكَانَ أَوْلَى.

(وَ) يَحْرُمُ (أَنْ يَجْمَعَ) وَلَوْ لَيْلَةً وَاحِدَةً (بَيْنَ ضَرَّتَيْنِ) فَأَكْثَر (فِي مَسْكَنٍ) أَيْ بَيْتٍ وَاحِدٍ لِمَا بَيْنَهُمَا مِنْ التَّبَاغُضِ (إلَّا بِرِضَاهُمَا) فَيَجُوزُ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا؛ لِأَنَّ الْحَقَّ لَهُمَا، وَلَوْ رَجَعَا بَعْدَ الرِّضَا كَانَ لَهُمَا ذَلِكَ.
تَنْبِيهٌ: التَّعْبِيرُ بِالْمَسْكَنِ يَقْتَضِي أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ فِي السَّفَرِ إفْرَادُ كُلِّ وَاحِدَةٍ بِخَيْمَةٍ وَمَرَافِقٍ، وَهُوَ ظَاهِرٌ لِمَا فِي إيجَابِ ذَلِكَ مِنْ الضَّرَرِ بِالزَّوْجِ، وَضَرَرُ الزَّوْجَاتِ لَا يَتَأَبَّدُ فَيُحْتَمَلُ، وَإِذَا رَضِيَتَا بِالْبَيْتِ الْوَاحِدِ.
قَالَ الشَّيْخَانِ: كُرِهَ أَنْ يَطَأَ إحْدَاهُمَا بِحَضْرَةِ الْأُخْرَى؛ لِأَنَّهُ بَعِيدٌ عَنْ

وَلَهُ أَنْ يُرَتِّبَ الْقَسْمَ عَلَى لَيْلَةٍ وَيَوْمٍ قَبْلَهَا أَوْ بَعْدَهَا.

وَالْأَصْلُ اللَّيْلُ، وَالنَّهَارُ تَبَعٌ، فَإِنْ عَمِلَ لَيْلًا وَسَكَنَ نَهَارًا كَحَارِسٍ فَعَكْسُهُ.

وَلَيْسَ لِلْأَوَّلِ دُخُولٌ فِي نَوْبَةٍ عَلَى أُخْرَى لَيْلًا إلَّا لِضَرُورَةٍ كَمَرَضِهَا الْمَخُوفِ،

[مغني المحتاج]

الْمُرُوءَةِ، وَظَاهِرُهُ كَرَاهَةُ التَّنْزِيهِ، وَبِهِ صَرَّحَ الْمُصَنِّفُ فِي تَعْلِيقِهِ عَلَى التَّنْبِيهِ، وَقَضِيَّةُ كَلَامِ جَمَاعَةٍ تَحْرِيمُ ذَلِكَ، وَصَرَّحَ بِهِ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ، وَصَوَّبَهُ الْأَذْرَعِيُّ، وَقَالَ إنَّهُ مُقْتَضَى نَصِّهِ فِي الْأُمِّ لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ سُوءِ الْعِشْرَةِ وَطَرْحِ الْحَيَاءِ اهـ. وَيُمْكِنُ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا بِأَنْ يَكُونَ مَحَلُّ التَّحْرِيمِ إذَا كَانَتْ إحْدَاهُمَا تَرَى عَوْرَةَ الْأُخْرَى، وَلَوْ طَلَبَ الزَّوْجُ ذَلِكَ وَامْتَنَعَتْ لَمْ يَلْزَمْهَا الْإِجَابَةُ، وَلَا تَصِيرُ نَاشِزَةً بِالِامْتِنَاعِ قَالَهُ الشَّيْخَانِ مَعَ قَوْلِهِمَا بِكَرَاهَةِ الْوَطْءِ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ، وَقَوْلُ الْمُصَنِّفِ: ضَرَّتَيْنِ يَقْتَضِي جَوَازَ الْجَمْعِ بَيْنَ الزَّوْجَةِ وَالسُّرِّيَّةِ؛ لِأَنَّ الْجَوْهَرِيَّ فَسَّرَ الضَّرَّةَ بِالزَّوْجَةِ، لَكِنْ صَرَّحَ الْمَاوَرْدِيُّ وَالرُّويَانِيُّ بِأَنَّهُمَا كَالزَّوْجَتَيْنِ، وَالْمُعْتَمَدُ أَنَّهُ يُعْتَبَرُ رِضَا الزَّوْجَةِ فَقَطْ؛ لِأَنَّ السُّرِّيَّةَ لَا يُشْتَرَطُ رِضَاهَا؛ لِأَنَّ لَهُ جَمْعَ إمَائِهِ بِمَسْكَنٍ وَهِيَ أَمَةٌ، وَلَوْ اشْتَمَلَتْ دَارٌ عَلَى حُجُرَاتٍ مُفْرَدَةِ الْمَرَافِقِ جَازَ إسْكَانُ الضَّرَّاتِ فِيهَا مِنْ غَيْرِ رِضَاهُنَّ، وَالْعُلْوُ وَالسُّفْلُ إنْ تَمَيَّزَتْ الْمَرَافِقُ مَسْكَنَانِ.

ثُمَّ شَرَعَ فِي بَيَانِ زَمَانِ الْقَسْمِ وَقَدْرِهِ، فَقَالَ (وَلَهُ) أَيْ لِلزَّوْجِ الْمُقِيمِ (أَنْ يُرَتِّبَ الْقَسْمَ عَلَى لَيْلَةٍ وَيَوْمٍ قَبْلَهَا أَوْ بَعْدَهَا) وَهُوَ أَوْلَى، وَعَلَيْهِ التَّوَارِيخُ الشَّرْعِيَّةُ، فَإِنَّ أَوَّلَ الْأَشْهُرِ اللَّيَالِي، وَقَضِيَّةُ كَلَامِهِ اعْتِبَارُ اللَّيْلِ بِغُرُوبِ الشَّمْسِ إلَى طُلُوعِ الْفَجْرِ قَالَ ابْنُ الرِّفْعَةِ: وَالْوَجْهُ الرُّجُوعُ فِي ذَلِكَ إلَى الْعُرْفِ الْغَالِبِ اهـ. وَهَذَا هُوَ الظَّاهِرُ فَإِنَّ بَعْضَ النَّاسِ يَبْقَى فِي حَانُوتِهِ إلَى هُدْوَةٍ مِنْ اللَّيْلِ.

(وَالْأَصْلُ) فِي الْقَسْمِ مِنْ مُقِيمٍ مَعِيشَتُهُ نَهَارًا (اللَّيْلُ) لِأَنَّهُ وَقْتُ السُّكُونِ (وَالنَّهَارُ تَبَعٌ) لَهُ لِأَنَّهُ وَقْتُ الِانْتِشَارِ فِي طَلَبِ الْمَعَاشِ.
قَالَ تَعَالَى: ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا﴾ [النبأ: 10] ﴿وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا﴾ [النبأ: 11] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا﴾ [يونس: 67] (فَإِنْ عَمِلَ لَيْلًا وَسَكَنَ نَهَارًا كَحَارِسٍ) وَوَقَّادِ حَمَّامٍ (فَعَكْسُهُ) فَيَكُونُ النَّهَارُ فِي حَقِّهِ أَصْلًا وَاللَّيْلُ تَبَعٌ لَهُ لِسُكُونِهِ بِالنَّهَارِ وَمَعَاشِهِ بِاللَّيْلِ، فَلَوْ كَانَ يَعْمَلُ تَارَةً بِالنَّهَارِ وَتَارَةً بِاللَّيْلِ لَمْ يَجُزْ أَنْ يَقْسِمَ لِوَاحِدَةٍ لَيْلَةً تَابِعَةً وَنَهَارًا مَتْبُوعًا وَلِأُخْرَى عَكْسُهُ عَلَى الْأَصَحِّ فِي زِيَادَةِ الرَّوْضَةِ لِتَفَاوُتِ الْغَرَضِ، أَمَّا الْمُسَافِرُ فَعِمَادُهُ وَقْتُ نُزُولِهِ مِنْ لَيْلٍ أَوْ نَهَارٍ قَلَّ أَوْ كَثُرَ؛ لِأَنَّ الْخَلْوَةَ وَالسُّكُونَ حِينَئِذٍ، وَيُؤْخَذُ مِنْ الْعِلَّةِ مَا قَالَهُ الْأَذْرَعِيُّ أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَحْصُلْ الْخَلْوَةُ إلَّا حَالَةَ السَّيْرِ كَأَنْ كَانَ بِمِحَفَّةٍ وَحَالَةُ النُّزُولِ يَكُونُ مَعَ الْجَمَاعَةِ فِي نَحْوِ خَيْمَةٍ كَانَ عِمَادُ قَسْمِهِ حَالَةَ سَيْرِهِ دُونَ حَالَةِ نُزُولِهِ حَتَّى يَلْزَمَهُ التَّسْوِيَةُ فِي ذَلِكَ.

(وَلَيْسَ لِلْأَوَّلِ) أَيْ مَنْ لَيْلُهُ أَصْلٌ (دُخُولٌ) وَلَوْ لِحَاجَةٍ عَلَى الصَّحِيحِ كَعِيَادَةٍ (فِي نَوْبَةٍ عَلَى) زَوْجَةٍ (أُخْرَى لَيْلًا) لِمَا فِيهِ مِنْ إبْطَالِ حَقِّ ذَاتِ النَّوْبَةِ، وَاحْتُرِزَ بِالْأَوَّلِ عَمَّنْ عِمَادُهُ النَّهَارُ فَإِنَّ لَهُ الدُّخُولَ لَيْلًا لِوَضْعِ مَتَاعٍ كَمَا يَفْعَلُهُ الْأَوَّلُ نَهَارًا، وَلَوْ قَالَ وَمَا جَعَلْنَاهُ أَصْلًا لَا يَجُوزُ الدُّخُولُ فِيهِ عَلَى غَيْرِ صَاحِبَةِ النَّوْبَةِ لَكَانَ أَشْمَلَ (إلَّا لِضَرُورَةٍ كَمَرَضِهَا الْمَخُوفِ) وَشِدَّةِ الطَّلْقِ، وَخَوْفِ النَّهْبِ وَالْحَرْقِ، وَقَدْ يَخْرُجُ مَا لَوْ اُحْتُمِلَ ذَلِكَ وَأَرَادَ

وَحِينَئِذٍ إنْ طَالَ مُكْثُهُ قَضَى وَإِلَّا فَلَا.

وَلَهُ الدُّخُولُ نَهَارًا لِوَضْعِ مَتَاعٍ وَنَحْوِهِ وَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَطُولَ مُكْثُهُ وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا يَقْضِي إذَا دَخَلَ لِحَاجَةٍ

[مغني المحتاج]

الدُّخُولَ لِيَتَبَيَّنَ حَالَ الْمَرَضِ، وَالْأَصَحُّ الْجَوَازُ كَمَا نَقَلَاهُ عَنْ الْغَزَالِيِّ (وَحِينَئِذٍ) أَيْ حِينَ الدُّخُولِ لِضَرُورَةٍ (إنْ طَالَ مُكْثُهُ) عُرْفًا (قَضَى) مِنْ نَوْبَةِ الْمَدْخُولِ عَلَيْهَا مِثْلَ مُكْثِهِ؛ لِأَنَّ حَقَّ الْآدَمِيِّ لَا يَسْقُطُ بِالْعُذْرِ، وَمَثَّلَا فِي الرَّوْضَةِ وَأَصْلِهَا طُولَ الْمُكْثِ بِسَاعَةٍ طَوِيلَةٍ، وَنَقَلَا عَنْ الْقَاضِي حُسَيْنٍ تَقْدِيرَهُ بِثُلُثِ اللَّيْلِ.
ثُمَّ قَالَا: وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا تَقْدِيرَ أَيْ فَالْمُعْتَبَرُ الْعُرْفُ كَمَا مَرَّ (وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يَطُلْ مُكْثُهُ (فَلَا) يَقْضِي لِقِلَّتِهِ.
قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: وَيَأْثَمُ انْتَهَى، وَلَا وَجْهَ لِتَأْثِيمِهِ؛ لِأَنَّهُ دَخَلَ لِضَرُورَةٍ، وَإِنَّمَا يَأْثَمُ إذَا تَعَدَّى بِالدُّخُولِ وَإِنْ لَمْ يُطِلْ الْمُكْثَ كَمَا ذَكَرَهُ فِي الرَّوْضَةِ وَأَصْلِهَا.
تَنْبِيهٌ: قَوْلُ الْمُصَنِّفِ وَحِينَئِذٍ يُفْهَمُ مِنْهُ أَنَّهُ يَقْضِي إذَا دَخَلَ بِلَا ضَرُورَةٍ وَطَالَ مُكْثُهُ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى، وَلَوْ تَعَدَّى بِالدُّخُولِ قَضَى إنْ طَالَ مُكْثُهُ وَإِلَّا فَلَا، لَكِنْ يَعْصِي، وَلَوْ جَامَعَ مَنْ دَخَلَ عَلَيْهَا فِي لَيْلَةِ غَيْرِهَا عَصَى، وَإِنْ قَصُرَ الزَّمَنُ وَكَانَ لِضَرُورَةٍ.
قَالَ الْإِمَامُ: وَاللَّائِقُ بِالتَّحْقِيقِ الْقَطْعُ بِأَنَّ الْجِمَاعَ لَا يُوصَفُ بِالتَّحْرِيمِ وَيُصْرَفُ التَّحْرِيمُ إلَى إيقَاعِ الْمَعْصِيَةِ لَا إلَى مَا وَقَعَتْ بِهِ الْمَعْصِيَةُ.
وَحَاصِلُهُ أَنَّ تَحْرِيمَ الْجِمَاعِ لَا لِعَيْنِهِ، بَلْ لِأَمْرٍ خَارِجٍ، وَيَقْضِي الْمُدَّةَ دُونَ الْجِمَاعِ لَا إنْ قَصُرَتْ وَمَحَلُّ وُجُوبِ الْقَضَاءِ مَا إذَا بَقِيَتْ الْمَظْلُومَةُ فِي نِكَاحِهِ، فَلَوْ مَاتَتْ الْمَظْلُومَةُ بِسَبَبِهَا فَلَا قَضَاءَ لِخُلُوصِ الْحَقِّ لِلْبَاقِيَاتِ، فَلَوْ فَارَقَ الْمَظْلُومَةَ تَعَذَّرَ الْقَضَاءُ، ثُمَّ إنْ عَادَتْ بَعْدَ فِرَاقِ مَنْ ظَلَمَ بِهَا تَعَذَّرَ الْقَضَاءُ لِخُلُوصِ الْحَقِّ لَهَا، وَلَوْ أُخْرِجَ فِي اللَّيْلِ ظُلْمًا كُرْهًا فَهَلْ يَجِبُ عَلَيْهِ الْقَضَاءُ؟ فِيهِ وَجْهَانِ: فِي الْحَاوِي.
قَالَ فِي الْمَطْلَبِ: وَالْمَشْهُورُ فِي الْكُتُبِ وُجُوبُهُ، وَهُوَ الْمَنْصُوصُ، وَلَهُ قَضَاءُ الْفَائِتِ فِي أَيِّ جُزْءٍ شَاءَ مِنْ اللَّيْلِ، وَلَكِنَّ الْأَوْلَى أَنْ يَكُونَ فِي مِثْلِ تِلْكَ السَّاعَةِ، وَقِيلَ: يَجِبُ وَيَعْصِي بِطَلَاقِ مَنْ لَمْ تَسْتَوْفِ حَقَّهَا بَعْدَ حُضُورِ وَقْتِهِ لِتَفْوِيتِهِ حَقَّهَا بَعْدَ ثُبُوتِهِ، وَهَذَا سَبَبٌ آخَرُ لِكَوْنِ الطَّلَاقِ بِدْعِيًّا كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي أَصْلِ الرَّوْضَةِ.
قَالَ ابْنُ الرِّفْعَةِ: وَيُتَّجَهُ أَنْ يَكُونَ الْعِصْيَانُ فِيمَا إذَا طَلَّقَهَا بِغَيْرِ سُؤَالِهَا وَإِلَّا فَلَا، فَإِنْ أَعَادَهَا وَلَوْ بِعَقْدٍ جَدِيدٍ وَالْمُسْتَوْفِيَة مَعَهُ وَلَوْ بِعَقْدٍ بَعْدَ طَلَاقٍ قَضَى الْمُعَادَةَ حَقَّهَا وَإِلَّا فَلَا، وَلَا يَحْسِبُ مُبِينَتَهُ مَعَ الْمَظْلُومَةِ عَنْ الْقَضَاءِ قَبْلَ عَوْدِ الْمُسْتَوْفِيَةِ لِذَلِكَ.

(وَلَهُ الدُّخُولُ نَهَارًا لِوَضْعِ) أَوْ أَخْذِ (مَتَاعٍ وَنَحْوِهِ) كَتَسْلِيمِ نَفَقَةٍ وَتَعْرِيفِ خَبَرٍ لِحَدِيثِ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا -: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَطَّوَّفُ عَلَيْنَا جَمِيعًا فَيَدْنُو مِنْ كُلِّ امْرَأَةٍ مِنْ غَيْرِ مَسِيسٍ حَتَّى يَبْلُغَ إلَى الَّتِي هُوَ يَوْمُهَا فَيَبِيتَ عِنْدَهَا» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَقَالَ الْحَاكِمُ: صَحِيحُ الْإِسْنَادِ، وَفُهِمَ مِنْ كَلَامِهِ جَوَازُ الدُّخُولِ لِلضَّرُورَةِ مِنْ بَابِ أَوْلَى (وَيَنْبَغِي) إذَا دَخَلَ نَهَارًا لِمَا ذُكِرَ (أَنْ لَا يَطُولَ مُكْثُهُ) أَيْ لَا يَجُوزُ لَهُ تَطْوِيلُ الْمُكْثِ، لَكِنَّهُ خِلَافُ الْأَوْلَى فَإِنْ طَالَ وَجَبَ الْقَضَاءُ كَمَا فِي الْمُهَذَّبِ وَغَيْرِهِ تَبَعًا لِلنَّصِّ.
قَالَ الشَّارِحُ: وَلَمْ يَذْكُرْهُ الشَّيْخَانِ مَعَ أَنَّ الْمُصَنِّفَ قَالَ (وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا يَقْضِي إذَا دَخَلَ لِحَاجَةٍ) أَيْ وَإِنْ طَالَ الزَّمَنُ؛ لِأَنَّ النَّهَارَ تَابِعٌ مَعَ وُجُودِ الْحَاجَةِ فَيُحْمَلُ كَلَامُ الْمُهَذَّبِ وَغَيْرِهِ كَمَا قَالَ شَيْخِي عَلَى

وَأَنَّ لَهُ مَا سِوَى وَطْءٍ مِنْ اسْتِمْتَاعٍ، وَأَنَّهُ يَقْضِي إنْ دَخَلَ بِلَا سَبَبٍ.

وَلَا تَجِبُ تَسْوِيَةٌ فِي الْإِقَامَةِ نَهَارًا.

وَأَقَلُّ نُوَبِ الْقَسْمِ لَيْلَةٌ وَهُوَ أَفْضَلُ، وَيَجُوزُ ثَلَاثًا، لَا زِيَادَةَ عَلَى الْمَذْهَبِ.

[مغني المحتاج]

مَا إذَا طَالَ الزَّمَانُ فَوْقَ الْحَاجَةِ، وَكَلَامُ الْمَتْنِ عَلَى مَا إذَا طَالَ الزَّمَانُ بِالْحَاجَةِ، وَرَأَيْت بَعْضَ الشُّرَّاحِ ضَعَّفَ مَا فِي الْمُهَذَّبِ، وَبَعْضَهُمْ ضَعَّفَ مَا فِي الْمَتْنِ، وَحَيْثُ أَمْكَنَ الْجَمْعُ فَهُوَ أَوْلَى، وَمُقَابِلُ الصَّحِيحِ يَقْضِي إذَا طَالَ كَمَا فِي اللَّيْلِ، وَاحْتُرِزَ بِقَوْلِهِ لِحَاجَةٍ عَمَّا إذَا دَخَلَ بِلَا سَبَبٍ، وَسَيَأْتِي (وَ) الصَّحِيحُ، وَعَبَّرَ فِي الرَّوْضَةِ بِالْأَصَحِّ (أَنَّ لَهُ مَا سِوَى وَطْءٍ مِنْ اسْتِمْتَاعٍ) لِلْحَدِيثِ السَّابِقِ؛ وَلِأَنَّ النَّهَارَ تَابِعٌ.
وَالثَّانِي: لَا يَجُوزُ، أَمَّا الْوَطْءُ فَقَضِيَّةُ كَلَامِهِ أَنَّهُ يَحْرُمُ قَطْعًا حَيْثُ أَخْرَجَهُ مِنْ مَحَلِّ الْخِلَافِ، وَلَيْسَ مُرَادًا بَلْ فِيهِ وَجْهٌ، وَتَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى مَا يَتَعَلَّقُ بِتَحْرِيمِ الْوَطْءِ، وَأَنَّ مَنْ عِمَادُ الْقَسْمِ فِي حَقِّهِ النَّهَارُ أَنَّ نَهَارَهُ كَلَيْلِ غَيْرِهِ فِي جَمِيعِ مَا مَرَّ (وَ) الصَّحِيحُ الْمَنْصُوصُ (أَنَّهُ يَقْضِي إنْ دَخَلَ) نَهَارًا (بِلَا سَبَبٍ) أَيْ يَقْضِي زَمَنَ الْإِقَامَةِ لِتَعَدِّيهِ، لَا أَنَّهُ يَقْضِي الِاسْتِمْتَاعَ كَمَا يَقْتَضِيهِ كَلَامُهُ.
وَالثَّانِي: لَا يَقْضِي؛ لِأَنَّ النَّهَارَ تَبَعٌ، وَمَحَلُّ الْخِلَافِ إذَا طَالَ الزَّمَنُ أَخْذًا مِمَّا مَرَّ، وَإِنْ كَانَ ظَاهِرُ كَلَامِهِ الْإِطْلَاقَ.

(وَلَا تَجِبُ تَسْوِيَةٌ فِي) قَدْرِ (الْإِقَامَةِ نَهَارًا) لِتَبَعِيَّتِهِ لِلَّيْلِ؛ وَلِأَنَّهُ وَقْتُ الِانْتِشَارِ وَالتَّرَدُّدِ، وَقَدْ يَكْثُرُ فِي يَوْمٍ وَيَقِلُّ فِي آخَرَ، وَالضَّبْطُ فِيهِ عَسِرٌ بِخِلَافِ اللَّيْلِ، وَمَنْ عِمَادُ قَسْمَتِهِ النَّهَارُ فَبِالْعَكْسِ مِنْ ذَلِكَ.

فَرْعٌ: لَوْ كَانَ تَحْتَهُ مَرِيضَتَانِ وَلَا مُتَعَهِّدَ لَهُمَا يَقْسِمُ اللَّيَالِيَ عَلَيْهِمَا، وَالتَّسْوِيَةُ بَيْنَهُمَا فِي التَّمْرِيضِ لَا بِالْقُرْعَةِ وَقَضَى لِلْبَاقِيَاتِ إنْ بَرِئَتَا، فَإِنْ مَاتَتْ الْمَرِيضَةُ تَعَذَّرَ الْقَضَاءُ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يُحْسَبُ مِنْ نَوْبَتِهَا، أَمَّا إذَا كَانَ لَهَا مُتَعَهِّدٌ فَلَا يَبِيتُ عِنْدَهَا إلَّا فِي نَوْبَتِهَا.

(وَأَقَلُّ نُوَبِ الْقَسْمِ) لِمُقِيمٍ عَمَلُهُ نَهَارًا (لَيْلَةٌ) لَيْلَةٌ، وَلَا يَجُوزُ تَبْعِيضُهَا لِمَا فِيهِ مِنْ تَشْوِيشِ الْعَيْشِ وَعُسْرِ ضَبْطِ أَجْزَاءِ اللَّيْلِ وَلَا بِلَيْلَةٍ وَبَعْضِ أُخْرَى، وَأَمَّا طَوَافُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى نِسَائِهِ فِي لَيْلَةٍ وَاحِدَةٍ فَمَحْمُولٌ عَلَى رِضَاهُنَّ، أَمَّا الْمُسَافِرُ فَقَدْ مَرَّ حُكْمُهُ، وَأَمَّا مَنْ عِمَادُ قَسْمِهِ النَّهَارُ كَالْحَارِسِ فَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ تَبْعِيضُهُ كَتَبْعِيضِ اللَّيْلَةِ مِمَّنْ يَقْسِمُ لَيْلًا وَهُوَ الظَّاهِرُ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ يَجُوزُ لِسُهُولَةِ الضَّبْطِ.
تَنْبِيهٌ: لَوْ قَالَ نَوْبَةً بِالْإِفْرَادِ اسْتَغْنَى عَنْ تَكْرِيرِ لَيْلَةِ الْمُصَرَّحِ بِهِ فِي الْمُحَرَّرِ وَلَفْظَةُ " أَقَلُّ " مَزِيدَةٌ عَلَيْهِ (وَهُوَ أَفْضَلُ) مِنْ الزِّيَادَةِ عَلَيْهَا اقْتِدَاءً بِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلِيَقْرُبَ عَهْدُهُ بِهِنَّ (وَيَجُوزُ) لَيْلَتَيْنِ وَ (ثَلَاثًا) بِغَيْرِ رِضَاهُنَّ، وَقِيلَ: لَا تَجُوزُ الزِّيَادَةُ عَلَى لَيْلَةٍ إلَّا بِرِضَاهُنَّ، وَاخْتَارَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ (لَا زِيَادَةَ) عَلَى الثَّلَاثِ بِغَيْرِ رِضَاهُنَّ (عَلَى الْمَذْهَبِ) وَقَوْلُ الْجُمْهُورِ: وَإِنْ تَفَرَّقْنَ فِي الْبِلَادِ لِئَلَّا يُؤَدِّيَ إلَى الْمُهَاجَرَةِ، وَلِإِيحَاشِ الْبَاقِيَاتِ بِطُولِ الْمُقَامِ عِنْدَ الضَّرَّةِ وَقَدْ يَمُوتُ فِي الْمُدَّةِ الطَّوِيلَةِ فَيَفُوتُ حَقُّهُنَّ، وَقِيلَ فِي قَوْلٍ أَوْ وَجْهٍ يُزَادُ عَلَى الثَّلَاثِ إلَى سَبْعٍ، وَقِيلَ: مَا لَمْ يَبْلُغْ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ مُدَّةَ تَرَبُّصِ الْمُولِي.
تَنْبِيهٌ: قَضِيَّةُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ تَحْرِيمُ الزِّيَادَةِ وَهُوَ الَّذِي عَلَيْهِ الْجُمْهُورُ، خِلَافًا لِمَا جَزَمَ بِهِ

وَالصَّحِيحُ وُجُوبُ قُرْعَةٍ لِلِابْتِدَاءِ، وَقِيلَ يَتَخَيَّرُ.

وَلَا يُفَضِّلُ فِي قَدْرِ نَوْبَةٍ لَكِنْ لِحُرَّةٍ مِثْلَا أَمَةٍ،

[مغني المحتاج]

الدَّارِمِيُّ وَالرُّويَانِيُّ مِنْ الْكَرَاهَةِ، أَمَّا إذَا رَضِينَ فَتَجُوزُ الزِّيَادَةُ قَطْعًا.

(وَالصَّحِيحُ وُجُوبُ قُرْعَةٍ) عَلَى الزَّوْجِ بَيْنَ الزَّوْجَاتِ (لِلِابْتِدَاءِ) بِوَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ عِنْدَ عَدَمِ رِضَاهُنَّ تَحَرُّزًا عَنْ التَّرْجِيحِ مَعَ اسْتِوَائِهِنَّ فِي الْحَقِّ فَيَبْدَأُ بِمَنْ خَرَجَتْ قُرْعَتُهَا، فَإِذَا مَضَتْ نَوْبَتُهَا أَقْرَعَ بَيْنَ الْبَاقِيَاتِ، ثُمَّ بَيْنَ الْأُخْرَيَيْنِ، فَإِذَا تَمَّتْ النَّوْبَةُ رَاعَى التَّرْتِيبَ وَلَا حَاجَةَ إلَى إعَادَةِ الْقُرْعَةِ بِخِلَافِ مَا لَوْ بَدَأَ بِلَا قُرْعَةٍ فَإِنَّهُ يُقْرِعُ بَيْنَ الْبَاقِيَاتِ، فَإِذَا تَمَّتْ النَّوْبَةُ أَقْرَعَ لِلِابْتِدَاءِ، وَقَدْ شَمِلَ ذَلِكَ عِبَارَةُ الْمُصَنِّفِ؛ لِأَنَّهُ الْآنَ كَأَنَّهُ ابْتَدَأَ الْقَسْمَ، أَمَّا إذَا رَضِينَ بِتَقْدِيمِ وَاحِدَةٍ لَمْ يُمْتَنَعْ ذَلِكَ (وَقِيلَ: يَتَخَيَّرُ) بَيْنَهُنَّ فِي ذَلِكَ فَيَبْدَأُ بِمَنْ شَاءَ مِنْهُنَّ بِغَيْرِ قُرْعَةٍ.

(وَلَا يُفَضِّلُ) بَعْضَ نِسَائِهِ (فِي قَدْرِ نَوْبَةٍ) أَيْ يَحْرُمُ عَلَيْهِ ذَلِكَ، وَإِنْ اخْتَصَّتْ بِفَضِيلَةٍ كَشَرَفٍ وَإِسْلَامٍ؛ لِأَنَّ الْقَسْمَ شُرِعَ لِلْعَدْلِ وَاجْتِنَابِ التَّفْضِيلِ الْمُفْضِي لِلْوَحْشَةِ، ثُمَّ اسْتَثْنَى الْمُصَنِّفُ مِنْ عَدَمِ التَّفْضِيلِ مَسْأَلَتَيْنِ: أَشَارَ لِإِحْدَاهُمَا بِقَوْلِهِ (لَكِنْ لِحُرَّةٍ مِثْلَا أَمَةٍ) لِحَدِيثٍ فِيهِ مُرْسَلٍ، رَوَاهُ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ وَعَضَّدَهُ الْمَاوَرْدِيُّ بِأَنَّهُ رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ كَمَا رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ وَلَا يُعْرَفُ لَهُ مُخَالِفٌ: فَكَانَ إجْمَاعًا، وَلِأَنَّ الْقَسْمَ اسْتِمْتَاعٌ، وَالِاسْتِمْتَاعُ بِهَا غَالِبًا عَلَى النِّصْفِ إذْ لَا تُسَلِّمُ لَهُ إلَّا لَيْلًا، وَخَالَفَ حَقَّ الزِّفَافِ، إذْ الْغَرَضُ فِيهِ زَوَالُ الْحَيَاءِ وَالْحِشْمَةِ وَهُمَا فِيهِ سَوَاءٌ، وَسَوَاءٌ الْمُدَبَّرَةُ وَالْمُكَاتَبَةُ وَالْمُبَعَّضَةُ وَأُمُّ الْوَلَدِ، كَمَا قَالَهُ الْمَاوَرْدِيُّ وَغَيْرُهُ.
وَيُتَصَوَّرُ اجْتِمَاعُ الْأَمَةِ مَعَ الْحُرَّةِ فِي صُوَرٍ: مِنْهَا أَنْ يَسْبِقَ نِكَاحُ الْأَمَةِ بِشُرُوطِهِ عَلَى نِكَاحِ الْحُرَّةِ، وَمِنْهَا أَنْ يَكُونَ تَحْتَهُ حُرَّةٌ لَا تَصْلُحُ لِلِاسْتِمْتَاعِ، وَمِنْهَا أَنْ يَكُونَ الزَّوْجُ رَقِيقًا أَوْ مُبَعَّضًا، وَقَوْلُ الشَّيْخَيْنِ: وَلَا يُتَصَوَّرُ كَوْنُ الْأَمَةِ جَدِيدَةً إلَّا فِي حَقِّ الْعَبْدِ جَرَى عَلَى الْغَالِبِ، وَإِنَّمَا تَسْتَحِقُّ الْأَمَةُ الْقَسْمَ إذَا اسْتَحَقَّتْ النَّفَقَةَ بِأَنْ تَكُونَ مُسَلِّمَةً لِلزَّوْجِ لَيْلًا وَنَهَارًا كَالْحُرَّةِ كَمَا مَرَّتْ الْإِشَارَةُ إلَيْهِ وَحَقُّ الْقَسْمِ لَهَا لَا لِسَيِّدِهَا فَهِيَ الَّتِي تَمْلِكُ إسْقَاطَهُ؛ لِأَنَّ مُعْظَمَ الْحَظِّ فِي الْقَسْمِ لَهَا كَمَا أَنَّ خِيَارَ الْعَيْبِ لَهَا لَا لَهُ.
تَنْبِيهٌ: كَلَامُ الْمُصَنِّفِ قَدْ يُوهِمُ جَوَازَ لَيْلَتَيْنِ لَهَا إذَا كَانَ لِلْحُرَّةِ أَرْبَعَةٌ، وَلَيْسَ مُرَادًا بَلْ الشَّرْطُ لَيْلَةً لَهَا وَلَيْلَتَيْنِ لِلْحُرَّةِ، وَلَا تَجُوزُ الزِّيَادَةُ عَلَى ذَلِكَ وَلَا النَّقْصُ عَنْهُ لِئَلَّا يُزَادَ الْقَسْمُ عَلَى ثَلَاثٍ أَوْ يَنْقُصَ عَنْ لَيْلَةٍ وَهُمَا مُمْتَنِعَانِ كَمَا مَرَّ، وَهَذَا كُلُّهُ إذَا لَمْ يَطْرَأْ الْعِتْقُ، فَلَوْ عَتَقَتْ الْأَمَةُ فِي اللَّيْلَةِ الْأُولَى مِنْ لَيْلَتَيْ الْحُرَّةِ وَكَانَتْ الْبُدَاءَةُ بِالْحُرَّةِ فَالثَّانِيَةُ مِنْ لَيْلَتَيْهَا لِلْعَتِيقَةِ ثُمَّ يُسَوِّي بَيْنَهُمَا إنْ أَرَادَ الِاقْتِصَارَ لَهَا عَلَى لَيْلَةٍ، وَإِلَّا فَلَهُ تَوْفِيَةُ الْحُرَّةِ لَيْلَتَيْنِ وَثَلَاثًا، وَإِقَامَةُ مِثْلِ ذَلِكَ عِنْدَ الْعَتِيقَةِ، وَإِنْ عَتَقَتْ فِي الثَّانِيَةِ مِنْهُمَا فَلَهُ إتْمَامُهَا وَيَبِيتُ مَعَ الْعَتِيقَةِ لَيْلَتَيْنِ، وَإِنْ خَرَجَ حِينَ الْعِتْقِ إلَى مَسْجِدٍ أَوْ بَيْتِ صَدِيقٍ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ، أَوْ إلَى الْعَتِيقَةِ لَمْ يَقْضِ مَا مَضَى مِنْ تِلْكَ اللَّيْلَةِ، فَإِنْ قِيلَ: إنْ كَانَ النِّصْفُ الْأَوَّلُ مِنْ اللَّيْلَةِ حَقًّا لِلْحُرَّةِ فَيَجِبُ إذَا كَمَّلَ اللَّيْلَةَ أَنْ لَا يَقْضِيَ جَمِيعَهَا، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ حَقًّا لَهَا فَيَجِبُ أَنْ يَقْضِيَهُ إذَا خَرَجَ فَوْرًا.
. أُجِيبَ عَنْ الشِّقِّ الْأَوَّلِ بِأَنَّ نِصْفَيْ اللَّيْلَةِ كَالثَّلَاثَةِ

وَتَخْتَصُّ بِكْرٌ جَدِيدَةٌ عِنْدَ زِفَافٍ بِسَبْعٍ بِلَا قَضَاءٍ، وَثَيِّبٌ بِثَلَاثٍ، وَيُسَنُّ تَخْيِيرُهَا بَيْنَ ثَلَاثٍ بِلَا قَضَاءٍ،

[مغني المحتاج]

أَيَّامٍ، وَالسَّبْعَةِ فِي حَقِّ الزِّفَافِ لِلثَّيِّبِ، فَالثَّلَاثُ حَقٌّ لَهَا، وَإِذَا أَقَامَ عِنْدَهَا سَبْعًا قَضَى الْجَمِيعَ كَمَا سَيَأْتِي، فَكَذَا إذَا أَقَامَ النِّصْفَ الثَّانِيَ قَضَاهُ مَعَ النِّصْفِ الْأَوَّلِ، لَكِنَّ مُقْتَضَى هَذَا أَنَّ مَحَلَّهُ إذَا طَلَبَتْ مِنْهُ تَمَامَ اللَّيْلَةِ، كَمَا إذَا طَلَبَتْ الثَّيِّبُ السَّبْعَةَ وَإِلَّا فَيَقْضِي الزَّائِدَ فَقَطْ، وَعَنْ الشِّقِّ الثَّانِي بِأَنَّ الْعَتِيقَةَ قَبْلَ الْعِتْقِ لَا يَثْبُتُ لَهَا اسْتِحْقَاقٌ نَظِيرَ النِّصْفِ الْمَقْسُومِ كَمَا لَوْ كَانَ عَبْدٌ بَيْنَ اثْنَيْنِ لِأَحَدِهِمَا ثُلُثُهُ وَلِلْآخَرِ ثُلُثَاهُ، فَالْمُهَايَأَةُ بَيْنَهُمَا تَكُونُ يَوْمَيْنِ وَيَوْمًا، فَإِذَا اشْتَرَى صَاحِبُ الثُّلُثِ السُّدُسَ مِنْ الْآخَرِ فِي أَثْنَاءِ الْيَوْمِ لَمْ يَرْجِعْ عَلَيْهِ بِأُجْرَةِ مَا مَضَى.
وَإِنْ عَتَقَتْ فِي لَيْلَتِهَا قَبْلَ تَمَامِهَا زَادَهَا لَيْلَةً؛ لِالْتِحَاقِهَا بِالْحُرَّةِ قَبْلَ الْوَفَاءِ أَوْ بَعْدَ تَمَامِهَا اقْتَصَرَ عَلَيْهَا ثُمَّ سَوَّى بَيْنَهُمَا، وَلَا أَثَرَ لِعِتْقِهَا فِي يَوْمِهَا؛ لِأَنَّهُ تَابِعٌ، وَإِنْ كَانَتْ الْبُدَاءَةُ بِالْأَمَةِ وَعَتَقَتْ فِي لَيْلَتِهَا فَكَالْحُرَّةِ فَيُتِمَّهَا، ثُمَّ يُسَوِّي بَيْنَهُمَا، أَوْ عَتَقَتْ بَعْدَ تَمَامِهَا، أَوْفَى الْحُرَّةَ لَيْلَتَيْنِ ثُمَّ سَوَّى بَيْنَهُمَا؛ لِأَنَّ الْأَمَةَ قَدْ اسْتَوْفَتْ لَيْلَتَهَا قَبْلَ عِتْقِهَا فَتَسْتَوْفِي الْحُرَّةُ بِإِزَائِهَا لَيْلَتَيْنِ، وَلَوْ لَمْ تَعْلَمْ الْأَمَةُ بِعِتْقِهَا حَتَّى مَرَّ عَلَيْهَا أَدْوَارٌ وَهُوَ يَقْسِمُ لَهَا قَسْمَ الْإِمَاءِ قَضَى الزَّوْجُ لَهَا مَا مَضَى إنْ عَلِمَ بِذَلِكَ وَإِلَّا فَلَا، وَعَلَى هَذَا يُحْمَلُ كَلَامُ مَنْ أَطْلَقَ عَدَمَ الْقَضَاءِ وَكَلَامُ مَنْ أَطْلَقَ الْقَضَاءَ.
ثُمَّ أَشَارَ إلَى الْمَسْأَلَةِ الثَّانِيَةِ بِقَوْلِهِ (وَتَخْتَصُّ) وُجُوبًا زَوْجَةٌ (بِكْرٌ جَدِيدَةٌ) أَيْ جَدَّدَهَا عَلَى مَنْ فِي عِصْمَتِهِ زَوْجَةٌ يَبِيتُ عِنْدَهَا وَلَوْ أَمَةً أَوْ كَافِرَةً (عِنْدَ زِفَافٍ) وَهُوَ حَمْلُ الْعَرُوسِ لِزَوْجِهَا (بِسَبْعٍ) وَلَاءٍ (بِلَا قَضَاءٍ) لِلْبَاقِيَاتِ (وَ) تَخْتَصُّ وُجُوبًا زَوْجَةٌ (ثَيِّبٌ) وَهِيَ الَّتِي إذْنُهَا النُّطْقُ (بِثَلَاثٍ) وَلَاءٍ بِلَا قَضَاءٍ لِخَبَرِ ابْنِ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ: «سَبْعٌ لِلْبِكْرِ وَثَلَاثٌ لِلثَّيِّبِ» وَالْمَعْنَى فِي ذَلِكَ زَوَالُ الْحِشْمَةِ بَيْنَهُمَا وَلِهَذَا سَوَّى بَيْنَ الْحُرَّةِ وَالْأَمَةِ؛ لِأَنَّ مَا يَتَعَلَّقُ بِالطَّبْعِ لَا يَخْتَلِفُ بِالرِّقِّ وَالْحُرِّيَّةِ كَمُدَّةِ الْعُنَّةِ وَالْإِيلَاءِ، وَزِيدَ لِلْبِكْرِ؛ لِأَنَّ حَيَاءَهَا أَكْثَرُ، وَالْحِكْمَةُ فِي الثَّلَاثِ وَالسَّبْعِ أَنَّ الثَّلَاثَ مُغْتَفَرَةٌ فِي الشَّرْعِ، وَالسَّبْعَ عَدَدُ أَيَّامِ الدُّنْيَا، وَمَا زَادَ عَلَيْهَا تَكْرَارٌ، فَإِنْ فَرَّقَ ذَلِكَ لَمْ تُحْسَبْ؛ لِأَنَّ الْحِشْمَةَ لَا تُزَالُ بِالْمُفَرَّقِ وَاسْتَأْنَفَ وَقَضَى الْمُفَرَّقَ لِلْأُخْرَيَاتِ، وَخَرَجَ بِجَدِيدَةٍ مَنْ طَلَّقَهَا رَجْعِيًّا بَعْدَ تَوْفِيَةِ حَقِّ الزِّفَافِ، فَإِنَّهُ إذَا رَاجَعَهَا لَا زِفَافَ لَهَا، بِخِلَافِ الْبَائِنِ، وَبِخِلَافِ مُسْتَفْرَشَةٍ أَعْتَقَهَا سَيِّدُهَا ثُمَّ تَزَوَّجَهَا فَإِنَّهُ يَجِبُ لَهَا حَقُّ الزِّفَافِ.
وَلَوْ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ غَيْرُهَا أَوْ كَانَتْ وَلَمْ يَبِتْ عِنْدَهَا لَمْ يَثْبُتْ لِلْجَدِيدَةِ حَقُّ الزِّفَافِ، وَلَا يُنَافِي هَذَا قَوْلُ أَصْلِ الرَّوْضَةِ: لَوْ نَكَحَ جَدِيدَتَيْنِ لَمْ يَكُنْ فِي نِكَاحِهِ غَيْرُهُمَا وَجَبَ لَهُمَا حَقُّ الزِّفَافِ؛ لِأَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى مَنْ أَرَادَ الْقَسْمَ وَإِنْ قَالَ الْمُصَنِّفُ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ: الْأَقْوَى الْمُخْتَارُ وُجُوبُهُ مُطْلَقًا لِخَبَرِ أَنَسٍ، فَقَدْ رَدَّهُ الْبُلْقِينِيُّ بِأَنَّ فِي مُسْلِمٍ طُرُقًا فِيهَا الصَّرَاحَةُ بِمَا إذَا كَانَتْ عِنْدَهُ زَوْجَةٌ أَوْ أَكْثَرُ غَيْرُ الَّتِي زُفَّتْ إلَيْهِ، فَتَكُونُ هَذِهِ الرِّوَايَةُ الْمُطْلَقَةُ مُقَيَّدَةً بِتِلْكَ الرِّوَايَاتِ، وَدَخَلَ فِي الثَّيِّبِ الْمَذْكُورَةُ مَنْ كَانَتْ ثُيُوبَتُهَا بِوَطْءٍ حَلَالٍ أَوْ حَرَامٍ أَوْ وَطْءِ شُبْهَةٍ، وَخَرَجَ بِهَا مَنْ حَصَلَتْ ثُيُوبَتُهَا بِمَرَضٍ أَوْ وَثْبَةٍ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ.
(وَيُسَنُّ تَخْيِيرُهَا) أَيْ الثَّيِّبِ (بَيْنَ ثَلَاثٍ بِلَا قَضَاءٍ) لِلْبَاقِيَاتِ

وَسَبْعٍ بِقَضَاءٍ.

وَمَنْ سَافَرَتْ وَحْدَهَا بِغَيْرِ إذْنِهِ فَنَاشِزَةٌ، وَبِإِذْنِهِ لِغَرَضِهِ يَقْضِي لَهَا، وَلِغَرَضِهَا لَا فِي الْجَدِيدِ.

[مغني المحتاج]

(وَ) بَيْنَ (سَبْعٍ بِقَضَاءٍ) أَيْ مَعَ قَضَاءٍ لَهُنَّ: «كَمَا فَعَلَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِأُمِّ سَلَمَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا - حَيْثُ قَالَ لَهَا: إنْ شِئْتِ سَبَّعْتُ عِنْدَكِ وَسَبَّعْتُ عِنْدَهُنَّ وَإِنْ شِئْتِ ثَلَّثْتُ عِنْدَكِ وَدُرْتُ» أَيْ بِالْقَسْمِ الْأَوَّلِ بِلَا قَضَاءٍ، وَإِلَّا لَقَالَ: وَثَلَّثْتُ عِنْدَهُنَّ كَمَا قَالَ: وَسَبَّعْتُ عِنْدَهُنَّ، رَوَاهُ مَالِكٌ، وَكَذَا مُسْلِمٌ بِمَعْنَاهُ.
أَمَّا إذَا لَمْ تَخْتَرْ السَّبْعَ بِأَنْ لَمْ تَخْتَرْ شَيْئًا، أَوْ اخْتَارَتْ دُونَ سَبْعٍ لَمْ يَقْضِ إلَّا مَا فَوْقَ الثَّلَاثِ؛ لِأَنَّهَا لَمْ تَطْمَعْ فِي الْحَقِّ الْمَشْرُوعِ لِغَيْرِهَا، كَمَا أَنَّ الْبِكْرَ إذَا طَلَبَتْ عَشْرًا وَبَاتَ عِنْدَهَا مَعَ أَنَّهُ يَمْتَنِعُ عَلَيْهِ ذَلِكَ لَمْ يَقْضِ إلَّا مَا زَادَ لِمَا ذُكِرَ، بِخِلَافِ الثَّيِّبِ إذَا اخْتَارَتْ السَّبْعَ فَإِنَّهَا طَمِعَتْ فِي الْحَقِّ الْمَشْرُوعِ لِغَيْرِهَا فَبَطَلَ حَقُّهَا، وَلَوْ زُفَّتْ لَهُ زَوْجَتَانِ مَعًا وَهُوَ مُكْرَهٌ أَقْرَعَ بَيْنَهُمَا لِلِابْتِدَاءِ لِحَقِّ الزِّفَافِ، فَمَنْ خَرَجَتْ قُرْعَتُهَا قَدَّمَهَا بِجَمِيعِ السَّبْعِ أَوْ الثَّلَاثِ، فَإِنْ زُفَّتَا مُرَتَّبًا أَدَّى حَقَّ الْأُولَى أَوَّلًا، وَلَوْ زُفَّتْ جَدِيدَةٌ وَلَهُ زَوْجَتَانِ قَدْ وَفَّاهُمَا حَقَّهُمَا وَفَّى الْجَدِيدَةَ حَقَّهَا وَاسْتَأْنَفَ بَعْدَ ذَلِكَ الْقَسْمَ بَيْنَ الْجَمِيعِ بِالْقُرْعَةِ، وَإِنْ بَقِيَتْ لَيْلَةٌ لِإِحْدَاهُمَا بَدَأَ بِالْجَدِيدَةِ ثُمَّ وَفَّى الْقَدِيمَةَ لَيْلَتَهَا، ثُمَّ يَبِيتُ عِنْدَ الْجَدِيدَةِ نِصْفَ لَيْلَةٍ؛ لِأَنَّهَا تَسْتَحِقُّ ثُلُثَ الْقَسْمِ؛ لِأَنَّ اللَّيْلَةَ الَّتِي بَاتَهَا عِنْدَ الْقَدِيمَةِ كَأَنَّهَا بَيْنَ الْقَدِيمَتَيْنِ، فَيَخُصُّ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْ الْقَدِيمَتَيْنِ نِصْفُ لَيْلَةٍ فَيَكُونُ لِلْجَدِيدَةِ مَا ذُكِرَ، وَيَخْرُجُ إلَى الْمَسْجِدِ أَوْ نَحْوِهِ ثُمَّ يَسْتَأْنِفُ الْقَسْمَ بَيْنَ الثَّلَاثِ بِالسَّوِيَّةِ، وَلَوْ كَانَ يَقْسِمُ لَيْلَتَيْنِ فَتَزَوَّجَ جَدِيدَةً فِي أَثْنَاءِ لَيْلَةِ إحْدَاهُمَا فَهَلْ يَقْطَعُ اللَّيْلَةَ كُلَّهَا وَيَقْسِمُ لِلْجَدِيدَةِ أَوْ يُكْمِلُ اللَّيْلَةَ؟ وَجْهَانِ فِي حِلْيَةِ الشَّاشِيِّ أَوْجَهُهُمَا الْأَوَّلُ.
تَنْبِيهٌ: لَا يَتَخَلَّفُ بِسَبَبِ الزِّفَافِ عَنْ الْخُرُوجِ لِلْجَمَاعَاتِ وَسَائِرِ أَعْمَالِ الْبِرِّ كَعِيَادَةِ الْمَرْضَى وَتَشْيِيعِ الْجَنَائِزِ مُدَّةَ الزِّفَافِ إلَّا لَيْلًا فَيَتَخَلَّفُ وُجُوبًا تَقْدِيمًا لِلْوَاجِبِ، وَهَذَا مَا جَرَى عَلَيْهِ الشَّيْخَانِ وَإِنْ خَالَفَ فِيهِ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ.
وَأَمَّا لَيَالِي الْقَسْمِ فَتَجِبُ التَّسْوِيَةُ بَيْنَهُنَّ فِي الْخُرُوجِ لِذَلِكَ وَعَدَمِهِ، فَإِمَّا أَنْ يَخْرُجَ فِي لَيْلَةِ الْجَمْعِ أَوْ لَا يَخْرُجَ أَصْلًا، فَإِنْ خَصَّ لَيْلَةَ بَعْضِهِنَّ بِالْخُرُوجِ أَثِمَ.

(وَمَنْ سَافَرَتْ) مِنْهُنَّ (وَحْدَهَا بِغَيْرِ إذْنِهِ) لِحَاجَتِهَا أَوْ حَاجَتِهِ (فَنَاشِزَةٌ) فَلَا قَسْمَ، وَيُسْتَثْنَى مِنْ ذَلِكَ صُورَتَانِ: الْأُولَى: إذَا خَرِبَتْ الْبَلَدُ وَارْتَحَلَ أَهْلُهَا وَالزَّوْجُ غَائِبٌ وَلَمْ يُمْكِنْهَا الْإِقَامَةُ فَلَا تَكُونُ كَمَا قَالَ السُّبْكِيُّ نَاشِزَةً كَخُرُوجِهَا مِنْ الْبَيْتِ إذَا أَشْرَفَ عَلَى السُّقُوطِ.
الثَّانِيَةُ: إذَا سَافَرَ السَّيِّدُ بِالْأَمَةِ بَعْدَ أَنْ بَاتَ الزَّوْجُ عِنْدَ الْحُرَّةِ لَيْلَتَيْنِ لَمْ يَسْقُطْ حَقُّهَا مِنْ الْقَسْمِ، وَعَلَى الزَّوْجِ قَضَاءُ مَا فَاتَ عِنْدَ التَّمَكُّنِ؛ لِأَنَّ الْفَوَاتَ حَصَلَ بِغَيْرِ اخْتِيَارِهَا، قَالَهُ الْمُتَوَلِّي وَأَقَرَّاهُ.
أَمَّا إذَا سَافَرَتْ مَعَهُ بِغَيْرِ إذْنِهِ فَإِنَّهَا تَسْتَحِقُّ كَمَا تَسْتَحِقُّ النَّفَقَةَ، لَكِنَّهَا تَعْصِي.
نَعَمْ إنْ مَنَعَهَا مِنْ الْخُرُوجِ فَخَرَجَتْ وَلَمْ يَقْدِرْ عَلَى رَدِّهَا سَقَطَ حَقُّهَا.
قَالَ الْبُلْقِينِيُّ بِالنِّسْبَةِ لِلنَّفَقَةِ: وَمِثْلُهَا الْقَسْمُ (وَ) مَنْ سَافَرَتْ (بِإِذْنِهِ لِغَرَضِهِ) كَأَنْ أَرْسَلَهَا فِي حَاجَتِهِ (يَقْضِي لَهَا) مَا فَاتَهَا لِلْإِذْنِ وَغَرَضِهِ فَهِيَ كَمَنْ عِنْدَهُ وَفِي قَبْضَتِهِ وَهُوَ الْمَانِعُ نَفْسُهُ عَنْهَا بِإِرْسَالِهَا (وَ) بِإِذْنِهِ (لِغَرَضِهَا) كَحَجٍّ وَعُمْرَةٍ وَتِجَارَةٍ (لَا) يَقْضِي لَهَا (فِي الْجَدِيدِ) لِأَنَّهَا لَيْسَتْ فِي قَبْضَتِهِ، وَفَائِدَةُ الْإِذْنِ رَفْعُ الْإِثْمِ، وَالْقَدِيمُ يَقْضِي

وَمَنْ سَافَرَ لِنُقْلَةٍ حَرُمَ أَنْ يَسْتَصْحِبَ بَعْضَهُنَّ، وَفِي سَائِرِ الْأَسْفَارِ الطَّوِيلَةِ وَكَذَا الْقَصِيرَةُ فِي الْأَصَحِّ يَسْتَصْحِبُ بَعْضَهُنَّ بِقُرْعَةٍ، وَلَا يَقْضِي مُدَّةَ سَفَرِهِ.

فَإِنْ وَصَلَ الْمَقْصِدَ وَصَارَ مُقِيمًا

[مغني المحتاج]

لِوُجُودِ الْإِذْنِ، وَلَوْ سَافَرَتْ لِحَاجَةِ ثَالِثٍ.
قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: فَيَظْهَرُ أَنَّهُ كَحَاجَةِ نَفْسِهَا اهـ. وَهُوَ كَمَا قَالَ غَيْرُهُ ظَاهِرٌ إذَا لَمْ يَكُنْ خُرُوجُهَا بِسُؤَالِ الزَّوْجِ لَهَا فِيهِ وَإِلَّا فَيَلْحَقُ بِخُرُوجِهَا لِحَاجَتِهِ بِإِذْنِهِ، أَوْ سَافَرَتْ وَحْدَهَا بِإِذْنِهِ لِحَاجَتِهِمَا مَعًا لَمْ يَسْقُطْ حَقُّهَا كَمَا قَالَهُ الزَّرْكَشِيُّ وَغَيْرُهُ بِالنِّسْبَةِ لِلنَّفَقَةِ، وَمِثْلُهَا الْقَسْمُ خِلَافًا لِمَا بَحَثَهُ ابْنُ الْعِمَادِ مِنْ السُّقُوطِ وَامْتِنَاعُهَا مِنْ السَّفَرِ مَعَ الزَّوْجِ نُشُوزٌ.
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: إلَّا أَنْ تَكُونَ مَعْذُورَةً بِمَرَضٍ أَوْ نَحْوِهِ.

(وَمَنْ سَافَرَ لِنُقْلَةٍ) وَلَوْ سَفَرًا قَصِيرًا (حَرُمَ) عَلَيْهِ (أَنْ يَسْتَصْحِبَ بَعْضَهُنَّ) دُونَ بَعْضٍ وَلَوْ بِقُرْعَةٍ بَلْ يَنْقُلُهُنَّ أَوْ يُطَلِّقُهُنَّ، وَإِنْ سَافَرَ بِبَعْضٍ وَلَوْ بِقُرْعَةٍ قَضَى لِلْمُتَخَلِّفَاتِ، وَلَوْ نَقَلَ بَعْضَهُنَّ بِنَفْسِهِ وَبَعْضَهُنَّ بِوَكِيلِهِ قَضَى لِمَنْ مَعَهُنَّ الْوَكِيلُ فِي الْأَصَحِّ فِي زِيَادَةِ الرَّوْضَةِ إنْ أَقْرَعَ وَإِلَّا وَجَبَ قَطْعًا.
تَنْبِيهٌ: قَدْ يَقْتَضِي كَلَامُهُ أَنَّهُ لَوْ تَرَكَ الْكُلَّ جَازَ وَلَيْسَ مُرَادًا وَإِنْ صَرَّحَ بِهِ الْمُتَوَلِّي، بَلْ يَنْقُلُهُنَّ أَوْ يُطَلِّقُهُنَّ لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ قَطْعِ أَطْمَاعِهِنَّ مِنْ الْوِقَاعِ فَأَشْبَهَ الْإِيلَاءَ، بِخِلَافِ مَا لَوْ امْتَنَعَ عَنْ الدُّخُولِ إلَيْهِنَّ وَهُوَ حَاضِرٌ؛ لِأَنَّهُ لَا يَنْقَطِعُ رَجَاؤُهُنَّ (وَفِي سَائِرِ) أَيْ بَاقِي (الْأَسْفَارِ الطَّوِيلَةِ) الْمُبِيحَةِ لِلْقَصْرِ (وَكَذَا الْقَصِيرَةُ) الْمُبَاحَةُ (فِي الْأَصَحِّ يَسْتَصْحِبُ بَعْضَهُنَّ) أَيْ زَوْجَاتِهِ (بِقُرْعَةٍ) عِنْدَ تَنَازُعِهِنَّ، لِمَا رَوَى الشَّيْخَانِ: «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ إذَا أَرَادَ سَفَرًا أَقْرَعَ بَيْنَ نِسَائِهِ أَيَّتُهُنَّ خَرَجَ سَهْمُهَا خَرَجَ بِهَا مَعَهُ سَوَاءٌ أَكَانَ ذَلِكَ فِي يَوْمِهَا أَوْ يَوْمِ غَيْرِهَا» ، نَصَّ عَلَيْهِ فِي الْإِمْلَاءِ.
قَالَ الْبُلْقِينِيُّ: وَإِذَا خَرَجَتْ الْقُرْعَةُ لِصَاحِبَةِ النَّوْبَةِ لَا تَدْخُلُ نَوْبَتُهَا فِي مُدَّةِ السَّفَرِ، بَلْ إذَا رَجَعَ وَفَّى لَهَا نَوْبَتَهَا.
قَالَ: وَفِي نَصِّ الْأُمِّ مَا يَشْهَدُ لَهُ، وَإِذَا خَرَجَتْ الْقُرْعَةُ لِوَاحِدَةٍ فَلَيْسَ لَهُ الْخُرُوجُ بِغَيْرِهَا وَلَهُ تَرْكُهَا: وَالثَّانِي: لَا يَسْتَصْحِبُ بَعْضَهُنَّ بِقُرْعَةٍ فِي التَّقْصِيرِ، فَإِنْ فَعَلَ قَضَى؛ لِأَنَّهُ كَالْإِقَامَةِ، وَلَيْسَ لِلْمُقِيمِ تَخْصِيصُ بَعْضِهِنَّ بِالْقُرْعَةِ، وَعَلَى الْأَوَّلِ لَوْ سَافَرَ بِوَاحِدَةٍ أَوْ أَكْثَرَ مِنْ غَيْرِ قُرْعَةٍ عَصَى وَقَضَى، فَإِنْ رَضِينَ بِوَاحِدَةٍ جَازَ بِلَا قُرْعَةٍ وَسَقَطَ، وَلَهُنَّ الرُّجُوعُ قَبْلَ سَفَرِهَا.
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَكَذَا بَعْدَهُ مَا لَمْ يُجَاوِزْ مَسَافَةَ الْقَصْرِ أَيْ يَصِلْ إلَيْهَا.
تَنْبِيهٌ: شَمِلَ إطْلَاقُهُ الْبَعْضَ الْوَاحِدَةَ فَأَكْثَرَ، وَبِهِ صَرَّحَ ابْنُ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَيُسْتَثْنَى مِنْ إطْلَاقِهِ مَا إذَا زَنَى وَغَرَّبَهُ الْإِمَامُ فَإِنَّهُ يُمْنَعُ مِنْ اسْتِصْحَابِ زَوْجَتِهِ مَعَهُ كَمَا نَقَلَهُ الرَّافِعِيُّ هُنَاكَ عَنْ الْبَغَوِيِّ (وَ) إذَا سَافَرَ بِالْقُرْعَةِ (لَا يَقْضِي) لِلزَّوْجَاتِ الْمُتَخَلِّفَاتِ (مُدَّةَ سَفَرِهِ) لِأَنَّهُ لَمْ يَتَعَدَّ، وَالْمَعْنَى فِيهِ أَنَّ الْمُسْتَصْحَبَةَ وَإِنْ فَازَتْ بِصُحْبَتِهِ فَقَدْ لَحِقَهَا مِنْ تَعِبِ السَّفَرِ وَمَشَقَّتِهِ مَا يُقَابِلُ ذَلِكَ، وَالْمُتَخَلِّفَةُ وَإِنْ فَاتَهَا حَظُّهَا مِنْ الزَّوْجِ فَقَدْ تَرَفَّهَتْ بِالدَّعَةِ وَالْإِقَامَةِ، فَتَقَابَلَ الْأَمْرَانِ فَاسْتَوَيَا، وَخَرَجَ بِالسَّفَرِ الْمُبَاحِ غَيْرُهُ، فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَسْتَصْحِبَ فِيهِ بَعْضَهُنَّ بِقُرْعَةٍ وَلَا بِغَيْرِهَا، فَإِنْ فَعَلَ عَصَى وَلَزِمَهُ الْقَضَاءُ لِلْمُتَخَلِّفَاتِ وَبِالزَّوْجَاتِ الْإِمَاءِ فَلَهُ أَنْ يَسْتَصْحِبَ بَعْضَهُنَّ بِغَيْرِ قُرْعَةٍ.

(فَإِنْ وَصَلَ الْمَقْصِدَ) بِكَسْرِ الصَّادِ (وَصَارَ مُقِيمًا) بِأَنْ نَوَى إقَامَةً مُؤَثِّرَةً أَوَّلَ سَفَرِهِ، أَوْ عِنْدَ وُصُولِهِ

قَضَى مُدَّةَ الْإِقَامَةِ، لَا الرُّجُوعِ فِي الْأَصَحِّ.

وَمَنْ وَهَبَتْ حَقَّهَا لَمْ يَلْزَمْ الزَّوْجَ الرِّضَا، فَإِنْ رَضِيَ وَوَهَبَتْ لِمُعَيَّنَةٍ بَاتَ عِنْدَهَا لَيْلَتَيْهِمَا، وَقِيلَ يُوَالِيهِمَا، أَوْ لَهُنَّ سَوَّى

[مغني المحتاج]

مَقْصِدَهُ، أَوْ قَبْلَ وُصُولِهِ (قَضَى مُدَّةَ الْإِقَامَةِ) لِخُرُوجِهِ عَنْ حُكْمِ السَّفَرِ، هَذَا إنْ سَاكَنَ الْمَصْحُوبَةَ.
أَمَّا إذَا اعْتَزَلَهَا مُدَّةَ الْإِقَامَةِ فَلَا يَقْضِي كَمَا جَزَمَ بِهِ فِي الْحَاوِي (لَا) مُدَّةَ (الرُّجُوعِ) بَعْدَ صَيْرُورَتِهِ مُقِيمًا فَلَا يَقْضِيهَا (فِي الْأَصَحِّ) كَمَا لَا يَقْضِي مُدَّةَ الذَّهَابِ.
وَالثَّانِي يَقْضِي؛ لِأَنَّهُ سَفَرٌ جَدِيدٌ بِلَا قُرْعَةٍ.
أَمَّا إذَا رَجَعَ مِنْ الْمَقْصِدِ قَبْلَ مُدَّةِ الْإِقَامَةِ فَلَا يَقْضِي جَزْمًا لِاسْتِصْحَابِ حُكْمِ السَّفَرِ عَلَيْهِ.
تَنْبِيهٌ: الْمُرَادُ بِالْإِقَامَةِ مَا مَرَّ فِي بَابِ الْقَصْرِ، فَلَوْ أَقَامَ فِي مَقْصِدِهِ أَوْ غَيْرِهِ بِلَا نِيَّةٍ، وَزَادَ عَلَى مُدَّةِ الْمُسَافِرِينَ قَضَى الزَّائِدَ، فَلَوْ أَقَامَ لِحَاجَةٍ يَتَوَقَّعُهَا كُلَّ وَقْتٍ فَلَا يَقْضِي إلَى أَنْ تَمْضِيَ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ يَوْمًا كَمَا جَزَمَ بِهِ فِي الْأَنْوَارِ، وَلَوْ اسْتَصْحَبَ وَاحِدَةً بِقُرْعَةٍ ثُمَّ نَوَى الْإِقَامَةَ وَكَتَبَ لِلْبَاقِيَاتِ يَسْتَحْضِرُهُنَّ قَضَى الْمُدَّةَ مِنْ حِينِ كِتَابَتِهِ فِي أَحَدِ وَجْهَيْنِ، صَوَّبَهُ الْبُلْقِينِيُّ، فَإِنْ اسْتَصْحَبَهَا بِلَا قُرْعَةٍ قَضَى لِلْمُتَخَلِّفَاتِ جَمِيعَ الْمُدَّةِ وَلَوْ لَمْ يَبِتْ مَعَهَا مَا لَمْ يَخْلُفْهَا فِي بَلَدٍ أَوْ نَحْوِهَا، فَإِنْ خَلَفَهَا لَمْ يَقْضِ لَهُنَّ كَمَا فِي فَتَاوَى الْبَغَوِيِّ.

(وَمَنْ وَهَبَتْ) مِنْهُنَّ (حَقَّهَا) مِنْ الْقَسْمِ لِغَيْرِهَا (لَمْ يَلْزَمْ الزَّوْجَ الرِّضَا) بِذَلِكَ لِأَنَّهَا لَا تَمْلِكُ إسْقَاطَ حَقِّهِ مِنْ الِاسْتِمْتَاعِ فَلَهُ أَنْ يَبِيتَ عِنْدَهَا فِي لَيْلَتِهَا (فَإِنْ رَضِيَ) بِالْهِبَةِ (وَوَهَبَتْ لِمُعَيَّنَةٍ) مِنْهُنَّ (بَاتَ عِنْدَهَا لَيْلَتَيْهِمَا) كُلُّ لَيْلَةٍ فِي وَقْتِهَا مُتَّصِلَتَيْنِ كَانَتَا أَوْ مُنْفَصِلَتَيْنِ وَإِنْ كَرِهَتْ «كَمَا فَعَلَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمَّا وَهَبَتْ سَوْدَةُ نَوْبَتَهَا لِعَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا -» كَمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ، وَهَذِهِ الْهِبَةُ لَيْسَتْ عَلَى قَوَاعِدِ الْهِبَاتِ، وَلِهَذَا لَا يُشْتَرَطُ رِضَا الْمَوْهُوبِ لَهَا بَلْ يَكْفِي رِضَا الزَّوْجِ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ مُشْتَرَكٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْوَاهِبَةِ، إذْ لَيْسَ لَنَا هِبَةٌ يَقْبَلُ فِيهَا غَيْرُ الْمَوْهُوبِ لَهُ مَعَ تَأَهُّلِهِ لِلْقَبُولِ إلَّا هَذِهِ.
تَنْبِيهٌ: أَفْهَمَ قَوْلُهُ: لَيْلَتَيْهِمَا أَنْ يَقْسِمَ كُلَّ لَيْلَةٍ فِي وَقْتِهَا مُتَّصِلَتَيْنِ كَانَتَا أَوْ مُنْفَصِلَتَيْنِ (وَقِيلَ) فِي الْمُنْفَصِلَتَيْنِ (يُوَالِيهِمَا) بِأَنْ يُقَدِّمَ لَيْلَةَ الْوَاهِبَةِ عَلَى وَقْتِهَا وَيَصِلَهَا بِلَيْلَةِ الْمَوْهُوبَةِ أَوْ يُقَدِّمَ لَيْلَةَ الْمَوْهُوبَةِ عَلَى وَقْتِهَا وَيَصِلَهَا بِلَيْلَةِ الْوَاهِبَةِ؛ لِأَنَّهُ أَسْهَلُ عَلَيْهِ، وَالْمِقْدَارُ لَا يَخْتَلِفُ، وَعُورِضَ ذَلِكَ بِأَنَّ فِيهِ تَأْخِيرَ حَقِّ مَنْ بِينَ اللَّيْلَتَيْنِ، وَبِأَنَّ الْوَاهِبَةَ قَدْ تَرْجِعُ بَيْنَهُمَا فِي الشِّقِّ الْأَوَّلِ، وَالْمُوَالَاةُ تُفَوِّتُ حَقَّ الرُّجُوعِ عَلَيْهَا، وَقَيَّدَهُ ابْنُ الرِّفْعَةِ أَخْذًا مِنْ التَّعْلِيلِ بِمَا إذَا تَأَخَّرَتْ لَيْلَةُ الْوَاهِبَةِ، فَإِنْ تَقَدَّمَتْ وَأَرَادَ تَأْخِيرَهَا جَازَ.
قَالَ ابْنُ النَّقِيبِ: وَكَذَا لَوْ تَأَخَّرَتْ فَأَخَّرَ لَيْلَةَ الْمَوْهُوبَةِ إلَيْهَا بِرِضَاهَا تَمَسُّكًا بِهَذَا التَّعْلِيلِ اهـ. وَهَذَا ظَاهِرٌ، وَمَحَلُّ بَيَاتِهِ عِنْدَ الْمَوْهُوبَةِ لَيْلَتَيْنِ مَا دَامَتْ الْوَاهِبَةُ تَسْتَحِقُّ الْقَسْمَ، فَإِنْ خَرَجَتْ عَنْ ذَلِكَ لَمْ يَبِتْ عِنْدَ الْمَوْهُوبَةِ إلَّا لَيْلَتَهَا (أَوْ) وَهَبَتْ (لَهُنَّ) كُلِّهِنَّ أَوْ أَسْقَطَتْ حَقَّهَا مِنْ الْقَسْمِ مُطْلَقًا (سَوَّى) بَيْنَهُنَّ فِيهِ جَزْمًا، فَتُجْعَلُ الْوَاهِبَةُ أَوْ الْمُسْقِطَةُ

أَوْ لَهُ فَلَهُ التَّخْصِيصُ، وَقِيلَ يُسَوِّي.

فَصْلٌ ظَهَرَتْ أَمَارَاتُ نُشُوزِهَا وَعَظَهَا بِلَا هَجْرٍ،

[مغني المحتاج]

كَالْمَعْدُومَةِ وَيَقْسِمُ لِلْبَاقِيَاتِ (أَوْ) وَهَبَتْ (لَهُ) فَقَطْ (فَلَهُ التَّخْصِيصُ) لِوَاحِدَةٍ فَأَكْثَرَ بِنَوْبَةِ الْوَاهِبَةِ؛ لِأَنَّهَا جَعَلَتْ الْحَقَّ لَهُ فَيَضَعُهُ حَيْثُ شَاءَ، وَيَأْتِي فِي الِاتِّصَالِ وَالِانْفِصَالِ مَا سَبَقَ (وَقِيلَ: يُسَوِّي) بَيْنَهُنَّ وَلَا يُخَصِّصُ لِأَنَّ التَّخْصِيصَ يُورِثُ الْوَحْشَةَ وَالْحِقْدَ فَتُجْعَلُ الْوَاهِبَةُ كَالْمَعْدُومَةِ، وَلَوْ وَهَبَتْ لَهُ وَلِبَعْضِ الزَّوْجَاتِ أَوْ لَهُ وَلِلْجَمِيعِ، لَمْ أَرَ مَنْ تَعَرَّضَ لِهَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، وَقَدْ سَأَلْت شَيْخِي عَنْهَا فَأَجَابَ بِأَنَّ حَقَّهَا يُقْسَمُ عَلَى الرُّءُوسِ كَمَا لَوْ وَهَبَ شَخْصٌ عَيْنًا لِجَمَاعَةٍ وَالتَّقَدُّمُ بِالْقُرْعَةِ.
تَنْبِيهٌ: لَا يَجُوزُ لِلْوَاهِبَةِ أَنْ تَأْخُذَ عَلَى الْمُسَامَحَةِ بِحَقِّهَا عِوَضًا لَا مِنْ الزَّوْجِ وَلَا مِنْ الضَّرَائِرِ، فَإِنْ أَخَذَتْ لَزِمَهَا رَدُّهُ وَاسْتَحَقَّتْ الْقَضَاءَ؛ لِأَنَّ الْعِوَضَ لَمْ يُسَلَّمْ لَهَا، وَإِنَّمَا لَمْ يَجُزْ أَخْذُ الْعِوَضِ عَنْ هَذَا الْحَقِّ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِعَيْنٍ وَلَا مَنْفَعَةٍ؛ لِأَنَّ مُقَامَهُ عِنْدَهَا لَيْسَ بِمَنْفَعَةٍ مَلَكَتْهَا عَلَيْهِ.
وَقَدْ اسْتَنْبَطَ السُّبْكِيُّ مِنْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَمِنْ خُلْعِ الْأَجْنَبِيِّ جَوَازَ النُّزُولِ عَنْ الْوَظَائِفِ، وَاَلَّذِي اسْتَقَرَّ عَلَيْهِ رَأْيُهُ أَنَّ أَخْذَ الْعِوَضِ فِيهِ جَائِزٌ وَأَخْذُهُ حَلَالٌ لِإِسْقَاطِ الْحَقِّ لَا لِتَعَلُّقِ حَقِّ الْمَنْزُولِ لَهُ، بَلْ يَبْقَى الْأَمْرُ فِي ذَلِكَ إلَى نَاظِرِ الْوَظِيفَةِ يَفْعَلُ مَا تَقْتَضِيهِ الْمَصْلَحَةُ شَرْعًا وَبَسَطَ ذَلِكَ، وَلِلْوَاهِبَةِ الرُّجُوعُ مَتَى شَاءَتْ، فَإِذَا رَجَعَتْ خَرَجَ فَوْرًا، وَلَا يَرْجِعُ فِي الْمَاضِي قَبْلَ الْعِلْمِ بِالرُّجُوعِ، فَإِنْ بَاتَ الزَّوْجُ فِي نَوْبَةٍ وَاحِدَةٍ عِنْدَ غَيْرِهَا ثُمَّ ادَّعَى أَنَّهَا وَهَبَتْ حَقَّهَا وَأَنْكَرَتْ لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ إلَّا بِشَهَادَةِ رَجُلَيْنِ.

[فَصْلٌ فِي حُكْمُ الشِّقَاقِ بِالتَّعَدِّي بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ]

ِ، وَهُوَ إمَّا أَنْ يَكُونَ مِنْهَا أَوْ مِنْهُ أَوْ مِنْهُمَا، وَقَدْ بَدَأَ بِمَا إذَا كَانَ التَّعَدِّي مِنْهَا بِقَوْلِهِ: فَلَوْ (ظَهَرَتْ أَمَارَاتُ نُشُوزِهَا) فِعْلًا كَأَنْ يَجِدَ مِنْهَا إعْرَاضًا وَعُبُوسًا بَعْدَ لُطْفٍ وَطَلَاقَةِ وَجْهٍ أَوْ قَوْلًا كَأَنْ تُجِيبَهُ بِكَلَامٍ خَشِنٍ بَعْدَ أَنْ كَانَ بِلِينٍ (وَعَظَهَا) نَدْبًا لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَاللاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ﴾ [النساء: 34] كَأَنْ يَقُولَ لَهَا: اتَّقِ اللَّهَ فِي الْحَقِّ الْوَاجِبِ لِي عَلَيْكِ وَاحْذَرِي الْعُقُوبَةَ (بِلَا هَجْرٍ) وَلَا ضَرْبٍ، وَيُبَيِّنُ لَهَا أَنَّ النُّشُوزَ يُسْقِطُ النَّفَقَةَ وَالْقَسْمَ، فَلَعَلَّهَا تُبْدِي عُذْرًا أَوْ تَتُوبَ عَمَّا وَقَعَ مِنْهَا بِغَيْرِ عُذْرٍ، وَحَسَنٌ أَنْ يَذْكُرَ لَهَا مَا فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إذَا بَاتَتْ الْمَرْأَةُ هَاجِرَةً فِرَاشَ زَوْجِهَا لَعَنَتْهَا الْمَلَائِكَةُ حَتَّى تُصْبِحَ» . وَفِي التِّرْمِذِيِّ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «أَيُّمَا امْرَأَةٍ بَاتَتْ وَزَوْجُهَا رَاضٍ عَنْهَا دَخَلَتْ الْجَنَّةَ»

فَإِنْ تَحَقَّقَ نُشُوزٌ وَلَمْ يَتَكَرَّرْ وَعَظَ وَهَجَرَ فِي الْمَضْجَعِ، وَلَا يَضْرِبُ فِي الْأَظْهَرِ.
قُلْت: الْأَظْهَرُ يَضْرِبُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ، فَإِنْ تَكَرَّرَ ضَرَبَ.

[مغني المحتاج]

وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَبَرَّهَا وَيَسْتَمِيلَ قَلْبَهَا بِشَيْءٍ.
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ: «الْمَرْأَةُ ضِلَعٌ أَعْوَجُ إنْ أَقَمْتَهَا كَسَرْتَهَا، وَإِنْ تَرَكْتَهَا اسْتَمْتَعْتَ بِهَا عَلَى عِوَجٍ فِيهَا» . تَنْبِيهٌ: ظَاهِرُ كَلَامِهِ كَغَيْرِهِ تَحْرِيمُ الْهَجْرِ فِي الْمَضْجَعِ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ.
قَالَ ابْنُ النَّقِيبِ تَبَعًا لِلسُّبْكِيِّ: وَهُوَ ظَاهِرٌ إذَا فَوَّتَ حَقًّا لَهَا مِنْ قَسْمٍ أَوْ غَيْرِهِ وَإِلَّا فَيَظْهَرُ عَدَمُ التَّحْرِيمِ؛ لِأَنَّ الِاضْطِجَاعَ مَعَهَا حَقُّهُ فَلَهُ تَرْكُهُ (فَإِنْ تَحَقَّقَ نُشُوزٌ) مِنْهَا (وَلَمْ يَتَكَرَّرْ) ذَلِكَ مِنْهَا (وَعَظَ) هَا (وَهَجَرَ) هَا (فِي الْمَضْجَعِ) بِكَسْرِ الْجِيمِ أَيْ يَجُوزُ لَهُ ذَلِكَ لِظَاهِرِ الْآيَةِ وَلِأَنَّ فِي الْهَجْرِ أَثَرًا ظَاهِرًا فِي تَأْدِيبِ النِّسَاءِ، وَالْمُرَادُ أَنْ يَهْجُرَ فِرَاشَهَا فَلَا يُضَاجِعُهَا فِيهِ، وَقِيلَ: هُوَ تَرْكُ الْوَطْءِ، وَقِيلَ: هُوَ أَنْ يَقُولَ لَهَا هُجْرًا أَيْ إغْلَاظًا فِي الْقَوْلِ.
وَقِيلَ: هُوَ أَنْ يَرْبِطَهَا بِالْهِجَارِ، وَهُوَ حَبْلٌ يُرْبَطُ فِيهِ الْبَعِيرُ الشَّارِدُ، وَاحْتَرَزَ الْمُصَنِّفُ بِالْهَجْرِ فِي الْمَضْجَعِ عَنْ الْهِجْرَانِ فِي الْكَلَامِ فَلَا يَجُوزُ الْهَجْرُ بِهِ لَا لِلزَّوْجَةِ وَلَا لِغَيْرِهَا فَوْقَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، وَيَجُوزُ فِيهَا لِلْحَدِيثِ الصَّحِيحِ: «لَا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَهْجُرَ أَخَاهُ فَوْقَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ» وَفِي سُنَنِ أَبِي دَاوُد: «فَمَنْ هَجَرَهُ فَوْقَ ثَلَاثَةٍ فَمَاتَ دَخَلَ النَّارَ» وَحَمَلَ الْأَذْرَعِيُّ تَبَعًا لِغَيْرِهِ التَّحْرِيمَ عَلَى مَا إذَا قَصَدَ بِهَجْرِهَا رَدَّهَا لِحَظِّ نَفْسِهِ، فَإِنْ قَصَدَ بِهِ رَدَّهَا عَنْ الْمَعْصِيَةِ وَإِصْلَاحَ دِينِهَا فَلَا تَحْرِيمَ، قَالَ: وَلَعَلَّ هَذَا مُرَادُهُمْ، إذْ النُّشُوزُ حِينَئِذٍ عُذْرٌ شَرْعِيٌّ اهـ. وَهَذَا مَأْخُوذٌ مِنْ قَوْلِهِمْ: يَجُوزُ هَجْرُ الْمُبْتَدِعِ وَالْفَاسِقِ وَنَحْوِهِمَا، وَمَنْ رَجَا بِهَجْرِهِ صَلَاحَ دِينِ الْهَاجِرِ أَوْ الْمَهْجُورِ، وَعَلَيْهِ يُحْمَلُ هَجْرُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَعْبَ بْنَ مَالِكٍ وَصَاحِبَيْهِ، وَأَوَّلُ أَسْمَائِهِمْ حُرُوفُ مَكَّةَ، وَنَهْيُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الصَّحَابَةَ عَنْ كَلَامِهِمْ، وَكَذَا هِجْرَانُ السَّلَفِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا (وَلَا يَضْرِبُ فِي الْأَظْهَرِ) فَإِنَّ الْجِنَايَةَ لَمْ تَتَأَكَّدْ بِالتَّكَرُّرِ، وَهَذَا مَا رَجَّحَهُ جُمْهُورُ الْعِرَاقِيِّينَ وَغَيْرُهُمْ، وَحَكَاهُ الْمَاوَرْدِيُّ عَنْ الْجَدِيدِ (قُلْت: الْأَظْهَرُ يَضْرِبُ) أَيْ يَجُوزُ لَهُ ذَلِكَ (وَاَللَّهُ أَعْلَمُ) كَمَا لَوْ أَصَرَّتْ عَلَيْهِ لِظَاهِرِ الْآيَةِ، فَتَقْدِيرُهُ ﴿وَاللاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ﴾ [النساء: 34] فَإِنْ نَشَزْنَ ﴿وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ﴾ [النساء: 34] ، وَالْخَوْفُ هُنَا بِمَعْنَى الْعِلْمِ كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفًا أَوْ إِثْمًا﴾ [البقرة: 182] وَالْأَوْلَى بَقَاؤُهُ عَلَى ظَاهِرِهِ، وَقَالَ: وَالْمُرَادُ وَاهْجُرُوهُنَّ إنْ نَشَزْنَ، وَاضْرِبُوهُنَّ إنْ أَصْرَرْنَ عَلَى النُّشُوزِ، وَهَذَا مَا ذَكَرَهُ بِقَوْلِهِ (فَإِنْ تَكَرَّرَ ضَرَبَ) وَلَوْ قَدَّمَهُ عَلَى الزِّيَادَةِ وَقَيَّدَ الضَّرْبَ فِيهَا بِعَدَمِ التَّكْرَارِ كَانَ أَوْلَى

فَلَوْ مَنَعَهَا حَقًّا كَقَسْمٍ وَنَفَقَةٍ أَلْزَمَهُ الْقَاضِي تَوْفِيَتَهُ، فَإِنْ أَسَاءَ خُلُقَهُ وَآذَاهَا بِلَا سَبَبِ نَهَاهُ، فَإِنْ عَادَ عَزَّرَهُ.

[مغني المحتاج]

تَنْبِيهٌ: إنَّمَا يَجُوزُ الضَّرْبُ إنْ أَفَادَ ضَرْبُهَا فِي ظَنِّهِ وَإِلَّا فَلَا يَضْرِبْهَا كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْإِمَامُ وَغَيْرُهُ، وَلَا يَأْتِي بِضَرْبٍ مُبَرِّحٍ، وَلَا عَلَى الْوَجْهِ وَالْمَهَالِكِ، وَعَبَّرَ فِي الْأَنْوَارِ بِالْوُجُوبِ فِي ذَلِكَ، وَهُوَ ظَاهِرٌ، وَعَلَيْهِ يُحْمَلُ تَعْبِيرُ الشَّيْخَيْنِ بِيَنْبَغِي وَهُوَ ضَرْبُ التَّعْزِيرِ، وَسَيَأْتِي فِيهِ مَزِيدُ بَيَانٍ، وَالْأَوْلَى لَهُ الْعَفْوُ عَنْ الضَّرْبِ، وَخَبَرُ النَّهْيِ عَنْ ضَرْبِ النِّسَاءِ مَحْمُولٌ عَلَى ذَلِكَ أَوْ عَلَى الضَّرْبِ بِغَيْرِ سَبَبٍ يَقْتَضِيهِ لَا عَلَى النَّسْخِ، إذْ لَا يُصَارُ إلَيْهِ إلَّا إنْ تَعَذَّرَ الْجَمْعُ وَعَلِمْنَا التَّارِيخَ، وَهَذَا بِخِلَافِ وَلِيِّ الصَّبِيِّ، فَالْأَوْلَى لَهُ عَدَمُ الْعَفْوِ؛ لِأَنَّ ضَرْبَهُ لِلتَّأْدِيبِ مَصْلَحَةٌ لَهُ وَضَرْبُ الزَّوْجِ زَوْجَتَهُ مَصْلَحَةٌ لِنَفْسِهِ، وَالنُّشُوزُ هُوَ الْخُرُوجُ مِنْ الْمَنْزِلِ بِغَيْرِ إذْنِ الزَّوْجِ لَا إلَى الْقَاضِي لِطَلَبِ الْحَقِّ مِنْهُ، وَلَا إلَى اكْتِسَابِهَا النَّفَقَةَ إذَا أَعْسَرَ بِهَا الزَّوْجُ وَلَا إلَى اسْتِفْتَاءٍ إذَا لَمْ يَكُنْ زَوْجُهَا فَقِيهًا وَلَمْ يَسْتَفْتِ لَهَا وَكَمَنْعِهَا الزَّوْجَ مِنْ الِاسْتِمْتَاعِ وَلَوْ غَيْرَ الْجِمَاعِ لَا مَنْعِهَا لَهُ مِنْهُ تَدَلُّلًا وَلَا الشَّتْمُ لَهُ وَلَا الْإِيذَاءُ لَهُ بِاللِّسَانِ أَوْ غَيْرِهِ بَلْ تَأْثَمُ بِهِ وَتَسْتَحِقُّ التَّأْدِيبَ عَلَيْهِ وَيَتَوَلَّى تَأْدِيبَهَا بِنَفْسِهِ عَلَى ذَلِكَ، وَلَا يَرْفَعُهَا إلَى قَاضٍ لِيُؤَدِّبَهَا؛ لِأَنَّ فِيهِ مَشَقَّةً وَعَارًا وَتَنْكِيدًا لِلِاسْتِمْتَاعِ فِيمَا بَعْدُ وَتَوْحِيشًا لِلْقُلُوبِ، بِخِلَافِ مَا لَوْ شَتَمَتْ أَجْنَبِيًّا، وَيَنْبَغِي كَمَا قَالَ الزَّرْكَشِيُّ تَخْصِيصُ ذَلِكَ بِمَا إذَا لَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمَا عَدَاوَةٌ وَإِلَّا فَيَتَعَيَّنُ الرَّفْعُ إلَى الْقَاضِي، وَلَوْ ضَرَبَهَا وَادَّعَى أَنَّهُ بِسَبَبِ نُشُوزٍ وَادَّعَتْ عَدَمَهُ فَفِيهِ احْتِمَالَانِ فِي الطَّلَبِ.
قَالَ: وَاَلَّذِي يَقْوَى فِي ظَنِّي أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُهُ؛ لِأَنَّ الشَّرْعَ جَعَلَهُ وَلِيًّا فِي ذَلِكَ، وَالْوَلِيُّ يُرْجَعُ إلَيْهِ فِي مِثْلِ ذَلِكَ.
فَائِدَةٌ: لَيْسَ لَنَا مَوْضِعٌ يَضْرِبُ الْمُسْتَحِقُّ مَنْ مَنَعَهُ حَقَّهُ غَيْرَ هَذَا، وَالرَّقِيقُ يَمْتَنِعُ مِنْ حَقِّ سَيِّدِهِ، وَلِلزَّوْجِ مَنْعُ زَوْجَتِهِ مِنْ عِيَادَةِ أَبَوَيْهَا وَمِنْ شُهُودِ جِنَازَتِهِمَا وَجِنَازَةِ وَلَدِهَا، وَالْأَوْلَى خِلَافُهُ.

ثُمَّ شَرَعَ فِيمَا إذَا كَانَ التَّعَدِّي مِنْهُ بِقَوْلِهِ (فَلَوْ مَنَعَهَا حَقًّا) لَهُ (كَقَسْمٍ وَنَفَقَةٍ أَلْزَمَهُ الْقَاضِي تَوْفِيَتَهُ) إذَا طَلَبَتْهُ لِعَجْزِهَا عَنْهُ بِخِلَافِ نُشُوزِهَا فَإِنَّ لَهُ إجْبَارَهَا عَلَى إيفَاءِ حَقِّهِ لِقُدْرَتِهِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ الزَّوْجُ مُكَلَّفًا أَوْ كَانَ مَحْجُورًا عَلَيْهِ أُلْزِمَ وَلِيَّهُ تَوْفِيَتَهُ بِشَرْطِهِ (فَإِنْ أَسَاءَ خُلُقَهُ وَآذَاهَا) بِضَرْبٍ أَوْ غَيْرِهِ (بِلَا سَبَبٍ نَهَاهُ) عَنْ ذَلِكَ وَلَا يُعَزِّرُهُ (فَإِنْ عَادَ) إلَيْهِ وَطَلَبَتْ تَعْزِيرَهُ مِنْ الْقَاضِي (عَزَّرَهُ) بِمَا يَلِيقُ بِهِ لِتَعَدِّيهِ عَلَيْهَا.
فَائِدَةٌ: الْخُلُقُ بِضَمِّ اللَّامِ وَإِسْكَانِهَا: السَّجِيَّةُ وَالطَّبْعُ، وَلَهُمَا أَوْصَافٌ حَسَنَةٌ وَأَوْصَافٌ قَبِيحَةٌ.
وَقَدْ رُوِيَ: «أَكْمَلُ الْمُؤْمِنِينَ إيمَانًا أَحْسَنُهُمْ خُلُقًا» ، وَقَالَ الْقَائِلُ: بِمَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ كُنْ مُتَخَلِّقًا ... لِيَفُوحَ مِسْكُ ثَنَائِكَ الْعَطِرُ الشَّذِي وَانْفَعْ صَدِيقَك إنْ أَرَدْت صَدَاقَةً ... وَادْفَعْ عَدُوَّك بِاَلَّتِي فَإِذَا الَّذِي

وَإِنْ قَالَ كُلٌّ: إنَّ صَاحِبَهُ مُتَعَدٍّ تَعَرَّفَ الْقَاضِي الْحَالَ بِثِقَةٍ يُخْبِرُهُمَا وَمَنَعَ الظَّالِمَ، فَإِنْ اشْتَدَّ الشِّقَاقُ بَعَثَ حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا،

[مغني المحتاج]

أَيْ بَقِيَّةُ الْآيَةِ، وَإِنَّمَا لَمْ يُعَزِّرْهُ فِي الْمَرَّةِ الْأُولَى وَإِنْ كَانَ الْقِيَاسُ جَوَازَهُ إذَا طَلَبَتْهُ.
قَالَ السُّبْكِيُّ: وَلَعَلَّ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ إسَاءَةَ الْخُلُقِ تَكْثُرُ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ، وَالتَّعْزِيرُ عَلَيْهَا يُورِثُ وَحْشَةً بَيْنَهُمَا فَيَقْتَصِرُ أَوَّلًا عَلَى النَّهْيِ لَعَلَّ الْحَالَ يَلْتَئِمُ بَيْنَهُمَا، فَإِنْ عَادَ عَزَّرَهُ وَأَسْكَنَهُ بِجَنْبِ ثِقَةٍ يَمْنَعُ الزَّوْجَ مِنْ التَّعَدِّي عَلَيْهَا، وَهَلْ يُحَالُ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: يُحَالُ بَيْنَهُمَا حَتَّى يَعُودَ إلَى الْعَدْلِ، وَلَا يُعْتَمَدُ قَوْلُهُ فِي الْعَدْلِ، وَإِنَّمَا يُعْتَمَدُ قَوْلُهَا وَشَهَادَةُ الْقَرَائِنِ اهـ. وَفَصَّلَ الْإِمَامُ فَقَالَ: إنْ ظَنَّ الْحَاكِمُ تَعَدِّيَهُ وَلَمْ يَثْبُتْ عِنْدَهُ لَمْ يَحُلْ بَيْنَهُمَا وَإِنْ تَحَقَّقَهُ أَوْ ثَبَتَ عِنْدَهُ وَخَافَ أَنْ يَضْرِبَهَا ضَرْبًا مُبَرِّحًا لِكَوْنِهِ جَسُورًا حَالَ بَيْنَهُمَا حَتَّى يَظُنَّ أَنَّهُ عَدَلَ؛ إذْ لَوْ لَمْ يَحُلْ بَيْنَهُمَا وَاقْتَصَرَ عَلَى التَّعْزِيرِ لَرُبَّمَا بَلَغَ مِنْهَا مَبْلَغًا لَا يُسْتَدْرَكُ اهـ. وَهَذَا ظَاهِرٌ، فَمَنْ لَمْ يَذْكُرْ الْحَيْلُولَةَ أَرَادَ الْحَالَ الْأَوَّلَ.
وَمَنْ ذَكَرَهَا كَالْغَزَالِيِّ وَالْحَاوِي الصَّغِيرِ وَالْمُصَنِّفُ فِي تَنْقِيحِهِ أَرَادَ الثَّانِيَ، وَالظَّاهِرُ كَمَا قَالَ شَيْخُنَا أَنَّ الْحَيْلُولَةَ بَعْدَ التَّعْزِيرِ وَالْإِسْكَانِ، وَإِنْ كَانَ لَا يَتَعَدَّى عَلَيْهَا لَكِنَّهُ يَكْرَهُ صُحْبَتَهَا لِكِبَرٍ أَوْ مَرَضٍ أَوْ نَحْوِهِ وَيُعْرِضُ عَنْهَا فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ.
وَيُسَنُّ لَهَا أَنْ تَسْتَعْطِفَهُ بِمَا يُحِبُّ كَأَنْ تَسْتَرْضِيَهُ بِتَرْكِ بَعْضِ حَقِّهَا كَمَا تَرَكَتْ سَوْدَةُ نَوْبَتَهَا لِعَائِشَةَ، فَكَانَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقْسِمُ لَهَا يَوْمَهَا وَيَوْمَ سَوْدَةَ كَمَا أَنَّهُ يُسَنُّ لَهُ إذَا كَرِهَتْ صُحْبَتَهُ لِمَا ذُكِرَ أَنْ يَسْتَعْطِفَهَا بِمَا تُحِبُّ مِنْ زِيَادَةِ نَفَقَةٍ وَنَحْوِهَا.

ثُمَّ شَرَعَ فِيمَا إذَا كَانَ التَّعَدِّي مِنْهُمَا بِقَوْلِهِ (وَإِنْ قَالَ كُلٌّ) مِنْ الزَّوْجَيْنِ (إنَّ صَاحِبَهُ مُتَعَدٍّ) عَلَيْهِ، وَأَشْكَلَ الْأَمْرُ بَيْنَهُمَا (تَعَرَّفَ الْقَاضِي الْحَالَ) الْوَاقِعَ بَيْنَهُمَا (بِثِقَةٍ) وَاحِدٍ (يَخْبُرُهُمَا) بِفَتْحِ الْمُثَنَّاةِ التَّحْتِيَّةِ أَوَّلَهُ وَضَمِّ الْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ بَعْدَ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ، وَيَكُونُ الثِّقَةُ جَارًا لَهُمَا، فَإِنْ لَمْ يَتَيَسَّرْ أَسْكَنَهُمَا فِي جَنْبِ ثِقَةٍ يَتَعَرَّفُ حَالَهُمَا ثُمَّ يُنْهِي إلَيْهِ مَا يَعْرِفُهُ، وَاكْتَفَى هُنَا بِثِقَةٍ وَاحِدٍ تَنْزِيلًا لِذَلِكَ مَنْزِلَةَ الرِّوَايَةِ لِمَا فِي إقَامَةِ الْبَيِّنَةِ عَلَيْهِ مِنْ الْعُسْرِ، وَظَاهِرُ هَذَا أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ فِي الثِّقَةِ أَنْ يَكُونَ عَدْلَ شَهَادَةٍ بَلْ يَكْفِي عَدْلُ الرِّوَايَةِ.
وَلِهَذَا قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: وَالظَّاهِرُ مِنْ كَلَامِهِمْ اعْتِبَارُ مَنْ تَسْكُنُ النَّفْسُ بِخَبَرِهِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ بَابِ الْخَبَرِ لَا الشَّهَادَةِ (وَ) إذَا تَبَيَّنَ لَهُ حَالُهُمَا (مَنَعَ الظَّالِمَ) مِنْهُمَا مِنْ عَوْدِهِ لِظُلْمِهِ، وَطَرِيقُهُ فِي الزَّوْجِ مَا سَلَفَ، وَفِي الزَّوْجَةِ بِالزَّجْرِ وَالتَّأْدِيبِ كَغَيْرِهَا (فَإِنْ اشْتَدَّ الشِّقَاقُ) بِكَسْرِ الشِّينِ أَيْ الْخِلَافُ وَالْعَدَاوَةُ بَيْنَهُمَا مَأْخُوذٌ مِنْ الشِّقِّ، وَهُوَ النَّاحِيَةُ، إذْ كُلُّ وَاحِدٍ صَارَ فِي نَاحِيَةٍ، وَذَلِكَ بِأَنْ دَامَ بَيْنَهُمَا التَّسَابُّ وَالتَّضَارُبُ وَفَحُشَ ذَلِكَ (بَعَثَ) الْقَاضِي (حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا) لِيَنْظُرَ فِي أَمْرِهِمَا بَعْدَ اخْتِلَاءِ حَكَمِهِ بِهِ وَحَكَمِهَا بِهَا وَمَعْرِفَةِ مَا عِنْدَهُمَا فِي ذَلِكَ، وَلَا يُخْفِي حَكَمٌ عَنْ حَكَمٍ شَيْئًا إذَا اجْتَمَعَا وَيُصْلِحَا بَيْنَهُمَا أَوْ يُفَرِّقَا بِطَلْقَةٍ إنْ عَسُرَ الْإِصْلَاحُ عَلَى مَا يَأْتِي لِآيَةِ: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا﴾ [النساء: 35] وَالْخِطَابُ فِيهَا لِلْحُكَّامِ، وَقِيلَ: لِلْأَوْلِيَاءِ وَالْبَعْثُ وَاجِبٌ كَمَا صَحَّحَهُ فِي زِيَادَةِ الرَّوْضَةِ، وَجَزَمَ بِهِ الْمَاوَرْدِيُّ وَإِنْ صَحَّحَ فِي الْمُهِمَّاتِ الِاسْتِحْبَابَ لِنَقْلِ الْبَحْرِ لَهُ عَنْ نَصِّ الشَّافِعِيِّ.
وَقَالَ الْأَذْرَعِيُّ: بَلْ ظَاهِرُ نَصِّ الْأُمِّ الْوُجُوبُ، وَأَمَّا كَوْنُهُمَا مِنْ أَهْلِهِمَا فَمُسْتَحَبٌّ غَيْرُ مُسْتَحَقٍّ إجْمَاعًا كَمَا فِي النِّهَايَةِ؛ لِأَنَّ الْقَرَابَةَ لَا تُشْتَرَطُ فِي

وَهُمَا وَكِيلَانِ لَهُمَا، وَفِي قَوْلٍ مُوَلَّيَانِ مِنْ الْحَاكِمِ، فَعَلَى الْأَوَّلِ يُشْتَرَطُ رِضَاهُمَا فَيُوَكِّلُ حَكَمَهُ بِطَلَاقٍ وَقَبُولِ عِوَضِ خُلْعٍ، وَتُوَكِّلُ حَكَمَهَا بِبَذْلِ عِوَضٍ وَقَبُولِ طَلَاقٍ بِهِ.

[مغني المحتاج]

الْحَاكِمِ وَلَا فِي الْوَكِيلِ.
تَنْبِيهٌ: اقْتَضَى كَلَامُ الْمُصَنِّفِ عَدَمَ الِاكْتِفَاءِ بِحَكَمٍ وَاحِدٍ، وَهُوَ الْأَصَحُّ لِظَاهِرِ الْآيَةِ؛ وَلِأَنَّ كُلًّا مِنْ الزَّوْجَيْنِ يَتَّهِمُهُ وَلَا يُفْشِي إلَيْهِ سِرَّهُ (وَهُمَا وَكِيلَانِ) فِي الْأَظْهَرِ (لَهُمَا) أَيْ عَنْهُمَا (وَفِي قَوْلٍ) هُمَا حَاكِمَانِ (مُوَلَّيَانِ مِنْ الْحَاكِمِ) وَاخْتَارَهُ جَمْعٌ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى سَمَّاهُمَا حَكَمَيْنِ، وَالْوَكِيلُ مَأْذُونٌ لَيْسَ بِحَكَمٍ، وَوُجِّهَ الْأَوَّلُ أَنَّ الْحَالَ قَدْ يُؤَدِّي إلَى الْفِرَاقِ، وَالْبُضْعُ حَقُّ الزَّوْجِ، وَالْمَالُ حَقُّ الزَّوْجَةِ، وَهُمَا رَشِيدَانِ، فَلَا يُوَلَّى عَلَيْهِمَا؛ وَلِأَنَّ الطَّلَاقَ لَا يَدْخُلُ تَحْتَ الْوِلَايَةِ إلَّا فِي الْمَوْلَى، وَهُوَ خَارِجٌ عَنْ الْقِيَاسِ (فَعَلَى الْأَوَّلِ يُشْتَرَطُ رِضَاهُمَا) بِبَعْثِ الْحَكَمَيْنِ وَيُشْتَرَطُ فِي الْحَكَمَيْنِ: التَّكْلِيفُ، وَالْإِسْلَامُ، وَالْحُرِّيَّةُ، وَالْعَدَالَةُ، وَالِاهْتِدَاءُ إلَى الْمَقْصُودِ بِمَا بَعَثَا لَهُ، وَلَا يُشْتَرَطُ فِيهِمَا الذُّكُورَةُ وَإِنَّمَا اُشْتُرِطَ فِيهِمَا ذَلِكَ مَعَ أَنَّهُمَا وَكِيلَانِ لِتَعَلُّقِ وَكَالَتِهِمَا بِنَظَرِ الْحَاكِمِ كَمَا فِي أَمِينِهِ (فَيُوَكِّلُ) الزَّوْجُ إنْ شَاءَ (حَكَمَهُ بِطَلَاقٍ وَقَبُولِ عِوَضِ خُلْعٍ، وَتُوَكِّلُ) الزَّوْجَةُ إنْ شَاءَتْ (حَكَمَهَا بِبَذْلِ عِوَضٍ) لِلْخُلْعِ (وَقَبُولِ طَلَاقٍ بِهِ) أَيْ الْعِوَضِ كَسَائِرِ الْوُكَلَاءِ، وَيُفَرِّقُ الْحَكَمَانِ بَيْنَهُمَا إنْ رَأَيَاهُ صَوَابًا، وَإِنْ L 26369 اخْتَلَفَ رَأْيُهُمَا بَعَثَ الْقَاضِي اثْنَيْنِ غَيْرَهُمَا حَتَّى يَجْتَمِعَا عَلَى شَيْءٍ، فَإِنْ أُغْمِيَ عَلَى أَحَدِهِمَا أَوْ جُنَّ قَبْلَ الْبَعْثِ لَمْ يَجُزْ بَعْثُ الْحَكَمَيْنِ، وَإِنْ غَابَ أَحَدُهُمَا بَعْدَ بَعْثِ الْحَكَمَيْنِ نُفِّذَ أَمْرُهُمَا كَمَا فِي سَائِرِ الْوُكَلَاءِ، فَإِنْ لَمْ يَرْضَ الزَّوْجَانِ بِبَعْثِ الْحَكَمَيْنِ وَلَمْ يَتَّفِقَا عَلَى شَيْءٍ أَدَّبَ الْقَاضِي الظَّالِمَ مِنْهُمَا وَاسْتَوْفَى لِلْمَظْلُومِ حَقَّهُ وَيَعْمَلُ بِشَهَادَةِ الْحَكَمَيْنِ، وَعَلَى الْقَوْلِ الثَّانِي يُشْتَرَطُ فِي الْحَكَمَيْنِ الذُّكُورَةُ زِيَادَةً عَلَى مَا مَرَّ لَا الِاجْتِهَادُ، وَلَا يُشْتَرَطُ رِضَا الزَّوْجَيْنِ بِبَعْثِهِمَا وَيَحْكُمَانِ بِمَا يَرَيَاهُ مَصْلَحَةً مِنْ الْجَمْعِ وَالتَّفْرِيقِ.
خَاتِمَةٌ: يُعْتَبَرُ.
رُشْدُ الزَّوْجَةِ لِيَتَأَتَّى بَذْلُهَا الْعِوَضَ لَا رُشْدُ الزَّوْجِ؛ لِأَنَّهُ يَجُوزُ خُلْعُ السَّفِيهِ فَيَجُوزُ تَوْكِيلُهُ فِيهِ، وَلَوْ قَالَ الزَّوْجُ لِوَكِيلِهِ: خُذْ مَالِي مِنْهَا ثُمَّ طَلِّقْهَا أَوْ طَلِّقْهَا عَلَى أَنْ تَأْخُذَ مَالِي مِنْهَا اُشْتُرِطَ تَقْدِيمُ أَخْذِ الْمَالِ عَلَى الطَّلَاقِ، وَكَذَا لَوْ قَالَ: خُذْ مَالِي مِنْهَا وَطَلِّقْهَا كَمَا نَقَلَهُ فِي الرَّوْضَةِ عَنْ تَصْحِيحِ الْبَغَوِيِّ وَأَقَرَّهُ؛ لِأَنَّ الْوَكِيلَ يَلْزَمُهُ الِاحْتِيَاطُ فَيَلْزَمُهُ ذَلِكَ وَإِنْ لَمْ تَكُنْ الْوَاوُ لِلتَّرْتِيبِ، فَإِنْ قَالَ: طَلِّقْهَا ثُمَّ خُذْ مَالِي مِنْهَا جَازَ تَقْدِيمُ أَخْذِ الْمَالِ عَلَى مَا ذُكِرَ؛ لِأَنَّهُ زِيَادَةُ خَيْرٍ.
قَالَ الْأَذْرَعِيُّ: وَكَالتَّوْكِيلِ مِنْ جَانِبِ الزَّوْجِ فِيمَا ذُكِرَ التَّوْكِيلُ مِنْ جَانِبِ الزَّوْجَةِ كَأَنْ قَالَتْ: خُذْ مَالِي مِنْهُ ثُمَّ اخْتَلِعْنِي.

كِتَابُ الْخُلْعِ هُوَ فُرْقَةٌ بِعِوَضٍ بِلَفْظِ طَلَاقٍ أَوْ خُلْعٍ.

[مغني المحتاج]

[كِتَابُ الْخُلْعِ]

ِ بِضَمِّ الْخَاءِ مِنْ الْخَلْعِ بِفَتْحِهَا، وَهُوَ النَّزْعُ؛ لِأَنَّ كُلًّا مِنْ الزَّوْجَيْنِ لِبَاسُ الْآخَرِ.
قَالَ تَعَالَى: ﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ﴾ [البقرة: 187] [الْبَقَرَةُ] فَكَأَنَّهُ بِمُفَارَقَةِ الْآخَرِ نَزَعَ لِبَاسَهُ، وَ (هُوَ) فِي الشَّرْعِ (فُرْقَةٌ) بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ (بِعِوَضٍ) مَقْصُودٍ رَاجِعٍ لِجِهَةِ الزَّوْجِ (بِلَفْظِ طَلَاقٍ أَوْ خُلْعٍ) كَقَوْلِهِ: طَلَّقْتُك، أَوْ خَالَعْتُكِ عَلَى كَذَا فَتَقْبَلُ، وَسَيَأْتِي صِحَّتُهُ بِكِنَايَاتِ الطَّلَاقِ، فَالْمُرَادُ بِقَوْلِهِ بِلَفْظِ طَلَاقٍ لَفْظٌ مِنْ أَلْفَاظِهِ صَرِيحًا كَانَ أَوْ كِنَايَةً وَلَفْظُ الْخُلْعِ مِنْ ذَلِكَ كَمَا سَيَأْتِي، وَصَرَّحَ بِهِ؛ لِأَنَّهُ الْأَصْلُ فِي الْبَابِ وَخَرَجَ بِمَقْصُودِ الْخُلْعِ بِدَمٍ وَنَحْوِهِ فَإِنَّهُ رَجْعِيٌّ وَلَا مَالَ، وَدَخَلَ بِرَاجِعٍ لِجِهَةِ الزَّوْجِ وُقُوعُ الْعِوَضِ لِلزَّوْجِ وَلِسَيِّدِهِ، وَمَا لَوْ خَالَعَتْ بِمَا ثَبَتَ لَهَا مِنْ قَوَدٍ أَوْ غَيْرِهِ، وَخَرَجَ بِهِ مَا لَوْ عَلَّقَ الطَّلَاقَ بِالْبَرَاءَةِ مِنْ مَالِهَا عَلَى غَيْرِهِ فَيَصِحُّ رَجْعِيًّا.
وَالْأَصْلُ فِي الْبَابِ قَبْلَ الْإِجْمَاعِ قَوْله تَعَالَى: ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ﴾ [النساء: 4] النِّسَاءُ وَالْأَمْرُ بِهِ فِي خَبَرِ الْبُخَارِيِّ: «فِي امْرَأَةِ ثَابِتِ بْنِ قَيْسٍ بِقَوْلِهِ لَهُ: اقْبَلْ الْحَدِيقَةَ وَطَلِّقْهَا تَطْلِيقَةً» وَهُوَ أَوَّلُ خُلْعٍ وَقَعَ فِي الْإِسْلَامِ، وَالْمَعْنَى فِيهِ أَنَّهُ لَمَّا جَازَ أَنْ يَمْلِكَ الزَّوْجُ الِانْتِفَاعَ بِالْبُضْعِ بِعِوَضٍ جَازَ أَنْ يُزِيلَ ذَلِكَ الْمِلْكَ بِعِوَضٍ كَالشِّرَاءِ وَالْبَيْعِ، فَالنِّكَاحُ كَالشِّرَاءِ وَالْخُلْعُ كَالْبَيْعِ، وَأَيْضًا فِيهِ دَفْعُ الضَّرَرِ عَنْ الْمَرْأَةِ غَالِبًا، وَلَكِنَّهُ مَكْرُوهٌ لِمَا فِيهِ مِنْ قَطْعِ النِّكَاحِ الَّذِي هُوَ مَطْلُوبُ الشَّرْعِ: لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -:

شَرْطُهُ زَوْجٌ يَصِحُّ طَلَاقُهُ، فَلَوْ خَالَعَ

[مغني المحتاج]

«أَبْغَضُ الْحَلَالِ إلَى اللَّهِ تَعَالَى الطَّلَاقُ» . قَالَ فِي التَّنْبِيهِ إلَّا فِي حَالَتَيْنِ: إحْدَاهُمَا: أَنْ يَخَافَا أَوْ أَحَدُهُمَا أَنْ لَا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ أَيْ مَا افْتَرَضَهُ فِي النِّكَاحِ: لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا﴾ [البقرة: 229] الْآيَةَ.
وَذِكْرُ الْخَوْفِ فِي الْآيَةِ جَرَى عَلَى الْغَالِبِ؛ لِأَنَّ الْغَالِبَ وُقُوعُ الْخُلْعِ فِي حَالَةِ التَّشَاجُرِ؛ وَلِأَنَّهُ إذَا جَازَ حَالَةَ الْخَوْفِ وَهِيَ مُضْطَرَّةٌ إلَى بَذْلِ الْمَالِ فَفِي حَالَةِ الرِّضَا أَوْلَى، وَبِالْقِيَاسِ عَلَى الْإِقَالَةِ فِي الْبَيْعِ.
الْحَالَةُ الثَّانِيَةُ: أَنْ يَحْلِفَ بِالطَّلَاقِ الثَّلَاثِ عَلَى فِعْلِ شَيْءٍ لَا بُدَّ لَهُ مِنْهُ أَيْ كَالْأَكْلِ وَالشُّرْبِ وَقَضَاءِ الْحَاجَةِ فَيَخْلَعُهَا ثُمَّ يَفْعَلُ الْأَمْرَ الْمَحْلُوفَ عَلَيْهِ ثُمَّ يَتَزَوَّجُهَا فَلَا يَحْنَثُ لِانْحِلَالِ الْيَمِينِ بِالْفِعْلَةِ الْأُولَى، إذْ لَا يَتَنَاوَلُ إلَّا الْفِعْلَةَ الْأُولَى وَقَدْ حَصَلَتْ، فَإِنْ خَالَعَهَا وَلَمْ يَفْعَلْ الْمَحْلُوفَ عَلَيْهِ فَفِيهِ قَوْلَانِ: أَصَحُّهُمَا أَنَّهُ يَتَخَلَّصُ مِنْ الْحِنْثِ، فَإِذَا فَعَلَ الْمَحْلُوفَ عَلَيْهِ بَعْدَ النِّكَاحِ لَمْ يَحْنَثْ؛ لِأَنَّهُ تَعْلِيقٌ سَبَقَ هَذَا النِّكَاحَ فَلَمْ يُؤَثِّرْ فِيهِ كَمَا إذَا عَلَّقَ الطَّلَاقَ قَبْلَ النِّكَاحِ فَوُجِدَتْ الصِّفَةُ بَعْدَ النِّكَاحِ.
تَنْبِيهٌ: ظَاهِرُ كَلَامِهِمْ حُصُولُ الْخَلَاصِ بِالْخُلْعِ وَلَوْ كَانَ الْمَحْلُوفُ عَلَى فِعْلِهِ مُقَيَّدًا بِمُدَّةٍ وَهُوَ كَذَلِكَ، وَخَالَفَ فِي ذَلِكَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ.
قَالَ السُّبْكِيُّ: دَخَلْت عَلَى ابْنِ الرِّفْعَةِ فَقَالَ لِي: اسْتَفْتَيْتُ عَمَّنْ حَلَفَ بِالطَّلَاقِ الثَّلَاثِ لَا بُدَّ أَنْ يَفْعَلَ كَذَا فِي هَذَا الشَّهْرِ فَخَالَعَ فِي الشَّهْرِ فَأَفْتَيْتُ بِتَخَلُّصِهِ مِنْ الْحِنْثِ ثُمَّ ظَهَرَ لِي أَنَّهُ خَطَأٌ وَوَافَقَنِي الْبَكْرِيُّ عَلَى التَّخَلُّصِ فَبَيَّنْت لَهُ أَنَّهُ خَطَأٌ.
قَالَ السُّبْكِيُّ: ثُمَّ سَأَلْت الْبَاجِيَّ وَلَمْ أَذْكُرْ لَهُ كَلَامَ ابْنِ الرِّفْعَةِ فَوَافَقَهُ، قَالَ: ثُمَّ رَأَيْت فِي الرَّافِعِيِّ فِي آخِرِ الطَّلَاقِ: أَنَّهُ لَوْ قَالَ: إنْ لَمْ تَخْرُجِي فِي هَذِهِ اللَّيْلَةِ مِنْ هَذِهِ الدَّارِ فَأَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا فَخَالَعَ مَعَ أَجْنَبِيٍّ مِنْ اللَّيْلِ وَجَدَّدَ النِّكَاحَ وَلَمْ تَخْرُجْ لَمْ يَقَعْ الطَّلَاقُ؛ لِأَنَّ اللَّيْلَ كُلَّهُ مَحَلُّ الْيَمِينِ وَلَمْ يَمْضِ اللَّيْلُ وَهِيَ زَوْجَةٌ لَهُ حَتَّى يَقَعَ الطَّلَاقُ، وَأَنَّهُ لَوْ كَانَ بَيْنَ يَدَيْهِ تُفَّاحَتَانِ فَقَالَ لِزَوْجَتِهِ: إنْ لَمْ تَأْكُلِي هَذِهِ التُّفَّاحَةَ الْيَوْمَ فَأَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا، وَلِأَمَتِهِ إنْ لَمْ تَأْكُلِي هَذِهِ الْأُخْرَى الْيَوْمَ فَأَنْتِ حُرَّةٌ فَاشْتَبَهَتْ تُفَّاحَةُ الطَّلَاقِ وَتُفَّاحَةُ الْعِتْقِ، فَذَكَرَ طَرِيقَيْنِ عَنْ بَعْضِ الْأَصْحَابِ فِي الْخَلَاصِ، ثُمَّ قَالَ: فَلَوْ خَالَعَ زَوْجَتَهُ ذَلِكَ الْيَوْمَ وَبَاعَ الْأَمَةَ ثُمَّ جَدَّدَ النِّكَاحَ وَاشْتَرَى الْأَمَةَ خَلَصَ، وَظَاهِرُ هَذَيْنِ الْفَرْعَيْنِ مُخَالِفٌ لِمَا قَالَهُ ابْنُ الرِّفْعَةِ وَالْبَاجِيُّ اهـ. وَهُوَ كَمَا قَالَ فَالْمُعْتَمَدُ إطْلَاقُ كَلَامِ الْأَصْحَابِ، وَذَكَرْت فِي شَرْحِ التَّنْبِيهِ صُوَرًا أُخْرَى، وَلَا يُكْرَهُ الْخُلْعُ فِيهَا فَلْيُرَاجِعْهُ مَنْ أَرَادَ.

وَأَرْكَانُ الْخُلْعِ خَمْسَةٌ: مُلْتَزِمٌ لِعِوَضٍ، وَبُضْعٌ، وَعِوَضٌ، وَصِيغَةٌ، وَزَوْجٌ، وَبَدَأَ بِهِ فَقَالَ: (شَرْطُهُ) أَيْ رُكْنُهُ (زَوْجٌ يَصِحُّ) أَيْ يَنْفُذُ (طَلَاقُهُ) يَعْنِي أَنْ يَكُونَ الزَّوْجُ يَصِحُّ طَلَاقُهُ بِأَنْ يَكُونَ بَالِغًا عَاقِلًا مُخْتَارًا كَمَا سَيَأْتِي فِي بَابِهِ وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْخُلْعَ طَلَاقٌ فَالزَّوْجُ رُكْنٌ لَا شَرْطٌ، وَكَوْنُهُ يَصِحُّ طَلَاقُهُ شَرْطٌ فِي الزَّوْجِ، فَلَا يَصِحُّ مِنْ صَبِيٍّ وَمَجْنُونٍ وَمُكْرَهٍ كَطَلَاقِهِمْ (فَلَوْ خَالَعَ

عَبْدٌ أَوْ مَحْجُورٌ عَلَيْهِ بِسَفَهٍ صَحَّ، وَوَجَبَ دَفْعُ الْعِوَضِ إلَى مَوْلَاهُ وَوَلِيُّهُ.

وَشَرْطُ قَابِلِهِ إطْلَاقُ تَصَرُّفِهِ فِي الْمَالِ، فَإِنْ اخْتَلَعَتْ أَمَةٌ بِلَا إذْنِ سَيِّدٍ بِدَيْنٍ أَوْ عَيْنِ مَالِهِ بَانَتْ،

[مغني المحتاج]

عَبْدٌ) وَلَوْ مُدَبَّرًا (أَوْ مَحْجُورٌ عَلَيْهِ بِسَفَهٍ صَحَّ) بِإِذْنٍ وَدُونَهُ بِمَهْرِ الْمِثْلِ أَوْ أَقَلَّ، إذْ لِكُلٍّ مِنْهُمَا أَنْ يُطَلِّقَ مَجَّانًا فَبِعِوَضٍ أَوْلَى (وَوَجَبَ دَفْعُ الْعِوَضِ) عَيْنًا كَانَ أَوْ دَيْنًا (إلَى مَوْلَاهُ) أَيْ الْعَبْدِ وَيَمْلِكُهُ مَوْلَاهُ قَهْرًا، وَإِنْ لَمْ يَأْذَنْ كَسَائِرِ أَكْسَابِهِ، وَيُسْتَثْنَى مِنْ إطْلَاقِهِ الْمُكَاتَبُ فَإِنَّهُ يَجِبُ التَّسْلِيمُ إلَيْهِ لِاسْتِقْلَالِهِ، وَالْمُبَعَّضُ إنْ خَالَعَ وَبَيْنَهُ وَبَيْنَ سَيِّدِهِ مُهَايَأَةٌ وَقَبَضَ فِي نَوْبَتِهِ صَحَّ، وَأَمَّا فِي نَوْبَةِ سَيِّدِهِ فَلَا يَقْبِضُ شَيْئًا، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُهَايَأَةً قَبَضَ مَا يَخُصُّ حُرِّيَّتَهُ وَالْعَبْدُ الْمَأْذُونُ عَلَى أَحَدِ وَجْهَيْنِ فِي الْحَاوِي بِلَا تَرْجِيحٍ يَقْبِضُ أَيْضًا مَا خَالَعَ بِهِ (وَوَلِيُّهُ) أَيْ الْمَحْجُورِ عَلَيْهِ بِسَفَهٍ كَسَائِرِ أَمْوَالِهِ، فَإِنْ سَلَّمَتْ الْعِوَضَ إلَى السَّفِيهِ بِغَيْرِ إذْنِ الْوَلِيِّ وَهُوَ دَيْنٌ لَمْ تَبْرَأْ وَيَسْتَرِدُّهُ مِنْهُ، نَعَمْ إنْ بَادَرَ الْوَلِيُّ فَأَخَذَهُ مِنْهُ بَرِئَتْ: كَمَا فِي الشَّامِلِ وَالْبَحْرِ، فَإِنْ تَلِفَ فِي يَدِهِ فَلَا ضَمَانَ فِي الْحَالِ وَلَا بَعْدَ رُشْدِهِ، وَهَلْ يَبْرَأُ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى؟ وَجْهَانِ فِي الْحَاوِي أَوْجَهُهُمَا لَا، أَوْ وَهُوَ عَيْنٌ وَعَلِمَ الْوَلِيُّ أَخَذَهَا مِنْهُ، فَإِنْ تَرَكَهَا حَتَّى تَلِفَتْ فَهَلْ يَضْمَنُ أَوْ لَا؟ وَجْهَانِ، أَوْجَهُهُمَا الْأَوَّلُ كَمَا قَالَهُ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ، وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ الْوَلِيُّ فَتَلِفَتْ فَهِيَ مُفَرِّطَةٌ فَتَضْمَنُ مَهْرَ الْمِثْلِ لَا قِيمَةَ الْعَيْنِ وَالتَّسْلِيمُ إلَى الْعَبْدِ كَالسَّفِيهِ، لَكِنَّ الْمُخْتَلِعَ لَهُ مُطَالَبَتُهُ بَعْدَ الْعِتْقِ بِمَا تَلِفَ تَحْتَ يَدِهِ بِخِلَافِ السَّفِيهِ لَا يُطَالَبُ أَصْلًا كَمَا مَرَّ، أَمَّا قَبْضُهَا بِإِذْنٍ فَيَصِحُّ وَلَوْ عَلَّقَ بِالدَّفْعِ إلَيْهِ كَأَنْ قَالَ: إنْ دَفَعْت إلَيَّ كَذَا فَأَنْتِ طَالِقٌ كَانَ لَهَا أَنْ تَدْفَعَهُ إلَيْهِ لَا إلَى وَلِيِّهِ؛ لِأَنَّهُ فِيمَا مَرَّ مَلَكَهُ قَبْلَ الدَّفْعِ، وَفِي هَذِهِ إنَّمَا يَمْلِكُهُ بِالدَّفْعِ إلَيْهِ، وَعَلَى وَلِيِّهِ الْمُبَادَرَةُ إلَى أَخْذِهِ مِنْهُ، فَإِنْ لَمْ يَأْخُذْهُ مِنْهُ حَتَّى تَلِفَ فَلَا غُرْمَ فِيهِ عَلَى الزَّوْجَةِ، كَمَا نَقَلَهُ الْأَذْرَعِيُّ عَنْ الْمَاوَرْدِيُّ، وَلَوْ دَفَعَتْهُ إلَى وَلِيِّهِ لَمْ تَطْلُقْ لِعَدَمِ وُجُودِ الْمُعَلَّقِ عَلَيْهِ.
تَنْبِيهٌ: أَسْقَطَ الْمُصَنِّفُ مِنْ الْمُحَرَّرِ خُلْعَ الْمُفْلِسِ لِتَقَدُّمِهِ فِي بَابِهِ.

ثُمَّ شَرَعَ فِي الرُّكْنِ الثَّانِي وَهُوَ الْمُلْتَزِمُ فَقَالَ (وَشَرْطُ قَابِلِهِ) أَيْ الْخُلْعِ أَوْ مُلْتَمِسِهِ لِيَصِحَّ خُلْعُهُ مِنْ زَوْجَةٍ أَوْ أَجْنَبِيٍّ (إطْلَاقُ تَصَرُّفِهِ فِي الْمَالِ) بِكَوْنِهِ مُكَلَّفًا غَيْرَ مَحْجُورٍ عَلَيْهِ أَيْ بِالنِّسْبَةِ لِثُبُوتِ الْمَالِ، أَمَّا الطَّلَاقُ فَلَا يُعْتَبَرُ فِي قَابِلِهِ ذَلِكَ بَلْ صِحَّةُ عِبَارَتِهِ فَقَطْ.
وَلِلْحَجْرِ أَسْبَابٌ خَمْسَةٌ: ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ مِنْهَا ثَلَاثَةً: الرِّقُّ، وَالسَّفَهُ، وَالْمَرَضُ، وَأَسْقَطَ الصِّبَا وَالْجُنُونَ؛ لِأَنَّ الْخُلْعَ مَعَهُمَا لَغْوٌ، وَلَوْ كَانَتْ الْمُخْتَلِعَةُ مُمَيِّزَةً كَمَا جَرَى عَلَيْهِ ابْنُ الْمُقْرِي لِانْتِفَاءِ أَهْلِيَّةِ الْقَبُولِ فَلَا عِبْرَةَ بِعِبَارَةِ الصَّغِيرَةِ وَالْمَجْنُونَةِ بِخِلَافِ السَّفِيهَةِ وَجَعَلَ الْبُلْقِينِيُّ الْمُمَيِّزَةَ كَالسَّفِيهَةِ.
ثُمَّ شَرَعَ فِي السَّبَبِ الْأَوَّلِ: فَقَالَ (فَإِنْ اخْتَلَعَتْ أَمَةٌ بِلَا إذْنِ سَيِّدٍ) لَهَا مُطْلَقُ التَّصَرُّفِ (بِدَيْنٍ) فِي ذِمَّتِهَا (أَوْ عَيْنِ مَالِهِ) أَيْ السَّيِّدِ أَوْ عَيْنِ مَالِ أَجْنَبِيٍّ أَوْ عَيْنٍ غَيْرِ مَمْلُوكَةٍ كَخَمْرٍ (بَانَتْ) فِي الْجَمِيعِ لِوُقُوعِهِ بِعِوَضٍ فَاسِدٍ.
تَنْبِيهٌ: مَحَلُّ ذَلِكَ إذَا نَجَّزَ الطَّلَاقَ، فَإِنْ قَيَّدَهُ بِتَمْلِيكِ تِلْكَ الْعَيْنِ لَمْ تَطْلُقْ: كَمَا قَالَهُ

وَلِلزَّوْجِ فِي ذِمَّتِهَا مَهْرُ مِثْلٍ فِي صُورَةِ الْعَيْنِ، وَفِي قَوْلٍ قِيمَتُهَا، وَفِي صُورَةِ الدَّيْنِ الْمُسَمَّى، وَفِي قَوْلٍ مَهْرُ مِثْلٍ، وَإِنْ أَذِنَ وَعَيَّنَ عَيْنًا لَهُ أَوْ قَدَّرَ دَيْنًا فَامْتَثَلَتْ تُعَلَّقُ بِالْعَيْنِ وَبِكَسْبِهَا فِي الدَّيْنِ، وَإِنْ أَطْلَقَ الْإِذْنَ اقْتَضَى مَهْرَ الْمِثْلِ مِنْ كَسْبِهَا.

وَإِنْ خَالَعَ سَفِيهَةً

[مغني المحتاج]

الْمَاوَرْدِيُّ (وَلِلزَّوْجِ فِي ذِمَّتِهَا) إذَا بَانَتْ (مَهْرُ مِثْلٍ فِي صُورَةِ الْعَيْنِ) لِأَنَّهُ الْمُرَادُ حِينَئِذٍ (وَفِي قَوْلٍ قِيمَتُهَا) إنْ كَانَتْ مُتَقَوِّمَةً، وَإِلَّا فَمِثْلُهَا، وَلَوْ عَبَّرَ بِالْبَدَلِ كَمَا عَبَّرَ بِهِ الرَّافِعِيُّ لَكَانَ أَعَمَّ (وَفِي صُورَةِ الدَّيْنِ الْمُسَمَّى) كَمَا فِي الرَّوْضَةِ وَأَصْلِهَا كَمَا يَصِحُّ الْتِزَامُ الرَّقِيقِ بِطَرِيقِ الضَّمَانِ وَيُتْبَعُ بِهِ بَعْدَ الْعِتْقِ (وَفِي قَوْلٍ مَهْرُ مِثْلٍ) وَرَجَّحَهُ فِي الْمُحَرَّرِ وَالشَّرْحِ الصَّغِيرِ: كَمَا لَوْ تَزَوَّجَ الْعَبْدُ بِغَيْرِ إذْنِ سَيِّدِهِ وَوَطِئَ.
تَنْبِيهٌ: أَشَارَ بِقَوْلِهِ: فِي ذِمَّتِهَا إلَى أَنَّهُ يَتْبَعُهَا بَعْدَ الْعِتْقِ وَلَا مُطَالَبَةَ لَهُ الْآنَ قَطْعًا، وَتَأْخِيرُ الْمُطَالَبَةِ إلَى الْعِتْقِ وَالْيَسَارِ ثَبَتَ بِالشَّرْعِ فَلَا تَضُرُّ جَهَالَةُ وَقْتِهِ، وَلَوْ خَالَعَتْ الْأَمَةُ بِمَالٍ وَشَرَطَتْهُ بَعْدَ عِتْقِهَا فَسَدَ وَرَجَعَ بِمَهْرِ الْمِثْلِ بَعْدَ الْعِتْقِ.
قَالَ السُّبْكِيُّ: وَهَذَا عَجِيبٌ؛ لِأَنَّهُ شَرْطٌ يُوَافِقُ مُقْتَضَى الْعَقْدِ وَيُفْسِدُهُ (وَإِنْ أَذِنَ) السَّيِّدُ لَهَا فِي الِاخْتِلَاعِ وَلَوْ كَانَتْ سَفِيهَةً كَمَا هُوَ مُقْتَضَى نَصِّ الْأُمِّ (وَعَيَّنَ) لَهَا مِنْ مَالِهِ (عَيْنًا لَهُ) لَهَا تَخْتَلِعُ بِهَا (أَوْ قَدَّرَ) لَهَا (دَيْنًا) فِي ذِمَّتِهَا كَالدِّينَارِ (فَامْتَثَلَتْ) تَعَلَّقَ الزَّوْجُ (بِالْعَيْنِ) فِي صُورَتِهَا (وَبِكَسْبِهَا فِي) صُورَةِ (الدَّيْنِ) وَبِمَا فِي يَدِهَا مِنْ مَالِ التِّجَارَةِ إنْ كَانَتْ مَأْذُونَةً كَمَهْرِ الْعَبْدِ فِي النِّكَاحِ الْمَأْذُونِ فِيهِ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ مُكْتَسِبَةً وَلَا مَأْذُونَةً فَفِي ذِمَّتِهَا تُتْبَعُ بِهِ بَعْدَ عِتْقِهَا وَيَسَارِهَا وَلَا يَكُونُ السَّيِّدُ بِإِذْنِهِ فِي الْخُلْعِ بِالدَّيْنِ ضَامِنًا لَهُ كَمَهْرِ النِّكَاحِ فِي الْعَبْدِ الْمَأْذُونِ فِيهِ (وَإِنْ أَطْلَقَ) السَّيِّدُ (الْإِذْنَ) لِأَمَتِهِ فَلَمْ يَذْكُرْ عَيْنًا وَلَا دَيْنًا (اقْتَضَى مَهْرَ الْمِثْلِ مِنْ كَسْبِهَا) وَمِمَّا بِيَدِهَا مِنْ مَالِ التِّجَارَةِ إنْ كَانَتْ مَأْذُونَةً كَمَا لَوْ أَذِنَ لِعَبْدِهِ فِي النِّكَاحِ، وَاحْتَرَزَ بِقَوْلِهِ: فَامْتَثَلَتْ عَمَّا إذَا زَادَتْ عَلَى الْمَأْذُونِ فِيهِ أَوْ عَلَى مَهْرِ الْمِثْلِ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ، فَالزِّيَادَةُ تُطَالَبُ بِهَا بَعْدَ الْعِتْقِ.
وَيُسْتَثْنَى مِنْ التَّعْلِيقِ بِالْعَيْنِ مَا لَوْ أَذِنَ لَهَا أَنْ تُخَالِعَ وَهِيَ تَحْتَ حُرٍّ أَوْ مُكَاتَبٍ بِرَقَبَتِهَا فَإِنَّهُ لَا يَصِحُّ، إذْ لَوْ صَحَّ لَقَارَنَتْ الْفُرْقَةُ مِلْكَ الرَّقَبَةِ؛ لِأَنَّ الْعِوَضَيْنِ يَتَسَاوَيَانِ، وَمِلْكُ الْمَنْكُوحَةِ يَمْنَعُ وُقُوعَ الطَّلَاقِ كَمَا لَوْ عَلَّقَ طَلَاقَ زَوْجَتِهِ وَهِيَ أَمَةٌ غَيْرُ مُدَبَّرَةٍ مَمْلُوكَةٌ لِأَبِيهِ بِمَوْتِهِ فَمَاتَ لَمْ تَطْلُقْ؛ لِأَنَّ مِلْكَ الزَّوْجِ لَهَا حَالَةَ مَوْتِ أَبِيهِ يَمْنَعُ وُقُوعَ الطَّلَاقِ، فَلَوْ كَانَتْ مُدَبَّرَةً طَلُقَتْ لِعِتْقِهَا بِمَوْتِ الْأَبِ، هَذَا كُلُّهُ فِي الْقِنَّةِ.
أَمَّا الْمُبَعَّضَةُ، فَإِنْ خَالَعَتْ عَلَى مَا مَلَكَتْهُ فَهِيَ كَالْحُرَّةِ، أَوْ عَلَى مَا يَمْلِكُهُ السَّيِّدُ لَمْ يَصِحَّ وَكَانَتْ كَالْأَمَةِ، وَإِنْ خَالَعَتْ عَلَى الْأَمْرَيْنِ صَارَتْ الصَّفْقَةُ جَامِعَةً لِأَمْرَيْنِ حُكْمُهُمَا عَلَى مَا يُوجِبُ تَفْرِيقَ الصَّفْقَةِ.
وَأَمَّا الْمُكَاتَبَةُ فَالْأَصَحُّ أَنَّهَا كَالْقِنَّةِ فِي جَمِيعِ مَا مَرَّ فِيهَا كَمَا صَحَّحَهُ الْمُصَنِّفُ كَالرَّافِعِيِّ فِي بَابِ الْكِتَابَةِ تَبَعًا لِلْجُمْهُورِ، وَاقْتَضَاهُ كَلَامُ الرَّافِعِيِّ هُنَا، وَمَا وَقَعَ فِي أَصْلِ الرَّوْضَةِ هُنَا مِنْ أَنَّ الْمَذْهَبَ، وَالْمَنْصُوصَ أَنَّ خُلْعَهَا بِإِذْنٍ كَهُوَ بِلَا إذْنٍ لَا يُطَابِقُ مَا فِي الرَّافِعِيِّ، بَلْ قَالَ فِي الْمُهِمَّاتِ: إنَّهُ غَلَطٌ.

ثُمَّ شَرَعَ فِي السَّبَبِ الثَّانِي، فَقَالَ (وَإِنْ خَالَعَ) بَعْدَ الدُّخُولِ (سَفِيهَةً) أَيْ مَحْجُورًا عَلَيْهَا بِسَفَهٍ بِلَفْظِ الْخُلْعِ كَأَنْ

أَوْ قَالَ طَلَّقْتُكِ عَلَى أَلْفٍ فَقَبِلَتْ طَلُقَتْ رَجْعِيًّا.

فَإِنْ لَمْ تَقْبَلْ لَمْ تَطْلُقْ.

وَيَصِحُّ اخْتِلَاعُ الْمَرِيضَةِ مَرَضَ الْمَوْتِ، وَلَا يُحْسَبُ مِنْ الثُّلُثِ إلَّا زَائِدٌ عَلَى مَهْرِ مِثْلٍ.

وَرَجْعِيَّةٍ فِي الْأَظْهَرِ، لَا بَائِنٍ.

[مغني المحتاج]

قَالَ: خَالَعْتُكِ عَلَى أَلْفٍ (أَوْ قَالَ طَلَّقْتُك عَلَى أَلْفٍ فَقَبِلَتْ طَلُقَتْ رَجْعِيًّا) وَلَغَا ذِكْرُ الْمَالِ؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ أَهْلِ الْتِزَامِهِ وَإِنْ أَذِنَ لَهَا الْوَلِيُّ، وَلَيْسَ لِوَلِيِّهَا صَرْفُ مَالِهَا فِي مِثْلِ ذَلِكَ، وَخَرَجَ بِبَعْدِ الدُّخُولِ مَا إذَا كَانَ قَبْلَهُ فَإِنَّهُ يَقَعُ بَائِنًا وَلَا مَالَ.
قَالَ الْمُصَنِّفُ فِي نُكَتِهِ: وَهُوَ وَاضِحٌ، وَبِمَحْجُورٍ عَلَيْهَا مَا إذَا سَفِهَتْ بَعْدَ رُشْدِهَا وَلَمْ يُحْجَرْ عَلَيْهَا فَإِنَّهُ يَصِحُّ تَصَرُّفُهَا عَلَى الْأَصَحِّ.

تَنْبِيهٌ: مَحَلُّ وُقُوعِ الطَّلَاقِ إذَا لَمْ يُعَلِّقْ الطَّلَاقَ عَلَى شَيْءٍ.
أَمَّا لَوْ قَالَ لَهَا: إنْ أَبْرَأْتِنِي فَأَنْتِ طَالِقٌ، فَقَالَتْ فِي الْحَالِ أَبْرَأْتُك لَمْ يَقَعْ الطَّلَاقُ صَرَّحَ بِهِ الْخُوَارِزْمِيُّ فِي الْكَافِي كَمَا نَقَلَهُ الْبُلْقِينِيُّ عَنْهُ وَاعْتَمَدَهُ، وَإِنْ أَفْتَى السُّبْكِيُّ بِوُقُوعِ الطَّلَاقِ، إذْ لَا وَجْهَ لَهُ؛ لِأَنَّ الصِّفَةَ الْمُعَلَّقَ عَلَيْهَا وَهِيَ الْإِبْرَاءُ لَمْ تُوجَدْ فَلَا يَقَعُ الطَّلَاقُ، وَلِلْبُلْقِينِيِّ فِي صُورَةِ التَّعْلِيقِ بِالْإِعْطَاءِ احْتِمَالَانِ أَرْجَحُهُمَا عِنْدَهُ أَنَّهَا لَا تَطْلُقُ بِالْإِعْطَاءِ، وَهُوَ كَذَلِكَ، فَإِنَّهُ لَا يَحْصُلُ بِهِ الْمِلْكُ، وَالثَّانِي: أَنَّهُ لَوْ سَلَخَ الْإِعْطَاءَ عَنْ مَعْنَاهُ الَّذِي هُوَ التَّمْلِيكُ إلَى مَعْنَى الْإِقْبَاضِ فَتَطْلُقُ رَجْعِيًّا (فَإِنْ لَمْ تَقْبَلْ لَمْ تَطْلُقْ) هُوَ تَصْرِيحٌ بِمَفْهُومِ مَا قَبْلَهُ؛ لِأَنَّ الصِّفَةَ تَقْتَضِي الْقَبُولَ فَأَشْبَهَتْ الطَّلَاقَ الْمُعَلَّقَ عَلَى صِفَةٍ، وَلَا بُدَّ مِنْ حُصُولِهَا، وَلَوْ قَالَ لِرَشِيدَةٍ وَمَحْجُورٍ عَلَيْهَا بِسَفَهٍ خَالَعْتُكُمَا بِأَلْفٍ فَقَبِلَتْ إحْدَاهُمَا فَقَطْ لَمْ يَقَعْ طَلَاقٌ عَلَى وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا؛ لِأَنَّ الْخِطَابَ مَعَهُمَا يَقْتَضِي الْقَبُولَ مِنْهُمَا، فَإِنْ قَبِلَتَا بَانَتْ الرَّشِيدَةُ لِصِحَّةِ الْتِزَامِهَا بِمَهْرِ الْمِثْلِ لِلْجَهْلِ بِمَا يَلْزَمُهَا مِنْ الْمُسَمَّى وَطَلُقَتْ السَّفِيهَةُ رَجْعِيًّا لِمَا مَرَّ،.

ثُمَّ شَرَعَ فِي السَّبَبِ الثَّالِثِ، فَقَالَ (وَيَصِحُّ اخْتِلَاعُ الْمَرِيضَةِ) أَيْ الَّتِي مَرِضَتْ (مَرَضَ الْمَوْتِ) لِأَنَّ لَهَا صَرْفَ مَالِهَا فِي أَغْرَاضِهَا وَمَلَاذِّهَا بِخِلَافِ السَّفِيهَةِ كَمَا لِلْمَرِيضِ أَنْ يَنْكِحَ أَبْكَارًا بِمُهُورِ أَمْثَالِهِنَّ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ (وَلَا يُحْسَبُ مِنْ الثُّلُثِ إلَّا) قَدْرٌ (زَائِدٌ عَلَى مَهْرِ مِثْلٍ) بِخِلَافِ مَهْرِ الْمِثْلِ وَأَقَلِّ مِنْهُ فَمِنْ رَأْسِ الْمَالِ؛ لِأَنَّ التَّبَرُّعَ إنَّمَا هُوَ بِالزَّائِدِ فَهُوَ كَالْوَصِيَّةِ لِلْأَجْنَبِيِّ وَلَا يَكُونُ كَالْوَصِيَّةِ لِلْوَارِثِ لِخُرُوجِهِ بِالْخُلْعِ عَنْ الْإِرْثِ إلَّا أَنْ يَكُونَ وَارِثًا بِجِهَةٍ أُخْرَى غَيْرِ الزَّوْجِيَّةِ كَابْنِ عَمٍّ أَوْ مُعْتَقٍ.
فَإِنْ قِيلَ: قَدْ جَعَلُوا خُلْعَ الْمُكَاتَبِ تَبَرُّعًا وَإِنْ كَانَ بِمَهْرِ الْمِثْلِ أَوْ أَقَلَّ فَهَلَّا كَانَ الْمَرِيضُ كَذَلِكَ؟ . أُجِيبَ بِأَنَّ تَصَرُّفَ الْمَرِيضِ أَتَمُّ، وَلِهَذَا وَجَبَ عَلَيْهِ نَفَقَةُ الْمُوسِرِينَ بِخِلَافِ الْمُكَاتَبِ، وَيَصِحُّ خُلْعُ الْمَرِيضِ مَرَضَ الْمَوْتِ بِدُونِ مَهْرِ الْمِثْلِ؛ لِأَنَّ الْبُضْعَ لَا يَبْقَى لِلْوَارِثِ لَوْ لَمْ يُخَالِعْ.

ثُمَّ شَرَعَ فِي الرُّكْنِ الثَّالِثِ وَهُوَ الْبُضْعُ، وَشَرْطُهُ أَنْ يَمْلِكَهُ الزَّوْجُ فَقَالَ (وَ) يَصِحُّ اخْتِلَاعُ (رَجْعِيَّةٍ فِي الْأَظْهَرِ) لِأَنَّهَا فِي حُكْمِ الزَّوْجَاتِ فِي كَثِيرٍ مِنْ الْأَحْكَامِ.
وَالثَّانِي: لَا؛ لِعَدَمِ الْحَاجَةِ إلَى الِافْتِدَاءِ لِجَرَيَانِهَا إلَى الْبَيْنُونَةِ، وَيُسْتَثْنَى كَمَا قَالَ الزَّرْكَشِيُّ مَا لَوْ عَاشَرَ الرَّجْعِيَّةَ مُعَاشَرَةَ الْأَزْوَاجِ بِلَا وَطْءٍ وَانْقَضَتْ الْأَقْرَاءُ أَوْ الْأَشْهُرُ وَقُلْنَا يَلْحَقُهَا الطَّلَاقُ وَلَا يُرَاجِعُهَا وَهُوَ الْأَصَحُّ كَمَا سَيَأْتِي، فَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَصِحَّ خُلْعُهَا لِأَنَّهَا بَائِنٌ إلَّا فِي الطَّلَاقِ (لَا بَائِنٍ) بِخُلْعٍ أَوْ

وَيَصِحُّ عِوَضُهُ قَلِيلًا وَكَثِيرًا دَيْنًا وَعَيْنًا وَمَنْفَعَةً، وَلَوْ خَالَعَ بِمَجْهُولٍ أَوْ خَمْرٍ بَانَتْ بِمَهْرِ مِثْلٍ، وَفِي قَوْلٍ بِبَدَلِ الْخَمْرِ.

[مغني المحتاج]

غَيْرِهِ فَلَا يَصِحُّ خُلْعُهَا إذْ لَا يَمْلِكُ بُضْعَهَا حَتَّى يُزِيلَهُ، وَحَكَى الْمَاوَرْدِيُّ فِيهِ إجْمَاعَ الصَّحَابَةِ.
قَالَ: وَلَوْ قَالَتْ: طَلِّقْنِي وَاحِدَةً بِأَلْفٍ، فَقَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ وَاحِدَةً، وَطَالِقٌ ثَانِيَةً، وَطَالِقٌ ثَالِثَةً، فَإِنْ أَرَادَ بِالْعِوَضِ الْأُولَى وَقَعَتْ دُونَ الْأَخِيرَتَيْنِ، أَوْ الثَّانِيَةَ وَقَعَتْ الْأُولَتَانِ دُونَ الثَّالِثَةِ.
أَوْ الثَّالِثَةَ وَقَعَتْ الثَّلَاثُ، وَالْخُلْعُ فِي الرِّدَّةِ مِنْ الزَّوْجَيْنِ أَوْ أَحَدِهِمَا، وَفِي إسْلَامِ أَحَدِ الزَّوْجَيْنِ الْوَثَنِيَّيْنِ بَعْدَ الدُّخُولِ مَوْقُوفٌ.

ثُمَّ شَرَعَ فِي الرُّكْنِ الرَّابِعِ وَهُوَ الْعِوَضُ فَقَالَ (وَيَصِحُّ عِوَضُهُ) أَيْ الْخُلْعِ (قَلِيلًا وَكَثِيرًا دَيْنًا وَعَيْنًا وَمَنْفَعَةً) لِعُمُومِ قَوْله تَعَالَى: ﴿فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ [البقرة: 229] ، وَلِأَنَّهُ عَقْدٌ عَلَى مَنْفَعَةِ الْبُضْعِ، فَجَازَ بِمَا ذُكِرَ كَالصَّدَاقِ، وَيُسْتَثْنَى مِنْ إطْلَاقِهِ الْمَنْفَعَةَ صُورَتَانِ: إحْدَاهُمَا الْخُلْعُ عَلَى أَنَّهُ بَرِيءٌ مِنْ سُكْنَاهَا، فَفِي الْبَحْرِ يَقَعُ الطَّلَاقُ وَلَا يَجُوزُ الْبَدَلُ؛ لِأَنَّ إخْرَاجَهَا مِنْ الْمَسْكَنِ حَرَامٌ، فَلَهَا السُّكْنَى وَعَلَيْهَا مَهْرُ الْمِثْلِ.
ثَانِيَتُهُمَا: الْخُلْعُ عَلَى تَعْلِيمِ شَيْءٍ مِنْ الْقُرْآنِ، فَقَضِيَّةُ قَوْلِهِمْ فِي الصَّدَاقِ حَيْثُ قَالُوا بِالتَّعَذُّرِ: إنَّهُ لَا يَصِحُّ (وَ) يُشْتَرَطُ فِي الْعِوَضِ شُرُوطُ الثَّمَنِ مِنْ كَوْنِهِ مُتَمَوَّلًا مَعْلُومًا مَقْدُورًا عَلَى تَسْلِيمِهِ فَعَلَى هَذَا (لَوْ خَالَعَ بِمَجْهُولٍ) كَأَحَدِ الْعَبْدَيْنِ (أَوْ خَمْرٍ) مَعْلُومَةٍ أَوْ نَحْوِهَا مِمَّا لَا يُتَمَلَّكُ (بَانَتْ بِمَهْرِ مِثْلٍ) لِأَنَّهُ الْمُرَادُ عِنْدَ فَسَادِ الْعِوَضِ (وَفِي قَوْلٍ بِبَدَلِ الْخَمْرِ) وَهُوَ قَدْرُهَا مِنْ الْعَصِيرِ كَالْقَوْلَيْنِ فِي إصْدَاقِهَا.
تَنْبِيهٌ: أَشَارَ بِالتَّمْثِيلِ بِالْخَمْرِ إلَى النَّجَسِ الْمَقْصُودِ فَخَرَجَ مَا لَا يُقْصَدُ كَالدَّمِ فَإِنَّهُ يَقَعُ رَجْعِيًّا؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَطْمَعْ فِي شَيْءٍ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: وَقَدْ يُتَوَقَّفُ فِي هَذَا، فَإِنَّ الدَّمَ قَدْ يُقْصَدُ لِأَغْرَاضٍ، وَرَدَّهُ ابْنُ الرِّفْعَةِ بِأَنَّهَا أَغْرَاضٌ تَافِهَةٌ فَهِيَ كَالْعَدَمِ، وَلَا يَخْفَى أَنَّ خُلْعَ الْكُفَّارِ بِعِوَضٍ غَيْرِ مَالٍ صَحِيحٌ كَمَا فِي أَنْكِحَتِهِمْ، فَإِنْ وَقَعَ إسْلَامٌ بَعْدَ قَبْضِهِ كُلِّهِ فَلَا شَيْءَ لَهُ عَلَيْهَا، أَوْ قَبْلَ قَبْضِ شَيْءٍ مِنْهُ فَلَهُ مَهْرُ الْمِثْلِ، أَوْ بَعْدَ قَبْضِ بَعْضِهِ فَالْقِسْطُ، وَلَوْ خَالَعَهَا عَلَى عَيْنٍ فَتَلِفَتْ قَبْلَ الْقَبْضِ أَوْ خَرَجَتْ مُسْتَحَقَّةً أَوْ مُعَيَّنَةً فَرَدَّهَا، أَوْ فَاتَتْ مِنْهَا صِفَةٌ مَشْرُوطَةٌ فَرَدَّهَا رَجَعَ عَلَيْهَا بِمَهْرِ الْمِثْلِ، وَالْعِوَضُ فِي يَدِهَا كَالْمَهْرِ فِي يَدِهِ فِي أَنَّهُ مَضْمُونٌ ضَمَانَ عَقْدٍ، وَقِيلَ: ضَمَانَ يَدٍ، وَمَحَلُّ الْبَيْنُونَةِ بِالْمَجْهُولِ إذَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ تَعْلِيقٌ، أَوْ عُلِّقَ بِإِعْطَاءِ مَجْهُولٍ يُمْكِنُ إعْطَاؤُهُ مَعَ الْجَهَالَةِ.
أَمَّا إذَا قَالَ: إنْ أَبْرَأْتِنِي مِنْ صَدَاقِك، أَوْ مِنْ دَيْنِك فَأَنْتِ طَالِقٌ فَأَبْرَأَتْهُ وَهِيَ جَاهِلَةٌ بِهِ لَمْ تَطْلُقْ؛ لِأَنَّ الْإِبْرَاءَ لَمْ يَصِحَّ فَلَمْ يُوجَدْ مَا عَلَّقَ عَلَيْهِ الطَّلَاقَ، قَالَهُ السُّبْكِيُّ وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ وَكَلَامُ الْمَاوَرْدِيُّ يُوَافِقُهُ، وَفِي كَلَامِ الْقَفَّالِ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ، وَفِي كَلَامِ ابْنِ الصَّلَاحِ مَا يُخَالِفُهُ، وَجَرَى عَلَيْهِ فِي الْأَنْوَارِ فَقَالَ: لَوْ قَالَ: إنْ أَبْرَأْت فَأَنْتِ طَالِقٌ، فَأَنْتِ طَالِقٌ، فَأَبْرَأَتْهُ جَاهِلَةً بِهِ لَمْ تَطْلُقْ، بِخِلَافِ إنْ أَبْرَأْتِنِي، وَمَحَلُّ وُقُوعِ الطَّلَاقِ عِنْدَ التَّعْلِيقِ بِالْبَرَاءَةِ مِنْ الصَّدَاقِ، أَوْ الدَّيْنِ إذَا كَانَ مَعْلُومًا مَا إذَا لَمْ يَتَعَلَّقْ بِذَلِكَ الدَّيْنِ زَكَاةٌ، فَإِنْ تَعَلَّقَتْ بِهِ الزَّكَاةُ وَأَبْرَأَتْهُ لَمْ يَقَعْ الطَّلَاقُ؛ لِأَنَّ الطَّلَاقَ مُعَلَّقٌ عَلَى الْبَرَاءَةِ مِنْ جَمِيعِ الدَّيْنِ، وَالدَّيْنُ قَدْ اسْتَحَقَّ بَعْضَهُ الْفُقَرَاءُ، فَلَا تَصِحُّ الْبَرَاءَةُ

وَلَهُمَا التَّوْكِيلُ، فَلَوْ قَالَ لِوَكِيلِهِ خَالِعْهَا بِمِائَةٍ لَمْ يَنْقُصْ مِنْهَا، وَإِنْ أَطْلَقَ لَمْ يَنْقُصْ عَنْ مَهْرِ مِثْلٍ، فَإِنْ نَقَصَ فِيهِمَا

[مغني المحتاج]

مِنْ ذَلِكَ الْبَعْضِ فَلَمْ تُوجَدْ الصِّفَةُ، كَمَا لَوْ بَاعَ الْمَالَ الَّذِي تَعَلَّقَتْ بِهِ الزَّكَاةُ بَعْدَ الْحَوْلِ فَإِنَّهُ يَبْطُلُ فِي قَدْرِهَا، نَبَّهَ عَلَيْهِ ابْنُ الْعِمَادِ وَهُوَ حَسَنٌ وَإِنْ نَظَرَ فِيهِ بَعْضُهُمْ.
فَائِدَةٌ: الْإِبْرَاءُ مِنْ جِهَةِ الْمُبْرِئِ تَمْلِيكٌ، وَمِنْ جِهَةِ الْمُبْرَإِ إسْقَاطٌ فَيُشْتَرَطُ عِلْمُ الْأَوَّلِ دُونَ الثَّانِي، هَذَا إذَا لَمْ يَئُلْ الْأَمْرُ فِيهِ إلَى مُعَاوَضَةٍ كَمَا هُنَا وَإِلَّا فَيُشْتَرَطُ عِلْمُهُمَا.
قَالَ الزَّرْكَشِيُّ فِي قَوَاعِدِهِ: أَمَّا فِي الْخُلْعِ فَلَا بُدَّ مِنْ عِلْمِ الزَّوْجِ بِمِقْدَارِ مَا أَبْرَأَتْهُ مِنْهُ قَطْعًا لِأَنَّهُ يَئُولُ إلَى الْمُعَاوَضَةِ.
قَالَ: وَقَدْ غَلِطَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ جَمَاعَةٌ وَأَخَذُوا بِظَاهِرِ كَلَامِ الْأَصْحَابِ أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ عِلْمُ الْمُبْرَأِ عَلَى إطْلَاقِهِ، وَيُسْتَثْنَى مِنْ الْبَيْنُونَةِ بِالْخَمْرِ مَا لَوْ خَالَعَ مَعَ غَيْرِ الزَّوْجَةِ مِنْ أَبٍ أَوْ أَجْنَبِيٍّ عَلَى هَذَا الْخَمْرِ، أَوْ الْمَغْصُوبِ، أَوْ عَبْدِهَا هَذَا، أَوْ عَلَى صَدَاقِهَا وَلَمْ يُصَرِّحْ بِنِيَابَةٍ وَلَا اسْتِقْلَالٍ، بَلْ أَطْلَقَ فَيَقَعُ رَجْعِيًّا، وَلَيْسَ لَنَا صُورَةٌ تَقَعُ بِسَبَبِ ذَلِكَ رَجْعِيًّا وَلَا مَهْرَ سِوَاهَا.

فَرْعٌ: لَوْ خَالَعَهَا بِمَا فِي كَفِّهَا وَلَمْ يَكُنْ فِيهِ شَيْءٌ، فَفِي الرَّافِعِيِّ عَنْ الْوَسِيطِ وُقُوعُ الطَّلَاقِ رَجْعِيًّا، وَعَنْ غَيْرِهِ وُقُوعُهُ بَائِنًا.
ثُمَّ قَالَ: وَيُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ الْأَوَّلُ فِيمَا إذَا كَانَ عَالِمًا بِالْحَالِ.
وَالثَّانِي: فِيمَا إذَا ظَنَّ أَنَّ فِي كَفِّهَا شَيْئًا.
وَقَالَ الْمُصَنِّفُ: الْمَعْرُوفُ الَّذِي أَطْلَقَهُ الْجُمْهُورُ وُقُوعُهُ بَائِنًا بِمَهْرِ الْمِثْلِ، وَصَوَّبَهُ فِي فَتَاوِيهِ، وَهَذَا مُوَافِقٌ لِمَا نَقَلَاهُ فِي فَتَاوَى الْبَغَوِيِّ وَأَقَرَّاهُ مِنْ تَرْجِيحِ أَنَّهَا تَبِينُ بِمَهْرِ الْمِثْلِ فِيمَا لَوْ خَالَعَهَا بِبَقِيَّةِ مَهْرِهَا وَلَمْ يَكُنْ بَقِيَ مِنْهُ شَيْءٌ، وَوَجَّهَ مَا جَرَى عَلَيْهِ الْمُصَنِّفُ الْجَوْجَرِيُّ بِأَنَّ " مَا " فِي " بِمَا " فِي كَفِّهَا نَكِرَةٌ أَوْ مَوْصُولَةٌ وَكِلَاهُمَا بِمَعْنَى شَيْءٍ وَإِسْنَادُهُ إلَى كَفِّهَا يُشْبِهُ إسْنَادَ الْإِقْرَارِ بِشَيْءٍ يَرْفَعُهُ فَيَلْغُو.
فَإِنْ قِيلَ: هَذَا يُشْكِلُ بِوُقُوعِهِ رَجْعِيًّا فِي خُلْعٍ بِدَمٍ.
أُجِيبَ بِأَنَّ الدَّمَ لَا يُقْصَدُ كَمَا مَرَّ فَذِكْرُهُ صَارِفٌ لِلَّفْظِ عَنْ الْعِوَضِ بِخِلَافِ خُلْعِهَا عَلَى مَا فِي كَفِّهَا وَلَوْ مَعَ عِلْمِهِ بِأَنَّهُ لَا شَيْء فِيهِ إذْ غَايَتُهُ أَنَّهُ كَالسُّكُوتِ عَنْ ذِكْرِ الْعِوَضِ وَهُوَ لَا يَمْنَعُ الْبَيْنُونَةَ وَوُجُوبَ مَهْرِ الْمِثْلِ، وَلَوْ خَالَعَهَا بِمَعْلُومٍ وَمَجْهُولٍ فَسَدَ الْمُسَمَّى وَوَجَبَ مَهْرُ الْمِثْلِ، بِخِلَافِ الْخُلْعِ عَلَى صَحِيحٍ وَفَاسِدٍ مَعْلُومٍ نَشَأَ فَاسِدُهُ مِنْ غَيْرِ الْجَهَالَةِ فَيَصِحُّ فِي الصَّحِيحِ، وَيَجِبُ فِي الْفَاسِدِ مَا يُقَابِلُهُ مِنْ مَهْرِ الْمِثْلِ.

(وَ) يَجُوزُ (لَهُمَا) أَيْ الزَّوْجَيْنِ (التَّوْكِيلُ) فِي الْخُلْعِ؛ لِأَنَّهُ عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ كَالْبَيْعِ، وَهَذَا وَاضِحٌ، وَإِنَّمَا ذُكِرَ تَوْطِئَةً لِبَيَانِ مُخَالَفَةِ الْوَكِيلِ (فَلَوْ قَالَ) الزَّوْجُ (لِوَكِيلِهِ: خَالِعْهَا بِمِائَةٍ) مِنْ دَرَاهِمَ مَثَلًا مَعْلُومَةٍ (لَمْ يَنْقُصْ) وَكِيلُهُ (مِنْهَا) لِأَنَّهُ دُونَ الْمَأْذُونِ فِيهِ، وَأَفْهَمَ جَوَازَ الزِّيَادَةِ عَلَيْهَا وَهُوَ كَذَلِكَ إنْ كَانَتْ مِنْ جِنْسِهَا قَطْعًا كَمِائَةٍ وَعَشَرَةٍ، وَكَذَا مِنْ غَيْرِهِ عَلَى الْأَصَحِّ كَمِائَةٍ وَثَوْبٍ.
فَإِنْ قِيلَ: يَنْبَغِي أَنْ لَا يَصِحَّ فِيمَا إذَا زَادَ، كَمَا لَوْ قَالَ: بِعْهُ مِنْ زَيْدٍ بِكَذَا فَبَاعَهُ بِأَكْثَرَ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَقْصِدُ مُحَابَاتَهُ.
أُجِيبَ بِأَنَّ الْخُلْعَ إنَّمَا يَقَعُ غَالِبًا عِنْدَ الشِّقَاقِ وَمَعَ ذَلِكَ يَبْعُدُ قَصْدُ الْمُحَابَاةِ (وَإِنْ أَطْلَقَ) الْإِذْنَ لِوَكِيلِهِ كَخُلْعِهَا بِمَالٍ أَوْ سَكَتَ عَنْهُ (لَمْ يَنْقُصْ عَنْ مَهْرِ مِثْلٍ) لِأَنَّهُ الْمَرَدُّ، وَلَهُ أَنْ يَزِيدَ عَلَيْهِ مِنْ جِنْسِهِ وَغَيْرِهِ كَمَا مَرَّ (فَإِنْ نَقَصَ فِيهِمَا) بِأَنْ خَالَعَ بِدُونِ الْمِائَةِ

لَمْ تَطْلُقْ، وَفِي قَوْلٍ يَقَعُ بِمَهْرِ مِثْلٍ، وَلَوْ قَالَتْ لِوَكِيلِهَا اخْتَلِعْ بِأَلْفٍ فَامْتَثَلَ نَفَذَ، وَإِنْ زَادَ فَقَالَ اخْتَلَعْتُهَا بِأَلْفَيْنِ مِنْ مَالِهَا بِوَكَالَتِهَا بَانَتْ، وَيَلْزَمُهَا مَهْرُ مِثْلٍ، وَفِي قَوْلٍ الْأَكْثَرُ مِنْهُ وَمِمَّا سَمَّتْهُ، وَإِنْ.

أَضَافَ الْوَكِيلُ الْخُلْعَ إلَى نَفْسِهِ فَخُلْعُ أَجْنَبِيٍّ وَالْمَالُ عَلَيْهِ، وَإِنْ أَطْلَقَ فَالْأَظْهَرُ أَنَّ عَلَيْهَا مَا سَمَّتْ وَعَلَيْهِ الزِّيَادَةُ.

[مغني المحتاج]

فِي الْأُولَى وَبِدُونِ مَهْرِ الْمِثْلِ فِي الثَّانِيَةِ نَقْصًا فَاحِشًا وَهُوَ مَا لَا يُحْتَمَلُ غَالِبًا (لَمْ تَطْلُقْ) لِلْمُخَالَفَةِ كَمَا لَا يَنْفُذْ بَيْعُهُ فِي مِثْلِ هَذَا (وَفِي قَوْلِهِ يَقَعُ) الطَّلَاقُ (بِمَهْرِ مِثْلٍ) لِفَسَادِ الْمُسَمَّى بِنَقْصِهِ عَنْ الْمَأْذُونِ فِيهِ وَالْمُرَادِ، وَرَجَّحَهُ فِي أَصْلِ الرَّوْضَةِ وَتَصْحِيحِ التَّنْبِيهِ فِي الثَّانِيَةِ، وَنَقَلَهُ الرَّافِعِيُّ عَنْ الْأَكْثَرِينَ، بِخِلَافِ الْأُولَى لِلْمُخَالَفَةِ فِيهَا لِصَرِيحِ الْإِذْنِ، وَهَذَا هُوَ الْمُعْتَمَدُ كَمَا قَالَ الْإِسْنَوِيُّ: إنَّ الْفَتْوَى عَلَيْهِ.
تَنْبِيهٌ: يَلْتَحِقُ بِنُقْصَانِهِ عَنْ الْمُسَمَّى أَوْ مَهْرِ الْمِثْلِ مَا لَوْ خَالَعَ بِمُؤَجَّلٍ أَوْ بِغَيْرِ نَقْدِ الْبَلَدِ (وَلَوْ قَالَتْ لِوَكِيلِهَا: اخْتَلِعْ بِأَلْفٍ) مِنْ الدَّرَاهِمِ مَثَلًا (فَامْتَثَلَ نَفَذَ) لِوُقُوعِهِ كَمَا أَمَرَتْهُ، كَذَا إنْ اخْتَلَعَ بِأَقَلَّ مِنْ أَلْفٍ كَمَا فِي الْمُحَرَّرِ وَحَذَفَهُ الْمُصَنِّفُ؛ لِأَنَّهُ يُفْهَمُ مِنْ بَابِ أَوْلَى، وَفِي تَسْلِيمِ الْوَكِيلِ الْأَلْفَ بِغَيْرِ إذْنٍ جَدِيدٍ وَجْهَانِ أَوْجَهُهُمَا كَمَا قَالَهُ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ الْمَنْعُ (إنْ زَادَ) وَكِيلُهَا عَلَى مَا سَمَّتْهُ لَهُ (فَقَالَ: اخْتَلَعْتُهَا بِأَلْفَيْنِ) مَثَلًا (مِنْ مَالِهَا بِوَكَالَتِهَا بَانَتْ) عَلَى النَّصِّ (وَيَلْزَمُهَا مَهْرُ مِثْلٍ) لِفَسَادِ الْمُسَمَّى بِزِيَادَتِهِ عَلَى الْمَأْذُونِ فِيهِ، سَوَاءٌ أَكَانَ زَائِدًا عَلَى مَا سَمَّتْ لِلْوَكِيلِ أَمْ نَاقِصًا (وَفِي قَوْلٍ:) يَلْزَمُهَا (الْأَكْثَرُ مِنْهُ) أَيْ مَهْرِ الْمِثْلِ (وَمِمَّا سَمَّتْهُ) لِلْوَكِيلِ؛ لِأَنَّ مَهْرَ الْمِثْلِ إنْ كَانَ أَكْثَرَ فَهُوَ الْمَرْجُوعُ إلَيْهِ عِنْدَ فَسَادِ الْمُسَمَّى، فَإِنْ كَانَ الَّذِي سَمَّتْهُ أَكْثَرَ فَقَدْ رَضِيَتْ بِهِ.
تَنْبِيهٌ: مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ فِي حِكَايَةِ هَذَا الْقَوْلِ تَبِعَ فِيهِ الْمُحَرَّرَ، وَالصَّوَابُ فِيهِ مَا جَوَّزَاهُ فِي الشَّرْحِ وَالرَّوْضَةِ أَنَّهُ الْأَكْثَرُ مِمَّا سَمَّتْهُ هِيَ، وَمِنْ أَقَلِّ الْأَمْرَيْنِ مِنْ مَهْرِ الْمِثْلِ، وَمِمَّا سَمَّاهُ الْوَكِيلُ، وَلَوْ قَالَ الْمُصَنِّفُ: مَا لَمْ يَزِدْ مَهْرُ الْمِثْلِ عَلَى مُسَمَّى الْوَكِيلِ، فَإِنْ زَادَ وَجَبَ مَا سَمَّاهُ لَاسْتَقَامَ، فَلَوْ كَانَ مَهْرُ الْمِثْلِ أَلْفَيْنِ وَسَمَّتْ أَلْفًا فَسَمَّى الْوَكِيلُ أَلْفًا وَخَمْسَمِائَةٍ لَزِمَهَا عَلَى قَضِيَّةِ مَا فِي الْكِتَابِ، وَعَلَى الْقَوْلِ الثَّانِي أَلْفَانِ، وَعَلَى مَا فِي الشَّرْحِ وَالرَّوْضَةِ أَلْفٌ وَخَمْسُمِائَةٍ، وَلَا يُطَالِبُ وَكِيلُهَا بِمَا لَزِمَهَا إلَّا إنْ ضَمِنَ كَأَنْ يَقُولَ: عَلَى أَنِّي ضَامِنٌ، فَيُطَالِبُ بِمَا سُمِّيَ وَإِنْ زَادَ عَلَى مَهْرِ الْمِثْلِ (وَإِنْ) لَمْ يَقُلْ الْوَكِيلُ فِي الصُّورَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ بِوَكَالَتِهَا بَلْ.

(أَضَافَ الْوَكِيلُ الْخُلْعَ إلَى نَفْسِهِ فَخُلْعُ أَجْنَبِيٍّ) وَهُوَ صَحِيحٌ كَمَا سَيَأْتِي (وَالْمَالُ عَلَيْهِ) وَلَا شَيْءَ عَلَيْهَا مِنْهُ؛ لِأَنَّ إضَافَتَهُ إلَى نَفْسِهِ إعْرَاضٌ عَنْ التَّوْكِيلِ وَاسْتِبْدَادٌ بِالْخُلْعِ مَعَ الزَّوْجِ (وَإِنْ أَطْلَقَ) الْوَكِيلُ الْخُلْعَ بِأَنْ لَمْ يُضِفْهُ إلَيْهِ وَلَا إلَيْهَا وَقَدْ نَوَاهَا (فَالْأَظْهَرُ أَنَّ عَلَيْهَا مَا سَمَّتْ) لِالْتِزَامِهَا إيَّاهُ (وَعَلَيْهِ الزِّيَادَةُ) لِأَنَّهَا لَمْ تَرْضَ بِأَكْثَرَ مِمَّا سَمَّتْهُ، فَعَلَى كُلٍّ مِنْهُمَا فِي الصُّورَةِ الْمَذْكُورَةِ أَلْفٌ، لَكِنْ يُطَالِبُ بِمَا سَمَّاهُ؛ لِأَنَّهُ الْتَزَمَهُ بِعَقْدِهِ ثُمَّ يَرْجِعُ بِمَا سَمَّتْهُ إذَا غَرَّمَهُ، وَلِلزَّوْجِ مُطَالَبَتُهَا بِمَا لَزِمَهَا.
وَالثَّانِي: عَلَيْهَا أَكْثَرُ

وَيَجُوزُ تَوْكِيلُهُ ذِمِّيًّا.

وَعَبْدًا وَمَحْجُورًا عَلَيْهِ بِسَفَهٍ، وَلَا يَجُوزُ تَوْكِيلُ مَحْجُورٍ عَلَيْهِ فِي قَبْضِ الْعِوَضِ.

وَالْأَصَحُّ صِحَّةُ تَوْكِيلِهِ امْرَأَةً بِخُلْعِ زَوْجَتِهِ أَوْ طَلَاقِهَا.

وَلَوْ وَكَّلَا

[مغني المحتاج]

الْأَمْرَيْنِ مِمَّا سَمَّتْهُ وَمِنْ مَهْرِ الْمِثْلِ مَا لَمْ يَزِدْ عَلَى مُسَمَّى الْوَكِيلِ كَمَا مَرَّ، وَعَلَيْهِ التَّكْمِلَةُ إنْ نَقَصَ عَنْهُ، وَلَوْ أَضَافَ الْوَكِيلُ مَا سَمَّتْهُ إلَيْهَا وَالزِّيَادَةَ إلَى نَفْسِهِ ثَبَتَ الْمَالُ كَذَلِكَ، وَلَوْ أَطْلَقَتْ التَّوْكِيلَ بِالِاخْتِلَاعِ فَكَأَنَّهَا قَدَّرَتْ مَهْرَ الْمِثْلِ فَلَا يَزِيدُ الْوَكِيلُ عَلَيْهِ، فَإِنْ زَادَ عَلَيْهِ وَجَبَ مَهْرُ مِثْلٍ وَعَلَيْهِ مَا زَادَ، كَمَا لَوْ زَادَ عَلَى الْمُقَدَّرِ، وَلَوْ خَالَعَ وَكِيلُهَا الزَّوْجَ بِنَحْوِ خَمْرٍ كَخِنْزِيرٍ وَلَوْ بِإِذْنِهَا فِيهِ نَفَذَ؛ لِأَنَّهُ وَقَعَ بِعِوَضٍ مَقْصُودٍ وَلَزِمَهَا مَهْرُ الْمِثْلِ لِفَسَادِ الْعِوَضِ، وَإِنْ خَالَعَ وَكِيلُ الزَّوْجِ بِنَحْوِ خَمْرٍ وَكَانَ قَدْ وَكَّلَهُ بِذَلِكَ نَفَذَ أَيْضًا بِمَهْرِ الْمِثْلِ لِمَا مَرَّ.
نَعَمْ إنْ خَالَفَ وَكِيلُهُ فَأَبْدَلَ خَمْرًا وَكَّلَهُ بِالْخُلْعِ بِهَا بِخِنْزِيرٍ لَغَا؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مَأْذُونٍ فِيهِ.

(وَيَجُوزُ تَوْكِيلُهُ) أَيْ الزَّوْجِ فِي الْخُلْعِ وَلَوْ مِنْ مُسْلِمَةٍ (ذِمِّيًّا) أَوْ غَيْرَهُ وَلَوْ عَبَّرَ بِالْكَافِرِ كَانَ أَوْلَى؛ لِأَنَّهُ قَدْ يُخَالِعُ الْمُسْلِمَةَ أَوْ يُطَلِّقُهَا وَلَوْ كَانَ وَثَنِيًّا، أَلَا تَرَى أَنَّهَا لَوْ أَسْلَمَتْ وَتَخَلَّفَ وَخَالَعَهَا فِي الْعِدَّةِ أَوْ طَلَّقَهَا ثُمَّ أَسْلَمَ حُكِمَ بِصِحَّةِ الْخُلْعِ وَالطَّلَاقِ.

(وَ) يَجُوزُ تَوْكِيلُهُ (عَبْدًا) وَإِنْ لَمْ يَأْذَنْ السَّيِّدُ (وَمَحْجُورًا عَلَيْهِ بِسَفَهٍ) وَإِنْ لَمْ يَأْذَنْ الْوَلِيُّ إذْ لَا يَتَعَلَّقُ بِالْوَكِيلِ هُنَا عُهْدَةٌ (وَلَا يَجُوزُ) بِمَعْنَى لَا يَصِحُّ (تَوْكِيلُ مَحْجُورٍ عَلَيْهِ) بِسَفَهٍ (فِي قَبْضِ الْعِوَضِ) لِأَنَّهُ لَيْسَ أَهْلًا لَهُ، فَإِنْ وَكَّلَهُ وَقَبَضَ كَانَ الزَّوْجُ مُضَيِّعًا لِمَالِهِ، وَيَبْرَأُ الْمُخَالِعُ بِالدَّفْعِ، قَالَهُ فِي التَّتِمَّةِ وَأَقَرَّاهُ، وَحَمَلَهُ السُّبْكِيُّ وَغَيْرُهُ عَلَى عِوَضٍ مُعَيَّنٍ أَوْ غَيْرِ مُعَيَّنٍ، وَعَلَّقَ الطَّلَاقَ بِدَفْعِهِ، فَإِنْ كَانَ فِي الذِّمَّةِ لَمْ يَصِحَّ الْقَبْضُ؛ لِأَنَّ مَا فِي الذِّمَّةِ لَا يَتَعَيَّنُ إلَّا بِقَبْضٍ صَحِيحٍ، فَإِذَا تَلِفَ كَانَ عَلَى الْمُلْتَزِمِ وَبَقِيَ حَقُّ الزَّوْجِ فِي ذِمَّتِهِ.
تَنْبِيهٌ: كَلَامُ الْمُصَنِّفِ يُفْهِمُ امْتِنَاعَ تَوْكِيلِ الزَّوْجَةِ لِهَؤُلَاءِ وَلَيْسَ عَلَى إطْلَاقِهِ بَلْ يَجُوزُ تَوْكِيلُهَا الْكَافِرَ وَالْعَبْدَ وَإِنْ لَمْ يَأْذَنْ لَهُ السَّيِّدُ، فَإِنْ أَضَافَ الْمَالَ إلَيْهَا فَهِيَ الْمُطَالَبَةُ بِهِ، وَإِنْ أَطْلَقَ وَلَمْ يَأْذَنْ السَّيِّدُ فِي الْوَكَالَةِ طُولِبَ بِالْمَالِ بَعْدَ الْعِتْقِ وَإِذَا غَرَّمَهُ رَجَعَ بِهِ عَلَى الزَّوْجَةِ إذَا قَصَدَ الرُّجُوعَ، وَإِنْ أَذِنَ السَّيِّدُ فِي الْوَكَالَةِ تَعَلَّقَ الْمَالُ بِكَسْبِ الْعَبْدِ وَنَحْوِهِ، فَإِذَا أَدَّى مِنْ ذَلِكَ رَجَعَ بِهِ عَلَيْهَا.
وَأَمَّا الْمَحْجُورُ عَلَيْهِ بِسَفَهٍ فَلَا يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ وَكِيلًا عَنْهَا، وَإِنْ أَذِنَ لَهُ الْوَلِيُّ إلَّا إذَا أَضَافَ الْمَالَ إلَيْهَا فَتَبِينُ وَيَلْزَمُهَا، إذْ لَا ضَرَرَ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ، فَإِنْ أَطْلَقَ وَقَعَ الطَّلَاقُ رَجْعِيًّا كَاخْتِلَاعِ السَّفِيهَةِ.

(وَالْأَصَحُّ) الْمَنْصُوصُ (صِحَّةُ تَوْكِيلِهِ) أَيْ الزَّوْجِ (امْرَأَةً بِخُلْعٍ) أَيْ فِي خُلْعِ (زَوْجَتِهِ أَوْ طَلَاقِهَا) لِأَنَّهُ يَصِحُّ أَنْ تُطَلِّقَ الْمَرْأَةُ نَفْسَهَا فِيمَا إذَا فَوَّضَ طَلَاقَ نَفْسِهَا إلَيْهَا وَهُوَ تَوْكِيلٌ أَوْ تَمْلِيكٌ كَمَا سَيَأْتِي، فَإِنْ كَانَ تَوْكِيلًا فَهُوَ مَا نَحْنُ فِيهِ، وَإِنْ كَانَ تَمْلِيكًا فَمَنْ صَحَّ أَنْ يَمْلِكَ شَيْئًا صَحَّ تَوْكِيلُهُ فِيهِ.
وَالثَّانِي: لَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّهَا لَا تَسْتَقِلُّ بِالطَّلَاقِ.
تَنْبِيهٌ: أَفْهَمَ كَلَامُهُ أَنَّ تَوْكِيلَ الزَّوْجَةِ امْرَأَةً فِي خُلْعِهَا صَحِيحٌ قَطْعًا وَهُوَ كَذَلِكَ، وَيُسْتَثْنَى مِنْ إطْلَاقِهِ مَا لَوْ أَسْلَمَ عَلَى أَكْثَرِ مِنْ أَرْبَعٍ، ثُمَّ وَكَّلَ امْرَأَةً فِي طَلَاقِ بَعْضِهِنَّ فَإِنَّهُ لَا يَصِحُّ لِتَضَمُّنِهِ الِاخْتِيَارَ لِلنِّكَاحِ، وَلَا يَصِحُّ تَوْكِيلُهَا لِلِاخْتِيَارِ فِي النِّكَاحِ، فَكَذَا اخْتِيَارُ الْفِرَاقِ.

(وَلَوْ وَكَّلَا) أَيْ

فصول الكتاب · 11 فصل · 627 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول مغني المحتاج إلى معرفة معاني ألفاظ المنهاج · 627 صفحة
المقدمة
بَابُ صَلَاةِ الْمُسَافِرِ
بَابُ صَلَاةِ الْكُسُوفَيْنِ
بَابُ زَكَاةِ النَّقْدِبَابُ زَكَاةِ الْمَعْدِن وَالرِّكَازِ وَالتِّجَارَةِ
بَاب زَكَاةِ الْفِطْرِ
كتاب البيع
بَابُ الضَّمَانِ
بَابُ مَا يَحْرُمُ مِنْ النِّكَاحِ
بَابُ نِكَاحِ الْمُشْرِكِ
بَابُ قَاطِعِ الطَّرِيقِ
جارٍ التحميل