تَحْتَ رِجْلِهِ صَحَّتْ مُطْلَقًا، وَلَا يَضُرُّ نَجَسٌ يُحَاذِي صَدْرَهُ فِي الرُّكُوعِ، وَالسُّجُودِ عَلَى الصَّحِيحِ.
وَلَوْ وَصَلَ عَظْمَهُ بِنَجَسٍ لِفَقْدِ الطَّاهِرِ فَمَعْذُورٌ، وَإِلَّا وَجَبَ نَزْعُهُ إنْ لَمْ يَخَفْ ضَرَرًا ظَاهِرًا.
[مغني المحتاج]
عَلَى نَجَسٍ (تَحْتَ رِجْلِهِ صَحَّتْ) صَلَاتُهُ (مُطْلَقًا) سَوَاءٌ أَتَحَرَّكَ بِحَرَكَتِهِ أَمْ لَا؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ لَابِسًا، وَلَا حَامِلًا، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ صَلَّى عَلَى بِسَاطٍ طَرَفُهُ نَجَسٌ أَوْ مَفْرُوشٌ عَلَى نَجَسٍ أَوْ عَلَى سَرِيرٍ قَوَائِمُهُ فِي نَجَسٍ.
قَالَ فِي الْمَجْمُوعِ: وَلَوْ حُبِسَ فِي مَكَان نَجَسٍ صَلَّى، وَتَجَافَى عَنْ النَّجَسِ قَدْرَ مَا يُمْكِنُهُ،، وَلَا يَجُوزُ وَضْعُ جَبْهَتِهِ بِالْأَرْضِ بَلْ يَنْحَنِي بِالسُّجُودِ إلَى قَدْرٍ لَوْ زَادَ عَلَيْهِ لَاقَى النَّجِسَ ثُمَّ يُعِيدُ (وَلَا يَضُرُّ) فِي صِحَّةِ الصَّلَاةِ (نَجَسٌ يُحَاذِي صَدْرَهُ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ) وَغَيْرِهِمَا (عَلَى الصَّحِيحِ) لِعَدَمِ مُلَاقَاتِهِ لَهُ.
وَالثَّانِي يَضُرُّ؛ لِأَنَّهُ مَنْسُوبٌ إلَيْهِ لِكَوْنِهِ مَكَانَ صَلَاتِهِ فَتَعَيَّنَ طَهَارَتُهُ كَاَلَّذِي يُلَاقِيهِ.
أَمَّا إذَا لَاقَاهُ فَتَبْطُلُ جَزْمًا كَمَا عُلِمَ مِمَّا مَرَّ، وَشَمِلَ مَا ذُكِرَ مَا لَوْ صَلَّى مَاشِيًا وَبَيْنَ خُطُوَاتِهِ نَجَاسَةٌ، وَلِذَلِكَ قِيلَ لَوْ عَبَّرَ بِيُحَاذِي شَيْئًا مِنْ بَدَنِهِ لَكَانَ أَشْمَلَ وَقَدْ عَبَرَ بِهِ فِي الرَّوْضَةِ، وَاعْتُرِضَ بِأَنَّهُ يُوهِمُ طَرْدَ الْخِلَافِ فِي الْأَعْلَى وَالْجَوَانِبِ كَسَقْفِ الْبَيْتِ وَحِيطَانِهِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ قَطْعًا، وَرُدَّ بِأَنَّ الْمُحِبَّ الطَّبَرِيَّ ذَكَرَ فِي شَرْحِ التَّنْبِيهِ أَنَّهُ يُكْرَهُ اسْتِقْبَالُ الْجِدَارِ النَّجِسِ، وَفِي الْكِفَايَةِ عَنْ الْقَاضِي حُسَيْنٍ جَرَيَانُ الْخِلَافِ فِيمَا لَوْ كَانَ يُصَلِّي مَاشِيًا وَكَانَ بَيْنَ خُطُوَاتِهِ نَجَاسَةٌ كَمَا مَرَّ، وَفِيمَا إذَا جَعَلَ عَلَى النَّجَاسَةِ ثَوْبًا مُهَلْهَلَ النَّسْجِ، وَصَلَّى عَلَيْهِ، فَإِنْ حَصَلَتْ مُمَاسَّةُ النَّجَاسَةِ مِنْ الْفُرَجِ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ.
(وَلَوْ وَصَلَ عَظْمَهُ) لِانْكِسَارِهِ مَثَلًا وَاحْتِيَاجِهِ إلَى الْوَصْلِ (بِنَجَسٍ لِفَقْدِ الطَّاهِرِ) الصَّالِحِ لِلْوَصْلِ أَوْ وَجَدَهُ، وَقَالَ أَهْلُ الْخِبْرَةِ: إنَّهُ لَا يَنْفَعُ وَوَصَلَهُ بِالنَّجَسِ (فَمَعْذُورٌ) فِي ذَلِكَ فَتَصِحُّ صَلَاتُهُ مَعَهُ لِلضَّرُورَةِ.
قَالَ فِي الرَّوْضَةِ كَأَصْلِهَا: وَلَا يَلْزَمُهُ نَزْعُهُ إذَا وَجَدَ الطَّاهِرَ.
اهـ.
وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا يَجِبُ نَزْعُهُ، وَإِنْ لَمْ يَخَفْ ضَرَرًا، وَهُوَ كَذَلِكَ،، وَإِنْ قَالَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ: إنَّ مَحَلَّهُ إذَا خَافَ مِنْ نَزْعِهِ ضَرَرًا، وَإِلَّا وَجَبَ نَزْعُهُ، وَلَوْ قَالَ أَهْلُ الْخِبْرَةِ: إنَّ لَحْمَ الْآدَمِيِّ لَا يَنْجَبِرُ سَرِيعًا إلَّا بِعَظْمِ نَحْوِ كَلْبٍ، فَيَتَّجِهُ كَمَا قَالَ الْإِسْنَوِيُّ إنَّهُ عُذْرٌ، وَهُوَ قِيَاسُ مَا ذَكَرُوهُ فِي التَّيَمُّمِ فِي بُطْءِ الْبُرْءِ وَعَظْمِ غَيْرِهِ مِنْ الْآدَمِيِّينَ فِي تَحْرِيمِ الْوَصْلِ بِهِ وَوُجُوبِ نَزْعِهِ كَالْعَظْمِ النَّجِسِ، وَظَاهِرُ هَذَا أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْآدَمِيِّ الْمُحْتَرَمِ وَغَيْرِهِ، وَهُوَ كَذَلِكَ، وَإِنْ قَالَ الْأَذْرَعِيُّ: إنَّ فِي النَّفْسِ مِنْ عَظْمِ غَيْرِ الْمُحْتَرَمِ كَالْحَرْبِيِّ وَالْمُرْتَدِّ شَيْئًا (وَإِلَّا) أَيْ: وَإِنْ وَصَلَهُ بِهِ مَعَ وُجُودِ الطَّاهِرِ الصَّالِحِ، وَلَمْ يَحْتَجْ إلَى الْوَصْلِ حَرُمَ عَلَيْهِ لِتَعَدِّيهِ (وَجَبَ) عَلَيْهِ (نَزْعُهُ) وَأُجْبِرَ عَلَى ذَلِكَ (إنْ لَمْ يَخَفْ ضَرَرًا ظَاهِرًا) ، وَهُوَ مَا يُبِيحُ التَّيَمُّمَ.
وَلَوْ اكْتَسَى لَحْمًا لِحَمْلِهِ نَجَاسَةً تَعَدَّى بِحَمْلِهَا مَعَ تَمَكُّنِهِ مِنْ إزَالَتِهَا كَوَصْلِ الْمَرْأَةِ شَعْرَهَا بِشَعْرٍ نَجَسٍ، فَإِنْ امْتَنَعَ لَزِمَ الْحَاكِمَ نَزْعُهُ؛ لِأَنَّهُ مِمَّا تَدْخُلُهُ النِّيَابَةُ كَرَدِّ الْمَغْصُوبِ، وَلَا مُبَالَاةَ بِأَلَمِهِ فِي الْحَالِ إذَا لَمْ يَخَفْ مِنْهُ فِي الْمَآلِ، وَلَا تَصِحُّ صَلَاتُهُ مَعَهُ لِأَنَّهُ حَامِلٌ لِنَجَاسَةٍ فِي غَيْرِ مَعْدِنِهَا تَعَدَّى بِحَمْلِهَا وَيُمْكِنُهُ إزَالَتُهَا، بِخِلَافِ شَارِبِ الْخَمْرِ، فَإِنَّهُ تَصِحُّ صَلَاتُهُ، وَإِنْ لَمْ يَتَقَايَأْ مَا شَرِبَهُ تَعَدِّيًا لِحُصُولِهِ فِي مَعْدِنِ النَّجَاسَةِ
قِيلَ، وَإِنْ خَافَ فَإِنْ مَاتَ لَمْ يُنْزَعْ عَلَى الصَّحِيحِ.
[مغني المحتاج]
(قِيلَ) ، وَيَجِبُ نَزْعُهُ أَيْضًا (وَإِنْ خَافَ) ضَرَرًا ظَاهِرًا لِتَعَدِّيهِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يُؤَدِّي إلَى أَنْ يُصَلِّيَ بَقِيَّةَ عُمْرِهِ بِنَجَاسَةٍ تَعَدَّى بِحَمْلِهَا وَنَحْنُ نَقْتُلُهُ بِتَرْكِ صَلَاةٍ وَاحِدَةٍ وَالْأَصَحُّ عَدَمُ الْوُجُوبِ رِعَايَةً لِخَوْفِ الضَّرَرِ فَتَصِحُّ صَلَاتُهُ، وَكَذَا إمَامَتُهُ فِي أَحَدِ وَجْهَيْنِ يَظْهَرُ تَرْجِيحُهُ كَصِحَّةِ صَلَاةِ الطَّاهِرَةِ خَلْفَ الْمُسْتَحَاضَةِ، وَقِيلَ: إنْ اسْتَتَرَ بِاللَّحْمِ لَمْ يَجِبْ نَزْعُهُ، وَقِيلَ: إنْ خَافَ تَلَفَ نَفْسٍ أَوْ عُضْوٍ أَوْ مَنْفَعَةٍ لَمْ يَجِبْ، وَإِلَّا وَجَبَ، وَقَالَ الْأَذْرَعِيُّ: إنَّهُ الَّذِي اشْتَمَلَ عَلَيْهِ أَكْثَرُ الْكُتُبِ.
(فَإِنْ مَاتَ) مَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ النَّزْعُ (لَمْ يَنْزَعْ عَلَى الصَّحِيحِ) الْمَنْصُوصِ لِهَتْكِ حُرْمَتِهِ وَلِسُقُوطِ التَّعَبُّدِ عَنْهُ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: وَقَضِيَّةُ التَّعْدِيلِ الْأَوَّلِ تَحْرِيمُ النَّزْعِ وَالثَّانِي حِلُّهُ.
اهـ.
وَاَلَّذِي صَرَّحَ بِهِ الْمَاوَرْدِيُّ وَالرُّويَانِيُّ، وَنَقَلَهُ فِي الْبَيَانِ عَنْ عَامَّةِ الْأَصْحَابِ تَحْرِيمَهُ مَعَ تَعْلِيلِهِمْ بِالثَّانِي، وَهَذَا هُوَ الْمُعْتَمَدُ، وَإِنْ كَانَ قَضِيَّةُ كَلَامِ الْمُحَرَّرِ وَغَيْرِهِ الْحِلَّ.
وَالثَّانِي: يُنْزَعُ لِئَلَّا يَلْقَى اللَّهَ تَعَالَى حَامِلًا لِنَجَاسَةٍ تَعَدَّى بِحَمْلِهَا.
فَإِنْ قِيلَ: هَذَا التَّعْلِيلُ لَا يَتَأَتَّى عَلَى مَذْهَبِ أَهْلِ السُّنَّةِ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُعِيدُ جَمِيعَ أَجْزَاءِ الْمَيِّتِ حَتَّى مَا احْتَرَقَ كَمَا كَانَتْ.
أُجِيبَ بِأَنْ يَلْقَاهُ فِي الْقَبْرِ، فَإِنَّهُ فِي مَعْنَى لِقَاءِ اللَّهِ تَعَالَى، وَقِيلَ: إنَّ الْمُعَادَ مِنْ أَجْزَاءِ الْمَيِّتِ هُوَ الَّتِي مَاتَ عَلَيْهَا، وَبِالْجُمْلَةِ، فَالْأَوْلَى أَنْ يُعَلِّلَ بِأَنَّهُ يَجِبُ غَسْلُ الْمَيِّتِ طَلَبًا لِلطَّهَارَةِ لِئَلَّا يَبْقَى عَلَيْهِ نَجَاسَةٌ، وَهَذَا نَجَسٌ فَتَجِبُ إزَالَتُهُ.
فُرُوعٌ: الْوَشْمُ، وَهُوَ غَرْزُ الْجِلْدِ بِالْإِبْرَةِ حَتَّى يَخْرُجَ الدَّمُ ثُمَّ يُذَرُّ عَلَيْهِ نَحْوُ نِيلَةٍ لِيَزْرَقَّ أَوْ يَخْضَرَّ بِسَبَبِ الدَّمِ الْحَاصِلِ بِغَرْزِ الْإِبْرَةِ حَرَامٌ لِخَبَرِ الصَّحِيحَيْنِ «لَعَنَ اللَّهُ الْوَاصِلَةَ، وَالْمُسْتَوْصِلَةَ، وَالْوَاشِمَةَ، وَالْمُسْتَوْشِمَةَ، وَالْوَاشِرَةَ، وَالْمُسْتَوْشِرَةَ، وَالنَّامِصَةَ، وَالْمُتَنَمِّصَةَ» (1) أَيْ: فَاعِلَةَ ذَلِكَ وَسَائِلَتَهُ فَتَجِبُ إزَالَتُهُ مَا لَمْ يَخَفْ ضَرَرًا يُبِيحُ التَّيَمُّمَ، فَإِنْ خَافَ لَمْ تَجِبْ إزَالَتُهُ، وَلَا إثْمَ عَلَيْهِ بَعْدَ التَّوْبَةِ، وَهَذَا إذَا فَعَلَهُ بِرِضَاهُ كَمَا قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: أَيْ: بَعْدَ بُلُوغِهِ، وَإِلَّا فَلَا تَلْزَمُهُ إزَالَتُهُ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْمَاوَرْدِيُّ أَيْ: وَتَصِحُّ صَلَاتُهُ وَإِمَامَتُهُ، وَلَا يَنْجُسُ مَا وَضَعَ فِيهِ يَدَهُ مَثَلًا إذَا كَانَ عَلَيْهَا وَشْمٌ، وَلَوْ دَاوَى جُرْحَهُ بِدَوَاءٍ نَجَسٍ، أَوْ خَاطَهُ بِخَيْطٍ نَجَسٍ أَوْ شَقَّ مَوْضِعًا فِي بَدَنِهِ وَجَعَلَ فِيهِ دَمًا فَكَالْجَبْرِ بِعَظْمٍ نَجَسٍ فِيمَا مَرَّ.
وَلَوْ غَسَلَ شَارِبُ الْخَمْرِ أَوْ نَجَسٍ آخَرَ فَمَهُ وَصَلَّى صَحَّتْ صَلَاتُهُ، وَوَجَبَ عَلَيْهِ أَنْ يَتَقَايَأَهُ إنْ قَدَرَ عَلَيْهِ بِلَا ضَرَرٍ يُبِيحُ التَّيَمُّمَ، وَإِنْ شَرِبَهُ لِعُذْرٍ، وَوَصْلُ شَعْرِ الْآدَمِيِّ بِشَعْرٍ نَجَسٍ أَوْ شَعْرِ آدَمِيٍّ حَرَامٌ لِلْخَبَرِ السَّابِقِ،، وَلِأَنَّهُ فِي الْأَوَّلِ مُسْتَعْمِلٌ لِلنَّجِسِ الْعَيْنِيِّ فِي بَدَنِهِ، وَفِي الثَّانِي مُسْتَعْمِلٌ لِشَعْرِ آدَمِيٍّ، وَالْآدَمِيُّ يَحْرُمُ الِانْتِفَاعُ بِهِ وَبِسَائِرِ أَجْزَائِهِ لِكَرَامَتِهِ، وَيَحْرُمُ بِغَيْرِ إذْنِ زَوْجٍ وَسَيِّدٍ وَصْلُ شَعْرٍ بِغَيْرِهِمَا، وَكَالشَّعَرِ الْخِرَقُ وَالصُّوفُ كَمَا قَالَهُ فِي الْمَجْمُوعِ.
قَالَ: وَأَمَّا رَبْطُ الشَّعْرِ بِخُيُوطِ الْحَرِيرِ الْمُلَوَّنَةِ وَنَحْوِهَا مِمَّا لَا يُشْبِهُ الشَّعْرَ فَلَيْسَ بِمَنْهِيٍّ عَنْهُ، وَتَجْعِيدُ الشَّعْرِ، وَوَشْرُ الْأَسْنَانِ:، وَهُوَ تَحْدِيدُهَا، وَتَرْقِيقُهَا لِلْخَبَرِ السَّابِقِ أَيْضًا، وَالْخِضَابُ بِالسَّوَادِ لِخَبَرِ
وَيُعْفَى عَنْ مَحَلِّ اسْتِجْمَارِهِ وَلَوْ حَمَلَ مُسْتَجْمِرًا بَطَلَتْ فِي الْأَصَحِّ.
، وَطِينُ الشَّارِعِ الْمُتَيَقَّنُ نَجَاسَتُهُ يُعْفَى عَنْهُ عَمَّا يَتَعَذَّرُ
[مغني المحتاج]
«يَكُونُ قَوْمٌ يَخْضِبُونَ فِي آخِرِ الزَّمَانِ بِالسَّوَادِ كَحَوَاصِلِ الْحَمَامِ لَا يَرِيحُونَ رَائِحَةَ الْجَنَّةِ» (1) رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَغَيْرُهُ، وَتَحْمِيرُ الْوَجْنَةِ بِالْحِنَّاءِ وَنَحْوِهِ، وَتَطْرِيفُ الْأَصَابِعِ بِهِ مَعَ السَّوَادِ، وَالتَّنْمِيصُ: وَهُوَ الْأَخْذُ مِنْ شَعْرِ الْوَجْهِ وَالْحَاجِبِ لِلْحُسْنِ لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ التَّغْرِيرِ.
أَمَّا إذَا أَذِنَ لَهَا الزَّوْجُ أَوْ السَّيِّدُ فِي ذَلِكَ، فَإِنَّهُ يَجُوزُ؛ لِأَنَّ لَهُ غَرَضًا فِي تَزْيِينِهَا لَهُ وَقَدْ أَذِنَ لَهَا فِيهِ.
هَذَا مَا فِي الرَّوْضَةِ وَأَصْلِهَا، وَخَالَفَ فِي التَّحْقِيقِ فِي الْوَصْلِ وَالْوَشْرِ فَأَلْحَقَهُمَا بِالْوَشْمِ فِي الْمَنْعِ مُطْلَقًا، وَالْأَوَّلُ أَوْجَهُ، وَيُكْرَهُ نَتْفُ الشَّيْبِ مِنْ الْمَحَلِّ الَّذِي لَا يُطْلَبُ مِنْهُ إزَالَةُ شَعْرِهِ لِخَبَرِ «لَا تَنْتِفُوا الشَّيْبَ، فَإِنَّهُ نُورُ الْمُسْلِمِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ، وَإِنْ نَقَلَ ابْنُ الرِّفْعَةِ تَحْرِيمَهُ عَنْ نَصِّ الْأُمِّ، وَقَالَ فِي الْمَجْمُوعِ: وَلَوْ قِيلَ بِتَحْرِيمِهِ لَمْ يُبْعَدْ، وَنَتْفُ لِحْيَةِ الْمَرْأَةِ وَشَارِبِهَا مُسْتَحَبٌّ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مُثْلَةٌ فِي حَقِّهَا، وَيُسَنُّ خَضْبُ الشَّيْبِ بِالْحِنَّاءِ وَنَحْوِهِ لِلِاتِّبَاعِ، وَيُسَنُّ لِلْمَرْأَةِ الْمُزَوَّجَةِ أَوْ الْمَمْلُوكَةِ خَضْبُ كَفَّيْهَا وَقَدَمَيْهَا بِذَلِكَ تَعْمِيمًا لِأَنَّهُ زِينَةٌ وَهِيَ مَطْلُوبَةٌ مِنْهَا لِزَوْجِهَا أَوْ سَيِّدِهَا.
أَمَّا التَّطْرِيفُ أَوْ التَّنْقِيشُ فَلَا يُسْتَحَبُّ، وَخَرَجَ بِالْمُزَوَّجَةِ أَوْ الْمَمْلُوكَةِ غَيْرُهُمَا فَيُكْرَهُ لَهَا، وَبِالْمَرْأَةِ الرَّجُلُ وَالْخُنْثَى فَيَحْرُمُ عَلَيْهِمَا الْخِضَابُ إلَّا لِعُذْرٍ، وَسَيَأْتِي إنْ شَاءَ اللَّهَ تَعَالَى فِي الْعَقِيقَةِ زِيَادَةٌ عَلَى ذَلِكَ.
(وَيُعْفَى عَنْ) أَثَرِ (مَحَلِّ اسْتِجْمَارِهِ) فِي حَقِّ نَفْسِهِ قَطْعًا لِجَوَازِ الِاقْتِصَارِ عَلَى الْحَجَرِ، وَلَوْ عَرِقَ مَحَلُّ الْأَثَرِ وَانْتَشَرَ، وَلَمْ يُجَاوِزْ مَحَلَّ الِاسْتِنْجَاءِ كَمَا قَالَهُ فِي الْمَجْمُوعِ فِي مَوْضِعٍ، فَإِنْ جَاوَزَهُ وَجَبَ غَسْلُهُ قَطْعًا، وَمَا أَطْلَقَهُ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ فِي الْمَجْمُوعِ وَكَذَا الرَّافِعِيُّ مَحْمُولٌ عَلَى ذَلِكَ، فَلَوْ لَاقَى الْأَثَرُ رَطْبًا آخَرَ لَمْ يُعْفَ عَنْهُ لِنُدْرَةِ الْحَاجَةِ إلَى مُلَاقَاةِ ذَلِكَ (وَلَوْ حَمَلَ) فِي الصَّلَاةِ (مُسْتَجْمِرًا) أَوْ مَنْ عَلَيْهِ نَجَاسَةٌ أُخْرَى مَعْفُوٌّ عَنْهَا كَثَوْبٍ فِيهِ دَمُ بَرَاغِيثَ عَلَى تَفْصِيلٍ يَأْتِي، أَوْ حَيَوَانًا مُتَنَجِّسَ الْمَنْفَذِ بِخُرُوجِ الْخَارِجِ مِنْهُ (بَطَلَتْ) صَلَاتُهُ (فِي الْأَصَحِّ) إذْ الْعَفْوُ لِلْحَاجَةِ، وَلَا حَاجَةَ إلَى حَمْلِهِ فِيهَا.
وَالثَّانِي: لَا تَبْطُلُ فِي حَقِّهِ كَالْمَحْمُولِ لِلْعَفْوِ عَنْ مَحَلِّ الِاسْتِجْمَارِ، وَيُؤْخَذُ مِمَّا مَرَّ مِنْ أَنَّهُ إذَا قَبَضَ طَرَفَ شَيْءٍ مُتَنَجِّسًا أَنَّهُ يَضُرُّ أَنَّهُ لَوْ مَسَكَ الْمُصَلِّي مُسْتَجْمِرًا أَوْ مَلْبُوسَهُ أَوْ أَمْسَكَ الْمُسْتَجْمِرُ الْمُصَلِّيَ أَوْ مَلْبُوسَهُ أَنَّهُ يَضُرُّ، وَهُوَ كَذَلِكَ، وَلَوْ وَقَعَ الطَّائِرُ الَّذِي عَلَى مَنْفَذِهِ نَجَاسَةٌ فِي مَائِعٍ أَوْ مَاءٍ قَلِيلٍ لَمْ يُنَجِّسْهُ عَلَى الْأَصَحِّ لِعُسْرِ صَوْنِهِ عَنْهُ، بِخِلَافِ الْمُسْتَجْمِرِ، فَإِنَّهُ يُنَجِّسُهُ، وَيَحْرُمُ عَلَيْهِ ذَلِكَ لِمَا فِيهِ مِنْ التَّضَمُّخِ بِالنَّجَاسَةِ، وَيُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّهُ لَوْ جَامَعَ زَوْجَتَهُ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ أَنَّهُ يَحْرُمُ عَلَيْهِ لِمَا ذَكَرَ، وَإِنْ خَالَفَ فِي ذَلِكَ بَعْضُ الْعَصْرِيِّينَ.
وَلَوْ حَمَلَ الْمُصَلِّي حَيَوَانًا مَذْبُوحًا، وَإِنْ غَسَلَ الدَّمَ عَنْ مَذْبَحِهِ، أَوْ آدَمِيًّا أَوْ سَمَكًا أَوْ جَرَادًا مَيِّتًا أَوْ بَيْضَةً مَذِرَةً اسْتَحَالَتْ دَمًا، أَوْ عِنَبًا اسْتَحَالَ خَمْرًا، أَوْ قَارُورَةً خُتِمَتْ عَلَى دَمٍ أَوْ نَحْوِهِ، كَبَوْلٍ، وَلَوْ بِرَصَاصٍ لَمْ تَصِحَّ صَلَاتُهُ.
أَمَّا فِي الْخَمْسَةِ الْأُوَلِ فَلِلنَّجَاسَةِ الَّتِي بِبَاطِنِ الْحَيَوَانِ؛ لِأَنَّهَا كَالظَّاهِرَةِ بِخِلَافِ الْحَيَوَانِ الْحَيِّ لِأَنَّ لِلْحَيَاةِ أَثَرًا فِي دَفْعِ النَّجَاسَةِ.
وَأَمَّا فِي الْبَاقِي فَلِحَمْلِهِ نَجَاسَةً لَا حَاجَةَ إلَى حَمْلِهَا.
(وَطِينُ الشَّارِعِ الْمُتَيَقَّنُ نَجَاسَتُهُ يُعْفَى عَنْهُ عَمَّا يَتَعَذَّرُ) أَيْ:
الِاحْتِرَازُ مِنْهُ غَالِبًا، وَيَخْتَلِفُ بِالْوَقْتِ، وَمَوْضِعِهِ مِنْ الثَّوْبِ وَالْبَدَنِ.
وَعَنْ قَلِيلِ دَمِ الْبَرَاغِيثِ، وَوَنِيمِ الذُّبَابِ،
[مغني المحتاج]
يَتَعَسَّرُ (الِاحْتِرَازُ مِنْهُ غَالِبًا) إذْ لَا بُدَّ لِلنَّاسِ مِنْ الِانْتِشَارِ فِي حَوَائِجِهِمْ، وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ لَا يَمْلِكُ أَكْثَرَ مِنْ ثَوْبٍ، فَلَوْ أُمِرُوا بِالْغُسْلِ كُلَّمَا أَصَابَتْهُمْ عَظُمَتْ الْمَشَقَّةُ عَلَيْهِمْ، بِخِلَافِ مَا لَا يَتَعَسَّرُ الِاحْتِرَازُ عَنْهُ فَلَا يُعْفَى عَنْهُ (وَيَخْتَلِفُ) الْمَعْفُوُّ عَنْهُ (بِالْوَقْتِ، وَمَوْضِعِهِ مِنْ الثَّوْبِ وَالْبَدَنِ) فَيُعْفَى فِي زَمَنِ الشِّتَاءِ عَمَّا لَا يُعْفَى عَنْهُ فِي زَمَنِ الصَّيْفِ وَيُعْفَى فِي الذَّيْلِ وَالرِّجْلِ عَمَّا لَا يُعْفَى عَنْهُ فِي الْكُمِّ وَالْيَدِ وَضَابِطُ الْقَلِيلِ الْمَعْفُوِّ عَنْهُ هُوَ الَّذِي لَا يُنْسَبُ صَاحِبُهُ إلَى سَقْطَةٍ عَلَى شَيْءٌ أَوْ كَبْوَةٍ عَلَى وَجْهِهِ أَوْ قِلَّةِ تَحَفُّظٍ، فَإِنْ نُسِبَ إلَى ذَلِكَ فَلَا يُعْفَى عَنْهُ.
قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: وَقَضِيَّةُ إطْلَاقِهِمْ الْعَفْوَ عَنْهُ، وَلَوْ اخْتَلَطَ بِنَجَاسَةِ كَلْبٍ أَوْ نَحْوِهِ، وَهُوَ الْمُتَّجَهُ لَا سِيَّمَا فِي مَوْضِعٍ تَكْثُرُ فِيهِ الْكِلَابُ، لِأَنَّ الشَّوَارِعَ مَعْدِنُ النَّجَاسَاتِ.
اهـ.
وَنُقِلَ عَنْ صَاحِبِ الْبَيَانِ أَنَّهُ لَا يُعْفَى عَنْهُ، وَالْمُتَّجَهُ الْأَوَّلُ.
وَاحْتُرِزَ بِالْمُتَيَقَّنِ نَجَاسَتُهُ عَمَّا يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ اخْتِلَاطُهُ بِهَا كَغَالِبِ الشَّوَارِعِ، فَإِنَّ فِيهِ وَأَمْثَالِهِ كَثِيَابِ الْخَمَّارِينَ وَالْأَطْفَالِ وَالْجَزَّارِينَ وَالْكُفَّارِ الَّذِينَ يَتَدَيَّنُونَ بِاسْتِعْمَالِ النَّجَاسَةِ قَوْلَيْنِ أَصَحُّهُمَا الطَّهَارَةُ عَمَلًا بِالْأَصْلِ، فَإِنْ لَمْ تُظَنَّ نَجَاسَتُهُ فَطَاهِرٌ قَطْعًا.
فُرُوعٌ: مَاءُ الْمِيزَابِ الَّذِي تُظَنُّ نَجَاسَتُهُ وَلَمْ تُتَيَقَّنْ طَهَارَتُهُ فِيهِ الْخِلَافُ فِي طِينِ الشَّوَارِعِ، وَاخْتَارَ الْمُصَنِّفُ الْجَزْمَ بِطَهَارَتِهِ، وَسُئِلَ ابْنُ الصَّلَاحِ عَنْ الْجُوخِ الَّذِي اُشْتُهِرَ عَلَى أَلْسِنَةِ النَّاسِ أَنَّ فِيهِ شَحْمَ الْخِنْزِيرِ؟ فَقَالَ: لَا يُحْكَمُ بِنَجَاسَتِهِ إلَّا بِتَحَقُّقِ النَّجَاسَةِ، وَسُئِلَ عَنْ الْأَوْرَاقِ الَّتِي تُعْمَلُ وَتُبْسَطُ، وَهِيَ رَطْبَةٌ عَلَى الْحِيطَانِ الْمَعْمُولَةِ بِرَمَادٍ نَجَسٍ.
فَقَالَ: لَا يُحْكَمُ بِنَجَاسَتِهَا أَيْ: عَمَلًا بِالْأَصْلِ، وَمَحَلُّ الْعَمَلِ بِهِ إذَا كَانَ مُسْتَنَدُ النَّجَاسَةِ إلَى غَلَبَتِهَا، وَإِلَّا عَمِلَ بِالظَّنِّ، فَلَوْ بَالَ حَيَوَانٌ فِي مَاءٍ كَثِيرٍ وَتَغَيَّرَ وَشَكَّ فِي سَبَبِ تَغَيُّرِهِ هَلْ هُوَ الْبَوْلُ أَوْ نَحْوُ طُولِ الْمُكْثِ حَكَمَ بِتَنَجُّسِهِ عَمَلًا بِالظَّاهِرِ لِاسْتِنَادِهِ إلَى سَبَبٍ مُعَيَّنٍ، وَلَوْ بِنَجَسِ خُفِّهِ أَوْ نَعْلِهِ لَمْ يَطْهُرْ بِدَلْكِهِ بِنَحْوِ أَرْضٍ كَالثَّوْبِ إذَا تَنَجَّسَ.
وَأَمَّا خَبَرُ أَبِي دَاوُد «إذَا أَصَابَ خُفَّ أَحَدِكُمْ أَذًى فَلْيُدَلِّكْهُ فِي الْأَرْضِ» فَمَحْمُولٌ عَلَى الْمُسْتَقْذَرِ الظَّاهِرِ.
(وَ) يُعْفَى (عَنْ قَلِيلِ دَمِ الْبَرَاغِيثِ) وَالْقَمْلِ وَالْبَقِّ (وَوَنِيمِ الذُّبَابِ) ، وَهُوَ بِفَتْحِ الْوَاوِ وَكَسْرِ النُّونِ: ذَرْقُهُ وَغَيْرُ ذَلِكَ مِمَّا لَا نَفْسَ لَهُ سَائِلَةٌ كَمَا فِي الْمَجْمُوعِ، وَكَذَا يُعْفَى عَنْ قَلِيلِ بَوْلِ الْخُفَّاشِ، وَالْقِيَاسُ أَوْ رَوْثِهِ وَبَوْلِ الذُّبَابِ كَذَلِكَ لِأَنَّ مَا ذُكِرَ مِمَّا تَعُمُّ بِهِ الْبَلْوَى، وَيَشُقُّ الِاحْتِرَازُ عَنْهُ، قَالَ فِي الصِّحَاحِ: وَالْبَقُّ هُوَ الْبَعُوضُ، لَكِنَّ الظَّاهِرَ كَمَا قَالَ شَيْخُنَا إنَّ الْمُرَادَ هُنَا مَا يَشْمَلُ الْبَقَّ الْمَعْرُوفَ، وَالْبَرَاغِيثُ جَمْعُ بُرْغُوثٍ بِالضَّمِّ، وَالْفَتْحُ قَلِيلٌ، وَيُقَالُ لَهُ: طَامِرُ بْنُ طَامِرٍ.
رَوَى أَحْمَدُ وَالْبَزَّارُ وَالْبُخَارِيُّ فِي الْأَدَبِ عَنْ أَنَسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «سَمِعَ رَجُلًا يَسُبُّ بُرْغُوثًا فَقَالَ لَا تَسُبَّهُ، فَإِنَّهُ أَيْقَظَ نَبِيًّا لِصَلَاةِ الْفَجْرِ» (1) وَدَمُ الْبَرَاغِيثِ رَشَحَاتٌ تَمُصُّهَا مِنْ الْإِنْسَانِ ثُمَّ تَمُجُّهَا وَلَيْسَ لَهَا دَمٌ فِي نَفْسِهَا، ذَكَرَهُ
وَالْأَصَحُّ لَا يُعْفَى عَنْ كَثِيرِهِ، وَلَا قَلِيلٍ انْتَشَرَ بِعَرَقٍ وَتُعْرَفُ الْكَثْرَةُ بِالْعَادَةِ.
قُلْت: الْأَصَحُّ عِنْدَ الْمُحَقِّقِينَ الْعَفْوُ مُطْلَقًا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَدَمُ الْبَثَرَاتِ كَالْبَرَاغِيثِ، وَقِيلَ: إنْ عَصَرَهُ فَلَا، وَالدَّمَامِيلُ وَالْقُرُوحُ، وَمَوْضِعُ الْفَصْدِ، وَالْحِجَامَةِ قِيلَ كَالْبَثَرَاتِ، وَالْأَصَحُّ إنْ كَانَ مِثْلُهُ يَدُومُ غَالِبًا فَكَالِاسْتِحَاضَةِ، وَإِلَّا
فَكَدَمِ الْأَجْنَبِيِّ فَلَا
[مغني المحتاج]
الْإِمَامُ وَغَيْرُهُ، وَالذُّبَابُ مُفْرَدٌ، وَجَمْعُهُ ذِبَّانٌ بِالْكَسْرِ وَأَذِبَّةٌ، وَلَا يُقَالُ ذِبَّانَةٌ بِنُونٍ قَبْلَ الْهَاءِ، قَالَهُ الْجَوْهَرِيُّ (وَالْأَصَحُّ لَا يُعْفَى عَنْ كَثِيرِهِ) لِنُدْرَتِهِ وَلِسُهُولَةِ الِاحْتِرَازِ عَنْهُ (وَلَا) عَنْ (قَلِيلٍ انْتَشَرَ) مِنْهُ (بِعَرَقٍ) لِمُجَاوَزَتِهِ مَحَلَّهُ، وَلِأَنَّ الْبَلْوَى بِهِ لَا تَعُمُّ (وَتُعْرَفُ الْكَثْرَةُ) وَالْقِلَّةُ (بِالْعَادَةِ) فَمَا يَقَعُ التَّلَطُّخُ بِهِ غَالِبًا، وَيَعْسُرُ الِاحْتِرَازُ عَنْهُ قَلِيلٌ، وَإِنْ زَادَ فَكَثِيرٌ، وَيَخْتَلِفُ ذَلِكَ بِاخْتِلَافِ الْأَوْقَاتِ وَالْأَمَاكِنِ، وَيَرْجِعُ فِي ذَلِكَ إلَى رَأْيِ الْمُصَلِّي فَيَجْتَهِدُ فِي ذَلِكَ، وَقِيلَ: الْكَثِيرُ مَا يَظْهَرُ لِلنَّاظِرِ مِنْ غَيْرِ تَأَمُّلٍ وَإِمْعَانِ نَظَرٍ، وَالْقَلِيلُ دُونَهُ، وَلِلْمَشْكُوكِ فِي كَثْرَتِهِ حُكْمُ الْقَلِيلِ.
وَالثَّانِي: يُعْفَى عَنْهُمَا لِأَنَّ الْغَالِبَ فِي هَذَا الْجِنْسِ عُسْرُ الِاحْتِرَازِ فَيَلْحَقُ غَيْرُ الْغَالِبِ مِنْهُ بِالْغَالِبِ كَمَا أَنَّ الْمُسَافِرَ يَتَرَخَّصُ، وَإِنْ لَمْ يَلْحَقْهُ مَشَقَّةٌ لِهَذَا الْمَعْنَى، وَلِأَنَّ التَّمْيِيزَ فِيهِ بَيْنَ الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ مِمَّا يُوجِبُ الْمَشَقَّةَ لِكَثْرَةِ الْبَلْوَى بِهِ، وَلِهَذَا قَالَ الْمُصَنِّفُ (قُلْت: الْأَصَحُّ عِنْدَ الْمُحَقِّقِينَ الْعَفْوُ مُطْلَقًا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ) أَيْ: قَلَّ أَوْ كَثُرَ انْتَشَرَ بِعَرَقٍ أَمْ لَا لِمَا تَقَدَّمَ.
وَقَالَ فِي الْمَجْمُوعِ: إنَّهُ الْأَصَحُّ بِاتِّفَاقِ الْأَصْحَابِ، وَمَحَلُّ ذَلِكَ فِي ثَوْبٍ مَلْبُوسٍ أَصَابَهُ الدَّمُ بِلَا تَعَمُّدٍ، فَلَوْ حَمَلَ ثَوْبًا فِيهِ دَمُ بَرَاغِيثَ فِي كُمِّهِ، أَوْ فَرَشَهُ وَصَلَّى عَلَيْهِ أَوْ لَبِسَهُ، وَكَانَتْ الْإِصَابَةُ بِفِعْلِهِ قَصْدًا كَأَنْ قَتَلَهَا فِي ثَوْبِهِ أَوْ بَدَنِهِ لَمْ يُعْفَ إلَّا عَنْ قَلِيلٍ كَمَا فِي التَّحْقِيقِ وَغَيْرِهِ، وَأَشَارَ إلَيْهِ الرَّافِعِيُّ فِي الصَّوْمِ، وَمِثْلُ دَمِ الْبَرَاغِيثِ مَا فِي مَعْنَاهُ مِمَّا ذَكَرَ مَعَهُ، وَمِمَّا هُوَ آتٍ، وَمِثْلُ حَمْلِهِ مَا لَوْ كَانَ زَائِدًا عَلَى تَمَامِ لِبَاسِهِ كَمَا قَالَهُ الْقَاضِي لِأَنَّهُ غَيْرُ مُضْطَرٍّ إلَيْهِ.
قَالَ فِي الْمُهِمَّاتِ: وَمُقْتَضَاهُ مَنْعُ زِيَادَةِ الْكُمِّ عَلَى الْأَصَابِعِ وَلُبْسُ ثَوْبٍ آخَرَ لَا لِغَرَضٍ مِنْ تَجَمُّلٍ وَنَحْوِهِ.
اهـ. وَهَذَا ظَاهِرٌ فِي الثَّانِي دُونَ الْأَوَّلِ، ثُمَّ مَحَلُّ الْعَفْوِ بِالنِّسْبَةِ لِلصَّلَاةِ فَلَوْ وَقَعَ الثَّوْبُ فِي مَاءٍ قَلِيلٍ.
قَالَ الْمُتَوَلِّي: حُكِمَ بِتَنْجِيسِهِ (وَدَمُ الْبَثَرَاتِ) وَهِيَ بِالْمُثَلَّثَةِ خُرَّاجٌ صَغِيرٌ (كَالْبَرَاغِيثِ) أَيْ: كَدَمِهَا، فَيُعْفَى عَنْ قَلِيلِهِ قَطْعًا، وَعَنْ كَثِيرِهِ عَلَى الرَّاجِحِ مَا لَمْ يَكُنْ بِفِعْلِهِ؛ لِأَنَّ الْإِنْسَانَ لَا يَخْلُو مِنْهَا غَالِبًا، فَلَوْ وَجَبَ الْغُسْلُ فِي كُلِّ مَرَّةٍ لَشَقَّ عَلَيْهِ ذَلِكَ، أَمَّا مَا خَرَجَ مِنْهَا بِفِعْلِهِ فَيُعْفَى عَنْ قَلِيلِهِ فَقَطْ كَمَا يُؤْخَذُ مِمَّا مَرَّ وَمِنْ كَلَامِ الْكِفَايَةِ (وَقِيلَ: إنْ عَصَرَهُ فَلَا) يُعْفَى عَنْهُ، لِأَنَّهُ مُسْتَغْنًى عَنْهُ (وَالدَّمَامِيلُ وَالْقُرُوحُ) أَثَرُ الْجِرَاحَاتِ (وَمَوْضِعُ الْفَصْدِ وَالْحِجَامَةِ قِيلَ كَالْبَثَرَاتِ) فَيُعْفَى عَنْ دَمِهَا، وَإِنْ كَثُرَ عَلَى مَا سَبَقَ؛ لِأَنَّهَا وَإِنْ لَمْ تَكُنْ غَالِبَةً فَلَيْسَتْ بِنَادِرَةٍ (وَالْأَصَحُّ) أَنَّهَا لَيْسَتْ مِثْلَهَا لِأَنَّهَا لَا تَكْثُرُ كَثْرَتَهَا، بَلْ يُقَالُ فِي جُزْئِيَّاتِ دَمِهَا (إنْ كَانَ مِثْلُهُ يَدُومُ غَالِبًا فَكَالِاسْتِحَاضَةِ) أَيْ: كَدَمِهَا فَيَجِبُ الِاحْتِيَاطُ لَهُ بِقَدْرِ الْإِمْكَانِ بِإِزَالَةِ مَا أَصَابَ مِنْهُ وَعَصْبِ مَحَلِّ خُرُوجِهِ عِنْدَ إرَادَةِ الصَّلَاةِ نَظِيرَ مَا تَقَدَّمَ فِي الْمُسْتَحَاضَةِ، وَيُعْفَى عَمَّا يَشُقُّ الِاحْتِرَازُ مِنْهُ بَعْدَ الِاحْتِيَاطِ كَمَا مَرَّ فِي مَوْضِعِهِ (وَإِلَّا) بِأَنْ كَانَ مِثْلُهُ لَا يَدُومُ غَالِبًا.
(فَكَدَمِ الْأَجْنَبِيِّ) يُصِيبُهُ (فَلَا
يُعْفَى، وَقِيلَ: يُعْفَى عَنْ قَلِيلِهِ، قُلْت: الْأَصَحُّ أَنَّهَا كَالْبَثَرَاتِ، وَالْأَظْهَرُ الْعَفْوُ عَنْ قَلِيلِ دَمِ الْأَجْنَبِيِّ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَالْقَيْحُ، وَالصَّدِيدُ كَالدَّمِ، وَكَذَا مَاءُ الْقُرُوحِ وَالْمُتَنَفِّطِ الَّذِي لَهُ رِيحٌ، وَكَذَا فِي بِلَا رِيحٍ فِي الْأَظْهَرِ.
قُلْت: الْمَذْهَبُ طَهَارَتُهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[مغني المحتاج]
يُعْفَى) عَنْهُ: أَيْ: مَا لَا يَدُومُ غَالِبًا قَلِيلًا كَانَ أَوْ كَثِيرًا كَمَا أَنَّ دَمَ الْأَجْنَبِيِّ كَذَلِكَ (وَقِيلَ: يُعْفَى عَنْ قَلِيلِهِ) كَمَا قِيلَ بِذَلِكَ فِي دَمِ الْأَجْنَبِيِّ، وَمَا قَرَّرْت بِهِ كَلَامَهُ مِنْ أَنَّهُ لَا يُعْفَى رَاجِعٌ إلَى مَا لَا يَدُومُ غَالِبًا هُوَ مَا جَرَى عَلَيْهِ الْأَذْرَعِيُّ، وَجَعَلَهُ الْإِسْنَوِيُّ وَغَيْرُهُ رَاجِعًا إلَى دَمِ الْأَجْنَبِيِّ.
قَالَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ وَالْأَوَّلُ أَوْلَى أَوْ مُتَعَيَّنٌ (قُلْت: الْأَصَحُّ أَنَّهَا) أَيْ: دَمَ الدَّمَامِيلِ وَالْقُرُوحِ، وَمَوْضِعَ الْفَصْدِ وَالْحِجَامَةِ (كَالْبَثَرَاتِ) فِيمَا مَرَّ، فَيُعْفَى عَنْ قَلِيلِهِ وَكَثِيرِهِ، وَهَذَا مَا فِي الرَّوْضَةِ لَكِنْ خَالَفَ فِي التَّحْقِيقِ وَالْمَجْمُوعِ فَصَحَّحَ مَا عَلَيْهِ الْجُمْهُورُ أَنَّهُ كَدَمِ الْأَجْنَبِيِّ.
قَالَ شَيْخُنَا: وَيُمْكِنُ حَمْلُ مَا فِي التَّحْقِيقِ وَالْمَجْمُوعِ عَلَى طُهْرِ التَّيَمُّمِ.
اهـ.
وَالْأَوْلَى حَمْلُ ذَلِكَ عَلَى مَا إذَا كَانَ بِفِعْلِهِ أَوْ انْتَقَلَ عَنْ مَحَلِّهِ كَمَا يُؤْخَذُ مِنْ كَلَامِهِ فِي مَنْهَجِهِ وَشَرْحِهِ (وَالْأَظْهَرُ الْعَفْوُ عَنْ قَلِيلِ دَمِ الْأَجْنَبِيِّ) مِنْ نَفْسِهِ كَأَنْ انْفَصَلَ مِنْهُ ثُمَّ عَادَ إلَيْهِ وَمِنْ غَيْرِ نَحْوِ الْكَلْبِ (وَاَللَّهُ أَعْلَمُ) لِأَنَّ جِنْسَ الدَّمِ يَتَطَرَّقُ إلَيْهِ الْعَفْوُ فَيَقَعُ الْقَلِيلُ مِنْهُ فِي مَحَلِّ الْمُسَامَحَةِ.
قَالَ فِي الْأُمِّ: وَالْقَلِيلُ مَا تَعَافَاهُ النَّاسُ أَيْ: عَدُّوهُ عَفْوًا، وَعَنْ الْقَدِيمِ يُعْفَى عَمَّا دُونَ الْكَفِّ.
أَمَّا دَمُ نَحْوِ الْكَلْبِ فَلَا يُعْفَى عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ لِغِلَظِهِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي الْبَيَانِ وَنَقَلَهُ عَنْهُ فِي الْمَجْمُوعِ وَأَقَرَّهُ.
وَكَذَا لَوْ أَخَذَ دَمًا أَجْنَبِيًّا وَلَطَّخَ بِهِ بَدَنَهُ أَوْ ثَوْبَهُ فَإِنَّهُ لَا يُعْفَى عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ لِتَعَدِّيهِ بِذَلِكَ، فَإِنَّ التَّضَمُّخَ بِالنَّجَاسَةِ حَرَامٌ (وَالْقَيْحُ وَالصَّدِيدُ) وَتَقَدَّمَ بَيَانُهُمَا فِي بَابِ النَّجَاسَةِ (كَالدَّمِ) فِيمَا ذَكَرَ لِأَنَّهُمَا دَمَانِ اسْتَحَالَا إلَى نَتْنٍ وَفَسَادٍ (وَكَذَا مَاءُ الْقُرُوحِ وَالْمُتَنَفِّطِ الَّذِي لَهُ رِيحٌ) كَالدَّمِ قِيَاسًا عَلَى الْقَيْحِ وَالصَّدِيدِ (وَكَذَا بِلَا رِيحٍ فِي الْأَظْهَرِ) قِيَاسًا عَلَى الصَّدِيدِ الَّذِي لَا رَائِحَةَ لَهُ.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ طَاهِرٌ لِأَنَّهُ كَالْعَرَقِ، وَلِذَا قَالَ الْمُصَنِّفُ (قُلْت: الْمَذْهَبُ طَهَارَتُهُ) قَطْعًا (وَاَللَّهُ أَعْلَمُ) لِمَا مَرَّ.
تَنْبِيهٌ: مَحَلُّ الْعَفْوِ عَنْ سَائِرِ الدِّمَاءِ مَا لَمْ يَخْتَلِطْ بِأَجْنَبِيٍّ، فَإِنْ اخْتَلَطَ بِهِ، وَلَوْ دَمَ نَفْسِهِ كَأَنْ خَرَجَ مِنْ عَيْنِهِ دَمٌ أَوْ دَمَتْ لِثَتُهُ لَمْ يَعْفُ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ، نَعَمْ يُعْفَى عَنْ مَاءِ الطَّهَارَةِ إذَا لَمْ يَتَعَمَّدْ وَضْعَهُ عَلَيْهَا، وَإِلَّا فَلَا يُعْفَى عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ.
قَالَ الْمُصَنِّفُ فِي مَجْمُوعِهِ فِي الْكَلَامِ عَلَى كَيْفِيَّةِ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفِّ: لَوْ تَنَجَّسَ أَسْفَلُ الْخُفِّ بِمَعْفُوٍّ عَنْهُ لَا يَمْسَحُ عَلَى أَسْفَلِهِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ مَسَحَهُ زَادَ التَّلْوِيثُ وَلَزِمَهُ حِينَئِذٍ غَسْلُهُ وَغَسْلُ الْيَدِ.
اهـ.
وَاخْتُلِفَ فِيمَا لَوْ لَبِسَ ثَوْبًا فِيهِ دَمُ نَحْوِ بَرَاغِيثَ وَبَدَنُهُ رَطْبٌ، فَقَالَ الْمُتَوَلِّي يَجُوزُ، وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو عَلِيٍّ: لَا يَجُوزُ، لِأَنَّهُ لَا ضَرُورَةَ إلَى تَلْوِيثِ بَدَنِهِ، وَبِهِ جَزَمَ الْمُحِبُّ الطَّبَرِيُّ تَفَقُّهًا، وَيُمْكِنُ حَمْلُ كَلَامِ الْأَوَّلِ عَلَى مَا إذَا كَانَتْ الرُّطُوبَةُ بِمَاءِ وُضُوءٍ أَوْ غُسْلٍ مَطْلُوبٍ لِمَشَقَّةِ الِاحْتِرَازِ كَمَا لَوْ كَانَتْ بِعَرَقٍ وَالثَّانِي عَلَى غَيْرِ ذَلِكَ كَمَا عُلِمَ مِمَّا مَرَّ، وَيَنْبَغِي أَنْ يَلْحَقَ بِمَاءِ الطَّهَارَةِ مَا يَتَسَاقَطُ مِنْ الْمَاءِ حَالَ شُرْبِهِ أَوْ مِنْ الطَّعَامِ حَالَ أَكْلِهِ أَوْ
وَلَوْ صَلَّى بِنَجَسٍ لَمْ يَعْلَمْهُ وَجَبَ الْقَضَاءُ فِي الْجَدِيدِ.
، وَإِنْ عَلِمَ ثُمَّ نَسِيَ وَجَبَ الْقَضَاءُ عَلَى الْمَذْهَبِ.
فَصْلٌ تَبْطُلُ بِالنُّطْقِ بِحَرْفَيْنِ،
[مغني المحتاج]
جَعَلَ عَلَى جُرْحِهِ دَوَاءً لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: 78] [الْحَجُّ] .
(وَلَوْ صَلَّى بِنَجَسٍ) لَا يُعْفَى عَنْهُ (لَمْ يَعْلَمْهُ) ابْتِدَاءَ صَلَاتِهِ ثُمَّ عَلِمَ كَوْنَهُ فِيهَا (وَجَبَ الْقَضَاءُ فِي الْجَدِيدِ) لِأَنَّ مَا أَتَى بِهِ غَيْرَ مُعْتَدٍّ بِهِ لِفَوَاتِ شَرْطِهِ، وَالْقَدِيمِ لَا يَجِبُ الْقَضَاءُ لِعُذْرِهِ، وَلِحَدِيثِ خَلْعِ النَّعْلَيْنِ فِي الصَّلَاةِ.
وَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إنَّ جِبْرِيلَ أَتَانِي فَأَخْبَرَنِي أَنَّ فِيهِمَا قَذَرًا» (1) رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، وَقَالَ الْحَاكِمُ إنَّهُ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ، وَجْهُ الدَّلَالَةِ مِنْهُ أَنَّهُ لَمْ يَسْتَأْنِفْ الصَّلَاةَ وَاخْتَارَ هَذَا فِي الْمَجْمُوعِ.
وَأَجَابَ الْأَوَّلُ بِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ دَمًا يَسِيرًا، وَأَنْ يَكُونَ مُسْتَقْذَرًا طَاهِرًا؛ لِأَنَّ الْمُسْتَقْذَرَ يُطْلَقُ عَلَى النَّجِسِ وَعَلَى فِعْلِهِ، وَفَعَلَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تَنَزُّهًا، وَقِيلَ: إنَّ اجْتِنَابَ النَّجَاسَةِ لَمْ يَكُنْ حِينَئِذٍ وَاجِبًا أَوَّلَ الْإِسْلَامِ، وَمِنْ حِينَئِذٍ وَجَبَ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ حَدِيثُ «وُضِعَ سَلَا الْجَزُورِ عَلَى ظَهْرِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَهُوَ يُصَلِّي بِمَكَّةَ وَلَمْ يَقْطَعْهَا» .
(وَإِنْ عَلِمَ) بِالنَّجِسِ (ثُمَّ نَسِيَ) فَصَلَّى ثُمَّ تَذَكَّرَ فِي الْوَقْتِ أَوْ قَبْلَهُ أَعَادَهَا أَوْ بَعْدَهُ (وَجَبَ الْقَضَاءُ عَلَى الْمَذْهَبِ) الْمَقْطُوعِ بِهِ لِتَفْرِيطِهِ بِتَرْكِ التَّطْهِيرِ لَمَّا عَلِمَ بِهِ، وَالطَّرِيقُ الثَّانِي فِي وُجُوبِهِ الْقَوْلَانِ لِعُذْرِهِ بِالنِّسْيَانِ، وَحَيْثُ أَوْجَبْنَا الْإِعَادَةَ، فَيَجِبُ إعَادَةُ كُلِّ صَلَاةٍ تَيَقَّنَ فِعْلُهَا مَعَ النَّجَاسَةِ، فَإِنْ اُحْتُمِلَ حُدُوثُهَا بَعْدَ الصَّلَاةِ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ فِي كُلِّ حَادِثٍ تَقْدِيرُ وُجُودِهِ فِي أَقْرَبِ زَمَنٍ، وَالْأَصْلُ عَدَمُ وُجُودِهِ قَبْلَ ذَلِكَ.
فَائِدَةٌ: قَالَ فِي الْأَنْوَارِ: إذَا صَلَّى وَفِي ثَوْبِهِ مَثَلًا نَجَاسَةٌ وَلَمْ يَعْلَمْ بِهَا حَتَّى مَاتَ، فَالْمَرْجُوُّ مِنْ عَفْوِ اللَّهِ عَدَمُ الْمُؤَاخَذَةِ أَيْ: وَقَدْ مَرَّ أَنَّهُ إذَا صَلَّى نَاسِيًا لِلطَّهَارَةِ أَنَّهُ يُثَابُ عَلَى قَصْدِهِ لَا فِعْلِهِ إلَخْ فَيَأْتِي هُنَا.
[فَصْلٌ تَبْطُلُ الصَّلَاةُ بِالنُّطْقِ بِحَرْفَيْنِ أَوْ حَرْفٍ مُفْهِمٍ]
(فَصْلٌ) تَبْطُلُ الصَّلَاةُ (بِالنُّطْقِ) بِكَلَامِ الْبَشَرِ بِلُغَةِ الْعَرَبِ وَبِغَيْرِهَا عَلَى مَا سَيَأْتِي (بِحَرْفَيْنِ) أَفْهَمَا كَقُمْ وَلَوْ لِمَصْلَحَةِ الصَّلَاةِ كَقَوْلِهِ: لَا تَقُمْ أَوْ اُقْعُدْ أَمْ لَا كَعَنْ وَمِنْ لِخَبَرِ مُسْلِمٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ «كُنَّا نَتَكَلَّمُ فِي الصَّلَاةِ حَتَّى نَزَلَتْ ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة: 238] الْبَقَرَةُ فَأُمِرْنَا بِالسُّكُوتِ وَنُهِينَا عَنْ الْكَلَامِ» (2) . وَعَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ الْحَكَمِ السُّلَمِيِّ قَالَ: «بَيْنَا أَنَا أُصَلِّي مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذْ عَطَسَ رَجُلٌ مِنْ الْقَوْمِ، فَقُلْت لَهُ يَرْحَمُك اللَّهُ، فَرَمَانِي الْقَوْمُ بِأَبْصَارِهِمْ، فَقُلْت: وَاثُكْلَ أُمَّاهُ مَا شَأْنُكُمْ تَنْظُرُونَ إلَيَّ؟ فَجَعَلُوا يَضْرِبُونَ بِأَيْدِيهِمْ عَلَى أَفْخَاذِهِمْ، فَلَمَّا رَأَيْتُهُمْ يُصَمِّتُونِي سَكَتُّ، فَلَمَّا صَلَّى النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: إنَّ هَذِهِ الصَّلَاةَ لَا يَصْلُحُ فِيهَا شَيْءٌ مِنْ كَلَامِ النَّاسِ» (3) وَالْحَرْفَانِ
أَوْ حَرْفٍ مُفْهِمٍ وَكَذَا مَدَّةٌ بَعْدَ حَرْفٍ فِي الْأَصَحِّ، وَالْأَصَحُّ، أَنَّ التَّنَحْنُحَ، وَالضَّحِكَ، وَالْبُكَاءَ، وَالْأَنِينَ، وَالنَّفْخَ إنْ ظَهَرَ بِهِ حَرْفَانِ بَطَلَتْ، وَإِلَّا فَلَا، وَيُعْذَرُ فِي يَسِيرِ الْكَلَامِ إنْ سَبَقَ لِسَانُهُ أَوْ نَسِيَ الصَّلَاةَ، أَوْ جَهِلَ تَحْرِيمَهُ إنْ قَرُبَ عَهْدُهُ بِالْإِسْلَامِ، لَا كَثِيرِهِ فِي الْأَصَحِّ،
[مغني المحتاج]
مِنْ جِنْسِ الْكَلَامِ؛ لِأَنَّ أَقَلَّ مَا يَنْبَنِي عَلَيْهِ الْكَلَامُ حَرْفَانِ لِلِابْتِدَاءِ وَالْوَقْفِ، وَتَخْصِيصُهُ بِالْمُفْهِمِ فَقَطْ اصْطِلَاحٌ حَادِثٌ لِلنُّحَاةِ (أَوْ حَرْفٍ مُفْهِمٍ) نَحْوِ " قِ " مِنْ الْوِقَايَةِ وَ " عِ " مِنْ الْوَعْيِ وَ " فِ " مِنْ الْوَفَاءِ وَ " شِ " مِنْ الْوَشْيِ (وَكَذَا مَدَّةٌ بَعْدَ حَرْفٍ فِي الْأَصَحِّ) ، وَإِنْ لَمْ يُفْهِمْ نَحْوُ " آ " وَالْمَدُّ أَلِفٌ أَوْ وَاوٌ أَوْ يَاءٌ، فَالْمَمْدُودُ فِي الْحَقِيقَةِ حَرْفَانِ.
وَالثَّانِي: لَا تَبْطُلُ؛ لِأَنَّ الْمَدَّةَ قَدْ تَتَّفِقُ لِإِشْبَاعِ الْحَرَكَةِ، وَلَا تُعَدُّ حَرْفًا، وَهَذَا كُلُّهُ يَسِيرٌ فَبِالْكَثِيرِ مِنْ بَابِ أَوْلَى (وَالْأَصَحُّ أَنَّ التَّنَحْنُحَ وَالضَّحِكَ وَالْبُكَاءَ) وَلَوْ مِنْ خَوْفِ الْآخِرَةِ (وَالْأَنِينَ) وَالتَّأَوُّهَ (وَالنَّفْخَ) مِنْ الْفَمِ أَوْ الْأَنْفِ (إنْ ظَهَرَ بِهِ) أَيْ: بِوَاحِدٍ مِمَّا ذُكِرَ (حَرْفَانِ بَطَلَتْ) صَلَاتُهُ (وَإِلَّا فَلَا) تَبْطُلُ لِمَا مَرَّ.
وَالثَّالِثُ: لَا تَبْطُلُ بِذَلِكَ مُطْلَقًا؛ لِأَنَّهُ لَا يُسَمَّى كَلَامًا فِي اللُّغَةِ، وَلَا يَكَادُ يَتَبَيَّنُ مِنْهُ حَرْفٌ مُحَقَّقٌ، فَأَشْبَهَ الصَّوْتَ الْغُفْلَ، وَخَرَجَ بِالضَّحِكِ التَّبَسُّمُ فَلَا تَبْطُلُ بِهِ الصَّلَاةُ «لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تَبَسَّمَ فِيهَا، فَلَمَّا سَلَّمَ: قَالَ: مَرَّ بِي مِيكَائِيلُ فَضَحِكَ لِي فَتَبَسَّمْتُ لَهُ» (وَيُعْذَرُ فِي يَسِيرِ الْكَلَامِ) عُرْفًا (إنْ سَبَقَ لِسَانُهُ) إلَيْهِ: أَيْ: لِمَا سَيَأْتِي أَنَّ النَّاسِيَ مَعَ قَصْدِهِ الْكَلَامَ مَعْذُورٌ فِيهِ، فَهَذَا أَوْلَى لِعَدَمِ قَصْدِهِ (أَوْ نَسِيَ الصَّلَاةَ) أَيْ: نَسِيَ أَنَّهُ فِيهَا لِلْعُذْرِ.
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ «صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الظُّهْرَ أَوْ الْعَصْرَ فَسَلَّمَ مِنْ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ أَتَى خَشَبَةً بِالْمَسْجِدِ وَاتَّكَأَ عَلَيْهَا كَأَنَّهُ غَضْبَانُ، فَقَالَ لَهُ ذُو الْيَدَيْنِ: أَقَصُرَتْ الصَّلَاةُ أَمْ نَسِيتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ فَقَالَ لِأَصْحَابِهِ: أَحَقٌّ مَا يَقُولُ ذُو الْيَدَيْنِ؟ قَالُوا: نَعَمْ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ أُخْرَتَيْنِ ثُمَّ سَجَدَ سَجْدَتَيْنِ» (1) وَجْهُ الدَّلَالَةِ أَنَّهُ تَكَلَّمَ مُعْتَقِدًا أَنَّهُ لَيْسَ فِي الصَّلَاةِ وَهُمْ تَكَلَّمُوا مُجَوِّزِينَ النَّسْخَ ثُمَّ بَنَى هُوَ، وَهُمْ عَلَيْهَا (أَوْ جَهِلَ تَحْرِيمَهُ) أَيْ: الْكَلَامِ فِيهَا (إنْ قَرُبَ عَهْدُهُ بِالْإِسْلَامِ) أَوْ نَشَأَ بَعِيدًا عَنْ الْعُلَمَاءِ، بِخِلَافِ مَنْ بَعُدَ إسْلَامُهُ، وَقَرُبَ مِنْ الْعُلَمَاءِ لِتَقْصِيرِهِ بِتَرْكِ الْعِلْمِ.
قَالَ الْخُوَارِزْمِيُّ: وَالْأَشْبَهُ أَنَّ الذِّمِّيَّ الَّذِي نَشَأَ بَيْنَ أَظْهُرِنَا أَنَّهُ لَا يُعْذَرُ وَإِنْ قَرُبَ عَهْدُهُ بِالْإِسْلَامِ؛ لِأَنَّ مِثْلَ هَذَا لَا يَخْفَى عَلَيْهِ مِنْ دِينِنَا.
اهـ.
وَهَذَا لَيْسَ بِظَاهِرٍ بَلْ هُوَ دَاخِلٌ فِي عُمُومِ كَلَامِ الْأَصْحَابِ، وَلَوْ سَلَّمَ إمَامُهُ فَسَلَّمَ مَعَهُ ثُمَّ سَلَّمَ الْإِمَامُ ثَانِيًا، فَقَالَ لَهُ الْمَأْمُومُ: قَدْ سَلَّمْت قَبْلَ هَذَا، فَقَالَ: كُنْت نَاسِيًا لَمْ تَبْطُلْ صَلَاةُ وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَيُسَلِّمُ الْمَأْمُومُ، وَيُنْدَبُ لَهُ سُجُودُ السَّهْوِ لِأَنَّهُ تَكَلَّمَ بَعْدَ انْقِطَاعِ الْقُدْوَةِ، وَلَوْ سَلَّمَ مِنْ ثِنْتَيْنِ ظَانًّا كَمَالَ صَلَاتِهِ فَكَالْجَاهِلِ كَمَا ذَكَرَهُ الرَّافِعِيُّ فِي كِتَابِ الصِّيَامِ (لَا) فِي (كَثِيرِهِ) فَإِنَّهُ لَا يُعْذَرُ فِيهِ فِيمَا ذُكِرَ مِنْ الصُّوَرِ (فِي الْأَصَحِّ) لِأَنَّهُ يَقْطَعُ نَظْمَ الصَّلَاةِ وَهَيْئَاتِهَا، وَالْقَلِيلُ يُحْتَمَلُ لِقِلَّتِهِ، وَلِأَنَّ السَّبْقَ وَالنِّسْيَانَ فِي كَثِيرٍ نَادِرٌ، وَالْفَرْقُ بَيْنَ
وَفِي التَّنَحْنُحِ وَنَحْوِهِ لِلْغَلَبَةِ وَتَعَذُّرِ الْقِرَاءَةِ، لَا الْجَهْرِ فِي الْأَصَحِّ.
وَلَوْ أُكْرِهَ عَلَى الْكَلَامِ بَطَلَتْ فِي الْأَظْهَرِ.
[مغني المحتاج]
هَذَا وَبَيْنَ الصَّوْمِ حَيْثُ لَا يَبْطُلُ بِالْأَكْلِ الْكَثِيرِ نَاسِيًا عِنْدَ الْمُصَنِّفِ أَنَّ الْمُصَلِّيَ مُتَلَبِّسٌ بِهَيْئَةٍ مُذَكِّرَةٍ بِالصَّلَاةِ يَبْعُدُ مَعَهَا النِّسْيَانُ بِخِلَافِ الصَّائِمِ.
وَالثَّانِي: يُسَوِّي بَيْنَهُمَا فِي الْعُذْرِ كَمَا سَوَّى بَيْنَهُمَا فِي الْعَمْدِ، وَمَرْجِعُ الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ إلَى الْعُرْفِ عَلَى الْأَصَحِّ، وَقِيلَ: الْكَلِمَةُ وَالْكَلِمَتَانِ وَنَحْوُهُمَا، وَقِيلَ: مَا يَسَعُ زَمَانَ رَكْعَةٍ، وَصَحَّحَ السُّبْكِيُّ تَبَعًا لِلْمُتَوَلِّي أَنَّ الْكَلَامَ الْكَثِيرَ نَاسِيًا لَا يُبْطِلُ لِقِصَّةِ ذِي الْيَدَيْنِ (وَ) يُعْذَرُ (فِي) الْيَسِيرِ عُرْفًا مِنْ (التَّنَحْنُحِ وَنَحْوِهِ) مِمَّا مَرَّ وَغَيْرِهِ كَالسُّعَالِ وَالْعُطَاسِ، وَإِنْ ظَهَرَ بِهِ حَرْفَانِ، وَلَوْ مِنْ كُلِّ نَفْخَةٍ وَنَحْوِهَا (لِلْغَلَبَةِ) إذْ لَا تَقْصِيرَ، وَهِيَ رَاجِعَةٌ لِلْجَمِيعِ (وَتَعَذُّرِ الْقِرَاءَةِ) الْوَاجِبَةِ، وَكَذَا غَيْرُهَا مِنْ الْأَرْكَانِ الْقَوْلِيَّةِ لِلضَّرُورَةِ، وَهَذَا رَاجِعٌ إلَى التَّنَحْنُحِ فَقَطْ.
أَمَّا إذَا كَثُرَ التَّنَحْنُحُ وَنَحْوُهُ لِلْغَلَبَةِ كَأَنْ ظَهَرَ مِنْهُ حَرْفَانِ مِنْ ذَلِكَ وَكَثُرَ، فَإِنَّ صَلَاتَهُ تَبْطُلُ كَمَا قَالَاهُ فِي الضَّحِكِ وَالسُّعَالِ وَالْبَاقِي فِي مَعْنَاهُمَا؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يَقْطَعُ نَظْمَ الصَّلَاةِ، وَصَوَّبَ الْإِسْنَوِيُّ عَدَمَ الْبُطْلَانِ فِي التَّنَحْنُحِ وَالسُّعَالِ وَالْعُطَاسِ لِلْغَلَبَةِ، وَإِنْ كَثُرَتْ إذْ لَا يُمْكِنُ الِاحْتِرَازُ عَنْهَا.
اهـ.
وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ مَحَلُّ الْأَوَّلِ مَا إذَا لَمْ يَصِرْ السُّعَالُ أَوْ نَحْوُهُ مَرَضًا مُلَازِمًا لَهُ.
أَمَّا إذَا صَارَ السُّعَالُ وَنَحْوُهُ كَذَلِكَ، فَإِنَّهُ لَا يَضُرُّ كَمَنْ بِهِ سَلَسُ بَوْلٍ وَنَحْوُهُ بَلْ أَوْلَى (لَا) تَعَذُّرِ (الْجَهْرِ) فَلَا يُعْذَرُ فِي يَسِيرِ التَّنَحْنُحِ لَهُ (فِي الْأَصَحِّ) لِأَنَّهُ سُنَّةٌ لَا ضَرُورَةَ إلَى التَّنَحْنُحِ لَهُ، وَفِي مَعْنَى الْجَهْرِ سَائِرُ السُّنَنِ كَقِرَاءَةِ السُّورَةِ وَالْقُنُوتِ وَتَكْبِيرَاتِ الِانْتِقَالَاتِ، وَإِنْ قَالَ الْإِسْنَوِيُّ: الْمُتَّجَهُ جَوَازُ التَّنَحْنُحِ لِلْجَهْرِ بِأَذْكَارِ الِانْتِقَالَاتِ عِنْدَ الْحَاجَةِ إلَى سَمَاعِ الْمَأْمُومِينَ إذْ لَا يَلْزَمُهُ تَصْحِيحُ صَلَاةِ غَيْرِهِ.
فُرُوعٌ: لَوْ جَهِلَ بُطْلَانَهَا بِالتَّنَحْنُحِ مَعَ عِلْمِهِ بِتَحْرِيمِ الْكَلَامِ فَمَعْذُورٌ؛ لِخَفَاءِ حُكْمِهِ عَلَى الْعَوَامّ وَلَوْ عَلِمَ تَحْرِيمَ الْكَلَامِ وَجَهِلَ كَوْنَهُ مُبْطِلًا لَمْ يَتَعَذَّرْ كَمَا لَوْ عَلِمَ تَحْرِيمَ شُرْبِ الْخَمْرِ دُونَ إيجَابِهِ الْحَدَّ فَإِنَّهُ يُحَدُّ، إذْ حَقُّهُ بَعْدَ الْعِلْمِ بِالتَّحْرِيمِ الْكَفُّ، وَلَوْ تَكَلَّمَ نَاسِيًا لِتَحْرِيمِ الْكَلَامِ فِي الصَّلَاةِ بَطَلَتْ كَنِسْيَانِ النَّجَاسَةِ عَلَى ثَوْبِهِ صَرَّحَ بِهِ الْجُوَيْنِيُّ وَغَيْرُهُ، وَلَوْ جَهِلَ تَحْرِيمَ مَا أَتَى بِهِ مِنْهُ مَعَ عِلْمِهِ بِتَحْرِيمِ جِنْسِ الْكَلَامِ فَمَعْذُورٌ كَمَا شَمِلَهُ كَلَامُ ابْنِ الْمُقْرِي فِي رَوْضِهِ وَصَرَّحَ بِهِ أَصْلُهُ، وَكَذَا لَوْ سَلَّمَ نَاسِيًا ثُمَّ تَكَلَّمَ عَامِدًا أَيْ: يَسِيرًا كَمَا ذَكَرَهُ الرَّافِعِيُّ فِي الصَّوْمِ، وَلَوْ تَنَحْنَحَ إمَامُهُ فَبَانَ مِنْهُ حَرْفَانِ لَمْ يُفَارِقْهُ حَمْلًا عَلَى الْعُذْرِ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ تَحَرُّزُهُ عَنْ الْمُبْطِلِ، وَالْأَصْلُ بَقَاءُ الْعِبَادَةِ، وَقَدْ تَدُلُّ كَمَا قَالَ السُّبْكِيُّ قَرِينَةُ حَالَ الْإِمَامِ عَلَى خِلَافِ ذَلِكَ فَتَجِبُ الْمُفَارَقَةُ.
قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: وَلَوْ لَحَنَ فِي الْفَاتِحَةِ لَحْنًا يُغَيِّرُ الْمَعْنَى وَجَبَ مُفَارَقَتُهُ كَمَا لَوْ تَرَكَ وَاجِبًا لَكِنْ هَلْ يُفَارِقُهُ فِي الْحَالِ أَوْ حَتَّى يَرْكَعَ لِجَوَازِ أَنَّهُ لَحَنَ سَاهِيًا، وَقَدْ يَتَذَكَّرُ فَيُعِيدُ الْفَاتِحَةَ؟ الْأَقْرَبُ الْأَوَّلُ؛ لِأَنَّهُ لَا تَجُوزُ مُتَابَعَتُهُ فِي فِعْلِ السَّهْوِ.
اهـ.
بَلْ الْأَقْرَبُ الثَّانِي؛ لِأَنَّ إمَامَهُ لَوْ سَجَدَ قَبْلَ رُكُوعِهِ لَمْ تَجِبْ مُفَارَقَتُهُ فِي الْحَالِ (وَلَوْ أُكْرِهَ) الْمُصَلِّي (عَلَى الْكَلَامِ) الْيَسِيرِ فِي صَلَاتِهِ (بَطَلَتْ فِي الْأَظْهَرِ) لِأَنَّهُ
وَلَوْ نَطَقَ بِنَظْمِ الْقُرْآنِ بِقَصْدِ التَّفْهِيمِ كَيَا يَحْيَى خُذْ الْكِتَابَ إنْ قَصَدَ مَعَهُ قِرَاءَةً لَمْ تَبْطُلْ، وَإِلَّا بَطَلَتْ.
[مغني المحتاج]
أَمْرٌ نَادِرٌ كَالْإِكْرَاهِ عَلَى الْحَدَثِ.
وَالثَّانِي: لَا تَبْطُلُ كَالنَّاسِي.
أَمَّا الْكَثِيرُ فَتَبْطُلُ بِهِ جَزْمًا.
(وَلَوْ نَطَقَ بِنَظْمِ الْقُرْآنِ بِقَصْدِ التَّفْهِيمِ كَيَا يَحْيَى خُذْ الْكِتَابَ) مُفْهِمًا بِهِ مَنْ يَسْتَأْذِنُ فِي أَخْذِ شَيْءٍ أَنْ يَأْخُذَهُ وَمِثْلُ قَوْلِهِ لِمَنْ اسْتَأْذَنَ عَلَيْهِ فِي دُخُولٍ ﴿ادْخُلُوهَا بِسَلامٍ﴾ [الحجر: 46] [الْحِجْرُ] ، وَقَوْلُهُ لِمَنْ يَنْهَاهُ عَنْ فِعْلِ شَيْءٍ ﴿يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا﴾ [يوسف: 29] [الرُّومُ] إنْ قَصَدَ مَعَهُ أَيْ: التَّفْهِيمِ (قِرَاءَةً لَمْ تَبْطُلْ) لِأَنَّهُ قُرْآنٌ فَصَارَ كَمَا لَوْ قَصَدَ الْقُرْآنَ وَحْدَهُ؛ وَلِأَنَّ عَلِيًّا - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - كَانَ يُصَلِّي فَدَخَلَ رَجُلٌ مِنْ الْخَوَارِجِ فَقَالَ: لَا حُكْمَ إلَّا لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ، فَتَلَا عَلِيٌّ ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾ [الروم: 60] (وَإِلَّا) بِأَنْ قَصَدَ التَّفْهِيمَ فَقَطْ أَوْ لَمْ يَقْصِدْ شَيْئًا (بَطَلَتْ) بِهِ لِأَنَّهُ فِيهِمَا يُشْبِهُ كَلَامَ الْآدَمِيِّينَ فَلَا يَكُونُ قُرْآنًا إلَّا بِالْقَصْدِ قَالَ فِي الدَّقَائِقِ: يُفْهَمُ مِنْ قَوْلِ الْمِنْهَاجِ أَرْبَعُ رَسَائِلَ
إحْدَاهَا: إذَا قَصَدَ الْقِرَاءَةَ.
الثَّانِيَةُ: إذَا قَصَدَ الْقِرَاءَةَ وَالْإِعْلَامَ.
الثَّالِثَةُ: إذَا قَصَدَ الْإِعْلَامَ فَقَطْ.
الرَّابِعَةُ: أَنْ لَا يَقْصِدَ شَيْئًا.
فَفِي الْأُولَى وَالثَّانِيَةِ لَا تَبْطُلُ، وَفِي الثَّالِثَةِ وَالرَّابِعَةِ تَبْطُلُ، وَتُفْهَمُ الرَّابِعَةُ مِنْ قَوْلِهِ: وَإِلَّا بَطَلَتْ كَمَا يُفْهَمُ مِنْهُ الثَّالِثَةُ، وَهَذِهِ الرَّابِعَةُ لَمْ يَذْكُرْهَا الْمُحَرَّرُ، وَهِيَ نَفِيسَةٌ لَا يُسْتَغْنَى عَنْ بَيَانِهَا، وَسَبَقَ مِثْلُهَا فِي قَوْلِ الْمِنْهَاجِ، وَتَحِلُّ أَذْكَارُهُ لَا بِقَصْدِ قُرْآنٍ.
اهـ.
وَسُومِحَ فِي أَخْذِ الْأُولَى وَالرَّابِعَةِ مِنْ كَلَامِهِ لِأَنَّهُ جَعَلَ الْكَلَامَ فِيمَا لَوْ قَصَدَ التَّفْهِيمَ، وَجَعَلَ فِي ذَلِكَ قِسْمَيْنِ وَهُمَا: قَصْدُ الْقِرَاءَةِ مَعَهُ، وَعَدَمُ قَصْدِهَا مَعَهُ، فَلَا يَنْدَرِجُ فِي ذَلِكَ قَصْدُ الْقِرَاءَةِ فَقَطْ، وَعَدَمُ قَصْدِ شَيْءٍ أَصْلًا؛ لِأَنَّ مَا قُصِدَ فِيهِ التَّفْهِيمُ يَسْتَحِيلُ أَنْ يَنْدَرِجَ فِيهِ مَا لَا يُقْصَدُ فِيهِ التَّفْهِيمُ، وَهَذَا التَّفْصِيلُ يَجْرِي فِي الْفَتْحِ عَلَى الْإِمَامِ بِالْقُرْآنِ وَالْجَهْرِ بِالتَّكْبِيرِ أَوْ التَّسْمِيعِ، فَإِنَّهُ إنْ قَصَدَ الرَّدَّ مَعَ الْقِرَاءَةِ أَوْ الْقِرَاءَةَ فَقَطْ أَوْ قَصَدَ التَّكْبِيرَ أَوْ التَّسْمِيعَ فَقَطْ مَعَ الْإِعْلَامِ لَمْ تَبْطُلْ، وَإِلَّا بَطَلَتْ، وَإِنْ كَانَ فِي كَلَامِ بَعْضِ الْمُتَأَخِّرِينَ مَا يُوهِمُ خِلَافَ ذَلِكَ، وَخَرَجَ بِقَوْلِهِ بِنَظْمِ الْقُرْآنِ مَا لَوْ أَتَى بِكَلِمَاتٍ مِنْهُ مُتَوَالِيَةٍ مُفْرَدَاتُهَا فِيهِ دُونَ نَظْمِهَا، كَيَا إبْرَاهِيمُ سَلَامٌ كُنْ فَإِنَّ صَلَاتَهُ تَبْطُلُ، فَإِنْ فَرَّقَهَا وَقَصَدَ بِهَا الْقِرَاءَةَ لَمْ تَبْطُلْ بِهِ.
نَقَلَهُ فِي الْمَجْمُوعِ عَنْ الْمُتَوَلِّي وَأَقَرَّهُ، وَقَضِيَّتُهُ أَنَّهُ لَوْ قَصَدَ بِهَا الْقِرَاءَةَ فِي الشِّقِّ الْأَوَّلِ أَنَّ صَلَاتَهُ تَبْطُلُ، وَهُوَ ظَاهِرٌ كَمَا قَالَ شَيْخُنَا فِي شَرْحِ الْبَهْجَةِ فِيمَا إذَا لَمْ يَقْصِدْ الْقِرَاءَةَ بِكُلِّ كَلِمَةٍ عَلَى انْفِرَادِهَا وَإِلَّا لَمْ تَبْطُلْ، وَنَقَلَ فِي الْمَجْمُوعِ عَنْ الْعَبَّادِيِّ أَنَّهُ لَوْ قَالَ: الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ إنْ تَعَمَّدَ، وَإِلَّا فَلَا، وَيَسْجُدُ لِلسَّهْوِ، ثُمَّ قَالَ: وَفِيمَا قَالَهُ نَظَرٌ.
قَالَ الْأَذْرَعِيُّ: وَلَيْسَ كَمَا قَالَ، وَمَا قَالَهُ الْعَبَّادِيُّ (1) ، ظَاهِرٌ اهـ.
وَهُوَ كَذَلِكَ، وَقَالَ الْقَفَّالُ فِي فَتَاوِيهِ: إنَّهُ إنْ قَالَ ذَلِكَ
، وَلَا تَبْطُلُ بِالذِّكْرِ وَالدُّعَاءِ إلَّا أَنْ يُخَاطِبَ كَقَوْلِهِ لِعَاطِسٍ: يَرْحَمُكَ اللَّهُ.
[مغني المحتاج]
مُتَعَمِّدًا مُعْتَقِدًا كَفَرَ، وَلَوْ قَالَ: قَالَ اللَّهُ أَوْ النَّبِيُّ كَذَا بَطَلَتْ صَلَاتُهُ كَمَا شَمِلَهُ كَلَامُهُمْ، وَصَرَّحَ بِهِ الْقَاضِي وَتَبْطُلُ بِمَنْسُوخِ التِّلَاوَةِ، وَإِنْ لَمْ يُنْسَخْ حُكْمُهُ لَا بِمَنْسُوخِ الْحُكْمِ دُونَ التِّلَاوَةِ.
(، وَلَا تَبْطُلُ) الصَّلَاةُ (بِالذِّكْرِ وَالدُّعَاءِ) وَإِنْ لَمْ يُنْدَبَا، وَلَا بِنَذْرٍ.
قَالَ فِي الْمَجْمُوعِ: لِأَنَّهُ مُنَاجَاةٌ لِلَّهِ تَعَالَى فَهُوَ مِنْ جِنْسِ الدُّعَاءِ، وَسَيَأْتِي إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فِي بَابِ النَّذْرِ هَلْ هُوَ قُرْبَةٌ أَوْ لَا إلَّا مَا عَلَّقَ مِنْ ذَلِكَ كَقَوْلِهِ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي إنْ أَرَدْت، أَوْ إنْ شَفَى اللَّهُ مَرِيضِي فَعَلَيَّ عِتْقُ رَقَبَةٍ، أَوْ إنْ كَلَّمْت زَيْدًا فَعَلَيَّ كَذَا فَتَبْطُلُ بِهِ صَلَاتُهُ، وَكَذَا لَوْ كَانَ الدُّعَاءُ مُحَرَّمًا، وَيُشْتَرَطُ النُّطْقُ بِذَلِكَ بِالْعَرَبِيَّةِ إنْ كَانَ يُحْسِنُهَا كَمَا مَرَّتْ الْإِشَارَةُ إلَيْهِ، وَأَنْ لَا يَكُونَ فِيهِ خِطَابُ مَخْلُوقٍ غَيْرِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ إنْسٍ وَجِنٍّ وَمَلَكٍ كَمَا قَالَ (إلَّا أَنْ يُخَاطِبَ) بِهِ (كَقَوْلِهِ لِعَاطِسٍ: يَرْحَمُكَ اللَّهُ) وَنَحْوَ ذَلِكَ كَسُبْحَانَ رَبِّي وَرَبِّكَ، أَوْ قَالَ لِعَبْدِهِ لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أُعْتِقَكَ فَتَبْطُلُ بِهِ، وَاسْتَثْنَى الزَّرْكَشِيُّ وَغَيْرُهُ مَسَائِلَ:
إحْدَاهَا: دُعَاءٌ فِيهِ خِطَابٌ لِمَا لَا يَعْقِلُ كَقَوْلِهِ: يَا أَرْضُ رَبِّي، وَرَبُّك اللَّهُ، أَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ شَرِّك، وَشَرِّ مَا فِيك، وَشَرِّ مَا دَبَّ عَلَيْك، وَكَقَوْلِهِ إذَا رَأَى الْهِلَالَ: آمَنْتُ بِاَللَّهِ الَّذِي خَلَقَكَ رَبِّي وَرَبُّك اللَّهُ.
ثَانِيهَا: إذَا أَحَسَّ بِالشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يُسْتَحَبُّ أَنْ يُخَاطِبَهُ بِقَوْلِهِ أَلْعَنُكَ بِلَعْنَةِ اللَّهِ أَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْكَ؛ لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ ذَلِكَ فِي الصَّلَاةِ.
ثَالِثُهَا: لَوْ خَاطَبَ الْمَيِّتَ فِي الصَّلَاةِ عَلَيْهِ فَقَالَ: رَحِمَك اللَّهُ، غَفَرَ اللَّهُ لَك؛ لِأَنَّهُ لَا يُعَدُّ خِطَابًا، وَلِهَذَا لَوْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ إنْ كَلَّمْت زَيْدًا فَأَنْتِ طَالِقٌ فَكَلَّمَتْهُ مَيِّتًا لَمْ تَطْلُقْ، وَالْمُعْتَمَدُ خِلَافُ مَا ذُكِرَ مِنْ الِاسْتِثْنَاءِ، وَقَدْ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ الْحَدِيثَ الَّذِي وَرَدَ بِأَنَّهُ خَاطَبَ الشَّيْطَانَ بِقَوْلِهِ " أَلْعَنُك بِلَعْنَةِ اللَّهِ " وَقَالَ: إنَّهُ إمَّا مُؤَوَّلٌ أَوْ كَانَ ذَلِكَ قَبْلَ تَحْرِيمِ الْكَلَامِ.
اهـ.
أَمَّا خِطَابُ الْخَالِقِ كَ - إيَّاكَ نَعْبُدُ -، وَخِطَابُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَ " السَّلَامُ عَلَيْكَ " فِي التَّشَهُّدِ فَلَا تَبْطُلُ بِهِ.
قَالَ الْأَذْرَعِيُّ: وَقَضِيَّتُهُ أَنَّهُ لَوْ سَمِعَ بِذِكْرِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ: السَّلَامُ عَلَيْك أَوْ الصَّلَاةُ عَلَيْك يَا رَسُولَ اللَّهِ أَوْ نَحْوَهُ لَمْ تَبْطُلْ صَلَاتُهُ، وَيُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ الْأَرْجَحُ بُطْلَانَهَا مِنْ الْعَالِمِ لِمَنْعِهِ مِنْ ذَلِكَ، وَفِي إلْحَاقِهِ بِمَا فِي التَّشَهُّدِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّهُ خِطَابٌ غَيْرُ مَشْرُوعٍ.
اهـ.
وَالْأَوْجَهُ عَدَمُ الْبُطْلَانِ إلْحَاقًا لَهُ بِمَا فِي التَّشَهُّدِ كَمَا يُؤْخَذُ مِمَّا مَرَّ.
قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: وَالظَّاهِرُ أَنَّ إجَابَةَ عِيسَى - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَعْدَ نُزُولِهِ كَإِجَابَةِ نَبِيِّنَا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَكِنَّ مُقْتَضَى كَلَامِ الرَّافِعِيِّ أَنَّ خِطَابَ الْمَلَائِكَةِ وَبَاقِيَ الْأَنْبِيَاءِ تَبْطُلُ بِهِ الصَّلَاةُ.
اهـ.
وَالْمُقْتَضِي هُوَ الْمُعْتَمِدُ، وَالْمُتَّجَهُ كَمَا قَالَهُ الْإِسْنَوِيُّ أَنَّ إجَابَةَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالْفِعْلِ الْكَثِيرِ كَإِجَابَتِهِ بِالْقَوْلِ، وَلَا تَجِبُ إجَابَةُ الْأَبَوَيْنِ فِي الصَّلَاةِ، بَلْ تَحْرُمُ فِي الْفَرْضِ وَتَجُوزُ فِي النَّفْلِ، وَالْأَوْلَى الْإِجَابَةُ فِيهِ إنْ شَقَّ عَلَيْهِمَا عَدَمُهَا كَمَا بَحَثَهُ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ، وَتَبْطُلُ بِإِجَابَةِ أَحَدِهِمَا لَا بِإِشَارَةِ الْأَخْرَسِ، وَإِنْ بَاعَ بِهَا وَاشْتَرَى.
وَلَوْ قَالَ: قَافْ، أَوْ صَادْ، أَوْ نُونْ، فَإِنْ قَصَدَ كَلَامَ الْآدَمِيِّينَ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ، وَكَذَا إنْ لَمْ يَقْصِدْ شَيْئًا كَمَا بَحَثَهُ بَعْضُهُمْ أَوْ الْقُرْآنَ لَمْ تَبْطُلْ، وَعُلِمَ بِذَلِكَ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْحَرْفِ غَيْرِ الْمُفْهِمِ الَّذِي لَا تَبْطُلُ الصَّلَاةُ بِهِ هُوَ مُسَمَّى الْحَرْفِ لَا اسْمُهُ، وَلَوْ قَرَأَ إمَامُهُ ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: 5] فَقَالَهَا بَطَلَتْ صَلَاتُهُ إنْ لَمْ يَقْصِدْ تِلَاوَةً أَوْ دُعَاءً كَمَا فِي التَّحْقِيقِ فَإِنْ قَصَدَ ذَلِكَ لَمْ تَبْطُلْ، أَوْ قَالَ: اسْتَعَنْت بِاَللَّهِ أَوْ
وَلَوْ سَكَتَ طَوِيلًا بِلَا غَرَضٍ لَمْ تَبْطُلْ فِي الْأَصَحِّ.
، وَيَسُنُّ لِمَنْ نَابَهُ شَيْءٌ كَتَنْبِيهِ إمَامِهِ، وَإِذْنِهِ لِدَاخِلٍ، وَإِنْذَارِهِ أَعْمَى أَنْ يُسَبِّحَ، وَتُصَفِّقَ الْمَرْأَةُ بِضَرْبِ الْيَمِينِ عَلَى ظَهْرِ الْيَسَارِ.
[مغني المحتاج]
اسْتَعَنَّا بِاَللَّهِ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ، وَإِنْ قَصَدَ بِذَلِكَ الثَّنَاءَ أَوْ الذِّكْرَ كَمَا فِي فَتَاوَى شَيْخِي قَالَ: إذْ لَا عِبْرَةَ بِقَصْدِ مَا لَمْ يُفِدْهُ اللَّفْظُ، وَيُقَاسُ عَلَى ذَلِكَ مَا أَشْبَهَهُ.
(وَلَوْ سَكَتَ طَوِيلًا) عَمْدًا فِي غَيْرِ رُكْنٍ قَصِيرٍ (بِلَا غَرَضٍ لَمْ تَبْطُلْ) صَلَاتُهُ (فِي الْأَصَحِّ) لِأَنَّ ذَلِكَ لَا يَخْرُمُ هَيْئَةَ الصَّلَاةِ، وَالثَّانِي تَبْطُلُ لِإِشْعَارِهِ بِالْإِعْرَاضِ عَنْهَا.
أَمَّا تَطْوِيلُ الرُّكْنِ الْقَصِيرِ، فَتَبْطُلُ الصَّلَاةُ بِتَطْوِيلِهِ كَمَا سَيَأْتِي فِي الْبَابِ الْآتِي.
قَالَ الْإِسْنَوِيُّ: وَاحْتَرَزَ بِقَوْلِهِ طَوِيلًا عَنْ الْيَسِيرِ، فَإِنَّهُ لَا يَضُرُّ جَزْمًا، وَبِلَا غَرَضٍ عَنْ السُّكُوتِ نَاسِيًا وَلِتَذَكُّرِ شَيْءٍ نَسِيَهُ فَالْأَصَحُّ فِيهِمَا الْقَطْعُ بِعَدَمِ الْبُطْلَانِ.
اهـ.
وَنُظِرَ فِي دَعْوَاهُ الِاحْتِرَازَ بِقَوْلِهِ: بِلَا غَرَضٍ عَنْ النِّسْيَانِ، فَإِنَّ النَّاسِيَ يَصْدُقُ عَلَيْهِ بِأَنْ سَكَتَ بِلَا غَرَضٍ، وَإِنَّمَا يَخْرُجُ مَا قَدَّرْتُهُ تَبَعًا لِلشَّارِحِ.
(، وَيَسُنُّ لِمَنْ نَابَهُ شَيْءٌ) فِي صَلَاتِهِ (كَتَنْبِيهِ إمَامِهِ) لِنَحْوِ سَهْوٍ (وَإِذْنِهِ لِدَاخِلٍ) اسْتَأْذَنَ فِي الدُّخُولِ عَلَيْهِ (وَإِنْذَارِهِ أَعْمَى) مَخَافَةَ أَنْ يَقَعَ فِي مَحْذُورٍ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ كَغَافِلٍ وَغَيْرِ مُمَيِّزٍ، وَمَنْ قَصَدَهُ ظَالِمٌ أَوْ نَحْوُ سَبُعٍ (أَنْ يُسَبِّحَ وَتُصَفِّقَ الْمَرْأَةُ) وَمِثْلُهَا الْخُنْثَى (بِضَرْبِ) بَطْنِ (الْيَمِينِ عَلَى ظَهْرِ الْيَسَارِ) أَوْ عَكْسِهِ أَوْ بِضَرْبِ ظَهْرِ الْيَمِينِ عَلَى بَطْنِ الْيَسَارِ أَوْ عَكْسِهِ، فَهَذِهِ أَرْبَعُ صُوَرٍ تَنَاوَلَهَا قَوْلُ التَّحْقِيقِ تُصَفِّقُ بِظَهْرِ كَفٍّ عَلَى بَطْنِ أُخْرَى وَنَحْوِهِ لَا بَطْنٍ عَلَى بَطْنٍ، فَتَنَاوَلَ كَلَامُهُ أَوَّلًا جَوَازَ الضَّرْبِ بِظَهْرِ الْيُمْنَى عَلَى بَطْنِ الْيُسْرَى، وَبِظَهْرِ الْيُسْرَى عَلَى بَطْنِ الْيُمْنَى، وَقَوْلُهُ: وَنَحْوِهِ عَكْسُهُمَا، وَهُوَ الضَّرْبُ بِبَطْنِ الْيُمْنَى عَلَى ظَهْرِ الْيُسْرَى، وَبَطْنِ الْيُسْرَى عَلَى ظَهْرِ الْيُمْنَى.
وَأَمَّا الضَّرْبُ بِبَطْنِ إحْدَاهُمَا عَلَى بَطْنِ الْأُخْرَى فَقَالَ الرَّافِعِيُّ: لَا يَنْبَغِي فَإِنَّهُ لَعِبٌ، وَلَوْ فَعَلَتْهُ عَلَى وَجْهِ اللَّعِبِ عَالِمَةً بِالتَّحْرِيمِ بَطَلَتْ صَلَاتُهَا، وَإِنْ كَانَ قَلِيلًا، فَإِنَّ اللَّعِبَ يُنَافِي الصَّلَاةَ.
اهـ.
وَيُؤْخَذُ مِنْ ذَلِكَ أَنَّهَا إذَا فَعَلَتْ فِعْلَةً مِنْ الصُّوَرِ الْأَرْبَعِ عَلَى وَجْهِ اللَّعِبِ كَانَ الْحُكْمُ كَذَلِكَ، وَهُوَ كَذَلِكَ، وَإِنَّمَا نَصُّوا عَلَى هَذِهِ؛ لِأَنَّ الْغَالِبَ أَنَّ اللَّعِبَ لَا يُقْصَدُ إلَّا بِهَا، وَقَدْ أَفْتَى شَيْخِي فِي شَخْصٍ أَقَامَ أُصْبُعَهُ الْوُسْطَى، وَهُوَ فِي صَلَاتِهِ لِشَخْصٍ لَاعِبًا مَعَهُ بِأَنَّ صَلَاتَهُ تَبْطُلُ، وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ خَبَرُ الصَّحِيحَيْنِ «مَنْ نَابَهُ شَيْءٌ فِي صَلَاتِهِ فَلْيُسَبِّحْ، وَإِنَّمَا التَّصْفِيقُ لِلنِّسَاءِ» (1) وَمِثْلُهُنَّ الْخَنَاثَى كَمَا مَرَّ، وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّهُ لَا بُدَّ أَنْ يَقْصِدَ بِذَلِكَ الذِّكْرَ مَعَ التَّفْهِيمِ، فَإِنْ قَصَدَ التَّفْهِيمَ فَقَطْ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ، وَإِنْ قَالَ فِي الْمُهَذَّبِ إنَّهَا لَا تَبْطُلُ لِأَنَّهُ مَأْمُورٌ بِهِ، وَسَكَتَ عَلَيْهِ الْمُصَنِّفُ، وَكَذَا إنْ أَطْلَقَ.
فَإِنْ قِيلَ: قَدْ أَطْلَقَ الْمُصَنِّفُ اسْتِحْبَابَ الْإِنْذَارِ، وَهُوَ تَارَةً يَكُونُ وَاجِبًا كَإِنْذَارِ الْأَعْمَى، وَتَارَةً يَكُونُ مُسْتَحَبًّا كَتَنْبِيهِ إمَامِهِ إذَا هَمَّ بِتَرْكِ مُسْتَحَبٍّ كَالتَّشَهُّدِ الْأَوَّلِ، وَتَارَةً يَكُونُ مُبَاحًا كَإِذْنِهِ لِدَاخِلٍ.
.
أُجِيبَ بِأَنَّهُ إنَّمَا أَرَادَ التَّفْرِقَةَ بَيْنَ حُكْمِ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ بِالنِّسْبَةِ
وَلَوْ فَعَلَ فِي صَلَاتِهِ غَيْرَهَا إنْ كَانَ مِنْ جِنْسِهَا بَطَلَتْ إلَّا أَنْ يَنْسَى.
[مغني المحتاج]
إلَى التَّسْبِيحِ وَالتَّصْفِيقِ، وَلَمْ يَرِدْ بَيَانُ حُكْمِ التَّنْبِيهِ، وَعَلَى هَذَا يَفُوتُهُ حُكْمُ التَّنْبِيهِ هَلْ هُوَ وَاجِبٌ أَوْ مَنْدُوبٌ أَوْ مُبَاحٌ؟ ، وَلَا رَيْبَ أَنَّهُ مَنْدُوبٌ لِمَنْدُوبٍ كَالْمِثَالِ الْأَوَّلِ فِي الْمَتْنِ، وَمُبَاحٌ لِمُبَاحٍ كَالْمِثَالِ الثَّانِي، وَوَاجِبٌ لِوَاجِبٍ كَالْمِثَالِ الثَّالِثِ، وَمَا أُلْحِقَ بِهِ، فَلَوْ صَفَّقَ الرَّجُلُ، وَسَبَّحَتْ الْمَرْأَةُ جَازَ، لَكِنْ خَالَفَا السُّنَّةَ كَمَا هُوَ قَضِيَّةُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: وَقَدْ أَطْلَقُوا التَّصْفِيقَ لِلْمَرْأَةِ، وَلَا شَكَّ أَنَّ مَوْضِعَهُ إذَا كَانَتْ بِحَضْرَةِ رِجَالٍ أَجَانِبَ، فَلَوْ كَانَتْ بِحَضْرَةِ النِّسَاءِ أَوْ الرِّجَالِ الْمَحَارِمِ فَإِنَّهَا تُسَبِّحُ كَالْجَهْرِ بِالْقِرَاءَةِ بِحَضْرَتِهِمْ، وَالْمُعْتَمَدُ إطْلَاقُ كَلَامِ الْأَصْحَابِ، وَإِنْ وَافَقَهُ شَيْخُنَا عَلَى هَذَا الْبَحْثِ فِي شَرْحِ الرَّوْضِ وَلَمْ يَعْزُهُ لَهُ، وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ أَنَّ تَصْفِيقَ الْمَرْأَةِ لَا يَضُرُّ إذَا كَثُرَ وَتَوَالَى عِنْدَ الْحَاجَةِ إلَيْهِ، وَهُوَ كَذَلِكَ كَمَا فِي الْكِفَايَةِ، وَإِنْ قَالَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ: إنَّهُ يَضُرُّ.
فَإِنْ قِيلَ: دَفْعُ الْمَارِّ إذَا تَوَالَى، وَكَثُرَ يَضُرُّ فَهَلَّا كَانَ هَذَا كَذَلِكَ؟ .
أُجِيبَ بِأَنَّ هَذَا فِعْلٌ خَفِيفٌ فَاغْتُفِرَ فِيهِ التَّوَالِي مَعَ الْكَثْرَةِ كَتَحْرِيكِ الْأَصَابِعِ بِسُبْحَةٍ إنْ لَمْ تُحَرِّكْ كَفَّهَا، وَإِلَّا فَكَتَحْرِيكِ الْكَفِّ لِلْجَرَبِ بِجَامِعِ الْحَاجَةِ، وَهُوَ لَا يَضُرُّ، بَلْ قَالَ الزَّرْكَشِيُّ إنَّ تَحْرِيكَ الْكَفِّ كَتَحْرِيكِ الْأَصَابِعِ، وَسَيَأْتِي مَا فِيهِ، وَإِذَا لَمْ يَحْصُلْ الْإِنْذَارُ الْوَاجِبُ إلَّا بِالْفِعْلِ الْمُبْطِلِ أَوْ بِالْكَلَامِ وَجَبَ وَبَطَلَتْ صَلَاتُهُ بِالْأَوَّلِ، وَكَذَا بِالثَّانِي عَلَى الْأَصَحِّ فِي الرَّوْضَةِ وَأَصْلُهَا، وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ، وَإِنْ قَالَ فِي التَّحْقِيقِ بِالصِّحَّةِ وَاقْتَضَاهُ كَلَامُ الْمَجْمُوعِ إذَا لَمْ يَكُنْ إلَّا بِهِ.
(وَلَوْ فَعَلَ فِي صَلَاتِهِ غَيْرَهَا) أَيْ: فَعَلَ فِيهَا غَيْرَ مَا شُرِعَ فِيهَا (إنْ كَانَ) الْمَفْعُولُ (مِنْ جِنْسِهَا) أَيْ: مِنْ جِنْسِ أَفْعَالِهَا كَزِيَادَةِ رُكُوعٍ أَوْ سُجُودٍ أَوْ قُعُودٍ أَوْ قِيَامٍ وَإِنْ لَمْ يَطْمَئِنَّ لَا عَلَى وَجْهِ الْمُتَابَعَةِ مِنْ الْمَسْبُوقِ (بَطَلَتْ) صَلَاتُهُ لِتَلَاعُبِهِ لَكِنْ لَوْ جَلَسَ مِنْ اعْتِدَالِهِ قَدْرَ جِلْسَةِ الِاسْتِرَاحَةِ ثُمَّ سَجَدَ أَوْ جَلَسَ مِنْ سُجُودِ التِّلَاوَةِ لِلِاسْتِرَاحَةِ قَبْلَ قِيَامِهِ لَمْ يَضُرَّ؛ لِأَنَّ هَذِهِ الْجِلْسَةَ مَعْهُودَةٌ فِي الصَّلَاةِ غَيْرُ رُكْنٍ بِخِلَافِ نَحْوِ الرُّكُوعِ فَإِنَّهُ لَمْ يَعْهَدْ فِيهَا إلَّا رُكْنًا فَكَانَ تَأْثِيرُهُ فِي تَغْيِيرِ نَظْمِهَا أَشَدَّ.
نَعَمْ لَوْ انْتَهَى مِنْ قِيَامِهِ إلَى حَدِّ الرُّكُوعِ لِقَتْلِ نَحْوِ حَيَّةٍ لَمْ يَضُرَّ كَمَا قَالَهُ الْخُوَارِزْمِيُّ، وَكَذَا لَوْ فَعَلَ مَا ذَكَرَ نَاسِيًا كَمَا قَالَ (إلَّا أَنْ يَنْسَى) لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «صَلَّى الظُّهْرَ خَمْسًا، وَسَجَدَ لِلسَّهْوِ، وَلَمْ يُعِدْهَا» رَوَاهُ الشَّيْخَانِ.
وَالْجَهْلُ مَعَ قُرْبِ الْعَهْدِ بِالْإِسْلَامِ أَوْ الْبُعْدِ عَنْ الْعُلَمَاءِ كَالنِّسْيَانِ كَمَا قَالَهُ الْأَذْرَعِيُّ، وَقَالَ فِي الْأَنْوَارِ: لَوْ فَعَلَ مَا لَا يَقْتَضِي سُجُودَ سَهْوٍ فَظَنَّ أَنَّهُ يَقْتَضِيهِ وَسَجَدَ لَمْ تَبْطُلْ إنَّ كَانَ جَاهِلًا لِقُرْبِ عَهْدِهِ بِالْإِسْلَامِ أَوْ لِبُعْدِهِ عَنْ الْعُلَمَاءِ.
أَمَّا مَا فَعَلَهُ عَلَى وَجْهِ الْمُتَابَعَةِ لِإِمَامِهِ، فَلَا يَضُرُّ كَأَنْ اقْتَدَى بِمَنْ اعْتَدَلَ مِنْ الرُّكُوعِ فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ مُتَابَعَتُهُ فِي الزَّائِدِ، وَلَوْ رَكَعَ أَوْ سَجَدَ قَبْلَ الْإِمَامِ كَانَ لَهُ الْعَوْدُ ثَانِيًا كَمَا سَيَأْتِي فِي صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَلَا يَضُرُّ ذَلِكَ، وَإِنْ صَدَقَ عَلَيْهِ أَنَّهُ زَادَ رُكُوعًا أَوْ سُجُودًا لِأَجْلِ الْمُتَابَعَةِ، وَلَوْ قَرَأَ فِي صَلَاتِهِ آيَةَ سَجْدَةٍ فَهَوَى لِيَسْجُدَ حَتَّى وَصَلَ لِحَدِّ الرُّكُوعِ ثُمَّ بَدَا لَهُ فَتَرَكَهُ جَازَ كَقِرَاءَةِ بَعْضِ التَّشَهُّدِ الْأَوَّلِ، وَلَوْ سَجَدَ عَلَى خَشِنٍ فَرَفَعَ رَأْسَهُ لِئَلَّا تَنْجَرِحَ جَبْهَتُهُ ثُمَّ سَجَدَ ثَانِيًا بَطَلَتْ صَلَاتُهُ إنْ كَانَ تَحَامَلَ عَلَى الْخَشِنِ بِثُقْلِ رَأْسِهِ فِي أَحَدِ احْتِمَالَيْنِ لِلْقَاضِي حُسَيْنٍ يَظْهَرُ تَرْجِيحُهُ، وَإِلَّا فَلَا تَبْطُلُ، وَالِاحْتِمَالُ الثَّانِي تَبْطُلُ مُطْلَقًا، وَخَرَجَ بِقَوْلِ الْمُصَنِّفِ فِعْلُ الْقَوْلِ، فَلَوْ نَقَلَ رُكْنًا
وَإِلَّا فَتَبْطُلُ بِكَثِيرِهِ، لَا قَلِيلِهِ، وَالْكَثْرَةُ بِالْعُرْفِ، فَالْخُطْوَتَانِ أَوْ الضَّرْبَتَانِ قَلِيلٌ، وَالثَّلَاثُ كَثِيرٌ إنْ تَوَالَتْ، وَتَبْطُلُ بِالْوَثْبَةِ الْفَاحِشَةِ لَا الْحَرَكَاتِ الْخَفِيفَةِ الْمُتَوَالِيَةِ كَتَحْرِيكِ أَصَابِعِهِ فِي سَبْحَةٍ، أَوْ حَكٍّ فِي
[مغني المحتاج]
قَوْلِيًّا غَيْرَ السَّلَامِ أَوْ كَرَّرَهُ عَمْدًا، فَإِنَّهُ لَا يَضُرُّ عَلَى النَّصِّ كَمَا سَيَأْتِي فِي الْبَابِ الْآتِي، أَمَّا نَقْلُ السَّلَامِ إلَى غَيْرِ مَحَلِّهِ فَإِنَّهُ يَضُرُّ كَمَا مَرَّتْ الْإِشَارَةُ إلَيْهِ.
(وَإِلَّا) أَيْ: وَإِنْ لَمْ يَكُنْ الْمَفْعُولُ مِنْ جِنْسِ أَفْعَالِهَا كَالْمَشْيِ وَالضَّرْبِ (فَتَبْطُلُ بِكَثِيرِهِ) وَلَوْ سَهْوًا لِأَنَّ الْحَاجَةَ لَا تَدْعُو إلَيْهِ.
أَمَّا إذَا دَعَتْ الْحَاجَةُ إلَيْهِ كَصَلَاةِ شِدَّةِ الْخَوْفِ أَوْ الْمُتَنَفِّلِ عَلَى الرَّاحِلَةِ إذَا احْتَاجَ إلَى تَحْرِيكِ يَدِهِ أَوْ رِجْلِهِ فَإِنَّهُ لَا يَضُرُّ وَإِنْ كَثُرَ (لَا قَلِيلِهِ) وَلَوْ عَمْدًا، وَفَارَقَ الْفِعْلُ الْقَوْلَ حَيْثُ اسْتَوَى قَلِيلُهُ وَكَثِيرُهُ فِي الْإِبْطَالِ بِأَنَّ الْفِعْلَ يَتَعَذَّرُ أَوْ يَعْسُرُ الِاحْتِرَازُ عَنْهُ، فَعُفِيَ عَنْ الْقَدْرِ الَّذِي لَا يُخِلُّ بِالصَّلَاةِ بِخِلَافِ الْقَوْلِ، وَقَدْ ثَبَتَ «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَّى، وَهُوَ حَامِلٌ أُمَامَةَ بِنْتَ بِنْتِهِ، فَكَانَ إذَا سَجَدَ وَضَعَهَا وَإِذَا قَامَ حَمَلَهَا» (1) رَوَاهُ الشَّيْخَانِ «وَأَمَرَ بِقَتْلِ الْأَسْوَدَيْنِ فِي الصَّلَاةِ الْحَيَّةِ وَالْعَقْرَبِ وَخَلَعَ نَعْلَيْهِ فِي صَلَاتِهِ» . نَعَمْ الْأَكْلُ الْقَلِيلُ الْعَمْدُ يُبْطِلُهَا كَمَا سَيَأْتِي، وَكَذَا الْفِعْلُ الْقَلِيلُ بِقَصْدِ اللَّعِبِ كَمَا يُؤْخَذُ مِمَّا مَرَّ (وَالْكَثْرَةُ) وَالْقِلَّةُ (بِالْعُرْفِ) فِي الْأَصَحِّ فَمَا يَعُدُّهُ النَّاسُ قَلِيلًا كَخَلْعِ الْخُفِّ وَلُبْسِ الثَّوْبِ الْخَفِيفِ وَقَتْلِ قَمْلَةٍ وَدَمُهَا عَفْوٌ فَقَلِيلٌ، نَعَمْ إنْ حَمَلَ جِلْدَ الْقَمْلَةِ الْمَقْتُولَةِ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ، وَمَثَّلَ الْمُصَنِّفُ لِذَلِكَ بِقَوْلِ (فَالْخُطْوَتَانِ) الْمُتَوَسِّطَتَانِ (أَوْ الضَّرْبَتَانِ) كَذَلِكَ أَوْ الْإِشَارَةُ بِرَدِّ السَّلَامِ (قَلِيلٌ) لِحَدِيثِ خَلْعِ النَّعْلَيْنِ وَمَا يَعُدُّهُ النَّاسُ كَثِيرًا مِمَّا ذُكِرَ أَوْ غَيْرِهِ فَكَثِيرٌ، وَقَدْ مَثَّلَ لَهُ الْمُصَنِّفُ بِقَوْلِهِ (وَالثَّلَاثُ) مِنْ ذَلِكَ أَوْ غَيْرِهِ (كَثِيرٌ إنْ تَوَالَتْ) سَوَاءٌ أَكَانَتْ مِنْ جِنْسِ الْخُطُوَاتِ أَمْ أَجْنَاسٍ كَخُطْوَةٍ وَضَرْبَةٍ وَخَلْعِ نَعْلٍ، وَسَوَاءٌ أَكَانَتْ الْخُطُوَاتُ الثَّلَاثُ بِقَدْرِ خُطْوَةٍ وَاحِدَةٍ أَمْ لَا كَمَا قَالَهُ الْإِمَامُ.
وَقِيلَ: الْقَلِيلُ مَا لَا يَحْتَاجُ فِيهِ إلَى كِلْتَا الْيَدَيْنِ، وَالْكَثِيرُ مَا يَحْتَاجُ إلَى ذَلِكَ كَعَقْدِ الْإِزَارِ وَالتَّعَمُّمِ، وَقِيلَ: الْكَثِيرُ مَا يَسَعُ وَقْتُهُ رَكْعَةً، وَالْقَلِيلُ خِلَافُهُ، وَقِيلَ: غَيْرُ ذَلِكَ، وَخَرَجَ بِقَوْلِهِ: إنْ تَوَالَتْ مَا لَوْ أَتَى بِالثَّلَاثِ مُتَفَرِّقَةً بِحَيْثُ تُعَدُّ الثَّانِيَةُ مَثَلًا مُنْقَطِعَةً عَنْ الْأُولَى أَوْ الثَّانِيَةِ مُنْقَطِعَةً عَنْ الثَّالِثَةِ فَإِنَّهُ لَا يَضُرُّ لِحَدِيثِ حَمْلِ أُمَامَةَ، وَعِنْدَ الْبَغَوِيِّ أَنْ يَكُونَ بَيْنَهُمَا قَدْرُ رَكْعَةٍ، وَلَوْ فَعَلَ وَاحِدَةً بِنِيَّةِ الثَّلَاثِ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ كَمَا قَالَهُ الْعِمْرَانِيِّ، وَإِذَا تَكَلَّمَ بِحَرْفٍ وَنَوَى أَنْ يَأْتِيَ بِحَرْفَيْنِ هَلْ تَبْطُلُ صَلَاتُهُ قِيَاسًا عَلَى ذَلِكَ أَوْ لَا؟ لَمْ أَرَ مَنْ تَعَرَّضَ لَهُ، وَالظَّاهِرُ الْأَوَّلُ، وَلَوْ تَرَدَّدَ فِي فِعْلٍ فَعَلَهُ هَلْ وَصَلَ إلَى حَدِّ الْكَثْرَةِ أَوْ لَا لَمْ يَضُرَّ كَمَا قَالَ الْإِمَامُ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُهُ (وَتَبْطُلُ بِالْوَثْبَةِ) لِمُنَافَاتِهَا لِلصَّلَاةِ، وَقَوْلُهُ (الْفَاحِشَةِ) يُفْهِمُ أَنَّ لَنَا وَثْبَةً غَيْرَ فَاحِشَةٍ لَا تُبْطِلُ الصَّلَاةَ وَلَيْسَ مُرَادًا، وَلِذَلِكَ عَدَلَ ابْنُ الْمُقْرِي عَنْ هَذِهِ الْعِبَارَةِ إلَى قَوْلِهِ: وَلَوْ فَحُشَتْ الْفَعْلَةُ كَوَثْبَةٍ بَطَلَتْ (لَا الْحَرَكَاتِ الْخَفِيفَةِ الْمُتَوَالِيَةِ كَتَحْرِيكِ أَصَابِعِهِ) بِلَا حَرَكَةِ كَفِّهِ (فِي سُبْحَةٍ) أَوْ عَقْدٍ أَوْ حَلٍّ (أَوْ حَكٍّ) أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ كَتَحْرِيكِ لِسَانِهِ أَوْ أَجْفَانِهِ أَوْ شَفَتَيْهِ أَوْ ذَكَرِهِ مِرَارًا وَلَاءً فَلَا تَبْطُلُ بِذَلِكَ (فِي
الْأَصَحِّ، وَسَهْوُ الْفِعْلِ كَعَمْدِهِ فِي الْأَصَحِّ، وَتَبْطُلُ بِقَلِيلِ الْأَكْلِ.
قُلْتُ: إلَّا أَنْ يَكُونَ نَاسِيًا، أَوْ جَاهِلًا تَحْرِيمَهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
فَلَوْ كَانَ بِفَمِهِ سُكَّرَةٌ فَبَلِعَ ذَوْبَهَا بَطَلَتْ فِي الْأَصَحِّ.
وَيُسَنُّ لِلْمُصَلِّي إلَى جِدَارٍ، أَوْ سَارِيَةٍ،
[مغني المحتاج]
الْأَصَحِّ) إذْ لَا يُخِلُّ ذَلِكَ بِهَيْئَةِ الْخُشُوعِ وَالتَّعْظِيمِ فَأَشْبَهَ الْفِعْلَ الْقَلِيلَ.
وَالثَّانِي: تَبْطُلُ بِذَلِكَ لِأَنَّهَا أَفْعَالٌ كَثِيرَةٌ مُتَوَالِيَةٌ فَأَشْبَهَتْ الْخُطُوَاتِ، فَإِنْ حَرَّكَ كَفَّهُ فِي ذَلِكَ ثَلَاثًا مُتَوَالِيَةً بَطَلَتْ خِلَافًا لِلزَّرْكَشِيِّ، وَمَا يُفْهَمُ مِنْ كَلَامِ الْإِمَامِ مِنْ التَّسْوِيَةِ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْأَصَابِعِ.
نَعَمْ إنْ كَانَ بِهِ جَرَبٌ لَا يَقْدِرُ مَعَهُ عَلَى الصَّبْرِ لَمْ تَبْطُلْ بِتَحْرِيكِ كَفِّهِ ثَلَاثًا وِلَاءً كَمَا قَالَهُ الْخُوَارِزْمِيُّ فِي كَافِيهِ لِلضَّرُورَةِ، وَلَوْ فَتَحَ كِتَابًا، وَفَهِمَ مَا فِيهِ أَوْ قَرَأَ فِي مُصْحَفٍ، وَلَوْ قَلَّبَ أَوْرَاقَهُ أَحْيَانًا لَمْ تَبْطُلْ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يَسِيرٌ أَوْ غَيْرُ مُتَوَالٍ لَا يُشْعِرُ بِالْإِعْرَاضِ، وَالْقَلِيلُ مِنْ الْفِعْلِ الَّذِي يُبْطِلُ كَثِيرُهُ إذَا تَعَمَّدَهُ بِلَا حَاجَةٍ مَكْرُوهٌ، لَا فِي فِعْلٍ مَنْدُوبٍ كَقَتْلِ نَحْوِ حَيَّةٍ وَعَقْرَبٍ، فَلَا يُكْرَهُ بَلْ يُنْدَبُ كَمَا مَرَّ.
فَائِدَةٌ: هَلْ الْخُطْوَةُ نَقْلُ رِجْلٍ وَاحِدَةٍ فَقَطْ حَتَّى يَكُونَ نَقْلُ الْأُخْرَى إلَى مُحَاذَاتِهَا خُطْوَةً أُخْرَى، أَوْ نَقْلُ الْأُخْرَى إلَى مُحَاذَاتِهَا دَاخِلٌ فِي مُسَمَّى الْخُطْوَةِ؟ قَالَ ابْنُ أَبِي شَرِيفٍ فِي شَرْحِ الْإِرْشَادِ: كُلٌّ مِنْهُمَا مُحْتَمَلٌ وَالثَّانِي أَقْرَبُ.
أَمَّا نَقْلُ كُلٍّ مِنْ الرِّجْلَيْنِ عَلَى التَّعَاقُبِ إلَى التَّقَدُّمِ أَوْ التَّأَخُّرِ إلَى الْأُخْرَى فَخُطْوَتَانِ بِلَا إشْكَالٍ.
اهـ.
وَالْمُتَّجَهُ مَا قَالَهُ فِي ذَلِكَ شَيْخِي، وَهُوَ أَنَّ نَقْلَ الرِّجْلِ الْأُخْرَى خُطْوَةٌ ثَانِيَةٌ مُطْلَقًا لِأَنَّ الْخُطْوَةَ بِفَتْحِ الْخَاءِ الْمَرَّةُ الْوَاحِدَةُ.
وَأَمَّا بِالضَّمِّ فَاسْمٌ لِمَا بَيْنَ الْقَدَمَيْنِ (وَسَهْوُ الْفِعْلِ) الْمُبْطِلِ لِفُحْشِهِ أَوْ كَثْرَتِهِ (كَعَمْدِهِ) فِي بُطْلَانِ الصَّلَاةِ بِهِ (فِي الْأَصَحِّ) فَيُبْطِلُ كَثِيرُهُ وَفَاحِشُهُ لِنُدُورِ السَّهْوِ؛ وَلِأَنَّهُ يَقْطَعُ نَظْمَ الصَّلَاةِ وَالثَّانِي، وَاخْتَارَهُ فِي التَّحْقِيقِ أَنَّهُ كَعَمْدِ قَلِيلِهِ، وَاخْتَارَهُ السُّبْكِيُّ وَغَيْرُهُ لِمَا مَرَّ فِي حَدِيثِ ذِي الْيَدَيْنِ، وَجَهْلُ التَّحْرِيمِ كَالسَّهْوِ أَخْذًا مِمَّا سَيَأْتِي (وَتَبْطُلُ بِقَلِيلِ الْأَكْلِ) لِشِدَّةِ مُنَافَاتِهِ لَهَا؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يُشْعِرُ بِالْإِعْرَاضِ عَنْهَا، وَقِيلَ: لَا تَبْطُلُ بِهِ كَسَائِرِ الْأَفْعَالِ الْقَلِيلَةِ، أَمَّا الْكَثِيرُ فَتَبْطُلُ بِهِ قَطْعًا، وَيُرْجَعُ فِي الْقِلَّةِ وَالْكَثْرَةِ إلَى الْعُرْفِ كَمَا مَرَّ وَهَلْ الْمُبْطِلُ الْفِعْلُ أَوْ وُصُولُ الْمُفَطِّرِ جَوْفَهُ؟ وَجْهَانِ أَصَحُّهُمَا الثَّانِي، وَسَيَأْتِي أَنَّ الْمَضْغَ أَيْضًا مِنْ الْأَفْعَالِ (قُلْت: إلَّا أَنْ يَكُونَ نَاسِيًا) لِلصَّلَاةِ (أَوْ جَاهِلًا تَحْرِيمَهُ) لِقُرْبِ عَهْدِهِ بِالْإِسْلَامِ أَوْ لِبُعْدِهِ عَنْ الْعُلَمَاءِ فَلَا تَبْطُلُ بِقَلِيلِهِ قَطْعًا (وَاَللَّهُ أَعْلَمُ) لِعَدَمِ مُنَافَاتِهِ لِلصَّلَاةِ.
أَمَّا كَثِيرُهُ فَيُبْطِلُ مَعَ النِّسْيَانِ أَوْ الْجَهْلِ فِي الْأَصَحِّ وَلَوْ مُفَرَّقًا بِخِلَافِ الصَّوْمِ فَإِنَّهُ لَا يَبْطُلُ بِذَلِكَ، وَفَرَّقُوا بِأَنَّ لِلصَّلَاةِ هَيْئَةً مَذْكُورَةً بِخِلَافِهِ، وَهَذَا لَا يَصْلُحُ فَرْقًا فِي جَهْلِ التَّحْرِيمِ، وَالْفَرْقُ الصَّالِحُ لِذَلِكَ أَنَّ الصَّلَاةَ ذَاتُ أَفْعَالٍ مَنْظُومَةٍ وَالْفِعْلُ الْكَثِيرُ يَقْطَعُ نَظْمَهَا بِخِلَافِ الصَّوْمِ فَإِنَّهُ كَفٌّ، وَالْمُكْرَهُ هُنَا كَغَيْرِهِ لِنُدْرَةِ الْإِكْرَاهِ.
(فَلَوْ كَانَ بِفَمِهِ سُكَّرَةٌ) فَذَابَتْ (فَبَلِعَ) بِكَسْرِ اللَّامِ وَحُكِيَ فَتْحُهَا (ذَوْبَهَا) بِمَصٍّ وَنَحْوِهِ لَا بِمَضْغٍ (بَطَلَتْ) صَلَاتُهُ (فِي الْأَصَحِّ) لِمُنَافَاتِهِ لِلصَّلَاةِ كَمَا مَرَّ، وَالثَّانِي لَا تَبْطُلُ لِعَدَمِ الْمَضْغِ.
ثُمَّ إنَّ الْمَضْغَ مِنْ الْأَفْعَالِ فَتَبْطُلُ بِكَثِيرِهِ وَإِنْ لَمْ يَصِلْ إلَى الْجَوْفِ شَيْءٌ مِنْ الْمَمْضُوغِ.
(وَيُسَنُّ لِلْمُصَلِّي) أَنْ يَتَوَجَّهَ (إلَى) سُتْرَةٍ نَحْوِ (جِدَارٍ أَوْ سَارِيَةٍ) أَيْ: عَمُودٍ كَخَشَبَةٍ مَبْنِيَّةٍ
أَوْ عَصًا مَغْرُوزَةٍ، أَوْ بَسَطَ مُصَلًّى، أَوْ خَطَّ قُبَالَتَهُ دَفْعُ الْمَارِّ، وَالصَّحِيحُ تَحْرِيمُ الْمُرُورِ حِينَئِذٍ.
[مغني المحتاج]
(أَوْ) إلَى نَحْوِ (عَصًا مَغْرُوزَةٍ) كَمَتَاعٍ عِنْدَ عَجْزِهِ عَنْ الْمَرْتَبَةِ الْأُولَى لِلِاتِّبَاعِ فِي ذَلِكَ رَوَاهُ الشَّيْخَانِ، وَلِخَبَرِ «اسْتَتِرُوا فِي صَلَاتِكُمْ وَلَوْ بِسَهْمٍ» رَوَاهُ الْحَاكِمُ وَقَالَ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ (أَوْ بَسَطَ مُصَلًّى) عِنْدَ عَجْزِهِ عَنْ الْمَرْتَبَةِ الثَّانِيَةِ كَسَجَّادَةٍ بِفَتْحِ السِّينِ (أَوْ خَطَّ قُبَالَتَهُ) عِنْدَ عَجْزِهِ عَنْ الْمَرْتَبَةِ الثَّالِثَةِ خَطًّا طُولًا كَمَا فِي الرَّوْضَةِ، رَوَى أَبُو دَاوُد خَبَرَ «إذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ فَلْيَجْعَلْ أَمَامَ وَجْهِهِ شَيْئًا، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَلْيَنْصِبْ عَصًا، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ عَصًا فَلْيَخُطَّ خَطًّا.
ثُمَّ لَا يَضُرُّهُ مَا مَرَّ أَمَامَهُ» (1) وَقِيسَ بِالْخَطِّ الْمُصَلَّى، وَقُدِّمَ عَلَى الْخَطِّ لِأَنَّهُ أَظْهَرُ فِي الْمُرَادِ، وَطُولُ الْمَذْكُورَاتِ حَتَّى الْخَطِّ ثُلُثَا ذِرَاعٍ فَأَكْثَرُ تَقْرِيبًا وَبَيْنَهَا وَبَيْنَ الْمُصَلِّي ثَلَاثَةُ أَذْرُعٍ فَأَقَلُّ.
وَإِذَا صَلَّى إلَى شَيْءٍ مِنْهَا عَلَى هَذَا التَّرْتِيبِ سُنَّ لَهُ، وَكَذَا لِغَيْرِهِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْإِسْنَوِيُّ وَغَيْرُهُ تَفَقُّهًا (دَفْعُ الْمَارِّ) بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا، وَالْمُرَادُ بِالْمُصَلَّى، وَالْخَطِّ مِنْهُمَا أَعْلَاهُمَا: وَذَلِكَ لِخَبَرِ الشَّيْخَيْنِ «إذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ إلَى شَيْءٍ يَسْتُرُهُ مِنْ النَّاسِ، فَأَرَادَ أَحَدٌ أَنْ يَجْتَازَ بَيْنَ يَدَيْهِ فَلْيَدْفَعْهُ، فَإِنْ أَبَى فَلْيُقَاتِلْهُ فَإِنَّمَا هُوَ شَيْطَانٌ» (2) أَيْ: مَعَهُ شَيْطَانٌ أَوْ هُوَ شَيْطَانُ الْإِنْسِ (وَالصَّحِيحُ تَحْرِيمُ الْمُرُورِ حِينَئِذٍ) وَإِنْ لَمْ يَجِدْ الْمَارُّ سَبِيلًا آخَرَ لِخَبَرِ «لَوْ يَعْلَمُ الْمَارُّ بَيْنَ يَدَيْ الْمُصَلِّي - أَيْ: إلَى السُّتْرَةِ - مَاذَا عَلَيْهِ مِنْ الْإِثْمِ لَكَانَ أَنْ يَقِفَ أَرْبَعِينَ خَرِيفًا خَيْرًا لَهُ مِنْ أَنْ يَمُرَّ بَيْنَ يَدَيْهِ» رَوَاهُ الشَّيْخَانِ (3) " إلَّا مِنْ الْإِثْمِ " فَالْبُخَارِيُّ " وَإِلَّا خَرِيفًا " فَالْبَزَّارُ، وَقَضِيَّةُ هَذَا وُجُوبُ الدَّفْعِ، وَقَدْ بَحَثَهُ الْإِسْنَوِيُّ لِحُرْمَةِ الْمُرُورِ، وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى إزَالَتِهَا، وَلَيْسَ كَدَفْعِ الصَّائِلِ، فَإِنَّ مَنْ لَمْ يُوجِبْهُ احْتَجَّ بِخَبَرِ «كُنْ عَبْدَ اللَّهِ الْمَظْلُومَ، وَلَا تَكُنْ عَبْدَ اللَّهِ الظَّالِمَ» (4) وَالْمَنْقُولُ عَدَمُ الْوُجُوبِ، وَبِهَذَا يُلْغَزُ، وَيُقَالُ لَنَا حَرَامٌ لَا يَجِبُ إنْكَارُهُ.
قَالَ شَيْخُنَا: وَكَأَنَّ الصَّارِفَ عَنْ وُجُوبِهِ شِدَّةُ مُنَافَاتِهِ لِمَقْصُودِ الصَّلَاةِ مِنْ الْخُشُوعِ وَالتَّدَبُّرِ، وَأَيْضًا لِلِاخْتِلَافِ فِي تَحْرِيمِهِ، وَالتَّحْرِيمُ مُقَيَّدٌ بِمَا إذَا لَمْ يَقْصُرْ الْمُصَلِّي بِصَلَاتِهِ فِي الْمَكَانِ، وَإِلَّا كَأَنْ وَقَفَ بِقَارِعَةِ الطَّرِيقِ فَلَا حُرْمَةَ بَلْ، وَلَا كَرَاهَةَ كَمَا قَالَ فِي الْكِفَايَةِ أَخْذًا مِنْ كَلَامِهِمْ، وَبِمَا إذَا لَمْ يَجِدْ الْمَارُّ فُرْجَةً أَمَامَهُ وَإِلَّا فَلَا حُرْمَةَ، بَلْ لَهُ خَرْقُ الصُّفُوفِ وَالْمُرُورُ بَيْنَهَا لِيَسُدَّ الْفُرْجَةَ كَمَا قَالَهُ فِي الرَّوْضَةِ كَأَصْلِهَا، وَفِيهَا لَوْ صَلَّى بِلَا سُتْرَةٍ أَوْ تَبَاعَدَ عَنْهَا: أَيْ: أَوْ لَمْ تَكُنْ بِالصِّفَةِ الْمَذْكُورَةِ، فَلَيْسَ لَهُ الدَّفْعُ لِتَقْصِيرِهِ، وَلَا يَحْرُمُ الْمُرُورُ بَيْنَ يَدَيْهِ.
لَكِنَّ الْأَوْلَى تَرْكُهُ فَقَوْلُهُ فِي غَيْرِهَا: " لَكِنْ يُكْرَهُ " مَحْمُولٌ عَلَى الْكَرَاهَةِ غَيْرِ الشَّدِيدَةِ.
قَالَ: وَإِذَا صَلَّى إلَى سُتْرَةٍ، فَالسُّنَّةُ أَنْ يَجْعَلَهَا مُقَابِلَةً لِيَمِينِهِ أَوْ يَسَارِهِ، وَلَا يَصْمُدُ لَهَا بِضَمِّ الْمِيمِ: أَيْ: وَلَا يَجْعَلُهَا تِلْقَاءَ وَجْهِهِ، وَإِذَا دَفَعَ دَفَعَ بِالْأَسْهَلِ
قُلْت: يُكْرَهُ الِالْتِفَاتُ لَا لِحَاجَةٍ.
وَرَفْعُ بَصَرِهِ إلَى السَّمَاءِ
[مغني المحتاج]
فَالْأَسْهَلِ، كَدَفْعِ الصَّائِلِ، فَإِنْ أَدَّى إلَى مَوْتِهِ فَهَدَرٌ.
قَالَ الْأَصْحَابُ: وَيَدْفَعُهُ بِيَدِهِ وَهُوَ مُسْتَقِرٌّ فِي مَكَانِهِ، وَلَا يَحِلُّ لَهُ الْمَشْيُ إلَيْهِ لِأَنَّ مَفْسَدَةَ الشَّيْءِ أَشَدُّ مِنْ الْمُرُورِ، وَقَضِيَّةُ هَذَا أَنَّ الْخَطْوَةَ أَوْ الْخَطْوَتَيْنِ حَرَامٌ وَإِنْ لَمْ تَبْطُلْ لَهُمَا الصَّلَاةُ، وَلَيْسَ مُرَادًا: أَيْ لَا يَحِلُّ حِلًّا مُسْتَوِيَ الطَّرَفَيْنِ فَيُكْرَهُ وَلَوْ دَفَعَهُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ مُتَوَالِيَاتٍ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ كَمَا فِي الْأَنْوَارِ، وَتَقَدَّمَ الْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ التَّصْفِيقِ، وَبِمَا تَقَرَّرَ عُلِمَ مَا فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ مِنْ الْإِجْحَافِ فَإِنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ حُكْمَ الصَّلَاةِ إلَى مَا ذَكَرَ مِنْ جِدَارٍ وَمَا بَعْدَهُ، وَكَلَامُهُ يُوهِمُ أَنَّ الشَّاخِصَ وَغَيْرَهُ سَوَاءٌ وَلَمْ يُبَيِّنْ طُولَ السُّتْرَةِ وَلَا قَدْرَ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا وَغَيْرَ ذَلِكَ مِمَّا يَظْهَرُ بِالتَّأَمُّلِ.
فَائِدَةٌ: لَوْ وَضَعَ سُتْرَةً فَأَزَالَهَا الرِّيحُ أَوْ غَيْرُهَا فَمَنْ عَلِمَ فَمُرُورُهُ كَمُرُورِهِ مَعَ وُجُودِ السُّتْرَةِ دُونَ مَنْ لَمْ يَعْلَمْ، وَلَوْ صَلَّى بِلَا سُتْرَةٍ فَوَضَعَهَا لَهُ شَخْصٌ آخَرُ فَالظَّاهِرُ كَمَا قَالَهُ ابْنُ الْأُسْتَاذِ تَحْرِيمُ الْمُرُورِ حِينَئِذٍ نَظَرًا لِوُجُودِهَا لَا لِتَقْصِيرِ الْمُصَلِّي.
قَالَ فِي الْمَجْمُوعِ: وَيُكْرَهُ أَنْ يُصَلِّيَ وَبَيْنَ يَدَيْهِ رَجُلٌ أَوْ امْرَأَةٌ يَسْتَقْبِلُهُ وَيَرَاهُ اهـ. وَلَا تَبْطُلُ صَلَاتُهُ بِمُرُورِ شَيْءٍ بَيْنَ يَدَيْهِ كَامْرَأَةٍ وَكَلْبٍ وَحِمَارٍ لِلْأَخْبَارِ الصَّحِيحَةِ الدَّالَّةِ عَلَيْهِ.
وَأَمَّا خَبَرُ مُسْلِمٍ «يَقْطَعُ الصَّلَاةَ الْمَرْأَةُ وَالْكَلْبُ وَالْحِمَارُ» (1) فَالْمُرَادُ مِنْهُ قَطْعُ الْخُشُوعِ لِلشَّغْلِ بِهَا، وَالظَّاهِرُ أَنَّ بَعْضَ الصُّفُوفِ لَا يَكُونُ سُتْرَةً لِبَعْضِهَا كَمَا هُوَ ظَاهِرُ كَلَامِهِمْ.
(قُلْت: يُكْرَهُ الِالْتِفَاتُ) فِي الصَّلَاةِ بِوَجْهِهِ يَمْنَةً أَوْ يَسْرَةً فَإِنَّهُ اخْتِلَاسٌ يَخْتَلِسُهُ الشَّيْطَانُ مِنْ صَلَاةِ الْعَبْدِ كَمَا صَحَّ فِي الْبُخَارِيِّ وَلِمُنَافَاتِهِ الْخُشُوعَ وَقَدْ رَوَى أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ «لَا يَزَالُ اللَّهُ مُقْبِلًا عَلَى الْعَبْدِ فِي صَلَاتِهِ مَا لَمْ يَلْتَفِتْ فَإِذَا الْتَفَتَ انْصَرَفَ عَنْهُ» (2) وَلِهَذَا قَالَ الْمُتَوَلِّي بِحُرْمَتِهِ، وَقَالَ الْأَذْرَعِيُّ: وَالْمُخْتَارُ أَنَّهُ إنْ تَعَمَّدَ مَعَ عِلْمِهِ بِالْخَبَرِ حَرُمَ بَلْ تَبْطُلُ إنْ فَعَلَهُ لَعِبًا اهـ. وَمَحَلُّ الْخِلَافِ إذَا لَمْ تَكُنْ حَاجَةٌ كَمَا قَالَ (لَا لِحَاجَةٍ) فَلَا يُكْرَهُ لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «كَانَ فِي سَفَرٍ فَأَرْسَلَ فَارِسًا إلَى شِعْبٍ مِنْ أَجْلِ الْحَرْسِ فَجَعَلَ يُصَلِّي وَهُوَ يَلْتَفِتُ إلَى الشِّعْبِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ.
أَمَّا صَدْرُهُ، فَإِنْ حَوَّلَهُ عَنْ الْقِبْلَةِ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ كَمَا عُلِمَ مِنْ فَصْلِ الِاسْتِقْبَالِ، وَخَرَجَ بِمَا ذَكَرَ اللَّمْحُ بِالْعَيْنِ دُونَ الِالْتِفَاتِ فَإِنَّهُ لَا بَأْسَ بِهِ، فَفِي صَحِيحِ ابْنِ حِبَّانَ مِنْ حَدِيثِ عَلِيِّ بْنِ شَيْبَانَ قَالَ: «قَدِمْنَا عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَصَلَّيْنَا مَعَهُ فَلَمَحَ بِمُؤَخَّرِ عَيْنِهِ رَجُلًا لَا يُقِيمُ صُلْبَهُ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ، فَقَالَ: لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَا يُقِيمُ صُلْبَهُ» (3) .
(وَ) يُكْرَهُ (رَفْعُ بَصَرِهِ إلَى السَّمَاءِ) لِحَدِيثِ الْبُخَارِيِّ «مَا بَالُ أَقْوَامٍ يَرْفَعُونَ أَبْصَارَهُمْ إلَى السَّمَاءِ فِي صَلَاتِهِمْ، فَاشْتَدَّ قَوْلُهُ فِي ذَلِكَ حَتَّى قَالَ: لَيَنْتَهُنَّ عَنْ ذَلِكَ أَوْ لَتُخْطَفَنَّ أَبْصَارُهُمْ» (4) وَلِذَلِكَ قَالَ الْأَذْرَعِيُّ: وَالْوَجْهُ تَحْرِيمُهُ عَلَى الْعَامِدِ الْعَالِمِ بِالنَّهْيِ الْمُسْتَحْضِرِ لَهُ اهـ. وَرُوِيَ
وَكَفُّ شَعْرِهِ، أَوْ ثَوْبِهِ وَوَضْعُ يَدِهِ عَلَى فَمِهِ بِلَا حَاجَةٍ، وَالْقِيَامُ عَلَى رِجْلٍ، وَالصَّلَاةُ حَاقِنًا أَوْ حَاقِبًا، أَوْ بِحَضْرَةِ طَعَامٍ يَتُوقُ
[مغني المحتاج]
«أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ إذَا صَلَّى رَفَعَ بَصَرَهُ إلَى السَّمَاءِ، فَنَزَلَ: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [المؤمنون: 1] ﴿الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ [المؤمنون: 2] الْمُؤْمِنُونَ: فَطَأْطَأَ رَأْسَهُ» رَوَاهُ الْحَاكِمُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَقَالَ: إنَّهُ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ.
وَيُكْرَهُ نَظَرُ مَا يُلْهِي عَنْ الصَّلَاةِ كَثَوْبٍ لَهُ أَعْلَامٌ لِخَبَرِ عَائِشَةَ «كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُصَلِّي وَعَلَيْهِ خَمِيصَةٌ ذَاتُ أَعْلَامٍ، فَلَمَّا فَرَغَ قَالَ: أَلْهَتْنِي هَذِهِ اذْهَبُوا بِهَا إلَى أَبِي جَهْمٍ وَأْتُونِي بِأَنْبِجَانِيَّتِهِ» رَوَاهُ الشَّيْخَانِ.
(وَ) يُكْرَهُ (كَفُّ شَعْرِهِ أَوْ ثَوْبِهِ) لِحَدِيثِ «أُمِرْتُ أَنْ أَسْجُدَ عَلَى سَبْعَةِ أَعْظُمٍ وَلَا أَكُفَّ ثَوْبًا وَلَا شَعْرًا» رَوَاهُ الشَّيْخَانِ، وَاللَّفْظُ لِمُسْلِمٍ.
وَمِنْ ذَلِكَ كَمَا فِي الْمَجْمُوعِ أَنْ يُصَلِّيَ وَشَعْرُهُ مَعْقُوصٌ أَوْ مَرْدُودٌ تَحْتَ عِمَامَتِهِ أَوْ ثَوْبُهُ أَوْ كُمُّهُ مُشَمَّرٌ، وَمِنْهُ شَدُّ الْوَسَطِ وَغَرْزُ الْعَذَبَةِ.
وَالْمَعْنَى فِي النَّهْيِ عَنْ كَفِّ ذَلِكَ أَنَّهُ يَسْجُدُ مَعَهُ، وَلِذَا نَصَّ الشَّافِعِيُّ عَلَى كَرَاهَةِ الصَّلَاةِ، وَفِي إبْهَامِهِ الْجِلْدَةُ الَّتِي يَجُرُّ بِهَا وَتَرَ الْقَوْسِ.
قَالَ: لِأَنِّي آمُرُهُ أَنْ يُفْضِيَ بِبُطُونِ كَفَّيْهِ إلَى الْأَرْضِ (وَ) يُكْرَهُ (وَضْعُ يَدِهِ عَلَى فَمِهِ) لِثُبُوتِ النَّهْيِ عَنْهُ وَلِمُنَافَاتِهِ لِهَيْئَةِ الْخُشُوعِ (بِلَا حَاجَةٍ) فَإِنْ كَانَ لَهَا كَمَا إذَا تَثَاءَبَ فَإِنَّهُ لَا يُكْرَهُ بَلْ يُسْتَحَبُّ وَضْعُهَا لِصِحَّةِ الْحَدِيثِ فِي ذَلِكَ.
قَالَ ابْنُ الْمُلَقَّنِ: وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ يَضَعُ الْيُسْرَى لِأَنَّهَا لِتَنْحِيَةِ الْأَذَى.
وَيُكْرَهُ التَّثَاؤُبُ لِخَبَرِ مُسْلِمٍ «إذَا تَثَاءَبَ أَحَدُكُمْ وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ فَلْيَرُدَّهُ مَا اسْتَطَاعَ فَإِنَّ أَحَدَكُمْ إذَا قَالَ هَا هَا ضَحِكَ الشَّيْطَانُ مِنْهُ» قَالَ فِي الْمَجْمُوعِ: وَيُكْرَهُ التَّثَاؤُبُ فِي غَيْرِ الصَّلَاةِ أَيْضًا، وَيُكْرَهُ النَّفْخُ لِأَنَّهُ عَبَثٌ وَمَسْحُ الْحَصَى وَنَحْوِهِ حَيْثُ يَسْجُدُ لِخَبَرِ أَبِي دَاوُد بِإِسْنَادٍ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ «لَا تَمْسَحْ الْحَصَى وَأَنْتَ تُصَلِّي، فَإِنْ كُنْت لَا بُدَّ فَاعِلًا فَوَاحِدَةً تَسْوِيَةً لِلْحَصَى» وَلِأَنَّهُ يُخَالِفُ التَّوَاضُعَ وَالْخُشُوعَ (وَ) يُكْرَهُ (الْقِيَامُ عَلَى رِجْلٍ) وَاحِدَةٍ؛ لِأَنَّهُ تَكَلُّفٌ يُنَافِي الْخُشُوعَ إلَّا إنْ كَانَ لِعُذْرٍ كَوَجَعِ الْأُخْرَى فَلَا كَرَاهَةَ (وَ) تُكْرَهُ (الصَّلَاةُ حَاقِنًا) بِالنُّونِ: أَيْ مُدَافِعًا لِلْبَوْلِ (أَوْ حَاقِبًا) بِالْمُوَحَّدَةِ: أَيْ مُدَافِعًا لِلْغَائِطِ أَوْ حَازِقًا بِالْقَافِ، وَهُوَ مُدَافِعُ الرِّيحِ، أَوْ حَاقِنًا بِهِمَا، فَيُسْتَحَبُّ أَنْ يُفَرِّغَ نَفْسَهُ مِنْ ذَلِكَ إذَا اتَّسَعَ الْوَقْتُ وَإِنْ فَاتَتْهُ الْجَمَاعَةُ كَمَا سَيَأْتِي فِي بَابِهَا، وَقِيلَ يُسْتَحَبُّ وَإِنْ فَاتَ الْوَقْتُ، وَنُقِلَ عَنْ الْقَاضِي حُسَيْنٍ أَنَّهُ قَالَ إذَا انْتَهَى بِهِ مُدَافَعَةُ الْأَخْبَثَيْنِ إلَى أَنْ ذَهَبَ خُشُوعُهُ لَمْ تَصِحَّ صَلَاتُهُ (أَوْ بِحَضْرَةِ) - بِتَثْلِيثِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ - (طَعَامٍ) مَأْكُولٍ أَوْ مَشْرُوبٍ (يَتُوقُ) بِالتَّاءِ الْمُثَنَّاةِ مِنْ فَوْقُ: أَيْ
إلَيْهِ.
وَأَنْ يَبْصُقَ قِبَلَ وَجْهِهِ، أَوْ عَنْ يَمِينِهِ
وَوَضْعُ يَدِهِ عَلَى خَاصِرَتِهِ.
[مغني المحتاج]
يَشْتَاقُ (إلَيْهِ) لِحَدِيثِ مُسْلِمٍ «لَا صَلَاةَ - أَيْ كَامِلَةٌ - بِحَضْرَةِ طَعَامٍ وَلَا وَهُوَ يُدَافِعُهُ الْأَخْبَثَانِ» (1) بِالْمُثَلَّثَةِ: أَيْ الْبَوْلُ وَالْغَائِطُ، وَالشُّرْبُ كَالْأَكْلِ وَتَوَقَانُ النَّفْسِ فِي غَيْبَةِ الطَّعَامِ كَحُضُورِهِ قَالَهُ فِي الْكِفَايَةِ وَهُوَ ظَاهِرُ إنْ كَانَ يُرْجَى حُضُورُهُ عَنْ قُرْبٍ كَمَا يُؤْخَذُ مِنْ كَلَامِ ابْنِ دَقِيقِ الْعِيدِ بَلْ قِيلَ: إنَّ غَيْبَةَ الطَّعَامِ لَيْسَتْ كَحُضُورِهِ مُطْلَقًا؛ لِأَنَّ حُضُورَهُ يُوجِبُ زِيَادَةَ تَشَوُّقٍ وَتَطَلُّعٍ إلَيْهِ، وَتَعْبِيرُ الْمُصَنِّفِ بِتَوَقَانٍ يُفْهِمُ أَنَّهُ إنَّمَا يَأْكُلُ مَا يَنْكَسِرُ بِهِ التَّوَقَانُ، وَاَلَّذِي جَرَى عَلَيْهِ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ فِي الْأَعْذَارِ الْمُرَخِّصَةِ فِي تَرْكِ الْجَمَاعَةِ أَنْ يَأْكُلَ حَاجَتَهُ بِكَمَالِهَا وَهُوَ الظَّاهِرُ، وَمَحَلُّ ذَلِكَ إذَا اتَّسَعَ الْوَقْتُ.
(وَ) يُكْرَهُ (أَنْ يَبْصُقَ قِبَلَ وَجْهِهِ أَوْ عَنْ يَمِينِهِ) لِحَدِيثِ الشَّيْخَيْنِ «إذَا كَانَ أَحَدُكُمْ فِي الصَّلَاةِ فَإِنَّمَا يُنَاجِي رَبَّهُ فَلَا يَبْزُقَنَّ بَيْنَ يَدَيْهِ وَلَا عَنْ يَمِينِهِ» زَادَ الْبُخَارِيُّ «فَإِنَّ عَنْ يَمِينِهِ مَلَكًا وَلَكِنْ عَنْ يَسَارِهِ أَوْ تَحْتَ قَدَمِهِ» وَيُكْرَهُ الْبُصَاقُ عَنْ يَمِينِهِ وَأَمَامَهُ وَهُوَ فِي غَيْرِ الصَّلَاةِ أَيْضًا كَمَا قَالَهُ الْمُصَنِّفُ خِلَافًا لِمَا رَجَّحَهُ الْأَذْرَعِيُّ تَبَعًا لِلسُّبْكِيِّ مِنْ أَنَّهُ مُبَاحٌ، لَكِنْ مَحَلُّ كَرَاهَةِ ذَلِكَ أَمَامَهُ إذَا كَانَ مُتَوَجِّهًا إلَى الْقِبْلَةِ كَمَا بَحَثَهُ بَعْضُهُمْ إكْرَامًا لَهَا.
فَائِدَةٌ: رَوَى ابْنُ عَسَاكِرَ عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ أَنَّهُ قَالَ: " مَا بَزَقْتُ عَنْ يَمِينِي مُنْذُ أَسْلَمْتُ " قَالَ الدَّمِيرِيُّ: وَيَنْبَغِي أَنْ يُسْتَثْنَى مِنْ الْبُصَاقِ عَنْ يَمِينِهِ مَا إذَا كَانَ بِمَسْجِدِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَإِنَّ بُصَاقَهُ عَنْ يَمِينِهِ أَوْلَى؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ يَسَارِهِ اهـ.
وَهُوَ ظَاهِرٌ إذَا كَانَ الْقَبْرُ الشَّرِيفُ عَنْ يَسَارِهِ.
فَإِنْ قِيلَ عَنْ يَسَارِهِ مَلَكٌ آخَرُ فَمَا وِجْهَةُ اخْتِصَاصِ الْمَنْعِ بِمَا ذَكَرَ؟ .
أُجِيبَ بِأَنَّ الصَّلَاةَ أُمُّ الْحَسَنَاتِ الْبَدَنِيَّةِ فَلَا دَخْلَ لِكَاتِبِ السَّيِّئَاتِ فِيهَا، فَفِي الطَّبَرَانِيِّ " فَإِنَّهُ يَقُومُ بَيْنَ يَدَيْ اللَّهِ تَعَالَى وَمَلَكُهُ عَنْ يَمِينِهِ وَقَرِينُهُ عَنْ يَسَارِهِ " فَالْبُصَاقُ حِينَئِذٍ إنَّمَا يَقَعُ عَلَى الْقَرِينِ وَهُوَ الشَّيْطَانُ، وَلَعَلَّ مَلَكَ الْيَسَارِ حِينَئِذٍ يَكُونُ بِحَيْثُ لَا يُصِيبُهُ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ، هَذَا إذَا كَانَ فِي غَيْرِ مَسْجِدٍ، فَإِنْ كَانَ فِيهِ بَصَقَ فِي ثَوْبِهِ فِي الْجَانِبِ الْأَيْسَرِ وَحَكَّ بَعْضَهُ بِبَعْضٍ، وَلَا يَبْصُقُ فِيهِ فَإِنَّهُ حَرَامٌ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي الْمَجْمُوعِ وَالتَّحْقِيقِ، وَيَجِبُ الْإِنْكَارُ عَلَى فَاعِلِهِ وَإِنْ قَالَ فِي الْمُهِمَّاتِ إنَّ الْمَشْهُورَ الْكَرَاهَةُ لِحَدِيثِ الشَّيْخَيْنِ «الْبُصَاقُ فِي الْمَسْجِدِ خَطِيئَةٌ، وَكَفَّارَتُهَا دَفْنُهَا» أَيْ وَلَوْ فِي تُرَابِ الْمَسْجِدِ لِظَاهِرِ الْخَبَرِ: بَلْ يَبْصُقُ فِي طَرَفِ ثَوْبِهِ فِي جَانِبِهِ الْأَيْسَرِ كَكُمِّهِ.
وَبَصَقَ وَبَزَقَ لُغَتَانِ بِمَعْنًى، وَمَنْ رَأَى بُصَاقًا أَوْ نَحْوَهُ فِي الْمَسْجِدِ فَالسُّنَّةُ أَنْ يُزِيلَهُ وَأَنْ يُطَيِّبَ مَحَلَّهُ قَالَهُ فِي الْمَجْمُوعِ.
فَإِنْ قِيلَ: لِمَاذَا لَمْ تَجِبْ الْإِزَالَةُ لِأَنَّ الْبُصَاقَ فِيهِ حَرَامٌ كَمَا مَرَّ؟ .
أُجِيبَ بِأَنَّهُ مُخْتَلَفٌ فِي تَحْرِيمِهِ كَمَا قَالُوهُ فِي دَفْعِ الْمَارِّ بَيْنَ يَدَيْ الْمُصَلِّي كَمَا مَرَّ.
(وَ) يُكْرَهُ (وَضْعُ يَدِهِ) أَيْ الْمُصَلِّي ذَكَرًا كَانَ أَوْ غَيْرَهُ (عَلَى خَاصِرَتِهِ) لِغَيْرِ ضَرُورَةٍ أَوْ حَاجَةٍ لِلنَّهْيِ عَنْهُ رَوَاهُ الشَّيْخَانِ، وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ حِبَّانَ «الِاخْتِصَارُ فِي الصَّلَاةِ رَاحَةُ أَهْلِ النَّارِ» . قَالَ ابْنُ حِبَّانَ يَعْنِي
وَالْمُبَالَغَةُ فِي خَفْضِ الرَّأْسِ فِي رُكُوعِهِ، وَالصَّلَاةُ فِي الْحَمَّامِ، وَالطَّرِيقِ، وَالْمَزْبَلَةِ، وَالْكَنِيسَةِ،
[مغني المحتاج]
الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى وَهُمْ أَهْلُ النَّارِ.
وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي تَفْسِيرِ الِاخْتِصَارِ عَلَى أَقْوَالٍ: أَصَحُّهَا مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ.
وَالثَّانِي: أَنْ يَتَوَكَّأَ عَلَى عَصًا.
وَالثَّالِثُ: يَخْتَصِرُ السُّورَةَ فَيَقْرَأُ آخِرَهَا.
وَالرَّابِعُ: أَنْ يَخْتَصِرَ صَلَاتَهُ فَلَا يُتِمَّ حُدُودَهَا.
وَالْخَامِسُ: أَنْ يَقْتَصِرَ عَلَى الْآيَاتِ الَّتِي فِيهَا السَّجْدَةُ وَيَسْجُدَ فِيهَا.
وَالسَّادِسُ: أَنْ يَخْتَصِرَ السَّجْدَةَ إذَا انْتَهَى فِي قِرَاءَتِهِ إلَيْهَا وَلَا يَسْجُدُهَا.
وَعَلَى الْأَوَّلِ اُخْتُلِفَ فِي عِلَّةِ النَّهْيِ، فَقِيلَ: لِأَنَّهُ فِعْلُ الْكُفَّارِ، وَقِيلَ: فِعْلُ الْمُتَكَبِّرِينَ، وَقِيلَ: فِعْلُ الشَّيْطَانِ.
وَحُكِيَ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ: أَنَّ إبْلِيسَ هَبَطَ مِنْ الْجَنَّةِ كَذَلِكَ.
وَيُكْرَهُ أَنْ يُرَوِّحَ عَلَى نَفْسِهِ فِي الصَّلَاةِ، وَأَنْ يُفَرْقِعَ أَصَابِعَهُ أَوْ يُشَبِّكَهَا لِأَنَّ ذَلِكَ عَبَثٌ، وَأَنْ يَمْسَحَ وَجْهَهُ فِيهَا وَقَبْلَ الِانْصِرَافِ مِمَّا يَتَعَلَّقُ بِهَا مِنْ غُبَارٍ وَنَحْوِهِ.
(وَ) تُكْرَهُ (الْمُبَالَغَةُ فِي خَفْضِ الرَّأْسِ) عَنْ الظَّهْرِ (فِي رُكُوعِهِ) لِمُجَاوَزَتِهِ فِعْلَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَإِنَّهُ كَانَ إذَا رَكَعَ لَمْ يُشْخِصْ رَأْسَهُ: أَيْ لَمْ يَرْفَعْهُ، وَلَمْ يُصَوِّبْهُ: أَيْ لَمْ يَخْفِضْهُ.
وَقَضِيَّةُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ أَنَّ خَفْضَ الرَّأْسِ مِنْ غَيْرِ مُبَالَغَةٍ لَا كَرَاهَةَ فِيهِ، الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ كَلَامُ الشَّافِعِيِّ وَالْأَصْحَابِ كَمَا قَالَ السُّبْكِيُّ وَجَرَى عَلَيْهِ شَيْخُنَا فِي مَنْهَجِهِ الْكَرَاهَةُ وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ (وَ) تُكْرَهُ (الصَّلَاةُ فِي) الْأَسْوَاقِ، وَالرِّحَابِ الْخَارِجَةِ عَنْ الْمَسْجِدِ قَالَهُ فِي الْإِحْيَاءِ.
قَالَ: وَكَانَ بَعْضُ الصَّحَابَةِ يَضْرِبُ النَّاسَ وَيُقِيمُ مِنْ الرِّحَابِ، وَفِي (الْحَمَّامِ) وَلَوْ فِي مَسْلَخِهِ لِحَدِيثِ صَحِيحٍ أَسْنَدَهُ ابْنُ حِبَّانَ «الْأَرْضُ كُلُّهَا مَسْجِدٌ إلَّا الْمَقْبَرَةَ وَالْحَمَّامَ» (1) . وَاخْتُلِفَ فِي عِلَّةِ النَّهْيِ عَلَى أَقْوَالٍ: أَصَحُّهَا لِأَنَّهُ مَأْوَى الشَّيَاطِينِ، وَقِيلَ خَوْفُ النَّجَاسَةِ، وَقِيلَ: لِاشْتِغَالِ الْمُصَلِّي بِدُخُولِ النَّاسِ، وَقِيلَ، غَيْرُ ذَلِكَ، وَهُوَ مُذَكَّرٌ مَأْخُوذٌ مِنْ الْحَمِيمِ وَهُوَ الْمَاءُ الْحَارُّ (وَ) فِي (الطَّرِيقِ) لِلنَّهْيِ عَنْ الصَّلَاةِ فِي قَارِعَةِ الطَّرِيقِ وَهِيَ أَعْلَاهُ، وَقِيلَ: صَدْرُهُ، وَقِيلَ مَا بَرَزَ مِنْهُ وَالْكُلُّ مُتَقَارِبٌ، وَالْمُرَادُ هُنَا نَفْسُ الطَّرِيقِ كَمَا قَالَهُ ابْنُ الْأَثِيرِ فِي النِّهَايَةِ فَلِهَذَا عَبَّرَ بِهِ الْمُصَنِّفُ، وَظَاهِرُ كَلَامِهِ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْبُنْيَانِ وَالْبَرِّيَّةِ وَصَحَّحَهُ فِي الْكِفَايَةِ وَلَكِنَّ الْمُعْتَمَدَ مَا صَحَّحَهُ فِي التَّحْقِيقِ مِنْ الْكَرَاهَةِ فِي الْبُنْيَانِ دُونَ الْبَرِّيَّةِ، وَفِي قَوْلٍ: إنَّ الصَّلَاةَ فِي الشَّوَارِعِ بَاطِلَةٌ بِنَاءً عَلَى تَغْلِيبِ الْغَالِبِ الظَّاهِرِ عَلَى الْأَصْلِ.
(وَ) فِي (الْمَزْبَلَةِ) بِفَتْحِ الْبَاءِ وَضَمِّهَا مَوْضِعُ الزِّبْلِ وَنَحْوِهِ كَالْمَجْزَرَةِ، وَهِيَ مَوْضِعُ ذَبْحِ الْحَيَوَانِ وَمَحَلُّ ذَلِكَ مَا إذَا بَسَطَ طَاهِرًا وَصَلَّى عَلَيْهِ وَإِلَّا لَمْ تَصِحَّ لِأَنَّهُ مُصَلٍّ عَلَى نَجَاسَةٍ، وَإِنَّمَا تُكْرَهُ عَلَى الْحَائِلِ إذَا كَانَتْ النَّجَاسَةُ مُحَقَّقَةً، فَإِنْ بَسَطَهُ عَلَى مَا غَلَبَتْ فِيهِ النَّجَاسَةُ لَمْ تُكْرَهْ عَلَى مَا يَقْتَضِيهِ كَلَامُ الرَّافِعِيِّ ذَلِكَ بِالْحَائِلِ (وَ) فِي (الْكَنِيسَةِ) وَهِيَ بِفَتْحِ الْكَافِ مَعْبَدُ النَّصَارَى، وَفِي الْبِيعَةِ بِكَسْرِ الْبَاءِ وَهِيَ مَعْبَدُ الْيَهُودِ وَنَحْوِهِمَا مِنْ أَمَاكِنِ الْكُفْرِ؛ لِأَنَّهَا مَأْوَى الشَّيَاطِينِ، نَعَمْ لَوْ مَنَعْنَا أَهْلَ الذِّمَّةِ مِنْ دُخُولِ أَمَاكِنِهِمْ حَرُمَ عَلَيْنَا
وَعَطَنِ الْإِبِلِ وَالْمَقْبَرَةِ الطَّاهِرَةِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[مغني المحتاج]
دُخُولُهَا (وَ) فِي (عَطَنِ الْإِبِلِ) وَلَوْ طَاهِرًا وَهُوَ الْمَوْضِعُ الَّذِي تُنَحَّى إلَيْهِ الْإِبِلُ الشَّارِبَةُ لِيَشْرَبَ غَيْرُهَا، فَإِذَا اجْتَمَعَتْ سِيقَتْ مِنْهُ إلَى الْمَرْعَى لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «صَلُّوا فِي مَرَابِضِ الْغَنَمِ وَلَا تُصَلُّوا فِي أَعْطَانِ الْإِبِلِ فَإِنَّهَا خُلِقَتْ مِنْ الشَّيَاطِينِ» (1) رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ، وَلِنِفَارِهَا الْمُشَوِّشِ لِلْخُشُوعِ، وَالْمَرَابِضُ الْمَرَاقِدُ فَلَا تُكْرَهُ الصَّلَاةُ فِيهَا، وَفَرَّقَ الرَّافِعِيُّ بَيْنَ الْإِبِلِ وَالْغَنَمِ بِأَنَّ خَوْفَ نِفَارِ الْإِبِلِ يُذْهِبُ الْخُشُوعَ بِخِلَافِ الْغَنَمِ، وَلَا تَخْتَصُّ الْكَرَاهَةُ بِالْعَطَنِ، بَلْ مَأْوَاهَا وَمَقِيلُهَا وَمَبَارِكُهَا، بَلْ مَوَاضِعُهَا كُلُّهَا كَذَلِكَ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: وَالْكَرَاهَةُ فِي الْعَطَنِ أَشَدُّ مِنْ مَأْوَاهَا؛ لِأَنَّ نِفَارَهَا فِي الْعَطَنِ أَكْثَرُ لِازْدِحَامِهَا ذَهَابًا وَإِيَابًا، وَالْبَقَرُ كَالْغَنَمِ كَمَا قَالَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ وَغَيْرُهُ وَإِنْ نَظَرَ فِيهِ الزَّرْكَشِيُّ.
وَمَعْلُومٌ أَنَّ أَمَاكِنَ الْمَوَاشِي مُطْلَقًا إنَّ تَنَجَّسَتْ لَمْ تَصِحَّ الصَّلَاةُ فِيهَا بِلَا حَائِلٍ، وَتَصِحُّ بِالْحَائِلِ مَعَ الْكَرَاهَةِ، لَكِنَّ الْكَرَاهَةَ فِي مَوْضِع الْغَنَمِ وَنَحْوهَا لِمُحَاذَاةِ النَّجَاسَةِ كَمَا مَرَّ، وَفِي مَوْضِعِ الْإِبِلِ لِذَلِكَ وَلِمَا مَرَّ (وَ) فِي (الْمَقْبَرَةِ) بِتَثْلِيثِ الْمُوَحَّدَةِ (الطَّاهِرَةِ) وَهِيَ الَّتِي لَمْ تُنْبَشْ (وَاَللَّهُ أَعْلَمُ) «لِنَهْيِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ الصَّلَاةِ فِي سَبْعَةِ مَوَاطِنَ فِي الْمَزْبَلَةِ، وَالْمَجْزَرَةِ، وَالْمَقْبَرَةِ، وَقَارِعَةِ الطَّرِيقِ، وَفِي الْحَمَّامِ، وَفِي مَعَاطِنِ الْإِبِلِ، وَفَوْقَ بَيْتِ اللَّهِ الْعَتِيقِ» (2) رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ إسْنَادُهُ لَيْسَ بِالْقَوِيِّ، وَلِنَجَاسَةِ مَا تَحْتَهَا بِالصَّدِيدِ، وَإِنَّمَا كُرِهَتْ الصَّلَاةُ فَوْقَ الْبَيْتِ لِهَتْكِ حُرْمَتِهِ.
أَمَّا الْمَنْبُوشَةُ فَلَا تَصِحُّ الصَّلَاةُ فِيهَا بِغَيْرِ حَائِلٍ وَمَعَهُ تُكْرَهُ، وَاسْتَثْنَى كَمَا فِي التَّوْشِيحِ لِابْنِ السُّبْكِيّ مَقَابِرَ الْأَنْبِيَاءِ - عَلَيْهِمْ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: أَيْ إذَا كَانَتْ أَرْضًا لَيْسَ فِيهَا مَدْفُونٌ إلَّا نَبِيٌّ أَوْ أَنْبِيَاءٌ فَلَا تُكْرَهُ الصَّلَاةُ فِيهَا لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى حَرَّمَ عَلَى الْأَرْضِ أَنْ تَأْكُلَ أَجْسَادَهُمْ، وَإِنَّمَا هُمْ أَحْيَاءٌ فِي قُبُورِهِمْ يُصَلُّونَ، وَيَنْبَغِي كَمَا قَالَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ: أَنْ تَكُونَ مَقَابِرُ شُهَدَاءِ الْمَعْرَكَةِ كَذَلِكَ لِأَنَّهُمْ أَحْيَاءٌ، وَاعْتَرَضَ الزَّرْكَشِيُّ كَلَامَ ابْنِ السُّبْكِيّ بِأَنَّ تَجْوِيزَ الصَّلَاةِ فِي مَقْبَرَةِ الْأَنْبِيَاءِ ذَرِيعَةٌ إلَى اتِّخَاذِهَا مَسْجِدًا، وَجَاءَ النَّهْيُ عَنْ اتِّخَاذِ مَقَابِرِ الْأَنْبِيَاءِ مَسَاجِدَ، وَسَدُّ الذَّرَائِعِ مَطْلُوبٌ اهـ.
وَلَيْسَ هَذَا الِاعْتِرَاضُ بِظَاهِرٍ.
قَالَ فِي الْمَجْمُوعِ: وَتُكْرَهُ الصَّلَاةُ فِي مَأْوَى الشَّيَاطِينِ، كَالْخَمَّارَةِ وَمَوْضِعِ الْمَكْسِ وَنَحْوِ ذَلِكَ مِنْ الْمَعَاصِي الْفَاحِشَةِ، وَفِي الْوَادِي الَّذِي نَامَ فِيهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَا فِي غَيْرِهِ مِنْ الْأَوْدِيَةِ، وَإِنْ أَطْلَقَ الرَّافِعِيُّ - تَبَعًا لِلْإِمَامِ - وَالْغَزَالِيِّ الْكَرَاهَةَ فِي بُطُونِ الْأَوْدِيَةِ مُطْلَقًا وَعَلَّلُوهُ بِاحْتِمَالِ السَّيْلِ الْمُذْهِبِ لِلْخُشُوعِ، وَيُكْرَهُ اسْتِقْبَالُ الْقَبْرِ فِي الصَّلَاةِ لِخَبَرِ مُسْلِمٍ «لَا تَجْلِسُوا عَلَى الْقُبُورِ وَلَا تُصَلُّوا إلَيْهَا» (3) نَعَمْ يَحْرُمُ اسْتِقْبَالُ قَبْرِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَمَا جَزَمَ بِهِ فِي التَّحْقِيقِ وَيُقَاسُ بِهِ سَائِرُ قُبُورِ الْأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِمْ أَفْضَلُ الصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[مغني المحتاج]
فَائِدَةٌ: أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ إلَّا الشِّيعَةَ عَلَى جَوَازِ الصَّلَاةِ عَلَى الصُّوفِ وَفِيهِ، وَلَا كَرَاهَةَ فِي الصَّلَاةِ عَلَى شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ إلَّا عِنْدَ مَالِكٍ، فَإِنَّهُ كَرِهَ الصَّلَاةَ عَلَيْهِ تَنْزِيهًا، وَقَالَتْ الشِّيعَةُ: وَلَا يَجُوزُ ذَلِكَ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ نَبَاتِ الْأَرْضِ.
خَاتِمَةٌ: فِي أَحْكَامِ الْمَسْجِدِ يَحْرُمُ تَمْكِينُ الصِّبْيَانِ غَيْرِ الْمُمَيِّزِينَ وَالْمَجَانِينِ، وَالْبَهَائِمِ، وَالْحُيَّضِ، وَنَحْوِهِنَّ، وَالسَّكْرَانِ مِنْ دُخُولِهِ إنْ غَلَبَ تَنْجِيسُهُمْ لَهُ، وَإِلَّا كُرِهَ كَمَا يُعْلَمُ مِمَّا سَيَأْتِي إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فِي الشَّهَادَاتِ، وَكَذَا يَحْرُمُ دُخُولُ الْكَافِرِ لَهُ إلَّا بِإِذْنِ مُسْلِمٍ.
قَالَ الْجُوَيْنِيُّ: مُكَلَّفٌ.
قَالَ الْأَذْرَعِيُّ: وَلَمْ يُشْتَرَطْ عَلَى الْكَافِرِ فِي عَهْدِهِ عَدَمَ الدُّخُولِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْمَاوَرْدِيُّ وَغَيْرُهُ، وَإِنْ أَذِنَ لَهُ أَوْ قَعَدَ قَاضٍ لِلْحُكْمِ فِيهِ، وَكَانَ لَهُ حُكُومَةٌ جَازَ لَهُ الدُّخُولُ وَلَوْ كَانَ جُنُبًا لِأَنَّهُ لَا يَعْتَقِدُ حُرْمَةَ ذَلِكَ، وَيُسْتَحَبُّ الْإِذْنُ لَهُ فِيهِ لِسَمَاعِ قُرْآنٍ وَنَحْوِهِ، كَفِقْهٍ وَحَدِيثٍ رَجَاءَ إسْلَامِهِ، لَا لِأَكْلٍ وَنَوْمٍ فِيهِ فَلَا يُسْتَحَبُّ لَهُ الْإِذْنُ، بَلْ يُسْتَحَبُّ عَدَمُهُ وَهُوَ الظَّاهِرُ، بَلْ قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: يَنْبَغِي تَحْرِيمُهُ وَالْكَلَامُ فِي غَيْرِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ لِأَنَّ فِي دُخُولِهِ حَرَمَ مَكَّةَ تَفْصِيلًا يَأْتِي فِي الْجِزْيَةِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
وَيُكْرَهُ نَقْشُ الْمَسْجِدِ وَاِتِّخَاذُ الشُّرَافَاتِ لَهُ، بَلْ إنْ كَانَ ذَلِكَ مِنْ رَيْعِ مَا وُقِفَ عَلَى عِمَارَتِهِ فَحَرَامٌ.
وَيُكْرَهُ دُخُولٌ بِلَا ضَرُورَةٍ لِمَنْ أَكَلَ مَا لَهُ رِيحٌ كَرِيهٌ كَثُومٍ بِضَمِّ الْمُثَلَّثَةِ، وَحَفْرُ بِئْرٍ، وَغَرْسُ شَجَرٍ فِيهِ بَلْ إنْ حَصَلَ بِذَلِكَ ضَرَرٌ حَرُمَ، وَعَمَلُ صِنَاعَةٍ فِيهِ إنْ كَثُرَ، هَذَا إذَا لَمْ تَكُنْ خَسِيسَةً تُزْرِي بِالْمَسْجِدِ وَلَمْ يَتَّخِذْهُ حَانُوتًا يُقْصَدُ فِيهِ بِالْعَمَلِ وَإِلَّا فَيَحْرُمُ، ذَكَرَهُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ فِي فَتَاوِيهِ، وَلَا بَأْسَ بِإِغْلَاقِهِ فِي غَيْرِ أَوْقَاتِ الصَّلَاةِ صِيَانَةً لَهُ وَحِفْظًا لِمَا فِيهِ، وَمَحَلُّهُ كَمَا قَالَ فِي الْمَجْمُوعِ: إذَا خِيفَ امْتِهَانُهُ وَضَيَاعُ مَا فِيهِ وَلَمْ تَدْعُ حَاجَةٌ إلَى فَتْحِهِ، وَإِلَّا فَالسُّنَّةُ عَدَمُ إغْلَاقِهِ وَلَوْ كَانَ فِيهِ مَاءٌ مُسَبَّلٌ لِلشُّرْبِ لَمْ يَجُزْ غَلْقُهُ وَمَنْعُ النَّاسِ مِنْ الشُّرْبِ، وَلَا بَأْسَ بِالنَّوْمِ وَالْوُضُوءِ وَالْأَكْلِ فِيهِ إذَا لَمْ يَتَأَذَّ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ النَّاسُ، وَمَا قَالَهُ الْبَغَوِيّ مِنْ تَحْرِيمِ نَضْحِ الْمَسْجِدِ بِالْمَاءِ الْمُسْتَعْمَلِ وَجَرَى عَلَيْهِ ابْنُ الْمُقْرِي فِي بَابِ الِاعْتِكَافِ.
قَالَ الْمُصَنِّفُ فِي مَجْمُوعِهِ: ضَعِيفٌ.
قَالَ: وَالْمُخْتَارُ الْجَوَازُ كَمَا يَجُوزُ الْوُضُوءُ فِيهِ مَعَ أَنَّ مَاءَهُ مُسْتَعْمَلٌ.
اهـ. وَهَذَا هُوَ الْمُعْتَمَدُ، وَإِنْ فَرَّقَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ بِأَنَّ الْوُضُوءَ مُحْتَاجٌ إلَيْهِ بِخِلَافِ النَّضْحِ بِالْمُسْتَعْمَلِ وَبِأَنَّ تَلْوِيثَهُ يَحْصُلُ فِي الْوُضُوءِ ضِمْنًا بِخِلَافِهِ فِي النَّضْحِ وَالشَّيْءُ يُغْتَفَرُ ضِمْنًا مَا لَا يُغْتَفَرُ مَقْصُودًا، وَالْبُصَاقُ فِيهِ حَرَامٌ وَكَفَّارَتُهُ دَفْنُهُ كَمَا مَرَّ، وَلِحَائِطِهِ مِثْلُ حُرْمَتِهِ فَيَحْرُمُ الْبُصَاقُ عَلَيْهَا لَا فِي هَوَائِهِ، فَلَوْ رَمَى نُخَامَةً مَنْ دَاخِلِ الْمَسْجِدِ إلَى خَارِجِهِ لَمْ يَحْرُمْ، وَيُسَنُّ أَنْ يُقَدِّمَ رِجْلَهُ الْيُمْنَى دُخُولًا وَالْيُسْرَى خُرُوجًا، وَأَنْ يَقُولَ: أَعُوذُ بِاَللَّهِ الْعَظِيمِ وَبِوَجْهِهِ الْكَرِيمِ وَسُلْطَانِهِ الْقَدِيمِ مِنْ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ، الْحَمْدُ لِلَّهِ، اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي ذُنُوبِي وَافْتَحْ لِي أَبْوَابَ رَحْمَتِك، ثُمَّ يَقُولُ: بِسْمِ اللَّهِ وَيَدْخُلُ، وَكَذَا يَقُولُ عِنْدَ الْخُرُوجِ إلَّا أَنَّهُ يَقُولُ أَبْوَابَ فَضْلِكَ.
قَالَ فِي الْمَجْمُوعِ: فَإِنْ طَالَ عَلَيْهِ هَذَا فَلْيَقْتَصِرْ عَلَى مَا فِي مُسْلِمٍ «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: إذَا دَخَلَ أَحَدُكُمْ الْمَسْجِدَ فَلْيَقُلْ: اللَّهُمَّ افْتَحْ لِي أَبْوَابَ رَحْمَتِك، وَإِذَا خَرَجَ فَلْيَقُلْ اللَّهُمَّ إنِّي أَسْأَلُكَ مِنْ فَضْلِكَ»
بَابٌ سُجُودُ السَّهْوِ سُنَّةٌ عِنْدَ تَرْكِ مَأْمُورٍ بِهِ، أَوْ فِعْلِ مَنْهِيٍّ عَنْهُ فَالْأَوَّلُ إنْ كَانَ رُكْنًا وَجَبَ تَدَارُكُهُ، وَقَدْ يُشْرَعُ السُّجُودُ كَزِيَادَةٍ حَصَلَتْ بِتَدَارُكِ رُكْنٍ كَمَا سَبَقَ فِي التَّرْتِيبِ،
[مغني المحتاج]
وَتُكْرَهُ الْخُصُومَةُ وَرَفْعُ الصَّوْتِ وَنَشْدُ الضَّالَّةِ فِيهِ، وَلَا بَأْسَ أَنْ يُعْطَى السَّائِلُ فِيهِ شَيْئًا، وَلَا بَأْسَ بِإِنْشَادِ الشِّعْرِ فِيهِ إذَا كَانَ مَدْحًا لِلنُّبُوَّةِ أَوْ لِلْإِسْلَامِ، أَوْ كَانَ حِكْمَةً أَوْ فِي مَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ أَوْ الزُّهْدِ وَنَحْوِ ذَلِكَ.
[بَابٌ سُجُودِ السَّهْوِ]
بِالتَّنْوِينِ فِي مُقْتَضَى سُجُودِ السَّهْوِ وَحُكْمِهِ وَمَحَلِّهِ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ، وَالسَّجَدَاتُ الَّتِي لَيْسَتْ مِنْ صُلْبِ الصَّلَاةِ ثَلَاثٌ: سُجُودُ السَّهْوِ وَالتِّلَاوَةِ وَالشُّكْرِ، وَقَدَّمَ الْأَوَّلَ فَقَالَ (سُجُودُ السَّهْوِ) فِي الصَّلَاةِ فَرْضًا أَوْ نَفْلًا (سُنَّةٌ) لِلْأَحَادِيثِ الْآتِيَةِ فِيهِ وَلِيَجْبُرَ خَلَلَهَا الْحَاصِلَ عَلَى سُجُودِ التِّلَاوَةِ لِكَوْنِهِ لَا يُفْعَلُ إلَّا فِي الصَّلَاةِ لَكِنَّهُ فِي التَّنْبِيهِ قَدَّمَ سُجُودَ التِّلَاوَةِ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ فِي الصَّلَاةِ سَابِقٌ لِسُجُودِ السَّهْوِ، وَقَدَّمَ سُجُودَ التِّلَاوَةِ عَلَى سُجُودِ الشُّكْرِ لِكَوْنِهِ يُفْعَلُ فِيهَا وَخَارِجَهَا، وَسُجُودُ الشُّكْرِ لَا يُفْعَلُ إلَّا خَارِجَهَا، وَهُوَ لُغَةً: نِسْيَانُ الشَّيْءِ وَالْغَفْلَةُ عَنْهُ، وَالْمُرَادُ هُنَا الْغَفْلَةُ عَنْ شَيْءٍ فِي الصَّلَاةِ، وَإِنَّمَا يُسَنُّ (عِنْدَ تَرْكِ مَأْمُورٍ بِهِ) مِنْ الصَّلَاةِ (أَوْ فِعْلِ مَنْهِيٍّ عَنْهُ) فِيهَا وَلَوْ بِالشَّكِّ كَمَا سَيَأْتِي بَيَانُهُ فِيهِمَا فِيمَا لَوْ شَكَّ هَلْ صَلَّى ثَلَاثًا أَمْ أَرْبَعًا وَغَيْرَ ذَلِكَ فَسَقَطَ بِذَلِكَ مَا قِيلَ إنَّهُ لَا يُسَنُّ السُّجُودُ لِكُلِّ تَرْكٍ مَأْمُورٍ بِهِ وَلَا لِكُلِّ فِعْلٍ مَنْهِيٍّ عَنْهُ، وَإِنَّهُ أَهْمَلَ سَبَبًا ثَالِثًا وَهُوَ إيقَاعُ بَعْضِ الْفَرْضِ مَعَ التَّرَدُّدِ فِي وُجُوبِهِ كَمَا إذَا شَكَّ هَلْ صَلَّى ثَلَاثًا أَمْ أَرْبَعًا، فَإِنَّهُ يَقُومُ إلَى الرَّابِعَةِ وَيَسْجُدُ كَمَا سَيَأْتِي.
قَالَهُ الْإِسْنَوِيُّ وَغَيْرُهُ: وَرَدَّهُ فِي الْخَادِمِ أَيْضًا بِأَنَّ سَبَبَ السُّجُودِ التَّرَدُّدُ فِي الرَّكْعَةِ الْمَفْعُولَةِ زَائِدَةً وَهُوَ رَاجِعٌ لِارْتِكَابِ الْمَنْهِيِّ وَلَمْ يَجِبْ لِأَنَّهُ لَمْ يَنُبْ عَنْ فَرْضٍ، بَلْ شُرِعَ لِتَرْكِ غَيْرِ وَاجِبٍ، وَالْبَدَلُ: إمَّا كَالْمُبْدَلِ أَوْ أَخَفَّ مِنْهُ وَبِهَذَا فَارَقَ جُبْرَانَ الْحَاجِّ لِكَوْنِهِ بَدَلًا عَنْ وَاجِبٍ.
(فَالْأَوَّلُ) مِنْ السَّبَبَيْنِ وَهُوَ تَرْكُ مَأْمُورٍ بِهِ (إنْ كَانَ رُكْنًا وَجَبَ تَدَارُكُهُ) بِفِعْلِهِ وَلَا يُغْنِي عَنْهُ السُّجُودُ؛ لِأَنَّ حَقِيقَةَ الصَّلَاةِ لَا تُوجَدُ بِدُونِهِ (وَقَدْ يُشْرَعُ) مَعَ تَدَارُكِهِ (السُّجُودُ كَزِيَادَةٍ) بِالْكَافِ (حَصَلَتْ بِتَدَارُكِ رُكْنٍ كَمَا سَبَقَ فِي) رُكْنِ (التَّرْتِيبِ) وَهُوَ الرُّكْنُ الثَّالِثَ عَشَرَ مِنْ أَرْكَانِ الصَّلَاةِ، وَذَلِكَ مِنْ قَوْلِهِ وَإِنْ سَهَا فَمَا بَعْدَ الْمَتْرُوكِ لَغْوٌ إلَى آخِرِ الْمَسْأَلَةِ فَفِي تِلْكَ الصُّوَرِ كُلِّهَا إذَا تَدَارَكَ سَجَدَ لِلسَّهْوِ كَمَا مَرَّ، وَمُرَادُهُ بِمَا سَبَقَ بَيَانُ الزِّيَادَةِ لَا السُّجُودِ فَإِنَّهُ لَمْ يَذْكُرْهُ هُنَاكَ، وَقَدْ لَا يُشْرَعُ السُّجُودُ بِأَنْ لَا تَحْصُلَ زِيَادَةٌ كَمَا إذَا تَرَكَ النِّيَّةَ أَوْ التَّحْرِيمَ أَوْ اُحْتُمِلَ ذَلِكَ فَإِنَّهُ يَسْتَأْنِفُ الصَّلَاةَ وَلَا سُجُودَ، وَمَا لَوْ كَانَ الْمَتْرُوكُ السَّلَامَ فَتَذَكَّرَهُ عَنْ قُرْبٍ وَلَمْ يَنْتَقِلْ مِنْ مَوْضِعِهِ فَيُسَلِّمْ مِنْ غَيْرِ سُجُودٍ، فَإِنْ طَالَ الْفَصْلُ فَهُوَ مَسْأَلَةُ السُّكُوتِ الطَّوِيلِ، وَقَدْ مَرَّ فِي بَابٍ غَيْرِ هَذَا أَنَّهُ لَا يُبْطِلُ عَلَى الرَّاجِحِ، وَقَدْ يُقَالُ يَسْجُدُ لَهُ أَخْذًا مِمَّا سَيَأْتِي فِي تَطْوِيلِ الرُّكْنِ الْقَصِيرِ بِالسُّكُوتِ،
أَوْ بَعْضًا وَهُوَ الْقُنُوتُ، وَقِيَامُهُ، وَالتَّشَهُّدُ الْأَوَّلُ، أَوْ قُعُودُهُ وَكَذَا الصَّلَاةُ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِيهِ فِي الْأَظْهَرِ سَجَدَ، وَقِيلَ إنْ تَرَكَهُ عَمْدًا فَلَا.
قُلْتُ: وَكَذَا الصَّلَاةُ
[مغني المحتاج]
وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا يَسْجُدُ، أَوْ انْتَقَلَ عَنْ مَوْضِعِهِ فَقَدْ مَرَّ فِي الْبَابِ قَبْلَ هَذَا.
فَإِنْ قِيلَ: لَا حَاجَةَ إلَى قَوْلِهِ كَزِيَادَةٍ حَصَلَتْ إلَخْ لِعِلْمِ ذَلِكَ مِنْ قَوْلِهِ أَوْ فِعْلٍ مَنْهِيٍّ عَنْهُ.
أُجِيبَ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِالْفِعْلِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ مَا لَيْسَ مِنْ أَفْعَالِ الصَّلَاةِ غَيْرَ مَسْأَلَةِ الشَّكِّ، وَالزِّيَادَةُ الْحَاصِلَةُ بِتَدَارُكِ الرُّكْنِ مِنْ أَفْعَالِهَا لَكِنْ لَا يُعْتَدُّ بِهَا لِعَدَمِ التَّرْتِيبِ (أَوْ) كَانَ الْمَتْرُوكُ مِنْ الْمَأْمُورِ بِهِ (بَعْضًا وَهُوَ) سُنَّةٌ كَمَا قَالَهُ الشَّيْخَانِ: الْأَوَّلُ (الْقُنُوتُ) الرَّاتِبُ، وَهُوَ قُنُوتُ الصُّبْحِ وَقُنُوتُ الْوِتْرِ فِي النِّصْفِ الثَّانِي مِنْ رَمَضَانَ دُونَ قُنُوتِ النَّازِلَةِ؛ لِأَنَّهُ سُنَّةٌ فِي الصَّلَاةِ لَا بَعْضِهَا، وَالْكَلَامُ فِيمَا هُوَ بَعْضٌ مِنْهَا، وَتَرْكُ بَعْضِ الْقُنُوتِ كَتَرْكِ كُلِّهِ.
قَالَهُ الْغَزَالِيُّ.
وَالْمُرَادُ مَا لَا بُدَّ مِنْهُ فِي حُصُولِهِ بِخِلَافِ مَا لَوْ تَرَكَ أَحَدَ الْقُنُوتَيْنِ كَأَنْ تَرَكَ قُنُوتَ سَيِّدِنَا عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - لِأَنَّهُ أَتَى بِقُنُوتٍ تَامٍّ، وَكَذَا لَوْ وَقَفَ وَقْفَةً لَا تَسَعُ الْقُنُوتَ إذَا كَانَ لَا يُحْسِنُهُ؛ لِأَنَّهُ أَتَى بِأَصْلِ الْقِيَامِ، أَفَادَنِيهِ شَيْخِي رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَجَعَلَ قَرَارَهُ الْجَنَّةَ، وَسَيَأْتِي أَنَّ ذَلِكَ لَا يَكْفِي (
وَ) ثَانِيهَا (قِيَامُهُ) أَيْ الْقُنُوتُ الرَّاتِبُ، وَإِنْ اسْتَلْزَمَ تَرْكُهُ تَرْكَ الْقُنُوتِ، وَلَوْ تَرَكَ الْقُنُوتَ تَبَعًا لِإِمَامِهِ الْحَنَفِيِّ سَجَدَ لِلسَّهْوِ؛ لِأَنَّ الْعِبْرَةَ بِعَقِيدَةِ الْمَأْمُومِ عَلَى الْأَصَحِّ خِلَافًا لِلْقَفَّالِ فِي عَدَمِ السُّجُودِ، فَإِنَّهُ بَنَاهُ عَلَى طَرِيقَتِهِ مِنْ أَنَّ الْعِبْرَةَ بِعَقِيدَةِ الْإِمَامِ (
وَ) ثَالِثُهَا (التَّشَهُّدُ الْأَوَّلُ) لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «تَرَكَ التَّشَهُّدَ الْأَوَّلَ مِنْ الظُّهْرِ نَاسِيًا وَسَجَدَ قَبْلَ أَنْ يُسَلِّمَ» رَوَاهُ الشَّيْخَانِ (1) وَاسْتَثْنَى مِنْهُ مَا لَوْ نَوَى أَرْبَعًا وَأَطْلَقَ أَوْ قَصَدَ أَنْ يَتَشَهَّدَ تَشَهُّدَيْنِ فَلَا يَسْجُدُ لِتَرْكِ أَوَّلِهِمَا ذَكَرَهُ فِي الذَّخَائِرِ فِي الْكَلَامِ عَلَى النَّفْلِ الْمُطْلَقِ، وَكَذَا ابْنُ الرِّفْعَةِ عَنْ الْإِمَامِ، لَكِنْ فَصَّلَ الْبَغَوِيّ فِي فَتَاوِيهِ، فَقَالَ: يَسْجُدُ لِتَرْكِهِ إنْ كَانَ عَلَى عَزْمِ الْإِتْيَانِ بِهِ فَنَسِيَهُ وَإِلَّا فَلَا وَهَذَا أَظْهَرُ، وَتَرْكُ بَعْضِهِ كَكُلِّهِ قِيَاسًا عَلَى الْقُنُوتِ، وَالْمُرَادُ بِهِ اللَّفْظُ الْوَاجِبُ فِي الْأَخِيرِ خَاصَّةً فَلَا يَسْجُدُ لِتَرْكِ مَا هُوَ فِيهِ سُنَّةٌ كَمَا نَبَّهَ عَلَى ذَلِكَ الْإِسْنَوِيُّ.
وَرَابِعُهَا مَا ذَكَرَهُ بِقَوْلِهِ (أَوْ قُعُودُهُ) أَيْ التَّشَهُّدِ الْأَوَّلِ وَإِنْ اسْتَلْزَمَ تَرْكُهُ تَرْكَ التَّشَهُّدِ؛ لِأَنَّ السُّجُودَ إذَا شُرِعَ لِتَرْكِ التَّشَهُّدِ شُرِعَ لِتَرْكِ جُلُوسِهِ لِأَنَّهُ مَقْصُودٌ، وَيُتَصَوَّرُ تَرْكُهُ وَتَرْكُ قِيَامِ الْقُنُوتِ بِأَنْ لَا يُحْسِنَ التَّشَهُّدَ أَوْ الْقُنُوتَ فَإِنَّهُ يُسَنُّ لَهُ أَنْ يَجْلِسَ أَوْ يَقِفَ بِقَدْرِهِ، فَإِذَا لَمْ يَفْعَلْ سَجَدَ لِلسَّهْوِ.
وَخَامِسُهَا مَا ذَكَرَهُ بِقَوْلِهِ (وَكَذَا الصَّلَاةُ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِيهِ) أَيْ بَعْدَهُ (فِي الْأَظْهَرِ) بِنَاءً عَلَى الْأَظْهَرِ أَنَّهَا سُنَّةٌ فِيهِ عَلَى مَا مَرَّ فَقَوْلُ (سَجَدَ) رَاجِعٌ لِلصُّوَرِ كُلِّهَا، وَالثَّانِي لَا يَسْجُدُ لِتَرْكِ الصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِنَاءً عَلَى عَدَمِ اسْتِحْبَابِهَا فِيهِ، وَقِيسَ بِالنِّسْيَانِ فِي ذَلِكَ الْعَمْدُ بِجَامِعِ الْخَلَلِ بَلْ خَلَلُ الْعَمْدِ أَكْثَرُ، فَكَانَ لِلْجَبْرِ أَحْوَجَ (وَقِيلَ إنْ تَرَكَهُ عَمْدًا فَلَا) يَسْجُدُ لِتَقْصِيرِهِ بِتَفْوِيتِ السُّنَّةِ عَلَى نَفْسِهِ وَالنَّاسِي مَعْذُورٌ فَنَاسَبَ أَنْ يُشْرَعَ لَهُ الْجَبْرُ، وَرُدَّ بِمَا تَقَدَّمَ.
وَسَادِسُهَا مَا أَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ (قُلْت: وَكَذَا الصَّلَاةُ
عَلَى الْآلِ حَيْثُ سَنَنَّاهَا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ: وَلَا تُجْبَرُ سَائِرُ السُّنَنِ.
وَالثَّانِي: إنْ لَمْ يَبْطُلُ عَمْدُهُ كَالِالْتِفَاتِ وَالْخَطْوَتَيْنِ لَمْ يَسْجُدْ لِسَهْوِهِ، وَإِلَّا سَجَدَ إنْ لَمْ تَبْطُلْ بِسَهْوِهِ كَثِيرٌ فِي الْأَصَحِّ، وَتَطْوِيلُ الرُّكْنِ الْقَصِيرِ يَبْطُلُ عَمْدُهُ
[مغني المحتاج]
عَلَى الْآلِ حَيْثُ سَنَنَّاهَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ) وَذَلِكَ بَعْدَ التَّشَهُّدِ الْأَخِيرِ عَلَى الْأَصَحِّ، وَبَعْدَ الْأَوَّلِ عَلَى وَجْهٍ، وَكَذَا بَعْدَ الْقُنُوتِ؛ لِأَنَّهَا سُنَّةٌ فِيهِ عَلَى الصَّحِيحِ، وَزِيدَ
سَابِعٌ: وَهُوَ الصَّلَاةُ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْقُنُوتِ كَمَا جَزَمَ بِهِ ابْنُ الْفِرْكَاحِ، وَيَسْجُدُ أَيْضًا لِتَرْكِ الْقُعُودِ لِلصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَعْدَ التَّشَهُّدِ وَلِتَرْكِ الْقُعُودِ لِلْأَوَّلِ وَلِتَرْكِ الْقِيَامِ لِلصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَعْدَ الْقُنُوتِ وَلِتَرْكِ الْقِيَامِ لِلْآلِ، وَيُتَصَوَّرُ تَرْكُ الصَّلَاةِ عَلَى الْآلِ فِي التَّشَهُّدِ الْأَخِيرِ بِأَنْ يَتَيَقَّنَ تَرْكَ إمَامِهِ لَهَا بَعْدَ سَلَامِهِ، وَقَبْلَ أَنْ يُسَلِّمَ هُوَ، وَسُمِّيَتْ هَذِهِ السُّنَنُ أَبْعَاضًا لِقُرْبِهَا بِالْجَبْرِ بِالسُّجُودِ مِنْ الْأَبْعَاضِ الْحَقِيقِيَّةِ: أَيْ الْأَرْكَانِ (وَلَا تُجْبَرُ سَائِرُ السُّنَنِ) أَيْ بَاقِيهَا كَأَذْكَارِ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ وَقُنُوتِ النَّازِلَةِ إذَا تُرِكَتْ بِالسُّجُودِ لِعَدَمِ وُرُودِهِ فِيهَا، لِأَنَّ سُجُودَ السَّهْوِ زِيَادَةٌ فِي الصَّلَاةِ فَلَا يَجُوزُ إلَّا بِتَوْقِيفٍ، فَلَوْ فَعَلَهُ لِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ ظَانًّا جَوَازَهُ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ إلَّا أَنْ يَكُونَ قَرِيبَ عَهْدٍ بِالْإِسْلَامِ أَوْ بَعِيدًا عَنْ الْعُلَمَاءِ.
قَالَهُ الْبَغَوِيّ: فِي فَتَاوِيهِ بِخِلَافِ الْأَبْعَاضِ لِوُرُودِهِ فِي بَعْضِهَا، وَهُوَ السُّجُودُ لِتَرْكِ التَّشَهُّدِ الْأَوَّلِ كَمَا مَرَّ، وَقِيسَ عَلَيْهِ الْبَاقِي (وَالثَّانِي) مِنْ السَّبَبَيْنِ، وَهُوَ فِعْلُ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ (إنْ لَمْ يُبْطِلْ عَمْدُهُ) الصَّلَاةَ (كَالِالْتِفَاتِ وَالْخَطْوَتَيْنِ لَمْ يَسْجُدْ لِسَهْوِهِ) وَلَا لِعَمْدِهِ كَمَا ذَكَرَهُ فِي التَّحْقِيقِ وَالْمَجْمُوعِ لِعَدَمِ وُرُودِ السُّجُودِ لَهُ، وَلِأَنَّ عَمْدَهُ فِي مَحَلِّ الْعَفْوِ فَسَهْوُهُ أَوْلَى، وَسَيَأْتِي مَا يُسْتَثْنَى مِنْ ذَلِكَ (وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ أَبْطَلَ عَمْدُهُ الصَّلَاةَ كَرَكْعَةٍ زَائِدَةٍ أَوْ رُكُوعٍ أَوْ سُجُودٍ أَوْ قَلِيلِ أَكْلٍ أَوْ كَلَامٍ (سَجَدَ) لِسَهْوِهِ (إنْ لَمْ تَبْطُلْ) الصَّلَاةُ (بِسَهْوِهِ) كَالْأَمْثِلَةِ الْمَذْكُورَةِ؛ لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «صَلَّى الظُّهْرَ خَمْسًا ثُمَّ سَجَدَ لِلسَّهْوِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (1) وَيُقَاسُ غَيْرُ ذَلِكَ عَلَيْهِ.
أَمَّا إذَا أَبْطَلَ سَهْوُهُ (كَكَلَامٍ كَثِيرٍ فِي الْأَصَحِّ) كَمَا مَرَّ وَأَكْلٍ كَثِيرٍ وَفِعْلٍ كَثِيرٍ كَثَلَاثِ خَطَوَاتٍ وِلَاءً فَلَا سُجُودَ فَإِنَّهُ لَيْسَ فِي الصَّلَاةِ، وَقَدْ عُلِمَ مِمَّا تَقَرَّرَ أَنَّ قَوْلَهُ فِي الْأَصَحِّ رَاجِعٌ إلَى التَّمْثِيلِ بِمَا يُبْطِلُ سَهْوُهُ، وَهُوَ الْكَلَامُ الْكَثِيرُ لَا إلَى قَوْلِهِ سَجَدَ، وَلَوْ سَكَتَ عَنْ الْمِثَالِ لَكَانَ أَخْصَرَ وَأَبْعَدَ عَنْ الْإِبْهَامِ إذْ لَا سُجُودَ مَعَ الْحُكْمِ بِالْبُطْلَانِ، وَالْمُعْتَمَدُ كَمَا مَرَّ فِي فَصْلِ الِاسْتِقْبَالِ أَنَّ الْمُسْتَقْبِلَ فِي السَّفَرِ إذَا انْحَرَفَ عَنْ طَرِيقِهِ إلَى غَيْرِ الْقِبْلَةِ نَاسِيًا وَعَادَ عَنْ قُرْبٍ أَنَّهُ يَسْجُدُ لِلسَّهْوِ كَمَا صَحَّحَهُ الرَّافِعِيُّ فِي الشَّرْحِ الصَّغِيرِ وَجَزَمَ بِهِ ابْنُ الْمُقْرِي فِي رَوْضِهِ وَاعْتَمَدَهُ شَيْخِي؛ لِأَنَّ عَمْدَهُ مُبْطِلٌ فَيَسْجُدُ لِسَهْوِهِ إذْ هُوَ كَمَا قَالَ الْإِسْنَوِيُّ الْقِيَاسُ وَإِنْ صَحَّحَ فِي الْمَجْمُوعِ وَغَيْرِهِ عَدَمَ السُّجُودِ، وَيُسْتَثْنَى مِنْ ذَلِكَ مَا لَوْ سَجَدَ ثُمَّ سَهَا قَبْلَ سَلَامِهِ لَمْ يَسْجُدْ فِي الْأَصَحِّ، فَلَوْ سَجَدَ عَمْدًا بَطَلَتْ صَلَاتُهُ أَوْ سَهْوًا فَلَا وَمَعَ ذَلِكَ لَا يَسْجُدُ لِلسَّهْوِ (وَتَطْوِيلُ الرُّكْنِ الْقَصِيرِ) بِسُكُوتٍ أَوْ ذِكْرٍ لَمْ يُشْرَعْ فِيهِ (يُبْطِلُ عَمْدُهُ) الصَّلَاةَ
فِي الْأَصَحِّ فَيَسْجُدُ لِسَهْوِهِ فَالِاعْتِدَالُ قَصِيرٌ، وَكَذَا الْجُلُوسُ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ فِي الْأَصَحِّ، وَلَوْ نَقَلَ رُكْنًا قَوْلِيًّا كَفَاتِحَةٍ فِي رُكُوعٍ أَوْ تَشَهُّدٍ لَمْ تَبْطُلْ بِعَمْدِهِ فِي الْأَصَحِّ وَيَسْجُدُ لِسَهْوِهِ فِي الْأَصَحِّ، وَعَلَى هَذَا تُسْتَثْنَى هَذِهِ الصُّورَةُ مِنْ قَوْلِنَا: مَا لَا يَبْطُلُ عَمْدُهُ لَا سُجُودَ لِسَهْوِهِ
[مغني المحتاج]
(فِي الْأَصَحِّ) لِأَنَّ تَطْوِيلَهُ تَغْيِيرٌ لِوَضْعِهِ كَمَا لَوْ قَصَّرَ الطَّوِيلَ فَلَمْ يُتِمَّ الْوَاجِبَ.
قَالَ الْإِمَامُ: وَلِأَنَّ تَطْوِيلَهُ يُخِلُّ بِالْمُوَالَاةِ (فَيَسْجُدُ لِسَهْوِهِ) قَطْعًا، وَالثَّانِي لَا يُبْطِلُ عَمْدُهُ لِمَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ عَنْ أَنَسٍ قَالَ «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذَا قَالَ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ قَامَ حَتَّى يَقُولَ الْقَائِلُ قَدْ نَسِيَ» وَعَلَى هَذَا فَفِي سُجُودِ السَّهْوِ وَجْهَانِ أَصَحُّهُمَا نَعَمْ (فَالِاعْتِدَالُ قَصِيرٌ) لِأَنَّهُ لِلْفَصْلِ بَيْنَ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ، وَاخْتَارَ الْمُصَنِّفُ مِنْ حَيْثُ الدَّلِيلُ جَوَازَ تَطْوِيلِ كُلِّ اعْتِدَالٍ بِذِكْرٍ غَيْرِ رُكْنٍ.
وَقَالَ الْأَذْرَعِيُّ: إنَّهُ الصَّحِيحُ مَذْهَبًا وَدَلِيلًا وَأَطَالَ فِي ذَلِكَ وَنَقَلَهُ عَنْ نَصِّ الشَّافِعِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - وَغَيْرِهِ بِخِلَافِ تَطْوِيلِهِ بِرُكْنٍ كَالْفَاتِحَةِ وَالتَّشَهُّدِ.
أَمَّا تَطْوِيلُهُ بِمَشْرُوعٍ كَقُنُوتٍ فِي مَوْضِعِهِ أَوْ تَسْبِيحٍ فِي صَلَاةِ التَّسْبِيحِ الْآتِي بَيَانُهَا فِي صَلَاةِ النَّفْلِ فَلَا يُبْطِلُ الصَّلَاةَ لِوُرُودِهِ (وَكَذَا الْجُلُوسُ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ) رُكْنٌ قَصِيرٌ (فِي الْأَصَحِّ) لِأَنَّهُ لِلْفَصْلِ بَيْنَهُمَا فَهُوَ كَالِاعْتِدَالِ بَلْ أَوْلَى؛ لِأَنَّ الذِّكْرَ الْمَشْرُوعَ فِيهِ أَقْصَرُ مِنْ الْمَشْرُوعِ فِي الِاعْتِدَالِ، وَالثَّانِي أَنَّهُ طَوِيلٌ؛ لِأَنَّ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ مَا يَقْتَضِي إطَالَتَهُ بِالذِّكْرِ.
قَالَ فِي الْمُهِمَّاتِ: وَكَانَ يَنْبَغِي لِلْمُصَنِّفِ طَرْدُ اخْتِيَارِهِ فِي الْجُلُوسِ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ أَيْضًا عَلَى أَنَّهُ فِي التَّحْقِيقِ هُنَا صَحَّحَ أَنَّهُ رُكْنٌ طَوِيلٌ وَعَزَاهُ فِي الْمَجْمُوعِ إلَى الْأَكْثَرِينَ وَسَبَقَهُ إلَيْهِ الْإِمَامُ وَوَافَقَ فِي التَّحْقِيقِ وَالْمَجْمُوعِ فِي صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ عَلَى أَنَّهُ قَصِيرٌ، وَمِقْدَارُ التَّطْوِيلِ كَمَا نَقَلَهُ الْخُوَارِزْمِيُّ عَنْ الْأَصْحَابِ أَنْ يُلْحَقَ الِاعْتِدَالُ بِالْقِيَامِ لِلْقِرَاءَةِ، وَالْجُلُوسُ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ بِالْجُلُوسِ لِلتَّشَهُّدِ، وَالْمُرَادُ قِرَاءَةُ الْوَاجِبِ فَقَطْ لَا قِرَاءَتُهُ مَعَ الْمَنْدُوبِ (وَلَوْ نَقَلَ رُكْنًا قَوْلِيًّا) غَيْرَ سَلَامٍ وَتَكْبِيرَةِ إحْرَامٍ أَوْ بَعْضَهُ إلَى الرُّكْنِ طَوِيلٌ (كَفَاتِحَةٍ) أَوْ بَعْضِهَا (فِي) نَحْوِ (رُكُوعٍ) كَسُجُودٍ (أَوْ) جُلُوسِ (تَشَهُّدٍ) أَوْ نَقَلَ تَشَهُّدًا أَوْ بَعْضَهُ فِي نَحْوِ قِيَامٍ كَرُكُوعٍ (لَمْ تَبْطُلْ بِعَمْدِهِ فِي الْأَصَحِّ) لِأَنَّهُ لَا يُخِلُّ بِصُورَتِهَا بِخِلَافِ نَقْلِ الرُّكْنِ الْفِعْلِيِّ.
وَالثَّانِي: تَبْطُلُ كَنَقْلِ الرُّكْنِ الْفِعْلِيِّ وَفُرِّقَ الْأَوَّلُ بِمَا مَرَّ.
أَمَّا نَقْلُ السَّلَامِ فَيُبْطِلُ عَمْدُهُ الصَّلَاةَ وَكَذَا تَكْبِيرَةُ الْإِحْرَامِ كَمَا يَقْتَضِيهِ كَلَامُ الرَّوْضَةِ.
وَأَمَّا نَقْلُ ذَلِكَ إلَى رُكْنٍ قَصِيرٍ، فَإِنْ طَوَّلَهُ فَبَطَلَ كَمَا مَرَّ وَإِلَّا فَفِيهِ الْخِلَافُ (وَ) عَلَى الْأَصَحِّ (يَسْجُدُ لِسَهْوِهِ) وَلِعَمْدِهِ كَمَا فِي الْمَجْمُوعِ (فِي الْأَصَحِّ) لِتَرْكِ التَّحَفُّظِ الْمَأْمُورِ بِهِ وَالثَّانِي لَا كَغَيْرِهِ مِمَّا لَا يُبْطِلُ عَمْدُهُ (وَعَلَى هَذَا) أَيْ الْأَصَحِّ (تُسْتَثْنَى هَذِهِ الصُّورَةُ مِنْ قَوْلِنَا) الْمُتَقَدِّمِ (مَا لَا يُبْطِلُ عَمْدُهُ لَا سُجُودَ لِسَهْوِهِ) وَاسْتَثْنَى أَيْضًا مَسَائِلَ مِنْهَا مَا لَوْ قَنَتَ عَمْدًا أَوْ سَهْوًا قَبْلَ الرُّكُوعِ بِنِيَّةِ الْقُنُوتِ لَمْ يُحْسَبْ بَلْ يُعِيدُهُ فِي اعْتِدَالِهِ وَيَسْجُدُ لِلسَّهْوِ، فَإِنْ أَتَى بِهِ لَا بِنِيَّةِ الْقُنُوتِ لَمْ يَسْجُدْ.
قَالَهُ الْخُوَارِزْمِيُّ وَمِنْهَا مَا لَوْ قَرَأَ غَيْرَ الْفَاتِحَةِ كَسُورَةِ الْإِخْلَاصِ عَمْدًا أَوْ سَهْوًا فِي غَيْرِ مَحَلِّ الْقِرَاءَةِ، فَإِنَّهُ يَسْجُدُ لِلسَّهْوِ كَمَا فِي الْمَجْمُوعِ بِخِلَافِ مَا لَوْ قَرَأَهَا قَبْلَ
وَلَوْ نَسِيَ التَّشَهُّدَ الْأَوَّلَ فَذَكَرَهُ بَعْدَ انْتِصَابِهِ لَمْ يَعُدْ لَهُ، فَإِنْ عَادَ عَالِمًا بِتَحْرِيمِهِ بَطَلَتْ، أَوْ نَاسِيًا فَلَا وَيَسْجُدُ لِلسَّهْوِ، أَوْ جَاهِلًا فَكَذَا فِي الْأَصَحِّ، وَلِلْمَأْمُومِ الْعَوْدُ لِمُتَابَعَةِ إمَامِهِ فِي الْأَصَحِّ.
[مغني المحتاج]
الْفَاتِحَةِ فَإِنَّهُ لَا يَسْجُدُ كَمَا قَالَ ابْنُ الصَّبَّاغِ؛ لِأَنَّ الْقِيَامَ أَوْ بَدَلَهُ مَحَلُّهَا فِي الْجُمْلَةِ.
قَالَ الْإِسْنَوِيُّ: وَقِيَاسُ التَّسْبِيحِ فِي الْقِيَامِ أَنْ يَكُونَ كَذَلِكَ أَيْضًا وَهُوَ مُقْتَضَى مَا فِي شَرَائِطِ الْأَحْكَامِ لِابْنِ عَبْدَانَ اهـ.
وَالْمُعْتَمَدُ عَدَمُ السُّجُودِ، وَمِنْهَا مَا إذَا قُلْنَا بِاخْتِصَاصِ الْقُنُوتِ بِالنِّصْفِ الثَّانِي مِنْ رَمَضَانَ وَهُوَ الصَّحِيحُ، فَإِذَا قَنَتَ فِي غَيْرِهِ سَجَدَ لِلسَّهْوِ، وَلَوْ تَعَمَّدَهُ لَمْ تَبْطُلْ صَلَاتُهُ لَكِنَّهُ مَكْرُوهٌ كَمَا ذَكَرَهُ الرَّافِعِيُّ فِي صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ، وَفِي هَذَا نَظَرٌ وَاَلَّذِي يَنْبَغِي الْبُطْلَانُ، وَمِنْهَا مَا لَوْ فَرَّقَهُمْ فِي الْخَوْفِ أَرْبَعَ فِرَقٍ وَصَلَّى بِكُلِّ فِرْقَةٍ رَكْعَةً أَوْ فِرْقَتَيْنِ وَصَلَّى بِإِحْدَاهُمَا ثَلَاثًا، فَإِنَّهُ يَجُوزُ عَلَى الْمَشْهُورِ، لَكِنَّهُ يُكْرَهُ وَيَسْجُدُ لِلسَّهْوِ لِلْمُخَالَفَةِ بِالِانْتِظَارِ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ.
وَمِنْهَا: مَا إذَا زَادَ الْقَاصِرُ رَكْعَتَيْنِ سَهْوًا، فَإِنَّهُ يَسْجُدُ مَعَ أَنَّهُ يَجُوزُ لَهُ زِيَادَتُهُمَا هَكَذَا اسْتَثْنَاهَا ابْنُ الصَّبَّاغِ وَالْأَوْلَى عَدَمُ اسْتِثْنَائِهَا؛ لِأَنَّ عَمْدِ الزِّيَادَةِ بِلَا نِيَّةِ إتْمَامٍ مُبْطِلٌ.
(وَلَوْ نَسِيَ التَّشَهُّدَ الْأَوَّلَ) مَعَ قُعُودِهِ أَوْ وَحْدَهُ أَوْ قُعُودِهِ وَحْدَهُ فِيمَا إذَا لَمْ يُحْسِنْ التَّشَهُّدَ (فَذَكَرَهُ بَعْدَ انْتِصَابِهِ لَمْ يَعُدْ لَهُ) أَيْ يَحْرُمُ عَلَيْهِ الْعَوْدُ؛ لِأَنَّهُ تَلَبَّسَ بِفَرْضٍ فَلَا يَقْطَعُهُ لِسُنَّةٍ (فَإِنْ عَادَ) عَامِدًا (عَالِمًا بِتَحْرِيمِهِ بَطَلَتْ) صَلَاتُهُ؛ لِأَنَّهُ زَادَ قُعُودًا عَمْدًا، وَقِيلَ يَجُوزُ لَهُ الْعَوْدُ مَا لَمْ يَشْرَعْ فِي الْقِرَاءَةِ (أَوْ) عَادَ لَهُ (نَاسِيًا) أَنَّهُ فِي صَلَاةٍ (فَلَا) تَبْطُلُ لِعُذْرِهِ وَيَلْزَمُهُ الْقِيَامُ عِنْدَ تَذَكُّرِهِ (وَيَسْجُدُ لِلسَّهْوِ) لِأَنَّهُ زَادَ جُلُوسًا وَتَرَكَ تَشَهُّدًا (أَوْ جَاهِلًا) بِتَحْرِيمِ الْعَوْدِ (فَكَذَا) لَا تَبْطُلُ (فِي الْأَصَحِّ) كَالنَّاسِي؛ لِأَنَّهُ مِمَّا يَخْفَى عَلَى الْعَوَامّ وَيَلْزَمُهُ الْقِيَامُ عِنْدَ الْعِلْمِ وَيَسْجُدُ لِلسَّهْوِ.
وَالثَّانِي: تَبْطُلُ لِتَقْصِيرِهِ بِتَرْكِ التَّعَلُّمِ وَهَذَا الْخِلَافُ فِي الْمُنْفَرِدِ وَالْإِمَامِ.
وَأَمَّا الْمَأْمُومُ فَلَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَتَخَلَّفَ عَنْ إمَامِهِ لِلتَّشَهُّدِ فَإِنْ تَخَلَّفَ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ لِفُحْشِ الْمُخَالَفَةِ، فَإِنْ قِيلَ: قَدْ صَرَّحُوا بِأَنَّهُ لَوْ تَرَكَ إمَامُهُ الْقُنُوتَ فَلَهُ أَنْ يَتَخَلَّفَ لِيَقْنُتَ إذَا لَحِقَهُ فِي السَّجْدَةِ الْأُولَى.
أُجِيبَ بِأَنَّهُ فِي تِلْكَ لَمْ يُحْدِثْ فِي تَخَلُّفِهِ وُقُوفًا، وَهَذَا أَحْدَثَ فِيهِ جُلُوسَ تَشَهُّدٍ فَقَوْلُ بَعْضِ الْمُتَأَخِّرِينَ مِنْ أَنَّهُ لَوْ جَلَسَ إمَامُهُ لِلِاسْتِرَاحَةِ فَالْأَوْجَهُ أَنَّ لَهُ التَّخَلُّفَ لِيَتَشَهَّدَ إذَا لَحِقَهُ فِي قِيَامِهِ لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ لَمْ يُحْدِثْ جُلُوسًا فَمَحَلُّ بُطْلَانِهَا إذَا لَمْ يَجْلِسْ إمَامُهُ مَمْنُوعٌ؛ لِأَنَّ جُلُوسَ الِاسْتِرَاحَةِ هُنَا غَيْرُ مَطْلُوبٍ وَلَوْ قَعَدَ الْمَأْمُومُ فَانْتَصَبَ الْإِمَامُ ثُمَّ عَادَ قَبْلَ قِيَامِ الْمَأْمُومِ حَرُمَ قُعُودُهُ مَعَهُ لِوُجُوبِ الْقِيَامِ عَلَيْهِ بِانْتِصَابِ الْإِمَامِ وَلَوْ انْتَصَبَا مَعًا ثُمَّ عَادَ الْإِمَامُ لَمْ يَعُدْ الْمَأْمُومُ لِأَنَّهُ إمَّا مُخْطِئٌ بِهِ فَلَا يُوَافِقُهُ فِي الْخَطَإِ، أَوْ عَامِدٌ فَصَلَاتُهُ بَاطِلَةٌ، بَلْ يُفَارِقُهُ أَوْ يَنْتَظِرُهُ حَمْلًا عَلَى أَنَّهُ عَادَ نَاسِيًا، فَإِنْ عَادَ مَعَهُ عَامِدًا عَالِمًا بِالتَّحْرِيمِ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ أَوْ نَاسِيًا أَوْ جَاهِلًا فَلَا (وَلِلْمَأْمُومِ) إذَا انْتَصَبَ نَاسِيًا وَجَلَسَ إمَامُهُ لِلتَّشَهُّدِ الْأَوَّلِ أَوْ نَهَضَا سَهْوًا مَعًا، وَلَكِنْ تَذَكَّرَ الْإِمَامُ فَعَادَ قَبْلَ انْتِصَابِهِ وَانْتَصَبَ الْمَأْمُومُ (الْعَوْدُ لِمُتَابَعَةِ إمَامِهِ فِي الْأَصَحِّ) ؛ لِأَنَّ الْمُتَابَعَةَ فَرْضٌ فَرُجُوعُهُ رُجُوعٌ إلَى فَرْضٍ لَا إلَى سُنَّةٍ.
وَالثَّانِي لَيْسَ لَهُ الْعَوْدُ بَلْ يَنْتَظِرُ إمَامَهُ قَائِمًا لِأَنَّهُ مُتَلَبِّسٌ بِفَرْضٍ وَلَيْسَ
قُلْت: الْأَصَحُّ وُجُوبُهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ، وَلَوْ تَذَكَّرَ قَبْلَ انْتِصَابِهِ عَادَ لِلتَّشَهُّدِ، وَيَسْجُدُ إنْ كَانَ صَارَ إلَى الْقِيَامِ أَقْرَبَ وَلَوْ نَهَضَ عَمْدًا فَعَادَ بَطَلَتْ إنْ كَانَ إلَى الْقِيَامِ أَقْرَبَ،
[مغني المحتاج]
فِيمَا فَعَلَهُ إلَّا التَّقَدُّمَ عَلَى الْإِمَامِ بِرُكْنٍ (قُلْت: الْأَصَحُّ وُجُوبُهُ) أَيْ الْعَوْدِ (وَاَللَّهُ أَعْلَمُ) لِأَنَّ الْمُتَابَعَةَ آكَدُ مِمَّا ذَكَرُوهُ مِنْ التَّلَبُّسِ بِالْفَرْضِ، وَلِهَذَا سَقَطَ بِهَا الْقِيَامُ وَالْقِرَاءَةُ عَنْ الْمَسْبُوقِ، فَإِنْ لَمْ يُعِدْ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ إذَا لَمْ يَنْوِ الْمُفَارَقَةَ.
فَإِنْ قِيلَ: إذَا ظَنَّ الْمَسْبُوقُ سَلَامَ الْإِمَامِ فَقَامَ لَزِمَهُ الْعَوْدُ وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَنْوِيَ الْمُفَارَقَةَ.
.
أُجِيبَ بِأَنَّ الْمَأْمُومَ هُنَا فَعَلَ فِعْلًا لِلْإِمَامِ أَنْ يَفْعَلَهُ وَلَا كَذَلِكَ فِي الْمُسْتَشْكِلِ بِهَا؛ لِأَنَّهُ بَعْدَ فَرَاغِ الصَّلَاةِ فَجَازَ لَهُ الْمُفَارَقَةُ هُنَا لِذَلِكَ.
أَمَّا إذَا تَعَمَّدَ التَّرْكَ فَلَا يَلْزَمُهُ الْعَوْدُ، وَإِنْ كَانَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ وُجُوبَهُ، بَلْ يُسَنُّ كَمَا رَجَّحَهُ فِي التَّحْقِيقِ وَغَيْرِهِ، وَإِنْ صَرَّحَ الْإِمَامُ بِتَحْرِيمِهِ حِينَئِذٍ، وَفَرَّقَ الزَّرْكَشِيُّ بَيْنَ هَذِهِ وَمَا لَوْ قَامَ نَاسِيًا حَيْثُ يَلْزَمُهُ الْعَوْدُ كَمَا مَرَّ بِأَنَّ الْعَامِدَ انْتَقَلَ إلَى وَاجِبٍ.
وَهُوَ الْقِيَامُ، فَخُيِّرَ بَيْنَ الْعَوْدِ وَعَدَمِهِ؛ لِأَنَّهُ تَخْيِيرٌ بَيْنَ وَاجِبَيْنِ بِخِلَافِ النَّاسِي، فَإِنَّ فِعْلَهُ غَيْرُ مُعْتَدٍّ بِهِ لِأَنَّهُ لَمَّا كَانَ مَعْذُورًا كَانَ قِيَامُهُ كَالْعَدَمِ فَتَلْزَمُهُ الْمُتَابَعَةُ كَمَا لَوْ لَمْ يَقُمْ لِيَعْظُمَ أَجْرُهُ، وَالْعَامِدُ كَالْمُفَوِّتِ لِتِلْكَ السُّنَّةِ بِتَعَمُّدِهِ فَلَا يَلْزَمُهُ الْعَوْدُ إلَيْهَا، وَلَوْ رَكَعَ قَبْلَ إمَامِهِ نَاسِيًا تُخُيِّرَ بَيْنَ الْعَوْدِ وَالِانْتِظَارِ، وَيُفَارِقُ مَا مَرَّ مِنْ أَنَّهُ يَلْزَمُهُ الْعَوْدُ فِيمَا لَوْ قَامَ نَاسِيًا بِفُحْشِ الْمُخَالَفَةِ ثُمَّ فَيُقَيَّدُ فَرْقُ الزَّرْكَشِيّ بِذَلِكَ، أَوْ عَامِدًا سُنَّ لَهُ الْعَوْدُ، وَلَوْ ظَنَّ الْمُصَلِّي قَاعِدًا أَنَّهُ تَشَهَّدَ التَّشَهُّدَ الْأَوَّلَ فَافْتَتَحَ الْقِرَاءَةَ لِلثَّالِثَةِ لَمْ يَعُدْ إلَى قِرَاءَةِ التَّشَهُّدِ، وَإِنْ سَبَقَهُ لِسَانُهُ بِالْقِرَاءَةِ وَهُوَ ذَاكِرٌ أَنَّهُ لَمْ يَتَشَهَّدْ جَازَ لَهُ الْعَوْدُ إلَى قِرَاءَةِ التَّشَهُّدِ؛ لِأَنَّ تَعَمُّدَ الْقِرَاءَةِ كَتَعَمُّدِ الْقِيَامِ، وَسَبْقُ اللِّسَانِ إلَيْهَا غَيْرُ مُعْتَدٍّ بِهِ (وَلَوْ تَذَكَّرَ) الْمُصَلِّي التَّشَهُّدَ الْأَوَّلَ (قَبْلَ انْتِصَابِهِ) أَيْ قَبْلَ اسْتِوَائِهِ مُعْتَدِلًا (عَادَ لِلتَّشَهُّدِ) الَّذِي نَسِيَهُ أَيْ جَازَ لَهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَتَلَبَّسْ بِفَرْضٍ (وَيَسْجُدُ) لِلسَّهْوِ (إنْ كَانَ صَارَ إلَى الْقِيَامِ أَقْرَبَ) مِنْهُ إلَى الْقُعُودِ؛ لِأَنَّهُ أَتَى بِفِعْلٍ غَيَّرَ بِهِ نَظْمَ الصَّلَاةِ، وَلَوْ أَتَى بِهِ عَمْدًا فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ كَمَا سَيَأْتِي، فَالسُّجُودُ لِلنُّهُوضِ مَعَ الْعَوْدِ، لَا لِلنُّهُوضِ فَقَطْ خِلَافًا لِلْإِسْنَوِيِّ فِي قَوْلِهِ إنَّهُ لِلنُّهُوضِ لَا لِلْعَوْدِ؛ لِأَنَّهُ مَأْمُورٌ بِهِ.
فَإِنْ قِيلَ: لَوْ قَامَ الْإِمَامُ إلَى خَامِسَةٍ سَهْوًا فَفَارَقَهُ الْمَأْمُومُ بَعْدَ بُلُوغِهِ حَدَّ الرَّاكِعِينَ فَإِنَّهُ يَسْجُدُ مَعَ أَنَّ هَذَا قِيَامٌ لَا عَوْدَ فِيهِ.
أُجِيبَ بِأَنَّ عَمْدَ هَذَا الْقِيَامِ وَحْدَهُ غَيْرُ مُبْطِلٍ بِخِلَافِ مَا قَالَاهُ فَإِنَّهُ وَحْدَهُ مُبْطِلٌ.
أَمَّا إذَا كَانَ إلَى الْقُعُودِ أَقْرَبَ أَوْ عَلَى السَّوَاءِ فَلَا يَسْجُدُ لِسَهْوِهِ لِقِلَّةِ مَا فَعَلَهُ حِينَئِذٍ، وَهَذَا التَّفْصِيلُ هُوَ الْمُصَحَّحُ فِي الشَّرْحَيْنِ، وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ وَإِنْ صَحَّحَ فِي التَّحْقِيقِ أَنَّهُ لَا يَسْجُدُ مُطْلَقًا.
وَقَالَ فِي الْمَجْمُوعِ: إنَّهُ الْأَصَحُّ عِنْدَ الْجُمْهُورِ، وَأَطْلَقَ فِي تَصْحِيحِ التَّنْبِيهِ تَصْحِيحَهُ.
وَقَالَ الْإِسْنَوِيُّ وَبِهِ الْفَتْوَى (وَلَوْ نَهَضَ عَمْدًا) أَيْ قَصَدَ تَرْكَ التَّشَهُّدِ الْأَوَّلِ (فَعَادَ) لَهُ عَمْدًا (بَطَلَتْ) صَلَاتُهُ (إنْ كَانَ) فِيهَا (إلَى الْقِيَامِ أَقْرَبَ) مِنْ الْقُعُودِ؛ لِأَنَّهُ زَادَ فِي صَلَاتِهِ عَمْدًا مَا لَوْ وَقَعَ مِنْهُ سَهْوًا جَبَرَهُ بِالسُّجُودِ فَكَانَ مُبْطِلًا، وَهَذَا التَّفْصِيلُ كَمَا قَالَ الْأَذْرَعِيُّ جَارٍ عَلَى التَّفْصِيلِ الْمُتَقَدِّمِ وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ أَيْضًا كَمَا نَقَلَهُ
وَلَوْ نَسِيَ قُنُوتًا فَذَكَرَهُ فِي سُجُودِهِ لَمْ يَعُدْ لَهُ، أَوْ قَبْلَهُ عَادَ وَيَسْجُدُ لِلسَّهْوِ إنْ بَلَغَ حَدَّ الرَّاكِعِ.
وَلَوْ شَكَّ فِي تَرْكِ بَعْضٍ سَجَدَ،
[مغني المحتاج]
الرَّافِعِيُّ عَنْ الْمُهَذَّبِ وَإِنْ لَمْ يُقَيِّدْ فِي الْمُحَرَّرِ الْبُطْلَانَ بِكَوْنِهِ إلَى الْقِيَامِ أَقْرَبَ، بَلْ أَطْلَقَ الْبُطْلَانَ.
تَنْبِيهٌ: قَوْلُ الْمُصَنِّفِ عَمْدًا قَسِيمٌ لِقَوْلِهِ أَوَّلًا، وَلَوْ نَسِيَ التَّشَهُّدَ الْأَوَّلَ (وَلَوْ نَسِيَ قُنُوتًا فَذَكَرَهُ فِي سُجُودِهِ لَمْ يَعُدْ لَهُ) لِتَلَبُّسِهِ بِفَرْضٍ (أَوْ قَبْلَهُ) بِأَنْ لَمْ يَضَعْ جَمِيعَ أَعْضَاءِ السُّجُودِ حَتَّى لَوْ وَضَعَ الْجَبْهَةَ فَقَطْ أَوْ مَعَ بَعْضِ أَعْضَاءِ السُّجُودِ (عَادَ) أَيْ جَازَ الْعَوْدُ لِعَدَمِ التَّلَبُّسِ بِالْفَرْضِ، وَإِنْ كَانَ ظَاهِرُ كَلَامِ ابْنِ الْمُقْرِي أَنَّهُ لَوْ وَضَعَ الْجَبْهَةَ فَقَطْ لَا يَعُودُ (وَيَسْجُدُ لِلسَّهْوِ إنْ بَلَغَ حَدَّ الرَّاكِعِ) أَيْ أَقَلَّ الرُّكُوعِ فِي هَوِيِّهِ لِأَنَّهُ زَادَ رُكُوعًا سَهْوًا، وَالْعَمْدُ بِهِ مُبْطِلٌ بِخِلَافِ مَا إذَا لَمْ يَبْلُغْهُ فَلَا يَسْجُدُ، وَلَوْ تَرَكَهُ عَمْدًا فَكَتَرْكِ التَّشَهُّدِ كَمَا يَقْتَضِيهِ كَلَامُ الرَّوْضَةِ.
تَنْبِيهٌ: قَوْلُ الْمُصَنِّفِ: إنْ بَلَغَ قَيْدٌ فِي السُّجُودِ لِلسَّهْوِ خَاصَّةً لَا فِي الْعَوْدِ، وَقَدْ يُفْهَمُ مِنْ عِبَارَتِهِ عَوْدُهُ لَهُمَا.
فُرُوعٌ: لَوْ تَشَهَّدَ سَهْوًا فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى أَوْ ثَالِثَةِ الرُّبَاعِيَّةِ أَوْ قَعَدَ سَهْوًا بَعْدَ اعْتِدَالِهِ مِنْ أُولَى أَوْ غَيْرِهَا وَأَتَى بِتَشَهُّدٍ أَوْ بَعْضِهِ أَوْ جَلَسَ لِاسْتِرَاحَةٍ أَوْ بَعْدَ اعْتِدَالٍ سَهْوًا بِلَا تَشَهُّدٍ فَوْقَ جِلْسَةِ الِاسْتِرَاحَةِ ثُمَّ تَذَكَّرَ تَدَارَكَ مَا عَلَيْهِ وَسَجَدَ لِلسَّهْوِ أَمَّا فِي الْأَخِيرَةِ فَلِزِيَادَةِ قُعُودٍ طَوِيلٍ.
وَأَمَّا فِي غَيْرِهَا فَلِذَلِكَ أَوْ لِنَقْلِ رُكْنٍ قَوْلِيٍّ أَوْ بَعْضِهِ، فَإِنْ كَانَتْ الْجِلْسَةُ فِي الْأَخِيرَةِ كَجِلْسَةِ الِاسْتِرَاحَةِ فَلَا سُجُودَ؛ لِأَنَّ عَمْدَهَا مَطْلُوبٌ أَوْ مُغْتَفَرٌ، وَلَوْ مَكَثَ فِي السُّجُودِ يَتَذَكَّرُ هَلْ رَكَعَ أَوْ لَا وَأَطَالَ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ، أَوْ هَلْ سَجَدَ السَّجْدَةَ الْأُولَى أَوْ لَا؟ لَمْ تَبْطُلْ وَإِنْ طَالَ إذْ لَا يَلْزَمُهُ تَرْكُ السُّجُودِ فِي هَذِهِ بِخِلَافِهِ فِي تِلْكَ، فَلَوْ قَعَدَ فِي هَذِهِ مِنْ سَجْدَتِهِ وَتَذَكَّرَ أَنَّهَا الثَّانِيَةُ، وَكَانَ فِي الرَّكْعَةِ الْأَخِيرَةِ فَتَشَهَّدَ، قَالَ الْبَغَوِيّ فِي فَتَاوِيهِ: إنْ كَانَ قُعُودُهُ عَلَى الشَّكِّ فَوْقَ الْقُعُودِ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ؛ لِأَنَّ عَلَيْهِ أَنْ يَعُودَ إلَى السُّجُودِ وَإِلَّا فَلَا تَبْطُلُ وَلَا يَسْجُدُ لِلسَّهْوِ، وَلَوْ سَجَدَ ثُمَّ ذَكَرَ فِي سُجُودِهِ أَنَّهُ لَمْ يَرْكَعْ لَزِمَهُ أَنْ يَقُومَ ثُمَّ يَرْكَعَ، وَلَا يَكْفِيهِ أَنْ يَقُومَ رَاكِعًا لِأَنَّهُ قَصَدَ بِالرُّكُوعِ غَيْرَهُ، وَلَوْ قَامَ إلَى خَامِسَةٍ فِي رُبَاعِيَّةٍ نَاسِيًا ثُمَّ تَذَكَّرَ قَبْلَ جُلُوسِهِ عَادَ إلَى الْجُلُوسِ، فَإِنْ كَانَ قَدْ تَشَهَّدَ فِي الرَّابِعَةِ أَوْ لَمْ يَتَذَكَّرْ حَتَّى قَرَأَهُ فِي الْخَامِسَةِ أَجْزَأَهُ، وَلَوْ ظَنَّهُ التَّشَهُّدَ الْأَوَّلَ كَمَا مَرَّ ثُمَّ يَسْجُدُ لِلسَّهْوِ وَيُسَلِّمُ وَإِنْ كَانَ لَمْ يَتَشَهَّدْ أَتَى بِهِ ثُمَّ سَجَدَ لِلسَّهْوِ وَسَلَّمَ.
(وَلَوْ شَكَّ فِي تَرْكِ بَعْضٍ) بِالْمَعْنَى السَّابِقِ مُعَيَّنٍ كَقُنُوتٍ (سَجَدَ) لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الْفِعْلِ، بِخِلَافِ الشَّكِّ فِي تَرْكِ مَنْدُوبٍ فِي الْجُمْلَةِ؛ لِأَنَّ الْمَنْدُوبَ قَدْ لَا يَقْتَضِي السُّجُودَ، وَبِخِلَافِ الشَّكِّ فِي تَرْكِ بَعْضٍ مُبْهَمٍ كَأَنْ شَكَّ فِي الْمَتْرُوكِ هَلْ هُوَ بَعْضٌ أَوْ لَا لِضَعْفِهِ بِالْإِبْهَامِ، وَبِهَذَا عُلِمَ أَنَّ لِلتَّقْيِيدِ بِالْمُعَيَّنِ مَعْنًى خِلَافًا لِمَنْ زَعَمَ خِلَافَهُ فَجَعَلَ الْمُبْهَمَ كَالْمُعَيَّنِ، وَإِنَّمَا يَكُونُ كَالْمُعَيَّنِ فِيمَا إذَا عَلِمَ أَنَّهُ تَرَكَ بَعْضًا وَشَكَّ هَلْ هُوَ قُنُوتٌ مَثَلًا أَوْ تَشَهُّدٌ أَوَّلٌ أَوْ غَيْرُهُ مِنْ الْأَبْعَاضِ فَإِنَّهُ فِي هَذِهِ يَسْجُدُ لِعِلْمِهِ بِمُقْتَضَى
أَوْ ارْتِكَابِ مَنْهِيٍّ فَلَا، وَلَوْ سَهَا وَشَكَّ هَلْ سَجَدَ فَلْيَسْجُدْ.
وَلَوْ شَكَّ أَصَلَّى ثَلَاثًا أَمْ أَرْبَعًا أَتَى بِرَكْعَةٍ وَسَجَدَ، وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ يَسْجُدُ وَإِنْ زَالَ شَكُّهُ قَبْلَ سَلَامِهِ، وَكَذَا حُكْمُ مَا يُصَلِّيهِ مُتَرَدِّدًا وَاحْتَمَلَ كَوْنَهُ زَائِدًا، وَلَا يَسْجُدُ لِمَا يَجِبُ بِكُلِّ حَالٍ إذَا زَالَ شَكُّهُ، مِثَالُهُ شَكَّ فِي الثَّالِثَةِ أَثَالِثَةٌ هِيَ أَمْ رَابِعَةٌ فَتَذَكَّرَ فِيهَا لَمْ يَسْجُدْ، أَوْ فِي الرَّابِعَةِ سَجَدَ.
[مغني المحتاج]
السُّجُودِ (أَوْ) شَكَّ (فِي ارْتِكَابِ مَنْهِيٍّ) عَنْهُ وَإِنْ أَبْطَلَ عَمْدُهُ كَكَلَامٍ قَلِيلٍ (فَلَا) يَسْجُدُ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُهُ، وَلَوْ سَهَا وَشَكَّ هَلْ سَهَا بِالْأَوَّلِ أَوْ بِالثَّانِي سَجَدَ لِتَيَقُّنِ مُقْتَضِيهِ (وَلَوْ سَهَا وَشَكَّ) أَيْ تَرَدَّدَ (هَلْ سَجَدَ) لِلسَّهْوِ أَوْ لَا (فَلْيَسْجُدْ) لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُهُ، أَوْ هَلْ سَجَدَ وَاحِدَةً أَوْ اثْنَتَيْنِ سَجَدَ أُخْرَى.
(وَلَوْ شَكَّ) أَيْ تَرَدَّدَ فِي رُبَاعِيَّةٍ (أَصَلَّى ثَلَاثًا أَمْ أَرْبَعًا أَتَى بِرَكْعَةٍ) لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ فِعْلِهَا (وَسَجَدَ) لِلسَّهْوِ لِلتَّرَدُّدِ فِي زِيَادَتِهَا، وَلَا يَرْجِعُ فِي فِعْلِهَا إلَى ظَنِّهِ وَلَا إلَى قَوْلِ غَيْرِهِ وَإِنْ كَانَ جَمْعًا كَثِيرًا لِأَنَّهُ تَرَدَّدَ فِي فِعْلِ نَفْسِهِ، فَلَا يَأْخُذُ بِقَوْلِ غَيْرِهِ فِيهِ كَالْحَاكِمِ إذَا نَسِيَ حُكْمَهُ لَا يَأْخُذُ بِقَوْلِ الشُّهُودِ عَلَيْهِ.
فَإِنْ قِيلَ: إنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَاجَعَ الصَّحَابَةَ ثُمَّ عَادَ لِلصَّلَاةِ فِي خَبَرِ ذِي الْيَدَيْنِ.
أُجِيبَ بِأَنَّ ذَلِكَ مَحْمُولٌ عَلَى تَذَكُّرِهِ بَعْدَ مُرَاجَعَتِهِ.
قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: وَيَنْبَغِي تَخْصِيصُ ذَلِكَ بِمَا إذَا لَمْ يَبْلُغُوا حَدَّ التَّوَاتُرِ وَهُوَ بَحْثٌ حَسَنٌ، وَيَنْبَغِي أَنَّهُ إذَا صَلَّى فِي جَمَاعَةٍ وَصَلَّوْا إلَى هَذَا الْحَدِّ أَنَّهُ يَكْتَفِي بِفِعْلِهِمْ وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ خَبَرُ مُسْلِمٍ «إذَا شَكَّ أَحَدُكُمْ فِي صَلَاتِهِ وَلَمْ يَدْرِ أَصَلَّى ثَلَاثًا أَمْ أَرْبَعًا؟ فَلْيَطْرَحْ الشَّكَّ وَلْيَبْنِ عَلَى مَا اسْتَيْقَنَ ثُمَّ يَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ قَبْلَ أَنْ يُسَلِّمَ، فَإِنْ كَانَ صَلَّى خَمْسًا شَفَعْنَ لَهُ صَلَاتَهُ» (1) أَيْ رَدَّتْهَا السَّجْدَتَانِ إلَى الْأَرْبَعِ، وَيَحْذِفَانِ الزِّيَادَةَ لِأَنَّهُمَا جَابِرَانِ الْخَلَلَ الْحَاصِلَ مِنْ النُّقْصَانِ تَارَةً وَمِنْ الزِّيَادَةِ أُخْرَى، لَا أَنَّهُمَا يُصَيِّرَانِهَا سِتًّا، وَإِنْ كَانَ صَلَّى إتْمَامًا لِأَرْبَعٍ كَانَتَا رَغْمًا لِلشَّيْطَانِ (وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ يَسْجُدُ وَإِنْ زَالَ شَكُّهُ قَبْلَ سَلَامِهِ) بِأَنْ تَذَكَّرَ أَنَّهَا رَابِعَةٌ لِفِعْلِهَا مَعَ التَّرَدُّدِ.
وَالثَّانِي: لَا يَسْجُدُ إذْ لَا عِبْرَةَ بِالتَّرَدُّدِ بَعْدَ زَوَالِهِ (وَكَذَا حُكْمُ مَا يُصَلِّيهِ مُتَرَدِّدًا وَاحْتَمَلَ كَوْنَهُ زَائِدًا) أَنَّهُ يَسْجُدُ لِلتَّرَدُّدِ فِي زِيَادَتِهِ وَإِنْ زَالَ شَكُّهُ قَبْلَ سَلَامِهِ (وَلَا يَسْجُدُ لِمَا يَجِبُ بِكُلِّ حَالٍ إذَا زَالَ شَكُّهُ، مِثَالُهُ شَكَّ) فِي رُبَاعِيَّةٍ (فِي) الرَّكْعَةِ (الثَّالِثَةِ) فِي نَفْسِ الْأَمْرِ (أَثَالِثَةٌ هِيَ أَمْ رَابِعَةٌ فَتَذَكَّرَ فِيهَا) أَيْ الثَّالِثَةِ أَنَّهَا ثَالِثَةٌ أَيْ تَبَيَّنَ لَهُ الْأَمْرُ بَعْدَ ذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يَقُومَ إلَى الرَّابِعَةِ (لَمْ يَسْجُدْ) لِأَنَّ مَا فَعَلَهُ هَهُنَا مَعَ التَّرَدُّدِ لَا بُدَّ مِنْهُ.
فَإِنْ قِيلَ: كَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَقُولَ: وَلَوْ شَكَّ فِي رَكْعَةٍ أَثَالِثَةٌ هِيَ، وَإِلَّا فَقَدْ فَرَضَهَا ثَالِثَةً فَكَيْفَ يَشُكُّ أَثَالِثَةٌ هِيَ أَمْ رَابِعَةٌ؟ .
أُجِيبَ بِأَنَّ مُرَادَهُ مَا قَدَّرْتُهُ.
وَقَالَ الشَّارِحُ: بَدَلُ ذَلِكَ فِي الْوَاقِعِ، وَمُؤَدَّى الْعِبَارَتَيْنِ وَاحِدٌ (أَوْ) تَذَكَّرَ (فِي) الرَّكْعَةِ (الرَّابِعَةِ) بِأَنْ لَمْ يَتَذَكَّرْ ذَلِكَ فِيمَا قَبْلَهَا، بَلْ اسْتَمَرَّ تَرَدُّدُهُ الْمُتَقَدِّمُ فِي الثَّالِثَةِ حَتَّى قَامَ إلَى رَكْعَةٍ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ رَابِعَةٍ، وَهُوَ إنَّمَا قَامَ إلَيْهَا احْتِيَاطًا مَعَ احْتِمَالِ أَنَّهَا خَامِسَةٌ ثُمَّ زَالَ تَرَدُّدُهُ فِي الرَّابِعَةِ أَنَّهَا رَابِعَةٌ (سَجَدَ) لِتَرَدُّدِهِ حَالَ قِيَامِهِ إلَى الرَّابِعَةِ هَلْ هِيَ رَابِعَةٌ أَوْ خَامِسَةٌ، فَقَدْ أَتَى بِزَائِدٍ عَلَى تَقْدِيرٍ دُونَ تَقْدِيرٍ، وَإِنَّمَا اقْتَضَى التَّرَدُّدُ فِي زِيَادَتِهَا السُّجُودَ لِأَنَّهَا إنْ كَانَتْ زَائِدَةً فَظَاهِرٌ، وَإِلَّا فَالتَّرَدُّدُ يُضْعِفُ النِّيَّةَ وَيُحْوِجُ إلَى الْجَبْرِ، فَإِنْ
وَلَوْ شَكَّ بَعْدَ السَّلَامِ فِي تَرْكِ فَرْضٍ لَمْ يُؤَثِّرْ عَلَى الْمَشْهُورِ،
[مغني المحتاج]
قِيلَ: لَوْ شَكَّ فِي أَنَّهُ قَضَى الْفَائِتَةَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِ أَمْ لَا فَإِنَّا نَأْمُرُهُ بِالْقَضَاءِ بِلَا سُجُودٍ، وَإِنْ كَانَ مُتَرَدِّدًا فِي أَنَّهَا عَلَيْهِ أَمْ لَا.
أُجِيبَ بِأَنَّ التَّرَدُّدَ ثَمَّ لَمْ يَقَعْ فِي بَاطِلٍ بِخِلَافِهِ هُنَا، وَبِأَنَّ السُّجُودَ إنَّمَا يَكُونُ لِلتَّرَدُّدِ الطَّارِئِ فِي الصَّلَاةِ لَا لِلسَّابِقِ عَلَيْهَا، وَقَضِيَّةُ تَعْبِيرِهِمْ بِقَبْلِ الْقِيَامِ أَنَّهُ لَوْ زَالَ تَرَدُّدُهُ بَعْدَ نُهُوضِهِ وَقَبْلَ انْتِصَابِهِ لَمْ يَسْجُدْ، إذْ حَقِيقَةُ الْقِيَامِ الِانْتِصَابُ، وَمَا قَبْلَهُ انْتِقَالٌ لَا قِيَامٌ.
قَالَ شَيْخُنَا: فَقَوْلُ الْإِسْنَوِيِّ إنَّهُمْ أَهْمَلُوهُ مَرْدُودٌ، وَكَذَا قَوْلُهُ وَالْقِيَاسُ أَنَّهُ إنْ صَارَ إلَى الْقِيَامِ أَقْرَبَ سَجَدَ وَإِلَّا فَلَا؛ لِأَنَّ تَعْبِيرَهُمْ بِقَبْلِ الْقِيَامِ أَنَّهُ لَوْ زَالَ تَرَدُّدُهُ بَعْدَ نُهُوضِهِ وَقَبْلَ انْتِصَابِهِ لَمْ يَسْجُدْ، إذْ حَقِيقَةُ الْقِيَامِ الِانْتِصَابُ، وَمَا قَبْلَهُ انْتِقَالٌ لَا قِيَامٌ.
قَالَ شَيْخُنَا: فَقَوْلُ الْإِسْنَوِيِّ إنَّهُمْ أَهْمَلُوهُ مَرْدُودٌ، وَكَذَا قَوْلُهُ وَالْقِيَامُ أَنَّهُ إنْ صَارَ إلَى الْقِيَامِ أَقْرَبَ سَجَدَ وَإِلَّا فَلَا؛ لِأَنَّ صَيْرُورَتَهُ إلَى مَا ذَكَرَ لَا تَقْتَضِي السُّجُودَ؛ لِأَنَّ عَمْدَهُ لَا يُبْطِلُ وَإِنَّمَا يُبْطِلُ عَمْدُهُ مَعَ عَوْدِهِ كَمَا مَرَّ، نَبَّهَ عَلَى ذَلِكَ ابْنُ الْعِمَادِ.
(وَلَوْ شَكَّ بَعْدَ السَّلَامِ فِي تَرْكِ فَرْضٍ) غَيْرِ النِّيَّةِ وَتَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ (لَمْ يُؤَثِّرْ) وَإِنْ قَصُرَ الْفَصْلُ (عَلَى الْمَشْهُورِ) لِأَنَّ الظَّاهِرَ وُقُوعُهُ عَنْ تَمَامٍ، وَلِأَنَّهُ لَوْ أَثَّرَ لَعَسُرَ عَلَى النَّاسِ خُصُوصًا عَلَى ذَوِي الْوَسْوَاسِ.
وَالثَّانِي: يُؤَثِّرُ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ فِعْلِهِ فَيَبْنِي عَلَى الْيَقِينِ وَيَسْجُدُ كَمَا فِي صُلْبِ الصَّلَاةِ إنْ لَمْ يَطُلْ الْفَصْلُ، فَإِنْ طَالَ اسْتَأْنَفَ.
أَمَّا إذَا شَكَّ فِي النِّيَّةِ أَوْ تَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ فَإِنَّهُ تَلْزَمُهُ الْإِعَادَةُ، وَكَذَا لَوْ شَكَّ فِي أَنَّهُ هَلْ نَوَى الْفَرْضَ أَوْ النَّفَلَ كَمَا لَوْ شَكَّ هَلْ صَلَّى أَمْ لَا، ذَكَرَهُ الْبَغَوِيّ فِي فَتَاوِيهِ.
قَالَ: وَلَوْ شَكَّ أَنَّ مَا أَدَّاهُ ظُهْرٌ أَوْ عَصْرٌ وَقَدْ فَاتَتَاهُ لَزِمَهُ إعَادَتُهُمَا جَمِيعًا.
فَإِنْ قِيلَ فِي زَوَائِدِ الرَّوْضَةِ: إنَّ الْمُكَفِّرَ لَوْ صَامَ يَوْمًا وَشَكَّ بَعْدَ فَرَاغِهِ فِي النِّيَّةِ لَا يَلْزَمُهُ الِاسْتِئْنَافُ عَلَى الصَّحِيحِ فَهَلَّا كَانَ هُنَا كَذَلِكَ؟ .
أُجِيبَ بِأَنَّ تَعَلُّقَ النِّيَّةِ بِالصَّلَاةِ أَشَدُّ مِنْ تَعَلُّقِهَا بِالصَّوْمِ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَوْ شَكَّ فِيهَا فِي الصَّلَاةِ وَطَالَ الزَّمَنُ بَطَلَتْ، وَلَا كَذَلِكَ الصَّوْمُ، وَخَرَجَ بِقَوْلِهِ فَرْضٍ الشَّرْطُ.
وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِيهِ، فَقَالَ فِي الْمَجْمُوعِ فِي مَوْضِعٍ: لَوْ شَكَّ هَلْ كَانَ مُتَطَهِّرًا أَنَّهُ يُؤَثِّرُ فَارِقًا بِأَنَّ الشَّكَّ فِي الرُّكْنِ يَكْثُرُ بِخِلَافِهِ فِي الطُّهْرِ، وَبِأَنَّ الشَّكَّ فِي الرُّكْنِ حَصَلَ بَعْدَ تَيَقُّنِ الِانْعِقَادِ، وَالْأَصْلُ الِاسْتِمْرَارُ عَلَى الصِّحَّةِ بِخِلَافِهِ فِي الطُّهْرِ، فَإِنَّهُ شَكٌّ فِي الِانْعِقَادِ وَالْأَصْلُ عَدَمُهُ.
قَالَ الْإِسْنَوِيُّ: وَمُقْتَضَى هَذَا الْفَرْقِ أَنْ تَكُونَ الشُّرُوطُ كُلُّهَا كَذَلِكَ.
وَقَالَ فِي الْخَادِمِ: وَهُوَ فَرْقٌ حَسَنٌ، لَكِنَّ الْمَنْقُولَ عَدَمُ الْإِعَادَةِ مُطْلَقًا وَهُوَ الْمُتَّجَهُ، وَعَلَّلَهُ بِالْمَشَقَّةِ: وَهَذَا هُوَ الْمُعْتَمَدُ كَمَا هُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ ابْنِ الْمُقْرِي.
وَنَقَلَهُ فِي الْمَجْمُوعِ بِالنِّسْبَةِ لِلطُّهْرِ فِي بَابِ مَسْحِ الْخُفِّ عَنْ جَمْعٍ، وَهُوَ الْمُوَافِقُ لِمَا نَقَلَهُ هُوَ عَنْ الْقَائِلِينَ بِهِ عَنْ النَّصِّ أَنَّهُ لَوْ شَكَّ بَعْدَ طَوَافِ نُسُكِهِ هَلْ طَافَ مُتَطَهِّرًا أَمْ لَا؟ لَا يَلْزَمُهُ إعَادَةُ الطَّوَافِ.
وَقَدْ نُقِلَ عَنْ الشَّيْخِ أَبِي حَامِدٍ جَوَازُ دُخُولِ الصَّلَاةِ بِطُهْرٍ مَشْكُوكٍ فِيهِ، وَظَاهِرٌ أَنَّ صُورَتَهُ أَنْ يَتَذَكَّرَ أَنَّهُ تَطَهَّرَ قَبْلَ شَكِّهِ، وَإِلَّا فَلَا تَنْعَقِدُ.
تَنْبِيهٌ: لَا يَخْفَى أَنَّ مُرَادَهُمْ بِالسَّلَامِ الَّذِي لَا يُؤَثِّرُ بَعْدَهُ الشَّكُّ سَلَامٌ لَا يَحْصُلُ بَعْدَهُ عَوْدٌ إلَى الصَّلَاةِ بِخِلَافِ غَيْرِهِ، فَلَوْ سَلَّمَ نَاسِيًا لِسُجُودِ السَّهْوِ ثُمَّ عَادَ وَشَكَّ فِي تَرْكِ رُكْنٍ لَزِمَهُ تَدَارُكُهُ كَمَا يَقْتَضِيهِ كَلَامُهُمْ، وَخَرَجَ بِالشَّكِّ الْعِلْمُ، فَلَوْ تَذَكَّرَ بَعْدَهُ أَنَّهُ تَرَكَ رُكْنًا بَنَى عَلَى مَا فَعَلَهُ إنْ لَمْ يُطِلْ الْفَصْلَ وَلَمْ يَطَأْ نَجَاسَةً وَإِنْ تَكَلَّمَ قَلِيلًا وَاسْتَدْبَرَ الْقِبْلَةَ وَخَرَجَ مِنْ الْمَسْجِدِ، وَتُفَارِقُ هَذِهِ الْأُمُورُ وَطْءَ النَّجَاسَةِ بِاحْتِمَالِهَا فِي الصَّلَاةِ فِي الْجُمْلَةِ، وَالْمَرْجِعُ فِي طُولِهِ وَقِصَرِهِ إلَى الْعُرْفِ.
وَقِيلَ: يُعْتَبَرُ الْقِصَرُ بِالْقَدْرِ الَّذِي نُقِلَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي خَبَرِ ذِي الْيَدَيْنِ، وَالطُّولُ بِمَا زَادَ عَلَيْهِ،
وَسَهْوُهُ حَالَ قُدْوَتِهِ يَحْمِلُهُ إمَامُهُ.
فَلَوْ ظَنَّ سَلَامَهُ فَسَلَّمَ فَبَانَ خِلَافُهُ سَلَّمَ مَعَهُ وَلَا سُجُودَ، وَلَوْ ذَكَرَ فِي تَشَهُّدِهِ تَرْكَ رُكْنٍ غَيْرَ النِّيَّةِ وَالتَّكْبِيرَةِ قَامَ بَعْدَ سَلَامِ إمَامِهِ إلَى رَكْعَتِهِ وَلَا يَسْجُدُ، وَسَهْوُهُ بَعْدَ سَلَامِهِ لَا يَحْمِلُهُ.
فَلَوْ سَلَّمَ الْمَسْبُوقُ بِسَلَامِ إمَامِهِ بَنَى وَسَجَدَ،
[مغني المحتاج]
وَالْمَنْقُولُ فِي الْخَبَرِ «أَنَّهُ قَامَ وَمَضَى إلَى نَاحِيَةِ الْمَسْجِدِ، وَرَاجَعَ ذِي الْيَدَيْنِ وَسَأَلَ الصَّحَابَةَ فَأَجَابُوهُ» (وَسَهْوُهُ) أَيْ الْمَأْمُومِ (حَالَ قُدْوَتِهِ) الْحِسِّيَّةِ كَأَنْ سَهَا عَنْ التَّشَهُّدِ الْأَوَّلِ، أَوْ الْحُكْمِيَّةِ كَأَنْ سَهَتْ الْفِرْقَةُ الثَّانِيَةُ فِي ثَانِيَتِهَا مِنْ صَلَاةِ ذَاتِ الرِّقَاعِ (يَحْمِلُهُ إمَامُهُ) «لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْإِمَامُ ضَامِنٌ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ.
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: يُرِيدُ بِالضَّمَانِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ أَنَّهُ يَتَحَمَّلُ سَهْوَ الْمَأْمُومِ كَمَا يَتَحَمَّلُ الْجَهْرَ وَالسُّورَةَ وَغَيْرَهُمَا، وَلِأَنَّ مُعَاوِيَةَ شَمَّتَ الْعَاطِسَ، وَهُوَ خَلْفَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَمَا مَرَّ وَلَمْ يَسْجُدْ وَلَا أَمَرَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالسُّجُودِ، وَاحْتُرِزَ بِحَالِ الْقُدْوَةِ عَنْ سَهْوِهِ قَبْلَ الْقُدْوَةِ كَمَا لَوْ سَهَا وَهُوَ مُنْفَرِدٌ ثُمَّ اقْتَدَى بِهِ فَلَا يَتَحَمَّلُهُ، وَإِنْ اقْتَضَى كَلَامُهُمَا فِي بَابِ صَلَاةِ الْخَوْفِ تَرْجِيحَ تَحَمُّلِهِ لِعَدَمِ اقْتِدَائِهِ بِهِ حَالَ سَهْوِهِ، وَإِنَّمَا لَمْ يَتَحَمَّلْهُ عَنْهُ كَمَا أَنَّهُ يَلْحَقُهُ سَهْوُ إمَامِهِ الْوَاقِعُ قَبْلَ الْقُدْوَةِ كَمَا سَيَأْتِي؛ لِأَنَّهُ قَدْ عَهِدَ تَعَدِّي الْخَلَلِ مِنْ صَلَاةِ الْإِمَامِ إلَى صَلَاةِ الْمَأْمُومِ دُونَ عَكْسِهِ، وَعَنْ سَهْوِهِ بَعْدَهَا فَإِنَّهُ لَا يَتَحَمَّلُهُ كَمَا سَيَأْتِي.
(فَلَوْ ظَنَّ سَلَامَهُ) أَيْ الْإِمَامِ (فَسَلَّمَ) الْمَأْمُومُ (فَبَانَ خِلَافُهُ) أَيْ خِلَافُ ظَنِّهِ (سَلَّمَ مَعَهُ) أَوْ بَعْدَهُ وَهُوَ أَوْلَى؛ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ تَقْدِيمُهُ عَلَى سَلَامِ إمَامِهِ (وَلَا سُجُودَ) لِسَهْوِهِ حَالَ الْقُدْوَةِ فَيَتَحَمَّلُهُ إمَامُهُ (وَلَوْ ذَكَرَ) الْمَأْمُومُ (فِي) آخِرِ صَلَاتِهِ فِي (تَشَهُّدِهِ) أَوْ قَبْلَهُ أَوْ بَعْدَهُ (تَرْكَ رُكْنٍ) تَرَكَهُ بَعْدَ الْقُدْوَةِ، وَلَا يَعْرِفُ مَا هُوَ لَكِنَّهُ (غَيْرُ النِّيَّةِ وَالتَّكْبِيرَةِ) لِلْإِحْرَامِ لَمْ يَعُدْ لِتَدَارُكِهِ لِمَا فِيهِ مِنْ تَرْكِ الْمُتَابَعَةِ الْوَاجِبَةِ، وَ (قَامَ بَعْدَ سَلَامِ إمَامِهِ إلَى رَكْعَتِهِ) الَّتِي فَاتَتْ بِفَوَاتِ الرُّكْنِ (وَلَا يَسْجُدُ) لِوُجُودِ سَهْوِهِ حَالَ الْقُدْوَةِ، وَخَرَجَ بِذَلِكَ مَا لَوْ شَكَّ فِي تَرْكِ الرُّكْنِ الْمَذْكُورِ فَإِنَّهُ يَأْتِي بِهِ وَيَسْجُدُ لِلسَّهْوِ كَمَا فِي التَّحْقِيقِ، وَإِنَّمَا لَمْ يَتَحَمَّلْهُ عَنْهُ الْإِمَامُ لِأَنَّهُ شَاكٌّ فِيمَا أَتَى بِهِ بَعْدَ سَلَامِ إمَامِهِ، كَمَا لَوْ شَكَّ الْمَسْبُوقُ هَلْ أَدْرَكَ رُكُوعَ الْإِمَامِ أَمْ لَا فَقَامَ وَأَتَى بِرَكْعَةٍ فَإِنَّهُ يَسْجُدُ لِلتَّرَدُّدِ فِيمَا انْفَرَدَ بِهِ، وَلَوْ تَذَكَّرَ بَعْدَ الْقِيَامِ أَنَّهُ أَدْرَكَ الرُّكُوعَ؛ لِأَنَّ مَا فَعَلَهُ مَعَ تَرَدُّدِهِ فِيمَا ذُكِرَ مُحْتَمِلٌ لِلزِّيَادَةِ، أَمَّا النِّيَّةُ وَتَكْبِيرَةُ الْإِحْرَامِ وَهُمَا مِنْ زِيَادَتِهِ فَالتَّارِكُ لِوَاحِدَةٍ مِنْهُمَا لَيْسَ فِي صَلَاةٍ (وَسَهْوُهُ) أَيْ الْمَأْمُومِ (بَعْدَ سَلَامِهِ) أَيْ إمَامِهِ (لَا يَحْمِلُهُ) أَيْ إمَامُهُ مَسْبُوقًا كَانَ أَوْ مُوَافِقًا لِانْتِهَاءِ الْقُدْوَةِ كَمَا لَا يَحْمِلُ الْإِمَامُ سَهْوَهُ قَبْلَ الْقُدْوَةِ كَمَا مَرَّ.
(فَلَوْ سَلَّمَ الْمَسْبُوقُ بِسَلَامِ إمَامِهِ) فَذَكَرَهُ حَالًا (بَنَى) عَلَى صَلَاتِهِ (وَسَجَدَ) لِأَنَّ سَهْوَهُ بَعْدَ انْقِطَاعِ الْقُدْوَةِ، وَيُؤْخَذُ مِنْ الْعِلَّةِ أَنَّهُ لَوْ سَلَّمَ مَعَهُ لَمْ يَسْجُدْ، وَهُوَ كَذَلِكَ كَمَا قَالَهُ الْأَذْرَعِيُّ، وَإِنْ ذَكَرَ فِيهِ ابْنُ الْأُسْتَاذِ احْتِمَالَيْنِ، فَإِنْ ظَنَّهُ الْمَسْبُوقُ بِرَكْعَةٍ مَثَلًا سَلَّمَ فَقَامَ وَأَتَى بِرَكْعَةٍ قَبْلَ سَلَامِهِ لَمْ تُحْسَبْ لِفِعْلِهَا فِي غَيْرِ مَوْضِعِهَا، فَإِذَا سَلَّمَ إمَامُهُ أَعَادَهَا وَلَمْ يَسْجُدْ لِلسَّهْوِ لِبَقَاءِ حُكْمِ الْقُدْوَةِ، وَلَوْ عَلِمَ فِي الْقِيَامِ أَنَّهُ قَامَ قَبْلَ سَلَامِ إمَامِهِ لَزِمَهُ أَنْ يَجْلِسَ، وَلَوْ جَوَّزْنَا مُفَارَقَةَ الْإِمَامِ؛ لِأَنَّ قِيَامَهُ غَيْرُ مُعْتَدٍّ بِهِ، فَإِذَا جَلَسَ وَوَجَدَهُ لَمْ يُسَلِّمْ إنْ شَاءَ فَارَقَهُ وَإِنْ شَاءَ انْتَظَرَ سَلَامَهُ، فَلَوْ أَتَمَّهَا جَاهِلًا بِالْحَالِ وَلَوْ بَعْدَ سَلَامِ الْإِمَامِ لَمْ تُحْسَبْ، فَيُعِيدُهَا لِمَا مَرَّ وَيَسْجُدُ لِلسَّهْوِ لِلزِّيَادَةِ بَعْدَ سَلَامِ الْإِمَامِ، وَلَوْ نَطَقَ
وَيَلْحَقُهُ سَهْوُ إمَامِهِ، فَإِنْ سَجَدَ لَزِمَهُ مُتَابَعَتُهُ، وَإِلَّا فَيَسْجُدُ عَلَى النَّصِّ.
[مغني المحتاج]
بِالسَّلَامِ وَلَمْ يَنْوِ الْخُرُوجَ مِنْ الصَّلَاةِ وَلَمْ يَقُلْ: عَلَيْكُمْ لَمْ يَسْجُدْ لِعَدَمِ الْخِطَابِ وَالنِّيَّةِ، فَإِنْ نَوَى الْخُرُوجَ وَلَمْ يَقُلْ: عَلَيْكُمْ سَجَدَ كَمَا قَالَ الْإِسْنَوِيُّ: إنَّهُ الْقِيَاسُ (وَيَلْحَقُهُ) أَيْ الْمَأْمُومَ (سَهْوُ إمَامِهِ) غَيْرِ الْمُحْدِثِ، وَإِنْ أَحْدَثَ الْإِمَامُ بَعْدَ ذَلِكَ لَتَطَرَّقَ الْخَلَلُ لِصَلَاتِهِ مِنْ صَلَاةِ إمَامِهِ، وَلَتَحَمَّلَ الْإِمَامُ عَنْهُ السَّهْوَ.
أَمَّا إذَا بَانَ إمَامُهُ مُحْدِثًا فَلَا يَلْحَقُهُ سَهْوُهُ وَلَا يَتَحَمَّلُ هُوَ عَنْهُ، إذْ لَا قُدْوَةَ حَقِيقَةً حَالَ السَّهْوِ.
فَإِنْ قِيلَ: الصَّلَاةُ خَلْفَ الْمُحْدِثِ صَلَاةُ جَمَاعَةٍ عَلَى الْمَنْصُوصِ الْمَشْهُورِ حَتَّى لَا يَجِبُ عِنْدَ ظُهُورِهِ فِي الْجُمُعَةِ إعَادَتُهَا إذَا تَمَّ الْعَدَدُ بِغَيْرِهِ.
أُجِيبَ بِأَنَّ كَوْنَهَا جَمَاعَةً لَا يَقْتَضِي لُحُوقَ السَّهْوِ لِأَنَّ لُحُوقَهُ تَابِعٌ لِمَطْلُوبِيَّتِهِ مِنْ الْإِمَامِ وَهِيَ مُنْتَفِيَةٌ؛ لِأَنَّ صَلَاةَ الْمُحْدِثِ لِبُطْلَانِهَا لَا يُطْلَبُ مِنْهُ جَبْرُهَا، فَكَذَا صَلَاةُ الْمُؤْتَمِّ بِهِ (فَإِنْ سَجَدَ) إمَامُهُ (لَزِمَهُ مُتَابَعَتُهُ) وَإِنْ لَمْ يَعْرِفْ أَنَّهُ سَهَا حَمْلًا عَنْ أَنَّهُ سَهَا، بَلْ لَوْ اقْتَصَرَ عَلَى سَجْدَةٍ سَجَدَ الْمَأْمُومُ أُخْرَى حَمْلًا عَلَى أَنَّهُ سَهَا أَيْضًا، وَهَذَا السُّجُودُ لِسَهْوِ الْإِمَامِ لَا لِمُتَابَعَتِهِ، وَلَوْ تَرَكَ الْمَأْمُومُ الْمُتَابَعَةَ عَمْدًا بَطَلَتْ صَلَاتُهُ لِمُخَالَفَتِهِ حَالَ الْقُدْوَةِ، وَهَذَا بِخِلَافِ مَا لَوْ قَامَ الْإِمَامُ إلَى خَامِسَةٍ نَاسِيًا لَمْ يَجُزْ لِلْمَأْمُومِ مُتَابَعَتُهُ حَمْلًا عَلَى أَنَّهُ تَرَكَ رُكْنًا مِنْ رَكْعَةٍ وَإِنْ كَانَ مَسْبُوقًا؛ لِأَنَّ قِيَامَهُ إلَى خَامِسَةٍ لَمْ يُعْهَدْ بِخِلَافِ سُجُودِهِ فَإِنَّهُ مَعْهُودٌ لِسَهْوِ إمَامِهِ.
وَأَمَّا مُتَابَعَةُ الْمَأْمُومِينَ لَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي قِيَامِهِ لِلْخَامِسَةِ فِي صَلَاةِ الظُّهْرِ فَلِأَنَّهُمْ لَمْ يَتَحَقَّقُوا زِيَادَتَهَا لِأَنَّ الزَّمَنَ كَانَ زَمَنَ الْوَحْيِ وَإِمْكَانِ الزِّيَادَةِ وَالنُّقْصَانِ، وَلِهَذَا قَالُوا: أَزِيدَ فِي الصَّلَاةِ يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَلَا يُشْكِلُ ذَلِكَ بِمَا سَيَأْتِي فِي بَابِ الْجُمُعَةِ، مِنْ أَنَّ الْمَسْبُوقَ إذَا رَأَى الْإِمَامَ فِي التَّشَهُّدِ يَنْوِي الْجُمُعَةَ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ نَسِيَ شَيْئًا يَلْزَمُهُ بِهِ رَكْعَةٌ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يُتَابِعُهُ فِيمَا سَيَأْتِي إذَا عَلِمَ ذَلِكَ كَمَا قَالَ شَيْخِي، وَهُنَا لَمْ يَعْلَمْ، وَاسْتَثْنَى فِي الرَّوْضَةِ كَأَصْلِهَا مَا إذَا تَيَقَّنَ غَلَطَ الْإِمَامِ فِي ظَنِّهِ سَبَبَ سُجُودِ السَّهْوِ كَأَنْ ظَنَّ تَرْكَ بَعْضٍ يَعْلَمُ الْمَأْمُومُ فِعْلَهُ قَالَا: فَلَا يُوَافِقُهُ إذَا سَجَدَ.
قَالَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ: وَهُوَ مُشْكِلٌ تَصْوِيرًا وَحُكْمًا وَاسْتِثْنَاءً فَتَأَمَّلْهُ.
اهـ.
وَجْهُ إشْكَالِ تَصْوِيرِهِ كَيْفَ يَعْلَمُ الْمَأْمُومُ أَنَّ الْإِمَامَ يَسْجُدُ لِذَلِكَ؟ . جَوَابُهُ أَنْ يَغْلِبَ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّهُ يَسْجُدُ لِذَلِكَ وَهُوَ كَافٍ وَوَجْهُ إشْكَالِ حُكْمِهِ أَنَّهُ إذَا سَجَدَ الْإِمَامُ لِشَيْءٍ ظَنَّهُ سَهَا بِهِ وَتَبَيَّنَ خِلَافُهُ يَسْجُدُ لِذَلِكَ، وَإِذَا سَجَدَ ثَانِيًا لَزِمَ الْمَأْمُومَ مُتَابَعَتُهُ، وَجَوَابُهُ أَنَّهُ لَا يَسْجُدُ مَعَهُ أَوَّلًا، وَإِنْ سَجَدَ مَعَهُ ثَانِيًا، وَوَجْهُ إشْكَالِ اسْتِثْنَائِهِ أَنَّ هَذَا الْإِمَامَ لَمْ يَسْهُ فَكَيْفَ يُسْتَثْنَى مِنْ سَهْوِ الْإِمَامِ، وَجَوَابُهُ أَنَّهُ اسْتِثْنَاءٌ صُورَةً (وَإِلَّا) أَيْ: وَإِنْ لَمْ يَسْجُدْ إمَامُهُ بِأَنْ تَرَكَهُ عَمْدًا أَوْ سَهْوًا أَوْ اعْتِقَادًا مِنْهُ أَنَّهُ بَعْدَ السَّلَامِ (فَيَسْجُدُ) الْمَأْمُومُ بَعْدَ سَلَامِ الْإِمَامِ (عَلَى النَّصِّ) جَبْرًا لِلْخَلَلِ، بِخِلَافِ تَرْكِهِ التَّشَهُّدَ الْأَوَّلَ أَوْ سَجْدَةَ التِّلَاوَةِ، فَلَا يَأْتِي الْمَأْمُومُ بِهِمَا؛ لِأَنَّهُمَا يَقَعَانِ خِلَالَ الصَّلَاةِ، فَلَوْ انْفَرَدَ بِهِمَا لَخَالَفَ الْإِمَامَ، وَفِي قَوْلٍ مُخَرَّجٍ لَا يَسْجُدُ لِأَنَّهُ لَمْ يَسْهُ وَإِنَّمَا سَهَا الْإِمَامُ وَسُجُودُهُ مَعَهُ كَانَ لِلْمُتَابَعَةِ، فَإِذَا لَمْ يَسْجُدْ الْمَتْبُوعُ فَالتَّابِعُ أَوْلَى، وَعَلَى النَّصِّ لَوْ تَخَلَّفَ بَعْدَ سَلَامِ إمَامِهِ لِيَسْجُدَ، فَعَادَ الْإِمَامُ إلَى السُّجُودِ لَمْ يُتَابِعْهُ، سَوَاءٌ أَسَجَدَ قَبْلَ عَوْدِ إمَامِهِ أَمْ لَا لِقَطْعِهِ الْقُدْوَةَ بِسُجُودِهِ فِي الْأُولَى، وَبِاسْتِمْرَارِهِ فِي الصَّلَاةِ بَعْدَ سَلَامِ إمَامِهِ فِي الثَّانِيَةِ، بَلْ يَسْجُدُ
وَلَوْ اقْتَدَى مَسْبُوقٌ بِمَنْ سَهَا بَعْدَ اقْتِدَائِهِ، وَكَذَا قَبْلَهُ فِي الْأَصَحِّ، فَالصَّحِيحُ أَنَّهُ يَسْجُدُ مَعَهُ، ثُمَّ فِي آخِرِ صَلَاتِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْجُدْ الْإِمَامُ سَجَدَ آخِرَ صَلَاةِ نَفْسِهِ عَلَى النَّصِّ.
وَسُجُودُ السَّهْوِ وَإِنْ كَثُرَ سَجْدَتَانِ كَسُجُودِ الصَّلَاةِ،
[مغني المحتاج]
فِيهِمَا مُنْفَرِدًا، بِخِلَافِ مَا لَوْ قَامَ الْمَسْبُوقُ لِيَأْتِيَ بِمَا عَلَيْهِ، فَالْقِيَاسُ كَمَا قَالَ الْإِسْنَوِيُّ لُزُومُ الْعَوْدِ لِلْمُتَابَعَةِ، وَالْفَرْقُ أَنَّ قِيَامَهُ لِذَلِكَ وَاجِبٌ وَتَخَلُّفَهُ لِيَسْجُدَ مُخَيَّرٌ فِيهِ، وَقَدْ اخْتَارَهُ فَانْقَطَعَتْ الْقُدْوَةُ، فَلَوْ سَلَّمَ الْمَأْمُومُ مَعَهُ نَاسِيًا فَعَادَ الْإِمَامُ إلَى السُّجُودِ لَزِمَهُ مُوَافَقَتُهُ فِيهِ لِمُوَافَقَتِهِ لَهُ فِي السَّلَامِ نَاسِيًا، فَإِنْ تَخَلَّفَ عَنْهُ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ أَيْ عِنْدَ عَدَمِ الْمُنَافِي لِلسُّجُودِ كَمَا لَوْ أَحْدَثَ أَوْ نَوَى الْإِقَامَةَ وَهُوَ قَاصِرٌ، أَوْ بَلَغَتْ سَفِينَتُهُ دَارَ إقَامَتِهِ أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ، وَإِنْ سَلَّمَ عَامِدًا فَعَادَ الْإِمَامُ لَمْ يُوَافِقْهُ لِقَطْعِهِ الْقُدْوَةَ بِسَلَامِهِ عَمْدًا.
(وَلَوْ اقْتَدَى مَسْبُوقٌ بِمَنْ سَهَا بَعْدَ اقْتِدَائِهِ، وَكَذَا قَبْلَهُ فِي الْأَصَحِّ) وَسَجَدَ الْإِمَامُ (فَالصَّحِيحُ) فِي الصُّورَتَيْنِ (أَنَّهُ) أَيْ الْمَسْبُوقَ (يَسْجُدُ مَعَهُ) رِعَايَةً لِلْمُتَابَعَةِ (ثُمَّ) يَسْجُدُ أَيْضًا (فِي آخِرِ صَلَاتِهِ) لِأَنَّهُ مَحَلُّ السَّهْوِ الَّذِي لَحِقَهُ، وَمُقَابِلُ الصَّحِيحِ لَا يَسْجُدُ مَعَهُ نَظَرًا إلَى أَنَّ مَوْضِعَ السُّجُودِ آخِرَ الصَّلَاةِ، وَفِي قَوْلٍ فِي الْأُولَى، وَوَجْهٌ فِي الثَّانِيَةِ يَسْجُدُ مَعَهُ مُتَابَعَةً، وَلَا يَسْجُدُ فِي آخِرِ صَلَاةِ نَفْسِهِ وَهُوَ الْمَخْرَجُ السَّابِقُ، وَفِي وَجْهٍ فِي الثَّانِيَةِ هُوَ مُقَابِلُ الْأَصَحِّ أَنَّهُ لَا يَسْجُدُ مَعَهُ وَلَا فِي آخِرِ صَلَاةِ نَفْسِهِ لِأَنَّهُ لَمْ يَحْضُرْ السَّهْوَ، وَلَوْ قَامَ إمَامُهُ لِخَامِسَةٍ نَاسِيًا فَفَارَقَهُ بَعْدَ بُلُوغِ حَدِّ الرَّاكِعِينَ لَا قَبْلَهُ سَجَدَ لِلسَّهْوِ كَالْإِمَامِ، وَلَوْ كَانَ إمَامُهُ حَنَفِيًّا فَسَلَّمَ قَبْلَ أَنْ يَسْجُدَ لِلسَّهْوِ سَجَدَ الْمَأْمُومُ قَبْلَ سَلَامِهِ اعْتِبَارًا بِعَقِيدَتِهِ، وَلَا يَنْتَظِرُهُ لِيَسْجُدَ مَعَهُ؛ لِأَنَّهُ فَارَقَهُ بِسَلَامِهِ، وَقِيلَ: يَتْبَعُهُ فِي السُّجُودِ بَعْدَ السَّلَامِ، وَقِيلَ: لَا يُسَلِّمُ إذَا سَلَّمَ الْإِمَامُ بَلْ يَصْبِرُ، فَإِذَا سَجَدَ سَجَدَ مَعَهُ.
هَذَا إذَا كَانَ مُوَافِقًا، أَمَّا الْمَسْبُوقُ فَيُخْرِجُ نَفْسَهُ وَيُتِمُّ لِنَفْسِهِ وَيَسْجُدُ آخِرَ صَلَاتِهِ.
وَظَاهِرُ هَذَا أَنَّهُ يَنْوِي الْمُفَارَقَةَ إذَا قَامَ لِيَأْتِيَ بِمَا عَلَيْهِ.
وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا يَحْتَاجُ إلَى نِيَّةِ مُفَارَقَةٍ لِقَوْلِهِمْ: وَتَنْقَضِي الْقُدْوَةُ بِسَلَامِ الْإِمَامِ (فَإِنْ لَمْ يَسْجُدْ الْإِمَامُ) فِي الصُّورَتَيْنِ (سَجَدَ) الْمَسْبُوقُ (آخِرَ صَلَاةِ نَفْسِهِ عَلَى النَّصِّ) وَمُقَابِلُهُ الْقَوْلُ الْمُخَرَّجُ السَّابِقُ.
(وَسُجُودُ السَّهْوِ وَإِنْ كَثُرَ) السَّهْوُ (سَجْدَتَانِ) لِاقْتِصَارِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَيْهِمَا فِي قِصَّةِ ذِي الْيَدَيْنِ مَعَ تَعَدُّدِهِ، فَإِنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سَلَّمَ مِنْ اثْنَتَيْنِ وَتَكَلَّمَ وَمَشَى، وَلَوْ أَحْرَمَ مُنْفَرِدًا بِرُبَاعِيَّةٍ وَأَتَى مِنْهَا بِرَكْعَةٍ وَسَهَا فِيهَا ثُمَّ اقْتَدَى بِمُسَافِرٍ قَاصِرٍ فَسَهَا إمَامُهُ وَلَمْ يَسْجُدْ ثُمَّ أَتَى هُوَ بِالرَّابِعَةِ بَعْدَ إسْلَامِهِ فَسَهَا فِيهَا كَفَاهُ لِلْجَمِيعِ سَجْدَتَانِ وَهُمَا لِلْجَمِيعِ أَوْ لِمَا نَوَاهُ مِنْهُ، وَيَكُونُ تَارِكًا لِسُجُودِ الْبَاقِي فِي الثَّانِيَةِ، وَقَضِيَّةُ كَوْنِهِ سَجْدَتَيْنِ أَنَّهُ لَوْ سَجَدَ وَاحِدَةً بَطَلَتْ صَلَاتُهُ، وَهُوَ مَا حُكِيَ عَنْ ابْنِ الرِّفْعَةِ، لَكِنْ جَزَمَ الْقَفَّالُ فِي فَتَاوِيهِ بِأَنَّهَا لَا تَبْطُلُ، وَهُوَ مُقْتَضَى تَعْلِيلِ الرَّافِعِيِّ الْآتِي فِيمَا لَوْ هَوَى لِسُجُودِ تِلَاوَةٍ ثُمَّ بَدَا لَهُ فَتَرَكَهُ بِأَنَّهُ مَسْنُونٌ فَلَهُ أَنْ لَا يُتِمَّهُ كَمَا لَهُ أَنْ لَا يَشْرَعَ فِيهِ.
قَالَ شَيْخُنَا: وَقَدْ يُحْمَلُ كَلَامُ ابْنِ الرِّفْعَةِ عَلَى مَا إذَا قَصَدَ سَجْدَةً ابْتِدَاءً، وَكَلَامُ الْقَفَّالِ عَلَى مَا إذَا قَصَدَ الِاقْتِصَارَ عَلَيْهَا بَعْدَ فِعْلِهَا بِقَرِينَةِ كَلَامِ الرَّافِعِيِّ.
اهـ.
وَهُوَ جَمْعٌ حَسَنٌ، وَكَيْفِيَّتُهُمَا (كَسُجُودِ الصَّلَاةِ) فِي وَاجِبَاتِهِ وَمَنْدُوبَاتِهِ كَوَضْعِ الْجَبْهَةِ وَالطُّمَأْنِينَةِ وَالتَّحَامُلِ وَالتَّنْكِيسِ وَالِافْتِرَاشِ فِي الْجُلُوسِ بَيْنَهُمَا وَالتَّوَرُّكِ بَعْدَهُمَا، وَيَأْتِي بِذِكْرِ
وَالْجَدِيدُ أَنَّ مَحَلَّهُ بَيْنَ تَشَهُّدِهِ وَسَلَامِهِ.
فَإِنْ سَلَّمَ عَمْدًا فَاتَ فِي الْأَصَحِّ، أَوْ سَهْوًا وَطَالَ الْفَصْلُ فَاتَ فِي الْجَدِيدِ، وَإِلَّا فَلَا عَلَى النَّصِّ،
[مغني المحتاج]
سُجُودِ الصَّلَاةِ فِيهِمَا.
وَحَكَى بَعْضُهُمْ أَنَّهُ يُنْدَبُ أَنْ يَقُولَ فِيهِمَا: سُبْحَانَ مَنْ لَا يَنَامُ وَلَا يَسْهُو.
قَالَا: وَهُوَ لَائِقٌ بِالْحَالِ قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: إنَّمَا يُتِمُّ إذَا لَمْ يَتَعَمَّدْ مَا يَقْتَضِي السُّجُودَ، فَإِنْ تَعَمَّدَهُ فَلَيْسَ ذَلِكَ لَائِقًا، بَلْ اللَّائِقُ الِاسْتِغْفَارُ.
قَالَ الْأَذْرَعِيُّ وَسَكَتُوا عَنْ الذِّكْرِ بَيْنَهُمَا، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ كَالذِّكْرِ بَيْنَ سَجْدَتَيْ صُلْبِ الصَّلَاةِ، فَإِنْ سَجَدَ وَلَمْ يَأْتِ بِالشُّرُوطِ.
قَالَ الْإِسْنَوِيُّ: اُحْتُمِلَ بُطْلَانُ الصَّلَاةِ؛ لِأَنَّهُ زَادَ فِيهَا فِعْلًا لَا يُعْتَدُّ بِهِ، وَالْمُتَّجَهُ الصِّحَّةُ، وَيَكُونُ ذَلِكَ رُجُوعًا عَنْ إتْمَامِ النَّفْلِ.
اهـ.
وَمَا جُمِعَ بِهِ بَيْنَ كَلَامِ ابْنِ الرِّفْعَةِ وَالْقَفَّالِ يُقَالُ هُنَا أَيْضًا (وَالْجَدِيدُ أَنَّ مَحَلَّهُ بَيْنَ تَشَهُّدِهِ وَسَلَامِهِ) وَذَلِكَ لِخَبَرِ مُسْلِمٍ السَّابِقِ، «وَلِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَّى بِهِمْ الظُّهْرَ فَقَامَ مِنْ الْأُولَيَيْنِ وَلَمْ يَجْلِسْ فَقَامَ النَّاسُ مَعَهُ حَتَّى إذَا قَضَى الصَّلَاةَ وَانْتَظَرَ النَّاسُ تَسْلِيمَهُ كَبَّرَ وَهُوَ جَالِسٌ فَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ قَبْلَ أَنْ يُسَلِّمَ ثُمَّ سَلَّمَ» رَوَاهُ الشَّيْخَانِ.
قَالَ الزُّهْرِيُّ: وَفِعْلُهُ قَبْلَ السَّلَامِ هُوَ آخِرُ الْأَمْرَيْنِ مِنْ فِعْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلِأَنَّهُ لِمَصْلَحَةِ الصَّلَاةِ فَكَانَ قَبْلَ السَّلَامِ كَمَا لَوْ نَسِيَ سَجْدَةً مِنْهَا.
وَأَجَابُوا عَنْ سُجُودِهِ بَعْدَهُ فِي خَبَرِ ذِي الْيَدَيْنِ بِحَمْلِهِ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ عَنْ قَصْدٍ مَعَ أَنَّهُ لَمْ يَرِدْ لِبَيَانِ حُكْمِ سُجُودِ السَّهْوِ سَوَاءٌ أَكَانَ السَّهْوُ بِزِيَادَةٍ أَمْ بِنَقْصٍ أَمْ بِهِمَا، وَمُقَابِلُ الْجَدِيدِ قَدِيمَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ إنْ سَهَا بِنَقْصٍ سَجَدَ قَبْلَ السَّلَامِ أَوْ بِزِيَادَةٍ فَبَعْدَهُ.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ مُخَيَّرٌ بَيْنَ التَّقْدِيمِ وَالتَّأْخِيرِ لِثُبُوتِ الْأَمْرَيْنِ، وَقَوْلُهُ بَيْنَ تَشَهُّدِهِ وَسَلَامِهِ: أَيْ مَعَ الذِّكْرِ الَّذِي بَعْدَهُ مِنْ الصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَالصَّلَاةِ عَلَى الْآلِ وَالْأَدْعِيَةِ، وَعِبَارَةُ ابْنِ الْمُقْرِي وَمَحَلُّهُمَا قُبَيْلَ السَّلَامِ أَيْ بِحَيْثُ لَا يَتَخَلَّلُ بَيْنَهُمَا شَيْءٌ مِنْ الصَّلَاةِ كَمَا أَفَادَهُ تَصْغِيرُ قَبْلَ، نَعَمْ الْمَسْبُوقُ إذَا اسْتَخْلَفَ وَعَلَى الْمُسْتَخْلَفِ سُجُودُ سَهْوٍ فَإِنَّهُ يَسْجُدُ آخِرَ صَلَاةِ الْإِمَامِ سَجْدَتَيْ السَّهْوِ، وَيَسْجُدُ مَنْ خَلْفَهُ ثُمَّ يَقُومُ وَيُفَارِقُونَهُ، ذَكَرَهُ الْقَاضِي حُسَيْنٌ عِنْدَ كَيْفِيَّةِ الْجُلُوسِ فِي التَّشَهُّدِ، وَتُشْتَرَطُ لَهُ النِّيَّةُ؛ لِأَنَّ نِيَّةَ الصَّلَاةِ لَمْ تَشْمَلْهُ، وَلَا يُطْلَبُ بَعْدَهُ تَشَهُّدٌ كَمَا عُلِمَ مِمَّا مَرَّ.
(فَإِنْ سَلَّمَ عَمْدًا) أَيْ ذَاكِرًا لِلسَّهْوِ (فَاتَ) السُّجُودُ (فِي الْأَصَحِّ) لِأَنَّهُ قَطَعَ الصَّلَاةَ بِالسَّلَامِ.
وَالثَّانِي: أَنَّ الْعَمْدَ كَالسَّهْوِ، فَإِنْ قَصُرَ الْفَصْلُ سَجَدَ وَإِلَّا فَلَا (أَوْ سَهْوًا وَطَالَ الْفَصْلُ) عُرْفًا (فَاتَ) السُّجُودُ (فِي الْجَدِيدِ) لِفَوَاتِ الْمَحَلِّ بِالسَّلَامِ وَتَعَذُّرِ الْبِنَاءِ بِالطُّولِ، بِخِلَافِ الْقَدِيمِ فِي السَّهْوِ بِالنَّقْضِ، فَلَا يَفُوتُ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ جُبْرَانُ عِبَادَةٍ، فَيَجُوزُ أَنْ يَتَرَاخَى عَنْهَا كَجُبْرَانَاتِ الْحَجِّ (وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يَطُلْ الْفَصْلُ وَلَمْ يُرِدْ السُّجُودَ فَلَا سُجُودَ لِعَدَمِ الرَّغْبَةِ فِيهِ فَصَارَ كَالْمُسَلِّمِ عَمْدًا فِي أَنَّهُ فَوَّتَهُ عَلَى نَفْسِهِ بِالسَّلَامِ، فَإِنْ أَرَادَهُ (فَلَا) يَفُوتُ (عَلَى النَّصِّ) لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ الْحَدِيثِ الْمَحْمُولِ عَلَى ذَلِكَ، وَقِيلَ: يَفُوتُ حَذَرًا مِنْ إلْغَاءِ السَّلَامِ بِالْعَوْدِ إلَى الصَّلَاةِ.
نَعَمْ لَوْ سَلَّمَ مِنْ الْجُمُعَةِ فَخَرَجَ الْوَقْتُ أَوْ سَلَّمَ الْقَاصِرُ فَنَوَى الْإِقَامَةَ، أَوْ بَلَغَتْ سَفِينَتُهُ دَارَ إقَامَتِهِ فَاتَهُ السُّجُودُ فَلَا يَأْتِي بِهِ لِمَا فِيهِ مِنْ تَفْوِيتِ الْجُمُعَةِ فِي الْأُولَى، وَفِعْلِ بَعْضِ الصَّلَاةِ بِدُونِ سَبَبِهَا فِي الثَّانِيَةِ، وَصَحَّتْ جُمُعَتُهُ
وَإِذَا سَجَدَ صَارَ عَائِدًا إلَى الصَّلَاةِ فِي الْأَصَحِّ.
وَلَوْ سَهَا إمَامُ الْجُمُعَةِ وَسَجَدُوا فَبَانَ فَوْتُهَا أَتَمُّوا ظُهْرًا وَسَجَدُوا، وَلَوْ ظَنَّ سَهْوًا فَسَجَدَ فَبَانَ عَدَمُهُ سَجَدَ فِي الْأَصَحِّ.
[مغني المحتاج]
وَصَلَاتُهُ الْمَقْصُورَةُ، وَيَفُوتُ أَيْضًا فِيمَا لَوْ رَأَى الْمُتَيَمِّمُ الْمَاءَ عَقِبَ السَّلَامِ أَوْ انْتَهَتْ مُدَّةُ الْمَسْحِ، أَوْ تَخَرَّقَ الْخُفُّ أَوْ شُفِيَ دَائِمُ الْحَدَثِ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ كَمَا لَوْ أَحْدَثَ عَقِبَ سَلَامِهِ فَإِنَّهُ لَا يَتَدَارَكُهُ، وَإِنْ أَمْكَنَهُ الطُّهْرُ فِي الْحَالِ بِأَنْ كَانَ وَاقِفًا فِي مَاءٍ (وَإِذَا سَجَدَ) فِيمَا إذَا قَرُبَ الْفَصْلُ عَلَى النَّصِّ أَوْ مَعَ طُولِهِ عَلَى الْقَدِيمِ (صَارَ عَائِدًا إلَى الصَّلَاةِ) بِلَا إحْرَامٍ (فِي الْأَصَحِّ) كَمَا لَوْ تَذَكَّرَ بَعْدَ سَلَامِهِ رُكْنًا، وَالْمُتَّجَهُ كَمَا قَالَ فِي الْمُهِمَّاتِ أَنَّهُ يَعُودُ إلَيْهَا بِالْهُوِيِّ بَلْ بِإِرَادَةِ السُّجُودِ كَمَا أَفَادَهُ كَلَامُ الْغَزَالِيِّ وَجَمَاعَةٌ وَاعْتَمَدَهُ شَيْخِي، فَلَوْ أَحْدَثَ فِيهَا بَطَلَتْ صَلَاتُهُ أَوْ نَوَى الْقَاصِرُ فِي سُجُودِهِ الْإِتْمَامَ، أَوْ بَلَغَتْ فِيهِ سَفِينَتُهُ دَارَ إقَامَتِهِ لَزِمَهُ الْإِتْمَامُ وَلَا يُعِيدُ التَّشَهُّدَ بَلْ يُعِيدُ السَّلَامَ.
وَالثَّانِي: لَا يَصِيرُ عَائِدًا لِأَنَّ التَّحَلُّلَ حَصَلَ بِالسَّلَامِ.
تَنْبِيهٌ: قَالَ فِي الْخَادِمِ: هَلْ مَعْنَى قَوْلِهِمْ: صَارَ عَائِدًا إلَى الصَّلَاةِ أَنَّا نَتَبَيَّنُ بِعَوْدِهِ إلَى السُّجُودِ أَنَّهُ لَمْ يَخْرُجْ مِنْهَا أَصْلًا أَوْ أَنَّهُ خَرَجَ مِنْهَا ثُمَّ عَادَ إلَيْهَا؟ الصَّوَابُ الْأَوَّلُ فَإِنَّهُ يَسْتَحِيلُ الْخُرُوجُ مِنْ الصَّلَاةِ ثُمَّ الْعَوْدُ إلَيْهَا بِلَا نِيَّةٍ وَلَا تَكْبِيرَةِ إحْرَامٍ، وَبِهِ صَرَّحَ الْإِمَامُ.
وَلِمَا قُدِّمَ أَنَّ سُجُودَ السَّهْوِ وَإِنْ كَثُرَ سَجْدَتَانِ أَيْ لِأَنَّهُ يَجْبُرُ مَا قَبْلَهُ وَمَا وَقَعَ فِيهِ وَبَعْدَهُ حَتَّى لَوْ سَجَدَ لِلسَّهْوِ ثُمَّ سَهَا قَبْلَ سَلَامِهِ بِكَلَامٍ أَوْ غَيْرِهِ أَوْ سَجَدَ لِلسَّهْوِ ثَلَاثًا سَهْوًا فَلَا يَسْجُدُ ثَانِيًا؛ لِأَنَّهُ لَا يَأْمَنُ وُقُوعَ مِثْلِهِ فِي السُّجُودِ ثَانِيًا فَيَتَسَلْسَلُ.
قَالَ الدَّمِيرِيُّ: وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ الَّتِي سَأَلَ عَنْهَا أَبُو يُوسُفَ الْكِسَائِيُّ لَمَّا ادَّعَى أَنَّ مَنْ تَبَحَّرَ فِي عِلْمٍ اهْتَدَى بِهِ إلَى سَائِرِ الْعُلُومِ، فَقَالَ لَهُ: أَنْتَ إمَامٌ فِي النَّحْوِ وَالْأَدَبِ فَهَلْ تَهْتَدِي إلَى الْفِقْهِ؟ فَقَالَ: سَلْ مَا شِئْت، فَقَالَ: لَوْ سَجَدَ سُجُودَ السَّهْوِ ثَلَاثًا هَلْ يَلْزَمُهُ أَنْ يَسْجُدَ؟ قَالَ: لَا؛ لِأَنَّ الْمُصَغَّرَ لَا يُصَغَّرُ لَكِنَّهُ قَدْ يَتَعَدَّدُ صُورَةً.
ذَكَرَهُ بِقَوْلِهِ (وَلَوْ سَهَا إمَامُ الْجُمُعَةِ وَسَجَدُوا) لِلسَّهْوِ (فَبَانَ فَوْتُهَا أَتَمُّوا ظُهْرًا) لِمَا يَأْتِي فِي بَابِهَا (وَسَجَدُوا) ثَانِيًا آخِرَ الصَّلَاةِ لِتَبَيُّنِ أَنَّ السُّجُودَ الْأَوَّلَ لَيْسَ فِي آخِرِ الصَّلَاةِ (وَلَوْ ظَنَّ) أَوْ اعْتَقَدَ كَمَا قَالَ الْإِمَامُ (سَهْوًا فَسَجَدَ فَبَانَ عَدَمُهُ) أَيْ عَدَمُ السَّهْوِ (سَجَدَ فِي الْأَصَحِّ) لِأَنَّهُ زَادَ سَجْدَتَيْنِ سَهْوًا، وَضَابِطُ هَذَا أَنَّ السَّهْوَ فِي سُجُودِ السَّهْوِ لَا يَقْتَضِي السُّجُودَ كَمَا مَرَّ، وَالسَّهْوُ بِهِ يَقْتَضِيهِ، وَالثَّانِي لَا؛ لِأَنَّ سُجُودَ السَّهْوِ يُجْبِرُ كُلَّ خَلَلٍ فِي الصَّلَاةِ فَيُجْبِرُ نَفْسَهُ كَمَا يُجْبِرُ غَيْرَهُ كَإِخْرَاجِ شَاةٍ مِنْ أَرْبَعِينَ تُزَكِّي نَفْسَهَا وَغَيْرَهَا، وَلَوْ سَجَدَ فِي آخِرِ صَلَاةٍ مَقْصُورَةٍ فَلَزِمَهُ الْإِتْمَامُ سَجَدَ ثَانِيًا، فَهَذَا مَا يَتَعَدَّدُ فِيهِ السُّجُودُ صُورَةً لَا حُكْمًا.
خَاتِمَةٌ: لَوْ نَسِيَ مِنْ صَلَاتِهِ رُكْنًا وَسَلَّمَ مِنْهَا بَعْدَ فَرَاغِهَا ثُمَّ أَحْرَمَ عَقِبَهَا بِأُخْرَى لَمْ تَنْعَقِدْ لِأَنَّهُ مُحْرِمٌ بِالْأُولَى، فَإِنْ ذَكَرَ قَبْلَ طُولِ الْفَصْلِ بَيْنَ السَّلَامِ وَتَيَقَّنَ التَّرْكَ بَنَى عَلَى الْأَوَّلِ، وَإِنْ تَخَلَّلَ كَلَامٌ يَسِيرٌ وَلَا يُعْتَدُّ بِمَا أَتَى بِهِ مِنْ الثَّانِيَةِ، أَوْ بَعْدَ طُولِهِ اسْتَأْنَفَهَا لِبُطْلَانِهَا بِطُولِ الْفَصْلِ،
بَابٌ تُسَنُّ سَجَدَاتُ التِّلَاوَةِ: وَهُنَّ
[مغني المحتاج]
فَإِنْ أَحْرَمَ بِالْأُخْرَى بَعْدَ طُولِ الْفَصْلِ انْعَقَدَتْ الثَّانِيَةُ لِبُطْلَانِ الْأُولَى بِطُولِ الْفَصْلِ وَأَعَادَ الْأُولَى: وَلَوْ صَلَّى الْجُمُعَةَ أَرْبَعًا نَاسِيًا أَوْ أَحْرَمَ بِمَقْصُورَةٍ فَأَتَمَّهَا نَاسِيًا، وَنَسِيَ مِنْ كُلِّ رَكْعَةٍ مِنْ كُلٍّ مِنْهُمَا سَجْدَةً حَصَلَتْ لَهُ الرَّكْعَتَانِ وَيَسْجُدُ لِلسَّهْوِ؛ وَلَا يَلْزَمُهُ فِي الثَّانِيَةِ الْإِتْمَامُ لِأَنَّهُ لَمْ يَنْوِهِ، وَلَوْ ظَنَّ أَنَّهُ سَهَا بِتَرْكِ قُنُوتٍ مَثَلًا فَسَجَدَ ثُمَّ بَانَ قَبْلَ السَّلَامِ أَنَّهُ سَهَا بِغَيْرِهِ أَجْزَأَهُ، وَلَوْ شَرَعَ فِي الظُّهْرِ ثُمَّ ظَنَّ فِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ أَنَّهُ فِي الْعَصْرِ ثُمَّ فِي الثَّالِثَةِ أَنَّهُ فِي الظُّهْرِ لَمْ يَضُرَّ كَمَا ذَكَرَهُ الْبَغَوِيّ وَالْعِمْرَانِيُّ.
قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: وَقِيَاسُهُ أَنَّهُ لَوْ أَحْرَمَ بِالْعِشَاءِ قَضَاءً ثُمَّ ظَنَّ فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى أَنَّهُ فِي الصُّبْحِ وَفِي الثَّانِيَةِ أَنَّهُ فِي الظُّهْرِ وَفِي الثَّالِثَةِ أَنَّهُ فِي الْعَصْرِ، وَفِي الرَّابِعَةِ أَنَّهُ فِي الْمَغْرِبِ ثُمَّ تَذَكَّرَ قَبْلَ السَّلَامِ أَنَّهُ فِي الْعِشَاءِ لَمْ يَضُرَّهُ، وَهُوَ نَظِيرُ مَا لَوْ نَوَى أَنْ يَصُومَ غَدًا يَظُنُّهُ أَنَّهُ يَوْمُ الِاثْنَيْنِ فَكَانَ السَّبْتَ صَحَّتْ نِيَّتُهُ وَصَوْمُهُ.
اهـ.
وَلَا حَاجَةَ كَمَا قَالَ شَيْخُنَا لِقَوْلِهِ: قَضَاءً، وَلَوْ دَخَلَ فِي الصَّلَاةِ وَظَنَّ أَنَّهُ لَمْ يُكَبِّرْ لِلْإِحْرَامِ فَاسْتَأْنَفَ الصَّلَاةَ، فَإِنْ عَلِمَ بَعْدَ فَرَاغِ الصَّلَاةِ الثَّانِيَةِ أَنَّهُ كَانَ كَبَّرَ تَمَّتْ بِهَا الْأُولَى أَوْ عَلِمَ قَبْلَهُ بَنَى عَلَى الْأُولَى وَسَجَدَ لِلسَّهْوِ فِي الْحَالَيْنِ لِأَنَّهُ أَتَى نَاسِيًا بِمَا لَوْ فَعَلَهُ عَامِدًا بَطَلَتْ صَلَاتُهُ وَهُوَ الْإِحْرَامُ الثَّانِي.
[بَاب سَجَدَاتٌ التِّلَاوَةِ]
، ثُمَّ شَرَعَ فِي السَّجْدَةِ الثَّانِيَةِ فَقَالَ:
بَابٌ بِالتَّنْوِينِ (تُسَنُّ سَجَدَاتُ) بِفَتْحِ الْجِيمِ (التِّلَاوَةِ) بِالْإِجْمَاعِ وَبِالْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ، مِنْهَا خَبَرُ ابْنِ عُمَرَ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَقْرَأُ عَلَيْنَا الْقُرْآنَ، فَإِذَا مَرَّ بِالسَّجْدَةِ كَبَّرَ وَسَجَدَ وَسَجَدْنَا مَعَهُ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالْحَاكِمُ وَمِنْهَا مَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - مَرْفُوعًا «إذَا قَرَأَ ابْنُ آدَمَ السَّجْدَةَ فَسَجَدَ اعْتَزَلَ الشَّيْطَانُ يَبْكِي يَقُولُ: يَا وَيْلَتَا أُمِرَ ابْنُ آدَمَ بِالسُّجُودِ فَسَجَدَ فَلَهُ الْجَنَّةُ، وَأُمِرْتُ بِالسُّجُودِ فَعَصَيْت فَلِيَ النَّارُ» وَمِنْهَا مَا فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَرَأَ ﴿وَالنَّجْمِ﴾ [النجم: 1] فَسَجَدَ وَسَجَدَ مَعَهُ الْجِنُّ وَالْإِنْسُ إلَّا أُمَيَّةَ بْنَ خَلَفٍ فَقُتِلَ يَوْمَ بَدْرٍ مُشْرِكًا» وَإِنَّمَا لَمْ تَجِبْ، «لِأَنَّ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ قَرَأَ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ﴿وَالنَّجْمِ﴾ [النجم: 1] فَلَمْ يَسْجُدْ» . رَوَاهُ الشَّيْخَانِ؛ وَلِقَوْلِ ابْنِ عُمَرَ «أُمِرْنَا بِالسُّجُودِ: يَعْنِي لِلتِّلَاوَةِ فَمَنْ سَجَدَ فَقَدْ أَصَابَ، وَمَنْ لَمْ يَسْجُدْ فَلَا إثْمَ عَلَيْهِ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
فَإِنْ قِيلَ: قَدْ ذَمَّ اللَّهُ تَعَالَى مَنْ لَمْ يَسْجُدْ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لا يَسْجُدُونَ﴾ [الانشقاق: 21] .
أُجِيبَ بِأَنَّ الْآيَةَ فِي الْكُفَّارِ بِدَلِيلِ مَا قَبْلَهَا وَمَا بَعْدَهَا (وَهُنَّ) أَيْ
فِي الْجَدِيدِ أَرْبَعَ عَشْرَةَ: مِنْهَا سَجْدَتَا الْحَجِّ.
لَا (ص)
[مغني المحتاج]
سَجَدَاتُ التِّلَاوَةِ (فِي الْجَدِيدِ أَرْبَعَ عَشْرَةَ) سَجْدَةً (مِنْهَا سَجْدَتَا الْحَجِّ) وَاثْنَتَا عَشْرَةَ: فِي الْأَعْرَافِ، وَالرَّعْدِ، وَالنَّحْلِ، وَالْإِسْرَاءِ، وَمَرْيَمَ، وَالْفُرْقَانِ وَالنَّمْلِ، وَالَمْ تَنْزِيلُ، وَحُمَّ السَّجْدَةِ وَالنَّجْمِ، وَالِانْشِقَاقِ وَالْعَلَقِ.
وَالْأَصْلُ فِيهَا خَبَرُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ «أَقْرَأَنِي رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَمْسَ عَشْرَةَ سَجْدَةً فِي الْقُرْآنِ: مِنْهَا ثَلَاثٌ فِي الْمُفَصَّلِ وَفِي الْحَجِّ سَجْدَتَانِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالْحَاكِمُ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ، وَالسَّجْدَةُ الْبَاقِيَةُ مِنْهُ سَجْدَةُ (ص) ، وَسَيَأْتِي حُكْمُهَا، وَأَسْقَطَ الْقَدِيمُ سَجَدَاتِ الْمُفَصَّلِ لِخَبَرِ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - «لَمْ يَسْجُدْ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي شَيْءٍ مِنْ الْمُفَصَّلِ مُنْذُ تَحَوَّلَ لِلْمَدِينَةِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد.
.
وَأُجِيبَ مِنْ جِهَةِ الْجَدِيدِ بِأَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ ضَعِيفٌ وَنَافٍ، وَغَيْرُهُ صَحِيحٌ وَمُثْبِتٌ، وَأَيْضًا التَّرْكُ إنَّمَا يُنَافِي الْوُجُوبَ دُونَ النَّدْبِ، وَفِي مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ «سَجَدْنَا مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾ [الانشقاق: 1] وَ ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ [العلق: 1] » ، وَكَانَ إسْلَامُ أَبِي هُرَيْرَةَ سَنَةَ سَبْعٍ مِنْ الْهِجْرَةِ، وَمَحَالُّ هَذِهِ السَّجَدَاتِ مَعْرُوفَةٌ، لَكِنْ اُخْتُلِفَ فِي أَرْبَعٍ مِنْهَا:
إحْدَاهَا سَجْدَةُ النَّحْلِ عِنْدَ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [النحل: 50] وَقَالَ الْمَاوَرْدِيُّ إنَّهَا عِنْدَ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ [النحل: 49] وَنَقَلَ الرُّويَانِيُّ عَنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ.
وَثَانِيهَا سَجْدَةُ النَّمْلِ عِنْدَ قَوْله تَعَالَى ﴿لا إِلَهَ إِلا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ [النمل: 26] . وَنَقَلَ الْعَبْدَرِيُّ فِي الْكِفَايَةِ أَنَّ مَذْهَبَنَا أَنَّهَا عِنْدَ قَوْله تَعَالَى ﴿وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ﴾ [النمل: 25] وَفِي الْمَجْمُوعِ أَنَّ هَذَا بَاطِلٌ مَرْدُودٌ.
وَقَالَ الْأَذْرَعِيُّ وَلَيْسَ كَمَا قَالَ بَلْ هُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَابْنِ عُمَرَ وَالْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ وَغَيْرِهِمْ.
وَبِهِ جَزَمَ الْمَاوَرْدِيُّ وَالْمَسْأَلَةُ مُحْتَمَلَةٌ وَلَا تَوْقِيفَ فِيمَا نَعْلَمُهُ.
اهـ.
وَثَالِثُهَا سَجْدَةُ حم السَّجْدَةِ عِنْدَ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَهُمْ لا يَسْأَمُونَ﴾ [فصلت: 38] وَقِيلَ عِنْدَ قَوْله تَعَالَى: ﴿إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ [البقرة: 172]
وَرَابِعُهَا سَجْدَةُ ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾ [الانشقاق: 1] عِنْدَ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لا يَسْجُدُونَ﴾ [الانشقاق: 21] وَقِيلَ إنَّهَا فِي آخِرِ السُّورَةِ: ذَكَرَهُ بَعْضُ شُرَّاحِ الْبُخَارِيِّ، وَصَرَّحَ الْمُصَنِّفُ كَأَصْلِهِ بِسَجْدَتَيْ الْحَجِّ لِخِلَافِ أَبِي حَنِيفَةَ فِي الثَّانِيَةِ (لَا) سَجْدَةُ (ص) وَهِيَ عِنْدَ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ﴾ [ص: 24] فَلَيْسَتْ مِنْ سَجَدَاتِ التِّلَاوَةِ، لِقَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ: (ص) لَيْسَتْ مِنْ عَزَائِمِ السُّجُودِ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ: أَيْ مُتَأَكَّدَاتِهِ وَأَثْبَتَهَا
بَلْ هِيَ سَجْدَةُ شُكْرٍ تُسْتَحَبُّ فِي غَيْرِ الصَّلَاةِ وَتَحْرُمُ فِيهَا عَلَى الْأَصَحِّ
وَتُسَنُّ لِلْقَارِئِ وَالْمُسْتَمِعِ، وَتَتَأَكَّدُ لَهُ بِسُجُودِ الْقَارِئِ.
قُلْت: وَتُسَنُّ لِلسَّامِعِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[مغني المحتاج]
ابْنُ سُرَيْجٍ فَجَعَلَهَا خَمْسَ عَشْرَةَ لِحَدِيثِ عَمْرٍو الْمُتَقَدِّمِ (بَلْ هِيَ) أَيْ سَجْدَةُ (ص) (سَجْدَةُ شُكْرٍ) لِتَوْبَةِ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى دَاوُد - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: أَيْ لِقَبُولِهَا، وَالتِّلَاوَةُ سَبَبٌ لِتَذَكُّرِ ذَلِكَ لِخَبَرِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ «خَطَبَنَا النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَوْمًا فَقَرَأَ (ص) ، فَلَمَّا هَمَّ بِالسُّجُودِ نَشَزْنَا أَيْ تَهَيَّأْنَا لِلسُّجُودِ، فَلَمَّا رَآنَا قَالَ: إنَّمَا هِيَ تَوْبَةُ نَبِيٍّ وَلَكِنْ قَدْ اسْتَعْدَدْتُمْ لِلسُّجُودِ فَنَزَلَ وَسَجَدَ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَلَى شَرْطِ الْبُخَارِيِّ (تُسْتَحَبُّ فِي غَيْرِ الصَّلَاةِ) عِنْدَ تِلَاوَةِ آيَتِهَا لِلِاتِّبَاعِ كَمَا مَرَّ (وَتَحْرُمُ فِيهَا) وَتُبْطِلُهَا (عَلَى الْأَصَحِّ) لِمَنْ عَلِمَ ذَلِكَ وَتَعَمَّدَهُ.
أَمَّا الْجَاهِلُ أَوْ النَّاسِي فَلَا تَبْطُلُ صَلَاتُهُ لِعُذْرِهِ، لَكِنْ يَسْجُدُ لِلسَّهْوِ، وَلَوْ سَجَدَهَا إمَامُهُ وَكَانَ يَعْتَقِدُهَا كَحَنَفِيٍّ جَازَ لَهُ مُفَارَقَتُهُ وَانْتِظَارُهُ قَائِمًا كَمَا يَنْتَظِرُهُ قَاعِدًا إذَا قَامَ إمَامُهُ لِرَكْعَةٍ خَامِسَةٍ سَهْوًا وَلَا يَسْجُدُ لِلسَّهْوِ إذَا انْتَظَرَهُ.
قَالَ فِي الرَّوْضَةِ: لِأَنَّ الْمَأْمُومَ لَا سُجُودَ لِسَهْوِهِ.
فَإِنْ قِيلَ هَذَا التَّعْلِيلُ لَا يُلَاقِي التَّصْوِيرَ فَإِنَّ الْمَأْمُومَ لَمْ يَسْهُ.
أُجِيبَ بِأَنَّ مُرَادَهُ لَا سُجُودَ عَلَيْهِ فِي فِعْلٍ يَقْتَضِي سُجُودَ السَّهْوِ لِأَنَّ الْإِمَامَ يَتَحَمَّلُهُ عَنْهُ فَلَا يَسْجُدُ لِانْتِظَارِهِ، وَإِنْ سَجَدَ لِسَجْدَةِ إمَامِهِ.
وَاسْتَشْكَلَ انْتِظَارُهُ مَعَ أَنَّ الْعِبْرَةَ بِعَقِيدَةِ الْمَأْمُومِ، وَعِنْدَهُ أَنَّ صَلَاةَ الْإِمَامِ قَدْ بَطَلَتْ.
وَأَجَبْتُ عَنْ ذَلِكَ فِي شَرْحِ التَّنْبِيهِ.
وَالثَّانِي لَا تَحْرُمُ فِيهَا وَلَا تُبْطِلُهَا لِتَعَلُّقِهَا بِالتِّلَاوَةِ بِخِلَافِ غَيْرِهَا مِنْ سُجُودِ الشُّكْرِ.
فَائِدَةٌ: الْمَشْهُورُ فِي (ص) وَمَا أَشْبَهَهَا مِنْ الْحُرُوفِ الَّتِي فِي أَوَائِلِ السُّوَرِ أَنَّهَا أَسْمَاءٌ لَهَا، وَتُقْرَأُ (ص) بِالْإِسْكَانِ وَبِالْفَتْحِ وَبِالْكَسْرِ بِلَا تَنْوِينٍ وَبِهِ مَعَ التَّنْوِينِ وَإِذَا كُتِبَتْ فِي الْمُصْحَفِ كُتِبَتْ حَرْفًا وَاحِدًا.
وَأَمَّا فِي غَيْرِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ يَكْتُبُهَا كَذَلِكَ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَكْتُبُهَا بِاعْتِبَارِ اسْمِهَا ثَلَاثَةَ أَحْرُفٍ
(وَتُسَنُّ) سَجْدَةُ التِّلَاوَةِ (لِلْقَارِئِ) حَيْثُ تُشْرَعُ لَهُ الْقِرَاءَةُ (وَالْمُسْتَمِعِ) أَيْ قَاصِدِ السَّمَاعِ حَيْثُ نُدِبَ لَهُ الِاسْتِمَاعُ، وَلَوْ كَانَ الْقَارِئُ صَبِيًّا مُمَيِّزًا أَوْ امْرَأَةً وَالْمُسْتَمِعُ رَجُلًا كَمَا فِي الْمَجْمُوعِ أَوْ مُحْدِثًا أَوْ كَافِرًا لَا لِقِرَاءَةِ جُنُبٍ وَسَكْرَانَ لِأَنَّهَا غَيْرُ مَشْرُوعَةٍ لَهُمَا.
قَالَ الْإِسْنَوِيُّ: وَلَا لِنَائِمٍ وَسَاهٍ لِعَدَمِ قَصْدِهِمَا التِّلَاوَةَ.
قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: وَيَنْبَغِي السُّجُودُ لِقِرَاءَةِ مَلَكٍ وَجِنِّيٍّ لَا لِقِرَاءَةِ دُرَّةٍ وَنَحْوِهَا لِعَدَمِ الْقَصْدِ.
قَالَ تَبَعًا لِلسُّبْكِيِّ وَلَوْ قَرَأَ أَوْ سَمِعَ أَوَّلَ دُخُولِهِ الْمَسْجِدَ آيَةَ سَجْدَةٍ فَالْأَقْرَبُ أَنَّهُ يَسْجُدُ، لَكِنْ هَلْ يَكُونُ ذَلِكَ عُذْرًا فِي عَدَمِ فَوَاتِ التَّحِيَّةِ أَوْ لَا؟ فِيهِ نَظَرٌ اهـ.
وَالْأَقْرَبُ كَمَا قَالَهُ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ أَنْ يَكُونَ عُذْرًا (وَتَتَأَكَّدُ لَهُ) أَيْ الْمُسْتَمِعِ (بِسُجُودِ الْقَارِئِ) لِلِاتِّفَاقِ عَلَى اسْتِحْبَابِهِ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ لِلْمُسْتَمِعِ؛ بِخِلَافِ مَا إذَا لَمْ يَسْجُدْ فَإِنَّهُ لَا يُسْتَحَبُّ لَهُ عَلَى وَجْهٍ وَلَا يَقْتَدِي فِي سُجُودِهَا فِي غَيْرِ الصَّلَاةِ وَلَا تَرْتَبِطُ بِهِ فَلَهُ الرَّفْعُ مِنْ السُّجُودِ قَبْلَهُ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي الرَّوْضَةِ.
قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: وَقَضِيَّةُ ذَلِكَ مَنْعُ الِاقْتِدَاءِ بِهِ، لَكِنَّ قَضِيَّةَ كَلَامِ الْقَاضِي الْبَغَوِيِّ جَوَازُهُ وَيَنْبَغِي اعْتِمَادُهُ (قُلْت: وَتُسَنُّ لِلسَّامِعِ) وَهُوَ مَنْ لَمْ يَقْصِدْ السَّمَاعَ (وَاَللَّهُ أَعْلَمُ) لَكِنَّهَا لِلْمُسْتَمِعِ آكَدُ مِنْهُ لِلسَّامِعِ، وَلَوْ قَرَأَ آيَةَ سَجْدَةٍ فِي غَيْرِ مَحَلِّ الْقِرَاءَةِ كَأَنْ قَرَأَهَا فِي حَالِ رُكُوعِهِ أَوْ فِي
وَإِنْ قَرَأَ فِي الصَّلَاةِ سَجَدَ الْإِمَامُ وَالْمُنْفَرِدُ لِقِرَاءَتِهِ فَقَطْ، وَالْمَأْمُومُ لِسَجْدَةِ إمَامِهِ، فَإِنْ سَجَدَ إمَامُهُ فَتَخَلَّفَ أَوْ انْعَكَسَ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ، وَمَنْ سَجَدَ خَارِجَ الصَّلَاةِ نَوَى، وَكَبَّرَ لِلْإِحْرَامِ رَافِعًا
[مغني المحتاج]
سُجُودِهِ أَوْ فِي صَلَاةِ جِنَازَةٍ لَمْ يَسْجُدْ بِخِلَافِ قِرَاءَتِهِ قَبْلَ الْفَاتِحَةِ؛ لِأَنَّ الْقِيَامَ مَحَلُّ الْقِرَاءَةِ فِي الْجُمْلَةِ وَكَذَا إنْ قَرَأَهَا فِي الرَّكْعَةِ الثَّالِثَةِ وَالرَّابِعَةِ لِأَنَّهُمَا مَحَلُّ الْقِرَاءَةِ بِدَلِيلِ أَنَّ الْمَسْبُوقَ يَتَدَارَكُ الْقِرَاءَةَ فِيهِمَا، بَلْ قِيلَ تُسَنُّ الْقِرَاءَةُ فِيهِمَا مُطْلَقًا.
قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: وَيُسْتَحَبُّ تَرْكُهَا لِلْخَطِيبِ إذَا قَرَأَ آيَتَهَا عَلَى الْمِنْبَرِ وَلَمْ يُمْكِنْهُ السُّجُودُ مَكَانَهُ إنْ خَشِيَ طُولَ الْفَصْلِ وَإِلَّا نَزَلَ وَسَجَدَ إنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ كُلْفَةٌ، فَإِنْ أَمْكَنَهُ مَكَانَهُ سَجَدَ.
وَالْأَصْلُ فِيمَا ذُكِرَ مَا رَوَاهُ الشَّيْخَانِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَقْرَأُ الْقُرْآنَ فَيَقْرَأُ السُّورَةَ فِيهَا سَجْدَةٌ فَيَسْجُدُ وَنَسْجُدُ مَعَهُ حَتَّى مَا يَجِدُ بَعْضُنَا مَوْضِعًا لِمَكَانِ جَبْهَتِهِ» أَمَّا مَنْ لَمْ يَسْمَعْ فَلَا يَسْجُدُ اتِّفَاقًا وَإِنْ عَلِمَ بِرُؤْيَةِ السَّاجِدِينَ وَنَحْوِهَا.
(وَإِنْ قَرَأَ فِي الصَّلَاةِ) فِي مَحَلِّ الْقِرَاءَةِ (سَجَدَ الْإِمَامُ وَالْمُنْفَرِدُ) أَيْ كُلٌّ مِنْهُمَا (لِقِرَاءَتِهِ فَقَطْ) فَلَا يَسْجُدُ لِقِرَاءَةِ غَيْرِهِ، فَإِنْ فَعَلَ عَامِدًا عَالِمًا بِالتَّحْرِيمِ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ (وَ) يَسْجُدُ (الْمَأْمُومُ لِسَجْدَةِ إمَامِهِ) فَقَطْ فَلَوْ سَجَدَ لِقِرَاءَةِ نَفْسِهِ أَوْ غَيْرِهِ أَوْ لِقِرَاءَةِ إمَامِهِ، لَكِنْ عِنْدَ عَدَمِ سُجُودِهِ كَمَا سَيَأْتِي عَامِدًا عَالِمًا بِالتَّحْرِيمِ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ (فَإِنْ سَجَدَ إمَامُهُ فَتَخَلَّفَ) هُوَ (أَوْ انْعَكَسَ) بِأَنْ سَجَدَ دُونَ إمَامِهِ (بَطَلَتْ صَلَاتُهُ) لِلْمُخَالَفَةِ هَذَا مَعَ اسْتِمْرَارِهِ مَأْمُومًا، فَإِنْ أَخْرَجَ نَفْسَهُ مِنْ الْجَمَاعَةِ لِأَجْلِ السَّجْدَةِ فَهَلْ هِيَ مُفَارَقَةٌ بِعُذْرٍ أَوْ بِغَيْرِهِ؟ مُقْتَضَى مَا فِي الْمَجْمُوعِ أَنَّهَا بِعُذْرٍ وَيُنْدَبُ لِلْمَأْمُومِ عِنْدَ تَرْكِ الْإِمَامِ قَضَاؤُهُ بَعْدَ السَّلَامِ، كَذَا قَالَهُ الرَّافِعِيُّ، وَمُرَادُهُ بِالْقَضَاءِ الْقَضَاءُ اللُّغَوِيُّ، وَهُوَ الْأَدَاءُ، إذْ الْوَاقِعُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ كَمَا قَالَ الْإِسْنَوِيُّ عَدَمُ الْقَضَاءِ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ مَحَلَّهُ إذَا لَمْ يُطِلْ الْفَصْلَ وَإِلَّا فَاتَ، وَيُكْرَهُ لِلْمَأْمُومِ قِرَاءَةُ آيَةِ سَجْدَةٍ وَإِصْغَاءٌ لِقِرَاءَةِ غَيْرِ إمَامِهِ لِعَدَمِ تَمَكُّنِهِ مِنْ السُّجُودِ، وَيُكْرَهُ أَيْضًا لِلْمُنْفَرِدِ وَالْإِمَامِ الْإِصْغَاءُ لِغَيْرِ قِرَاءَتِهِمَا، وَلَا يُكْرَهُ لَهُمَا قِرَاءَةُ آيَةِ سَجْدَةٍ وَلَوْ فِي السِّرِّيَّةِ، لَكِنْ يُسْتَحَبُّ لِلْإِمَامِ تَأْخِيرُهَا فِيهَا إلَى فَرَاغِهِ كَمَا فِي الرَّوْضَةِ.
وَمَحَلُّهُ كَمَا قَالَ الْإِسْنَوِيُّ عِنْدَ قِصَرِ الْفَصْلِ.
تَنْبِيهٌ: قَوْلُ الْمُصَنِّفِ: " الْإِمَامُ وَالْمُنْفَرِدُ " تَنَازَعَ فِيهِ قَرَأَ وَسَجَدَ، فَالْفَرَّاءُ يُعْمِلُهُمَا فِيهِ، وَالْكِسَائِيُّ يَقُولُ: حُذِفَ فَاعِلُ الْأَوَّلِ، وَالْبَصْرِيُّونَ يُضْمِرُونَهُ، وَالْفَاعِلُ الْمُضْمَرُ عِنْدَهُمْ مُفْرَدٌ لَا مُثَنًّى إذْ لَوْ كَانَ ضَمِيرَ تَثْنِيَةٍ لَبَرَزَ عَلَى رَأْيِهِمْ فَيَصِيرُ قَرَآ، ثُمَّ الْإِفْرَادُ مَعَ عَوْدِهِ عَلَى الِاثْنَيْنِ بِتَأْوِيلِ كُلٍّ مِنْهُمَا كَمَا تَقَدَّمَ، فَالتَّرْكِيبُ صَحِيحٌ عَلَى مَذْهَبِ الْبَصْرِيِّينَ كَغَيْرِهِ مِنْ الْمَذْهَبَيْنِ قَبْلَهُ، وَلَيْسَتْ صِحَّتُهُ خَاصَّةً بِالْمَذْهَبَيْنِ قَبْلَهُ نَظَرًا إلَى عَدَمِ تَثْنِيَةِ الضَّمِيرِ لِلتَّأْوِيلِ الْمَذْكُورِ (وَمَنْ سَجَدَ) أَيْ أَرَادَ السُّجُودَ (خَارِجَ الصَّلَاةِ نَوَى) سَجْدَةَ التِّلَاوَةِ وُجُوبًا لِحَدِيثِ «إنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» (وَكَبَّرَ لِلْإِحْرَامِ) بِهَا كَذَلِكَ لِلِاتِّبَاعِ كَمَا أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد، لَكِنْ بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ وَقِيَاسًا عَلَى الصَّلَاةِ (رَافِعًا