وَحُكْمُ مَهْرِ الصَّغِيرَةِ وَتَغْرِيمُهُ الْمُرْضِعَةَ مَا سَبَقَ، وَكَذَا الْكَبِيرَةُ إنْ لَمْ تَكُنْ مَوْطُوءَةً فَإِنْ كَانَتْ مَوْطُوءَةً فَلَهُ عَلَى الْمُرْضِعَةِ مَهْرُ مِثْلٍ فِي الْأَظْهَرِ
وَلَوْ أَرْضَعَتْ بِنْتُ الْكَبِيرَةِ الصَّغِيرَةَ حُرِّمَتْ الْكَبِيرَةُ أَبَدًا وَكَذَا الصَّغِيرَةُ إنْ كَانَتْ الْكَبِيرَةُ مَوْطُوءَةً
وَلَوْ كَانَ تَحْتَهُ صَغِيرَةٌ فَطَلَّقَهَا فَأَرْضَعَتْهَا امْرَأَةٌ صَارَتْ أُمَّ امْرَأَتِهِ، وَلَوْ نَكَحَتْ مُطَلَّقَتُهُ صَغِيرًا وَأَرْضَعَتْهُ بِلَبَنِهِ حُرِّمَتْ عَلَى الْمُطَلِّقِ وَالصَّغِيرِ أَبَدًا
وَلَوْ زَوَّجَ أُمَّ وَلَدِهِ عَبْدَهُ الصَّغِيرَ فَأَرْضَعَتْهُ لَبَنَ السَّيِّدِ حُرِّمَتْ عَلَيْهِ وَعَلَى السَّيِّدِ،
[مغني المحتاج]
(وَحُكْمُ مَهْرِ الصَّغِيرَةِ) عَلَى الزَّوْجِ (وَتَغْرِيمِهِ الْمُرْضِعَةَ) عَلَى (مَا سَبَقَ) فِي إرْضَاعِ أُمِّ الزَّوْجِ وَنَحْوِهَا الصَّغِيرَةَ فَعَلَيْهِ لِلصَّغِيرَةِ نِصْفُ الْمُسَمَّى الصَّحِيحِ أَوْ نِصْفُ مَهْرِ مِثْلٍ، وَلَهُ عَلَى أُمِّهَا الْمُرْضِعَةِ نِصْفُ مَهْرِ الْمِثْلِ، وَقِيلَ: كُلُّهُ (وَكَذَا الْكَبِيرَةُ إنْ لَمْ تَكُنْ مَوْطُوءَةً) حُكْمُهَا فِي غُرْمِ الزَّوْجِ مَهْرَهَا وَتَغْرِيمِهِ الْمُرْضِعَةَ مَا سَبَقَ فِي الصَّغِيرَةِ لِاشْتِرَاكِهِمَا فِي عَدَمِ الْوَطْءِ، فَلَهَا عَلَيْهِ نِصْفُ الْمُسَمَّى أَوْ مَهْرُ الْمِثْلِ، وَلَهُ عَلَى أُمِّهَا الْمُرْضِعَةِ نِصْفُ الْمَهْرِ، وَفِي قَوْلِهِ: كُلُّهُ (فَإِنْ كَانَتْ مَوْطُوءَةً فَلَهُ عَلَى الْمُرْضِعَةِ مَهْرُ مِثْلٍ فِي الْأَظْهَرِ) كَمَا وَجَبَ عَلَيْهَا لِبِنْتِهَا الْمَهْرُ بِكَمَالِهِ وَالثَّانِي: لَا شَيْءَ عَلَيْهَا؛ لِأَنَّ الْبُضْعَ بَعْدَ الدُّخُولِ لَا يَتَقَدَّرُ لِلزَّوْجِ، فَإِنَّهُ قَدْ اسْتَوْفَى بِالْمَسِيسِ مَا يُقَابِلُ الْمَهْرَ تَنْبِيهٌ احْتَرَزَ بِأُمِّ الْكَبِيرَةِ عَمَّا لَوْ أَرْضَعَتْ الْكَبِيرَةُ نَفْسُهَا الصَّغِيرَةَ وَالْكَبِيرَةُ مَوْطُوءَةٌ فَلَا يَرْجِعُ الزَّوْجُ عَلَيْهَا بِمَهْرِ مِثْلِهَا كَمَا فِي الرَّوْضَةِ وَأَصْلِهَا عَنْ الْأَئِمَّةِ لِئَلَّا يَخْلُوَ نِكَاحُهَا عَنْ مَهْرٍ فَتَصِيرُ كَالْمَوْهُوبَةِ، وَذَلِكَ مِنْ خَصَائِصِ النُّبُوَّةِ
(وَلَوْ أَرْضَعَتْ بِنْتُ) زَوْجَتِهِ (الْكَبِيرَةِ) زَوْجَتَهُ (الصَّغِيرَةَ) (حَرُمَتْ الْكَبِيرَةُ أَبَدًا) لِأَنَّهَا جَدَّةُ امْرَأَتِهِ (وَكَذَا الصَّغِيرَةُ) حَرُمَتْ أَبَدًا (إنْ كَانَتْ الْكَبِيرَةُ مَوْطُوءَةً) لِأَنَّهَا رَبِيبَتُهُ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ مَوْطُوءَةً لَمْ تَحْرُمْ الصَّغِيرَةُ؛ لِأَنَّ الرَّبِيبَةَ لَا تَحْرُمُ إلَّا بِالدُّخُولِ، وَفِي الْغُرْمِ لِلصَّغِيرَةِ وَالْكَبِيرَةِ مَا مَرَّ
(وَلَوْ كَانَ تَحْتَهُ) زَوْجَةٌ (صَغِيرَةٌ فَطَلَّقَهَا فَأَرْضَعَتْهَا امْرَأَةٌ صَارَتْ أُمَّ امْرَأَتِهِ) فَتَحْرُمُ عَلَيْهِ أَبَدًا، وَلَا نَظَرَ إلَى حُصُولِ الْأُمُومَةِ قَبْلَ النِّكَاحِ أَوْ بَعْدَهُ إلْحَاقًا لِلطَّارِئِ بِالْمُقَارِنِ كَمَا هُوَ شَأْنُ التَّحْرِيمِ الْمُؤَبَّدِ (وَلَوْ نَكَحَتْ مُطَلَّقَتُهُ) الْحُرَّةُ (صَغِيرًا وَأَرْضَعَتْهُ بِلَبَنِهِ حَرُمَتْ عَلَى الْمُطَلِّقِ وَالصَّغِيرِ أَبَدًا) أَمَّا الْمُطَلِّقُ فَلِأَنَّهَا صَارَتْ زَوْجَةَ ابْنِهِ وَأَمَّا الصَّغِيرُ فَلِأَنَّهَا صَارَتْ أُمَّهُ أَوْ زَوْجَةَ أَبِيهِ، فَإِنْ كَانَتْ الْمُطَلَّقَةُ أَمَةً لَمْ تَحْرُمْ عَلَى الْمُطَلِّقِ لِبُطْلَانِ النِّكَاحِ؛ لِأَنَّ الصَّغِيرَ لَا يَصِحُّ نِكَاحُهُ أَمَةً فَلَمْ تَصِرْ حَلِيلَةَ ابْنِهِ
فَرْعٌ: لَوْ فَسَخَتْ كَبِيرَةٌ نِكَاحَ صَغِيرٍ بِعَيْبٍ فِيهِ مَثَلًا ثُمَّ تَزَوَّجَتْ كَبِيرًا فَارْتَضَعَ الصَّغِيرُ بِلَبَنِهِ مِنْهَا أَوْ مِنْ غَيْرِهَا حَرُمَتْ عَلَيْهِمَا أَبَدًا؛ لِأَنَّ الصَّغِيرَ صَارَ ابْنًا لِلْكَبِيرِ، فَهِيَ زَوْجَةُ ابْنِ الْكَبِيرِ وَزَوْجَةُ أَبِي الصَّغِيرِ، بَلْ أُمُّهُ إنْ كَانَ اللَّبَنُ مِنْهَا
(وَلَوْ زَوَّجَ) السَّيِّدُ (أُمَّ وَلَدِهِ عَبْدَهُ الصَّغِيرَ فَأَرْضَعَتْهُ لَبَنَ السَّيِّدِ حَرُمَتْ عَلَيْهِ) أَيْ الْعَبْدِ أَبَدًا؛ لِأَنَّهَا أُمُّهُ وَمَوْطُوءَةُ أَبِيهِ (وَعَلَى السَّيِّدِ) كَذَلِكَ؛ لِأَنَّهَا زَوْجَةُ ابْنِهِ
وَلَوْ أَرْضَعَتْ مَوْطُوءَتُهُ الْأَمَةُ صَغِيرَةً تَحْتَهُ بِلَبَنِهِ أَوْ لَبَنِ غَيْرِهِ حُرِّمَتَا عَلَيْهِ
وَلَوْ كَانَ تَحْتَهُ صَغِيرَةٌ وَكَبِيرَةٌ فَأَرْضَعَتْهَا انْفَسَخَتَا وَحَرُمَتْ الْكَبِيرَةُ أَبَدًا وَكَذَا الصَّغِيرَةُ إنْ كَانَ الْإِرْضَاعُ بِلَبَنِهِ، وَإِلَّا فَرَبِيبَةٌ
وَلَوْ كَانَ كَبِيرَةٌ وَثَلَاثٌ صَغَائِرُ فَأَرْضَعَتْهُنَّ حَرُمَتْ أَبَدًا، وَكَذَا الصَّغَائِرُ إنْ أَرْضَعَتْهُنَّ بِلَبَنِهِ أَوْ لَبَنِ غَيْرِهِ وَهِيَ مَوْطُوءَةٌ، وَإِلَّا فَإِنْ أَرْضَعَتْهُنَّ مَعًا بِإِيجَارِهِنَّ الْخَامِسَةَ انْفَسَخْنَ، وَلَا يَحْرُمْنَ مُؤَبَّدًا، أَوْ مُرَتَّبًا لَمْ يَحْرُمْنَ، وَتَنْفَسِخُ الْأُولَى وَالثَّالِثَةُ،
[مغني المحتاج]
تَنْبِيهٌ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ مَبْنِيَّةٌ عَلَى أَنَّ السَّيِّدَ يُجْبِرُ عَبْدَهُ الصَّغِيرَ عَلَى النِّكَاحِ، وَمَرَّ فِي النِّكَاحِ أَنَّ الْأَظْهَرَ أَنَّهُ لَا يُجْبِرُهُ فَهَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى مَرْجُوحٍ، وَاحْتَرَزَ بِقَوْلِ: لَبَنَ السَّيِّدِ، عَمَّا لَوْ أَرْضَعَتْهُ بِلَبَنِ غَيْرِهِ، فَإِنَّ النِّكَاحَ يَنْفَسِخُ لِكَوْنِهَا أُمًّا لَهُ، وَلَا تَحْرُمُ عَلَى السَّيِّدِ؛ لِأَنَّ الصَّغِيرَ لَمْ يَصِرْ ابْنًا لَهُ فَلَمْ تَكُنْ هِيَ زَوْجَةَ الِابْنِ (وَلَوْ أَرْضَعَتْ مَوْطُوءَتُهُ الْأَمَةُ) زَوْجَةً (صَغِيرَةً تَحْتَهُ) أَيْ السَّيِّدِ (بِلَبَنِهِ أَوْ لَبَنِ غَيْرِهِ) بِأَنْ تَزَوَّجَتْ غَيْرَهُ أَوْ وَطِئَهَا بِشُبْهَةٍ (حَرُمَتَا) أَيْ: الْمَوْطُوءَةُ وَالصَّغِيرَةُ (عَلَيْهِ) أَيْ: السَّيِّدِ أَبَدًا لِصَيْرُورَةِ الْأَمَةِ أُمَّ زَوْجَتِهِ وَالصَّغِيرَةِ بِنْتَهُ إنْ رَضَعَتْ لَبَنَهُ، أَوْ بِنْتَ مَوْطُوءَتِهِ إنْ رَضَعَتْ لَبَنَ غَيْرِهِ
(وَلَوْ كَانَ تَحْتَهُ صَغِيرَةٌ وَكَبِيرَةٌ فَأَرْضَعَتْهَا) أَيْ: الْكَبِيرَةُ الصَّغِيرَةَ (انْفَسَخَتَا) لِصَيْرُورَةِ الصَّغِيرَةِ بِنْتًا لِلْكَبِيرَةِ وَامْتَنَعَ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا تَنْبِيهٌ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ قَدْ تَقَدَّمَتْ أَوَّلَ الْفَصْلِ وَذُكِرَتْ هُنَاكَ لِأَجْلِ الْغُرْمِ وَهُنَا لِتَأْبِيدِ التَّحْرِيمِ وَعَدَمِهِ كَمَا قَالَ (وَحَرُمَتْ الْكَبِيرَةُ أَبَدًا) لِأَنَّهَا أُمُّ زَوْجَتِهِ (وَكَذَا الصَّغِيرَةُ) حَرُمَتْ أَبَدًا (إنْ كَانَ الْإِرْضَاعُ بِلَبَنِهِ) ؛ لِأَنَّهَا صَارَتْ بِنْتَهُ (وَإِلَّا) بِأَنْ كَانَ الْإِرْضَاعُ بِلَبَنِ غَيْرِهِ (فَرَبِيبَةٌ) لَهُ تَحْرُمُ عَلَيْهِ أَبَدًا إنْ دَخَلَ بِالْكَبِيرَةِ وَإِلَّا فَلَا، وَفِي الْغُرْمِ لِلصَّغِيرَةِ وَالْكَبِيرَةِ مَا مَرَّ، فَلَوْ كَانَتْ الْكَبِيرَةُ أَمَةَ غَيْرِهِ تَعَلَّقَ الْغُرْمُ بِرَقَبَتِهَا، أَوْ أَمَتَهُ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهَا إلَّا إنْ كَانَتْ مُكَاتَبَةً فَعَلَيْهَا الْغُرْمُ، فَإِنْ عَجَّزَهَا سَقَطَتْ الْمُطَالَبَةُ بِالْغُرْمِ
(وَلَوْ كَانَ تَحْتَهُ كَبِيرَةٌ وَثَلَاثٌ صَغَائِرُ فَأَرْضَعَتْهُنَّ) مَعًا أَوْ مُرَتَّبًا بِلَبَنِهِ أَوْ لَبَنِ غَيْرِهِ (حَرُمَتْ) أَيْ الْكَبِيرَةُ (أَبَدًا) لِأَنَّهَا صَارَتْ أُمَّ زَوْجَاتِهِ (وَكَذَا الصَّغَائِرُ إنْ أَرْضَعَتْهُنَّ بِلَبَنِهِ) لِأَنَّهُنَّ صِرْنَ بَنَاتِهِ (أَوْ لَبَنِ غَيْرِهِ وَهِيَ) أَيْ الْكَبِيرَةُ (مَوْطُوءَةٌ) لَهُ لِأَنَّهُنَّ صِرْنَ بَنَاتِ زَوْجَتِهِ الْمَدْخُولِ بِهَا (وَإِلَّا) بِأَنْ لَمْ يَكُنْ اللَّبَنُ لَهُ وَلَمْ تَكُنْ مَوْطُوءَةً لَهُ (فَإِنْ أَرْضَعَتْهُنَّ مَعًا بِإِيجَارِهِنَّ) الرَّضْعَةَ (الْخَامِسَةَ انْفَسَخْنَ) لِصَيْرُورَتِهِنَّ أَخَوَاتٍ وَلِاجْتِمَاعِهِنَّ مَعَ الْأُمِّ فِي النِّكَاحِ تَنْبِيهٌ فِي مَعْنَى إيجَارِهِنَّ الْخَامِسَةَ أَنْ تُلْقِمَ اثْنَتَيْنِ ثَدْيَيْهَا وَتُؤْجِرَ الثَّالِثَةَ لَبَنَهَا الْمَحْلُوبَ (وَلَا يَحْرُمْنَ) أَيْ الصَّغَائِرُ (مُؤَبَّدًا) لِانْتِفَاءِ الدُّخُولِ بِأُمِّهِنَّ فَلَهُ تَجْدِيدُ نِكَاحِ مَنْ شَاءَ مِنْهُنَّ بِلَا جَمْعٍ فِي نِكَاحٍ (أَوْ) أَرْضَعَتْهُنَّ (مُرَتَّبًا لَمْ يَحْرُمْنَ) مُؤَبَّدًا لِمَا ذُكِرَ (وَتَنْفَسِخُ الْأُولَى) أَيْ نِكَاحُهَا بِإِرْضَاعِهَا مَعَ الْكَبِيرَةِ لِاجْتِمَاعِ الْأُمِّ وَبِنْتِهَا فِي النِّكَاحِ، وَلَا يَنْفَسِخُ نِكَاحُ الثَّانِيَةِ بِمُجَرَّدِ إرْضَاعِهَا إذْ لَا مُوجِبَ لَهُ (وَالثَّالِثَةُ) أَيْ: وَيَنْفَسِخُ نِكَاحُ الثَّالِثَةِ بِإِرْضَاعِهَا لِصَيْرُورَتِهَا أُخْتًا لِلثَّانِيَةِ الْبَاقِيَةِ فِي نِكَاحِهِ
وَتَنْفَسِخُ الثَّانِيَةُ بِإِرْضَاعِ الثَّالِثَةِ، وَفِي قَوْلٍ لَا يَنْفَسِخُ، وَيَجْرِي الْقَوْلَانِ فِيمَنْ تَحْتَهُ صَغِيرَتَانِ أَرْضَعَتْهُمَا أَجْنَبِيَّةٌ مُرَتَّبًا أَيَنْفَسِخَانِ أَمْ الثَّانِيَةَ؟
فَصْلٌ قَالَ: هِنْدٌ بِنْتِي أَوْ أُخْتِي بِرَضَاعٍ، أَوْ قَالَتْ هُوَ أَخِي حَرُمَ تَنَاكُحُهُمَا، وَلَوْ قَالَ زَوْجَانِ: بَيْنَنَا رَضَاعٌ، مُحَرِّمٌ فُرِّقَ بَيْنَهُمَا وَسَقَطَ الْمُسَمَّى وَوَجَبَ مَهْرُ مِثْلٍ إنْ وَطِئَ
[مغني المحتاج]
(وَتَنْفَسِخُ الثَّانِيَةُ بِإِرْضَاعِ الثَّالِثَةِ) لِأَنَّهُمَا صَارَتَا أُخْتَيْنِ مَعًا فَأَشْبَهَ مَا لَوْ أَرْضَعَتْهُمَا مَعًا (وَفِي قَوْلٍ لَا يَنْفَسِخُ) نِكَاحُ الثَّانِيَةِ بَلْ يَخْتَصُّ الِانْفِسَاخُ بِالثَّالِثَةِ؛ لِأَنَّ الْجَمْعَ إنَّمَا حَصَلَ بِهَا كَمَا لَوْ نَكَحَ امْرَأَةً عَلَى أُخْتِهَا تَنْبِيهٌ اقْتَصَرَ الْمُصَنِّفُ فِي التَّرْتِيبِ عَلَى مَا إذَا أَرْضَعَتْهُنَّ مُتَعَاقِبًا، وَبَقِيَ فِي التَّرْتِيبِ حَالَانِ: أَحَدُهُمَا تُرْضِعُ ثِنْتَيْنِ مَعًا ثُمَّ الثَّالِثَةَ فَيَنْفَسِخُ نِكَاحُ الْأُولَتَيْنِ مَعَ الْكَبِيرَةِ لِثُبُوتِ الْأُخُوَّةِ بَيْنَهُمَا، وَلِاجْتِمَاعِهِمَا مَعَ الْأُمِّ فِي النِّكَاحِ، وَلَا يَنْفَسِخُ نِكَاحُ الثَّالِثَةِ لِانْفِرَادِهَا وَوُقُوعِ إرْضَاعِهَا بَعْدَ انْدِفَاعِ نِكَاحِ أُمِّهَا وَأُخْتَيْهَا، ثَانِيهِمَا إنْ تُرْضِعَ وَاحِدَةً أَوَّلًا ثُمَّ ثِنْتَيْنِ مَعًا فَيَنْفَسِخَ نِكَاحُ الْأَرْبَعِ، أَمَّا الْأُولَى وَالْكَبِيرَةُ فَلِاجْتِمَاعِ الْأُمِّ وَالْبِنْتِ فِي النِّكَاحِ، وَأَمَّا الْأُخْرَيَانِ فَلِأَنَّهُمَا صَارَتَا أُخْتَيْنِ مَعًا (وَيَجْرِي) هَذَانِ (الْقَوْلَانِ فِيمَنْ تَحْتَهُ) زَوْجَتَانِ (صَغِيرَتَانِ أَرْضَعَتْهُمَا أَجْنَبِيَّةٌ مُرَتَّبًا أَيَنْفَسِخَانِ أَمْ الثَّانِيَةُ) يَخْتَصُّ الِانْفِسَاخُ بِهَا فَقَطْ، وَالْأَظْهَرُ مِنْهُمَا انْفِسَاخُهُمَا لِمَا ذُكِرَ، وَخَرَجَ بِقَوْلِهِ مُرَتَّبًا مَا إذَا أَرْضَعَتْهُمَا مَعًا فَإِنَّهُ يَنْفَسِخُ نِكَاحُهُمَا قَوْلًا وَاحِدًا لِأَنَّهُمَا صَارَتَا أُخْتَيْنِ مَعًا، وَلَا خِلَافَ فِي تَحْرِيمِ الْمُرْضِعَةِ عَلَى التَّأْبِيدِ؛ لِأَنَّهَا صَارَتْ أُمَّ زَوْجَتِهِ
[فَصْلٌ الْإِقْرَارِ بِالرَّضَاعِ وَالِاخْتِلَافِ فِيهِ]
فَصْلٌ فِي الْإِقْرَارِ بِالرَّضَاعِ وَالِاخْتِلَافِ فِيهِ وَمَا يُذْكَرُ مَعَهُمَا، إذَا (قَالَ) رَجُلٌ (هِنْدٌ) بِالصَّرْفِ وَتَرْكِهِ (بِنْتِي أَوْ أُخْتِي بِرَضَاعٍ أَوْ قَالَتْ) امْرَأَةٌ (هُوَ) أَيْ زَيْدٌ مَثَلًا (أَخِي) أَوْ ابْنِي بِرَضَاعٍ وَأَمْكَنَ (حَرُمَ تَنَاكُحُهُمَا) مُؤَاخَذَةً لِكُلٍّ مِنْهُمَا بِإِقْرَارِهِ، فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ بِأَنْ قَالَ: فُلَانَةُ بِنْتِي وَهِيَ أَكْبَرُ سِنًّا مِنْهُ فَهُوَ لَغْوٌ، وَاسْتَغْنَى الْمُصَنِّفُ عَنْ ذِكْرِ هَذَا الشَّرْطِ؛ لِأَنَّهُ قَدَّمَهُ فِي كِتَابِ الْإِقْرَارِ، ثُمَّ إنْ صُدِّقَا حَرُمَ تَنَاكُحُهُمَا ظَاهِرًا وَبَاطِنًا، وَإِلَّا فَظَاهِرًا فَقَطْ، وَلَوْ رَجَعَ الْمُقِرُّ لَمْ يُقْبَلْ رُجُوعُهُ، وَكَذَا لَوْ أَنْكَرَتْ الْمَرْأَةُ رِضَاهَا بِالنِّكَاحِ حَيْثُ شُرِطَ ثُمَّ رَجَعَتْ فَيُجَدَّدُ النِّكَاحُ (وَلَوْ قَالَ زَوْجَانِ: بَيْنَنَا رَضَاعٌ مُحَرِّمٌ) بِشَرْطِهِ السَّابِقِ (فُرِّقَ بَيْنَهُمَا) عَمَلًا بِقَوْلِهِمَا (وَسَقَطَ الْمُسَمَّى) إذَا أُضِيفَ الرَّضَاعُ إلَى مَا قَبْلَ الْوَطْءِ لِفَسَادِهِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُصَادِفْ مَحَلًّا (وَوَجَبَ) لَهَا (مَهْرُ مِثْلٍ إنْ وَطِئَ) هَا وَهِيَ مَعْذُورَةٌ بِنَوْمٍ أَوْ إكْرَاهٍ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ، فَإِنْ لَمْ يَطَأَ أَوْ وَطِئَ بِلَا عُذْرٍ لَهَا لَمْ يَجِبْ شَيْءٌ، أَمَّا إذَا أُضِيفَ الْإِرْضَاعُ إلَى مَا بَعْدَ الْوَطْءِ فَالْوَاجِبُ الْمُسَمَّى، وَاحْتَرَزَ الْمُصَنِّفُ بِقَوْلِهِ: مُحَرِّمٌ عَمَّا لَوْ
وَإِنْ ادَّعَى رَضَاعًا فَأَنْكَرَتْ انْفَسَخَ، وَلَهَا الْمُسَمَّى إنْ وَطِئَ وَإِلَّا فَنِصْفُهُ، وَإِنْ ادَّعَتْهُ فَأَنْكَرَ صَدَقَ بِيَمِينِهِ إنْ زُوِّجَتْ بِرِضَاهَا وَإِلَّا فَالْأَصَحُّ تَصْدِيقُهَا وَمَهْرُ مِثْلٍ إنْ وَطِئَ، وَإِلَّا فَلَا شَيْءَ لَهَا
[مغني المحتاج]
قَالَ: بَيْنَنَا رَضَاعٌ وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ فَإِنَّهُ يُوقَفُ التَّحْرِيمُ عَلَى بَيَانِ الْعَدَدِ
(وَإِنْ ادَّعَى) الزَّوْجُ (رَضَاعًا) مُحَرِّمًا (فَأَنْكَرَتْ) زَوْجَتُهُ ذَلِكَ (انْفَسَخَ) النِّكَاحُ وَفُرِّقَ بَيْنَهُمَا، وَإِنْ كَذَّبَتْهُ الْمَرْأَةُ الَّتِي نُسِبَ الْإِرْضَاعُ إلَيْهَا مُؤَاخَذَةً لَهُ بِقَوْلِهِ (وَلَهَا الْمُسَمَّى) إنْ كَانَ صَحِيحًا، وَإِلَّا فَمَهْرُ الْمِثْلِ (إنْ وَطِئَ) لِاسْتِقْرَارِهِ بِالدُّخُولِ (وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يَطَأْ (فَنِصْفُهُ) لِوُرُودِ الْفُرْقَةِ مِنْهُ وَلَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ عَلَيْهَا، وَلَهُ تَحْلِيفُهَا قَبْلَ دُخُولٍ، وَكَذَا بَعْدَهُ إنْ كَانَ الْمُسَمَّى أَكْثَرَ مِنْ مَهْرِ الْمِثْلِ، وَإِنْ نَكَلَتْ حُلِّفَ الزَّوْجُ وَلَزِمَهُ مَهْرُ مِثْلٍ فَقَطْ بَعْدُ أَوْ وَطْءٍ لَا شَيْءَ لَهَا عَلَيْهِ قَبْلَهُ، هَذَا فِي غَيْرِ الْمُفَوَّضَةِ؛ أَمَّا فِيهَا فَلَهَا الْمُتْعَةُ وَلَا مَهْرَ لَهَا (وَإِنْ ادَّعَتْهُ) أَيْ الزَّوْجَةُ الرَّضَاعَ (فَأَنْكَرَ) الزَّوْجُ ذَلِكَ (صُدِّقَ بِيَمِينِهِ إنْ زُوِّجَتْ بِرِضَاهَا) مِمَّنْ عَرَفَتْهُ بِعَيْنِهِ بِأَنْ عَيَّنَتْهُ فِي إذْنِهَا أَوْ عُيِّنَ لَهَا فَسَكَتَتْ حَيْثُ يَكْفِي سُكُوتُهَا لِتَضَمُّنِ رِضَاهَا بِهِ الْإِقْرَارَ بِحِلِّهَا لَهُ فَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا نَقِيضُهُ، وَإِذَا حَلَفَ الزَّوْجُ عَلَى نَفْيِ الرَّضَاعِ اسْتَمَرَّتْ الزَّوْجِيَّةُ ظَاهِرًا وَعَلَيْهَا مَنْعُ نَفْسِهَا مِنْهُ مَا أَمْكَنَ إنْ كَانَتْ صَادِقَةً، وَهَلْ تَسْتَحِقُّ عَلَيْهِ النَّفَقَةَ مَعَ إقْرَارِهَا بِأَنَّ النِّكَاحَ فَاسِدٌ قَالَ ابْنُ أَبِي الدَّمِ: لَمْ أَرَ فِيهِ نَقْلًا وَالظَّاهِرُ وُجُوبُهَا؛ لِأَنَّهَا مَحْبُوسَةٌ عِنْدَهُ وَهُوَ مُسْتَمْتِعٌ بِهَا وَالنَّفَقَةُ تَجِبُ فِي مُقَابَلَةِ ذَلِكَ اهـ. وَهَذَا هُوَ الظَّاهِرُ وَيُؤْخَذُ مِنْهُ مَسْأَلَةٌ حَسَنَةٌ وَقَعَتْ فِي إفْتَاءٍ، وَهِيَ أَنَّ شَخْصًا طَلَبَ زَوْجَتَهُ مَحَلَّ طَاعَتِهِ فَامْتَنَعَتْ ثُمَّ إنَّهُ اسْتَمَرَّ يَسْتَمْتِعُ بِهَا فِي الْمَحَلِّ الَّذِي امْتَنَعَتْ فِيهِ هَلْ تَسْتَحِقُّ عَلَيْهِ نَفَقَةً أَوْ لَا؟ أَفْتَى بَعْضُهُمْ بِالِاسْتِحْقَاقِ وَبَعْضُهُمْ بِعَدَمِهِ وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ (وَإِلَّا) بِأَنْ زُوِّجَتْ بِغَيْرِ رِضَاهَا كَأَنْ زَوَّجَهَا الْمُجْبِرُ لِجُنُونٍ أَوْ بَكَارَةٍ أَوْ أَذِنَتْ مُطْلَقًا وَلَمْ تُعَيِّنْ الزَّوْجَ (فَالْأَصَحُّ تَصْدِيقُهَا) بِيَمِينِهَا كَمَا فِي الْمُحَرَّرِ هُنَا وَالرَّوْضَةِ فِي بَابِ النِّكَاحِ لِاحْتِمَالِ مَا تَدَّعِيهِ وَلَمْ يَسْبِقْ مِنْهَا مَا يُنَاقِضُهُ فَأَشْبَهَ مَا لَوْ ذَكَرَتْهُ قَبْلَ النِّكَاحِ، وَالثَّانِي: يُصَدَّقُ الزَّوْجُ بِيَمِينِهِ لِاسْتِدَامَةِ النِّكَاحِ الْجَارِي عَلَى الصِّحَّةِ ظَاهِرًا تَنْبِيهٌ مَحَلُّ الْخِلَافِ إذَا لَمْ تُمَكِّنْهُ مِنْ وَطْئِهَا مُخْتَارَةً، فَإِنْ مَكَّنَتْهُ لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهَا (وَ) لَهَا فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ (مَهْرُ مِثْلٍ إنْ وَطِئَ) هَا جَاهِلَةً بِالرَّضَاعِ، ثُمَّ عَلِمَتْ وَادَّعَتْهُ، سَوَاءٌ أَكَانَ مِثْلَ الْمُسَمَّى أَمْ دُونَهُ، وَلَيْسَ لَهَا طَلَبُ الْمُسَمَّى؛ لِأَنَّهَا لَا تَسْتَحِقُّهُ بِزَعْمِهَا، فَإِنْ كَانَ الزَّوْجُ دَفَعَهُ إلَيْهَا لَمْ يَكُنْ لَهُ طَلَبُ رَدِّهِ لِزَعْمِهِ أَنَّهُ لَهَا، فَإِنْ كَانَ مَهْرُ الْمِثْلِ أَكْثَرَ مِنْ الْمُسَمَّى لَمْ تَطْلُبْ الزَّوْجَةُ الزِّيَادَةَ إنْ صَدَّقْنَا الزَّوْجَ كَمَا قَالَهُ الْأَذْرَعِيُّ وَغَيْرُهُ، وَالْوَرَعُ لَهُ أَنْ يُطَلِّقَهَا طَلْقَةً لِتَحِلَّ لِغَيْرِهِ إنْ كَانَتْ كَاذِبَةً وَقَوْلُهُ (وَإِلَّا) بِأَنْ لَمْ يَكُنْ وَطِئَ (فَلَا شَيْءَ لَهَا) وَهَذَا غَيْرُ مُحْتَاجٍ إلَيْهِ؛ وَلِهَذَا حَذَفَهُ الْمُحَرَّرُ وَالرَّوْضَةُ كَأَصْلِهَا تَنْبِيهٌ دَعْوَى الزَّوْجَةِ الْمُصَاهَرَةَ كَقَوْلِهَا: كُنْت زَوْجَةَ أَبِيهِ كَدَعْوَى الرَّضَاعِ
وَيُحَلَّفُ مُنْكِرُ رَضَاعٍ عَلَى نَفْيِ عِلْمِهِ، وَمُدَّعِيهِ عَلَى بَتٍّ، وَيَثْبُتُ بِشَهَادَةِ رَجُلَيْنِ أَوْ رَجُلٍ وَامْرَأَتَيْنِ، وَبِأَرْبَعِ نِسْوَةٍ، وَالْإِقْرَارُ بِهِ شَرْطُهُ رَجُلَانِ
وَتُقْبَلُ شَهَادَةُ الْمُرْضِعَةِ إنْ لَمْ تَطْلُبْ أُجْرَةً، وَلَا ذَكَرَتْ فِعْلَهَا، وَكَذَا إنْ ذَكَرَتْ فَقَالَتْ: أَرْضَعْتُهُ فِي الْأَصَحِّ،
[مغني المحتاج]
فَرْعٌ: يَحْرُمُ عَلَى السَّيِّدِ وَطْءُ أَمَةٍ أَقَرَّتْ بِالْمُرَاضَعَةِ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا قَبْلَ أَنْ يَشْتَرِيَهَا أَوْ بَعْدَهُ وَقَبْلَ التَّمَكُّنِ كَمَا جَزَمَ بِهِ صَاحِبُ الْأَنْوَارِ وَرَجَّحَهُ ابْنُ الْمُقْرِي، وَيُخَالِفُ ذَلِكَ كَمَا قَالَ الْبَغَوِيّ مَا لَوْ أَقَرَّتْ بِأَنَّ بَيْنَهُمَا أُخُوَّةَ نَسَبٍ حَيْثُ لَا يُقْبَلُ؛ لِأَنَّ النَّسَبَ أَصْلٌ يَنْبَنِي عَلَيْهِ أَحْكَامٌ كَثِيرَةٌ بِخِلَافِ التَّحْرِيمِ بِالرَّضَاعِ
ثُمَّ شَرَعَ فِي كَيْفِيَّةِ يَمِينِ الرَّضَاعِ نَفْيًا وَإِثْبَاتًا فَقَالَ (وَيُحَلَّفُ مُنْكِرُ رَضَاعٍ) مِنْ رَجُلٍ أَوْ امْرَأَةٍ فِي يَمِينٍ (عَلَى نَفْيِ عِلْمِهِ) لِأَنَّهُ يَنْفِي فِعْلَ الْغَيْرِ، وَلَا نَظَرَ إلَى فِعْلِهَا فِي الِارْتِضَاعِ لِأَنَّهُ كَانَ صَغِيرًا تَنْبِيهٌ هَذَا فِي الْيَمِينِ الْأَصْلِيَّةِ، أَمَّا إذَا نَكَلَ أَحَدُهُمَا وَرُدَّتْ الْيَمِينُ عَلَى الْآخَرِ فَإِنَّهُ يُحَلَّفُ عَلَى الْبَتِّ؛ لِأَنَّهَا مُثْبِتَةٌ خِلَافًا لِلْقَفَّالِ فِي كَوْنِهِ يُحَلَّفُ عَلَى نَفْيِ الْعِلْمِ كَمَا هُوَ ظَاهِرُ الْمَتْنِ (وَ) يُحَلَّفُ (مُدَّعِيهِ) أَيْ الْإِرْضَاعِ مِنْ رَجُلٍ أَوْ امْرَأَةٍ (عَلَى بَتٍّ) لِأَنَّهُ حُلِّفَ عَلَى إثْبَاتِ فِعْلِ الْغَيْرِ، وَخَالَفَ فِي هَذَا الْقَفَّالُ أَيْضًا وَقَالَ: يُحَلَّفُ عَلَى نَفْيِ الْعِلْمِ (وَيَثْبُتُ) الرَّضَاعُ (بِشَهَادَةِ رَجُلَيْنِ أَوْ رَجُلٍ وَامْرَأَتَيْنِ) لِأَنَّ كُلَّ مَا يُقْبَلُ فِيهِ النِّسَاءُ الْخُلَّصُ يُقْبَلُ فِيهِ الرِّجَالُ وَالنَّوْعَانِ وَهَذَا يَثْبُتُ بِالنِّسَاءِ الْخُلَّصِ كَمَا قَالَ (وَبِأَرْبَعِ نِسْوَةٍ) لِاخْتِصَاصِ النِّسَاءِ بِالِاطِّلَاعِ عَلَيْهِ غَالِبًا كَالْوِلَادَةِ، وَلَا يَثْبُتُ بِدُونِ أَرْبَعِ نِسْوَةٍ إذْ كُلُّ امْرَأَتَيْنِ بِمَثَابَةِ رَجُلٍ تَنْبِيهٌ مَحَلُّ شَهَادَةِ الرِّجَالِ مَا لَمْ يَتَعَمَّدُوا النَّظَرَ إلَى الثَّدْيِ لِغَيْرِ الشَّهَادَةِ فَإِنْ تَعَمَّدُوا ذَلِكَ قَالَ الرَّافِعِيُّ: لَمْ تُقْبَلْ شَهَادَتُهُمْ لِفِسْقِهِمْ، وَرَدَّهُ فِي الرَّوْضَةِ بِأَنَّ مُجَرَّدَ النَّظَرِ صَغِيرَةٌ لَا تُرَدُّ بِهِ الشَّهَادَةُ مَا لَمْ يُصِرَّ فَاعِلُ ذَلِكَ، وَقَضِيَّتُهُ أَنَّهُ إذَا أَصَرَّ لَا تَصِحُّ شَهَادَتُهُ، وَمَحَلُّهُ مَا لَمْ تَغْلِبْ طَاعَتُهُ مَعَاصِيَهُ وَمَحَلُّ قَبُولِ شَهَادَةِ النِّسَاءِ إذَا كَانَ النِّزَاعُ فِي الِارْتِضَاعِ مِنْ الثَّدْيِ، أَمَّا إذَا كَانَ فِي الشُّرْبِ أَوْ الْإِيجَارِ مِنْ ظَرْفٍ فَلَا تُقْبَلُ فِيهِ شَهَادَةُ النِّسَاءِ الْمُتَمَحِّضَاتِ؛ لِأَنَّهُنَّ لَا اخْتِصَاصَ لَهُنَّ بِالِاطِّلَاعِ عَلَيْهِ، وَلَكِنْ يُقْبَلْنَ فِي أَنَّ لَبَنَ الْإِنَاءِ لَبَنُ فُلَانَةَ؛ لِأَنَّ الرِّجَالَ لَا يَطَّلِعُونَ عَلَى الْحَلْبِ غَالِبًا (وَالْإِقْرَارُ بِهِ) أَيْ الرَّضَاعِ (شَرْطُهُ رَجُلَانِ) وَلَا يَثْبُتُ بِغَيْرِهِمَا لِاطِّلَاعِ الرِّجَالِ عَلَيْهِ غَالِبًا تَنْبِيهٌ إنَّمَا ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ مَعَ أَنَّهُ ذَكَرَهَا فِي الشَّهَادَاتِ الَّتِي هِيَ مَحَلُّهَا تَتْمِيمًا لِمَا يَثْبُتُ بِهِ الرَّضَاعُ
(وَتُقْبَلُ) فِي الرَّضَاعِ (شَهَادَةُ الْمُرْضِعَةِ) مَعَ غَيْرِهَا (إنْ لَمْ تَطْلُبْ أُجْرَةً) عَنْ رَضَاعِهَا (وَلَا ذَكَرَتْ فِعْلَهَا) بَلْ شَهِدَتْ أَنَّ بَيْنَهُمَا رَضَاعًا مُحَرِّمًا مَعَ بَقِيَّةِ الشُّرُوطِ الْآتِيَةِ؛ لِأَنَّهَا لَا تَجُرُّ بِهَذِهِ الشَّهَادَةِ نَفْعًا وَلَا تَدْفَعُ ضَرَرًا، وَلَا نَظَرَ إلَى مَا يَتَعَلَّقُ بِهِ مِنْ ثُبُوتِ الْمَحْرَمِيَّةِ وَجَوَازِ الْخَلْوَةِ وَالْمُسَافَرَةِ، فَإِنَّ الشَّهَادَةَ لَا تُرَدُّ بِمِثْلِ هَذِهِ الْأَغْرَاضِ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ شَهِدَ أَنَّ فُلَانًا طَلَّقَ زَوْجَتَهُ أَوْ أَعْتَقَ أَمَةً تُقْبَلُ وَإِنْ اسْتَفَادَ حِلَّ الْمُنَاكَحَةِ (وَكَذَا إنْ ذَكَرَتْهُ) أَيْ فِعْلَهَا (فَقَالَتْ أَرْضَعْتُهُ) مَعَ بَقِيَّةِ الشُّرُوطِ الْآتِيَةِ فَإِنَّهَا تُقْبَلُ (فِي الْأَصَحِّ) لِمَا مَرَّ بِخِلَافِ مَا إذَا طَلَبَتْ الْأُجْرَةَ فَإِنَّهَا لَا تُقْبَلُ لِأَنَّهَا
وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ لَا يَكْفِي بَيْنَهُمَا رَضَاعٌ مُحَرِّمٌ، بَلْ يَجِبُ ذِكْرُ وَقْتٍ وَعَدَدٍ وَوُصُولِ اللَّبَنِ جَوْفَهُ، وَيُعْرَفُ ذَلِكَ بِمُشَاهَدَةِ حُلَبِ وَإِيجَارٍ وَازْدِرَادٍ أَوْ قَرَائِنَ كَالْتِقَامِ ثَدْيٍ وَمَصِّهِ وَحَرَكَةِ حَلْقِهِ بِتَجَرُّعٍ وَازْدِرَادٍ بَعْدَ عِلْمِهِ بِأَنَّهَا لَبُونٌ
[مغني المحتاج]
مُتَّهَمَةٌ، وَالثَّانِي: لَا تُقْبَلُ لِذِكْرِهَا فِعْلَ نَفْسِهَا كَمَا لَوْ شَهِدَتْ بِوِلَادَتِهَا.
وَأَجَابَ الْأَوَّلُ بِأَنَّ الْوِلَادَةَ يَتَعَلَّقُ بِهَا حَقُّ النَّفَقَةِ وَالْإِرْثِ وَسُقُوطُ الْقِصَاصِ وَغَيْرُهَا قَبْلُ فَلَمْ تُقْبَلْ لِلتُّهْمَةِ بِخِلَافِ الرَّضَاعِ، وَتُقْبَلُ فِي ذَلِكَ أَيْضًا شَهَادَةُ أُمِّ الزَّوْجَةِ وَبِنْتِهَا مَعَ غَيْرِهَا حِسْبَةً بِلَا تَقَدُّمِ دَعْوَى؛ لِأَنَّ الرَّضَاعَ تُقْبَلُ فِيهِ شَهَادَةُ الْحِسْبَةِ كَمَا لَوْ شَهِدَ أَبُوهَا وَابْنُهَا أَوْ ابْنَاهَا بِطَلَاقِهَا مِنْ زَوْجِهَا حِسْبَةً، أَمَّا لَوْ ادَّعَى أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ الرَّضَاعَ وَشَهِدَ بِذَلِكَ أُمُّ الزَّوْجَةِ وَبِنْتُهَا أَوْ ابْنَاهَا، فَإِنْ كَانَ الزَّوْجُ صَحَّتْ الشَّهَادَةُ؛ لِأَنَّهَا شَهَادَةٌ عَلَى الزَّوْجَةِ، أَوْ هِيَ لَمْ تَصِحَّ؛ لِأَنَّهَا شَهَادَةٌ لَهَا، فَإِنْ قِيلَ: كَيْفَ يُتَصَوَّرُ شَهَادَةٌ بَيْنَهُمَا بِذَلِكَ مَعَ أَنَّ الْمُعْتَبَرَ فِي الشَّهَادَةِ فِي ذَلِكَ الْمُشَاهَدَةُ.
أُجِيبَ بِأَنَّهَا شَهِدَتْ بِأَنَّ الزَّوْجَ ارْتَضَعَ مِنْ أُمِّهَا أَوْ نَحْوِهَا (وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ لَا يَكْفِي) فِي الشَّهَادَةِ بِالْإِرْضَاعِ أَنْ يُقَالَ (بَيْنَهُمَا رَضَاعٌ مُحَرِّمٌ) لِاخْتِلَافِ الْمَذَاهِبِ فِي شُرُوطِ التَّحْرِيمِ (بَلْ يَجِبُ) مَعَ ذَلِكَ (ذِكْرُ وَقْتٍ) وَقَعَ فِيهِ الْإِرْضَاعُ وَهُوَ قَبْلَ الْحَوْلَيْنِ فِي الرَّضِيعِ وَبَعْدَ تِسْعِ سِنِينَ فِي الْمُرْضِعَةِ (وَ) ذِكْرُ (عَدَدٍ) وَهُوَ خَمْسُ رَضَعَاتٍ، وَلَا بُدَّ أَنْ يَقُولَ: مُتَفَرِّقَاتٍ، لِأَنَّ غَالِبَ النَّاسِ كَمَا قَالَ الْأَذْرَعِيُّ: يَجْهَلُ أَنَّ الِانْتِقَالَ مِنْ ثَدْيٍ إلَى ثَدْيٍ، أَوْ قَطْعَ الرَّضِيعِ لِلَهْوٍ وَتَنَفُّسٍ وَنَحْوِهِمَا وَعَوْدَهُ رَضْعَةٌ وَاحِدَةٌ (وَ) كَذَا يَجِبُ ذِكْرُ (وُصُولِ اللَّبَنِ جَوْفَهُ) فِي الْأَصَحِّ فِي كُلِّ رَضْعَةٍ كَمَا يُشْتَرَطُ ذِكْرُ الْإِيلَاجِ فِي شَهَادَةِ الزِّنَا، وَقِيلَ: لَا يَجِبُ؛ لِأَنَّهُ لَا يُشَاهَدُ
وَأَجَابَ الْأَوَّلُ بِقَوْلِهِ (وَيُعْرَفُ ذَلِكَ) أَيْ وُصُولُ اللَّبَنِ إلَى جَوْفِهِ (بِمُشَاهَدَةِ) أَيْ مُعَايَنَةِ (حَلْبٍ) بِفَتْحِ اللَّامِ بِخَطِّهِ كَمَا قَالَهُ الدَّمِيرِيُّ وَرَأَيْته أَيْضًا وَهُوَ اللَّبَنُ الْمَحْلُوبُ، وَقَالَ الزَّرْكَشِيُّ: بِسُكُونِ اللَّامِ قَالَ ابْنُ شُهْبَةَ: وَهُوَ الْمُتَّجَهُ، وَقَيَّدَ فِي الْأُمِّ الْمُشَاهَدَةَ بِغَيْرِ حَائِلٍ، فَإِنْ رَآهُ مِنْ تَحْتِ الثِّيَابِ لَمْ يَكْفِ (وَإِيجَارٍ) لِلَّبَنِ فِي فَمِ الرَّضِيعِ (وَازْدِرَادٍ) مَعَ مُعَايَنَةِ ذَلِكَ (أَوْ قَرَائِنَ) دَالَّةٍ عَلَى وُصُولِ اللَّبَنِ جَوْفَهُ (كَالْتِقَامِ) أَيْ كَمُشَاهَدَةِ الْتِقَامِ (ثَدْيٍ) بِلَا حَائِلٍ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْقَاضِي الْحُسَيْنُ وَغَيْرُهُ (وَمَصِّهِ وَحَرَكَةِ حَلْقِهِ) أَيْ الرَّضِيعِ (بِتَجَرُّعٍ وَازْدِرَادٍ) لِلَّبَنِ الَّذِي مَصَّهُ (بَعْدَ عِلْمِهِ) أَيْ الشَّاهِدِ (بِأَنَّهَا) أَيْ الْمُرْضِعَةَ (لَبُونٌ) أَيْ ذَاتُ لَبَنٍ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي الْمُحَرَّرِ؛ لِأَنَّ مُشَاهَدَةَ الْقَرَائِنِ قَدْ تُفِيدُ الْيَقِينَ، وَبِتَقْدِيرِهِ أَنْ لَا تُفِيدَهُ فَتُفِيدُ الظَّنَّ الْقَوِيَّ، وَذَلِكَ تَسَلُّطٌ عَلَى الشَّهَادَةِ، وَأَفْهَمَ أَنَّهُ إذَا لَمْ يَعْلَمْ أَنَّهَا ذَاتُ لَبَنٍ فَلَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَشْهَدَ وَهُوَ الْأَصَحُّ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ اللَّبَنِ، وَلَا يَكْفِي فِي أَدَاءِ الشَّهَادَةِ ذِكْرُ الْقَرَائِنِ بَلْ يَعْتَمِدُهَا وَيَجْزِمُ بِالشَّهَادَةِ، وَالْمُرَادُ أَنْ يَعْلَمَ أَنَّ فِي ثَدْيِهَا حَالَةَ الْإِرْضَاعِ أَوْ قَبْلَهُ لَبَنًا وَإِلَّا فَقَدْ يَعْلَمُ أَنَّهَا لَبُونٌ وَلَا يَكُونُ فِي ثَدْيِهَا حِينَئِذٍ لَبَنٌ كَأَنْ حَلَبَتْهُ أَوْ أَرْضَعَتْ غَيْرَهُ، وَمُقَابِلُ الْأَصَحِّ أَنَّهُ يَكْفِي بَيْنَهُمَا رَضَاعٌ مُحَرِّمٌ
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[مغني المحتاج]
خَاتِمَةٌ: لَوْ شَهِدَ الشَّاهِدُ بِالرَّضَاعِ وَمَاتَ قَبْلَ تَفْصِيلِ شَهَادَتِهِ تَوَقَّفَ الْقَاضِي وُجُوبًا فِي أَحَدِ وَجْهَيْنِ هُوَ الْمُتَّجَهُ، وَقَالَ شَيْخُنَا: إنَّهُ الْأَقْرَبُ، وَالْإِقْرَارُ بِالرَّضَاعِ لَا يُشْتَرَطُ فِيهِ التَّعَرُّضُ لِلشُّرُوطِ مِنْ الْفَقِيهِ الْمَوْثُوقِ بِمَعْرِفَتِهِ دُونَ غَيْرِهِ كَمَا اسْتَحْسَنَهُ الرَّافِعِيُّ، وَفَرَّقَ بَيْنَ الشَّهَادَةِ وَالْإِقْرَارِ بِأَنَّ الْمُقِرَّ يَحْتَاطُ لِنَفْسِهِ فَلَا يُقِرُّ إلَّا عَنْ تَحْقِيقٍ، وَلَوْ شَهِدَتْ امْرَأَةٌ وَاحِدَةٌ أَوْ اثْنَتَانِ بِالرَّضَاعِ اُسْتُحِبَّ لِلزَّوْجِ أَنْ يُطَلِّقَهَا وَيُكْرَهُ لَهُ الْمُقَامُ مَعَهَا، وَيُسَنُّ أَنْ يُعْطِيَ الْمُرْضِعَةَ شَيْئًا عِنْدَ الْفِصَالِ وَالْأَوْلَى عِنْدَ أَوَانِهِ، فَإِنْ كَانَتْ مَمْلُوكَةً اُسْتُحِبَّ لِلرَّضِيعِ بَعْدَ كَمَالِهِ أَنْ يُعْتِقَهَا؛ لِأَنَّهَا صَارَتْ أُمًّا لَهُ، وَلَنْ يُجْزِئَ وَلَدٌ وَالِدَهُ إلَّا بِإِعْتَاقِهِ كَمَا وَرَدَ بِهِ الْخَبَرُ.
[كِتَابُ النَّفَقَاتِ]
1
كِتَابُ النَّفَقَاتِ
[مغني المحتاج]
كِتَابُ النَّفَقَاتِ جَمْعُ نَفَقَةٍ، مِنْ الْإِنْفَاقِ، وَهُوَ الْإِخْرَاجُ وَلَا يُسْتَعْمَلُ إلَّا فِي الْخَيْرِ، وَلِهَذَا تَرْجَمَ الْمُصَنِّفُ بِالنَّفَقَاتِ دُونَ الْغَرَامَاتِ، وَجَمَعَهَا لِاخْتِلَافِ أَنْوَاعِهَا؛ وَهِيَ قِسْمَانِ: نَفَقَةٌ تَجِبُ لِلْإِنْسَانِ عَلَى نَفْسِهِ إذَا قَدَرَ عَلَيْهَا وَعَلَيْهِ أَنْ يُقَدِّمَهَا عَلَى نَفَقَةِ غَيْرِهِ، لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «ابْدَأْ بِنَفْسِكَ ثُمَّ بِمَنْ تَعُولُ» وَنَفَقَةٌ تَجِبُ عَلَى الْإِنْسَانِ لِغَيْرِهِ.
قَالَا: وَأَسْبَابُ وُجُوبِهَا ثَلَاثَةٌ: النِّكَاحُ وَالْقَرَابَةُ، وَالْمِلْكُ، فَالْأَوَّلُ وَالثَّالِثُ يُوجِبَانِهَا لِلزَّوْجَةِ وَالرَّقِيقِ عَلَى الزَّوْجِ وَالسَّيِّدِ وَلَا عَكْسَ، وَالثَّانِي: يُوجِبُهَا لِكُلٍّ مِنْ الْقَرِيبَيْنِ عَلَى الْآخَرِ لِشَمُولِ الْبَعْضِيَّةِ، وَأَوْرَدَ الْإِسْنَوِيُّ عَلَى الْحَصْرِ فِي هَذِهِ الثَّلَاثَةِ الْهَدْيَ وَالْأُضْحِيَّةَ الْمَنْذُورَيْنِ فَإِنَّ نَفَقَتَهُمَا عَلَى النَّاذِرِ وَالْمُهْدِي مَعَ انْتِقَالِ الْمِلْكِ فِيهِمَا لِلْفُقَرَاءِ، وَكَذَا لَوْ أَشْهَدَ صَاحِبُ حَقٍّ جَمَاعَةً عَلَى قَاضٍ بِشَيْءٍ وَخَرَجَ بِهِمْ لِلْبَادِيَةِ لِيُؤَدِّيَهَا عِنْدَ قَاضِي بَلَدٍ آخَرَ فَامْتَنَعُوا فِي أَثْنَاءِ الطَّرِيقِ حَيْثُ لَا شُهُودَ وَلَا قَاضٍ هُنَاكَ فَلَيْسَ لَهُمْ ذَلِكَ وَلَا أُجْرَةَ لَهُمْ؛ لِأَنَّهُمْ وَرَّطُوهُ لَكِنْ تَجِبُ نَفَقَتُهُمْ وَكِرَاءُ دَوَابِّهِمْ كَمَا هِيَ فِي أَصْلِ الرَّوْضَةِ قُبَيْلَ الْقِسْمَةِ عَنْ الْبَغَوِيِّ وَأَقَرَّهُ، وَنَصِيبُ الْفُقَرَاءِ بَعْدَ الْحَوْلِ وَقَبْلَ الْإِمْكَانِ تَجِبُ نَفَقَتُهُ عَلَى الْمَالِكِ، وَأَمَّا خَادِمُ الزَّوْجَةِ فَلَا يَرِدُ لِأَنَّ نَفَقَتَهُ مِنْ عُلَقِ النِّكَاحِ.
.
وَبَدَأَ الْمُصَنِّفُ بِنَفَقَةِ الزَّوْجَةِ لِأَنَّهَا مُعَاوَضَةٌ فِي مُقَابَلَةِ التَّمْكِينِ مِنْ الِاسْتِمْتَاعِ، وَلَا تَسْقُطُ بِمُضِيِّ الزَّمَانِ فَهِيَ أَقْوَى مِنْ غَيْرِهَا.
وَالْأَصْلُ فِي وُجُوبِهَا مَعَ مَا يَأْتِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: 233] ، وَخَبَرُ: «اتَّقُوا اللَّهَ فِي النِّسَاءِ فَإِنَّكُمْ أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانَةِ اللَّهِ وَاسْتَحْلَلْتُمْ فُرُوجَهُنَّ بِكَلِمَةِ اللَّهِ وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
وَخَبَرُ: «مَا حَقُّ زَوْجَةِ الرَّجُلِ عَلَيْهِ؟ قَالَ: تُطْعِمُهَا إذَا طَعِمْتَ وَتَكْسُوهَا إذَا اكْتَسَيْتَ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالْحَاكِمُ وَصَحَّحَ إسْنَادَهُ، وَاسْتَنْبَطَ بَعْضُهُمْ نَفَقَةَ الزَّوْجَةِ مِنْ قَوْله تَعَالَى: ﴿فَلا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى﴾ [طه: 117] وَلَمْ يَقُلْ فَتَشْقَيَانِ فَدَلَّ عَلَى أَنَّ آدَمَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَتْعَبُ لِنَفَقَتِهِ وَنَفَقَتِهَا، وَبَنُوهُمَا عَلَى سُنَّتِهِمَا، وَلَمَّا أَبَاحَ اللَّهُ تَعَالَى لِلزَّوْجِ أَنْ يَضُرَّ الْمَرْأَةَ بِثَلَاثِ ضَرَائِرَ وَيُطَلِّقَهَا ثَلَاثًا جَعَلَ لَهَا عَلَيْهِ ثَلَاثَةَ حُقُوقٍ مُؤَكَّدَاتٍ: النَّفَقَةَ، وَالْكِسْوَةَ، وَالْإِسْكَانَ وَهُوَ يَتَكَلَّفُهَا غَالِبًا، فَكَانَ لَهُ عَلَيْهَا ضِعْفُ مَا لَهَا عَلَيْهِ مِنْ الْحُقُوقِ لِضَعْفِ عَقْلِهَا، وَالْحُقُوقُ الْوَاجِبَةُ بِالزَّوْجِيَّةِ سَبْعَةٌ: الطَّعَامُ، وَالْإِدَامُ، وَالْكِسْوَةُ، وَآلَةُ التَّنْظِيفِ، وَمَتَاعُ الْبَيْتِ، وَالسُّكْنَى، وَخَادِمٌ إنْ كَانَتْ مِمَّنْ تُخْدَمُ، وَرَتَّبَهَا الْمُصَنِّفُ عَلَى هَذَا التَّرْتِيبِ:
الْوَاجِبُ الْأَوَّلُ الطَّعَامُ، وَلَمَّا كَانَ
عَلَى مُوسِرٍ لِزَوْجَتِهِ كُلَّ يَوْمٍ مُدَّا طَعَامٍ، وَمُعْسِرٍ مُدٌّ، وَمُتَوَسِّطٍ مُدٌّ وَنِصْفٌ، وَالْمُدُّ مِائَةٌ وَثَلَاثَةٌ وَسَبْعُونَ دِرْهَمًا وَثُلُثُ دِرْهَمٍ.
قُلْت: الْأَصَحُّ مِائَةٌ وَأَحَدٌ وَسَبْعُونَ وَثَلَاثَةُ أَسْبَاعِ دِرْهَمٍ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَمِسْكِينُ الزَّكَاةِ مُعْسِرٌ، وَمَنْ فَوْقَهُ إنْ كَانَ لَوْ كُلِّفَ مُدَّيْنِ رَجَعَ مِسْكِينًا فَمُتَوَسِّطٌ، وَإِلَّا فَمُوسِرٌ.
[مغني المحتاج]
يَخْتَلِفُ بِحَسَبِ حَالِ الزَّوْجِ بَيَّنَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: يَجِبُ (عَلَى مُوسِرٍ) حُرٍّ (لِزَوْجَتِهِ) وَلَوْ أَمَةً وَكِتَابِيَّةً (كُلَّ يَوْمٍ) بِلَيْلَتِهِ الْمُتَأَخِّرَةِ عَلَيْهِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الرَّافِعِيُّ فِي الْفَسْخِ بِالْإِعْسَارِ (مُدَّا طَعَامٍ، وَ) عَلَى (مُعْسِرٍ مُدٌّ، وَ) عَلَى (مُتَوَسِّطٍ) حُرٍّ (مُدٌّ وَنِصْفٌ) وَاحْتَجُّوا لِأَصْلِ التَّفَاوُتِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ﴾ [الطلاق: 7] ، وَاعْتَبَرَ الْأَصْحَابُ النَّفَقَةَ بِالْكَفَّارَةِ بِجَامِعِ أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا مَالٌ يَجِبُ بِالشَّرْعِ وَيَسْتَقِرُّ فِي الذِّمَّةِ، وَأَكْثَرُ مَا وَجَبَ فِي الْكَفَّارَةِ لِكُلِّ مِسْكِينٍ مُدَّانِ وَذَلِكَ فِي كَفَّارَةِ الْأَذَى فِي الْحَجِّ، وَأَقَلُّ مَا وَجَبَ لَهُ مُدٌّ فِي نَحْوِ كَفَّارَةِ الظِّهَارِ فَأَوْجَبُوا عَلَى الْمُوسِرِ الْأَكْثَرَ وَهُوَ مُدَّانِ؛ لِأَنَّهُ قَدْرُ الْمُوسِعِ وَعَلَى الْمُعْسِرِ الْأَقَلُّ، وَهُوَ قَوْلَانِ الْمُدُّ الْوَاحِدُ يَكْتَفِي بِهِ الزَّهِيدُ وَيَتَقَنَّعُ بِهِ الرَّغِيبُ، وَعَلَى الْمُتَوَسِّطِ مَا بَيْنَهُمَا؛ لِأَنَّهُ لَوْ أُلْزِمَ الْمُدَّيْنِ لَضَرَّهُ، وَلَوْ اُكْتُفِيَ مِنْهُ بِمُدٍّ لَضَرَّهَا فَلَزِمَهُ مَدٌّ وَنِصْفٌ، وَقِيلَ، وَنُسِبَ لِلْقَدِيمِ: أَنَّهَا مَنُوطَةٌ بِالْكِفَايَةِ كَنَفَقَةِ الْقَرِيبِ لِظَاهِرِ «قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِهِنْدٍ: خُذِي مَا يَكْفِيكِ وَيَكْفِي وَلَدَكِ بِالْمَعْرُوفِ» ، قَالَ الْمُصَنِّفُ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ: وَهَذَا الْحَدِيثُ يَرُدُّ عَلَى أَصْحَابِنَا تَقْدِيرَهُمْ نَفَقَةَ الزَّوْجَةِ بِالْأَمْدَادِ.
قَالَ الْأَذْرَعِيُّ: لَا أَعْرِفُ لِإِمَامِنَا - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - سَلَفًا فِي التَّقْدِيرِ بِالْأَمْدَادِ، وَلَوْلَا الْأَدَبُ لَقُلْتُ: الصَّوَابُ أَنَّهَا بِالْمَعْرُوفِ تَأَسِّيًا وَاتِّبَاعًا.
وَأُجِيبَ مِنْ جِهَةِ الْأَوَّلِ بِأَنَّا لَوْ اعْتَبَرْنَاهَا بِالْكِفَايَةِ كَنَفَقَةِ الْقَرِيبِ لَسَقَطَتْ نَفَقَةُ الْمَرِيضَةِ وَمَنْ هِيَ مُسْتَغْنِيَةٌ بِالشِّبَعِ فِي بَعْضِ الْأَيَّامِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ، فَإِذَا بَطَلَتْ الْكِفَايَةُ حَسُنَ تَقْرِيبُهَا مِنْ الْكَفَّارَةِ (وَالْمُدُّ) مُخْتَلَفٌ فِيهِ، فَقَالَ الرَّافِعِيُّ (مِائَةٌ وَثَلَاثَةٌ وَسَبْعُونَ دِرْهَمًا وَثُلُثُ دِرْهَمٍ) بِنَاءً عَلَى مَا صَحَّحَهُ فِي الْبَيَانِ مِنْ أَنَّ رِطْلَ بَغْدَادَ مِائَةٌ وَثَلَاثُونَ دِرْهَمًا، وَخَالَفَهُ الْمُصَنِّفُ، فَقَالَ (قُلْت: الْأَصَحُّ مِائَةٌ وَأَحَدٌ وَسَبْعُونَ) دِرْهَمًا (وَثَلَاثَةُ أَسْبَاعِ دِرْهَمٍ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ) بِنَاءً عَلَى مَا صَحَّحَهُ فِي زَكَاةِ الْبَنَاتِ مِنْ أَنَّ رِطْلَ بَغْدَادَ مِائَةٌ وَثَمَانِيَةٌ وَعِشْرُونَ دِرْهَمًا وَأَرْبَعَةُ أَسْبَاعِ دِرْهَمٍ (وَمِسْكِينُ الزَّكَاةِ) وَقَدْ مَرَّ فِي قَسْمِ الصَّدَقَاتِ أَنَّهُ مَنْ قَدَرَ عَلَى مَالٍ وَكَسْبٍ يَقَعُ مَوْقِعًا مِنْ كِفَايَتِهِ وَلَا يَكْفِيهِ (مُعْسِرٌ) لَكِنَّ قُدْرَتَهُ عَلَى الْكَسْبِ لَا تُخْرِجُهُ عَنْ الْإِعْسَارِ عَنْ النَّفَقَةِ وَإِنْ كَانَتْ تُخْرِجُهُ عَنْ اسْتِحْقَاقِ الْمَسَاكِينِ فِي الزَّكَاةِ، وَقَضِيَّةُ ذَلِكَ أَنَّ الْقَادِرَ عَلَى نَفَقَةِ الْمُوسِرِ بِالْكَسْبِ لَا يَلْزَمُهُ كَسْبُهَا، وَهُوَ كَذَلِكَ.
تَنْبِيهٌ فِي كَلَامِهِ قَلْبٌ، وَكَانَ الْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ: وَالْمُعْسِرُ هُنَا مِسْكِينُ الزَّكَاةِ، وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّ فَقِيرَهَا كَذَلِكَ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى، وَبِهِ صَرَّحَ فِي الْمُحَرَّرِ (وَمَنْ فَوْقَهُ) أَيْ الْمِسْكِينِ (إنْ كَانَ لَوْ كُلِّفَ) إنْفَاقَ (مُدَّيْنِ رَجَعَ مِسْكِينًا فَمُتَوَسِّطٌ، وَإِلَّا) بِأَنْ لَمْ يَرْجِعْ مِسْكِينًا (فَمُوسِرٌ) وَيَخْتَلِفُ ذَلِكَ بِالرُّخْصِ وَالرَّخَاءِ وَقِلَّةِ الْعِيَالِ وَكَثْرَتِهِمْ،.
وَلَوْ ادَّعَتْ الزَّوْجَةُ يَسَارَ الزَّوْجِ وَأَنْكَرَ صُدِّقَ بِيَمِينِهِ إذَا لَمْ
وَالْوَاجِبُ غَالِبُ قُوتِ الْبَلَدِ قُلْت: فَإِنْ اخْتَلَفَ وَجَبَ لَائِقٌ بِهِ، وَيُعْتَبَرُ الْيَسَارُ وَغَيْرُهُ طُلُوعَ الْفَجْرِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ، وَعَلَيْهِ تَمْلِيكُهَا حَبًّا، وَكَذَا طَحْنُهُ وَخَبْزُهُ فِي الْأَصَحِّ.
[مغني المحتاج]
يُعْهَدْ لَهُ مَالٌ وَإِلَّا فَلَا يُصَدَّقُ، فَإِنْ ادَّعَى تَلَفَهُ فَفِيهِ التَّفْصِيلُ الْمَذْكُورُ فِي الْوَدِيعَةِ، أَمَّا مَنْ فِيهِ رِقٌّ وَلَوْ مُكَاتَبًا وَمُبَعَّضًا وَإِنْ كَثُرَ مَالُهُ فَمُعْسِرٌ لِضَعْفِ مِلْكِ الْمُكَاتَبِ وَنَقْصِ حَالِ الْمُبَعَّضِ وَعَدَمِ مِلْكِ غَيْرِهِمَا، فَإِنْ قِيلَ إلْحَاقُ الْمُبَعَّضِ بِالْمُعْسِرِ مُخَالِفٌ لِمَا ذَكَرُوهُ فِي الْكَفَّارَةِ مِنْ أَنَّهُ يُكَلَّفُ كَفَّارَةَ الْمُوسِرِ، وَذَكَرُوا فِي نَفَقَةِ الْأَقَارِبِ نَحْوَهُ.
أُجِيبَ بِأَنَّهُمْ لَوْ أَلْحَقُوهُ ثَمَّ بِالْمُعْسِرِ لَمَا صَرَفَ شَيْئًا لِلْمَسَاكِينِ وَلَا أَنْفَقَ شَيْئًا لِلْأَقَارِبِ، بِخِلَافِهِ هُنَا فَإِنَّهُ يُنْفِقُ نَفَقَةَ الْمُعْسِرِ.
(وَالْوَاجِبُ) فِي جِنْسِ الطَّعَامِ الْمَذْكُورِ (غَالِبُ قُوتِ الْبَلَدِ) أَيْ بَلَدِهِمَا مِنْ حِنْطَةٍ أَوْ شَعِيرٍ أَوْ تَمْرٍ أَوْ غَيْرِهَا حَتَّى يَجِبَ الْأَقِطُ وَاللَّحْمُ فِي حَقِّ أَهْلِ الْبَوَادِي الَّذِينَ يَعْتَادُونَهُ؛ لِأَنَّهُ مِنْ الْمُعَاشَرَةِ بِالْمَعْرُوفِ الْمَأْمُورِ بِهَا، وَقِيَاسًا عَلَى الْفِطْرَةِ وَالْكَفَّارَةِ فَالتَّعْبِيرُ بِالْبَلَدِ جَرَى عَلَى الْغَالِبِ وَلَوْ اخْتَلَفَ قُوتُ بَلَدِ الزَّوْجِ وَالزَّوْجَةِ قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: إنْ نَزَلَتْ عَلَيْهِ فِي بَلَدِهِ اُعْتُبِرَ غَالِبُ قُوتِ بَلَدِهِ، وَإِنْ نَزَلَ عَلَيْهَا فِي بَلَدِهَا اُعْتُبِرَ غَالِبُ قُوتِ بَلَدِهَا، وَإِنْ نَزَلَ بِبَلْدَةٍ وَلَمْ تَأْلَفَ خِلَافَ قُوتِ بَلَدِهَا قِيلَ لَهَا: هَذَا حَقُّكِ فَأَبْدِلِيهِ قُوتَ بَلَدِكِ إنْ شِئْتِ، وَلَوْ انْتَقَلَا عَنْ بَلَدِهِمَا لَزِمَهُ مِنْ غَالِبِ قُوتِ مَا انْتَقَلَا إلَيْهِ دُونَ مَا انْتَقَلَا عَنْهُ، سَوَاءٌ كَانَ أَعْلَى أَمْ أَدْنَى، فَإِنْ كَانَ كُلُّ وَاحِدٍ بِبَلَدٍ أَوْ نَحْوِهَا اُعْتُبِرَ مَحَلُّهَا كَمَا قَالَ ذَلِكَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ (قُلْت) كَمَا قَالَ الرَّافِعِيُّ فِي الشَّرْحِ (فَإِنْ اخْتَلَفَ) قُوتُ الْبَلَدِ وَلَا غَالِبَ فِيهِ أَوْ اخْتَلَفَ الْغَالِبُ (وَجَبَ لَائِقٌ بِهِ) أَيْ الزَّوْجِ لَا بِهَا، فَلَوْ كَانَ يَأْكُلُ فَوْقَ اللَّائِقِ تَكَلُّفًا لَمْ نُكَلِّفْهُ ذَلِكَ أَوْ دُونَهُ، بُخْلًا أَوْ زُهْدًا وَجَبَ اللَّائِقُ بِهِ (وَيُعْتَبَرُ الْيَسَارُ وَغَيْرُهُ) مِنْ تَوَسُّطٍ وَإِعْسَارٍ (طُلُوعَ الْفَجْرِ) فِي كُلِّ يَوْمٍ (وَاَللَّهُ أَعْلَمُ) اعْتِبَارًا بِوَقْتِ الْوُجُوبِ حَتَّى لَوْ أَيْسَرَ بَعْدَهُ أَوْ أَعْسَرَ لَمْ يَتَغَيَّرْ حُكْمُ نَفَقَةِ ذَلِكَ الْيَوْمِ، وَإِنَّمَا وَجَبَ لَهَا ذَلِكَ بِفَجْرِ الْيَوْمِ؛ لِأَنَّهَا تَحْتَاجُ إلَى طَحْنِهِ وَعَجْنِهِ وَخَبْزِهِ.
تَنْبِيهٌ هَذَا إذَا كَانَتْ تُمَكِّنُهُ طُلُوعَ الْفَجْرِ، أَمَّا الْمُمَكِّنَةُ بَعْدَهُ فَيُعْتَبَرُ الْحَالُ عَقِبَ تَمْكِينِهَا (وَعَلَيْهِ) أَيْ الزَّوْجِ لِزَوْجَتِهِ (تَمْلِيكُهَا) الطَّعَامَ (حَبًّا) سَلِيمًا لِأَنَّهُ أَكْمَلُ فِي النَّفْعِ مِنْ الْخُبْزِ وَالدَّقِيقِ فَتَتَصَرَّفُ فِيهِ كَيْفَ شَاءَتْ قِيَاسًا عَلَى الْكَفَّارَةِ وَزَكَاةِ الْفِطْرِ.
تَنْبِيهٌ قَضِيَّةُ تَعْبِيرِهِ بِالتَّمْلِيكِ اعْتِبَارُ الْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ، وَلَيْسَ مُرَادًا، بَلْ يَكْفِي أَنْ يُسَلِّمَهُ بِقَصْدِ أَدَاءِ مَا لَزِمَهُ كَسَائِرِ الدُّيُونِ مِنْ غَيْرِ افْتِقَارٍ إلَى لَفْظٍ، وَيَكْفِي الْوَضْعُ بَيْنَ يَدَيْهَا، هَذَا إذَا كَانَتْ حُرَّةً.
أَمَّا الزَّوْجَةُ الْأَمَةُ فَالدَّافِعُ لِمَالِكِهَا إلَّا أَنْ تَكُونَ مُكَاتَبَةً، وَلَوْ قَالَ: وَعَلَيْهِ دَفْعُ الْحَبِّ لَسَلِمَ مِنْ الِاعْتِرَاضَيْنِ (وَكَذَا) عَلَى الزَّوْجِ أَيْضًا (طَحْنُهُ) وَعَجْنُهُ (وَخَبْزُهُ فِي الْأَصَحِّ) أَيْ عَلَيْهِ مُؤْنَةُ ذَلِكَ بِبَدَلِ مَالٍ أَوْ يَتَوَلَّاهُ بِنَفْسِهِ أَوْ بِغَيْرِهِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي الْمُحَرَّرِ، وَإِنْ بَاعَتْهُ أَوْ أَكَلَتْهُ حَبًّا كَمَا فِي الْوَسِيطِ وَغَيْرِهِ؛ لِأَنَّ الْحَبَّ لَا يَتَنَاوَلُ فِي الْعَادَةِ بِدُونِ مَا ذُكِرَ، وَتَكْلِيفُهَا لَهُ لَيْسَ مِنْ الْمُعَاشَرَةِ بِالْمَعْرُوفِ.
تَنْبِيهٌ هَذَا إذَا كَانَ الْحَبُّ غَالِبَ قُوتِهِمْ، فَإِنْ غَلَبَ غَيْرُ الْحَبِّ كَتَمْرٍ وَلَحْمٍ وَأَقِطٍ فَهُوَ
وَلَوْ طَلَبَ أَحَدُهُمَا بَدَلَ الْحَبِّ لَمْ يُجْبَرْ الْمُمْتَنِعُ، فَإِنْ اعْتَاضَتْ جَازَ فِي الْأَصَحِّ، إلَّا خُبْزًا أَوْ دَقِيقًا عَلَى الْمَذْهَبِ.
[مغني المحتاج]
الْوَاجِبُ لَيْسَ غَيْرُ، لَكِنَّ عَلَيْهِ مُؤْنَةَ اللَّحْمِ وَمَا يُطْبَخُ بِهِ كَمَا قَالَ الرَّافِعِيُّ، وَمُقَابِلُ الْأَصَحِّ لَا يَلْزَمُهُ ذَلِكَ كَالْكَفَّارَاتِ، وَفَرَّقَ الْأَوَّلُ بِأَنَّهَا فِي حَبْسِهِ، فَعَلَيْهِ أَنْ يَكْفِيَهَا مُؤْنَةَ ذَلِكَ بِخِلَافِ الْكَفَّارَةِ، وَلَوْ دَفَعَ إلَيْهَا شَيْئًا فَقَالَتْ: قَصَدْتَ التَّبَرُّعَ، وَقَالَ: بَلْ قَصَدْتُ أَنْ يَكُونَ عَنْ النَّفَقَةِ، قَالَ فِي الِاسْتِقْصَاءِ: صُدِّقَ بِلَا يَمِينٍ كَمَا لَوْ دَفَعَ إلَيْهَا شَيْئًا وَادَّعَتْ أَنَّهُ قَصَدَ بِهِ الْهَدِيَّةَ، وَقَالَ: بَلْ قَصَدْتُ الْمَهْرَ.
(وَلَوْ طَلَبَ أَحَدُهُمَا) أَيْ طَلَبَتْ الزَّوْجَةُ (بَدَلَ الْحَبِّ) خُبْزًا أَوْ قِيمَةً وَامْتَنَعَ الزَّوْجُ أَوْ طَلَبَ الزَّوْجُ إعْطَاءَ ذَلِكَ وَامْتَنَعَتْ (لَمْ يُجْبَرْ الْمُمْتَنِعُ) مِنْهُمَا لِأَنَّهُ غَيْرُ الْوَاجِبِ، وَالِاعْتِيَاضُ شَرْطُهُ التَّرَاضِي (فَإِنْ اعْتَاضَتْ) عَمَّا وَجَبَ لَهَا نَقْدًا أَوْ غَيْرَهُ مِنْ الْعُرُوضِ (جَازَ) اعْتِيَاضُهَا (فِي الْأَصَحِّ) لِأَنَّهُ طَعَامٌ مُسْتَقِرٌّ فِي الذِّمَّةِ لِمُعَيَّنٍ، فَجَازَ أَخْذُ الْعِوَضِ عَنْهُ بِالتَّرَاضِي كَالْقَرْضِ، وَالثَّانِي: الْمَنْعُ كَالْمُسْلَمِ فِيهِ وَالْكَفَّارَةِ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ الِاعْتِيَاضُ عَنْهُمَا قَبْلَ قَبْضِهِمَا.
وَأَجَابَ الْأَوَّلُ بِأَنَّ الْمُسْلَمَ فِيهِ غَيْرُ مُسْتَقِرٍّ، وَطَعَامُ الْكَفَّارَةِ لَا يَسْتَقِرُّ لِمُعَيَّنٍ.
تَنْبِيهٌ قَضِيَّةُ إطْلَاقِهِ أَنَّ الْأَصَحَّ أَنَّهُ يَجُوزُ الِاعْتِيَاضُ عَنْ النَّفَقَةِ؛ وَلَوْ كَانَتْ مُسْتَقْبَلَةً، وَبِهِ صَرَّحَ فِي الْكِفَايَةِ، وَالْأَصَحُّ كَمَا فِي الشَّرْحِ وَالرَّوْضَةِ مَنْعُ الِاعْتِيَاضِ عَنْ النَّفَقَةِ الْمُسْتَقْبَلَةِ لِأَنَّهَا مُعَرَّضَةٌ لِلسُّقُوطِ بِالنُّشُوزِ وَغَيْرِهِ بِخِلَافِ الْحَالِيَةِ وَالْمَاضِيَةِ، وَمَحَلُّ الْخِلَافِ فِي الِاعْتِيَاضِ مِنْ الزَّوْجِ.
أَمَّا مِنْ غَيْرِهِ فَلَا يَجُوزُ قَطْعًا كَمَا قَالَ فِي الرَّوْضَةِ، أَيْ: فِي النَّفَقَةِ الْحَالِيَةِ فَإِنَّهَا مُعَرَّضَةٌ لِلسُّقُوطِ بِنَحْوِ نُشُوزٍ، أَمَّا الْمَاضِيَةُ فَيَصِحُّ فِيهَا بِنَاءً عَلَى صِحَّةِ بَيْعِ الدَّيْنِ لِغَيْرِ مَنْ هُوَ عَلَيْهِ، وَيَجْرِي الْخِلَافُ فِي الِاعْتِيَاضِ عَنْ الْكِسْوَةِ إنْ قُلْنَا: تَمْلِيكٌ، وَهُوَ الْأَصَحُّ، وَفِي الِاعْتِيَاضِ عَنْ الصَّدَاقِ كَمَا فِي الشَّرْحِ وَالرَّوْضَةِ فِي بَابِ الْمَبِيعِ قَبْلَ قَبْضِهِ وَفِي بَابِ الصَّدَاقِ، وَحَيْثُ جَوَّزْنَا الِاعْتِيَاضَ يُشْتَرَطُ أَنْ لَا يَفْتَرِقَا إلَّا عَنْ قَبْضٍ لِئَلَّا يَصِيرَ دَيْنًا بِدَيْنٍ، وَأَنْ لَا يَكُونَ فِيهِ رِبًا كَمَا ذَكَرَهُ بِقَوْلِهِ (إلَّا خُبْزًا أَوْ دَقِيقًا) وَنَحْوَهُمَا مِنْ الْجِنْسِ، فَلَا يَجُوزُ (عَلَى الْمَذْهَبِ) لِمَا فِيهِ مِنْ الرِّبَا.
وَالثَّانِي: الْجَوَازُ، وَقَطَعَ بِهِ الْبَغَوِيّ؛ لِأَنَّهَا تَسْتَحِقُّ الْحَبَّ وَالْإِصْلَاحَ، فَإِذَا أَخَذَتْ مَا ذُكِرَ فَقَدْ أَخَذَتْ حَقَّهَا لَا عِوَضَهُ، وَرَجَّحَهُ الْأَذْرَعِيُّ وَقَالَ: الْأَكْثَرُونَ عَلَى خِلَافِ الْأَوَّلِ وَفْقًا وَمُسَامَحَةً، ثُمَّ قَالَ: وَلَا شَكَّ أَنَّا مَتَى جَعَلْنَاهُ اعْتِيَاضًا فَالْقِيَاسُ الْبُطْلَانُ، وَالْمُخْتَارُ جَعْلُهُ اسْتِيفَاءً، وَعَلَيْهِ الْعَمَلُ قَدِيمًا وَحَدِيثًا.
أَمَّا لَوْ أَخَذَتْ غَيْرَ الْجِنْسِ كَخُبْزِ الشَّعِيرِ عَنْ الْقَمْحِ فَإِنَّهُ يَجُوزُ كَمَا لَوْ أَخَذَتْ النَّقْدَ.
تَنْبِيهٌ يَدْخُلُ فِي الطَّعَامِ مَاءُ الشَّرَابِ.
قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي﴾ [البقرة: 249] فَيَجِبُ لَهَا.
قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: وَلَا شَكَّ فِي وُجُوبِهِ، وَبِهِ صَرَّحَ الدَّارِمِيُّ، وَقَدْ يُؤْخَذُ مِنْ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ فِيمَا بَعْدُ: وَيَجِبُ لَهَا آلَةُ أَكْلٍ وَشُرْبٍ، فَإِذَا وَجَبَ الظَّرْفُ وَجَبَ الْمَظْرُوفُ.
وَأَمَّا تَقْدِيرُهُ فَالظَّاهِرُ فِيهِ الْكِفَايَةُ، وَيَكُونُ إمْتَاعًا لَا تَمْلِيكًا حَتَّى لَوْ مَضَتْ عَلَيْهِ مُدَّةٌ سَقَطَ اهـ.
وَفِي
وَلَوْ أَكَلْت مَعَهُ عَلَى الْعَادَةِ سَقَطَتْ نَفَقَتُهَا فِي الْأَصَحِّ.
قُلْت: إلَّا أَنْ تَكُونَ غَيْرَ رَشِيدَةٍ وَلَمْ يَأْذَنْ وَلِيُّهَا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَيَجِبُ
[مغني المحتاج]
قَوْلِهِ: إمْتَاعًا نَظَرٌ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ تَمْلِيكٌ؛ لِأَنَّهُمْ قَالُوا: كُلُّ مَا تَسْتَحِقُّهُ الزَّوْجَةُ تَمْلِيكٌ إلَّا الْمَسْكَنَ وَالْخَادِمَ.
(وَلَوْ أَكَلَتْ مَعَهُ) أَيْ الزَّوْجِ (عَلَى الْعَادَةِ) أَيْ مِنْ غَيْرِ تَمْلِيكٍ وَلَا اعْتِيَاضٍ (سَقَطَتْ نَفَقَتُهَا فِي الْأَصَحِّ) قَالَ فِي زِيَادَةِ الرَّوْضَةِ لِجَرَيَانِ الْعَادَةِ بِهِ فِي زَمَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَبَعْدَهُ مِنْ غَيْرِ نِزَاعٍ وَلَا إنْكَارٍ وَلَا خِلَافٍ، وَلَمْ يُنْقَلْ أَنَّ امْرَأَةً طَالَبَتْ بِنَفَقَةٍ بَعْدَهُ، وَلَوْ كَانَ لَا يَسْقُطُ مَعَ عِلْمِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِإِطْبَاقِهِمْ عَلَيْهِ لِأَعْلَمَهُمْ بِذَلِكَ، وَلَقَضَاهُ مِنْ تَرِكَةِ مَنْ مَاتَ وَلَمْ يُوَفِّهِ، وَهَذَا لَا شَكَّ فِيهِ، وَالثَّانِي: لَا تَسْقُطُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُؤَدِّ الْوَاجِبَ وَتَطَوَّعَ بِغَيْرِهِ.
تَنْبِيهٌ التَّصْوِيرُ بِالْأَكْلِ مَعَهُ عَلَى الْعَادَةِ قَالَ الْإِسْنَوِيُّ: يُشْعِرُ بِأَنَّهَا إذَا أَتْلَفَهُ أَوْ أَعْطَتْهُ غَيْرَهَا لَمْ تَسْقُطْ، وَبِأَنَّهَا إذَا أَكَلَتْ مَعَهُ دُونَ الْكِفَايَةِ لَمْ تَسْقُطْ، وَبِهِ صَرَّحَ فِي النِّهَايَةِ، وَعَلَيْهِ فَهَلْ لَهَا الْمُطَالَبَةُ بِالْكُلِّ أَوْ بِالتَّفَاوُتِ فَقَطْ؟ فِيهِ نَظَرٌ.
قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: وَالْأَقْرَبُ الثَّانِي، وَقَالَ ابْنُ الْعِمَادُ: يَنْبَغِي الْقَطْعُ بِهِ، فَإِنْ كَانَ الَّذِي أَكَلَتْهُ غَيْرَ مَعْلُومٍ وَتَنَازَعَا فِي قَدْرِهِ صُدِّقَتْ فِيهِ بِيَمِينِهَا؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ قَبْضِهَا الزَّائِدَ، وَقَوْلُ الْمُصَنِّفِ مَعَهُ لَيْسَ بِقَيْدٍ، بَلْ لَوْ أَرْسَلَ إلَيْهَا الطَّعَامَ أَوْ أَحْضَرَهُ وَأَكَلَتْهُ كَانَ الْحُكْمُ كَذَلِكَ، وَلَوْ أَضَافَهَا رَجُلٌ فَأَكَلَتْ عِنْدَهُ لَمْ تَسْقُطْ نَفَقَتُهَا.
قَالَ الدَّمِيرِيُّ: إلَّا أَنْ يَكُونَ الْمَقْصُودُ إكْرَامَ الزَّوْجِ فَتَسْقُطَ (قُلْت: إلَّا أَنْ تَكُونَ) الزَّوْجَةُ (غَيْرَ رَشِيدَةٍ) كَصَغِيرَةٍ أَوْ سَفِيهَةٍ بَالِغَةٍ (وَلَمْ يَأْذَنْ) فِي أَكْلِهَا مَعَهُ (وَلِيُّهَا) فَلَا تَسْقُطُ نَفَقَتُهَا جَزْمًا بِأَكْلِهَا مَعَهُ كَمَا قَالَ فِي الرَّوْضَةِ (وَاَللَّهُ أَعْلَمُ) وَيَكُونُ الزَّوْجُ مُتَطَوِّعًا، وَأَفْتَى الْبُلْقِينِيُّ بِسُقُوطِهَا بِذَلِكَ.
قَالَ: وَمَا قَيَّدَهُ النَّوَوِيُّ غَيْرُ مُعْتَمَدٍ وَقَدْ ذَكَرَ الْأَئِمَّةُ فِي الْأَمَةِ مَا يَقْتَضِي ذَلِكَ، وَعَلَى ذَلِكَ جَرَى النَّاسُ فِي الْأَعْصَارِ وَالْأَمْصَارِ، وَعَلَى الْأَوَّلِ قَالَ الْأَذْرَعِيُّ: وَالظَّاهِرُ أَنَّ مَا مَرَّ فِي الْحُرَّةِ.
أَمَّا الْأَمَةُ إذَا أَوْجَبْنَا نَفَقَتَهَا فَيُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ الْمُعْتَبَرُ رِضَا السَّيِّدِ الْمُطْلَقِ التَّصَرُّفِ بِذَلِكَ دُونَ رِضَاهَا كَالْحُرَّةِ الْمَحْجُورَةِ.
تَنْبِيهٌ يَرِدُ عَلَى الْمُصَنِّفِ مَا إذَا طَرَأَ سَفَهُ الزَّوْجَةِ بَعْدَ رُشْدِهَا وَلَمْ يَعُدْ الْحَجْرُ عَلَيْهَا فَإِنَّهُ لَا يَفْتَقِرُ السُّقُوطُ بِالْأَكْلِ مَعَ الزَّوْجِ إلَى إذْنِ الْوَلِيِّ عَلَى الْمَذْهَبِ لِنُفُوذِ تَصَرُّفِهَا مَا لَمْ يَتَّصِلْ بِهَا حَجْرُ الْحَاكِمِ، فَإِنْ قِيلَ: أَكْلُ الصَّغِيرِ قَبْضٌ، وَهُوَ غَيْرُ مُعْتَدٍّ بِهِ وَإِنْ أَذِنَ الْوَلِيُّ.
أُجِيبَ بِأَنَّ الزَّوْجَ كَالْوَكِيلِ فِي شِرَاءِ الطَّعَامِ وَإِنْفَاقِهِ عَلَيْهَا، وَيَشْهَدُ لَهُ مَا لَوْ خَالَعَهَا عَلَى إرْضَاعِ وَلَدِهِ مِنْهَا وَعَلَى طَعَامٍ فِي ذِمَّتِهَا وَأَذِنَ فِي إنْفَاقِهِ عَلَى الصَّغِيرَةِ فَإِنَّهَا تَبْرَأُ عَلَى الْمَذْهَبِ، هَذَا كَمَا قَالَ الْأَذْرَعِيُّ إذَا كَانَ الْحَظُّ لِلْغَيْرِ فِيهِ.
أَمَّا لَوْ كَانَ الْحَظُّ فِي أَخَذِ الْمُقَدَّرِ فَلَا، وَيَكُونُ وُجُودُ إذْنِهِ كَعَدَمِهِ لِبَخْسِ حَقِّهَا إلَّا إنْ رَأَى الْوَلِيُّ الْمَصْلَحَةَ فِي ذَلِكَ فَيَجُوزُ، فَقَدْ تُؤَدِّي الْمُضَايَقَةُ إلَى الْمُفَارَقَةِ.
، ثُمَّ شَرَعَ فِي الْوَاجِبِ الثَّانِي، وَهُوَ الْأُدْمُ، فَقَالَ (وَيَجِبُ) لِلزَّوْجَةِ عَلَى زَوْجِهَا الْأُدْمُ،
أُدْمُ غَالِبِ الْبَلَدِ كَزَيْتٍ وَسَمْنٍ وَجُبْنٍ وَتَمْرٍ، وَيَخْتَلِفُ بِالْفُضُولِ، وَيُقَدِّرُهُ قَاضٍ بِاجْتِهَادِهِ، وَيُفَاوِتُ بَيْنَ مُوسِرٍ وَغَيْرِهِ، وَلَحْمٌ يَلِيقُ بِيَسَارِهِ وَإِعْسَارِهِ كَعَادَةِ الْبَلَدِ،
[مغني المحتاج]
وَجِنْسُهُ (أُدْمُ غَالِبِ الْبَلَدِ كَزَيْتٍ) وَشَيْرَجٍ (وَسَمْنٍ وَجُبْنٍ وَتَمْرٍ) وَخَلٍّ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء: 19] ، وَلَيْسَ مِنْ الْمُعَاشَرَةِ بِالْمَعْرُوفِ تَكْلِيفُهَا الصَّبْرَ عَلَى الْخُبْزِ وَحْدَهُ، إذْ الطَّعَامُ غَالِبًا لَا يُسَاغُ إلَّا بِالْأُدْمِ.
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾ [المائدة: 89] ، الْخُبْزُ وَالزَّيْتُ، وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: الْخُبْزُ وَالسَّمْنُ (وَيَخْتَلِفُ) قَدْرُ الْأُدْمِ (بِالْفُصُولِ) الْأَرْبَعَةِ فَيَجِبُ لَهَا فِي كُلِّ فَصْلٍ مَا يَعْتَادُهُ النَّاسُ مِنْ الْأُدْمِ، قَالَا: وَقَدْ تَغْلِبُ الْفَاكِهَةُ فِي أَوْقَاتِهَا فَتَجِبُ.
وَقَالَ الْقَاضِي حُسَيْنٌ: يَجِبُ الرَّطْبُ فِي وَقْتِهِ وَالْيَابِسُ فِي وَقْتِهِ.
وَقَالَ الْأَذْرَعِيُّ: وَيَجِبُ أَيْضًا أَنْ يَخْتَلِفَ الْأُدْمُ بِاخْتِلَافِ الْقُوتِ الْوَاجِبِ، فَمَنْ قُوتُهَا التَّمْرُ لَا يُفْرَضُ لَهَا التَّمْرُ أُدْمًا، وَلَا مَا لَا يُؤْكَلُ مَعَ التَّمْرِ عَادَةً كَالْخَلِّ وَمَنْ قُوتُهَا الْأَقِطُ لَا يُفْرَضُ لَهَا الْجُبْنُ وَلَا اللَّبَنُ أُدْمًا، وَقِسْ عَلَى هَذَا، وَقَالَ أَيْضًا: إنَّمَا يَتَّضِحُ وُجُوبُ الْأُدْمِ حَيْثُ يَكُونُ الْقُوتُ الْوَاجِبُ مَا لَا يَنْسَاغُ عَادَةً إلَّا بِالْأُدْمِ كَالْخُبْزِ بِأَنْوَاعِهِ، أَمَّا لَوْ كَانَ لَحْمًا أَوْ لَبَنًا أَوْ أَقِطًا فَيُتَّجَهُ الِاكْتِفَاءُ بِهِ إذَا جَرَتْ عَادَتُهُمْ بِالِاقْتِيَاتِ بِهِ وَحْدَهُ اهـ.
وَهَذَا لَا يُنَافِي مَا مَرَّ عَنْهُ مِنْ قَوْلِهِ: فَمَنْ قُوتُهَا التَّمْرُ، إلَخْ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ إذَا لَمْ تَجْرِ الْعَادَةُ بِالِاكْتِفَاءِ بِهِ وَحْدَهُ (وَيُقَدِّرُهُ) عِنْدَ تَنَازُعِ الزَّوْجَيْنِ فِيهِ (قَاضٍ بِاجْتِهَادِهِ) إذْ لَا تَوْقِيفَ فِيهِ مِنْ جِهَةِ الشَّرْعِ (وَيُفَاوِتُ) فِي قَدْرِهِ (بَيْنَ مُوسِرٍ وَغَيْرِهِ) فَيَنْظُرُ فِي جِنْسِ الْأُدْمِ وَمَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ الْمُدُّ فَيَفْرِضُهُ عَلَى الْمُعْسِرِ وَيُضَاعِفُهُ لِلْمُوسِرِ وَيُوَسِّطُهُ بَيْنَهُمَا لِلْمُتَوَسِّطِ، وَمَا ذَكَرَهُ الشَّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - مِنْ مَكِيلَةِ زَيْتٍ أَوْ سَمْنٍ، أَيْ: أُوقِيَّةٍ فَتَقْرِيبٌ كَمَا قَالَهُ الْأَصْحَابُ، وَلَوْ سَئِمَتْ مِنْ أُدْمٍ لَمْ يَلْزَمْهُ إبْدَالُهُ، وَتُبْدِلُهُ هِيَ إنْ شَاءَتْ؛ لِأَنَّهُ مِلْكُهَا.
قَالَ الْأَذْرَعِيُّ: وَلَوْ كَانَتْ سَفِيهَةً أَوْ مُمَيِّزَةً وَلَيْسَ لَهَا مَنْ يَقُومُ بِذَلِكَ فَاللَّائِقُ بِالْمُعَاشَرَةِ بِالْمَعْرُوفِ أَنْ يَلْزَمَ الزَّوْجَ إبْدَالُهُ عِنْدَ إمْكَانِهِ (وَ) يَجِبُ لَهَا عَلَيْهِ (لَحْمٌ يَلِيقُ بِيَسَارِهِ) وَتَوَسُّطِهِ (وَإِعْسَارِهِ كَعَادَةِ الْبَلَدِ) فَإِنْ أَكَلُوا اللَّحْمَ فِي كُلِّ يَوْمٍ مَرَّةً فَلَهَا كَذَلِكَ، وَلَا يَتَقَدَّرُ بِوَزْنٍ كَرِطْلٍ، بَلْ يُعْتَبَرُ فِيهِ تَقْدِيرُ الْقَاضِي كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي الْبَسِيطِ، وَلَوْ أَنَّ الْمُصَنِّفَ أَخَّرَ عَنْ الْأُدْمِ وَاللَّحْمِ قَوْلَهُ: وَيُقَدِّرُهُ.
. إلَخْ، لَرَجَعَ التَّقْدِيرُ إلَيْهِمَا، وَمَا ذَكَرَهُ الشَّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - مِنْ رِطْلِ لَحْمٍ فِي الْأُسْبُوعِ الَّذِي حُمِلَ عَلَى الْمُعْسِرِ، وَجَعَلَ بِاعْتِبَارِ ذَلِكَ عَلَى الْمُوسِرِ رِطْلَانِ، وَعَلَى الْمُتَوَسِّطِ رِطْلٌ وَنِصْفٌ، وَأَنْ يَكُونَ ذَلِكَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ لِأَنَّهُ أَوْلَى بِالتَّوْسِيعِ فِيهِ مَحْمُولٌ عِنْدَ الْأَكْثَرِينَ عَلَى مَا كَانَ فِي أَيَّامِهِ بِمِصْرَ مِنْ قِلَّةِ اللَّحْمِ فِيهَا، وَيُزَادُ بَعْدَهَا بِحَسَبِ عَادَةِ الْبَلَدِ.
قَالَ الشَّيْخَانِ: وَيُشْبِهُ أَنْ يُقَالَ لَا يَجِبُ: الْأُدْمُ فِي اللَّحْمِ، وَلَمْ يَتَعَرَّضُوا لَهُ، وَيُحْتَمَلُ، أَيْ: وَهُوَ الظَّاهِرُ أَنْ يُقَالَ إذَا أَوْجَبْنَا عَلَى الْمُوسِرِ اللَّحْمَ كُلَّ يَوْمٍ يَلْزَمُهُ الْأُدْمُ أَيْضًا لِيَكُونَ أَحَدُهُمَا غَدَاءً وَالْآخَرُ عَشَاءً عَلَى الْعَادَةِ، وَيَنْبَغِي عَلَى هَذَا كَمَا قَالَ بَعْضُهُمْ أَنْ يَكُونَ الْأُدْمُ يَوْمَ إعْطَاءِ اللَّحْمِ عَلَى النِّصْفِ مِنْ عَادَتِهِ، وَتَجِبُ مُؤْنَةُ اللَّحْمِ
وَلَوْ كَانَتْ تَأْكُلُ الْخُبْزَ وَحْدَهُ وَجَبَ الْأُدْمُ.
وَكِسْوَةٌ تَكْفِيهَا، فَيَجِبُ قَمِيصٌ، وَسَرَاوِيلُ وَخِمَارٌ وَمِكْعَبٌ، وَيَزِيدُ فِي الشِّتَاءِ جُبَّةً، وَجِنْسُهَا قُطْنٌ،
[مغني المحتاج]
وَمَا يُطْبَخُ بِهِ (وَلَوْ كَانَتْ) عَادَتُهَا (تَأْكُلُ الْخُبْزَ وَحْدَهُ وَجَبَ) لَهَا (الْأُدْمُ) وَلَا نَظَرَ لِعَادَتِهَا لِأَنَّهُ حَقُّهَا كَمَا لَوْ كَانَتْ تَأْكُلُ بَعْضَ الطَّعَامِ فَإِنَّهَا تَسْتَحِقُّ جَمِيعَهُ.
ثُمَّ شَرَعَ فِي الْوَاجِبِ الثَّالِثِ، وَهُوَ الْكِسْوَةُ فَقَالَ (وَ) يَجِبُ لَهَا (كِسْوَةٌ) بِكَسْرِ الْكَافِ وَضَمِّهَا لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: 233] ، وَلِمَا رَوَى التِّرْمِذِيُّ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ فِي حَدِيثٍ: وَحَقُّهُنَّ عَلَيْكُمْ أَنْ تُحْسِنُوا إلَيْهِنَّ فِي كِسْوَتِهِنَّ وَطَعَامِهِنَّ» قَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ، وَلَا بُدَّ أَنْ تَكُونَ الْكِسْوَةُ (تَكْفِيهَا) لِلْإِجْمَاعِ عَلَى أَنَّهُ لَا يَكْفِي مَا يَنْطَلِقُ عَلَيْهِ الِاسْمُ، وَتَخْتَلِفُ كِفَايَتُهَا بِطُولِهَا وَقِصَرِهَا وَسِمَنِهَا وَهُزَالِهَا، وَبِاخْتِلَافِ الْبِلَادِ فِي الْحَرِّ وَالْبَرْدِ، وَلَا يَخْتَلِفُ عَدَدُ الْكِسْوَةِ بِاخْتِلَافِ يَسَارِ الزَّوْجِ وَإِعْسَارِهِ وَلَكِنَّهُمَا يُؤَثِّرَانِ فِي الْجَوْدَةِ وَالرَّدَاءَةِ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْبَدَوِيَّةِ وَالْحَضَرِيَّةِ عَلَى الْمَذْهَبِ وَفِي الْحَاوِي: لَوْ نَكَحَ حَضَرِيٌّ بَدَوِيَّةً وَأَقَامَا فِي بَادِيَةٍ.
أَوْ حَاضِرَةٍ وَجَبَ عُرْفُهَا، وَيُقَاسُ عَلَيْهِ عَكْسُهُ.
فَإِنْ قِيلَ: لِمَ اعْتَبَرْتُمْ الْكِفَايَةَ فِي الْكِسْوَةِ وَلَمْ تَعْتَبِرُوهَا فِي الطَّعَامِ؟ .
أُجِيبَ بِأَنَّ الْكِفَايَةَ فِي الْكِسْوَةِ مُتَحَقِّقَةٌ بِالْمُشَاهَدَةِ، وَكِفَايَةَ الطَّعَامِ لَيْسَتْ كَذَلِكَ فَلَمْ يَعْتَبِرُوهَا لِلْجَهْلِ بِهَا (فَيَجِبُ) لَهَا عَلَيْهِ فِي كُلِّ سِتَّةِ أَشْهُرٍ (قَمِيصٌ) وَهُوَ ثَوْبٌ مَخِيطٌ يَسْتُرُ جَمِيعَ الْبَدَنِ، وَفِي ذَلِكَ إشْعَارٌ بِوُجُوبِ الْخِيَاطَةِ عَلَى الزَّوْجِ، وَبِهِ صَرَّحَ فِي الرَّوْضَةِ كَأَصْلِهَا (وَسَرَاوِيلُ) وَهُوَ ثَوْبٌ مَخِيطٌ يَسْتُرُ أَسْفَلَ الْبَدَنِ وَيَصُونُ الْعَوْرَةَ، وَهُوَ مُعَرَّبٌ مُؤَنَّثٌ عِنْدَ الْجُمْهُورِ، وَقِيلَ: مُذَكَّرٌ، وَهُوَ مُفْرَدٌ عَلَى الصَّحِيحِ، وَيَدُلُّ لَهُ تَعْبِيرُ الْمُصَنِّفِ بِسَرَاوِيلَ إذْ لَا يَجِبُ الْجَمْعُ، وَقِيلَ: هُوَ جَمْعُ سِرْوَالَةٍ، وَمَحَلُّ وُجُوبِهِ كَمَا قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ إذَا اعْتَادَتْ لُبْسَهُ، فَإِنْ اعْتَادَتْ لُبْسَ مِئْزَرٍ أَوْ فُوطَةٍ وَجَبَ، وَمَحَلُّ وُجُوبِهِ فِي الشِّتَاءِ.
أَمَّا فِي الصَّيْفِ فَلَا كَمَا قَالَهُ الْجُوَيْنِيُّ وَإِنْ أَفْهَمَ كَلَامُ الْمُصَنِّفِ كَغَيْرِهِ خِلَافَهُ (وَخِمَارٌ) وَهُوَ مَا يُغَطَّى بِهِ الرَّأْسُ (وَمُكْعَبٌ) بِضَمِّ مِيمِهِ فِي الْأَشْهَرِ، وَقِيلَ بِكَسْرِهَا وَإِسْكَانِ الْكَافِ وَفَتْحِ الْعَيْنِ كَمِقْوَدٍ، وَهُوَ مَدَاسُ الرِّجْلِ بِكَسْرِ الرَّاءِ مِنْ نَعْلٍ أَوْ غَيْرِهِ خِلَافَ مَا تُوهِمُهُ عِبَارَةُ الرَّوْضَةِ مِنْ جَمْعِهِ بَيْنَ الْمُكْعَبِ وَالْمَدَاسِ وَالنَّعْلِ.
قَالَ ابْنُ الرِّفْعَةِ: وَيَجِبُ لَهَا الْقَبْقَابُ إنْ اقْتَضَاهُ الْعُرْفُ.
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَلَوْ جَرَتْ عَادَةُ نِسَاءِ أَهْلِ الْقُرَى أَنْ لَا يَلْبَسْنَ فِي أَرْجُلِهِنَّ شَيْئًا فِي الْبُيُوتِ لَمْ يَجِبْ لِأَرْجُلِهِنَّ شَيْءٌ (وَيَزِيدُ) الزَّوْجُ زَوْجَتَهُ عَلَى ذَلِكَ (فِي الشِّتَاءِ جُبَّةً) مَحْشُوَّةً قُطْنًا أَوْ فَرْوَةً بِحَسَبِ الْعَادَةِ لِدَفْعِ الْبَرْدِ، فَإِنْ اشْتَدَّ الْبَرْدُ فَجُبَّتَانِ، أَوْ فَرْوَتَانِ فَأَكْثَرُ بِقَدْرِ الْحَاجَةِ، وَالتَّعْبِيرُ بِالشِّتَاءِ جَرَى عَلَى الْغَالِبِ، وَإِلَّا فَالْعِبْرَةُ بِالْبِلَادِ الْبَارِدَةِ، وَإِذَا لَمْ تَسْتَغْنِ فِي الْبِلَادِ الْبَارِدَةِ بِالثِّيَابِ عَنْ الْوُقُودِ وَجَبَ لَهَا مِنْ الْحَطْبِ وَالْفَحْمِ بِقَدْرِ الْعَادَةِ، قَالَهُ السَّرَخْسِيُّ وَأَقَرَّاهُ.
قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: وَإِذَا كَانَ الْمَنَاطُ الْعَادَةَ فَأَكْثَرُ الْبَوَادِي لَا يُوقِدُونَ إلَّا بِالْبَعْرِ وَنَحْوِهِ فَيَكُونُ هُوَ الْوَاجِبَ اهـ.
وَفِيهِ نَظَرٌ، وَيَجِبُ لَهَا أَيْضًا تَوَابِعُ ذَلِكَ مِنْ كُوفِيَّةٍ لِلرَّأْسِ، وَتِكَّةٍ لِلِّبَاسِ وَزِرٍّ لِلْقَمِيصِ وَالْجُبَّةِ وَنَحْوِهَا (وَجِنْسُهَا) أَيْ الْكِسْوَةِ (قُطْنٌ) أَيْ ثَوْبٌ
فَإِنْ جَرَتْ عَادَةُ الْبَلَدِ لِمِثْلِهِ بِكَتَّانٍ أَوْ حَرِيرٍ وَجَبَ فِي الْأَصَحِّ.
وَيَجِبُ مَا تَقْعُدُ عَلَيْهِ كَزِلِّيَّةٍ أَوْ لِبْدٍ أَوْ حَصِيرٍ، وَكَذَا فِرَاشٌ لِلنَّوْمِ فِي الْأَصَحِّ، وَمِخَدَّةٌ وَلِحَافٌ فِي الشِّتَاءِ.
وَآلَةُ تَنْظِيفٍ كَمُشْطٍ، وَدُهْنٍ،
[مغني المحتاج]
يُتَّخَذُ مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ لِبَاسُ أَهْلِ الدِّينِ، وَمَا زَادَ عَلَيْهِ تَرَفُّهٌ وَرُعُونَةٌ، وَيَخْتَلِفُ ذَلِكَ بِحَالِ الزَّوْجِ مِنْ يَسَارٍ وَإِعْسَارٍ وَتَوَسُّطٍ فَيَجِبُ لِامْرَأَةِ الْأَوَّلِ مِنْ لَيِّنِهِ، وَالثَّانِي مِنْ غَلِيظِهِ، وَالثَّالِثِ مِمَّا بَيْنَهُمَا، هَذَا إنْ اعْتَدْنَهُ (فَإِنْ جَرَتْ عَادَةُ الْبَلَدِ لِمِثْلِهِ) أَيْ الزَّوْجِ، وَهَذَا يَقْتَضِي النَّظَرَ إلَى الزَّوْجِ دُونَهَا.
قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: وَلَيْسَ كَذَلِكَ، بَلْ كَلَامُ الرَّافِعِيِّ وَغَيْرِهِ مُصَرِّحٌ بِأَنَّ اللُّزُومَ عَلَى عَادَةِ الْبَلَدِ الْمُرَادُ لِمِثْلِهَا مِنْ مِثْلِهِ، فَقَدْ نَصَّ فِي الْبُوَيْطِيِّ عَلَى اعْتِبَارِ كِسْوَةِ مِثْلِهَا، وَعَلَّقَ الْمُصَنِّفُ بِجَرَتْ قَوْلَهُ (بِكَتَّانٍ) بِفَتْحِ كَافِهِ أَفْصَحُ مِنْ كَسْرِهَا (أَوْ حَرِيرٍ وَجَبَ فِي الْأَصَحِّ) مَعَ وُجُوبِ التَّفَاوُتِ فِي مَرَاتِبِ ذَلِكَ الْجِنْسِ بَيْنَ الْمُوسِرِ وَغَيْرِهِ عَمَلًا بِالْعَادَةِ.
وَالثَّانِي: لَا يَلْزَمُهُ ذَلِكَ بَلْ يَقْتَصِرُ عَلَى الْقُطْنِ لِمَا مَرَّ، وَتُعْتَبَرُ الْعَادَةُ فِي الصَّفَاقَةِ وَنَحْوِهَا.
نَعَمْ لَوْ جَرَتْ الْعَادَةُ بِلُبْسِ الثِّيَابِ الرَّفِيعَةِ الَّتِي لَا تَسْتُرُ وَلَا تَصِحُّ فِيهَا الصَّلَاةُ فَإِنَّهُ لَا يُعْطِيهَا مِنْهَا، لَكِنْ مِنْ الصَّفِيقِ الَّذِي يَقْرُبُ مِنْهُ فِي الْجَوْدَةِ.
(وَيَجِبُ) لَهَا (مَا) أَيْ فِرَاشٌ (تَقْعُدُ عَلَيْهِ كَزِلِّيَةٍ) وَهُوَ بِكَسْرِ الزَّايِ وَتَشْدِيدِ اللَّامِ وَالْيَاءِ: شَيْءٌ مُضَرَّبٌ صَغِيرٌ، وَقِيلَ: بِسَاطٌ صَغِيرٌ، هَذَا لِزَوْجَةِ الْمُتَوَسِّطِ (أَوْ لِبْدٍ) بِكَسْرِ اللَّامِ فِي الشِّتَاءِ (أَوْ حَصِيرٍ) فِي الصَّيْفِ، وَهَذَا لِزَوْجَةِ الْمُعْسِرِ.
أَمَّا زَوْجَةُ الْمُوسِرِ فَيَجِبُ لَهَا نَطْعٌ - بِفَتْحِ النُّونِ وَكَسْرِهَا مَعَ إسْكَانِ الطَّاءِ، وَفَتْحِهَا - فِي الصَّيْفِ، وَطِنْفِسَةٌ وَهِيَ - بِكَسْرِ الطَّاءِ وَالْفَاءِ وَبِفَتْحِهِمَا وَبِضَمِّهِمَا وَبِكَسْرِ الطَّاءِ وَفَتْحِ الْفَاءِ - بِسَاطٌ صَغِيرٌ ثَخِينٌ لَهُ وَبَرَةٌ كَبِيرَةٌ، وَقِيلَ: كِسَاءٌ فِي الشِّتَاءِ.
قَالَ فِي الرَّوْضَةِ كَأَصْلِهَا: وَيُشْبِهُ أَنَّهُمَا بَعْدَ بَسْطِ زِلِّيَةٍ أَوْ حَصِيرٍ؛ لِأَنَّهُمَا لَا يُبْسَطَانِ وَحْدَهُمَا، وَأَوْ فِي كَلَامِهِ لِلتَّنْوِيعِ لَا لِلتَّخْيِيرِ (وَكَذَا فِرَاشٌ لِلنَّوْمِ) غَيْرُ مَا تَفْرِشُهُ نَهَارًا يَجِبُ لَهَا عَلَيْهِ (فِي الْأَصَحِّ) لِلْعَادَةِ الْغَالِبَةِ بِهِ فَيَجِبُ لَهَا مِضْرَبَةٌ بِقُطْنٍ وَثِيرَةٌ بِالْمُثَلَّثَةِ، أَيْ: لَيِّنَةٌ أَوْ قَطِيفَةٌ (وَ) يَجِبُ لَهَا عَلَيْهِ (مِخَدَّةٌ) بِكَسْرِ الْمِيمِ: الْوِسَادَةُ لِلْعُرْفِ (وَلِحَافٌ) بِكَسْرِ اللَّامِ أَوْ كِسَاءٌ (فِي الشِّتَاءِ) فِي بَلَدٍ بَارِدٍ، وَيَجِبُ لَهَا مِلْحَفَةٌ بَدَلَ اللِّحَافِ أَوْ الْكِسَاءِ فِي الصَّيْفِ، وَكُلُّ ذَلِكَ بِحَسَبِ الْعَادَةِ حَتَّى قَالَ الرُّويَانِيُّ وَغَيْرُهُ: لَوْ كَانُوا لَا يَعْتَادُونَ فِي الصَّيْفِ لِنَوْمِهِمْ غِطَاءً غَيْرَ لِبَاسِهِمْ لَمْ يَجِبْ غَيْرُهُ.
تَنْبِيهٌ الْمُعْتَبَرُ فِي الْفِرَاشِ وَمَا بَعْدَهُ لِامْرَأَةِ الْمُوسِرِ مِنْ الْمُرْتَفِعِ وَالْمُعْسِرِ مِنْ النَّازِلِ وَالْمُتَوَسِّطِ بِمَا بَيْنَهُمَا، وَلَا يَجِبُ ذَلِكَ كُلَّ سَنَةٍ، وَإِنَّمَا يُجَدَّدُ وَقْتَ تَجْدِيدٍ عَادَةً،.
ثُمَّ شَرَعَ فِي الْوَاجِبِ الرَّابِعِ: وَهُوَ آلَةُ التَّنْظِيفِ فَقَالَ (وَ) يَجِبُ لَهَا عَلَيْهِ (آلَةُ تَنْظِيفٍ) مِنْ الْأَوْسَاخِ الَّتِي تُؤْذِيهَا، وَذَلِكَ (كَمُشْطٍ) وَهُوَ بِضَمِّ الْمِيمِ وَكَسْرِهَا مَعَ إسْكَانِ الشِّينِ وَضَمِّهَا، اسْمٌ لِلْآلَةِ الْمُسْتَعْمَلَةِ فِي تَرْجِيلِ الشَّعْرِ (وَدُهْنٍ) يُسْتَعْمَلُ فِي تَرْجِيلِ شَعَرِهَا وَكَذَا فِي بَدَنِهَا كَمَا قَالَهُ الْمَاوَرْدِيُّ.
أَمَّا دُهْنُ الْأَكْلِ فَتَقَدَّمَ فِي الْأُدْمِ، وَيُتَّبَعُ فِيهِ عُرْفُ بَلَدِهَا، حَتَّى لَوْ اعْتَدْنَ الْمُطَيَّبَ
وَمَا تُغْسَلُ بِهِ الرَّأْسُ، وَمَرْتَكٍ وَنَحْوِهِ لِدَفْعِ صُنَانٍ، لَا كُحْلٍ وَخِضَابٍ وَمَا تَزَيَّنُ بِهِ، وَدَوَاءِ مَرَضٍ، وَأُجْرَةِ طَبِيبٍ وَحَاجِمٍ.
وَلَهَا طَعَامُ أَيَّامِ الْمَرَضِ وَأُدْمُهَا وَالْأَصَحُّ وُجُوبُ أُجْرَةِ حَمَّامٍ بِحَسَبِ الْعَادَةِ، وَثَمَنِ مَاءِ غُسْلِ جِمَاعٍ وَنِفَاسٍ، فِي الْأَصَحِّ
[مغني المحتاج]
بِالْوَرْدِ أَوْ الْبَنَفْسَجِ وَجَبَ، قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَوَقْتُهُ كُلُّ أُسْبُوعٍ مَرَّةً، وَالْأَوْلَى الرُّجُوعُ فِيهِ إلَى الْعُرْفِ كَمَا قَالَهُ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ.
تَنْبِيهٌ سَكَتَ الشَّيْخَانِ عَنْ وُجُوبِ الْأُشْنَانِ وَالصَّابُونِ لِغَسْلِ الثِّيَابِ، وَصَرَّحَ الْقَفَّالُ وَالْبَغَوِيُّ بِوُجُوبِهِ.
قَالَ فِي الْكَافِي: وَيَجِبُ فِي كُلِّ أُسْبُوعٍ أَوْ عَشَرَةِ أَيَّامٍ، وَفِيهِ الْبَحْثُ الْمَارُّ.
قَالَ الْقَفَّالُ: حَتَّى لَوْ كَانَتْ إذَا أَكَلَتْ احْتَاجَتْ إلَى الْخِلَالِ فَعَلَى الزَّوْجِ، وَسَكَتُوا عَنْ دُهْنِ السِّرَاجِ وَالظَّاهِرُ كَمَا قَالَهُ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ وُجُوبُهُ وَيُتَّبَعُ فِيهِ الْعُرْفُ حَتَّى لَا يَجِبَ عَلَى أَهْلِ الْبَوَادِي شَيْءٌ (وَ) يَجِبُ لَهَا عَلَيْهِ (مَا تَغْسِلُ بِهِ الرَّأْسَ) مِنْ سِدْرٍ أَوْ خِطْمِيٍّ عَلَى حَسَبِ الْعَادَةِ، لِاحْتِيَاجِهَا إلَى ذَلِكَ، وَالرُّجُوعُ فِي قَدْرِهِ إلَى الْعَادَةِ (وَمَرْتَكٍ) وَهُوَ بِفَتْحِ الْمِيمِ وَكَسْرِهَا مُعَرَّبٌ، وَتَشْدِيدُ كَافِهِ خَطَأٌ، أَصْلُهُ مِنْ الرَّصَاصِ يَقْطَعُ رَائِحَةَ الْإِبِطِ؛ لِأَنَّهُ يَحْبِسُ الْعَرَقَ وَإِنْ طُرِحَ فِي الْخَلِّ أَبْدَلَ حُمُوضَتَهُ حَلَاوَةً، قَالَهُ الدَّمِيرِيُّ (وَنَحْوِهِ) أَيْ الْمَرْتَكِ (لِدَفْعِ) أَيْ لِقَطْعِ رَائِحَةِ (صُنَانٍ) إذَا لَمْ يَنْدَفِعْ بِدُونِهِ، وَتُرَابٍ لِتَأَذِّيهِمَا بِالرَّائِحَةِ الْكَرِيهَةِ، وَ (لَا) يَجِبُ لَهَا عَلَيْهِ (كُحْلٌ وَ) لَا يَجِبُ لَهَا عَلَيْهِ (خِضَابٌ) وَلَا عِطْرٌ (وَ) لَا (مَا تَزَيَّنُ بِهِ) بِفَتْحِ أَوَّلِهِ مِنْ آلَاتِ الْحُلِيِّ لِزِيَادَةِ التَّلَذُّذِ وَكَمَالِ الِاسْتِعْمَالِ، وَذَلِكَ حَقٌّ لَهُ فَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ، فَإِنْ هَيَّأَهُ لَهَا وَجَبَ عَلَيْهَا اسْتِعْمَالُهُ، وَعَلَيْهِ حُمِلَ مَا قِيلَ: «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَعَنَ السَّلْتَاءَ وَالْمَرْهَاءَ» ، وَالْأُولَى هِيَ الَّتِي لَا تَخْتَضِبُ، وَالثَّانِيَةُ هِيَ الَّتِي لَا تَكْتَحِلُ (وَ) لَا (دَوَاءُ مَرَضٍ وَ) لَا (أُجْرَةُ طَبِيبٍ وَحَاجِمٍ) وَنَحْوِ ذَلِكَ كَفَاصِدٍ وَخَاتِنٍ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لِحِفْظِ الْأَصْلِ فَلَا يَجِبُ عَلَى مُسْتَحِقِّ الْمَنْفَعَةِ كَعِمَارَةِ الدَّارِ الْمُسْتَأْجَرَةِ، وَخَالَفَ مُؤْنَةَ التَّنْظِيفِ لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى كَنْسِ الدَّارِ وَغَسْلِهَا.
(وَ) يَجِبُ (لَهَا) عَلَيْهِ (طَعَامُ أَيَّامِ الْمَرَضِ وَأُدْمُهَا) ؛ لِأَنَّهَا مَحْبُوسَةٌ عَلَيْهِ، وَلَهَا صَرْفُهُ فِي الدَّوَاءِ وَنَحْوِهِ.
تَنْبِيهٌ ظَاهِرُ كَلَامِهِ أَنَّ غَيْرَ الطَّعَامِ وَالْأُدْمِ لَا تَسْتَحِقُّهُ، وَلَيْسَ مُرَادًا بَلْ الْكِسْوَةُ وَمَا يُحْتَاجُ إلَيْهِ كَالدُّهْنِ، وَالْمَرْتَكِ وَنَحْوِهِمَا كَذَلِكَ كَمَا قَالَهُ الْأَذْرَعِيُّ (وَالْأَصَحُّ وُجُوبُ أُجْرَةِ حَمَّامٍ بِحَسَبِ الْعَادَةِ) إنْ كَانَتْ عَادَتُهَا دُخُولَهُ لِلْحَاجَةِ إلَيْهِ عَمَلًا بِالْعُرْفِ، وَذَلِكَ فِي كُلِّ شَهْرٍ مَرَّةً كَمَا قَالَهُ الْمَاوَرْدِيُّ وَجَرَى عَلَيْهِ ابْنُ الْمُقْرِي لِتَخْرُجَ مِنْ دَنَسٍ الْحَيْضِ الَّذِي يَكُونُ فِي كُلِّ شَهْرٍ مَرَّةً غَالِبًا، وَيَنْبَغِي كَمَا قَالَهُ الْأَذْرَعِيُّ أَنْ يُنْظَرَ فِي ذَلِكَ لِعَادَةِ مِثْلِهَا، وَيَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْبِلَادِ حَرًّا وَبَرْدًا.
وَالثَّانِي: لَا تَجِبُ لَهَا الْأُجْرَةُ إلَّا إذَا اشْتَدَّ الْبَرْدُ وَعَسُرَ الْغُسْلُ إلَّا فِي الْحَمَّامِ.
أَمَّا لَوْ كَانَتْ مِنْ قَوْمٍ لَا يَعْتَادُونَ دُخُولَهُ فَلَا تَجِبُ لَهَا أُجْرَتُهُ (وَ) الْأَصَحُّ أَيْضًا وُجُوبُ (ثَمَنِ مَاءِ غُسْلِ جِمَاعٍ) مِنْ الزَّوْجِ (وَنِفَاسٍ) مِنْهُ وَوُضُوءٍ نَقَضَهُ هُوَ كَأَنْ لَمَسَهَا إنْ احْتَاجَتْ لِشِرَائِهِ (فِي الْأَصَحِّ) لِأَنَّ ذَلِكَ بِسَبَبِهِ.
وَالثَّانِي: لَا؛ لِأَنَّهُ تَوَلَّدَ مِنْ مُسْتَحَقٍّ.
لَا حَيْضٍ وَاحْتِلَامٍ فِي الْأَصَحِّ.
وَلَهَا وَآلَاتُ أَكْلٍ وَشُرْبٍ وَطَبْخٍ كَقِدْرٍ وَقَصْعَةٍ وَكُوزٍ وَجَرَّةٍ وَنَحْوِهَا.
وَمَسْكَنٌ يَلِيقُ بِهَا،
[مغني المحتاج]
تَنْبِيهٌ لَوْ حَصَلَ النَّقْضُ بِفِعْلِهِمَا فَقِيَاسُ وُجُوبِ نَفَقَتِهَا عَلَيْهِ فِيمَا لَوْ سَافَرَتْ بِإِذْنِهِ لِحَاجَتِهِمَا وُجُوبُهُ عَلَيْهِ، وَكَالنِّفَاسِ فِيمَا ذُكِرَ الْوِلَادَةُ بِلَا بَلَلٍ، وَلَوْ عَبَّرَ بِالْوِلَادَةِ بَدَلَ النِّفَاسِ لَشَمِلَ ذَلِكَ، وَمَحَلُّ ذَلِكَ مَا إذَا كَانَ الْإِحْبَالُ بِفِعْلِ الزَّوْجِ، فَلَوْ أَدْخَلَتْ ذَكَرَهُ وَهُوَ نَائِمٌ فَحَبِلَتْ، أَوْ وُطِئَتْ بِشُبْهَةٍ فَلَا يَجِبُ لَهَا ذَلِكَ لِعَدَمِ فِعْلِهِ فِي الْأَوَّلِ، وَلِأَنَّ عَقْدَ النِّكَاحِ مُعْتَبَرٌ وَهُوَ مَفْقُودٌ فِي الثَّانِي، وَبِذَلِكَ عُلِمَ أَنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَى مَنْ زَنَى بِامْرَأَةٍ، أَوْ أَجْنَبِيٍّ نَقَضَ وُضُوءَ أَجْنَبِيَّةٍ ذَلِكَ، وَلَا عَلَيْهَا إذَا نَقَضَتْ وُضُوءَ زَوْجِهَا؛ لِأَنَّ ذَلِكَ إنَّمَا وَجَبَ عَلَى الرَّجُلِ بِفِعْلِهِ مَعَ مُرَاعَاةِ عَقْدِ النِّكَاحِ، وَ (لَا) يَجِبُ ثَمَنُ مَاءِ (حَيْضٍ وَاحْتِلَامٍ فِي الْأَصَحِّ) إذْ لَا صُنْعَ مِنْهُ.
وَالثَّانِي: يَجِبُ لِكَثْرَةِ وُقُوعِ الْحَيْضِ، وَفِي عَدَمِ إيجَابِهِ إجْحَافٌ بِهَا.
تَنْبِيهٌ الْخِلَافُ فِي الِاحْتِلَامِ تَبِعَ فِيهِ الْمُحَرَّرَ وَلَمْ يَحْكِيَاهُ فِي الشَّرْحَيْنِ وَالرَّوْضَةِ، بَلْ قَطَعَا بِعَدَمِ الْوُجُوبِ.
قَالَ ابْنُ شُهْبَةَ: وَالصَّوَابُ مَا فِي الْمِنْهَاجِ، فَقَدْ جَزَمَ الْقَفَّالُ فِي فَتَاوِيهِ بِوُجُوبِهِ عَلَى الزَّوْجِ، وَعَلَّلَهُ بِأَنَّهُ لِحَاجَتِهَا قَالَ بِخِلَافِ مَا لَوْ زَنَتْ أَوْ وُطِئَتْ بِشُبْهَةٍ اهـ.
وَقَدْ مَرَّتْ الْإِشَارَةُ إلَيْهِ.
قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: وَالظَّاهِرُ طَرْدُ الْخِلَالِ فِي ثَمَنِ الْمَاءِ الَّذِي تَغْسِلُ بِهِ مَا تَنَجَّسَ مِنْ بَدَنِهَا أَوْ ثِيَابِهَا.
.
ثُمَّ شَرَعَ فِي الْوَاجِبِ الْخَامِسِ، وَهُوَ مَتَاعُ الْبَيْتِ فَقَالَ (وَ) يَجِبُ لَهَا (آلَاتُ أَكْلٍ وَشُرْبٍ) بِضَمِّ الشِّينِ، وَيَجُوزُ فَتْحُهَا كَمَا قِيلَ بِهِ فِي قَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «أَيَّامُ مِنًى أَيَّامُ أَكْلٍ وَشَرْبٍ» (وَ) آلَاتُ (طَبْخٍ كَقِدْرٍ) هُوَ بِكَسْرِ الْقَافِ، مِثَالٌ لِآلَةِ الطَّبْخِ (وَقَصْعَةٍ) وَهِيَ بِفَتْحِهَا مِثَالٌ لِآلَةِ الْأَكْلِ (وَكُوزٍ وَجَرَّةٍ) وَهُمَا مِثَالَانِ لِآلَةِ الشُّرْبِ (وَنَحْوِهَا) مِمَّا لَا غِنَى عَنْهُ كَمِغْرَفَةٍ، وَمَا تَغْسِلُ فِيهِ ثِيَابَهَا؛ لِأَنَّ الْمَعِيشَةَ لَا تَتِمُّ بِدُونِ ذَلِكَ فَكَانَ مِنْ الْمُعَاشَرَةِ بِالْمَعْرُوفِ.
تَنْبِيهٌ سَكَتُوا عَنْ مَنَارَةِ السِّرَاجِ وَإِبْرِيقُ الْوُضُوءِ، وَالظَّاهِرُ كَمَا قَالَ الْأَذْرَعِيُّ وُجُوبُهُ لِمَنْ اعْتَادَهُ حَتَّى لَا يَجِبَ لِأَهْلِ الْبَادِيَةِ، وَيَكْفِي كَوْنُ الْآلَاتِ مِنْ خَشَبٍ أَوْ حَجَرٍ أَوْ خَزَفٍ لِحُصُولِ الْمَقْصُودِ، فَلَا تَجِبُ الْآلَةُ مِنْ النُّحَاسِ وَإِنْ كَانَتْ شَرِيفَةً كَمَا رَجَّحَ ذَلِكَ ابْنُ الْمُقْرِي: لِأَنَّهُ رُعُونَةٌ.
قَالَ الْإِمَامُ: وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَجِبَ لِلشَّرِيفَةِ الظُّرُوفُ النُّحَاسُ لِلْعَادَةِ.
قَالَ الْأَذْرَعِيُّ: وَقِيَاسُ الْبَابِ اتِّبَاعُ الْعُرْفِ فِي الْمَاعُونِ، وَأَنْ يُفَرَّقَ فِيهِ بَيْنَ مُوسِرٍ وَغَيْرِهِ، وَأَنْ يُفَاوَتَ بَيْنَ مَرَاتِبِ الْوَاجِبِ مِنْ كُلِّ نَوْعٍ بِاخْتِلَافِ مَرَاتِبِ الزَّوْجَاتِ حَتَّى يَجِبَ لِبَدَوِيَّةٍ قَدَحٌ، وَقِطْعَةٌ مِنْ خَشْبٍ، وَقِدْرٌ مِنْ نُحَاسٍ، وَلِقَرَوِيَّةٍ جَرَّةٌ وَنَحْوُهَا مِنْ خَزَفٍ، وَلِنِسَاءِ الْمُدُنِ وَالْأَمْصَارِ مَا يَعْتَدْنَهُ مِنْ خَزَفٍ عَالٍ، أَوْ مُتَوَسِّطٍ، أَوْ دَنِيءٍ، أَوْ مِنْ نُحَاسٍ كَطَسْتِ الثِّيَابِ، وَطَاسَةِ الْحَمَّامِ.
.
ثُمَّ شَرَعَ فِي الْوَاجِبِ السَّادِسِ، وَهُوَ السُّكْنَى فَقَالَ (وَ) يَجِبُ لَهَا عَلَيْهِ (مَسْكَنٌ) أَيْ تَهْيِئَتُهُ؛ لِأَنَّ الْمُطَلَّقَةَ يَجِبُ لَهَا ذَلِكَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ﴾ [الطلاق: 6] ، فَالزَّوْجَةُ أَوْلَى، وَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ الْمَسْكَنُ (يَلِيقُ بِهَا) عَادَةً؛ لِأَنَّهَا لَا تَمْلِكُ الِانْتِقَالَ مِنْهُ، فَرُوعِيَ فِيهِ جَانِبُهَا، بِخِلَافِ النَّفَقَةِ
وَلَا يُشْتَرَطُ كَوْنُهُ مِلْكَهُ.
وَعَلَيْهِ لِمَنْ لَا يَلِيقُ بِهَا خِدْمَةُ نَفْسِهَا إخْدَامُهَا بِحُرَّةٍ أَوْ أَمَةٍ لَهُ أَوْ مُسْتَأْجَرَةٍ، أَوْ بِالْإِنْفَاقِ عَلَى مَنْ صَحِبَتْهَا مِنْ حُرَّةٍ أَوْ أَمَةٍ لِخِدْمَةٍ وَسَوَاءٌ فِي هَذَا مُوسِرٌ وَمُعْسِرٌ وَعَبْدٌ،
[مغني المحتاج]
وَالْكِسْوَةِ حَيْثُ رُوعِيَ فِيهِمَا حَالُ الزَّوْجِ؛ لِأَنَّهَا تَمْلِكُ إبْدَالَهُمَا، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ مِمَّنْ يَسْكُنُ الْخَانَ أُسْكِنَتْ دَارًا أَوْ حُجْرَةً، وَيُنْظَرُ إلَى مَا يَلِيقُ بِهَا مِنْ سَعَةٍ أَوْ ضِيقٍ، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلا تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ﴾ [الطلاق: 6] ، (وَلَا يُشْتَرَطُ) فِي الْمَسْكَنِ (كَوْنُهُ مِلْكَهُ) قَطْعًا، بَلْ يَجُوزُ إسْكَانُهَا فِي مَوْقُوفٍ وَمُسْتَأْجَرٍ وَمُسْتَعَارٍ.
قَالَ ابْنُ الصَّلَاحِ: وَلَوْ سَكَنَتْ هِيَ وَالزَّوْجُ فِي مَنْزِلِهَا مُدَّةً سَقَطَ فِيهَا حَقُّ السُّكْنَى، وَلَا مُطَالَبَةَ لَهَا بِأُجْرَةِ سَكَنِهِ مَعَهَا إنْ كَانَتْ أَذِنَتْ لَهُ فِي ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْإِذْنَ الْمُطْلَقَ الْعَرِيَّ عَنْ ذِكْرِ عِوَضٍ يُنَزَّلُ عَلَى الْإِعَارَةِ وَالْإِبَاحَةِ اهـ. وَمَرَّتْ الْإِشَارَةُ إلَى ذَلِكَ فِي آخِرِ الْعِدَدِ.
.
ثُمَّ شَرَعَ فِي الْوَاجِبِ السَّابِعِ وَهُوَ الْخَادِمُ فَقَالَ (وَ) يَجِبُ (عَلَيْهِ لِمَنْ) أَيْ لِزَوْجَةٍ حُرَّةٍ (لَا يَلِيقُ بِهَا خِدْمَةُ نَفْسِهَا) بِأَنْ كَانَتْ مِمَّنْ تُخْدَمُ فِي بَيْتِ أَبِيهَا مَثَلًا، لِكَوْنِهَا لَا يَلِيقُ بِهَا خِدْمَةُ نَفْسِهَا فِي عَادَةِ الْبَلَدِ كَمَنْ يَخْدُمُهَا أَهْلُهَا، أَوْ تُخْدَمُ بِأَمَةٍ، أَوْ بِحُرَّةٍ، أَوْ مُسْتَأْجَرَةٍ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ، لَا بِارْتِفَاعِهَا بِالِانْتِقَالِ إلَى بَيْتِ زَوْجِهَا (إخْدَامُهَا) لِأَنَّهُ مِنْ الْمُعَاشَرَةِ بِالْمَعْرُوفِ، وَذَلِكَ إمَّا (بِحُرَّةٍ أَوْ أَمَةٍ لَهُ) أَوْ لَهَا كَمَا قَالَهُ ابْنُ الْمُقْرِي (أَوْ مُسْتَأْجَرَةٍ، أَوْ بِالْإِنْفَاقِ عَلَى مَنْ صَحِبَتْهَا مِنْ حُرَّةٍ أَوْ أَمَةٍ لِخِدْمَةٍ) لِحُصُولِ الْمَقْصُودِ بِجَمِيعِ ذَلِكَ.
تَنْبِيهٌ كَلَامُهُ يَقْتَضِي تَعَيُّنَ الْإِنَاثِ لِلْإِخْدَامِ وَلَيْسَ مُرَادًا، فَيَجُوزُ كَوْنُ الْخَادِمِ صَبِيًّا مُمَيِّزًا مُرَاهِقًا، أَوْ مَحْرَمًا، أَوْ مَمْلُوكًا لَهَا، أَوْ مَمْسُوحًا، وَلَا يَجُوزُ بِكَبِيرٍ وَلَا شَيْخٍ لِتَحْرِيمِ النَّظَرِ، وَلَا بِذِمِّيَّةٍ لِمُسْلِمَةٍ، إذْ لَا تُؤْمَنُ عَدَاوَتُهَا الدِّينِيَّةُ، وَلِتَحْرِيمِ النَّظَرِ، وَالْوَجْهُ كَمَا قَالَ الْأَذْرَعِيُّ عَدَمُ جَوَازِ عَكْسِهِ أَيْضًا لِمَا فِيهِ مِنْ الْمِهْنَةِ، وَهَذَا فِي الْخِدْمَةِ الْبَاطِنَةِ.
أَمَّا الظَّاهِرَةُ كَقَضَاءِ الْحَوَائِجِ مِنْ السُّوقِ فَيَتَوَلَّاهَا الرِّجَالُ وَغَيْرُهُمْ.
تَنْبِيهٌ قَضِيَّةُ كَلَامِهِمْ أَنَّ الْمُتَّبَعَ فِي تَعْيِينِ الْخَادِمِ الزَّوْجُ لَا الزَّوْجَةُ، وَهُوَ الْأَصَحُّ فِي الِابْتِدَاءِ، بِخِلَافِ مَا إذَا أَخْدَمَهَا خَادِمًا وَأَلِفَتْهُ، أَوْ كَانَتْ حَمَلَتْ مَعَهَا خَادِمًا وَأَرَادَ إبْدَالَهُ فَلَا يَجُوزُ لِتَضَرُّرِهَا بِقَطْعِ الْمَأْلُوفِ إلَّا إنْ ظَهَرَتْ رِيبَةٌ أَوْ خِيَانَةٌ فَلَهُ الْإِبْدَالُ، وَلَا يَلْزَمُهُ أَكْثَرُ مِنْ خَادِمٍ، وَلَوْ أَرَادَتْ زِيَادَةَ خَادِمٍ آخَرَ مِنْ مَالِهَا كَانَ لَهُ مَنْعُهُ مِنْ دُخُولِ دَارِهِ وَمِنْ اسْتِخْدَامِهَا لَهُ، وَلَهُ إخْرَاجُ مَا عَدَا خَادِمِهَا مِنْ مَالٍ وَوَلَدٍ لَهَا مِنْ غَيْرِهِ، وَلَهُ مَنْعُ أَبَوَيْهَا مِنْ الدُّخُولِ عَلَيْهَا، لَكِنْ مَعَ الْكَرَاهَةِ (وَسَوَاءٌ فِي هَذَا) أَيْ وُجُوبِ الْإِخْدَامِ (مُوسِرٌ) وَمُتَوَسِّطٌ (وَمُعْسِرٌ) وَمُكَاتَبٌ (وَعَبْدٌ) كَسَائِرِ الْمُؤَنِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ الْمُعَاشَرَةِ بِالْمَعْرُوفِ الْمَأْمُورِ بِهَا.
تَنْبِيهٌ أَفْهَمَ قَوْلُهُ " إخْدَامُهَا " أَنَّ الزَّوْجَ لَوْ قَالَ: أَنَا أَخْدُمُهَا بِنَفْسِي لِيَسْقُطَ عَنِّي مُؤْنَةُ الْخَادِمِ لَمْ يَلْزَمْهَا الرِّضَا بِهِ وَلَوْ فِيمَا لَا تَسْتَحِي مِنْهُ كَغَسْلِ ثَوْبٍ، وَاسْتِقَاءِ مَاءٍ، وَطَبْخٍ؛ لِأَنَّهَا تَسْتَحِي مِنْهُ وَتُعَيَّرُ بِهِ، وَأَنَّهَا لَوْ قَالَتْ: أَنَا أَخْدُمُ نَفْسِي وَآخُذُ أُجْرَةَ الْخَادِمِ أَوْ مَا يَأْخُذُ مِنْ نَفَقَةٍ لَمْ يَلْزَمْهُ
فَإِنْ أَخْدَمَهَا بِحُرَّةٍ أَوْ أَمَةٍ بِأُجْرَةٍ فَلَيْسَ عَلَيْهِ غَيْرُهَا أَوْ بِأَمَتِهِ أَنْفَقَ عَلَيْهَا بِالْمِلْكِ أَوْ بِمَنْ صَحِبَتْهَا لَزِمَهُ نَفَقَتُهَا.
وَجِنْسُ طَعَامِهَا جِنْسُ طَعَامِ الزَّوْجَةِ، وَهُوَ مُدٌّ عَلَى مُعْسِرٍ وَكَذَا مُتَوَسِّطٌ فِي الصَّحِيحِ، وَمُوسِرٌ مُدٌّ وَثُلُثٌ وَلَهَا كِسْوَةٌ تَلِيقُ بِحَالِهَا،
[مغني المحتاج]
الرِّضَا بِهَا؛ لِأَنَّهَا أَسْقَطَتْ حَقَّهَا، وَلَهُ أَنْ لَا يَرْضَى بِهِ لِابْتِذَالِهَا بِذَلِكَ، فَإِنْ اتَّفَقَا عَلَيْهِ فَكَاعْتِيَاضِهَا عَنْ النَّفَقَةِ حَيْثُ لَا رِبَا، وَقَضِيَّتُهُ الْجَوَازُ يَوْمًا بِيَوْمٍ (فَإِنْ أَخْدَمَهَا) الزَّوْجُ (بِحُرَّةٍ أَوْ أَمَةٍ بِأُجْرَةٍ فَلَيْسَ عَلَيْهِ غَيْرُهَا) أَيْ الْأُجْرَةِ، وَلَوْ أَخْدَمَهَا أَمَةً مُسْتَعَارَةً أَوْ حُرَّةً مُتَبَرِّعَةً بِالْخِدْمَةِ.
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: سَقَطَ الْوُجُوبُ عَنْهُ، وَحَمَلَهُ ابْنُ الرِّفْعَةِ عَلَى مَا إذَا رَضِيَتْ الزَّوْجَةُ بِهِ، فَإِنْ امْتَنَعَتْ فَلَهَا ذَلِكَ لِلْمِنَّةِ (أَوْ) أَخْدَمَهَا (بِأَمَتِهِ) أَيْ الزَّوْجِ (أَنْفَقَ عَلَيْهَا بِالْمِلْكِ، أَوْ) أَخْدَمَهَا (بِمَنْ صَحِبَتْهَا) حُرَّةً كَانَتْ أَوْ أَمَةً (لَزِمَهُ نَفَقَتُهَا) وَفِطْرَتُهَا كَمَا مَرَّ فِي بَابِهَا، فَإِنْ كَانَتْ الْمَصْحُوبَةُ مَمْلُوكَةً لِلزَّوْجَةِ مَلَكَتْ نَفَقَتَهَا كَمَا تَمْلِكُ نَفَقَةَ نَفْسِهَا، وَإِنْ كَانَتْ حُرَّةً فَيَجُوزُ كَمَا فِي الرَّوْضَةِ وَأَصْلِهَا أَنْ تَمْلِكَ نَفَقَةَ نَفْسِهَا كَمَا تَمْلِكُ الزَّوْجَةُ نَفَقَةَ نَفْسِهَا، وَيَجُوزُ أَنْ يُقَالَ: تَمْلِكُهَا الزَّوْجَةُ لِتَدْفَعَهَا إلَيْهَا، وَلَهَا أَنْ تَتَصَرَّفَ فِيهَا وَتَكْفِيَهَا مِنْ مَالِهَا.
فَائِدَةٌ: الْخَادِمُ يُطْلَقُ عَلَى الذَّكَرِ وَالْأُنْثَى، وَلِذَلِكَ يُذَكِّرُ الْمُصَنِّفُ الضَّمَائِرَ تَارَةً، وَيُؤَنِّثُهَا أُخْرَى كَمَا يُعْلَمُ مِنْ التَّقْدِيرِ فِي كَلَامِهِ، وَيُقَالُ فِي لُغَةٍ قَلِيلَةٍ لِلْأُنْثَى خَادِمَةٌ.
.
تَنْبِيهٌ لُزُومُ نَفَقَةِ الْمَصْحُوبَةِ سَبَقَ فِي قَوْلِهِ أَوْ بِالْإِنْفَاقِ عَلَى مَنْ صَحِبَتْهَا، وَلَعَلَّ ذِكْرَهُ ثَانِيًا لِبَيَانِ جِنْسِ مَا تُعْطَاهُ، وَقَدْرِهِ كَمَا قَالَ (وَجِنْسُ طَعَامِهَا) أَيْ خَادِمِ الزَّوْجَةِ (جِنْسُ طَعَامِ الزَّوْجَةِ) وَقَدْ مَرَّ، إذْ مِنْ الْمَعْرُوفِ أَنْ لَا يَتَخَصَّصَ عَنْ خَادِمِهَا.
تَنْبِيهٌ سَكَتَ عَنْ النَّوْعِ، وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ يُجْعَلُ نَوْعُ الْمَخْدُومَةِ أَجْوَدَ لِلْعَادَةِ (وَهُوَ) أَيْ مِقْدَارُ طَعَامِ الْخَادِمِ (مُدٌّ عَلَى مُعْسِرٍ) جَزْمًا، إذْ النَّفْسُ لَا تَقُومُ بِدُونِهِ غَالِبًا فَلِذَلِكَ سَارَتْ الْمَخْدُومَةُ فِيهِ (وَكَذَا مُتَوَسِّطٌ) عَلَيْهِ مُدٌّ (فِي الصَّحِيحِ) قِيَاسًا عَلَى الْمُعْسِرِ، وَالثَّانِي، مُدٌّ وَثُلُثٌ كَالْمُوسِرِ، وَالثَّالِثُ مُدٌّ وَسُدُسٌ لِتَفَاوُتِ الْمَرَاتِبِ بَيْنَ الْخَادِمِ وَالْمَخْدُومَةِ (وَمُوسِرٌ مُدٌّ وَثُلُثٌ) عَلَى النَّصِّ.
قَالَ الْأَصْحَابُ: وَلَا نَدْرِي مِنْ أَيْنَ أَخَذَ الشَّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - هَذَا التَّقْرِيرَ، وَأَقْرَبُ مَا قِيلَ فِي تَوْجِيهِهِ: إنَّ نَفَقَةَ الْخَادِمَةِ عَلَى الْمُتَوَسِّطِ مُدٌّ وَهُوَ ثُلُثَا نَفَقَةِ الْمَخْدُومَةِ، وَالْمُدُّ وَالثُّلُثُ عَلَى الْمُوسِرِ، وَهُوَ ثُلُثَا نَفَقَةِ الْمَخْدُومَةِ، وَوَجَّهُوا أَيْضًا التَّقْدِيرَ فِي الْمُوسِرِ بِمُدٍّ وَثُلُثٍ، وَفِي الْمُتَوَسِّطِ بِمُدٍّ بِأَنَّ لِلْخَادِمَةِ وَالْمَخْدُومَةِ فِي النَّفَقَةِ حَالَةَ كَمَالٍ وَحَالَةَ نَقْصٍ، وَهُمَا فِي الثَّانِيَةِ يَسْتَوِيَانِ، فَفِي الْأُولَى يُزَادُ فِي الْمَفْضُولَةِ ثُلُثُ مَا يُزَادُ لِلْفَاضِلَةِ كَمَا أَنَّ لِلْأَبَوَيْنِ فِي الْإِرْثِ حَالَةَ كَمَالٍ وَحَالَةَ نَقْصٍ، وَهُمَا فِي الثَّانِيَةِ سَوَاءٌ، وَهِيَ أَنْ يَكُونَ لِلْمَيِّتِ ابْنٌ يَسْتَوِيَانِ فِي أَنَّ لِكُلٍّ مِنْهُمْ السُّدُسَ، وَفِي الْأُولَى إذَا انْفَرَدَا يَكُونُ الْمَالُ بَيْنَهُمَا أَثْلَاثًا فَيُزَادُ لِلْأُمِّ ثُلُثُ مَا يُزَادُ لِلْأَبِ، وَلِهَذَا أَلْحَقُوا الْمُتَوَسِّطَ بِالْمُعْسِرِ وَلَمْ يُلْحِقُوهُ فِي نَفَقَةِ الزَّوْجَةِ بِهِ (وَلَهَا) أَيْضًا (كِسْوَةٌ تَلِيقُ بِحَالِهَا) وَلَوْ عَلَى
وَكَذَا أُدْمٌ عَلَى الصَّحِيحِ، لَا آلَةُ تَنْظِيفٍ فَإِنْ كَثُرَ وَسَخٌ وَتَأَذَّتْ بِقَمْلٍ وَجَبَ أَنْ تُرَفَّهَ.
وَمَنْ تَخْدُمُ نَفْسَهَا فِي الْعَادَةِ إنْ احْتَاجَتْ إلَى خِدْمَةٍ لِمَرَضٍ أَوْ زَمَانَةٍ وَجَبَ إخْدَامُهَا، وَلَا إخْدَامَ لِرَقِيقَةٍ، وَفِي الْجَمِيلَةِ وَجْهٌ.
وَيَجِبُ فِي الْمَسْكَنِ إمْتَاعٌ، وَمَا يُسْتَهْلَكُ كَطَعَامٍ تَمْلِيكٌ،
[مغني المحتاج]
مُتَوَسِّطٍ وَمُعْسِرٍ مِنْ قَمِيصٍ وَمِقْنَعَةٍ وَخُفٍّ وَرِدَاءٍ لِلْخُرُوجِ صَيْفًا وَشِتَاءً، حُرًّا كَانَ الْخَادِمُ أَوْ رَقِيقًا اعْتَادَ كَشْفَ الرَّأْسِ أَمْ لَا لِاحْتِيَاجِهِ إلَى ذَلِكَ، بِخِلَافِ الْمَخْدُومَةِ فِي الْخُفِّ وَالرِّدَاءِ؛ لِأَنَّ لَهُ مَنْعَهَا مِنْ الْخُرُوجِ، هَذَا هُوَ الْمَنْقُولُ، وَلَكِنَّ الْأَوْجَهَ كَمَا قَالَ شَيْخُنَا وُجُوبُهُمَا لِلْمَخْدُومَةِ أَيْضًا فَإِنَّهَا قَدْ تَحْتَاجُ إلَى الْخُرُوجِ إلَى الْحَمَّامِ أَوْ غَيْرِهِ مِنْ الضَّرُورَاتِ وَإِنْ كَانَ نَادِرًا، وَمَحَلُّ وُجُوبِ الْخُفِّ وَالرِّدَاءِ لِلْخَادِمِ إنْ كَانَ أُنْثَى.
أَمَّا الْخَادِمُ الذَّكَرُ فَلَا، لِاسْتِغْنَائِهِ عَنْهُ، وَلَا يَجِبُ لِلْخَادِمِ سَرَاوِيلُ عَلَى أَرْجَحِ الْوَجْهَيْنِ فِي الشَّرْحِ الْكَبِيرِ بِخِلَافِ الْمَخْدُومَةِ لِأَنَّهُ لِلزِّينَةِ وَكَمَالِ السَّتْرِ، وَيَجِبُ لِلْخَادِمِ ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى جُبَّةٌ لِلشِّتَاءِ أَوْ فَرْوَةٌ بِحَسَبِ الْعَادَةِ، فَإِنْ اشْتَدَّ الْبَرْدُ زِيدَ لَهُ عَلَى الْجُبَّةِ أَوْ الْفَرْوَةِ بِحَسَبِ الْعَادَةِ، وَيَجِبُ لَهُ مَا يَفْرِشُهُ وَمَا يَتَغَطَّى بِهِ كَقِطْعَةِ لِبْدٍ وَكِسَاءٍ فِي الشِّتَاءِ وَبَارِيَّةٍ فِي الصَّيْفِ وَمِخَدَّةٍ، وَيَكُونُ ذَلِكَ دُونَ مَا يَجِبُ لِلْمَخْدُومَةِ جِنْسًا وَنَوْعًا، وَيُفَاوِتُ فِيهِ بَيْنَ الْمُوسِرِ وَغَيْرِهِ (وَكَذَا) لِلْخَادِمِ (أُدْمٌ عَلَى الصَّحِيحِ) ؛ لِأَنَّ الْعَيْشَ لَا يَتِمُّ بِدُونِهِ، وَجِنْسُهُ جِنْسُ أُدْمِ الْمَخْدُومَةِ، وَلَكِنَّ نَوْعَهُ دُونَ نَوْعِهِ عَلَى الْأَصَحِّ، وَيُفَاوَتُ فِيهِ بَيْنَ الْمُوسِرِ وَغَيْرِهِ، وَالثَّانِي: لَا يَجِبُ، وَيُكْتَفَى بِمَا فَضَلَ عَنْ الْمَخْدُومَةِ، وَلَا يَجِبُ اللَّحْمُ فِي أَحَدِ وَجْهَيْنِ يُؤْخَذُ تَرْجِيحُهُ مِنْ كَلَامِ الرَّافِعِيِّ وَ (لَا) يَجِبُ لِلْخَادِمِ (آلَةُ تَنْظِيفٍ) كَمُشْطٍ وَدُهْنٍ؛ لِأَنَّهَا تُرَادُ لِلتَّزْيِينِ، وَالْخَادِمُ لَا يَتَزَيَّنُ، بَلْ اللَّائِقُ بِحَالِهَا عَكْسُ ذَلِكَ لِئَلَّا تَمْتَدَّ إلَيْهَا الْعَيْنُ (فَإِنْ كَثُرَ وَسَخٌ) عَلَيْهَا (وَتَأَذَّتْ بِقَمْلٍ وَجَبَ أَنْ تُرَفَّهَ) أَيْ تُنَعَّمَ بِأَنْ يُعْطِيَهَا مَا يُزِيلُ ذَلِكَ.
فَائِدَةٌ: الْقَمْلُ مُفْرَدُهُ قَمْلَةٌ.
قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: وَيَتَوَلَّدُ مِنْ الْعَرَقِ وَالْوَسَخِ.
وَقَالَ الْحَافِظُ: رُبَّمَا كَانَ الْإِنْسَانُ قَمِلُ الطِّبَاعِ وَإِنْ تَنَظَّفَ وَتَعَطَّرَ وَبَدَّلَ الثِّيَابَ كَمَا عَرَضَ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ وَالزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا -.
(وَمَنْ تَخْدُمُ نَفْسَهَا فِي الْعَادَةِ) لَيْسَ لَهَا أَنْ تَتَّخِذَ خَادِمًا وَتُنْفِقَ عَلَيْهِ مِنْ مَالِهَا إلَّا بِإِذْنِ زَوْجِهَا كَمَا فِي الرَّوْضَةِ وَأَصْلِهَا، وَنَظَرَ فِيهِ بَعْضُهُمْ بِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ الْمُعَاشَرَةِ بِالْمَعْرُوفِ، فَ (إنْ احْتَاجَتْ) حُرَّةً كَانَتْ أَوْ أَمَةً (إلَى خِدْمَةٍ لِمَرَضٍ) بِهَا (أَوْ زَمَانَةٍ وَجَبَ إخْدَامُهَا) لِأَنَّهَا لَا تَسْتَغْنِي عَنْهُ، فَأَشْبَهَتْ مَنْ لَا تَلِيقُ بِهَا خِدْمَةُ نَفْسِهَا بَلْ أَوْلَى؛ لِأَنَّ الْحَاجَةَ أَقْوَى مِمَّا نَقَصَ مِنْ الْمُرُوءَةِ وَإِنْ تَعَدَّدَ بِقَدْرِ الْحَاجَةِ (وَلَا إخْدَامَ) حَالَ الصِّحَّةِ (لِرَقِيقَةٍ) أَيْ زَوْجَةٍ كُلًّا أَوْ بَعْضًا؛ لِأَنَّ الْعُرْفَ أَنْ تَخْدُمَ نَفْسَهَا جَمِيلَةً كَانَتْ أَمْ لَا (وَفِي الْجَمِيلَةِ وَجْهٌ) يُوجِبُ إخْدَامَهَا لِجَرَيَانِ الْعَادَةِ بِهِ.
(وَيَجِبُ فِي الْمَسْكَنِ) وَالْخَادِمِ (إمْتَاعٌ) لَا تَمْلِيكٌ لِمَا مَرَّ مِنْ أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ كَوْنُهُمَا مِلْكَهُ (وَ) يَجِبُ فِي (مَا يُسْتَهْلَكُ) لِعَدَمِ بَقَاءِ عَيْنِهِ (كَطَعَامٍ) وَأُدْمٍ وَدُهْنٍ وَلَحْمٍ وَزَيْتٍ (تَمْلِيكٌ) وَلَوْ بِلَا صِيغَةٍ فَيَكْفِي أَنْ يَنْوِيَ ذَلِكَ عَمَّا يَسْتَحِقُّهُ عَلَيْهِ، سَوَاءٌ أَعَلِمَتْ نِيَّتَهُ أَمْ
وَتَتَصَرَّفُ فِيهِ فَلَوْ قَتَّرَتْ بِمَا يَضُرُّهَا مَنَعَهَا، وَمَا دَامَ نَفْعُهُ كَكِسْوَةٍ وَظُرُوفِ طَعَامٍ وَمُشْطٍ تَمْلِيكٌ، وَقِيلَ إمْتَاعٌ.
وَتُعْطَى الْكِسْوَةَ أَوَّلَ شِتَاءٍ وَصَيْفٍ، فَإِنْ تَلِفَتْ فِيهِ بِلَا تَقْصِيرٍ لَمْ تُبْدَلْ إنْ قُلْنَا تَمْلِيكٌ، فَإِنْ مَاتَتْ فِيهِ لَمْ تُرَدَّ.
[مغني المحتاج]
لَا كَالْكَفَّارَةِ كَمَا مَرَّتْ الْإِشَارَةُ إلَى ذَلِكَ (وَتَتَصَرَّفُ فِيهِ) الْحُرَّةُ بِمَا شَاءَتْ مِنْ بَيْعٍ وَغَيْرِهِ كَسَائِرِ أَمْوَالِهَا.
أَمَّا الْأَمَةُ فَإِنَّمَا يَتَصَرَّفُ فِي ذَلِكَ سَيِّدُهَا.
تَنْبِيهٌ كَانَ الْأَوْلَى أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَاءِ بَدَلَ الْوَاوِ فَإِنَّهُ مُفَرَّعٌ عَلَى مَا قَبْلَهُ (فَلَوْ قَتَّرَتْ) بَعْدَ قَبْضِ نَفَقَتِهَا (بِمَا يَضُرُّهَا) أَيْ بِأَنْ ضَيَّقَتْ عَلَى نَفْسِهَا (مَنَعَهَا) زَوْجُهَا مِنْ ذَلِكَ، وَكَذَا لَوْ لَمْ يَضُرَّهَا وَلَكِنْ يُنَفِّرُهُ عَنْهَا لِحَقِّ الِاسْتِمْتَاعِ (وَمَا دَامَ نَفْعُهُ) مَعَ بَقَاءِ عَيْنِهِ، (كَكِسْوَةٍ) وَفَرْشٍ (وَظُرُوفِ طَعَامٍ) وَلَوْ اقْتَصَرَ عَلَى قَوْلِهِ وَظُرُوفٍ كَانَ أَخْصَرَ وَأَشْمَلَ لِيَتَنَاوَلَ ظُرُوفَ الْمَاءِ وَآلَةَ التَّنْظِيفِ (وَمِشْطٍ) بِالْجَرِّ، وَخَبَرُ مَا قَوْلُهُ (تَمْلِيكٌ) فِي الْأَصَحِّ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى جَعَلَ كِسْوَةَ الْأَهْلِ أَصْلًا لِلْكِسْوَةِ فِي الْكَفَّارَةِ كَالطَّعَامِ، وَالطَّعَامُ تَمْلِيكٌ فِيهَا بِالِاتِّفَاقِ وَكَذَا الْكِسْوَةُ فَوَجَبَ هُنَا مِثْلُهُ (وَقِيلَ) هُوَ (إمْتَاعٌ) كَالْمَسْكَنِ وَالْخَادِمِ بِجَامِعِ الِانْتِفَاعِ مَعَ بَقَاءِ الْعَيْنِ بِخِلَافِ الطَّعَامِ.
وَأَجَابَ الْأَوَّلُ بِأَنَّ هَذِهِ الْأُمُورَ تُدْفَعُ إلَيْهَا وَالْمَسْكَنُ لَا يُدْفَعُ إلَيْهَا، وَإِنَّمَا يُسْكِنُهَا الزَّوْجُ مَعَهُ فَلَا تَسْقُطُ بِمُسْتَأْجَرٍ وَمُسْتَعَارٍ بِخِلَافِ الْمَسْكَنِ، فَلَوْ لَبِسَتْ الْمُسْتَعَارَ وَتَلِفَ بِغَيْرِ الِاسْتِعْمَالِ فَضَمَانُهُ يَلْزَمُ الزَّوْجَ؛ لِأَنَّهُ الْمُسْتَعِيرُ وَهِيَ نَائِبَةٌ عَنْهُ فِي الِاسْتِعْمَالِ.
قَالَ شَيْخُنَا: وَالظَّاهِرُ أَنَّ لَهُ عَلَيْهَا فِي الْمُسْتَأْجَرِ أُجْرَةَ الْمِثْلِ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا أَعْطَاهَا ذَلِكَ عَنْ كِسْوَتِهَا اهـ. وَالظَّاهِرُ خِلَافُهُ.
(وَتُعْطَى) الزَّوْجَةُ (الْكِسْوَةَ أَوَّلَ) فَصْلِ (شِتَاءٍ وَ) أَوَّلَ فَصْلِ (صَيْفٍ) لِقَضَاءِ الْعُرْفِ بِذَلِكَ، هَذَا إنْ وَافَقَ النِّكَاحُ أَوَّلَ الْفَصْلِ وَإِلَّا وَجَبَ إعْطَاؤُهَا فِي أَوَّلِ كُلِّ سِتَّةِ أَشْهُرٍ مِنْ حِينِ الْوُجُوبِ.
تَنْبِيهٌ مَحَلُّ هَذَا فِيمَا لَا يَبْقَى سَنَةً غَالِبًا.
أَمَّا مَا يَبْقَى سَنَةً فَأَكْثَرَ كَالْفَرْشِ وَجُبَّةِ الْخَزِّ وَالْإِبْرَيْسَمِ فَيُجَدَّدُ فِي وَقْتِهِ عَلَى مَا جَرَتْ الْعَادَةُ بِتَجْدِيدِهِ، وَعَلَيْهِ تَطْرِيفُهَا عَلَى الْعَادَةِ (فَإِنْ) أَعْطَى الْكِسْوَةَ أَوَّلَ فَصْلٍ مَثَلًا ثُمَّ (تَلِفَتْ فِيهِ) أَيْ فِي أَثْنَاءِ ذَلِكَ الْفَصْلِ (بِلَا تَقْصِيرٍ) مِنْهَا (لَمْ تُبْدَلْ إنْ قُلْنَا) بِالْأَصَحِّ: إنَّهَا (تَمْلِيكٌ) ؛ لِأَنَّهُ وَفَّاهَا مَا عَلَيْهِ كَالنَّفَقَةِ إذَا تَلِفَتْ فِي يَدِهَا، وَإِنْ قُلْنَا بِمُقَابِلِ الْأَصَحِّ مِنْ أَنَّهَا إمْتَاعٌ أَبْدَلَتْ.
تَنْبِيهٌ قَوْلُهُ بِلَا تَقْصِيرٍ لَيْسَ شَرْطًا لِعَدَمِ الْإِبْدَالِ فَإِنَّهُ مَعَ التَّقْصِيرِ أَوْلَى، وَلَكِنَّ شَرْطَ الْمَفْهُومِ قَوْلُهُ إنْ قُلْنَا تَمْلِيكٌ فَإِنَّهُ يُفْهِمُ الْإِبْدَالَ إنْ قُلْنَا: إمْتَاعٌ كَمَا تَقَدَّمَ بِشَرْطِ عَدَمِ التَّقْصِيرِ، وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ الْمُرَادُ بِلَا تَقْصِيرٍ مِنْ الزَّوْجِ، فَلَوْ دَفَعَ إلَيْهَا كِسْوَةً سَخِيفَةً فَبَلِيَتْ لِسَخَافَتِهَا وَجَبَ عَلَيْهِ إبْدَالُهَا كَمَا فِي الْكِفَايَةِ لِتَقْصِيرِهِ (فَإِنْ) مَاتَ أَوْ أَبَانَهَا بِطَلَاقٍ أَوْ غَيْرِهِ أَوْ (مَاتَتْ فِيهِ) أَيْ فِي أَثْنَاءِ فَصْلٍ (لَمْ تُرَدَّ) عَلَى التَّمْلِيكِ؛ لِأَنَّهُ دَفَعَهَا وَهِيَ وَاجِبَةٌ عَلَيْهِ كَمَا فِي نَفَقَةِ الْيَوْمِ، فَإِنَّ كِسْوَةَ الْفَصْلِ كَنَفَقَةِ الْيَوْمِ وَتُرَدُّ عَلَى الْإِمْتَاعِ، وَقِيلَ: تُرَدُّ مُطْلَقًا لِأَنَّهَا لِمُدَّةٍ لَمْ تَأْتِ كَنَفَقَةِ الْمُسْتَقْبَلِ،
وَلَوْ لَمْ يَكْسُ مُدَّةً فَدَيْنٌ.
فَصْلٌ الْجَدِيدُ أَنَّهَا تَجِبُ بِالتَّمْكِينِ
[مغني المحتاج]
وَعَلَى الْأَوَّلِ لَوْ أَعْطَاهَا كِسْوَةَ سَنَةٍ أَوْ نَفَقَةَ يَوْمَيْنِ مَثَلًا فَمَاتَتْ فِي أَثْنَاءِ الْفَصْلِ الْأَوَّلِ مِنْهُمَا أَوْ الْيَوْمِ الْأَوَّلِ مِنْ الْيَوْمَيْنِ اسْتَرَدَّ كِسْوَةَ الْفَصْلِ الثَّانِي، وَنَفَقَةُ الْيَوْمِ الثَّانِي كَالزَّكَاةِ الْمُعَجَّلَةِ، وَلَوْ لَمْ تَقْبِضْ الْكِسْوَةَ حَتَّى مَاتَتْ فِي أَثْنَاءِ فَصْلٍ أَوْ طَلُقَتْ فِيهِ اسْتَحَقَّتْ كِسْوَةَ كُلِّ الْفَصْلِ كَنَفَقَةِ الْيَوْمِ كَمَا أَفْتَى بِهِ الْمُصَنِّفُ؛ لِأَنَّ الْكِسْوَةَ تُسْتَحَقُّ بِأَوَّلِ الْفَصْلِ.
وَقَالَ ابْنُ الرِّفْعَةِ: لَمْ أَرَ فِيهِ نَقْلًا، وَالْأَقْرَبُ أَنَّهَا تَجِبُ بِالْقِسْطِ، وَالْفَرْقُ أَنَّ الْوُجُوبَ ثَمَّ اتَّصَلَ بِهِ الْقَبْضُ وَهُوَ الْمَقْصُودُ فَلَمْ يَقْطَعْهُ مَا طَرَأَ بَعْدَهُ، وَلَا كَذَلِكَ إنْ لَمْ يَتَّصِلْ بِهِ (وَلَوْ لَمْ يَكْسُ) الزَّوْجُ (مُدَّةً فَدَيْنٌ) عَلَيْهِ إنْ قُلْنَا: تَمْلِيكٌ، فَإِنْ قُلْنَا: إمْتَاعٌ، فَلَا.
تَنْبِيهٌ الْوَاجِبُ فِي الْكِسْوَةِ الثِّيَابُ لَا قِيمَتِهَا وَعَلَيْهِ خِيَاطَتُهَا، وَلَهَا بَيْعُهَا لِأَنَّهَا مِلْكُهَا، وَلَوْ لَبِسَتْ دُونَهَا مَنَعَهَا لِأَنَّ لَهُ غَرَضًا فِي تَجَمُّلِهَا.
[فَصْل فِي مُوجِبَاتِ النَّفَقَةِ]
فَصْلٌ فِي مُوجِبِ النَّفَقَةِ وَمَوَانِعِهَا كَنُشُوزٍ أَوْ صِغَرٍ، وَبَدَأَ بِالْأَوَّلِ، فَقَالَ (الْجَدِيدُ أَنَّهَا) أَيْ النَّفَقَةَ وَتَوَابِعَهَا (تَجِبُ بِالتَّمْكِينِ) التَّامِّ لِأَنَّهَا سَلَّمَتْ مَا مَلَكَ عَلَيْهَا فَتَسْتَحِقُّ مَا يُقَابِلُهُ مِنْ الْأُجْرَةِ
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[مغني المحتاج]
لَهَا، وَالْمُرَادُ بِالْوُجُوبِ اسْتِحْقَاقُهَا يَوْمًا بِيَوْمٍ كَمَا صَرَّحُوا بِهِ وَلَوْ حَصَلَ التَّمْكِينُ وَقْتَ الْغُرُوبِ قَالَ الْإِسْنَوِيُّ: فَالْقِيَاسُ وُجُوبُهَا بِالْغُرُوبِ اهـ.
وَالظَّاهِرُ كَمَا قَالَ شَيْخُنَا أَنَّ الْمُرَادَ وُجُوبُهَا بِالْقِسْطِ، فَلَوْ حَصَلَ ذَلِكَ وَقْتَ الظُّهْرِ فَيَنْبَغِي وُجُوبُهَا لِذَلِكَ مِنْ حِينَئِذٍ، وَهَلْ التَّمْكِينُ سَبَبٌ أَوْ شَرْطٌ؟ فِيهِ وَجْهَانِ: أَوْجَهُهُمَا الثَّانِي، وَاسْتُثْنِيَ مِنْ ذَلِكَ صُورَتَانِ: إحْدَاهُمَا مَا لَوْ مَنَعَتْ نَفْسَهَا لِتَسْلِيمِ الْمَهْرِ الْمُعَيَّنِ أَوْ الْحَالِّ فَإِنَّ لَهَا النَّفَقَةَ مِنْ حِينَئِذٍ، أَمَّا الْمُؤَجَّلُ فَلَيْسَ لَهَا حَبْسُ نَفْسِهَا لَهُ وَإِنْ حَلَّ خِلَافًا لِلْإِسْنَوِيِّ الصُّورَةُ الثَّانِيَةُ: مَا لَوْ أَرَادَ الزَّوْجُ سَفَرًا طَوِيلًا.
قَالَ الْبَغَوِيّ فِي فَتَاوِيهِ: لِامْرَأَتِهِ
لَا الْعَقْدِ.
فَإِنْ اخْتَلَفَا فِيهِ صُدِّقَ، فَإِنْ لَمْ تَعْرِضْ عَلَيْهِ مُدَّةً فَلَا نَفَقَةَ فِيهَا، وَإِنْ عَرَضَتْ وَجَبَتْ مِنْ بُلُوغِ الْخَبَرِ، فَإِنْ غَابَ كَتَبَ الْحَاكِمُ لِحَاكِمِ بَلَدِهِ لِيُعْلِمَهُ فَيَجِيءَ أَوْ يُوَكِّلَ، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ وَمَضَى زَمَنُ وُصُولِهِ فَرَضَهَا الْقَاضِي.
[مغني المحتاج]
الْمُطَالَبَةُ بِنَفَقَةِ مُدَّةِ ذَهَابِهِ وَرُجُوعِهِ كَمَا لَا يَخْرُجُ لِلْحَجِّ حَتَّى يَتْرُكَ لَهَا هَذَا الْمِقْدَارَ، أَيْ: إذَا لَمْ يَسْتَنِبْ مَنْ يَدْفَعُ لَهَا ذَلِكَ يَوْمًا بِيَوْمٍ.
فَإِنْ قِيلَ: يَجُوزُ السَّفَرُ لِمَنْ عَلَيْهِ دَيْنٌ مُؤَجَّلٌ يَعْلَمُ أَنَّهُ يَحِلُّ قَبْلَ رُجُوعِهِ وَإِنْ لَمْ يَسْتَأْذِنْ غَرِيمَهُ وَلَمْ يَتْرُكْ وَفَاءً فَهَلَّا كَانَ هُنَا كَذَلِكَ؟ .
أُجِيبَ بِأَنَّ هَذِهِ مَحْبُوسَةٌ عِنْدَهُ وَتَتَضَرَّرُ بِذَلِكَ بِخِلَافِ مَنْ لَهُ الدَّيْنُ، وَخَرَجَ بِالتَّامِّ الْمُقَدَّرُ فِي كَلَامِهِ مَا لَوْ سَلَّمَتْ نَفْسَهَا فِي زَمَنٍ أَوْ مَحَلٍّ دُونَ غَيْرِهِ فَإِنَّهُ لَا نَفَقَةَ لَهَا.
.
تَنْبِيهٌ: لَوْ تَقَدَّمَ الْعَقْدَ مُوجِبُ النَّفَقَةِ كَالْحَامِلِ الْبَائِنِ إذَا عُقِدَ عَلَيْهَا مُطْلَقًا هَلْ تَحْتَاجُ لِلتَّمْكِينِ أَوْ لَا؟ الْأَقْرَبُ كَمَا قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْهُ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ الْمُوجِبَ سَقَطَ بِالْعَقْدِ فَصَارَ كَأَنْ لَمْ يَكُنْ (لَا الْعَقْدِ) فَلَا تَجِبُ بِهِ النَّفَقَةُ؛ لِأَنَّهُ يُوجِبُ الْمَهْرَ، وَهُوَ لَا يُوجِبُ عِوَضَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ، وَلِأَنَّهَا مَجْهُولَةٌ وَالْعَقْدُ لَا يُوجِبُ مَالًا مَجْهُولًا، وَلِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تَزَوَّجَ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - وَهِيَ بِنْتُ سِتِّ سِنِينَ، وَدَخَلَ بِهَا بَعْدَ سَنَتَيْنِ، وَلَمْ يُنْقَلْ أَنَّهُ أَنْفَقَ عَلَيْهَا قَبْلَ الدُّخُولِ، وَلَوْ كَانَ حَقًّا لَهَا لَسَاقَهُ إلَيْهَا، وَلَوْ وَقَعَ لَنُقِلَ، وَالْقَدِيمُ وَحُكِيَ جَدِيدًا أَنَّهَا تَجِبُ بِالْعَقْدِ وَتَسْتَقِرُّ بِالتَّمْكِينِ، فَلَوْ امْتَنَعَتْ مِنْهُ سَقَطَتْ.
، ثُمَّ فَرَّعَ الْمُصَنِّفُ عَلَى الْقَوْلَيْنِ قَوْلَهُ (فَإِنْ اخْتَلَفَا فِيهِ) أَيْ التَّمْكِينِ، فَقَالَتْ: مَكَّنْتُ فِي وَقْتِ كَذَا، وَأَنْكَرَ وَلَا بَيِّنَةَ (صُدِّقَ) بِيَمِينِهِ عَلَى الْجَدِيدِ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُهُ، وَعَلَى الْقَدِيمِ هِيَ الْمُصَدَّقَةُ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاءُ مَا وَجَبَ بِالْعَقْدِ وَهُوَ يَدَّعِي سُقُوطَهُ، فَإِنْ تَوَافَقَا عَلَى التَّمْكِينِ ثُمَّ ادَّعَى نُشُوزَهَا وَأَنْكَرَتْ صُدِّقَتْ بِيَمِينِهَا عَلَى الصَّحِيحِ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ النُّشُوزِ، وَقِيلَ: هُوَ الْمُصَدَّقُ لِأَنَّ الْأَصْلَ بَرَاءَةُ ذِمَّتِهِ، وَرُجِّحَ الْأَوَّلُ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاءُ مَا وَجَبَ وَهُوَ يَدَّعِي سُقُوطَهُ، وَفَرَّعَ عَلَى الْقَوْلَيْنِ أَيْضًا قَوْلَهُ (فَإِنْ لَمْ تَعْرِضْ عَلَيْهِ) زَوْجَتُهُ (مُدَّةً) مَعَ سُكُوتِهِ عَنْ طَلَبِهَا وَلَمْ تَمْتَنِعْ (فَلَا نَفَقَةَ) لَهَا (فِيهَا) عَلَى الْجَدِيدِ لِعَدَمِ التَّمْكِينِ، وَتَجِبُ عَلَى الْقَدِيمِ (وَ) عَلَى الْجَدِيدِ (إنْ عَرَضَتْ) عَلَيْهِ وَهِيَ بَالِغَةٌ عَاقِلَةٌ مَعَ حُضُورِهِ فِي بَلَدِهَا كَأَنْ بَعَثَتْ إلَيْهِ تُخْبِرُهُ أَنِّي مُسَلِّمَةٌ نَفْسِي إلَيْكَ فَاخْتَرْ أَنْ آتِيَكَ حَيْثُ شِئْتَ أَوْ تَأْتِيَ إلَيَّ (وَجَبَتْ) نَفَقَتُهَا (مِنْ) حِينِ (بُلُوغِ الْخَبَرِ) لَهُ لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ مُقَصِّرٌ (فَإِنْ غَابَ) عَنْ بَلَدِهَا قَبْلَ عَرْضِهَا إلَيْهِ وَرَفَعَتْ الْأَمْرَ إلَى الْحَاكِمِ مُظْهِرَةً لَهُ التَّسْلِيمَ (كَتَبَ الْحَاكِمُ) الْمَرْفُوعُ إلَيْهِ الْأَمْرَ (لِحَاكِمِ بَلَدِهِ) أَيْ الزَّوْجِ (لِيُعْلِمَهُ) الْحَالَ (فَيَجِيءَ) الزَّوْجُ لَهَا يَتَسَلَّمُهَا (أَوْ يُوَكِّلَ) مَنْ يَجِيءُ يَتَسَلَّمُهَا لَهُ أَوْ يَحْمِلُهَا إلَيْهِ، وَتَجِبُ النَّفَقَةُ مِنْ وَقْتِ التَّسْلِيمِ.
تَنْبِيهٌ: مَجِيئُهُ بِنَفْسِهِ أَوْ وَكِيلِهِ حِينَ عِلْمِهِ يَكُونُ عَلَى الْفَوْرِ (فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ) شَيْئًا مِنْ الْأَمْرَيْنِ مَعَ إمْكَانِ الْمَجِيءِ أَوْ التَّوْكِيلِ (وَمَضَى زَمَنُ) إمْكَانِ (وُصُولِهِ) إلَيْهَا (فَرَضَهَا الْقَاضِي) فِي مَالِهِ
وَالْمُعْتَبَرُ فِي مَجْنُونَةٍ وَمُرَاهِقَةٍ عَرْضُ وَلِيٍّ.
وَتَسْقُطُ بِنُشُوزٍ وَلَوْ بِمَنْعِ لَمْسٍ بِلَا عُذْرٍ،
[مغني المحتاج]
مِنْ حِينِ إمْكَانِ وُصُولِهِ كَالْمُسْتَلِمِ لَهَا؛ لِأَنَّ الْمَانِعَ مِنْهُ.
أَمَّا إذَا لَمْ يُمْكِنُهُ ذَلِكَ فَلَا يَفْرِضُ عَلَيْهِ شَيْئًا؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُعْرِضٍ قَالَهُ الْعِمْرَانِيُّ وَالْجُرْجَانِيُّ وَغَيْرُهُمَا كَذَا نَقَلَهُ الْأَذْرَعِيُّ وَمَنْ تَبِعَهُ، وَقَيَّدُوا بِهِ كَلَامَ الْكِتَابِ.
تَنْبِيهٌ: هَذَا إنْ عُلِمَ مَكَانُ الزَّوْجِ، فَإِنْ جُهِلَ كَتَبَ الْحَاكِمُ إلَى الْحُكَّامِ الَّذِينَ تَرِدُ عَلَيْهِمْ الْقَوَافِلُ مِنْ بَلَدِهِ عَادَةً لِيُنَادِيَ بِاسْمِهِ، فَإِنْ لَمْ يَظْهَرْ أَعْطَاهَا الْقَاضِي نَفَقَتَهَا مِنْ مَالِهِ الْحَاضِرِ وَأَخَذَ مِنْهَا كَفِيلًا بِمَا يَصْرِفُ إلَيْهَا لِاحْتِمَالِ مَوْتِهِ أَوْ طَلَاقِهِ، أَمَّا إذَا غَابَ بَعْدَ عَرْضِهَا عَلَيْهِ وَامْتِنَاعِهِ مِنْ تَسَلُّمِهَا، فَإِنَّ النَّفَقَةَ تُقَرَّرُ عَلَيْهِ وَلَا تَسْقُطُ بِغَيْبَتِهِ.
(وَالْمُعْتَبَرُ فِي) زَوْجَةٍ (مَجْنُونَةٍ وَمُرَاهِقَةٍ عَرْضُ وَلِيٍّ) لَهُمَا عَلَى أَزْوَاجِهِمَا؛ لِأَنَّهُ الْمُخَاطَبُ بِذَلِكَ وَلَا اعْتِبَارَ بِعَرْضِهِمَا، لَكِنْ لَوْ عَرَضَتْ الْمُرَاهِقَةُ نَفْسَهَا عَلَى زَوْجِهَا فَتَسَلَّمَهَا وَلَوْ بِغَيْرِ إذْنِ وَلِيِّهَا وَجَبَتْ نَفَقَتُهَا، وَفِي عِبَارَةِ الشَّرْحَيْنِ فَتَسَلَّمَهَا وَصَارَ بِهَا إلَى مَنْزِلِهِ، وَظَاهِرُهَا أَنَّهُ لَوْ تَسَلَّمَهَا وَلَمْ يَصِرْ بِهَا لَا تَسْتَحِقُّ، وَالظَّاهِرُ كَمَا قَالَ الْأَذْرَعِيُّ أَنَّهُ لَيْسَ بِشَرْطٍ، وَلِذَلِكَ أَسْقَطَهُ ابْنُ الْمُقْرِي، وَنِعْمَ مَا فَعَلَ، وَتَسَلُّمُ الزَّوْجِ وَالْمُرَاهِقِ زَوْجَتَهُ كَافٍ وَإِنْ كَرِهَ الْوَطْءَ.
فَإِنْ قِيلَ: لَوْ تَسَلَّمَ الْمُرَاهِقُ الْمَبِيعَ لَمْ يَكْفِ، فَهَلَّا كَانَ هُنَاكَ كَذَلِكَ؟ .
أُجِيبَ بِأَنَّ الْقَصْدَ ثَمَّ أَنْ تَصِيرَ الْيَدُ لِلْمُشْتَرِي، وَهِيَ لِلْوَلِيِّ فِيمَا اشْتَرَاهُ لِلْمُرَاهِقِ، لَا لَهُ.
تَنْبِيهٌ: كَانَ الْأَحْسَنُ لِلْمُصَنِّفِ أَنْ يُعَبِّرَ بِالْمُعْصِرِ بَدَلَ الْمُرَاهِقَةِ لِأَنَّهُ يُقَالُ فِي اللُّغَةِ: غُلَامٌ مُرَاهِقٌ وَجَارِيَةٌ مُعْصِرٌ، وَلَا يُقَالُ: مُرَاهِقَةٌ؛ لِأَنَّهَا مِنْ صِفَاتِ الذُّكُورِ.
[فَصَلِّ فِي مَوَانِعُ النَّفَقَةِ]
ثُمَّ شَرَعَ فِي مَوَانِعِ النَّفَقَةِ، فَقَالَ (وَتَسْقُطُ) نَفَقَةُ كُلِّ يَوْمٍ (بِنُشُوزٍ) أَيْ خُرُوجٍ عَنْ طَاعَةِ الزَّوْجِ بَعْدَ التَّمْكِينِ وَالْعَرْضِ عَلَى الْجَدِيدِ وَقَبْلَهُ عَلَى الْقَدِيمِ؛ لِأَنَّهَا تَجِبُ بِالتَّسْلِيمِ فَتَسْقُطُ بِالْمَنْعِ، وَالْمُرَادُ بِالسُّقُوطِ عَدَمُ الْوُجُوبِ، وَإِلَّا فَالسُّقُوطُ حَقِيقَةً إنَّمَا يَكُونُ بَعْدَ الْوُجُوبِ.
تَنْبِيهٌ: نُشُوزُ غَيْرِ الْمُكَلَّفَةِ كَالْمُكَلَّفَةِ لِاسْتِوَاءِ الْفِعْلَيْنِ فِي التَّفْوِيتِ عَلَى الزَّوْجِ، وَسَوَاءٌ أَقَدَرَ الزَّوْجُ عَلَى رَدِّهَا إلَى الطَّاعَةِ قَهْرًا أَمْ لَا؛ لِأَنَّ لَهُ عَلَيْهَا حَقَّ الْحَبْسِ فِي مُقَابَلَةِ وُجُوبِ النَّفَقَةِ، فَإِذَا نَشَزَتْ عَلَيْهِ سَقَطَ وُجُوبُ النَّفَقَةِ، وَلَوْ نَشَزَتْ نَهَارًا دُونَ اللَّيْلِ أَوْ عَكْسَهُ أَوْ بَعْضَ أَحَدِهِمَا سَقَطَتْ نَفَقَةُ جَمِيعِ الْيَوْمِ؛ لِأَنَّهَا لَا تَتَجَزَّأُ بِدَلِيلِ أَنَّهَا تُسَلَّمُ دَفْعَةً وَاحِدَةً، وَلَا تُفَرَّقُ غُدْوَةً وَعَشِيَّةً، وَقِيلَ: تَسْتَحِقُّ نَفَقَةَ مَا قَبْلَ النُّشُوزِ مِنْ زَمَنِ الطَّاعَةِ بِالْقِسْطِ، وَقَطَعَ بِهِ السَّرَخْسِيُّ (وَ) تَسْقُطُ وَ (لَوْ) كَانَ نُشُوزُهَا (بِمَنْعِ لَمْسٍ) أَوْ غَيْرِهِ مِنْ مُقَدِّمَاتِ الْوَطْءِ (بِلَا عُذْرٍ) بِهَا إلْحَاقًا لِمُقَدِّمَاتِ الْوَطْءِ بِالْوَطْءِ، فَإِنْ كَانَ عُذْرٌ كَمَنْعِ لَمْسِ مَنْ بِفَرْجِهَا قُرُوحٌ وَعَلِمَتْ أَنَّهُ مَتَى لَمَسَهَا وَاقَعَهَا لَمْ يَكُنْ مَنْعُهَا نُشُوزًا.
تَنْبِيهٌ: قَضِيَّةُ كَلَامِهِ أَنَّهَا لَوْ مَكَّنَتْ مِنْ الْوَطْءِ وَمَنَعَتْ بَقِيَّةَ الِاسْتِمْتَاعَاتِ أَنَّهُ نُشُوزٌ، وَهُوَ
وَعَبَالَةُ زَوْجٍ، أَوْ مَرَضٌ يَضُرُّ مَعَهُ الْوَطْءُ عُذْرٌ، وَالْخُرُوجُ مِنْ بَيْتِهِ بِلَا إذْنٍ نُشُوزٌ إلَّا أَنْ يُشْرِفَ عَلَى انْهِدَامٍ.
وَسَفَرُهَا بِإِذْنِهِ مَعَهُ أَوْ لِحَاجَتِهِ لَا يُسْقِطُ وَلِحَاجَتِهَا يَسْقُطُ فِي الْأَظْهَرِ.
[مغني المحتاج]
الْأَصَحُّ فِي زَوَائِدِ الرَّوْضَةِ فِي بَابِ الْقَسْمِ وَالنُّشُوزِ، وَنَبَّهَ بِاللَّمْسِ عَلَى أَنَّ مَا فَوْقَهُ بِالطَّرِيقِ الْأَوْلَى، لَكِنْ لَا يُفْهَمُ مِنْهُ أَنَّهَا لَوْ مَنَعَتْهُ النَّظَرَ بِتَغْطِيَةِ وَجْهِهَا أَوْ تَوْلِيَتِهِ يَكُونُ نُشُوزًا، وَالْأَصَحُّ فِي زِيَادَةِ الرَّوْضَةِ أَنَّهُ نُشُوزٌ (وَعَبَالَةُ زَوْجٍ) وَهِيَ بِفَتْحِ الْعَيْنِ كِبَرُ آلَتِهِ بِحَيْثُ لَا تَحْتَمِلُهَا الزَّوْجَةُ (أَوْ مَرَضٌ) بِهَا (يَضُرُّ) هَا (مَعَهُ الْوَطْءُ عُذْرٌ) فِي مَنْعِهَا مِنْ وَطْئِهِ فَتَسْتَحِقُّ النَّفَقَةَ مَعَ مَنْعِ الْوَطْءِ لِعُذْرِهَا إذَا كَانَتْ عِنْدَهُ لِحُصُولِ التَّسْلِيمِ الْمُمْكِنِ، وَيُمْكِنُ التَّمَتُّعُ بِهَا مِنْ بَعْضِ الْوُجُوهِ، وَتَثْبُتُ عَبَالَتُهُ بِأَرْبَعِ نِسْوَةٍ؛ لِأَنَّهَا شَهَادَةٌ يَسْقُطُ بِهَا حَقُّ الزَّوْجِ وَلَهُنَّ نَظَرُ ذَكَرِهِ فِي حَالِ الْجِمَاعِ لِلشَّهَادَةِ بِذَلِكَ، وَلَيْسَ لَهَا الِامْتِنَاعُ مِنْ الزِّفَافِ لِعَبَالَتِهِ، وَلَهَا ذَلِكَ بِالْمَرَضِ؛ لِأَنَّهُ مُتَوَقَّعُ الزَّوَالِ.
فُرُوعٌ: لَا يُسْقِطُ النَّفَقَةَ عُذْرٌ يَمْنَعُ الْجِمَاعَ عَادَةً كَمَرَضٍ وَرَتَقٍ وَقَرْنٍ وَضَنًى، وَهُوَ بِالْفَتْحِ وَالْقَصْرِ: مَرَضٌ مُدْنِفٌ، وَحَيْضٍ وَنِفَاسٍ وَجُنُونٍ، وَإِنْ قَارَنَتْ تَسْلِيمَ الزَّوْجَةِ؛ لِأَنَّهَا أَعْذَارٌ بَعْضُهَا يَطْرَأُ وَيَزُولُ وَبَعْضُهَا دَائِمٌ وَهِيَ مَعْذُورَةٌ فِيهَا وَقَدْ حَصَلَ التَّسْلِيمُ الْمُمْكِنُ، وَيُمْكِنُ التَّمَتُّعُ بِهَا مِنْ بَعْضِ الْوُجُوهِ، وَفَارَقَ مَا لَوْ غَضِبَتْ بِخُرُوجِهَا عَنْ قَبْضَةِ الزَّوْجِ وَفَوَاتُ التَّمَتُّعِ بِالْكُلِّيَّةِ وَتَسْقُطُ نَفَقَتُهَا بِحَبْسِهَا وَلَوْ ظُلْمًا كَمَا لَوْ وُطِئَتْ بِشُبْهَةٍ فَاعْتَدَّتْ، وَلَوْ حَبَسَهَا الزَّوْجُ بِدَيْنِهِ هَلْ تَسْقُطُ نَفَقَتُهَا أَوْ لَا؟ لِأَنَّ الْمَنْعَ مِنْ قِبَلِهِ؟ الْأَقْرَبُ كَمَا قَالَ الْأَذْرَعِيُّ: أَنَّهَا إنْ مَنَعَتْهُ مِنْهُ عِنَادًا سَقَطَتْ، أَوْ لِإِعْسَارٍ فَلَا، وَلَا أَثَرَ لِزِنَاهَا، وَإِنْ حَبِلَتْ لِأَنَّهُ لَا يَمْنَعُ الِاسْتِمْتَاعَ بِهَا (وَالْخُرُوجُ) لِلزَّوْجَةِ (مِنْ بَيْتِهِ) أَيْ الزَّوْجِ حَاضِرًا كَانَ أَوْ لَا (بِلَا إذْنٍ) مِنْهُ (نُشُوزٌ) مِنْهَا سَوَاءٌ كَانَ لِعِبَادَةٍ كَحَجٍّ أَمْ لَا؟ يُسْقِطُ نَفَقَتَهَا لِمُخَالَفَتِهَا الْوَاجِبَ عَلَيْهَا (إلَّا أَنْ يُشْرِفَ) الْبَيْتُ (عَلَى انْهِدَامٍ) فَلَيْسَ بِنُشُوزٍ لِعُذْرِهَا.
تَنْبِيهٌ: قَدْ يُفْهَمُ الِاسْتِثْنَاءُ حَصَرَهُ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ، وَلَيْسَ مُرَادًا فَإِنَّهَا تُعْذَرُ فِي صُوَرٍ غَيْرِ ذَلِكَ، مِنْهَا مَا إذَا أُكْرِهَتْ عَلَى الْخُرُوجِ مِنْ بَيْتِهِ ظُلْمًا، وَمِنْهَا مَا إذَا خَرِبَتْ الْمَحَلَّةُ وَبَقِيَ الْبَيْتُ مُنْفَرِدًا وَخَافَتْ عَلَى نَفْسِهَا، وَمِنْهَا مَا لَوْ كَانَ الْمَنْزِلُ لِغَيْرِ الزَّوْجِ فَأَخْرَجَهَا مِنْهُ صَاحِبُهُ، وَمِنْهَا مَا لَوْ خَرَجَتْ إلَى الْقَاضِي لِطَلَبِ حَقِّهَا مِنْهُ، وَمِنْهَا مَا إذَا أَعَسَرَ بِالنَّفَقَةِ سَوَاءٌ أَرَضِيَتْ بِإِعْسَارِهِ أَمْ لَا، وَمِنْهَا مَا لَوْ خَرَجَتْ إلَى الْحَمَّامِ وَنَحْوِهِ مِنْ حَوَائِجِهَا الَّتِي يَقْتَضِي الْعُرْفُ خُرُوجَ مِثْلِهَا لَهُ لِتَعُودَ عَنْ قُرْبٍ لِلْعُرْفِ فِي رِضَا مِثْلِهِ بِذَلِكَ، وَمِنْهَا مَا لَوْ خَرَجَتْ لِاسْتِفْتَاءٍ لَمْ يُغْنِهَا الزَّوْجُ عَنْ خُرُوجِهَا لَهُ، وَمِنْهَا مَا لَوْ خَرَجَتْ لِبَيْتِ أَبِيهَا لِزِيَارَةٍ أَوْ عِيَادَةٍ كَمَا سَيَأْتِي، فَلَوْ قَالَ: إلَّا لِعُذْرٍ لَشَمِلَ ذَلِكَ كُلَّهُ.
(وَسَفَرُهَا بِإِذْنِهِ مَعَهُ) وَلَوْ لِحَاجَتِهَا (أَوْ) وَحْدَهَا بِإِذْنِهِ (لِحَاجَتِهِ لَا يُسْقِطُ) نَفَقَتَهَا لِأَنَّهَا مُمْكِنَةٌ فِي الْأُولَى، وَفِي غَرَضِهِ فِي الثَّانِيَةِ فَهُوَ الْمُسْقِطُ لِحَقِّهِ.
وَلَوْ نَشَزَتْ فَغَابَ فَأَطَاعَتْ لَمْ تَجِبْ فِي الْأَصَحِّ وَطَرِيقُهَا أَنْ يَكْتُبَ الْحَاكِمُ كَمَا سَبَقَ.
وَلَوْ خَرَجَتْ فِي غَيْبَتِهِ لِزِيَارَةٍ وَنَحْوِهَا لَمْ تَسْقُطْ،
[مغني المحتاج]
تَنْبِيهٌ: سَكَتَ الْمُصَنِّفُ عَنْ مَسْأَلَتَيْنِ: الْأُولَى مَا لَوْ خَرَجَتْ وَحْدَهَا بِإِذْنِهِ لِحَاجَتِهِمَا فَمُقْتَضَى الْمُرَجَّحِ فِي الْأَيْمَانِ فِيمَا إذَا قَالَ لِزَوْجَتِهِ: إنْ خَرَجْت لِغَيْرِ الْحَمَّامِ فَأَنْتِ طَالِقٌ فَخَرَجَتْ لَهُ وَلِغَيْرِهِ أَنَّهَا لَا تَطْلُقُ عَدَمُ السُّقُوطِ هُنَا.
قَالَ الْبُلْقِينِيُّ: وَهُوَ مَا كَتَبْتُهُ أَوَّلًا، ثُمَّ ظَهَرَ لِي مِنْ نَصِّ الْأُمِّ وَالْمُخْتَصَرِ مَا يَقْتَضِي السُّقُوطَ حَيْثُ قَالَ: وَإِذَا سَافَرَتْ الْحُرَّةُ بِإِذْنِهِ أَوْ بِغَيْرِ إذْنِهِ فَلَا قَسَمَ لَهَا وَلَا نَفَقَةَ إلَّا أَنْ يَكُونَ هُوَ الَّذِي أَشْخَصَهَا فَلَا تَسْقُطُ عَنْهُ نَفَقَتُهَا وَلَا قَسَمُهَا.
قَالَ الْوَلِيُّ الْعِرَاقِيُّ: وَعِنْدِي أَنَّ أَخْذَ الْمَسْأَلَةِ مِنْ نَظِيرِهَا الْمُشَارِكِ لَهَا فِي الْمُدْرَكِ أَوْلَى مِنْ التَّمَسُّكِ بِظَاهِرِ لَفْظِ النَّصِّ فِي قَوْلِهِ: هُوَ الَّذِي أَشْخَصَهَا لِإِمْكَانِ تَأْوِيلِهِ، وَقَالَ ابْنُ الْعِمَادِ: يَنْبَغِي سُقُوطُهَا أَخْذًا مِمَّا رَجَّحُوهُ مِنْ عَدَمِ وُجُوبِ الْمُتْعَةِ فِيمَا إذَا ارْتَدَّا مَعًا قَبْلَ الْوَطْءِ.
قَالَ: وَهُوَ ظَاهِرٌ؛ لِأَنَّهُ قَدْ اجْتَمَعَ فِيهِ الْمُقْتَضِي وَالْمَانِعُ فَقُدِّمَ الْمَانِعُ اهـ.
وَلَيْسَ بِظَاهِرٍ كَمَا قَالَ بَلْ الْأَوَّلُ كَمَا قَالَ شَيْخُنَا أَوْجَهُ؛ لِأَنَّ مَا احْتَجَّ بِهِ لَا يُنَافِي عَدَمَ سُقُوطِ نَفَقَتِهَا؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ وُجُوبِ الْمُتْعَةِ حَتَّى يُوجَدَ الْمُقْتَضِي لِوُجُوبِهَا خَالِيًا مِنْ الْمَانِعِ وَلَمْ يُوجَدْ، وَالْأَصْلُ هُنَا بَعْدَ التَّمْكِينِ عَدَمُ سُقُوطِ النَّفَقَةِ حَتَّى يُوجَدَ الْمُقْتَضِي لِسُقُوطِهَا خَالِيًا مِنْ الْمَانِعِ وَلَمْ يُوجَدْ، إذْ الْمُقْتَضِي لِسُقُوطِهَا فِيمَا نَحْنُ فِيهِ خُرُوجِهَا لِغَرَضِهَا وَحْدَهُ، وَإِذَا قُلْنَا بِعَدَمِ السُّقُوطِ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ يُسْتَثْنَى مِنْهَا مَا نَقَلَاهُ فِي الصَّدَاقِ عَنْ مُجَرَّدِ الْحَنَّاطِيِّ مِنْ أَنَّهُ لَوْ تَزَوَّجَ بِبَغْدَادَ امْرَأَةً بِالْكُوفَةِ، وَقُلْنَا: اعْتِبَارُ التَّسْلِيمِ بِمَوْضِعِ الْعَقْدِ فَتُسَلِّمُ نَفْسَهَا بِبَغْدَادَ وَلَا نَفَقَةَ لَهَا قَبْلَ أَنْ تَصِلَ بَغْدَادَ مَعَ أَنَّ السَّفَرَ لِبَغْدَادَ لِحَاجَتِهِمَا.
الصُّورَةُ الثَّانِيَةُ: مَا إذَا سَافَرَتْ وَحْدَهَا بِإِذْنِهِ لِحَاجَةِ ثَالِثٍ قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: وَيَظْهَرُ أَنَّهَا كَحَاجَةِ نَفْسِهَا، وَهُوَ كَمَا قَالَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ ظَاهِرٌ إذَا لَمْ يَكُنْ خُرُوجُهُ بِسُؤَالِ الزَّوْجِ لَهَا فِيهِ، وَإِلَّا فَيَنْبَغِي أَنْ يَلْحَقَ بِخُرُوجِهَا لِحَاجَتِهِ بِإِذْنِهِ.
(وَلَوْ نَشَزَتْ) فِي حُضُورِ الزَّوْجِ بِأَنْ خَرَجَتْ مِنْ بَيْتِهِ، كَمَا قَالَهُ الرَّافِعِيُّ بِغَيْرِ إذْنِهِ (فَغَابَ) عَنْهَا (فَأَطَاعَتْ) بَعْدَ غَيْبَتِهِ بِرُجُوعِهَا إلَى بَيْتِهِ (لَمْ تَجِبْ) نَفَقَتُهَا زَمَنَ الطَّاعَةِ (فِي الْأَصَحِّ) لِانْتِفَاءِ التَّسْلِيمِ، وَالتَّسَلُّمِ إذْ لَا يَحْصُلَانِ مَعَ الْغَيْبَةِ، وَالثَّانِي يَجِبُ لِعَوْدِهَا إلَى الطَّاعَةِ (وَ) عَلَى الْأَوَّلِ (طَرِيقُهَا) فِي عَوْدِ اسْتِحْقَاقِ النَّفَقَةِ لَهَا بَعْدَ طَاعَتِهَا فِي غَيْبَةِ زَوْجِهَا (أَنْ يَكْتُبَ الْحَاكِمُ) بَعْدَ رَفْعِهَا الْأَمْرَ إلَيْهِ (كَمَا سَبَقَ) فِي ابْتِدَاءِ التَّسْلِيمِ فَيَكْتُبُ لِحَاكِمِ بَلَدِهِ لِيُعْلِمَهُ بِالْحَالِ، فَإِنْ عَادَ أَوْ وَكِيلُهُ وَاسْتَأْنَفَ تَسَلُّمَهَا عَادَتْ النَّفَقَةُ، وَإِنْ مَضَى زَمَنُ إمْكَانِ الْعَوْدِ وَلَمْ يَعُدْ وَلَا بَعَثَ وَكِيلَهُ عَادَتْ النَّفَقَةُ أَيْضًا عَلَى مَا مَرَّ فِي الْمَقِيسِ عَلَيْهِ، أَمَّا إذَا كَانَ نُشُوزُهَا بِغَيْرِ الْخُرُوجِ مِنْ بَيْتِهَا كَأَنْ ارْتَدَّتْ أَوْ خَالَفَتْهُ مِنْ غَيْرِ خُرُوجٍ مِنْ الْمَنْزِلِ عَادَتْ النَّفَقَةُ بِعَوْدِهَا إلَى الْإِسْلَامِ أَوْ الطَّاعَةِ فِي غَيْبَتِهِ، وَإِنْ أَفْهَمَ كَلَامُ الْمَتْنِ خِلَافَهُ.
(وَلَوْ خَرَجَتْ فِي غَيْبَتِهِ) لَا عَلَى وَجْهِ النُّشُوزِ بَلْ (لِزِيَارَةٍ) لِأَقَارِبِهَا أَوْ جِيرَانِهَا (وَنَحْوِهَا) كَعِيَادَتِهِمْ وَتَعْزِيَتِهِمْ (لَمْ تَسْقُطْ) نَفَقَتُهَا إذْ لَا يُعَدُّ ذَلِكَ نُشُوزًا عُرْفًا.
وَالْأَظْهَرُ أَنْ لَا نَفَقَةَ لِصَغِيرَةٍ وَأَنَّهَا تَجِبُ لِكَبِيرَةٍ عَلَى صَغِيرٍ.
وَإِحْرَامُهَا بِحَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ بِلَا إذْنٍ نُشُوزٌ إنْ لَمْ يَمْلِكْ تَحْلِيلَهَا، فَإِنْ مَلَكَ فَلَا حَتَّى تَخْرُجَ فَمُسَافِرَةٌ لِحَاجَتِهَا، أَوْ بِإِذْنٍ فَفِي الْأَصَحِّ لَهَا نَفَقَةٌ مَا لَمْ تَخْرُجْ.
[مغني المحتاج]
تَنْبِيهٌ: فِي بَعْضِ نُسَخِ الْمُحَرَّرِ تَقْيِيدُ الزِّيَارَةِ بِبَيْتِ أَبِيهَا، وَنَقَلَاهُ فِي الرَّوْضَةِ كَأَصْلِهَا عَنْ الْبَغَوِيِّ.
قَالَ ابْنُ شُهْبَةَ: وَحَذَفَ الْمُصَنِّفُ هَذَا الْقَيْدَ لِيَشْمَلَ غَيْرَ الْأَبِ مِنْ الْمَحَارِمِ.
قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: وَهُوَ ظَاهِرٌ إلَّا أَنَّ الْإِطْلَاقَ يَشْمَلُ الْأَجَانِبَ وَالْمُتَّجَهُ خِلَافُهُ اهـ.
وَالْأَوْجَهُ مَا قَالَهُ الدَّمِيرِيُّ مِنْ أَنَّ الْمُرَادَ خُرُوجُهَا إلَى بَيْتِ أَبِيهَا أَوْ أَقَارِبِهَا أَوْ جِيرَانِهَا لِزِيَارَةٍ أَوْ عِيَادَةٍ أَوْ تَعْزِيَةٍ، وَلِهَذَا تَبِعْته فِي حَلِّ الْمَتْنِ، وَنَقَلَ الزَّرْكَشِيُّ عَنْ الْحَمَوِيِّ شَارِحِ التَّعْجِيزِ أَنَّهُ لَيْسَ لَهَا الْخُرُوجُ لِمَوْتِ أَبِيهَا وَلَا شُهُودِ جِنَازَتِهِ وَأَقَرَّهُ، وَالظَّاهِرُ خِلَافُهُ أَخْذًا مِمَّا مَرَّ (وَالْأَظْهَرُ أَنْ لَا نَفَقَةَ) وَلَا تَوَابِعَهَا (لِصَغِيرَةٍ) لَا تَحْتَمِلُ الْوَطْءَ لِتَعَذُّرِهِ لِمَعْنًى فِيهَا، وَالثَّانِي تَجِبُ كَالرَّتْقَاءِ وَالْقَرْنَاءِ وَالْمَرِيضَةِ كَمَا مَرَّ.
وَأَجَابَ الْأَوَّلَ بِأَنَّ الْمَرَضَ يَطْرَأُ وَيَزُولُ وَالرَّتَقَ وَالْقَرَنَ مَانِعٌ دَائِمٌ قَدْ رَضِيَ بِهِ وَيَشُقُّ مَعَهُ تَرْكُ النَّفَقَةِ مَعَ أَنَّ التَّمَتُّعَ بِغَيْرِ الْوَطْءِ لَا يَفُوتُ كَمَا مَرَّ (وَ) الْأَظْهَرُ (أَنَّهَا تَجِبُ لِكَبِيرَةٍ) وَالْمُرَادُ بِهَا مَنْ يُمْكِنُ وَطْؤُهَا، لَا الْبَالِغَةُ كَمَا قَدْ يُتَوَهَّمُ (عَلَى) زَوْجٍ (صَغِيرٍ) لَا يُمْكِنُ مِنْهُ جِمَاعٌ إذَا سَلَّمَتْ نَفْسَهَا أَوْ عَرَضَتْهَا عَلَى وَلِيِّهِ، إذْ لَا مَانِعَ مِنْ جِهَتِهَا فَأَشْبَهَ مَا لَوْ سَلَّمَتْ نَفْسَهَا إلَى كَبِيرٍ فَهَرَبَ.
(وَإِحْرَامُهَا بِحَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ) أَوْ مُطْلَقًا (بِلَا إذْنٍ) مِنْ الزَّوْجِ (نُشُوزٌ) مِنْ وَقْتِ الْإِحْرَامِ (إنْ لَمْ يَمْلِكْ تَحْلِيلَهَا) مِمَّا أَحْرَمَتْ بِهِ وَهُوَ فِي إحْرَامِهَا بِفَرْضٍ عَلَى قَوْلٍ مَرْجُوحٍ مَرَّ فِي بَابِ الْحَجِّ؛ لِأَنَّهَا مَنَعَتْهُ نَفْسَهَا بِذَلِكَ، فَتَكُونُ نَاشِزَةً مِنْ وَقْتِ الْإِحْرَامِ وَإِنْ لَمْ تَخْرُجْ سَوَاءٌ أَكَانَ الزَّوْجُ مُحْرِمًا أَمْ حَلَالًا (فَإِنْ مَلَكَ) تَحْلِيلَهَا بِأَنْ كَانَ مَا أَحْرَمَتْ بِهِ تَطَوُّعًا أَوْ فَرْضًا عَلَى الْأَظْهَرِ كَمَا مَرَّ فِي بَابِ الْإِحْصَارِ (فَلَا) يَكُونُ إحْرَامُهَا حِينَئِذٍ نُشُوزًا فَتَسْتَحِقُّ النَّفَقَةَ؛ لِأَنَّهَا فِي قَبْضَتِهِ وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى التَّحْلِيلِ وَالِاسْتِمْتَاعِ، فَإِذَا لَمْ يَفْعَلْ فَهُوَ الْمُفَوِّتُ عَلَى نَفْسِهِ.
تَنْبِيهٌ: لَوْ أَسْقَطَ قَوْلَهُ: بِحَجٍّ.
أَوْ عُمْرَةٍ لَكَانَ أَخْصَرَ وَأَعَمَّ؛ لِيَشْمَلَ مَا قَدَّرْته فِي كَلَامِهِ، وَقَضِيَّةُ كَلَامِهِ أَنَّهُ يَحْرُمُ الْإِحْرَامُ بِغَيْرِ إذْنِهِ؛ لِأَنَّهُ جَعَلَهُ نُشُوزًا، وَالْمَذْكُورُ فِي بَابِهِ اسْتِحْبَابُ الِاسْتِئْذَانِ، فَالْمُرَادُ هُنَا بَيَانُ مَا يُسْقِطُ النَّفَقَةَ وَمَا لَا يُسْقِطُهَا، لَا بَيَانُ الْإِبَاحَةِ وَالتَّحْرِيمِ، وَيُسْتَثْنَى مِنْ كَلَامِهِ مَا لَوْ أَفْسَدَ حَجَّهَا الْمَأْذُونَ فِيهِ بِجِمَاعٍ فَإِنَّهَا تَقْضِيهِ عَلَى الْفَوْرِ وَلَهَا الْإِحْرَامُ بِغَيْرِ إذْنٍ، وَعَلَيْهِ الْخُرُوجُ مَعَهَا كَمَا ذَكَرَهُ الْأَذْرَعِيُّ، وَتَجِبُ نَفَقَتُهَا، وَحَيْثُ قِيلَ بِوُجُوبِ نَفَقَتِهَا فَتَسْتَمِرُّ (حَتَّى تَخْرُجَ) مِنْ بَيْتِهَا فَإِذَا خَرَجَتْ (فَمُسَافِرَةٌ لِحَاجَتِهَا) فَإِنْ سَافَرَتْ وَحْدَهَا بِإِذْنِهِ سَقَطَتْ نَفَقَتُهَا فِي الْأَظْهَرِ، أَوْ مَعَهُ اُسْتُحِقَّتْ أَوْ بِغَيْرِ إذْنِهِ فَنَاشِزَةٌ كَمَا مَرَّ (أَوْ) أَحْرَمَتْ بِمَا ذُكِرَ (بِإِذْنٍ) مِنْ زَوْجِهَا (فَفِي الْأَصَحِّ لَهَا نَفَقَةٌ مَا لَمْ تَخْرُجْ) لِأَنَّهَا فِي قَبْضَتِهِ، وَالثَّانِي: لَا تَجِبُ لِفَوَاتِ الِاسْتِمْتَاعِ بِهَا، وَدَفَعَ بِأَنَّ فَوَاتَهُ تَوَلَّدَ مِنْ إذْنِهِ.
تَنْبِيهٌ: قَوْلُهُ: مَا لَمْ تَخْرُجْ يَقْتَضِي أَنَّهَا لَوْ خَرَجَتْ سَقَطَتْ نَفَقَتُهَا وَهُوَ كَذَلِكَ إنْ خَرَجَتْ
وَيَمْنَعُهَا صَوْمُ نَفْلٍ فَإِنْ أَبَتْ فَنَاشِزَةٌ فِي الْأَظْهَرِ، وَالْأَصَحُّ أَنَّ قَضَاءَهُ لَا يَتَضَيَّقُ كَنَفْلٍ فَيَمْنَعُهَا، وَأَنَّهُ لَا مَنْعَ مِنْ تَعْجِيلِ مَكْتُوبَةٍ أَوَّلَ وَقْتٍ، وَسُنَنٍ رَاتِبَةٍ.
[مغني المحتاج]
وَحْدَهَا، فَإِنْ خَرَجَ مَعَهَا لَمْ تَسْقُطْ كَمَا مَرَّ.
(وَيَمْنَعُهَا) أَيْ يَجُوزُ لِزَوْجِهَا مَنْعُهَا مِنْ (صَوْمِ نَفْلٍ) مُطْلَقٍ، سَوَاءٌ أَمْكَنَهُ جِمَاعُهَا أَوْ امْتَنَعَ عَلَيْهِ لِعُذْرٍ حِسِّيٍّ كَجَبِّهِ أَوْ رَتَقِهَا، أَوْ شَرْعِيٍّ اكْتَسَبَهُ بِوَاجِبٍ كَصَوْمٍ وَإِحْرَامٍ، وَبَحَثَ الْأَذْرَعِيُّ أَنَّهُ لَا يَمْنَعُ مَنْ لَا يَحِلُّ لَهُ وَطْؤُهَا كَمُتَحَيِّرَةٍ وَمَنْ لَا تَحْتَمِلُ الْوَطْءَ مَرْدُودٌ؛ لِأَنَّ حَقَّهُ وَاجِبٌ عَلَيْهَا وَلَهُ قَطْعُهُ أَيْضًا إذَا شَرَعَتْ فِيهِ (فَإِنْ أَبَتْ) أَيْ امْتَنَعَتْ مِنْ الْفِطْرِ بَعْدَ أَمْرِهِ لَهَا بِهِ (فَنَاشِزَةٌ فِي الْأَظْهَرِ) وَفِي الرَّوْضَةِ وَالشَّرْحَيْنِ: الْأَصَحُّ لِامْتِنَاعِهَا مِنْ التَّمْكِينِ وَإِعْرَاضِهَا عَنْهُ بِمَا لَيْسَ بِوَاجِبٍ وَصَوْمُهَا فِي هَذِهِ الْحَالَةِ حَرَامٌ كَمَا فِي زَوَائِدِ الرَّوْضَةِ فِي صَوْمِ التَّطَوُّعِ، وَحَكَى فِي الْمَجْمُوعِ هُنَاكَ وَجْهَيْنِ: أَصَحُّهُمَا هَذَا، وَالثَّانِي: أَنَّهُ مَكْرُوهٌ.
قَالَ: فَلَوْ صَامَتْ فَمُقْتَضَى الْمَذْهَبِ فِي نَظَائِرِهِ الْجَزْمُ بِعَدَمِ الثَّوَابِ وَإِنْ كَانَ صَحِيحًا كَمَا سَبَقَ فِي الصَّلَاةِ فِي الدَّارِ الْمَغْصُوبَةِ فَكَذَا هُنَا، وَالثَّانِي: أَنَّهَا لَا تَكُونُ نَاشِزَةً؛ لِأَنَّهَا فِي قَبْضَتِهِ وَلَهُ إخْرَاجُهَا مِنْهُ مَتَى شَاءَ، أَمَّا النَّفَلُ الرَّاتِبُ كَعَرَفَةَ، وَعَاشُورَاءَ، فَلَيْسَ لَهُ مَنْعُهَا مِنْهُ عَلَى الصَّحِيحِ، وَلَا تَسْقُطُ نَفَقَتُهَا بِالِامْتِنَاعِ مِنْ فِطْرِهِ فَهُوَ كَرَوَاتِبِ الصَّلَاةِ.
تَنْبِيهٌ: لَوْ نَكَحَهَا صَائِمَةً تَطَوُّعًا لَمْ يُجْبِرْهَا عَلَى الْفِطْرِ كَمَا فِي الرَّوْضَةِ وَأَصْلِهَا عَنْ الْمَرْوَزِيِّ، وَفِي سُقُوطِ نَفَقَتِهَا وَجْهَانِ، أَوْجُهُهُمَا السُّقُوطُ كَمَا قَالَهُ الْأَذْرَعِيُّ؛ لِأَنَّ الْفِطْرَ أَفْضَلُ عِنْدَ طَلَبِ التَّمَتُّعِ، وَحَيْثُ سَقَطَتْ بِالصَّوْمِ هَلْ سَقَطَ الْكُلُّ أَوْ النِّصْفُ؟ وَجْهَانِ، أَصَحُّهُمَا الْأَوَّلُ (وَالْأَصَحُّ أَنَّ قَضَاءَهُ) مِنْ صَوْمٍ أَوْ صَلَاةٍ (لَا يَتَضَيَّقُ) بِأَنْ لَمْ يَجِبْ فَوْرًا كَفِطْرِهَا بِعُذْرٍ فِي رَمَضَانَ وَالْوَقْتُ مُتَّسِعٌ أَوْ نَامَتْ عَنْ الصَّلَاةِ حَتَّى خَرَجَ وَقْتُهَا حُكْمُهُ (كَنَفْلٍ فَيَمْنَعُهَا) أَيْ فَيَجُوزُ لَهُ مَنْعُهَا مِنْهُ وَمِنْ إتْمَامِهِ؛ لِأَنَّهُ عَلَى التَّرَاخِي وَحَقُّهُ عَلَى الْفَوْرِ، وَالثَّانِي: أَنَّهُ لَيْسَ كَالنَّفْلِ فَلَا يَمْنَعُهَا مِنْهُ، وَبِالْأَوَّلِ قَطَعَ الْأَكْثَرُونَ كَمَا فِي الرَّوْضَةِ، فَكَانَ الْأَوْلَى التَّعْبِيرَ بِالْمَذْهَبِ، أَمَّا مَا يَتَضَيَّقُ كَالْفِطْرِ تَعَدِّيًا أَوْ بِعُذْرٍ وَلَمْ يَبْقَ مِنْ شَعْبَانَ إلَّا قَدْرُهُ أَوْ أَخَّرَتْ الصَّلَاةَ عَنْ وَقْتِهَا بِلَا عُذْرٍ فَلَيْسَ لَهُ الْمَنْعُ مِنْهُ وَالنَّفَقَةُ فِيهِ وَاجِبَةٌ عَلَى الْأَصَحِّ فِي الرَّوْضَةِ، وَإِنْ أَشْعَرَ كَلَامُ الرَّافِعِيِّ بِتَرْجِيحِ السُّقُوطِ، وَلَهُ مَنْعُهَا مِنْ مَنْذُورٍ مُعَيَّنٍ نَذَرَتْهُ بَعْدَ النِّكَاحِ بِلَا إذْنٍ وَمِنْ صَوْمِ كَفَّارَةٍ إنْ لَمْ تَعْصِ بِسَبَبِهِ؛ لِأَنَّهُ عَلَى التَّرَاخِي، وَمِنْ مَنْذُورِ صَوْمٍ أَوْ صَلَاةٍ مُطْلَقٍ، سَوَاءٌ أَنْذَرَتْهُ قَبْلَ النِّكَاحِ أَوْ بَعْدَهُ وَلَوْ بِإِذْنِهِ لِأَنَّهُ مُوسَعٌ (وَ) الْأَصَحُّ الْمَنْصُوصُ (أَنَّهُ لَا مَنْعَ) لَهُ (مِنْ تَعْجِيلِ مَكْتُوبَةٍ أَوَّلَ وَقْتٍ) لِحِيَازَةِ فَضِيلَتِهِ، وَقَضِيَّةُ هَذَا التَّعْلِيلِ أَنَّ لَهُ الْمَنْعَ مِنْ التَّعْجِيلِ إذَا لَمْ يَنْدُبْ كَالْإِبْرَادِ وَهُوَ مَا بَحَثَهُ الزَّرْكَشِيُّ، وَالثَّانِي: لَهُ الْمَنْعُ لِاتِّسَاعِ الْوَقْتِ كَالْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ.
وَأَجَابَ الْأَوَّلُ بِقِصَرِ مُدَّةِ الصَّلَاةِ، وَلَوْ كَانَا مُسَافِرَيْنِ لَمْ يَمْنَعْهَا مِنْ تَعْجِيلِ صَوْمِ رَمَضَانَ فِي السَّفَرِ كَمَا أَفْتَى بِهِ الْفَزَارِيّ وَهُوَ مُتَّجَهٌ كَمَا قَالَ الْأَذْرَعِيُّ: إنْ لَمْ يَكُنْ الْفِطْرُ أَفْضَلَ (وَ) لَا مَنْعَ مِنْ (سُنَنٍ رَاتِبَةٍ) لِتَأَكُّدِهَا، وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ أَنَّهُ يَمْنَعُهَا مِنْ تَعْجِيلِهَا مَعَ الْمَكْتُوبَةِ أَوَّلَ الْوَقْتِ، وَكَذَا مِنْ تَطْوِيلِهَا كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْمَاوَرْدِيُّ.
قَالَ الْأَذْرَعِيُّ:
وَتَجِبُ لِرَجْعِيَّةٍ الْمُؤَنُ إلَّا مُؤْنَةَ تَنَظُّفٍ.
فَلَوْ ظُنَّتْ حَامِلًا فَأَنْفَقَ فَبَانَتْ حَائِلًا اسْتَرْجَعَ مَا دَفَعَ بَعْدَ
[مغني المحتاج]
وَمِنْ التَّطْوِيلِ الزَّائِدِ فِي الْفَرَائِضِ، بَلْ تَأْتِي بِالْأَكْمَلِ مِنْ السُّنَنِ وَالْآدَابِ.
تَنْبِيهٌ: تَسْقُطُ نَفَقَتُهَا بِالِاعْتِكَافِ إلَّا بِإِذْنٍ مِنْ زَوْجِهَا وَهُوَ مَعَهَا أَوْ بِغَيْرِ إذْنٍ، لَكِنْ إنْ اعْتَكَفَتْ بِنَذْرٍ مُعَيَّنٍ سَابِقٍ لِلنِّكَاحِ فَلَا تَسْقُطُ نَفَقَتُهَا، وَأَوْرَدَ عَلَى تَخْصِيصِ الْمُصَنِّفِ السُّنَنَ بِالرَّوَاتِبِ الْعِيدَيْنِ وَالْكُسُوفَيْنِ فَلَيْسَ لَهُ مَنْعُهَا مِنْ فِعْلِهِمَا فِي الْمَنْزِلِ، وَلَكِنْ يَمْنَعُهَا مِنْ الْخُرُوجِ لِذَلِكَ،.
وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِالرَّاتِبَةِ مَا لَهَا وَقْتٌ مُعَيَّنٌ، سَوَاءٌ تَوَابِعُ الْفَرَائِضِ وَغَيْرُهَا، وَقَدْ ذَكَرَ الرَّافِعِيُّ أَنَّ هَذَا اصْطِلَاحُ الْقُدَمَاءِ، وَحِينَئِذٍ فَيَدْخُلُ الْعِيدُ وَالتَّرَاوِيحُ وَالضُّحَى، وَقَدْ مَرَّتْ الْإِشَارَةُ إلَى ذَلِكَ فِي بَابِ صَلَاةِ النَّفْلِ.
فَرْعٌ: لَوْ نَكَحَ مُسْتَأْجَرَةَ الْعَيْنِ لَمْ تَجِبْ نَفَقَتُهَا، وَقَالَ الْمَاوَرْدِيُّ وَالرُّويَانِيُّ: لَهُ الْخِيَارُ فِي فَسْخِ النِّكَاحِ إنْ جَهِلَ الْحَالَ لِفَوَاتِ التَّمَتُّعِ عَلَيْهِ نَهَارًا مَعَ عُذْرِهِ وَإِنْ رَضِيَ الْمُسْتَأْجِرُ بِتَمْكِينِهِ مِنْهَا فِيهِ؛ لِأَنَّهُ مُتَبَرِّعٌ وَوَعْدٌ لَا يَلْزَمُ، وَقَضِيَّةُ كَلَامِ الْجُمْهُورِ عَدَمُ ثُبُوتِ الْخِيَارِ وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ كَمَا مَرَّتْ الْإِشَارَةُ إلَيْهِ فِي خِيَارِ النِّكَاحِ، وَبِهِ صَرَّحَ صَاحِبُ الذَّخَائِرِ وَغَيْرُهُ وَقَالَ الْأَذْرَعِيُّ: إنَّ ثُبُوتَهُ غَرِيبٌ وَلَمْ أَرَهُ لِغَيْرِ الْمَاوَرْدِيُّ، وَاسْتُشْكِلَ عَدَمُ وُجُوبِ نَفَقَتِهَا بِنَذْرِهَا الصَّوْمَ أَوْ الِاعْتِكَافَ الْمُعَيَّنَ قَبْلَ النِّكَاحِ.
وَأُجِيبَ بِأَنَّ هُنَا يَدًا حَائِلَةً بِخِلَافِ مَسْأَلَتَيْ الصَّوْمِ وَالِاعْتِكَافِ.
(وَتَجِبُ لِرَجْعِيَّةٍ) حُرَّةٍ أَوْ أَمَةٍ حَائِلٍ أَوْ حَامِلٍ (الْمُؤَنُ) مِنْ نَفَقَةٍ وَكِسْوَةٍ وَغَيْرِهِمَا لِبَقَاءِ حَبْسِ الزَّوْجِ لَهَا وَسَلْطَنَتِهِ عَلَيْهَا وَقُدْرَتِهِ عَلَى التَّمَتُّعِ بِهَا بِالرَّجْعَةِ، وَلَا يَسْقُطُ مَا وَجَبَ لَهَا إلَّا بِمَا يَسْقُطُ بِهِ مَا يَجِبُ لِلزَّوْجَةِ، وَيَسْتَمِرُّ وُجُوبُهُ لَهَا حَتَّى تُقِرَّ هِيَ بِانْقِضَاءِ عِدَّتِهَا بِوَضْعِ الْحَمْلِ أَوْ بِغَيْرِهِ فَهِيَ الْمُصَدَّقَةُ فِي اسْتِمْرَارِ النَّفَقَةِ كَمَا تُصَدَّقُ فِي بَقَاءِ الْعِدَّةِ وَثُبُوتِ الرَّجْعَةِ (إلَّا مُؤْنَةَ تَنَظُّفٍ) فَلَا تَجِبُ لَهَا لِامْتِنَاعِ الزَّوْجِ عَنْهَا إلَّا إنْ تَأَذَّتْ بِالْهَوَامِّ لِلْوَسَخِ فَيَجِبُ كَمَا قَالَ الزَّرْكَشِيُّ مَا تُرَفَّهُ بِهِ كَمَا مَرَّ فِي الْخَادِمِ.
تَنْبِيهٌ: يُسْتَثْنَى مِنْ وُجُوبِ نَفَقَةِ الرَّجْعِيَّةِ مَا لَوْ قَالَ الزَّوْجُ: طَلَّقْتُ بَعْدَ الْوِلَادَةِ فَلِيَ الرَّجْعَةُ، وَقَالَتْ بَلْ قَبْلَهَا، وَقَدْ انْقَضَتْ عِدَّتِي، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ فِي بَقَاءِ الْعِدَّةِ وَثُبُوتِ الرَّجْعَةِ، وَلَا نَفَقَةَ لَهَا لِزَعْمِهَا كَمَا جَزَمَ بِهِ الرَّافِعِيُّ، وَمُقْتَضَاهُ أَنَّهُ لَا نَفَقَةَ لَهَا وَإِنْ رَاجَعَهَا لِإِنْكَارِهَا اسْتِحْقَاقَهَا، وَمِثْلُ هَذَا لَوْ اخْتَلَفَا فِي أَصْلِ الطَّلَاقِ الْبَائِنِ وَأَنْكَرَهُ الزَّوْجُ وَحَلَفَ، قَالَ فِي الْمَطْلَبِ: وَهُوَ مَا أَوْرَدَهُ الرَّافِعِيُّ فِي كِتَابِ الْقَسَمِ وَجَعَلَهُ أَصْلًا مَقِيسًا عَلَيْهِ، قَالَ: لَكِنْ ظَاهِرُ نَصِّ الْأُمِّ الْوُجُوبُ اهـ.
وَهَذَا أَوْجَهُ؛ لِأَنَّهَا مَحْبُوسَةٌ لِأَجْلِهِ كَمَا يُؤْخَذُ مِمَّا مَرَّ فِيمَا إذَا ادَّعَتْ الرَّضَاعَ وَأَنْكَرَ، وَلَوْ قَالَ الزَّوْجُ: طَلَّقْتُك قَبْلَ الْوَضْعِ وَانْقَضَتْ عِدَّتُك فَلَا نَفَقَةَ لَك الْآنَ، فَقَالَتْ: بَلْ طَلَّقْتَنِي بَعْدَهُ فَلِي النَّفَقَةُ وَجَبَتْ الْعِدَّةُ عَلَيْهَا فِي الْوَقْتِ الَّذِي تَزْعُمُ أَنَّهُ طَلَّقَهَا فِيهِ وَوَجَبَتْ لَهَا النَّفَقَةُ وَسَقَطَتْ الرَّجْعَةُ؛ لِأَنَّهَا بَائِنٌ بِزَعْمِهِ.
(فَلَوْ ظُنَّتْ) بِضَمِّ أَوَّلِهِ مُطَلَّقَتُهُ الرَّجْعِيَّةُ (حَامِلًا) بِوَلَدٍ يَلْحَقُهُ (فَأَنْفَقَ) زَوْجُهَا عَلَيْهِ (فَبَانَتْ) بَعْدَ إنْفَاقِهِ (حَائِلًا) وَأَقَرَّتْ بِانْقِضَاءِ الْعِدَّةِ (اسْتَرْجَعَ مَا دَفَعَ) إلَيْهَا مِنْ النَّفَقَةِ (بَعْدَ)
عِدَّتِهَا.
وَالْحَائِلُ الْبَائِنُ بِخُلْعٍ أَوْ ثَلَاثٍ لَا نَفَقَةَ لَهَا وَلَا كِسْوَةَ، وَيَجِبَانِ لِحَامِلٍ لَهَا، وَفِي قَوْلٍ لِلْحَمْلِ، فَعَلَى الْأَوَّلِ لَا تَجِبُ لِحَامِلٍ عَنْ شُبْهَةٍ أَوْ نِكَاحٍ فَاسِدٍ.
[مغني المحتاج]
انْقِضَاءِ (عِدَّتِهَا) ؛ لِأَنَّهُ تَبَيَّنَ أَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ عَلَيْهِ، وَالْقَوْلُ قَوْلُهَا فِي مُدَّتِهَا بِيَمِينِهَا إنْ كَذَّبَهَا، وَبِدُونِهِ إنْ صَدَّقَهَا، فَإِنْ جَهِلَتْ وَقْتَ انْقِضَائِهَا قَدَّرَتْ بِعَادَتِهَا حَيْضًا وَطُهْرًا إنْ لَمْ تَخْتَلِفْ، فَإِنْ اخْتَلَفَتْ اُعْتُبِرَ بِأَقَلِّهَا فَيَرْجِعُ الزَّوْجُ بِمَا زَادَ؛ لِأَنَّهُ الْمُتَيَقِّنُ وَهِيَ لَا تَدَّعِي زِيَادَةً عَلَيْهِ، فَإِنْ نَسِيَتْهَا اُعْتُبِرَتْ بِثَلَاثَةِ أَشْهُرٍ فَيَرْجِعُ بِمَا زَادَ عَلَيْهِ أَخْذًا بِغَالِبِ الْعَادَاتِ، وَقِيلَ: يَرْجِعُ بِمَا زَادَ عَلَى أَقَلِّ مَا يُمْكِنُ انْقِضَاءُ الْعِدَّةِ بِهِ.
تَنْبِيهٌ: لَوْ انْتَفَى عَنْهُ الْوَلَدُ الَّذِي أَتَتْ بِهِ لِعَدَمِ إمْكَانِ لُحُوقِهِ اسْتَرَدَّ الزَّوْجُ مِنْهَا مَا أَنْفَقَهُ عَلَيْهَا فِي مُدَّةِ الْحَمْلِ وَلَكِنَّهَا تُسْأَلُ عَنْ الْوَلَدِ فَقَدْ تَدَّعِي وَطْءَ شُبْهَةٍ فِي أَثْنَاءِ الْعِدَّةِ وَالْحَمْلُ يَقْطَعُهَا كَالنَّفَقَةِ فَتُتِمُّ الْعِدَّةَ بَعْدَ وَضْعِهِ وَيُنْفِقُ عَلَيْهَا تَتْمِيمَهَا.
(وَ) الْمُعْتَدَّةُ (الْحَائِلُ الْبَائِنُ بِخُلْعٍ أَوْ ثَلَاثٍ) فِي الْحُرِّ وَاثْنَتَيْنِ فِي الْعَبْدِ (لَا نَفَقَةَ لَهَا وَلَا كِسْوَةَ) قَطْعًا لِزَوَالِ الزَّوْجِيَّةِ فَأَشْبَهَتْ الْمُتَوَفَّى عَنْهَا (وَيَجِبَانِ) أَيْ النَّفَقَةُ وَالْكِسْوَةُ (لِحَامِلٍ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ كُنَّ أُولاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ﴾ [الطلاق: 6] وَلِأَنَّهَا مَشْغُولَةٌ بِمِائَةٍ فَهُوَ مُسْتَمْتِعٌ بِرَحِمِهَا فَسَارَ كَالِاسْتِمْتَاعِ بِهَا فِي حَالِ الزَّوْجِيَّةِ، إذْ النَّسْلُ مَقْصُودٌ بِالنِّكَاحِ كَمَا أَنَّ الْوَطْءَ مَقْصُودٌ بِهِ.
تَنْبِيهٌ: اقْتِصَارُهُ عَلَى النَّفَقَةِ وَالْكِسْوَةِ قَدْ يُفْهِمُ أَنَّهُ لَا يَجِبُ غَيْرُهُمَا، وَلَيْسَ مُرَادًا، بَلْ يَجِبُ لَهَا الْأُدْمُ كَمَا فِي زَوَائِدِ الرَّوْضَةِ وَالسُّكْنَى كَمَا مَرَّ آخِرَ الْعَدَدِ، وَذَكَرَ الْبَغَوِيّ فِي فَتَاوِيهِ أَيْضًا وُجُوبَ الْخَادِمِ لِمَخْدُومَةٍ، وَاحْتُرِزَ بِالْبَيْنُونَةِ بِالْخُلْعِ أَوْ الثَّلَاثِ عَنْ الْبَائِنِ بِالْفَسْخِ بِالْعَيْبِ وَغَيْرِهِ، وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ إنْ كَانَ بِسَبَبٍ مُقَارِنٍ لِلْعَقْدِ كَالْعَيْبِ وَالْغُرُورِ فَلَا نَفَقَةَ كَمَا ذَكَرَهُ الرَّافِعِيُّ فِي بَابِ الْخِيَارِ؛ لِأَنَّ الْفَسْخَ بِهِ يَرْفَعُ الْعَقْدَ مِنْ أَصْلِهِ، وَلِذَلِكَ لَا يَجِبُ الْمَهْرُ إنْ لَمْ يَكُنْ دُخُولٌ، وَإِنْ كَانَ بِسَبَبٍ عَارِضٍ كَالرِّدَّةِ وَالرَّضَاعِ وَاللِّعَانِ إنْ لَمْ يَنْفِ الْوَلَدَ فَيَجِبُ؛ لِأَنَّهُ قُطِعَ لِلنِّكَاحِ كَالطَّلَاقِ، وَقَضِيَّةُ كَلَامِ الدَّمِيرِيِّ وَالزَّرْكَشِيِّ أَنْ هَذَا التَّفْصِيلَ فِي الْحَائِلِ، وَلَيْسَ مُرَادًا، بَلْ إنَّمَا هُوَ فِي الْحَامِلِ كَمَا تَقَرَّرَ، وَالْوَاجِبُ فِيمَا ذُكِرَ (لَهَا) بِسَبَبِ الْحَمْلِ عَلَى الصَّحِيحِ أَنَّهَا تَجِبُ مُقَدَّرَةً، وَلَا تَسْقُطُ بِمُضِيِّ الزَّمَانِ، وَلَوْ كَانَتْ لِلْحَمْلِ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ (وَفِي قَوْلٍ) قَدِيمٍ يَجِبُ مَا ذُكِرَ (لِلْحَمْلِ) فَقَطْ لِوُجُوبِ مَا ذُكِرَ بِوُجُودِ الْحَمْلِ وَعَدَمِهِ بِعَدَمِ الْحَمْلِ، وَإِنَّمَا صُرِفَ لَهَا لِتُغَذِّيَهُ بِغِذَائِهَا، ثُمَّ فَرَّعَ عَلَى الْخِلَافِ قَوْلَهُ (فَعَلَى الْأَوَّلِ) الْأَصَحُّ (لَا تَجِبُ) نَفَقَةٌ وَلَا غَيْرُهَا (لِحَامِلٍ عَنْ) وَطْءِ (شُبْهَةٍ) وَهِيَ غَيْرُ مُزَوَّجَةٍ (أَوْ) لِحَامِلٍ عَنْ (نِكَاحٍ فَاسِدٍ) لِأَنَّهُ لَا نَفَقَةَ لَهَا فِي حَالِ التَّمْكِينِ فَبَعْدَهُ أَوْلَى، وَعَلَى الثَّانِي تَجِبُ كَمَا يَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ بَعْدَ الِانْفِصَالِ، وَلَوْ كَانَ زَوْجُ الْحَامِلِ الْبَائِنِ رَقِيقًا، إنْ قُلْنَا: النَّفَقَةُ لَهَا وَجَبَتْ؛ لِأَنَّهَا تَجِبُ عَلَى الْمُعْسِرِ وَإِلَّا فَلَا.
أَمَّا الْمَنْكُوحَةُ إذَا حَبِلَتْ مِنْ الْوَطْءِ بِالشُّبْهَةِ، فَإِنْ أَوْجَبْنَا النَّفَقَةَ عَلَى الْوَاطِئِ سَقَطَتْ عَنْ الزَّوْجِ قَطْعًا، وَإِلَّا فَعَلَى الْأَصَحِّ فِي أَصْلِ الرَّوْضَةِ.
قُلْت: وَلَا نَفَقَةَ لِمُعْتَدَّةِ وَفَاةٍ وَإِنْ كَانَتْ حَامِلًا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَنَفَقَةُ الْعِدَّةِ مُقَدَّرَةٌ كَزَمَنٍ النِّكَاحِ، وَقِيلَ تَجِبُ الْكِفَايَةُ، وَلَا يَجِبُ دَفْعُهَا قَبْلَ ظُهُورِ حَمْلٍ، فَإِذَا ظَهَرَ وَجَبَ يَوْمًا بِيَوْمٍ، وَقِيلَ حَتَّى تَضَعَ، وَلَا تَسْقُطُ
[مغني المحتاج]
تَنْبِيهٌ: هَذَا كُلُّهُ مَا دَامَ الزَّوْجُ حَيًّا، فَلَوْ مَاتَ قَبْلَ الْوَضْعِ فَقَضِيَّةُ كَلَامِ الرَّوْضَةِ هُنَا السُّقُوطُ، وَفِي الشَّرْحَيْنِ وَالرَّوْضَةِ فِي عِدَّةِ الْوَفَاةِ عَدَمُ السُّقُوطِ، وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ.
فَإِنْ قِيلَ مُقْتَضَى قَوْلِ الْمُصَنِّفِ (قُلْت: وَلَا نَفَقَةَ لِمُعْتَدَّةِ وَفَاةٍ وَإِنْ كَانَتْ حَامِلًا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ) تَرْجِيحُ الْأَوَّلِ.
أُجِيبَ بِأَنَّهَا ثَمَّ وَجَبَتْ قَبْلَ الْمَوْتِ فَاغْتُفِرَ بَقَاؤُهَا فِي الدَّوَامِ فَإِنَّهُ أَقْوَى مِنْ الِابْتِدَاءِ، وَلِمَا مَرَّ مِنْ أَنَّ الْبَائِنَ لَا تَنْتَقِلُ إلَى عِدَّةِ الْوَفَاةِ بِخِلَافِ الرَّجْعِيَّةِ، وَإِنَّمَا سَقَطَتْ هُنَا لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَيْسَ لِلْحَامِلِ الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا نَفَقَةٌ» رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ.
قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -: وَلَا أَعْلَمُ مُخَالِفًا فِي ذَلِكَ، وَلِأَنَّهَا إنْ كَانَتْ حَائِلًا فَقَدْ بَانَتْ بِالْمَوْتِ، وَالْحَائِلُ الْبَائِنُ لَا نَفَقَةَ لَهَا، وَإِنْ كَانَتْ حَامِلًا، فَإِنْ قُلْنَا: النَّفَقَةُ لِلْحَمْلِ سَقَطَتْ؛ لِأَنَّ نَفَقَةَ الْقَرِيبِ تَسْقُطُ بِالْمَوْتِ، وَإِنْ قُلْنَا: لَهَا بِسَبَبِهِ فَكَذَلِكَ لِأَنَّهَا كَالْحَاضِنَةِ لِلْوَلَدِ، وَلَا تَجِبُ نَفَقَةُ الْحَاضِنَةِ بَعْدَ الْمَوْتِ.
تَنْبِيهٌ: تَسْقُطُ النَّفَقَةُ لَا السُّكْنَى بِنَفْيِ الْحَمْلِ، فَإِنْ اسْتَلْحَقَهُ رَجَعَتْ عَلَيْهِ بِأُجْرَةِ الرَّضَاعِ وَبِبَدَلِ الْإِنْفَاقِ عَلَيْهَا قَبْلَ الْوَضْعِ وَعَلَى وَلَدِهَا وَلَوْ كَانَ الْإِنْفَاقُ عَلَيْهِ بَعْدَ الرَّضَاعِ.
فَإِنْ قِيلَ رُجُوعُهَا بِمَا أَنْفَقَتْهُ عَلَى الْوَلَدِ يُنَافِي إطْلَاقَهُمْ أَنَّ نَفَقَةَ الْقَرِيبِ لَا تَصِيرُ دَيْنًا إلَّا بِقَرْضٍ.
.
أُجِيبَ بِأَنَّ الْأَبَ هُنَا تَعَدَّى بِنَفْيِهِ وَلَمْ يَكُنْ لَهَا طَلَبٌ فِي ظَاهِرِ الشَّرْعِ، فَلَمَّا أَكْذَبَ نَفْسَهُ رَجَعَتْ حِينَئِذٍ.
(وَنَفَقَةُ الْعِدَّةِ مُقَدَّرَةٌ كَزَمَنِ) أَيْ كَنَفَقَةِ زَمَنِ (النِّكَاحِ) مِنْ غَيْرِ زِيَادَةٍ وَنَقْصٍ؛ لِأَنَّهَا مِنْ تَوَابِعِهِ (وَقِيلَ) لَا تُقَدَّرُ بَلْ (تَجِبُ الْكِفَايَةُ) فَتُزَادُ وَتَنْقُصُ بِحَسَبِ الْحَاجَةِ، وَلَعَلَّ هَذَا قَوْلُ مَنْ يَقُولُ: النَّفَقَةُ لِلْحَمْلِ؛ لِأَنَّهَا نَفَقَةُ قَرِيبٍ، وَالرَّاجِحُ فِي الرَّوْضَةِ وَأَصْلِهَا الْقَطْعُ بِالْأَوَّلِ (وَلَا يَجِبُ) عَلَى الزَّوْجِ (دَفْعُهَا) لِلْحَامِلِ (قَبْلَ ظُهُورِ حَمْلٍ) سَوَاءٌ أَجَعَلْنَاهَا لَهَا أَمْ لِلْحَمْلِ؛ لِأَنَّا لَمْ نَتَحَقَّقْ سَبَبَ الْوُجُوبِ (فَإِذَا ظَهَرَ) حَمْلُهَا بِبَيِّنَةٍ أَوْ اعْتِرَافِ الزَّوْجِ أَوْ تَصْدِيقِهِ لَهَا (وَجَبَ) دَفْعُ النَّفَقَةِ لَهَا (يَوْمًا بِيَوْمٍ) أَيْ كُلَّ يَوْمٍ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: 6] ؛ وَلِأَنَّهَا لَوْ أُخِّرَتْ إلَى الْوَضْعِ لَتَضَرَّرَتْ (وَقِيلَ) لَا يَجِبُ دَفْعُهَا كَذَلِكَ بَلْ (حَتَّى تَضَعَ) فَتُدْفَعَ لَهَا جُمْلَةً وَاحِدَةً؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ الْبَرَاءَةُ حَتَّى يُتَيَقَّنَ السَّبَبُ، وَالْخِلَافُ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ الْحَمْلَ يُعْلَمُ أَمْ لَا، وَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ يُعْلَمُ، وَعَلَيْهِ لَوْ ادَّعَتْ ظُهُورَهُ فَأَنْكَرَ فَعَلَيْهَا الْبَيِّنَةُ، وَتَكْفِي فِيهِ شَهَادَةُ النِّسَاءِ فَيَثْبُتُ بِأَرْبَعِ نِسْوَةٍ عُدُولٍ، وَلَهُنَّ أَنْ يَشْهَدْنَ بِالْحَمْلِ وَإِنْ كَانَ لِدُونِ سِتَّةِ أَشْهُرٍ إذَا عَرَفْنَ.
تَنْبِيهٌ: لَوْ أَنْفَقَ يَظُنُّ الْحَمْلَ فَبَانَ خِلَافُهُ رَجَعَ عَلَيْهَا، وَمَرَّ مِثْلُهُ فِي الرَّجْعِيَّةِ (وَلَا تَسْقُطُ)
بِمُضِيِّ الزَّمَانِ عَلَى الْمَذْهَبِ.
فَصْلٌ أَعْسَرَ بِهَا فَإِنْ صَبَرَتْ صَارَتْ دَيْنًا عَلَيْهِ، وَإِلَّا فَلَهَا الْفَسْخُ عَلَى الْأَظْهَرِ.
[مغني المحتاج]
نَفَقَةُ الْعِدَّةِ (بِمُضِيِّ الزَّمَانِ) مِنْ غَيْرِ إنْفَاقٍ (عَلَى الْمَذْهَبِ) وَإِنْ قُلْنَا: إنَّ النَّفَقَةَ لِلْحَمْلِ؛ لِأَنَّهَا هِيَ الَّتِي تَنْتَفِعُ بِهَا فَتَصِيرُ دَيْنًا عَلَيْهِ.
وَالطَّرِيقُ الثَّانِي الْبِنَاءُ عَلَى الْخِلَافِ فِي أَنَّ النَّفَقَةَ لَهَا أَوْ لِلْحَمْلِ؟ فَإِنْ قُلْنَا: بِالْأَوَّلِ لَمْ تَسْقُطْ كَنَفَقَةِ الزَّوْجَةِ، وَإِنْ قُلْنَا بِالثَّانِي سَقَطَتْ كَنَفَقَةِ الْقَرِيبِ.
تَنْبِيهٌ: قَالَ الْمُتَوَلِّي: لَوْ أَبْرَأَتْ الزَّوْجَ مِنْ النَّفَقَةِ.
إنْ قُلْنَا: إنَّهَا لَهَا سَقَطَتْ، وَإِلَّا فَلَا.
تَنْبِيهٌ: لَا نَفَقَةَ لِحَامِلٍ مَمْلُوكَةٍ لَهُ أَعْتَقَهَا بِنَاءً عَلَى أَنَّهَا لِلْحَامِلِ، وَلَا يَلْزَمُ الْجَدَّ نَفَقَةُ زَوْجَةِ ابْنِهِ الْحَامِلِ مِنْهُ بِنَاءً عَلَى مَا ذُكِرَ، وَلَوْ نَشَزَتْ الْحَامِلُ سَقَطَتْ نَفَقَتُهَا وَلَوْ بَائِنًا، وَلَوْ نَكَحَ فَاسِدًا وَاسْتَمْتَعَ بِهَا ثُمَّ فُرِّقَ بَيْنَهُمَا فَلَيْسَ لَهُ الرُّجُوعُ بِمَا أَنْفَقَ عَلَيْهَا بَلْ يَجْعَلُ ذَلِكَ فِي مُقَابَلَةِ اسْتِمْتَاعِهِ بِهَا وَإِتْلَافِهِ مَنَافِعَهَا.
قَالَ الْأَذْرَعِيُّ: وَهَذَا التَّوْجِيهُ يُفْهِمُ أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَسْتَمْتِعْ بِهَا وَكَانَ قَدْ تَسَلَّمَهَا اسْتَرَدَّ، وَلَيْسَ مُرَادًا.
.
[فَصْلٌ فِي حُكْمِ الْإِعْسَار بِمُؤْنَةِ الزَّوْجَةِ الْمَانِعِ لَهَا مِنْ وُجُوبِ تَمْكِينِهَا]
، إذَا (أَعْسَرَ) الزَّوْجُ أَوْ مَنْ يَقُومُ مَقَامَهُ مِنْ فَرْعٍ أَوْ غَيْرِهِ (بِهَا) أَيْ: نَفَقَةِ زَوْجَتِهِ الْمُسْتَقْبَلَةِ كَتَلَفِ مَالِهِ (فَإِنْ صَبَرَتْ) بِهَا وَأَنْفَقَتْ عَلَى نَفْسِهَا مِنْ مَالِهَا أَوْ مِمَّا اقْتَرَضَتْهُ (صَارَتْ دَيْنًا عَلَيْهِ) وَإِنْ لَمْ يُقْرِضْهَا الْقَاضِي كَسَائِرِ الدُّيُونِ الْمُسْتَقِرَّةِ.
تَنْبِيهٌ: هَذَا إذَا لَمْ تَمْنَعْ نَفْسَهَا مِنْهُ، فَإِنْ مَنَعَتْ لَمْ تَصِرْ دَيْنًا عَلَيْهِ، قَالَهُ الرَّافِعِيُّ فِي الْكَلَامِ عَلَى الْإِمْهَالِ (وَإِلَّا) بِأَنْ لَمْ تَصْبِرْ (فَلَهَا الْفَسْخُ) بِالطَّرِيقِ الْآتِي (عَلَى الْأَظْهَرِ) وَقَطَعَ بِهِ الْأَكْثَرُونَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة: 229] ، فَإِذَا عَجَزَ عَنْ الْأَوَّلِ تَعَيَّنَ الثَّانِي، وَلِخَبَرِ الْبَيْهَقِيّ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ: " أَنَّ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيِّبِ سُئِلَ عَنْ رَجُلٍ لَا يَجِدُ مَا يُنْفِقُ عَلَى أَهْلِهِ، فَقَالَ: يُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا، فَقِيلَ لَهُ: سَنَةً؟ فَقَالَ: نَعَمْ سَنَةٌ "، قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: وَيُشْبِهُ أَنَّهُ سُنَّةُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلِأَنَّهَا إذَا فَسَخَتْ بِالْجَبِّ وَالْعُنَّةِ فَبِالْعَجْزِ عَنْ النَّفَقَةِ أَوْلَى؛ لِأَنَّ الْبَدَنَ لَا يَقُومُ بِدُونِهَا بِخِلَافِ الْوَطْءِ.
وَالثَّانِي: الْمَنْعُ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَالْمَزْنِيِّ لِعُمُومِ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ [البقرة: 280] ، وَلِأَنَّهُ إذَا لَمْ يَثْبُتْ لَهُ الْخِيَارُ بِنُشُوزِهَا وَعَجْزِهَا عَنْ التَّمْكِينِ.
فَكَذَلِكَ لَا يَثْبُتُ لِعَجْزِهِ عَنْ مُقَابِلِهِ.
أَمَّا لَوْ أَعْسَرَ بِنَفَقَةِ مَا مَضَى فَلَا فَسْخَ عَلَى الْأَصَحِّ، وَلَا فَسْخَ لَهَا أَيْضًا بِالْإِعْسَارِ بِنَفَقَةِ الْخَادِمِ، سَوَاءٌ أَخَدَمَتْ نَفْسَهَا أَمْ اسْتَأْجَرَتْ أَمْ أَنْفَقَتْ عَلَى خَادِمهَا.
نَعَمْ تَثْبُتُ فِي ذِمَّتِهِ عَلَى الْمَشْهُورِ، وَيَنْبَغِي كَمَا قَالَ الْأَذْرَعِيُّ
وَالْأَصَحُّ أَنْ لَا فَسْخَ بِمَنْعِ مُوسِرٍ حَضَرَ أَوْ غَابَ، وَلَوْ حَضَرَ وَغَابَ مَالُهُ، فَإِنْ كَانَ بِمَسَافَةِ الْقَصْرِ فَلَهَا الْفَسْخُ وَإِلَّا فَلَا، وَيُؤْمَرُ بِالْإِحْضَارِ، وَلَوْ تَبَرَّعَ رَجُلٌ بِهَا لَمْ يَلْزَمْهَا الْقَبُولُ،
[مغني المحتاج]
أَنْ يَكُونَ هَذَا فِي الْمَخْدُومَةِ لِرُتْبَتِهَا.
أَمَّا مَنْ تُخْدَمُ لِمَرَضِهَا وَنَحْوِهِ فَالْوَجْهُ عَدَمُ الثُّبُوتِ كَالْقَرِيبِ.
تَنْبِيهٌ: لَيْسَتْ هَذِهِ الْفُرْقَةُ فُرْقَةَ طَلَاقٍ بَلْ فَسْخٍ كَمَا فُهِمَ مِنْ الْمَتْنِ، وَالرَّجْعِيَّةُ كَالَّتِي فِي الْعِصْمَةِ، قَالَهُ إبْرَاهِيمُ الْمَرْوَزِيُّ.
(وَالْأَصَحُّ أَنْ لَا فَسْخَ) لِلزَّوْجَةِ (بِمَنْعِ) أَيْ امْتِنَاعِ (مُوسِرٍ) مِنْ الْإِنْفَاقِ بِأَنْ لَمْ يُوَفِّهَا حَقَّهَا مِنْهُ، سَوَاءٌ أَ (حَضَرَ) زَوْجُهَا (أَوْ غَابَ) عَنْهَا لِتَمَكُّنِهَا مِنْ تَحْصِيلِ حَقِّهَا بِالْحَاكِمِ أَوْ بِيَدِهَا إنْ قَدَرَتْ وَعِنْدَ غَيْبَتِهِ يَبْعَثُ الْحَاكِمُ لِحَاكِمِ بَلَدِهِ إنْ كَانَ مَوْضِعُهُ مَعْلُومًا فَيُلْزِمُهُ بِدَفْعِ نَفَقَتِهَا، فَإِنْ لَمْ يُعْرَفْ مَوْضِعُهُ بِأَنْ انْقَطَعَ خَبَرُهُ، فَهَلْ لَهَا الْفَسْخُ أَوْ لَا؟ نَقَلَ الزَّرْكَشِيُّ عَنْ صَاحِبَيْ الْمُهَذَّبِ وَالْكَافِي وَغَيْرِهِمَا أَنَّ لَهَا الْفَسْخَ، وَنَقَلَ الرُّويَانِيُّ فِي التَّجْرِبَةِ عَنْ نَصِّ الْأُمِّ أَنَّهُ لَا فَسْخَ مَا دَامَ الزَّوْجُ مُوسِرًا، وَإِنْ غَابَ غَيْبَةً مُنْقَطِعَةً وَتَعَذَّرَ اسْتِيفَاءُ النَّفَقَةِ مِنْ مَالِهِ اهـ. قَالَ الْأَذْرَعِيُّ: وَغَالِبُ ظَنِّي الْوُقُوفُ عَلَى هَذَا النَّصِّ فِي الْأُمِّ، فَإِنْ ثَبَتَ لَهُ نَصٌّ يُخَالِفُهُ فَذَاكَ وَإِلَّا فَمَذْهَبُهُ الْمَنْعُ بِالتَّعَذُّرِ كَمَا رَجَّحَهُ الشَّيْخَانِ اهـ.
وَهَذَا أَحْوَطُ، وَالْأَوَّلُ أَيْسَرُ.
تَنْبِيهٌ: قَوْلُ الْمُصَنِّفِ: " مُوسِرٍ " لَيْسَ بِقَيْدٍ، فَإِنَّهُ لَوْ غَابَ وَجُهِلَ حَالُهُ فِي الْيَسَارِ وَالْإِعْسَارِ فَلَا فَسْخَ؛ لِأَنَّ السَّبَبَ لَمْ يَتَحَقَّقْ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: فَلَوْ شَهِدَتْ الْبَيِّنَةُ أَنَّهُ غَابَ مُعْسِرًا فَلَا فَسْخَ كَمَا أَفْتَى بِهِ ابْنُ الصَّلَاحِ اسْتِصْحَابًا لِدَوَامِ النِّكَاحِ.
قَالَ: فَلَوْ شَهِدَتْ بِإِعْسَارِهِ الْآنَ بِنَاءً عَلَى الِاسْتِصْحَابِ جَازَ لَهَا ذَلِكَ إذَا لَمْ تَعْلَمْ زَوَالَهُ وَجَازَ الْفَسْخُ حِينَئِذٍ، فَإِنْ عَادَ الزَّوْجُ وَادَّعَى أَنَّ لَهُ مَالًا بِالْبَلَدِ خَفِيَ عَلَى بَيِّنَةِ الْإِعْسَارِ لَمْ يُؤْثَرْ إلَّا أَنْ يُثْبِتَ أَنَّهَا تَعْلَمُهُ وَيَقْدِرَ عَلَيْهِ فَيَتَبَيَّنُ بُطْلَانُ الْفَسْخِ، قَالَهُ الْغَزَالِيُّ فِي فَتَاوِيهِ (وَلَوْ حَضَرَ) الزَّوْجُ (وَغَابَ مَالُهُ، فَإِنْ كَانَ) غَائِبًا (بِمَسَافَةِ الْقَصْرِ) فَأَكْثَرَ (فَلَهَا الْفَسْخُ) وَلَا يَلْزَمُهَا الصَّبْرُ لِلضَّرَرِ كَمَا فِي نَظِيرِهِ فِي فَسْخِ الْبَائِعِ عِنْدَ غَيْبَةِ الثَّمَنِ.
تَنْبِيهٌ: هَذَا إذَا لَمْ يُنْفِقْ عَلَيْهَا بِنَحْوِ اسْتِدَانَةٍ وَإِلَّا فَلَا فَسْخَ لَهَا، وَلَوْ قَالَ: أَنَا أُحْضِرُهُ مُدَّةَ الْإِمْهَالِ، فَالظَّاهِرُ كَمَا قَالَ الْأَذْرَعِيُّ إجَابَتُهُ (وَإِلَّا) بِأَنْ كَانَ دُونَ مَسَافَةِ الْقَصْرِ (فَلَا) فَسْخَ لَهَا (وَيُؤْمَرُ بِالْإِحْضَارِ) بِسُرْعَةٍ؛ لِأَنَّ مَا دُونَ مَسَافَةِ الْقَصْرِ كَالْحَاضِرِ فِي الْبَلَدِ (وَلَوْ تَبَرَّعَ رَجُلٌ) مَثَلًا (بِهَا) عَنْ زَوْجٍ مُعْسِرٍ (لَمْ يَلْزَمْهَا الْقَبُولُ) بَلْ لَهَا الْفَسْخُ كَمَا لَوْ كَانَ لَهَا دَيْنٌ عَلَى إنْسَانٍ فَتَبَرَّعَ غَيْرُهُ بِقَضَائِهِ لَا يَلْزَمُهُ الْقَبُولُ لِمَا فِيهِ مِنْ الْمِنَّةِ، وَحَكَى ابْنُ كَجٍّ وَجْهًا أَنَّهُ لَا خِيَارَ لَهَا، وَبِهِ أَفْتَى الْغَزَالِيُّ؛ لِأَنَّ الْمِنَّةَ عَلَى الزَّوْجِ لَا عَلَيْهَا، وَلَوْ سَلَّمَهَا الْمُتَبَرِّعُ لِلزَّوْجِ ثُمَّ سَلَّمَهُ الزَّوْجُ لَهَا لَمْ يُفْسَخْ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْخُوَارِزْمِيُّ، وَلَوْ كَانَ الْمُتَبَرِّعُ أَبًا أَوْ جَدًّا وَالزَّوْجُ تَحْتَ حَجْرِهِ وَجَبَ عَلَيْهَا الْقَبُولُ كَمَا قَالَهُ الْإِسْنَوِيُّ، وَأَلْحَقَ الْأَذْرَعِيُّ بِهِ وَلَدَ الزَّوْجِ وَسَيِّدَهُ.
قَالَ: وَلَا شَكَّ فِيهِ إذَا أَعْسَرَ الْأَبُ وَتَبَرَّعَ وَلَدُهُ الَّذِي يَلْزَمُهُ إعْفَافُهُ
وَقُدْرَتُهُ عَلَى الْكَسْبِ كَالْمَالِ، وَإِنَّمَا يُفْسَخُ بِعَجْزِهِ عَنْ نَفَقَةِ مُعْسِرٍ.
وَالْإِعْسَارُ بِالْكِسْوَةِ
[مغني المحتاج]
تَنْبِيهٌ: يَجُوزُ لَهَا إذَا أَعْسَرَ الزَّوْجُ وَلَهُ دَيْنٌ عَلَى غَيْرِ مُؤَجِّلٍ بِقَدْرِ مُدَّةِ إحْضَارِ مَالِ الْغَائِبِ مِنْ مَسَافَةِ الْقَصْرِ الْفَسْخُ بِخِلَافِ تَأْجِيلِهِ بِدُونِ ذَلِكَ.
وَلَهَا الْفَسْخُ أَيْضًا لِكَوْنِ مَالِهِ عُرُوضًا لَا يُرْغَبُ فِيهَا وَلِكَوْنِ دَيْنِهِ حَالًّا عَلَى مُعْسِرٍ، وَلَوْ كَانَ الدَّيْنُ عَلَيْهَا؛ لِأَنَّهَا فِي حَالِ الْإِعْسَارِ لَا تَصِلُ إلَى حَقِّهَا، وَالْمُعْسِرُ يَنْظُرُ بِخِلَافِهَا فِي حَالِ الْيَسَارِ وَبِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ دَيْنُهُ عَلَى مُوسِرٍ حَاضِرٍ غَيْرِ مُمَاطِلٍ، وَلَوْ غَابَ الْمَدْيُونُ الْمُوسِرُ وَكَانَ مَالُهُ بِدُونِ مَسَافَةِ الْقَصْرِ، فَهَلْ لَهَا الْفَسْخُ أَوْ لَا؟ وَجْهَانِ، أَوْجُهُهُمَا الثَّانِي، وَكَلَامُ الرَّافِعِيِّ يَمِيلُ إلَيْهِ، فَإِنْ كَانَ الْمَدْيُونُ حَاضِرًا وَمَالُهُ بِمَسَافَةِ الْقَصْرِ كَانَ لَهَا الْفَسْخُ كَمَا لَوْ كَانَ مَالُ الزَّوْجِ غَائِبًا، وَلَا يُفْسَخُ بِكَوْنِ الزَّوْجِ مَدْيُونًا وَإِنْ اسْتَغْرَقَتْ الدُّيُونُ مَالَهُ حَتَّى يَصْرِفَهُ إلَيْهَا، وَلَا تُفْسَخُ بِضَمَانِ غَيْرِهِ لَهُ بِإِذْنِهِ نَفَقَةُ يَوْمٍ بِيَوْمٍ بِأَنْ تَجَدَّدَ ضَمَانُ كُلِّ يَوْمٍ.
وَأَمَّا ضَمَانُهَا جُمْلَةً لَا يَصِحُّ فَتُفْسَخُ بِهِ (وَقُدْرَتُهُ) أَيْ الزَّوْجِ (عَلَى الْكَسْبِ كَالْمَالِ) أَيْ كَالْقُدْرَةِ عَلَيْهِ، فَلَوْ كَانَ يَكْسِبُ كُلَّ يَوْمٍ قَدْرَ النَّفَقَةِ لَمْ يُفْسَخْ؛ لِأَنَّهَا هَكَذَا تَجِبُ، وَلَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يَدَّخِرَ لِلْمُسْتَقْبَلِ، فَلَوْ كَانَ يَكْسِبُ فِي يَوْمٍ مَا يَكْفِي لِثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مُتَّصِلًا ثُمَّ لَا يَكْسِبُ يَوْمَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةً ثُمَّ يَكْسِبُ فِي يَوْمٍ مَا يَكْفِي لِلْأَيَّامِ الْمَاضِيَةِ فَلَا فَسْخَ فَإِنَّهُ لَيْسَ بِمُعْسِرٍ، وَلَا تَشُقُّ الِاسْتِدَانَةُ لِمِثْلِ هَذَا التَّأْخِيرِ الْيَسِيرِ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ أَنْ يُصْبِرَهَا هَذِهِ الْمُدَّةَ بِلَا نَفَقَةٍ، بَلْ الْمُرَادُ كَمَا قَالَهُ الْمَاوَرْدِيُّ وَالرُّويَانِيُّ وَغَيْرُهُمَا أَنَّ هَذَا فِي حُكْمِ الْوَاجِدِ لِنَفَقَتِهَا وَتُنْفِقُ مِمَّا اسْتَدَانَهُ لِإِمْكَانِ الْقَضَاءِ، فَلَوْ كَانَ يَكْسِبُ فِي يَوْمٍ كِفَايَةَ أُسْبُوعٍ فَتَعَذَّرَ الْعَمَلُ فِيهِ لِعَارِضٍ فَسَخَتْ لِتَضَرُّرِهَا، وَيَكُونُ قُدْرَتُهُ عَلَى الْكَسْبِ بِمَنْزِلَةِ دَيْنٍ مُؤَجَّلٍ لَهُ عَلَى غَيْرِهِ بِقَدْرِ مَا مَرَّ فِيهِ، وَلَوْ امْتَنَعَ مِنْ الْكَسْبِ مَعَ قُدْرَتِهِ عَلَيْهِ لَمْ تَفْسَخْ، كَالْمُوسِرِ الْمُمْتَنِعِ.
تَنْبِيهٌ: أَفْهَمَ كَلَامُهُ أَنَّهُ يَلْزَمُهُ الْكَسْبُ لِلْإِنْفَاقِ عَلَيْهَا، وَهُوَ كَذَلِكَ كَمَا يَلْزَمُهُ لِنَفَقَةِ نَفْسِهِ وَأَنَّهُ لَوْ قَدَرَ عَلَى تَكَسُّبِ نَفَقَةِ الْمُوسِرِ لَزِمَهُ تَعَاطِيهِ، وَلَكِنَّ الَّذِي فِي الرَّوْضَةِ وَأَصْلِهَا أَوَائِلَ هَذَا الْبَابِ أَنَّ الْقُدْرَةَ عَلَى كَسْبٍ وَاسِعٍ لَا يُخْرِجهُ عَنْ حَدِّ الْإِعْسَارِ وَأَطْلَقَ الشَّيْخَانِ الْكَسْبَ، وَمَحَلُّهُ مَا إذَا كَانَ قَادِرًا عَلَى كَسْبٍ حَلَالٍ.
أَمَّا إذَا كَانَ الْكَسْبُ بِأَعْيَانٍ مُحَرَّمَةٍ كَبَيْعِ الْخَمْرِ أَوْ كَانَ الْفِعْلُ الْمُوَصِّلُ لِلْكَسْبِ مُحَرَّمًا كَكَسْبِ الْمُنَجِّمِ وَالْكَاهِنِ فَهُوَ كَالْعَدَمِ؛ وَإِنْ خَالَفَ الْمَاوَرْدِيُّ وَالرُّويَانِيُّ فِي الْقِسْمِ الثَّانِي (وَإِنَّمَا يُفْسَخُ) لِلزَّوْجَةِ النِّكَاحُ (بِعَجْزِهِ) أَيْ الزَّوْجِ (عَنْ نَفَقَةِ مُعْسِرٍ) حَاضِرَةٍ؛ لِأَنَّ الضَّرَرَ يَتَحَقَّقُ بِذَلِكَ، فَلَوْ عَجَزَ عَنْ نَفَقَةِ مُوسِرٍ أَوْ مُتَوَسِّطٍ لَمْ يَنْفَسِخْ؛ لِأَنَّ نَفَقَتَهُ الْآنَ نَفَقَةُ مُعْسِرٍ فَلَا يَصِيرُ الزَّائِدُ دَيْنًا عَلَيْهِ، بِخِلَافِ الْمُوسِرِ أَوْ الْمُتَوَسِّطِ إذَا أَنْفَقَ مُدًّا فَإِنَّهَا لَا تُفْسَخُ وَيَصِيرُ الْبَاقَّيْ دَيْنًا عَلَيْهِ.
فُرُوعٌ: لَوْ وَجَدَ الزَّوْجُ نِصْفَ الْمُدِّ بُكْرَةَ غَدٍ وَقْتِهِ وَنِصْفَهُ عِشَاءً كَذَلِكَ لَمْ تُفْسَخُ فِي الْأَصَحِّ، وَلَوْ وَجَدَ يَوْمًا مُدًّا وَيَوْمًا نِصْفَ مُدٍّ كَانَ لَهَا الْفَسْخُ، وَلَوْ وَجَدَ كُلَّ يَوْمٍ أَكْثَرَ مِنْ نِصْفِ مُدٍّ كَانَ لَهَا الْفَسْخُ أَيْضًا كَمَا شَمِلَتُهُ عِبَارَةُ الْمُصَنِّفِ وَإِنْ زَعَمَ الزَّرْكَشِيُّ خِلَافَهُ.
(وَالْإِعْسَارُ بِالْكِسْوَةِ
كَهُوَ بِالنَّفَقَةِ، وَكَذَا بِالْأُدْمِ، وَالْمَسْكَنِ فِي الْأَصَحِّ.
قُلْت: الْأَصَحُّ الْمَنْعُ فِي الْأُدْمِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَفِي إعْسَارِهِ بِالْمَهْرِ أَقْوَالٌ: أَظْهَرُهَا تُفْسَخُ قَبْلَ وَطْءٍ لَا بَعْدَهُ،
[مغني المحتاج]
كَهُوَ) أَيْ كَالْإِعْسَارِ (بِالنَّفَقَةِ) عَلَى الصَّحِيحِ إذْ لَا بُدَّ مِنْهَا وَلَا يَبْقَى الْبَدَنُ بِدُونِهَا غَالِبًا، وَقِيلَ: لَا؛ لِأَنَّ الْحَيَاةَ تَبْقَى بِدُونِهَا.
تَنْبِيهٌ: سَكَتَ الشَّيْخَانِ عَنْ الْإِعْسَارِ بِبَعْضِ الْكِسْوَةِ، وَأَطْلَقَ الْفَارِقِيُّ أَنَّ لَهَا الْفَسْخَ، وَالتَّحْرِيرَ فِيهَا كَمَا قَالَ الْأَذْرَعِيُّ مَا أَفْتَى بِهِ ابْنُ الصَّلَاحِ، وَهُوَ أَنَّ الْمَعْجُوزَ عَنْهُ إنْ كَانَ مِمَّا لَا بُدَّ مِنْهُ كَالْقَمِيصِ، وَالْخِمَارِ، وَجُبَّةِ الشِّتَاءِ، فَلَهَا الْخِيَارُ، وَإِنْ كَانَ مِنْهُ بُدٌّ كَالسَّرَاوِيلِ وَالنَّعْلِ وَبَعْضِ مَا يُفْرَشُ وَالْمِخَدَّةِ فَلَا خِيَارَ وَلَا فَسْخَ بِالْعَجْزِ عَنْ الْأَوَانِي وَنَحْوِهَا كَمَا جَزَمَ بِهِ الْمُتَوَلِّي؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ ضَرُورِيًّا كَالسُّكْنَى وَإِنْ كَانَ يَصِيرُ دَيْنًا فِي ذِمَّتِهِ (وَكَذَا) الْإِعْسَارُ (بِالْأُدْمِ وَالْمَسْكَنِ) كَهُوَ بِالنَّفَقَةِ (فِي الْأَصَحِّ) لِلْحَاجَةِ إلَيْهِمَا؛ لِأَنَّهُ يُعْسَرُ الصَّبْرُ عَلَى الْخُبْزِ الْبَحْتِ، أَيْ: الَّذِي بِلَا أُدْمٍ، وَلَا بُدَّ لِلْإِنْسَانِ مِنْ مَسْكَنٍ يَقِيهِ مِنْ الْحَرِّ وَالْبَرْدِ.
وَالثَّانِي: لَا فَسْخَ بِذَلِكَ.
أَمَّا الْمَسْكَنُ فَلِأَنَّ النَّفْسَ تَقُومُ بِدُونِهِ، فَإِنَّهُ لَا يُعْدَمُ مَسْجِدًا أَوْ مَوْضِعًا مُبَاحًا، وَرُدَّ بِأَنَّ الْحَوَالَةَ عَلَى الْمَسْجِدِ وَنَحْوِهِ كَالْحَوَالَةِ فِي النَّفَقَةِ عَلَى السُّؤَالِ.
وَأَمَّا الْأُدْمُ فَلِأَنَّ الْبَدَنَ يَقُومُ بِدُونِهِ، وَلِذَا قَالَ الْمُصَنِّفُ (قُلْت: الْأَصَحُّ الْمَنْعُ) أَيْ: مَنْعُ فَسْخِهَا (فِي) الْإِعْسَارِ بِسَبَبِ (الْأُدْمِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ) بِخِلَافِ الْقُوتِ، وَهَذَا مَا صَحَّحَهُ الرَّافِعِيُّ فِي الشَّرْحِ الصَّغِيرِ، وَاقْتَضَى كَلَامُ الْكَبِيرِ أَنَّ الْأَكْثَرِينَ عَلَيْهِ، وَتَوَسَّطَ الْمَاوَرْدِيُّ فَقَالَ: إنْ كَانَ الْقُوتُ مِمَّا يَنْسَاغُ دَائِمًا لِلْفُقَرَاءِ بِلَا أُدْمٍ فَلَا فَسْخَ وَإِلَّا فُسِخَتْ، وَتَقَدَّمَ الْكَلَامُ فِي الْإِعْسَارِ بِنَفَقَةِ الْخَادِمِ.
(وَفِي إعْسَارِهِ بِالْمَهْرِ أَقْوَالٌ: أَظْهَرُهَا) عِنْدَ الْأَكْثَرِينَ (تَفْسَخُ قَبْلَ وَطْءٍ) لِلْعَجْزِ عَنْ تَسْلِيمِ الْعِوَضِ مَعَ بَقَاءِ الْمُعَوَّضِ فَأَشْبَهَ مَا إذَا لَمْ يَقْبِضْ الْبَائِعُ الثَّمَنَ حَتَّى حَجَرَ عَلَى الْمُشْتَرِي بِالْفَلَسِ وَالْمَبِيعُ بَاقٍ بِعَيْنِهِ، وَهَذَا الْفَسْخُ عَلَى الْفَوْرِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الرَّافِعِيُّ، وَكَلَامُ التَّتِمَّةِ يَقْتَضِي خِلَافَهُ، وَ (لَا) تُفْسَخُ (بَعْدَهُ) لِتَلَفِ الْمُعَوَّضِ وَصَيْرُورَةِ الْعِوَضِ دَيْنًا فِي الذِّمَّةِ.
وَالثَّانِي: لَا يَثْبُتُ الْفَسْخُ مُطْلَقًا؛ لِأَنَّ النَّفْسَ تَقُومُ بِدُونِ الْمَهْرِ.
وَالثَّالِثُ: تُفْسَخُ مُطْلَقًا، أَمَّا قَبْلَ الدُّخُولِ فَلَمَّا مَرَّ.
وَأَمَّا بَعْدَهُ فَلِأَنَّ الْبُضْعَ لَا يُتْلَفُ حَقِيقَةً بِالْوَطْءِ.
تَنْبِيهٌ: مَحَلُّ مَا ذُكِرَ مِنْ التَّفْصِيلِ مَا إذَا لَمْ تَقْبِضْ مِنْ الْمَهْرِ شَيْئًا، فَلَوْ قَبَضَتْ بَعْضَهُ قَبْلَ الدُّخُولِ كَمَا هُوَ مُعْتَادٌ وَأَعْسَرَ بِالْبَاقِي أَفْتَى ابْنُ الصَّلَاحِ بِأَنَّهُ لَا فَسْخَ بِعَجْزِهِ عَنْ بَقِيَّتِهِ؛ لِأَنَّهُ اسْتَقَرَّ لَهُ مِنْ الْبُضْعِ بِقِسْطِهِ، فَلَوْ فَسَخَتْ لَعَادَ لَهَا الْبُضْعُ بِكَمَالِهِ لِتَعَذُّرِ الشَّرِكَةِ فِيهِ فَيُؤَدِّي إلَى الْفَسْخِ فِيمَا اسْتَقَرَّ لِلزَّوْجِ، بِخِلَافِ نَظِيرِهِ مِنْ الْفَسْخِ بِالْفَلَسِ لِإِمْكَانِ الشَّرِكَةِ فِي الْبَيْعِ، وَأَفْتَى الْبَارِزِيُّ بِأَنَّ لَهَا الْفَسْخَ، وَهُوَ مُقْتَضَى كَلَامِ الْمُصَنِّفِ لِصِدْقِ الْعَجْزِ عَنْ الْمَهْرِ بِالْعَجْزِ عَنْ بَعْضِهِ، وَبِهِ صَرَّحَ الْمَاوَرْدِيُّ.
وَقَالَ الْأَذْرَعِيُّ: هُوَ الْوَجْهُ نَقْلًا وَمَعْنًى اهـ.
وَهَذَا هُوَ الْمُعْتَمَدُ كَمَا اعْتَمَدَهُ السُّبْكِيُّ وَغَيْرُهُ إذْ يَلْزَمُ عَلَى فَتْوَى ابْنِ الصَّلَاحِ كَمَا قَالَ ابْنُ شُهْبَةَ إجْبَارُ الزَّوْجَةِ عَلَى تَسْلِيمِ
وَلَا فَسْخَ حَتَّى يَثْبُتَ عِنْدَ قَاضٍ إعْسَارُهُ فَيَفْسَخَهُ أَوْ يَأْذَنَ لَهَا فِيهِ ثُمَّ فِي قَوْلٍ يُنَجَّزُ الْفَسْخُ، وَالْأَظْهَرُ إمْهَالُهُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، وَلَهَا الْفَسْخُ صَبِيحَةَ الرَّابِعِ إلَّا أَنْ يُسَلِّمَ نَفَقَتَهُ، وَلَوْ مَضَى يَوْمَانِ بِلَا نَفَقَةٍ وَأَنْفَقَ الثَّالِثَ وَعَجَزَ الرَّابِعَ بَنَتْ، وَقِيلَ تَسْتَأْنِفُ.
[مغني المحتاج]
نَفْسِهَا بِتَسْلِيمِ بَعْضِ الصَّدَاقِ إذْ لَيْسَ لَهَا مَنْعُ الزَّوْجِ مِمَّا اسْتَقَرَّ لَهُ مِنْ الْبُضْعِ، وَهُوَ مُسْتَبْعَدٌ، وَلَوْ أُجْبِرَتْ لَاتَّخَذَ الْأَزْوَاجُ ذَلِكَ ذَرِيعَةً إلَى إبْطَالِ حَقِّ الْمَرْأَةِ مِنْ حَبْسِ نَفْسِهَا بِتَسْلِيمِ دِرْهَمٍ وَاحِدٍ مِنْ صَدَاقٍ وَهُوَ أَلْفُ دِرْهَمٍ وَهُوَ فِي غَايَةِ الْبُعْدِ، وَقَوْلُ ابْنِ الصَّلَاحِ: لَوْ جَوَّزْنَا لِلْمَرْأَةِ الْفَسْخَ لَعَادَ إلَيْهَا الْبُضْعُ بِكَمَالِهِ مُعَارَضٌ بِمِثْلِهِ، وَهُوَ أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَجُزْ لَهَا الْفَسْخُ لَلَزِمَ إجْبَارُهَا عَلَى تَسْلِيمِ الْبُضْعِ بِكَمَالِهِ مَعَ أَنَّهُ لَا مَحْذُورَ فِي رُجُوعِ الْبُضْعِ إلَيْهَا بِكَمَالِهِ؛ لِأَنَّ الصَّدَاقَ يُرَدُّ عَلَى الزَّوْجِ بِكَمَالِهِ، إذْ عَلَى تَقْدِيرِ الْفَسْخِ يَجِبُ عَلَيْهَا رَدُّ مَا قَبَضَتْهُ (وَلَا فَسْخَ) بِإِعْسَارِ زَوْجٍ بِشَيْءٍ مِمَّا ذُكِرَ (حَيْثُ يَثْبُتُ عِنْدَ قَاضٍ) بَعْدَ الرَّفْعِ أَوْ عِنْدَ مُحَكِّمٍ (إعْسَارُهُ) بِبَيِّنَةٍ أَوْ إقْرَارِهِ فَلَا بُدَّ مِنْ الرَّفْعِ إلَى الْقَاضِي كَمَا فِي الْعُنَّةِ؛ لِأَنَّهُ مَحَلُّ اجْتِهَادٍ، وَيَكْفِي عِلْمُ الْقَاضِي إذَا قُلْنَا: يَحْكُمُ بِعِلْمِهِ وَحِينَئِذٍ (فَيَفْسَخَهُ) بِنَفْسِهِ أَوْ نَائِبِهِ بَعْدَ الثُّبُوتِ (أَوْ يَأْذَنُ لَهَا فِيهِ) وَلَيْسَ لَهَا مَعَ عِلْمِهَا بِالْعَجْزِ الْفَسْخُ قَبْلَ الرَّفْعِ إلَى الْقَاضِي وَلَا بَعْدَهُ قَبْلَ الْإِذْنِ فِيهِ، وَلَا حَاجَةَ كَمَا قَالَ الْإِمَامُ إلَى إيقَاعِهِ فِي مَجْلِسِ الْحُكْمِ؛ لِأَنَّهُ الَّذِي يَتَعَلَّقُ بِهِ إثْبَاتُ حَقِّ الْفَسْخِ.
تَنْبِيهٌ: هَذَا إذَا قَدَرَتْ عَلَى الرَّفْعِ إلَى الْقَاضِي، فَإِنْ اسْتَقَلَّتْ بِالْفَسْخِ لِعَدَمِ حَاكِمٍ وَمُحَكِّمٍ، أَوْ عَجَزَتْ عَنْ الرَّفْعِ إلَى الْقَاضِي نَفَذَ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا لِلضَّرُورَةِ، أَمَّا عِنْدَ الْقُدْرَةِ عَلَى ذَلِكَ فَلَا يَنْفُذُ ظَاهِرًا وَكَذَا بَاطِنًا كَمَا رَجَّحَهُ ابْنُ الْمُقْرِي وَصَرَّحَ بِهِ الْإِسْنَوِيُّ أَخْذًا مِنْ نَقْلِ الْإِمَامِ لَهُ عَنْ مُقْتَضَى كَلَامِ الْأَئِمَّةِ، وَقَوْلُ الْمُصَنِّفِ فَيَفْسَخُهُ بِالرَّفْعِ بِخَطِّهِ، وَيَجُوزُ فِيهِ وَفِي يَأْذَنُ النَّصْبُ عَطْفًا عَلَى يَثْبُتَ (ثُمَّ) عَلَى ثُبُوتِ الْفَسْخِ بِإِعْسَارِ الزَّوْجِ بِالنَّفَقَةِ لَا يُمْهَلُ بِهَا (فِي قَوْلٍ) وَنُسِبَ لِلْقَدِيمِ بَلْ (يُنَجَّزُ الْفَسْخُ) عِنْدَ الْإِعْسَارِ وَقْتَ وُجُوبِ تَسْلِيمِهَا؛ لِأَنَّ سَبَبَهُ الْإِعْسَارُ وَقَدْ حَصَلَ، وَلَا تَلْزَمُ الْإِمْهَالَ بِالْفَسْخِ (وَالْأَظْهَرُ إمْهَالُهُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ) وَإِنْ لَمْ يَطْلُبْ الزَّوْجُ الْإِمْهَالَ لِتَحَقُّقِ عَجْزِهِ فَإِنَّهُ قَدْ يَعْجَزُ لِعَارِضٍ ثُمَّ يَزُولُ، وَهِيَ مُدَّةٌ قَرِيبَةٌ يُتَوَقَّعُ فِيهَا الْقُدْرَةُ بِقَرْضٍ أَوْ غَيْرِهِ (وَلَهَا) بَعْدَ الْإِمْهَالِ (الْفَسْخُ صَبِيحَةَ الرَّابِعِ) بِعَجْزِهِ عَنْ نَفَقَتِهِ بِلَا مُهْلَةٍ إلَى بَيَاضِ النَّهَارِ لِتَحَقُّقِ الْإِعْسَارِ (إلَّا أَنْ يُسَلِّمَ نَفَقَتَهُ) أَيْ الرَّابِعِ فَقَطْ فَلَا تُفْسَخُ لِمَا مَضَى حِينَئِذٍ لِتَبَيُّنِ زَوَالِ الْعَارِضِ الَّذِي كَانَ الْفَسْخُ لِأَجْلِهِ، وَإِنْ عَجَزَ بَعْدَ أَنْ سَلَّمَ نَفَقَةَ الرَّابِعِ عَنْ نَفَقَةِ الْخَامِسِ بَنَتْ عَلَى الْمُدَّةِ وَلَمْ تَسْتَأْنِفْهَا كَمَا يُعْلَمُ مِنْ قَوْلِهِ (وَلَوْ مَضَى) عَلَى زَوْجِهَا (يَوْمَانِ بِلَا نَفَقَةٍ وَأَنْفَقَ الثَّالِثَ) بِأَنْ سَلَّمَ زَوْجَتَهُ نَفَقَتَهُ (وَعَجَزَ الرَّابِعَ) أَيْ: عَجَزَ فِيهِ عَنْ تَسْلِيمِ نَفَقَتِهِ (بَنَتْ) عَلَى الْيَوْمَيْنِ الْأَوَّلَيْنِ، وَلَهَا الْفَسْخُ صَبِيحَةَ الْخَامِسِ وَفِي الصُّورَتَيْنِ لِتَضَرُّرِهَا بِالِاسْتِئْنَافِ (وَقِيلَ تَسْتَأْنِفُ) مُدَّةً كَامِلَةً؛ لِأَنَّ الْعَجْزَ الْأَوَّلَ قَدْ زَالَ، وَضَعَّفَهُ الْإِمَامُ بِأَنَّهُ قَدْ يَتَّخِذُ ذَلِكَ عَادَةً فَيُؤَدِّي إلَى ضَرَرٍ عَظِيمٍ.
تَنْبِيهٌ: لَيْسَ لَهَا أَنْ تَأْخُذَ نَفَقَةَ يَوْمٍ قَدَرَ فِيهِ عَنْ نَفَقَةِ يَوْمٍ قَبْلَهُ عَجَزَ فِيهِ عَنْ نَفَقَتِهِ لِتَفْسَخَ عِنْدَ
وَلَهَا الْخُرُوجُ زَمَنَ الْمُهْلَةِ لِتَحْصِيلِ النَّفَقَةِ، وَعَلَيْهَا الرُّجُوعُ لَيْلًا.
وَلَوْ رَضِيَتْ بِإِعْسَارِهِ أَوْ نَكَحَتْهُ عَالِمَةً بِإِعْسَارِهِ فَلَهَا الْفَسْخُ بَعْدَهُ، وَلَوْ رَضِيَتْ بِإِعْسَارِهِ بِالْمَهْرِ فَلَا،
[مغني المحتاج]
تَمَامِ الْمُدَّةِ؛ لِأَنَّ الْعِبْرَةَ فِي الْأَدَاءِ بِقَصْدِ الْمُؤَدِّي، فَإِنْ تَرَاضَيَا عَلَى ذَلِكَ فَفِيهِ احْتِمَالَانِ: أَحَدُهُمَا: لَهَا الْفَسْخُ عِنْدَ تَمَامِ الثَّلَاثِ بِالتَّلْفِيقِ.
وَثَانِيهِمَا: لَا، وَتُجْعَلُ الْقُدْرَةُ عَلَيْهَا مُبْطِلَةً لِلْمُهْلَةِ.
قَالَ الْأَذْرَعِيُّ: وَالْمُتَبَادِرُ تَرْجِيحُ الْأَوَّلِ، وَرَجَّحَ ابْنُ الرِّفْعَةِ الثَّانِي بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ لَا فَسْخَ بِنَفَقَةِ الْمُدَّةِ الْمَاضِيَةِ.
وَأُجِيبَ عَنْهُ بِأَنَّ عَدَمَ فَسْخِهَا بِنَفَقَةِ الْمُدَّةِ الْمَاضِيَةِ قَبْلَ أَيَّامِ الْمُهْلَةِ لَا فِيهَا.
(وَلَهَا الْخُرُوجُ) مِنْ بَيْتِهَا (زَمَنَ الْمُهْلَةِ) نَهَارًا (لِتَحْصِيلِ النَّفَقَةِ) بِكَسْبٍ أَوْ تِجَارَةٍ أَوْ سُؤَالٍ، وَلَيْسَ لَهُ مَنْعُهَا سَوَاءٌ كَانَتْ فَقِيرَةً أَمْ غَنِيَّةً؛ لِأَنَّ التَّمْكِينَ وَالطَّاعَةَ فِي مُقَابَلَةِ النَّفَقَةِ، فَإِذَا لَمْ يُوَفِّهَا مَا عَلَيْهِ لَمْ يَسْتَحِقَّ عَلَيْهَا حَجْرًا.
تَنْبِيهٌ: قَضِيَّةُ كَلَامِهِ أَنَّهُ لَوْ أَمْكَنَهَا الْإِنْفَاقُ مِنْ مَالِهَا أَوْ كَسْبٍ فِي بَيْتِهِ امْتَنَعَ عَلَيْهَا الْخُرُوجُ وَهُوَ وَجْهٌ، وَالصَّحِيحُ الْمَنْصُوصُ الْأَوَّلُ (وَعَلَيْهَا الرُّجُوعُ) إلَى بَيْتِهَا (لَيْلًا) لِأَنَّهُ وَقْتُ الْإِيوَاءِ دُونَ الْعَمَلِ وَالِاكْتِسَابِ، وَلَهَا مَنْعُهُ مِنْ الِاسْتِمْتَاعِ بِهَا نَهَارًا، وَلَا تَسْقُطُ نَفَقَتُهَا بِذَلِكَ فَكَذَا لَيْلًا، لَكِنْ تَسْقُطُ نَفَقَتُهَا عَنْ ذِمَّةِ الزَّوْجِ مُدَّةَ مَنْعِهَا، وَظَاهِرُ عِبَارَةِ ابْنِ الْمُقْرِي سُقُوطُهَا حَيْثُ مَنَعَتْهُ، وَالْمُعْتَمَدُ الْأَوَّلُ، فَفِي الْحَاوِي أَنَّهُ يَسْتَحِقُّ التَّمَتُّعَ بِهَا لَيْلًا لَا نَهَارًا مِنْ الْمُهْلَةِ، فَإِنْ أَبَتْ نَهَارَهُ فَلَيْسَتْ بِنَاشِزَةٍ، أَوْ لَيْلًا فَنَاشِزَةٌ وَلَا نَفَقَةَ لَهَا وَتَبِعَهُ فِي الْكِفَايَةِ.
(وَلَوْ رَضِيَتْ بِإِعْسَارِهِ) الْعَارِضِ (أَوْ نَكَحَتْهُ عَالِمَةً بِإِعْسَارِهِ فَلَهَا الْفَسْخُ بَعْدَهُ) أَيْ الرِّضَا فِي الصُّورَتَيْنِ؛ لِأَنَّ الضَّرَرَ يَتَجَدَّدُ كُلَّ يَوْمٍ، وَلَا أَثَرَ لِقَوْلِهَا: رَضِيت بِإِعْسَارِهِ أَبَدًا فَإِنَّهُ وَعْدٌ لَا يَلْزَمُ الْوَفَاءُ بِهِ.
تَنْبِيهٌ: يُسْتَثْنَى مِنْ إطْلَاقِهِ يَوْمَ الرِّضَا فَإِنَّهُ لَا خِيَارَ لَهَا فِيهِ كَمَا قَالَهُ الْبَنْدَنِيجِيُّ وَالْبَغَوِيُّ، وَيَتَجَدَّدُ الْإِمْهَالُ إذَا طَلَبَتْ الْفَسْخَ بَعْدَ الرِّضَا (وَلَوْ رَضِيَتْ بِإِعْسَارِهِ بِالْمَهْرِ فَلَا) فَسْخَ لَهَا بِذَلِكَ بَعْدَ الرِّضَا؛ لِأَنَّ الضَّرَرَ لَا يَتَجَدَّدُ وَالْحَاصِلُ مَرْضِيٌّ بِهِ.
تَنْبِيهٌ: سَكَتَ الْمُصَنِّفُ عَمَّا لَوْ نَكَحَتْهُ عَالِمَةً بِإِعْسَارِهِ بِالْمَهْرِ، بَلْ قَضِيَّتُهُ ثُبُوتُ الْفَسْخِ، لَكِنَّهُمَا رَجَّحَا عَدَمَهُ، كَمَا لَوْ رَضِيَتْ بِهِ فِي النِّكَاحِ ثُمَّ بَدَا لَهَا أَنْ تَفْسَخَ بِخِلَافِ النَّفَقَةِ.
قَالَ الْإِسْنَوِيُّ: وَهَذَا ضَعِيفٌ وَالْمَذْهَبُ خِلَافُهُ، فَقَدْ حَكَاهُ الْعِمْرَانِيُّ عَنْ الْجَدِيدِ، وَذَلِكَ عَنْ الْقَدِيمِ، وَقَدْ اغْتَرَّ فِي الرَّوْضَةِ بِمَا قَالَهُ الرَّافِعِيُّ مِنْ عِنْدِهِ لَمَّا لَمْ يَقِفْ عَلَى غَيْرِهِ وَزَادَ فَعَبَّرَ بِالْأَصَحِّ.
وَقَالَ الزَّرْكَشِيُّ: قَالَ ابْنُ الرِّفْعَةِ: وَعَلَى الْفَسْخِ اقْتَصَرَ الْمَاوَرْدِيُّ وَالْجُمْهُورُ اهـ.
وَبِالْجُمْلَةِ فَالْمُعْتَمَدُ عَدَمُ الْفَسْخِ لِمَا مَرَّ، وَسَكَتَ أَيْضًا عَمَّا لَوْ نَكَحَتْ ثُمَّ عَلِمَتْ بِإِعْسَارِهِ فَأَمْسَكَتْ عَنْ الْمُحَاكَمَةِ، وَاَلَّذِي نَقَلَاهُ عَنْ الرُّويَانِيِّ وَأَقَرَّاهُ وَهُوَ فِي الْحَاوِي: أَنَّهُ إذَا كَانَ ذَلِكَ بَعْدَ طَلَبِهَا الْمَهْرَ كَانَ رِضًا بِالْإِعْسَارِ وَسَقَطَ خِيَارُهَا، وَإِنْ كَانَ قَبْلَ الْمُطَالَبَةِ لَمْ يَسْقُطْ، فَقَدْ تُؤَخِّرُ الْمُطَالَبَةَ لِوَقْتِ الْيَسَارِ، وَالْخِيَارُ بَعْدَ الرَّفْعِ إلَى الْقَاضِي عَلَى الْفَوْرِ، فَلَوْ أَخَّرَتْ الْفَسْخَ سَقَطَ؛ لِأَنَّ الضَّرَرَ لَا يَتَجَدَّدُ وَقَدْ
وَلَا فَسْخَ لِوَلِيِّ صَغِيرَةٍ وَمَجْنُونَةٍ بِإِعْسَارٍ بِمَهْرٍ وَنَفَقَةٍ.
وَلَوْ أَعْسَرَ زَوْجُ أَمَةٍ بِالنَّفَقَةِ فَلَهَا الْفَسْخُ، فَإِنْ رَضِيَتْ فَلَا فَسْخَ لِلسَّيِّدِ فِي الْأَصَحِّ، وَلَهُ أَنْ يُلْجِئَهَا إلَيْهِ بِأَنْ لَا يُنْفِقَ عَلَيْهَا وَيَقُولَ: افْسَخِي أَوْ جُوعِي.
[مغني المحتاج]
رَضِيَتْ بِإِعْسَارِهِ وَقَبْلَهُ عَلَى التَّرَاخِي؛ لِأَنَّهَا قَدْ تُؤَخِّرُ الطَّلَبَ لِتَوَقُّعِ الْيَسَارِ، وَعُلِمَ مِنْ كَوْنِهِ عَلَى الْفَوْرِ بَعْدَ الطَّلَبِ أَنَّهُ لَا يُمْهَلُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَلَا دُونَهَا، وَبِهِ صَرَّحَ الْمَاوَرْدِيُّ وَالرُّويَانِيُّ.
قَالَ الْأَذْرَعِيُّ: وَلَيْسَ بِوَاضِحٍ، بَلْ قَدْ يُقَالُ: إنَّ الْإِمْهَالَ هُنَا أَوْلَى؛ لِأَنَّهَا تَتَضَرَّرُ بِتَأْخِيرِ النَّفَقَةِ، بِخِلَافِ الْمَهْرِ انْتَهَى، وَهُوَ ظَاهِرٌ لَكِنَّ الْمَنْقُولَ خِلَافُهُ (وَ) اعْلَمْ أَنَّ الْفَسْخَ حَقُّ الزَّوْجَةِ وَحِينَئِذٍ (لَا فَسْخَ لِوَلِيِّ صَغِيرَةٍ وَمَجْنُونَةٍ) وَإِنْ كَانَ فِيهِ مَصْلَحَةٌ لَهُمَا (بِإِعْسَارٍ بِمَهْرٍ وَنَفَقَةٍ) كَمَا لَا يُطَلِّقُ عَلَيْهِمَا، وَإِنْ كَانَ فِيهِ مَصْلَحَتُهُمَا؛ لِأَنَّ الْخِيَارَ يَتَعَلَّقُ بِالطَّبْعِ وَالشَّهْوَةِ فَلَا يُفَوَّضُ إلَى غَيْرِ مُسْتَحِقَّةٍ وَيُنْفِقُ عَلَيْهِمَا مِنْ مَالِهِمَا، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُمَا مَالٌ أَنْفَقَ عَلَيْهِمَا مَنْ عَلَيْهِ نَفَقَتُهُمَا كَنَفَقَةِ الْخَلِيَّةِ وَتَصِيرُ نَفَقَتُهُمَا وَمَهْرُهُمَا دَيْنًا عَلَيْهِ يُطَالَبُ بِهِ إذَا أَيْسَرَ.
تَنْبِيهٌ: أَفْهَمَ كَلَامُهُ أَنَّ عَدَمَ فَسْخِ وَلِيِّ الْبَالِغَةِ مِنْ بَابِ أَوْلَى، وَالسَّفِيهَةُ الْبَالِغَةُ هُنَا كَالرَّشِيدَةِ.
(وَلَوْ أَعْسَرَ زَوْجُ أَمَةٍ) أَوْ مَنْ فِيهَا رِقٌّ كَمَا فُهِمَ بِالْأَوْلَى (بِالنَّفَقَةِ) أَوْ الْكِسْوَةِ (فَلَهَا الْفَسْخُ) بِذَلِكَ وَلَيْسَ لِلسَّيِّدِ مَنْعُهَا مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ حَقُّهَا، فَإِنْ ضَمِنَ لَهَا النَّفَقَةَ بَعْدَ طُلُوعِ فَجْرِ يَوْمِهَا صَحَّ كَضَمَانِ الْأَجْنَبِيِّ، فَإِنْ قِيلَ: كَيْفَ يَضْمَنُ السَّيِّدُ وَهُوَ رَبُّ الدَّيْنِ دَيْنَهُ؟ .
أُجِيبَ بِأَنَّ النَّفَقَةَ فِي الْأَصْلِ لَهَا، ثُمَّ يَتَلَقَّاهَا السَّيِّدُ فَصَحَّ ضَمَانُهُ.
تَنْبِيهٌ: اُسْتُثْنِيَ مِنْ ثُبُوتِ الْخِيَارِ لَهَا مَا لَوْ أَنْفَقَ السَّيِّدُ عَلَيْهَا مِنْ مَالِهِ فَإِنَّهُ لَا خِيَارَ لَهَا حِينَئِذٍ، وَمَا لَوْ كَانَتْ زَوْجَةَ أَحَدِ أُصُولِ سَيِّدِهَا الْمُوسِرِ الَّذِي يَلْزَمُهُ إعْفَافُهُ؛ لِأَنَّ نَفَقَتَهَا عَلَى سَيِّدِهَا، وَحِينَئِذٍ فَلَا فَسْخَ لَهُ وَلَا لَهَا، وَأُلْحِقَ بِهَا نَظَائِرُهَا كَمَا لَوْ زَوَّجَ أَمَتَهُ بِعَبْدِهِ وَاسْتَخْدَمَهُ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَخْدِمْهُ وَعَجَزَ عَنْ الْكَسْبِ فَيَظْهَرُ أَنَّ لَهَا الْفَسْخَ إنْ لَمْ تَرْضَ بِذِمَّتِهِ وَلَمْ يُنْفِقْ عَلَيْهَا السَّيِّدُ أَخْذًا مِمَّا مَرَّ (فَإِنْ رَضِيَتْ) وَهِيَ مُكَلَّفَةٌ بِإِعْسَارِهِ (فَلَا فَسْخَ لِلسَّيِّدِ فِي الْأَصَحِّ) وَالثَّانِي لَهُ الْفَسْخُ؛ لِأَنَّ الْمِلْكَ فِي النَّفَقَةِ لَهُ وَضَرَرُ فَوَاتِهَا يَعُودُ إلَيْهِ.
وَأَجَابَ الْأَوَّلُ بِمَا مَرَّ فَيَكُونُ الْفَسْخُ لَهَا.
تَنْبِيهٌ: اُحْتُرِزَ بِالنَّفَقَةِ عَنْ الْمَهْرِ فَلَا يَثْبُتُ الْفَسْخُ لَهَا بِإِعْسَارِهِ قَبْلَ الدُّخُولِ، بَلْ هُوَ لِلسَّيِّدِ لِأَنَّهُ مَحْضُ حَقِّهِ وَلَا ضَرَرَ عَلَيْهَا فِي فَوَاتِهِ، وَعَلَى الْأَوَّلِ لَا يَلْزَمُ السَّيِّدُ نَفَقَتَهَا إذَا كَانَتْ بَالِغَةً عَاقِلَةً وَلَكِنْ (لَهُ أَنْ يُلْجِئَهَا إلَيْهِ) أَيْ الْفَسْخِ (بِأَنْ لَا يُنْفِقَ عَلَيْهَا وَيَقُولَ) لَهَا (افْسَخِي أَوْ جُوعِي) دَفْعًا لِلضَّرَرِ عَنْهُ، فَإِذَا فَسَخَتْ أَنْفَقَ عَلَيْهَا وَاسْتَمْتَعَ بِهَا أَوْ زَوَّجَهَا مِنْ غَيْرِهِ كَفَى نَفْسَهُ مُؤْنَتَهَا، أَمَّا الصَّغِيرَةُ وَالْمَجْنُونَةُ فَيَمْتَنِعُ عَلَيْهِ إلْجَاؤُهُمَا إذْ لَا يُمْكِنُهُمَا الْفَسْخُ.
فُرُوعٌ: لِلْأَمَةِ مُطَالَبَةُ زَوْجِهَا بِالنَّفَقَةِ كَمَا كَانَتْ تُطَالِبُ السَّيِّدَ، فَإِنْ أَعْطَاهَا لَهَا بَرِئَ مِنْهَا وَمَلَكَهَا السَّيِّدُ دُونَهَا؛ لِأَنَّهَا لَا تَمْلِكُ، لَكِنْ لَهَا قَبْضُهَا وَتَنَاوُلُهَا؛ لِأَنَّهَا كَالْمَأْذُونَةِ فِي الْقَبْضِ بِحُكْمِ
فَصْلٌ يَلْزَمُهُ نَفَقَةُ الْوَالِدِ، وَإِنْ عَلَا، وَالْوَلَدِ وَإِنْ سَفَلَ،
[مغني المحتاج]
النِّكَاحِ، وَفِي تَنَاوُلِهَا بِحُكْمِ الْعُرْفِ وَتَعَلَّقَتْ الْأَمَةُ بِالنَّفَقَةِ الْمَقْبُوضَةِ فَلَيْسَ لَهُ بَيْعُهَا قَبْلَ إبْدَالِهَا لَهَا بِغَيْرِهَا؛ لِأَنَّ نَفَقَتَهَا وَإِنْ كَانَتْ لَهُ بِحَقِّ الْمِلْكِ، لَكِنْ لَهَا فِيهَا حَقُّ التَّوَثُّقِ، فَإِنْ أَبْدَلَهَا جَازَ لَهُ التَّصَرُّفُ فِيهَا بِبَيْعٍ وَغَيْرِهِ، وَيَجُوزُ لَهَا إبْرَاءُ زَوْجِهَا مِنْ نَفَقَةِ الْيَوْمِ؛ لِأَنَّهَا لِلْحَاجَةِ النَّاجِزَةِ فَكَأَنَّ الْمِلْكَ لَا يَثْبُتُ لِلسَّيِّدِ إلَّا بَعْدَ الْقَبْضِ، أَمَّا قَبْلَهُ فَيَتَمَحَّضُ الْحَقُّ لَهَا، وَلَا يَصِحُّ إبْرَاؤُهَا مِنْ نَفَقَةِ أَمْسِ كَمَا فِي الْمَهْرِ، وَأَمَّا السَّيِّدُ فَيَصِحُّ إبْرَاؤُهُ مِنْ نَفَقَةِ الْأَمْسِ لَا نَفَقَةِ الْيَوْمِ، وَلَوْ ادَّعَى الزَّوْجُ تَسْلِيمَ النَّفَقَةِ الْمَاضِيَةِ أَوْ الْحَاضِرَةِ أَوْ الْمُسْتَقْبَلَةِ فَأَنْكَرَتْ الْأَمَةُ صُدِّقَتْ بِيَمِينِهَا؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ التَّسْلِيمِ، فَإِنْ صَدَّقَهُ السَّيِّدُ بَرِئَ مِنْ النَّفَقَةِ الْمَاضِيَةِ دُونَ الْمُسْتَقْبَلَةِ وَالْحَاضِرَةِ؛ لِأَنَّ الْخُصُومَةَ لِلسَّيِّدِ فِي الْمَاضِيَةِ كَالْمَهْرِ دُونَ الْحَاضِرَةِ، وَمَنْ طُولِبَ بِنَفَقَةٍ مَاضِيَةٍ وَادَّعَى الْإِعْسَارَ يَوْمَ وُجُوبِهَا حَتَّى يَلْزَمَهُ نَفَقَةُ الْمُعْسِرِ وَادَّعَتْ هِيَ الْيَسَارَ فِيهِ صُدِّقَ بِيَمِينِهِ إنْ لَمْ يُعْرَفْ لَهُ مَالٌ وَإِلَّا فَلَا، وَلَوْ عَجَزَ الْعَبْدُ عَنْ الْكَسْبِ الَّذِي كَانَ يُنْفِقُ مِنْهُ وَلَمْ تَرْضَ زَوْجَتُهُ بِذِمَّتِهِ كَانَ لَهَا الْفَسْخُ، وَإِنْ رَضِيَتْ صَارَتْ نَفَقَتُهَا دَيْنًا عَلَيْهِ، وَلَوْ عَجَزَ السَّيِّدُ عَنْ نَفَقَةِ أُمِّ وَلَدِهِ أُجْبِرَ عَلَى تَخْلِيَتِهَا لِتَكْتَسِبَ وَتُنْفِقَ عَلَى نَفْسِهَا أَوْ عَلَى إيجَارِهَا وَلَا يُجْبَرُ عَلَى عِتْقِهَا أَوْ تَزْوِيجِهَا كَمَا لَا يُرْفَعُ مِلْكُ الْيَمِينِ بِالْعَجْزِ عَنْ الِاسْتِمْتَاعِ، فَإِنْ عَجَزَتْ عَنْ الْكَسْبِ فَنَفَقَتُهَا فِي بَيْتِ الْمَالِ.
[فَصْل فِي نَفَقَةِ الْقَرِيبِ وَالْمُوجِبُ لَهَا قَرَابَةُ الْبَعْضِيَّةِ فَقَطْ]
ْ (يَلْزَمُهُ) أَيْ الشَّخْصَ ذَكَرًا كَانَ أَوْ غَيْرَهُ (نَفَقَةُ الْوَالِدِ) الْحُرِّ (وَإِنْ عَلَا) مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى (وَالْوَلَدِ) الْحُرِّ (وَإِنْ سَفَلَ) مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى.
وَالْأَصْلُ فِي الْأَوَّلِ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾ [لقمان: 15] ، وَمِنْ الْمَعْرُوفِ الْقِيَامُ بِكِفَايَتِهِمَا عِنْدَ حَاجَتِهِمَا، وَخَبَرُ: «أَطْيَبُ مَا يَأْكُلُ الرَّجُلُ مِنْ كَسْبِهِ وَوَلَدُهُ مِنْ كَسْبِهِ، فَكُلُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ الْحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ.
قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ نَفَقَةَ الْوَالِدَيْنِ اللَّذَيْنِ لَا كَسْبَ لَهُمَا وَلَا مَالَ وَاجِبَةٌ فِي مَالِ الْوَلَدِ، وَالْأَجْدَادُ وَالْجَدَّاتُ مُلْحَقُونَ بِهِمَا إنْ لَمْ يَدْخُلُوا فِي عُمُومِ ذَلِكَ كَمَا أُلْحِقُوا بِهِمَا فِي الْعِتْقِ وَالْمِلْكِ وَعَدَمِ الْقَوَدِ وَرَدِّ الشَّهَادَةِ وَغَيْرِهِمَا، وَفِي الثَّانِي قَوْله تَعَالَى: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [الطلاق: 6] ، إذْ إيجَابُ الْأُجْرَةِ لِإِرْضَاعِ الْأَوْلَادِ يَقْتَضِي إيجَابَ مُؤْنَتِهِمْ، وَقَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِهِنْدٍ: «خُذِي مَا يَكْفِيكِ وَوَلَدَك بِالْمَعْرُوفِ» رَوَاهُ الشَّيْخَانِ، وَالْأَحْفَادُ مُلْحَقُونَ بِالْأَوْلَادِ إنْ لَمْ يَتَنَاوَلْهُمْ إطْلَاقُ مَا تَقَدَّمَ.