بِطُمَأْنِينَةٍ بِحَيْثُ يَنْفَصِلُ رَفْعُهُ عَنْ هُوِيِّهِ وَلَا يَقْصِدُ بِهِ غَيْرَهُ فَلَوْ هَوَى لِتِلَاوَةٍ فَجَعَلَهُ رُكُوعًا لَمْ يَكْفِ.
وَأَكْمَلُهُ تَسْوِيَةُ ظَهْرِهِ وَعُنُقِهِ وَنَصْبُ سَاقَيْهِ وَأَخَذَ رُكْبَتَيْهِ بِيَدَيْهِ وَتَفْرِقَةُ أَصَابِعِهِ لِلْقِبْلَةِ.
وَيُكَبِّرُ فِي ابْتِدَاءِ هُوِيِّهِ وَيَرْفَعُ يَدَيْهِ كَإِحْرَامِهِ وَيَقُولُ: سُبْحَانَ رَبِّي الْعَظِيمِ
[مغني المحتاج]
لَزِمَهُ، وَالْعَاجِزُ يَنْحَنِي قَدْرَ إمْكَانِهِ، فَإِنْ عَجَزَ عَنْ الِانْحِنَاءِ أَصْلًا أَوْمَأَ بِرَأْسِهِ ثُمَّ بِطَرَفِهِ.
وَيُشْتَرَطُ فِي صِحَّةِ الرُّكُوعِ أَنْ يَكُونَ (بِطُمَأْنِينَةٍ) لِحَدِيثِ الْمُسِيءِ صَلَاتَهُ الْمُتَقَدِّمِ، وَأَقَلُّهَا أَنْ تَسْتَقِرَّ أَعْضَاؤُهُ رَاكِعًا (بِحَيْثُ يَنْفَصِلُ رَفْعُهُ) مِنْ رُكُوعِهِ (عَنْ هَوِيِّهِ) بِفَتْحِ الْهَاءِ أَفْصَحُ مِنْ ضَمِّهَا أَيْ سُقُوطِهِ فَلَا تَقُومُ زِيَادَةُ الْهَوِيِّ مَقَامَ الطُّمَأْنِينَةِ (وَلَا يَقْصِدُ بِهِ) أَيْ الْهُوِيَّ (غَيْرَهُ) أَيْ الرُّكُوعِ قَصْدَهُ هُوَ أَمْ لَا كَغَيْرِهِ مِنْ بَقِيَّةِ الْأَرْكَانِ؛ لِأَنَّ نِيَّةَ الصَّلَاةِ مُنْسَحِبَةٌ عَلَيْهِ (فَلَوْ هَوَى لِتِلَاوَةٍ فَجَعَلَهُ رُكُوعًا لَمْ يَكْفِ) ؛ لِأَنَّهُ صَرَفَهُ إلَى غَيْرِ الْوَاجِبِ، بَلْ يَنْتَصِبُ لِيَرْكَعَ، وَلَوْ قَرَأَ إمَامُهُ آيَةَ سَجْدَةٍ ثُمَّ رَكَعَ عَقِبَهَا وَظَنَّ الْمَأْمُومُ أَنَّهُ يَسْجُدُ لِلتِّلَاوَةِ فَهَوَى لِذَلِكَ فَرَآهُ لَمْ يَسْجُدْ فَوَقَفَ عَنْ السُّجُودِ فَالْأَقْرَبُ كَمَا قَالَهُ الزَّرْكَشِيُّ أَنَّهُ يُحْسَبُ لَهُ، وَيُغْتَفَرُ ذَلِكَ لِلْمُتَابَعَةِ، وَإِنْ قَالَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ: الْأَقْرَبُ عِنْدِي أَنَّهُ يَعُودُ إلَى الْقِيَامِ ثُمَّ يَرْكَعُ.
(وَأَكْمَلُهُ) أَيْ الرُّكُوعِ (تَسْوِيَةُ ظَهْرِهِ وَعُنُقِهِ) أَيْ يَمُدُّهُمَا بِانْحِنَاءٍ خَالِصٍ بِحَيْثُ يَصِيرَانِ كَالصَّفِيحَةِ الْوَاحِدَةِ لِلِاتِّبَاعِ رَوَاهُ مُسْلِمٌ، فَإِنْ تَرَكَهُ كُرِهَ، نَصَّ عَلَيْهِ فِي الْأُمِّ (وَنَصْبُ سَاقَيْهِ) وَفَخْذَيْهِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ أَعْوَنُ لَهُ وَلَا يُثْنِي رُكْبَتَيْهِ لِيَتِمَّ لَهُ تَسْوِيَةُ ظَهْرِهِ، وَالسَّاقُ بِالْهَمْزِ وَتَرْكِهِ مَا بَيْنَ الْقَدَمِ وَالرُّكْبَةِ فَلَا يُفْهَمُ مِنْهُ نَصْبُ الْفَخِذِ، وَلِذَا قَالَ فِي الرَّوْضَةِ: وَنَصْبُ سَاقَيْهِ إلَى الْحَقْوِ، فَكَانَ يَنْبَغِي لِلْمُصَنِّفِ أَنْ يَزِيدَ ذَلِكَ أَوْ مَا قَدَّرْته، وَالسَّاقُ مُؤَنَّثَةٌ وَتُجْمَعُ عَلَى أَسْوُقَ وَسِيقَانٍ وَسُوقٍ (وَأَخَذَ رُكْبَتَيْهِ بِيَدَيْهِ) أَيْ بِكَفَّيْهِ لِلِاتِّبَاعِ، رَوَاهُ الشَّيْخَانِ (وَتَفْرِقَةُ أَصَابِعِهِ) تَفْرِيقًا وَسَطًا لِلِاتِّبَاعِ مِنْ غَيْرِ ذِكْرِ الْوَسَطِ، رَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ وَالْبَيْهَقِيُّ (لِلْقِبْلَةِ) أَيْ لِجِهَتِهَا؛ لِأَنَّهَا أَشْرَفُ الْجِهَاتِ.
قَالَ ابْنُ النَّقِيبِ: وَلَمْ أَفْهَمْ مَعْنَاهُ، قَالَ الْوَلِيُّ الْعِرَاقِيُّ: احْتَرَزَ بِذَلِكَ عَلَى أَنْ يُوَجِّهَ أَصَابِعَهُ إلَى غَيْرِ جِهَةِ الْقِبْلَةِ مِنْ يَمْنَةٍ أَوْ يَسْرَةٍ، وَالْأَقْطَعُ وَنَحْوُهُ كَقَصِيرِ الْيَدَيْنِ لَا يُوصِلُ يَدَيْهِ رُكْبَتَيْهِ حِفْظًا لِهَيْئَةِ الرُّكُوعِ، بَلْ يُرْسِلُهُمَا إنْ لَمْ يُسَلِّمَا مَعًا، أَوْ يُرْسِلُ إحْدَاهُمَا إنْ سَلَّمَتْ الْأُخْرَى.
(وَيُكَبِّرُ فِي ابْتِدَاءِ هُوِيِّهِ) لِلرُّكُوعِ (وَيَرْفَعُ يَدَيْهِ كَإِحْرَامِهِ) وَقَدْ تَقَدَّمَ لِثُبُوتِ ذَلِكَ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ فِعْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.
وَقَالَ الْبُخَارِيُّ فِي تَصْنِيفٍ لَهُ فِي الرَّدِّ عَلَى مُنْكِرِي الرَّفْعِ رَوَاهُ سَبْعَةَ عَشَرَ مِنْ الصَّحَابَةِ، وَلَمْ يَثْبُتْ عَنْ أَحَدٍ مِنْهُمْ عَدَمُ الرَّفْعِ وَقَضِيَّةُ كَلَامِهِ أَنَّ الرَّفْعَ هُنَا كَالرَّفْعِ لِلْإِحْرَامِ، وَأَنَّ الْهُوِيَّ مُقَارَنٌ لِلرَّفْعِ، وَالْأَوَّلُ ظَاهِرٌ وَالثَّانِي مَمْنُوعٌ: فَقَدْ قَالَ فِي الْمَجْمُوعِ: قَالَ أَصْحَابُنَا: وَيَبْتَدِئُ التَّكْبِيرَ قَائِمًا وَيَرْفَعُ يَدَيْهِ وَيَكُونُ ابْتِدَاءَ رَفْعِهِ، وَهُوَ قَائِمٌ مَعَ ابْتِدَاءِ التَّكْبِيرِ، فَإِذَا حَاذَى كَفَّاهُ مَنْكِبَيْهِ انْحَنَى، وَفِي الْبَيَانِ وَغَيْرِهِ نَحْوَهُ.
قَالَ فِي الْمُهِمَّاتِ: وَهَذَا هُوَ الصَّوَابُ: قَالَ فِي الْإِقْلِيدِ: لِأَنَّ الرَّفْعَ حَالَ الِانْحِنَاءِ مُتَعَذِّرٌ أَوْ مُتَعَسِّرٌ وَالْجَدِيدُ أَنَّهُ يَمُدُّ التَّكْبِيرَ إلَى آخِرِ الرُّكُوعِ لِئَلَّا يَخْلُوَ فِعْلٌ مِنْ أَفْعَالِ الصَّلَاةِ بِلَا ذِكْرٍ، وَكَذَا فِي سَائِرِ انْتِقَالَاتِ الصَّلَاةِ لِمَا ذُكِرَ وَلَا نَظَرَ إلَى طُولِ الْمَدِّ بِخِلَافِ تَكْبِيرِ الْإِحْرَامِ يُنْدَبُ الْإِسْرَاعُ بِهِ لِئَلَّا تَزُولَ النِّيَّةُ كَمَا مَرَّ (وَيَقُولُ سُبْحَانَ رَبِّي الْعَظِيمِ)
ثَلَاثًا.
وَلَا يَزِيدُ الْإِمَامُ وَيَزِيدُ الْمُنْفَرِدُ: اللَّهُمَّ لَكَ رَكَعْتُ وَبِكَ آمَنْتُ وَلَكَ أَسْلَمْتُ خَشَعَ لَكَ سَمْعِي وَبَصَرِي وَمُخِّي وَعَظْمِي وَعَصَبِي وَمَا اسْتَقَلَّتْ بِهِ قَدَمِي.
[مغني المحتاج]
لِلِاتِّبَاعِ رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَعَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ قَالَ: «لَمَّا نَزَلَتْ ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾ [الواقعة: 74] [الْوَاقِعَةُ] قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: اجْعَلُوهَا فِي رُكُوعِكُمْ، قَالَ: وَلَمَّا نَزَلَتْ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى﴾ [الأعلى: 1] الْأَعْلَى: قَالَ: اجْعَلُوهَا فِي سُجُودِكُمْ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَابْنُ حِبَّانَ وَالْحَاكِمُ، وَصَحَّحَهُ الْأَخِيرَانِ.
وَالْحِكْمَةُ فِي تَخْصِيصِ الْأَعْلَى بِالسُّجُودِ: أَنَّ الْأَعْلَى أَفْعَلُ تَفْضِيلٍ بِخِلَافِ الْعَظِيمِ، فَإِنَّهُ يَدُلُّ عَلَى رُجْحَانِ مَعْنَاهُ عَلَى غَيْرِهِ، وَالسُّجُودُ فِي غَايَةِ التَّوَاضُعِ فَجَعَلَ الْأَبْلَغَ مَعَ الْأَبْلَغِ وَالْمُطْلَقَ مَعَ الْمُطْلَقِ، وَزَادَ عَلَى ذَلِكَ فِي التَّحْقِيقِ وَغَيْرِهِ وَبِحَمْدِهِ (ثَلَاثًا) لِلِاتِّبَاعِ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، وَقَدْ يُفْهَمُ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ السُّنَّةُ لَا تَتَأَدَّى بِمَرَّةٍ وَلَكِنْ فِي الرَّوْضَةِ عَنْ الْأَصْحَابِ: أَنَّ أَقَلَّ مَا يَحْصُلُ بِهِ الذِّكْرُ فِي الرُّكُوعِ تَسْبِيحَةٌ وَاحِدَةٌ اهـ.
وَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ أَصْلَ السُّنَّةِ يَحْصُلُ بِوَاحِدَةٍ، وَعِبَارَةُ التَّحْقِيقِ: أَقَلُّهُ سُبْحَانَ اللَّهِ أَوْ سُبْحَانَ رَبِّي، وَأَدْنَى الْكَمَالِ سُبْحَانَ رَبِّي الْعَظِيمِ وَبِحَمْدِهِ ثَلَاثًا، ثُمَّ لِلْكَمَالِ دَرَجَاتٌ فَبَعْدَ الثَّلَاثِ خَمْسٌ ثُمَّ سَبْعٌ ثُمَّ تِسْعٌ ثُمَّ إحْدَى عَشْرَةَ، وَهُوَ الْأَكْمَلُ كَمَا فِي التَّحْقِيقِ وَغَيْرِهِ وَاخْتَارَ السُّبْكِيُّ أَنَّهُ لَا يَتَقَيَّدُ بِعَدَدٍ بَلْ يَزِيدُ فِي ذَلِكَ مَا شَاءَ، وَالتَّسْبِيحُ لُغَةً التَّنْزِيهُ وَالتَّبْعِيدُ، تَقُولُ: سَبَّحْتُ فِي الْأَرْضِ إذَا أَبْعَدْتَ؛ وَمَعْنَى وَبِحَمْدِهِ أُسَبِّحُهُ حَامِدًا لَهُ أَوْ بِحَمْدِهِ سَبَّحْتُهُ.
(وَلَا يَزِيدُ الْإِمَامُ) عَلَى التَّسْبِيحَاتِ الثَّلَاثِ أَيْ يُكْرَهُ لَهُ ذَلِكَ تَخْفِيفًا عَلَى الْمَأْمُومِينَ (وَيَزِيدُ الْمُنْفَرِدُ) وَإِمَامُ قَوْمٍ مَحْصُورِينَ رَاضِينَ بِالتَّطْوِيلِ «اللَّهُمَّ لَكَ رَكَعْتُ وَبِكَ آمَنْتُ وَلَكَ أَسْلَمْتُ خَشَعَ لَكَ سَمْعِي وَبَصَرِي وَمُخِّي وَعَظْمِي وَعَصَبِي» رَوَاهُ مُسْلِمٌ، زَادَ ابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ (وَمَا اسْتَقَلَّتْ بِهِ قَدَمِي) بِكَسْرِ الْمِيمِ وَسُكُونِ الْيَاءِ، وَهِيَ مُؤَنَّثَةٌ.
قَالَ تَعَالَى: ﴿فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِهَا﴾ [النحل: 94] [النَّحْلُ] فَيَجُوزُ فِي اسْتَقَلَّتْ إثْبَاتُ التَّاءِ وَحَذْفُهَا عَلَى أَنَّهُ مُفْرَدٌ، وَلَا يَصِحُّ هُنَا التَّشْدِيدُ عَلَى أَنَّهُ مُثَنَّى لِفِقْدَانِ أَلِفِ الرَّفْعِ، وَلَفْظَةُ مُخِّي مَزِيدَةٌ عَلَى الْمُحَرَّرِ وَهِيَ فِي الشَّرْحِ وَالرَّوْضَةِ وَفِيهِمَا وَفِي الْمُحَرَّرِ وَشَعْرِي وَبَشَرِي بَعْدَ عَصَبِي، وَفِي آخِرِهِ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.
قَالَ فِي الرَّوْضَةِ: وَهَذَا مَعَ الثَّلَاثِ أَفْضَلُ مِنْ مُجَرَّدِ إكْمَالِ التَّسْبِيحِ.
قَالَ فِي الْمَجْمُوعِ: وَتُكْرَهُ الْقِرَاءَةُ فِي الرُّكُوعِ وَغَيْرِهِ مِنْ بَقِيَّةِ الْأَرْكَانِ غَيْرِ الْقِيَامِ اهـ. وَالْحِكْمَةُ فِي وُجُوبِ الْقِرَاءَةِ فِي الْقِيَامِ وَالتَّشَهُّدِ فِي الْجُلُوسِ وَعَدَمِ وُجُوبِ التَّسْبِيحِ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ أَنَّهُ فِي الْقِيَامِ وَالْقُعُودِ مُلْتَبِسٌ بِالْعَادَةِ فَوَجَبَ فِيهَا لِيَتَمَيَّزَا عَنْهَا بِخِلَافِ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ.
وَيُسْتَحَبُّ الدُّعَاءُ فِي الرُّكُوعِ،؛ لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «كَانَ يُكْثِرُ أَنْ يَقُولَ فِي رُكُوعِهِ وَسُجُودِهِ: سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا وَبِحَمْدِكَ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي» (1) رَوَاهُ الشَّيْخَانِ.
السَّادِسَ الِاعْتِدَالُ قَائِمًا مُطْمَئِنًّا، وَلَا يَقْصِدُ غَيْرَهُ فَلَوْ رَفَعَ فَزِعًا مِنْ شَيْءٍ لَمْ يَكْفِ.
وَيُسَنُّ رَفْعُ يَدَيْهِ مَعَ ابْتِدَاءِ رَفْعِ رَأْسِهِ قَائِلًا: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، فَإِذَا انْتَصَبَ قَالَ: رَبَّنَا لَك الْحَمْدُ
[مغني المحتاج]
(السَّادِسَ) مِنْ الْأَرْكَانِ (الِاعْتِدَالُ) وَلَوْ فِي النَّافِلَةِ كَمَا صَحَّحَهُ فِي التَّحْقِيقِ لِحَدِيثِ الْمُسِيءِ صَلَاتَهُ: وَأَمَّا مَا حَكَاهُ فِي زِيَادَةِ الرَّوْضَةِ عَنْ الْمُتَوَلِّي مِنْ أَنَّهُ لَوْ تَرَكَهُ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ فِي النَّافِلَةِ فَفِي صِحَّتِهَا وَجْهَانِ بِنَاءً عَلَى صِحَّتِهَا مُضْطَجِعًا مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى الْقِيَامِ لَا يَلْزَمُ مِنْ الْبِنَاءِ الِاتِّحَادُ فِي التَّرْجِيحِ (قَائِمًا) إنْ كَانَ قَبْلَ رُكُوعِهِ كَذَلِكَ إنْ قَدَرَ، وَإِلَّا فَيَعُودُ لِمَا كَانَ أَوْ يَفْعَلُ مَقْدُورَهُ إنْ عَجَزَ (مُطْمَئِنًّا) لِمَا فِي خَبَرِ الْمُسِيءِ صَلَاتَهُ بِأَنْ تَسْتَقِرَّ أَعْضَاؤُهُ عَلَى مَا كَانَ قَبْلَ رُكُوعِهِ بِحَيْثُ يَنْفَصِلُ ارْتِفَاعُهُ عَنْ عَوْدِهِ إلَى مَا كَانَ.
قَالَ فِي الرَّوْضَةِ: وَاعْلَمْ أَنَّهُ تَجِبُ الطُّمَأْنِينَةُ فِي الِاعْتِدَالِ كَالرُّكُوعِ، وَقَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ: فِي قَلْبِي مِنْ الطُّمَأْنِينَةِ فِي الِاعْتِدَالِ شَيْءٌ، وَفِي كَلَامِ غَيْرِهِ مَا يَقْتَضِي تَرَدُّدًا فِيهَا، وَالْمَعْرُوفُ الصَّوَابُ وُجُوبُهَا اهـ.
وَلَوْ رَكَعَ عَنْ قِيَامٍ فَسَقَطَ عَنْ رُكُوعِهِ قَبْلَ الطُّمَأْنِينَةِ فِيهِ عَادَ وُجُوبًا إلَيْهِ وَاطْمَأَنَّ ثُمَّ اعْتَدَلَ، أَوْ سَقَطَ عَنْهُ بَعْدَهَا نَهَضَ مُعْتَدِلًا ثُمَّ سَجَدَ وَإِنْ سَجَدَ ثُمَّ شَكَّ هَلْ تَمَّ اعْتِدَالَهُ اعْتَدَلَ وُجُوبًا ثُمَّ سَجَدَ (وَلَا يَقْصِدُ غَيْرَهُ فَلَوْ رَفَعَ فَزَعًا) بِفَتْحِ الزَّايِ عَلَى أَنَّهُ مَصْدَرٌ مَفْعُولٌ لِأَجْلِهِ أَيْ خَوْفًا، أَوْ بِكَسْرِهَا عَلَى أَنَّهُ اسْمُ فَاعِلٍ مَنْصُوبٌ عَلَى الْحَالِ: أَيْ خَائِفًا (مِنْ شَيْءٍ) كَحَيَّةٍ (لَمْ يَكْفِ) رَفْعُهُ لِذَلِكَ عَنْ رَفْعِ الصَّلَاةِ؛ لِأَنَّهُ صَارِفٌ كَمَا تَقَدَّمَ.
(وَيُسَنُّ رَفْعُ يَدَيْهِ) كَمَا سَبَقَ فِي تَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ (مَعَ ابْتِدَاءِ رَفْعِ رَأْسِهِ) مِنْ الرُّكُوعِ بِأَنْ يَكُونَ ابْتِدَاءُ رَفْعِهِمَا مَعَ ابْتِدَاءِ رَفْعِهِ (قَائِلًا) فِي رَفْعِهِ إلَى الِاعْتِدَالِ (سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ) أَيْ تَقَبَّلَ مِنْهُ حَمْدُهُ وَجَازَاهُ عَلَيْهِ، وَقِيلَ: غَفَرَ لَهُ لِلِاتِّبَاعِ، رَوَاهُ الشَّيْخَانِ مَعَ خَبَرِ «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي» وَلَوْ قَالَ: مَنْ حَمِدَ اللَّهَ سَمِعَ لَهُ كَفَى فِي تَأْدِيَةِ أَصْلِ السُّنَّةِ؛ لِأَنَّهُ أَتَى بِاللَّفْظِ وَالْمَعْنَى، بِخِلَافِ أَكْبَرُ اللَّهُ، لَكِنَّ التَّرْتِيبَ أَفْضَلُ، وَسَوَاءٌ فِي ذَلِكَ الْإِمَامِ وَغَيْرِهِ.
وَأَمَّا خَبَرُ «إذَا قَالَ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ فَقُولُوا رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ» فَمَعْنَاهُ قُولُوا ذَلِكَ مَعَ مَا عَلِمْتُمُوهُ مِنْ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ لِعِلْمِهِمْ بِقَوْلِهِ «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي» مَعَ قَاعِدَةِ التَّأَسِّي بِهِ مُطْلَقًا، وَإِنَّمَا خَصَّ رَبَّنَا لَك الْحَمْدُ بِالذِّكْرِ؛ لِأَنَّهُمْ كَانُوا لَا يَسْمَعُونَ غَالِبًا وَيَسْمَعُونَ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، وَيُسَنُّ الْجَهْرُ بِهَا لِلْإِمَامِ وَالْمُبَلِّغِ إنَّ اُحْتِيجَ إلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ ذِكْرُ انْتِقَالٍ وَلَا يَجْهَرُ بِقَوْلِهِ: رَبَّنَا لَك الْحَمْدُ؛ لِأَنَّهُ ذِكْرُ الرَّفْعِ فَلَمْ يَجْهَرْ بِهِ كَالتَّسْبِيحِ وَغَيْرِهِ وَقَدْ عَمَّتْ الْبَلْوَى بِالْجَهْرِ بِهِ وَتَرْكِ الْجَهْرِ بِالتَّسْمِيعِ؛ لِأَنَّ أَكْثَرَ الْأَئِمَّةِ وَالْمُؤَذِّنِينَ صَارُوا جَهَلَةً بِسُنَّةِ سَيِّدِ الْمُرْسَلِينَ (فَإِذَا انْتَصَبَ) أَرْسَلَ يَدَيْهِ وَ (قَالَ) كُلٌّ مِنْ الْإِمَامِ وَالْمُنْفَرِدِ وَالْمَأْمُومِ سِرًّا (رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ) أَوْ رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ أَوْ اللَّهُمَّ رَبَّنَا لَك الْحَمْدُ، أَوْ وَلَكَ الْحَمْدُ، أَوْ لَكَ الْحَمْدُ رَبَّنَا، أَوْ الْحَمْدُ لِرَبِّنَا.
وَالْأَوَّلُ أَوْلَى لِوُرُودِ السُّنَّةِ بِهِ، لَكِنْ قَالَ فِي الْأُمِّ: الثَّانِي أَحَبُّ إلَيَّ - أَيْ لِأَنَّهُ جَمَعَ مَعْنَيَيْنِ الدُّعَاءَ وَالِاعْتِرَافَ - أَيْ: رَبَّنَا اسْتَجِبْ لَنَا وَلَكَ الْحَمْدُ عَلَى هِدَايَتِكَ إيَّانَا، وَزَادَ فِي التَّحْقِيقِ بَعْدَهُ: حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ وَلَمْ يَذْكُرْهُ الْجُمْهُورُ، وَهُوَ فِي الْبُخَارِيِّ مِنْ رِوَايَةِ رِفَاعَةَ بْنِ رَافِعٍ وَفِيهِ أَنَّهُ «ابْتَدَرَ ذَلِكَ بِضْعَةٌ وَثَلَاثُونَ مَلَكًا يَكْتُبُونَهُ»
مِلْءَ السَّمَوَاتِ وَمِلْءَ الْأَرْضِ وَمِلْءَ مَا شِئْتَ مِنْ شَيْءٍ بَعْدُ، وَيَزِيدُ الْمُنْفَرِدُ: أَهْلَ الثَّنَاءِ وَالْمَجْدِ أَحَقُّ مَا قَالَ الْعَبْدُ وَكُلُّنَا لَك عَبْدٌ لَا مَانِعَ لِمَا أَعْطَيْتَ وَلَا مُعْطِيَ لِمَا مَنَعْتَ وَلَا يَنْفَعُ ذَا الْجَدِّ مِنْكَ الْجَدُّ.
وَيُسَنُّ الْقُنُوتُ فِي اعْتِدَالِ ثَانِيَةِ الصُّبْحِ، وَهُوَ: اللَّهُمَّ اهْدِنِي فِيمَنْ هَدَيْتَ إلَى آخِرِهِ
[مغني المحتاج]
وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ عَدَدَ حُرُوفِهَا كَذَلِكَ، وَأَغْرَبَ الْمُصَنِّفُ فِي الْمَجْمُوعِ فَقَالَ: لَا يَزِيدُ الْإِمَامُ عَلَى رَبَّنَا لَك الْحَمْدُ إلَّا بِرِضَا الْمَأْمُومِينَ وَهُوَ مُخَالِفٌ لِمَا فِي الرَّوْضَةِ وَالتَّحْقِيقِ (مِلْءَ السَّمَوَاتِ وَمِلْءَ الْأَرْضِ وَمِلْءَ مَا شِئْتَ مِنْ شَيْء بَعْدُ) أَيْ بَعْدَهُمَا كَالْعَرْشِ وَالْكُرْسِيِّ وَغَيْرِهِمَا مِمَّا لَا يَعْلَمُهُ إلَّا هُوَ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ﴾ [البقرة: 255] [الْبَقَرَةُ] وَيَجُوزُ فِي مِلْءِ الرَّفْعُ عَلَى الصِّفَةِ وَالنَّصْبُ عَلَى الْحَالِ: أَيْ مَالِئًا لَوْ كَانَ جِسْمًا (وَيَزِيدُ الْمُنْفَرِدُ) وَإِمَامُ قَوْمٍ مَحْصُورِينَ رَاضِينَ بِالتَّطْوِيلِ سِرًّا (أَهْلَ) مَنْصُوبٌ عَلَى النِّدَاءِ: أَيْ يَا أَهْلَ (الثَّنَاءِ) أَيْ الْمَدْحِ (وَالْمَجْدِ) أَيْ الْعَظَمَةِ وَقَالَ الْجَوْهَرِيُّ: الْكَرْمُ، وَقَوْلُهُ (أَحَقُّ مَا قَالَ الْعَبْدُ) مُبْتَدَأٌ، وَقَوْلُهُ (وَكُلُّنَا لَك عَبْدٌ) اعْتِرَاضٌ وَقَوْلُهُ (لَا مَانِعَ لِمَا أَعْطَيْتَ وَلَا مُعْطِيَ لِمَا مَنَعْتَ وَلَا يَنْفَعُ ذَا الْجَدِّ) بِفَتْحِ الْجِيمِ: أَيْ الْغِنَى (مِنْكَ) أَيْ عِنْدَك (الْجَدُّ) وَرُوِيَ بِالْكَسْرِ وَهُوَ الِاجْتِهَادُ خَبَرُ الْمُبْتَدَإِ، وَالْمَعْنَى وَلَا يَنْفَعُ ذَا الْحَظِّ فِي الدُّنْيَا حَظُّهُ فِي الْعُقْبَى إنَّمَا يَنْفَعُهُ طَاعَتُكَ.
قَالَ ابْنُ الصَّلَاحِ: وَيُحْتَمَلُ كَوْنُ " أَحَقُّ " خَبَرًا لِمَا قَبْلَهُ وَهُوَ رَبَّنَا لَك الْحَمْدُ: أَيْ هَذَا الْكَلَامُ أَحَقُّ، وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ الِاتِّبَاعُ رَوَاهُ الشَّيْخَانِ إلَى لَك الْحَمْدُ، وَمُسْلِمٌ إلَى آخِرِهِ.
قَالَ الْمُصَنِّفُ: وَإِثْبَاتُ أَلِفِ أَحَقُّ وَوَاوِ وَكُلُّنَا هُوَ الْمَشْهُورُ، وَيَقَعُ فِي كُتُبِ الْفُقَهَاءِ حَذْفُهُمَا، وَالصَّوَابُ إثْبَاتُهُمَا كَمَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَسَائِرُ الْمُحَدِّثِينَ، وَاعْتُرِضَ عَلَيْهِ بِأَنَّ النَّسَائِيَّ رَوَى حَذْفَهُمَا.
(وَيُسَنُّ الْقُنُوتُ فِي اعْتِدَالِ ثَانِيَةِ الصُّبْحِ) بَعْدَ ذِكْرِ الِاعْتِدَالِ كَمَا ذَكَرَهُ الْبَغَوِيّ وَغَيْرُهُ، وَصَوَّبَهُ الْإِسْنَوِيُّ، وَقَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: مَحَلُّ الْقُنُوتِ إذَا فَرَغَ مِنْ قَوْلِهِ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ رَبَّنَا لَك الْحَمْدُ فَحِينَئِذٍ يَقْنُتُ، وَعَلَيْهِ اقْتَصَرَ ابْنُ الرِّفْعَةِ، وَقَالَ فِي الْإِقْلِيدِ: إنَّهُ قَضِيَّةُ الْقِيَاسِ؛ لِأَنَّ الْقُنُوتَ إذَا انْضَمَّ إلَى الذِّكْرِ الْمَشْرُوعِ فِي الِاعْتِدَالِ طَالَ الِاعْتِدَالُ، وَهُوَ رُكْنٌ قَصِيرٌ بِلَا خِلَافٍ، وَعَمَلُ الْأَئِمَّةِ بِخِلَافِهِ لِجَهْلِهِمْ بِفِقْهِ الصَّلَاةِ، فَإِنَّ الْجَمْعَ إنْ لَمْ يَكُنْ مُبْطِلًا فَلَا شَكَّ أَنَّهُ مَكْرُوهُ اهـ.
وَيُمْكِنُ حَمْلُ كَلَامِ الْمَاوَرْدِيُّ وَمَنْ ذَكَرَ مَعَهُ عَلَى الْإِمَامِ إذَا أَمَّ قَوْمًا غَيْرَ مَحْصُورِينَ رَاضِينَ بِالتَّطْوِيلِ، وَكَلَامُ الْأَوَّلِينَ عَلَى خِلَافِهِ (وَهُوَ اللَّهُمَّ اهْدِنِي فِيمَنْ هَدَيْتَ إلَى آخِرِهِ) كَذَا فِي الْمُحَرَّرِ، وَتَتِمَّتُهُ كَمَا فِي الشَّرْحِ: وَعَافِنِي فِيمَنْ عَافَيْتَ، وَتَوَلَّنِي فِيمَنْ تَوَلَّيْتَ، وَبَارِكْ لِي فِيمَا أَعْطَيْتَ، وَقِنِي شَرَّ مَا قَضَيْتَ إنَّك تَقْضِي وَلَا يُقْضَى عَلَيْك: إنَّهُ لَا يَذِلُّ مَنْ وَالَيْتَ تَبَارَكْتَ رَبَّنَا وَتَعَالَيْتَ لِلِاتِّبَاعِ، رَوَاهُ الْحَاكِمُ فِي الْمُسْتَدْرَكِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنْ الرُّكُوعِ مِنْ صَلَاةِ الصُّبْحِ فِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ رَفَعَ يَدَيْهِ فَيَدْعُو بِهَذَا الدُّعَاءِ: اللَّهُمَّ اهْدِنِي فِيمَنْ هَدَيْتَ» إلَى آخِرِ مَا تَقَدَّمَ لَكِنْ لَمْ يَذْكُرْ رَبَّنَا، وَقَالَ صَحِيحٌ، وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي الصُّبْحِ وَفِي قُنُوتِ الْوِتْرِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: وَزَادَ الْعُلَمَاءُ فِيهِ: أَيْ
وَالْإِمَامُ بِلَفْظِ الْجَمْعِ.
وَالصَّحِيحُ سَنُّ الصَّلَاةِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي آخِرِهِ.
[مغني المحتاج]
الْقُنُوتِ قَبْلَ تَبَارَكْتَ وَتَعَالَيْتَ: وَلَا يَعِزُّ مَنْ عَادَيْتَ، وَبَعْدَهُ: فَلَكَ الْحَمْدُ عَلَى مَا قَضَيْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتُوبُ إلَيْكَ.
قَالَ فِي الرَّوْضَةِ: قَالَ أَصْحَابُنَا: لَا بَأْسَ بِهَذِهِ الزِّيَادَةِ، وَقَالَ أَبُو حَامِدٍ وَالْبَنْدَنِيجِيّ وَآخَرُونَ: هِيَ مُسْتَحَبَّةٌ وَعَبَّرَ عَنْهَا فِي تَحْقِيقِهِ بِقَوْلِهِ: وَقِيلَ.
(وَ) يُسَنُّ أَنْ يَقْنُتَ (الْإِمَامُ بِلَفْظِ الْجَمْعِ) ؛ لِأَنَّ الْبَيْهَقِيَّ رَوَاهُ فِي إحْدَى رِوَايَتَيْهِ بِلَفْظِ الْجَمْعِ فَحَمَلَ عَلَى الْإِمَامِ فَيَقُولُ اهْدِنَا وَهَكَذَا، وَعَلَّلَهُ الْمُصَنِّفُ فِي أَذْكَارِهِ بِأَنَّهُ يُكْرَهُ لِلْإِمَامِ تَخْصِيصُ نَفْسِهِ بِالدُّعَاءِ لِخَبَرِ «لَا يَؤُمُّ عَبْدٌ قَوْمًا فَيَخُصُّ نَفْسَهُ بِدَعْوَةٍ دُونَهُمْ فَإِنْ فَعَلَ فَقَدْ خَانَهُمْ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ وَقَضِيَّةُ هَذَا طَرْدُهُ فِي سَائِرِ أَدْعِيَةِ الصَّلَاةِ، وَبِهِ صَرَّحَ الْقَاضِي حُسَيْنٌ وَالْغَزَالِيُّ فِي الْإِحْيَاءِ فِي كَلَامِهِ عَلَى التَّشَهُّدِ، وَنَقَلَ ابْنُ الْمُنْذِرِ فِي الْإِشْرَافِ عَنْ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ قَالَ: لَا أُحِبُّ لِلْإِمَامِ تَخْصِيصَ نَفْسِهِ بِالدُّعَاءِ دُونَ الْقَوْمِ، وَالْجُمْهُورُ لَمْ يَذْكُرُوهُ إلَّا فِي الْقُنُوتِ.
قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: وَقَدْ ثَبَتَ «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ إذَا كَبَّرَ فِي الصَّلَاةِ يَقُولُ قَبْلَ الْقِرَاءَةِ: اللَّهُمَّ نَقِّنِي اللَّهُمَّ اغْسِلْنِي» الدُّعَاءَ الْمَعْرُوفَ، وَبِهَذَا أَقُولُ اهـ.
وَذَكَرَ ابْنُ الْقَيِّمِ أَنَّ أَدْعِيَةَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كُلَّهَا بِلَفْظِ الْإِفْرَادِ وَلَمْ يَذْكُرْ الْجُمْهُورُ التَّفْرِقَةَ بَيْنَ الْإِمَامِ وَغَيْرِهِ إلَّا فِي الْقُنُوتِ، وَكَأَنَّ الْفَرْقُ بَيْنَ الْقُنُوتِ وَغَيْرِهِ أَنَّ الْكُلَّ مَأْمُورُونَ بِالدُّعَاءِ بِخِلَافِ الْقُنُوتِ فَإِنَّ الْمَأْمُومَ يُؤَمِّنُ فَقَطْ اهـ.
وَهَذَا هُوَ الظَّاهِرُ كَمَا أَفْتَى بِهِ شَيْخِي، وَظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ كَأَصْلِهِ تَعَيُّنُ هَذِهِ الْكَلِمَاتِ لِلْقُنُوتِ، وَهُوَ وَجْهٌ اخْتَارَهُ الْغَزَالِيُّ، وَاَلَّذِي رَجَّحَهُ الْجُمْهُورُ أَنَّهَا لَا تَتَعَيَّنُ، وَعَلَى هَذَا لَوْ قَنَتَ بِمَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - فِي الْوِتْرِ وَهُوَ: اللَّهُمَّ إنَّا نَسْتَعِينُكَ إلَخْ كَانَ حَسَنًا، وَيُسَنُّ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا لِلْمُنْفَرِدِ وَلِإِمَامِ قَوْمٍ مَحْصُورِينَ رَاضِينَ بِالتَّطْوِيلِ، وَأَيُّهُمَا يُقَدِّمُ سَيَأْتِي فِي صَلَاةِ النَّفْلِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
وَلَوْ قَرَأَ آيَةً مِنْ الْقُرْآنِ وَنَوَى بِهَا الْقُنُوتَ، فَإِنْ تَضَمَّنَتْ دُعَاءً أَوْ شِبْهَهُ كَآخِرِ الْبَقَرَةِ أَجْزَأَتْهُ عَنْ الْقُنُوتِ وَإِنْ لَمْ تَتَضَمَّنْهُ كَتَبَّتْ يَدَا وَآيَةِ الدَّيْنِ أَوْ فِيهَا مَعْنَاهُ وَلَمْ يَقْصِدْ بِهَا الْقُنُوتَ لَمْ تُجْزِهِ لِمَا مَرَّ أَنَّ الْقِرَاءَةَ فِي الصَّلَاةِ فِي غَيْرِ الْقِيَامِ مَكْرُوهَةٌ.
قَالَ فِي الْمَجْمُوعِ عَنْ الْبَغَوِيِّ: وَيُكْرَهُ إطَالَةُ الْقُنُوتِ: أَيْ بِغَيْرِ الْمَشْرُوعِ كَالتَّشَهُّدِ الْأَوَّلِ، وَظَاهِرُهُ عَدَمُ الْبُطْلَانِ، وَهُوَ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْبَغَوِيَّ الْقَائِلَ بِكَرَاهَةِ التَّطْوِيلِ قَائِلٌ بِأَنَّ تَطْوِيلَ الرُّكْنِ الْقَصِيرِ يَبْطُلُ عَمْدُهُ، وَقَالَ الْقَاضِي حُسَيْنٌ: وَلَوْ طَوَّلَ الْقُنُوتَ زَائِدًا عَلَى الْعَادَةِ كُرِهَ، وَفِي الْبُطْلَانِ احْتِمَالَانِ، وَكَانَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ يَقُولُ فِي قُنُوتِ الصُّبْحِ: اللَّهُمَّ لَا تَعُقْنَا عَنْ الْعِلْمِ بِعَائِقٍ وَلَا تَمْنَعْنَا عَنْهُ بِمَانِعٍ (وَالصَّحِيحُ سَنُّ الصَّلَاةِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي آخِرِهِ) لِلْأَخْبَارِ الصَّحِيحَةِ فِي ذَلِكَ، وَالثَّانِي لَا تُسَنُّ بَلْ لَا تَجُوزُ حَتَّى تَبْطُلُ الصَّلَاةُ بِفِعْلِهَا عَلَى وَجْهٍ؛ لِأَنَّهُ نَقَلَ رُكْنًا قَوْلِيًّا إلَى غَيْرِ مَوْضِعِهِ، وَجَزَمَ فِي الْأَذْكَارِ عَلَى الْقَوْلِ الْأَوَّلِ بِسَنِّ السَّلَامِ وَيُسَنُّ الصَّلَاةُ عَلَى الْآلِ، وَأَنْكَرَهُ ابْنُ الْفِرْكَاحِ (1) . وَقَالَ: هَذَا لَا أَصْلَ لَهُ، وَاسْتَدَلَّ الْإِسْنَوِيُّ لِسَنِّ السَّلَامِ بِالْآيَةِ،
وَرَفْعُ يَدَيْهِ وَلَا يَمْسَحُ وَجْهَهُ
وَأَنَّ الْإِمَامَ يَجْهَرُ بِهِ وَأَنَّهُ يُؤَمِّنُ الْمَأْمُومُ لِلدُّعَاءِ وَيَقُولُ الثَّنَاءَ.
[مغني المحتاج]
وَالزَّرْكَشِيُّ لِسَنِّ الْآلِ بِخَبَرِ " كَيْفَ نُصَلِّي عَلَيْكَ " وَخَرَجَ بِقَوْلِهِ فِي آخِرِهِ أَنَّهَا لَا تُسَنُّ فِيمَا عَدَاهُ، وَهُوَ كَذَلِكَ، وَإِنْ قَالَ فِي الْعُدَّةِ: لَا بَأْسَ بِهَا أَوَّلَهُ وَآخِرَهُ لِأَثَرٍ وَرَدَ فِيهِ، وَمَا قَالَهُ الْعِجْلِيُّ فِي شَرْحِهِ مِنْ أَنَّهُ لَوْ قَرَأَ آيَةً فِيهَا اسْمُ مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اُسْتُحِبَّ أَنْ يُصَلِّيَ عَلَيْهِ أَفْتَى الْمُصَنِّفُ خِلَافَهُ.
(وَ) سُنَّ (رَفْعُ يَدَيْهِ) فِيهِ وَفِي سَائِرِ الْأَدْعِيَةِ لِلِاتِّبَاعِ رَوَاهُ فِيهِ الْبَيْهَقِيُّ بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ وَفِي سَائِرِ الْأَدْعِيَةِ الشَّيْخَانِ وَغَيْرُهُمَا.
وَالثَّانِي: لَا يَرْفَعُ فِي الْقُنُوتِ؛ لِأَنَّهُ دُعَاءٌ فِي صَلَاةٍ فَلَا يُسَنُّ فِيهِ الرَّفْعُ قِيَاسًا عَلَى دُعَاءِ الِافْتِتَاحِ وَالتَّشَهُّدِ، وَفَرَّقَ الْأَوَّلَ بِأَنَّ لِيَدَيْهِ فِيهِ وَظِيفَةً وَلَا وَظِيفَةَ لَهُمَا هُنَا، وَسَيَأْتِي إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فِي الِاسْتِسْقَاءِ أَنَّهُ يُسَنُّ فِي الدُّعَاءِ أَنْ يَجْعَلَ ظَهْرَ كَفَّيْهِ إلَى السَّمَاءِ إنْ دَعَا لِرَفْعِ بَلَاءٍ، وَعَكْسُهُ إنْ دَعَا لِتَحْصِيلِ شَيْءٍ، فَهَلْ يَقْلِبُ كَفَّيْهِ عِنْدَ قَوْلِهِ فِي الْقُنُوتِ وَقِنِي شَرَّ مَا قَضَيْتَ أَوْ لَا؟ أَفْتَى شَيْخِي بِأَنَّهُ لَا يُسَنُّ أَيْ لِأَنَّ الْحَرَكَةَ فِي الصَّلَاةِ لَيْسَتْ مَطْلُوبَةً (وَ) الصَّحِيحُ أَنَّهُ (لَا يَمْسَحُ) بِهِمَا (وَجْهَهُ) أَيْ لَا يُسَنُّ لَهُ ذَلِكَ لِعَدَمِ وُرُودِهِ كَمَا قَالَهُ الْبَيْهَقِيُّ، وَالثَّانِي يُسَنُّ لِخَبَرِ «فَامْسَحُوا بِهِمَا وُجُوهَكُمْ» وَرُدَّ بِأَنَّ طُرُقَهُ وَاهِيَةٌ، وَظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ عَدَمُ جَرَيَانِ الْخِلَافِ لَوْلَا التَّقْدِيرُ الْمَذْكُورُ، وَعِبَارَةُ الْمُحَرَّرِ ظَاهِرَةٌ فِي الْخِلَافِ فِيهِ، فَلَوْ قَالَ: لَا مَسَحَ وَجْهَهُ لَكَانَ أَخْصَرَ وَأَفَادَ الْخِلَافُ مِنْ غَيْرِ تَقْدِيرٍ.
وَأَمَّا مَسْحُ غَيْرِ الْوَجْهِ كَالصَّدْرِ فَلَا يُسَنُّ مَسْحُهُ قَطْعًا بَلْ نَصَّ جَمَاعَةٌ عَلَى كَرَاهَتِهِ.
وَأَمَّا مَسْحُ الْوَجْهِ عَقِبَ الدُّعَاءِ خَارِجَ الصَّلَاةِ، فَقَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ بَعْدَ نَهْيِهِ عَنْهُ لَا يَفْعَلُهُ إلَّا جَاهِلٌ اهـ.
وَقَدْ وَرَدَ فِي الْمَسْحِ بِهِمَا أَخْبَارٌ بَعْضُهَا غَرِيبٌ وَبَعْضُهَا ضَعِيفٌ، وَمَعَ هَذَا جَزَمَ فِي التَّحْقِيقِ بِاسْتِحْبَابِهِ.
(وَ) الصَّحِيحُ (أَنَّ الْإِمَامَ يَجْهَرُ بِهِ) لِلِاتِّبَاعِ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَغَيْرُهُ قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَلْيَكُنْ جَهْرُهُ بِهِ دُونَ جَهْرِهِ بِالْقِرَاءَةِ، وَالثَّانِي لَا كَسَائِرِ الْأَدْعِيَةِ الْمَشْرُوعَةِ فِي الصَّلَاةِ.
أَمَّا الْمُنْفَرِدُ فَيُسِرُّ قَطْعًا (وَ) الصَّحِيحُ (أَنَّهُ يُؤَمِّنُ الْمَأْمُومُ لِلدُّعَاءِ) لِلِاتِّبَاعِ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ أَوْ صَحِيحٍ، وَيَجْهَرُ بِهِ كَمَا فِي تَأْمِينِ الْقِرَاءَةِ (وَيَقُولُ الثَّنَاءَ) سِرًّا وَهُوَ فَإِنَّكَ تَقْضِي إلَى آخِرِهِ؛ لِأَنَّهُ ثَنَاءٌ وَذِكْرٌ فَكَانَتْ الْمُوَافَقَةُ فِيهِ أَلْيَقَ، وَفِي الرَّوْضَةِ وَأَصْلِهَا أَنَّهُ يَقُولُ الثَّنَاءَ أَوْ يَسْكُتُ، وَقَالَ الْمُتَوَلِّي: أَوْ يَقُولُ أَشْهَدُ، وَقَالَ الْغَزَالِيُّ: أَوْ صَدَقْتَ وَبَرَرْتَ، وَلَا يَشْكُلُ عَلَى هَذَا مَا تَقَدَّمَ فِي الْأَذَانِ مِنْ أَنَّ الْمُصَلِّيَ إذَا أَجَابَ بِهِ الْمُؤَذِّنُ تَبْطُلُ صَلَاتُهُ؛ لِأَنَّهُ ارْتِبَاطٌ بَيْنَ الْمُصَلِّي وَالْمُؤَذِّنِ بِخِلَافِ الْإِمَامِ وَالْمَأْمُومِ.
هَذَا وَالْأَوْجَهُ الْبُطْلَانُ فِيهِمَا.
قَالَ فِي الْمَجْمُوعِ وَغَيْرِهِ: وَالْمُشَارَكَةُ أَوْلَى، وَالصَّلَاةُ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - دُعَاءٌ فَيُؤَمِّنُ لَهَا كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْمُحِبُّ الطَّبَرِيُّ
فَإِنْ لَمْ يَسْمَعْهُ قَنَتَ.
وَيُشْرَعُ الْقُنُوتُ فِي سَائِرٍ الْمَكْتُوبَاتِ لِلنَّازِلَةِ، لَا مُطْلَقًا عَلَى الْمَشْهُورِ.
السَّابِعُ: السُّجُودُ، وَأَقَلُّهُ مُبَاشَرَةُ بَعْضِ جَبْهَتِهِ مُصَلَّاهُ.
[مغني المحتاج]
شَارِحُ التَّنْبِيهِ، وَقَالَ الْغَزِّيُّ: وَيُحْتَمَلُ أَنَّهَا ثَنَاءٌ، بَلْ قِيلَ: يُشَارِكُهُ وَإِنْ قِيلَ: إنَّهَا دُعَاءٌ لَمْ يَبْعُدْ، فَفِي الْخَبَرِ «رَغِمَ أَنْفُ رَجُلٍ ذُكِرْتُ عِنْدَهُ فَلَمْ يُصَلِّ عَلَيَّ» اهـ. وَلِذَا قَالَ بَعْضُ مَشَايِخِي: الْأَوْلَى أَنْ يُؤَمِّنَ عَلَى إمَامِهِ، وَيَقُولَهُ بَعْدَهُ وَالْأَوَّلُ أَوْجَهُ، وَقِيلَ يُؤَمِّنُ فِي الْكُلِّ، وَقِيلَ يُوَافِقُهُ فِي الْكُلِّ كَالِاسْتِعَاذَةِ، وَقِيلَ يَتَخَيَّرُ بَيْنَ التَّأْمِينِ وَالْقُنُوتِ هَذَا كُلُّهُ إذَا قُلْنَا يَجْهَرُ بِهِ الْإِمَامُ أَوْ خَالَفَ السُّنَّةَ عَلَى الْقَوْلِ الثَّانِي وَجَهَرَ بِهِ كَمَا يُؤْخَذُ مِمَّا مَرَّ فِيمَا إذَا جَهَرَ بِالسَّرِيَّةِ.
أَمَّا إذَا لَمْ يَجْهَرْ بِهِ أَوْ جَهَرَ بِهِ وَلَمْ يَسْمَعْهُ فَإِنَّهُ يَقْنُتُ كَمَا قَالَ (فَإِنْ لَمْ يَسْمَعْهُ) لِصَمَمٍ أَوْ بُعْدٍ أَوْ لِعَدَمِ جَهْرِهِ بِهِ أَوْ سَمِعَ صَوْتًا لَمْ يُفَسِّرْهُ (قَنَتَ) نَدْبًا مَعَهُ سِرًّا كَسَائِرِ الدَّعَوَاتِ وَالْأَذْكَارِ الَّتِي لَا يَسْمَعُهَا.
(وَيُشْرَعُ) أَيْ يُسَنُّ (الْقُنُوتُ) بَعْدَ التَّحْمِيدِ (فِي) اعْتِدَالِ أَخِيرَةٍ (سَائِرٍ) أَيْ بَاقِي (الْمَكْتُوبَاتِ لِلنَّازِلَةِ) الَّتِي نَزَلَتْ كَأَنْ نَزَلَ بِالْمُسْلِمِينَ خَوْفٌ أَوْ قَحْطٌ أَوْ وَبَاءٌ أَوْ جَرَادٌ أَوْ نَحْوُهَا لِلِاتِّبَاعِ؛ لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «قَنَتَ شَهْرًا يَدْعُو عَلَى قَاتِلِي أَصْحَابِهِ الْقُرَّاءِ بِبِئْرِ مَعُونَةَ» ، رَوَاهُ الشَّيْخَانِ مَعَ خَبَرِ «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي» (لَا مُطْلَقًا عَلَى الْمَشْهُورِ) ؛ لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يَقْنُتْ إلَّا عِنْدَ النَّازِلَةِ وَخَالَفَتْ الصُّبْحُ غَيْرَهَا لِشَرَفِهَا وَلِأَنَّهَا أَقْصَرُ الْفَرَائِضِ فَكَانَتْ بِالزِّيَادَةِ أَلِيقَ وَالثَّانِي يَتَخَيَّرُ بَيْنَ الْقُنُوتِ وَعَدَمِهِ وَيَجْهَرُ بِهِ الْإِمَامُ فِي الْجَهْرِيَّةِ وَالسَّرِيَّةِ وَيُسِرُّ بِهِ الْمُنْفَرِدُ كَمَا فِي قُنُوتِ الصُّبْحِ، وَخَرَجَ بِالْمَكْتُوبَاتِ غَيْرُهَا مِنْ نَفْلٍ وَمَنْذُورٍ وَصَلَاةِ جِنَازَةٍ فَلَا يُسَنُّ الْقُنُوتُ فِيهَا، فَفِي الْأُمِّ: وَلَا قُنُوتَ فِي صَلَاةِ الْعِيدَيْنِ وَالِاسْتِسْقَاءِ فَإِنْ قَنَتَ لِنَازِلَةٍ لَمْ أَكْرَهْهُ وَإِلَّا كَرِهْتُهُ.
قَالَ فِي الْمُهِمَّاتِ: وَحَاصِلُهُ أَنَّهُ لَا يُسَنُّ فِي النَّفْلِ وَفِي كَرَاهَتِهِ التَّفْصِيلُ اهـ.
وَيُقَاسُ عَلَى النَّفْلِ فِي ذَلِكَ الْمَنْذُورُ.
قَالَ شَيْخُنَا: وَالظَّاهِرُ كَرَاهَتُهُ مُطْلَقًا فِي صَلَاةِ الْجِنَازَةِ لِبِنَائِهَا عَلَى التَّخْفِيفِ، وَقَضِيَّةُ إطْلَاقِ النَّازِلَةِ أَنَّهُ لَا فَرْقَ فِيهَا بَيْنَ الْعَامَّةِ وَالْخَاصَّةِ بِبَعْضِهِمْ كَالْأَسْرِ وَنَحْوِهِ حَتَّى يُسْتَحَبَّ لَهُ وَلِغَيْرِهِ، وَهَذَا هُوَ الظَّاهِرُ وَإِنْ كَانَ كَلَامُهُمْ يُشْعِرُ بِخِلَافِهِ.
قَالَ فِي الْمُهِمَّاتِ وَقَدْ يُقَالُ بِالْمَشْرُوعِيَّةِ، وَيَتَّجِهُ أَنْ يُقَالَ إنْ كَانَ ضَرَرُهُ مُتَعَدِّيًا كَأَسْرِ الْعَالِمِ وَالشُّجَاعِ وَنَحْوِهِمَا قَنَتُوا وَإِلَّا فَلَا.
(السَّابِعُ) مِنْ الْأَرْكَانِ (السُّجُودُ) مَرَّتَيْنِ لِكُلِّ رَكْعَةٍ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا﴾ [الحج: 77] [الْحَجُّ] وَلِخَبَرِ «إذَا قُمْتَ إلَى الصَّلَاةِ» وَإِنَّمَا عُدَّا رُكْنًا وَاحِدًا لِاتِّحَادِهِمَا كَمَا عَدَّ بَعْضُهُمْ الطُّمَأْنِينَةَ فِي مَحَالِّهَا الْأَرْبَعَةِ رُكْنًا وَاحِدًا لِذَلِكَ، وَهُوَ لُغَةً التَّضَامُنُ وَالْمَيْلُ، وَقِيلَ الْخُضُوعُ وَالتَّذَلُّلُ (وَ) شَرْعًا (أَقَلُّهُ مُبَاشَرَةُ بَعْضِ جَبْهَتِهِ مُصَلَّاهُ) أَيْ مَا يُصَلِّي عَلَيْهِ مِنْ أَرْضٍ أَوْ غَيْرِهَا لِخَبَرِ «إذَا سَجَدْتَ فَمَكِّنْ جَبْهَتَكَ وَلَا تَنْقِرْ نَقْرًا» رَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ، وَلِخَبَرِ خَبَّابِ بْنِ الْأَرَتِّ «شَكَوْنَا إلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَرَّ الرَّمْضَاءِ فِي جِبَاهِنَا وَأَكُفِّنَا فَلَمْ يُشْكِنَا: أَيْ لَمْ يُزِلْ شَكْوَانَا» رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ، وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ بِغَيْرِ جِبَاهِنَا وَأَكُفِّنَا، فَلَوْ لَمْ تَجِبْ مُبَاشَرَةُ الْمُصَلِّي بِالْجَبْهَةِ لَأَرْشَدَهُمْ إلَى سَتْرِهَا وَقِيلَ: يَجِبُ وَضْعُ جَمِيعِهَا، وَعَلَى الْأَوَّلِ يُسْتَحَبُّ، بَلْ الِاقْتِصَارُ عَلَى بَعْضِهَا مَكْرُوهٌ وَإِنَّمَا اكْتَفَى بِهِ لِصِدْقِ اسْمِ
فَإِنْ سَجَدَ عَلَى مُتَّصِلٍ بِهِ جَازَ إنْ لَمْ يَتَحَرَّكْ بِحَرَكَتِهِ.
وَلَا يَجِبُ وَضْعُ يَدَيْهِ وَرُكْبَتَيْهِ وَقَدَمَيْهِ فِي الْأَظْهَرِ.
قُلْتُ: الْأَظْهَرُ وُجُوبُهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[مغني المحتاج]
السُّجُودِ عَلَيْهَا بِذَلِكَ، وَخَرَجَ بِهَا الْجَبِينُ وَالْأَنْفُ فَلَا يَكْفِي وَضْعُهُمَا وَلَا يَجِبُ لِمَا سَيَأْتِي.
(فَإِنْ سَجَدَ عَلَى مُتَّصِلٍ بِهِ) كَطَرَفِ كُمِّهِ الطَّوِيلِ أَوْ عِمَامَتِهِ (جَازَ إنْ لَمْ يَتَحَرَّكْ بِحَرَكَتِهِ) ؛ لِأَنَّهُ فِي حُكْمِ الْمُنْفَصِلِ عَنْهُ، إنْ تَحَرَّكَ بِحَرَكَتِهِ فِي قِيَامٍ أَوْ قُعُودٍ أَوْ غَيْرِهِمَا كَمِنْدِيلٍ عَلَى عَاتِقِهِ لَمْ يَجُزْ، فَإِنْ كَانَ مُتَعَمِّدًا عَالِمًا بَطَلَتْ صَلَاتُهُ أَوْ نَاسِيًا أَوْ جَاهِلًا لَمْ تَبْطُلْ وَأَعَادَ السُّجُودَ، وَلَوْ صَلَّى مِنْ قُعُودٍ فَلَمْ يَتَحَرَّكْ بِحَرَكَتِهِ، وَلَوْ صَلَّى مِنْ قِيَامٍ لِتَحَرُّكٍ لَمْ يَضُرَّ إذْ الْعِبْرَةُ بِالْحَالَةِ الرَّاهِنَةِ، هَذَا هُوَ الظَّاهِرُ وَإِنْ لَمْ أَرَ مَنْ تَعَرَّضَ لَهُ، وَيُؤْخَذُ مِنْ كَلَامِهِ أَنَّ الِامْتِنَاعَ عَلَى الْيَدِ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى، وَخَرَجَ بِمُتَّصِلٍ بِهِ مَا هُوَ فِي حُكْمِ الْمُنْفَصِلِ وَإِنْ تَحَرَّكَ بِحَرَكَتِهِ كَعُودٍ بِيَدِهِ فَلَا يَضُرُّ السُّجُودُ عَلَيْهِ كَمَا فِي الْمَجْمُوعِ فِي نَوَاقِضِ الْوُضُوءِ، وَفَرَّقَ بَيْنَ صِحَّةِ صَلَاتِهِ فِيمَا إذَا سَجَدَ عَلَى طَرَفِ مَلْبُوسِهِ وَلَمْ يَتَحَرَّكْ بِحَرَكَتِهِ وَعَدَمِ صِحَّتِهِ فِيمَا إذَا كَانَ بِهِ نَجَاسَةٌ بِأَنَّ الْمُعْتَبَرَ هُنَا وَضْعُ جَبْهَتِهِ عَلَى قَرَارٍ لِلْأَمْرِ بِتَمْكِينِهَا كَمَا مَرَّ، وَإِنَّمَا يَخْرُجُ الْقَرَارُ بِالْحَرَكَةِ، وَالْمُعْتَبَرِ ثَمَّ أَنْ لَا يَكُونَ شَيْءٌ مِمَّا يُنْسَبُ إلَيْهِ مُلَاقِيًا لَهَا لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ [المدثر: 4] [الْمُدَّثِّرُ] وَالطَّرَفُ الْمَذْكُورُ مِنْ ثِيَابِهِ وَمَنْسُوبٌ إلَيْهِ.
وَلَوْ سَجَدَ عَلَى شَيْء فِي مَوْضِعِ سُجُودِهِ كَوَرَقَةٍ، فَإِنْ الْتَصَقَ بِجَبْهَتِهِ وَارْتَفَعَتْ مَعَهُ وَسَجَدَ عَلَيْهَا ثَانِيًا ضَرَّ، وَإِنْ نَحَّاهَا ثُمَّ سَجَدَ لَمْ يَضُرَّ.
وَلَوْ سَجَدَ عَلَى عِصَابَةِ جُرْحٍ أَوْ نَحْوِهِ لِضَرُورَةٍ بِأَنْ شَقَّ عَلَيْهِ إزَالَتُهَا لَمْ يَلْزَمْهُ الْإِعَادَةُ؛ لِأَنَّهَا إذَا لَمْ تَلْزَمْهُ مَعَ الْإِيمَاءِ لِلْعُذْرِ فَهَذَا أَوْلَى، وَكَذَا لَوْ سَجَدَ عَلَى شَعْرٍ نَبَتَ عَلَى جَبْهَتِهِ؛ لِأَنَّ مَا نَبَتَ عَلَيْهَا مِثْلُ بَشَرَتِهِ، ذَكَرَهُ الْبَغَوِيّ فِي فَتَاوِيهِ وَلَمْ يَطَّلِعْ عَلَيْهِ الْإِسْنَوِيُّ، فَقَالَ: يُحْتَمَلُ الْإِجْزَاءُ مُطْلَقًا بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ الْمُتَيَمِّمَ نَزْعُهُ وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
ثُمَّ قَالَ: وَأَوْجَهُ مِنْهُ أَنَّهُ إنْ اسْتَوْعَبَتْ الْجَبْهَةُ كَفَى وَإِلَّا وَجَبَ أَنْ يَسْجُدَ عَلَى الْخَالِي مِنْهُ لِقُدْرَتِهِ عَلَى الْأَصْلِ.
(وَلَا يَجِبُ وَضْعُ يَدَيْهِ وَرُكْبَتَيْهِ وَقَدَمَيْهِ) فِي سُجُودِهِ (فِي الْأَظْهَرِ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ﴾ [الفتح: 29] [الْفَتْحُ] . وَلِلْخَبَرِ الْمُتَقَدِّمِ «إذَا سَجَدْتَ فَمَكِّنْ جَبْهَتَكَ» فَإِفْرَادُهَا بِالذِّكْرِ دَلِيلٌ عَلَى مُخَالَفَتِهَا لِغَيْرِهَا، وَلِأَنَّهُ لَوْ وَجَبَ وَضْعُهَا لَوَجَبَ الْإِيمَاءُ بِهَا عِنْدَ الْعَجْزِ عَنْ وَضْعِهَا، وَالْإِيمَاءُ بِهَا لَا يَجِبُ فَلَا يَجِبُ وَضْعُهَا، وَلِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْهُ وَضْعُ أَشْرَفِ الْأَعْضَاءِ عَلَى مَوَاطِئِ الْأَقْدَامِ، وَهُوَ خَصِيصٌ بِالْجَبْهَةِ وَيُتَصَوَّرُ رَفْعُ جَمِيعِهَا كَأَنْ يُصَلِّيَ عَلَى حَجَرَيْنِ بَيْنَهُمَا حَائِطٌ قَصِيرٌ يَنْبَطِحُ عَلَيْهِ عِنْدَ سُجُودِهِ وَيَرْفَعُهَا (قُلْتُ الْأَظْهَرُ وُجُوبُهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ) لِخَبَرِ الصَّحِيحَيْنِ «أُمِرْتُ أَنْ أَسْجُدَ عَلَى سَبْعَةِ أَعْظُمٍ عَلَى الْجَبْهَةِ، وَأَشَارَ بِيَدِهِ إلَى أَنْفِهِ وَالْيَدَيْنِ وَالرُّكْبَتَيْنِ وَأَطْرَافِ الْقَدَمَيْنِ» وَإِنَّمَا لَمْ يَجِبْ الْإِيمَاءُ بِهَا عِنْدَ الْعَجْزِ وَتَقْرِيبُهَا مِنْ الْأَرْضِ كَالْجَبْهَةِ؛ لِأَنَّ مُعْظَمَ السُّجُودِ وَغَايَةَ الْخُضُوعِ بِالْجَبْهَةِ دُونَهَا، وَيَكْفِي وَضْعُ جُزْءٍ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ هَذِهِ الْأَعْضَاءِ كَالْجَبْهَةِ وَالْعِبْرَةُ فِي الْيَدَيْنِ بِبَطْنِ الْكَفِّ، سَوَاءٌ الْأَصَابِعُ وَالرَّاحَةُ: قَالَ فِي الْمَجْمُوعِ، وَفِي الرِّجْلَيْنِ بِبَطْنِ الْأَصَابِعِ فَلَا يُجْزِئُ الظَّهْرُ مِنْهَا وَلَا الْحَرْفُ وَلَا يَجِبُ كَشْفُهَا، بَلْ يُكْرَهُ كَشْفُ الرُّكْبَتَيْنِ؛ لِأَنَّهُ يُفْضِي إلَى
وَيَجِبُ أَنْ يَطْمَئِنَّ وَيَنَالَ مَسْجَدَهُ ثِقَلَ رَأْسِهِ وَأَنْ لَا يَهْوِيَ لِغَيْرِهِ فَلَوْ سَقَطَ لِوَجْهِهِ وَجَبَ الْعَوْدُ إلَى الِاعْتِدَالِ، وَأَنْ تَرْتَفِعَ أَسَافِلُهُ عَلَى أَعَالِيهِ فِي الْأَصَحِّ.
[مغني المحتاج]
كَشْفِ الْعَوْرَةِ، وَقِيلَ: يَجِبُ كَشْفُ بَاطِنِ الْكَفَّيْنِ أَخْذًا بِظَاهِرِ خَبَّابٍ السَّابِقِ.
وَأُجِيبَ عَنْهُ بِأَنَّ قَوْلَهُ فِيهِ فَلَمْ يُشْكِنَا فِي مَجْمُوعِ الْجَبْهَةِ وَالْكَفَّيْنِ، وَأُيِّدَ بِمَا رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَّى فِي مَسْجِدِ بَنِي الْأَشْهَلِ وَعَلَيْهِ كِسَاءٌ مُلَفَّعٌ بِهِ يَضَعُ يَدَيْهِ عَلَيْهِ يَقِيهِ الْحَصَى» وَيُسَنُّ كَشْفُهُمَا خُرُوجًا مِنْ الْخِلَافِ، وَكَشْفُ قَدَمَيْهِ حَيْثُ لَا خُفَّ، وَيَحْصُلُ تَوْجِيهُ أَصَابِعِهِمَا لِلْقِبْلَةِ بِأَنْ يَكُونَ مُعْتَمِدًا عَلَى بُطُونِهِمَا، ثُمَّ مَحَلُّ وُجُوبِ وَضْعِ هَذِهِ الْأَعْضَاءِ إذَا لَمْ يَتَعَذَّرْ وَضْعُ شَيْءٍ مِنْهَا، وَإِلَّا فَيَسْقُطُ الْفَرْضُ، فَلَوْ قُطِعَتْ يَدُهُ مِنْ الزَّنْدِ لَمْ يَجِبْ وَضْعُهُ، وَلَا وَضْعُ رِجْلٍ قُطِعَتْ أَصَابِعُهَا لِفَوْتِ مَحَلِّ الْفَرْضِ.
فَرْعٌ: لَوْ خُلِقَ لَهُ: رَأْسَانِ، وَأَرْبَعُ أَيْدٍ، وَأَرْبَعُ أَرْجُلٍ هَلْ يَجِبُ عَلَيْهِ وَضْعُ بَعْضِ كُلٍّ مِنْ الْجَبْهَتَيْنِ وَمَا بَعْدَهُمَا مُطْلَقًا، أَوْ يَفْصِلُ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ الْبَعْضُ زَائِدًا أَوْ لَا؟ لَمْ أَرَ مَنْ تَعَرَّضَ لِذَلِكَ، وَلَكِنْ أَفْتَانِي شَيْخِي فِيهَا بِأَنَّهُ إنْ عَرَفَ الزَّائِدَ فَلَا اعْتِبَارَ بِهِ، وَإِلَّا اكْتَفَى فِي الْخُرُوجِ مِنْ عُهْدَةِ الْوُجُوبِ بِسَبْعَةِ أَعْضَاءٍ مِنْهَا: أَيْ إحْدَى الْجَبْهَتَيْنِ وَيَدَيْنِ وَرُكْبَتَيْنِ وَأَصَابِعِ رِجْلَيْنِ إذَا كَانَتْ كُلُّهَا أَصْلِيَّةً لِلْحَدِيثِ، فَإِنْ اشْتَبَهَ الْأَصْلِيُّ بِالزَّائِدِ وَجَبَ وَضْعُ جُزْءٍ مِنْ كُلٍّ مِنْهَا.
(وَيَجِبُ أَنْ يَطْمَئِنَّ) لِحَدِيثِ الْمُسِيءِ صَلَاتَهُ (وَيَنَالَ مَسْجَدَهُ) وَهُوَ بِفَتْحِ الْجِيمِ وَكَسْرِهَا: مَحَلُّ سُجُودِهِ (ثِقَلُ رَأْسِهِ) لِلْخَبَرِ السَّابِقِ «وَإِذَا سَجَدْتَ فَمَكِّنْ جَبْهَتَكَ» .
وَمَعْنَى الثِّقَلِ: أَنْ يَتَحَامَلَ بِحَيْثُ لَوْ فُرِضَ تَحْتَهُ قُطْنٌ أَوْ حَشِيشٌ لَانْكَبَسَ، وَظَهَرَ أَثَرُهُ فِي يَدٍ لَوْ فُرِضَتْ تَحْتَ ذَلِكَ، وَاكْتَفَى الْإِمَامُ بِإِرْخَاءِ رَأْسِهِ.
قَالَ: بَلْ هُوَ أَقْرَبُ إلَى هَيْئَةِ التَّوَاضُعِ مِنْ تَكَلُّفِ التَّحَامُلِ، وَيَنَالُ مَعْنَاهُ: يُصِيبُ وَيَحْصُلُ، وَمَسْجِدَهُ هُنَا مَنْصُوبٌ، وَثَقُلَ فَاعِلٌ، وَلَا يُعْتَبَرُ هَذَا فِي بَقِيَّةِ الْأَعْضَاءِ كَمَا يُؤْخَذُ مِنْ عِبَارَةِ الرَّوْضَةِ، وَأَفْتَى بِهِ شَيْخِي مُخَالِفًا فِيهِ شَيْخَهُ فِي شَرْحِ مَنْهَجِهِ، وَقَالَ الزَّرْكَشِيُّ: أَمَّا غَيْرُ الْجَبْهَةِ مِنْ الْأَعْضَاءِ إذَا أَوْجَبْنَا وَضْعَهُ فَلَا يُشْتَرَطُ فِيهَا التَّحَامُلُ، وَحُكِيَ عَنْ الْإِمَامِ أَنَّ الَّذِي صَحَّحَهُ الْأَئِمَّةُ أَنْ يَضَعَ أَطْرَافَ الْأَصَابِعِ عَلَى الْأَرْضِ مِنْ غَيْرِ تَحَامُلٍ عَلَيْهَا اهـ.
وَقَالَ الْمُصَنِّفُ فِي تَحْقِيقِهِ: وَيُنْدَبُ أَنْ يَضَعَ كَفَّيْهِ حَذْوَ مَنْكِبَيْهِ وَيَنْشُرَ أَصَابِعَهُمَا مَضْمُومَةً لِلْقِبْلَةِ وَيَعْتَمِدَ عَلَيْهِمَا (وَأَنْ لَا يَهْوِيَ لِغَيْرِهِ) أَيْ السُّجُودِ بِأَنْ يَهْوِيَ لَهُ أَوْ مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ كَمَا مَرَّ فِي الرُّكُوعِ (فَلَوْ سَقَطَ لِوَجْهِهِ) أَيْ عَلَيْهِ مِنْ الِاعْتِدَالِ (وَجَبَ الْعَوْدُ إلَى الِاعْتِدَالِ) لِيَهْوِيَ مِنْهُ لِانْتِفَاءِ الْهَوِيِّ فِي السُّقُوطِ، فَإِنْ سَقَطَ مِنْ الْهَوِيِّ لَمْ يَلْزَمْهُ الْعَوْدُ، بَلْ يُحْسَبُ ذَلِكَ سُجُودًا إلَّا إنْ قَصَدَ بِوَضْعِ الْجَبْهَةِ الِاعْتِمَادَ عَلَيْهَا فَقَطْ فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ إعَادَةُ السُّجُودِ لِوُجُودِ الصَّارِفِ، وَلَوْ سَقَطَ مِنْ الْهَوِيِّ عَلَى جَنْبِهِ فَانْقَلَبَ بِنِيَّةِ السُّجُودِ، أَوْ بِلَا نِيَّةٍ، أَوْ بِنِيَّتِهِ وَنِيَّةِ الِاسْتِقَامَةِ وَسَجَدَ أَجْزَأَهُ، فَإِنْ نَوَى الِاسْتِقَامَةَ فَقَطْ لَمْ يُجْزِهِ لِوُجُودِ الصَّارِفِ، بَلْ يَجْلِسُ ثُمَّ يَسْجُدُ، وَلَا يَقُومُ ثُمَّ يَسْجُدُ، فَإِنْ قَامَ عَامِدًا بَطَلَتْ صَلَاتُهُ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي الرَّوْضَةِ وَغَيْرِهَا، وَإِنْ نَوَى مَعَ ذَلِكَ صَرَفَهُ عَنْ السُّجُودِ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ؛ لِأَنَّهُ زَادَ فِعْلًا لَا يُزَادُ مِثْلُهُ فِي الصَّلَاةِ عَمْدًا (وَأَنْ تَرْتَفِعَ أَسَافِلُهُ) أَيْ عَجِيزَتُهُ وَمَا حَوْلَهَا (عَلَى أَعَالِيهِ فِي الْأَصَحِّ) لِلِاتِّبَاعِ كَمَا أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ، فَلَوْ صَلَّى فِي
وَأَكْمَلُهُ يُكَبِّرُ لِهُوِيِّهِ بِلَا رَفْعٍ وَيَضَعُ رُكْبَتَيْهِ ثُمَّ يَدَيْهِ ثُمَّ جَبْهَتَهُ وَأَنْفَهُ وَيَقُولُ: سُبْحَانَ رَبِّي الْأَعْلَى ثَلَاثًا، وَيَزِيدُ الْمُنْفَرِدُ اللَّهُمَّ لَكَ سَجَدْتُ، وَبِك آمَنْتُ، وَلَكَ أَسْلَمْتُ، سَجَدَ وَجْهِي لِلَّذِي خَلَقَهُ وَصَوَّرَهُ، وَشَقَّ سَمْعَهُ وَبَصَرَهُ تَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ، وَيَضَعُ
[مغني المحتاج]
سَفِينَةٍ مَثَلًا وَلَمْ يَتَمَكَّنْ مِنْ ارْتِفَاعِ ذَلِكَ لِمَيَلَانِهَا صَلَّى عَلَى حَالِهِ وَلَزِمَهُ الْإِعَادَةُ؛ لِأَنَّ هَذَا عُذْرٌ نَادِرٌ.
وَالثَّانِي وَنَقَلَهُ الرَّافِعِيُّ فِي شَرْحِ الْمُسْنَدِ عَنْ النَّصِّ: أَنَّهُ يَجُوزُ مُسَاوَاتُهُمَا لِحُصُولِ اسْمِ السُّجُودِ، فَلَوْ ارْتَفَعَتْ الْأَعَالِي لَمْ يَجُزْ جَزْمًا كَمَا لَوْ أَكَبَّ عَلَى وَجْهِهِ وَمَدَّ رِجْلَيْهِ نَعَمْ إنْ كَانَ بِهِ عِلَّةٌ لَا يُمْكِنُهُ مَعَهَا السُّجُودُ إلَّا كَذَلِكَ صَحَّ، فَإِنْ أَمْكَنَهُ السُّجُودُ عَلَى وِسَادَةٍ بِتَنْكِيسٍ لَزِمَهُ قَطْعًا لِحُصُولِ هَيْئَةِ السُّجُودِ بِذَلِكَ أَوْ بِلَا تَنْكِيسٍ لَمْ يَلْزَمْهُ السُّجُودُ عَلَيْهَا، خِلَافًا لِمَا فِي الشَّرْحِ الصَّغِيرِ لِفَوَاتِ هَيْئَةِ السُّجُودِ، بَلْ يَكْفِيهِ الِانْحِنَاءُ الْمُمْكِنُ، وَلَا يَشْكُلُ بِمَا مَرَّ: مِنْ أَنَّ الْمَرِيضَ إذَا لَمْ يُمْكِنْهُ الِانْتِصَابُ إلَّا بِاعْتِمَادِهِ عَلَى شَيْءٍ لَزِمَهُ؛ لِأَنَّهُ هُنَاكَ إذَا اعْتَمَدَ عَلَى شَيْءٍ أَتَى بِهَيْئَةِ الْقِيَامِ، وَهُنَا إذَا وَضَعَ الْوِسَادَةَ لَا يَأْتِي بِهَيْئَةِ السُّجُودِ، فَلَا فَائِدَةَ فِي الْوَضْعِ.
(وَأَكْمَلُهُ) أَيْ السُّجُودِ (يُكَبِّرُ) الْمُصَلِّي (لِهُوِيِّهِ) لِثُبُوتِهِ فِي الصَّحِيحَيْنِ (بِلَا رَفْعٍ) لِيَدَيْهِ؛ لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ لَا يَرْفَعُ ذَلِكَ فِي السُّجُودِ.
رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ
(وَيَضَعُ رُكْبَتَيْهِ ثُمَّ يَدَيْهِ) أَيْ كَفَّيْهِ لِلِاتِّبَاعِ، رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَغَيْرُهُ وَحَسَّنَهُ التِّرْمِذِيُّ (ثُمَّ) يَضَعُ (جَبْهَتَهُ وَأَنْفَهُ) مَكْشُوفًا لِلِاتِّبَاعِ أَيْضًا، رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، فَلَوْ خَالَفَ التَّرْتِيبَ أَوْ اقْتَصَرَ عَلَى الْجَبْهَةِ كُرِهَ، نَصَّ عَلَيْهِ فِي الْأُمِّ، وَيُسَنُّ أَنْ يَكُونَ وَضْعُ الْجَبْهَةِ وَالْأَنْفِ مَعًا كَمَا جَزَمَ بِهِ فِي الْمُحَرَّرِ.
وَنَقَلَهُ فِي الْمَجْمُوعِ عَنْ الْبَنْدَنِيجِيِّ وَغَيْرِهِ، وَإِنْ قَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ مِنْهُ عَنْ الشَّيْخِ أَبِي حَامِدٍ: هُمَا كَعُضْوٍ وَاحِدٍ يُقَدِّمُ أَيَّهُمَا شَاءَ، وَإِنَّمَا لَمْ يَجِبْ وَضْعُ الْأَنْفِ كَالْجَبْهَةِ، مَعَ أَنَّ خَبَرَ «أُمِرْت أَنْ أَسْجُدَ عَلَى سَبْعَةِ أَعْظُمٍ» ظَاهِرُهُ الْوُجُوبُ لِلْأَخْبَارِ الصَّحِيحَةِ الْمُقْتَصِرَةِ عَلَى الْجَبْهَةِ، قَالُوا: وَتُحْمَلُ أَخْبَارُ الْأَنْفِ عَلَى النَّدْبِ.
قَالَ فِي الْمَجْمُوعِ وَفِيهِ ضَعْفٌ؛ لِأَنَّ رِوَايَاتِ الْأَنْفِ زِيَادَةُ ثِقَةٍ وَلَا مُنَافَاةَ بَيْنَهُمَا (وَيَقُولُ) بَعْدَ ذَلِكَ الْإِمَامُ وَغَيْرُهُ (سُبْحَانَ رَبِّي الْأَعْلَى ثَلَاثًا) لِلْحَدِيثِ السَّابِقِ فِي الرُّكُوعِ، وَلَا يَزِيدُ الْإِمَامُ عَلَى ذَلِكَ تَخْفِيفًا عَلَى الْمَأْمُومِينَ (وَيَزِيدُ الْمُنْفَرِدُ) وَإِمَامُ قَوْمٍ مَحْصُورِينَ رَاضِينَ بِالتَّطْوِيلِ «اللَّهُمَّ لَكَ سَجَدْتُ، وَبِك آمَنْتُ، وَلَكَ أَسْلَمْتُ، سَجَدَ وَجْهِي لِلَّذِي خَلَقَهُ وَصَوَّرَهُ، وَشَقَّ سَمْعَهُ وَبَصَرَهُ، تَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ» ) لِلِاتِّبَاعِ.
رَوَاهُ مُسْلِمٌ زَادَ فِي الرَّوْضَةِ قَبْلَ تَبَارَكَ " بِحَوْلِهِ وَقُوَّتِهِ " قَالَ فِيهَا: وَيُسْتَحَبُّ فِيهِ: سَبُّوحٌ قُدُّوسٌ رَبُّ الْمَلَائِكَةِ وَالرُّوحِ.
وَيُسَنُّ لِلْمُنْفَرِدِ وَلِإِمَامِ مَحْصُورِينَ رَاضِينَ بِالتَّطْوِيلِ الدُّعَاءُ فِيهِ، وَعَلَى ذَلِكَ حُمِلَ خَبَرُ مُسْلِمٍ «أَقْرَبُ مَا يَكُونُ الْعَبْدُ مِنْ رَبِّهِ وَهُوَ سَاجِدٌ فَأَكْثِرُوا فِيهِ الدُّعَاءَ» .
وَقَدْ ثَبَتَ «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَقُولُ فِيهِ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي ذَنْبِي كُلَّهُ: دِقَّهُ وَجِلَّهُ، وَأَوَّلَهُ وَآخِرَهُ وَعَلَانِيَتَهُ وَسِرَّهُ، اللَّهُمَّ إنِّي أَعُوذُ بِرِضَاكَ مِنْ سَخَطِكَ، وَبِعَفْوِكَ مِنْ عُقُوبَتِكَ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْك: لَا أُحْصِي ثَنَاءً عَلَيْكَ أَنْتَ كَمَا أَثْنَيْتَ عَلَى نَفْسِكَ» .
وَيَأْتِي الْمَأْمُومُ بِمَا أَمْكَنَهُ مِنْ ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ تَخَلُّفٍ (وَيَضَعُ
يَدَيْهِ حَذْوَ مَنْكِبَيْهِ، وَيَنْشُرُ أَصَابِعَهُ مَضْمُومَةً لِلْقِبْلَةِ، وَيُفَرِّقُ رُكْبَتَيْهِ، وَيَرْفَعُ بَطْنَهُ عَنْ فَخِذَيْهِ وَمِرْفَقَيْهِ عَنْ جَنْبَيْهِ فِي رُكُوعِهِ وَسُجُودِهِ، وَتَضُمُّ الْمَرْأَةُ وَالْخُنْثَى.
الثَّامِنُ: الْجُلُوسُ بَيْنَ سَجْدَتَيْهِ مُطْمَئِنًّا، وَيَجِبُ أَنْ لَا يَقْصِدَ بِرَفْعِهِ غَيْرَهُ وَأَنْ لَا يُطَوِّلَهُ وَلَا الِاعْتِدَالَ، وَأَكْمَلُهُ يُكَبِّرُ وَيَجْلِسُ مُفْتَرِشًا وَاضِعًا يَدَيْهِ قَرِيبًا مِنْ رُكْبَتَيْهِ وَيَنْشُرُ أَصَابِعَهُ قَائِلًا: رَبِّ اغْفِرْ لِي وَارْحَمْنِي وَاجْبُرْنِي
[مغني المحتاج]
يَدَيْهِ) فِي سُجُودِهِ (حَذْوَ مَنْكِبَيْهِ) أَيْ مُقَابِلِهِمَا لِلِاتِّبَاعِ.
رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَصَحَّحَهُ الْمُصَنِّفُ (وَيَنْشُرُ أَصَابِعَهُ مَضْمُومَةً) وَمَكْشُوفَةً (لِلْقِبْلَةِ) لِلِاتِّبَاعِ.
رَوَاهُ فِي الضَّمِّ وَالنَّشْرِ الْبُخَارِيُّ، وَفِي الْبَاقِي الْبَيْهَقِيُّ (وَيُفَرِّقُ) الذَّكَرُ (رُكْبَتَيْهِ) وَبَيْنَ قَدَمَيْهِ قَدْرَ شِبْرٍ (وَيَرْفَعُ بَطْنَهُ عَنْ فَخِذَيْهِ وَمِرْفَقَيْهِ عَنْ جَنْبَيْهِ فِي رُكُوعِهِ وَسُجُودِهِ) لِلِاتِّبَاعِ كَمَا ثَبَتَ فِي الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ.
وَقَوْلُهُ: فِي رُكُوعِهِ وَسُجُودِهِ يَعُودُ إلَى الثَّلَاثِ (وَتَضُمُّ الْمَرْأَةُ وَالْخُنْثَى) وَهُوَ مِنْ زِيَادَتِهِ عَلَى الْمُحَرَّرِ بَعْضُهَا إلَى بَعْضٍ فِي رُكُوعِهِمَا وَسُجُودِهِمَا بِأَنْ يُلْصِقَا بَطْنَهُمَا بِفَخِذَيْهِمَا؛ لِأَنَّهُ أَسْتَرُ لَهَا وَأَحْوَطُ لَهُ.
وَفِي الْمَجْمُوعِ عَنْ نَصِّ الْأُمِّ: إنَّ الْمَرْأَةَ تَضُمُّ فِي جَمِيعِ الصَّلَاةِ أَيْ الْمِرْفَقَيْنِ إلَى الْجَنْبَيْنِ لِمَا تَقَدَّمَ، وَالْخُنْثَى مِثْلُهَا.
قَالَ السُّبْكِيُّ: وَكَانَ الْأَلْيَقُ ذِكْرَ هَذِهِ الصِّفَاتِ قَبْلَ قَوْلِهِ: سُبْحَانَ رَبِّي الْأَعْلَى، وَيَرْفَعُ كُلٌّ مِنْهُمْ ذِرَاعَيْهِ عَنْ الْأَرْضِ، فَإِنْ لَحِقَهُ مَشَقَّةٌ بِالِاعْتِمَادِ عَلَى كَفَّيْهِ كَأَنْ طَوَّلَ الْمُنْفَرِدُ سُجُودَهُ وَضَعَ سَاعِدَيْهِ عَلَى رُكْبَتَيْهِ كَمَا قَالَهُ الْمُتَوَلِّي وَغَيْرُهُ.
(الثَّامِنُ) مِنْ الْأَرْكَانِ (الْجُلُوسُ بَيْنَ سَجْدَتَيْهِ مُطْمَئِنًّا) وَلَوْ فِي نَفْلٍ، لِحَدِيثِ الْمُسِيءِ صَلَاتَهُ، وَفِي الصَّحِيحَيْنِ «كَانَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذَا رَفَعَ رَأْسَهُ لَمْ يَسْجُدْ حَتَّى يَسْتَوِيَ جَالِسًا» .
وَهَذَا فِيهِ رَدٌّ عَلَى أَبِي حَنِيفَةَ حَيْثُ يَقُولُ: يَكْفِي أَنْ يَرْفَعَ رَأْسَهُ عَنْ الْأَرْضِ أَدْنَى رَفْعٍ كَحَدِّ السَّيْفِ (وَيَجِبُ أَنْ لَا يَقْصِدَ بِرَفْعِهِ غَيْرَهُ) لِمَا مَرَّ فِي الرُّكُوعِ، فَلَوْ رَفَعَ فَزَعًا مِنْ شَيْءٍ لَمْ يَكْفِ، وَيَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَعُودَ إلَى السُّجُودِ (وَأَنْ لَا يُطَوِّلَهُ وَلَا الِاعْتِدَالَ) ؛ لِأَنَّهُمَا رُكْنَانِ قَصِيرَانِ لَيْسَا مَقْصُودَيْنِ لِذَاتِهِمَا بَلْ لِلْفَصْلِ، وَسَيَأْتِي حُكْمُ تَطْوِيلِهِمَا فِي سُجُودِ السَّهْوِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، هَذَا أَقَلُّهُ (وَأَكْمَلُهُ يُكَبِّرُ) بِلَا رَفْعِ يَدٍ مَعَ رَفْعِ رَأْسِهِ مِنْ سُجُودِهِ لِلِاتِّبَاعِ.
رَوَاهُ الشَّيْخَانِ
(وَيَجْلِسُ مُفْتَرِشًا) وَسَيَأْتِي بَيَانُهُ لِلِاتِّبَاعِ، رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ حَسَنٌ صَحِيحٌ، وَلِأَنَّ جُلُوسَهُ يَعْقُبُهُ حَرَكَةٌ، فَكَانَ الِافْتِرَاشُ فِيهِ أَوْلَى؛ لِأَنَّهُ عَلَى هَيْئَةِ الْمُسْتَوْفِزِ وَرَوَى الْبُوَيْطِيُّ عَنْ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ يَجْلِسُ عَلَى عَقِبَيْهِ وَيَكُونُ صُدُورُ قَدَمَيْهِ عَلَى الْأَرْضِ، وَتَقَدَّمَ أَنَّ هَذَا نَوْعٌ مِنْ الْإِقْعَاءِ مُسْتَحَبٌّ، وَالِافْتِرَاشُ أَفْضَلُ مِنْهُ (وَاضِعًا يَدَيْهِ) أَيْ كَفَّيْهِ عَلَى فَخِذَيْهِ (قَرِيبًا مِنْ رُكْبَتَيْهِ) بِحَيْثُ تُسَاوِي رُءُوسُ أَصَابِعِهِ رُكْبَتَيْهِ (وَيَنْشُرُ أَصَابِعَهُ) إلَى الْقِبْلَةِ قِيَاسًا عَلَى السُّجُودِ وَغَيْرِهِ، وَلَا يَضُرُّ انْعِطَافُ رُءُوسِهَا عَلَى الرُّكْبَةِ كَمَا قَالَهُ.
الشَّيْخَانِ، وَإِنْ أَنْكَرَهُ ابْنُ يُونُسَ وَقَالَ: يَنْبَغِي تَرْكُهُ؛ لِأَنَّهُ يُخِلُّ بِتَوْجِيهِهَا لِلْقِبْلَةِ، وَتَرْكُ الْيَدَيْنِ حَوَالَيْهِ عَلَى الْأَرْضِ كَإِرْسَالِهِمَا فِي الْقِيَامِ، وَسَيَأْتِي حُكْمُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى (قَائِلًا: رَبِّ اغْفِرْ لِي وَارْحَمْنِي وَاجْبُرْنِي
وَارْفَعْنِي وَارْزُقْنِي وَاهْدِنِي وَعَافِنِي، ثُمَّ يَسْجُدُ الثَّانِيَةَ كَالْأُولَى.
وَالْمَشْهُورُ سَنُّ جِلْسَةٍ خَفِيفَةٍ بَعْدَ السَّجْدَةِ الثَّانِيَةِ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ يَقُومُ عَنْهَا.
[مغني المحتاج]
وَارْفَعْنِي وَارْزُقْنِي وَاهْدِنِي وَعَافِنِي) لِلِاتِّبَاعِ، رَوَى بَعْضَهُ أَبُو دَاوُد وَبَاقِيهِ ابْنُ مَاجَهْ، وَارْفَعْنِي وَارْحَمْنِي لَيْسَتَا فِي الْمُحَرَّرِ وَالشَّرْحِ، وَأَسْقَطَ مِنْ الرَّوْضَةِ ذِكْرَ ارْفَعْنِي، وَزَادَ فِي الْإِحْيَاءِ: وَاعْفُ عَنِّي بَعْدَ قَوْلِهِ: وَعَافِنِي.
وَفِي تَحْرِيرِ الْجُرْجَانِيِّ يَقُولُ: رَبِّ اغْفِرْ وَارْحَمْ وَتَجَاوَزْ عَمَّا تَعْلَمُ إنَّك أَنْتَ الْأَعَزُّ الْأَكْرَمُ.
وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ «أَنَّ رَجُلًا أَتَى النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ أَقُولُ حِينَ أَسْأَلُ رَبِّي؟ قَالَ: قُلْ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي وَارْحَمْنِي وَعَافَنِي وَارْزُقْنِي فَإِنَّ هَؤُلَاءِ تَجْمَعُ لَكَ دُنْيَاكَ وَآخِرَتَكَ» أَيْ؛ لِأَنَّ الْغَفْرَ السِّتْرُ، وَالْعَافِيَةَ: انْدِفَاعُ الْبَلَاءِ عَنْ الْعَبْدِ، وَالْأَرْزَاقُ نَوْعَانِ: ظَاهِرَةٌ لِلْأَبْدَانِ كَالْأَقْوَاتِ، وَبَاطِنَةٌ لِلْقُلُوبِ وَالنُّفُوسِ كَالْمَعَارِفِ وَالْعُلُومِ (ثُمَّ يَسْجُدُ) السَّجْدَةَ (الثَّانِيَةَ كَالْأُولَى) فِي الْأَقَلِّ وَالْأَكْمَلِ كَمَا قَالَهُ فِي الْمُحَرَّرِ.
فَائِدَةٌ: مَا الْحِكْمَةُ فِي جَعْلِ السُّجُودِ مَرَّتَيْنِ دُونَ غَيْرِهِ؟ قِيلَ: لِأَنَّ الشَّارِعَ لَمَّا أَمَرَ بِالدُّعَاءِ فِيهِ، وَأُخْبِرَ بِأَنَّهُ حَقِيقٌ بِالْإِجَابَةِ سَجَدَ ثَانِيًا شُكْرًا لِلَّهِ تَعَالَى عَلَى الْإِجَابَةِ كَمَا هُوَ الْمَعْهُودُ فِيمَنْ سَأَلَ مَلِكًا شَيْئًا فَأَنْعَمَ عَلَيْهِ بِهِ.
وَقِيلَ: لِأَنَّهُ أَبْلَغُ فِي التَّوَاضُعِ، وَقِيلَ: لِأَنَّهُ لَمَّا تَرَقَّى فَقَامَ ثُمَّ رَكَعَ ثُمَّ سَجَدَ وَأَتَى بِنِهَايَةِ الْخِدْمَةِ أَذِنَ لَهُ فِي الْجُلُوسِ فَسَجَدَ ثَانِيًا شُكْرًا لِلَّهِ عَلَى اسْتِخْلَاصِهِ إيَّاهُ، وَقِيلَ: لِأَنَّهُ لَمَّا عُرِجَ بِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إلَى السَّمَاءِ، فَمَنْ كَانَ مِنْ الْمَلَائِكَةِ قَائِمًا سَلَّمُوا عَلَيْهِ قِيَامًا ثُمَّ سَجَدُوا شُكْرًا لِلَّهِ تَعَالَى عَلَى رُؤْيَتِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَمَنْ كَانَ مِنْهُمْ رَاكِعًا رَفَعُوا رُءُوسَهُمْ مِنْ الرُّكُوعِ وَسَلَّمُوا عَلَيْهِ، ثُمَّ سَجَدُوا شُكْرًا لِلَّهِ تَعَالَى عَلَى رُؤْيَتِهِ، فَلِذَلِكَ صَارَ السُّجُودُ مَثْنَى مَثْنَى، وَمَنْ كَانَ مِنْهُمْ سَاجِدًا رَفَعُوا رُءُوسَهُمْ وَسَلَّمُوا عَلَيْهِ ثُمَّ سَجَدُوا شُكْرًا لِلَّهِ تَعَالَى عَلَى رُؤْيَتِهِ، فَلَمْ يُرِدْ اللَّهُ أَنْ يَكُونَ لِلْمَلَائِكَةِ حَالٌ إلَّا وَجَعَلَ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ حَالًا مِثْلَ حَالِهِمْ، قَالَهُ الْقُرْطُبِيُّ.
وَقِيلَ: إشَارَةً إلَى أَنَّهُ خَلَقَ مِنْ الْأَرْضِ وَسَيَعُودُ إلَيْهَا، وَقِيلَ: غَيْرُ ذَلِكَ وَجَعَلَ الْمُصَنِّفُ السَّجْدَتَيْنِ رُكْنًا وَاحِدًا، وَصَحَّحَهُ فِي الْبَيَانِ، وَالْأَصَحُّ كَمَا فِي الْوَسِيطِ أَنَّهُمَا رُكْنَانِ، وَفَائِدَةُ الْخِلَافِ كَمَا قَالَهُ فِي الْكِفَايَةِ تَظْهَرُ فِي الْمَأْمُومِ إذَا تَقَدَّمَ عَلَى إمَامِهِ فِي الْأَفْعَالِ أَوْ تَأَخَّرَ عَنْهُ، وَقَدَّمْتُ الْجَوَابَ عَنْهُ عِنْدَ قَوْلِهِ: السَّابِعَ: السُّجُودُ.
(وَالْمَشْهُورُ سَنُّ جِلْسَةٍ خَفِيفَةٍ) لِلِاسْتِرَاحَةِ (بَعْدَ السَّجْدَةِ الثَّانِيَةِ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ يَقُومُ عَنْهَا) بِأَنْ لَا يَعْقُبَهَا تَشَهُّدٌ وَلَمْ يُصَلِّ قَاعِدًا لِلِاتِّبَاعِ، رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
وَالثَّانِي لَا تُسَنُّ لِخَبَرِ وَائِلِ بْنِ حَجَرٍ «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ إذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنْ السُّجُودِ اسْتَوَى قَائِمًا» .
وَأَجَابَ الْأَوَّلُ بِأَنَّ الْحَدِيثَ غَرِيبٌ أَوْ مَحْمُولٌ عَلَى بَيَانِ الْجَوَازِ، وَشَمَلَ قَوْلُهُ كُلَّ رَكْعَةٍ الْفَرْضَ وَالنَّفَلَ وَهُوَ كَذَلِكَ، وَخَرَجَ سَجْدَةُ التِّلَاوَةِ وَالشُّكْرِ إذَا قَامَ عَنْهَا كَمَا سَيَأْتِي فِي بَابِهَا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَهَلْ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ: يَقُومُ عَنْهَا فِعْلًا أَوْ مَشْرُوعِيَّةً؟ صَرَّحَ الْبَغَوِيّ فِي فَتَاوِيهِ بِالْأَوَّلِ فَقَالَ: إذَا صَلَّى أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ بِتَشَهُّدٍ فَإِنَّهُ يَجْلِسُ لِلِاسْتِرَاحَةِ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ مِنْهَا؛ لِأَنَّهَا إذَا ثَبَتَتْ فِي الْأَوْتَارِ، فَفِي مَحَلِّ التَّشَهُّدِ أَوْلَى، وَلَوْ تَرَكَهَا الْإِمَامُ وَأَتَى بِهَا الْمَأْمُومُ لَمْ يَضُرَّ تَخَلُّفُهُ؛ لِأَنَّهُ يَسِيرٌ، وَبِهِ فَارَقَ مَا لَوْ تَرَكَ التَّشَهُّدَ
التَّاسِعُ وَالْعَاشِرُ وَالْحَادِيَ عَشَرَ: التَّشَهُّدُ وَقُعُودُهُ وَالصَّلَاةُ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَالتَّشَهُّدُ وَقُعُودُهُ إنْ عَقِبَهُمَا سَلَامٌ رُكْنَانِ، وَإِلَّا فَسُنَّتَانِ، وَكَيْفَ قَعَدَ جَازَ، وَيُسَنُّ فِي الْأَوَّلِ الِافْتِرَاشُ فَيَجْلِسُ عَلَى كَعْبِ يُسْرَاهُ وَيَنْصِبُ يُمْنَاهُ، وَيَضَعَ أَطْرَافَ أَصَابِعِهِ لِلْقِبْلَةِ، وَفِي الْآخَرِ التَّوَرُّكُ، وَهُوَ كَالِافْتِرَاشِ، لَكِنْ يُخْرِجُ يُسْرَاهُ مِنْ جِهَةِ يَمِينِهِ وَيُلْصِقُ وَرِكَهُ بِالْأَرْضِ، وَالْأَصَحُّ يَفْتَرِشُ الْمَسْبُوقُ وَالسَّاهِي
[مغني المحتاج]
الْأَوَّلَ، وَيُكْرَهُ تَطْوِيلُهَا عَلَى الْجُلُوسِ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ ذَكَرَهُ فِي التَّتِمَّةِ، وَيُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّ الصَّلَاةَ لَا تَبْطُلُ بِتَطْوِيلِهَا كَمَا أَفْتَى بِهِ شَيْخِي وَإِنْ خَالَفَهُ بَعْضُ الْعَصْرِيِّينَ لَهُ، وَالْأَصَحُّ أَنَّهَا فَاصِلَةٌ بَيْنَ الرَّكْعَتَيْنِ لَا مِنْ الْأُولَى وَلَا مِنْ الثَّانِيَةِ، وَيُسَنُّ أَنْ يَمُدَّ التَّكْبِيرَ مِنْ الرَّفْعِ مِنْ السُّجُودِ إلَى الْقِيَامِ لَا أَنَّهُ يُكَبِّرُ تَكْبِيرَتَيْنِ.
(التَّاسِعُ وَالْعَاشِرُ وَالْحَادِيَ عَشَرَ) مِنْ الْأَرْكَانِ (التَّشَهُّدُ) سُمِّيَ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّ فِيهِ الشَّهَادَتَيْنِ، فَهُوَ مِنْ بَابِ تَسْمِيَةِ الْكُلِّ بِاسْمِ الْجُزْءِ (وَقُعُودُهُ، وَالصَّلَاةُ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -) فِي آخِرِهِ وَالْقُعُودُ لَهَا عَلَى مَا سَيَأْتِي تَفْصِيلُهُ (فَالتَّشَهُّدُ وَقُعُودُهُ إنْ عَقِبَهُمَا سَلَامٌ) فَهُمَا (رُكْنَانِ) أَمَّا التَّشَهُّدُ فَلِقَوْلِ ابْنِ مَسْعُودٍ «كُنَّا نَقُولُ قَبْلَ أَنْ يُفْرَضَ عَلَيْنَا التَّشَهُّدُ: السَّلَامُ عَلَى اللَّهِ قَبْلَ عِبَادِهِ، السَّلَامُ عَلَى جِبْرِيلَ، السَّلَامُ عَلَى مِيكَائِيلَ، السَّلَامُ عَلَى فُلَانٍ، فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: لَا تَقُولُوا السَّلَامُ عَلَى اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ السَّلَامُ، وَلَكِنْ قُولُوا: التَّحِيَّاتُ لِلَّهِ.
. . إلَخْ» رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ وَالْبَيْهَقِيُّ وَقَالَا: إسْنَادُهُ صَحِيحٌ، وَالدَّلَالَةُ مِنْهُ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: التَّعْبِيرُ بِالْفَرْضِ.
وَالثَّانِي: الْأَمْرُ بِهِ، وَالْمُرَادُ فَرْضُهُ فِي جُلُوسِ آخِرِ الصَّلَاةِ لِمَا سَيَأْتِي.
وَأَمَّا الْجُلُوسُ لَهُ فَلِأَنَّهُ مَحَلُّهُ فَيَتْبَعُهُ.
وَأَمَّا الصَّلَاةُ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَالْجُلُوسُ لَهَا فَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِمَا (وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يَعْقُبْهُمَا سَلَامٌ (فَسُنَّتَانِ) لِلْأَخْبَارِ الصَّحِيحَةِ، وَصَرَفَنَا عَنْ وُجُوبِهِمَا خَبَرُ الصَّحِيحَيْنِ «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَامَ مِنْ رَكْعَتَيْنِ مِنْ الظُّهْرِ، وَلَمْ يَجْلِسْ، فَلَمَّا قَضَى صَلَاتَهُ كَبَّرَ، وَهُوَ جَالِسٌ فَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ قَبْلَ السَّلَامِ ثُمَّ سَلَّمَ» دَلَّ عَدَمُ تَدَارُكِهِمَا عَلَى عَدَمِ وُجُوبِهِمَا (وَكَيْفَ قَعَدَ) فِي جِلْسَاتِ الصَّلَاةِ (جَازَ، وَ) لَكِنْ (يُسَنُّ فِي) قُعُودِ التَّشَهُّدِ (الْأَوَّلِ الِافْتِرَاشُ فَيَجْلِسُ عَلَى كَعْبِ يُسْرَاهُ) بَعْدَ أَنْ يُضْجِعَهَا بِحَيْثُ يَلِي ظَهْرُهَا الْأَرْضَ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي الْمُحَرَّرِ (وَيَنْصِبُ يُمْنَاهُ) أَيْ قَدَمَهَا (وَيَضَعَ أَطْرَافَ أَصَابِعِهِ) مِنْهَا عَلَى الْأَرْضِ مُتَوَجِّهَةً (لِلْقِبْلَةِ، وَ) يُسَنُّ (فِي) التَّشَهُّدِ (الْآخَرِ) وَمَا مَعَهُ (التَّوَرُّكُ وَهُوَ كَالِافْتِرَاشِ، لَكِنْ يُخْرِجُ يُسْرَاهُ مِنْ جِهَةِ يَمِينِهِ وَيُلْصِقُ وَرِكَهُ بِالْأَرْضِ) لِلِاتِّبَاعِ كَمَا أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ، وَالْحِكْمَةُ فِي الْمُخَالَفَةِ بَيْنَ الْأَخِيرِ وَغَيْرِهِ مِنْ بَقِيَّةِ الْجِلْسَاتِ أَنَّ الْمُصَلِّيَ مُسْتَوْفِزٌ فِيهَا لِلْحَرَكَةِ بِخِلَافِهِ فِي الْأَخِيرِ، وَالْحَرَكَةُ عَنْ الِافْتِرَاشِ أَهْوَنُ (وَالْأَصَحُّ) ، وَفِي الرَّوْضَةِ الصَّحِيحُ: (يَفْتَرِشُ الْمَسْبُوقُ) فِي التَّشَهُّدِ الْأَخِيرِ لِإِمَامِهِ لِاسْتِيفَازِهِ لِلْقِيَامِ (وَالسَّاهِي) فِي تَشَهُّدِهِ الْأَخِيرِ إذْ لَمْ يُرِدْ عَدَمَ سُجُودِ السَّهْوِ بِأَنْ أَرَادَ السُّجُودَ أَوْ لَمْ يُرِدْ شَيْئًا لِاحْتِيَاجِهِ إلَى السُّجُودِ بَعْدَهُ.
أَمَّا الْقِسْمُ الْأَوَّلُ فَظَاهِرٌ.
وَأَمَّا الثَّانِي فَنَظَرٌ إلَى الْغَالِبِ مِنْ السُّجُودِ مَعَ قِيَامِ سَبَبِهِ، أَمَّا إذَا أَرَادَ عَدَمَ السُّجُودِ فَيَتَوَرَّكُ لِفَقْدِ
وَيَضَعُ فِيهِمَا يُسْرَاهُ عَلَى طَرَفِ رُكْبَتَيْهِ مَنْشُورَةَ الْأَصَابِعِ بِلَا ضَمٍّ.
قُلْتُ: الْأَصَحُّ الضَّمُّ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ، وَيَقْبِضُ مِنْ يُمْنَاهُ الْخِنْصَرَ وَالْبِنْصِرَ وَكَذَا الْوُسْطَى فِي الْأَظْهَرِ وَيُرْسِلُ الْمُسَبِّحَةَ وَيَرْفَعُهَا عِنْدَ قَوْلِهِ: إلَّا اللَّهُ وَلَا يُحَرِّكُهَا، وَالْأَظْهَرُ ضَمُّ الْإِبْهَامِ إلَيْهَا كَعَاقِدٍ ثَلَاثَةً وَخَمْسِينَ.
[مغني المحتاج]
الْحَرَكَةِ (وَيَضَعُ فِيهِمَا) أَيْ التَّشَهُّدَيْنِ وَمَا مَعَهُمَا (يُسْرَاهُ عَلَى طَرَفِ رُكْبَتَيْهِ) الْيُسْرَى بِحَيْثُ تَسَامَتْ رُءُوسَهَا الرُّكْبَةُ (مَنْشُورَةُ الْأَصَابِعِ) لِلِاتِّبَاعِ رَوَاهُ مُسْلِمٌ (بِلَا ضَمٍّ) بَلْ يُفْرِجُهَا تَفْرِيجًا وَسَطًا، وَهَكَذَا كُلُّ مَوْضِعٍ أُمِرَ فِيهِ بِالتَّفْرِيجِ، (قُلْتُ: الْأَصَحُّ الضَّمُّ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ) ؛ لِأَنَّ تَفْرِيجَهَا يُزِيلُ الْإِبْهَامَ عَنْ الْقِبْلَةِ فَيَضُمَّهَا لِيَتَوَجَّهَ جَمِيعُهَا لِلْقِبْلَةِ، وَهَذَا جَرْيٌ عَلَى الْغَالِبِ، وَإِلَّا فَمَنْ يُصَلِّي دَاخِلَ الْبَيْتِ فَإِنَّهُ يَضُمُّ مَعَ أَنَّهُ لَوْ فَرَّجَهَا هُوَ مُتَوَجِّهٌ بِهَا لِلْقِبْلَةِ، وَكَذَا يُسَنُّ لِمَنْ لَا يُحْسِنُ التَّشَهُّدَ وَجَلَسَ لَهُ فَإِنَّهُ يُسَنُّ فِي حَقِّهِ ذَلِكَ، وَكَذَا لَوْ صَلَّى مِنْ اضْطِجَاعٍ أَوْ اسْتِلْقَاءٍ عِنْدَ جَوَازِ ذَلِكَ، وَلَمْ أَرَ مَنْ تَعَرَّضَ لِهَذَا (وَيَقْبِضُ مِنْ يُمْنَاهُ) بَعْدَ وَضْعِهَا عَلَى فَخِذِهِ الْيُمْنَى (الْخِنْصِرَ وَالْبِنْصِرَ) بِكَسْرِ أَوَّلِهِمَا وَثَالِثِهِمَا (وَكَذَا الْوُسْطَى فِي الْأَظْهَرِ) لِلِاتِّبَاعِ كَمَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
وَالثَّانِي يُحَلِّقُ بَيْنَ الْوُسْطَى وَالْإِبْهَامِ لِرِوَايَةِ أَبِي دَاوُد عَنْ فِعْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِذَلِكَ.
وَفِي كَيْفِيَّة التَّحْلِيقِ وَجْهَانِ أَصَحُّهُمَا أَنْ يُحَلِّقَ بَيْنَهُمَا بِرَأْسَيْهِمَا.
وَالثَّانِي: يَضَعُ أُنْمُلَةَ الْوُسْطَى بَيْنَ عُقْدَتَيْ الْإِبْهَامِ (وَيُرْسِلُ الْمُسَبِّحَةَ) عَلَى الْقَوْلَيْنِ، وَهِيَ بِكَسْرِ الْبَاءِ الَّتِي تَلِي الْإِبْهَامَ، سُمِّيَتْ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ يُشَارُ بِهَا إلَى التَّوْحِيدِ وَالتَّنْزِيهِ، وَتُسَمَّى أَيْضًا السَّبَّابَةَ؛ لِأَنَّهُ يُشَارُ بِهَا عِنْدَ الْمُخَاصَمَةِ وَالسَّبِّ (وَيَرْفَعُهَا) مَعَ إمَالَتِهَا قَلِيلًا كَمَا قَالَهُ الْمَحَامِلِيُّ وَغَيْرُهُ (عِنْدَ قَوْلِهِ إلَّا اللَّهُ) لِلِاتِّبَاعِ رَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ غَيْرِ ذِكْرِ إمَالَةٍ، وَيُسَنُّ أَنْ يَكُونَ رَفْعُهَا إلَى الْقِبْلَةِ نَاوِيًا بِذَلِكَ التَّوْحِيدَ وَالْإِخْلَاصَ، وَيُقِيمُهَا وَلَا يَضَعُهَا كَمَا قَالَهُ نَصْرٌ الْمَقْدِسِيُّ.
وَخُصَّتْ الْمُسَبِّحَةُ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّ لَهَا اتِّصَالًا بِنِيَاطِ الْقَلْبِ فَكَأَنَّهَا سَبَبٌ لِحُضُورِهِ.
وَالْحِكْمَةُ فِي ذَلِكَ هِيَ الْإِشَارَةُ إلَى أَنَّ الْمَعْبُودَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى وَاحِدٌ لِيَجْمَعَ فِي تَوْحِيدِهِ بَيْنَ الْقَوْلِ وَالْفِعْلِ وَالِاعْتِقَادِ، وَتُكْرَهُ الْإِشَارَةُ بِمُسَبِّحَتِهِ الْيُسْرَى وَلَوْ مِنْ مَقْطُوعِ الْيُمْنَى.
قَالَ الْوَلِيُّ الْعِرَاقِيُّ: بَلْ فِي تَسْمِيَتِهَا مُسَبِّحَةً نَظَرٌ، فَإِنَّهَا لَيْسَتْ آلَةَ التَّنْزِيهِ، وَالرَّفْعُ عِنْدَ الْهَمْزَةِ؛ لِأَنَّهُ حَالُ إثْبَاتِ الْوَحْدَانِيَّةِ لِلَّهِ تَعَالَى، وَقِيلَ: يُشِيرُ بِهَا فِي جَمِيعِ التَّشَهُّدِ (وَلَا يُحَرِّكُهَا) عِنْدَ رَفْعِهَا؛ لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ لَا يَفْعَلُهُ.
رَوَاهُ أَبُو دَاوُد مِنْ رِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ
وَقِيلَ: يُحَرِّكُهَا؛ لِأَنَّ وَائِلَ بْنَ حُجْرٍ رَوَى أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَفْعَلُهُ، قَالَ الْبَيْهَقِيُّ: وَالْحَدِيثَانِ صَحِيحَانِ، قَالَ الشَّارِحُ: وَتَقْدِيمُ الْأَوَّلِ النَّافِي عَلَى الثَّانِي الْمُثْبِتِ لِمَا قَامَ عِنْدَهُمْ فِي ذَلِكَ اهـ.
وَلَعَلَّهُ طَلَبَ عَدَمَ الْحَرَكَةِ فِي الصَّلَاةِ، بَلْ قِيلَ: إنَّهُ حَرَامٌ مُبْطِلٌ لِلصَّلَاةِ، وَعَلَى الْأَوَّلِ يُكْرَهُ وَلَا تُبْطَلُ.
(وَالْأَظْهَرُ ضَمُّ الْإِبْهَامِ إلَيْهَا) أَيْ الْمُسَبِّحَةِ (كَعَاقِدٍ ثَلَاثَةً وَخَمْسِينَ) بِأَنْ يَضَعَهَا تَحْتَهَا عَلَى طَرَفِ رَاحَتِهِ، لِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ فِي مُسْلِمٍ
وَالصَّلَاةُ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَرْضٌ فِي التَّشَهُّدِ الْأَخِيرِ،
[مغني المحتاج]
«كَانَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - إذَا قَعَدَ وَضَعَ يَدَهُ الْيُسْرَى عَلَى رُكْبَتِهِ الْيُسْرَى، وَوَضَعَ يَدَهُ الْيُمْنَى عَلَى رُكْبَتِهِ الْيُمْنَى وَعَقَدَ ثَلَاثَةً وَخَمْسِينَ وَأَشَارَ بِالسَّبَّابَةِ» (1) .
وَالثَّانِي: يَضَعُ الْإِبْهَامَ عَلَى الْوُسْطَى كَعَاقِدٍ ثَلَاثَةً وَعِشْرِينَ، رَوَاهُ مُسْلِمٌ أَيْضًا عَنْ ابْنِ الزُّبَيْرِ، وَإِنَّمَا عَبَّرَ الْفُقَهَاءُ بِالْأَوَّلِ دُونَ الثَّانِي تَبَعًا لِرِوَايَةِ ابْنِ عُمَرَ، وَاعْتَرَضَ فِي الْمَجْمُوعِ قَوْلَهُمْ كَعَاقِدٍ ثَلَاثَةً وَخَمْسِينَ، فَإِنَّ شَرْطَهُ عِنْدَ أَهْلِ الْحِسَابِ أَنْ يَضَعَ الْخِنْصِرَ عَلَى الْبِنْصِرِ وَلَيْسَ مُرَادًا هُنَا، بَلْ مُرَادُهُمْ أَنْ يَضَعَهَا عَلَى الرَّاحَةِ كَالْبِنْصِرِ وَالْوُسْطَى، وَهِيَ الَّتِي يُسَمُّونَهَا تِسْعَةً وَخَمْسِينَ وَلَمْ يَنْطِقُوا بِهَا تَبَعًا لِلْخَبَرِ.
وَأَجَابَ فِي الْإِقْلِيدِ بِأَنَّ عِبْرَةَ وَضْعِ الْخِنْصَرِ عَلَى الْبِنْصِرِ فِي عَقْدٍ ثَلَاثَةً وَخَمْسِينَ هِيَ طَرِيقَةُ أَقْبَاطِ مِصْرَ وَلَمْ يَعْتَبِرْ غَيْرُهُمْ فِيهَا ذَلِكَ.
وَقَالَ فِي الْكِفَايَةِ: عَدَمُ اشْتِرَاطِ ذَلِكَ طَرِيقَةَ الْمُتَقَدِّمِينَ اهـ.
وَقَالَ ابْنُ الْفِرْكَاحِ: إنَّ عَدَمَ الِاشْتِرَاطِ طَرِيقَةٌ لِبَعْضِ الْحِسَابِ، وَعَلَيْهِ يَكُونُ لِتِسْعَةٍ وَخَمْسِينَ هَيْئَةٌ أُخْرَى، أَوْ تَكُونُ الْهَيْئَةُ الْوَاحِدَةَ مُشْتَرَكَةً بَيْنَ الْعَدَدَيْنِ فَيَحْتَاجُ إلَى قَرِينَةٍ.
وَاعْلَمْ أَنَّ الْخِلَافَ فِي الْأَفْضَلِ فَكَيْفَ فَعَلَ الْمُصَلِّي مِنْ الْهَيْئَاتِ كَأَنْ أَرْسَلَ الْإِبْهَامَ مَعَ الْمُسَبِّحَةِ أَوْ وَضَعَهُ عَلَى الْوُسْطَى أَوْ حَلَّقَ بَيْنَهُمَا بِإِحْدَى الْكَيْفِيَّتَيْنِ الْمُتَقَدِّمَتَيْنِ، أَوْ جَعَلَ رَأْسَهَا بَيْنَ عُقْدَتَيْهِ أَتَى بِالسُّنَّةِ لِوُرُودِ الْأَخْبَارِ بِهَا جَمِيعًا، وَكَأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَفْعَلُ مَرَّةً كَذَا وَمَرَّةً كَذَا، وَلَعَلَّ مُوَاظَبَتَهُ عَلَى الْأَوَّلِ أَكْثَرُ، فَلِذَا كَانَ أَفْضَلَ.
وَقَالَ ابْنُ الرِّفْعَةِ: وَصَحَّحُوا الْأَوَّلَ؛ لِأَنَّ رُوَاتَهُ أَفْقَهُ.
فَائِدَةٌ: الْإِبْهَامُ مِنْ الْأَصَابِعِ مُؤَنَّثٌ وَلَمْ يَحْكِ الْجَوْهَرِيُّ غَيْرَهُ.
وَحَكَى فِي شَرْحِ الْمُجْمَلِ التَّذْكِيرَ وَالتَّأْنِيثَ، وَجَمْعُهَا أَبَاهُمْ عَلَى وَزْنِ أَكَابِرَ.
وَقَالَ الْجَوْهَرِيُّ: أَبَاهِيمُ بِزِيَادَةِ يَاءٍ وَقِيلَ كَانَتْ سَبَّابَةُ قَدَمِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَطْوَلَ مِنْ الْوُسْطَى، وَالْوُسْطَى أَطْوَلَ مِنْ الْبِنْصِرِ، وَالْبِنْصِرُ أَطْوَلَ مِنْ الْخِنْصِرِ، وَعِبَارَةُ الدَّمِيرِيِّ تُوهِمُ أَنَّ ذَلِكَ فِي يَدِهِ.
(وَالصَّلَاةُ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَرْضٌ فِي التَّشَهُّدِ) الَّذِي يَعْقُبُهُ سَلَامٌ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِلصَّلَاةِ تَشَهُّدٌ أَوَّلٌ كَمَا فِي صَلَاةِ الصُّبْحِ وَالْجُمُعَةِ فَقَوْلُهُ (الْأَخِيرِ) جَرَى عَلَى الْغَالِبِ مِنْ أَنَّ أَكْثَرَ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ لَهَا تَشَهُّدَانِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿صَلُّوا عَلَيْهِ﴾ [الأحزاب: 56] [الْأَحْزَابُ] قَالُوا وَقَدْ أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّهَا لَا تَجِبُ فِي غَيْرِ الصَّلَاةِ فَتَعَيَّنَ وُجُوبُهَا فِيهَا، وَالْقَائِلُ بِوُجُوبِهَا مَرَّةً فِي غَيْرِهَا مَحْجُوجٌ بِإِجْمَاعِ مَنْ قَبْلَهُ، وَلِحَدِيثِ «قَدْ عَرَفْنَا كَيْفَ نُسَلِّمُ عَلَيْكَ فَكَيْفَ نُصَلِّي عَلَيْكَ؟ فَقَالَ: قُولُوا اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ إلَخْ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَفِي رِوَايَةٍ «كَيْفَ نُصَلِّي عَلَيْكَ إذَا نَحْنُ صَلَّيْنَا عَلَيْكَ فِي صَلَاتِنَا؟ فَقَالَ: قُولُوا إلَخْ» (2) رَوَاهَا الدَّارَقُطْنِيّ وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ وَالْحَاكِمُ فِي مُسْتَدْرَكِهِ، وَقَالَ: إنَّهُ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ، وَالْمُنَاسِبُ لَهَا مِنْ الصَّلَاةِ التَّشَهُّدُ آخِرُهَا فَتَجِبُ فِيهِ: أَيْ بَعْدَهُ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي الْمَجْمُوعِ، وَقَدْ صَلَّى النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى نَفْسِهِ فِي الْوِتْرِ كَمَا رَوَاهُ أَبُو عَوَانَةَ فِي مُسْنَدِهِ وَقَالَ: «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي»
وَالْأَظْهَرُ سَنُّهَا فِي الْأَوَّلِ.
وَلَا تُسَنُّ عَلَى الْآلِ فِي الْأَوَّلِ عَلَى الصَّحِيحِ، وَتُسَنُّ فِي الْآخَرِ، وَقِيلَ تَجِبُ.
وَأَكْمَلُ التَّشَهُّدِ مَشْهُورٌ،
[مغني المحتاج]
وَلَمْ يُخْرِجْهَا شَيْءٌ عَنْ الْوُجُوبِ، بِخِلَافِهَا فِي التَّشَهُّدِ الْأَوَّلِ لِمَا مَرَّ فِيهِ، وَأَمَّا عَدَمُ ذِكْرِهَا فِي خَبَرِ الْمُسِيءِ صَلَاتَهُ فَمَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهَا كَانَتْ مَعْلُومَةً لَهُ، وَلِهَذَا لَمْ يَذْكَرْ لَهُ التَّشَهُّدَ وَالْجُلُوسَ لَهُ وَالنِّيَّةَ وَالسَّلَامَ، وَإِذَا وَجَبَتْ الصَّلَاةُ عَلَيْهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَجَبَ الْقُعُودُ لَهَا بِالتَّبَعِيَّةِ، وَلَا يُؤْخَذُ وُجُوبُ الْقُعُودِ لَهَا مِنْ عِبَارَةِ الْمُصَنِّفِ، فَلَوْ أَخَّرَ الْقُعُودَ فَقَالَ: وَالْقُعُودُ لَهُمَا كَانَ أَوْلَى (وَالْأَظْهَرُ سَنُّهَا فِي الْأَوَّلِ) أَيْ الْإِتْيَانِ بِهَا فِيهِ: أَيْ بَعْدَهُ تَبَعًا لَهُ؛ لِأَنَّهَا ذِكْرٌ يَجِبُ فِي الْأَخِيرِ فَيُسَنُّ فِي الْأَوَّلِ كَالتَّشَهُّدِ.
وَالثَّانِي لَا تُسَنُّ فِيهِ لِبِنَائِهِ عَلَى التَّخْفِيفَ.
(وَلَا تُسَنُّ) الصَّلَاةُ (عَلَى الْآلِ فِي) التَّشَهُّدِ (الْأَوَّلِ عَلَى الصَّحِيحِ) لِبِنَائِهِ عَلَى التَّخْفِيفِ.
وَالثَّانِي تُسَنُّ فِيهِ كَالصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِيهِ إذْ لَا تَطْوِيلَ فِي قَوْلِهِ وَآلُهُ أَوْ آلُ مُحَمَّدٍ، وَكَذَا اخْتَارَهُ الْأَذْرَعِيُّ
وَقَالَ الْمُصَنِّفُ فِي التَّنْقِيحِ: إنَّ التَّفْرِقَةَ بَيْنَهُمَا فِيهَا نَظَرٌ، فَيَنْبَغِي أَنْ يُسَنَّا جَمِيعًا أَوْ لَا يُسَنَّا، وَلَا يَظْهَرُ فَرْقٌ مَعَ ثُبُوتِ الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا فِي الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ اهـ.
وَالْخِلَافُ كَمَا فِي الرَّوْضَةِ وَأَصْلِهَا مَبْنِيٌّ عَلَى وُجُوبِهَا فِي الْأَخِيرِ، فَإِنْ لَمْ تَجِبْ فِيهِ وَهُوَ الرَّاجِحُ كَمَا سَيَأْتِي لَمْ تُسَنَّ فِي الْأَوَّلِ جَزْمًا، وَسَيَأْتِي تَعْرِيفُ الْآلِ فِي كِتَابِ قَسْمِ الصَّدَقَاتِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَمَا رَجَّحَهُ الْمُصَنِّفُ مِنْ أَنَّ الْخِلَافَ وَجْهَانِ رَجَّحَهُ فِي مَجْمُوعِهِ، وَرَجَّحَ فِي الرَّوْضَةِ أَنَّهُ قَوْلَانِ (وَتُسَنُّ فِي) التَّشَهُّدِ (الْآخَرِ، وَقِيلَ تَجِبُ) فِيهِ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْحَدِيث السَّابِقِ «قُولُوا اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ» وَالْأَمْرُ يَقْتَضِي الْوُجُوبَ، وَيَجْرِي الْخِلَافُ فِي الصَّلَاةِ عَلَى إبْرَاهِيمَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَمَا حَكَاهُ فِي الْبَيَانِ عَنْ صَاحِبِ الْفُرُوعِ.
(وَأَكْمَلُ التَّشَهُّدِ مَشْهُورٌ) وَرَدَ فِيهِ أَحَادِيثُ صَحِيحَةٌ بِأَلْفَاظٍ مُخْتَلِفَةٍ، اخْتَارَ الشَّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - مِنْهَا خَبَرُ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - قَالَ «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُعَلِّمُنَا التَّشَهُّدَ فَكَانَ يَقُولُ: التَّحِيَّاتُ الْمُبَارَكَاتُ الصَّلَوَاتُ الطَّيِّبَاتُ لِلَّهِ السَّلَامُ عَلَيْك أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ السَّلَامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ» (1) رَوَاهُ مُسْلِمٌ عَلَى رِوَايَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ.
وَهِيَ «التَّحِيَّاتُ لِلَّهِ وَالصَّلَوَاتُ وَالطَّيِّبَاتُ السَّلَامُ عَلَيْك أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ السَّلَامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ أَشْهَدُ أَلَّا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ» وَعَلَى رِوَايَةِ عُمَرَ، وَهِيَ «التَّحِيَّاتُ لِلَّهِ الزَّاكِيَاتُ لِلَّهِ الطَّيِّبَاتُ لِلَّهِ الصَّلَوَاتُ لِلَّهِ السَّلَامُ عَلَيْك إلَى قَوْلِهِ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ» لِزِيَادَةِ الْمُبَارَكَاتِ فِيهِ وَلِمُوَافَقَةِ قَوْله تَعَالَى: ﴿تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً﴾ [النور: 61] [النُّورُ] وَلِتَأَخُّرِهِ عَنْ تَشَهُّدِ ابْنِ مَسْعُودٍ.
قَالَ الْمُصَنِّفُ: وَكُلُّهَا مُجْزِئَةٌ يَتَأَدَّى بِهَا الْكَمَالُ، وَأَصَحُّهَا خَبَرُ ابْنِ مَسْعُودٍ ثُمَّ خَبَرُ ابْنِ عَبَّاسٍ وَعَلَّلَ
وَأَقَلُّهُ: التَّحِيَّاتُ لِلَّهِ، سَلَامٌ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ سَلَامٌ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وَقِيلَ يَحْذِفُ وَبَرَكَاتُهُ وَالصَّالِحِينَ،
[مغني المحتاج]
بِمَا ذُكِرَ: أَيْ: فَالِاخْتِيَارُ مِنْ حَيْثُ الْأَفْضَلِيَّةُ (وَأَقَلُّهُ: التَّحِيَّاتُ لِلَّهِ، سَلَامٌ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ، سَلَامٌ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ) .
قَالَ فِي الْمَجْمُوعِ: لِوُرُودِ إسْقَاطِ الْمُبَارَكَاتِ، وَمَا يَلِيهَا فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ، وَاعْتُرِضَ بِأَنَّ إسْقَاطَ الْمُبَارَكَاتِ صَحِيحٌ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ.
وَأَمَّا الصَّلَوَاتُ، وَالطَّيِّبَاتُ فَلَمْ يَرِدْ إسْقَاطُهُمَا فِي شَيْءٍ مِنْ التَّشَهُّدَاتِ الَّتِي ذَكَرَهَا، وَصَرَّحَ الرَّافِعِيُّ بِأَنَّ حَذْفَهُمَا لَمْ يَرِدْ، وَعُلِّلَ الْجَوَازُ بِكَوْنِهِمَا تَابِعَيْنِ لِلتَّحِيَّاتِ، وَجَعَلَ الضَّابِطَ فِي جَوَازِ الْحَذْفِ إمَّا الْإِسْقَاطُ فِي رِوَايَةٍ، وَإِمَّا التَّبَعِيَّةُ، وَقَدْ يُجَابُ بِأَنَّهَا قَدْ تَكُونُ سَقَطَتْ فِي غَيْرِ الرِّوَايَاتِ الَّتِي ذَكَرَهَا، وَبِأَنَّ الرَّافِعِيَّ نَافٍ وَالْمُصَنِّفُ مُثْبِتٌ، وَالْمُثْبِتُ مُقَدَّمٌ عَلَى النَّافِي، وَتَعْرِيفُ السَّلَامِ أَفْضَلُ كَمَا قَالَ الْمُصَنِّفُ مِنْ تَنْكِيرِهِ لِكَثْرَتِهِ فِي الْأَخْبَارِ، وَكَلَامِ الشَّافِعِيِّ، وَلِزِيَادَتِهِ وَمُوَافَقَتِهِ التَّحَلُّلَ، وَصَحَّحَ الرَّافِعِيُّ أَنَّهُمَا سَوَاءٌ.
وَقِيلَ تَنْكِيرُهُ أَفْضَلُ وَلَا يُسَنُّ فِي أَوَّلِ التَّشَهُّدِ بِسْمِ اللَّهِ وَبِاَللَّهِ عَلَى الْأَصَحِّ، وَالْحَدِيثُ فِيهِ ضَعِيفٌ.
وَالتَّحِيَّاتُ جَمْعُ تَحِيَّةٍ: وَهِيَ مَا يُحَيَّا بِهَا مِنْ سَلَامٍ وَغَيْرِهِ، وَقِيلَ: الْمُلْكُ وَقِيلَ: الْعَظَمَةُ، وَقِيلَ: السَّلَامَةُ مِنْ الْآفَاتِ وَجَمِيعُ وُجُوهِ النَّقْصِ، وَالْقَصْدُ بِذَلِكَ الثَّنَاءُ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى بِأَنَّهُ مَالِكٌ لِجَمِيعِ التَّحِيَّاتِ مِنْ الْخَلْقِ، وَإِنَّمَا جُمِعَتْ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ الْمُلُوكِ كَانَ لَهُ تَحِيَّةٌ مَعْرُوفَةٌ يُحَيَّا بِهَا، وَمَعْنَى الْمُبَارَكَاتِ النَّامِيَاتُ، وَالصَّلَوَاتِ الصَّلَوَاتُ الْخَمْسِ، وَقِيلَ: كُلُّ الصَّلَوَاتِ، وَالطَّيِّبَاتُ الْأَعْمَالُ الصَّالِحَةُ، وَقِيلَ: الثَّنَاءُ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى.
وَقِيلَ مَا طَابَ مِنْ الْكَلَامِ.
وَالسَّلَامُ قِيلَ: مَعْنَاهُ اسْمُ السَّلَامِ أَيْ: اسْمُ اللَّهِ عَلَيْكَ، وَقِيلَ: مَعْنَاهُ سَلَّمَ اللَّهُ عَلَيْكَ، وَمَنْ سَلَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ سَلِمَ.
وَعَلَيْنَا: أَيْ: الْحَاضِرِينَ مِنْ إمَامٍ وَمَأْمُومٍ وَمَلَائِكَةٍ وَغَيْرِهِمْ، وَالْعِبَادُ جَمْعُ عَبْدٍ، وَالصَّالِحِينَ جَمْعُ صَالِحٍ، وَهُوَ الْقَائِمُ بِمَا عَلَيْهِ مِنْ حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى وَحُقُوقِ عِبَادِهِ، وَالرَّسُولُ هُوَ الَّذِي يُبَلِّغُ خَبَرَ مَنْ أَرْسَلَهُ.
تَنْبِيهٌ: قَضِيَّةُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ عَدَمُ اشْتِرَاطِ تَرْتِيبِ التَّشَهُّدِ؛ لِأَنَّهُ ذَكَرَهُ بِغَيْرِ حَرْفِ عَطْفٍ، وَهُوَ الْأَصَحُّ، لَكِنَّ مَحَلَّهُ مَا لَمْ يُغَيِّرْ تَرْكُ التَّرْتِيبِ الْمَعْنَى، فَإِنْ غَيَّرَهُ لَمْ يَصِحَّ قَطْعًا، وَتَبْطُلُ صَلَاتُهُ إنْ تَعَمَّدَ كَمَا فِي الْمَجْمُوعِ، وَقَضِيَّتُهُ أَيْضًا عَدَمُ اشْتِرَاطِ الْمُوَالَاةِ، وَلَكِنَّ الرَّاجِحَ وُجُوبُهَا كَمَا فِي التَّتِمَّةِ، وَقَالَ ابْنُ الرِّفْعَةِ: إنَّهُ قِيَاسُ مَا مَرَّ فِي قِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ (وَقِيلَ: يُحْذَفُ وَبَرَكَاتُهُ) لِلْغِنَى عَنْهُ بِرَحْمَةِ اللَّهِ.
وَقِيلَ: يُحْذَفُ (وَالصَّالِحِينَ) لِلْغِنَى عَنْهُ بِإِضَافَةِ الْعِبَادِ إلَى اللَّهِ تَعَالَى لِانْصِرَافِهِ إلَى الصَّالِحِينَ كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ﴾ [الإنسان: 6] [الْإِنْسَانُ] وَاعْتَرَضَ الْبُلْقِينِيُّ عَلَى الْمُصَنِّفِ بِأَنَّ مَا صَحَّحَهُ هُنَا فِي أَقَلِّ التَّشَهُّدِ مِنْ لَفْظَةِ وَبَرَكَاتُهُ مُخَالِفٌ لِقَوْلِهِ: إنَّهُ لَوْ تَشَهَّدَ بِتَشَهُّدِ ابْنِ مَسْعُودٍ أَوْ غَيْرِهِ جَازَ فَإِنَّهُ لَيْسَ فِي تَشَهُّدِ عُمَرَ وَبَرَكَاتُهُ،
وَأُجِيبَ عَنْهُ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِهِ أَنَّهُ لَوْ تَشَهَّدَ بِتَشَهُّدِ عُمَرَ بِكَمَالِهِ أَجْزَأَهُ، فَأَمَّا كَوْنُهُ يَحْذِفُ بَعْضَ تَشَهُّدِ عُمَرَ اعْتِمَادًا عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ فِي
وَيَقُولُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُهُ.
قُلْتُ: الْأَصَحُّ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وَثَبَتَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَأَقَلُّ الصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَآلِهِ: اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ، وَالزِّيَادَةُ إلَى حَمِيدٌ مَجِيدٌ
[مغني المحتاج]
تَشَهُّدِ غَيْرِهِ وَيَحْذِفُ وَبَرَكَاتُهُ؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ فِي تَشَهُّدِ عُمَرَ فَقَدْ لَا يَكْفِي؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَأْتِ بِالتَّشَهُّدِ عَلَى وَاحِدَةٍ مِنْ الْكَيْفِيَّاتِ الْمَرْوِيَّةِ (وَ) قِيلَ (يَقُولُ: وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُهُ) بَدَلَ وَأَشْهَدُ إلَخْ؛ لِأَنَّهُ يُؤَدِّي مَعْنَاهُ (قُلْتُ: الْأَصَحُّ) يَقُولُ (وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ وَثَبَتَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ) قَالَ الشَّارِحُ: لَكِنْ بِلَفْظِ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، فَالْمُرَادُ إسْقَاطُ أَشْهَدُ، أَشَارَ بِذَلِكَ إلَى دَفْعِ اعْتِرَاضِ الْإِسْنَوِيِّ،، وَهُوَ أَنَّ الثَّبَاتَ فِي ذَلِكَ ثَلَاثُ كَيْفِيَّاتٍ: إحْدَاهَا: وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ.
رَوَاهُ الشَّيْخَانِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ.
الثَّانِيَةُ: وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ.
رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
الثَّالِثَةُ: وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ بِإِسْقَاطِ وَأَشْهَدُ، رَوَاهُ مُسْلِمٌ أَيْضًا مِنْ رِوَايَةِ أَبِي مُوسَى فَلَيْسَ مَا قَالَهُ وَاحِدًا مِنْ الثَّلَاثَةِ؛ لِأَنَّ الْإِسْقَاطَ إنَّمَا وَرَدَ مَعَ زِيَادَةِ الْعَبْدِ اهـ.
وَأَجَابَ عَنْهُ الْغَزِّيُّ أَيْضًا بِأَنَّ قَصْدَ الْمُصَنِّفِ الرَّدُّ عَلَى الرَّافِعِيِّ فِي تَضْعِيفِهِ إسْقَاطَ لَفْظَةِ أَشْهَدُ الثَّانِيَةِ فَقَالَ: هِيَ ثَابِتَةٌ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ، فَهَذَا الْقَدْرُ هُوَ مَقْصُودُ الْمُصَنِّفِ، وَالْبَاقِي لَمْ يَقَعْ عَنْ قَصْدٍ اهـ.
وَبِالْجُمْلَةِ فَالِاعْتِرَاضُ قَوِيٌّ.
وَقَالَ الْأَذْرَعِيُّ: الصَّوَابُ إجْزَاءُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُهُ لِثُبُوتِهِ فِي تَشَهُّدِ ابْنِ مَسْعُودٍ بِلَفْظِ عَبْدِهِ وَرَسُولِهِ، وَقَدْ حَكَوْا الْإِجْمَاعَ عَلَى جَوَازِ التَّشَهُّدِ بِالرِّوَايَاتِ كُلِّهَا، وَلَا أَعْلَمُ أَحَدًا اشْتَرَطَ لَفْظَةَ عَبْدِهِ.
اهـ. وَهَذَا هُوَ الْمُعْتَمَدُ كَمَا اعْتَمَدَهُ شَيْخِي لِمَا ذُكِرَ.
(وَأَقَلُّ الصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَآلِهِ) حَيْثُ أَوْجَبْنَا الصَّلَاةَ عَلَى الْآلِ فِي التَّشَهُّدِ الْأَخِيرِ أَوْ سَنَنَّاهَا فِي الْأَوَّلِ عَلَى الْمَرْجُوحِ فِيهِمَا أَوْ سَنَنَّاهَا عَلَى الرَّاجِحِ فِي الْأَخِيرِ (اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ) لِحُصُولِ اسْمِ الصَّلَاةِ الْمَأْمُورِ بِهَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: 56] [الْأَحْزَابُ] فَإِنْ قِيلَ: لَمْ يَأْتِ بِمَا فِي الْآيَةِ؛ لِأَنَّ فِيهَا اسْمَ السَّلَامِ وَلِمَ يَأْتِ بِهِ.
أُجِيبَ بِأَنَّهُ حَصَلَ بِقَوْلِهِ: السَّلَامُ عَلَيْكَ إلَخْ، وَأَكْمَلُ مِنْ هَذَا أَنْ يَقُولَ: وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، وَلَا يَتَعَيَّنُ هَذَا اللَّفْظُ، وَإِنْ كَانَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ تَعْيِينَ تَسْمِيَةِ مُحَمَّدٍ، وَصَرَّحَ بِهِ الْقَاضِي حُسَيْنٌ، فَلَوْ قَالَ: صَلَّى اللَّهُ عَلَى مُحَمَّدٍ أَوْ عَلَى رَسُولِهِ أَوْ عَلَى النَّبِيِّ كَفَى دُونَ عَلَيْهِ، وَكَذَا عَلَى أَحْمَدَ كَمَا صَحَّحَهُ فِي التَّحْقِيقِ وَالْأَذْكَارِ (وَالزِّيَادَةُ) عَلَى ذَلِكَ (إلَى) قَوْلِهِ (حَمِيدٌ مَجِيدٌ) الْوَارِدَةُ فِيهِ، وَهِيَ: اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى إبْرَاهِيمَ وَعَلَى آلِ إبْرَاهِيمَ وَبَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ كَمَا بَارَكْت عَلَى إبْرَاهِيمَ وَعَلَى آلِ إبْرَاهِيمَ إنَّك حَمِيدٌ مَجِيدٌ، وَفِي الْأَذْكَارِ وَغَيْرِ الْأَفْضَلِ أَنْ يَقُولَ: اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ عَبْدِكَ وَرَسُولِكَ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ وَأَزْوَاجِهِ وَذُرِّيَّتِهِ كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى إبْرَاهِيمَ وَعَلَى آلِ إبْرَاهِيمَ وَبَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ وَأَزْوَاجِهِ وَذُرِّيَّتِهِ كَمَا بَارَكْتَ عَلَى إبْرَاهِيمَ، وَعَلَى آلِ إبْرَاهِيمَ فِي الْعَالَمِينَ إنَّك حَمِيدٌ مَجِيدٌ، وَكَذَا فِي التَّحْقِيقِ.
قَالَ فِي الْمُهِمَّاتِ: وَاشْتُهِرَ زِيَادَةُ سَيِّدِنَا قَبْلَ مُحَمَّدٍ، وَفِي كَوْنِهَا أَفْضَلَ نَظَرٌ وَفِي حِفْظِي أَنَّ الشَّيْخَ عِزَّ الدِّينِ بَنَاهُ عَلَى أَنَّ الْأَفْضَلَ سُلُوكُ الْأَدَبِ أَمْ امْتِثَالُ الْأَمْرِ؟ فَعَلَى الْأَوَّلِ
سُنَّةٌ فِي الْآخِرِ.
وَكَذَا الدُّعَاءُ بَعْدَهُ، وَمَأْثُورُهُ أَفْضَلُ، وَمِنْهُ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي مَا قَدَّمْتُ وَمَا أَخَّرْتُ إلَى آخِره.
[مغني المحتاج]
يُسْتَحَبُّ دُونَ الثَّانِي.
اهـ.
وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ اعْتِمَادُ الثَّانِي، وَنَقَلَ الرَّافِعِيُّ عَنْ الصَّيْدَلَانِيِّ (1) أَنَّ مِنْ النَّاسِ مَنْ يَزِيدُ: وَارْحَمْ مُحَمَّدًا كَمَا تَرَحَّمْت عَلَى إبْرَاهِيمَ، وَرُبَّمَا يَقُولُونَ كَمَا رَحِمْت.
قَالَ: وَهَذَا لَمْ يَرِدْ فِي الْخَبَرِ.
وَقَالَ الْمُصَنِّفُ: إنَّهُ بِدْعَةٌ (سُنَّةٌ فِي) التَّشَهُّدِ (الْآخِرِ) بِخِلَافِ الْأَوَّلِ فَلَا تُسَنُّ فِيهِ كَمَا لَا تُسَنُّ فِيهِ الصَّلَاةُ عَلَى الْآلِ لِبِنَائِهِ عَلَى التَّخْفِيفِ كَمَا مَرَّ.
قَالَ الْأَذْرَعِيُّ: وَهَذَا حَسَنٌ لِلْمُنْفَرِدِ، وَإِمَامُ الرَّاضِينَ بِالتَّطْوِيلِ دُونَ غَيْرِهِمْ، بَلْ فِي مُخْتَصَرِ الْجُوَيْنِيِّ وَغَيْرِهِ أَنَّ السُّنَّةَ أَنْ لَا يَزِيدَ الْإِمَامُ هُنَا عَلَى اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ.
اهـ.
وَظَاهِرُ كَلَامِ الْأَصْحَابِ يُخَالِفُهُ، وَآلُ إبْرَاهِيمَ كَمَا قَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: إسْمَاعِيلُ وَإِسْحَاقُ وَأَوْلَادُهُمَا.
فَائِدَةٌ: قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ الْبَارِزِيُّ: كُلُّ الْأَنْبِيَاءِ بَعْدَ سَيِّدِنَا إبْرَاهِيمَ الْخَلِيلِ مِنْ وَلَدِ إِسْحَاقَ إلَّا نَبِيَّنَا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَإِنَّهُ مِنْ إسْمَاعِيلَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - وَعَلَى بَقِيَّةِ الْأَنْبِيَاءِ، وَإِنَّمَا خَصَّ إبْرَاهِيمَ بِالذِّكْرِ؛ لِأَنَّ الصَّلَاةَ مِنْ اللَّهِ هِيَ الرَّحْمَةُ، وَلَمْ تُجْمَعْ الرَّحْمَةُ وَالْبَرَكَةُ لِنَبِيٍّ غَيْرِهِ.
قَالَ تَعَالَى: ﴿رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ﴾ [هود: 73] [هُودٌ] فَسَأَلَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إعْطَاءَ مَا تَضَمَّنَتْهُ هَذِهِ الْآيَةِ مِمَّا سَبَقَ إعْطَاؤُهُ لِإِبْرَاهِيمَ، فَإِنْ قِيلَ: تَقَرَّرَ أَنَّ نَبِيَّنَا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَفْضَلُ الْأَنْبِيَاءِ فَكَيْفَ يَسْأَلُ أَنْ يُصَلِّيَ عَلَيْهِ كَمَا صَلَّى عَلَى إبْرَاهِيمَ؟ .
أُجِيبَ بِأَنَّ الْكَلَامَ قَدْ تَمَّ عِنْدَ قَوْلِهِ: اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ، وَاسْتَأْنَفَ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ إلَخْ.
وَالْحَمِيدُ: الَّذِي يُحْمَدُ فِعْلُهُ، وَالْمَجِيدُ الْكَامِلُ الشَّرَفِ.
(وَكَذَا) يُسَنُّ (الدُّعَاءُ بَعْدَهُ) أَيْ: التَّشَهُّدِ الْآخَرِ بِمَا اتَّصَلَ بِهِ مِنْ الصَّلَاةِ الْمَذْكُورَةِ لِلْإِمَامِ وَغَيْرِهِ لِخَبَرِ «إذَا قَعَدَ أَحَدُكُمْ فِي الصَّلَاةِ فَلْيَقُلْ: التَّحِيَّاتُ لِلَّهِ إلَى آخِرِهَا ثُمَّ لِيَخْتَرْ مِنْ الْمَسْأَلَةِ مَا شَاءَ أَوْ مَا أَحَبَّ» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَفِي رِوَايَةٍ لِلتِّرْمِذِيِّ " ثُمَّ يَدْعُو بِمَا شَاءَ " وَفِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ «ثُمَّ لِيَخْتَرْ مِنْ الدُّعَاءِ أَحَبَّهُ إلَيْهِ فَيَدْعُو بِهِ» بَلْ يُكْرَهُ تَرْكُهُ كَمَا هُوَ قَضِيَّةُ النَّصِّ، وَقَضِيَّةُ إطْلَاقِهِ كَالرَّوْضَةِ، وَأَصْلِهَا أَنَّهُ لَا فَرْقَ فِي الدُّعَاءِ بَيْنَ الدِّينِيِّ وَالدُّنْيَوِيِّ، وَقَالَ الْمَاوَرْدِيُّ وَغَيْرُهُ: إنَّهُ سُنَّةٌ فِي الدِّينِيِّ مُبَاحٌ فِي الدُّنْيَوِيُّ وَاسْتُحْسِنَ، وَلَوْ دَعَا بِدُعَاءٍ مُحَرَّمٍ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ كَمَا فِي الشَّامِلِ، وَاحْتُرِزَ بِقَوْلِهِ بَعْدَهُ عَنْ التَّشَهُّدِ الْأَوَّلِ فَإِنَّهُ يُكْرَهُ فِيهِ الدُّعَاءُ طَلَبًا لِلتَّخْفِيفِ (وَمَأْثُورُهُ) بِالْمُثَلَّثَةِ: أَيْ: مَنْقُولُهُ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (أَفْضَلُ) مِنْ غَيْرِهِ لِتَنْصِيصِ الشَّارِعِ عَلَيْهِ (وَمِنْهُ) أَيْ: الْمَأْثُورِ ( «اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي مَا قَدَّمْتُ وَمَا أَخَّرْتُ إلَى آخِرِهِ) ، وَهُوَ مَا أَسْرَرْتُ وَمَا أَعْلَنْتُ وَمَا أَسْرَفْتُ وَمَا أَنْتَ أَعْلَمُ بِهِ مِنِّي، أَنْتَ الْمُقَدِّمُ وَأَنْتَ الْمُؤَخِّرُ لَا إلَهَ إلَّا أَنْتَ» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -
وَيُسَنُّ أَنْ لَا يَزِيدَ عَلَى قَدْرِ التَّشَهُّدِ وَالصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -
وَمَنْ عَجَزَ عَنْهُمَا تَرْجَمَ، وَيُتَرْجِمُ لِلدُّعَاءِ وَالذِّكْرِ الْمَنْدُوبِ الْعَاجِزُ لَا الْقَادِرُ فِي الْأَصَحِّ.
[مغني المحتاج]
وَرُوِيَ أَيْضًا مِنْ رِوَايَةِ أَبِي هُرَيْرَةَ «إذَا فَرَغَ أَحَدُكُمْ مِنْ التَّشَهُّدِ الْأَخِيرِ، فَلْيَتَعَوَّذْ بِاَللَّهِ مِنْ أَرْبَعٍ عَذَابِ جَهَنَّمَ وَمِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ، وَمِنْ فِتْنَةِ الْمَحْيَا وَالْمَمَاتِ، وَمِنْ فِتْنَةِ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ» (1) وَأَوْجَبَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ هَذَا الدُّعَاءَ.
وَقَالَ أَبُو الْوَلِيدِ النَّيْسَابُورِيُّ (2) : إنَّ الْمُرَادَ بِالتَّأَخُّرِ فِي الْحَدِيث الْأَوَّلِ إنَّمَا هُوَ بِالنِّسْبَةِ لِمَا وَقَعَ لِاسْتِحَالَةِ الِاسْتِغْفَارِ قَبْلَ الذَّنْبِ، وَرُدَّ بِأَنَّ الطَّلَبَ قَبْلَ الْوُقُوعِ أَنْ يُغْفَرَ إنْ وَقَعَ لَا يَسْتَحِيلُ، بَلْ الْمُسْتَحِيلُ طَلَبُ الْمَغْفِرَةِ قَبْلَ الْوُقُوعِ، وَالْمُرَادُ بِالْمَحْيَا وَالْمَمَاتِ فِي الْحَدِيث الثَّانِي هُمَا: الْحَيَاةُ وَالْمَوْتُ وَسُمِّيَ الدَّجَّالُ بِالْمَسِيحِ؛ لِأَنَّهُ يَمْسَحُ الْأَرْضَ كُلَّهَا: أَيْ: يَطُوفُهَا إلَّا مَكَّةَ وَالْمَدِينَةَ.
وَقِيلَ: غَيْرُ ذَلِكَ، وَسُمِّيَ الدَّجَّالَ لِكَذِبِهِ وَتَمْوِيهِهِ وَرَوَى الْبُخَارِيُّ «اللَّهُمَّ إنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي ظُلْمًا كَثِيرًا» بِالْمُثَلَّثَةِ فِي أَكْثَرِ الرِّوَايَاتِ وَفِي بَعْضِهَا بِالْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ «وَلَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إلَّا أَنْتَ فَاغْفِرْ لِي مَغْفِرَةً مِنْ عِنْدِكَ وَارْحَمْنِي إنَّكَ أَنْتَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ» .
(وَيُسَنُّ أَنْ لَا يَزِيدَ) الْإِمَامُ فِي الدُّعَاءِ (عَلَى قَدْرِ) أَقَلِّ (التَّشَهُّدِ وَالصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -) كَمَا قَالَهُ الْعِمْرَانِيُّ نَقْلًا عَنْ الْأَصْحَابِ؛ لِأَنَّهُ تَبَعٌ لَهُمَا، وَقَضِيَّةُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ كَأَصْلِهِ أَنَّ الْمُسَاوَاةَ لَا يُطْلَبُ تَرْكُهَا، وَلَكِنَّ الْأَفْضَلَ كَمَا فِي الرَّوْضَةِ كَأَصْلِهَا أَنْ يَكُونَ أَقَلَّ مِنْهُمَا، وَهُوَ الْمَنْصُوصُ فِي الْأُمِّ وَالْمُخْتَصَرِ، فَإِنْ زَادَ عَلَيْهِمَا لَمْ يَضُرَّ، لَكِنْ يُكْرَهُ التَّطْوِيلُ بِغَيْرِ رِضَا الْمَأْمُومِينَ، وَخَرَجَ بِالْإِمَامِ غَيْرُهُ فَيُطِيلُ مَا أَرَادَ مَا لَمْ يَخَفْ وُقُوعَهُ بِهِ فِي سَهْوٍ كَمَا جَزَمَ بِهِ جَمْعٌ وَنَصَّ عَلَيْهِ فِي الْأُمِّ، وَقَالَ فَإِنْ لَمْ يَزِدْ عَلَى ذَلِكَ كَرِهْتُهُ، وَمِمَّنْ جَزَمَ بِذَلِكَ الْمُصَنِّفُ فِي مَجْمُوعِهِ فَإِنَّهُ ذَكَرَ النَّصَّ وَلَمْ يُخَالِفْهُ.
(وَمَنْ عَجَزَ عَنْهُمَا) أَيْ: التَّشَهُّدِ وَالصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَهُوَ نَاطِقٌ، وَالْكَلَامُ فِي الْوَاجِبَيْنِ لِمَا سَيَأْتِي (تَرْجَمَ) عَنْهُمَا وُجُوبًا؛ لِأَنَّهُ لَا إعْجَازَ فِيهِمَا.
أَمَّا الْقَادِرُ فَلَا يَجُوزُ لَهُ تَرْجَمَتُهُمَا، وَتَبْطُلُ بِهِ صَلَاتُهُ (وَيُتَرْجِمُ لِلدُّعَاءِ) الْمَنْدُوبِ (وَالذِّكْرِ الْمَنْدُوبِ) نَدْبًا كَالْقُنُوتِ وَتَكْبِيرَاتِ الِانْتِقَالَاتِ وَتَسْبِيحَاتِ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ (الْعَاجِزُ) لِعُذْرِهِ (لَا الْقَادِرُ) لِعَدَمِ عُذْرِهِ (فِي الْأَصَحِّ) فِيهِمَا كَالْوَاجِبِ لِحِيَازَةِ الْفَضِيلَةِ.
وَالثَّانِي: يَجُوزُ لِلْقَادِرِ أَيْضًا لِقِيَامِ غَيْرِ الْعَرَبِيَّةِ مَقَامَهَا فِي أَدَاءِ الْمَعْنَى.
وَالثَّالِثُ: لَا يَجُوزُ لَهُمَا، إذْ لَا ضَرُورَةَ إلَيْهِمَا، بِخِلَافِ الْوَاجِبِ، وَلَفْظُ الْمَنْدُوبِ زَادَهُ عَلَى الْمُحَرَّرِ، وَلَوْ عَبَّرَ بِالْمَأْثُورِ كَانَ أَوْلَى، فَإِنَّ الْخِلَافَ الْمَذْكُورَ مَحَلُّهُ فِي
الثَّانِي عَشَرَ: السَّلَامُ وَأَقَلُّهُ السَّلَامُ عَلَيْكُمْ، وَالْأَصَحُّ جَوَازُ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ، قُلْتُ: الْأَصَحُّ الْمَنْصُوصُ لَا يُجْزِئُهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَأَنَّهُ لَا تَجِبُ نِيَّةُ الْخُرُوجِ
وَأَكْمَلُهُ السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ مَرَّتَيْنِ
[مغني المحتاج]
الْمَأْثُورِ.
أَمَّا غَيْرُ الْمَأْثُورِ بِأَنْ اخْتَرَعَ دُعَاءً أَوْ ذِكْرًا بِالْعَجَمِيَّةِ فِي الصَّلَاةِ فَلَا يَجُوزُ كَمَا نَقَلَهُ الرَّافِعِيُّ عَنْ الْإِمَامِ تَصْرِيحًا فِي الْأُولَى، وَاقْتَصَرَ عَلَيْهَا فِي الرَّوْضَةِ وَإِشْعَارًا فِي الثَّانِيَةِ، وَتَبْطُلُ بِهِ صَلَاتُهُ.
(الثَّانِي عَشَرَ) مِنْ الْأَرْكَانِ (السَّلَامُ) لِخَبَرِ مُسْلِمٍ «تَحْرِيمُهَا التَّكْبِيرُ، وَتَحْلِيلُهَا التَّسْلِيمُ» قَالَ الْحَاكِمُ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ.
قَالَ الْقَفَّالُ الْكَبِيرُ: وَالْمَعْنَى فِي السَّلَامِ أَنَّ الْمُصَلِّيَ كَانَ مَشْغُولًا عَنْ النَّاسِ وَقَدْ أَقْبَلَ عَلَيْهِمْ (وَأَقَلُّهُ السَّلَامُ عَلَيْكُمْ) مَرَّةً، فَلَا يُجْزِئُ السَّلَامُ عَلَيْهِمْ وَلَا تَبْطُلُ بِهِ صَلَاتُهُ؛ لِأَنَّهُ دُعَاءٌ لِغَائِبٍ، وَلَا عَلَيْكَ، وَلَا عَلَيْكُمَا، وَلَا سَلَامِي عَلَيْكُمْ، وَلَا سَلَامُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ، فَإِنْ تَعَمَّدَ ذَلِكَ مَعَ عِلْمِهِ بِالتَّحْرِيمِ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ، وَيُجْزِئُ عَلَيْكُمْ السَّلَامُ مَعَ الْكَرَاهَةِ كَمَا نَقَلَهُ فِي الْمَجْمُوعِ عَنْ النَّصِّ (وَالْأَصَحُّ جَوَازُ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ) بِالتَّنْوِينِ كَمَا فِي التَّشَهُّدِ؛ لِأَنَّ التَّنْوِينَ يَقُومُ مَقَامَ الْأَلِفِ وَاللَّامِ (قُلْتُ: الْأَصَحُّ الْمَنْصُوصُ لَا يُجْزِئُهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ) ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُنْقَلْ؛ لِأَنَّ الْأَحَادِيثَ قَدْ صَحَّتْ بِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَقُولُ: " السَّلَامُ عَلَيْكُمْ " وَلَمْ يُنْقَلْ عَنْهُ خِلَافُهُ، بِخِلَافِ سَلَامِ التَّشَهُّدِ فَإِنَّهُ وَرَدَ فِيهِ التَّعْرِيفُ وَالتَّنْكِيرُ، فَإِنْ قِيلَ عَلَيْكُمْ السَّلَامُ لَمْ يَرِدْ وَقُلْتُمْ فِيهِ بِالْإِجْزَاءِ، أُجِيبَ بِأَنَّ الصِّيغَةَ الْوَارِدَةَ فِيهِ وَلَكِنَّهَا مَقْلُوبَةٌ وَلِذَا كُرِهَ.
(وَ) الْأَصَحُّ (أَنَّهُ لَا تَجِبُ نِيَّةُ الْخُرُوجِ) مِنْ الصَّلَاةِ قِيَاسًا عَلَى سَائِرِ الْعِبَادَاتِ، وَلِأَنَّ النِّيَّةَ السَّابِقَةَ مُنْسَحِبَةٌ عَلَى جَمِيعِ الصَّلَاةِ، وَلَكِنْ تُسَنُّ خُرُوجًا مِنْ الْخِلَافِ، وَالثَّانِي تَجِبُ مَعَ السَّلَامِ لِيَكُونَ الْخُرُوجُ كَالدُّخُولِ بِنِيَّةٍ، وَعَلَى هَذَا يَجِبُ قَرْنُهَا بِالتَّسْلِيمَةِ.
الْأُولَى، فَإِنْ قَدَّمَهَا عَلَيْهَا أَوْ أَخَّرَهَا عَنْهَا عَامِدًا بَطَلَتْ صَلَاتُهُ، وَاسْتَثْنَى الْإِمَامُ عَلَى الْأَوَّلِ مَا إذَا سَلَّمَ الْمُتَطَوِّعُ فِي أَثْنَاءِ صَلَاتِهِ قَصْدًا، فَإِنَّ قَصْدَ التَّحَلُّلِ يُفِيدُ الِاقْتِصَارَ عَلَى بَعْضِ مَا نَوَى، وَإِنْ سَلَّمَ عَمْدًا وَلَمْ يَقْصِدْ التَّحَلُّلَ كَانَ كَلَامًا عَمْدًا مُبْطِلًا، وَحِينَئِذٍ فَلَا بُدَّ مِنْ قَصْدِ التَّحَلُّلِ فِي حَقِّ الْمُتَنَفِّلِ الَّذِي يُرِيدُ الِاقْتِصَارَ عَلَى بَعْضِ مَا نَوَاهُ، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ قَصْدِ التَّحَلُّلِ فِي آخِرِ الصَّلَاةِ أَنَّ الْمُتَنَفِّلَ الْمُسَلِّمَ فِي أَثْنَاءِ صَلَاتِهِ يَأْتِي بِمَا لَمْ تَشْتَمِلْ عَلَيْهِ نِيَّةُ عَقْدِهِ فَلَا بُدَّ مِنْ قَصْدِهِ.
(وَأَكْمَلُهُ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ) ؛ لِأَنَّهُ الْمَأْثُورُ، وَلَا تُسَنُّ زِيَادَةُ وَبَرَكَاتُهُ كَمَا صَحَّحَهُ فِي الْمَجْمُوعِ وَصَوَّبَهُ (مَرَّتَيْنِ) إلَّا أَنْ يُعْرَضَ لَهُ عَقِبَ الْأُولَى مَا يُنَافِي صَلَاتَهُ فَيَجِبُ الِاقْتِصَارُ عَلَى الْأُولَى، وَذَلِكَ كَأَنْ خَرَجَ وَقْتُ الْجُمُعَةِ بَعْدَ الْأُولَى أَوْ انْقَضَتْ مُدَّةُ الْمَسْحِ أَوْ شَكَّ فِيهَا أَوْ تَخَرَّقَ الْخُفُّ أَوْ نَوَى الْقَاصِرُ الْإِقَامَةَ أَوْ انْكَشَفَتْ عَوْرَتُهُ أَوْ سَقَطَ عَلَيْهِ نَجِسٌ لَا يُعْفَى عَنْهُ أَوْ تَبَيَّنَ لَهُ خَطَؤُهُ فِي الِاجْتِهَادِ، أَوْ عَتَقَتْ أَمَةٌ مَكْشُوفَةَ الرَّأْسِ وَنَحْوَهُ، أَوْ وَجَدَ الْعَارِي سُتْرَةَ ذَكَرَهُ فِي الْخَادِمِ.
وَيُسَنُّ إذَا أَتَى بِهِمَا أَنْ يَفْصِلَ بَيْنَهُمَا كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْغَزَالِيُّ فِي
يَمِينًا وَشِمَالًا مُلْتَفِتًا فِي الْأُولَى حَتَّى يُرَى خَدُّهُ الْأَيْمَنُ، وَفِي الثَّانِيَةِ الْأَيْسَرُ نَاوِيًا السَّلَامَ عَلَى مَنْ عَنْ يَمِينِهِ وَيَسَارِهِ مِنْ مَلَائِكَةٍ وَإِنْسٍ وَجِنٍّ، وَيَنْوِي الْإِمَامُ السَّلَامَ عَلَى الْمُقْتَدِينَ وَهُمْ الرَّدَّ عَلَيْهِ.
الثَّالِثَ عَشَرَ: تَرْتِيبُ الْأَرْكَانِ كَمَا ذَكَرْنَا،
[مغني المحتاج]
الْإِحْيَاءِ، وَأَنْ تَكُونَ الْأُولَى (يَمِينًا وَ) الْأُخْرَى (شِمَالًا) لِلِاتِّبَاعِ رَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ وَغَيْرُهُ (مُلْتَفِتًا فِي) التَّسْلِيمَةِ (الْأُولَى حَتَّى يُرَى خَدُّهُ الْأَيْمَنُ) فَقَطْ لَا خَدَّاهُ (وَفِي) التَّسْلِيمَةِ (الثَّانِيَةِ) حَتَّى يُرَى خَدُّهُ (الْأَيْسَرُ) كَذَلِكَ، فَيَبْتَدِئَ السَّلَامَ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ ثُمَّ يَلْتَفِتُ، وَيَتِمُّ سَلَامُهُ بِتَمَامِ الْتِفَاتِهِ لِمَا فِي مُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ قَالَ: «كُنْتُ أَرَى النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُسَلِّمُ عَنْ يَمِينِهِ وَعَنْ يَسَارِهِ حَتَّى يُرَى بَيَاضُ خَدِّهِ» ، وَفِي رِوَايَةِ الدَّارَقُطْنِيّ «كَانَ يُسَلِّمُ عَنْ يَمِينِهِ حَتَّى يُرَى بَيَاضُ خَدِّهِ، وَعَنْ يَسَارِهِ حَتَّى يُرَى بَيَاضُ خَدِّهِ» (نَاوِيًا السَّلَامَ) بِمَرَّةِ الْيَمِينِ الْأُولَى (عَلَى مَنْ عَنْ يَمِينِهِ، وَ) بِمَرَّةِ الْيَسَارِ عَلَى مَنْ عَنْ (يَسَارِهِ) وَبِأَيَّتِهِمَا شَاءَ عَلَى مُحَاذِيهِ، وَإِنْ لَمْ يُفْهَمْ مِنْ عِبَارَتِهِ قِيَاسًا عَلَى مَا سَيَأْتِي (مِنْ مَلَائِكَةٍ وَ) مُؤْمِنِي (إنْسٍ وَجِنٍّ) إمَامًا كَانَ أَوْ مَأْمُومًا، وَأَمَّا الْمُنْفَرِدُ فَيَنْوِي بِالْمَرَّتَيْنِ عَلَى الْمَلَائِكَةِ كَمَا فِي الرَّوْضَةِ وَأَصْلِهَا وَعَلَى مُؤْمِنِي الْإِنْسِ وَالْجِنِّ كَمَا يُؤْخَذُ مِمَّا مَرَّ (وَيَنْوِي الْإِمَامُ) زِيَادَةً عَلَى مَا مَرَّ (السَّلَامَ عَلَى الْمُقْتَدِينَ) مَنْ عَنْ يَمِينِهِ بِالْمَرَّةِ الْأُولَى، وَمَنْ عَنْ يَسَارِهِ بِالثَّانِيَةِ، وَعَلَى مَنْ خَلْفَهُ بِأَيَّتِهِمَا شَاءَ (وَهُمْ) أَيْ: الْمُقْتَدُونَ يَنْوُونَ (الرَّدَّ عَلَيْهِ) وَعَلَى مَنْ سَلَّمَ عَلَيْهِمْ مِنْ الْمَأْمُومِينَ فَيَنْوِيهِ مَنْ عَنْ يَمِينِ الْمُسَلِّمِ مِنْ إمَامٍ وَمَأْمُومٍ بِالتَّسْلِيمَةِ الثَّانِيَةِ، وَمَنْ عَلَى يَسَارِهِ بِالْأُولَى وَعَلَى مَنْ خَلْفَهُ وَأَمَامَهُ بِأَيَّتِهِمَا شَاءَ، وَالْأُولَى أَوْلَى؛ لِأَنَّهُ قَدْ اخْتَلَفَ التَّرْجِيحُ فِي الثَّانِيَةِ هَلْ هِيَ مِنْ الصَّلَاةِ أَوْ لَا فَصَحَّحَا فِي الْجُمُعَةِ أَنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ الصَّلَاةِ، وَصَحَّحَا فِي آخِرِ صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ أَنَّهَا مِنْهَا، وَالْمُعْتَمَدُ الْأَوَّلُ، فَإِنْ قِيلَ: كَيْفَ يَنْوِي مَنْ عَلَى يَسَارِ الْإِمَامِ الرَّدَّ عَلَيْهِ بِالْأُولَى؛ لِأَنَّ الرَّدَّ إنَّمَا يَكُونُ بَعْدَ السَّلَامِ، وَالْإِمَامُ إنَّمَا يَنْوِي السَّلَامَ عَلَى مَنْ عَنْ يَسَارِهِ بِالثَّانِيَةِ، فَكَيْفَ يَرُدُّ عَلَيْهِ قَبْلَ أَنْ يُسَلِّمَ؟ .
أُجِيبَ أَنَّ هَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ الْمَأْمُومَ إنَّمَا يُسَلِّمُ الْأُولَى بَعْدَ فَرَاغِ الْإِمَامِ مِنْ التَّسْلِيمَتَيْنِ كَمَا سَيَأْتِي.
وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ حَدِيثُ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - «كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُصَلِّي قَبْلَ الْعَصْرِ أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ يَفْصِلُ بَيْنَهُنَّ بِالتَّسْلِيمِ عَلَى الْمَلَائِكَةِ الْمُقَرَّبِينَ، وَمَنْ مَعَهُمْ مِنْ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُؤْمِنِينَ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ.
وَحَدِيثُ سَمُرَةَ «أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ نَرُدَّ عَلَى الْإِمَامِ، وَأَنْ نَتَحَابَّ، وَأَنْ يُسَلِّمَ بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَغَيْرُهُ، فَإِنْ قِيلَ: قَوْلُهُمْ: يَنْوِي السَّلَامَ عَلَى الْمُقْتَدِينَ لَا مَعْنَى لِلنِّيَّةِ فَإِنَّ الْخِطَابَ كَافٍ فِي الصَّرْفِ إلَيْهِمْ فَلَا مَعْنَى لِلنِّيَّةِ، وَالصَّرِيحُ لَا يَحْتَاجُ إلَى نِيَّةٍ كَمَا لَا يَحْتَاجُ الْمُسَلِّمُ خَارِجَ الصَّلَاةِ إذَا سَلَّمَ عَلَى قَوْمٍ إلَى نِيَّةٍ فِي أَدَاءِ السُّنَّةِ.
أُجِيبَ بِأَنَّهُ لَمَّا عَارَضَ ذَلِكَ تَحَلُّلَ الصَّلَاةِ احْتَاجَ إلَى نِيَّةٍ بِخِلَافِهِ خَارِجَهَا.
(الثَّالِثَ عَشَرَ) مِنْ الْأَرْكَانِ (تَرْتِيبُ الْأَرْكَانِ كَمَا ذَكَرْنَا) فِي عَدِّهَا الْمُشْتَمِلِ عَلَى قَرْنِ النِّيَّةِ بِالتَّكْبِيرِ، وَجَعْلِهِمَا مَعَ الْقِرَاءَةِ فِي الْقِيَامِ، وَجَعْلِ التَّشَهُّدِ وَالصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْقُعُودِ فَالتَّرْتِيبُ عِنْدَ مَنْ أَطْلَقَهُ مُرَادًا فِيمَا عَدَا ذَلِكَ، وَمِنْهُ الصَّلَاةُ عَلَى النَّبِيِّ فَإِنَّهَا بَعْدَ التَّشَهُّدِ كَمَا
فَإِنْ تَرَكَهُ عَمْدًا بِأَنْ سَجَدَ قَبْلَ رُكُوعِهِ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ، وَإِنْ سَهَا فَمَا بَعْدَ الْمَتْرُوكِ لَغْوٌ، فَإِنْ تَذَكَّرَ قَبْلَ بُلُوغِ مِثْلِهِ فَعَلَهُ، وَإِلَّا تَمَّتْ بِهِ رَكْعَتُهُ، وَتَدَارَكَ الْبَاقِيَ
[مغني المحتاج]
جَزَمَ بِهِ فِي الْمَجْمُوعِ وَتَقَدَّمَتْ الْإِشَارَةُ إلَيْهِ، فَهِيَ مُرَتَّبَةٌ، وَغَيْرُ مُرَتَّبَةٍ بِاعْتِبَارَيْنِ، وَدَلِيلُ وُجُوبِ التَّرْتِيبِ الِاتِّبَاعُ كَمَا فِي الْأَخْبَارِ الصَّحِيحَةِ مَعَ خَبَرِ «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي» وَعَدُّهُ مِنْ الْأَرْكَانِ بِمَعْنَى الْفُرُوضِ كَمَا مَرَّ أَوَّلَ الْبَابِ صَحِيحٌ، وَبِمَعْنَى الْإِجْزَاءِ فِيهِ تَغْلِيبٌ، وَلَمْ يَتَعَرَّضْ الْمُصَنِّفُ هُنَا لِعَدِّ الْوَلَاءِ رُكْنًا، وَصَوَّرَهُ الرَّافِعِيُّ تَبَعًا لِلْإِمَامِ بِعَدَمِ تَطْوِيلِ الرُّكْنِ الْقَصِيرِ، وَابْنُ الصَّلَاحِ بِعَدَمِ طُولِ الْفَصْلِ بَعْدَ سَلَامِهِ نَاسِيًا.
وَمِنْ صُوَرِ فَقْدِ الْوَلَاءِ: مَا إذَا شَكَّ فِي نِيَّةِ الصَّلَاةِ وَلَمْ يُحْدِثْ رُكْنًا قَوْلِيًّا وَلَا فِعْلِيًّا وَمَضَى زَمَنٌ طَوِيلٌ، فَتَبْطُلُ صَلَاتُهُ كَمَا مَرَّ لِانْقِطَاعِ نَظْمِهَا، وَلَمْ يَعُدُّهُ الْأَكْثَرُونَ رُكْنًا لِكَوْنِهِ كَالْجُزْءِ مِنْ الرُّكْنِ الْقَصِيرِ أَوْ لِكَوْنِهِ أَشْبَهَ بِالتُّرُوكِ.
وَقَالَ الْمُصَنِّفُ فِي تَنْقِيحِهِ: الْوَلَاءُ وَالتَّرْتِيبُ شَرْطَانِ، وَهُوَ أَظْهَرُ مِنْ عَدِّهِمَا رُكْنَيْنِ.
اهـ.
وَالْمَشْهُورُ عَدُّ التَّرْتِيبِ رُكْنًا، وَالْوَلَاءِ شَرْطًا، وَأَمَّا السُّنَنُ، فَتَرْتِيبُ بَعْضِهَا عَلَى بَعْضٍ كَالِاسْتِفْتَاحِ وَالتَّعَوُّذِ، وَتَرْتِيبُهَا عَلَى الْفَرَائِضِ كَالْفَاتِحَةِ، وَالسُّورَةُ شَرْطٌ فِي الِاعْتِدَادِ بِهَا سُنَّةٌ لَا فِي صِحَّةِ الصَّلَاةِ (فَإِنْ تَرَكَهُ) أَيْ: تَرْتِيبَ الْأَرْكَانِ (عَمْدًا) بِتَقْدِيمِ رُكْنٍ فِعْلِيٍّ، وَمِنْ صُوَرِهِ مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ بِقَوْلِهِ (بِأَنْ سَجَدَ قَبْلَ رُكُوعِهِ) أَوْ رَكَعَ قَبْلَ قِرَاءَتِهِ، أَوْ سَلَّمَ كَأَنْ سَلَّمَ قَبْلَ سُجُودِهِ (بَطَلَتْ صَلَاتُهُ) إجْمَاعًا لِتَلَاعُبِهِ.
أَمَّا لَوْ قَدَّمَ رُكْنًا قَوْلِيًّا غَيْرَ سَلَامٍ كَتَشَهُّدٍ عَلَى سُجُودٍ، أَوْ قَوْلِيًّا عَلَى قَوْلِيٍّ كَالصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى التَّشَهُّدِ، فَإِنَّهَا لَا تَبْطُلُ، لَكِنْ لَا يُعْتَدُّ بِمَا قَدَّمَهُ بَلْ يُعِيدُهُ، وَلَوْ عَبَّرَ بِكَأَنَّ بَدَلَ بِأَنَّ لَكَانَ أَوْلَى، لَكِنْ كَثِيرًا مَا يَقَعُ فِي كَلَامِهِمْ التَّعْبِيرُ بِأَنَّ مَكَانَ كَأَنَّ، وَهُوَ خِلَافُ الْمُصْطَلَحِ عَلَيْهِ بَيْنَهُمْ (، وَإِنْ سَهَا) أَيْ: تَرَكَ التَّرْتِيبَ سَهْوًا (فَمَا) فَعَلَهُ (بَعْدَ الْمَتْرُوكِ لَغْوٌ) لِوُقُوعِهِ فِي غَيْرِ مَحَلِّهِ (فَإِنْ تَذَكَّرَهُ) أَيْ: الْمَتْرُوكَ (قَبْلَ بُلُوغِ) فِعْلٍ (مِثْلِهِ) مِنْ رَكْعَةٍ أُخْرَى (فَعَلَهُ) بَعْدَ تَذَكُّرِهِ فَوْرًا، فَإِنْ تَأَخَّرَ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ.
تَنْبِيهٌ: قَوْلُهُ تَذَكُّرُهُ غَيْرُ شَرْطٍ، فَلَوْ شَكَّ فِي رُكُوعِهِ أَنَّهُ قَرَأَ الْفَاتِحَةَ أَوْ فِي سُجُودِهِ أَنَّهُ رَكَعَ أَمْ لَا وَجَبَ أَنْ يَقُومَ فِي الْحَالِ، فَلَوْ مَكَثَ قَلِيلًا لِيَتَذَكَّرَ بَطَلَتْ، بِخِلَافِ مَا لَوْ شَكَّ فِي الْقِيَامِ أَنَّهُ قَرَأَ الْفَاتِحَةَ أَوْ لَا فَسَكَتَ لِيَتَذَكَّرَ، وَقَوْلُهُ: فَعَلَهُ يُسْتَثْنَى مِنْهُ مَا لَوْ تَذَكَّرَ فِي سُجُودِهِ تَرَكَ الرُّكُوعَ فَإِنَّهُ يَرْجِعُ إلَى الْقِيَامِ لِيَرْكَعَ مِنْهُ وَلَا يَكْفِيهِ أَنْ يَقُومَ رَاكِعًا، إذْ الِانْحِنَاءُ غَيْرُ مُعْتَدٍّ بِهِ، فَفِي هَذِهِ الصُّورَةِ زِيَادَةٌ عَلَى الْمَتْرُوكِ (وَإِلَّا) أَيْ: وَإِنْ لَمْ يَتَذَكَّرْ حَتَّى بَلَغَ مِثْلَهُ (تَمَّتْ بِهِ رَكْعَتُهُ) الْمَتْرُوكُ آخِرَهَا كَسَجْدَتِهِ الثَّانِيَةِ مِنْهَا، وَيَأْتِي بِمَا بَعْدَهُ إنْ كَانَ فِي أَثْنَائِهَا كَالْقِرَاءَةِ وَالرُّكُوعِ (وَتَدَارَكَ الْبَاقِيَ) مِنْ صَلَاتِهِ؛ لِأَنَّهُ أَلْغَى مَا بَيْنَهُمَا، هَذَا إذَا عَرَفَ عَيْنَ الْمَتْرُوكِ وَمَوْضِعَهُ، فَإِنْ لَمْ يَعْرِفْ أَخَذَ بِالْمُتَيَقَّنِ وَأَتَى بِالْبَاقِي، وَفِي الْأَحْوَالِ كُلِّهَا يَسْجُدُ لِلسَّهْوِ كَمَا سَيَأْتِي فِي بَابِهِ، نَعَمْ إنْ تَرَكَ رُكْنًا، وَجَوَّزَ أَنْ يَكُونَ الْمَتْرُوكُ النِّيَّةَ أَوْ تَكْبِيرَةَ الْإِحْرَامِ وَجَبَ الِاسْتِئْنَافُ أَوْ كَانَ الْمَتْرُوكُ السَّلَامَ، وَتَذَكَّرَ قَبْلَ طُولِ الْفَصْلِ سَلَّمَ وَلَا سُجُودَ لِلسَّهْوِ، وَكَذَا إنْ طَالَ كَمَا بَحَثَهُ شَيْخُنَا؛ لِأَنَّ غَايَتَهُ أَنَّهُ سُكُوتٌ
فَلَوْ تَيَقَّنَ فِي آخِرِ صَلَاتِهِ تَرْكَ سَجْدَةٍ مِنْ الْأَخِيرَةِ سَجَدَهَا، وَأَعَادَ تَشَهُّدَهُ أَوْ مِنْ غَيْرِهَا لَزِمَهُ رَكْعَةٌ، وَكَذَا إنْ شَكَّ فِيهِمَا.
، وَإِنْ عَلِمَ فِي قِيَامِ ثَانِيَةٍ تَرْكَ سَجْدَةٍ فَإِنْ كَانَ جَلَسَ بَعْدَ سَجْدَتِهِ سَجَدَ وَقِيلَ: إنْ جَلَسَ بِنِيَّةِ الِاسْتِرَاحَةِ لَمْ يَكْفِهِ، وَإِلَّا فَلْيَجْلِسْ مُطْمَئِنًّا ثُمَّ يَسْجُدْ، وَقِيلَ: يَسْجُدُ فَقَطْ
، وَإِنْ عَلِمَ فِي آخِرِ رُبَاعِيَّةٍ تَرْكَ سَجْدَتَيْنِ أَوْ ثَلَاثٍ جَهِلَ مَوْضِعَهَا وَجَبَ رَكْعَتَانِ أَوْ أَرْبَعٍ
[مغني المحتاج]
طَوِيلٌ، وَتَعَمُّدُ طُولِ السُّكُوتِ لَا يَضُرُّ كَمَا مَرَّ فَلَا يَسْجُدُ لِسَهْوِهِ، وَلَا تُجْزِئُ سَجْدَةُ التِّلَاوَةِ عَنْ سَجْدَةٍ مِنْ نَفْسِ الصَّلَاةِ كَمَا فِي الْمَجْمُوعِ عَنْ النَّصِّ، فَإِنْ قِيلَ: لَوْ تَشَهَّدَ التَّشَهُّدَ الْأَخِيرَ ظَانًّا أَنَّهُ الْأَوَّلُ ثُمَّ عَلِمَ أَجْزَأَهُ، وَكَذَا لَوْ قَامَ عَنْ السُّجُودِ وَجَلَسَ بِنِيَّةِ الِاسْتِرَاحَةِ ظَانًّا أَنَّهُ سَجَدَ الثَّانِيَةَ ثُمَّ تَبَيَّنَ أَنَّهُ لَمْ يَسْجُدْهَا أَجْزَأَهُ ذَلِكَ عَنْ الْجُلُوسِ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ وَسَجَدَ الثَّانِيَةَ فَهَلَّا كَانَ هُنَا كَذَلِكَ؟ . أُجِيبَ بِأَنَّ نِيَّةَ الصَّلَاةِ لَمْ تَشْمَلْ سَجْدَةَ التِّلَاوَةِ؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ الصَّلَاةِ بَلْ هِيَ سُنَّةٌ فِيهَا بِخِلَافِ مَا ذُكِرَ، وَتَقَدَّمَ أَنَّ الْمُعْتَمَدَ أَنَّ التَّسْلِيمَةَ الثَّانِيَةَ لَيْسَتْ مِنْ الصَّلَاةِ، وَعَلَيْهِ إنْ ظَنَّ أَنَّهُ سَلَّمَ الْأُولَى فَسَلَّمَ الثَّانِيَةَ، فَتَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ لَمْ يُسَلِّمْ الْأُولَى لَمْ تُجْزِ الثَّانِيَةُ عَنْهَا، وَإِنْ نَازَعَ فِي ذَلِكَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ.
(فَلَوْ تَيَقَّنَ فِي آخِرِ صَلَاتِهِ) أَوْ بَعْدَ فَرَاغِهِ مِنْهَا وَلَمْ يَطُلْ الْفَصْلُ عُرْفًا وَلَمْ تَتَّصِلْ بِهِ نَجَاسَةٌ (تَرْكَ سَجْدَةً مِنْ) الرَّكْعَةِ (الْأَخِيرَةِ سَجَدَهَا وَأَعَادَ تَشَهُّدَهُ) ؛ لِأَنَّهُ وَقَعَ بَعْدَ مَتْرُوكٍ فَلَمْ يُعْتَدَّ بِهِ (أَوْ مِنْ غَيْرِهَا) أَيْ: الْأَخِيرَةِ (لَزِمَهُ رَكْعَةٌ) ؛ لِأَنَّ النَّاقِصَةَ قَدْ تَكَمَّلَتْ بِسَجْدَةٍ مِنْ الرَّكْعَةِ الَّتِي بَعْدَهَا، وَأَلْغَى بَاقِيَهَا (وَكَذَا إنْ شَكَّ فِيهِمَا) أَيْ: هَلْ تَرَكَ السَّجْدَةَ مِنْ الْأَخِيرَةِ أَوْ مِنْ غَيْرِهَا جَعَلَهُ مِنْ غَيْرِهَا أَخَذَا بِالْأَحْوَطِ، وَلَزِمَهُ رَكْعَةٌ أُخْرَى، وَسَجَدَ لِلسَّهْوِ فِي الصُّورَتَيْنِ.
(، وَإِنْ عَلِمَ فِي قِيَامِ ثَانِيَةٍ) مَثَلًا (تَرْكَ سَجْدَةٍ) مِنْ الْأُولَى نَظَرْتَ (فَإِنْ كَانَ جَلَسَ بَعْدَ سَجْدَتِهِ) الَّتِي قَامَ عَنْهَا (سَجَدَ) مِنْ قِيَامِهِ اكْتِفَاءً بِجُلُوسِهِ، سَوَاءٌ أَنَوَى بِهِ الِاسْتِرَاحَةَ أَمْ لَا (وَقِيلَ: إنْ جَلَسَ بِنِيَّةِ الِاسْتِرَاحَةِ لَمْ يَكْفِهِ) لِقَصْدِهِ سُنَّةً، وَتَقَدَّمَ الْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ سَجْدَةِ التِّلَاوَةِ حَيْثُ لَمْ تَكْفِ عَنْ السُّجُودِ، وَقِيلَ: لَا بُدَّ أَنْ يَجْلِسَ مُطْلَقًا ثُمَّ يَسْجُدَ لِيَنْتَقِلَ مِنْ الْجُلُوسِ إلَى السُّجُودِ؛ لِأَنَّ السُّجُودَ هَكَذَا وَاجِبٌ (وَإِلَّا) أَيْ: وَإِنْ لَمْ يَكُنْ جَلَسَ بَعْدَ سَجْدَتِهِ الَّتِي قَامَ عَنْهَا (فَلْيَجْلِسْ مُطْمَئِنًّا ثُمَّ يَسْجُدْ) ؛ لِأَنَّ الْجُلُوسَ رُكْنٌ فَلَا بُدَّ مِنْهُ، وَكَذَا الْحُكْمُ فِي تَرْكِ سَجْدَتَيْنِ فَأَكْثَرَ تَذَكَّرَ مَكَانَهُمَا أَوْ مَكَانَهَا، فَإِنْ كَانَ قَدْ سَبَقَ لَهُ جُلُوسٌ فِيمَا سَبَقَ لَهُ مِنْ الرَّكَعَاتِ تَمَّتْ رَكْعَتُهُ السَّابِقَةُ بِالسَّجْدَةِ الْأُولَى، وَإِلَّا فَبِالثَّانِيَةِ (وَقِيلَ: يَسْجُدُ فَقَطْ) اكْتِفَاءً بِالْقِيَامِ عَنْ الْجُلُوسِ؛ لِأَنَّ الْقَصْدَ بِهِ الْفَصْلُ، وَهُوَ حَاصِلٌ بِالْقِيَامِ، وَيَسْجُدُ فِي الصُّورَتَيْنِ لِلسَّهْوِ.
(، وَإِنْ عَلِمَ فِي آخِرَ رُبَاعِيَّةٍ تَرْكَ سَجْدَتَيْنِ أَوْ ثَلَاثٍ جَهِلَ مَوْضِعَهَا) أَيْ: السَّجَدَاتِ الْخَمْسِ فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ (وَجَبَ رَكْعَتَانِ) أَخْذًا بِالْأَسْوَأِ.
أَمَّا فِي الْأُولَى؛ فَلِأَنَّ الْأَسْوَأَ تَقْدِيرُ سَجْدَةٍ مِنْ الرَّكْعَةِ الْأُولَى، وَسَجْدَةٍ مِنْ الثَّالِثَةُ، فَتَنْجَبِرُ الرَّكْعَةُ الْأُولَى بِسَجْدَةِ مِنْ الثَّانِيَةِ وَيَلْغُو بَاقِيهَا، وَتَنْجَبِرُ الرَّكْعَةُ الثَّالِثَةُ بِسَجْدَةٍ مِنْ الرَّابِعَة وَيَلْغُو بَاقِيهَا.
وَأَمَّا فِي الثَّانِيَةُ فَلِأَنَّكَ إذَا قَدَّرْتَ مَا ذُكِرَ فِي السَّجْدَتَيْنِ وَقَدَّرْتَ مَعَهُ تَرْكَ سَجْدَةٍ أُخْرَى مِنْ أَيِّ رَكْعَةٍ شِئْتَ لَمْ يَخْتَلِفْ الْحُكْمُ (أَوْ) عَلِمَ تَرْكَ (أَرْبَعٍ) مِنْ
فَسَجْدَةٌ ثُمَّ رَكْعَتَانِ، أَوْ خَمْسٍ أَوْ سِتٍّ فَثَلَاثٌ، أَوْ سَبْعٍ، فَسَجْدَةٌ ثُمَّ ثَلَاثٌ.
[مغني المحتاج]
رُبَاعِيَّةٍ (فَسَجْدَةٌ ثُمَّ رَكْعَتَانِ) لِاحْتِمَالِ تَرْكِ ثِنْتَيْنِ مِنْ رَكْعَةٍ وَثِنْتَيْنِ مِنْ رَكْعَتَيْنِ غَيْرِ مُتَوَالِيَتَيْنِ لَمْ يَتَّصِلَا بِهَا كَتَرْكِ وَاحِدَةٍ مِنْ الْأُولَى وَثِنْتَيْنِ مِنْ الثَّانِيَةِ، وَوَاحِدَةٍ مِنْ الرَّابِعَةِ، فَالْحَاصِلُ رَكْعَتَانِ إلَّا سَجْدَةً، إذْ الْأُولَى تَمَّتْ بِالثَّالِثَةِ، وَالرَّابِعَةُ نَاقِصَةٌ سَجْدَةٌ فَيُتِمُّهَا، وَيَأْتِي بِرَكْعَتَيْنِ، بِخِلَافِ مَا إذَا اتَّصَلَتَا بِهَا كَتَرْكِ وَاحِدَةٍ مِنْ الْأُولَى وَثِنْتَيْنِ مِنْ الثَّانِيَةِ وَوَاحِدَةٍ مِنْ الثَّالِثَةِ فَلَا يَلْزَمُ فِيهَا إلَّا رَكْعَتَانِ.
وَقَالَ الشَّارِحُ: لِاحْتِمَالِ أَنَّهُ تَرَكَ سَجْدَتَيْنِ مِنْ الرَّكْعَةِ الْأُولَى، وَسَجْدَةً مِنْ الثَّانِيَةِ، وَسَجْدَةً مِنْ الرَّابِعَةِ فَتَلْغُو الْأُولَى، وَتَكْمُلُ الثَّانِيَةُ بِالثَّالِثَةِ.
اهـ.
وَلَوْ قَالَ: فَتَكْمُلُ الْأُولَى بِسَجْدَتَيْنِ مِنْ الثَّانِيَةِ وَالثَّالِثَةِ، وَيَلْغُو بَاقِيهِمَا، وَالرَّابِعَةُ نَاقِصَةٌ سَجْدَةٌ لَكَانَ أَوْلَى؛ لِأَنَّ الْأُولَى لَا تَلْغِي (أَوْ) عَلِمَ تَرْكَ (خَمْسٍ أَوْ سِتٍّ جَهِلَ مَوْضِعَهَا فَثَلَاثٌ) لِاحْتِمَالِ تَرْكِ وَاحِدَةٍ مِنْ الْأُولَى، وَثِنْتَيْنِ مِنْ الثَّانِيَةِ، وَثِنْتَيْنِ مِنْ الثَّالِثَةِ، وَالسَّادِسَةِ مِنْ الْأُولَى أَوْ مِنْ الرَّابِعَة فَتَكْمُلُ الْأُولَى بِالرَّابِعَةِ، وَيَبْقَى ثَلَاثُ رَكَعَاتٍ (أَوْ) عَلِمَ تَرْكَ (سَبْعٍ) جَهِلَ مَوْضِعَهَا (فَسَجْدَةٌ ثُمَّ ثَلَاثٌ) إذْ الْحَاصِلُ لَهُ رَكْعَةٌ إلَّا سَجْدَةً أَوْ عَلِمَ تَرْكَ ثَمَانٍ جَهِلَ مَوْضِعَهَا، فَسَجْدَتَانِ ثُمَّ ثَلَاثُ رَكَعَاتٍ، وَيُتَصَوَّرُ ذَلِكَ بِتَرْكِ طُمَأْنِينَةٍ أَوْ سُجُودٍ عَلَى نَحْوِ عِمَامَةٍ تَتَحَرَّكُ بِحَرَكَتِهِ، وَفِي كُلِّ ذَلِكَ يَسْجُدُ لِلسَّهْوِ كَمَا مَرَّتْ الْإِشَارَةُ إلَى بَعْضِهِ.
تَنْبِيهٌ: ذَكَرَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ كَالْأُصْفُونِيِّ وَالْإِسْنَوِيِّ اعْتِرَاضًا عَلَى الْجُمْهُورِ، فَقَالَ: يَلْزَمُ بِتَرْكِ ثَلَاثِ سَجَدَاتٍ سَجْدَةٌ وَرَكْعَتَانِ؛ لِأَنَّ أَسْوَأَ الْأَحْوَالِ أَنْ يَكُونَ الْمَتْرُوكُ السَّجْدَةَ الْأُولَى مِنْ الرَّكْعَةِ الْأُولَى، وَالثَّانِيَةَ مِنْ الثَّانِيَةِ، وَوَاحِدَةً مِنْ الرَّابِعَةِ، وَحِينَئِذٍ فَيَحْصُلُ مِنْ الثَّانِيَةِ جَبْرُ الْجُلُوسِ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ لَا جَبْرُ السُّجُودِ، إذْ لَا جُلُوسَ مَحْسُوبٌ فِي الْأُولَى، فَتَكْمُلُ الرَّكْعَةُ الْأُولَى بِالسَّجْدَةِ الْأُولَى مِنْ الثَّالِثَةِ وَتَفْسُدُ الثَّانِيَةُ وَتُجْعَلُ السَّجْدَةُ الثَّانِيَةُ مَتْرُوكَةً مِنْ الرَّابِعَةِ، فَيَلْزَمُ سَجْدَةٌ وَرَكْعَتَانِ، وَيَلْزَمُ بِتُرُوكِ أَرْبَعِ سَجَدَاتٍ ثَلَاثُ رَكَعَاتٍ، لِاحْتِمَالِ أَنَّهُ تَرَكَ السَّجْدَةَ الْأُولَى مِنْ الْأُولَى، وَالثَّانِيَةَ مِنْ الثَّانِيَةِ، فَيَحْصُلُ لَهُ مِنْهُمَا رَكْعَةٌ إلَّا سَجْدَةً، وَأَنَّهُ تَرَكَ ثِنْتَيْنِ مِنْ الثَّالِثَةِ فَلَا تَتِمُّ الرَّكْعَةُ إلَّا بِسَجْدَةٍ مِنْ الرَّابِعَةِ، وَيَلْغُو مَا سِوَاهَا، وَيَلْزَمُهُ فِي تَرْكِ السِّتِّ ثَلَاثٌ، وَسَجْدَةٌ لِاحْتِمَالِ أَنَّهُ تَرَكَ السَّجْدَةَ الْأُولَى مِنْ الْأُولَى، وَالثَّانِيَةَ مِنْ الثَّانِيَةِ، وَثِنْتَيْنِ مِنْ الثَّالِثَةِ، وَثِنْتَيْنِ مِنْ الرَّابِعَةِ.
وَأُجِيبَ عَنْهُ بِأَنَّ ذَلِكَ خِلَافُ فَرْضِ الْأَصْحَابِ فَإِنَّهُمْ فَرَضُوا ذَلِكَ فِيمَا إذَا أَتَى بِالْجِلْسَاتِ الْمَحْسُوبَاتِ، بَلْ قَالَ الْإِسْنَوِيُّ: إنَّمَا ذَكَرْتُ هَذَا الِاعْتِرَاضَ، وَإِنْ كَانَ وَاضِحَ الْبُطْلَانِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَخْتَلِجُ فِي صَدْرِ مَنْ لَا حَاصِلَ لَهُ، وَإِلَّا فَمِنْ حَقِّ هَذَا السُّؤَالِ السَّخِيفِ أَنْ لَا يُدَوَّنَ فِي تَصْنِيفٍ، وَحَكَى ابْنُ السُّبْكِيّ فِي التَّوْشِيحِ أَنَّ وَالِدَهُ وَقَفَ عَلَى رَجَزٍ لَهُ فِي الْفِقْهِ، وَفِيهِ اعْتِمَادُ هَذَا الِاعْتِرَاضِ فَكَتَبَ عَلَى الْحَاشِيَةِ: [الرَّجَزُ]
لَكِنَّهُ مَعَ حُسْنِهِ لَا يَرِدُ ... إذْ الْكَلَامُ فِي الَّذِي لَا يُفْقَدُ
إلَّا السُّجُودَ فَإِذَا مَا انْضَمَّ لَهْ ... تَرْكُ الْجُلُوسِ فَلْيُعَامَلْ عَمَلَهْ
وَإِنَّمَا السَّجْدَةُ لِلْجُلُوسِ ... وَذَاكَ مِثْلُ الْوَاضِحِ الْمَحْسُوسِ.
قُلْتُ: يُسَنُّ إدَامَةُ نَظَرِهِ إلَى مَوْضِع سُجُودِهِ.
وَقِيلَ: يُكْرَهُ تَغْمِيضُ عَيْنَيْهِ، وَعِنْدِي لَا يُكْرَهُ، إنْ لَمْ يَخَفْ ضَرَرًا.
وَالْخُشُوعُ
وَتَدَبُّرُ الْقِرَاءَةِ
[مغني المحتاج]
(قُلْتُ: يُسَنُّ إدَامَةُ نَظَرِهِ) أَيْ: الْمُصَلِّي (إلَى مَوْضِع سُجُودِهِ) فِي جَمِيعِ صَلَاتِهِ؛ لِأَنَّ جَمْعَ النَّظَرِ فِي مَوْضِعٍ أَقْرَبُ إلَى الْخُشُوعِ، وَمَوْضِعُ سُجُودِهِ أَشْرَفُ وَأَسْهَلُ، وَخَرَجَ بِمَوْضِعِ سُجُودِهِ الْمُصَلِّي عَلَى جِنَازَةٍ فَيَنْظُرُ إلَيْهَا، وَاسْتَثْنَى مِنْ النَّظَرِ إلَى مَوْضِعِ السُّجُودِ حَالَةَ التَّشَهُّدِ فَإِنَّ السُّنَّةَ إذَا رَفَعَ مُسَبِّحَتَهُ أَنْ لَا يُجَاوِزَ بَصَرُهُ إشَارَتَهُ ذَكَرَهُ فِي الْمَجْمُوعِ، وَفِيهِ حَدِيثٌ صَحِيحٌ فِي سُنَنِ أَبِي دَاوُد، وَعَنْ جَمَاعَةٍ أَنَّ الْمُصَلِّيَ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ يَنْظُرُ إلَى الْكَعْبَةِ، لَكِنْ صَوَّبَ الْبُلْقِينِيُّ أَنَّهُ كَغَيْرِهِ، وَقَالَ الْإِسْنَوِيُّ: إنَّ اسْتِحْبَابَ نَظَرِهِ إلَى الْكَعْبَةِ فِي الصَّلَاةِ وَجْهٌ ضَعِيفٌ، وَقِيلَ: مَنْ صَلَّى خَلْفَ نَبِيٍّ نَظَرَ إلَيْهِ، وَقِيلَ: يَنْظُرُ فِي الْقِيَامِ إلَى مَوْضِعِ سُجُودِهِ، وَفِي الرُّكُوعِ إلَى ظَهْرِ قَدَمَيْهِ، وَفِي السُّجُودِ إلَى أَنْفِهِ، وَفِي الْقُعُودِ إلَى حِجْرِهِ؛ لِأَنَّ امْتِدَادَ الْبَصَرِ يُلْهِي فَإِذَا قُصِرَ كَانَ أَوْلَى، وَبِهَذَا جَزَمَ الْبَغَوِيّ وَالْمُتَوَلِّي.
(وَقِيلَ: يُكْرَهُ تَغْمِيضُ عَيْنَيْهِ) قَالَهُ الْعَبْدَرِيُّ مِنْ أَصْحَابِنَا تَبَعًا لِبَعْضِ التَّابِعِينَ؛ لِأَنَّ الْيَهُودَ تَفْعَلُهُ، وَلَمْ يُنْقَلْ فِعْلُهُ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَا عَنْ أَحَدٍ مِنْ الصَّحَابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ -، وَقَدْ وَرَدَ فِي النَّهْيِ عَنْهُ حَدِيثٌ ضَعِيفٌ كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ الْبَيْهَقِيُّ (وَعِنْدِي لَا يُكْرَهُ) عَبَّرَ فِي الرَّوْضَةِ بِالْمُخْتَارِ (إنْ لَمْ يَخَفْ) مِنْهُ (ضَرَرًا) عَلَى نَفْسِهِ أَوْ غَيْرِهِ لِعَدَمِ وُرُودِ نَهْيٍ فِيهِ كَمَا مَرَّ فَإِنْ خَافَ مِنْهُ ضَرَرًا كُرِهَ.
قَالَ ابْنُ النَّقِيبِ:، وَيَنْبَغِي أَنْ يَحْرُمَ فِي بَعْضِ صُوَرِهِ، وَأَفْتَى ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ بِأَنَّهُ إذَا كَانَ عَدَمُ ذَلِكَ يُشَوِّشُ عَلَيْهِ خُشُوعَهُ أَوْ حُضُورَ قَلْبِهِ مَعَ رَبِّهِ فَالتَّغْمِيضُ أَوْلَى مِنْ الْفَتْحِ.
(وَ) يُسَنُّ (الْخُشُوعُ) فَيَتَّصِفُ بِهِ ظَاهِرُهُ وَبَاطِنُهُ، وَيَسْتَحْضِرُ أَنَّهُ وَاقِفٌ بَيْنَ يَدَيْ مَلِكِ الْمُلُوكِ يُنَاجِيهِ، وَأَنَّ صَلَاتَهُ مَعْرُوضَةٌ عَلَيْهِ، وَمِنْ الْجَائِزِ أَنْ يَرُدَّهَا عَلَيْهِ وَلَا يَقْبَلَهَا.
وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ قَوْله تَعَالَى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [المؤمنون: 1] ﴿الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ [المؤمنون: 2] [الْمُؤْمِنُونَ] فَسَّرَهُ عَلِيٌّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - بِلِينِ الْقَلْبِ وَكَفِّ الْجَوَارِحِ، وَخَبَرُ مُسْلِمٍ «مَا مِنْ عَبْدٍ مُسْلِمٍ يَتَوَضَّأُ، فَيُحْسِنُ وُضُوءَهُ ثُمَّ يَقُومُ، فَيُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ يُقْبِلُ عَلَيْهِمَا بِوَجْهِهِ وَقَلْبِهِ إلَّا وَجَبَتْ لَهُ الْجَنَّةُ» ، وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَأَى رَجُلًا يَعْبَثُ بِلِحْيَتِهِ فِي الصَّلَاةِ، فَقَالَ: لَوْ خَشَعَ قَلْبُ هَذَا لَخَشَعَتْ جَوَارِحُهُ» وَالْأَحَادِيثُ وَالْآثَارُ فِي ذَلِكَ كَثِيرَةٌ، وَلِذَلِكَ قِيلَ: إنَّهُ شَرْطٌ فِي جُزْءٍ مِنْ الصَّلَاةِ، فَلَوْ سَقَطَ رِدَاؤُهُ أَوْ طَرَفُ عِمَامَتِهِ كُرِهَ لَهُ تَسْوِيَتُهُ إلَّا لِضَرُورَةٍ كَمَا ذَكَرَهُ فِي الْإِحْيَاءِ.
(وَ) يُسَنُّ (تَدَبُّرُ الْقِرَاءَةِ) أَيْ: تَأَمُّلِهَا؛ لِأَنَّ بِذَلِكَ يَحْصُلُ مَقْصُودُ الْخُشُوعِ وَالْأَدَبِ.
قَالَ تَعَالَى: ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ [محمد: 24] [مُحَمَّدٌ] ، وَيُسَنُّ تَرْتِيلُ الْقِرَاءَةِ، وَهُوَ التَّأَنِّي فِيهَا، بَلْ قَالَ الْقَاضِي حُسَيْنٌ يُكْرَهُ تَرْكُهُ، وَالْإِسْرَاعُ فِي الْقِرَاءَةِ.
وَيُسَنُّ لِلْقَارِئِ فِي الصَّلَاةِ وَخَارِجِهَا إذَا مَرَّ بِآيَةِ رَحْمَةٍ أَنْ يَسْأَلَ اللَّهَ الرَّحْمَةَ، أَوْ بِآيَةِ عَذَابٍ أَنْ يَسْتَعِيذَ مِنْهُ، أَوْ بِآيَةِ تَسْبِيحٍ أَنْ يُسَبِّحَ، أَوْ بِآيَةِ مَثَلٍ أَنْ يَتَفَكَّرَ، وَإِذَا قَرَأَ ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ﴾ [التين: 8] [التِّينُ] قَالَ بَلَى وَأَنَا عَلَى ذَلِكَ مِنْ الشَّاهِدِينَ، وَإِذَا قَرَأَ ﴿فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ﴾ [الأعراف: 185] [الْمُرْسَلَاتِ] قَالَ آمَنْتُ بِاَللَّهِ، وَإِذَا قَرَأَ: ﴿فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِمَاءٍ مَعِينٍ﴾ [الملك: 30]
وَالذِّكْرِ
وَدُخُولُ الصَّلَاةِ بِنَشَاطِ وَفَرَاغِ قَلْبٍ
وَجَعْلُ يَدَيْهِ تَحْتَ صَدْرِهِ آخِذًا بِيَمِينِهِ يَسَارَهُ.
وَالدُّعَاءُ فِي سُجُودِهِ.
[مغني المحتاج]
الْمُلْكُ] قَالَ: اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ.
(وَ) يُسَنُّ تَدَبُّرُ (الذِّكْرِ) قِيَاسًا عَلَى الْقِرَاءَةِ، وَقَدْ يُفْهَمُ مِنْ هَذَا أَنَّ مَنْ قَالَ سُبْحَانَ اللَّهِ مَثَلًا غَافِلًا عَنْ مَدْلُولِهِ، وَهُوَ التَّنْزِيهُ يَحْصُلُ لَهُ ثَوَابُ مَا يَقُولُهُ، وَهُوَ كَذَلِكَ، وَإِنْ قَالَ الْإِسْنَوِيُّ فِيهِ نَظَرٌ.
(وَ) يُسَنُّ (دُخُولُ الصَّلَاةِ بِنَشَاطٍ) لِلذَّمِّ عَلَى تَرْكِ ذَلِكَ.
قَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلاةِ قَامُوا كُسَالَى﴾ [النساء: 142] [النِّسَاءُ] ، وَالْكَسَلُ الْفُتُورُ عَنْ الشَّيْءِ وَالتَّوَانِي فِيهِ، وَضِدُّهُ النَّشَاطُ، وَأَنْشَدَ الشَّيْخُ أَبُو حَيَّانَ فِي ذَمِّ مَنْ يَنْتَمِي إلَى الْفَلَاسِفَةِ: [الْوَافِرُ]
وَمَا انْتَسَبُوا إلَى الْإِسْلَامِ إلَّا ... لِصَوْنِ دِمَائِهِمْ أَنْ لَا تُسَالَا
فَيَأْتُونَ الْمَنَاكِرَ فِي نَشَاطٍ ... وَيَأْتُونَ الصَّلَاةَ وَهُمْ كُسَالَى
(وَفَرَاغِ قَلْبٍ) مِنْ الشَّوَاغِلِ الدُّنْيَوِيَّةِ؛ لِأَنَّهُ أَعْوَنُ عَلَى الْخُضُوعِ وَالْخُشُوعِ، وَقَالَ الْقَاضِي حُسَيْنٌ: يُكْرَهُ أَنْ يُفَكِّرَ فِي صَلَاتِهِ فِي أَمْرٍ دُنْيَوِيٍّ أَوْ مَسْأَلَةٍ فِقْهِيَّةٍ.
أَمَّا التَّفَكُّرُ فِي أُمُورِ الْآخِرَةِ فَلَا بَأْسَ بِهِ.
وَأَمَّا فِيمَا يَقْرَؤُهُ فَمُسْتَحَبٌّ.
فَائِدَةٌ فِيهَا بُشْرَى: رَوَى ابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو مَرْفُوعًا «إنَّ الْعَبْدَ إذَا قَامَ يُصَلِّي أُتِيَ بِذُنُوبِهِ فَوُضِعَتْ عَلَى رَأْسِهِ أَوْ عَلَى عَاتِقِهِ فَكُلَّمَا رَكَعَ أَوْ سَجَدَ تَسَاقَطَتْ عَنْهُ: أَيْ: حَتَّى لَا يَبْقَى مِنْهَا شَيْءٌ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى» .
(وَ) يُسَنُّ (جَعْلُ يَدَيْهِ تَحْتَ صَدْرِهِ) وَفَوْقَ سُرَّتِهِ فِي قِيَامِهِ وَفِي بَدَلِهِ (آخِذًا بِيَمِينِهِ يَسَارَهُ) بِأَنْ يَقْبِضَ بِيَمِينِهِ كُوعَ يَسَارِهِ وَبَعْضَ سَاعِدِهَا وَرُسْغِهَا لِلِاتِّبَاعِ.
رَوَى بَعْضَهُ مُسْلِمٌ وَبَعْضَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ وَالْبَاقِي أَبُو دَاوُد، وَقِيلَ: يَتَخَيَّرُ بَيْنَ بَسْطِ أَصَابِعِ الْيُمْنَى فِي عَرْضِ الْمِفْصَلِ وَبَيْنَ نَشْرِهَا صَوْبَ السَّاعِدِ، وَالْأَصَحُّ كَمَا فِي الرَّوْضَةِ أَنْ يَحُطَّ يَدَيْهِ بَعْدَ التَّكْبِيرِ تَحْتَ صَدْرِهِ، وَقِيلَ: يُرْسِلُهُمَا ثُمَّ يَسْتَأْنِفُ نَقْلَهُمَا إلَى تَحْتِ صَدْرِهِ.
قَالَ الْإِمَامُ: وَالْقَصْدُ مِنْ الْقَبْضِ الْمَذْكُورِ تَسْكِينُ الْيَدَيْنِ، فَإِنْ أَرْسَلَهُمَا وَلَمْ يَعْبَثْ بِهِمَا فَلَا بَأْسَ كَمَا نَصَّ عَلَيْهِ فِي الْأُمِّ، وَالْكُوعُ هُوَ الْعَظْمُ الَّذِي يَلِي إبْهَامَ الْيَدِ وَالرُّسْغُ الْمِفْصَلُ بَيْنَ الْكَفِّ وَالسَّاعِدِ، وَأَمَّا الْبُوعُ فَهُوَ الْعَظْمُ الَّذِي يَلِي إبْهَامَ الرِّجْلِ كَمَا قَالَ بَعْضُهُمْ: [الطَّوِيلُ]
وَعَظْمٌ يَلِي الْإِبْهَامَ كُوعٌ وَمَا يَلِي ... لِخِنْصِرِهِ الْكُرْسُوعُ وَالرُّسْغُ فِي الْوَسَطِ
وَعَظْمٌ يَلِي إبْهَامَ رِجْلٍ مُلَقَّبٌ ... بِبُوعٍ فَخُذْ بِالْعِلْمِ وَاحْذَرْ مِنْ الْغَلَطِ.
(وَ) يُسَنُّ (الدُّعَاءُ فِي سُجُودِهِ) لِمَا رَوَى مُسْلِمٌ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «أَمَّا السُّجُودُ فَأَكْثِرُوا فِيهِ مِنْ الدُّعَاءِ فَقَمِنٌ: أَيْ: حَقِيقٌ أَنْ يُسْتَجَابَ لَكُمْ» وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ «أَقْرَبُ مَا يَكُونُ الْعَبْدُ مِنْ رَبِّهِ، وَهُوَ سَاجِدٌ فَأَكْثِرُوا الدُّعَاءَ» وَفِي لَفْظٍ: فَاجْتَهِدُوا فِي الدُّعَاءِ وَرَوَى الْحَاكِمُ عَنْ عَلِيٍّ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «الدُّعَاءُ سِلَاحُ الْمُؤْمِنِ وَعِمَادُ الدِّينِ وَنُورُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ» (1) وَفِيهِ عَنْ
وَأَنْ يَعْتَمِدَ فِي قِيَامِهِ مِنْ السُّجُودِ وَالْقُعُودِ عَلَى يَدَيْهِ.
وَتَطْوِيلُ قِرَاءَةِ الْأُولَى عَلَى الثَّانِيَةِ فِي الْأَصَحِّ.
وَالذِّكْرُ بَعْدَهَا
[مغني المحتاج]
ثَوْبَانَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: «لَا يَرُدُّ الْقَدَرَ إلَّا الدُّعَاءُ وَلَا يَزِيدُ فِي الْعُمْرِ إلَّا الْبِرُّ، وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيُحْرَمُ الرِّزْقَ بِالذَّنْبِ يُصِيبُهُ» (1) ، وَفِيهِ عَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا - " إنَّ الْبَلَاءَ لَيَنْزِلُ فَيَتَلَقَّاهُ الدُّعَاءُ فَيَعْتَلِجَانِ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ " وَرَوَى ابْنُ مَاجَهْ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - مَرْفُوعًا «مَنْ لَمْ يَسْأَلْ اللَّهَ يَغْضَبْ عَلَيْهِ» (2) وَيُبَالِغُ الْمُنْفَرِدُ فِي الدُّعَاءِ، وَمَأْثُورُ الدُّعَاءِ أَفْضَلُ، وَمِنْهُ «اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي ذَنْبِي كُلَّهُ، دِقَّهُ وَجِلَّهُ، أَوَّلَهُ وَآخِرَهُ، سِرَّهُ وَعَلَانِيَتَهُ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ (3) .
(وَ) يُسَنُّ (أَنْ يَعْتَمِدَ فِي قِيَامِهِ مِنْ السُّجُودِ وَالْقُعُودِ عَلَى يَدَيْهِ) ؛ لِأَنَّهُ أَشْبَهُ بِالتَّوَاضُعِ، وَأَعْوَنُ لِلْمُصَلِّي، وَلِثُبُوتِهِ فِي الصَّحِيحِ عَنْ فِعْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَكَيْفِيَّةُ الِاعْتِمَادِ أَنْ يَجْعَلَ بَطْنَ رَاحَتَيْهِ، وَبُطُونَ أَصَابِعِهِ عَلَى الْأَرْضِ وَسَوَاءٌ فِيهِ الْقَوِيُّ وَالضَّعِيفُ.
وَأَمَّا الْحَدِيثُ الَّذِي فِي الْوَسِيطِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ إذَا قَامَ مِنْ الصَّلَاةِ وَضَعَ يَدَهُ بِالْأَرْضِ كَمَا يَضَعُ الْعَاجِنُ» فَلَيْسَ بِصَحِيحٍ وَإِنْ صَحَّ حُمِلَ عَلَى ذَلِكَ، وَيَكُونُ الْمُرَادُ بِالْعَاجِنِ الشَّيْخَ الْكَبِيرَ لَا عَاجِنَ الْعَجِينِ كَمَا قِيلَ: [الطَّوِيلُ]
فَأَصْبَحْتُ كُنْتِيًّا وَأَصْبَحْتُ عَاجِنًا ... وَشَرُّ خِصَالِ الْمَرْءِ كُنْتُ وَعَاجِنُ.
(وَ) يُسَنُّ (تَطْوِيلُ قِرَاءَةِ) الرَّكْعَةِ (الْأُولَى عَلَى الثَّانِيَةِ فِي الْأَصَحِّ) لِلِاتِّبَاعِ فِي الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ رَوَاهُ الشَّيْخَانِ، وَفِي الصُّبْحِ، رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
وَيُقَاسُ غَيْرُ ذَلِكَ عَلَيْهِ، وَكَذَا يُطَوِّلُ الثَّالِثَةَ عَلَى الرَّابِعَةِ إذَا قَرَأَ السُّورَةَ فِيهِمَا كَالْأُولَى مَعَ الثَّانِيَةِ.
وَالثَّانِي أَنَّهُمَا سَوَاءٌ، وَرَجَّحَهُ الرَّافِعِيُّ وَنَقَلَهُ فِي زِيَادَةِ الرَّوْضَةِ عَنْ الْجُمْهُورِ وَنَصَّ عَلَيْهِ فِي الْأُمِّ، وَحَمَلُوا الْحَدِيثَ عَلَى أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَحَسَّ بِدَاخِلٍ، وَمَحَلُّ الْخِلَافِ فِيمَا لَا نَصَّ فِيهِ وَلَا مَصْلَحَةَ فِي خِلَافِهِ.
أَمَّا مَا فِيهِ نَصٌّ بِتَطْوِيلِ الْأُولَى كَصَلَاةِ الْكُسُوفِ وَالْقِرَاءَةِ بِالسَّجْدَةِ وَهَلْ أَتَى فِي صُبْحِ الْجُمُعَةِ أَوْ بِتَطْوِيلِ الثَّانِي كَسَبِّحْ وَهَلْ أَتَاكَ فِي صَلَاةِ الْجُمُعَةِ أَوْ الْعِيدِ فَيُتَّبَعُ أَوْ الْمَصْلَحَةُ فِي خِلَافِهِ كَصَلَاةِ ذَاتِ الرِّقَاعِ لِلْإِمَامِ فَيُسَنُّ لَهُ أَنْ يُخَفِّفَ فِي الْأُولَى، وَيُطِيلَ الثَّانِيَةَ حَتَّى تَأْتِيَ الْفِرْقَةُ الثَّانِيَةُ، وَيُسَنُّ لِلطَّائِفَتَيْنِ التَّخْفِيفُ فِي الثَّانِيَةِ لِئَلَّا يُطَوِّلَ فِي الِانْتِظَارِ وَيُطِيلَ الثَّانِيَةَ فِي مَسْأَلَةِ الزِّحَامِ لِيَلْحَقَهُ مُنْتَظِرُ السُّجُودِ.
(وَ) يُسَنُّ (الذِّكْرُ) وَالدُّعَاءُ (بَعْدَهَا) أَيْ: الصَّلَاةِ ثَبَتَ ذَلِكَ فِي الصَّحِيحَيْنِ بِأَنْوَاعٍ مِنْ الْأَذْكَارِ وَالْأَدْعِيَةِ، فَمِنْ ذَلِكَ حَدِيثُ ثَوْبَانَ قَالَ «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذَا انْصَرَفَ مِنْ صَلَاتِهِ اسْتَغْفَرَ اللَّهَ ثَلَاثًا، وَقَالَ: اللَّهُمَّ أَنْتَ السَّلَامُ وَمِنْكَ السَّلَامُ تَبَارَكْتَ يَا ذَا الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ»
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[مغني المحتاج]
قِيلَ لِلْأَوْزَاعِيِّ، وَهُوَ أَحَدُ رُوَاتِهِ كَيْفَ الِاسْتِغْفَارُ؟ قَالَ يَقُولُ: أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ، وَمِنْهَا مَا رَوَى مُسْلِمٌ عَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «مُعَقِّبَاتٌ لَا يَخِيبُ قَائِلُهُنَّ دُبُرَ كُلِّ صَلَاةٍ مَكْتُوبَةٍ، ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ تَسْبِيحَةً وَثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ تَحْمِيدَةً وَأَرْبَعًا وَثَلَاثِينَ تَكْبِيرَةً» (2) وَفِي رِوَايَةٍ «مَنْ سَبَّحَ اللَّهَ دُبُرَ كُلِّ صَلَاةٍ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ، وَحَمِدَ اللَّهَ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ، وَكَبَّرَ اللَّهَ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ ثُمَّ قَالَ تَمَامَ الْمِائَةِ: لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ غُفِرَتْ خَطَايَاهُ، وَإِنْ كَانَتْ مِثْلَ زَبَدِ الْبَحْرِ» .
(3) قَالَ الْمُصَنِّفُ: وَالْأَوْلَى الْجَمْعُ بَيْنَ الرِّوَايَتَيْنِ فَيُكَبِّرُ أَرْبَعًا وَثَلَاثِينَ، وَيَقُولُ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ إلَخْ، وَرُوِيَ «مَنْ قَالَ دُبُرَ صَلَاةِ الْفَجْرِ، وَهُوَ ثَانٍ رِجْلَهُ قَبْلَ أَنْ يَتَكَلَّمَ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ يُحْيِي وَيُمِيتُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ عَشْرَ مَرَّاتٍ كُتِبَ لَهُ عَشْرُ حَسَنَاتٍ وَمُحِيَ عَنْهُ عَشْرُ سَيِّئَاتٍ وَرُفِعَ لَهُ عَشْرُ دَرَجَاتٍ وَكَانَ فِي يَوْمِهِ ذَلِكَ فِي حِرْزٍ مِنْ الشَّيْطَانِ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
وَعَنْ أَبِي أُمَامَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «مَنْ قَرَأَ آيَةَ الْكُرْسِيِّ فِي دُبُرِ كُلِّ صَلَاةٍ مَكْتُوبَةٍ لَمْ يَمْنَعْهُ مِنْ دُخُولِ الْجَنَّةِ إلَّا أَنْ يَمُوتَ» رَوَاهُ النَّسَائِيُّ وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ.
وَالْأَحَادِيثُ فِي الْبَابِ كَثِيرَةٌ، وَيُسَنُّ أَنْ يَبْدَأَ مِنْ هَذِهِ الْأَذْكَارِ بِالِاسْتِغْفَارِ، «وَسُئِلَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَيُّ الدُّعَاءِ أَسْمَعُ؟ أَيْ: أَقْرَبُ إلَى الْإِجَابَةِ قَالَ جَوْفَ اللَّيْلِ وَدُبُرَ الصَّلَوَاتِ الْمَكْتُوبَاتِ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ.
وَقَدْ وَرَدَ فِي ذَلِكَ أَدْعِيَةٌ مَشْهُورَةٌ مِنْهَا مَا تَقَدَّمَ وَمِنْهَا مَا رَوَى أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَخَذَ بِيَدِ مُعَاذٍ وَقَالَ: يَا مُعَاذُ وَاَللَّهِ إنِّي أُحِبُّكَ وَأُوصِيكَ يَا مُعَاذُ لَا تَدَعَنَّ دُبُرَ كُلِّ صَلَاةٍ تَقُولُ: اللَّهُمَّ أَعِنِّي عَلَى ذِكْرِكَ وَشُكْرِكَ وَحُسْنِ عِبَادَتِكَ» وَيُسَنُّ الْإِسْرَارُ بِالذِّكْرِ وَالدُّعَاءِ إلَّا أَنْ يَكُونَ إمَامًا يُرِيدُ تَعْلِيمَ الْمَأْمُومِينَ فَيَجْهَرَ بِهِمَا فَإِذَا تَعْلَمُوا أَسَرَّ.
قَالَ فِي الْمَجْمُوعِ وَغَيْرِهِ: وَيُسْتَحَبُّ لِلْإِمَامِ أَنْ يُقْبِلَ عَلَيْهِمْ فِي الذِّكْرِ وَالدُّعَاءِ، وَالْأَفْضَلُ جَعْلُ يَمِينِهِ إلَيْهِمْ، وَيَسَارِهِ إلَى الْمِحْرَابِ، وَقِيلَ: عَكْسُهُ، وَقَالَ الصَّيْمَرِيُّ وَغَيْرُهُ: يَسْتَقْبِلُهُمْ بِوَجْهِهِ فِي الدُّعَاءِ، وَقَوْلُهُمْ: مِنْ أَدَبِ الدُّعَاءِ اسْتِقْبَالُ الْقِبْلَةِ مُرَادُهُمْ غَالِبًا لَا دَائِمًا، وَيُسَنُّ الْإِكْثَارُ مِنْ الذِّكْرِ وَالدُّعَاءِ.
قَالَ فِي الْمُهِمَّاتِ: وَقَيَّدَ الشَّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - اسْتِحْبَابَ إكْثَارِ الذِّكْرِ وَالدُّعَاءِ بِالْمُنْفَرِدِ وَالْمَأْمُومِ، نَقَلَهُ عَنْهُ فِي الْمَجْمُوعِ لَكِنْ لِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: يُسَنُّ لِلْإِمَامِ أَنْ يَخْتَصِرَ فِيهِمَا بِحَضْرَةِ الْمَأْمُومِينَ، فَإِذَا انْصَرَفُوا طَوَّلَ، وَهَذَا هُوَ الْحَقُّ.
اهـ. وَهُمْ لَا يَمْنَعُونَ ذَلِكَ.
فَائِدَةٌ: قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: خَاطَبَ اللَّهُ هَذِهِ الْأُمَّةَ بِقَوْلِهِ ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾ [البقرة: 152] [الْبَقَرَةُ] فَأَمَرَهُمْ أَنْ يَذْكُرُوهُ بِغَيْرِ وَاسِطَةٍ، وَخَاطَبَ بَنِي إسْرَائِيلَ بِقَوْلِهِ ﴿اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ﴾ [البقرة: 40] [الْبَقَرَةُ] ؛ لِأَنَّهُمْ لَمْ يَعْرِفُوا اللَّهَ إلَّا بِهَا.
فَأَمَرَهُمْ أَنْ يَتَصَوَّرُوا النِّعَمَ لِيَصِلُوا بِهَا إلَى ذِكْرِ الْمُنْعِمِ.
وَأَنْ يَنْتَقِلَ لِلنَّفْلِ مِنْ مَوْضِعِ فَرْضِهِ.
وَأَفْضَلُهُ إلَى بَيْتِهِ، وَإِذَا صَلَّى وَرَاءَهُمْ نِسَاءٌ مَكَثُوا حَتَّى يَنْصَرِفْنَ
وَأَنْ يَنْصَرِفَ فِي جِهَةِ حَاجَتِهِ، وَإِلَّا فَيَمِينَهُ.
وَتَنْقَضِي
[مغني المحتاج]
(وَ) يُسَنُّ (أَنْ يَنْتَقِلَ لِلنَّفْلِ) أَوْ الْفَرْضِ (مِنْ مَوْضِعِ فَرْضِهِ) أَوْ نَفْلِهِ لِتَكْثُرَ مَوَاضِعُ السُّجُودِ فَإِنَّهَا تَشْهَدُ لَهُ، وَلَوْ قَالَ: وَأَنْ يَنْتَقِلَ لِصَلَاةٍ مِنْ مَحَلٍّ إلَى آخَرَ لَكَانَ أَشْمَلَ وَأَخْصَرَ وَاسْتَغْنَى عَنْ التَّقْدِيرِ الْمَذْكُورِ، قَالَ فِي الْمَجْمُوعِ: فَإِنْ لَمْ يَنْتَقِلْ فَلْيَفْصِلْ بِكَلَامِ إنْسَانٍ.
قَالَ الشَّافِعِيُّ وَالْأَصْحَابُ: يُسْتَحَبُّ لِلْإِمَامِ إذَا سَلَّمَ أَنْ يَقُومَ مِنْ مُصَلَّاهُ عَقِبَ سَلَامِهِ إذَا لَمْ يَكُنْ خَلْفَهُ نِسَاءٌ.
قَالَ الْأَصْحَابُ: لِئَلَّا يَشُكَّ هُوَ أَوْ مَنْ خَلْفَهُ هَلْ سَلَّمَ أَوْ لَا وَلِئَلَّا يَدْخُلَ غَرِيبٌ فَيَظُنَّهُ بَعْدُ فِي صَلَاتِهِ فَيَقْتَدِيَ بِهِ.
اهـ.
قَالَ الْأَذْرَعِيُّ: وَالْعِلَّتَانِ يَنْتَفِيَانِ إذَا حَوَّلَ وَجْهَهُ إلَيْهِمْ أَوْ انْحَرَفَ عَنْ الْقِبْلَةِ.
اهـ.
وَيَنْبَغِي كَمَا بَحَثَهُ بَعْضُهُمْ أَنْ يَسْتَثْنِيَ مِنْ ذَلِكَ مَا إذَا قَعَدَ مَكَانَهُ يَذْكُرُ اللَّهَ بَعْدَ صَلَاةِ الصُّبْحِ إلَى أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ كَحِجَّةٍ وَعُمْرَةٍ تَامَّةٍ رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ عَنْ أَنَسٍ، أَمَّا إذَا كَانَ خَلْفَهُ نِسَاءٌ فَسَيَأْتِي.
(وَأَفْضَلُهُ) أَيْ: الِانْتِقَالِ لِلنَّفْلِ مِنْ مَوْضِعِ صَلَاتِهِ (إلَى بَيْتِهِ) لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «صَلُّوا أَيُّهَا النَّاسُ فِي بُيُوتِكُمْ فَإِنَّ أَفْضَلَ صَلَاةِ الْمَرْءِ فِي بَيْتِهِ إلَّا الْمَكْتُوبَةَ» رَوَاهُ الشَّيْخَانِ، وَسَوَاءٌ فِي هَذَا الْمَسْجِدُ الْحَرَامُ وَمَسْجِدُ الْمَدِينَةِ وَالْأَقْصَى وَغَيْرُهَا لِعُمُومِ الْحَدِيثِ، وَالْحِكْمَةُ فِيهِ بُعْدُهُ مِنْ الرِّيَاءِ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ كَثْرَةِ الثَّوَابِ التَّفْضِيلُ، وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ «إذَا قَضَى أَحَدُكُمْ صَلَاتَهُ فِي مَسْجِدِهِ فَلْيَجْعَلْ لِبَيْتِهِ نَصِيبًا مِنْ صَلَاتِهِ فَإِنَّ اللَّهَ جَاعِلٌ مِنْ صَلَاتِهِ خَيْرًا» وَالْمُرَادُ صَلَاةُ النَّافِلَةِ، وَرُوِيَ «اجْعَلُوا مِنْ صَلَاتِكُمْ فِي بُيُوتِكُمْ وَلَا تَتَّخِذُوهَا قُبُورًا» (1) وَرُوِيَ «مَثَلُ الْبَيْتِ الَّذِي يُذْكَرُ اللَّهُ فِيهِ، وَالْبَيْتُ الَّذِي لَا يُذْكَرُ اللَّهُ فِيهِ مَثَلُ الْحَيِّ وَالْمَيِّتِ» (2) وَاسْتُثْنِيَ مِنْ ذَلِكَ النَّافِلَةُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ لِفَضِيلَةِ الْبُكُورِ، وَرَكْعَتَا الطَّوَافِ، وَرَكْعَتَا الْإِحْرَامِ إذَا كَانَ فِي الْمِيقَاتِ مَسْجِدٌ، أَوْ خَافَ فَوْتَ الرَّاتِبَةِ لِضِيقِ وَقْتٍ، أَوْ بُعْدِ مَنْزِلِهِ، أَوْ خَافَ التَّهَاوُنَ بِتَأْخِيرِهَا، أَوْ كَانَ مُعْتَكِفًا وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ: إذَا أَخْفَى نَافِلَتَهُ فِي الْمَسْجِدِ كَانَ أَفْضَلَ مِنْ الْبَيْتِ، وَظَاهِرُ كَلَامِ الْأَصْحَابِ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَلَا بَيْنَ أَنْ يَكُونَ الْمَسْجِدُ مَهْجُورًا أَوْ لَا (وَإِذَا صَلَّى وَرَاءَهُمْ نِسَاءٌ مَكَثُوا) أَيْ: مَكَثَ الْإِمَامُ بَعْدَ سَلَامِهِ، وَمَكَثَ مَعَهُ الرِّجَالُ قَدْرًا يَسِيرًا يَذْكُرُونَ اللَّهَ تَعَالَى (حَتَّى يَنْصَرِفْنَ) وَيُسَنُّ لَهُنَّ أَنْ يَنْصَرِفْنَ عَقِبَ سَلَامِهِ لِلِاتِّبَاعِ فِي ذَلِكَ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، وَلِأَنَّ الِاخْتِلَاطَ بِهِنَّ مَظِنَّةُ الْفَسَادِ.
أَمَّا الْخَنَاثَى فَالْقِيَاسُ انْصِرَافُهُمْ فُرَادَى بَعْدَ النِّسَاءِ، وَقَبْلَ الرِّجَالِ.
(وَأَنْ يَنْصَرِفَ) الْمُصَلِّي بَعْدَ فَرَاغِهِ مِنْ صَلَاتِهِ (فِي جِهَةِ حَاجَتِهِ) أَيَّ جِهَةٍ كَانَتْ إنْ كَانَ لَهُ حَاجَةٌ (وَإِلَّا) بِأَنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ حَاجَةٌ أَوْ لَهُ حَاجَةٌ لَا فِي جِهَةٍ مُعَيَّنَةٍ (فَيَمِينَهُ) أَيْ: فَيَنْصَرِفُ فِي جِهَةِ يَمِينِهِ؛ لِأَنَّ التَّيَامُنَ مَحْبُوبٌ نَقَلَهُ فِي الْمَجْمُوعِ عَنْ النَّصِّ وَالْأَصْحَابِ.
لَكِنْ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ فِي الرِّيَاضِ أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ فِي الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ وَالصَّلَاةِ وَعِيَادَةِ الْمَرِيضِ وَسَائِرِ الْعِبَادَاتِ أَنْ يَذْهَبَ مِنْ طَرِيقٍ، وَيَرْجِعَ مِنْ أُخْرَى.
قَالَ
الْقُدْوَةُ بِسَلَامِ الْإِمَامِ فَلِلْمَأْمُومِ أَنْ يَشْتَغِلَ بِدُعَاءٍ وَنَحْوِهِ ثُمَّ يُسَلِّمَ، وَلَوْ اقْتَصَرَ إمَامُهُ عَلَى تَسْلِيمَةٍ سَلَّمَ ثِنْتَيْنِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
بَابٌ شُرُوطُ الصَّلَاةِ خَمْسَةٌ:
[مغني المحتاج]
الْإِسْنَوِيُّ: وَبَيْنَ الْكَلَامَيْنِ تَنَافٍ، وَقَدْ يُقَالُ: إنَّهُ لَا تَنَافِيَ، وَيُحْمَلُ قَوْلُهُمْ: أَنَّهُ يَرْجِعُ فِي جِهَةِ يَمِينِهِ إذَا لَمْ يُرِدْ أَنْ يَرْجِعَ فِي طَرِيقٍ أُخْرَى أَوْ وَافَقَتْ جِهَةَ يَمِينِهِ، وَإِلَّا فَالطَّرِيقُ الْأُخْرَى أَوْلَى لِتَشْهَدَ لَهُ الطَّرِيقَانِ، وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ أَنَّهُ لَا يُكْرَهُ أَنْ يُقَالَ: انْصَرَفْنَا مِنْ الصَّلَاةِ، وَهُوَ كَذَلِكَ، فَقَدْ نَقَلَ ابْنُ عَدِيٍّ فِي كَامِلِهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ إذَا انْصَرَفَ مِنْ الصَّلَاةِ قَالَ: اللَّهُمَّ بِحَمْدِكَ انْصَرَفْتُ وَبِذَنْبِي اعْتَرَفْتُ وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ مَا اقْتَرَفْتُ» ، وَإِنْ أَسْنَدَ الطَّبَرِيُّ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ يُكْرَهُ ذَلِكَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ثُمَّ انْصَرَفُوا صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ [التوبة: 127] [التَّوْبَةُ] .
(وَتَنْقَضِي الْقُدْوَةُ بِسَلَامِ الْإِمَامِ) التَّسْلِيمَةَ الْأُولَى لِخُرُوجِهِ مِنْ الصَّلَاةِ بِهَا، فَلَوْ سَلَّمَ الْمَأْمُومُ قَبْلَهَا عَامِدًا بِلَا نِيَّةِ مُفَارَقَةٍ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ، وَلَا تَضُرُّ مُقَارَنَتُهُ كَبَقِيَّةِ الْأَذْكَارِ، وَفَارَقَ تَكْبِيرَةَ الْإِحْرَامِ بِأَنَّهُ لَا يَصِيرُ فِي الصَّلَاةِ حَتَّى يَفْرُغَ مِنْهَا، فَلَا يَرْبِطُ صَلَاتَهُ بِمَنْ لَيْسَ فِي صَلَاةٍ، وَيُسَنُّ لِلْمَأْمُومِ أَنْ لَا يُسَلِّمَ الْأُولَى إلَّا بَعْدَ تَسْلِيمَتَيْ الْإِمَامِ كَمَا فِي التَّحْقِيقِ وَالْمَجْمُوعِ (فَلِلْمَأْمُومِ) الْمُوَافِقِ (أَنْ يَشْتَغِلَ بِدُعَاءٍ وَنَحْوِهِ) لِانْفِرَادِهِ فَلَا يَتَحَمَّلُ عَنْهُ الْإِمَامُ سُجُودَ السَّهْوِ حِينَئِذٍ فَيَسْجُدُ (ثُمَّ يُسَلِّمُ) وَلَهُ أَنْ يُسَلِّمَ فِي الْحَالِ.
أَمَّا الْمَسْبُوقُ فَيَلْزَمُهُ الْقِيَامُ عَقِبَ التَّسْلِيمَتَيْنِ إنْ لَمْ يَكُنْ جُلُوسُهُ مَعَ الْإِمَامِ مَحَلَّ تَشَهُّدِهِ، فَإِنْ مَكَثَ عَامِدًا عَالِمًا بِالتَّحْرِيمِ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ أَوْ نَاسِيًا أَوْ جَاهِلًا لَمْ تَبْطُلْ، فَإِنْ كَانَ مَحَلَّ تَشَهُّدِهِ لَمْ يَلْزَمْهُ ذَلِكَ، وَلَكِنْ يُكْرَهُ لَهُ تَطْوِيلُهُ كَمَا مَرَّ (وَلَوْ اقْتَصَرَ إمَامُهُ عَلَى تَسْلِيمَةٍ سَلَّمَ) (هُوَ ثِنْتَيْنِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ) لِإِحْرَازِ فَضِيلَةِ الثَّانِيَةِ وَلِزَوَالِ الْمُتَابَعَةِ بِالْأُولَى بِخِلَافِ التَّشَهُّدِ الْأَوَّلِ مَثَلًا لَوْ تَرَكَهُ إمَامُهُ لَا يَأْتِي بِهِ لِوُجُوبِ مُتَابَعَتِهِ.
خَاتِمَةٌ: سُئِلَ الشَّيْخُ عِزُّ الدِّينِ هَلْ يُكْرَهُ أَنْ يَسْأَلَ اللَّهَ بِعَظِيمٍ مِنْ خَلْقِهِ كَالنَّبِيِّ وَالْمَلَكِ وَالْوَلِيِّ؟ فَأَجَابَ بِأَنَّهُ جَاءَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ عَلَّمَ بَعْضَ النَّاسِ: اللَّهُمَّ إنِّي أُقْسِمُ عَلَيْكَ بِنَبِيِّكَ مُحَمَّدٍ نَبِيِّ الرَّحْمَةِ إلَخْ فَإِنْ صَحَّ فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ مَقْصُورًا عَلَيْهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - لِأَنَّهُ سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ، وَلَا يُقْسَمُ عَلَى اللَّهِ بِغَيْرِهِ مِنْ الْأَنْبِيَاءِ وَالْمَلَائِكَةِ؛ لِأَنَّهُمْ لَيْسُوا فِي دَرَجَتِهِ، وَيَكُونُ هَذَا مِنْ خَوَاصِّهِ.
اهـ. وَالْمَشْهُورُ أَنَّهُ لَا يُكْرَهُ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ.
[بَابٌ شُرُوطِ الصَّلَاةِ وَمَوَانِعِهَا]
بَابٌ بِالتَّنْوِينِ مُشْتَمِلٌ عَلَى شُرُوطِ الصَّلَاةِ وَمَوَانِعِهَا، وَقَدْ شَرَعَ فِي الْقِسْمِ الْأَوَّلِ فَقَالَ (شُرُوطُ الصَّلَاةِ خَمْسَةٌ) وَالشُّرُوطُ جَمْعُ شَرْطٍ بِسُكُونِ الرَّاءِ، وَهُوَ لُغَةً الْعَلَامَةُ، وَمِنْهُ أَشْرَاطُ السَّاعَةِ: أَيْ: عَلَامَاتُهَا، هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ، وَإِنْ قَالَ شَيْخُنَا: الشَّرْطُ بِالسُّكُونِ: إلْزَامُ الشَّيْءِ وَالْتِزَامُهُ، لَا الْعَلَامَةُ وَإِنْ
مَعْرِفَةُ الْوَقْتِ، وَالِاسْتِقْبَالُ.
وَسَتْرُ الْعَوْرَةِ.
[مغني المحتاج]
عَبَّرَ بِهِ بَعْضُهُمْ فَإِنَّهَا إنَّمَا هِيَ مَعْنَى الشَّرْطِ بِالْفَتْحِ.
اهـ.
فَإِنَّ هَذَا مِنْ تَفَرُّدَاتِهِ، وَاصْطِلَاحًا: مَا يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِهِ الْعَدَمُ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ وُجُودِهِ وُجُودٌ، وَلَا عَدَمٌ لِذَاتِهِ، وَالْمَانِعُ لُغَةً الْحَائِلُ، وَاصْطِلَاحًا: مَا يَلْزَمُ مِنْ وُجُودِهِ الْعَدَمُ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِهِ وُجُودٌ، وَلَا عَدَمٌ لِذَاتِهِ كَالْكَلَامِ فِيهَا عَمْدًا.
فَإِنْ قِيلَ: قَدْ تَقَدَّمَ أَوَّلَ الْبَابِ الْمَاضِي أَنَّ الشَّرْطَ هُوَ الَّذِي يَتَقَدَّمُ عَلَى الصَّلَاةِ، وَيَجِبُ اسْتِمْرَارُهُ فِيهَا وَالرُّكْنُ مَا تَشْتَمِلُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ، فَكَانَ الْأَوْلَى تَقْدِيمَ هَذَا الْبَابِ عَلَى الْبَابِ الَّذِي قَبْلَهُ.
أُجِيبَ بِأَنَّهُ لَمَّا اشْتَمَلَ عَلَى مَوَانِعِهَا، وَهِيَ لَا تَكُونُ إلَّا بَعْدَ انْعِقَادِهَا نَاسَبَ تَأَخُّرَهُ.
فَإِنْ قِيلَ: مِنْ شُرُوطِهَا أَيْضًا الْإِسْلَامُ وَالتَّمْيِيزُ وَالْعِلْمُ بِفَرْضِيَّتِهَا، وَبِكَيْفِيَّتِهَا، وَتَمْيِيزُ فَرَائِضِهَا مِنْ سُنَنِهَا فَلِمَ لَمْ يَعُدَّهَا؟ .
أُجِيبَ بِأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِشَرْطٍ مُخْتَصٍّ بِالصَّلَاةِ، فَلَوْ جَهِلَ كَوْنَ أَصْلِ الصَّلَاةِ أَوْ صَلَاتِهِ الَّتِي شَرَعَ فِيهَا أَوْ الْوُضُوءِ أَوْ الطَّوَافِ أَوْ الصَّوْمِ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ فَرْضًا أَوْ عَلِمَ فِيهَا فَرَائِضَ وَسُنَنًا وَلَمْ يُمَيِّزْ بَيْنَهُمَا لَمْ يَصِحَّ مَا فَعَلَهُ لِتَرْكِهِ مَعْرِفَةَ التَّمْيِيزِ الْوَاجِبَةِ، وَنُقِلَ عَنْ الْغَزَالِيِّ أَنَّ مَنْ لَمْ يُمَيِّزْ مِنْ الْعَامَّةِ فَرْضَ الصَّلَاةِ أَيْ: أَوْ غَيْرَهَا مِنْ سُنَنِهَا تَصِحُّ صَلَاتُهُ، أَيْ: وَكَذَا غَيْرُهَا مِنْ الْعِبَادَاتِ بِشَرْطِ أَنْ لَا يَقْصِدَ النَّفَلَ بِالْفَرْضِ، وَصَحَّحَهُ الْمُصَنِّفُ فِي مَجْمُوعِهِ.
قَالَ فِي الْمُهِمَّاتِ: وَتَقَيُّدُهُ بِالْعَامِّيِّ يُفْهِمُ أَنَّ الْعَالِمَ إنْ لَمْ يُمَيِّزْ بِقَصْدِهِ الْفَرْضَ مِنْ السُّنَّةِ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ، وَهُوَ مَا فِي فَتَاوَى الْإِمَامِ وَفِيهِ نَظَرٌ، وَالظَّاهِرُ الصِّحَّةُ فَلَا يُعْتَبَرُ إلَّا أَنْ لَا يَقْصِدَ بِفَرْضٍ نَفْلًا.
اهـ.
بَلْ الظَّاهِرُ مَا فِي فَتَاوَى الْإِمَامِ، وَلَوْ اعْتَقَدَ عَامِّيٌّ أَوْ غَيْرُهُ أَنَّ جَمِيعَ أَفْعَالِهَا فَرْضٌ صَحَّتْ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ أَكْثَرُ مِنْ أَنَّهُ أَدَّى سُنَّةً بِاعْتِقَادِ الْفَرْضِ، وَذَلِكَ لَا يَضُرُّ.
أَوَّلُ الْخَمْسَةِ (مَعْرِفَةُ) دُخُولِ (الْوَقْتِ) يَقِينًا أَوْ ظَنًّا بِالِاجْتِهَادِ كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ كَلَامُهُ فِي الْمَجْمُوعِ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ مَدْلُولَ الْمَعْرِفَةِ الَّذِي هُوَ الْعِلْمُ بِمَعْنَى الْيَقِينِ لِيَخْرُجَ الظَّنُّ: فَمَنْ صَلَّى بِدُونِهَا لَمْ تَصِحَّ صَلَاتُهُ وَإِنْ وَقَعَتْ فِي الْوَقْتِ (وَ) ثَانِيهَا (الِاسْتِقْبَالُ) وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُهُمَا فِي كِتَابِ الصَّلَاةِ.
(وَ) ثَالِثُهَا (سَتْرُ الْعَوْرَةِ) عَنْ الْعُيُونِ، وَلَوْ كَانَ خَالِيًا فِي ظُلْمَةٍ عِنْدَ الْقُدْرَةِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف: 31] [الْأَعْرَافُ] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: الْمُرَادُ بِهِ الثِّيَابُ فِي الصَّلَاةِ، وَلِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَا يَقْبَلُ اللَّهُ صَلَاةَ حَائِضٍ إلَّا بِخِمَارٍ» (1) رَوَاهُ الْحَاكِمُ، وَقَالَ: إنَّهُ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ.
وَالْمُرَادُ بِالْحَائِضِ: الْبَالِغُ الَّتِي بَلَغَتْ سِنَّ الْحَيْضِ؛ لِأَنَّ الْحَائِضَ فِي زَمَنِ حَيْضِهَا لَا تَصِحُّ صَلَاتُهَا بِخِمَارٍ، وَلَا غَيْرِهِ، فَإِنْ عَجَزَ وَجَبَ أَنْ يُصَلِّيَ عَارِيًّا، وَيُتِمَّ رُكُوعَهُ وَسُجُودَهُ، وَلَا إعَادَةَ عَلَيْهِ فِي الْأَصَحِّ، وَقِيلَ: يُومِئُ بِهِمَا وَيُعِيدُ، وَقِيلَ: يَتَخَيَّرُ بَيْنَ الْإِيمَاءِ وَالْإِتْمَامِ.
فَإِنْ قِيلَ: مَا الْحِكْمَةُ فِي السُّتْرَةِ فِي الصَّلَاةِ؟ .
أُجِيبَ بِأَنَّ مُرِيدَ التَّمَثُّلِ بَيْنَ يَدَيْ كَبِيرٍ يَتَجَمَّلُ بِالسَّتْرِ وَالتَّطْهِيرِ وَالْمُصَلِّي يُرِيدُ التَّمَثُّلَ بَيْنَ يَدَيْ مَلِكِ الْمُلُوكِ، فَالتَّجَمُّلُ لَهُ بِذَلِكَ أَوْلَى، وَيَجِبُ سَتْرُ الْعَوْرَةِ فِي غَيْرِ الصَّلَاةِ أَيْضًا، وَلَوْ فِي الْخَلْوَةِ إلَّا لِحَاجَةٍ كَاغْتِسَالٍ.
وَقَالَ صَاحِبُ الذَّخَائِرِ: يَجُوزُ كَشْفُ الْعَوْرَةِ فِي الْخَلْوَةِ لِأَدْنَى غَرَضٍ، وَلَا يُشْتَرَطُ حُصُولُ الْحَاجَةِ.
قَالَ: وَمِنْ الْأَغْرَاضِ كَشْفُ الْعَوْرَةِ لِلتَّبْرِيدِ وَصِيَانَةُ الثَّوْبِ
وَعَوْرَةُ الرَّجُلِ مَا بَيْنَ سُرَّتِهِ، وَرُكْبَتِهِ، وَكَذَا الْأَمَةُ فِي الْأَصَحِّ، وَالْحَرَّةُ مَا سِوَى الْوَجْهِ وَالْكَفَّيْنِ.
[مغني المحتاج]
مِنْ الْأَدْنَاسِ وَالْغُبَارِ عِنْدَ كَنْسِ الْبَيْتِ وَغَيْرِهِ، وَإِنَّمَا وَجَبَ السَّتْرُ فِي الْخَلْوَةِ لِإِطْلَاقِ الْأَمْرِ بِالسُّتْرَةِ، وَلِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَحَقُّ أَنْ يُسْتَحْيَا مِنْهُ.
فَإِنْ قِيلَ: مَا فَائِدَةُ السَّتْرِ فِي الْخَلْوَةِ مَعَ أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى لَا يُحْجَبُ عَنْ بَصَرِهِ شَيْءٌ؟ .
أُجِيبَ بِأَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى يَرَى عَبْدَهُ الْمَسْتُورَ مُتَأَدِّبًا دُونَ غَيْرِهِ، وَلَا يَجِبُ سَتْرُ عَوْرَتِهِ عَنْ نَفْسِهِ بَلْ يُكْرَهُ نَظَرُهُ إلَيْهَا مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ.
وَالْعَوْرَةُ لُغَةً النُّقْصَانُ وَالشَّيْءُ الْمُسْتَقْبَحُ، وَسُمِّيَ الْمِقْدَارُ الْآتِي بَيَانُهُ بِذَلِكَ لِقُبْحِ ظُهُورِهِ، وَالْعَوْرَةُ تُطْلَقُ عَلَى مَا يَجِبُ سَتْرُهُ فِي الصَّلَاةِ، وَهُوَ الْمُرَادُ هُنَا، وَعَلَى مَا يَحْرُمُ النَّظَرُ إلَيْهِ، وَسَيَأْتِي إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فِي النِّكَاحِ.
(وَعَوْرَةُ الرَّجُلِ) أَيْ: الذَّكَرِ وَلَوْ عَبْدًا أَوْ كَافِرًا أَوْ صَبِيًّا وَلَوْ غَيْرَ مُمَيِّزٍ وَتَظْهَرُ فَائِدَتُهُ فِي الطَّوَافِ إذَا أَحْرَمَ عَنْهُ وَلِيُّهُ (مَا بَيْنَ سُرَّتِهِ وَرُكْبَتِهِ) لِمَا رَوَى الْحَارِثُ بْنُ أَبِي أُسَامَةَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «عَوْرَةُ الْمُؤْمِنِ مَا بَيْنَ سُرَّتِهِ إلَى رُكْبَتِهِ» (1) . وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ «وَإِذَا زَوَّجَ أَحَدُكُمْ أَمَتَهُ عَبْدَهُ أَوْ أَجِيرَهُ فَلَا تَنْظُرُ: أَيْ: الْأَمَةُ إلَى عَوْرَتِهِ» (2) وَالْعَوْرَةُ مَا بَيْنَ السُّرَّةِ وَالرُّكْبَةِ (وَكَذَا الْأَمَةُ) وَلَوْ مُدَبَّرَةً وَمُكَاتَبَةً وَمُسْتَوْلَدَةً وَمُبَعَّضَةً عَوْرَتُهَا مَا بَيْنَ السُّرَّةِ وَالرُّكْبَةِ (فِي الْأَصَحِّ) إلْحَاقًا لَهَا بِالرَّجُلِ بِجَامِعِ أَنَّ رَأْسَ كُلٍّ مِنْهُمَا لَيْسَ بِعَوْرَةٍ.
وَالثَّانِي عَوْرَتُهَا كَالْحُرَّةِ إلَّا رَأْسَهَا: أَيْ: عَوْرَتُهَا مَا عَدَا الْوَجْهَ وَالْكَفَّيْنِ وَالرَّأْسَ.
وَالثَّالِثُ عَوْرَتُهَا مَا لَا يَبْدُو مِنْهَا فِي حَالِ خِدْمَتِهَا، بِخِلَافِ مَا يَبْدُو كَالرَّأْسِ وَالرَّقَبَةِ وَالسَّاعِدِ وَطَرَفِ السَّاقِ، وَخَرَجَ بِذَلِكَ السُّرَّةُ وَالرُّكْبَةُ فَلَيْسَا مِنْ الْعَوْرَةِ عَلَى الْأَصَحِّ، وَقِيلَ: الرُّكْبَةُ مِنْهَا دُونَ السُّرَّةِ، وَقِيلَ: عَكْسُهُ: وَقِيلَ: السَّوْأَتَانِ فَقَطْ، وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَجَمَاعَةٌ.
فَائِدَةٌ: السُّرَّةُ: مَوْضِعُ الَّذِي يُقْطَعُ مِنْ الْمَوْلُودِ، وَالسُّرُّ مَا يُقْطَعُ مِنْ سُرَّتِهِ، وَلَا يُقَالُ لَهُ سُرَّةٌ، لِأَنَّ السُّرَّةَ لَا تُقْطَعُ، وَجَمْعُ السُّرَّةِ سُرَرٌ وَسُرَّاتٌ، وَالرُّكْبَةُ مَوْصِلُ مَا بَيْنَ أَطْرَافِ الْفَخِذِ وَأَعَالِي السَّاقِ، وَالْجَمْعُ رُكَبٌ، وَكُلُّ حَيَوَانٍ ذِي أَرْبَعٍ رُكْبَتَاهُ فِي يَدَيْهِ وَعُرْقُوبَاهُ فِي رِجْلَيْهِ (وَ) عَوْرَةُ (الْحُرَّةِ مَا سِوَى الْوَجْهِ وَالْكَفَّيْنِ) ظَهْرِهِمَا وَبَطْنِهِمَا مِنْ رُءُوسِ الْأَصَابِعِ إلَى الْكُوعَيْنِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ [النور: 31] [النُّورُ] . قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَعَائِشَةُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ -: هُوَ الْوَجْهُ وَالْكَفَّانِ، وَفِي قَوْلٍ أَوْ وَجْهٍ أَنَّ بَاطِنَ قَدَمَيْهَا لَيْسَ بِعَوْرَةٍ.
وَقَالَ الْمُزَنِيّ: لَيْسَ الْقَدَمَانِ عَوْرَةً، وَالْخُنْثَى كَالْأُنْثَى رِقًّا وَحُرِّيَّةً، فَإِنْ اقْتَصَرَ الْحُرُّ عَلَى سَتْرِ مَا بَيْنَ سُرَّتِهِ وَرُكْبَتِهِ لَمْ تَصِحَّ صَلَاتُهُ عَلَى الْأَصَحِّ فِي الرَّوْضَةِ وَالْأَفْقَهُ فِي الْمَجْمُوعِ لِلشَّكِّ فِي السَّتْرِ وَصَحَّحَ فِي التَّحْقِيقِ الصِّحَّةَ، وَنَقَلَ فِي الْمَجْمُوعِ فِي نَوَاقِضِ الْوُضُوءِ عَنْ الْبَغَوِيِّ وَكَثِيرٌ الْقَطْعُ بِهِ لِلشَّكِّ فِي عَوْرَتِهِ.
وَقَالَ الْإِسْنَوِيُّ وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى، وَعَلَى الْأَوَّلِ يَجِبُ الْقَضَاءُ وَإِنْ بَانَ ذَكَرًا
وَشَرْطُهُ مَا مَنَعَ إدْرَاكَ لَوْنِ الْبَشَرَةِ، وَلَوْ طِينٌ وَمَاءٌ كَدِرٌ، وَالْأَصَحُّ وُجُوبُ التَّطَيُّنِ عَلَى فَاقِدِ الثَّوْبِ، وَيَجِبُ سَتْرُ أَعْلَاهُ وَجَوَانِبِهِ لَا أَسْفَلِهِ، فَلَوْ رُئِيَتْ عَوْرَتُهُ مِنْ جَيْبِهِ فِي رُكُوعٍ أَوْ غَيْرِهِ لَمْ يَكْفِ فَلْيُزِرَّهُ، أَوْ يَشُدَّ وَسَطَهُ،
[مغني المحتاج]
لِلشَّكِّ حَالَ الصَّلَاةِ، وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: إذَا دَخَلَ فِي الصَّلَاةِ مُقْتَصِرًا عَلَى ذَلِكَ لَمْ تَصِحَّ صَلَاتُهُ لِلشَّكِّ فِي الِانْعِقَادِ، وَإِنْ دَخَلَ مَسْتُورًا كَالْحُرَّةِ وَانْكَشَفَ شَيْءٌ مِنْ غَيْرِ مَا بَيْنَ السُّرَّةِ وَالرُّكْبَةِ لَمْ يَضُرَّ لِلشَّكِّ فِي الْبُطْلَانِ نَظِيرَ مَا قَالُوهُ فِي صَلَاةِ الْجُمُعَةِ إنَّ الْعَدَدَ لَوْ كَمَلَ بِخُنْثَى لَمْ تَنْعَقِدْ الْجُمُعَةُ لِلشَّكِّ فِي الِانْعِقَادِ، وَإِنْ انْعَقَدَتْ الْجُمُعَةُ بِالْعَدَدِ الْمُعْتَبَرِ، وَهُنَاكَ خُنْثَى زَائِدٌ عَلَيْهِ ثُمَّ بَطَلَتْ صَلَاةُ وَاحِدٍ مِنْهُمْ، وَكَمَلَ الْعَدَدُ بِالْخُنْثَى لَمْ تَبْطُلْ الصَّلَاةُ لِأَنَّا تَيَقَّنَّا الِانْعِقَادَ وَشَكَكْنَا فِي الْبُطْلَانِ.
(وَشَرْطُهُ) أَيْ: السَّاتِرِ (مَا) أَيْ: جَزَمَ (مَنَعَ إدْرَاكَ لَوْنِ الْبَشَرَةِ) لَا حَجْمِهَا فَلَا يَكْفِي ثَوْبٌ رَقِيقٌ وَلَا مُهَلْهَلٌ لَا يَمْنَعُ إدْرَاكَ اللَّوْنِ وَلَا زُجَاجٌ يَحْكِي اللَّوْنَ لِأَنَّ مَقْصُودَ السَّتْرِ لَا يَحْصُلُ بِذَلِكَ.
أَمَّا إدْرَاكُ الْحَجْمِ فَلَا يَضُرُّ لَكِنَّهُ لِلْمَرْأَةِ مَكْرُوهٌ وَلِلرَّجُلِ خِلَافُ الْأُولَى.
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ وَغَيْرُهُ: فَإِنْ قِيلَ يُرَدُّ عَلَى عِبَارَتِهِ الظُّلْمَةُ فَإِنَّهَا مَانِعَةٌ مِنْ الْإِدْرَاكِ، وَلَطْخُ الْعَوْرَةِ بِنَحْوِ حِبْرٍ كَحِنَّاءٍ.
أُجِيبَ بِأَنَّ مُرَادَهُ مَا قَدَّرْتُهُ، إذْ الْكَلَامُ فِي السَّاتِرِ وَمَا ذُكِرَ لَا يُسَمَّى سَاتِرًا بَلْ غَيْرُ الظُّلْمَةِ يُسَمَّى مُغَيِّرًا (وَلَوْ) هُوَ (طِينٌ) أَوْ حَشِيشٌ أَوْ وَرَقٌ (وَمَاءٌ كَدِرٌ) أَوْ نَحْوُ ذَلِكَ كَمَاءٍ صَافٍ مُتَرَاكِمٍ بِخُضْرَةٍ لَمَنَعَ مَا ذَكَرَ الْإِدْرَاكَ، وَصُورَةُ الصَّلَاةِ فِي الْمَاءِ أَنْ يُصَلِّيَ عَلَى جِنَازَةٍ أَوْ يُمْكِنَهُ السُّجُودُ فِيهِ.
قَالَ فِي الْمَجْمُوعِ عَنْ الدَّارِمِيِّ: وَلَوْ قَدَرَ عَلَى أَنْ يُصَلِّيَ فِيهِ، وَيَسْجُدَ عَلَى الشَّطِّ لَمْ يَلْزَمْهُ: أَيْ: لِمَا فِيهِ مِنْ الْحَرَجِ (وَالْأَصَحُّ وُجُوبُ التَّطَيُّنِ عَلَى فَاقِدِ الثَّوْبِ) وَنَحْوِهِ وَلَوْ لِمَنْ هُوَ خَارِجَ الصَّلَاةِ خِلَافًا لِبَعْضِ الْمُتَأَخِّرِينَ لِقُدْرَتِهِ عَلَى السَّتْرِ، وَالثَّانِي لَا لِلْمَشَقَّةِ وَالتَّلْوِيثِ (وَيَجِبُ سَتْرُ أَعْلَاهُ) أَيْ: السَّاتِرِ (وَجَوَانِبِهِ) لِلْعَوْرَةِ (لَا أَسْفَلِهِ) لَهَا، وَلَوْ كَانَ الْمُصَلِّي امْرَأَةً، فَسَتْرٌ مَصْدَرٌ مُضَافٌ إلَى فَاعِلِهِ لِتَذْكِيرِ الضَّمِيرِ فِي قَوْلِهِ " أَعْلَاهُ " وَجَوَانِبِهِ وَأَسْفَلِهِ، وَلَوْ كَانَ مُضَافًا إلَى مَفْعُولِهِ لَأَنَّثَهَا، فَقَالَ: وَيَجِبُ سَتْرُ أَعْلَاهَا إلَخْ (فَلَوْ رُئِيَتْ عَوْرَتُهُ) أَيْ: الْمُصَلِّي ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى أَوْ خُنْثَى، سَوَاءٌ كَانَ الرَّائِي لَهَا هُوَ كَمَا فِي فَتَاوَى الْمُصَنِّفِ الْغَيْرِ الْمَشْهُورَةِ أَمْ غَيْرَهُ (مِنْ جَيْبِهِ) أَيْ: طَوْقِ قَمِيصِهِ لِسَعَتِهِ (فِي رُكُوعٍ أَوْ غَيْرِهِ لَمْ يَكْفِ) السَّتْرُ بِهَذَا الْقَمِيصِ (فَلْيَزُرَّهُ) بِإِسْكَانِ اللَّامِ وَكَسْرِهَا وَضَمِّ الرَّاءِ عَلَى الْأَحْسَنِ، وَيَجُوزُ فَتْحُهَا وَكَسْرُهَا (أَوْ يَشُدَّ) بِفَتْحِ الدَّالِ فِي الْأَحْسَنِ، وَيَجُوزُ الضَّمُّ وَالْكَسْرُ (وَسَطَهُ) بِفَتْحِ السِّينِ عَلَى الْأَفْصَحِ، وَيَجُوزُ إسْكَانُهَا حَتَّى لَا تُرَى عَوْرَتُهُ مِنْهُ، وَلَوْ سَتَرَ بِلِحْيَتِهِ أَوْ بِشَعْرِ رَأْسِهِ كَفَى لِحُصُولِ الْمَقْصُودِ، بِذَلِكَ، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ انْعَقَدَتْ صَلَاتُهُ ثُمَّ تَبْطُلُ عِنْدَ وُجُودِ الْمُفْسِدِ، وَفَائِدَتُهُ فِي الِاقْتِدَاءِ بِهِ وَفِيمَا إذَا أُلْقِيَ عَلَيْهِ شَيْءٌ بَعْدَ إحْرَامِهِ، وَقِيلَ: لَا تَنْعَقِدُ بِالْكُلِّيَّةِ، وَالْجَيْبُ هُوَ الْمَنْفَذُ الَّذِي يَدْخُلُ فِيهِ الرَّأْسُ كَمَا مَرَّتْ الْإِشَارَةُ إلَيْهِ، وَلَوْ رُئِيَتْ عَوْرَتُهُ مِنْ ذَيْلِهِ كَأَنْ كَانَ فِي عُلْوٍ وَالرَّائِي فِي سُفْلٍ لَمْ يَضُرَّ ذَلِكَ، وَمَعْنَى رُئِيَتْ عَوْرَتُهُ كَانَتْ بِحَيْثُ تُرَى، وَلَيْسَ الْمُرَادُ رُئِيَتْ بِالْفِعْلِ، وَلَوْ وَقَفَ مَثَلًا فِي خَابِيَةٍ أَوْ حُفْرَةٍ ضَيِّقَيْ
وَلَهُ سَتْرُ بَعْضِهَا بِيَدِهِ فِي الْأَصَحِّ، فَإِنْ وَجَدَ كَافِيَ سَوْأَتَيْهِ تَعَيَّنَ لَهُمَا، أَوْ أَحَدِهِمَا فَقُبُلَهُ وَقِيلَ: دُبُرَهُ، وَقِيلَ: يَتَخَيَّرُ.
[مغني المحتاج]
الرَّأْسِ يَسْتُرَانِ الْوَاقِفَ فِيهِمَا جَازَ لِحُصُولِ الْمَقْصُودِ بِذَلِكَ، وَشَرْطُ السَّاتِرِ أَنْ يَشْمَلَ الْمَسْتُورَ لُبْسًا وَنَحْوَهُ فَلَا تَكْفِي الْخَيْمَةُ الضَّيِّقَةُ وَنَحْوُهَا (وَلَهُ سَتْرُ بَعْضِهَا) أَيْ: عَوْرَتِهِ مِنْ غَيْرِ السَّوْأَةِ أَوْ مِنْهَا بِلَا مَسٍّ نَاقِضٍ (بِيَدِهِ فِي الْأَصَحِّ) لِحُصُولِ الْمَقْصُودِ.
وَالثَّانِي: لَا لِأَنَّ بَعْضَهُ لَا يُعَدُّ سَاتِرًا لَهُ.
أَمَّا بِيَدِ غَيْرِهِ فَيَكْفِي قَطْعًا وَإِنْ فَعَلَ مُحَرَّمًا كَمَا قَالَهُ فِي الْكِفَايَةِ كَمَا لَوْ سَتَرَ بِقِطْعَةِ حَرِيرٍ، وَكَذَا لَوْ جَمَعَ الثَّوْبَ الْمُخَرَّقَ، وَأَمْسَكَهُ بِيَدِهِ، وَإِذَا وَجَدَ الْمُصَلِّي سُتْرَةً نَجِسَةً، وَلَا مَاءَ يَغْسِلُهَا بِهِ أَوْ وَجَدَ الْمَاءَ وَلَمْ يَجِدْ مَنْ يَغْسِلُهَا، وَهُوَ عَاجِزٌ عَنْ غَسْلِهَا أَوْ وَجَدَهُ، وَلَمْ يَرْضَ إلَّا بِأُجْرَةٍ، وَلَمْ يَجِدْهَا أَوْ وَجَدَهَا، وَلَمْ يَرْضَ إلَّا بِأَكْثَرَ مِنْ أُجْرَةِ الْمِثْلِ أَوْ حُبِسَ عَلَى نَجَاسَةٍ، وَاحْتَاجَ إلَى فَرْشِ السُّتْرَةِ عَلَيْهَا صَلَّى عَارِيًّا، وَأَتَمَّ الْأَرْكَانَ كَمَا مَرَّ، وَلَوْ أَدَّى غَسْلُ السُّتْرَةِ إلَى خُرُوجِ الْوَقْتِ غَسَلَهَا وَصَلَّى خَارِجَهُ، وَلَا يُصَلِّي فِي الْوَقْتِ عَارِيًّا كَمَا نَقَلَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ الِاتِّفَاقَ عَلَيْهِ، وَلَوْ وَجَدَ الْمُصَلِّي بَعْضَ السُّتْرَةِ لَزِمَهُ أَنْ يَسْتَتِرَ بِهِ بِلَا خِلَافٍ.
فَإِنْ قِيلَ: مَنْ وَجَدَ مَاءً لَا يَكْفِيهِ لِطَهَارَتِهِ جَرَى فِيهِ خِلَافٌ وَالْأَصَحُّ وُجُوبُ اسْتِعْمَالِهِ.
أُجِيبَ بِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ الطَّهَارَةِ رَفْعُ الْحَدَثِ، وَهُوَ لَا يَتَجَزَّأُ، وَالْمَقْصُودُ هَهُنَا السَّتْرُ، وَهُوَ يَتَجَزَّأُ (فَإِنْ وَجَدَ كَافِيَ سَوْأَتَيْهِ) أَيْ: قُبُلِهِ وَدُبُرِهِ (تَعَيَّنَ لَهُمَا) لِلِاتِّفَاقِ عَلَى أَنَّهُمَا عَوْرَةٌ، وَلِأَنَّهُمَا أَفْحَشُ مِنْ غَيْرِهِمَا، وَسُمِّيَا سَوْأَتَيْنِ؛ لِأَنَّ كَشْفَهُمَا يَسُوءُ صَاحِبَهُمَا.
قَالَ تَعَالَى: ﴿فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا﴾ [الأعراف: 22] [الْأَعْرَافُ] أَيْ: ظَهَرَتْ لَهُمَا، وَكَانَا لَا يَرَيَانِهَا مِنْ أَنْفُسِهِمَا أَوْ لَا يَرَى أَحَدُهُمَا مِنْ الْآخَرِ كَمَا قَالَتْ عَائِشَةُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا -: «مَا رَأَيْت مِنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَلَا رَأَى مِنِّي» (2) (أَوْ) كَافِيَ (أَحَدَهُمَا فَقُبُلَهُ) يَسْتُرُهُ وُجُوبًا، سَوَاءٌ أَكَانَ ذَكَرًا أَمْ غَيْرَهُ؛ لِأَنَّهُ بَارِزٌ إلَى الْقِبْلَةِ، وَالدُّبُرُ مَسْتُورٌ غَالِبًا بِالْأَلْيَيْنِ، وَبَدَلُ الْقِبْلَةِ كَالْقِبْلَةِ كَمَا لَوْ صَلَّى صَوْبَ مَقْصِدِهِ، وَيَسْتُرُ الْخُنْثَى قُبُلَيْهِ، فَإِنْ كَفَى لِأَحَدِهِمَا تَخَيَّرَ، وَالْأَوْلَى كَمَا قَالَ الْإِسْنَوِيُّ: سَتْرُ آلَةِ الرَّجُلِ إنْ كَانَ هُنَاكَ امْرَأَةٌ، وَآلَةِ النِّسَاءِ إنْ كَانَ هُنَاكَ رَجُلٌ (وَقِيلَ:) يَسْتُرُ (دُبُرَهُ) وُجُوبًا لِأَنَّهُ أَفْحَشُ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ (وَقِيلَ: يَتَخَيَّرُ) بَيْنَهُمَا لِتَعَارُضِ الْمَعْنَيَيْنِ، وَسَوَاءٌ فِي ذَلِكَ الرَّجُلُ وَغَيْرُهُ، وَقِيلَ: تَسْتُرُ الْمَرْأَةُ الْقُبُلَ وَالرَّجُلُ الدُّبُرَ، وَمِنْهُمْ مَنْ حَكَى بَدَلَ الْوُجُوبِ الِاسْتِحْبَابَ.
وَالْقُبُلُ وَالدُّبُرُ بِضَمِّ أَوَّلِهِمَا وَثَانِيهِمَا، وَيَجُوزُ فِي ثَانِيهِمَا الْإِسْكَانُ.
فُرُوعٌ: لَيْسَ لِلْعَارِي غَصْبُ الثَّوْبِ مِنْ مُسْتَحِقِّهِ، بِخِلَافِ الطَّعَامِ فِي الْمَخْمَصَةِ لِأَنَّهُ يُمْكِنُهُ أَنْ يُصَلِّيَ عَارِيًّا، وَلَا تَلْزَمُهُ الْإِعَادَةُ إلَّا إنْ احْتَاجَ إلَيْهِ لِنَحْوِ دَفْعِ حَرٍّ أَوْ بَرْدٍ؛ فَإِنَّهُ يَجُوزُ لَهُ ذَلِكَ، وَيَجِبُ عَلَيْهِ قَبُولُ عَارِيَّتِهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِلْمُعِيرِ غَيْرُهُ وَقَبُولُ هِبَةٍ نَحْوِ الطِّينِ لَا قَبُولُ هِبَةِ الثَّوْبِ، وَلَا اقْتِرَاضُهُ لِثِقَلِ الْمِنَّةِ، وَيَجِبُ شِرَاؤُهُ، وَاسْتِئْجَارُهُ بِثَمَنِ الْمِثْلِ وَأُجْرَةِ الْمِثْلِ، وَلَوْ وُجِدَ ثَمَنُ الثَّوْبِ أَوْ الْمَاءُ قُدِّمَ الثَّوْبُ وُجُوبًا لِدَوَامِ النَّفْعِ بِهِ، وَلِأَنَّهُ لَا بَدَلَ لَهُ، بِخِلَافِ مَاءِ الطَّهَارَةِ، وَلَوْ وَصَّى بِصَرْفِ ثَوْبٍ لِأَوْلَى النَّاسِ بِهِ فِي ذَلِكَ الْمَوْضِعِ أَوْ وَقَفَهُ عَلَيْهِ أَوْ وَكَّلَ فِي إعْطَائِهِ وَجَبَ
وَطَهَارَةُ الْحَدَثِ، فَإِنْ سَبَقَهُ بَطَلَتْ،
[مغني المحتاج]
تَقْدِيمُ الْمَرْأَةِ؛ لِأَنَّ عَوْرَتَهَا أَفْحَشُ ثُمَّ الْخُنْثَى لِاحْتِمَالِ الْأُنُوثَةِ ثُمَّ الرَّجُلِ.
وَقِيَاسُ مَا مَرَّ فِيمَا لَوْ أَوْصَى بِمَاءٍ لِأَوْلَى النَّاسِ بِهِ أَنَّهُ لَوْ كَفَى الثَّوْبُ الْمُؤَخَّرُ دُونَ الْمُقَدَّمِ قُدِّمَ الْمُؤَخَّرُ، وَلَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ أَنْ يُعْطِيَ ثَوْبَهُ لِآخَرَ، وَيُصَلِّي عَارِيًّا لَكِنْ يُصَلِّي فِيهِ، وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يُعِيرَهُ مِمَّنْ يَحْتَاجُ إلَيْهِ، وَلَوْ وُجِدَ ثَوْبٌ حَرِيرٌ فَقَطْ لَزِمَهُ السَّتْرُ بِهِ، وَلَا يَلْزَمُهُ قَطْعُ مَا زَادَ عَلَى الْعَوْرَةِ، وَإِنْ قَالَ الْإِسْنَوِيُّ: الْمُتَّجَهُ لُزُومُ قَطْعِهِ إذَا لَمْ يَنْقُصْ أَكْثَرُ مِنْ أُجْرَةِ الثَّوْبِ؛ لِأَنَّ لُبْسَ الْحَرِيرِ يَجُوزُ لِأَدْوَنَ مِنْ ذَلِكَ كَدَفْعِ الْقَمْلِ، وَيُقَدَّمُ عَلَى الْمُتَنَجِّسِ لِلصَّلَاةِ، وَيُقَدَّمُ الْمُتَنَجِّسُ عَلَيْهِ فِي الْخَلْوَةِ وَنَحْوِهَا مِمَّا لَا يَحْتَاجُ إلَى طَهَارَةِ الثَّوْبِ.
وَلَوْ صَلَّتْ أَمَةٌ مَكْشُوفَةَ الرَّأْسِ فَعَتَقَتْ فِي صَلَاتِهَا وَوَجَدَتْ سُتْرَةً بَعِيدَةً، بِحَيْثُ إنْ مَضَتْ إلَيْهَا احْتَاجَتْ إلَى أَفْعَالٍ كَثِيرَةٍ أَوْ انْتَظَرَتْ مَنْ يُلْقِيهَا إلَيْهَا وَمَضَتْ مُدَّةٌ فِي التَّكَشُّفِ بَطَلَتْ صَلَاتُهَا، فَإِنْ لَمْ تَجِدْ السُّتْرَةَ بَنَتْ عَلَى صَلَاتِهَا، وَكَذَا إنَّ وَجَدَتْ قَرِيبًا مِنْهَا فَتَنَاوَلَتْهَا وَلَمْ تَسْتَدْبِرْ قِبْلَتَهَا وَسَتَرَتْ بِهَا رَأْسَهَا فَوْرًا، وَلَوْ وَجَدَ عَارٍ سُتْرَتَهُ فِي صَلَاتِهِ فَحُكْمُهُ حُكْمُهَا فِيمَا ذُكِرَ.
وَلَوْ قَالَ شَخْصٌ لِأَمَتِهِ إنْ صَلَّيْت صَلَاةً صَحِيحَةً فَأَنْتِ حُرَّةٌ قَبْلَهَا فَصَلَّتْ بِلَا سَتْرِ رَأْسِهَا عَاجِزَةً عَنْ سَتْرِهَا عَتَقَتْ، وَصَحَّتْ صَلَاتُهَا أَوْ قَادِرَةً عَلَيْهِ صَحَّتْ صَلَاتُهَا، وَلَمْ تَعْتِقْ لِلدُّورِ، إذْ لَوْ عَتَقَتْ بَطَلَتْ صَلَاتُهَا، وَإِذَا بَطَلَتْ صَلَاتُهَا لَا تَعْتِقُ، فَإِثْبَاتُ الْعِتْقِ يُؤَدِّي إلَى بُطْلَانِهِ وَبُطْلَانِ الصَّلَاةِ فَبَطَلَ وَصَحَّتْ الصَّلَاةُ.
وَيُسَنُّ لِلرَّجُلِ أَنْ يَلْبَسَ لِلصَّلَاةِ أَحْسَنَ ثِيَابِهِ، وَيَتَقَمَّصُ، وَيَتَعَمَّمُ،، وَيَتَطَيْلَسُ، وَيَرْتَدِي،، وَيَتَّزِرُ أَوْ يَتَسَرْوَلُ، وَإِنْ اقْتَصَرَ عَلَى ثَوْبَيْنِ فَقَمِيصٌ مَعَ رِدَاءٍ أَوْ إزَارٍ أَوْ سَرَاوِيلَ أَوْلَى مِنْ رِدَاءٍ مَعَ إزَارٍ أَوْ سَرَاوِيلَ وَمِنْ إزَارٍ مَعَ سَرَاوِيلَ، وَبِالْجُمْلَةِ فَالْمُسْتَحَبُّ أَنْ يُصَلِّيَ فِي ثَوْبَيْنِ لِظَاهِرِ قَوْله تَعَالَى: ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف: 31] [الْأَعْرَافُ] ، وَالثَّوْبَانِ أَهَمُّ الزِّينَةِ، وَلِخَبَرِ «إذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ فَلْيَلْبَسْ ثَوْبَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَحَقُّ أَنْ يُزَيَّنَ لَهُ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ ثَوْبَانِ فَلْيَتَّزِرْ إذَا صَلَّى، وَلَا يَشْتَمِلْ اشْتِمَالَ الْيَهُودِ» رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ، فَإِنْ اقْتَصَرَ عَلَى وَاحِدٍ فَقَمِيصٌ، فَإِزَارٌ، فَسَرَاوِيلُ، وَيَلْتَحِفُ بِالثَّوْبِ الْوَاحِدِ إنْ اتَّسَعَ وَيُخَالِفُ بَيْنَ طَرَفَيْهِ، فَإِنْ ضَاقَ اتَّزَرَ بِهِ وَجَعَلَ شَيْئًا مِنْهُ عَلَى عَاتِقِهِ.
وَيُسَنُّ لِلْمَرْأَةِ وَمِثْلِهَا الْخُنْثَى فِي الصَّلَاةِ ثَوْبٌ سَابِغٌ لِجَمِيعِ بَدَنِهَا وَخِمَارٌ وَمِلْحَفَةٌ كَثِيفَةٌ وَإِتْلَافُ الثَّوْبِ وَبَيْعُهُ فِي الْوَقْتِ كَالْمَاءِ، وَلَا يُبَاعُ لَهُ مَسْكَنٌ، وَلَا خَادِمٌ كَمَا فِي الْكَفَّارَةِ.
وَيُكْرَهُ أَنْ يُصَلِّيَ فِي ثَوْبٍ فِيهِ صُورَةٌ، وَأَنْ يُصَلِّيَ عَلَيْهِ، وَإِلَيْهِ، وَأَنْ يُصَلِّيَ بِالِاضْطِبَاعِ، وَأَنْ يُغَطِّيَ فَاهُ، فَإِنْ تَثَاءَبَ غَطَّاهُ بِيَدِهِ نَدْبًا، وَأَنْ يَشْتَمِلَ اشْتِمَالَ الصَّمَّاءِ بِأَنْ يُجَلِّلَ بَدَنَهُ بِالثَّوْبِ ثُمَّ يَرْفَعَ طَرَفَيْهِ عَلَى عَاتِقِهِ الْأَيْسَرِ، وَأَنْ يَشْتَمِلَ اشْتِمَالَ الْيَهُودِ بِأَنْ يُجَلِّلَ بَدَنَهُ بِالثَّوْبِ بِدُونِ رَفْعِ طَرَفَيْهِ، وَأَنْ يُصَلِّيَ الرَّجُلُ مُتَلَثِّمًا وَالْمَرْأَةُ مُنْتَقِبَةً.
(وَ) رَابِعُهَا (طَهَارَةُ الْحَدَثِ) الْأَصْغَرِ وَغَيْرِهِ عِنْدَ الْقُدْرَةِ لِمَا مَرَّ فِي بَابِ الْحَدَثِ، فَإِنْ عَجَزَ فَقَدْ تَقَدَّمَ فِي بَابِ التَّيَمُّمِ، فَلَوْ لَمْ يَكُنْ مُتَطَهِّرًا عِنْدَ إحْرَامِهِ مَعَ قُدْرَتِهِ عَلَى الطَّهَارَةِ لَمْ تَنْعَقِدْ صَلَاتُهُ، وَإِنْ أَحْرَمَ مُتَطَهِّرًا، ثُمَّ أَحْدَثَ نَظَرَ (فَإِنْ سَبَقَهُ) الْحَدَثُ غَيْرُ الدَّائِمِ (بَطَلَتْ) صَلَاتُهُ فِي الْجَدِيدِ كَمَا لَوْ تَعَمَّدَ الْحَدَثَ لِبُطْلَانِ طَهَارَتِهِ بِالْإِجْمَاعِ، وَيُؤْخَذُ مِنْ التَّعْلِيلِ
وَفِي الْقَدِيمِ يَبْنِي.
، وَيَجْرِيَانِ فِي كُلِّ مُنَاقِضٍ عَرَضَ بِلَا تَقْصِيرٍ، وَتَعَذَّرَ دَفْعُهُ فِي الْحَالِ، فَإِنْ أَمْكَنَ بِأَنْ كَشَفَتْهُ رِيحٌ فَسَتَرَ فِي الْحَالِ لَمْ تَبْطُلْ.
وَإِنْ قَصَّرَ بِأَنْ فَرَغَتْ مُدَّةُ خُفٍّ فِيهَا بَطَلَتْ.
[مغني المحتاج]
أَنَّ فَاقِدَ الطَّهُورَيْنِ إذَا سَبَقَهُ الْحَدَثُ لَمْ تَبْطُلْ صَلَاتُهُ، وَجَرَى عَلَى ذَلِكَ الْإِسْنَوِيُّ، وَظَاهِرُ كَلَامِ الْأَصْحَابِ أَنَّهُ لَا فَرْقَ، وَالتَّعْلِيلُ خَرَجَ مَخْرَجَ الْغَالِبِ فَلَا مَفْهُومَ لَهُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللاتِي فِي حُجُورِكُمْ﴾ [النساء: 23] [النِّسَاءُ] فَإِنَّ الرَّبِيبَةَ تَحْرُمُ مُطْلَقًا، فَلَفْظُ الْحُجُورِ لَا مَفْهُومَ لَهُ (وَفِي الْقَدِيمِ) وَالْإِمْلَاءُ، وَهُوَ جَدِيدٌ يَتَطَهَّرُ، وَ (يَبْنِي) عَلَى صَلَاتِهِ لِعُذْرِهِ بِالسَّبْقِ، وَإِنْ كَانَ حَدَثُهُ أَكْبَرَ لِحَدِيثٍ فِيهِ لَكِنَّهُ ضَعِيفٌ بِاتِّفَاقِ الْمُحَدِّثِينَ كَمَا فِي الْمَجْمُوعِ، وَعَلَى هَذَا يَجِبُ أَنْ يُقَلِّلَ الزَّمَانَ، وَالْأَفْعَالَ بِحَسَبِ الْإِمْكَانِ، وَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْبِدَارُ الْخَارِجُ عَنْ الْعَادَةِ.
فَلَوْ كَانَ لِلْمَسْجِدِ بَابَانِ فَسَلَكَ الْأَبْعَدَ لِغَيْرِ عُذْرٍ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ، وَيُشْتَرَطُ أَنْ لَا يَتَكَلَّمَ إلَّا إذَا احْتَاجَ إلَيْهِ فِي تَحْصِيلِ الْمَاءِ، وَلَيْسَ لَهُ بَعْدَ طَهَارَتِهِ أَنْ يَعُودَ إلَى الْمَوْضِعِ الَّذِي كَانَ يُصَلِّي فِيهِ إلَّا لِعُذْرٍ كَأَنْ كَانَ إمَامًا لَمْ يُسْتَخْلَفْ، وَانْتَظَرَهُ الْمَأْمُومُونَ فَلَهُ الْعَوْدُ إلَيْهِمْ.
وَأَمَّا إذَا لَمْ يَنْتَظِرُوهُ بَلْ أَتَمُّوا صَلَاتَهُمْ فُرَادَى أَوْ قَدَّمُوا وَاحِدًا مِنْهُمْ مَثَلًا فَلَا يَعُودُ لِلِاسْتِغْنَاءِ عَنْ ذَلِكَ بِمَا ذُكِرَ، أَوْ مَأْمُومًا يَبْتَغِي فَضِيلَةَ الْجَمَاعَةِ، وَلَمْ تَحْصُلْ لَهُ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ كَأَنْ يَكُونَ فِي الصَّفِّ الْأَخِيرِ لِمَا سَيَأْتِي مِنْ كَرَاهَةِ وُقُوفِ الْمَأْمُومِ فَرْدًا، فَلَوْ كَانَتْ صَلَاتُهُ فِي الصَّفِّ الْأَوَّلِ مَثَلًا، فَتَطَهَّرَ وَعَادَ لَمْ يَتَجَاوَزْ الصَّفَّ الْأَخِيرَ؛ لِأَنَّ فَضِيلَةَ الْجَمَاعَةِ تَحْصُلُ لَهُ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ أَمَّا الْحَدَثُ الدَّائِمُ كَسَلَسِ بَوْلٍ، فَلَا يَضُرُّ عَلَى تَفْصِيلٍ مَرَّ فِي الْحَيْضِ، وَإِنْ أَحْدَثَ مُخْتَارًا بَطَلَتْ صَلَاتُهُ قَطْعًا، سَوَاءٌ كَانَ عَالِمًا أَنَّهُ فِي الصَّلَاةِ أَمْ نَاسِيًا.
وَلَوْ صَلَّى نَاسِيًا لِلْحَدَثِ أُثِيبَ عَلَى قَصْدِهِ لَا عَلَى فِعْلِهِ إلَّا الْقِرَاءَةَ، وَنَحْوهَا مِمَّا لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى الْوُضُوءِ فَإِنَّهُ يُثَابُ عَلَى فِعْلِهِ أَيْضًا.
قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: وَفِي إثَابَتِهِ عَلَى الْقِرَاءَةِ إذَا كَانَ جُنُبًا نَظَرٌ.
اهـ.
وَيُؤْخَذُ مِمَّا تَقَدَّمَ عَدَمُ الْإِثَابَةِ (وَيَجْرِيَانِ) أَيْ: الْقَوْلَانِ (فِي كُلِّ مُنَاقِضٍ) أَيْ: مُنَافٍ لِلصَّلَاةِ (عَرَضَ) فِيهَا (بِلَا تَقْصِيرٍ) مِنْ الْمُصَلِّي (وَتَعَذَّرَ دَفْعُهُ فِي الْحَالِ) كَمَا لَوْ تَنَجَّسَ بَدَنُهُ أَوْ ثَوْبُهُ بِمَا لَا يُعْفَى عَنْهُ، وَاحْتَاجَ إلَى غَسْلِهِ أَوْ طَيَّرَتْ الرِّيحُ سُتْرَتَهُ إلَى مَكَان بَعِيدٍ (فَإِنْ أَمْكَنَ) دَفْعُهُ فِي الْحَالِ (بِأَنْ كَشَفَتْهُ رِيحٌ) أَيْ: أَظْهَرَتْ عَوْرَتَهُ أَوْ وَقَعَتْ عَلَى بَدَنِهِ أَوْ ثَوْبِهِ نَجَاسَةٌ يَابِسَةٌ أَوْ عَلَى ثَوْبِهِ نَجَاسَةٌ رَطْبَةٌ (فَسَتَرَ) الْعَوْرَةَ أَوْ أَلْقَى النَّجَاسَةَ الْيَابِسَةَ أَوْ أَلْقَى الثَّوْبَ فِي الرَّطْبَةِ (فِي الْحَالِ لَمْ تَبْطُلْ) صَلَاتُهُ لِانْتِفَاءِ الْمَحْذُورِ، وَيُغْتَفَرُ هَذَا الْعَارِضُ الْيَسِيرُ.
، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُنَحِّيَ النَّجَاسَةَ بِيَدِهِ أَوْ كُمِّهِ، فَإِنْ فَعَلَ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ، فَإِنْ نَحَّاهَا بِعُودٍ فَكَذَا فِي أَحَدِ وَجْهَيْنِ هُوَ الْمُعْتَمَدُ (وَإِنْ قَصَّرَ) فِي دَفْعِهِ (بِأَنْ فَرَغَتْ مُدَّةُ خُفٍّ فِيهَا) أَيْ: الصَّلَاةِ (بَطَلَتْ) قَطْعًا لِتَقْصِيرِهِ حَيْثُ افْتَتَحَهَا فِي وَقْتٍ لَا يَسَعُهَا؛ لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ يَحْتَاجُ إلَى غَسْلِ رِجْلَيْهِ أَوْ الْوُضُوءِ عَلَى الْقَوْلَيْنِ فِي ذَلِكَ، فَلَوْ غَسَلَ رِجْلَيْهِ فِي الْخُفِّ قَبْلَ فَرَاغِ الْمُدَّةِ لَمْ يُؤَثِّرْ لِأَنَّ مَسْحَ الْخُفِّ يَرْفَعُ الْحَدَثَ فَلَا تَأْثِيرَ لِلْغُسْلِ قَبْلَ فَرَاغِ الْمُدَّةِ، وَكَذَا لَوْ غَسَلَهُمَا بَعْدَهَا لِمُضِيِّ مُدَّةٍ، وَهُوَ مُحْدِثٌ، حَتَّى لَوْ وَضَعَ رِجْلَيْهِ فِي الْمَاءِ
وَطَهَارَةُ النَّجَسِ فِي الثَّوْبِ وَالْبَدَنِ وَالْمَكَانِ.
وَلَوْ اشْتَبَهَ طَاهِرٌ، وَنَجَسٌ اجْتَهَدَ.
[مغني المحتاج]
قَبْلَ فَرَاغِ الْمُدَّةِ وَاسْتَمَرَّ إلَى انْقِضَائِهَا لَمْ تَصِحَّ صَلَاتُهُ؛ لِأَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ حَدَثٍ ثُمَّ يَرْتَفِعُ، وَأَيْضًا لَا بُدَّ مِنْ تَجْدِيدِ نِيَّةٍ لِأَنَّهُ حَدَثٌ لَمْ تَشْمَلْهُ نِيَّةُ الْوُضُوءِ الْأَوَّلِ، وَصُورَةُ الْمَسْأَلَةِ كَمَا قَالَهُ السُّبْكِيُّ: أَنْ يَدْخُلَ فِي الصَّلَاةِ، وَهُوَ يَظُنُّ بَقَاءَ الْمُدَّةِ إلَى فَرَاغِهِ، فَإِنْ عَلِمَ بِأَنَّ الْمُدَّةَ تَنْقَضِي فِيهَا، فَيَنْبَغِي عَدَمُ انْعِقَادِهَا، نَعَمْ إنْ كَانَ فِي نَفْلٍ مُطْلَقٍ يُدْرِكُ مِنْهُ رَكْعَةً فَأَكْثَرَ انْعَقَدَتْ، وَلَوْ افْتَصَدَ مَثَلًا فَخَرَجَ مِنْهُ الدَّمُ، وَلَمْ يُلَوِّثْ بَشَرَتَهُ أَوْ لَوَّثَهَا قَلِيلًا لَمْ تَبْطُلْ صَلَاتُهُ؛ لِأَنَّ الْمُنْفَصِلَ فِي الْأُولَى غَيْرُ مُضَافٍ إلَيْهِ، وَفِي الثَّانِيَةِ مُغْتَفَرٌ.
وَيُسَنُّ لِمَنْ أَحْدَثَ فِي صَلَاتِهِ أَنْ يَأْخُذَ بِأَنْفِهِ ثُمَّ يَنْصَرِفَ لِيُوهِمَ أَنَّهُ رَعَفَ سَتْرًا عَلَى نَفْسِهِ،، وَيَنْبَغِي أَنْ يَفْعَلَ كَذَلِكَ إذَا أَحْدَثَ، وَهُوَ مُنْتَظِرٌ لِلصَّلَاةِ خُصُوصًا إذَا قَرُبَتْ إقَامَتُهَا أَوْ أُقِيمَتْ.
(وَ) خَامِسُهَا (طَهَارَةُ النَّجَسِ) الَّذِي لَا يُعْفَى عَنْهُ (فِي الثَّوْبِ وَالْبَدَنِ) أَيْ: ثَوْبِهِ وَبَدَنِهِ حَتَّى دَاخِلَ أَنْفِهِ أَوْ فَمِهِ أَوْ عَيْنِهِ أَوْ أُذُنِهِ (وَالْمَكَانِ) أَيْ: مَكَانِهِ الَّذِي يُصَلِّي فِيهِ، فَلَا تَصِحُّ صَلَاتُهُ مَعَ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ، وَلَوْ مَعَ جَهْلِهِ بِوُجُودِهِ أَوْ بِكَوْنِهِ مُبْطِلًا لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ [المدثر: 4] [الْمُدَّثِرُ] ، وَلِخَبَرِ الصَّحِيحَيْنِ «إذَا أَقْبَلَتْ الْحَيْضَةُ فَدَعِي الصَّلَاةَ، وَإِذَا أَدْبَرَتْ فَاغْسِلِي عَنْكِ الدَّمَ وَصَلِّي» ثَبَتَ الْأَمْرُ بِاجْتِنَابِ النَّجَسِ، وَهُوَ لَا يَجِبُ بِغَيْرِ تَضَمُّخٍ فِي غَيْرِ الصَّلَاةِ فَيَجِبُ فِيهَا، وَالْأَمْرُ بِالشَّيْءِ نَهْيٌ عَنْ ضِدِّهِ، وَالنَّهْيُ فِي الْعِبَادَاتِ يَقْتَضِي فَسَادَهَا فَلَزِمَ مَا ذُكِرَ، وَإِنَّمَا جُعِلَ دَاخِلُ الْفَمِ وَالْأَنْفِ هُنَا كَظَاهِرِهِمَا بِخِلَافِ غَسْلِ الْجَنَابَةِ لِغِلَظِ أَمْرِ النَّجَاسَةِ بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَوْ وَقَعَتْ نَجَاسَةٌ فِي عَيْنِهِ وَجَبَ غَسْلُهَا، وَلَا يَجِبُ غَسْلُهَا فِي الطَّهَارَةِ، فَلَوْ أَكَلَ مُتَنَجِّسًا لَمْ تَصِحَّ صَلَاتُهُ مَا لَمْ يَغْسِلْ فَمَهُ، وَلَوْ رَأَيْنَا فِي ثَوْبِ مَنْ يُرِيدُ الصَّلَاةَ نَجَاسَةً لَا يَعْلَمُ بِهَا لَزِمَنَا إعْلَامُهُ؛ لِأَنَّ الْأَمْرَ بِالْمَعْرُوفِ لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى الْعِصْيَانِ.
قَالَهُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ، كَمَا لَوْ رَأَيْنَا صَبِيًّا يَزْنِي بِصَبِيَّةٍ فَأَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْنَا مَنْعُهُمَا، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عِصْيَانًا، وَاسْتَثْنَى مِنْ الْمَكَانِ مَا لَوْ كَثُرَ ذَرْقُ الطَّيْرِ، فَإِنَّهُ يُعْفَى عَنْهُ لِلْمَشَقَّةِ فِي الِاحْتِرَازِ مِنْهُ، وَقُيِّدَ فِي الْمَطْلَبِ الْعَفْوُ بِمَا إذَا لَمْ يَتَعَمَّدْ الْمَشْيَ عَلَيْهِ.
قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: وَهُوَ قَيْدٌ مُتَعَيِّنٌ.
قَالَ شَيْخِي: وَأَنْ لَا يَكُونَ رَطْبًا: أَيْ: أَوْ رِجْلُهُ مَبْلُولَةً.
فَرْعٌ لَوْ تَنَجَّسَ ثَوْبُهُ بِمَا لَا يُعْفَى عَنْهُ وَلَمْ يَجِدْ مَا يَغْسِلُهُ بِهِ وَجَبَ قَطْعُ مَوْضِعِهَا إنْ لَمْ تَنْقُصْ قِيمَتُهُ بِالْقَطْعِ أَكْثَرَ مِنْ أُجْرَةِ ثَوْبٍ يُصَلِّي فِيهِ لَوْ اكْتَرَاهُ، هَذَا مَا قَالَاهُ تَبَعًا لِلْمُتَوَلِّي، وَقَالَ الْإِسْنَوِيُّ: يُعْتَبَرُ أَكْثَرُ الْأَمْرَيْنِ مِنْ ذَلِكَ، وَمِنْ ثَمَنِ الْمَاءِ لَوْ اشْتَرَاهُ مَعَ أُجْرَةِ غَسْلِهِ عِنْدَ الْحَاجَةِ؛ لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا لَوْ انْفَرَدَ وَجَبَ تَحْصِيلُهُ.
اهـ.
وَهَذَا هُوَ الظَّاهِرُ، وَقُيِّدَ أَيْضًا وُجُوبُ الْقَطْعِ بِحُصُولِ سَتْرِ الْعَوْرَةِ بِالظَّاهِرِ قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: وَلَمْ يَذْكُرْهُ الْمُتَوَلِّي، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَيْسَ بِقَيْدٍ بِنَاءً عَلَى أَنَّ مَنْ وَجَدَ مَا يَسْتُرُ بِهِ بَعْضَ الْعَوْرَةِ لَزِمَهُ ذَلِكَ، وَهُوَ الصَّحِيحُ.
اهـ. وَهَذَا هُوَ الظَّاهِرُ.
(وَلَوْ اشْتَبَهَ) عَلَيْهِ (طَاهِرٌ وَنَجَسٌ) مِنْ ثَوْبَيْنِ أَوْ بَيْتَيْنِ (اجْتَهَدَ) فِيهِمَا لِلصَّلَاةِ.
قَالَ فِي الْمُحَرَّرِ كَمَا فِي الْأَوَانِي، وَتَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى ذَلِكَ، وَلَوْ صَلَّى فِيمَا ظَنَّهُ الطَّاهِرَ مِنْ الثَّوْبَيْنِ أَوْ الْبَيْتَيْنِ بِالِاجْتِهَادِ ثُمَّ حَضَرَتْ صَلَاةٌ أُخْرَى لَمْ يَجِبْ تَجْدِيدُ الِاجْتِهَادِ فِي الْأَصَحِّ،، وَلَا يُشْكِلُ ذَلِكَ بِمَا تَقَدَّمَ فِي الْمِيَاهِ مِنْ أَنَّهُ يَجْتَهِدُ فِيهَا لِكُلِّ فَرْضٍ، لِأَنَّ بَقَاءَ الثَّوْبِ أَوْ الْمَكَانِ كَبَقَاءِ الطَّهَارَةِ، فَلَوْ اجْتَهَدَ فَتَغَيَّرَ ظَنُّهُ
وَلَوْ نَجَسَ بَعْضُ ثَوْبٍ، أَوْ بَدَنٍ وَجَهِلَ، وَجَبَ غَسْلُ كُلِّهِ.
فَلَوْ ظَنَّ طَرَفًا لَمْ يَكْفِ غَسْلُهُ عَلَى الصَّحِيحِ، وَلَوْ غَسَلَ نِصْفَ نَجَسٍ ثُمَّ بَاقِيَهُ، فَالْأَصَحُّ أَنَّهُ إنْ غَسَلَ مَعَ بَاقِيهِ مُجَاوِرَهُ طَهُرَ كُلُّهُ، وَإِلَّا فَغَيْرُ الْمُنْتَصَفِ.
،
[مغني المحتاج]
عَمِلَ بِالِاجْتِهَادِ الثَّانِي فِي الْأَصَحِّ فَيُصَلِّي فِي الْآخَرِ مِنْ غَيْرِ إعَادَةٍ كَمَا لَا تَجِبُ إعَادَةُ الْأُولَى إذْ لَا يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ نَقْضُ اجْتِهَادٍ بِاجْتِهَادٍ بِخِلَافِ الْمِيَاهِ كَمَا مَرَّ.
وَلَوْ غَسَلَ أَحَدَ الثَّوْبَيْنِ بِالِاجْتِهَادِ صَحَّتْ الصَّلَاةُ فِيهِمَا، وَلَوْ جَمَعَهُمَا عَلَيْهِ، وَلَوْ اجْتَهَدَ فِي الثَّوْبَيْنِ أَوْ الْبَيْتَيْنِ فَلَمْ يَظْهَرْ لَهُ شَيْءٌ صَلَّى عَارِيًّا أَوْ فِي أَحَدِ الْبَيْتَيْنِ لِحُرْمَةِ الْوَقْتِ، وَأَعَادَ لِتَقْصِيرِهِ بِعَدَمِ إدْرَاكِ الْعَلَامَةِ، وَلِأَنَّ مَعَهُ ثَوْبًا فِي الْأُولَى، وَمَكَانًا فِي الثَّانِيَةِ طَاهِرًا بِيَقِينٍ.
وَلَوْ اشْتَبَهَ عَلَيْهِ بَدَنَانِ يُرِيدُ الِاقْتِدَاءَ بِأَحَدِهِمَا اجْتَهَدَ فِيهِمَا وَعَمِلَ بِاجْتِهَادِهِ، فَإِنْ صَلَّى خَلْفَ وَاحِدٍ ثُمَّ تَغَيَّرَ ظَنُّهُ إلَى الْآخِرِ صَلَّى خَلْفَهُ، وَلَا يُعِيدُ الْأُولَى كَمَا لَوْ صَلَّى بِاجْتِهَادٍ إلَى الْقِبْلَةِ ثُمَّ تَغَيَّرَ اجْتِهَادُهُ إلَى جِهَةٍ أُخْرَى، فَإِنْ تَحَيَّرَ صَلَّى مُنْفَرِدًا.
(وَلَوْ نَجَسَ) بِفَتْحِ الْجِيمِ وَكَسْرِهَا (بَعْضُ ثَوْبٍ أَوْ) بَعْضُ (بَدَنٍ) أَوْ مَكَان ضَيِّقٍ (وَجَهِلَ) ذَلِكَ الْبَعْضَ فِي جَمِيعِ مَا ذُكِرَ (وَجَبَ غَسْلُ كُلِّهِ) لِتَصِحَّ الصَّلَاةَ فِيهِ إذْ الْأَصْلُ بَقَاءُ النَّجَاسَةِ مَا بَقِيَ جُزْءٌ مِنْهُ، فَإِنْ كَانَ الْمَكَانُ وَاسِعًا لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ الِاجْتِهَادُ، وَلَكِنْ يُسَنُّ فَلَهُ أَنْ يُصَلِّيَ فِيهِ بِلَا اجْتِهَادٍ، وَسَكَتُوا عَنْ ضَبْطِ الْوَاسِعِ وَالضَّيِّقِ، وَالْأَحْسَنُ فِي ضَبْطِ ذَلِكَ الْعُرْفُ، وَإِنْ قَالَ ابْنُ الْعِمَادِ: الْمُتَّجَهُ فِي ذَلِكَ أَنْ يُقَالَ: إنْ بَلَغَتْ بِقَاعُ الْمَوْضِعِ - لَوْ فُرِّقَتْ - حَدَّ الْعَدَدِ غَيْرَ الْمَحْصُورِ فَوَاسِعٌ وَإِلَّا فَضَيِّقٌ، وَتُقَدَّرُ كُلُّ بُقْعَةٍ بِمَا يَسَعُ الْمُصَلِّيَ.
اهـ.
قَالَ فِي الْمَجْمُوعِ عَنْ الْمُتَوَلِّي: وَإِذَا جَوَّزْنَا الصَّلَاةَ فِي الْمُتَّسَعِ فَلَهُ أَنْ يُصَلِّيَ فِيهِ إلَى أَنْ يَبْقَى مَوْضِعٌ قَدْرَ النَّجَاسَةِ، وَهُوَ نَظِيرُ مَا تَقَدَّمَ فِي الْأَوَانِي.
وَلَوْ أَصَابَ شَيْءٌ رَطْبٌ بَعْضَ مَا ذُكِرَ لَمْ يُحْكَمْ بِنَجَاسَتِهِ لِأَنَّا لَمْ نَتَيَقَّنْ نَجَاسَةَ مَوْضِعِ الْإِصَابَةِ، وَيُفَارِقُ مَا لَوْ صَلَّى عَلَيْهِ حَيْثُ لَا تَصِحُّ صَلَاتُهُ، وَإِنْ احْتَمَلَ أَنَّ الْمَحَلَّ الَّذِي صَلَّى عَلَيْهِ طَاهِرٌ بِأَنَّ الشَّكَّ فِي النَّجَاسَةِ مُبْطِلٌ لِلصَّلَاةِ دُونَ الطَّهَارَةِ، وَلَوْ كَانَتْ النَّجَاسَةُ فِي مُقَدَّمِ الثَّوْبِ مَثَلًا، وَجَهِلَ مَوْضِعَهَا وَجَبَ غَسْلُ مُقَدَّمِهِ فَقَطْ، وَلَوْ شَقَّ الثَّوْبَ الْمَذْكُورَ نِصْفَيْنِ لَمْ يَجُزْ أَنْ يَجْتَهِدَ فِيهِمَا لِأَنَّهُ رُبَّمَا يَكُونُ الشَّقُّ فِي مَحَلِّ النَّجَاسَةِ فَيَكُونَانِ نَجَسَيْنِ (فَلَوْ ظَنَّ) بِالِاجْتِهَادِ (طَرَفًا) مِنْ مَوْضِعَيْنِ مُتَمَيِّزَيْنِ أَوْ مَوَاضِعَ مُتَمَيِّزَةٍ كَأَحَدِ طَرَفَيْ الثَّوْبِ وَأَحَدِ الْكُمَّيْنِ وَالْيَدَيْنِ وَالْأَصَابِعِ (لَمْ يَكْفِ غَسْلُهُ عَلَى الصَّحِيحِ) وَفِي الرَّوْضَةِ الْأَصَحُّ لِعَدَمِ جَوَازِ الِاجْتِهَادِ؛ لِأَنَّ الثَّوْبَ وَالْبَدَنَ وَاحِدٌ، وَالِاجْتِهَادُ إنَّمَا يَكُونُ فِي شَيْئَيْنِ، وَلَوْ فَصَلَ كُمَّيْ ثَوْبٍ تَنَجَّسَ أَحَدُهُمَا وَجَهِلَ أَوْ فَصَلَ أَحَدَهُمَا جَازَ لَهُ الِاجْتِهَادُ لِتَعَدُّدِ الْمُشْتَبَهِ فِيهِ، فَلَوْ غَسَلَ مَا ظَنَّ نَجَاسَتَهُ بِالِاجْتِهَادِ جَازَ لَهُ أَنْ يُصَلِّيَ فِيهِمَا، وَلَوْ جَمَعَهُمَا كَالثَّوْبَيْنِ (وَلَوْ غَسَلَ) بَعْضَ شَيْءٍ مُتَنَجِّسٍ كَأَنْ غَسَلَ (نِصْفَ) ثَوْبٍ (نَجَسٍ ثُمَّ) غَسَلَ (بَاقِيَهُ، فَالْأَصَحُّ أَنَّهُ إنْ غَسَلَ مَعَ بَاقِيهِ مُجَاوِرَهُ) مِمَّا غَسَلَ أَوَّلًا (طَهُرَ كُلُّهُ وَإِلَّا) أَيْ: وَإِنْ لَمْ يَغْسِلْ مَعَهُ مُجَاوِرَهُ (فَغَيْرُ الْمُنْتَصَفِ) بِفَتْحِ الصَّادِ يَطْهُرُ، وَهُوَ الطَّرَفَانِ فَقَطْ، وَيَبْقَى الْمُنْتَصَفُ نَجَسًا فِي النَّجَاسَةِ الْمُخَفَّفَةِ فَيَغْسِلُهُ وَحْدَهُ؛ لِأَنَّهُ رَطْبٌ مُلَاقٍ لِنَجَسٍ،، وَيَجْتَنِبُ الثَّوْبَ الْمُتَنَجِّسَ بَعْضُهُ
وَلَا تَصِحُّ صَلَاةُ مُلَاقٍ بَعْضُ لِبَاسِهِ نَجَاسَةً، وَإِنْ لَمْ يَتَحَرَّكْ بِحَرَكَتِهِ.
، وَلَا قَابِضٍ طَرَفَ شَيْءٍ عَلَى نَجَسٍ إنْ تَحَرَّكَ، وَكَذَا إنْ لَمْ يَتَحَرَّكْ فِي الْأَصَحِّ.
فَلَوْ جَعَلَهُ
[مغني المحتاج]
الَّذِي جَهِلَ مَكَانَ النَّجَاسَةَ فِيهِ.
لَا يُقَالُ فِي الصُّورَةِ الثَّانِيَةِ إنَّا لَمْ نَتَيَقَّنْ نَجَاسَتَهُ.
لِأَنَّا نَقُولُ: قَدْ تَيَقَّنَّا نَجَاسَةَ الثَّوْبِ، وَلَمْ نَتَيَقَّنْ طَهَارَتَهُ، وَالطَّهَارَةُ لَا تُرْفَعُ بِالشَّكِّ، وَلَا يُشْكَلُ عَلَى هَذَا أَنَّهُ لَوْ مَسَّ شَيْئًا رَطْبًا لَا يُنَجِّسُهُ لِأَنَّا لَا نُنَجِّسُ بِالشَّكِّ، وَالثَّانِي لَا يَطْهُرُ لِأَنَّهُ تَنَجَّسَ بِالْمُجَاوِرِ مُجَاوِرُهُ وَهَكَذَا، وَإِنَّمَا يَطْهُرُ بِغَسْلِهِ دَفْعَةً وَاحِدَةً، وَدُفِعَ بِأَنَّ نَجَاسَةَ الْمُجَاوِرِ لَا تَتَعَدَّى، إلَى مَا بَعْدَهُ كَالسَّمْنِ الْجَامِدِ يَنْجُسُ مِنْهُ مَا حَوْلَ النَّجَاسَةِ فَقَطْ.
وَقِيلَ: يَطْهُرُ مُطْلَقًا، وَقِيلَ: إنْ عَلَّقَ الثَّوْبَ، وَصَبَّ الْمَاءَ عَلَى أَعْلَاهُ إلَى النِّصْفِ ثُمَّ صَبَّ عَلَى النِّصْفِ الثَّانِي طَهُرَ؛ لِأَنَّ الْمَاءَ لَا يَتَرَادَّ إلَى الْأَعْلَى، وَإِلَّا لَمْ يَطْهُرْ لِأَنَّهُ يَتَرَادَّ، وَمَحَلُّ الْأَوَّلِ مَا إذَا غَسَلَهُ بِالصَّبِّ عَلَيْهِ فِي غَيْرِ إنَاءٍ، فَإِنْ غَسَلَهُ فِي إنَاءٍ كَجَفْنَةٍ، وَنَحْوِهَا بِأَنْ وَضَعَ نِصْفَهُ ثُمَّ صَبَّ عَلَيْهِ مَاءً يَغْمُرُهُ لَمْ يَطْهُرْ حَتَّى يُغْسَلَ دَفْعَةً كَمَا هُوَ الْأَصَحُّ فِي الْمَجْمُوعِ خِلَافًا لِبَعْضِ الْمُتَأَخِّرِينَ، لِأَنَّ مَا فِي نَحْوِ الْجَفْنَةِ يُلَاقِيهِ الثَّوْبُ الْمُتَنَجِّسُ، وَهُوَ وَارِدٌ عَلَى مَاءٍ قَلِيلٍ فَيَنْجُسُ، وَإِذَا تَنَجَّسَ الْمَاءُ لَمْ يَطْهُرْ الثَّوْبُ.
(، وَلَا تَصِحُّ صَلَاةُ مُلَاقٍ - بَعْضُ لِبَاسِهِ -) أَوْ بَدَنِهِ (نَجَاسَةً) فِي شَيْءٍ مِنْ صَلَاتِهِ لِمَا مَرَّ (وَإِنْ لَمْ يَتَحَرَّكْ بِحَرَكَتِهِ) كَطَرَفِ عِمَامَتِهِ الطَّوِيلَةِ أَوْ كُمِّهِ الطَّوِيلِ الْمُتَّصِلِ بِنَجَاسَةٍ، وَخَالَفَ ذَلِكَ مَا لَوْ سَجَدَ عَلَى مُتَّصِلٍ بِهِ حَيْثُ تَصِحُّ إنْ لَمْ يَتَحَرَّكْ بِحَرَكَتِهِ، لِأَنَّ اجْتِنَابَ النَّجَاسَةِ فِي الصَّلَاةِ شُرِعَ لِلتَّعْظِيمِ، وَهَذَا يُنَافِيهِ، وَالْمَطْلُوبُ فِي السُّجُودِ كَوْنُهُ مُسْتَقِرًّا عَلَى غَيْرِهِ لِحَدِيثِ " مَكِّنْ جَبْهَتَك " فَإِذَا سَجَدَ عَلَى مُتَّصِلٍ بِهِ لَمْ يَتَحَرَّكْ بِحَرَكَتِهِ حَصَلَ الْمَقْصُودُ.
(، وَلَا) تَصِحُّ صَلَاةُ نَحْوِ (قَابِضٍ) كَشَادٍّ بِنَحْوِ يَدِهِ (طَرَفَ شَيْءٍ) كَحَبْلٍ طَرَفُهُ الْآخَرُ نَجَسٌ أَوْ مَوْضُوعٌ (عَلَى نَجَسٍ إنْ تَحَرَّكَ) مَا ذُكِرَ بِحَرَكَتِهِ (وَكَذَا إنْ لَمْ يَتَحَرَّكْ) بِهَا (فِي الْأَصَحِّ) لِأَنَّهُ حَامِلٌ لِمُتَّصِلٍ بِنَجَاسَةٍ فِي الْمَسَائِلِ الْمَذْكُورَةِ، فَكَأَنَّهُ حَامِلٌ لَهَا، وَالثَّانِي تَصِحُّ؛ لِأَنَّ الطَّرَفَ الْمُلَاقِيَ لِلنَّجَاسَةِ لَيْسَ مَحْمُولًا لَهُ، وَلَوْ كَانَ طَرَفُ الْحَبْلِ مُلْقًى عَلَى سَاجُورِ نَحْوِ كَلْبٍ، وَهُوَ مَا يُجْعَلُ فِي عُنُقِهِ أَوْ مَشْدُودًا بِدَابَّةٍ أَوْ بِسَفِينَةٍ صَغِيرَةٍ بِحَيْثُ تَنْجَرُّ بِجَرِّ الْحَبْلِ أَوْ قَابِضِهِ يَحْمِلَانِ نَجَسًا أَوْ مُتَّصِلًا بِهِ لَمْ تَصِحَّ صَلَاتُهُ عَلَى الْأَصَحِّ فِي الرَّوْضَةِ وَالْمَجْمُوعِ، بِخِلَافِ سَفِينَةٍ كَبِيرَةٍ لَا تَتَحَرَّكُ بِجَرِّهِ فَإِنَّهَا كَالدَّارِ، وَلَا فَرْقَ فِي السَّفِينَةِ بَيْنَ أَنْ تَكُونَ فِي الْبَرِّ أَوْ فِي الْبَحْرِ خِلَافًا لِمَا قَالَهُ الْإِسْنَوِيُّ مِنْ أَنَّهَا إذَا كَانَتْ فِي الْبَرِّ لَمْ تَبْطُلْ قَطْعًا صَغِيرَةً كَانَتْ أَوْ كَبِيرَةً.
اهـ.
تَنْبِيهٌ: لَا يُشْتَرَطُ فِي اتِّصَالِ الْحَبْلِ بِسَاجُورِ الْكَلْبِ، وَلَا بِمَا ذُكِرَ مَعَهُ أَنْ يَكُونَ مَشْدُودًا بِهِ بَلْ الْإِلْقَاءُ عَلَيْهِ كَافٍ كَمَا عَبَّرْت بِهِ فِي السَّاجُورِ.
قَالَ شَيْخُنَا فِي شَرْحِ الرَّوْضِ، وَلَا حَاجَةَ لِقَوْلِ الْمُصَنِّفِ مَشْدُودٌ لِأَنَّهُ يُوهِمُ خِلَافَ الْمُرَادِ، وَلَوْ كَانَ الْحَبْلُ عَلَى مَوْضِعٍ طَاهِرٍ مِنْ نَحْوِ حِمَارٍ، وَعَلَيْهِ نَجَاسَةٌ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ، فَعَلَى الْخِلَافِ فِي السَّاجُورِ، وَأَوْلَى بِالصِّحَّةِ مِنْهُ، لِأَنَّ السَّاجُورِ قَدْ يُعَدُّ مِنْ تَوَابِعِ الْحَبْلِ وَأَجْزَائِهِ بِخِلَافِ الْحِمَارِ.
(فَلَوْ جَعَلَهُ) أَيْ: طَرَفَ مَا طَرَفُهُ الْآخَرُ نَجَسٌ أَوْ الْكَائِنَ