مغني المحتاج إلى معرفة معاني ألفاظ المنهاجصفحات 479-518
أهل الأثرالأرشيف العلمي

قُلْت: وَلَوْ قَالَ أَنْتِ وَاحِدَةٌ وَنَوَى عَدَدًا فَالْمَنْوِيُّ، وَقِيلَ وَاحِدَةٌ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

وَلَوْ أَرَادَ أَنْ يَقُولَ أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا فَمَاتَتْ قَبْلَ تَمَامِ طَالِقٌ لَمْ يَقَعْ أَوْ بَعْدَهُ قَبْلَ ثَلَاثًا فَثَلَاثٌ، وَقِيلَ وَاحِدَةٌ، وَقِيلَ لَا شَيْءَ.

[مغني المحتاج]

وَغَيْرُهُ: ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ وُقُوعُ وَاحِدَةٌ أَيْضًا اهـ. وَيُؤَيِّدُهُ عَدَمُ الْفَرْقِ بَيْنَ قَوْلِهِ: أَنْتِ طَالِقٌ وَاحِدَةٌ بِالرَّفْعِ وَبَيْنَ أَنْتِ وَاحِدَةٌ بِالرَّفْعِ وَحَذْفِ طَالِقٍ كَمَا سَيَأْتِي (قُلْت: وَلَوْ قَالَ: أَنْتِ وَاحِدَةٌ) بِالرَّفْعِ (وَنَوَى عَدَدًا فَالْمَنْوِيُّ) حَمْلًا لِلتَّوَحُّدِ عَلَى التَّفَرُّدِ عَنْ الزَّوْجِ بِالْعَدَدِ الْمَنْوِيِّ لِقُرْبِهِ مِنْ اللَّفْظِ (وَقِيلَ) يَقَعُ (وَاحِدَةٌ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ) لِأَنَّ لَفْظَ الْوِحْدَةِ نَصٌّ لَا يَحْتَمِلُ مَا زَادَ عَلَيْهَا، وَيَجْرِي الْخِلَافُ فِيمَا لَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ وَاحِدَةٌ بِالرَّفْعِ.
تَنْبِيهٌ: حَاصِلُ مَا ذُكِرَ أَنَّ الْمُعْتَمَدَ اعْتِبَارُ الْمَنْوِيِّ فِي جَمِيعِ الْحَالَاتِ، وَلَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ اثْنَتَيْنِ وَنَوَى بِهِ الثَّلَاثَ.
قَالَ فِي التَّوْشِيحِ: يَظْهَرُ مَجِيءُ الْخِلَافِ فِيهِ أَنَّهُ هَلْ يَقَعُ مَا نَوَى أَوْ لَا يَقَعُ إلَّا ثِنْتَانِ؟ وَالرَّاجِحُ وُقُوعُ الثَّلَاثِ، وَوَجْهُهُ أَنَّهُ لَمَّا نَوَى الثَّلَاثَ بِأَنْتِ طَالِقٌ ثُمَّ قَالَ ثِنْتَيْنِ فَكَأَنَّهُ يُرِيدُ رَفْعَ مَا وَقَعَ، وَلَوْ قَالَ: أَنْتِ بَائِنٌ ثَلَاثًا وَنَوَى وَاحِدَةً فَهَلْ يُنْظَرُ إلَى اللَّفْظِ أَوْ إلَى النِّيَّةِ؟ وَجْهَانِ قَضِيَّةُ كَلَامِ الْمُتَوَلِّي الْجَزْمُ بِالثَّلَاثِ.
وَحَاصِلُ ذَلِكَ أَنَّ النِّيَّةَ إذَا اخْتَلَفَتْ مَعَ اللَّفْظِ فَالْعِبْرَةُ بِالْأَكْثَرِ مِنْهُمَا.

(وَلَوْ أَرَادَ أَنْ يَقُولَ: أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا فَمَاتَتْ) أَوْ أَسْلَمَتْ أَوْ ارْتَدَّتْ قَبْلَ دُخُولٍ بِهَا أَوْ أَخَذَ شَخْصٌ عَلَى فِيهِ (قَبْلَ تَمَامِ طَالِقٌ لَمْ يَقَعْ) طَلَاقٌ لِخُرُوجِهَا عَنْ مَحَلِّ الطَّلَاقِ قَبْلَ تَمَامِهِ (أَوْ بَعْدَهُ قَبْلَ) شُرُوعِهِ فِي قَوْلِهِ (ثَلَاثًا فَثَلَاثٌ) لِأَنَّهُ كَانَ قَاصِدًا لِلثَّلَاثِ حِينَ قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ وَقَدْ تَمَّ مَعَهُ لَفْظُ الطَّلَاقِ فِي حَيَاتِهَا، أَوْ قَبْلَ إسْلَامِهَا، أَوْ قَبْلَ رِدَّتِهَا، أَوْ قَبْلَ إمْسَاكٍ فِيهِ (وَقِيلَ:) يَقَعُ (وَاحِدَةٌ) وَيُلْغَى قَوْلُهُ ثَلَاثًا لِوُقُوعِهِ بَعْدَ مَوْتِهَا (وَقِيلَ: لَا شَيْءَ) يَقَعُ مِنْ ثَلَاثٍ أَوْ وَاحِدَةٍ؛ لِأَنَّ الْكَلَامَ بِآخِرِهِ وَقَدْ مَاتَتْ قَبْلَ تَمَامِهِ، وَتَرْجِيحُ الْأَوَّلِ نَقَلَا تَصْحِيحَهُ فِي الرَّوْضَةِ وَأَصْلِهَا عَنْ الْبَغَوِيِّ، ثُمَّ قَالَا: وَقَالَ إسْمَاعِيلُ الْبُوشَنْجِيُّ: الَّذِي تَقْتَضِيهِ الْفَتْوَى أَنَّهُ إنْ نَوَى الثَّلَاثَ بِقَوْلِهِ: أَنْتِ طَالِقٌ وَقَصَدَ أَنْ يُحَقِّقَهُ بِاللَّفْظِ فَثَلَاثٌ وَإِلَّا فَوَاحِدَةٌ اهـ. وَصَحَّحَ هَذَا فِي الْأَنْوَارِ.
وَقَالَ الزَّرْكَشِيُّ: إنَّهُ الصَّوَابُ الْمَنْقُولُ عَنْ الْمَاوَرْدِيُّ وَالْقَفَّالِ وَغَيْرِهِمَا اهـ. وَهَذَا هُوَ الظَّاهِرُ وَإِنْ نَازَعَ فِي ذَلِكَ الْأَذْرَعِيُّ.
تَنْبِيهٌ: قَدْ عُلِمَ مِمَّا تَقَرَّرَ أَنَّ ذِكْرَ الْمَوْتِ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ مِثَالٌ، وَاحْتَرَزَ بِقَوْلِهِ: وَلَوْ أَرَادَ أَنْ يَقُولَ أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا عَمَّا لَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ عَلَى عَزْمِ الِاقْتِصَارِ عَلَيْهِ فَمَاتَتْ، فَقَالَ: ثَلَاثًا.
قَالَ الْإِمَامُ: لَا شَكَّ أَنَّ الثَّلَاثَ لَا تَقَعُ بَلْ يَقَعُ وَاحِدَةٌ، وَاخْتَلَفُوا فِي قَوْلِهِ: أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا كَيْفَ سَبِيلُهُ، فَقِيلَ: قَوْلُهُ: ثَلَاثًا مَنْصُوبٌ بِالتَّفْسِيرِ وَالتَّمْيِيزِ.
قَالَ الْإِمَامُ: وَهَذَا جَهْلٌ بِالْعَرَبِيَّةِ، وَإِنَّمَا هُوَ صِفَةٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، أَيْ طَالِقٌ طَلَاقًا ثَلَاثًا، كَقَوْلِهِ: ضَرَبْت زَيْدًا شَدِيدًا، يَعْنِي ضَرْبًا شَدِيدًا.

فُرُوعٌ: لَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ إنْ أَوْ إنْ لَمْ، وَقَالَ قَصَدْت الشَّرْطَ لَمْ يُقْبَلْ ظَاهِرًا إلَّا إنْ مُنِعَ

وَإِنْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ أَنْتِ طَالِقٌ أَنْتِ طَالِقٌ وَتَخَلَّلَ فَصْلٌ فَثَلَاثٌ،

[مغني المحتاج]

الْإِتْمَامَ كَأَنْ وَضَعَ غَيْرُهُ يَدَهُ عَلَى فَمِهِ وَحَلَفَ فَيُقْبَلُ ظَاهِرًا لِلْقَرِينَةِ، وَلَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ طَلْقَةً وَاحِدَةً أَلْفَ مَرَّةٍ، أَوْ كَأَلْفٍ، أَوْ أَنْتِ طَالِقٌ بِوَزْنِ أَلْفِ دِرْهَمٍ وَلَمْ يَنْوِ عَدَدًا فِي الثَّلَاثِ فَطَلْقَةٌ وَاحِدَةٌ فَقَطْ؛ لِأَنَّ ذِكْرَ الْوَاحِدَةِ فِي الْأَوَّلَيْنِ يَمْنَعُ لُحُوقَ الْعَدَدِ، وَذِكْرَ الْوَزْنِ فِي الثَّالِثَةِ مُلْغًى؛ لِأَنَّ الطَّلَاقَ لَا يُوزَنُ، وَلَوْ قَالَ: أَنْت كَمِائَةِ طَالِقٍ وَقَعَتْ وَاحِدَةٌ لِأَنَّهَا الْمُتَيَقَّنَةُ فِي أَحَدِ وَجْهَيْنِ اخْتَارَهُ الْبَنْدَنِيجِيُّ وَغَيْرُهُ، وَلَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ حَتَّى يُتِمَّ الثَّلَاثَ أَوْ أَكْمَلَهَا وَلَمْ يَنْوِ الثَّلَاثَ فَوَاحِدَةٌ، وَقِيلَ: ثَلَاثٌ، وَلَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ أَلْوَانًا مِنْ الطَّلَاقِ فَوَاحِدَةٌ إنْ لَمْ يَنْوِ عَدَدًا، بِخِلَافِ قَوْلِهِ أَنْوَاعًا مِنْ الطَّلَاقِ أَوْ أَجْنَاسًا مِنْهُ أَوْ أَصْنَافًا فَإِنَّ الظَّاهِرَ كَمَا قَالَ شَيْخُنَا وُقُوعُ الثَّلَاثِ، وَلَوْ قَالَتْ لِزَوْجِهَا: طَلِّقْنِي ثَلَاثًا، فَقَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ وَلَمْ يَنْوِ عَدَدًا فَوَاحِدَةٌ.
فَإِنْ قِيلَ الْجَوَابُ مُنَزَّلٌ عَلَى السُّؤَالِ فَيَنْبَغِي وُقُوعُ الثَّلَاثِ كَمَا لَوْ قَالُوا فِيمَا لَوْ قَالَ: طَلِّقِي نَفْسَك ثَلَاثًا، فَقَالَتْ بِلَا نِيَّةٍ: طَلَّقْت فَإِنَّهَا تَطْلُقُ ثَلَاثًا.
أُجِيبَ بِأَنَّ السَّائِلَ فِي تِلْكَ مَالِكٌ لِلطَّلَاقِ، بِخِلَافِهِ فِي هَذِهِ، وَلَوْ طَلَّقَهَا طَلْقَةً رَجْعِيَّةً، ثُمَّ قَالَ: جَعَلْتهَا ثَلَاثًا لَمْ يَقَعْ بِهِ شَيْءٌ، وَلَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ مِلْءَ الدُّنْيَا أَوْ مِثْلَ الْجَبَلِ أَوْ أَعْظَمَ الطَّلَاقِ أَوْ أَكْبَرَهُ بِالْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ، أَوْ أَطْوَلَهُ أَوْ أَعْرَضَهُ أَوْ أَشَدَّهُ أَوْ نَحْوَهَا وَقَعَتْ وَاحِدَةٌ فَقَطْ، وَكَذَا لَوْ قَالَ: بِعَدَدِ التُّرَابِ بِنَاءً عَلَى قَوْلِ الْجُمْهُورِ أَنَّ التُّرَابَ اسْمُ جِنْسٍ لَا جَمْعٍ، أَوْ بِعَدَدِ شَعْرِ إبْلِيسَ؛ لِأَنَّهُ نَجَّزَ الطَّلَاقَ وَرَبَطَ عَدَدَهُ بِشَيْءٍ شَكَكْنَا فِيهِ فَنُوقِعُ أَصْلَ الطَّلَاقِ وَنُلْغِي الْعَدَدَ، وَلَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ بِعَدَدِ أَنْوَاعِ التُّرَابِ أَوْ أَكْثَرَ الطَّلَاقِ بِالْمُثَلَّثَةِ أَوْ كُلَّهُ، أَوْ يَا مِائَةُ طَالِقٍ، أَوْ أَنْت مِائَةُ طَالِقٍ وَقَعَ الثَّلَاثُ لِظُهُورِ ذَلِكَ فِيهَا، وَلَوْ قَالَ: أَنْت طَالِقٌ أَقَلَّ مِنْ طَلْقَتَيْنِ وَأَكْثَرَ مِنْ طَلْقَةٍ وَقَعَ طَلْقَتَانِ كَمَا نَقَلَهُ الْإِسْنَوِيُّ عَنْ أَبِي الْمَعَالِي وَصَوَّبَهُ.

ثُمَّ شَرَعَ فِي تَكْرِيرِ الطَّلَاقِ، فَقَالَ (وَإِنْ) أَتَى بِثَلَاثِ جُمَلٍ تَكَرَّرَ فِيهَا لَفْظُ الْمُبْتَدَأِ وَالْخَبَرِ كَأَنْ (قَالَ) لِمَدْخُولٍ بِهَا (أَنْتِ طَالِقٌ، أَنْتِ طَالِقٌ، أَنْتِ طَالِقٌ، وَتَخَلَّلَ فَصْلٌ فَثَلَاثٌ) سَوَاءٌ أَقَصَدَ التَّأْكِيدَ أَمْ لَا؛ لِأَنَّهُ خِلَافُ الظَّاهِرِ، لَكِنْ إذَا قَالَ: قَصَدْت التَّأْكِيدَ فَإِنَّهُ يُدَيَّنُ، فَإِنْ تَكَرَّرَ لَفْظُ الْخَبَرِ فَقَطْ كَأَنْتِ طَالِقٌ طَالِقٌ طَالِقٌ فَكَذَا عِنْدَ الْجُمْهُورِ خِلَافًا لِلْقَاضِي فِي قَوْلٍ يَقَعُ وَاحِدَةٌ، وَلَوْ لَمْ يَرْفَعْ الْمُكَرَّرَ بَلْ نَصَبَهُ كَأَنْتِ طَالِقٌ طَالِقًا لَمْ يَقَعْ شَيْءٌ فِي الْحَالِ كَمَا قَالَهُ الْعَبَّادِيُّ، لَكِنْ إذَا طَلَّقَهَا وَقَعَ طَلْقَتَانِ، وَالتَّقْدِيرُ إذَا صِرْت مُطَلَّقَةً فَأَنْتِ طَالِقٌ.
تَنْبِيهٌ: الْمُرَادُ بِالْفَصْلِ أَنْ يَسْكُتَ فَوْقَ سَكْتَةِ التَّنَفُّسِ.
قَالَ الْإِمَامُ: وَهُوَ كَالِاسْتِثْنَاءِ فِي الِاتِّصَالِ لَا كَالْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ فَإِنَّهُ كَلَامُ شَخْصٍ وَاحِدٍ، وَهَذَا فِي الطَّلَاقِ الْمُنَجَّزِ.
أَمَّا الْمُعَلَّقِ كَإِنْ دَخَلْت الدَّارَ فَأَنْتِ طَالِقٌ، إنْ دَخَلْت الدَّارَ فَأَنْتِ طَالِقٌ، إنْ دَخَلْت الدَّارَ فَأَنْتِ طَالِقٌ، فَإِنَّ الطَّلَاقَ لَا يَتَعَدَّدُ إلَّا إنْ نَوَى الِاسْتِئْنَافَ، فَإِنْ نَوَاهُ تَعَدَّدَ، بِخِلَافِ مَا لَوْ نَوَى الِاسْتِئْنَافَ فِي نَظِيرِهِ مِنْ الْأَيْمَانِ لَا تَتَعَدَّدُ الْكَفَّارَةُ؛ لِأَنَّ الطَّلَاقَ مَحْصُورٌ، فَقَصْدُ الِاسْتِئْنَافِ يَقْتَضِي اسْتِيفَاءَهُ، بِخِلَافِ الْكَفَّارَةِ؛ وَلِأَنَّ الْكَفَّارَةَ تُشْبِهُ الْحُدُودَ الْمُتَّحِدَةَ الْجِنْسِ فَتَتَدَاخَلُ بِخِلَافِ الطَّلَاقِ وَقَدْ مَرَّتْ

وَإِلَّا فَإِنْ قَصَدَ تَأْكِيدًا فَوَاحِدَةٌ أَوْ اسْتِئْنَافًا فَثَلَاثٌ، وَكَذَا إنْ أَطْلَقَ فِي الْأَظْهَرِ، وَإِنْ قَصَدَ بِالثَّانِيَةِ تَأْكِيدًا وَبِالثَّالِثَةِ اسْتِئْنَافًا أَوْ عَكَسَ فَثِنْتَانِ أَوْ بِالثَّالِثَةِ تَأْكِيدَ الْأُولَى فَثَلَاثٌ فِي الْأَصَحِّ.

وَإِنْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ وَطَالِقٌ وَطَالِقٌ صَحَّ قَصْدُ تَأْكِيدِ الثَّانِي بِالثَّالِثِ،

[مغني المحتاج]

الْإِشَارَةُ إلَى ذَلِكَ (وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يَتَخَلَّلْ فَصْلٌ (فَإِنْ قَصَدَ تَأْكِيدًا) أَيْ قَصَدْنَا تَأْكِيدَ الْأُولَى بِالْأَخِيرَتَيْنِ (فَوَاحِدَةٌ) أَيْ تَقَعُ؛ لِأَنَّ التَّأْكِيدَ فِي كَلَامِهِمْ مَعْهُودٌ فِي جَمِيعِ اللُّغَاتِ وَقَدْ وَرَدَ بِهِ الشَّرْعُ.
تَنْبِيهٌ: بَحَثَ بَعْضُهُمْ اشْتِرَاطَ نِيَّةِ التَّأْكِيدِ مِنْ أَوَّلِ التَّأْسِيسِ أَوْ فِي أَثْنَائِهِ عَلَى الْخِلَافِ الْآتِي فِي نِيَّةِ الِاسْتِثْنَاءِ وَهُوَ حَسَنٌ (أَوْ) قَصَدَ (اسْتِئْنَافًا فَثَلَاثٌ) تَقَعُ؛ لِأَنَّ اللَّفْظَ ظَاهِرٌ فِيهِ وَتَأْكِيدٌ بِالنِّيَّةِ (وَكَذَا إنْ أَطْلَقَ) بِأَنْ لَمْ يَقْصِدْ تَأْكِيدًا وَلَا اسْتِئْنَافًا يَقَعُ ثَلَاثٌ (فِي الْأَظْهَرِ) عَمَلًا بِظَاهِرِ اللَّفْظِ، وَلِأَنَّ حَمْلَهُ عَلَى فَائِدَةٍ جَدِيدَةٍ أَوْلَى مِنْهُ عَلَى التَّأْكِيدِ وَالثَّانِي لَا يَقَعُ إلَّا وَاحِدَةٌ؛ لِأَنَّ التَّأْكِيدَ مُحْتَمَلٌ فَيُؤْخَذُ بِالْيَقِينِ.
تَنْبِيهٌ: هَذَا التَّفْصِيلُ يَأْتِي فِي تَكْرِيرِ الْكِنَايَاتِ كَقَوْلِهِ: اعْتَدِّي، اعْتَدِّي، اعْتَدِّي، كَمَا حَكَاهُ الرَّافِعِيُّ فِي الْفُرُوعِ الْمَنْثُورَةِ فِي الصَّرِيحِ وَالْكِنَايَةِ، لَوْ كَانَتْ الْأَلْفَاظُ مُخْتَلِفَةً وَنَوَى بِهَا الطَّلَاقَ وَقَعَ بِكُلِّ لَفْظَةٍ طَلْقَةٌ كَمَا فِي الرَّوْضَةِ وَأَصْلِهَا، وَلَوْ اخْتَلَفَ أَلْفَاظُ الصَّرِيحِ كَأَنْتَ مُطَلَّقَةٌ، أَنْتِ مُسَرَّحَةٌ، فَهُوَ كَقَوْلِهِ: أَنْتِ طَالِقٌ، أَنْتِ طَالِقٌ، أَنْتِ طَالِقٌ عَلَى الْأَصَحِّ، وَقِيلَ: يَقَعُ فِي هَذِهِ الثَّلَاثِ قَطْعًا، حَكَاهُ الْحَنَّاطِيُّ.
قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: وَيَنْبَغِي أَنْ يُلْحَقَ بِالْإِطْلَاقِ مَا لَوْ تَعَذَّرَتْ مُرَاجَعَتُهُ بِمَوْتٍ أَوْ جُنُونٍ أَوْ نَحْوِهِ قَالَ: وَلَمْ يَتَعَرَّضُوا لَهُ اهـ. وَهُوَ ظَاهِرٌ، وَتَصْوِيرُ الْمُصَنِّفِ وَغَيْرِهِ التَّأْكِيدَ بِثَلَاثٍ قَدْ يَقْتَضِي أَنَّهُ لَا يَصِحُّ مِنْهُ إرَادَةُ التَّأْكِيدِ بِالرَّابِعَةِ.
وَقَالَ فِي التَّوْشِيحِ: أَنَّهُ الَّذِي يُتَّجَهُ.
وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: إنَّ الْعَرَبَ لَا تُؤَكِّدُ أَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثِ مَرَّاتٍ.
وَقَالَ الْبُلْقِينِيُّ: الْحُكْمُ عِنْدِي فِي ذَلِكَ كَالْحُكْمِ فِي صُورَةِ تَكْرِيرِهِ ثَلَاثًا، وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَتَخَيَّلَ أَنَّ الرَّابِعَةَ تَقَعُ بِهَا طَلْقَةٌ لِفَرَاغِ الْعَدَدِ؛ لِأَنَّهُ إذَا صَحَّ التَّأْكِيدُ بِمَا يَقَعُ لَوْلَا قَصْدُ التَّأْكِيدِ فَلَأَنْ يُؤَكِّدَ بِمَا لَا يَقَعُ عِنْدَ قَصْدِ التَّأْكِيدِ أَوْلَى اهـ. وَالْمُتَّجَهُ كَمَا قَالَ الْإِسْنَوِيُّ فِي التَّمْهِيدِ أَنَّهُ يُقْبَلُ التَّأْكِيدُ مُطْلَقًا كَمَا أَطْلَقَهُ الْأَصْحَابُ فِي الْإِقْرَارِ وَغَيْرِهِ (وَإِنْ قَصَدَ بِالثَّانِيَةِ تَأْكِيدًا) لِلْأُولَى (وَبِالثَّالِثَةِ اسْتِئْنَافًا أَوْ عَكَسَ) بِأَنْ قَصَدَ بِالثَّانِيَةِ اسْتِئْنَافًا وَبِالثَّالِثَةِ تَأْكِيدًا لِلثَّانِيَةِ (فَثِنْتَانِ) يَقَعَانِ بِقَصْدِهِ، وَلَيْسَ هَذَا عَكْسُ صُورَةِ الْمَتْنِ؛ لِأَنَّهَا مَذْكُورَةٌ فِي قَوْلِهِ (أَوْ) قَصَدَ (بِالثَّالِثَةِ تَأْكِيدَ الْأُولَى) وَبِالثَّانِيَةِ الِاسْتِئْنَافَ (فَثَلَاثٌ فِي الْأَصَحِّ) لِتَخَلُّلِ الْفَاصِلِ بَيْنَ الْمُؤَكَّدِ وَالْمُؤَكِّدِ.
وَالثَّانِي: طَلْقَتَانِ وَيُغْتَفَرُ الْفَصْلُ الْيَسِيرُ.
تَنْبِيهٌ: بَقِيَ مَا لَوْ قَصَدَ بِالثَّانِيَةِ وَلَمْ يَقْصِدْ بِالثَّالِثَةِ شَيْئًا، أَوْ بِالثَّالِثَةِ الِاسْتِئْنَافَ وَلَمْ يَقْصِدْ بِالثَّانِيَةِ شَيْئًا، وَالْأَظْهَرُ وُقُوعُ ثَلَاثٍ فِيهِمَا.

(وَإِنْ) كَرَّرَ الْخَبَرَ بِعَطْفٍ كَأَنْ (قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ، وَطَالِقٌ، وَطَالِقٌ) بِالْوَاوِ كَمَا مُثِّلَ أَوْ الْفَاءِ أَوْ ثُمَّ (صَحَّ قَصْدُ تَأْكِيدِ الثَّانِي بِالثَّالِثِ) لِتَسَاوِيهِمَا فِي

لَا الْأَوَّلِ بِالثَّانِي، وَهَذِهِ الصُّوَرُ فِي مَوْطُوءَةٍ، فَلَوْ قَالَهُنَّ لِغَيْرِهَا فَطَلْقَةٌ بِكُلِّ حَالٍ، وَلَوْ قَالَ لِهَذِهِ إنْ دَخَلْت الدَّارَ فَأَنْتِ طَالِقٌ وَطَالِقٌ فَدَخَلَتْ فَثِنْتَانِ فِي الْأَصَحِّ.

وَلَوْ قَالَ لِمَوْطُوءَةٍ أَنْتِ طَالِقٌ طَلْقَةً مَعَ أَوْ مَعَهَا طَلْقَةٌ فَثِنْتَانِ، وَكَذَا غَيْرُ مَوْطُوءَةٍ فِي الْأَصَحِّ.

وَلَوْ قَالَ طَلْقَةً قَبْلَ طَلْقَةٍ أَوْ بَعْدَهَا طَلْقَةٌ فَثِنْتَانِ فِي مَوْطُوءَةٍ،

[مغني المحتاج]

الصِّيغَةِ (لَا) تَأْكِيدِ (الْأَوَّلِ بِالثَّانِي) لِاخْتِصَاصِ الثَّانِي بِحَرْفِ الْعَطْفِ وَمُوجِبُهُ التَّغَايُرِ، وَهَذَا الظَّاهِرُ، أَمَّا فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى فَيَصِحُّ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْمَاوَرْدِيُّ، وَقَالَ ابْنُ الرِّفْعَةِ: إنَّهُ الَّذِي يَقْتَضِيه نَصُّ الشَّافِعِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -. تَنْبِيهٌ: سَكَتَ الْمُصَنِّفُ عَنْ حَالَةِ الْإِطْلَاقِ وَفِيهَا قَوْلَانِ كَمَا سَبَقَ (وَهَذِهِ الصُّوَرُ) السَّابِقَةُ كُلُّهَا (فِي) زَوْجَةٍ (مَوْطُوءَةٍ) غَيْرِ مُخَالَعَةٍ (فَلَوْ قَالَهُنَّ لِغَيْرِهَا فَطَلْقَةٌ بِكُلِّ حَالٍ) لِأَنَّهَا تَبِينُ بِالْأُولَى فَلَا يَقَعُ مَا بَعْدَهَا (وَلَوْ قَالَ لِهَذِهِ) أَيْ غَيْرِ الْمَدْخُولِ بِهَا (إنْ دَخَلْت الدَّارَ) مَثَلًا (فَأَنْتِ طَالِقٌ وَطَالِقٌ) أَوْ أَنْتِ طَالِقٌ وَطَالِقٌ إنْ دَخَلْت الدَّارَ (فَدَخَلَتْ) هَا (فَثِنْتَانِ) يَقَعَانِ (فِي الْأَصَحِّ) لِأَنَّهُمَا مُتَعَلِّقَانِ بِالدُّخُولِ وَلَا تَرْتِيبَ بَيْنَهُمَا، وَإِنَّمَا يَقَعَانِ مَعًا، وَالثَّانِي: لَا يَقَعُ إلَّا وَاحِدَةً كَالْمُنَجَّزِ.
تَنْبِيهٌ: لَوْ عَطَفَ بِثُمَّ أَوْ نَحْوِهَا مِمَّا يَقْتَضِي التَّرْتِيبَ لَمْ يَقَعْ بِالدُّخُولِ إلَّا وَاحِدَةٌ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يَقْتَضِي التَّرْتِيبَ، وَسَوَاءٌ أَقَدَّمَ الشَّرْطَ أَمْ أَخَّرَهُ كَمَا نَقَلَاهُ عَنْ الْمُتَوَلِّي وَأَقَرَّاهُ

وَلَوْ قَالَ لِغَيْرِ الْمَدْخُولِ بِهَا: أَنْتِ طَالِقٌ أَحَدَ عَشَرَ طَلْقَةً طَلُقَتْ ثَلَاثًا بِخِلَافِ أَنْتِ طَالِقٌ إحْدَى وَعِشْرِينَ طَلْقَةً لَا يَقَعُ إلَّا وَاحِدَةٌ فَقَطْ؛ لِأَنَّهُ مَعْطُوفٌ فَكَأَنَّهُ قَالَ وَاحِدَةً وَعِشْرِينَ، بِخِلَافِ أَحَدَ عَشَرَ فَإِنَّهُ مُرَكَّبٌ، وَلَوْ قَالَ: إنْ دَخَلْت الدَّارَ فَأَنْتِ طَالِقٌ طَلْقَةً، وَإِنْ دَخَلْت الدَّارَ فَأَنْتِ طَالِقٌ طَلْقَتَيْنِ، فَدَخَلَتْ طَلُقَتْ ثَلَاثًا وَإِنْ كَانَتْ غَيْرَ مَدْخُولٍ بِهَا، وَلَوْ قَالَ لِزَوْجَتِهِ: أَنْتِ طَالِقٌ مِنْ وَاحِدَةٍ إلَى ثَلَاثٍ طَلُقَتْ ثَلَاثًا إدْخَالًا لِلطَّرَفَيْنِ؛ لِأَنَّهُ وُجِدَ مِنْهُ التَّلَفُّظُ بِالثَّلَاثِ فَلَا سَبِيلَ إلَى إلْغَائِهَا.
فَإِنْ قِيلَ: فِي الْإِقْرَارِ لَا يَدْخُلُ الطَّرَفُ الْأَخِيرُ، فَقَوْلُهُ لَهُ عَلَيَّ مِنْ دِرْهَمٍ إلَى ثَلَاثَةٍ يَلْزَمُهُ دِرْهَمَانِ فَهَلَّا كَانَ هُنَا كَذَلِكَ كَمَا جَرَى عَلَيْهِ فِي التَّنْبِيهِ؟ . أُجِيبَ بِأَنَّ الطَّلَاقَ لَهُ عَدَدٌ مَحْصُورٌ فَأَدْخَلْنَا الطَّرَفَيْنِ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ اسْتِيفَاؤُهُ بِخِلَافِ الدَّرَاهِمِ الْمُقِرِّ بِهَا.
وَلَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ مَا بَيْنَ وَاحِدَةٍ إلَى ثَلَاثٍ طَلُقَتْ ثَلَاثًا أَيْضًا؛ لِأَنَّ مَا بَيْنَ بِمَعْنَى مِنْ بِقَرِينَةِ إلَى كَمَا نَقَلَهُ الْقَمُولِيُّ وَغَيْرُهُ عَنْ الرُّويَانِيِّ، وَجَزَمَ بِهِ ابْنُ الْمُقْرِي فِي رَوْضِهِ، وَلَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ مَا بَيْنَ الْوَاحِدَةِ وَالثَّلَاثِ وَقَعَتْ طَلْقَةٌ؛ لِأَنَّهَا الصَّادِقَةُ بِالْبَيْنِيَّةِ بِجَعْلِ الثَّلَاثِ بِمَعْنَى الثَّالِثَةِ.

(وَلَوْ قَالَ لِمَوْطُوءَةٍ: أَنْتِ طَالِقٌ طَلْقَةً مَعَ) طَلْقَةٍ (أَوْ مَعَهَا طَلْقَةٌ) أُخْرَى (فَثِنْتَانِ) يَقَعَانِ لِقَبُولِ الْمَحَلِّ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُمَا يَقَعَانِ مَعًا وَهُوَ الْأَصَحُّ.
وَقِيلَ عَلَى التَّرْتِيبِ، وَيُبْنَى عَلَيْهِمَا قَوْلُهُ (وَكَذَا غَيْرُ مَوْطُوءَةٍ) يَقَعُ عَلَيْهَا ثِنْتَانِ (فِي الْأَصَحِّ) عَلَى قَوْلِ الْمَعِيَّةِ، وَعَلَى التَّرْتِيبِ وَاحِدَةٌ تَبِينُ بِهَا.

(وَلَوْ قَالَ) أَنْتِ طَالِقٌ (طَلْقَةً قَبْلَ طَلْقَةٍ أَوْ) طَلْقَةً (بَعْدَهَا طَلْقَةٌ فَثِنْتَانِ) يَقَعَانِ (فِي مَوْطُوءَةٍ) إذْ مُقْتَضَاهُ إيقَاعُ إحْدَاهُمَا فِي الْحَالِ وَتَعْقُبُهَا الْأُخْرَى فَيَقَعَانِ

وَطَلْقَةٌ فِي غَيْرِهَا، وَلَوْ قَالَ طَلْقَةً بَعْدَ طَلْقَةٍ أَوْ قَبْلَهَا طَلْقَةٌ فَكَذَا فِي الْأَصَحِّ.

وَلَوْ قَالَ طَلْقَةً فِي طَلْقَةٍ وَأَرَادَ مَعَ فَطَلْقَتَانِ أَوْ الظَّرْفَ أَوْ الْحِسَابَ أَوْ أَطْلَقَ فَطَلْقَةٌ، وَلَوْ قَالَ نِصْفَ طَلْقَةٍ فِي نِصْفِ طَلْقَةٍ فَطَلْقَةٌ بِكُلِّ حَالٍ، وَلَوْ قَالَ طَلْقَةً فِي طَلْقَتَيْنِ وَقَصَدَ مَعِيَّةً فَثَلَاثٌ أَوْ ظَرْفًا فَوَاحِدَةٌ، أَوْ حِسَابًا وَعَرَفَهُ فَثِنْتَانِ، وَإِنْ جَهِلَهُ وَقَصَدَ

[مغني المحتاج]

كَذَلِكَ (وَطَلْقَةٌ) فَقَطْ (فِي غَيْرِهَا) لِأَنَّهَا تَبِينُ بِالْأُولَى فَلَمْ تُصَادِفْ الثَّانِيَةَ نِكَاحًا (وَلَوْ قَالَ) أَنْتِ طَالِقٌ (طَلْقَةً بَعْدَ طَلْقَةٍ أَوْ) طَلْقَةً (قَبْلَهَا طَلْقَةٌ) أَوْ تَحْتَ طَلْقَةٍ، أَوْ تَحْتَهَا طَلْقَةٌ، أَوْ فَوْقَ طَلْقَةٍ، أَوْ فَوْقَهَا طَلْقَةٌ (فَكَذَا) يَقَعُ ثِنْتَانِ فِي مَوْطُوءَةٍ وَوَاحِدَةٌ فِي غَيْرِهَا (فِي الْأَصَحِّ) فِيهِمَا، وَعَبَّرَ فِي الرَّوْضَةِ بِالصَّحِيحِ الَّذِي قَطَعَ بِهِ الْجُمْهُورُ فَيَقَعُ بِهِ أَوَّلًا الْمُضَمَّنَةُ ثُمَّ الْمُنَجَّزَةُ فِي قَوْلِهِ: أَنْتِ طَالِقٌ طَلْقَةً قَبْلَهَا طَلْقَةٌ، أَوْ بَعْدَ طَلْقَةٍ، أَوْ فَوْقَ طَلْقَةٍ، أَوْ تَحْتَهَا طَلْقَةٌ.
وَبِالْعَكْسِ فِي قَوْلِهِ: أَنْتِ طَالِقٌ طَلْقَةً بَعْدَهَا طَلْقَةٌ، أَوْ قَبْلَ طَلْقَةٍ، أَوْ فَوْقَهَا طَلْقَةٌ، أَوْ تَحْتَ طَلْقَةٍ، وَمُقَابِلُ الْأَصَحِّ لَا تَقَعُ إلَّا وَاحِدَةٌ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى قَبْلَهَا طَلْقَةٌ مَمْلُوكَةٌ أَوْ ثَابِتَةٌ.
تَنْبِيهٌ: هَذَا إنْ أَطْلَقَ فَإِنْ قَالَ: أَرَدْت ذَلِكَ صُدِّقَ بِيَمِينِهِ لَا مَحَالَةَ، نَقَلَاهُ عَنْ ابْنِ كَجٍّ وَأَقَرَّاهُ فَلْيُقَيِّدْ بِهِ إطْلَاقَ الْمُصَنِّفِ، وَوَقَعَ فِي تَحْتَ وَفَوْقَ خِلَافٌ هَلْ هُمَا كَمَعَ نَقَلَهُ فِي الرَّوْضَةِ عَنْ الْإِمَامِ وَالْغَزَالِيِّ، وَعَلَيْهِ مَشَى شُرَّاحُ الْحَاوِي الصَّغِيرِ، أَوْ هُمَا كَبَقِيَّةِ الْأَلْفَاظِ الْمُتَقَدِّمَةِ كَمَا نَقَلَهُ فِي الرَّوْضَةِ عَنْ مُقْتَضَى كَلَامِ الْمُتَوَلِّي، وَهُوَ مَفْهُومُ كَلَامِ ابْنِ الْمُقْرِي، وَهُوَ الْأَوْجَهُ كَمَا يُعْلَمُ مِمَّا مَرَّ.
وَلَوْ قَالَ لَهَا: أَنْتِ طَالِقٌ طَلْقَةً قَبْلَهَا وَبَعْدَهَا طَلْقَةٌ طَلُقَتْ ثَلَاثًا؛ لِأَنَّ الطَّلْقَةَ تُوَزَّعُ قَبْلُ وَبَعْدُ ثُمَّ يَكْمُلُ النِّصْفَانِ، وَلَوْ قَالَ لِغَيْرِ الْمَدْخُولِ بِهَا: أَنْتِ طَالِقٌ طَلْقَةً رَجْعِيَّةً لَمْ تَطْلُقْ، كَذَا حَكَاهُ الْبَغَوِيّ عَنْ فَتَاوَى الْقَاضِي، وَحَكَاهُ فِي التَّهْذِيبِ عَنْ الْمُهَذَّبِ، وَفِيهِ نَظَرٌ.

(وَلَوْ قَالَ: طَلْقَةً فِي طَلْقَةٍ وَأَرَادَ) بِفِي طَلْقَةٍ مَعْنَى (مَعَ) طَلْقَةٍ (فَطَلْقَتَانِ) لِأَنَّ فِي تُسْتَعْمَلُ بِمَعْنَى مَعَ كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿قَالَ ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ﴾ [الأعراف: 38] ؟ (أَوْ) أَرَادَ (الظَّرْفَ أَوْ الْحِسَابَ أَوْ) لَمْ يُرِدْ شَيْئًا مِنْهُمَا بِأَنْ (أَطْلَقَ فَطَلْقَةٌ) فِي الْجَمِيعِ إذَا اقْتَضَى الظَّرْفُ وَالْحِسَابُ ذَلِكَ وَهُوَ الْمُحَقِّقُ فِي الْإِطْلَاقِ (وَلَوْ قَالَ) أَنْتِ طَالِقٌ (نِصْفَ طَلْقَةٍ فِي نِصْفِ طَلْقَةٍ) وَلَمْ يُرِدْ كُلَّ نِصْفٍ مِنْ طَلْقَةٍ (فَطَلْقَةٌ بِكُلِّ حَالٍ) مِمَّا ذَكَرَ مِنْ إرَادَةِ الْمَعِيَّةِ أَوْ الظَّرْفِ أَوْ الْحِسَابِ أَوْ عَدَمِ إرَادَةِ شَيْءٍ؛ لِأَنَّ الطَّلَاقَ لَا يَتَجَزَّأُ.
تَنْبِيهٌ: لَفْظَةُ نِصْفُ الثَّانِيَةُ مَكْتُوبَةٌ فِي هَامِشِ نُسْخَةِ الْمُصَنِّفِ بِغَيْرِ خَطِّهِ وَهُوَ صَوَابٌ كَمَا ذَكَرْت فِي الْمُحَرَّرِ وَالشَّرْحِ إذْ لَا يَسْتَقِيمُ قَوْلُهُ بِكُلِّ حَالٍ بِدُونِهَا؛ لِأَنَّهُ يَقَعُ عِنْدَ قَصْدِ الْمَعِيَّةِ طَلْقَتَانِ وَعَلَى إثْبَاتِهَا لَوْ أَرَادَ نِصْفًا مِنْ كُلِّ طَلْقَةٍ فَطَلْقَتَانِ كَمَا فِي الِاسْتِقْصَاءِ، وَلَوْ قَالَ: طَلْقَةً فِي نِصْفِ طَلْقَةٍ فَطَلْقَةٌ إلَّا أَنْ يُرِيدَ الْمَعِيَّةَ فَثِنْتَانِ (وَلَوْ قَالَ) أَنْتِ طَالِقٌ (طَلْقَةً فِي طَلْقَتَيْنِ وَقَصَدَ) بِفِي طَلْقَتَيْنِ (مَعِيَّةً فَثَلَاثٌ) لِمَا مَرَّ فِي قَوْلِهِ طَلْقَةً فِي طَلْقَةٍ (أَوْ ظَرْفًا فَوَاحِدَةٌ) لِأَنَّ مُقْتَضَاهُ وُقُوعُ الْمَظْرُوفِ دُونَ الظَّرْفِ، وَمَسْأَلَةُ قَصْدِ الظَّرْفِ مَزِيدَةٌ عَلَى الرَّوْضَةِ وَالشَّرْحَيْنِ مَعَ ذِكْرِ الْوَجِيزِ لَهَا (أَوْ) قَصَدَ (حِسَابًا وَعَرَفَهُ فَثِنْتَانِ) لِأَنَّهُمَا مُوجِبُهُ عِنْدَ أَهْلِ الْحِسَابِ (وَإِنْ جَهِلَهُ) أَيْ الْحِسَابَ (وَقَصَدَ

مَعْنَاهُ فَطَلْقَةٌ، وَقِيلَ ثِنْتَانِ، وَإِنْ لَمْ يَنْوِ شَيْئًا فَطَلْقَةٌ، وَفِي قَوْلٍ ثِنْتَانِ إنْ عَرَفَ حِسَابًا.

وَلَوْ قَالَ بَعْضَ طَلْقَةٍ فَطَلْقَةٌ، أَوْ نِصْفَيْ طَلْقَةٍ فَطَلْقَةٌ إلَّا أَنْ يُرِيدَ كُلَّ نِصْفٍ مِنْ طَلْقَةٍ، وَالْأَصَحُّ أَنَّ قَوْلَهُ نِصْفَ طَلْقَتَيْنِ طَلْقَةٌ، وَثَلَاثَةَ أَنْصَافِ طَلْقَةٍ أَوْ نِصْفَ طَلْقَةٍ وَثُلُثَ طَلْقَةٍ طَلْقَتَانِ، وَلَوْ قَالَ نِصْفَ وَثُلُثَ طَلْقَةٍ فَطَلْقَةٌ.

[مغني المحتاج]

مَعْنَاهُ) عِنْدَ أَهْلِهِ (فَطَلْقَةٌ) تَقَعُ فِي الْأَصَحِّ لِأَنَّ مَا لَا يُعْلَمُ لَا تَصِحُّ إرَادَتُهُ (وَقِيلَ) الْوَاقِعُ (ثِنْتَانِ) لِأَنَّهُ مُوجِبُهُ عِنْدَ أَهْلِ الْحِسَابِ كَمَا مَرَّ وَقَدْ قَصَدَهُ.
وَأَجَابَ الْأَوَّلُ بِمَا مَرَّ (وَإِنْ) أَطْلَقَ بِأَنْ (لَمْ يَنْوِ شَيْئًا فَطَلْقَةٌ) فِي الْأَظْهَرِ، سَوَاءٌ أَعَلِمَ الْحِسَابَ أَمْ جَهِلَهُ؛ لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ الْحِسَابَ وَالظَّرْفَ فَلَا يُزَادُ عَلَى الْمُتَيَقَّنِ وَهُوَ طَلْقَةٌ، وَمَا زَادَ مَشْكُوكٌ فِيهِ (وَفِي قَوْلِ) الْوَاقِعِ (ثِنْتَانِ إنْ عَرَفَ حِسَابًا) حَمْلًا عَلَيْهِ.

(وَلَوْ قَالَ) أَنْتِ طَالِقٌ (بَعْضَ طَلْقَةٍ) أَوْ عَيَّنَ الْبَعْضَ كَرُبْعِ طَلْقَةٍ (فَطَلْقَةٌ) تَقَعُ؛ لِأَنَّ الطَّلَاقَ لَا يَتَبَعَّضُ، فَإِيقَاعُ بَعْضِهِ كَإِيقَاعِ كُلِّهِ لِقُوَّتِهِ، وَقَدْ حَكَى فِيهِ ابْنُ الْمُنْذِرِ الْإِجْمَاعَ، وَهَلْ وُقُوعُ الطَّلَاقِ هُنَا مِنْ بَابِ التَّعْبِيرِ بِالْبَعْضِ عَنْ الْكُلِّ كَمَا قَالَهُ الْإِمَامُ، أَوْ مِنْ بَابِ السِّرَايَةِ كَمَا قَالَهُ الرَّافِعِيُّ، وَتَظْهَرُ فَائِدَةُ ذَلِكَ فِي صُورَتَيْنِ: إحْدَاهُمَا: لَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا إلَّا نِصْفَ طَلْقَةٍ، فَإِنْ جَعَلْنَاهُ مِنْ بَابِ السِّرَايَةِ أَوْقَعْنَا ثَلَاثًا، وَهُوَ الْأَصَحُّ؛ لِأَنَّ السِّرَايَةَ فِي الْإِيقَاعِ لَا فِي الرَّفْعِ.
الثَّانِيَةُ: إذَا قَالَتْ طَلِّقْنِي ثَلَاثًا بِأَلْفٍ فَطَلَّقَهَا طَلْقَةً وَنِصْفًا فَقِيلَ يُسْتَحَقُّ ثُلُثَيْ الْأَلْفِ؛ لِأَنَّهُ أَوْقَعَ طَلْقَتَيْنِ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ مِنْ بَابِ التَّعْبِيرِ بِالْبَعْضِ عَنْ الْكُلِّ.
وَقِيلَ: نِصْفُ الْأَلْفِ وَهُوَ الْأَصَحُّ كَمَا مَرَّ فِي بَابِهِ؛ لِأَنَّهُ أَوْقَعَ نِصْفَ الثَّلَاثِ، وَهَذَا صَرِيحٌ فِي أَنَّ الرَّاجِحَ السِّرَايَةُ (أَوْ) قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ (نِصْفَيْ طَلْقَةٍ فَطَلْقَةٌ) لِأَنَّ ذَلِكَ طَلْقَةٌ، وَكَذَا كُلُّ تَجْزِئَةٍ لَا تَزِيدُ أَجْزَاؤُهَا عَلَى طَلْقَةٍ (إلَّا أَنْ يُرِيدَ كُلَّ نِصْفٍ مِنْ طَلْقَةٍ) فَيَقَعَ طَلْقَتَانِ عَمَلًا بِقَصْدِهِ (وَالْأَصَحُّ أَنَّ قَوْلَهُ) : أَنْتِ طَالِقٌ (نِصْفَ طَلْقَتَيْنِ) يَقَعُ بِهِ (طَلْقَةٌ) لِأَنَّ ذَلِكَ نِصْفُهُمَا، فَحَمْلُ اللَّفْظِ عَلَيْهِ صَحِيحٌ فَلَا نُوقِعُ مَا زَادَ بِالشَّكِّ.
وَالثَّانِي يَقَعُ طَلْقَتَانِ نَظَرًا إلَى نِصْفِ كُلِّ طَلْقَةٍ، وَمَحَلُّ الْخِلَافِ إذَا لَمْ يُرِدْ كُلَّ نِصْفٍ مِنْ طَلْقَةٍ، وَإِلَّا وَقَعَ عَلَيْهِ طَلْقَتَانِ قَطْعًا (وَ) الْأَصَحُّ أَنَّ قَوْلَهُ: أَنْتِ طَالِقٌ (ثَلَاثَةَ أَنْصَافِ طَلْقَةٍ أَوْ نِصْفَ طَلْقَةٍ وَثُلُثَ طَلْقَةٍ) يَقَعُ بِهِ (طَلْقَتَانِ) فِي الصُّورَتَيْنِ عَلَى الْأَصَحِّ.
أَمَّا فِي الْأُولَى فَلِزِيَادَةِ النِّصْفِ الثَّالِثِ عَلَى الطَّلْقَةِ فَتُحْسَبُ مِنْ أُخْرَى.
وَأَمَّا فِي الثَّانِيَةِ فَلِتَكْرِيرِ لَفْظِ طَلْقَةٍ مَعَ الْعَطْفِ.
وَقِيلَ: لَا يَقَعُ فِيهِمَا إلَّا طَلْقَةٌ إلْغَاءً لِلزِّيَادَةِ فِي الْأُولَى، وَنَظَرًا فِي الثَّانِيَةِ أَنَّ الْمُضَافَيْنِ مِنْ أَجْزَاءِ الطَّلْقَةِ، وَهَذَا إذَا لَمْ يَزِدْ الْمُكَرَّرُ عَلَى أَجْزَاءِ طَلْقَتَيْنِ كَخَمْسَةِ أَثْلَاثٍ أَوْ سَبْعَةِ أَرْبَاعِ طَلْقَةٍ، فَإِنْ زَادَ كَسَبْعَةِ أَثْلَاثِ أَوْ تِسْعَةِ أَرْبَاعِ طَلْقَةٍ كَانَ عَلَى الْخِلَافِ فِي وُقُوعِ طَلْقَةٍ أَوْ ثَلَاثٍ كَمَا فِي زِيَادَةِ الرَّوْضَةِ (وَلَوْ قَالَ) أَنْتِ طَالِقٌ (نِصْفَ وَثُلُثَ طَلْقَةٍ فَطَلْقَةٌ) تَقَعُ فِي الْأَصَحِّ لِانْتِفَاءِ تَكَرُّرِ لَفْظِ طَلْقَةٍ وَلَمْ يَزِدْ مَجْمُوعُ النِّصْفِ وَالثُّلُثِ عَلَى طَلْقَةٍ، وَلَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ نِصْفَ طَلْقَةٍ ثُلُثَ طَلْقَةٍ لَمْ يَقَعْ إلَّا وَاحِدَةٌ لِانْتِفَاءِ الْعَطْفِ.

وَلَوْ قَالَ لِأَرْبَعٍ أَوْقَعْت عَلَيْكُنَّ أَوْ بَيْنَكُنَّ طَلْقَةً أَوْ طَلْقَتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا أَوْ أَرْبَعًا وَقَعَ عَلَى كُلٍّ طَلْقَةٌ، فَإِنْ قَصَدَ تَوْزِيعَ كُلِّ طَلْقَةٍ عَلَيْهِنَّ وَقَعَ فِي ثِنْتَيْنِ ثِنْتَانِ، وَفِي ثَلَاثٍ وَأَرْبَعٍ ثَلَاثٌ، فَإِنْ قَالَ أَرَدْتُ بِبَيْنَكُنَّ بَعْضَهُنَّ لَمْ يُقْبَلْ ظَاهِرًا فِي الْأَصَحِّ.

وَلَوْ طَلَّقَهَا ثُمَّ قَالَ لِلْأُخْرَى أَشْرَكْتُك مَعَهَا أَوْ أَنْتِ كَهِيَ، فَإِنْ نَوَى طَلُقَتْ، وَإِلَّا فَلَا،

[مغني المحتاج]

تَنْبِيهٌ: حَاصِلُ مَا ذُكِرَ فِي أَجْزَاءِ الطَّلْقَةِ أَنَّهُ إنْ كَرَّرَ لَفْظَ طَلْقَةٍ مَعَ الْعَاطِفِ وَلَمْ تَزِدْ الْأَجْزَاءُ عَلَى طَلْقَةٍ كَأَنْتِ طَالِقٌ نِصْفَ طَلْقَةٍ وَثُلُثَ طَلْقَةٍ كَانَ كُلُّ جُزْءٍ طَلْقَةً، وَإِنْ أَسْقَطَ لَفْظَ طَلْقَةٍ كَأَنْتِ طَالِقٌ رُبْعَ وَسُدُسَ طَلْقَةٍ، أَوْ أَسْقَطَ الْعَاطِفَ كَأَنْتِ طَالِقٌ ثُلُثَ طَلْقَةٍ رُبْعَ طَلْقَةٍ كَانَ الْكُلُّ طَلْقَةً، فَإِنْ زَادَتْ الْأَجْزَاءُ كَنِصْفِ وَثُلُثِ وَرُبْعِ طَلْقَةٍ كَمُلَ الزَّائِدُ مِنْ طَلْقَةٍ أُخْرَى وَوَقَعَ بِهِ طَلْقَةٌ، وَلَوْ قَالَ: نِصْفَ طَلْقَةٍ وَنِصْفَهَا وَنِصْفَهَا فَثَلَاثٌ إلَّا إنْ أَرَادَ بِالنِّصْفِ الثَّالِثِ تَأْكِيدَ الثَّانِي فَطَلْقَتَانِ.

(وَلَوْ قَالَ لِأَرْبَعٍ: أَوْقَعْت عَلَيْكُنَّ أَوْ بَيْنَكُنَّ طَلْقَةً أَوْ طَلْقَتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا أَوْ أَرْبَعًا وَقَعَ عَلَى كُلٍّ) مِنْهُنَّ فِي كُلٍّ مِنْ هَذِهِ الصُّوَرِ (طَلْقَةٌ) لِأَنَّ ذَلِكَ إذَا وُزِّعَ عَلَيْهِنَّ أَصَابَ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ طَلْقَةٌ أَوْ بَعْضُ طَلْقَةٍ فَتَكْمُلُ (فَإِنْ قَصَدَ تَوْزِيعَ كُلِّ طَلْقَةٍ عَلَيْهِنَّ وَقَعَ) عَلَى كُلٍّ مِنْهُنَّ (فِي ثِنْتَيْنِ ثِنْتَانِ، وَفِي ثَلَاثٍ وَأَرْبَعٍ ثَلَاثٌ) عَمَلًا بِقَصْدِهِ، بِخِلَافِ مَا إذَا أَطْلَقَ لِبُعْدِهِ عَنْ الْفَهْمِ، وَلَوْ قَالَ: خَمْسًا أَوْ سِتًّا أَوْ سَبْعًا أَوْ ثَمَانِيًا فَطَلْقَتَانِ إلَّا أَنْ يُرِيدَ التَّوْزِيعَ، وَلَوْ قَالَ: تِسْعًا فَثَلَاثٌ مُطْلَقًا (فَإِنْ قَالَ أَرَدْتُ بِبَيْنَكُنَّ بَعْضَهُنَّ) مُبْهَمًا كَانَ ذَلِكَ الْبَعْضُ أَوْ مُعَيَّنًا كَفُلَانَةَ وَفُلَانَةَ (لَمْ يُقْبَلْ ظَاهِرًا فِي الْأَصَحِّ) لِأَنَّ ظَاهِرَ اللَّفْظِ يَقْتَضِي شَرِكَتَهُنَّ وَلَكِنْ يُدَيَّنُ.
وَالثَّانِي: يُقْبَلُ لِاحْتِمَالِ بَيْنِكُنَّ لِمَا أَرَادَهُ، بِخِلَافِ عَلَيْكُنَّ فَلَا يُقْبَلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ بَعْضَهُنَّ جَزْمًا.
تَنْبِيهٌ: كَلَامُ الْمُصَنِّفِ قَدْ يَقْتَضِي أَنَّهُ لَوْ فَضَّلَ بَعْضَهُنَّ عَلَى بَعْضٍ كَمَا لَوْ أَوْقَعَ بَيْنَهُنَّ " ثَلَاثًا " ثُمَّ قَالَ: أَرَدْتُ إيقَاعَ طَلْقَتَيْنِ عَلَى هَذِهِ وَقِسْمَةَ الْأُخْرَى عَلَى الْبَاقِيَاتِ أَنَّهُ لَا يُقْبَلُ، وَهُوَ وَجْهٌ وَحَكَاهُ الْأَذْرَعِيُّ عَنْ نَصِّ الْأُمِّ، لَكِنَّ الْأَصَحَّ الْمَنْصُوصَ فِي زِيَادَةِ الرَّوْضَةِ الْقَبُولُ، وَعَلَى هَذَا لَوْ أَوْقَعَ بَيْنَ أَرْبَعٍ أَرْبَعَةً وَقَالَ: أَرَدْت عَلَى ثِنْتَيْنِ طَلْقَتَيْنِ طَلْقَتَيْنِ دُونَ الْأُخْرَيَيْنِ لَحِقَ الْأُولَيَيْنِ طَلْقَتَانِ طَلْقَتَانِ عَمَلًا بِإِقْرَارِهِ وَلَحِقَ الْأُخْرَيَيْنِ طَلْقَةٌ طَلْقَةٌ لِئَلَّا يَتَعَطَّلَ الطَّلَاقُ فِي بَعْضِهِنَّ، وَلَوْ قَالَ: أَوْقَعْت بَيْنَكُنَّ سُدُسَ طَلْقَةٍ وَرُبْعَ طَلْقَةٍ وَثُلُثَ طَلْقَةٍ ثَلَاثًا ثَلَاثًا؛ لِأَنَّ تَغَايُرَ الْأَجْزَاءِ وَعَطْفَهَا يُشْعِرُ بِقِسْمَةِ كُلِّ جُزْءٍ بَيْنَهُنَّ، وَكَذَا لَوْ قَالَ: أَوْقَعْت بَيْنَكُنَّ طَلْقَةً وَطَلْقَةً وَطَلْقَةً، فِي أَحَدِ وَجْهَيْنِ هُوَ الظَّاهِرُ كَمَا رَجَّحَهُ شَيْخُنَا؛ لِأَنَّ التَّفْصِيلَ يُشْعِرُ بِقِسْمَةِ كُلِّ طَلْقَةٍ عَلَيْهِنَّ.

(وَلَوْ طَلَّقَهَا) أَيْ إحْدَى زَوْجَاتِهِ (ثُمَّ قَالَ لِلْأُخْرَى أَشْرَكْتُك مَعَهَا) أَوْ جَعَلْتُك شَرِيكَتَهَا (أَوْ أَنْتِ) مِثْلُهَا، أَوْ (كَهِيَ، فَإِنْ نَوَى) بِذَلِكَ طَلَاقَهَا الْمُنَجَّزَ (طَلُقَتْ وَإِلَّا فَلَا) تَطْلُقُ لِاحْتِمَالِ قَصَدْتُ أَنَّ الْأُولَى لَا تَطْلُقُ حَتَّى تَدْخُلَ الْأُخْرَى لَمْ يُقْبَلْ مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ رُجُوعٌ عَنْ التَّعْلِيقِ الْأَوَّلِ، وَإِنْ قَالَ: أَرَدْت إذَا دَخَلَتْ الْأُولَى طَلُقَتْ الثَّانِيَةُ قَبْلُ وَطَلُقَتَا بِدُخُولِهَا، أَوْ أَرَدْت تَعْلِيقَ

وَكَذَا لَوْ قَالَ آخَرُ ذَلِكَ لِامْرَأَتِهِ

فَصْلٌ يَصِحُّ الِاسْتِثْنَاءُ بِشَرْطِ اتِّصَالِهِ، وَلَا يَضُرُّ سَكْتَةُ تَنَفُّسٍ وَعِيٍّ.

[مغني المحتاج]

طَلَاقِ الثَّانِيَةِ بِدُخُولِهَا نَفْسِهَا كَمَا فِي الْأُولَى قُبِلَ وَتَعَلَّقَ طَلَاقُ كُلٍّ مِنْهُمَا بِدُخُولِ نَفْسِهَا، وَإِنْ أَطْلَقَ فَالظَّاهِرُ حَمْلُهُ عَلَى هَذَا الْأَخِيرِ (وَكَذَا لَوْ) طَلَّقَ رَجُلٌ زَوْجَتَهُ، وَ (قَالَ) رَجُلٌ (آخَرُ ذَلِكَ لِامْرَأَتِهِ) كَقَوْلِهِ: أَشْرَكْتُك مَعَ مُطَلَّقَةِ هَذَا الرَّجُلِ أَوْ جَعَلْتُك شَرِيكَتَهَا، فَإِنْ نَوَى طَلَاقَهَا طَلُقَتْ وَإِلَّا فَلَا؛ لِأَنَّهُ كِنَايَةٌ كَمَا مَرَّ، وَإِنْ أَشْرَكَهَا مَعَ ثَلَاثٍ طَلَّقَهُنَّ هُوَ أَوْ غَيْرُهُ وَنَوَى وَأَرَادَ أَنَّهَا شَرِيكَةُ كُلٍّ مِنْهُنَّ طَلُقَتْ ثَلَاثًا، أَوْ أَنَّهَا مِثْلُ إحْدَاهُنَّ طَلُقَتْ وَاحِدَةً، وَكَذَا إنْ أَطْلَقَ نِيَّةَ الطَّلَاقِ وَلَمْ يَنْوِ وَاحِدَةً وَلَا عَدَدًا لِأَنَّ جَعْلَهَا كَإِحْدَاهُنَّ أَسْبَقُ إلَى الْفَهْمِ وَأَظْهَرُ مِنْ تَقْدِيرِ تَوْزِيعِ كُلِّ طَلْقَةٍ، وَإِنْ أَشْرَكَهَا مَعَ امْرَأَةٍ طَلَّقَهَا هُوَ أَوْ غَيْرُهُ ثَلَاثًا وَنَوَى الشَّرِكَةَ فِي عَدَدِ الطَّلَاقِ طَلُقَتْ طَلْقَتَيْنِ؛ لِأَنَّهُ أَشْرَكَهَا مَعَهَا فِي ثَلَاثٍ فَيَخُصُّهَا طَلْقَةٌ وَنِصْفٌ وَتَكْمُلُ، وَقِيلَ وَاحِدَةٌ؛ لِأَنَّهَا الْمُتَيَقَّنَةُ، وَقِيلَ ثَلَاثٌ لِأَنَّهُ أَشْرَكَهَا مَعَهَا فِي كُلِّ طَلْقَةٍ.
أَمَّا إذَا لَمْ يَنْوِ ذَلِكَ فَيَقَعُ وَاحِدَةٌ كَمَا جَزَمَ بِهِ صَاحِبُ الْأَنْوَارِ، وَلَوْ أَوْقَعَ بَيْنَ ثَلَاثٍ طَلْقَةً ثُمَّ أَشْرَكَ الرَّابِعَةَ مَعَهُنَّ وَقَعَ عَلَى الثَّلَاثِ طَلْقَةٌ طَلْقَةٌ، وَعَلَى الرَّابِعَةِ طَلْقَتَانِ، إذْ يَخُصُّهَا بِالشَّرِكَةِ طَلْقَةٌ وَنِصْفٌ وَلَوْ طَلَّقَ إحْدَى نِسَائِهِ الثَّلَاثِ ثَلَاثًا ثُمَّ قَالَ لِلثَّانِيَةِ: أَشْرَكْتُك مَعَهَا ثُمَّ لِلثَّالِثَةِ أَشْرَكْتُك مَعَ الثَّانِيَةِ طَلُقَتْ الثَّانِيَةُ طَلْقَتَيْنِ؛ لِأَنَّ حِصَّتَهَا مِنْ الْأُولَى طَلْقَةٌ وَنِصْفٌ، وَالثَّالِثَةِ طَلْقَةٌ؛ لِأَنَّ حِصَّتَهَا مِنْ الثَّانِيَةِ طَلْقَةٌ.
تَنْبِيهٌ: مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ فِيمَا إذَا عَلِمَ طَلَاقَ الَّتِي شُورِكَتْ، فَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ كَمَا لَوْ قَالَ: طَلَّقْت امْرَأَتِي مِثْلَ مَا طَلَّقَ زَيْدٌ وَهُوَ لَا يَدْرِي كَمْ طَلَّقَ زَيْدٌ وَنَوَى عَدَدَ طَلَاقِ زَيْدٍ، فَمُقْتَضَى كَلَامِ الرَّافِعِيِّ أَنَّهُ لَا يَقَعُ قَالَهُ الزَّرْكَشِيُّ، وَمُرَادُهُ الْعَدَدُ لَا أَصْلُ الطَّلَاقِ، وَهُوَ ظَاهِرٌ.

[فَصْلٌ فِي الِاسْتِثْنَاءُ فِي الطَّلَاقِ]

(فَصْلٌ) فِي الِاسْتِثْنَاءِ (يَصِحُّ الِاسْتِثْنَاءُ) لِوُقُوعِهِ فِي الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ وَكَلَامِ الْعَرَبِ، وَهُوَ الْإِخْرَاجُ بِإِلَّا أَوْ إحْدَى أَخَوَاتِهَا تَحْقِيقًا أَوْ تَقْدِيرًا، وَالْأَوَّلُ الْمُتَّصِلُ كَقَامَ الْقَوْمُ إلَّا زَيْدًا، وَالثَّانِي الْمُنْقَطِعُ كَعِنْدِي ثَوْبٌ إلَّا دِرْهَمًا، وَلَيْسَ مُرَادًا هُنَا وَإِطْلَاقُ الِاسْتِثْنَاءِ عَلَيْهِ مَجَازٌ.
ثُمَّ الِاسْتِثْنَاءُ عَلَى ضَرْبَيْنِ: ضَرْبٌ يَرْفَعُ الْعَدَدَ لَا أَصْلَ الطَّلَاقِ كَالِاسْتِثْنَاءِ بِإِلَّا أَوْ إحْدَى أَخَوَاتِهَا، وَضَرْبٌ يَرْفَعُ أَصْلَ الطَّلَاقِ كَالتَّعْلِيقِ بِالْمَشِيئَةِ، وَهَذَا يُسَمَّى اسْتِثْنَاءً شَرْعِيًّا، لِاشْتِهَارِهِ فِي عُرْفِ الشَّرْعِ.
قَالَ بَعْضُ الْمُحَقِّقِينَ: وَسُمِّيَتْ كَلِمَةُ الْمَشِيئَةِ اسْتِثْنَاءً لِصَرْفِهَا الْكَلَامَ عَنْ الْجَزَاءِ وَالثُّبُوتِ حَالًا مِنْ حَيْثُ التَّعْلِيقُ بِمَا لَا يَعْلَمُهُ إلَّا اللَّهُ.
ثُمَّ شَرَعَ فِي الضَّرْبِ مُبْتَدِئًا بِشُرُوطِهِ، فَقَالَ: (بِشَرْطِ اتِّصَالِهِ) أَيْ لَفْظِ الْمُسْتَثْنَى بِالْمُسْتَثْنَى مِنْهُ عُرْفًا بِحَيْثُ يُعَدُّ كَلَامًا وَاحِدًا (وَلَا يَضُرُّ) فِي الِاتِّصَالِ (سَكْتَةُ تَنَفُّسٍ وَعِيٍّ) أَوْ تَذَكُّرٍ أَوْ انْقِطَاعِ صَوْتٍ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَا يُعَدُّ فَاصِلًا بِخِلَافِ الْكَلَامِ الْأَجْنَبِيِّ وَلَوْ يَسِيرًا، وَالِاتِّصَالُ

قُلْت: وَيُشْتَرَطُ أَنْ يَنْوِيَ الِاسْتِثْنَاءَ قَبْلَ فَرَاغِ الْيَمِينِ فِي الْأَصَحِّ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَيُشْتَرَطُ عَدَمُ اسْتِغْرَاقِهِ.

وَلَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا إلَّا ثِنْتَيْنِ وَوَاحِدَةً فَوَاحِدَةٌ، وَقِيلَ ثَلَاثٌ، أَوْ اثْنَتَيْنِ وَوَاحِدَةً إلَّا وَاحِدَةً فَثَلَاثٌ، وَقِيلَ ثِنْتَانِ

[مغني المحتاج]

هُنَا أَبْلَغُ مِنْ الِاتِّصَالِ بَيْنَ الْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ فِي الْبَيْعِ وَنَحْوِهِ، إذْ يُحْتَمَلُ بَيْنَ كَلَامِ اثْنَيْنِ مَا لَا يُحْتَمَلُ بَيْنَ كَلَامِ وَاحِدٍ (قُلْت: وَيُشْتَرَطُ أَنْ يَنْوِيَ الِاسْتِثْنَاءَ) فَلَا يَكْفِي التَّلَفُّظُ بِهِ مِنْ غَيْرِ نِيَّةٍ، وَلَا بُدَّ أَنْ يَنْوِيَ (قَبْلَ فَرَاغِ الْيَمِينِ) لِأَنَّ الْيَمِينَ إنَّمَا تُعْتَبَرُ بِتَمَامِهَا، وَهَذَا صَادِقٌ بِأَنْ يَنْوِيَهُ أَوَّلَهَا أَوْ آخِرَهَا أَوْ مَا بَيْنَهُمَا (فِي الْأَصَحِّ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ) فَلَا يُشْتَرَطُ مِنْ أَوَّلِهِ وَلَا يَكْفِي بَعْدَ الْفَرَاغِ، وَالثَّانِي يَكْفِي بَعْدَهُ، وَرُدَّ بِأَنَّهُ لَوْ كَفَى لَزِمَ عَلَيْهِ رَفْعُ الطَّلَاقِ بَعْدَ وُقُوعِهِ، وَيُشْتَرَطُ أَيْضًا التَّلَفُّظُ بِالِاسْتِثْنَاءِ إسْمَاعُ نَفْسِهِ عِنْدَ اعْتِدَالِ سَمْعِهِ، فَلَا يَكْفِي أَنْ يَنْوِيَهُ بِقَلْبِهِ وَلَا أَنْ يَتَلَفَّظَ بِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُسْمِعَ نَفْسَهُ فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يُؤَثِّرُ ظَاهِرًا قَطْعًا وَلَا يُدَيَّنُ عَلَى الْمَشْهُورِ (وَيُشْتَرَطُ) أَيْضًا (عَدَمُ اسْتِغْرَاقِهِ) الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ، فَالْمُسْتَغْرَقُ بَاطِلٌ بِالْإِجْمَاعِ كَمَا قَالَهُ الْإِمَامُ وَالْآمِدِيُّ، فَلَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا إلَّا ثَلَاثًا لَمْ يَصِحَّ الِاسْتِثْنَاءُ وَطَلُقَتْ ثَلَاثًا.
تَنْبِيهٌ: أَشْعَرَ كَلَامُهُ بِصِحَّةِ اسْتِثْنَاءِ الْأَكْثَرِ: كَقَوْلِهِ: أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا إلَّا ثِنْتَيْنِ، وَهُوَ كَذَلِكَ، وَلَا يَرِدُ عَلَى بُطْلَانِ الْمُسْتَغْرَقِ صِحَّةُ نَحْوِ أَنْتِ طَالِقٌ إنْ شَاءَ اللَّهُ حَيْثُ رَفَعَتْ الْمَشِيئَةُ جَمِيعَ مَا أَوْقَعَهُ الْحَالِفُ، وَهُوَ فِي مَعْنَى الْمُسْتَغْرَقِ لِأَنَّ هَذَا خَرَجَ بِالنَّصِّ فَيَبْقَى غَيْرُهُ عَلَى الْأَصْلِ، وَيَصِحُّ تَقْدِيمُ الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ كَأَنْتِ إلَّا وَاحِدَةٌ طَالِقٌ ثَلَاثًا، وَلَا يُجْمَعُ الْمَعْطُوفُ وَالْمَعْطُوفُ عَلَيْهِ فِي الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ لِإِسْقَاطِ الِاسْتِغْرَاقِ، وَلَا فِي الْمُسْتَثْنَى لِإِثْبَاتِهِ وَلَا فِيهِمَا كَذَلِكَ.

(وَ) عَلَى هَذَا (لَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا إلَّا ثِنْتَيْنِ وَوَاحِدَةً فَوَاحِدَةٌ) تَقَعُ وَيَلْغُو مَا حَصَلَ بِهِ الِاسْتِغْرَاقُ، وَهُوَ وَاحِدَةٌ الْمَعْطُوفَةُ عَلَى ثِنْتَيْنِ لِحُصُولِ الِاسْتِغْرَاقِ بِهَا بِنَاءً عَلَى عَدَمِ جَمْعِ الْعَدَدِ الْمَعْطُوفِ بَعْضُهُ عَلَى بَعْضٍ (وَقِيلَ) : يَقَعُ (ثَلَاثٌ) بِنَاءً عَلَى جَمْعِ الْمُسْتَثْنَى فَيَكُونُ مُسْتَغْرَقًا فَيَبْطُلُ الِاسْتِثْنَاءُ (أَوْ) أَنْتِ طَالِقٌ (اثْنَتَيْنِ وَوَاحِدَةً إلَّا وَاحِدَةً فَثَلَاثٌ) تَقَعُ وَيَلْغُو اسْتِثْنَاءُ الْوَاحِدَةِ مِنْ الْوَاحِدَةِ لِاسْتِغْرَاقِهِ (وَقِيلَ ثِنْتَانِ) بِنَاءً عَلَى جَمْعِ الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ، فَتَكُونُ الْوَاحِدَةُ مُسْتَثْنًى مِنْ الثَّلَاثِ.
تَنْبِيهٌ: تَعَرَّضَ الْمُصَنِّفُ بِالْمِثَالِ الْأَوَّلِ لِعَدَمِ الْعَطْفِ فِي الْمُسْتَثْنَى، وَبِالْمِثَالِ الثَّانِي لِعَدَمِ الْعَطْفِ فِي الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ، وَسَكَتَ عَنْ عَدَمِ الْعَطْفِ فِي الْمُسْتَثْنَى وَالْمُسْتَثْنَى مِنْهُ مَعًا كَأَنْتِ طَالِقٌ طَلْقَةً وَطَلْقَةً إلَّا طَلْقَةً وَطَلْقَةً فَيَقَعُ ثِنْتَانِ عَلَى الْأَصَحِّ فَلَوْ قَالَ: وَمَا فَرَّقَ لَا يَجْمَعُ كَانَ أَعَمَّ لِشُمُولِهِ ذَلِكَ، وَلَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا إلَّا وَاحِدَةً وَوَاحِدَةً طَلُقَتْ وَاحِدَةً لِجَوَازِ الْجَمْعِ هُنَا، إذْ لَا اسْتِغْرَاقَ، هَذَا إنْ اتَّفَقَتْ حُرُوفُ الْعَطْفِ، فَإِنْ اخْتَلَفَتْ كَأَنْتِ طَالِقٌ وَاحِدَةً ثُمَّ وَاحِدَةً بَلْ وَاحِدَةٌ لَا وَاحِدَةٌ وَقَعَ ثَلَاثٌ جَزْمًا لِأَنَّهُ اسْتَثْنَى وَاحِدَةً مِنْ وَاحِدَةٍ، وَهُوَ مُسْتَغْرَقٌ فَلَا يُجْمَعُ، وَإِنْ قِيلَ بِالْجَمْعِ فِي غَيْرِ هَذِهِ لِتَغَايُرِ الْأَلْفَاظِ كَمَا لَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ وَاحِدَةً وَوَاحِدَةً وَوَاحِدَةً إلَّا وَاحِدَةً وَوَاحِدَةً وَوَاحِدَةً؛ لِأَنَّهُ عَلَى الْوَجْهِ الْمَرْجُوحِ اسْتَثْنَى ثَلَاثَةً مِنْ ثَلَاثَةٍ وَلَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ وَاحِدَةً

وَهُوَ مِنْ نَفْيٍ إثْبَاتٌ وَعَكْسُهُ، فَلَوْ قَالَ ثَلَاثًا إلَّا ثِنْتَيْنِ إلَّا طَلْقَةً فَثِنْتَانِ، أَوْ ثَلَاثًا إلَّا ثَلَاثًا إلَّا اثْنَتَيْنِ فَثِنْتَانِ، وَقِيلَ ثَلَاثٌ، وَقِيلَ طَلْقَةٌ، أَوْ خَمْسًا إلَّا ثَلَاثًا فَثِنْتَانِ، وَقِيلَ ثَلَاثٌ أَوْ ثَلَاثًا إلَّا نِصْفَ طَلْقَةٍ فَثَلَاثٌ عَلَى الصَّحِيحِ.

[مغني المحتاج]

وَوَاحِدَةً وَوَاحِدَةً إلَّا وَاحِدَةً وَقَعَ ثَلَاثٌ لِلِاسْتِغْرَاقِ بِاسْتِثْنَاءِ الْوَاحِدَةِ مِمَّا قَبْلَهَا (وَهُوَ) أَيْ الِاسْتِثْنَاءُ (مِنْ نَفْيٍ إثْبَاتٌ وَعَكْسُهُ) أَيْ مِنْ إثْبَاتٍ نَفْيٌ (فَلَوْ قَالَ) : أَنْتِ طَالِقٌ (ثَلَاثًا إلَّا ثِنْتَيْنِ إلَّا طَلْقَةً فَثِنْتَانِ) لِأَنَّ الْمُسْتَثْنَى الثَّانِيَ مُسْتَثْنًى مِنْ الْأَوَّلِ فَيَكُونُ الْمُسْتَثْنَى فِي الْحَقِيقَةِ وَاحِدَةً (أَوْ ثَلَاثًا إلَّا ثَلَاثًا إلَّا اثْنَتَيْنِ فَثِنْتَانِ) لِمَا ذُكِرَ (وَقِيلَ: ثَلَاثٌ) لِأَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ الْأَوَّلَ مُسْتَغْرَقٌ فَيَلْغُو.
وَالثَّانِي: مُرَتَّبٌ عَلَيْهِ فَيَلْغُو أَيْضًا (وَقِيلَ: طَلْقَةٌ) لِأَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ الثَّانِيَ صَحِيحٌ فَيَعُودُ إلَى أَوَّلِ الْكَلَامِ، وَلَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا إلَّا ثَلَاثًا إلَّا ثِنْتَيْنِ إلَّا وَاحِدَةً وَقَعَ وَاحِدَةٌ، إذْ الْمَعْنَى إلَّا ثَلَاثًا لَا تَقَعُ إلَّا ثِنْتَيْنِ عَنْ الِاسْتِغْرَاقِ فَكَأَنَّهُ اسْتَثْنَى طَلْقَتَيْنِ مِنْ ثَلَاثٍ؛ لِأَنَّهُ اسْتَثْنَى مِنْهَا ثَلَاثًا إلَّا وَاحِدَةً؛ وَثَلَاثٌ إلَّا وَاحِدَةً ثِنْتَانِ، وَلَوْ قَالَ: أَنْت طَالِقٌ ثَلَاثًا إلَّا ثِنْتَيْنِ إلَّا ثِنْتَيْنِ وَقَعَ طَلْقَةٌ إلْغَاءً لِلِاسْتِثْنَاءِ الثَّانِي فَقَطْ لِحُصُولِ الِاسْتِغْرَاقِ بِهِ، وَلَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ ثِنْتَيْنِ إلَّا وَاحِدَةً إلَّا وَاحِدَةً وَقَعَ وَاحِدَةٌ لِمَا مَرَّ مِنْ إلْغَاءِ الِاسْتِثْنَاءِ الثَّانِي، وَقِيلَ: ثِنْتَانِ لِمَا مَرَّ أَيْضًا مِنْ الِاسْتِثْنَاءِ مِنْ الْإِثْبَاتِ نَفْيٌ وَبِالْعَكْسِ، وَلَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا ثَلَاثًا إلَّا ثِنْتَيْنِ إلَّا وَاحِدَةً وَقَعَ وَاحِدَةٌ، إذْ الْمَعْنَى إلَّا ثَلَاثًا لَا تَقَعُ إلَّا ثِنْتَيْنِ تَقَعَانِ إلَّا وَاحِدَةً لَا تَقَعُ فَيَبْقَى وَاحِدَةٌ وَاقِعَةٌ.
وَاعْلَمْ أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ يُعْتَبَرُ مِنْ الْمَلْفُوظِ عَلَى الْأَصَحِّ، وَقِيلَ: مِنْ الْمَمْلُوكِ؛ وَفَرَّعَ الْمُصَنِّفُ عَلَيْهِ قَوْلَهُ (أَوْ) أَنْتِ طَالِقٌ (خَمْسًا إلَّا ثَلَاثًا فَثِنْتَانِ) يَقَعَانِ بِنَاءً عَلَى الْأَصَحِّ مِنْ أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ يَنْصَرِفُ إلَى الْمَلْفُوظِ بِهِ؛ لِأَنَّهُ لَفْظٌ فَيُتَّبَعُ فِيهِ مُوجِبُ اللَّفْظِ (وَقِيلَ ثَلَاثٌ) بِنَاءً عَلَى مُقَابِلِ الْأَصَحِّ مِنْ أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ يَنْصَرِفُ إلَى الْمَمْلُوكِ؛ لِأَنَّ الزِّيَادَةَ عَلَيْهِ لَغْوٌ فَلَا عِبْرَةَ بِهَا.
وَاعْلَمْ أَنَّ مَا تَقَدَّمَ كَانَ فِي اسْتِثْنَاءِ طَلْقَةٍ فَأَكْثَرَ، ثُمَّ أَشَارَ إلَى اسْتِثْنَاءِ بَعْضِهَا بِقَوْلِهِ (أَوْ) أَنْتِ طَالِقٌ (ثَلَاثًا إلَّا نِصْفَ طَلْقَةٍ فَثَلَاثٌ) تَقَعُ (عَلَى الصَّحِيحِ) لِأَنَّهُ إذَا اسْتَثْنَى بَعْضَ طَلْقَةٍ بَقِيَ بَعْضُهَا، وَمَتَى بَقِيَ كَمُلَتْ.
وَالثَّانِي: يَقَعُ ثِنْتَانِ وَيُجْعَلُ اسْتِثْنَاءُ النِّصْفِ كَاسْتِثْنَاءِ الْكُلِّ، وَرُدَّ بِأَنَّ التَّكْمِيلَ إنَّمَا يَكُونُ فِي طَرَفِ الْإِيقَاعِ تَغْلِيبًا لِلتَّحْرِيمِ.
تَنْبِيهٌ: صَوَّرَ الْمُصَنِّفُ الِاسْتِثْنَاءَ بِنِصْفِ طَلْقَةٍ يَخْرُجُ مَا لَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا إلَّا نِصْفًا فَإِنَّهُ يُرَاجَعُ كَمَا فِي الرَّوْضَةِ عَنْ الْبُوشَنْجِيِّ، فَإِنْ قَالَ: أَرَدْت نِصْفَهَا فَثِنْتَانِ أَوْ نِصْفَ طَلْقَةٍ فَثَلَاثٌ عَلَى الْأَصَحِّ، وَإِنْ أَطْلَقَ حُمِلَ عَلَى نِصْفِ الْجَمِيعِ.
قَالَ الزَّرْكَشِيُّ وَلَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ طَلْقَةً وَنِصْفًا إلَّا طَلْقَةً وَنِصْفًا.
قَالَ بَعْضُ فُقَهَاءِ الْعَصْرِ: الْقِيَاسُ وُقُوعُ طَلْقَةٍ اهـ. وَكَأَنَّ وَجْهَهُ أَنَّهُ وَقَعَ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ: طَلْقَةً وَنِصْفًا طَلْقَتَانِ.
وَاسْتَثْنَى مِنْ ذَلِكَ طَلْقَةً وَنِصْفًا فَبَقِيَ نِصْفُ طَلْقَةٍ فَتُكَمَّلُ، وَهَذَا مَرْدُودٌ؛ لِأَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ مِمَّا أَوْقَعَ لَا مِمَّا وَقَعَ، وَأَيْضًا لَا يُجْمَعُ بَيْنَ الْمُتَعَاطِفَاتِ كَمَا مَرَّ، فَقَوْلُهُ: طَلْقَةً وَنِصْفًا إلَّا طَلْقَةً وَنِصْفًا يَرْجِعُ الِاسْتِثْنَاءُ لِلْأَخْيَرِ، وَهُوَ النِّصْفُ فَهُوَ مُسْتَغْرَقٌ فَيَلْغُو وَيَقَعُ طَلْقَتَانِ.

(فُرُوعٌ) لَوْ قَالَ: أَنْتِ بَائِنٌ إلَّا بَائِنًا أَوْ إلَّا طَالِقًا وَنَوَى بِأَنْتِ بَائِنٌ الثَّلَاثَ وَقَعَ طَلْقَتَانِ

وَلَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ إنْ شَاءَ اللَّهُ أَوْ إنْ لَمْ يَشَأْ اللَّهُ وَقَصَدَ التَّعْلِيقَ لَمْ يَقَعْ، وَكَذَا يَمْنَعُ انْعِقَادَ تَعْلِيقٍ وَعِتْقٍ

[مغني المحتاج]

اعْتِبَارًا بِنِيَّتِهِ فَهُوَ كَمَا لَوْ تَلَفَّظَ بِالثَّلَاثِ وَاسْتَثْنَى وَاحِدَةً.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: وَفِي مَعْنَاهُ مَا لَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ إلَّا طَالِقًا وَنَوَى بِأَنْتِ طَالِقٌ الثَّلَاثَ، وَلَوْ قَالَ: أَنْت طَالِقٌ ثَلَاثًا إلَّا أَقَلَّهُ وَلَا نِيَّةَ لَهُ وَقَعَ ثَلَاثٌ قَالَهُ فِي الِاسْتِقْصَاءِ؛ لِأَنَّ أَقَلَّ الطَّلَاقِ بَعْضُ طَلْقَةٍ فَتَبْقَى طَلْقَتَانِ وَالْبَعْضُ الْبَاقِي فَيَكْمُلُ، لَكِنَّ السَّابِقَ إلَى الْفَهْمِ أَنَّ أَقَلَّهُ طَلْقَةٌ فَتَطْلُقُ طَلْقَتَيْنِ، وَهَذَا أَوْجَهُ، وَلَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ أَوْ لَا أَوْ أَنْت طَالِقٌ وَاحِدَةً أَوْ لَا بِإِسْكَانِ الْوَاوِ فِيهَا لَمْ يَقَعْ بِهِ شَيْءٌ لِأَنَّهُ اسْتِفْهَامٌ لَا إيقَاعٌ، فَكَانَ كَقَوْلِهِ هَلْ أَنْتِ طَالِقٌ إلَّا أَنْ يُرِيدَ بِقَوْلِهِ أَنْتِ طَالِقٌ إنْشَاءَ الطَّلَاقِ فَتَطْلُقَ، وَلَا يُؤَثِّرُ قَوْلُهُ بَعْدَهُ أَوْ لَا، فَإِنْ شَدَّدَ الْوَاوَ وَهُوَ يَعْرِفُ الْعَرَبِيَّةَ طَلُقَتْ؛ لِأَنَّ مَعْنَاهُ أَنْتِ طَالِقٌ فِي أَوَّلِ الطَّلَاقِ، وَلَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ طَلْقَةً لَا تَقَعُ عَلَيْك أَوْ أَنْتِ طَالِقٌ لَا طَلُقَتْ طَلْقَةً لِأَنَّهُ أَوْقَعَ الطَّلَاقَ وَأَرَادَ رَفْعَهُ بِالْكُلِّيَّةِ، وَالطَّلَاقُ لَا يَرْتَفِعُ بَعْدَ وُقُوعِهِ، وَقَوْلُنَا بِالْكُلِّيَّةِ احْتِرَازٌ مِنْ قَوْلِهِ: أَنْتِ طَالِقٌ إنْ دَخَلْت الدَّارَ فَإِنَّهُ رَفَعَهُ، فِي الْحَالِ لَا بِالْكُلِّيَّةِ، وَلَوْ قَالَ لِزَوْجَاتِهِ الْأَرْبَعِ: أَرْبَعُكُنَّ طَوَالِقُ إلَّا فُلَانَةُ أَوْ إلَّا وَاحِدَةً طُلِّقْنَ جَمِيعًا، وَلَمْ يَصِحَّ الِاسْتِثْنَاءُ لِأَنَّ الْأَرْبَعَ لَيْسَتْ صِيغَةَ عُمُومٍ، وَإِنَّمَا هِيَ اسْمٌ خَاصٌّ فَقَوْلُهُ إلَّا فُلَانَةَ رَفْعٌ لِلطَّلَاقِ عَنْهَا بَعْدَ التَّنْصِيصِ عَلَيْهَا، فَهُوَ كَقَوْلِهِ: أَنْتِ طَالِقٌ طَلَاقًا لَا يَقَعُ عَلَيْكِ.
فَإِنْ قِيلَ: قَضِيَّةُ هَذَا التَّعْلِيلِ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ الِاسْتِثْنَاءُ مِنْ الْأَعْدَادِ فِي الْإِقْرَارِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ، بَلْ يَصِحُّ مِنْهَا وَإِنْ صَرَّحَ بِاسْمِ الْعَدَدِ كَقَوْلِهِ: هَذِهِ الْأَرْبَعَةُ لَكِ إلَّا وَاحِدًا مِنْهَا كَمَا صَرَّحَ بِهِ صَاحِبُ التَّنْبِيهِ وَغَيْرُهُ فِي بَابِ الْإِقْرَارِ.
أُجِيبَ بِأَنَّ الْإِنْشَاءَ أَقْوَى مِنْ الْإِخْبَارِ، وَهَذَا بِخِلَافِ أَرْبَعَتُكُنَّ إلَّا فُلَانَةَ طَوَالِقُ فَيَصِحُّ الِاسْتِثْنَاءُ؛ لِأَنَّ الْإِخْرَاجَ فِي هَذِهِ وَقَعَ قَبْلَ الْحُكْمِ فَلَا تَنَاقُضَ بِخِلَافِ الْأُولَى، وَهَذَا مَا جَرَى عَلَيْهِ ابْنُ الْمُقْرِي، وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ وَإِنْ نَظَرَ فِيهِ الْإِسْنَوِيُّ بِأَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ تَقَدُّمِ الْمُسْتَثْنَى وَتَأَخُّرِهِ.

ثُمَّ شَرَعَ فِي الضَّرْبِ الثَّانِي مِنْ الِاسْتِثْنَاءِ، وَهُوَ التَّعْلِيقُ بِالْمَشِيئَةِ، فَقَالَ (وَلَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ إنْ شَاءَ اللَّهُ) طَلَاقَك (أَوْ) أَنْتِ طَالِقٌ (إنْ لَمْ يَشَأْ اللَّهُ) طَلَاقَك (وَقَصَدَ التَّعْلِيقَ) بِالْمَشِيئَةِ فِي الْأَوَّلِ وَبِعَدَمِهَا فِي الثَّانِي قَبْلَ فَرَاغِ الطَّلَاقِ (لَمْ يَقَعْ) أَيْ الطَّلَاقُ؛ لِأَنَّ الْمُعَلَّقَ عَلَيْهِ مِنْ مَشِيئَةِ اللَّهِ أَوْ عَدَمِهَا غَيْرُ مَعْلُومٍ؛ وَلِأَنَّ الْوُقُوعَ بِخِلَافِ مَشِيئَةِ اللَّهِ تَعَالَى مُحَالٌ، فَإِنْ لَمْ يَقْصِدْ بِالْمَشِيئَةِ التَّعْلِيقَ بِأَنْ سَبَقَتْ إلَى لِسَانِهِ لِتَعَوُّدِهِ بِهَا كَمَا هُوَ الْأَدَبُ أَوْ قَصَدَهَا بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْ الطَّلَاقِ أَوْ قَصَدَ بِهَا التَّبَرُّكَ أَوْ أَنَّ كُلَّ شَيْءٍ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ تَعَالَى أَوْ لَمْ يَعْلَمْ هَلْ قَصَدَ التَّعْلِيقَ أَوْ لَا وَقَعَ، وَكَذَا لَوْ أَطْلَقَ كَمَا هُوَ مُقْتَضَى كَلَامِهِمْ، وَلَيْسَ هَذَا كَالِاسْتِثْنَاءِ الْمُسْتَغْرِقِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ كَلَامٌ مُتَنَاقِضٌ غَيْرُ مُنْتَظِمٍ، وَالتَّعْلِيقُ بِالْمَشِيئَةِ مُنْتَظِمٌ وَأَنَّهُ يَقَعُ مَعَهُ الطَّلَاقُ وَقَدْ لَا يَقَعُ كَمَا تَقَرَّرَ، وَكَالتَّعْلِيقِ بِالْمَشِيئَةِ سَائِرُ التَّعْلِيقَاتِ فِي اعْتِبَارِ اللَّفْظِ وَاقْتِرَانِ الْقَصْدِ (وَكَذَا يَمْنَعُ) التَّعْلِيقُ بِالْمَشِيئَةِ انْعِقَادَ نِيَّةِ وُضُوءٍ وَصَلَاةٍ وَصَوْمٍ وَغَيْرِهَا عِنْدَ قَصْدِ التَّعْلِيقِ وَ (انْعِقَادَ تَعْلِيقٍ) كَأَنْتِ طَالِقٌ إنْ دَخَلْت الدَّارَ إنْ شَاءَ اللَّهُ؛ لِأَنَّ التَّعْلِيقَ بِالْمَشِيئَةِ يَمْنَعُ الطَّلَاقَ الْمُنَجَّزَ فَالْمُعَلَّقُ أَوْلَى (وَ) انْعِقَادَ (عِتْقٍ) مُنَجَّزٍ أَوْ مُعَلَّقٍ كَأَنْتِ حُرٌّ إنْ شَاءَ اللَّهُ أَوْ أَنْتَ حُرٌّ إنْ دَخَلْت الدَّارَ إنْ شَاءَ اللَّهُ (وَ)

وَيَمِينٍ وَنَذْرٍ وَكُلِّ تَصَرُّفٍ.

وَلَوْ قَالَ يَا طَالِقُ إنْ شَاءَ اللَّهُ وَقَعَ فِي الْأَصَحِّ.

أَوْ قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ إلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فَلَا فِي الْأَصَحِّ.

[مغني المحتاج]

انْعِقَادَ (يَمِينٍ) كَقَوْلِهِ: وَاَللَّهِ لَأَفْعَلَنَّ كَذَا إنْ شَاءَ اللَّهُ (وَ) انْعِقَادَ (نَذْرٍ) كَلِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أَتَصَدَّقَ بِكَذَا إنْ شَاءَ اللَّهُ (وَ) انْعِقَادَ (كُلٍّ تَصَرُّفٍ) غَيْرِ مَا ذُكِرَ مِمَّا حَقُّهُ الْجَزْمُ كَبَيْعٍ وَإِقْرَارٍ وَإِجَارَةٍ.
تَنْبِيهٌ: تَقْدِيمُ التَّعْلِيقِ عَلَى الْمُعَلَّقِ بِهِ كَتَأْخِيرِهِ عَنْهَا، كَقَوْلِهِ: إنْ شَاءَ اللَّهُ أَنْتِ طَالِقٌ، وَلَوْ فَتَحَ هَمْزَةَ إنْ أَوْ أَبْدَلَهَا بِإِذْ، أَوْ مَا: كَقَوْلِهِ أَنْتِ طَالِقٌ أَنْ شَاءَ اللَّهُ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ، أَوْ إذْ شَاءَ اللَّهُ طَلُقَتْ فِي الْحَالِ طَلْقَةً وَاحِدَةً؛ لِأَنَّ الْأَوَّلَيْنِ لِلتَّعْلِيلِ، وَالْوَاحِدَةُ هِيَ الْيَقِينُ فِي الثَّالِثِ، وَسَوَاءٌ فِي الْأَوَّلِ النَّحْوِيُّ وَغَيْرُهُ كَمَا صَرَّحَ فِي الرَّوْضَةِ بِتَصْحِيحِهِ هُنَا.

(وَلَوْ قَالَ: يَا طَالِقُ إنْ شَاءَ اللَّهُ) أَوْ أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا يَا طَالِقُ إنْ شَاءَ اللَّهُ (وَقَعَ) طَلْقَةٌ (فِي الْأَصَحِّ) نَظَرًا لِصُورَةِ النِّدَاءِ الْمُشْعِرِ بِحُصُولِ الطَّلَاقِ حَالَتَهُ، وَالْحَاصِلُ لَا يُعَلَّقُ، بِخِلَافِ أَنْتِ طَالِقٌ فَإِنَّهُ كَمَا قَالَ الرَّافِعِيُّ قَدْ يُسْتَعْمَلُ عِنْدَ الْقُرْبِ مِنْهُ وَتَوَقُّعِ الْحُصُولِ كَمَا يُقَالُ لِلْقَرِيبِ مِنْ الْوُصُولِ أَنْتَ وَاصِلٌ، وَلِلْمَرِيضِ الْمُتَوَقَّعُ شِفَاؤُهُ قَرِيبًا أَنْتَ صَحِيحٌ فَيَنْتَظِمُ الِاسْتِثْنَاءُ فِي مِثْلِهِ، وَمِثْلُ ذَلِكَ مَا لَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا يَا زَانِيَةُ إنْ شَاءَ اللَّهُ فَإِنَّهَا لَا تَطْلُقُ لِرُجُوعِ الِاسْتِثْنَاءِ إلَى الطَّلَاقِ خَاصَّةً، وَيُحَدُّ بِقَوْلِهِ: يَا زَانِيَةُ، وَلَا يَضُرُّ تَخَلُّلُ يَا طَالِقُ فِي الْأَوَّلِ، وَلَا يَا زَانِيَةُ فِي الثَّانِي؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ أَجْنَبِيًّا عَنْ الْمُخَاطَبَةِ فَأَشْبَهَ قَوْلَهُ أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا يَا حَفْصَةُ إنْ شَاءَ اللَّهُ، وَلَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ إنْ شَاءَ اللَّهُ قَاصِدًا التَّوْكِيدِ لَمْ تَطْلُقْ كَمَا لَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ إنْ شَاءَ اللَّهُ.

(أَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ إلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ تَعَالَى) طَلَاقَك (فَلَا) يَقَعُ (فِي الْأَصَحِّ) لِأَنَّ مَعْنَاهُ إلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ عَدَمَ تَطْلِيقِك فَلَا يَقَعُ شَيْءٌ؛ لِأَنَّ الْمَشِيئَةَ لَا اطِّلَاعَ لَنَا عَلَيْهَا، وَالثَّانِي: يَقَعُ؛ لِأَنَّهُ أَوْقَعَهُ وَجَعَلَ الْمُخَلِّصَ عَنْهُ الْمَشِيئَةَ، وَهِيَ غَيْرُ مَعْلُومَةٍ فَلَا يَحْصُلُ الْخَلَاصُ.
تَتِمَّةٌ: لَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ وَاحِدَةً وَثَلَاثًا أَوْ ثِنْتَيْنِ إنْ شَاءَ اللَّهُ طَلُقَتْ وَاحِدَةً لِاخْتِصَاصِ التَّعْلِيقِ بِالْمَشِيئَةِ بِالْأَخِيرِ كَمَا فِي الِاسْتِثْنَاءِ الْمُسْتَغْرَقِ كَمَا مَرَّ، وَقَوْلُهُ: أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا وَوَاحِدَةً إنْ شَاءَ اللَّهُ يَقَعُ ثَلَاثًا كَذَلِكَ، وَلَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ وَاحِدَةً ثَلَاثًا أَوْ ثَلَاثًا ثَلَاثًا إنْ شَاءَ اللَّهُ لَمْ تَطْلُقْ لِعَوْدِ الْمَشِيئَةِ إلَى الْجَمِيعِ لِحَذْفِ الْعَاطِفِ، وَلَوْ قَالَ: حَفْصَةُ طَالِقٌ وَعَمْرَةُ طَالِقٌ إنْ شَاءَ اللَّهُ وَلَمْ يَنْوِ عَوْدَ الِاسْتِثْنَاءِ إلَى كُلٍّ مِنْ الْمُتَعَاطِفَيْنِ طَلُقَتْ حَفْصَةُ دُونَ عَمْرَةَ لِمَا مَرَّ، بِخِلَافِ قَوْلِهِ حَفْصَةُ وَعَمْرَةُ طَالِقَانِ إنْ شَاءَ اللَّهُ لَا تَطْلُقُ وَاحِدَةٌ مِنْهُمَا، وَلَوْ قَالَ: أَنْت طَالِقٌ إنْ شَاءَ زَيْدٌ فَمَاتَ زَيْدٌ أَوْ جُنَّ قَبْلَ الْمَشِيئَةِ لَمْ تَطْلُقْ لِعَدَمِ الْمَشِيئَةِ، وَإِنْ خَرَسَ فَأَشَارَ طَلُقَتْ؛ لِأَنَّهُ عِنْدَ بَيَانِ الْمَشِيئَةِ مِنْ أَهْلِ الْإِشَارَةِ وَالِاعْتِبَارُ بِحَالِ الْبَيَانِ، وَلِهَذَا لَوْ كَانَ عِنْدَ التَّعْلِيقِ أَخْرَسَ، ثُمَّ نَطَقَ كَانَتْ مَشِيئَتُهُ بِالنُّطْقِ، وَلَوْ عَلَّقَ بِمَشِيئَةِ الْمَلَائِكَةِ لَمْ تَطْلُقْ، إذْ لَهُمْ مَشِيئَةٌ وَلَمْ يَعْلَمْ حُصُولَهَا، وَكَذَا إنْ عَلَّقَ بِمَشِيئَةِ بَهِيمَةٍ لِأَنَّهُ تَعْلِيقٌ بِمُسْتَحِيلٍ، وَلَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ إنْ لَمْ يَشَأْ زَيْدٌ، وَلَمْ تُوجَدْ الْمَشِيئَةُ فِي الْحَيَاةِ طَلُقَتْ قُبَيْلَ الْمَوْتِ أَوْ قُبَيْلَ جُنُونٍ اتَّصَلَ بِالْمَوْتِ لِتَحَقُّقِ عَدَمِ الْمَشِيئَةِ حِينَئِذٍ، وَإِنْ مَاتَ زَيْدٌ وَشَكَّ فِي مَشِيئَتِهِ لَمْ تَطْلُقْ لِلشَّكِّ فِي الصِّفَةِ الْمُوجِبَةِ لِلطَّلَاقِ، وَلَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ إنْ لَمْ يَشَأْ زَيْدٌ الْيَوْمَ

فَصْلٌ شَكَّ فِي طَلَاقٍ فَلَا، أَوْ فِي عَدَدٍ فَالْأَقَلُّ، وَلَا يَخْفَى الْوَرَعُ.

وَلَوْ قَالَ إنْ كَانَ ذَا الطَّائِرُ غُرَابًا فَأَنْتِ طَالِقٌ، وَقَالَ آخَرُ إنْ لَمْ يَكُنْهُ فَامْرَأَتِي طَالِقٌ وَجُهِلَ لَمْ يُحْكَمْ بِطَلَاقِ أَحَدٍ، فَإِنْ قَالَهُمَا رَجُلٌ لِزَوْجَتَيْهِ طَلُقَتْ إحْدَاهُمَا وَلَزِمَهُ الْبَحْثُ وَالْبَيَانُ،

[مغني المحتاج]

وَلَمْ يَشَأْ فِيهِ طَلُقَتْ قُبَيْلَ الْغُرُوبِ، لِأَنَّ الْيَوْمَ هُنَا كَالْعُمْرِ فِيمَا مَرَّ.

[فَصْلٌ فِي الشَّكُّ فِي الطَّلَاقِ]

(فَصْلٌ) فِي الشَّكِّ فِي الطَّلَاقِ وَهُوَ كَمَا سَيَأْتِي عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ: شَكٌّ فِي أَصْلِهِ، وَشَكٌّ فِي عَدَدِهِ، وَشَكٌّ فِي مَحَلِّهِ وَهَذَا كَمَنْ طَلَّقَ مُعَيَّنَةً ثُمَّ نَسِيَهَا، إذَا (شَكَّ) أَيْ تَرَدَّدَ بِرُجْحَانٍ أَوْ غَيْرِهِ (فِي) وُقُوعِ (طَلَاقٍ) مِنْهُ أَوْ فِي وُجُودِ الصِّفَةِ الْمُعَلَّقِ بِهَا، كَقَوْلِهِ: إنْ كَانَ هَذَا الطَّائِرُ غُرَابًا فَأَنْتِ طَالِقٌ وَشَكَّ هَلْ كَانَ غُرَابًا أَوْ لَا (فَلَا) نَحْكُمُ بِوُقُوعِهِ.
قَالَ الْمَحَامِلِيُّ بِالْإِجْمَاعِ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الطَّلَاقِ وَبَقَاءُ النِّكَاحِ (أَوْ) لَمْ يَشُكَّ فِي طَلَاقٍ بَلْ تَحَقَّقَ وُقُوعَهُ، وَلَكِنْ شَكَّ (فِي عَدَدٍ) مِنْهُ، هَلْ طَلَّقَ طَلْقَةً أَوْ أَكْثَرَ؟ (فَالْأَقَلُّ) يَأْخُذُ بِهِ (وَلَا يَخْفَى الْوَرَعُ) فِي الصُّورَتَيْنِ وَهُوَ الْأَخْذُ بِالْأَسْوَأِ لِخَبَرِ «دَعْ مَا يَرِيبُكَ إلَى مَا لَا يَرِيبُكَ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ، فَفِي الْأُولَى يُرَاجِعُ إنْ كَانَ لَهُ الرَّجْعَةُ، وَإِلَّا فَيُجَدِّدُ نِكَاحَهَا إنْ كَانَ لَهُ فِيهَا رَغْبَةٌ، وَإِلَّا فَلْيُنَجِّزْ طَلَاقَهَا لِتَحِلَّ لِغَيْرِهِ يَقِينًا، وَفِي الثَّانِيَةِ إنْ شَكَّ فِي أَنَّهُ طَلَّقَ ثَلَاثًا أَمْ ثِنْتَيْنِ لَمْ يَنْكِحْهَا حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ، وَلَوْ شَكَّ هَلْ طَلَّقَ ثَلَاثًا أَوْ لَمْ يُطَلِّقْ شَيْئًا طَلَّقَهَا ثَلَاثًا، قَالَ الرَّافِعِيُّ: لِتَحِلَّ لِغَيْرِهِ يَقِينًا اهـ. وَهَذَا لَيْسَ بِظَاهِرٍ فَإِنَّهَا تَحِلُّ لِغَيْرِهِ يَقِينًا فِي الصُّورَةِ الثَّانِيَةِ بِأَيِّ شَيْءٍ أَوْقَعَهُ وَلَوْ طَلْقَةً، نَعَمْ فَائِدَةُ إيقَاعِ الثَّلَاثِ أَنَّهُ لَوْ تَزَوَّجَهَا بَعْدَ دُخُولِ الثَّانِي بِهَا وَتَطْلِيقِهِ إيَّاهَا عَلَيْهَا الثَّلَاثُ بِيَقِينٍ.

(وَلَوْ) عَلَّقَ اثْنَانِ بِنَقِيضِينَ كَأَنْ (قَالَ: إنْ كَانَ ذَا الطَّائِرُ غُرَابًا) مَثَلًا (فَأَنْتِ طَالِقٌ.
وَقَالَ آخَرُ إنْ لَمْ يَكُنْهُ فَامْرَأَتِي طَالِقٌ وَجُهِلَ) الْحَالُ فِي الطَّائِرِ (لَمْ يُحْكَمْ بِطَلَاقِ أَحَدٍ) لِأَنَّهُ لَوْ انْفَرَدَ أَحَدُهُمَا بِمَا قَالَ لَمْ يُحْكَمْ بِوُقُوعِ طَلَاقِهِ لِجَوَازِ أَنَّهُ غَيْرُ غُرَابٍ، وَالْأَصْلُ بَقَاءُ النِّكَاحِ فَتَعْلِيقُ الْآخَرِ لَا يُغَيِّرُ حُكْمَهُ.
تَنْبِيهٌ: مَشَى الْمُصَنِّفُ فِي نُكَتِهِ عَلَى اخْتِيَارِ شَيْخِهِ ابْنِ مَالِكٍ فِي اتِّصَالِ الضَّمِيرِ الْوَاقِعِ خَبَرَ كَانَ، وَلَكِنَّ جُمْهُورَ النُّحَاةِ عَلَى الِانْفِصَالِ (فَإِنْ قَالَهُمَا رَجُلٌ لِزَوْجَتَيْهِ طَلُقَتْ إحْدَاهُمَا) لَا بِعَيْنِهَا لِوُجُودِ إحْدَى الصِّفَتَيْنِ؛ لِأَنَّهُ لَا بُدَّ فِيهِ مِنْ أَحَدِ الْوَصْفَيْنِ، إذْ لَيْسَ بَيْنَ النَّفْيِ وَالْإِثْبَاتِ وَاسِطَةٌ (وَلَزِمَهُ) مَعَ الِاعْتِزَالِ عَنْهُمَا إلَى تَبَيُّنِ الْحَالِ لِاشْتِبَاهِ الْمُبَاحَةِ بِغَيْرِهَا (الْبَحْثُ) عَنْ الطَّائِرِ (وَالْبَيَانُ) لِزَوْجَتِهِ إنْ أَمْكَنَ وَاتَّضَحَ لَهُ حَالُ الطَّائِرِ لِيَعْلَمَ الْمُطَلَّقَةَ دُونَ غَيْرِهَا، فَإِنْ طَارَ وَلَمْ يَعْلَمْ لَمْ يَلْزَمْهُ بَحْثٌ وَلَا بَيَانٌ.
تَنْبِيهٌ: هَذَا فِي الطَّلَاقِ الْبَائِنِ، وَفِي الرَّجْعِيَّةِ إذَا انْقَضَتْ عِدَّتُهَا لِمَا سَيَأْتِي مِنْ عَدَمِ وُجُوبِ

وَلَوْ طَلَّقَ إحْدَاهُمَا بِعَيْنِهَا ثُمَّ جَهِلَهَا وُقِفَ حَتَّى يَذَّكَّرَ، وَلَا يُطَالَبُ بِبَيَانٍ إنْ صَدَّقَتَاهُ فِي الْجَهْلِ.

وَلَوْ قَالَ لَهَا وَلِأَجْنَبِيَّةٍ إحْدَاكُمَا طَالِقٌ وَقَالَ قَصَدْت الْأَجْنَبِيَّةَ قُبِلَ فِي الْأَصَحِّ.

وَلَوْ قَالَ زَيْنَبُ طَالِقٌ،

[مغني المحتاج]

الْبَيَانِ فِيمَا لَوْ طَلَّقَ إحْدَى زَوْجَتَيْهِ طَلَاقًا رَجْعِيًّا؛ لِأَنَّ الرَّجْعِيَّةَ زَوْجَةٌ (وَلَوْ طَلَّقَ إحْدَاهُمَا بِعَيْنِهَا) كَأَنْ خَاطَبَهَا بِطَلَاقٍ وَحْدَهَا، أَوْ نَوَاهَا بِقَوْلِهِ إحْدَاكُمَا طَالِقٌ (ثُمَّ جَهِلَهَا) بَعْدَ ذَلِكَ بِنِسْيَانٍ وَنَحْوِهِ (وُقِفَ) وُجُوبًا أَمْرُهُ عَنْهُمَا مِنْ قُرْبَانٍ وَغَيْرِهِ (حَتَّى يَذَّكَّرَ) بِتَشْدِيدِ الذَّالِ الْمُعْجَمَةِ كَمَا ضَبَطَهُ بَعْضُهُمْ، أَيْ يَتَذَكَّرَ الْمُطَلَّقَةَ بِأَنْ يَعْرِفَهَا، وَالْجَهْلُ الْمُقَارِنُ لِلطَّلَاقِ كَمَا لَوْ طَلَّقَ فِي ظُلْمَةٍ كَذَلِكَ.
تَنْبِيهٌ: لَوْ عَبَّرَ بَدَلَ ثُمَّ بِالْوَاوِ كَانَ أَعَمَّ (وَلَا يُطَالَبُ) الزَّوْجُ (بِبَيَانٍ) لِلْمُطَلَّقَةِ (إنْ صَدَّقَتَاهُ) أَيْ الزَّوْجَتَانِ (فِي الْجَهْلِ) بِهَا لِأَنَّ الْحَقَّ لَهُمَا، فَإِنْ كَذَّبَتَاهُ وَبَادَرَتْ وَاحِدَةٌ وَقَالَتْ: أَنَا الْمُطَلَّقَةُ لَمْ يَقْنَعْ مِنْهُ بِقَوْلِهِ: نَسِيت أَوْ لَا أَدْرِي، وَإِنْ كَانَ قَوْلُهُ مُحْتَمِلًا بَلْ يُطَالَبُ بِيَمِينٍ جَازِمَةٍ أَنَّهُ لَمْ يُطَلِّقْهَا، فَإِنْ نَكَلَ حَلَفَتْ وَقَضَى بِطَلَاقِهَا.
قَالَ الْأَذْرَعِيُّ: وَلَوْ ادَّعَتْ كُلٌّ مِنْهُمَا أَوْ إحْدَاهُمَا أَنَّهُ يَعْلَمُ الَّتِي عَنَاهَا بِالطَّلَاقِ، وَسَأَلَتْ تَحْلِيفَهُ أَنَّهُ لَا يَعْلَمُ ذَلِكَ وَلَمْ تَقُلْ فِي الدَّعْوَى أَنَّهُ يَعْلَمُ الْمُطَلَّقَةَ، فَالْوَجْهُ قَبُولُ هَذِهِ الدَّعْوَى وَتَحْلِيفُهُ عَلَى ذَلِكَ.

(وَلَوْ قَالَ لَهَا) أَيْ لِزَوْجَتِهِ (وَلِأَجْنَبِيَّةٍ إحْدَاكُمَا طَالِقٌ وَقَالَ: قَصَدْتُ) بِالطَّلَاقِ (الْأَجْنَبِيَّةَ قُبِلَ) قَوْلُهُ بِيَمِينِهِ (فِي الْأَصَحِّ) وَعَبَّرَ فِي الرَّوْضَةِ بِالصَّحِيحِ الْمَنْصُوصِ؛ لِأَنَّ الْكَلِمَةَ مُتَرَدِّدَةٌ بَيْنَهُمَا مُحْتَمِلَةٌ لِهَذِهِ وَلِهَذِهِ، فَإِذَا قَالَ: عَيَّنْتُهَا صَارَ كَمَا لَوْ قَالَ لِلْأَجْنَبِيَّةِ: أَنْتِ طَالِقٌ، وَالثَّانِي: لَا يُقْبَلُ وَتَطْلُقُ زَوْجَتُهُ؛ لِأَنَّهَا مَحَلُّ الطَّلَاقِ فَلَا يَنْصَرِفُ عَنْهَا إلَى الْأَجْنَبِيَّةِ بِالْقَصْدِ.
تَنْبِيهٌ: أَفْهَمَ قَوْلُهُ قَصَدْتُ الْأَجْنَبِيَّةَ أَنَّهُ إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ قَصْدٌ تَطْلُقُ زَوْجَتُهُ، وَهُوَ مَا فِي الرَّوْضَةِ وَأَصْلِهَا عَنْ فَتَاوَى الْبَغَوِيِّ وَأَقَرَّاهُ.
قَالَ فِي الْمُهِمَّاتِ: وَيُتَّجَهُ أَنَّ مَحَلَّ مَا قَالَهُ الْبَغَوِيّ فِيمَا إذَا لَمْ يَصْدُرْ عَلَى الْأَجْنَبِيَّةِ طَلَاقٌ مِنْهُ أَوْ مِنْ غَيْرِهِ، فَإِنْ كَانَ وَقَعَ عَلَيْهَا ذَلِكَ لَمْ يُحْكَمْ بِطَلَاقِ زَوْجَتِهِ بِمَا وَقَعَ مِنْهُ؛ لِأَنَّ الْكَلَامَ الَّذِي صَدَرَ مِنْهُ صَادِقٌ عَلَيْهِمَا صِدْقًا وَاحِدًا وَالْأَصْلُ بَقَاءُ الزَّوْجِيَّةِ، وَيُؤَيِّدُهُ مَا ذَكَرَهُ الرَّافِعِيُّ فِي بَابِ الْعِتْقِ، أَنَّهُ إذَا أَعْتَقَ عَبْدًا، ثُمَّ قَالَ لَهُ وَلِعَبْدٍ آخَرَ: أَحَدُكُمَا حُرٌّ لَمْ يَقْتَضِ ذَلِكَ عِتْقَ الْآخَرِ اهـ. وَاحْتَرَزَ بِقَوْلِهِ: وَلِأَجْنَبِيَّةٍ عَمَّا لَوْ قَالَ لِزَوْجَتِهِ وَلِرَجُلٍ أَوْ دَابَّةٍ.
وَقَالَ: أَرَدْت الرَّجُلَ أَوْ الدَّابَّةَ فَإِنَّهُ لَا يُقْبَلُ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ مَحَلًّا لِلطَّلَاقِ، وَأَمَتُهُ مَعَ زَوْجَتِهِ وَفَاسِدَةُ النِّكَاحِ مَعَ صَحِيحَتِهِ كَالْأَجْنَبِيَّةِ مَعَ الزَّوْجَةِ.

فُرُوعٌ: لَوْ قَالَ: إنْ فَعَلْت كَذَا فَإِحْدَاكُمَا طَالِقٌ، ثُمَّ فَعَلَهُ بَعْدَ مَوْتِ إحْدَاهُمَا وَقَعَ الطَّلَاقُ عَلَى الْبَاقِيَةِ لِتَعَيُّنِ الْمَحَلِّ لَهَا.
وَلَوْ قَالَ لِعَبْدَيْهِ: أَحَدُكُمَا حُرٌّ فَمَاتَ أَحَدُهُمَا تَعَيَّنَ الْعِتْقُ فِي الْحَيِّ؛ لِأَنَّ الْعِتْقَ ثَبَتَ فِي الذِّمَّةِ بِخِلَافِ الطَّلَاقِ، وَلَوْ قَالَ لِأُمِّ زَوْجَتِهِ: ابْنَتُك طَالِقٌ لَمْ تَطْلُقْ زَوْجَتُهُ إنْ لَمْ يَنْوِ طَلَاقَهَا بِنَاءً عَلَى الْأَصَحِّ مِنْ أَنَّ الْمُتَكَلِّمَ لَا يَدْخُلُ فِي عُمُومِ كَلَامِهِ كَمَا عَلَيْهِ أَكْثَرُ الْمُتَقَدِّمِينَ خِلَافًا لِمَا فِي الْمُهِمَّاتِ.

(وَلَوْ) كَانَ اسْمُ زَوْجَتِهِ زَيْنَبَ وَ (قَالَ زَيْنَبُ طَالِقٌ) وَلَمْ

وَقَالَ قَصَدْتُ أَجْنَبِيَّةً فَلَا عَلَى الصَّحِيحِ، وَلَوْ قَالَ لِزَوْجَتَيْهِ إحْدَاكُمَا طَالِقٌ وَقَصَدَ مُعَيَّنَةً طَلُقَتْ، وَإِلَّا فَإِحْدَاهُمَا، وَيَلْزَمُهُ الْبَيَانُ فِي الْحَالَةِ الْأَوْلَى، وَالتَّعْيِينُ فِي الثَّانِيَةِ، وَتُعْزَلَانِ عَنْهُ إلَى الْبَيَانِ أَوْ التَّعْيِينِ، وَعَلَيْهِ الْبِدَارُ بِهِمَا، وَنَفَقَتُهُمَا فِي الْحَالِ.

[مغني المحتاج]

يَرْفَعْ فِي نَسَبِهَا مَا تَتَمَيَّزُ بِهِ (وَقَالَ) لَمْ أَقْصِدْ زَوْجَتِي بَلْ (قَصَدْتُ أَجْنَبِيَّةً) اسْمُهَا زَيْنَبُ (فَلَا) يُقْبَلُ ظَاهِرًا (عَلَى الصَّحِيحِ) لِأَنَّهُ خِلَافُ الظَّاهِرِ وَيُدَيَّنُ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى، كَمَا لَوْ كَانَ لَهُ زَوْجَةٌ قَبْلَهَا وَاسْمُهَا زَيْنَبُ وَطَلَّقَهَا أَوْ مَاتَتْ.
وَقَالَ أَرَدْتُهَا.
وَالثَّانِي: يُقْبَلُ بِيَمِينِهِ لِاحْتِمَالِ اللَّفْظِ لِذَلِكَ كَمَا فِي الصُّورَةِ الَّتِي قَبْلَهَا، وَفَرَّقَ الْأَوَّلُ بَيْنَهُمَا بِأَنَّ قَوْلَهُ: إحْدَاكُمَا يَتَنَاوَلُهُمَا تَنَاوُلًا وَاحِدًا وَلَمْ يُوجَدْ مِنْهُ تَصْرِيحٌ بِاسْمِ زَوْجَتِهِ وَلَا وَصْفٌ لَهَا وَلَا إشَارَةٌ بِالطَّلَاقِ، وَهُنَا صَرَّحَ بِاسْمِهَا، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ إنْ أَرَادَهَا فَلِذَلِكَ لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ، فَلَوْ نَكَحَ امْرَأَةً نِكَاحًا صَحِيحًا وَأُخْرَى نِكَاحًا فَاسِدًا وَكُلٌّ مِنْهُمَا اسْمُهَا زَيْنَبُ وَقَالَ: زَيْنَبُ طَالِقٌ، وَقَالَ: أَرَدْت فَاسِدَةَ النِّكَاحِ قُبِلَ كَمَا هُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ ابْنِ الْمُقْرِي، لَكِنْ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ مَحَلُّهُ إذَا لَمْ يَعْلَمْ فَسَادَ نِكَاحِهَا وَإِلَّا فَهِيَ أَجْنَبِيَّةٌ فَلَا يُقْبَلُ مِنْهُ ظَاهِرًا وَيُدَيَّنُ (وَلَوْ قَالَ لِزَوْجَتَيْهِ: إحْدَاكُمَا طَالِقٌ وَقَصَدَ مُعَيَّنَةً) مِنْهُمَا (طَلُقَتْ) لِأَنَّ اللَّفْظَ صَالِحٌ لِكُلٍّ مِنْهُمَا، فَإِذَا صَرَفَهُ بِالنِّيَّةِ إلَى وَاحِدَةٍ انْصَرَفَ وَصَارَ اللَّفْظُ كَالنَّصِّ فِي التَّعْيِينِ (وَإِلَّا) بِأَنْ لَمْ يَقْصِدْ مُعَيَّنَةً بَلْ أَطْلَقَ أَوْ قَصَدَ وَاحِدَةً لَا بِعَيْنِهَا أَوْ قَصَدَهُمَا كَمَا قَالَهُ الْإِمَامُ (فَإِحْدَاهُمَا) أَيْ زَوْجَتَيْهِ تَطْلُقُ، وَلَا يَدْرِي الْآنَ مَنْ هِيَ (وَيَلْزَمُهُ) بَعْدَ طَلَبِ الزَّوْجَتَيْنِ: كَمَا قَالَهُ ابْنُ الرِّفْعَةِ أَوْ إحْدَاهُمَا كَمَا قَالَهُ غَيْرُهُ (الْبَيَانُ) لِلْمُطَلَّقَةِ (فِي الْحَالَةِ الْأَوْلَى) وَهِيَ قَصْدُ وَاحِدَةٍ مُعَيَّنَةٍ (وَالتَّعْيِينُ) فَوْرًا (فِي) الْحَالَةِ (الثَّانِيَةِ) وَهِيَ قَصْدُ وَاحِدَةٍ مُبْهَمَةٍ لِتُعْلَمَ الْمُطَلَّقَةُ مِنْهُمَا فَيَتَرَتَّبَ عَلَيْهَا أَحْكَامُ الْفِرَاقِ (وَتُعْزَلَانِ) بِمُثَنَّاةٍ فَوْقِيَّةٍ بِخَطِّهِ فَالضَّمِيرِ لِزَوْجَتَيْهِ، وَيَسْتَمِرُّ انْعِزَالُهُمَا (عَنْهُ إلَى الْبَيَانِ) فِي الْحَالَةِ الْأُولَى (أَوْ التَّعْيِينِ) فِي الْحَالَةِ الثَّانِيَةِ لِاخْتِلَاطِ الْمَحْظُورِ بِالْمُبَاحِ (وَعَلَيْهِ الْبِدَارُ بِهِمَا) أَيْ الْبَيَانِ وَالتَّعْيِينِ لِرَفْعِهِ حَبْسَهُ عَمَّنْ زَالَ مِلْكُهُ عَنْهَا، فَلَوْ أَخَّرَ بِلَا عُذْرٍ عَصَى وَعُزِّرَ.
قَالَ الْإِسْنَوِيُّ: وَقَضِيَّةُ ذَلِكَ أَنَّهُ لَوْ اسْتَمْهَلَ لَمْ يُمْهَلْ، وَقَالَ ابْنُ الرِّفْعَةِ: يُمْهَلُ، وَيُمْكِنُ حَمْلُ الْأَوَّلِ عَلَى مَا إذَا عَيَّنَ وَلَمْ يَدَّعِ نِسْيَانًا، إذْ لَا وَجْهَ لِلْإِمْهَالِ حِينَئِذٍ وَالثَّانِي عَلَى مَا إذَا أَبْهَمَ أَوْ عَيَّنَ وَادَّعَى أَنَّهُ نَسِيَ.
تَنْبِيهٌ: مَحَلُّ هَذَا فِي الطَّلَاقِ الْبَائِنِ، أَمَّا الرَّجْعِيُّ فَلَا يَلْزَمُهُ فِيهِ بَيَانٌ وَلَا تَعْيِينٌ فِي الْحَالِ عَلَى الْأَصَحِّ فِي أَصْلِ الرَّوْضَةِ وَالشَّرْحِ الصَّغِيرِ لِأَنَّهَا زَوْجَةٌ، وَيُؤْخَذُ مِنْ هَذَا أَنَّهَا لَوْ انْقَضَتْ عِدَّتُهَا لَزِمَهُ فِي الْحَالِ لِحُصُولِ الْبَيْنُونَةِ وَانْتِفَاءِ الزَّوْجِيَّةِ كَمَا قَالَهُ الْإِسْنَوِيُّ، أَمَّا إذَا لَمْ تَطْلُبْ الزَّوْجَتَانِ وَلَا إحْدَاهُمَا فَلَا وَجْهَ لِإِيجَابِهِ قَبْلَ الطَّلَبِ لِأَنَّهُ مَحْضُ حَقِّ الزَّوْجَيْنِ، وَحَقُّ اللَّهِ تَعَالَى فِيهِ الِانْعِزَالُ وَقَدْ أَوْجَبْنَاهُ (وَ) عَلَيْهِ أَيْضًا (نَفَقَتُهُمَا فِي الْحَالِ) إلَى الْبَيَانِ أَوْ التَّعْيِينِ لِحَبْسِهِمَا عِنْدَهُ حَبْسَ الزَّوْجَاتِ، وَسَوَاءٌ أَقَصَّرَ فِي تَأْخِيرِ ذَلِكَ أَمْ لَا كَأَنْ كَانَ جَاهِلًا أَوْ نَاسِيًا؛ لِأَنَّهُ وَرَّطَ نَفْسَهُ وَلَا يَرُدُّ الْمَصْرُوفَ إلَى الْمُطَلَّقَةِ إذَا بَيَّنَ أَوْ عَيَّنَ.
قَالَ الْإِمَامُ: وَهُوَ مِنْ النَّوَادِرَ فَإِنَّهَا نَفَقَةٌ لِبَائِنٍ.

وَيَقَعُ الطَّلَاقُ بِاللَّفْظِ، وَقِيلَ إنْ لَمْ يُعَيِّنْ، فَعِنْدَ التَّعْيِينِ، وَالْوَطْءُ لَيْسَ بَيَانًا وَلَا تَعْيِينًا، وَقِيلَ تَعْيِينٌ، وَلَوْ قَالَ مُشِيرًا إلَى وَاحِدَةٍ: هَذِهِ الْمُطَلَّقَةُ فَبَيَانٌ، أَوْ أَرَدْت هَذِهِ وَهَذِهِ أَوْ هَذِهِ بَلْ هَذِهِ حُكِمَ بِطَلَاقِهِمَا،

[مغني المحتاج]

تَنْبِيهٌ: قَوْلُهُ فِي الْحَالِ تَبِعَ فِيهِ الْمُحَرَّرَ وَلَمْ تَذْكُرْهُ الرَّوْضَةُ وَأَصْلُهَا.
قَالَ ابْنُ النَّقِيبِ: وَلَمْ أَفْهَمْ مَا أَرَادَ بِهِ.
وَقَالَ غَيْرُهُ: أَشَارَ بِهِ إلَى أَنَّ النَّفَقَةَ لَا تُؤَخَّرُ إلَى الْبَيَانِ أَوْ التَّعْيِينِ.

(وَيَقَعُ الطَّلَاقُ) فِي الْمُعَيَّنَةِ الْمُبَيَّنَةِ (بِاللَّفْظِ) جَزْمًا، وَفِي الْمُبْهَمَةِ عَلَى الْأَصَحِّ؛ لِأَنَّهُ جَزَمَ بِهِ وَنَجَّزَهُ فَلَا يَجُوزُ تَأْخِيرُهُ إلَّا أَنَّ مَحَلَّهُ غَيْرُ مُبَيَّنٍ، أَوْ غَيْرُ مُعَيَّنٍ فَيُؤْمَرُ بِالتَّبْيِينِ أَوْ التَّعْيِينِ، لَكِنْ عِدَّةُ الْمُعَيَّنِ مِنْ اللَّفْظِ، وَالْمُبْهَمِ مِنْ التَّعْيِينِ لِتَعْيِينِ الْمَحَلِّ فِي الْأُولَى دُونَ الثَّانِيَةِ، وَيَجُوزُ أَنْ تَتَأَخَّرَ الْعِدَّةُ عَنْ وَقْتِ الْحُكْمِ بِالطَّلَاقِ كَمَا تَجِبُ فِي النِّكَاحِ الْفَاسِدِ بِالْوَطْءِ وَتُحْسَبُ مِنْ التَّفْرِيقِ (وَقِيلَ: إنْ لَمْ يُعَيِّنْ) الْمُبْهَمَةَ الْمُطَلَّقَةَ ثُمَّ عَيَّنَهَا (فَعِنْدَ التَّعْيِينِ) يَقَعُ الطَّلَاقُ؛ لِأَنَّهُ لَوْ وَقَعَ قَبْلَهُ لَوَقَعَ لَا فِي مَحَلٍّ، وَالطَّلَاقُ شَيْءٌ مُعَيَّنٌ فَلَا يَقَعُ إلَّا فِي مَحَلٍّ مُعَيَّنٍ، وَرُدَّ هَذَا بِأَنَّهُ مَمْنُوعٌ مِنْهُمَا إلَى التَّعْيِينِ كَمَا مَرَّ، فَلَوْلَا وُقُوعُ الطَّلَاقِ قَبْلَهُ لَمْ يُمْنَعْ مِنْهُمَا (وَالْوَطْءُ) لِإِحْدَاهُمَا (لَيْسَ بَيَانًا) فِي الْحَالَةِ الْأُولَى أَنَّ الْمُطَلَّقَةَ الْأُخْرَى (وَلَا تَعْيِينًا) فِي الْحَالَةِ الثَّانِيَةِ لِغَيْرِ الْمَوْطُوءَةِ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَطَأَ الْمُطَلَّقَةَ؛ وَلِأَنَّ مِلْكَ النِّكَاحِ لَا يَحْصُلُ بِالْفِعْلِ ابْتِدَاءً فَلَا يَتَدَارَكُ بِهِ وَلِذَلِكَ لَا تَحْصُلُ الرَّجْعَةُ بِالْوَطْءِ (وَقِيلَ) الْوَطْءُ (تَعْيِينٌ) لِلطَّلَاقِ فِي غَيْرِ الْمَوْطُوءَةِ، وَعَلَيْهِ الْأَكْثَرُونَ، وَقَالَ فِي التَّنْبِيهِ: إنَّهُ ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ فَلَا يُمْنَعُ مِنْ وَطْءِ أَيَّتِهِمَا شَاءَ وَالْمُعْتَمَدُ الْأَوَّلُ، وَعَلَيْهِ فَيُطَالَبُ بِالْبَيَانِ وَالتَّعْيِينِ، فَإِنْ بَيَّنَ الطَّلَاقَ فِي الْمَوْطُوءَةِ وَكَانَ الطَّلَاقُ بَائِنًا لَزِمَهُ الْحَدُّ لِاعْتِرَافِهِ بِوَطْءِ أَجْنَبِيَّةٍ بِلَا شُبْهَةٍ، وَلَهَا الْمَهْرُ لِجَهْلِهَا بِأَنَّهَا الْمُطَلَّقَةُ، بِخِلَافِ الرَّجْعِيَّةِ لَا حَدَّ بِوَطْئِهِ لَهَا وَإِنْ بَيَّنَ فِي غَيْرِ الْمَوْطُوءَةِ قَبْلُ، فَإِنْ ادَّعَتْ الْمَوْطُوءَةُ أَنَّهُ نَوَاهَا وَنَكَلَ حَلَفَتْ وَلَزِمَهُ لَهُمَا الْمَهْرُ، وَلَا حَدَّ لِلشُّبْهَةِ؛ لِأَنَّ الطَّلَاقَ ثَبَتَ بِظَاهِرِ الْيَمِينِ، وَلَهُ أَنْ يُعَيِّنَ لِلطَّلَاقِ غَيْرَ الْمَوْطُوءَةِ، وَعَلَيْهِ مَهْرُهَا لِمَا مَرَّ.
وَقَضِيَّةُ كَلَامِ الرَّوْضِ وَأَصْلِهِ أَنَّهُ لَا حَدَّ عَلَيْهِ وَإِنْ كَانَ الطَّلَاقُ بَائِنًا وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ وَإِنْ جَزَمَ فِي الْأَنْوَارِ بِأَنَّهُ يُحَدُّ كَمَا فِي الْأُولَى لِلِاخْتِلَافِ فِي وَقْتِ الطَّلَاقِ، وَلَهُ أَنْ يُعَيِّنَهُ لِلْمَوْطُوءَةِ (وَلَوْ قَالَ) فِيمَا إذَا طُلِبَ مِنْهُ بَيَانُ مُطَلَّقَةٍ مُعَيَّنَةٍ نَوَاهَا (مُشِيرًا إلَى وَاحِدَةٍ) مِنْهُمَا (هَذِهِ الْمُطَلَّقَةُ فَبَيَانٌ) لَهَا؛ لِأَنَّهُ إخْبَارٌ عَنْ الْإِرَادَةِ السَّابِقَةِ الْمُعَلَّقَةِ بِمَحَلٍّ مُعَيَّنٍ، أَوْ هَذِهِ الزَّوْجَةُ، أَوْ لَمْ أُطَلِّقْ هَذِهِ، فَبَيَانٌ أَنَّ غَيْرَهَا الْمُطَلَّقَةُ (أَوْ) قَالَ مُشِيرًا لِكُلٍّ مِنْهُمَا (أَرَدْت هَذِهِ وَهَذِهِ) أَوْ هَذِهِ هَذِهِ، أَوْ هَذِهِ مَعَ هَذِهِ (أَوْ هَذِهِ بَلْ هَذِهِ حُكِمَ بِطَلَاقِهِمَا) ظَاهِرًا لِإِقْرَارِهِ بِهِ بِمَا قَالَهُ؛ لِأَنَّهُ أَقَرَّ بِطَلَاقِ الْأُولَى ثُمَّ رَجَعَ وَأَقَرَّ بِطَلَاقِ الثَّانِيَةِ فَلَمْ يُقْبَلْ رُجُوعُهُ عَنْهُ وَقُبِلَ إقْرَارُهُ بِطَلَاقِ الثَّانِيَةِ؛ لِأَنَّهُ أَقَرَّ بِحَقِّ غَيْرِهِ عَلَيْهِ.
أَمَّا فِي الْبَاطِنِ فَالْمُطَلَّقَةُ مَنْ نَوَاهَا فَقَطْ كَمَا قَالَهُ الْإِمَامُ.
قَالَ: فَإِنْ نَوَاهُمَا جَمِيعًا فَالْوَجْهُ أَنَّهُمَا لَا يُطَلَّقَانِ، إذْ لَا وَجْهَ لِحَمْلِ إحْدَاهُمَا عَلَيْهِمَا جَمِيعًا.
تَنْبِيهٌ: تَمْثِيلُ الْمُصَنِّفِ الْعَطْفَ بِالْوَاوِ وَبَلْ تَنْبِيهًا عَلَى أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ كَوْنِ الْعَاطِفِ لِلْجَمْعِ

وَلَوْ مَاتَتَا أَوْ إحْدَاهُمَا قَبْلَ بَيَانٍ وَتَعْيِينٍ بَقِيَتْ مُطَالَبَتُهُ لِبَيَانِ الْإِرْثِ، وَلَوْ مَاتَ فَالْأَظْهَرُ قَبُولُ بَيَانِ وَارِثِهِ لَا تَعْيِينِهِ.

وَلَوْ قَالَ: إنْ كَانَ غُرَابًا فَامْرَأَتِي طَالِقٌ وَإِلَّا فَعَبْدِي حُرٌّ وَجُهِلَ مُنِعَ مِنْهُمَا

[مغني المحتاج]

أَوْ لِلْإِضْرَابِ وَلَا يُسْمَعُ مِنْهُ الْإِضْرَابُ عَنْ الْأُولَى، فَإِنْ أَتَى بِثُمَّ أَوْ الْفَاءِ كَهَذِهِ ثُمَّ هَذِهِ أَوْ هَذِهِ فَهَذِهِ حُكِمَ بِطَلَاقِ الْأُولَى فَقَطْ لِفَصْلِ الثَّانِيَةِ بِالتَّرْتِيبِ فَلَمْ يَبْقَى لَهَا شَيْءٌ، وَلَوْ قَالَ هَذِهِ أَوْ هَذِهِ اسْتَمَرَّ الْإِشْكَالُ، أَوْ قَالَ: هَذِهِ بَعْدَهَا هَذِهِ، أَوْ هَذِهِ قَبْلَ هَذِهِ، فَالْمُشَارِ إلَيْهَا أَوَّلًا، أَوْ هَذِهِ بَعْدَ هَذِهِ، فَالْمُشَارُ إلَيْهَا ثَانِيًا هِيَ الْمُطَلَّقَةُ.
تَنْبِيهٌ: قَوْلُ الْمُصَنِّفِ حُكِمَ بِطَلَاقِهِمَا أَشَارَ بِهِ إلَى أَنَّ هَذَا فِي ظَاهِرِ الْحُكْمِ.
أَمَّا فِي الْبَاطِنِ فَتَطْلُقُ الْمَنْوِيَّةُ كَمَا مَرَّتْ الْإِشَارَةُ إلَيْهِ أَيْضًا وَهَذَا فِي الطَّلَاقِ الْمُعَيَّنِ كَمَا مَرَّتْ الْإِشَارَةُ إلَيْهِ أَيْضًا وَيَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ فَبَيَانٌ.
أَمَّا الطَّلَاقُ الْمُبْهَمُ فَالْمُطَلَّقَةُ هِيَ الْأُولَى، سَوَاءٌ أَعَطَفَ بِالْوَاوِ أَمْ بِغَيْرِهَا؛ لِأَنَّهُ إنْشَاءُ اخْتِيَارٍ وَلَيْسَ بِإِخْبَارٍ وَلَيْسَ لَهُ إلَّا اخْتِيَارُ وَاحِدَةٍ فَيَلْغُو ذِكْرُ اخْتِيَارِ غَيْرِهَا (وَلَوْ مَاتَتَا) أَيْ الزَّوْجَتَانِ (أَوْ إحْدَاهُمَا قَبْلَ بَيَانٍ) لِلْمُعَيَّنَةِ (وَتَعْيِينٍ) لِلْمُبْهَمَةِ وَالطَّلَاقُ بَائِنٌ (بَقِيَتْ مُطَالَبَتُهُ) أَيْ الْمُطَلِّقِ بِالْبَيَانِ جَزْمًا، وَالتَّعْيِينُ عَلَى الْمَذْهَبِ (لِبَيَانِ) حَالِ (الْإِرْثِ) لِأَنَّهُ قَدْ ثَبَتَ إرْثُهُ فِي إحْدَاهُمَا بِيَقِينٍ فَيُوقَفُ مِنْ مَالِ كُلٍّ مِنْهُمَا، أَوْ الْمَيِّتَةِ نَصِيبُ الزَّوْجِ حَيْثُ لَا مَانِعَ مِنْ الْإِرْثِ، فَإِذَا بَيَّنَ أَوْ عَيَّنَ لَمْ يَرِثْ مِنْ الْمُطَلَّقَةِ وَيَرِثُ مِنْ الْأُخْرَى، ثُمَّ إنْ نَوَى مُعَيَّنَةً فَبَيَّنَ فِي وَاحِدَةٍ فَلِوَرَثَةِ الْأُخْرَى تَحْلِيفُهُ أَنَّهُ لَمْ يُرِدْهَا بِالطَّلَاقِ، فَإِنْ نَكَلَ حَلَفُوا وَلَمْ يَرِثْ مِنْهَا كَمَا لَا يَرِثُ مِنْ الْأُولَى أَيْضًا إذَا كَانَتْ مَيِّتَةً؛ لِأَنَّ الْيَمِينَ الْمَرْدُودَةَ كَالْإِقْرَارِ، وَإِنْ حَلَفَ طَالَبُوهُ بِمَهْرِ الْمِثْلِ إنْ دَخَلَ بِهَا وَإِلَّا طَالَبُوهُ بِنِصْفِهِ فِي أَحَدِ وَجْهَيْنِ يَظْهَرُ تَرْجِيحُهُ؛ لِأَنَّهُ بِزَعْمِهِمْ الْمَذْكُورِ يُنْكِرُونَ اسْتِحْقَاقَ النِّصْفِ، وَالْوَجْهُ الْآخَرُ يُطَالِبُونَهُ بِكُلِّهِ لِاعْتِرَافِهِ أَنَّهَا زَوْجَتُهُ، وَإِنْ عَيَّنَ فِي الْمُبْهَمِ فَلَا اعْتِرَاضَ لِوَرَثَةِ الْأُخْرَى، وَإِنْ كَذَّبَهُ وَرَثَةُ الْمُطَلَّقَةِ فَلَهُمْ تَحْلِيفُهُ وَقَدْ أَقَرُّوا لَهُ بِإِرْثٍ لَا يَدَّعِيه وَادَّعَوْا عَلَيْهِ مَهْرًا اسْتَقَرَّ بِالْمَوْتِ إنْ لَمْ يَدْخُلْ بِهَا (وَلَوْ مَاتَ) الْمُطَلِّقُ قَبْلَ الْبَيَانِ أَوْ التَّعْيِينِ (فَالْأَظْهَرُ قَبُولُ بَيَانِ وَارِثِهِ، لَا) قَبُولُ (تَعْيِينِهِ) لِأَنَّ الْبَيَانَ إخْبَارٌ وَقَدْ يَقِفُ عَلَى مُرَادِ مُوَرِّثِهِ مِنْهُ أَوْ مِنْ غَيْرِهِ، وَالتَّعْيِينُ اخْتِيَارُ شَهْوَةٍ فَلَمْ يَخْلُفْهُ فِيهِ، كَمَا لَوْ أَسْلَمَ عَلَى أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعَةِ نِسْوَةٍ وَمَاتَ قَبْلَ الِاخْتِيَارِ.
وَالثَّانِي: يَقُومُ مَقَامَهُ فِيهِمَا كَمَا يَخْلُفُهُ فِي حُقُوقٍ كَالرَّدِّ بِالْعَيْبِ وَاسْتِلْحَاقِ النَّسَبِ.
وَالثَّالِثُ: الْمَنْعُ فِيهِمَا؛ لِأَنَّ حُقُوقَ النِّكَاحِ لَا تُورَثُ.
تَنْبِيهٌ: شَمِلَ كَلَامُهُ مَا لَوْ مَاتَتَا قَبْلَهُ أَوْ بَعْدَهُ، أَوْ إحْدَاهُمَا قَبْلَهُ وَالْأُخْرَى بَعْدَهُ، أَوْ لَمْ تَمُتْ وَاحِدَةٌ مِنْهُمَا، أَوْ مَاتَتْ إحْدَاهُمَا دُونَ الْأُخْرَى، وَلَوْ شَهِدَ اثْنَانِ مِنْ وَرَثَةِ الزَّوْجِ فُلَانَةُ قُبِلَتْ شَهَادَتُهُمَا إنْ مَاتَ قَبْلَ الزَّوْجَتَيْنِ لِعَدَمِ التُّهْمَةِ، بِخِلَافِ مَا لَوْ مَاتَتَا قَبْلَهُ، وَلَوْ مَاتَ بَعْدَهُمَا فَبَيَّنَ الْوَارِثُ وَاحِدَةً فَلِوَرَثَةِ الْأُخْرَى تَحْلِيفُهُ أَنَّهُ لَا يَعْلَمُ أَنَّ الزَّوْجَ طَلَّقَ مُوَرِّثَتَهُمْ.

ثُمَّ شَرَعَ فِي الْإِبْهَامِ بَيْنَ الطَّلَاقِ وَالْعِتْقِ بِقَوْلِهِ (وَلَوْ قَالَ: إنْ كَانَ) هَذَا الطَّائِرُ (غُرَابًا فَامْرَأَتِي طَالِقٌ وَإِلَّا) بِأَنْ لَمْ يَكُنْهُ (فَعَبْدِي حُرٌّ وَجُهِلَ) حَالُ الطَّائِرِ وَصَدَّقَاهُ أَوْ كَذَّبَاهُ وَحَلَفَ (مُنِعَ مِنْهُمَا) أَيْ مِنْ الِاسْتِمْتَاعِ بِالزَّوْجَةِ وَالِاسْتِخْدَامِ بِالْعَبْدِ وَالتَّصَرُّفِ فِيهِ

إلَى الْبَيَانِ، فَإِنْ مَاتَ لَمْ يُقْبَلْ بَيَانُ الْوَارِثِ عَلَى الْمَذْهَبِ، بَلْ يُقْرِعُ بَيْنَ الْعَبْدِ وَالْمَرْأَةِ، فَإِنْ قَرَعَ عَتَقَ، أَوْ قَرَعَتْ لَمْ تَطْلُقْ، وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ لَا يَرِقُّ.

فَصْلٌ الطَّلَاقُ: سُنِّيٌّ وَبِدْعِيٌّ،

[مغني المحتاج]

لِزَوَالِ مِلْكِهِ عَنْ أَحَدِهِمَا، فَأَشْبَهَ طَلَاقَ إحْدَى زَوْجَتَيْهِ (إلَى الْبَيَانِ) لِتَوَقُّعِهِ وَعَلَيْهِ نَفَقَةُ الزَّوْجَةِ وَكَذَا الْعَبْدُ حَيْثُ لَا كَسْبَ لَهُ، وَلَوْ اعْتَرَفَ بِطَلَاقِ الزَّوْجَةِ فَإِنْ صَدَّقَهُ الْعَبْدُ فَذَاكَ وَلَا يَمِينَ عَلَيْهِ، وَإِنْ كَذَّبَهُ وَادَّعَى الْعِتْقَ صُدِّقَ السَّيِّدُ بِيَمِينِهِ، فَإِنْ نَكَلَ حَلَفَ الْعَبْدُ وَحُكِمَ بِعِتْقِهِ وَالطَّلَاقِ، وَإِنْ اعْتَرَفَ بِالْعِتْقِ وَإِنْ صَدَّقَتْهُ الْمَرْأَةُ فَلَا يَمِينَ، وَإِنْ كَذَّبَتْهُ حَلَفَ، فَإِنْ نَكَلَ حَلَفَتْ وَحُكِمَ بِطَلَاقِهَا وَالْعِتْقِ (فَإِنْ مَاتَ) قَبْلَ بَيَانِهِ (لَمْ يُقْبَلْ بَيَانُ الْوَارِثِ عَلَى الْمَذْهَبِ) لِلتُّهْمَةِ فِي إخْبَارِهِ بِالْحِنْثِ فِي الطَّلَاقِ لِيَرِقَّ الْعَبْدُ وَيَسْقُطَ إرْثُ الزَّوْجَةِ.
وَالطَّرِيقُ الثَّانِي فِيهِ قَوْلَا الطَّلَاقِ الْمُبْهَمِ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ.
تَنْبِيهٌ: قَالَ السَّرَخْسِيُّ: مَحَلُّ الْخِلَافِ مَا إذَا قَالَ الْوَارِثُ: حَنِثَ فِي الزَّوْجَةِ، فَإِنْ عَكَسَ قُبِلَ قَطْعًا لِإِضْرَارِهِ بِنَفْسِهِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: وَهُوَ حَسَنٌ، زَادَ فِي الرَّوْضَةِ: قَدْ قَالَ بِهِ غَيْرُ السَّرَخْسِيِّ وَهُوَ مُتَعَيَّنٌ.
قَالَ الْبُلْقِينِيُّ: لَيْسَ مَا قَالَهُ السَّرَخْسِيُّ مُتَعَيَّنًا فَإِنَّ الْقُرْعَةَ دَاخِلَةٌ وَلِلْعَبْدِ بِهَا حَقٌّ فِي الْعِتْقِ وَلِلْمَيِّتِ حَقٌّ فِي رِقِّهِ إذَا كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ فَيُوَفَّى مِنْهُ فَلَا يُقْبَلُ قَوْلُ الْوَارِثِ وَالْحَالُ مَا ذُكِرَ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ مَا يَمْنَعُ مِنْ ذَلِكَ تَعَيَّنَ مَا قَالَهُ السَّرَخْسِيُّ وَغَيْرُهُ.
ثُمَّ فَرَّعَ الْمُصَنِّفُ عَلَى الْمَذْهَبِ قَوْلُهُ (بَلْ يُقْرِعُ بَيْنَ الْعَبْدِ وَالْمَرْأَةِ) فَلَعَلَّ الْقُرْعَةَ تَخْرُجُ عَلَى الْعَبْدِ فَإِنَّهَا مُؤَثِّرَةٌ فِي الْعِتْقِ دُونَ الطَّلَاقِ (فَإِنْ قَرَعَ) الْعَبْدُ بِأَنْ خَرَجَتْ الْقُرْعَةُ لَهُ (عَتَقَ) مِنْ رَأْسِ الْمَالِ إنْ كَانَ التَّعْلِيقُ فِي الصِّحَّةِ، وَإِلَّا فَمِنْ الثُّلُثِ إذْ هُوَ فَائِدَةُ، وَتَرِثُ الْمَرْأَةُ إلَّا إذَا ادَّعَتْ الْحِنْثَ فِيهَا وَالطَّلَاقُ بَائِنٌ (أَوْ قَرَعَتْ) أَيْ الْمَرْأَةُ بِأَنْ خَرَجَتْ الْقُرْعَةُ لَهَا (لَمْ تَطْلُقْ) إذْ لَا مَدْخَلَ لَهَا فِي الطَّلَاقِ بِدَلِيلِ مَا لَوْ طَلَّقَ إحْدَى امْرَأَتَيْهِ لَا تَدْخُلُ الْقُرْعَةُ، بِخِلَافِ الْعِتْقِ فَإِنَّ النَّصَّ وَرَدَ بِهَا فِيهِ، وَلَكِنَّ الْوَرَعَ أَنْ يَتْرُكَ الْمِيرَاثَ لِلْوَرَثَةِ (وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ) أَيْ الْعَبْدَ (لَا يَرِقُّ) بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَكَسْرِ ثَانِيهِ بِخَطِّهِ وَصَحَّحَ عَلَيْهِ بَلْ يَبْقَى عَلَى إبْهَامِهِ؛ لِأَنَّ الْقُرْعَةَ لَمْ تُؤَثِّرْ فِيمَا خَرَجَتْ عَلَيْهِ فَفِي غَيْرِهِ أَوْلَى.
وَالثَّانِي: يَرِقُّ؛ لِأَنَّ الْقُرْعَةَ تَعْمَلُ فِي الْعِتْقِ وَالرِّقِّ، فَكَمَا يَعْتِقُ إذَا خَرَجَتْ عَلَيْهِ يَرِقُّ إذَا خَرَجَتْ عَلَى عَدِيلِهِ.
وَأَجَابَ الْأَوَّلُ بِأَنَّهَا لَمْ تُؤَثِّرْ فِي عَدِيلِهِ فَلَا تُؤَثِّرُ فِيهِ.

[فَصْلٌ فِي الطَّلَاقُ السُّنِّيُّ وَغَيْرُهُ]

(فَصْلٌ) فِي الطَّلَاقِ السُّنِّيِّ وَغَيْرِهِ، وَفِيهِ اصْطِلَاحَانِ: أَحَدُهُمَا وَهُوَ أَضْبَطُ يَنْقَسِمُ إلَى سُنِّيٍّ وَبِدْعِيٍّ، وَجَرَى عَلَيْهِ الْمُصَنِّفُ حَيْثُ قَالَ (الطَّلَاقُ: سُنِّيٌّ وَبِدْعِيٌّ) وَثَانِيهِمَا، وَهُوَ أَشْهَرُ يَنْقَسِمُ إلَى سُنِّيٍّ وَبِدْعِيٍّ، وَلَا وَلَا، فَإِنَّ طَلَاقَ الصَّغِيرِ وَالْآيِسَةِ وَالْمُخْتَلِعَةِ وَاَلَّتِي اسْتَبَانَ حَمْلُهَا مِنْهُ وَغَيْرِ الْمَدْخُولِ بِهَا لَا سُنَّةَ فِيهِ وَلَا بِدْعَةَ.

وَيَحْرُمُ الْبِدْعِيُّ، وَهُوَ ضَرْبَانِ: طَلَاقٌ فِي حَيْضٍ مَمْسُوسَةٍ، وَقِيلَ إنْ سَأَلَتْهُ لَمْ يَحْرُمْ،

[مغني المحتاج]

تَنْبِيهٌ: قَسَّمَ جَمْعٌ الطَّلَاقَ إلَى وَاجِبٍ كَطَلَاقِ الْمَوْلَى وَطَلَاقِ الْحَكَمَيْنِ فِي الشِّقَاقِ إذَا رَأَيَاهُ، وَمَنْدُوبٍ كَطَلَاقِ زَوْجَةٍ حَالُهَا غَيْرُ مُسْتَقِيمٍ كَسَيِّئَةِ الْخُلُقِ، أَوْ كَانَتْ غَيْرَ عَفِيفَةٍ، وَمَكْرُوهٍ كَمُسْتَقِيمَةِ الْحَالِ، وَأَشَارَ الْإِمَامُ إلَى الْمُبَاحِ بِطَلَاقِ مَنْ لَا يَهْوَاهَا وَلَا تَسْمَحُ نَفْسُهُ بِمَؤُونَتِهَا مِنْ غَيْرِ اسْتِمْتَاعٍ بِهَا، وَحَرَامٍ كَطَلَاقِ الْبِدْعِيِّ كَمَا قَالَ (وَيَحْرُمُ الْبِدْعِيُّ) لِحُصُولِ الضَّرَرِ بِهِ كَمَا سَيَأْتِي (وَهُوَ ضَرْبَانِ) أَحَدُهُمَا (طَلَاقٌ) مِنْ شَخْصٍ (فِي حَيْضٍ مَمْسُوسَةٍ) أَيْ مَوْطُوءَةٍ وَلَوْ فِي الدُّبُرِ، وَمِثْلُهَا مَنْ اسْتَدْخَلَتْ مَاءَهُ الْمُحْتَرَمَ بِالْإِجْمَاعِ كَمَا نَقَلَهُ الْمَاوَرْدِيُّ.
قَالَ شَيْخُنَا: وَلَوْ فِي عِدَّةِ طَلَاقٍ رَجْعِيٍّ، وَهِيَ تَعْتَدُّ بِالْأَقْرَاءِ، وَهَذِهِ الْغَايَةُ إنَّمَا تَأْتِي عَلَى رَأْيٍ مَرْجُوحٍ، هُوَ أَنَّ الرَّجْعِيَّةَ تَسْتَأْنِفُ.
أَمَّا عَلَى الْمُعْتَمَدِ فَلَا؛ لِأَنَّهُ لَا تَطْوِيلَ عَلَيْهَا، نَبَّهَ عَلَى ذَلِكَ الْبَكْرِيُّ فِي حَاشِيَتِهِ، وَحُرْمَةُ هَذَا لِمُخَالَفَتِهِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: 1] أَيْ فِي الْوَقْتِ الَّذِي يَشْرَعْنَ فِيهِ فِي الْعِدَّةِ، وَزَمَنُ الْحَيْضِ لَا يُحْسَبُ مِنْ الْعِدَّةِ، وَالْمَعْنَى فِيهِ تَضَرُّرُهَا بِطُولِ الْعِدَّةِ، فَإِنَّ بَقِيَّةَ الْحَيْضِ لَا تُحْسَبُ مِنْهَا، وَالنِّفَاسُ كَالْحَيْضِ لِشُمُولِ الْمَعْنَى الْمُحَرَّمِ لَهُ كَمَا فِي الرَّوْضَةِ وَأَصْلِهَا هُنَا وَإِنْ خَالَفَا ذَلِكَ فِي بَابِ الْحَيْضِ.
تَنْبِيهٌ: شَمِلَ إطْلَاقُهُ مَا لَوْ ابْتَدَأَ طَلَاقَهَا فِي حَالِ حَيْضِهَا وَلَمْ يُكْمِلْهُ حَتَّى طَهُرَتْ فَيَكُونُ بِدْعِيًّا، وَبِهِ صَرَّحَ الصَّيْمَرِيُّ.
وَالْأَوْجَهُ أَنَّهُ لَيْسَ بِبِدْعِيٍّ لِمَا سَيَأْتِي مِنْ أَنَّهُ لَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ مَعَ أَوْ فِي آخِرِ حَيْضِكِ فَسُنِّيٌّ فِي الْأَصَحِّ لِاسْتِعْقَابِهِ الشُّرُوعَ فِي الْعِدَّةِ، وَيُسْتَثْنَى مِنْ الطَّلَاقِ فِي الْحَيْضِ: صُوَرٌ: مِنْهَا الْحَامِلُ إذَا حَاضَتْ فَلَا يَحْرُمُ طَلَاقُهَا كَمَا يَأْتِي؛ لِأَنَّ عِدَّتَهَا بِالْوَضْعِ، وَمِنْهَا مَا لَوْ كَانَتْ الزَّوْجَةُ أَمَةً وَقَالَ لَهَا سَيِّدُهَا: إنْ طَلَّقَك الزَّوْجُ الْيَوْمَ فَأَنْتِ حُرَّةٌ فَسَأَلَتْ الزَّوْجَ الطَّلَاقَ لِأَجْلِ الْعِتْقِ فَطَلَّقَهَا لَمْ يَحْرُمْ، فَإِنَّ دَوَامَ الرِّقِّ أَضُرُّ بِهَا مِنْ تَطْوِيلِ الْعِدَّةِ، وَقَدْ لَا يَسْمَحُ بِهِ السَّيِّدُ بَعْدَ ذَلِكَ أَوْ يَمُوتُ فَيَدُومُ أَسْرُهَا بِالرِّقِّ، قَالَهُ الْأَذْرَعِيُّ بَحْثًا وَهُوَ حَسَنٌ.
وَمِنْهَا طَلَاقُ الْمُتَحَيِّرَةِ فَلَيْسَ بِسُنِّيٍّ وَلَا بِبِدْعِيٍّ.
وَمِنْهَا طَلَاقُ الْحَكَمَيْنِ فِي صُورَةِ الشِّقَاقِ، وَمِنْهَا طَلَاقُ الْمَوْلَى إذَا طُولِبَ وَإِنْ تَوَقَّفَ فِيهِ الرَّافِعِيُّ.
وَمِنْهَا مَا لَوْ طَلَّقَهَا فِي الطُّهْرِ طَلْقَةً ثُمَّ طَلَّقَهَا فِي الْحَيْضِ ثَانِيَةً، وَالْمُرَادُ مِنْ الطَّلَاقِ فِي الْحَيْضِ الْمُنَجَّزُ، فَلَوْ عَلَّقَهُ بِدُخُولِ دَارٍ مَثَلًا فَلَيْسَ بِبِدْعِيٍّ، لَكِنْ يُنْظَرُ إلَى وَقْتِ الدُّخُولِ، فَإِنْ وُجِدَ فِي حَالِ الطُّهْرِ فَسُنِّيٌّ وَإِلَّا فَبِدْعِيٌّ، لَكِنْ لَا إثْمَ فِيهِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ إنْ وُجِدَتْ الصِّفَةُ بِاخْتِيَارِهِ أَثِمَ بِإِيقَاعِهِ فِي الْحَيْضِ كَإِنْشَائِهِ الطَّلَاقَ فِيهِ.
قَالَ الْأَذْرَعِيُّ: وَهُوَ ظَاهِرٌ لَا شَكَّ فِيهِ، وَلَيْسَ فِي كَلَامِهِمْ مَا يُخَالِفُهُ (وَقِيلَ إنْ سَأَلَتْهُ) زَوْجَتُهُ طَلَاقَهَا فِي حَيْضِهَا (لَمْ يَحْرُمْ) لِرِضَاهَا بِتَطْوِيلِ الْعِدَّةِ، وَالْأَصَحُّ التَّحْرِيمُ لِإِطْلَاقِ قَوْله تَعَالَى: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: 1] وَلِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمَّا أَنْكَرَ الطَّلَاقَ فِي الْحَيْضِ لَمْ يَسْتَفْصِلْ، وَلَوْ عَلَّقَ الطَّلَاقَ بِاخْتِيَارِهَا فَأَتَتْ بِهِ فِي حَالِ الْحَيْضِ مُخْتَارَةً.
قَالَ الْأَذْرَعِيُّ: فَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ هُوَ كَمَا لَوْ طَلَّقَهَا بِسُؤَالِهَا، أَيْ فَيَحْرُمُ، وَهُوَ

وَيَجُوزُ خُلْعُهَا فِيهِ لَا أَجْنَبِيٍّ فِي الْأَصَحِّ، وَلَوْ قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ مَعَ آخِرِ حَيْضِك فَسُنِّيٌّ فِي الْأَصَحِّ، أَوْ مَعَ آخِرِ طُهْرٍ لَمْ يَطَأْهَا فِيهِ فَبِدْعِيٌّ عَلَى الْمَذْهَبِ.

وَطَلَاقٌ فِي طُهْرٍ وَطِئَ فِيهِ مَنْ قَدْ تَحْبَلُ وَلَمْ يَظْهَرْ حَمْلٌ فَلَوْ وَطِئَ حَائِضًا فَطَلَّقَهَا فَبِدْعِيٌّ فِي الْأَصَحِّ،

[مغني المحتاج]

ظَاهِرٌ (وَيَجُوزُ خُلْعُهَا فِيهِ) أَيْ الْحَيْضِ أَوْ النِّفَاسِ لِإِطْلَاقِ قَوْله تَعَالَى: ﴿فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ [البقرة: 229] وَلِحَاجَتِهَا إلَى الْخَلَاصِ بِالْمُفَارَقَةِ حَيْثُ افْتَدَتْ بِالْمَالِ.
وَلَيْسَ هَذَا بِسُنِّيٍّ وَلَا بِدْعِيٍّ كَمَا مَرَّ (لَا أَجْنَبِيٍّ) فَلَا يَجُوزُ خُلْعُهُ فِي الْحَيْضِ أَوْ النِّفَاسِ (فِي الْأَصَحِّ) لِأَنَّهُ لَمْ يَعْلَمْ فِيهِ وُجْدَانَ حَاجَتِهَا إلَى الْخَلَاصِ بِالْمُفَارَقَةِ، وَمُقَابِلُ الْأَصَحِّ احْتِمَالٌ لِلْإِمَامِ لَا وَجْهٌ مُحَقَّقٌ، إلَّا أَنْ يَثْبُتَ عَمَّنْ تَقَدَّمَ الْإِمَامَ أَنَّهُ يَجُوزُ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ الْأَجْنَبِيَّ إنَّمَا بَذَلَ لِحَاجَتِهَا إلَى الْخَلَاصِ.
تَنْبِيهٌ: لَوْ أَذِنَتْ لِلْأَجْنَبِيِّ أَنْ يَخْتَلِعَهَا يَظْهَرُ أَنْ يُقَالَ: إنْ كَانَ بِمَالِهَا فَكَاخْتِلَاعِهَا وَإِلَّا فَهُوَ كَاخْتِلَاعِهِ (وَلَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ مَعَ) أَوْ فِي (آخِرِ حَيْضِك فَسُنِّيٌّ فِي الْأَصَحِّ) لِاسْتِعْقَابِهِ الشُّرُوعَ فِي الْعِدَّةِ، وَالثَّانِي: بِدْعِيٌّ لِمُصَادَفَتِهِ الْحَيْضَ (أَوْ) أَنْتِ طَالِقٌ (مَعَ) أَوْ فِي (آخِرِ طُهْرٍ) عَيَّنَهُ (لَمْ يَطَأْهَا فِيهِ فَبِدْعِيٌّ عَلَى الْمَذْهَبِ) الْمَنْصُوصِ كَمَا فِي الرَّوْضَةِ، وَالْمُرَادُ بِهِ الرَّاجِحُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَسْتَعْقِبُ الْعِدَّةَ، وَالثَّانِي: سُنِّيٌّ لِمُصَادَفَتِهِ الطُّهْرَ.

(وَ) الضَّرْبُ الثَّانِي لِلْبِدْعِيِّ (طَلَاقٌ فِي طُهْرٍ وَطِئَ فِيهِ) فِي قُبُلٍ، وَكَذَا فِي دُبُرٍ عَلَى الْأَصَحِّ، وَفِي الرَّوْضَةِ أَنَّ اسْتِدْخَالَهَا مَاءَهُ أَيْ الْمُحْتَرَمَ كَالْوَطْءِ وَنَائِبُ فَاعِلِ وَطِئَ قَوْلُهُ (مَنْ قَدْ تَحْبَلُ) لِعَدَمِ صِغَرِهَا وَيَأْسِهَا (وَ) الْحَالُ أَنَّهُ (لَمْ يَظْهَرْ حَمْلٌ) مِنْهَا لِأَنَّهُ قَدْ يَنْدَمُ لَوْ ظَهَرَ حَمْلٌ، فَإِنَّ الْإِنْسَانَ قَدْ يُطَلِّقُ الْحَائِلَ دُونَ الْحَامِلِ، وَعِنْدَ النَّدَمِ قَدْ لَا يُمْكِنُهُ التَّدَارُكُ فَيَتَضَرَّرُ الْوَلَدُ، وَخَرَجَ بِمَنْ قَدْ تَحْبَلُ الصَّغِيرَةُ وَالْآيِسَةُ فَإِنَّهُ لَا سُنَّةَ وَلَا بِدْعَةَ فِي طَلَاقِهِمَا كَمَا مَرَّ، وَبِلَمْ يَظْهَرْ حَمْلٌ مَا لَوْ ظَهَرَ وَسَيَذْكُرُهُ، وَاسْتِدْخَالُهَا مَاءَهُ مَعَ عِلْمِهِ بِهِ كَمَا قَالَهُ الْأَذْرَعِيُّ كَالْوَطْءِ لِاحْتِمَالِ حُدُوثِ الْحَمْلِ مِنْهُ، وَكَذَا الْوَطْءُ فِي الدُّبُرِ عَلَى الْأَصَحِّ.
تَنْبِيهٌ: سَكَتَ الْمُصَنِّفُ عَنْ ضَرْبٍ ثَالِثٍ لِلْبِدْعِيِّ مَذْكُورٍ فِي الرَّوْضَةِ، وَهُوَ فِي حَقِّ مَنْ لَهُ زَوْجَتَانِ وَقَسَمَ لِإِحْدَاهُمَا ثُمَّ طَلَّقَ الْأُخْرَى قَبْلَ الْمَبِيتِ عِنْدَهَا، وَلَوْ نَكَحَ حَامِلًا مِنْ زِنًا ثُمَّ دَخَلَ بِهَا ثُمَّ طَلَّقَهَا نَظَرَ إنْ لَمْ تَحِضْ فَبِدْعِيٌّ؛ لِأَنَّهَا لَا تَشْرَعُ فِي الْعِدَّةِ إلَّا بَعْدَ الْوَضْعِ وَالنِّفَاسِ، وَإِلَّا فَإِنْ طَلَّقَهَا فِي الطُّهْرِ فَسُنِّيٌّ، أَوْ فِي الْحَيْضِ فَبِدْعِيٌّ كَمَا يُؤْخَذُ مِنْ كَلَامِهِمْ.
وَأَمَّا الْمَوْطُوءَةُ بِشُبْهَةٍ إذَا حَبِلَتْ مِنْهُ ثُمَّ طَلَّقَهَا طَاهِرًا فَإِنَّهُ بِدْعِيٌّ (فَلَوْ وَطِئَ حَائِضًا فَطَلَّقَهَا فَبِدْعِيٌّ) أَيْضًا (فِي الْأَصَحِّ) لِاحْتِمَالِ عُلُوقِهَا بِذَلِكَ، وَالثَّانِي: لَيْسَ بِبِدْعِيٍّ؛ لِأَنَّ بَقِيَّةَ الْحَيْضِ تُشْعِرُ بِالْبَرَاءَةِ، وَدَفَعَ بِاحْتِمَالِ أَنْ تَكُونَ الْبَقِيَّةُ مِمَّا دَفَعَتْهُ الطَّبِيعَةُ أَوَّلًا وَهَيَّأَتْهُ لِلْخُرُوجِ.
تَنْبِيهٌ: صُورَةُ الْمَسْأَلَةِ أَنْ يُطَلِّقَهَا قَبْلَ أَنْ يَمَسَّهَا فِي الطُّهْرِ، وَأَشَارَ الْمُصَنِّفُ إلَى هَذَا بِفَاءِ

وَيَحِلُّ خُلْعُهَا، وَطَلَاقُ مَنْ ظَهَرَ، حَمْلُهَا.

وَمَنْ طَلَّقَ بِدْعِيًّا سُنَّ لَهُ الرَّجْعَةُ، ثُمَّ إنْ شَاءَ طَلَّقَ بَعْدَ طُهْرٍ.

وَلَوْ قَالَ لِحَائِضٍ أَنْتِ طَالِقٌ لِلْبِدْعَةِ وَقَعَ فِي الْحَالِ أَوْ لِلسُّنَّةِ فَحِينَ تَطْهُرُ،

[مغني المحتاج]

التَّعْقِيبِ (وَ) الْمَوْطُوءَةُ فِي الطُّهْرِ (يَحِلُّ خُلْعُهَا) كَالْحَائِضِ عَلَى الصَّحِيحِ، فَيُسْتَثْنَى حِينَئِذٍ مِنْ تَحْرِيمِ الطَّلَاقِ فِي طُهْرٍ جَامَعَ فِيهِ (وَ) يَحِلُّ (طَلَاقُ مَنْ ظَهَرَ حَمْلُهَا) وَإِنْ كَانَتْ تَحِيضُ؛ لِأَنَّ بِأَخْذِ الْعِوَضِ وَظُهُورِ الْحَمْلِ يَنْعَدِمُ احْتِمَالُ النَّدَمِ.
تَنْبِيهٌ: قَدْ عُلِمَ طَلَاقُ الْبِدْعِيِّ وَطَلَاقُ غَيْرِ الْبِدْعِيِّ وَالسُّنِّيِّ.
وَأَمَّا الطَّلَاقُ السُّنِّيُّ فَهُوَ طَلَاقُ مَدْخُولٍ بِهَا فِي طُهْرٍ لَمْ يُجَامِعْهَا فِيهِ وَلَا فِي حَيْضٍ قَبْلَهُ، وَلَيْسَتْ بِحَامِلٍ وَلَا صَغِيرَةٍ وَلَا آيِسَةٍ، وَهِيَ تَعْتَدُّ بِالْأَقْرَاءِ، وَذَلِكَ لِاسْتِعْقَابِهَا الشُّرُوعَ فِي الْعِدَّةِ.

(وَمَنْ طَلَّقَ) طَلَاقًا (بِدْعِيًّا) وَلَمْ يَسْتَوْفِ عَدَدَ الطَّلَاقِ (سُنَّ لَهُ الرَّجْعَةُ) مَا لَمْ يَدْخُلْ الطُّهْرُ.
الثَّانِي: إنْ طَلَّقَهَا فِي طُهْرٍ جَامَعَهَا فِيهِ.
أَمَّا إذَا طَلَّقَهَا فِي الْحَيْضِ فَإِلَى آخِرِ الْحَيْضَةِ الَّتِي طَلَّقَهَا فِيهَا كَمَا قَالَهُ ابْنُ قَاضِي عَجْلُونَ فِي تَصْحِيحِهِ عَلَى الْمِنْهَاجِ (ثُمَّ) بَعْدَ الرَّجْعَةِ (إنْ شَاءَ طَلَّقَ بَعْدَ) تَمَامِ (طُهْرٍ) لِخَبَرِ الصَّحِيحَيْنِ «أَنَّ ابْنَ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - طَلَّقَ زَوْجَتَهُ وَهِيَ حَائِضٌ فَذَكَرَ ذَلِكَ عُمَرُ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ: مُرْهُ فَلْيُرَاجِعْهَا ثُمَّ لِيُطَلِّقْهَا طَاهِرًا» أَيْ قَبْلَ أَنْ يَمَسَّهَا إنْ أَرَادَ كَمَا صَرَّحَ بِذَلِكَ فِي بَعْضِ رِوَايَاتِهِمَا.
تَنْبِيهٌ: إنَّمَا لَمْ يَقُلْ بِوُجُوبِ الرَّجْعَةِ كَمَذْهَبِ مَالِكٍ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يَأْمُرْهُ، وَإِنَّمَا أَمَرَ أَبَاهُ أَنْ يَأْمُرَهُ، وَالْأَمْرُ بِالْأَمْرِ بِالشَّيْءِ لَيْسَ أَمْرًا بِذَلِكَ الشَّيْءِ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مُرُوهُمْ بِالصَّلَاةِ لِسَبْعِ سِنِينَ» كَذَا قَالُوهُ.
فَإِنْ قِيلَ: قَوْلُهُ: فَلْيُرَاجِعْهَا أَمْرٌ مِنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. أُجِيبَ بِأَنَّ الْمُرَادَ فَلْيُرَاجِعْهَا لِأَجْلِ أَمْرِكَ فَيَكُونُ الْوُجُوبُ لِأَجْلِ الْوَالِدِ، وَظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ: أَنَّ تَرْكَ الرَّجْعَةِ لَيْسَ بِمَكْرُوهٍ، وَبِهِ صَرَّحَ الْإِمَامُ.
قَالَ فِي الرَّوْضَةِ: وَفِيهِ نَظَرٌ، وَيَنْبَغِي كَرَاهَتُهُ لِصِحَّةِ الْخَبَرِ فِيهَا وَلِدَفْعِ الْإِيذَاءِ اهـ. وَرُدَّ الِاسْتِنَادُ إلَى الْخَبَرِ لِأَنَّهُ لَا نَهْيَ فِيهِ، وَإِذَا رَاجَعَ فَهَلْ يَرْتَفِعُ الْإِثْمُ؟ حَكَى الْمُصَنِّفُ عَنْ جَمَاعَةٍ أَنَّ الْأَثِمَ يَرْتَفِعُ وَاسْتَظْهَرَهُ، وَإِذَا رَاجَعَ وَالْبِدْعَةُ لِحَيْضٍ، فَالسُّنَّةُ أَنْ لَا يُطَلِّقَهَا فِي الطُّهْرِ مِنْهُ لِئَلَّا يَكُونَ الْمَقْصُودُ مِنْ الرَّجْعَةِ مُجَرَّدَ الطَّلَاقِ، وَإِنْ كَانَتْ الْبِدْعَةُ لِطُهْرٍ جَامَعَهَا فِيهِ أَوْ فِي حَيْضٍ قَبْلَهُ وَلَمْ يَبْنِ حَمْلُهَا وَوَطِئَ بَعْدَ الرَّجْعَةِ فِيهِ فَلَا بَأْسَ بِطَلَاقِهَا فِي الطُّهْرِ الثَّانِي، وَإِنْ لَمْ يُرَاجِعْهَا بَعْدَ الطُّهْرِ أَوْ رَاجَعَهَا فِيهِ وَلَمْ يَطَأَهَا سُنَّ لَهُ أَنْ يُطَلِّقَهَا فِي الطُّهْرِ الثَّانِي؛ لِئَلَّا تَكُونَ الرَّجْعَةُ لِلطَّلَاقِ، وَهَذَا فِيمَنْ طَلَّقَ غَيْرَ مَنْ لَمْ تَسْتَوْفِ دَوْرَهَا مِنْ الْقَسْمِ، بِخِلَافِ مَنْ طَلَّقَ هَذِهِ لِلُزُومِ الرَّجْعَةِ لَهُ لِيُوَفِّيَهَا حَقَّهَا، كَذَا قِيلَ، وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ؛ لِأَنَّ الرَّجْعَةَ فِي مَعْنَى النِّكَاحِ وَهُوَ لَا يَجِبُ.

(وَلَوْ قَالَ: لِحَائِضٍ) مَمْسُوسَةٍ أَوْ نُفَسَاءَ (أَنْتِ طَالِقٌ لِلْبِدْعَةِ وَقَعَ) الطَّلَاقُ (فِي الْحَالِ) وَإِنْ كَانَتْ فِي ابْتِدَاءِ الْحَيْضِ لِاتِّصَافِ طَلَاقِهَا بِهِ (أَوْ) قَالَ لِحَائِضٍ لَمْ يَطَأْهَا فِي ذَلِكَ الْحَيْضِ أَنْتِ طَالِقٌ (لِلسُّنَّةِ فَحِينَ) أَيْ فَيَقَعُ الطَّلَاقُ حِينَ (تَطْهُرُ) مِنْ الْحَيْضِ أَوْ النِّفَاسِ بِأَنْ تَشْرَعَ فِي الطُّهْرِ، وَلَا يَتَوَقَّفُ عَلَى الِاغْتِسَالِ لِوُجُودِ الصِّفَةِ قَبْلَهُ.

أَوْ لِمَنْ فِي طُهْرٍ لَمْ تُمَسَّ فِيهِ أَنْت طَالِقٌ لِلسُّنَّةِ وَقَعَ فِي الْحَالِ، وَإِنْ مُسَّتْ فِيهِ فَحِينَ تَطْهُرُ بَعْدَ حَيْضٍ، أَوْ لِلْبِدْعَةِ فَفِي الْحَالِ إنْ مُسَّتْ فِيهِ، وَإِلَّا فَحِينَ تَحِيضُ.

وَلَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ طَلْقَةً حَسَنَةً أَوْ أَحْسَنَ الطَّلَاقِ أَوْ أَجْمَلَهُ فَكَالسُّنَّةِ، أَوْ طَلْقَةً قَبِيحَةٍ أَوْ أَقْبَحَ الطَّلَاقِ أَوْ أَفْحَشَهُ فَكَالْبِدْعَةِ،

[مغني المحتاج]

تَنْبِيهٌ: لَا بُدَّ مِنْ الِانْقِطَاعِ مِنْ شُرُوعِهَا فِي عِدَّةِ الْمُطَلَّقِ، فَلَوْ وَطِئَهَا فِي آخِرِ الْحَيْضِ وَاسْتَدَامَ إلَى انْقِطَاعِهِ فَإِنَّهَا لَا تَطْلُقُ لِاقْتِرَانِ الطُّهْرِ بِالْجِمَاعِ، وَكَذَا لَوْ لَمْ يَسْتَدِمْ كَمَا يُؤْخَذُ مِنْ قَوْلِهِ: فَلَوْ وَطِئَ حَائِضًا وَطَهُرَتْ فَطَلَّقَهَا فَبِدْعِيٌّ فِي الْأَصَحِّ وَكَذَا لَوْ وُطِئَتْ بِشُبْهَةٍ فِي دَوَامِ زَوْجِيَّتِهِ، وَحِينَئِذٍ لَا يَقَعُ طَلَاقٌ فِيهِ لِأَنَّهُ بِدْعِيٌّ بَلْ يَتَأَخَّرُ وُقُوعُهُ إلَى طُهْرٍ تَشْرَعُ فِيهِ فِي عِدَّتِهِ (أَوْ) قَالَ (لِمَنْ فِي طُهْرٍ لَمْ تُمَسَّ فِيهِ) بِوَطْءٍ مِنْهُ وَهِيَ مَدْخُولٌ بِهَا (أَنْت طَالِقٌ لِلسُّنَّةِ وَقَعَ فِي الْحَالِ) لِوُجُودِ الصِّفَةِ (وَإِنْ مُسَّتْ) بِوَطْءٍ مِنْهُ (فِيهِ) وَلَمْ يَظْهَرْ حَمْلُهَا (فَحِينَ تَطْهُرُ بَعْدَ حَيْضٍ) يَقَعُ الطَّلَاقُ لِشُرُوعِهَا حِينَئِذٍ فِي حَالِ السُّنَّةِ (أَوْ) قَالَ لِمَنْ فِي طُهْرٍ: أَنْتِ طَالِقٌ (لِلْبِدْعَةِ فَفِي الْحَالِ) يَقَعُ الطَّلَاقُ (إنْ مُسَّتْ فِيهِ) أَوْ فِي حَيْضٍ قَبْلَهُ وَلَمْ يَظْهَرْ حَمْلُهَا لِوُجُودِ الصِّفَةِ (وَإِلَّا) بِأَنْ لَمْ تُمَسَّ فِي هَذَا الطُّهْرِ وَلَوْ فِي حَيْضٍ قَبْلَهُ وَهِيَ مَدْخُولٌ بِهَا (فَحِينَ تَحِيضُ) يَقَعُ الطَّلَاقُ.
تَنْبِيهٌ: قَضِيَّةُ كَلَامِهِ وُقُوعُ الطَّلَاقِ بِظُهُورِ أَوَّلِ الدَّمِ، وَبِهِ صَرَّحَ الْمُتَوَلِّي، فَإِنْ انْقَطَعَ لِدُونِ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ وَلَمْ يَعُدْ تَبَيَّنَ أَنَّ طَلَاقَهَا لَمْ يَقَعْ، وَبِمَا تَقَرَّرَ عُلِمَ أَنَّهُ لَوْ وَطِئَهَا بَعْدَ التَّعْلِيقِ فِي ذَلِكَ الطُّهْرِ أَنَّهُ يَقَعُ الطَّلَاقُ لِصِدْقِ الصِّفَةِ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ هَذَا فِيمَنْ لَهَا حَالَتَا سُنَّةٍ وَبِدْعَةٍ، فَلَوْ قَالَ لِصَغِيرَةٍ مَمْسُوسَةٍ أَوْ كَبِيرَةٍ غَيْرِ مَمْسُوسَةٍ وَقَعَ فِي الْحَالِ عَلَى الْأَصَحِّ وَلَغَا الْوَصْفُ، وَاللَّامُ هُنَا لِلتَّعْلِيلِ لَا لِلتَّأْقِيتِ لِعَدَمِ تَعَاقُبِ الْحَالَيْنِ فَيَكُونُ كَقَوْلِهِ لِرِضَا زَيْدٍ.

(وَلَوْ) وَصَفَ الطَّلَاقَ بِصِفَةِ مَدْحٍ كَأَنْ (قَالَ) لِزَوْجَتِهِ (أَنْتِ طَالِقٌ طَلْقَةً حَسَنَةً أَوْ أَحْسَنَ الطَّلَاقِ) أَوْ أَفْضَلَهُ أَوْ أَعْدَلَهُ أَوْ أَكْمَلَهُ (أَوْ أَجْمَلَهُ) أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ (فَكَالسُّنَّةِ) أَيْ فَكَقَوْلِهِ أَنْتِ طَالِقٌ لِلسُّنَّةِ، فَإِنْ كَانَتْ فِي حَيْضٍ لَمْ يَقَعْ حَتَّى تَطْهُرَ، أَوْ فِي طُهْرٍ لَمْ تُمَسَّ فِيهِ وَقَعَ فِي الْحَالِ، أَوْ مُسَّتْ فِيهِ وَقَعَ حِينَ تَطْهُرُ بَعْدَ حَيْضٍ.
تَنْبِيهٌ: لَوْ نَوَى بِذَلِكَ طَلَاقَ الْبِدْعَةِ؛ لِأَنَّهُ فِي حَقِّهَا أَحْسَنُ لِسُوءِ خُلُقِهَا، فَإِنْ كَانَ فِي زَمَنِ الْبِدْعَةِ قُبِلَ؛ لِأَنَّهُ غَلَّظَ عَلَى نَفْسِهِ، أَوْ السُّنَّةِ لَمْ يُقْبَلْ ظَاهِرًا وَيُدَيَّنُ (أَوْ) وَصَفَ الطَّلَاقَ بِصِفَةِ ذَمٍّ كَأَنْتِ طَالِقٌ (طَلْقَةً قَبِيحَةً أَوْ أَقْبَحَ الطَّلَاقِ) أَوْ أَسْمَجَهُ أَوْ أَفْضَحَهُ أَوْ أَفْظَعَهُ أَوْ أَشَرَّهُ (أَوْ أَفْحَشَهُ) أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ (فَكَالْبِدْعَةِ) أَيْ فَكَقَوْلِهِ: أَنْتِ طَالِقٌ لِلْبِدْعَةِ، فَإِنْ كَانَتْ فِي حَيْضٍ أَوْ فِي طُهْرٍ مُسَّتْ فِيهِ وَقَعَ فِي الْحَالِ وَإِلَّا فَحِينَ تَحِيضُ، وَلَوْ نَوَى بِذَلِكَ طَلَاقَ السُّنَّةِ لِقُبْحِهِ فِي حَقِّهَا لِحُسْنِ خُلُقِهَا، وَكَانَتْ فِي زَمَنِ الْبِدْعَةِ دِينَ وَلَمْ يُقْبَلْ ظَاهِرًا، وَلَا يُخَالِفُ هَذَا مَا لَوْ قَالَ لِذَاتِ سُنَّةٍ وَبِدْعَةٍ فِي حَالِ الْبِدْعَةِ أَنْتِ طَالِقٌ طَلَاقًا سُنِّيًّا، أَوْ فِي حَالِ السُّنَّةِ أَنْتِ طَالِقٌ طَلَاقًا بِدْعِيًّا.
وَقَالَ: أَرَدْتُ الْوُقُوعَ فِي الْحَالِ فَإِنَّهُ لَمْ يَقَعْ فِي الْحَالِ؛ لِأَنَّ النِّيَّةَ إنَّمَا تَعْمَلُ فِيمَا يَحْتَمِلُ اللَّفْظُ صَرِيحًا، وَإِذَا

أَوْ سُنِّيَّةً بِدْعِيَّةً أَوْ حَسَنَةً قَبِيحَةً وَقَعَ فِي الْحَالِ.

[مغني المحتاج]

تَنَافَيَا لَغَتْ النِّيَّةُ وَعُمِلَ بِاللَّفْظِ؛ لِأَنَّهُ أَقْوَى، وَلَوْ خَاطَبَ بِقَوْلِهِ لِلسُّنَّةِ وَمَا أُلْحِقَ بِهِ أَوْ لِلْبِدْعَةِ وَمَا أُلْحِقَ بِهِ مَنْ لَيْسَ طَلَاقُهَا سُنِّيًّا وَلَا بِدْعِيًّا كَالْحَامِلِ وَالْآيِسَةِ وَقَعَ فِي الْحَالِ وَيَلْغُو ذِكْرُ السُّنَّةِ وَالْبِدْعَةِ.
تَنْبِيهٌ: اللَّامُ فِيمَا يُعْهَدُ انْتِظَارُهُ وَتَكَرُّرُهُ لِلتَّوْقِيتِ كَأَنْتِ طَالِقٌ لِلسُّنَّةِ أَوْ لِلْبِدْعَةِ مِمَّنْ لَهَا سُنَّةٌ بِدْعَةٌ، وَفِيمَا لَا يُعْهَدُ انْتِظَارُهُ وَتَكَرُّرُهُ لِلتَّعْلِيلِ كَطَلَّقْتُكِ بِرِضَا زَيْدٍ أَوْ لِقُدُومِهِ أَوْ لِلْبِدْعَةِ، وَهِيَ صَغِيرَةٌ أَوْ حَامِلٌ أَوْ نَحْوُهَا مِمَّنْ لَا سُنَّةَ لَهَا وَلَا بِدْعَةَ طَلُقَتْ فِي الْحَالِ وَإِنْ لَمْ يَرْضَ زَيْدٌ أَوْ لَمْ يَقْدَمْ، وَإِنْ نَوَى بِهَا التَّعْلِيقَ لَمْ يُقْبَلْ ظَاهِرًا وَيُدَيَّنُ، وَلَوْ قَالَ فِي الصَّغِيرَةِ وَنَحْوِهَا: أَنْتِ طَالِقٌ لِوَقْتِ الْبِدْعَةِ أَوْ لِوَقْتِ السُّنَّةِ وَنَوَى التَّعْلِيقَ قُبِلَ لِتَصْرِيحِهِ بِالْوَقْتِ وَإِنْ لَمْ يَنْوِهِ وَقَعَ الطَّلَاقُ فِي الْحَالِ كَمَا مَرَّ فُرُوعٌ: لَوْ قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ بِرِضَا زَيْدٍ أَوْ بِقُدُومِهِ تَعْلِيقٌ كَقَوْلِهِ إنْ رَضِيَ أَوْ قَدِمَ، وَلَوْ قَالَ لِمَنْ لَهَا سُنَّةٌ وَبِدْعَةٌ أَنْت طَالِقٌ لَا لِسُنَّةٍ كَقَوْلِهِ أَنْتِ طَالِقٌ لِلْبِدْعَةِ، وَقَوْلُهُ: أَنْتِ طَالِقٌ لَا لِلْبِدْعَةِ كَقَوْلِهِ: أَنْتِ طَالِقٌ لِلسُّنَّةِ، وَقَوْلُهُ سُنَّةَ الطَّلَاقِ أَوْ طَلْقَةَ سُنَّةٍ كَقَوْلِهِ لِلسُّنَّةِ، وَقَوْلُهُ بِدْعَةَ الطَّلَاقِ، أَوْ طَلْقَةً بِدْعِيَّةً كَقَوْلِهِ لِلْبِدْعَةِ، وَلَوْ قَالَ لِمَنْ طَلَاقُهَا بِدْعِيٌّ إنْ كُنْت فِي حَالِ سُنَّةٍ فَأَنْتِ طَالِقٌ فَلَا طَلَاقَ وَلَا تَعْلِيقَ، وَلَوْ قَالَ لَهَا فِي حَالِ الْبِدْعَةِ: أَنْتِ طَالِقٌ طَلَاقًا سُنِّيًّا الْآنَ أَوْ فِي حَالِ السُّنَّةِ أَنْتِ طَالِقٌ طَلَاقًا بِدْعِيًّا الْآنَ وَقَعَ فِي الْحَالِ لِلْإِشَارَةِ إلَى الْوَقْتِ وَيَلْغُو اللَّفْظُ، وَلَوْ قَالَ: أَنْت طَالِقٌ لِلسُّنَّةِ إنْ قَدِمَ فُلَانٌ وَأَنْتِ طَاهِرٌ، فَإِنْ قَدِمَ وَهِيَ طَاهِرٌ طَلُقَتْ السُّنَّةَ وَإِلَّا فَلَا تَطْلُقُ: لَا فِي الْحَالِ وَلَا إذَا طَهُرَتْ (أَوْ) جَمَعَ فِي الطَّلَاقِ بَيْنَ صِفَتَيْ مَدْحٍ وَذَمٍّ وَلَمْ يَنْوِ شَيْئًا كَأَنْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ طَلْقَةً (سُنِّيَّةً بِدْعِيَّةً أَوْ) طَلْقَةً (حَسَنَةً قَبِيحَةً) وَهِيَ ذَاتُ أَقْرَاءٍ أَوْ أَنْتِ طَالِقٌ لَا لِلسُّنَّةِ وَلَا لِلْبِدْعَةِ (وَقَعَ) الطَّلَاقُ (فِي الْحَالِ) وَيَلْغُو ذِكْرُ الصِّفَتَيْنِ لِتَضَادِّهِمَا، فَإِنْ فَسَّرَ كُلَّ صِفَةٍ بِمَعْنَى فِي قَوْلِ سُنِّيَّةٍ بِدْعِيَّةٍ أَوْ حَسَنَةٍ قَبِيحَةٍ، فَقَالَ: أَرَدْت حَسَنَةً مِنْ حَيْثُ الْوَقْتُ وَقَبِيحَةً مِنْ حَيْثُ الْعَدَدُ حَتَّى يَقَعَ الطَّلَاقُ الثَّلَاثُ قَبْلُ، وَإِنْ تَأَخَّرَ الْوُقُوعُ؛ لِأَنَّ ضَرَرَ وُقُوعِ الْعَدَدِ أَكْثَرُ مِنْ فَائِدَةِ تَأَخُّرِ الْوُقُوعِ.

فُرُوعٌ: لَوْ قَالَ لِزَوْجَتِهِ: أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا بَعْضُهُنَّ لِلسُّنَّةِ وَبَعْضُهُنَّ لِلْبِدْعَةِ، فَإِنْ كَانَتْ مِمَّنْ لَا سُنَّةَ لَهَا وَلَا بِدْعَةَ كَالصَّغِيرَةِ طَلُقَتْ فِي الْحَالِ ثَلَاثًا كَمَا لَوْ وَصَفَهَا كُلَّهَا بِالسُّنَّةِ أَوْ الْبِدْعَةِ، وَإِنْ كَانَتْ ذَاتَ أَقْرَاءٍ طَلُقَتْ طَلْقَتَيْنِ فِي الْحَالِ وَطَلْقَةً ثَالِثَةً فِي الْحَالِ الثَّانِي؛ لِأَنَّ التَّبْعِيضَ يَقْتَضِي التَّشْطِيرَ، ثُمَّ يَسْرِي، فَإِنْ قَالَ: أَرَدْت إيقَاعَ طَلْقَةٍ فِي الْحَالِ وَطَلْقَتَيْنِ فِي الْحَالِ الثَّانِي صُدِّقَ بِيَمِينِهِ، وَلَوْ أَرَادَ إيقَاعَ بَعْضِ كُلِّ طَلْقَةٍ فِي الْحَالِ وَقَعَ الثَّلَاثُ فِي الْحَالِ بِطَرِيقِ التَّكْمِيلِ، وَلَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا بَعْضُهُنَّ لِلسُّنَّةِ وَسَكَتَ وَهِيَ فِي حَالِ السُّنَّةِ أَوْ الْبِدْعَةِ وَقَعَ فِي الْحَالِ وَاحِدَةٌ فَقَطْ؛ لِأَنَّ الْبَعْضَ لَيْسَ عِبَارَةً عَنْ النِّصْفِ، وَإِنَّمَا حُمِلَ فِيمَا مَرَّ عَلَى التَّشْطِيرِ لِإِضَافَةِ الْبَعْضَيْنِ إلَى الْحَالَيْنِ فَيُسَوَّى بَيْنَهُمَا، وَلَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ خَمْسًا بَعْضُهُنَّ لِلسُّنَّةِ وَبَعْضُهُنَّ لِلْبِدْعَةِ طَلُقَتْ ثَلَاثًا

وَلَا يَحْرُمُ جَمْعُ الطَّلْقَاتِ.

[مغني المحتاج]

فِي الْحَالِ أَخْذًا بِالتَّشْطِيرِ وَالتَّكْمِيلِ، وَلَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ طَلْقَتَيْنِ: طَلْقَةً لِلسُّنَّةِ وَطَلْقَةً لِلْبِدْعَةِ وَقَعَ طَلْقَةٌ فِي الْحَالِ وَفِي الْمُسْتَقْبَلِ طَلْقَةٌ، وَإِنْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ طَلْقَتَيْنِ لِلسُّنَّةِ وَالْبِدْعَةِ وَقَعَ الطَّلْقَتَانِ فِي الْحَالِ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ لِلسُّنَّةِ وَالْبِدْعَةِ وَصْفٌ لِلطَّلْقَتَيْنِ فِي الظَّاهِرِ فَيَلْغُو لِلتَّنَافِي، وَيَبْقَى الطَّلْقَتَانِ وَقَوْلُهُ لَهَا طَلَّقْتُك طَلَاقًا كَالثَّلْجِ أَوْ كَالنَّارِ يَقَعُ فِي الْحَالِ وَيَلْغُو التَّشْبِيهُ الْمَذْكُورُ خِلَافًا لِمَنْ قَالَ: إنْ قَصَدَ التَّشْبِيهَ بِالثَّلْجِ فِي الْبَيَاضِ وَبِالنَّارِ فِي الْإِضَاءَةِ طَلُقَتْ فِي زَمَنِ السُّنَّةِ أَوْ التَّشْبِيهَ بِالثَّلْجِ فِي الْبُرُودَةِ وَبِالنَّارِ فِي الْحَرَارَةِ وَالْإِحْرَاقِ طَلُقَتْ فِي زَمَنِ الْبِدْعَةِ.

(وَلَا يَحْرُمُ جَمْعُ الطَّلْقَاتِ) «لِأَنَّ عُوَيْمِرًا الْعَجْلَانِيَّ لَمَّا لَاعَنَ امْرَأَتَهُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - طَلَّقَهَا ثَلَاثًا قَبْلَ أَنْ يُخْبِرَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهَا تَبِينُ بِاللِّعَانِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
فَلَوْ كَانَ إيقَاعُ الثَّلَاثِ حَرَامًا لَنَهَاهُ عَنْ ذَلِكَ لِيَعْلَمَهُ هُوَ وَمَنْ حَضَرَهُ، «وَلِأَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ قَيْسٍ شَكَتْ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّ زَوْجَهَا طَلَّقَهَا أَلْبَتَّةَ» . قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: يَعْنِي وَاَللَّهُ أَعْلَمُ ثَلَاثًا وَلَمْ نَعْلَمْ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَى عَنْ ذَلِكَ، وَقَدْ فَعَلَهُ جَمْعٌ مِنْ الصَّحَابَةِ وَأَفْتَى بِهِ آخَرُونَ اهـ. وَكَمَا لَا يَحْرُمُ جَمْعُهَا لَا يُكْرَهُ، وَلَكِنْ يُسَنُّ الِاقْتِصَارُ عَلَى طَلْقَتَيْنِ فِي الْقَرْءِ لِذَاتِ الْأَقْرَاءِ، وَفِي شَهْرٍ لِذَاتِ الْأَشْهُرِ لِيَتَمَكَّنَ مِنْ الرَّجْعَةِ أَوْ التَّجْدِيدِ إنْ نَدِمَ فَإِنْ لَمْ يَقْتَصِرْ عَلَى ذَلِكَ فَلْيُفَرِّقْ الطَّلْقَاتِ عَلَى الْأَيَّامِ وَيُفَرِّقْ عَلَى الْحَامِلِ طَلْقَةً فِي الْحَالِ وَيُرَاجِعْ، وَأُخْرَى بَعْدَ النِّفَاسِ، وَالثَّالِثَةَ بَعْدَ الطُّهْرِ مِنْ الْحَيْضِ، وَقِيلَ: يُطَلِّقُهَا فِي كُلِّ شَهْرٍ طَلْقَةً.
تَنْبِيهٌ: أَفْهَمَ كَلَامُ الْمُصَنِّفِ وُقُوعَ الثَّلَاثِ عِنْدَ جَمْعِهِنَّ، وَعَلَيْهِ اقْتَصَرَ الْأَئِمَّةُ، وَحَكَى عَنْ الْحَجَّاجِ بْنِ أَرْطَاةَ وَطَائِفَةٍ مِنْ الشِّيعَةِ وَالظَّاهِرِيَّةِ أَنَّهُ لَا يَقَعُ مِنْهَا إلَّا وَاحِدَةٌ، وَاخْتَارَهُ مِنْ الْمُتَأَخِّرِينَ مَنْ لَا يَعْبَأُ بِهِ فَأَفْتَى بِهِ وَاقْتَدَى بِهِ مَنْ أَضَلَّهُ اللَّهُ تَعَالَى، وَاحْتَجُّوا بِمَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -: «كَانَ الطَّلَاقُ الثَّلَاثُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَبِي بَكْرٍ وَسَنَتَيْنِ مِنْ خِلَافَةِ عُمَرَ وَاحِدَةً، ثُمَّ قَالَ عُمَرُ: إنَّ النَّاسَ قَدْ اسْتَعْجَلُوا مَا كَانُوا فِيهِ عَلَى أَنَاةٍ فَلَوْ أَمْضَيْنَاهُ عَلَيْهِمْ فَأَمْضَاهُ عَلَيْهِمْ» وَعَلَى تَقْدِيرِ صِحَّةِ هَذَا الْحَدِيثِ.
أُجِيبَ عَنْهُ بِجَوَابَيْنِ.
أَحَدُهُمَا وَهُوَ مَحْكِيٌّ عَنْ أَبِي زُرْعَةَ الرَّازِيِّ: إنَّ مَعْنَاهُ أَنَّ الطَّلَاقَ الْمُعْتَادَ فِي الزَّمَنِ الْأَوَّلِ كَانَ طَلْقَةً وَاحِدَةً وَصَارَ النَّاسُ فِي زَمَنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - يُوقِعُونَ الثَّلَاثَ دَفْعَةً وَاحِدَةً فَنَفَّذَهُ عَلَيْهِمْ " فَيَكُونُ إخْبَارًا عَنْ اخْتِلَافِ عَادَةِ النَّاسِ لَا عَنْ تَغَيُّرِ حُكْمٍ فِي مَسْأَلَةٍ وَاحِدَةٍ وَمَعْنَاهُ كَانَ الطَّلَاقُ الثَّلَاثُ الَّذِي يُوقِعُونَهُ الْآنَ دَفْعَةً إنَّمَا كَانَ فِي الزَّمَنِ الْأَوَّلِ يُوقِعُونَهُ وَاحِدَةً فَقَطْ، وَاعْتَمَدَ هَذَا الشَّيْخُ عَلَاءُ الدِّينِ النَّجَّارِيُّ الْحَنَفِيُّ.
وَقَالَ: إنَّ النَّصِّ مُشِيرٌ إلَى هَذَا مِنْ لَفْظِ الِاسْتِعْجَالِ يَعْنِي أَنَّهُ كَانَ لِلنَّاسِ أَنَاةٌ، أَيْ مُهْلَةٌ فِي الطَّلَاقِ فَلَا يُوقِعُونَ إلَّا وَاحِدَةً وَاحِدَةً فَاسْتَعْجَلَ النَّاسُ وَصَارُوا يُوقِعُونَ الثَّلَاثَ دَفْعَةً وَاحِدَةً، وَإِلَّا إذَا كَانَ مَعْنَى الْحَدِيثِ أَنَّ إيقَاعَ الثَّلَاثِ دَفْعَةً وَاحِدَةً، كَانَ فِي الزَّمَنِ الْأَوَّلِ إنَّمَا يَقَعُ وَاحِدَةً وَاحِدَةً، وَهَكَذَا فِي الزَّمَنِ الثَّانِي قَبْلَ التَّنْفِيذِ فَمَا الَّذِي اسْتَعْجَلُوهُ.
الْجَوَابُ الثَّانِي: أَنَّهُ مَحْمُولٌ

وَلَوْ قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا أَوْ ثَلَاثًا لِلسُّنَّةِ، وَفَسَّرَ بِتَفْرِيقِهَا عَلَى أَقْرَاءٍ لَمْ يُقْبَلْ إلَّا مِمَّنْ يَعْتَقِدُ تَحْرِيمَ الْجَمْعِ، وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ يُدَيَّنُ، وَيُدَيَّنُ

مَنْ قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ وَقَالَ أَرَدْت إنْ دَخَلْت أَوْ إنْ شَاءَ زَيْدٌ.

[مغني المحتاج]

عَلَى مَنْ فَرَّقَ اللَّفْظَ، فَقَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ، أَنْتِ طَالِقٌ، أَنْتِ طَالِقٌ، فَكَانُوا أَوَّلًا يَصْدُقُونَ فِي إرَادَةِ التَّأْكِيدِ لِقِلَّةِ الْخِيَانَةِ فِيهِمْ، فَلَمَّا كَانَ مِنْ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَرَأَى تَغَيُّرَ الْأَحْوَالِ لَمْ يَقْبَلْ إرَادَةَ التَّأْكِيدِ وَأَمْضَاهُ عَلَى الِاسْتِئْنَافِ.
قَالَ الْمُصَنِّفُ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ: وَهَذَا أَصَحُّ الْأَجْوِبَةِ.
وَقَالَ السُّبْكِيُّ: إنَّهُ أَحْسَنُ مَحَامِلِ الْحَدِيثِ اهـ. وَلَا فَرْقَ فِي وُقُوعِ الثَّلَاثِ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ مُنَجَّزًا أَوْ مُعَلَّقًا، وَقَدْ وُجِدَتْ صِفَتُهُ حَلِفًا كَانَ أَوْ غَيْرَ حَلِفٍ.
قَالَ السُّبْكِيُّ: وَابْتَدَعَ بَعْضُ النَّاسِ فِي زَمَانِنَا، فَقَالَ: إنْ كَانَ التَّعْلِيقُ عَلَى وَجْهِ الْيَمِينِ لَا يَقَعُ بِهِ الطَّلَاقُ، وَتَجِبُ بِهِ كَفَّارَةُ يَمِينٍ، وَهَذِهِ بِدْعَةٌ فِي الْإِسْلَامِ لَمْ يَقُلْهَا أَحَدٌ مُنْذُ بُعِثَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إلَى زَمَانِنَا هَذَا.
قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: وَاللَّامُ فِي الطَّلْقَاتِ لِلْعَهْدِ الشَّرْعِيِّ، وَهِيَ الثَّلَاثُ، فَلَوْ طَلَّقَ أَرْبَعًا.
قَالَ الرُّويَانِيُّ: عُزِّرَ، وَظَاهِرُ كَلَامِ ابْنِ الرِّفْعَةِ أَنَّهُ يَأْثَمُ اهـ. وَهَذَا لَيْسَ بِظَاهِرٍ؛ لِأَنَّ الزِّيَادَةَ مُلْغَاةٌ فَلَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ بِالتَّلَفُّظِ بِهَا شَيْءٌ.

(وَلَوْ قَالَ) لِزَوْجَتِهِ (أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا) وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ (أَوْ ثَلَاثًا لِلسُّنَّةِ وَفَسَّرَ) الثَّلَاثَ فِي الصُّورَتَيْنِ (بِتَفْرِيقِهَا عَلَى أَقْرَاءٍ لَمْ يُقْبَلْ) ظَاهِرًا عَلَى الصَّحِيحِ الْمَنْصُوصِ؛ لِأَنَّ دَعْوَاهُ تَقْتَضِي تَأْخِيرَ الطَّلَاقِ، وَيَقْتَضِي لَفْظُهُ تَنْجِيزَهُ فِي الْأُولَى مُطْلَقًا، وَفِي الثَّانِيَةِ: إنْ كَانَتْ الْمَرْأَةُ طَاهِرَةً، وَحِينَ تَطْهُرُ إنْ كَانَتْ حَائِضًا، وَلَا سُنَّةَ فِي التَّفْرِيقِ (إلَّا مِمَّنْ يَعْتَقِدُ تَحْرِيمَ الْجَمْعِ) لِلثَّلَاثِ دَفْعَةً كَالْمَالِكِيِّ فَيُقْبَلُ ظَاهِرًا؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ مِنْ حَالِهِ أَنْ لَا يَقْصِدَ ارْتِكَابَ مَحْظُورٍ فِي مُعْتَقَدِهِ.
تَنْبِيهٌ: قَضِيَّةُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ عَوْدُ الِاسْتِثْنَاءِ إلَى الصُّورَتَيْنِ وَهُوَ كَذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ مَا ذَكَرَهُ الْمُتَوَلِّي وَتَبِعَهُ الْمُحَرَّرُ إنَّمَا هُوَ فِي الثَّانِيَةِ فَقَطْ (وَالْأَصَحُّ) عَلَى عَدَمِ الْقَبُولِ (أَنَّهُ يُدَيَّنُ) فِيمَا نَوَاهُ؛ لِأَنَّهُ لَوْ وَصَلَ اللَّفْظُ بِمَا يَدَّعِيه لَانْتَظَمَ فَيُعْمَلُ بِهِ فِي الْبَاطِنِ إنْ كَانَ صَادِقًا بِأَنْ يُرَاجِعَهَا، وَحِينَئِذٍ يَجُوزُ لَهُ وَطْؤُهَا، وَلَهَا تَمْكِينُهُ إنْ ظَنَّتْ صِدْقَهُ، فَإِنْ ظَنَّتْ كَذِبَهُ لَمْ تُمَكِّنْهُ.
وَفِي ذَلِكَ قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: لَهُ الطَّلَبُ وَعَلَيْهَا الْهَرَبُ، وَإِنْ اسْتَوَى عِنْدَهَا الطَّرَفَانِ كُرِهَ لَهَا تَمْكِينُهُ، وَإِذَا صَدَّقَتْهُ وَرَآهُمَا الْحَاكِمُ مُجْتَمِعَيْنِ فَرَّقَ بَيْنَهُمَا فِي أَحَدِ وَجْهَيْنِ رَجَّحَهُ فِي الْكِفَايَةِ، وَالتَّدَيُّنُ لُغَةً أَنْ يَكِلَهُ إلَى دِينِهِ وَقَالَ الْأَصْحَابُ: هُوَ أَنْ لَا تَطْلُقَ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ إنْ كَانَ صَادِقًا إلَّا عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي نَوَاهُ غَيْرَ أَنَّا لَا نُصَدِّقُهُ فِي الظَّاهِرِ وَالْوَجْهُ الثَّانِي لَا يُدَيَّنُ؛ لِأَنَّ اللَّفْظَ بِمُجَرَّدِهِ لَا يَحْتَمِلُ الْمُرَادَ، وَالنِّيَّةُ إنَّمَا تَعْمَلُ فِيمَا يَحْتَمِلُهُ اللَّفْظُ (وَيُدَيَّنُ) أَيْضًا عَلَى الْأَصَحِّ.

(مَنْ قَالَ) لِزَوْجَتِهِ (أَنْتِ طَالِقٌ، وَقَالَ: أَرَدْت إنْ دَخَلْت) الدَّارَ (أَوْ إنْ شَاءَ زَيْدٌ) طَلَاقَك؛ لِأَنَّهُ لَوْ صَرَّحَ بِهِ لَانْتَظَمَ.
تَنْبِيهٌ: قَدْ يُوهِمُ كَلَامُهُ أَنَّ قَوْلَهُ: أَرَدْت إنْ شَاءَ اللَّهُ أَنَّهُ يَكُونُ كَذَلِكَ وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا يُدَيَّنُ.

وَلَوْ قَالَ نِسَائِي طَوَالِقُ أَوْ كُلُّ امْرَأَةٍ لِي طَالِقٌ، وَقَالَ أَرَدْت بَعْضَهُنَّ فَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا يُقْبَلُ ظَاهِرًا إلَّا لِقَرِينَةٍ بِأَنْ خَاصَمَتْهُ وَقَالَتْ تَزَوَّجْت فَقَالَ: كُلُّ امْرَأَةٍ لِي طَالِقٌ وَقَالَ أَرَدْت غَيْرَ الْمُخَاصَمَةِ.

فَصْلٌ قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ فِي شَهْرِ كَذَا أَوْ فِي غُرَّتِهِ أَوْ أَوَّلِهِ وَقَعَ بِأَوَّلِ جُزْءٍ

[مغني المحتاج]

قَالَ الرَّافِعِيُّ: وَفَرَّقُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ غَيْرِهِ مِنْ التَّعْلِيقَاتِ أَنَّ التَّعْلِيقَ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ تَعَالَى يَرْفَعُ حُكْمَ الْيَمِينِ جُمْلَةً فَلَا بُدَّ فِيهِ مِنْ اللَّفْظِ بِخِلَافِ التَّعْلِيقِ بِالدُّخُولِ وَبِمَشِيئَةِ زَيْدٍ فَإِنَّهُ لَا يَرْفَعُهُ بَلْ يُخَصِّصُهُ بِحَالٍ دُونَ حَالٍ فَأَثَّرَتْ فِيهِ النِّيَّةُ، وَشَبَّهُوهُ بِالْفَسْخِ لَمَّا كَانَ رَافِعًا لِلْحُكْمِ لَمْ يَجُزْ إلَّا بِاللَّفْظِ، وَالتَّخْصِيصُ بِالْقِيَاسِ كَمَا يَجُوزُ بِاللَّفْظِ.
تَنْبِيهٌ: إنَّمَا يَنْفَعُهُ قَصْدُ هَذَا الِاسْتِثْنَاءِ بَاطِنًا إذَا عَزَمَ عَلَيْهِ قَبْلَ التَّلَفُّظِ بِالطَّلَاقِ، فَإِنْ حَدَثَتْ لَهُ النِّيَّةُ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْ الْكَلِمَةِ فَلَا حُكْمَ لَهَا، فَإِنْ أَحْدَثَهَا فِي أَثْنَاءِ الْكَلِمَةِ فَوَجْهَانِ كَمَا فِي نِيَّةِ الْكِتَابَةِ وَحْدَهَا نَقَلَاهُ فِي الْبَابِ الْأَوَّلِ عَنْ الْمُتَوَلِّي وَأَقَرَّاهُ وَمَرَّ فِي الْكِنَايَةِ أَنَّهُ يَكْفِي.

(وَلَوْ) أَتَى الزَّوْجُ بِلَفْظٍ عَامٍّ وَأَرَادَ بَعْضَ أَفْرَادِهِ كَأَنْ (قَالَ نِسَائِي طَوَالِقُ، أَوْ) قَالَ (كُلُّ امْرَأَةٍ لِي طَالِقٌ وَقَالَ: أَرَدْت بَعْضَهُنَّ) بِالنِّيَّةِ كَفُلَانَةَ وَفُلَانَةُ دُونَ فُلَانَةَ (فَالصَّحِيحُ) وَعَبَّرَ فِي الرَّوْضَةِ بِالْأَصَحِّ (أَنَّهُ لَا يُقْبَلُ) مِنْهُ ذَلِكَ (ظَاهِرًا) لِأَنَّ اللَّفْظَ عَامٌّ مُتَنَاوَلٌ لِجَمِيعِهِنَّ، فَلَا يُمْكِنُ مِنْ ظَرْفٍ مُقْتَضَاهُ بِالنِّيَّةِ (إلَّا لِقَرِينَةٍ) تُشْعِرُ بِإِرَادَةِ الِاسْتِثْنَاءِ (بِأَنْ) أَيْ كَأَنْ (خَاصَمَتْهُ) زَوْجَتُهُ (وَقَالَتْ) لَهُ (تَزَوَّجْت) عَلَيَّ (فَقَالَ) لَهَا مُنْكِرًا لِذَلِكَ (كُلُّ امْرَأَةٍ لِي طَالِقٌ) أَوْ نِسَائِي طَوَالِقُ (وَقَالَ: أَرَدْت غَيْرَ الْمُخَاصَمَةِ) لِي فَيُقْبَلُ فِي ذَلِكَ لِلْقَرِينَةِ الدَّالَّةِ عَلَى صِدْقِهِ.
وَالثَّانِي يُقْبَلُ مُطْلَقًا؛ لِأَنَّ اسْتِعْمَالَ الْعَامِّ فِي بَعْضِ أَفْرَادِهِ شَائِعٌ.
وَالثَّالِثُ: لَا يُقْبَلُ مُطْلَقًا، وَنَقَلَاهُ عَنْ الْأَكْثَرِينَ وَحِينَئِذٍ فَمَا رَجَّحَاهُ هُنَا مُخَالِفٌ لِمَا الْتَزَمَهُ الرَّافِعِيُّ مِنْ تَصْحِيحِ مَا عَلَيْهِ الْأَكْثَرُ، وَلَا يَحْسُنُ تَعْبِيرُهُ بِالصَّحِيحِ وَهَذَا التَّفْصِيلُ يَجْرِي فِي كُلِّ مَوْضِعٍ قُلْنَا: إنَّهُ يُدَيَّنُ فِيهِ كَمَا صَرَّحُوا بِهِ فِيمَا إذَا قَالَ: طَالِقًا مِنْ وِثَاقِي، إنْ كَانَ حَلَّهَا مِنْهُ قَبْلُ وَإِلَّا فَلَا، وَفِي الصُّوَرِ الْمَذْكُورَةِ آنِفًا.
تَنْبِيهٌ: أَشْعَرَ قَوْلُهُ بَعْضَهُنَّ بِفَرْضِ الْمَسْأَلَةِ فِيمَنْ لَهُ غَيْرُ الْمُخَاصَمَةِ، فَلَوْ لَمْ يَكُنْ لَهُ غَيْرُهَا طَلُقَتْ كَمَا بَحَثَهُ بَعْضُهُمْ قِيَاسًا عَلَى مَا لَوْ قَالَ كُلُّ امْرَأَةٍ لِي طَالِقٌ إلَّا عَمْرَةَ وَلَا امْرَأَةَ لَهُ غَيْرُهَا فَإِنَّهَا تَطْلُقُ كَمَا فِي الرَّوْضَةِ وَأَصْلِهَا عَنْ فَتَاوَى الْقَفَّالِ وَأَقَرَّاهُ، بِخِلَافِ قَوْلِهِ النِّسَاءُ طَوَالِقُ إلَّا عَمْرَةَ وَلَا امْرَأَةَ لَهُ غَيْرُهَا، وَالْفَرْقُ أَنَّهُ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ لَمْ يُضِفْ النِّسَاءَ لِنَفْسِهِ.

[فَصْلٌ فِي تَعْلِيقُ الطَّلَاقِ بِالْأَوْقَاتِ]

(فَصْلٌ) فِي تَعْلِيقِ الطَّلَاقِ بِالْأَوْقَاتِ وَمَا يُذْكَرُ مَعَهُ (قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ فِي شَهْرِ كَذَا أَوْ فِي غُرَّتِهِ) أَوْ رَأْسِهِ (أَوْ أَوَّلِهِ) أَوْ دُخُولِهِ أَوْ مَجِيئِهِ أَوْ ابْتِدَائِهِ أَوْ اسْتِقْبَالِهِ أَوْ أَوَّلِ آخِرِ أَوَّلِهِ (وَقَعَ) الطَّلَاقُ (بِأَوَّلِ جُزْءٍ) مِنْ

مِنْهُ، أَوْ فِي نَهَارِهِ أَوْ أَوَّلِ يَوْمٍ مِنْهُ فَبِفَجْرِ أَوَّلِ يَوْمٍ، أَوْ آخِرِهِ فَبِآخِرِ جُزْءٍ مِنْ الشَّهْرِ، وَقِيلَ بِأَوَّلِ النِّصْفِ الْآخَرِ.

[مغني المحتاج]

اللَّيْلَةِ الْأُولَى (مِنْهُ) أَيْ مَعَهُ لِتَحَقُّقِ الِاسْمِ بِأَوَّلِ جُزْءٍ مِنْهُ وَوَجْهُهُ فِي شَهْرِ كَذَا أَنَّ الْمَعْنَى إذَا جَاءَ شَهْرُ كَذَا وَمَجِيئُهُ يَتَحَقَّقُ بِمَجِيءِ أَوَّلِ جُزْءٍ مِنْهُ وَالِاعْتِبَارُ فِي دُخُولِهِ بِبَلَدِ التَّعْلِيقِ، فَلَوْ عَلَّقَ بِبَلَدِهِ وَانْتَقَلَ إلَى أُخْرَى وَرَأَى فِيهَا الْهِلَالَ وَتَبَيَّنَ أَنَّهُ لَمْ يُرَ فِي تِلْكَ لَمْ يَقَعْ الطَّلَاقُ بِذَلِكَ، قَالَهُ الزَّرْكَشِيُّ، وَظَاهِرُهُ كَمَا قَالَ شَيْخُنَا أَنَّ مَحَلَّهُ إذَا اخْتَلَفَتْ الْمَطَالِعُ.
تَنْبِيهٌ: لَوْ رَأَى الْهِلَالَ قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ لَمْ تَطْلُقْ إلَّا بَعْدَ غُرُوبِهَا لِأَنَّهُ لِلَّيْلَةِ الْمُسْتَقْبَلَةِ (أَوْ) أَنْتِ طَالِقٌ (فِي نَهَارِهِ) أَيْ شَهْرِ كَذَا (أَوْ أَوَّلِ يَوْمٍ مِنْهُ) أَيْ شَهْرِ كَذَا (فَبِفَجْرِ أَوَّلِ يَوْمٍ) مِنْهُ تَطْلُقُ إذْ الْفَجْرُ أَوَّلُ النَّهَارِ وَأَوَّلُ الْيَوْمِ كَمَا حُكِيَ عَنْ أَئِمَّةِ اللُّغَةِ، فَإِنْ أَرَادَ وَسَطَ الشَّهْرِ أَوْ آخِرَهُ، وَقَدْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ فِي شَهْرِ كَذَا أَوْ أَرَادَ مِنْ الْأَيَّامِ أَحَدَ الثَّلَاثَةِ الْأُوَلِ مِنْهُ، وَقَدْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ غُرَّتَهُ دِينَ لِاحْتِمَالِ مَا قَالَهُ فِيهِمَا.
وَلِأَنَّ الثَّلَاثَةَ الْأُوَلَ غُرَرٌ فِي الثَّانِيَةِ وَلَا يُقْبَلُ ظَاهِرًا فَإِنْ قَالَ: أَرَدْت بِغُرَّتِهِ أَوْ بِرَأْسِهِ النِّصْفَ مَثَلًا لَمْ يُدَيَّنْ؛ لِأَنَّ غُرَّةَ الشَّهْرِ لَا تُطْلَقُ عَلَى غَيْرِ الثَّلَاثَةِ الْأُوَلِ، وَرَأْسَهُ لَا تُطْلَقُ عَلَى غَيْرِ أَوَّلِ لَيْلَةٍ مِنْهُ، وَإِنْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ فِي رَمَضَانَ مَثَلًا وَهُوَ فِيهِ طَلُقَتْ فِي الْحَالِ، وَإِنْ قَالَ وَهُوَ فِيهِ: إذَا جَاءَ رَمَضَانُ فَتَطْلُقُ فِي أَوَّلِ رَمَضَانَ الْقَابِلِ، إذْ التَّعْلِيقُ إنَّمَا يَكُونُ عَلَى مُسْتَقْبَلٍ (أَوْ) أَنْتِ طَالِقٌ فِي (آخِرِهِ) أَيْ شَهْرِ كَذَا أَوْ سَلَخَهُ (فَبِآخِرِ جُزْءٍ مِنْ الشَّهْرِ) تَطْلُقُ فِي الْأَصَحِّ (وَقِيلَ) تَطْلُقُ (بِأَوَّلِ النِّصْفِ الْآخَرِ) مِنْهُ إذْ كُلُّهُ آخِرُ الشَّهْرِ فَيَقَعُ بِأَوَّلِهِ، وَرُدَّ بِسَبْقِ الْأَوَّلِ إلَى الْفَهْمِ.

فُرُوعٌ: لَوْ عَلَّقَ بِآخِرِ أَوَّلِ آخِرِهِ طَلُقَتْ أَيْضًا بِآخِرِ جُزْءٍ مِنْهُ؛ لِأَنَّ آخِرَهُ الْيَوْمُ الْأَخِيرُ وَأَوَّلَهُ طُلُوعُ الْفَجْرِ فَآخِرُ أَوَّلِهِ الْغُرُوبُ وَهُوَ الْجُزْءُ الْأَخِيرُ هَذَا مَا قَالَهُ الشَّيْخَانِ وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ، وَإِنْ قَالَ شَيْخُنَا: الْأَوْجَهُ أَنَّهَا تَطْلُقُ قَبْلَ زَوَالِ الْيَوْمِ الْأَخِيرِ؛ لِأَنَّهُ آخِرُ أَوَّلِهِ وَوَقْتُ الْغُرُوبِ إنَّمَا هُوَ آخِرُ الْيَوْمِ لَا آخِرُ أَوَّلِهِ، وَإِنْ عَلَّقَ بِأَوَّلِ آخِرِهِ طَلُقَتْ بِأَوَّلِ الْيَوْمِ الْأَخِيرِ مِنْهُ لِأَنَّهُ أَوَّلُ آخِرِهِ، وَلَوْ عَلَّقَ بِآخِرِ أَوَّلِهِ طَلُقَتْ بِآخِرِ الْيَوْمِ الْأَوَّلِ مِنْهُ لِأَنَّهُ آخِرُ أَوَّلِهِ، وَقِيلَ: تَطْلُقُ بِآخِرِ اللَّيْلَةِ الْأُولَى مِنْهُ لِأَنَّهَا أَوَّلُهُ بِالْحَقِيقَةِ.
وَلَوْ عَلَّقَ بِانْتِصَافِ الشَّهْرِ طَلُقَتْ بِغُرُوبِ شَمْسِ الْخَامِسَ عَشَرَ، وَإِنْ نَقَصَ الشَّهْرُ؛ لِأَنَّهُ الْمَفْهُومُ مِنْ ذَلِكَ، وَلَوْ عَلَّقَ بِنِصْفِ نِصْفِهِ الْأَوَّلِ طَلُقَتْ بِطُلُوعِ فَجْرِ الثَّامِنِ؛ لِأَنَّ نِصْفَ نِصْفِهِ سَبْعُ لَيَالٍ وَنِصْفٌ وَسَبْعَةُ أَيَّامٍ وَنِصْفٌ وَاللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ فَيُقَابِلُ نِصْفَ لَيْلَةٍ بِنِصْفِ يَوْمٍ وَتُجْعَلُ ثَمَانِ لَيَالٍ وَسَبْعَةُ أَيَّامٍ نِصْفًا وَسَبْعُ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةُ أَيَّامٍ نِصْفًا، وَلَوْ عَلَّقَ بِنِصْفِ يَوْمٍ كَذَا طَلُقَتْ عِنْدَ زَوَالِهِ؛ لِأَنَّهُ الْمَفْهُومُ مِنْهُ، وَإِنْ كَانَ الْيَوْمُ يُحْسَبُ مِنْ طُلُوعِ الْفَجْرِ شَرْعًا وَنِصْفُهُ الْأَوَّلُ أَطْوَلُ، وَلَوْ عَلَّقَ بِمَا بَيْنَ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ طَلُقَتْ بِالْغُرُوبِ إنْ عَلَّقَ نَهَارًا وَإِلَّا فَبِالْفَجْرِ، إذْ كُلٌّ مِنْهُمَا عِبَارَةٌ عَنْ مَجْمُوعِ جُزْءٍ مِنْ اللَّيْلِ وَجُزْءٍ مِنْ النَّهَارِ، إذْ لَا فَاصِلَ بَيْنَ الزَّمَانَيْنِ، وَإِنْ قَالَ الْبُلْقِينِيُّ: الْأَقْيَسُ أَنْ يَقَعَ

وَلَوْ قَالَ لَيْلًا إذَا مَضَى يَوْمٌ فَبِغُرُوبِ شَمْسِ غَدِهِ، أَوْ نَهَارًا فَفِي مِثْلِ وَقْتِهِ مِنْ غَدِهِ

أَوْ الْيَوْمُ، فَإِنْ قَالَهُ نَهَارًا فَبِغُرُوبِ شَمْسِهِ وَإِلَّا لَغَا، وَبِهِ يُقَاسُ شَهْرٌ وَسَنَةٌ.

[مغني المحتاج]

الطَّلَاقُ فِي الْحَالِ كَمَا لَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ لَا فِي زَمَنٍ

(وَلَوْ قَالَ لَيْلًا) أَيْ فِيهِ (إذَا مَضَى يَوْمٌ) بِالتَّنْكِيرِ فَأَنْتِ طَالِقٌ (فَبِغُرُوبِ شَمْسِ غَدِهِ) تَطْلُقُ إذْ يَتَحَقَّقُ بِهِ مُضِيُّ الْيَوْمِ (أَوْ) قَالَهُ (نَهَارًا) أَيْ فِيهِ (فَفِي مِثْلِ وَقْتِهِ مِنْ غَدِهِ) تَطْلُقُ؛ لِأَنَّ الْيَوْمَ حَقِيقَةٌ فِي جَمِيعِهِ مُتَوَاصِلًا كَانَ أَوْ مُتَفَرِّقًا، فَإِنْ فُرِضَ انْطِبَاقُ التَّعْلِيقِ عَلَى أَوَّلِ النَّهَارِ وَقَعَ بِغُرُوبِ شَمْسِهِ وَهَذَا كَمَا قَالَ الْأَذْرَعِيُّ، إذَا تَمَّ التَّعْلِيقُ وَاسْتَعْقَبَهُ أَوَّلُ النَّهَارِ، أَمَّا لَوْ ابْتَدَأَهُ النَّهَارُ فَقَدْ مَضَى جُزْءٌ قَبْلَ تَمَامِهِ فَلَا يَقَعُ بِغُرُوبِ شَمْسِهِ.

(أَوْ) قَالَ إذَا مَضَى (الْيَوْمُ) بِالتَّعْرِيفِ فَأَنْتِ طَالِقٌ (فَإِنْ قَالَهُ نَهَارًا فَبِغُرُوبِ شَمْسِهِ) تَطْلُقُ وَإِنْ قَلَّ زَمَنُ الْبَاقِي مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ عَرَّفَهُ فَاللَّامُ الْعَهْدِ فَانْصَرَفَ إلَى الْيَوْمِ الْحَاضِرِ (وَإِلَّا) بِأَنْ قَالَهُ لَيْلًا (لَغَا) أَيْ لَا يَقَعُ بِهِ شَيْءٌ، إذْ لَا نَهَارَ حَتَّى يُحْمَلَ عَلَى الْمَعْهُودِ قَالَ الْمُتَوَلِّي وَلَا يُمْكِنُ الْحَمْلُ عَلَى الْجِنْسِ إذْ لَا يُتَصَوَّرُ بَقَاءُ الزَّوْجَيْنِ حَتَّى تَنْقَضِيَ أَيَّامُ الدُّنْيَا فَكَانَتْ صِفَةً مُسْتَحِيلَةً.
تَنْبِيهٌ: قَدْ عُلِمَ مِمَّا تَقَرَّرَ أَنَّ صُورَةَ مَسْأَلَةِ الْكِتَابِ أَنْ يَقُولَ: إذَا مَضَى الْيَوْمُ فَأَنْتِ طَالِقٌ بِرَفْعِ الْيَوْمِ، أَمَّا إذَا قَالَ: أَنْت طَالِقٌ الْيَوْمَ بِالنَّصْبِ أَوْ بِغَيْرِهِ أَوْ النَّهَارَ أَوْ الشَّهْرَ أَوْ السَّنَةَ فَإِنَّهَا تَطْلُقُ فِي الْحَالِ لَيْلًا كَانَ أَوْ نَهَارًا؛ لِأَنَّهُ أَوْقَعَهُ، وَسَمَّى الزَّمَانَ بِغَيْرِ اسْمِهِ فَلَغَتْ التَّسْمِيَةُ (وَبِهِ) أَيْ الْيَوْمِ (يُقَاسُ شَهْرٌ وَسَنَةٌ) وَالشَّهْرُ وَالسَّنَةُ.

فَإِذَا قَالَ: لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فِي غَيْرِ الْأَخِيرِ مِنْ الشَّهْرِ إذَا مَضَى شَهْرٌ فَأَنْتِ طَالِقٌ طَلُقَتْ بِمُضِيِّ ثَلَاثِينَ يَوْمًا وَمِنْ لَيْلَةِ الْحَادِي وَالثَّلَاثِينَ أَوْ يَوْمِهِ بِقَدْرِ مَا سَبَقَ التَّعْلِيقُ مِنْ لَيْلَتِهِ أَوْ يَوْمِهِ؛ فَإِنْ عَلَّقَ فِي الْيَوْمِ الْأَخِيرِ أَوْ اللَّيْلَةِ الْأَخِيرَةِ مِنْ الشَّهْرِ كَفَى بَعْدَهُ شَهْرٌ هِلَالِيٌّ كَمَا تَقَدَّمَ فِي السَّلَمِ، وَإِذَا قَالَ فِي أَثْنَاءِ الشَّهْرِ إذَا مَضَتْ سَنَةٌ فَأَنْتِ طَالِقٌ طَلُقَتْ بِمُضِيِّ أَحَدَ عَشَرَ شَهْرًا بِالْأَهِلَّةِ مَعَ إكْمَالِ الْأَوَّلِ مِنْ الثَّالِثَ عَشَرَ ثَلَاثِينَ يَوْمًا، فَإِذَا أَرَادَ بَقِيَّةَ الشَّهْرِ أَوْ السَّنَةِ فَقَدْ غَلَّظَ عَلَى نَفْسِهِ؛ وَإِنْ قَالَ: إذَا مَضَى الشَّهْرُ أَوْ قَالَ: السَّنَةُ فَأَنْتِ طَالِقٌ طَلُقَتْ بِمُضِيِّ بَقِيَّةِ ذَلِكَ الشَّهْرِ أَوْ تِلْكَ السَّنَةِ وَالْمُعْتَبَرُ السَّنَةُ الْعَرَبِيَّةُ، فَإِنْ قَالَ: أَرَدْت غَيْرَهَا أَوْ أَرَدْت بِالسَّنَةِ مُعَرَّفَةً سَنَةً كَامِلَةً لَمْ يُقْبَلْ مِنْهُ ظَاهِرًا لِتُهْمَةِ التَّأْخِيرِ، وَيُدَيَّنُ لِاحْتِمَالِ مَا قَالَهُ الْأَذْرَعِيُّ، نَعَمْ لَوْ كَانَ بِبِلَادِ الرُّومِ أَوْ الْفُرْسِ فَيَنْبَغِي قَبُولُ قَوْلِهِ.
قَالَ: وَلَوْ عَلَّقَ بِمُضِيِّ شُهُورٍ أَوْ الشُّهُورِ فَبِمُضِيِّ مَا بَقِيَ مِنْ السَّنَةِ عَلَى الْأَصَحِّ عِنْدَ الْقَاضِي، وَبِمُضِيِّ اثْنَيْ عَشَرَ شَهْرًا عِنْدَ الْجِيلِيِّ، ثُمَّ نَقَلَ عَنْ الْجِيلِيِّ أَنَّهُ لَوْ عَلَّقَ بِمُضِيِّ سَاعَاتٍ طَلُقَتْ بِمُضِيِّ ثَلَاثِ سَاعَاتٍ أَوْ السَّاعَاتِ فَبِمُضِيِّ أَرْبَعَةٍ وَعِشْرِينَ سَاعَةً؛ لِأَنَّهَا جُمْلَةُ سَاعَاتِ الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ اهـ. وَكَلَامُ الْجِيلِيِّ أَوْجَهُ.

تَنْبِيهٌ: لَوْ شَكَّ بَعْدَ مُضِيِّ مُدَّةٍ مِنْ التَّعْلِيقِ هَلْ تَمَّ الْعَدَدُ أَوْ لَا عَمِلَ بِالْيَقِينِ وَحَلَّ لَهُ الْوَطْءُ، حَالَ التَّرَدُّدِ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ مُضِيِّ الْعَدَدِ، وَالطَّلَاقُ لَا يَقَعُ بِالشَّكِّ، وَلَوْ عَلَّقَ الطَّلَاقَ بِمُسْتَحِيلٍ عُرْفًا كَصُعُودِ السَّمَاءِ وَالطَّيَرَانِ وَإِحْيَاءِ الْمَوْتَى إذَا أَرَادَ بِهِ الْمَعْنَى الْمُرَادَ فِي قَوْله تَعَالَى حِكَايَةً عَنْ عِيسَى - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: ﴿وَأُحْيِي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [آل عمران: 49] أَوْ عَقْلًا كَإِحْيَاءِ الْمَوْتَى عَلَى

أَوْ أَنْتِ طَالِقٌ أَمْسِ، وَقَصَدَ أَنْ يَقَعَ فِي الْحَالِ مُسْتَنِدًا إلَيْهِ وَقَعَ فِي الْحَالِ، وَقِيلَ لَغْوٌ أَوْ قَصَدَ أَنَّهُ طَلَّقَ أَمْسِ، وَهِيَ الْآنَ مُعْتَدَّةٌ صُدِّقَ بِيَمِينِهِ، أَوْ قَالَ طَلَّقْت فِي نِكَاحٍ آخَرَ، فَإِنْ عُرِفَ صُدِّقَ بِيَمِينِهِ، وَإِلَّا فَلَا.

[مغني المحتاج]

غَيْرِ مَا تَقَدَّمَ وَالْجَمْعِ بَيْنَ الضِّدَّيْنِ أَوْ شَرْعًا كَنَسْخِ رَمَضَانَ لَمْ تَطْلُقْ لِأَنَّهُ لَمْ يُنَجِّزْ الطَّلَاقَ، وَإِنَّمَا عَلَّقَهُ عَلَى صِفَةٍ وَلَمْ تُوجَدْ، وَالْيَمِينُ فِيمَا ذُكِرَ مُنْعَقِدَةٌ حَتَّى يَحْنَثَ بِهَا الْمُعَلَّقُ عَلَى الْحَلِفِ، وَلَا يُخَالِفُ هَذَا مَا قَالُوا فِي الْأَيْمَانِ مِنْ أَنَّهُ لَوْ حَلَفَ بِاَللَّهِ لَا يَصْعَدُ السَّمَاءَ لَمْ يَنْعَقِدْ يَمِينُهُ؛ لِأَنَّ عَدَمَ انْعِقَادِهَا ثَمَّ لَيْسَ لِتَعَلُّقِهَا بِالْمُسْتَحِيلِ، بَلْ لِأَنَّ امْتِنَاعَ الْحِنْثِ لَا يُخِلُّ بِتَعْظِيمِ اسْمِ اللَّهِ تَعَالَى، وَلِهَذَا يَنْعَقِدُ فِيمَا لَوْ حَلَفَ لَيَقْتُلَنَّ فُلَانًا وَهُوَ مَيِّتٌ مَعَ تَعَلُّقِهَا بِمُسْتَحِيلٍ؛ لِأَنَّ امْتِنَاعَ الْبِرِّ يَهْتِكُ حُرْمَةَ الِاسْمِ فَيُحْوِجُ إلَى التَّكْفِيرِ.

(أَوْ) قَالَ (أَنْتِ طَالِقٌ أَمْسِ) أَوْ الشَّهْرَ الْمَاضِي أَوْ السَّنَةَ الْمَاضِيَةَ (وَقَصَدَ أَنْ يَقَعَ فِي الْحَالِ مُسْتَنِدًا إلَيْهِ وَقَعَ فِي الْحَالِ) عَلَى الصَّحِيحِ وَلَغَا قَصْدُ الِاسْتِنَادِ إلَى أَمْسِ لِاسْتِحَالَتِهِ، وَمِثْلُهُ مَا لَوْ قَصَدَ إيقَاعَهُ أَمْسِ، أَوْ قَالَ: لَمْ أُرِدْ شَيْئًا أَوْ تَعَذَّرَ الرُّجُوعُ إلَيْهِ بِمَوْتٍ أَوْ جُنُونٍ أَوْ خَرَسٍ وَلَا إشَارَةَ لَهُ مُفْهِمَةٌ، لَكِنْ فِي صُورَةِ قَصْدِ إيقَاعِهِ أَمْسِ يَقَعُ فِي الْحَالِ عَلَى الْمَذْهَبِ الْمَنْصُوصِ (وَقِيلَ: لَغْوٌ) لَا يَقَعُ بِهِ شَيْءٌ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا وَقَعَ طَلَاقًا مُسْتَنِدًا، فَإِذَا لَمْ يُمْكِنْ اسْتِنَادُهُ وَجَبَ أَنْ لَا يَقَعَ (أَوْ) أَيْ وَلَوْ لَمْ يَقْصِدْ الزَّوْجُ إنْشَاءَ طَلَاقٍ لَا حَالًّا وَلَا مَاضِيًا بَلْ (قَصَدَ) الْإِخْبَارَ بِالطَّلَاقِ وَهُوَ (أَنَّهُ طَلَّقَ أَمْسِ) فِي هَذَا النِّكَاحِ (وَهِيَ الْآنَ مُعْتَدَّةٌ) مِنْ طَلَاقٍ بَائِنٍ أَوْ رَجْعِيٍّ (صُدِّقَ بِيَمِينِهِ) فِي ذَلِكَ لِقَرِينَةِ الْإِضَافَةِ إلَى أَمْسِ وَتُحْسَبُ عِدَّتُهَا مِنْ الْوَقْتِ الَّذِي ذَكَرَهُ إنْ صَدَّقَتْهُ وَإِلَّا بِأَنْ كَذَّبَتْهُ، أَوْ قَالَتْ: لَا عِلْمَ لِي كَمَا فِي الْكَافِي حِينَ الْإِقْرَارِ (أَوْ) قَصَدَ بِمَا (قَالَ: طَلَّقْت) هَذِهِ (فِي نِكَاحٍ آخَرَ) غَيْرِ نِكَاحِي هَذَا وَبَانَتْ مِنِّي ثُمَّ جَدَّدْت نِكَاحَهَا أَوْ طَلَّقَهَا زَوْجٌ آخَرُ فِي نِكَاحٍ سَابِقٍ (فَإِنْ عُرِفَ) نِكَاحٌ سَابِقٌ وَطَلَاقٌ فِيهِ بِبَيِّنَةٍ أَوْ غَيْرِهَا (صُدِّقَ بِيَمِينِهِ) فِي إرَادَةِ ذَلِكَ لِلْقَرِينَةِ، نَعَمْ إنْ صَدَّقَتْهُ فِيهَا فَلَا يَمِينَ (وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يُعْرَفْ لَهُمَا ذِكْرٌ (فَلَا) يُصَدَّقُ وَيَقَعُ فِي الْحَالِ كَمَا فِي الْمُحَرَّرِ وَالشَّرْحِ الصَّغِيرِ لِبُعْدِ دَعْوَاهُ.
تَنْبِيهٌ: نُقِلَ فِي الشَّرْحِ الصَّغِيرِ عَنْ الْإِمَامِ: يَنْبَغِي أَنْ يُقْبَلَ فِيمَا قَالَهُ بِاحْتِمَالِهِ، وَاقْتَصَرَ فِي الْكَبِيرِ عَلَى بَحْثِ الْإِمَامِ مِنْ غَيْرِ عَزْوٍ إلَيْهِ وَتَبِعَهُ فِي الرَّوْضَةِ، وَالصَّوَابُ مَا فِي الْكِتَابِ وَهُوَ مَا حَكَاهُ الْإِمَامُ عَنْ الْأَصْحَابِ، ثُمَّ قَالَ: وَفِي الْقَلْبِ مِنْهُ شَيْءٌ فَذَكَرَ هَذَا الْبَحْثَ، وَمِمَّنْ صَرَّحَ بِمَا فِي الْكِتَابِ الْقَاضِي الْحُسَيْنُ وَالْبَغَوِيُّ وَالْمُتَوَلِّي وَالرُّويَانِيُّ، وَقَدْ وَقَعَ فِي بَعْضِ نُسَخِ الشَّرْحِ الْكَبِيرِ عَلَى الصَّوَابِ كَمَا ذَكَرَهُ الْأَذْرَعِيُّ.

فُرُوعٌ: لَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ قَبْلَ أَنْ تُخْلَقِي.
قَالَ الصَّيْمَرِيُّ: طَلُقَتْ إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ إرَادَةٌ، وَلَوْ قَالَ نَهَارًا: أَنْتِ طَالِقٌ غَدًا أَمْسِ، أَوْ أَمْسِ غَدٍ بِالْإِضَافَةِ وَقَعَ الطَّلَاقُ فِي الْحَالِ؛ لِأَنَّ غَدَ

وَأَدَوَاتُ التَّعْلِيقِ: مَنْ

[مغني المحتاج]

أَمْسِ، وَأَمْسِ غَدٍ هُوَ الْيَوْمُ، فَإِنْ قَالَهُ لَيْلًا وَقَعَ غَدًا فِي الْأُولَى وَحَالًا فِي الثَّانِيَةِ، وَلَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ أَمْسِ غَدًا أَوْ غَدًا أَمْسِ بِغَيْرِ إضَافَةٍ لَغَا ذِكْرُ أَمْسِ وَقَعَ الطَّلَاقُ فِي الْغَدِ؛ لِأَنَّهُ عَلَّقَهُ بِالْغَدِ وَبِأَمْسِ، وَلَا يُمْكِنُ الْوُقُوعُ فِيهِمَا وَلَا الْوُقُوعُ فِي أَمْسِ فَيَتَعَيَّنُ الْوُقُوعُ فِي الْغَدِ لِإِمْكَانِهِ، وَلَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ الْيَوْمَ غَدًا وَقَعَ طَلْقَةً فَقَطْ فِي الْحَالِ وَلَا يَقَعُ شَيْءٌ فِي الْغَدِ؛ لِأَنَّ الْمُطَلَّقَةَ الْيَوْمَ طَالِقٌ غَدًا، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ لَمْ يُرِدْ إلَّا ذَلِكَ، وَلَوْ أَرَادَ بِذَلِكَ نِصْفَهَا الْيَوْمَ وَنِصْفَهَا الْآخَرَ غَدًا وَقَعَ أَيْضًا طَلْقَةً فَقَطْ فِي الْحَالِ لِأَنَّ مَا أَخَّرَهُ تَعَجَّلَ، فَإِنْ أَرَادَ نِصْفَ طَلْقَةٍ الْيَوْمَ وَنِصْفَ طَلْقَةٍ الْيَوْمَ وَنِصْفَ طَلْقَةٍ غَدًا وَقَعَ طَلْقَتَانِ إلَّا أَنْ تَبِينَ بِالْأُولَى، وَلَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ غَدًا الْيَوْمَ طَلُقَتْ طَلْقَةً غَدًا فَقَطْ، وَلَا تَطْلُقُ فِي الْيَوْمِ؛ لِأَنَّ الطَّلَاقَ تَعَلَّقَ بِالْغَدِ، وَذِكْرُهُ الْيَوْمَ بَعْدَهُ لِتَعْجِيلِ الطَّلَاقِ بِالْمُعَلَّقِ وَهُوَ لَا يَتَعَجَّلُ، وَلَوْ قَالَ: أَنْت طَالِقٌ فِي الْيَوْمِ وَفِي غَدٍ أَوْ فِي اللَّيْلِ وَفِي النَّهَارِ وَقَعَ فِي كُلٍّ طَلْقَتَانِ فِي الْأُولَى فِي الْيَوْمَيْنِ وَطَلْقَتَانِ فِي الثَّانِيَةِ وَاحِدَةً بِاللَّيْلِ وَأُخْرَى بِالنَّهَارِ.
قَالَ الْمُتَوَلِّي: لِأَنَّ الْمَظْرُوفَ يَتَعَدَّدُ بِتَعَدُّدِ الظَّرْفِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: وَلَيْسَ الدَّلِيلُ بِوَاضِحٍ فَقَدْ يَتَّحِدُ الْمَظْرُوفُ وَيَخْتَلِفُ الظَّرْفُ اهـ. وَالْأَوْلَى كَمَا قَالَ شَيْخُنَا تَعْلِيلُ ذَلِكَ بِإِعَادَةِ الْعَامِلِ بِخِلَافِ مَا لَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ الْيَوْمَ وَغَدًا أَوْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ فَإِنَّهُ يَقَعُ فِي كُلٍّ طَلْقَةٌ فَقَطْ لِعَدَمِ إعَادَةِ الْعَامِلِ، وَلَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ الْيَوْمَ أَوْ غَدًا طَلُقَتْ فِي الْغَدِ فَقَطْ لِمَا ذُكِرَ، أَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ يَوْمًا وَيَوْمًا لَا وَلَمْ يَنْوِ شَيْئًا طَلُقَتْ وَاحِدَةً فَقَطْ، فَإِنْ نَوَى طَلْقَةً تَقَعُ فِي يَوْمٍ لَا فِي تَالِيهِ وَهَكَذَا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ وَقَعَ ثَلَاثٌ فِي ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مُتَفَاضِلَةٍ، وَلَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ الْيَوْمَ إذَا جَاءَ الْغَدُ، أَوْ أَنْتِ طَالِقٌ السَّاعَةَ إنْ دَخَلْت الدَّارَ لَمْ تَطْلُقْ وَإِنْ وُجِدَتْ الصِّفَةُ؛ لِأَنَّهُ عَلَّقَهُ بِوُجُودِهَا فَلَا يَقَعُ قَبْلَهُ، وَإِذَا وُجِدَتْ فَقَدْ مَضَى الْوَقْتُ الَّذِي جَعَلَهُ مَحَلًّا لِلْإِيقَاعِ، وَلَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ قَبْلَ مَوْتِي أَوْ فِي حَيَاتِي طَلُقَتْ فِي الْحَالِ.
قَالَ فِي الرَّوْضَةِ: فَإِنْ ضَمَّ الْقَافَ وَفَتَحَ الْبَاءَ مِنْ قُبَلَ، أَوْ قَالَ قُبَيْلَ بِالتَّصْغِيرِ طَلُقَتْ قُبَيْلَ الْمَوْتِ.
قَالَ الْإِسْنَوِيُّ: مَا ذُكِرَ مِنْ فَتْحِ بَاءِ قُبَلَ غَلَطٌ لَمْ يَذْكُرْهُ أَحَدٌ، وَإِنَّمَا فِيهِ ضَمُّ الْبَاءِ وَإِسْكَانُهَا وَرَدَّ عَلَيْهِ ابْنُ الْعِمَادِ بِمَا فِيهِ نَظَرٌ، وَلَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ بَعْدَ قَبْلِ مَوْتِي طَلُقَتْ فِي الْحَالِ لِأَنَّهُ بَعْدَ قَبْلِ مَوْتِهِ، وَأَنْتِ طَالِقٌ قَبْلَ مَا بَعْدَهُ رَمَضَانُ وَأَرَادَ بِمَا بَعْدَهُ الشَّهْرُ طَلُقَتْ آخِرَ جُزْءٍ مِنْ رَجَبٍ، وَإِنْ أَرَادَ بِهِ الْيَوْمَ فَقُبَيْلَ فَجْرِ يَوْمِ الثَّلَاثِينَ مِنْ شَعْبَانَ إنْ كَانَ تَامًّا، وَإِنْ أَرَادَ بِهِ الْيَوْمَ بِلَيْلَتِهِ فَقُبَيْلَ الْغُرُوبِ لَيْلَةَ الثَّلَاثِينَ مِنْهُ إنْ كَانَ تَامًّا، أَوْ أَنْتِ طَالِقٌ بَعْدَمَا قَبْلَهُ رَمَضَانُ وَأَرَادَ بِمَا قَبْلَهُ الشَّهْرَ طَلُقَتْ بِمُسْتَهَلِّ ذِي الْقَعْدَةِ، وَإِنْ أَرَادَ الْيَوْمَ بِاللَّيْلَةِ بَعْدَهُ فَفِي أَوَّلِ الْيَوْمِ الثَّانِي مِنْ شَوَّالٍ، فَإِنْ لَمْ يُرِدْ اللَّيْلَةَ فَالْقِيَاسُ أَنَّهَا تَطْلُقُ بِغُرُوبِ شَمْسِ أَوَّلِ شَوَّالٍ، وَلَوْ عَلَّقَ بِالطَّلَاقِ أَفْضَلَ الْأَوْقَاتِ طَلُقَتْ لَيْلَةَ الْقَدْرِ، وَقَضِيَّةُ مَا مَرَّ فِي الصَّوْمِ أَنَّهَا تَطْلُقُ أَوَّلَ آخِرِ لَيْلَةٍ مِنْ الْعَشْرِ الْأَخِيرِ أَوْ بِأَفْضَلَ الْأَيَّامِ طَلُقَتْ يَوْمَ عَرَفَةَ أَوْ بِأَفْضَلِ أَيَّامِ الْأُسْبُوعِ طَلُقَتْ يَوْمَ الْجُمُعَةِ إنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ يَوْمُ عَرَفَةَ أَوْ بِأَفْضَلِ الشُّهُورِ طَلُقَتْ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ؛ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «سَيِّدُ الشُّهُورِ رَمَضَانُ» .

ثُمَّ شَرَعَ الْمُصَنِّفُ فِي أَدَوَاتِ التَّعْلِيقِ وَبَيَانِ حُكْمِهَا إثْبَاتًا وَنَفْيًا.
فَقَالَ (وَأَدَوَاتُ التَّعْلِيقِ) وَذَكَرَ مِنْهَا سَبْعَةً وَهِيَ (مَنْ)

كَمَنْ دَخَلَتْ، وَإِنْ وَإِذَا، وَمَتَى، وَمَتَى مَا وَكُلَّمَا وَأَيُّ كَأَيِّ وَقْتٍ دَخَلْت، وَلَا يَقْتَضِينَ فَوْرًا إنْ عُلِّقَ بِإِثْبَاتٍ فِي غَيْرِ خُلْعٍ إلَّا أَنْتِ طَالِقٌ إنْ شِئْت، وَلَا تَكْرَارًا إلَّا كُلَّمَا، وَلَوْ قَالَ إذَا طَلَّقْتُك فَأَنْتِ طَالِقٌ ثُمَّ طَلَّقَ

أَوْ عَلَّقَ بِصِفَةٍ فَوُجِدَتْ فَطَلْقَتَانِ،

[مغني المحتاج]

بِفَتْحِ الْمِيمِ (كَمَنْ دَخَلَتْ) مِنْ نِسَائِي الدَّارَ فَهِيَ طَالِقٌ (وَإِنْ) وَهِيَ أُمُّ الْبَابِ وَكَانَ يَنْبَغِي تَقْدِيمُهَا نَحْوُ إنْ دَخَلْت الدَّارَ فَأَنْتِ طَالِقٌ (وَإِذَا وَمَتَى وَمَتَى مَا) بِزِيَادَةِ مَا (وَكُلَّمَا) دَخَلَتْ الدَّارَ وَاحِدَةٌ مِنْ نِسَائِي فَهِيَ طَالِقٌ (وَأَيُّ كَأَيِّ وَقْتٍ دَخَلْت) الدَّارَ فَأَنْتِ طَالِقٌ، وَيُضَافُ لِهَذِهِ السَّبْعَةَ عَشَرَ أَدَوَاتٌ أُخْرَى، وَهِيَ إذْمَا عَلَى رَأْيِ سِيبَوَيْهِ وَمَهْمَا وَهِيَ بِمَعْنَى مَا وَمَا الشَّرْطِيَّةُ وَإِذْمَا وَأَيَّامَا كَلِمَةً وَأَيَّانَ وَهِيَ كَمَتَى فِي تَعْمِيمِ الْأَزْمَانِ، وَأَيْنَ وَحَيْثُمَا لِتَعْمِيمِ الْأَمْكِنَةِ، وَكَيْفَمَا لِلتَّعْلِيقِ عَلَى الْأَحْوَالِ.
تَنْبِيهٌ: فِي فَتَاوَى الْغَزَالِيِّ أَنَّ التَّعْلِيقَ يَكُونُ بِلَا فِي بَلَدٍ عَمَّ الْعُرْفُ فِيهَا كَقَوْلِ أَهْلِ بَغْدَاد: أَنْتِ طَالِقٌ لَا دَخَلْت الدَّارَ، وَيَكُونُ التَّعْلِيقُ أَيْضًا بَلْو كَأَنْتِ طَالِقٌ لَوْ دَخَلْت الدَّارَ كَمَا قَالَهُ الْمَاوَرْدِيُّ (وَ) هَذِهِ الْأَدَوَاتُ (لَا يَقْتَضِينَ) بِالْوَضْعِ (فَوْرًا) فِي الْمُعَلَّقِ عَلَيْهِ وَلَا تَرَاخِيًا (إنْ عُلِّقَ بِإِثْبَاتٍ) أَيْ بِمُثْبَتٍ كَالدُّخُولِ فِيمَا ذُكِرَ (فِي غَيْرِ خُلْعٍ) أَمَّا فِيهِ فَإِنَّهَا تُفِيدُ الْفَوْرِيَّةَ فِي بَعْضِ صِيَغِهِ كَإِنْ وَإِذَا: كَإِنْ ضَمِنْت، أَوْ إذَا ضَمِنْت لِي مَالًا فَأَنْتِ طَالِقٌ كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْخُلْعِ، بِخِلَافِ مَتَى وَمَتَى مَا وَأَيْ فَلَا يَقْتَضِينَ فَوْرًا، وَلَيْسَ اقْتِضَاءُ الْفَوْرِيَّةِ فِيهِ مِنْ وَضْعِ الصِّيغَةِ بَلْ إنَّ الْمُعَاوَضَةَ تَقْتَضِي ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْقَبُولَ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ غَيْرَ مُتَرَاخٍ عَنْ الْإِيجَابِ، ثُمَّ اسْتَثْنَى مِنْ اقْتِضَاءِ الْأَدَوَاتِ الْفَوْرِيَّةِ مَا تَضَمَّنَهُ قَوْلُهُ (إلَّا) فِي التَّعْلِيقِ بِالْمَشِيئَةِ نَحْوُ (أَنْتِ طَالِقٌ إنْ) أَوْ إذَا (شِئْت) فَإِنَّهُ يُعْتَبَرُ الْفَوْرُ فِي الْمَشِيئَةِ؛ لِأَنَّهُ تَمْلِيكٌ عَلَى الصَّحِيحِ، بِخِلَافِ مَتَى شِئْت، وَاحْتَرَزَ بِقَوْلِهِ عَلَّقَ بِإِثْبَاتٍ عَمَّا إذَا عَلَّقَ بِنَفْيٍ وَسَيَذْكُرُهُ (وَ) الْأَدَوَاتُ الْمَذْكُورَةُ (لَا) تَقْتَضِي أَيْضًا بِالْوَضْعِ (تَكْرَارًا) فِي الْمُعَلَّقِ عَلَيْهِ، بَلْ إذَا وُجِدَ مَرَّةً وَاحِدَةً فِي غَيْرِ نِسْيَانٍ وَلَا إكْرَاهٍ انْحَلَّتْ الْيَمِينُ وَلَمْ يُؤَثِّرْ وُجُودُهَا ثَانِيًا؛ لِأَنَّ إنْ تَدُلُّ عَلَى مُجَرَّدِ الْفِعْلِ الَّذِي بَعْدَهَا وَكَذَا أَسْمَاءُ الشُّرُوطِ.
تَنْبِيهٌ: شَمِلَ إطْلَاقُ الْمُصَنِّفِ مَا لَوْ قَيَّدَ بِالْأَبَدِ كَقَوْلِهِ: خَرَجْت أَبَدَ الْآبِدِينَ فَأَنْتِ طَالِقٌ، وَبِهِ صَرَّحَ الرَّافِعِيُّ فِي كِتَابِ الْأَيْمَانِ وَقَالَ: لَمْ يَلْزَمْهُ التَّكْرَارُ أَيْضًا، بَلْ مَعْنَاهُ فِي أَيِّ وَقْتٍ (إلَّا) فِي (كُلَّمَا) فَإِنَّ التَّعْلِيقَ بِهَا يَقْتَضِي التَّكْرَارَ فِي الْمُعَلَّقِ عَلَيْهِ بِالْوَضْعِ وَالِاسْتِعْمَالِ، وَسَيَأْتِي التَّعْلِيقُ بِالنَّفْيِ.
ثُمَّ أَشَارَ الْمُصَنِّفُ إلَى قَاعِدَةِ أَنَّ تَعْلِيقَ الطَّلَاقِ مَعَ وُجُودِ الصِّفَةِ تَطْلِيقٌ جَزْمًا كَالتَّنْجِيزِ وَإِيقَاعٌ فِي الْأَصَحِّ (وَ) ذَلِكَ كَمَا (لَوْ قَالَ) . لِمَدْخُولٍ بِهَا يَمْلِكُ عَلَيْهَا أَكْثَرَ مِنْ طَلْقَةٍ كَمَا يُشِيرُ إلَيْهِ قَوْلُهُ بَعْدُ فَثَلَاثٌ فِي مَمْسُوسَةٍ، وَلَوْ ذُكِرَ التَّقْيِيدُ هُنَا لِيُفْهَمَ مِنْهُ التَّقْيِيدُ فِي الْآتِي لَكَانَ أَوْلَى (إذَا طَلَّقْتُك) أَوْ أَوْقَعْت عَلَيْك طَلَاقِي، أَوْ وَقَعَ مِنْ بَابِ أَوْلَى (فَأَنْتِ طَالِقٌ ثُمَّ) بَعْدَ هَذَا التَّعْلِيقِ (طَلَّقَ) أَيْ نَجَّزَ طَلَاقَهَا بِنَفْسِهِ كَمَا جَزَمَ بِهِ الْمَاوَرْدِيُّ مَجَّانًا بِصَرِيحٍ أَوْ كِنَايَةٍ مَعَ نِيَّةٍ.

(أَوْ عَلَّقَ) طَلَاقَهَا (بِصِفَةٍ) كَإِنْ دَخَلْت الدَّارَ فَأَنْتِ طَالِقٌ (فَوُجِدَتْ فَطَلْقَتَانِ) وَاحِدَةٌ بِتَطْلِيقِهَا مُنَجِّزًا أَوْ

أَوْ كُلَّمَا وَقَعَ طَلَاقِي فَطَلَّقَ فَثَلَاثٌ فِي مَمْسُوسَةٍ وَفِي غَيْرِهَا، طَلْقَةٌ.

وَلَوْ قَالَ وَتَحْتَهُ أَرْبَعٌ إنْ طَلَّقْت وَاحِدَةً فَعَبْدٌ حُرٌّ، وَإِنْ ثِنْتَيْنِ فَعَبْدَانِ، وَإِنْ ثَلَاثًا فَثَلَاثَةٌ، وَإِنْ أَرْبَعًا فَأَرْبَعَةٌ فَطَلَّقَ أَرْبَعًا مَعًا أَوْ مُرَتِّبًا عَتَقَ عَشَرَةً،

[مغني المحتاج]

التَّعْلِيقِ بِصِفَةٍ وُجِدَتْ وَأُخْرَى بِالتَّعْلِيقِ بِهِ، فَإِنْ قَالَ: أَرَدْت أَنَّهَا تَصِيرُ مُطَلَّقَةً بِتِلْكَ الطَّلْقَةِ لَمْ يُقْبَلْ ظَاهِرًا وَيُدَيَّنُ لِاحْتِمَالِ مَا قَالَهُ، فَإِنْ وَكَّلَ فِي طَلَاقِهَا فَطَلَّقَ وَكِيلُهُ لَمْ تَطْلُقْ إلَّا بِطَلْقَةِ الْوَكِيلِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُطَلِّقْهَا هُوَ، وَإِنْ خَالَعَهَا أَوْ كَانَتْ غَيْرَ مَدْخُولٍ بِهَا لَمْ تَقَعْ الثَّانِيَةُ؛ لِأَنَّهَا قَدْ بَانَتْ بِالْأُولَى وَتَنْحَلُّ الْيَمِينُ، وَلَوْ قَالَ لَهَا: مَلَّكْتُك طَلَاقَك فَطَلَّقَتْ نَفْسَهَا فَهَلْ هُوَ كَطَلَاقِ الْوَكِيلِ فَلَا يَقَعُ إلَّا طَلْقَتُهَا؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُطَلِّقْهَا بِنَفْسِهِ، أَوْ كَطَلَاقِ نَفْسِهِ فَيَقَعُ الطَّلْقَةُ الْمُعَلَّقَةُ أَيْضًا، رَجَّحَ الْمَاوَرْدِيُّ الثَّانِي.
وَاسْتُشْكِلَ بِالتَّعْلِيلِ الْمُتَقَدِّمِ.
وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْوَكِيلَ يُشْتَرَطُ فِيهِ أَهْلِيَّتُهُ لِمَا وُكِّلَ فِيهِ فَكَانَ مُسْتَقِلًّا، وَالْمَرْأَةُ لَا أَهْلِيَّةَ فِيهَا فَكَانَ الْمُفَوِّضُ هُوَ الْمُطَلِّقَ.
تَنْبِيهٌ: أَفْهَمَ قَوْلُهُ ثُمَّ طَلَّقَ أَوْ عَلَّقَ اشْتِرَاطَ تَأْخِيرِ التَّعْلِيقِ، فَلَوْ عَلَّقَ طَلَاقَهَا أَوَّلًا بِصِفَةٍ ثُمَّ قَالَ: إذَا طَلَّقْتُك فَأَنْتِ طَالِقٌ فَوُجِدَتْ الصِّفَةُ لَمْ يَقَعْ الطَّلَاقُ الْمُعَلَّقُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُحْدِثْ بَعْدَ تَعْلِيقِ طَلَاقِهَا شَيْئًا؛ لِأَنَّ وُجُودَ الصِّفَةِ وُقُوعٌ لَا تَطْلِيقٌ وَلَا إيقَاعٌ، وَالتَّعْلِيقُ مَعَ وُجُودِ الصِّفَةِ تَطْلِيقٌ وَإِيقَاعٌ.
أَمَّا مُجَرَّدُ التَّعْلِيقِ فَلَيْسَ بِتَطْلِيقٍ وَلَا إيقَاعٍ وَلَا وُقُوعٍ.
ثُمَّ أَشَارَ الْمُصَنِّفُ إلَى التَّعْلِيقِ بِالْوُقُوعِ لِوُجُودِ الصِّفَةِ فَقَطْ، فَإِنَّهُ وُقُوعٌ لَا إيقَاعٌ كَمَا مَرَّ بِقَوْلِهِ (أَوْ كُلَّمَا وَقَعَ) عَلَيْك (طَلَاقِي) فَأَنْتِ طَالِقٌ (فَطَلَّقَ) بَعْدَ هَذَا التَّعْلِيقِ طَلْقَةً (فَثَلَاثٌ) تَقَعُ (فِي مَمْسُوسَةٍ) وَمُسْتَدْخِلَةٍ مَاءَهُ الْمُحْتَرَمَ حِينَ وُجُودِ الصِّفَةِ لِاقْتِضَاءِ كُلَّمَا التَّكْرَارَ وَاحِدَةٌ بِالتَّنْجِيزِ وَثِنْتَانِ بِالتَّعْلِيقِ بِكُلَّمَا وَاحِدَةٌ بِوُقُوعِ الْمُنَجَّزِ وَأُخْرَى بِوُقُوعِ هَذِهِ الْوَاحِدَةِ (وَفِي غَيْرِهَا) أَيْ غَيْرِ الْمَمْسُوسَةِ (طَلْقَةٌ) لِأَنَّهَا تَبِينُ بِالْمُنَجَّزَةِ فَلَا يَقَعُ الْمُعَلَّقُ بَعْدَهَا.
تَنْبِيهٌ: خَرَجَ بِقَوْلِهِ كُلَّمَا وَقَعَ مَا لَوْ قَالَ: كُلَّمَا طَلَّقْتُك فَأَنْتِ طَالِقٌ، ثُمَّ طَلَّقَ فَثِنْتَانِ فَقَطْ، الْمُنَجَّزَةُ، وَأُخْرَى بِحُصُولِ التَّعْلِيقِ الْمُعَلَّقِ.
وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْإِيقَاعِ وَالْوُقُوعِ أَنَّ الْأَوَّلَ يَرْجِعُ لِلزَّوْجِ وَالثَّانِيَ لِلشَّرْعِ؛ لِأَنَّ الزَّوْجَ لَوْ أَرَادَ تَعْجِيلَ الْمُعَلَّقِ بِصِفَةٍ لَمْ يَمْلِكْ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ يُغَيِّرُ حُكْمًا ثَابِتًا بِالشَّرْعِ.

(وَلَوْ) عَلَّقَ بِإِنْ أَوْ غَيْرِهَا مِمَّا لَا يَقْتَضِي التَّكْرَارَ كَأَنْ (قَالَ) مَنْ لَهُ عَبِيدٌ (وَتَحْتَهُ) نِسْوَةٌ (أَرْبَعٌ: إنْ) أَوْ مَتَى أَوْ مَهْمَا أَوْ إذَا (طَلَّقْت وَاحِدَةً) مِنْهُنَّ (فَعَبْدٌ) مِنْهُمْ (حُرٌّ، وَإِنْ) طَلَّقْت (ثِنْتَيْنِ) مِنْهُنَّ (فَعَبْدَانِ) مِنْهُمْ حُرَّانِ (وَإِنْ) طَلَّقْت (ثَلَاثًا) مِنْهُنَّ (فَثَلَاثَةٌ) مِنْهُمْ أَحْرَارٌ (وَإِنْ) طَلَّقْت (أَرْبَعًا) مِنْهُنَّ (فَأَرْبَعَةٌ) مِنْهُمْ أَحْرَارٌ (فَطَلَّقَ أَرْبَعًا مَعًا أَوْ مُرَتِّبًا عَتَقَ عَشَرَةٌ) مِنْهُمْ مُبْهَمَةٌ وَعَلَيْهِ تَعْيِينُهُمْ؛ لِأَنَّهُ بِطَلَاقِ الْأُولَى يَعْتِقُ وَاحِدٌ وَاثْنَانِ بِطَلَاقِ الثَّانِيَةِ، وَثَلَاثَةٌ بِطَلَاقِ الثَّالِثَةِ، وَأَرْبَعَةٌ بِطَلَاقِ الرَّابِعَةِ، وَمَجْمُوعُ ذَلِكَ عَشَرَةٌ.
تَنْبِيهٌ: أَشْعَرَ تَقْرِيرُهُ الْمَسْأَلَةَ بِالْعَطْفِ بِالْوَاوِ أَنَّهُ قَيْدٌ وَهُوَ كَذَلِكَ، فَلَوْ عَطَفَ الزَّوْجُ بِثُمَّ لَمْ يَضُمَّ

وَلَوْ عَلَّقَ بِكُلَّمَا فَخَمْسَةَ عَشَرَ عَلَى الصَّحِيحِ.

وَلَوْ عَلَّقَ بِنَفْيِ فِعْلٍ فَالْمَذْهَبُ أَنَّهُ إنْ عَلَّقَ بِإِنْ كَإِنْ لَمْ تَدْخُلِي وَقَعَ عِنْدَ الْيَأْسِ مِنْ الدُّخُولِ،

[مغني المحتاج]

الْأَوَّلَ لِلثَّانِي لِلْفَصْلِ بِثُمَّ فَلَا يَعْتِقُ بِطَلَاقِ الثَّانِيَةِ وَالرَّابِعَةِ شَيْءٌ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُطَلِّقْ بَعْدَ الْأُولَى ثِنْتَيْنِ وَلَا بَعْدَ الثَّالِثَةِ أَرْبَعًا، وَيَعْتِقُ بِطَلَاقِ الثَّالِثَةِ اثْنَانِ، فَمَجْمُوعِ الْعُتَقَاءِ ثَلَاثَةٌ، ذَكَرَ ذَلِكَ الْإِسْنَوِيُّ.
ثُمَّ قَالَ: وَيُتَّجَهُ أَنْ تَكُونَ الْفَاءُ كَثُمَّ، وَظَاهِرٌ كَمَا قَالَ شَيْخُنَا أَنَّ مَا قَالَهُ فِيهِمَا يَأْتِي فِي طَلَاقِهِنَّ مُرَتَّبًا، فَلَوْ طَلَّقَهُنَّ مَعًا عَتَقَ عَبْدٌ وَاحِدٌ (وَلَوْ عَلَّقَ بِكُلَّمَا) كَقَوْلِ مَنْ لَهُ عَبِيدٌ وَتَحْتَهُ نِسْوَةٌ: كُلَّمَا طَلَّقْت وَاحِدَةً مِنْ نِسَائِي الْأَرْبَعِ فَعَبْدٌ مِنْ عَبِيدِي حُرٌّ، وَهَكَذَا إلَى آخِرِ التَّعْلِيقَاتِ الْأَرْبَعَةِ ثُمَّ طَلَّقَ النِّسْوَةَ الْأَرْبَعَ مَعًا أَوْ مُرَتِّبًا (فَخَمْسَةَ عَشَرَ) عَبْدًا يَعْتِقُونَ عَلَيْهِ (عَلَى الصَّحِيحِ) لِأَنَّهَا تَقْتَضِي التَّكْرَارَ كَمَا مَرَّ، وَالْقَاعِدَةُ فِي ذَلِكَ أَنَّ مَا عُدَّ مَرَّةً بِاعْتِبَارٍ لَا يُعَدُّ أُخْرَى بِذَلِكَ الِاعْتِبَارِ، فَمَا عُدَّ فِي يَمِينِ الثَّانِيَةِ ثَانِيَةً لَا يُعَدُّ بَعْدَهَا أُخْرَى ثَانِيَةً، وَمَا عُدَّ فِي يَمِينِ الثَّالِثَةِ ثَالِثَةً لَا يُعَدُّ بَعْدَهَا ثَالِثَةً فَيَعْتِقُ وَاحِدٌ بِطَلَاقِ الْأُولَى وَثَلَاثَةٌ بِطَلَاقِ الثَّانِيَةِ؛ لِأَنَّهُ صَدَقَ عَلَيْهِ طَلَاقُ وَاحِدَةٍ وَطَلَاقُ ثِنْتَيْنِ، وَأَرْبَعَةٌ بِطَلَاقِ الثَّالِثَةِ؛ لِأَنَّهُ صَدَقَ عَلَيْهِ طَلَاقُ وَاحِدَةٍ، وَطَلَاقُ ثَلَاثٍ وَسَبْعَةٍ بِطَلَاقِ الرَّابِعَةِ؛ لِأَنَّهُ صَدَقَ عَلَيْهِ طَلَاقُ وَاحِدَةٍ، وَطَلَاقُ اثْنَتَيْنِ غَيْرِ الْأُولَيَيْنِ، وَطَلَاقُ أَرْبَعَةٍ فَالْمَجْمُوعُ خَمْسَةَ عَشَرَ، وَإِنْ شِئْت قُلْت: إنَّمَا عَتَقَ خَمْسَةَ عَشَرَ؛ لِأَنَّ فِيهَا أَرْبَعَةَ آحَادٍ وَاثْنَتَيْنِ مَرَّتَيْنِ وَثَلَاثَةً وَأَرْبَعَةً.
وَالثَّانِي يُعْتِقُ سَبْعَةَ عَشَرَ؛ لِأَنَّ فِي طَلَاقِ الثَّالِثَةِ وَرَاءَ الصِّفَتَيْنِ الْمَذْكُورَتَيْنِ صِفَةٌ أُخْرَى وَهِيَ طَلَاقُ اثْنَتَيْنِ بَعْدَ الْأُولَى فَيَعْتِقُ عَبْدَانِ آخَرَانِ.
وَالثَّالِثُ: يَعْتِقُ عِشْرُونَ؛ سَبْعَةَ عَشَرَ لِمَا ذُكِرَ وَثَلَاثَةٌ لِأَنَّ فِي طَلَاقِ الرَّابِعَةِ صِفَةٌ أُخْرَى وَرَاءَ الصِّفَاتِ الثَّلَاثِ، وَهِيَ طَلَاقُ ثَلَاثٍ بَعْدَ الْأُولَى.
وَالرَّابِعُ يَعْتِقُ ثَلَاثَةَ عَشَرَ، وَسَوَاءٌ أَتَى بِكُلَّمَا فِي التَّعْلِيقَاتِ كُلِّهَا أَمْ فِي الثَّلَاثَةِ الْأُوَلِ، أَمْ فِي الْأُولَيَيْنِ، إذْ لَا تَكْرَارَ فِي الْأَخِيرَيْنِ، وَإِنَّمَا صَوَّرَهَا الْأَصْحَابُ بِالْإِتْيَانِ بِهَا فِي الْكُلِّ لِيَتَأَتَّى مَجِيءُ الْأَوْجُهِ كُلِّهَا الَّتِي مِنْهَا أَنَّهُ يَعْتِقُ عِشْرُونَ.
لَكِنْ يَكْفِي فِي ذَلِكَ الْإِتْيَانُ بِهَا فِي الثَّلَاثَةِ الْأُوَلِ كَمَا قَالَهُ ابْنُ النَّقِيبِ، لَوْ أَتَى بِهَا فِي الْأَوَّلِ وَحْدَهُ أَوْ مَعَ الْأَخِيرَيْنِ عَتَقَ ثَلَاثَةَ عَشَرَ، أَوْ فِي الثَّانِي وَحْدَهُ أَوْ مَعَ الْأَخِيرَيْنِ فَاثْنَا عَشَرَ.
تَنْبِيهٌ: تَعْيِينُ الْعَبِيدِ الْمَحْكُومِ بِعِتْقِهِمْ إلَيْهِ.
قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: أَطْلَقُوا ذَلِكَ وَيَجِبُ أَنْ يُعَيِّنَ مَا يُعْتِقُ بِالْوَاحِدَةِ وَبِالثِّنْتَيْنِ وَبِالثَّلَاثِ وَبِالْأَرْبَعِ فَإِنَّ فَائِدَةَ ذَلِكَ تَظْهَرُ فِي الْأَكْسَابِ إذَا طَلَّقَ مُرَتِّبًا لَا سِيَّمَا مَعَ التَّبَاعُدِ وَكَأَنَّهُمْ سَكَتُوا عَنْ ذَلِكَ لِوُضُوحِهِ.

فَرْعٌ: لَوْ قَالَ: كُلَّمَا صَلَّيْت رَكْعَةً فَعَبْدٌ مِنْ عَبِيدِي حُرٌّ، وَهَكَذَا إلَى الْعَشَرَةِ فَصَلَّى عَشْرًا عَتَقَ سَبْعَةٌ وَثَمَانُونَ عَبْدًا، وَإِنْ عَلَّقَ بِإِنْ وَنَحْوِهَا فَخَمْسَةٌ وَخَمْسُونَ، وَجَمِيعُ أَدَوَاتِ التَّعْلِيقِ بِالنَّفْيِ مُقْتَضِيَةٌ لِلْفَوْرِ إلَّا فِي كَلِمَةِ إنْ فَلِلتَّرَاخِي كَمَا يُشِيرُ إلَيْهِ قَوْلُهُ.

(وَلَوْ عَلَّقَ) الطَّلَاقَ (بِنَفْيِ فِعْلٍ) كَدُخُولٍ، أَوْ نَفْيِ تَطْلِيقٍ، أَوْ ضَرْبٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ (فَالْمَذْهَبُ أَنَّهُ إنْ عَلَّقَ بِإِنْ كَإِنْ لَمْ تَدْخُلِي) الدَّارَ فَأَنْتِ طَالِقٌ (وَقَعَ) الطَّلَاقُ (عِنْدَ الْيَأْسِ مِنْ الدُّخُولِ) لِلدَّارِ، وَذَلِكَ بِأَنْ يَمُوتَ

أَوْ بِغَيْرِهَا فَعِنْدَ مُضِيِّ زَمَنٍ يُمْكِنُ فِيهِ ذَلِكَ الْفِعْلُ

[مغني المحتاج]

أَحَدُهُمَا، أَوْ يُجَنَّ الزَّوْجُ جُنُونًا مُتَّصِلَا بِمَوْتِهِ فَيَقَعَ قُبَيْلَ الْمَوْتِ أَوْ الْجُنُونِ بِحَيْثُ لَا يَبْقَى زَمَنٌ يُمْكِنُهُ أَنْ يُطَلِّقَهَا فِيهِ لِانْتِفَاءِ التَّكْلِيفِ بِكُلٍّ مِنْهُمَا، وَإِنَّمَا لَمْ يَحْصُلْ الْيَأْسُ بِمُجَرَّدِ جُنُونِهِ لِاحْتِمَالِ الْإِفَاقَةِ وَالتَّطْلِيقِ بَعْدَهَا، وَكَالْجُنُونِ وَالْإِغْمَاءِ وَالْخَرَسِ الَّذِي لَا كِنَايَةَ لِصَاحِبِهِ وَلَا إشَارَةَ مُفْهِمَةٌ.
قَالَ الْإِسْنَوِيُّ: وَالتَّعْبِيرُ بِقُبَيْلَ غَيْرُ مُحَرَّرٍ، وَالصَّوَابُ وُقُوعُهُ إذَا بَقِيَ مَا لَا يَسَعُ التَّطْلِيقَ، نَبَّهَ عَلَيْهِ الْمَاوَرْدِيُّ وَالرُّويَانِيُّ، فَإِنْ فَسَخَ النِّكَاحَ أَوْ انْفَسَخَ أَوْ طَلَّقَهَا وَكِيلُهُ وَمَاتَ أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ قَبْلَ تَجْدِيدِ النِّكَاحِ أَوْ الرَّجْعَةِ أَوْ بَعْدَهُ وَلَمْ يُطَلِّقْ تَبَيَّنَ وُقُوعُهُ قُبَيْلَ الِانْفِسَاخِ إنْ كَانَ الطَّلَاقُ الْمُعَلَّقُ رَجْعِيًّا، إذْ لَا يُمْكِنُ وُقُوعُهُ قُبَيْلَ الْمَوْتِ لِفَوَاتِ الْمَحَلِّ بِالِانْفِسَاخِ إنْ لَمْ يُجَدَّدْ وَعَدَمِ عَوْدِ الْحِنْثِ إنْ جُدِّدَ وَلَمْ يُطَلِّقْ فَتَعَيَّنَ وُقُوعُهُ قَبْلَ الِانْفِسَاخِ، فَإِنْ كَانَ الطَّلَاقُ بَائِنًا لَمْ يَقَعْ قُبَيْلَ الِانْفِسَاخِ؛ لِأَنَّ الْبَيْنُونَةَ تَمْنَعُ الِانْفِسَاخَ فَيَقَعُ الدَّوْرُ، إذْ لَوْ وَقَعَ الطَّلَاقُ لَمْ يَقَعْ الِانْفِسَاخُ فَلَمْ يَحْصُلْ الْيَأْسُ فَلَمْ يَقَعْ الطَّلَاقُ، فَإِنْ طَلَّقَهَا بَعْدَ تَجْدِيدِ النِّكَاحِ، أَوْ عَلَّقَ بِنَفْيِ فِعْلٍ غَيْرِ التَّطْلِيقِ كَالضَّرْبِ فَضَرَبَهَا وَهُوَ مَجْنُونٌ أَوْ وَهِيَ مُطَلَّقَةٌ انْحَلَّتْ الْيَمِينُ، أَمَّا فِي الْأُولَى فَلِأَنَّ الْبِرَّ لَا يَخْتَصُّ بِحَالِ النِّكَاحِ، وَلِهَذَا تَنْحَلُّ الْيَمِينُ بِوُجُودِ الصِّفَةِ حَالَ الْبَيْنُونَةِ، وَأَمَّا الثَّانِي فَلِأَنَّ ضَرْبَ الْمَجْنُونِ فِي تَحَقُّقِ الصِّفَةِ وَنَحْوِهَا كَضَرْبِ الْعَاقِلِ، وَالضَّرْبُ حَالَ الْبَيْنُونَةِ مُمْكِنٌ بِخِلَافِ الطَّلَاقِ، وَمُقْتَضَى كَلَامِ الشَّيْخَيْنِ حِينَئِذٍ عَدَمُ الْوُقُوعِ وَإِنْ صَرَّحَ فِي الْوَسِيطِ بِأَنَّهُ يَقَعُ قُبَيْلَ الْبَيْنُونَةِ (أَوْ) عَلَّقَ الطَّلَاقَ (بِغَيْرِهَا) أَيْ إنْ كَإِذَا (فَعِنْدَ مُضِيِّ زَمَنٍ يُمْكِنُ فِيهِ ذَلِكَ الْفِعْلُ) الْمُعَلَّقُ عَلَيْهِ مِنْ وَقْتِ التَّعْلِيقِ وَلَمْ يَفْعَلْ وَقَعَ الطَّلَاقُ، هَذَا هُوَ الْمَنْصُوصُ فِي صُورَتَيْ إنْ وَإِذَا، وَالْفَرْقُ أَنَّ إنْ حَرْفُ شَرْطٍ لَا إشْعَارَ لَهَا بِالزَّمَانِ، وَإِذَا ظَرْفُ زَمَانٍ كَمَتَى فِي التَّنَاوُلِ لِلْأَوْقَاتِ بِدَلِيلِ أَنَّهُ إذَا قِيلَ: مَتَى أَلْقَاك صَحَّ أَنْ يَقُولَ إذَا أَوْ مَتَى شِئْت أَوْ نَحْوَهُمَا، وَلَا يَصِحُّ إنْ شِئْت، فَقَوْلُهُ: إنْ لَمْ أُطَلِّقْك مَعْنَاهُ إنْ فَاتَنِي تَطْلِيقُك وَفَوَاتُهُ بِالْيَأْسِ، وَقَوْلُهُ: إذَا لَمْ أُطَلِّقْك مَعْنَاهُ أَيْ وَقْتٌ فَاتَنِي فِيهِ التَّطْلِيقُ وَفَوَاتُهُ بِمُضِيِّ زَمَنٍ يَتَأَتَّى فِيهِ التَّطْلِيقُ وَلَمْ يُطَلِّقْ، وَالطَّرِيقُ الثَّانِي فِي كُلٍّ مِنْ الصُّورَتَيْنِ قَوْلَانِ بِتَخْرِيجِ قَوْلٍ مِنْ كُلٍّ مِنْهُمَا إلَى الْأُخْرَى.
أَمَّا غَيْرُ إنْ وَإِذَا مِنْ الْأَدَوَاتِ كَمَتَى وَمَتَى مَا فَلِلْفَوْرِ قَطْعًا كَمَا يُفْهِمُهُ إطْلَاقُ الْمُصَنِّفِ.
فَإِنْ قَالَ: أَرَدْت بِإِذَا مَعْنَى إنْ قُبِلَ بَاطِنًا وَكَذَا ظَاهِرًا؛ لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا قَدْ يَقُومُ مَقَامَ الْآخَرِ، وَإِنْ أَرَادَ بِإِنْ مَعْنَى إذَا قُبِلَ ظَاهِرًا؛ لِأَنَّهُ غَلَّظَ عَلَى نَفْسِهِ، وَإِنْ أَرَادَ بِغَيْرِ إنْ وَقْتًا مُعَيَّنًا قَرِيبًا أَوْ بَعِيدًا دِينَ لِاحْتِمَالِ مَا أَرَادَ فَإِنْ قِيلَ: قَدْ قُلْتُمْ إنَّهُ إذَا أَرَادَ بِإِذَا مَعْنَى إنْ أَنَّهُ يُقْبَلُ ظَاهِرًا، وَهُنَا لَيْسَ كَذَلِكَ.
أُجِيبَ بِأَنَّهُ ثُمَّ أَرَادَ بِلَفْظِ مَعْنَى لَفْظَ آخَرَ بَيْنَهُمَا اجْتِمَاعٌ فِي الشَّرْطِيَّةِ بِخِلَافِهِ هُنَا.

فَرْعٌ: لَوْ قَالَ: إنْ لَمْ أُطَلِّقْك الْيَوْمَ فَأَنْتِ طَالِقٌ فَمَضَى الْيَوْمُ وَلَمْ يُطَلِّقْهَا طَلُقَتْ قُبَيْلَ الْغُرُوبِ لِحُصُولِ الْيَأْسِ حِينَئِذٍ، وَلَوْ قَالَ: إنْ تَرَكْت طَلَاقَك أَوْ إنْ سَكَتُّ عَنْهُ فَأَنْتِ طَالِقٌ اُشْتُرِطَ الْفَوْرُ، فَإِنْ لَمْ يُطَلِّقْهَا فِي الْحَالِ طَلُقَتْ لِوُجُودِ، الصِّفَةِ، بِخِلَافِ مَا إذَا نَفَاهُمَا، فَقَالَ: إنْ لَمْ

وَلَوْ قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ إنْ دَخَلْتِ أَوْ أَنْ لَمْ تَدْخُلِي بِفَتْحِ أَنْ وَقَعَ فِي الْحَالِ.
قُلْت: إلَّا فِي غَيْرِ نَحْوِيٍّ فَتَعْلِيقٌ فِي الْأَصَحِّ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

[مغني المحتاج]

أَتْرُكْ طَلَاقَك أَوْ إنْ لَمْ أَسْكُتْ عَنْهُ فَأَنْتِ طَالِقٌ فَلَا يَقْتَضِي الْفَوْرَ كَمَا عُلِمَ مِمَّا مَرَّ، فَإِنْ طَلَّقَ فَوْرًا وَاحِدَةً ثُمَّ سَكَتَ انْحَلَّتْ يَمِينُ التَّرْكِ فَلَا يَقَعُ أُخْرَى؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَتْرُكْ طَلَاقَهَا، وَلَا تَنْحَلُّ يَمِينُ السُّكُوتِ فَتَقَعُ أُخْرَى لِسُكُوتِهِ وَانْحَلَّتْ يَمِينُهُ، وَالْفَرْقُ أَنَّهُ عَلَّقَ فِي الْأُولَى عَلَى التَّرْكِ وَلَمْ يُوجَدْ، وَفِي الثَّانِيَةِ عَلَى السُّكُوتِ وَقَدْ وُجِدَ، إذْ يَصْدُقُ عَلَيْهِ أَنْ يُقَالَ سَكَتَ عَنْ طَلَاقِهَا وَإِنْ لَمْ يَسْكُتْ أَوَّلًا، وَلَا يَصِحُّ أَنْ يُقَالَ: تَرَكَ طَلَاقَهَا إذَا لَمْ يَتْرُكْهُ أَوَّلًا، وَلَوْ كَانَ التَّعْلِيقُ الْمَذْكُورُ بِصِيغَةِ كُلَّمَا فَمَضَى قَدْرُ مَا يَسَعُ ثَلَاثَ تَطْلِيقَاتٍ مُتَفَرِّقَاتٍ بِلَا تَطْلِيقٍ طَلُقَتْ ثَلَاثًا إنْ لَمْ تَبِنْ بِالْأُولَى، وَإِلَّا فَتَطْلُقُ وَاحِدَةً فَقَطْ، وَحِينَ أَوْ حَيْثُ أَوْ مَهْمَا أَوْ كُلَّمَا لَمْ أُطَلِّقْك كَقَوْلِهِ: إذَا لَمْ أُطَلِّقْك فِيمَا مَرَّ.

(وَلَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ إنْ دَخَلْت) الدَّارَ (أَوْ أَنْ لَمْ تَدْخُلِي) بِفَتْحِ هَمْزَةِ (أَنْ وَقَعَ فِي الْحَالِ) دَخَلَتْ أَمْ لَا؛ لِأَنَّ أَنْ الْمَفْتُوحَةَ لِلتَّعْلِيلِ؛ لِأَنَّ التَّقْدِيرَ لَأَنْ دَخَلْت، وَحَذْفُ اللَّامِ مَعَ أَنْ كَثِيرٌ، قَالَ تَعَالَى: ﴿أَنْ كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ﴾ [القلم: 14] قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: وَمَحَلُّ كَوْنِهَا لِلتَّعْلِيلِ فِي غَيْرِ التَّوْقِيتِ، فَإِنْ كَانَ فِيهِ فَلَا كَمَا لَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ إنْ 78 دَخَلَتْ السُّنَّةُ أَوْ الْبِدْعَةُ لِأَنَّ ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ لَأَنْ جَاءَتْ، وَاللَّامُ فِي مِثْلِهِ لِلتَّوْقِيتِ: كَقَوْلِهِ: أَنْتِ طَالِقٌ لِلسُّنَّةِ أَوْ لِلْبِدْعَةِ، وَهَذَا مُتَعَيِّنٌ وَإِنْ سَكَتُوا عَنْهُ اهـ. . وَمَا قَالَهُ فِي لَأَنْ جَاءَتْ مَمْنُوعٌ.
قَالَ شَيْخُنَا: وَلَئِنْ سَلِمَ فَلَهُمْ أَنْ يَمْنَعُوا ذَلِكَ فِي إنْ جَاءَتْ.
فَإِنَّ الْمُقَدَّرَ لَيْسَ فِي قُوَّةِ الْمَلْفُوظِ مُطْلَقًا (قُلْت: إلَّا فِي غَيْرِ نَحْوِيٍّ فَتَعْلِيقٌ فِي الْأَصَحِّ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ) فَلَا تَطْلُقُ حَتَّى تُوجَدَ الصِّفَةُ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ قَصْدُهُ لَهُ، وَهُوَ لَا يُمَيِّزُ بَيْنَ الْأَدَوَاتِ، وَالثَّانِي يَقَعُ حَالًا؛ لِأَنَّ هَذَا مُقْتَضَى اللَّفْظِ فَلَا يُغَيَّرُ بِلَا قَصْدٍ.

تَنْبِيهٌ: لَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ إذْ دَخَلْت الدَّارَ طَلُقَتْ فِي الْحَالِ؛ لِأَنَّ إذْ لِلتَّعْلِيلِ أَيْضًا، فَإِنْ كَانَ الْقَائِلُ لَا يُمَيِّزُ بَيْنَ إذْ وَإِذَا فَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ الْحُكْمُ كَمَا لَوْ لَمْ يُمَيِّزْ بَيْنَ إنْ وَأَنْ، وَهَذَا مَا نَقَلَهُ صَاحِبُ الذَّخَائِرِ عَنْ الشَّيْخِ أَبِي حَامِدٍ الشِّيرَازِيِّ وَهُوَ ظَاهِرٌ، وَلَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ أَنْ شَاءَ اللَّهُ بِالْفَتْحِ، أَوْ إذْ شَاءَ اللَّهُ، أَوْ مَا شَاءَ اللَّهُ وَقَعَ فِي الْحَالِ طَلْقَةٌ وَاحِدَةٌ؛ لِأَنَّ الْأَوَّلَيْنِ لِلتَّعْلِيلِ، وَالْوَاحِدَةُ هِيَ الْيَقِينُ فِي الثَّالِثِ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ النَّحْوِيِّ وَغَيْرِهِ كَمَا صَرَّحَ فِي الرَّوْضَةِ بِتَصْحِيحِهِ هُنَا، وَجَرَى عَلَى ذَلِكَ ابْنُ الْمُقْرِي.
فَإِنْ قِيلَ: كَانَ يَنْبَغِي التَّسْوِيَةُ بَيْنَ أَنْ دَخَلْت الدَّارَ وَبَيْنَ أَنْ شَاءَ اللَّهُ بِفَتْحِ هَمْزَةِ أَنْ فِيهِمَا كَمَا قِيلَ بِهِ.
. أُجِيبَ بِأَنَّ حَمْلَ إنْ شَاءَ اللَّهُ عَلَى التَّعْلِيقِ يُؤَدِّي إلَى رَفْعِ الطَّلَاقِ أَصْلًا، بِخِلَافِ إنْ دَخَلْتِ الدَّارَ وَأَيْضًا الْمَشِيئَةُ لَا يُغَلَّبُ فِيهَا التَّعْلِيقُ فَعِنْدَ الْفَتْحِ تَنْصَرِفُ لِلتَّعْلِيلِ مُطْلَقًا بِخِلَافِ الْأَوَّلِ فَإِنَّهُ يُغَلَّبُ فِيهِ التَّعْلِيقُ فَعِنْدَ الْفَتْحِ يُفَرَّقُ بَيْنَ الْعَالِمِ بِالْعَرَبِيَّةِ وَغَيْرِهِ، وَلَوْ قَالَ نَحْوِيٌّ: أَنْتِ طَالِقٌ أَنْ طَلَّقْتُك بِالْفَتْحِ طَلُقَتْ فِي الْحَالِ طَلْقَتَيْنِ: إحْدَاهَا بِإِقْرَارِهِ وَالْأُخْرَى بِإِيقَاعِهِ فِي الْحَالِ؛ لِأَنَّ الْمَعْنَى أَنْتِ طَالِقٌ لِأَنِّي طَلَّقْتُك، وَلَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ طَالِقًا لَمْ يَقَعْ عَلَيْهِ شَيْءٌ حَتَّى يُطَلِّقَهَا فَتَطْلُقُ حِينَئِذٍ طَلْقَتَيْنِ، وَالتَّقْدِيرُ: إذَا صِرْت مُطَلَّقَةً فَأَنْتِ طَالِقٌ، هَذَا إنْ لَمْ تَبِنْ بِالطَّلْقَةِ الْمُنَجَّزَةِ وَإِلَّا فَلَا يَقَعُ غَيْرُهَا، وَالْأَصَحُّ فِي الرَّوْضَةِ

فَصْلٌ عَلَّقَ بِحَمْلٍ فَإِنْ كَانَ حَمْلٌ ظَاهِرٌ وَقَعَ، وَإِلَّا فَإِنْ وَلَدَتْ لِدُونِ سِتَّةِ أَشْهُرٍ مِنْ التَّعْلِيقِ بَانَ وُقُوعُهُ، أَوْ لِأَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعِ سِنِينَ أَوْ بَيْنَهُمَا وَوُطِئَتْ وَأَمْكَنَ حُدُوثُهُ بِهِ فَلَا، وَإِلَّا فَالْأَصَحُّ وُقُوعُهُ.

[مغني المحتاج]

كَأَصْلِهَا هُنَا فِي اعْتِرَاضِ الشَّرْطِ عَلَى الشَّرْطِ كَإِنْ أَكَلْت إنْ شَرِبْت فَأَنْتِ طَالِقٌ تَأَخَّرَ الْمُتَقَدِّمُ مِنْهُمَا فَلَا تَطْلُقُ فِي هَذَا الْمِثَالِ حَتَّى يَتَقَدَّمَ شُرْبُهَا عَلَى أَكْلِهَا؛ لِأَنَّ الثَّانِيَ قَيْدٌ فِي الْأَوَّلِ، وَالْمُرَادُ بِتَقَدُّمِهِ عَدَمُ تَأْخِيرِهِ، وَمُقَابِلُ الْأَصَحِّ رَجَّحَهُ فِي الرَّوْضَةِ كَأَصْلِهَا فِي بَابِ التَّدْبِيرِ.

[فَصْلٌ فِي تَعْلِيقُ الطَّلَاقِ بِالْحَمْلِ وَالْحَيْضِ وَغَيْرِهِمَا]

، إذَا (عَلَّقَ) الطَّلَاقَ (بِحَمْلٍ) كَقَوْلِهِ: إنْ كُنْتِ حَامِلًا فَأَنْتِ طَالِقٌ (فَإِنْ كَانَ) بِهَا (حَمْلٌ ظَاهِرٌ وَقَعَ) الطَّلَاقُ فِي الْحَالِ لِوُجُودِ الشَّرْطِ.
تَنْبِيهٌ: الْمُرَادُ بِظُهُورِ الْحَمْلِ أَنْ تَدَّعِيَهُ الزَّوْجَةُ وَيُصَدِّقَهَا الزَّوْجُ عَلَى ذَلِكَ أَوْ يَشْهَدَ بِهِ رَجُلَانِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْحَمْلَ يُعْلَمُ لَا بِقَوْلِ أَرْبَعِ نِسْوَةٍ؛ لِأَنَّ الطَّلَاقَ لَا يَقَعُ بِذَلِكَ كَمَا لَوْ شَهِدْنَ بِوِلَادَةِ امْرَأَةٍ فَإِنَّهُ يَثْبُتُ النَّسَبُ، وَلَا يَقَعُ الطَّلَاقُ الْمُعَلَّقُ عَلَى الْوِلَادَةِ بِقَوْلِهِنَّ: نَبَّهَ عَلَى ذَلِكَ الْوَلِيُّ الْعِرَاقِيُّ (وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا حَمْلٌ ظَاهِرٌ لَمْ يَقَعْ حَالًا وَيُنْظَرُ حِينَئِذٍ (فَإِنْ وَلَدَتْ) وَلَدًا كَامِلًا (لِدُونِ سِتَّةِ أَشْهُرٍ مِنْ) حِينِ (التَّعْلِيقِ بَانَ وُقُوعُهُ) حِينَئِذٍ لِوُجُودِ الْحَمْلِ حِينَ التَّعْلِيقِ، إذْ لَا يُمْكِنُ أَنْ يَأْتِيَ بِهِ كَامِلًا لِأَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ.
أَمَّا إذَا أَلْقَتْ لِدُونِهَا عَلَقَةً أَوْ مُضْغَةً يُمْكِنُ حُدُوثُهَا بَعْدَ التَّعْلِيقِ فَلَا يَقَعُ عَلَيْهِ شَيْءٌ (أَوْ) وَلَدَتْ (لِأَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعِ سِنِينَ) مِنْ التَّعْلِيقِ (أَوْ بَيْنَهُمَا) أَيْ السِّتَّةِ أَشْهُرٍ وَالْأَرْبَعِ سِنِينَ (وَوُطِئَتْ) بَعْدَ التَّعْلِيقِ (وَأَمْكَنَ حُدُوثُهُ) أَيْ الْحَمْلِ (بِهِ) أَيْ الْوَطْءِ بِأَنْ كَانَ بَيْنَ الْوَطْءِ وَالْوَضْعِ سِتَّةُ أَشْهُرٍ فَأَكْثَرُ (فَلَا) يَقَعُ بِالتَّعْلِيقِ طَلَاقٌ لِلْعِلْمِ بِعَدَمِ وُجُودِهِ عِنْدَ التَّعْلِيقِ فِي الصُّورَةِ الْأُولَى؛ لِأَنَّ الْحَمْلَ لَا يَكُونُ أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعِ سِنِينَ وَلِجَوَازِ حُدُوثِهِ فِي الصُّورَةِ الثَّانِيَةِ مِنْ الْوَطْءِ اسْتِصْحَابُ أَصْلِ دَوَامِ النِّكَاحِ.
وَلَا فَرْقَ فِي الصُّورَةِ الْأُولَى بَيْنَ أَنْ يَطَأَ أَمْ لَا، وَالتَّمَتُّعُ بِالْوَطْءِ وَغَيْرِهِ فِيهِمَا جَائِزٌ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الْحَمْلِ وَبَقَاءُ النِّكَاحِ، وَلَكِنْ يُسَنُّ لَهُ اجْتِنَابُهَا حَتَّى يَسْتَبْرِئَهَا احْتِيَاطًا، فَلَوْ وَطِئَهَا قَبْلَ الِاسْتِبْرَاءِ أَوْ بَعْدَهُ وَبَانَتْ حَامِلًا كَانَ شُبْهَةً، وَالِاسْتِبْرَاءُ هُنَا كَمَا فِي الْأَمَةِ، فَيَكُونُ بِحَيْضَةٍ أَوْ بِشَهْرٍ، وَقِيلَ: التَّعْلِيقُ كَافٍ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودُ مَعْرِفَةُ حَالِهَا فِي الْحَمْلِ (وَإِلَّا) بِأَنْ لَمْ تُوطَأْ أَصْلًا بَعْدَ التَّعْلِيقِ أَوْ وُطِئَتْ بَعْدَهُ مِنْ زَوْجٍ أَوْ شُبْهَةٍ أَوْ زِنًا وَلَمْ يُمْكِنْ حُدُوثُ حَمْلٍ مِنْ ذَلِكَ الْوَطْءِ بِأَنْ كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْوَضْعِ دُونَ سِتَّةِ أَشْهُرٍ (فَالْأَصَحُّ وُقُوعُهُ) لِتَبَيُّنِ الْحَمْلِ ظَاهِرًا، وَلِهَذَا حُكِمَ بِثُبُوتِ النَّسَبِ، وَالثَّانِي: لَا يَقَعُ؛ لِاحْتِمَالِ حُدُوثِ الْحَمْلِ بَعْدَ التَّعْلِيقِ بِاسْتِدْخَالِهَا مَنِيَّهُ، وَالْأَصْلُ بَقَاءُ النِّكَاحِ.
تَنْبِيهٌ: لَوْ لَمْ يَظْهَرْ حَمْلٌ وَلَكِنْ ادَّعَتْهُ الْمَرْأَةُ وَصَدَّقَهَا الزَّوْجُ، فَفِي فَتَاوَى الْقَفَّالِ: يَقَعُ فِي الْحَالِ، وَلَوْ قَالَ: إنْ كُنْتِ حَامِلًا أَوْ إنْ لَمْ تَكُونِي حَامِلًا فَأَنْتِ طَالِقٌ وَهِيَ مِمَّنْ تَحْبَلُ حَرُمَ وَطْؤُهَا

وَإِنْ قَالَ إنْ كُنْت حَامِلًا بِذَكَرٍ فَطَلْقَةً أَوْ أُنْثَى فَطَلْقَتَيْنِ فَوَلَدَتْهُمَا وَقَعَ ثَلَاثٌ.

أَوْ إنْ كَانَ حَمْلُك ذَكَرًا فَطَلْقَةً أَوْ أُنْثَى فَطَلْقَتَيْنِ فَوَلَدَتْهُمَا لَمْ يَقَعْ شَيْءٌ أَوْ

إنْ وَلَدْت فَأَنْتِ طَالِقٌ

[مغني المحتاج]

قَبْلَ الِاسْتِبْرَاءِ لِأَنَّ الْأَصْلَ وَالْغَالِبَ فِي النِّسَاءِ الْحِيَالُ، وَالْفَرَاغُ مِنْ الِاسْتِبْرَاءِ مُوجِبٌ لِلْحُكْمِ بِالطَّلَاقِ لِظَاهِرِ الْحَالِ فَتَحْسِبُ الْحَيْضَةَ أَوْ الشَّهْرَ مِنْ الْعِدَّةِ الَّتِي وَجَبَتْ بِالطَّلَاقِ فَتُتِمُّهَا، وَلَا يُحْسَبُ مِنْهَا الِاسْتِبْرَاءُ قَبْلَ التَّعْلِيقِ لِتَقَدُّمِهِ عَلَى مُوجِبِهَا، فَإِنْ وَلَدَتْ وَلَوْ بَعْدَ الِاسْتِبْرَاءِ لَمْ تَطْلُقْ إنْ وَلَدَتْ لِدُونِ سِتَّةِ أَشْهُرٍ أَوْ لِدُونِ أَرْبَعِ سِنِينَ وَلَمْ تُوطَأْ لِتَبَيُّنِ أَنَّهَا كَانَتْ، حَامِلًا عِنْدَ التَّعْلِيقِ، لَا إنْ وُطِئَتْ وَطْئًا يُمْكِنُ كَوْنُهُ مِنْهُ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ حِيَالُهَا حِينَئِذٍ وَحُدُوثُ الْوَلَدِ مِنْ هَذَا الْوَطْءِ وَلَا إنْ وَلَدَتْ لِأَرْبَعِ سِنِينَ فَأَكْثَرَ مِنْ التَّعْلِيقِ لِتَحَقُّقِ الْحِيَالِ عِنْدَهُ، فَإِنْ وَطِئَهَا قَبْلَ الِاسْتِبْرَاءِ أَوْ بَعْدَهُ وَبَانَتْ الْمُطَلَّقَةُ مِنْهُ لَزِمَهُ الْمَهْرُ لَا الْحَدُّ لِلشُّبْهَةِ، أَمَّا إذَا لَمْ تَكُنْ مِمَّنْ تَحْبَلُ، كَأَنْ كَانَتْ صَغِيرَةً أَوْ آيِسَةً فَتَطْلُقُ فِي الْحَالِ، وَلَوْ قَالَ: إنْ أَحْبَلْتك فَأَنْتِ طَالِقٌ فَالتَّعْلِيقُ بِمَا يَحْدُثُ مِنْ الْحَمْلِ، فَلَوْ كَانَتْ، حَامِلًا لَمْ تَطْلُقْ بَلْ يَتَوَقَّفْ طَلَاقُهَا عَلَى حَمْلٍ حَادِثٍ، فَإِنْ وَضَعَتْ أَوْ كَانَتْ، حَائِلًا لَمْ يُمْنَعْ مِنْ الْوَطْءِ، وَكُلَّمَا وَطِئَ وَجَبَ اسْتِبْرَاؤُهَا.
فَإِنْ قِيلَ: تَقَدَّمَ قَرِيبًا أَنَّهُ لَا يَجِبُ اسْتِبْرَاؤُهَا بَلْ يُسَنُّ.
أُجِيبَ بِأَنَّ مَا تَقَدَّمَ فِيمَا إذَا كَانَ قَبْلَ الْوَطْءِ، وَهَذَا فِيمَا بَعْدَهُ.

(وَإِنْ قَالَ: إنْ كُنْت حَامِلًا بِذَكَرٍ) أَوْ إنْ كَانَ فِي بَطْنِك ذَكَرٌ (فَطَلْقَةً) بِالنَّصْبِ أَيْ فَأَنْتِ طَالِقٌ طَلْقَةً (أَوْ أُنْثَى فَطَلْقَتَيْنِ فَوَلَدَتْهُمَا) مَعًا أَوْ مُرَتَّبًا وَكَانَ بَيْنَهُمَا دُونَ سِتَّةِ أَشْهُرٍ (وَقَعَ ثَلَاثٌ) لِتَحَقُّقِ الصِّفَتَيْنِ وَإِنْ وَلَدَتْ أَحَدَهُمَا وَقَعَ الْمُعَلَّقُ بِهِ، وَإِنْ وَلَدَتْ خُنْثَى وَقَعَ طَلْقَةٌ فِي الْحَالِ؛ لِأَنَّهَا مُحَقَّقَةٌ وَتُوقَفُ الثَّانِيَةُ إلَى بَيَانِ حَالِهِ وَتَنْقَضِي الْعِدَّةُ فِي جَمِيعِ هَذِهِ الصُّوَرِ بِالْوِلَادَةِ وَيَكُونُ الْوُقُوعُ مِنْ اللَّفْظِ، وَإِنْ وَلَدَتْ أُنْثَى وَخُنْثَى فَطَلْقَتَانِ وَتُوقَفُ الثَّالِثَةُ حَتَّى يَتَبَيَّنَ حَالُ الْخُنْثَى وَتَنْقَضِيَ الْعِدَّةُ بِالْوِلَادَةِ لِوُقُوعِ الطَّلَاقِ مِنْ حِينِ اللَّفْظِ كَمَا مَرَّ.
تَنْبِيهٌ: مَا ذُكِرَ مِنْ التَّعْلِيقِ يَقْتَضِي أَنَّهَا إذَا وَلَدَتْ لِدُونِ سِتَّةِ أَشْهُرٍ وَكَانَ الْحَمْلُ حِينَ الْحَلِفِ عَلَقَةً أَوْ مُضْغَةً أَنَّهُ يَقَعُ الطَّلَاقُ مَعَ كَوْنِ الْحَمْلِ إذْ ذَاكَ لَا يُوصَفُ بِكَوْنِهِ ذَكَرًا وَلَا أُنْثَى.
قَالَ فِي الْمَطْلَبِ: فَإِنْ تُخُيِّلَ فِي الْجَوَابِ عَنْهُ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَجْرَى عَلَيْهِ حُكْمَ الذَّكَرِ وَالْأُنْثَى فِي قَوْلِهِ: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ﴾ [النساء: 11] : فَالْيَمِينُ لَا يَنْزِلُ عَلَى ذَلِكَ كَمَا ذَكَرُوهُ فِي الْأَيْمَانِ.
وَقَالَ الزَّرْكَشِيُّ: قَدْ يُقَالُ: إنَّهُ كَانَ ذَكَرًا أَوْ أُنْثَى مِنْ حِينِ وُقُوعِ النُّطْفَةِ فِي الرَّحِمِ وَبِالتَّخْطِيطِ ظَهَرَ ذَلِكَ اهـ. وَأَوْ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ هُنَا وَفِيمَا بَعْدُ بِمَعْنَى الْوَاوِ، وَلَوْ عَبَّرَ بِهَا كَانَ أَوْلَى؛ لِأَنَّ الْكَلَامَ فِي الْجَمْعِ بَيْنَ تَعْلِيقَيْنِ.

(أَوْ) قَالَ (إنْ كَانَ حَمْلُك) أَوْ مَا فِي بَطْنِك (ذَكَرًا فَطَلْقَةً) أَيْ فَأَنْتِ طَالِقٌ طَلْقَةً (أَوْ أُنْثَى فَطَلْقَتَيْنِ فَوَلَدَتْهُمَا لَمْ يَقَعْ شَيْءٌ) لِأَنَّ قَضِيَّةَ اللَّفْظِ كَوْنُ جَمِيعِ الْحَمْلِ ذَكَرًا أَوْ أُنْثَى وَلَمْ يُوجَدْ، فَلَوْ وَلَدَتْ ذَكَرَيْنِ أَوْ أُنْثَيَيْنِ فَكَذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى فَيَقَعُ بِالذَّكَرِ طَلْقَةٌ وَبِالْأُنْثَى طَلْقَتَانِ؛ لِأَنَّ مَعْنَى ذَلِكَ إنْ كَانَ حَمْلُك أَوْ مَا فِي بَطْنِك مِنْ هَذَا الْجِنْسِ، وَإِنْ وَلَدَتْ خُنْثَى وَذَكَرًا وُقِفَ الْحُكْمُ فَإِنْ بَانَ الْخُنْثَى ذَكَرًا فَوَاحِدَةً أَوْ أُنْثَى لَمْ يَقَعْ شَيْءٌ، وَإِنْ وَلَدَتْ خُنْثَى وَأُنْثَى وُقِفَ الْحُكْمُ كَمَا مَرَّ، فَإِنْ بَانَ الْخُنْثَى أُنْثَى فَطَلْقَتَانِ أَوْ ذَكَرًا لَمْ يَقَعْ شَيْءٌ (أَوْ) قَالَ.

(إنْ وَلَدْت فَأَنْتِ طَالِقٌ) طَلُقَتْ

فَوَلَدَتْ اثْنَيْنِ مُرَتَّبًا طَلُقَتْ بِالْأَوَّلِ، وَانْقَضَتْ عِدَّتُهَا بِالثَّانِي.

وَإِنْ قَالَ كُلَّمَا وَلَدْت فَوَلَدَتْ ثَلَاثَةً مِنْ حَمْلٍ وَقَعَ بِالْأَوَّلَيْنِ طَلْقَتَانِ وَانْقَضَتْ بِالثَّالِثِ، وَلَا يَقَعُ بِهِ ثَالِثَةٌ عَلَى الصَّحِيحِ.

وَلَوْ قَالَ لِأَرْبَعٍ كُلَّمَا وَلَدَتْ وَاحِدَةٌ فَصَوَاحِبُهَا طَوَالِقُ فَوَلَدْنَ مَعًا طَلُقْنَ ثَلَاثًا ثَلَاثًا أَوْ مُرَتَّبًا طَلُقَتْ الرَّابِعَةُ ثَلَاثًا، وَكَذَا الْأُولَى إنْ

[مغني المحتاج]

بِانْفِصَالِ مَا تَمَّ تَصْوِيرُهُ وَلَوْ مَيِّتًا وَسَقْطًا، بِخِلَافِ مَا لَمْ يَتِمَّ، فَإِنْ مَاتَ أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ قَبْلَ خُرُوجِهِ وَلَوْ بَعْدَ خُرُوجِ بَعْضِهِ لَمْ يُطَلَّقْ؛ لِأَنَّ الْوِلَادَةَ لَمْ تُوجَدْ حَالَ الزَّوْجِيَّةِ وَإِذَا كَانَ التَّعْلِيقُ بِالْوِلَادَةِ (فَوَلَدَتْ اثْنَيْنِ مُرَتَّبًا طَلُقَتْ بِالْأَوَّلِ) مِنْهُمَا لِوُجُودِ الصِّفَةِ (وَانْقَضَتْ عِدَّتُهَا بِالثَّانِي) إنْ لَحِقَ الزَّوْجُ وَلَا يَقَعُ بِهِ طَلَاقٌ، سَوَاءٌ أَكَانَ مِنْ حَمْلِ الْأَوَّلِ بِأَنْ كَانَ بَيْنَ وَضْعِهِمَا دُونَ سِتَّةِ أَشْهُرٍ أَمْ مِنْ حَمْلٍ آخَرَ بِأَنْ وَطِئَهَا بَعْدَ وِلَادَةِ الْأَوَّلِ وَأَتَتْ بِالثَّانِي لِأَرْبَعِ سِنِينَ فَأَقَلَّ، وَخَرَجَ بِمُرَتَّبًا مَا لَوْ وَلَدَتْهُمَا مَعًا فَإِنَّهَا وَإِنْ طَلُقَتْ وَاحِدَةً لَا تَنْقَضِي الْعِدَّةُ بِهِمَا وَلَا بِوَاحِدٍ مِنْهُمَا، بَلْ تَشْرَعُ فِي الْعِدَّةِ مِنْ وَضْعِهِمَا.

فَرْعٌ: لَوْ قَالَ: إنْ وَلَدْت ذَكَرًا فَطَلْقَةٌ أَوْ أُنْثَى فَثِنْتَانِ فَوَلَدَتْهُمَا مَعًا فَثَلَاثٌ، وَإِنْ وَلَدَتْ ذَكَرَيْنِ فَوَاحِدَةً، أَوْ قَالَ: إنْ وَلَدْت ذَكَرًا فَطَلْقَتَيْنِ فَوَلَدَتْ ذَكَرًا فَثَلَاثٌ أَوْ خُنْثَى فَوَاحِدَةً، فَإِنْ اتَّضَحَ حُكِمَ بِمُقْتَضَاهُ.

(وَإِنْ قَالَ: كُلَّمَا وَلَدْت) وَلَدًا فَأَنْتِ طَالِقٌ (فَوَلَدَتْ ثَلَاثَةً مِنْ حَمْلٍ) مُرَتَّبًا (وَقَعَ بِالْأَوَّلَيْنِ طَلْقَتَانِ) لِاقْتِضَاءِ كُلَّمَا التَّكْرَارَ (وَانْقَضَتْ) عِدَّتُهَا (بِالثَّالِثِ) لِتَبَيُّنِ بَرَاءَةِ الرَّحِمِ (وَلَا يَقَعُ بِهِ ثَالِثَةٌ عَلَى الصَّحِيحِ) الْمَنْصُوصِ، إذْ بِهِ يَتِمُّ انْفِصَالُ الْحَمْلِ الَّذِي تَنْقَضِي بِهِ الْعِدَّةُ فَلَا يُقَارِنُهُ طَلَاقٌ، وَلِهَذَا لَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ مَعَ مَوْتِي لَمْ يَقَعْ إذَا مَاتَ؛ لِأَنَّهُ وَقْتُ انْتِهَاءِ النِّكَاحِ أَوْ قَالَ لِغَيْرِ مَوْطُوءَةٍ إذَا طَلَّقْتُك فَأَنْتِ طَالِقٌ فَطَلَّقَ لَمْ يَقَعْ أُخْرَى لِمُصَادَفَتِهَا الْبَيْنُونَةَ، وَالثَّانِي: يَقَعُ بِهِ طَلْقَةٌ ثَالِثَةٌ وَتَعْتَدُّ بَعْدَهُ بِالْأَقْرَاءِ.
أَمَّا إذَا وَلَدَتْهُمْ مَعًا فَإِنَّهَا تَطْلُقُ ثَلَاثًا إنْ نَوَى وَلَدًا وَإِلَّا فَوَاحِدَةً كَمَا قَالَهُ شَيْخُنَا فِي شَرْحِ مَنْهَجِهِ وَتَعْتَدُّ بِالْأَقْرَاءِ، فَإِنْ وَلَدَتْ أَرْبَعًا مُرَتَّبًا وَقَعَ ثَلَاثٌ بِوِلَادَةِ ثَلَاثٍ وَتَنْقَضِي عِدَّتُهَا بِالرَّابِعِ، أَوْ وَلَدَتْ اثْنَيْنِ وَقَعَ طَلْقَةٌ وَتَنْقَضِي عِدَّتُهَا بِالثَّانِي وَلَا يَقَعُ بِهِ ثَانِيَةً لِمَا مَرَّ.

(وَلَوْ قَالَ لِأَرْبَعِ) حَوَامِلَ مِنْهُ (كُلَّمَا وَلَدَتْ وَاحِدَةٌ) مِنْكُنَّ أَوْ أَيَّتُكُنَّ وَلَدَتْ (فَصَوَاحِبُهَا طَوَالِقُ فَوَلَدْنَ مَعًا طَلُقْنَ) أَيْ وَقَعَ الطَّلَاقُ عَلَى كُلِّ وَاحِدَةٍ (ثَلَاثًا ثَلَاثًا) لِأَنَّ لِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ ثَلَاثَ صَوَاحِبَ فَيَقَعُ بِوِلَادَتِهَا عَلَى كُلٍّ مِنْ الثَّلَاثِ طَلْقَةٌ، وَلَا يَقَعُ بِهَا نَفْسِهَا شَيْءٌ وَعِدَّتُهُنَّ جَمِيعًا بِالْأَقْرَاءِ أَوْ الْأَشْهُرِ، وَصَوَاحِبُ جَمْعُ صَاحِبَةٍ كَضَوَارِبَ جَمْعُ ضَارِبَةٍ.
تَنْبِيهٌ: تَصْوِيرُهُ بِكُلَّمَا تَبِعَ فِيهِ الْمُحَرَّرَ وَالرَّوْضَةَ، وَهُوَ يُوهِمُ اشْتِرَاطَ أَدَاةِ التَّكْرَارِ.
قَالَ ابْنُ النَّقِيبِ: وَلَيْسَ كَذَلِكَ فَإِنَّ التَّعْلِيقَ بِإِنْ كَذَلِكَ، فَلَوْ مَثَّلَ بِهَا كَانَ أَحْسَنَ، وَقَوْلُهُ: ثَلَاثًا الثَّانِي دَافِعٌ لِاحْتِمَالِ إرَادَةِ طَلَاقِ الْمَجْمُوعِ ثَلَاثًا (أَوْ) وَلَدْنَ (مُرَتَّبًا) بِحَيْثُ لَا تَنْقَضِي عِدَّةُ وَاحِدَةٍ بِأَقْرَائِهَا قَبْلَ وِلَادَةِ الْأُخْرَى (طَلُقَتْ الرَّابِعَةُ ثَلَاثًا) بِوِلَادَةِ كُلٍّ مِنْ صَوَاحِبِهَا الثَّلَاثِ طَلْقَةً إنْ بَقِيَتْ عِدَّتُهَا وَانْقَضَتْ بِوِلَادَتِهَا (وَكَذَا الْأُولَى) تَطْلُقُ أَيْضًا ثَلَاثًا بِوِلَادَةِ كُلٍّ مِنْ صَوَاحِبِهَا الثَّلَاثِ طَلْقَةً (إنْ

بَقِيَتْ عِدَّتُهَا، وَالثَّانِيَةُ طَلْقَةً، وَالثَّالِثَةُ طَلْقَتَيْنِ وَانْقَضَتْ عِدَّتُهُمَا بِوِلَادَتِهِمَا، وَقِيلَ لَا تَطْلُقُ الْأُولَى، وَتَطْلُقُ الْبَاقِيَاتُ طَلْقَةً طَلْقَةً، وَإِنْ وَلَدَتْ ثِنْتَانِ مَعًا ثُمَّ ثِنْتَانِ مَعًا طَلُقَتْ الْأُولَيَانِ ثَلَاثًا ثَلَاثًا، وَقِيلَ طَلْقَةً، وَالْأُخْرَيَانِ طَلْقَتَيْنِ طَلْقَتَيْنِ.

وَتُصَدَّقُ بِيَمِينِهَا فِي حَيْضِهَا إذَا عَلَّقَهُ بِهِ،

[مغني المحتاج]

بَقِيَتْ عِدَّتُهَا) عِنْدَ وِلَادَةِ الرَّابِعَةِ تَعْتَدُّ بِالْأَقْرَاءِ أَوْ الْأَشْهُرَ وَلَا تَسْتَأْنِفُ عِدَّةً لِلطَّلْقَةِ الثَّانِيَةِ وَالثَّالِثَةِ، بَلْ تَبْنِي عَلَى مَا مَضَى مِنْ عِدَّتِهَا (وَ) طَلُقَتْ (الثَّانِيَةُ طَلْقَةً) بِوِلَادَةِ الْأُولَى (وَ) طَلُقَتْ (الثَّالِثَةُ طَلْقَتَيْنِ) بِوِلَادَةِ الْأُولَى وَالثَّانِيَةُ (وَانْقَضَتْ عِدَّتُهُمَا بِوِلَادَتِهِمَا) فَلَا يَقَعُ عَلَيْهِمَا طَلَاقٌ بِوِلَادَةِ مَنْ بَعْدَهُمَا.
تَنْبِيهٌ: مَحَلُّ ذَلِكَ مَا إذَا لَمْ يَتَأَخَّرْ وَضْعُ ثَانِي تَوْأَمَيْهِمَا إلَى وِلَادَةِ الرَّابِعَةِ وَلَا طَلُقَتْ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا ثَلَاثًا ثَلَاثًا (وَقِيلَ لَا تَطْلُقُ الْأُولَى) أَصْلًا (وَتَطْلُقُ الْبَاقِيَاتُ طَلْقَةً طَلْقَةً) بِوِلَادَةِ الْأُولَى لِأَنَّهُنَّ صَوَاحِبُهَا عِنْدَ وِلَادَتِهَا لِاشْتِرَاكِ الْجَمِيعِ فِي الزَّوْجِيَّةِ حِينَئِذٍ، وَبِطَلَاقِهِنَّ انْقَضَتْ الصُّحْبَةُ بَيْنَ الْجَمِيعِ، فَلَا تُؤَثِّرُ وِلَادَتُهُنَّ فِي حَقِّ الْأُولَى وَلَا وِلَادَةُ بَعْضِهِنَّ فِي حَقِّ بَعْضٍ.
وَأَجَابَ الْأَوَّلُ بِأَنَّ الطَّلَاقَ الرَّجْعِيَّ لَا يَنْفِي الصُّحْبَةَ وَالزَّوْجِيَّةَ، فَإِنَّهُ لَوْ حَلَفَ بِطَلَاقِ نِسَائِهِ دَخَلَتْ الرَّجْعِيَّةُ فِيهِ (وَإِنْ وَلَدَتْ ثِنْتَانِ مَعًا ثُمَّ) وَلَدَتْ (ثِنْتَانِ مَعًا طَلُقَتْ الْأُولَيَانِ) بِضَمِّ الْهَمْزَةِ: أَيْ كُلٌّ مِنْهُمَا (ثَلَاثًا ثَلَاثًا) طَلْقَةً بِوِلَادَةِ مَنْ وَلَدَتْ مَعَهَا وَطَلْقَتَيْنِ بِوِلَادَةِ الْأُخْرَيَيْنِ وَعِدَّتُهُمَا بِالْأَقْرَاءِ (وَقِيلَ) طَلُقَتْ كُلٌّ مِنْهُمَا (طَلْقَةً) فَقَطْ بِوِلَادَةِ رَفِيقَتِهَا وَانْتَفَتْ الصُّحْبَةُ مِنْ حِينَئِذٍ (وَالْأُخْرَيَانِ) بِضَمِّ الْهَمْزَةِ: أَيْ كُلٌّ مِنْهُمَا (طَلْقَتَيْنِ طَلْقَتَيْنِ) بِوِلَادَةِ كُلِّ مِنْ الْأُولَيَيْنِ طَلْقَةً وَلَا يَقَعُ عَلَيْهِمَا بِوِلَادَةِ الْأُخْرَى شَيْءٌ، وَتَنْقَضِي عِدَّتُهُمَا بِوِلَادَتِهِمَا، وَلَوْ وَلَدَتْ ثَلَاثٌ مَعًا ثُمَّ الرَّابِعَةُ طَلُقَتْ كُلٌّ مِنْهُنَّ ثَلَاثًا ثَلَاثًا، وَإِنْ وَلَدَتْ وَاحِدَةٌ ثُمَّ ثَلَاثٌ مَعًا طَلُقَتْ الْأُولَى ثَلَاثًا وَكُلٌّ مِنْ الْبَاقِيَاتِ طَلْقَةً فَقَطْ وَإِنْ وَلَدَتْ ثِنْتَانِ مُرَتَّبًا ثُمَّ ثِنْتَانِ مَعًا طَلُقَتْ الْأُولَى ثَلَاثًا وَالثَّانِيَةُ طَلْقَةً وَالْأُخْرَيَانِ طَلْقَتَيْنِ طَلْقَتَيْنِ، وَإِنْ وَلَدَتْ ثِنْتَانِ مَعًا ثُمَّ ثِنْتَانِ مُرَتَّبًا طَلُقَ كُلٌّ مِنْ الْأُولَيَيْنِ وَالرَّابِعَةُ ثَلَاثًا وَالثَّالِثَةُ طَلْقَتَيْنِ، وَإِنْ وَلَدَتْ وَاحِدَةٌ ثُمَّ ثِنْتَانِ مَعًا ثُمَّ وَاحِدَةٌ طَلُقَ كُلٌّ مِنْ الْأُولَى وَالرَّابِعَةِ ثَلَاثًا وَكُلٌّ مِنْ الثَّانِيَةِ وَالثَّالِثَةِ طَلْقَةً وَتَبِينُ كُلٌّ مِنْهُمَا بِوِلَادَتِهِمَا.
تَنْبِيهٌ: مُحَصَّلُ مَا ذُكِرَ فِي الْمَتْنِ وَالشَّرْحِ ثَمَانِ صُوَرٍ، وَضَابِطُهَا أَنَّ إيقَاعَ الثَّلَاثِ عَلَى كُلِّ وَاحِدَةٍ هُوَ الْقَاعِدَةُ إلَّا مَنْ وَضَعَتْ عَقِبَ وَاحِدَةٍ فَقَطْ فَتَطْلُقُ طَلْقَةً فَقَطْ أَوْ عَقِبَ ثِنْتَيْنِ فَقَطْ فَتَطْلُقُ طَلْقَتَيْنِ فَقَطْ.

ثُمَّ شَرَعَ فِي التَّعْلِيقِ بِالْحَيْضِ فَقَالَ (وَ) لَوْ قَالَ لِزَوْجَتِهِ: إنْ حِضْت فَأَنْتِ طَالِقٌ طَلُقَتْ بِأَوَّلِ حَيْضِ مُقْبِلٍ، فَلَوْ عَلَّقَ فِي حَالِ حَيْضِهَا لَمْ تَطْلُقْ حَتَّى تَطْهُرَ ثُمَّ تَشْرَعَ فِي الْحَيْضِ، فَإِنْ انْقَطَعَ الدَّمُ قَبْلَ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ تَبَيَّنَ أَنَّ الطَّلَاقَ لَمْ يَقَعْ، أَوْ قَالَ: إنْ حِضْت حَيْضَةً فَأَنْتِ طَالِقٌ فَبِتَمَامِ حَيْضَةٍ مُقْبِلَةٍ؛ لِأَنَّهُ قَضِيَّةُ اللَّفْظِ، وَ (تُصَدَّقُ بِيَمِينِهَا فِي حَيْضِهَا) سَوَاءٌ وَافَقَ عَادَتَهَا أَمْ لَا (إذَا عَلَّقَهُ) أَيْ طَلَاقَهَا (بِهِ) أَيْ الْحَيْضِ وَقَالَتْ: حِضْت وَكَذَّبَهَا الزَّوْجُ لِأَنَّهَا أَعْرَفُ مِنْهُ، وَكَذَا

لَا فِي وِلَادَتِهَا فِي الْأَصَحِّ.
وَلَا تُصَدَّقُ فِيهِ فِي تَعْلِيقِ غَيْرِهَا.

وَلَوْ قَالَ إنْ حِضْتُمَا فَأَنْتُمَا طَالِقَتَانِ فَزَعَمَتَاهُ وَكَذَّبَهُمَا صُدِّقَ بِيَمِينِهِ وَلَمْ يَقَعْ،

[مغني المحتاج]

الْحُكْمُ فِيمَا لَا يُعْرَفُ إلَّا مِنْهَا كَالْحُبِّ وَالْبُغْضِ وَالنِّيَّةِ، وَإِنَّمَا حَلَفَتْ لِلتُّهْمَةِ؛ لِأَنَّهَا تَتَخَلَّصُ بِهِ مِنْ النِّكَاحِ، أَمَّا إذَا صَدَّقَهَا الزَّوْجُ فَلَا تَحْلِيفَ (لَا فِي وِلَادَتِهَا) إنْ عَلَّقَ الطَّلَاقَ بِهَا كَإِنْ وَلَدْت فَأَنْتِ طَالِقٌ، فَقَالَتْ: وَلَدْت وَكَذَّبَهَا الزَّوْجُ، وَقَالَ: هَذَا الْوَلَدُ مُسْتَعَارٌ مَثَلًا، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ (فِي الْأَصَحِّ) لِإِمْكَانِ إقَامَةِ الْبَيِّنَةِ عَلَيْهَا بِخِلَافِ الْحَيْضِ فَإِنَّهُ يَتَعَذَّرُ أَيْ يَتَعَسَّرُ إقَامَةُ الْبَيِّنَةِ عَلَيْهِ وَإِنْ شُوهِدَ الدَّمُ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ دَمَ اسْتِحَاضَةٍ، كَذَا قَالَهُ الرَّافِعِيُّ هُنَا، لَكِنَّ الْمَنْقُولَ فِي الشَّهَادَاتِ فِي الشَّرْحِ وَالرَّوْضَةِ الْجَزْمُ بِقَبُولِ الشَّهَادَةِ بِالْحَيْضِ، وَذَكَرَ الْمُصَنِّفِ فِي فَتَاوِيهِ أَنَّهُ لَا خِلَافَ فِيهِ، وَقَدْ يُقَالُ أَخْذًا مِمَّا يَأْتِي إنَّهُ لَا تَعَارُضَ، لِأَنَّ مَا هُنَا ثُبُوتُ حَيْضٍ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ طَلَاقٌ، وَذَلِكَ لَا يَثْبُتُ بِشَهَادَةِ النِّسْوَةِ بِالْحَيْضِ، وَمَا هُنَاكَ ثُبُوتُ حَيْضٍ بِشَهَادَةِ نِسْوَةٍ فَلَا تَعَارُضَ.
وَالثَّانِي وَعَلَيْهِ جَمْعٌ: تُصَدَّقُ بِيَمِينِهَا لِأَنَّهَا مُؤْتَمَنَةٌ فِي رَحِمِهَا حَيْضًا وَطُهْرًا أَوْ وَضْعَ حَمْلٍ فِي الْعِدَّةِ، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ﴾ [البقرة: 228] . تَنْبِيهٌ: مَحَلُّ الْخِلَافِ بِالنِّسْبَةِ إلَى الطَّلَاقِ الْمُعَلَّقِ بِهِ، أَمَّا فِي لُحُوقِ الْوَلَدِ بِهِ فَلَا تُصَدَّقُ قَطْعًا كَمَا نَقَلَهُ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ فِي شَرْحِ الْفُرُوعِ عَنْ الْأَصْحَابِ، بَلْ يُعْتَبَرُ تَصْدِيقُهُ أَوْ شَهَادَةُ أَرْبَعِ نِسْوَةٍ ثِقَاتٍ (وَلَا تُصَدَّقُ فِيهِ) أَيْ الْحَيْضِ (فِي تَعْلِيقِ) طَلَاقِ (غَيْرِهَا) عَلَى حَيْضِهَا كَإِنْ حِضْت فَضَرَّتُك طَالِقٌ، فَقَالَتْ: حِضْت وَكَذَّبَهَا الزَّوْجُ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ بِيَمِينِهِ؛ لِأَنَّهُ لَا سَبِيلَ إلَى تَصْدِيقِهَا بِغَيْرِ يَمِينٍ، وَإِذَا حَلَفَتْ لَزِمَ الْحُكْمُ لِلْإِنْسَانِ بِيَمِينِ غَيْرِهِ وَهُوَ مُمْتَنِعٌ.
تَنْبِيهٌ: اعْتَرَضَ عَلَى هَذَا ابْنُ الرِّفْعَةِ بِأَنَّ الْإِنْسَانَ يُقْبَلُ قَوْلُهُ فِيمَا لَا يُعْلَمُ إلَّا مِنْ جِهَتِهِ بِلَا يَمِينٍ وَيَقْضِي بِذَلِكَ عَلَى غَيْرِهِ كَمَا لَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ إنْ شَاءَ زَيْدٌ، فَقَالَ: شِئْت فَإِنَّهُ يُصَدَّقُ فِي ذَلِكَ بِغَيْرِ يَمِينٍ وَيَقَعُ الطَّلَاقُ اهـ. وَفَرَّقَ بَعْضُهُمْ بِإِمْكَانِ إقَامَةِ الْبَيِّنَةِ عَلَى الْحَيْضِ بِخِلَافِ الْمَشِيئَةِ، وَهَذَا الْفَرْقُ إنَّمَا يَأْتِي عَلَى الْقَوْلِ بِقَبُولِ الشَّهَادَةِ بِالْحَيْضِ، وَقَدْ مَرَّ الْكَلَامُ فِيهِ، وَأَيْضًا إقَامَةُ الْبَيِّنَةِ عَلَى الْمَشِيئَةِ مُمْكِنٌ، فَإِنَّ الْمَشِيئَةَ يُشْتَرَطُ فِيهَا اللَّفْظُ كَمَا سَيَأْتِي، فَهَذَا الْفَرْقُ مَمْنُوعٌ، وَالْإِشْكَالُ أَيْضًا مَمْنُوعٌ فَإِنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ تَصْدِيقِ الزَّوْجِ لَهُ أَوْ إقَامَةِ الْبَيِّنَةِ، فَقَوْلُهُ: قَدْ وَقَعَتْ مِنِّي الْمَشِيئَةُ، فَإِنْ لَمْ يُصَدِّقْهُ الزَّوْجُ وَلَمْ تَقُمْ بَيِّنَةٌ بِذَلِكَ لَمْ يَقَعْ بِهِ طَلَاقٌ.

(وَلَوْ) عَلَّقَ طَلَاقَ كُلٍّ مِنْ زَوْجَتَيْهِ بِحَيْضِهِمَا مَعًا كَأَنْ (قَالَ) لَهُمَا (إنْ حِضْتُمَا فَأَنْتُمَا طَالِقَتَانِ فَزَعَمَتَاهُ) أَيْ الْحَيْضَ وَصَدَّقَهُمَا الزَّوْجُ فِيهِ طَلُقَتَا لِوُجُودِ الصِّفَةِ الْمُعَلَّقِ عَلَيْهَا بِاعْتِرَافِهِ (وَ) إنْ (كَذَّبَهُمَا) فِيمَا زَعَمَتَاهُ (صُدِّقَ بِيَمِينِهِ، وَلَمْ يَقَعْ) طَلَاقُ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الْحَيْضِ وَبَقَاءُ النِّكَاحِ.
نَعَمْ إنْ أَقَامَتْ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا بَيِّنَةً بِحَيْضِهَا وَقَعَ، صَرَّحَ بِهِ فِي الشَّامِلِ، وَتَوَقَّفَ فِيهِ ابْنُ الرِّفْعَةِ؛ لِأَنَّ الطَّلَاقَ لَا يَثْبُتُ بِشَهَادَتِهِنَّ، وَيَشْهَدُ لَهُ قَوْلُ الرَّافِعِيِّ: إنَّهُ لَوْ عَلَّقَ طَلَاقَهَا بِوِلَادَتِهَا فَشَهِدَ بِهَا

فصول الكتاب · 11 فصل · 627 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول مغني المحتاج إلى معرفة معاني ألفاظ المنهاج · 627 صفحة
المقدمة
بَابُ صَلَاةِ الْمُسَافِرِ
بَابُ صَلَاةِ الْكُسُوفَيْنِ
بَابُ زَكَاةِ النَّقْدِبَابُ زَكَاةِ الْمَعْدِن وَالرِّكَازِ وَالتِّجَارَةِ
بَاب زَكَاةِ الْفِطْرِ
كتاب البيع
بَابُ الضَّمَانِ
بَابُ مَا يَحْرُمُ مِنْ النِّكَاحِ
بَابُ نِكَاحِ الْمُشْرِكِ
بَابُ قَاطِعِ الطَّرِيقِ
جارٍ التحميل