رَجُلًا تَوَلَّى طَرَفًا، وَقِيلَ الطَّرَفَيْنِ.
فَصْلٌ الْفُرْقَةُ بِلَفْظِ الْخُلْعِ طَلَاقٌ، وَفِي قَوْلٍ فَسْخٌ لَا يُنْقِصُ عَدَدًا، فَعَلَى الْأَوَّلِ لَفْظُ الْفَسْخِ كِنَايَةٌ.
وَالْمُفَادَاةُ كَخُلْعٍ فِي الْأَصَحِّ، وَلَفْظُ الْخُلْعِ صَرِيحٌ،
[مغني المحتاج]
الزَّوْجَانِ مَعًا (رَجُلًا) فِي الْخُلْعِ (تَوَلَّى طَرَفًا) مِنْهُ أَيْ أَيُّهُمَا شَاءَ وَالطَّرَفُ الْآخَرُ يَتَوَلَّاهُ أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ، أَوْ وَكِيلُهُ، وَلَا يَتَوَلَّى الطَّرَفَيْنِ كَمَا فِي الْبَيْعِ وَغَيْرِهِ (وَقِيلَ) يَتَوَلَّى (الطَّرَفَيْنِ) لِأَنَّ الْخُلْعَ يَكْفِي فِيهِ اللَّفْظُ مِنْ أَحَدِ الْجَانِبَيْنِ، كَمَا لَوْ قَالَ: إنْ أَعْطَيْتِنِي أَلْفًا فَأَنْتِ طَالِقٌ، فَأَعْطَتْهُ ذَلِكَ يَقَعُ الطَّلَاقُ خُلْعًا ثُمَّ شَرَعَ فِي الرُّكْنِ الْخَامِسِ وَهُوَ الصِّيغَةُ، وَتَنْقَسِمُ إلَى صَرِيحٍ وَكِنَايَةٍ مُعَبِّرًا عَنْهُ بِ " فَصْلٌ " فَقَالَ:.
[فَصْلٌ فِي الْفُرْقَةُ بِلَفْظِ الْخُلْعِ]
ثُمَّ شَرَعَ فِي الرُّكْنِ الْخَامِسِ وَهُوَ الصِّيغَةُ، وَتَنْقَسِمُ إلَى صَرِيحٍ وَكِنَايَةٍ مُعَبِّرًا عَنْهُ بِفَصْلٍ فَقَالَ:
فَصْلٌ
(الْفُرْقَةُ بِلَفْظِ الْخُلْعِ طَلَاقٌ) يُنْقِصُ الْعَدَدَ كَلَفْظِ الطَّلَاقِ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى ذَكَرَهُ بَيْنَ طَلَاقَيْنِ فِي قَوْلِهِ: ﴿الطَّلاقُ مَرَّتَانِ﴾ [البقرة: 229] الْآيَةَ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ مُلْحَقٌ بِهِمَا، وَلِأَنَّهُ لَوْ كَانَ فَسْخًا لِمَا جَازَ عَلَى غَيْرِ الصَّدَاقِ إذْ الْفَسْخُ يُوجِبُ اسْتِرْجَاعَ الْبَدَلِ كَمَا أَنَّ الْإِقَالَةَ لَا تَجُوزُ بِغَيْرِ الثَّمَنِ (وَفِي قَوْلٍ: فَسْخٌ لَا يُنْقِصُ عَدَدًا) وَيَجُوزُ تَجْدِيدُ النِّكَاحِ بَعْدَ تَكَرُّرِهِ مِنْ غَيْرِ حَصْرٍ؛ لِأَنَّهَا فُرْقَةٌ حَصَلَتْ بِمُعَاوَضَةٍ فَتَكُونُ فَسْخًا كَشِرَاءِ زَوْجَتِهِ، وَهَذَا الْقَوْلُ مَنْسُوبٌ إلَى الْقَدِيمِ، وَفِي نَصَّ عَلَيْهِ فِي الْأُمِّ أَنَّهُ لَا يَحْصُلُ بِهِ شَيْءٌ، لَا فُرْقَةُ طَلَاقٍ وَلَا فَسْخٌ، وَخَرَجَ بِلَفْظِ الْخُلْعِ الْفُرْقَةُ بِلَفْظِ الطَّلَاقِ إذَا كَانَ بِعِوَضٍ فَإِنَّهُ يَكُونُ طَلَاقًا قَطْعًا، وَكَذَا إنْ قَصَدَ بِلَفْظِ الْخُلْعِ الطَّلَاقَ، أَوْ اقْتَرَنَ بِلَفْظِ الْخُلْعِ طَلَاقٌ كَخَالَعْتُكِ عَلَى طَلْقَةٍ بِأَلْفٍ.
قَالَ الْفُورَانِيُّ: وَإِذَا نَوَى بِالْخُلْعِ عَدَدًا إنْ جَعَلْنَاهُ طَلَاقًا وَقَعَ مَا نَوَاهُ، أَوْ فَسْخًا فَلَا لِأَنَّهُ لَا يَتَعَدَّدُ (فَعَلَى الْأَوَّلِ) وَهُوَ أَنَّ الْخُلْعَ طَلَاقٌ (لَفْظُ الْفَسْخِ) كَفَسَخْتُ نِكَاحَك بِكَذَا فَقَبِلَتْ (كِنَايَةٌ) فِيهِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَرِدْ فِي الْقُرْآنِ وَلَمْ يُسْتَعْمَلْ عُرْفًا فِيهِ فَلَا يَكُونُ صَرِيحًا فَلَا يَقَعُ الطَّلَاقُ فِيهِ بِلَا نِيَّةٍ.
تَنْبِيهٌ: لَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّ لَفْظَ الْفَسْخِ كِنَايَةٌ فِي لَفْظِ الْخُلْعِ، إذْ اللَّفْظُ لَا يُكَنَّى بِهِ عَنْ لَفْظٍ آخَرَ، بَلْ الْمُرَادُ أَنَّهُ كِنَايَةٌ فِي الْفُرْقَةِ بِعِوَضٍ الَّتِي يُعَبَّرُ عَنْهَا بِلَفْظِ الْخُلْعِ وَيُحْكَمُ عَلَيْهَا بِأَنَّهَا طَلَاقٌ.
(وَالْمُفَادَاةُ) كَفَادَيْتُكَ بِكَذَا حُكْمُهَا (كَخُلْعٍ) فِي صَرَاحَتِهِ الْآتِيَةِ (فِي الْأَصَحِّ) لِوُرُودِ لَفْظَةِ الْمُفَادَاةِ فِي الْقُرْآنِ.
قَالَ تَعَالَى: ﴿فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ [البقرة: 229] وَالثَّانِي: أَنَّهُ كِنَايَةٌ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَتَكَرَّرْ فِي الْقُرْآنِ وَلَمْ يَشْتَهِرْ عَلَى لِسَانِ حَمَلَةِ الشَّرِيعَةِ (وَلَفْظُ الْخُلْعِ صَرِيحٌ) فِي الطَّلَاقِ فَلَا يُحْتَاجُ مَعَهُ لِنِيَّةٍ؛ لِأَنَّهُ تَكَرَّرَ عَلَى لِسَانِ حَمَلَةِ الشَّرْعِ لِإِرَادَةِ الْفِرَاقِ فَكَانَ كَالتَّكَرُّرِ فِي الْقُرْآنِ، وَهَذَا مَا صَرَّحَ بِهِ الْبَغَوِيّ وَالنَّشَائِيُّ، وَصَاحِبُ الْأَنْوَارِ وَالْإِسْنَوِيُّ وَالْبُلْقِينِيُّ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا
وَفِي قَوْلٍ كِنَايَةٌ، فَعَلَى الْأَوَّلِ لَوْ جَرَى بِغَيْرِ ذِكْرِ مَالٍ وَجَبَ مَهْرُ مِثْلٍ فِي الْأَصَحِّ.
وَيَصِحُّ بِكِنَايَاتِ الطَّلَاقِ مَعَ النِّيَّةِ وَبِالْعَجَمِيَّةِ.
وَلَوْ قَالَ بِعْتُك نَفْسَك بِكَذَا فَقَالَتْ اشْتَرَيْت فَكِنَايَةُ خُلْعٍ، وَإِذَا بَدَأَ بِصِيغَةِ مُعَاوَضَةٍ كَطَلَّقْتُكِ أَوْ خَالَعْتُكِ بِكَذَا، وَقُلْنَا: الْخُلْعُ طَلَاقٌ فَهُوَ مُعَاوَضَةٌ
[مغني المحتاج]
فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يُذْكَرَ مَعَهُ مَالٌ أَمْ لَا (وَفِي قَوْلٍ) هُوَ (كِنَايَةٌ) فِيهِ يَحْتَاجُ لِنِيَّةِ الطَّلَاقِ حَطًّا لَهُ عَنْ لَفْظِ الطَّلَاقِ الْمُتَكَرِّرِ فِي الْقُرْآنِ وَلِسَانِ حَمَلَةِ الشَّرِيعَةِ، وَلِأَنَّ صَرَائِحَ الطَّلَاقِ مُنْحَصِرَةٌ فِي أَلْفَاظٍ لَيْسَ هَذَا مِنْهَا، وَهَذَا مَا نَصَّ عَلَيْهِ فِي مَوَاضِعَ مِنْ الْأُمِّ.
وَقَالَ الْقَاضِي الْحُسَيْنُ وَغَيْرُهُ: إنَّهُ ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يُذْكَرَ مَعَهُ مَالٌ أَمْ لَا، وَالْأَصَحُّ كَمَا فِي الرَّوْضَةِ أَنَّ الْخُلْعَ وَالْمُفَادَاةُ إنْ ذُكِرَ مَعَهُمَا الْمَالُ فَهُمَا صَرِيحَانِ فِي الطَّلَاقِ؛ لِأَنَّ ذِكْرَهُ يُشْعِرُ بِالْبَيْنُونَةِ وَإِلَّا فَكِنَايَتَانِ (فَعَلَى الْأَوَّلِ) وَهُوَ صَرَاحَةُ الْخُلْعِ (لَوْ جَرَى بِغَيْرِ ذِكْرِ مَالٍ) مَعَ زَوْجَتِهِ بِنِيَّةِ الْتِمَاسِ قَبُولِهَا وَلَمْ يَنْفِ الْعِوَضَ كَأَنْ قَالَ: خَالَعْتُكِ أَوْ فَادَيْتُكِ وَنَوَى الْتِمَاسَ قَبُولِهَا فَقَبِلَتْ بَانَتْ، وَ (وَجَبَ مَهْرُ مِثْلٍ فِي الْأَصَحِّ) لَاطِّرَادِ الْعُرْفِ بِجَرَيَانِ ذَلِكَ بِعِوَضٍ فَيُرْجَعُ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ إلَى مَهْرِ الْمِثْلِ لِأَنَّهُ الْمُرَادُ كَالْخُلْعِ بِمَجْهُولٍ، فَإِنْ جَرَى مَعَ أَجْنَبِيٍّ طَلُقَتْ مَجَّانًا كَمَا لَوْ كَانَ مَعَهُ الْعِوَضُ فَاسِدٌ، وَلَوْ نَفَى الْعِوَضَ فَقَالَ: خَالَعْتُكِ بِلَا عِوَضٍ وَقَعَ رَجْعِيًّا، وَإِنْ قَبِلَتْ وَنَوَى الْتِمَاسَ قَبُولِهَا فَإِنْ لَمْ تَقْبَلْ لَمْ تَطْلُقْ، وَإِنْ قَبِلَتْ وَلَمْ يُضْمِرْ الْتِمَاسَ جَوَابِهَا وَنَوَى الطَّلَاقَ وَقَعَ رَجْعِيًّا وَلَا مَالَ.
تَنْبِيهٌ: قَضِيَّةُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ وُقُوعُ الطَّلَاقِ جَزْمًا وَهُوَ مُخَالِفٌ لِمَا مَرَّ عَنْ الرَّوْضَةِ مِنْ كَوْنِهِ كِنَايَةً عَلَى الْأَصَحِّ كَذَا نَبَّهَ عَلَيْهِ ابْنُ النَّقِيبِ وَغَيْرُهُ.
قَالَ الْجَلَالُ الْبُلْقِينِيُّ: وَالْحَقُّ أَنَّهُ لَا مُنَافَاةَ بَيْنَهُمَا فَإِنَّهُ لَيْسَ فِي الْمِنْهَاجِ أَنَّهُ صَرِيحٌ مَعَ عَدَمِ ذِكْرِ الْمَالِ، فَلَعَلَّ مُرَادَهُ أَنَّهُ جَرَى بِغَيْرِ ذِكْرِ مَالٍ مَعَ وُجُودِ مُصَحِّحٍ لَهُ وَهُوَ اقْتِرَانُ النِّيَّةِ بِهِ اهـ.
وَهُوَ جَمْعٌ حَسَنٌ لِأَنَّ الْجَمْعَ إذَا أَمْكَنَ كَانَ أَوْلَى مِنْ تَضْعِيفِ أَحَدِ الْجَانِبَيْنِ مَعَ أَنَّ ظَاهِرَ إطْلَاقِ الْكِتَابِ لَيْسَ مُرَادًا قَطْعًا، إذْ لَا بُدَّ مِنْ هَذِهِ الْقُيُودِ الْمَذْكُورَةِ الَّتِي قَيَّدْت بِهَا كَلَامَهُ.
(وَيَصِحُّ) الْخُلْعُ عَلَى قَوْلَيْ الطَّلَاقِ وَالْفَسْخِ (بِكِنَايَاتِ الطَّلَاقِ) أَيْ بِكُلٍّ مِنْهَا وَسَيَأْتِي مُعْظَمُهَا فِي بَابِهِ (مَعَ النِّيَّةِ) لِلطَّلَاقِ مِنْ الزَّوْجَيْنِ مَعًا، فَإِنْ لَمْ يَنْوِيَا أَوْ أَحَدُهُمَا لَمْ يَصِحَّ (وَ) يَصِحُّ الْخُلْعُ أَيْضًا بِالتَّرْجَمَةِ عَنْهُ (بِالْعَجَمِيَّةِ) وَغَيْرِهَا مِنْ اللُّغَاتِ نَظَرًا لِلْمَعْنَى.
(وَلَوْ قَالَ) الزَّوْجُ لِزَوْجَتِهِ (بِعْتُك نَفْسَكِ بِكَذَا) كَأَلْفٍ (فَقَالَتْ) فَوْرًا (اشْتَرَيْت) أَوْ نَحْوَهُ كَقَبِلْتُ (فَكِنَايَةُ خُلْعٍ) سَوَاءٌ جَعَلْنَاهُ طَلَاقًا أَمْ فَسْخًا بِخِلَافِ مَا لَمْ يَذْكُرْ كَذَا أَوْ لَمْ يَكُنْ الْقَبُولُ عَلَى الْفَوْرِ.
قَالَ الزَّرْكَشِيُّ وَالدَّمِيرِيُّ: وَهُوَ مُسْتَثْنًى مِنْ قَاعِدَةِ مَا كَانَ صَرِيحًا فِي بَابِهِ وَوَجَدَ نَفَاذًا فِي مَوْضُوعِهِ لَا يَكُونُ كِنَايَةً فِي غَيْرِهِ اهـ.
وَهَذَا مَمْنُوعٌ بَلْ هُوَ مِنْ جُزْئِيَّاتِ الْقَاعِدَةِ فَإِنَّهُ لَمْ يُوجَدْ نَفَاذُهُ فِي مَوْضُوعِهِ، إذْ مَوْضُوعُهُ الْمَحَلُّ الْمُخَاطَبُ، وَلَوْ قَالَ: بِعْتُك طَلَاقَك بِكَذَا أَوْ قَالَتْ: بِعْتُك ثَوْبِي مَثَلًا بِطَلَاقِي كَانَ كِنَايَةً أَيْضًا، ثُمَّ شَرَعَ فِيمَا اشْتَمَلَ عَلَيْهِ الْخُلْعُ مِنْ شَوَائِبِ الْعُقُودِ بِقَوْلِهِ (وَإِذَا بَدَأَ) الزَّوْجُ بِالْهَمْزِ بِمَعْنَى ابْتَدَأَ (بِصِيغَةِ مُعَاوَضَةٍ كَطَلَّقْتُكِ أَوْ خَالَعْتُكِ بِكَذَا) كَأَلْفٍ فَقَبِلَتْ (وَقُلْنَا الْخُلْعَ) فِي الصُّورَةِ الثَّانِيَةِ (طَلَاقٌ) وَهُوَ الرَّاجِحُ كَمَا مَرَّ (فَهُوَ مُعَاوَضَةٌ) لِأَخْذِهِ
فِيهَا شَوْبُ تَعْلِيقٍ، وَلَهُ الرُّجُوعُ قَبْلَ قَبُولِهَا.
وَيُشْتَرَطُ قَبُولُهَا بِلَفْظٍ غَيْرِ مُنْفَصِلٍ.
فَلَوْ اخْتَلَفَ إيجَابٌ وَقَبُولٌ كَطَلَّقْتُكِ بِأَلْفٍ فَقَبِلَتْ بِأَلْفَيْنِ وَعَكْسُهُ أَوْ طَلَّقْتُك ثَلَاثًا بِأَلْفٍ فَقَبِلَتْ وَاحِدَةً بِثُلُثِ أَلْفٍ فَلَغْوٌ، وَلَوْ قَالَ طَلَّقْتُك ثَلَاثًا بِأَلْفٍ فَقَبِلَتْ وَاحِدَةً بِأَلْفٍ، فَالْأَصَحُّ وُقُوعُ الثَّلَاثِ وَوُجُوبُ أَلْفٍ.
وَإِنْ بَدَأَ بِصِيغَةِ تَعْلِيقٍ كَمَتَى أَوْ مَتَى مَا أَعْطَيْتِنِي فَتَعْلِيقٌ فَلَا رُجُوعَ لَهُ، وَلَا يُشْتَرَطُ الْقَبُولُ لَفْظًا وَلَا الْإِعْطَاءُ فِي الْمَجْلِسِ،
[مغني المحتاج]
عِوَضًا فِي مُقَابَلَةِ مَا يُخْرِجُهُ عَنْ مِلْكِهِ (فِيهَا شَوْبُ تَعْلِيقٍ) لِتَوَقُّفِ وُقُوعِ الطَّلَاقِ فِيهِ عَلَى قَبُولِ الْمَالِ، أَمَّا إذَا قُلْنَا: الْخُلْعُ فَسْخٌ فَهُوَ مُعَاوَضَةٌ مَحْضَةٌ مِنْ الْجَانِبَيْنِ، إذْ لَا مَدْخَلَ لِلتَّعْلِيقِ فِيهَا بَلْ هُوَ كَابْتِدَاءِ الْبَيْعِ (وَ) عَلَى الْمُعَاوَضَةِ (لَهُ الرُّجُوعُ قَبْلَ قَبُولِهَا) لِأَنَّ هَذَا شَأْنُ الْمُعَاوَضَاتِ.
(وَيُشْتَرَطُ قَبُولُهَا) أَيْ الْمُخْتَلِعَةِ النَّاطِقَةِ (بِلَفْظٍ غَيْرِ مُنْفَصِلٍ) بِكَلَامٍ أَجْنَبِيٍّ أَوْ زَمَنٍ طَوِيلٍ كَمَا فِي سَائِرِ الْعُقُودِ، فَتَقُولُ قَبِلْت أَوْ اخْتَلَعْتُ أَوْ نَحْوَهُ، فَلَا يَصِحُّ الْقَبُولُ بِالْفِعْلِ بِأَنْ تُعْطِيَهُ الْقَدْرَ، أَمَّا الْخَرْسَاءُ فَتَكْفِي إشَارَتُهَا الْمُفْهِمَةُ.
وَيُشْتَرَطُ كَوْنُ الْقَبُولِ عَلَى وَفْقِ الْإِيجَابِ (فَلَوْ اخْتَلَفَ إيجَابٌ وَقَبُولٌ كَطَلَّقْتُكِ بِأَلْفٍ فَقَبِلَتْ بِأَلْفَيْنِ وَعَكْسُهُ) كَطَلَّقْتُكِ بِأَلْفَيْنِ فَقَبِلَتْ بِأَلْفٍ (أَوْ طَلَّقْتُك ثَلَاثًا بِأَلْفٍ فَقَبِلَتْ وَاحِدَةً بِثُلُثِ أَلْفٍ فَلَغْوٌ) فِي الْمَسَائِلِ الثَّلَاثِ لِلْمُخَالَفَةِ كَمَا فِي الْبَيْعِ، وَيُفَارِقُ مَا لَوْ قَالَ: إنْ أَعْطَيْتِنِي أَلْفًا فَأَنْتِ طَالِقٌ، فَأَعْطَتْهُ أَلْفَيْنِ حَيْثُ يَقَعُ الطَّلَاقُ بِأَنَّ الْقَبُولَ جَوَابُ الْإِيجَابِ، فَإِذَا خَالَفَهُ فِي الْمَعْنَى لَمْ يَكُنْ جَوَابًا، وَالْإِعْطَاءُ لَيْسَ جَوَابًا وَإِنَّمَا هُوَ فِعْلٌ، فَإِذَا أَتَتْ بِأَلْفَيْنِ فَقَدْ أَتَتْ بِأَلْفٍ وَلَا اعْتِبَارَ بِالزِّيَادَةِ، قَالَهُ الْإِمَامُ (وَلَوْ قَالَ: طَلَّقْتُك ثَلَاثًا بِأَلْفٍ فَقَبِلَتْ وَاحِدَةً بِأَلْفٍ، فَالْأَصَحُّ وُقُوعُ الثَّلَاثِ وَ) الْأَصَحُّ أَيْضًا (وُجُوبُ أَلْفٍ) لِأَنَّ الزَّوْجَ مُسْتَقِلٌّ بِالطَّلَاقِ وَالزَّوْجَةُ إنَّمَا يُعْتَبَرُ قَبُولُهَا بِسَبَبِ الْمَالِ، فَإِذَا قَبِلَتْ الْمَالَ اُعْتُبِرَ فِي الطَّلَاقِ جَانِبُ الزَّوْجِ، وَهَذَا بِخِلَافِ مَا لَوْ بَاعَ عَبْدَيْنِ بِأَلْفٍ فَقَبِلَ أَحَدُهُمَا بِأَلْفٍ فَإِنَّهُ لَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّ مَقْصُودَ الْمُشْتَرِي الْمِلْكُ وَلَمْ يَحْصُلْ، وَالطَّلَاقُ لَا يَدْخُلُ فِي مِلْكِ الْمَرْأَةِ.
وَالثَّانِي: يَقَعُ وَاحِدَةً بِأَلْفٍ نَظَرًا إلَى قَبُولِهَا وَالثَّالِثُ: لَا يَقَعُ شَيْءٌ لِاخْتِلَافِ الْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ.
(وَإِنْ بَدَأَ) الزَّوْجُ (بِصِيغَةِ تَعْلِيقٍ) فِي الْإِثْبَاتِ (كَمَتَى أَوْ مَتَى مَا) بِزِيَادَةِ مَا لِلتَّأْكِيدِ أَوْ أَيْ حِينَ أَوْ زَمَانَ أَوْ وَقْتَ (أَعْطَيْتِنِي) كَذَا فَأَنْتِ طَالِقٌ (فَتَعْلِيقٌ) مَحْضٌ مِنْ جَانِبِهِ وَلَا نَظَرَ فِيهِ إلَى شُبْهَةِ الْمُعَاوَضَةِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ صَرَائِحِ أَلْفَاظِ التَّعْلِيقِ فَيَقَعُ الطَّلَاقُ عِنْدَ تَحَقُّقِ الصِّفَةِ كَسَائِرِ التَّعْلِيقَاتِ، وَحِينَئِذٍ (فَلَا رُجُوعَ لَهُ) قَبْلَ الْإِعْطَاءِ كَالتَّعْلِيقِ الْخَالِي عَنْ الْعِوَضِ فِي نَحْوِ إنْ دَخَلْت الدَّارَ فَأَنْتِ طَالِقٌ (وَلَا يُشْتَرَطُ) فِيهِ (الْقَبُولُ لَفْظًا) لِأَنَّ الصِّيغَةَ لَا تَقْتَضِيه (وَلَا الْإِعْطَاءُ) فَوْرًا (فِي الْمَجْلِسِ) أَيْ مَجْلِسِ التَّوَاجُبِ، وَهُوَ كَمَا فِي الْمُحَرَّرِ، وَأَهْمَلَهُ الْمُصَنِّفُ مَا يَرْتَبِطُ بِهِ الْإِيجَابُ بِالْقَبُولِ دُونَ مَكَانِ الْعَقْدِ، فَمَتَى وُجِدَ الْإِعْطَاءُ طَلُقَتْ، وَإِنْ زَادَتْ عَلَى مَا ذَكَرَهُ لِدَلَالَةِ اللَّفْظِ عَلَى الزَّمَانِ وَعُمُومِهِ فِي سَائِرِ الْأَوْقَاتِ، وَلَوْ قَيَّدَ فِي هَذِهِ بِزَمَانٍ أَوْ مَكَان تَعَيَّنَ وَخَرَجَ بِالْإِثْبَاتِ مَا إذَا بَدَأَ بِصِيغَةِ تَعْلِيقٍ بِمَتَى وَنَحْوِهَا فِي النَّفْيِ، كَقَوْلِهِ: مَتَى لَمْ تُعْطِنِي كَذَا فَأَنْتِ طَالِقٌ فَهُوَ لِلْفَوْرِ؛ لِأَنَّ مَتَى وَنَحْوَهَا فِي النَّفْيِ تَقْتَضِي الْفَوْرَ، وَبِالزَّوْجِ الْمَرْأَةُ فَإِنَّهَا لَوْ قَالَتْ:
وَإِنْ قَالَ إنْ أَوْ إذَا أَعْطَيْتِنِي فَكَذَلِكَ لَكِنْ يُشْتَرَطُ إعْطَاءٌ عَلَى الْفَوْرِ.
وَإِنْ بَدَأَتْ بِطَلَبِ طَلَاقٍ فَأَجَابَ فَمُعَاوَضَةٌ فِيهَا شَوْبُ جَعَالَةٍ فَلَهَا الرُّجُوعُ قَبْلَ جَوَابِهِ، وَيُشْتَرَطُ فَوْرٌ لِجَوَابِهِ،
[مغني المحتاج]
مَتَى طَلَّقْتَنِي فَلَكَ عَلَيَّ أَلْفٌ، اُخْتُصَّ الْجَوَابُ بِمَجْلِسِ التَّوَاجُبِ، وَفَرَّقَ الْغَزَالِيُّ بَيْنَهُمَا بِأَنَّ الْغَالِبَ عَلَى جَانِبِهِ التَّعْلِيقُ وَعَلَى جَانِبِهَا الْمُعَاوَضَةُ (وَإِنْ قَالَ: إنْ) بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ (أَوْ إذَا أَعْطَيْتِنِي) كَذَا فَأَنْتِ طَالِقٌ (فَكَذَلِكَ) أَيْ فَتَعْلِيقٌ لَا رُجُوعَ لَهُ فِيهِ قَبْلَ الْإِعْطَاءِ، وَلَا يُشْتَرَطُ الْقَبُولُ لَفْظًا وَلَا الْإِعْطَاءُ فِي الْمَجْلِسِ؛ لِأَنَّهُمَا مِنْ حُرُوفِ التَّعْلِيقِ كَمَتَى، وَخَرَجَ بِإِنْ الْمَكْسُورَةِ الْمَفْتُوحَةُ، فَإِنَّ بِهَا يَقَعُ الطَّلَاقُ فِي الْحَالِ بَائِنًا لِأَنَّهَا لِلتَّعْلِيلِ، قَالَهُ الْمَاوَرْدِيُّ، قَالَ: وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ فِي إذْ لِأَنَّهَا لِمَاضِي الزَّمَانِ، وَلَكِنَّ قِيَاسَ مَا رَجَّحَهُ الْمُصَنِّفُ فِي تَعْلِيقِ الطَّلَاقِ، الْفَرْقُ بَيْنَ النَّحْوِيِّ وَغَيْرِهِ كَمَا سَيَأْتِي تَحْرِيرُهُ (لَكِنْ يُشْتَرَطُ) فِي التَّعْلِيقِ الْمَذْكُورِ (إعْطَاءٌ عَلَى الْفَوْرِ) فِي مَجْلِسِ التَّوَاجُبِ؛ لِأَنَّهُ قَضِيَّةُ الْعِوَضِ فِي الْمُعَاوَضَاتِ، وَإِنَّمَا تُرِكَتْ هَذِهِ الْقَضِيَّةُ فِي مَتَى وَنَحْوِهَا؛ لِأَنَّهَا صَرِيحَةٌ فِي جَوَازِ التَّأْخِيرِ مَعَ كَوْنِ الْمُغَلَّبِ فِي ذَلِكَ مِنْ جِهَةِ الزَّوْجِ مَعْنَى التَّعْلِيقِ بِخِلَافِ جَانِبِ الزَّوْجَةِ كَمَا مَرَّ.
تَنْبِيهٌ: مَحَلُّ الْفَوْرِ فِي الْحُرَّةِ، أَمَّا إذَا كَانَتْ الزَّوْجَةُ أَمَةً وَالْمَشْرُوطُ غَيْرَ خَمْرٍ كَأَنْ قَالَ: إنْ أَعْطَيْتِنِي أَلْفًا فَأَنْتِ طَالِقٌ، فَلَا يُشْتَرَطُ الْإِعْطَاءُ فَوْرًا؛ لِأَنَّهَا لَا تَقْدِرُ عَلَى الْإِعْطَاءِ إلَّا مِنْ كَسْبِهَا وَهُوَ مُتَعَذِّرٌ فِي الْمَجْلِسِ غَالِبًا، فَإِنْ أَعْطَتْهُ أَلْفًا وَلَوْ مِنْ غَيْرِ كَسْبِهَا وَمَالِ السَّيِّدِ طَلُقَتْ بَائِنًا لِوُجُودِ الصِّفَةِ وَرَدَّ الزَّوْجُ الْأَلْفَ لِمَالِكِهَا، وَتَعَلَّقَ مَهْرُ الْمِثْلِ بِذِمَّتِهَا تُطَالَبُ بِهِ إذَا عَتَقَتْ، فَإِنْ قِيلَ: نَقَلَ الرَّافِعِيُّ عَنْ الْبَغَوِيِّ أَنَّهُ لَوْ قَالَ لِزَوْجَتِهِ الْأَمَةِ: إنْ أَعْطَيْتِنِي ثَوْبًا فَأَنْتِ طَالِقٌ لَمْ تَطْلُقْ إذَا أَعْطَتْهُ ثَوْبًا لِأَنَّهَا لَا تَمْلِكُهُ، فَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ هُنَا كَذَلِكَ.
أُجِيبَ بِأَنَّ الثَّوْبَ مُبْهَمٌ لَا يُمْكِنُ تَمْلِيكُهُ بِخِلَافِ الْأَلْفِ دِرْهَمٍ مَثَلًا فَإِنَّهُ يُمْكِنُ تَمْلِيكُهَا فِي الْجُمْلَةِ لِغَيْرِهَا فَقَوِيَ الْإِبْهَامُ فِي الْأَوَّلِ، وَهَذَا أَوْلَى مِنْ تَضْعِيفِ أَحَدِ الْجَانِبَيْنِ، وَقَضِيَّةُ التَّعْلِيلِ إلْحَاقُ الْمُبَعَّضَةِ وَالْمُكَاتَبَةِ بِالْحُرَّةِ وَهُوَ ظَاهِرٌ، فَإِنْ كَانَ الْمَشْرُوطُ خَمْرًا اُشْتُرِطَ الْإِعْطَاءُ فَوْرًا، وَإِنْ لَمْ تَمْلِكْ الْخَمْرَ؛ لِأَنَّ يَدَهَا وَيَدَ الْحُرَّةِ عَلَيْهِ سَوَاءٌ، وَقَدْ تَشْتَمِلُ يَدُهَا عَلَيْهِ.
(وَإِنْ بَدَأَتْ) أَيْ الزَّوْجَةُ (بِطَلَبِ طَلَاقٍ) سَوَاءٌ أَكَانَ عَلَى جِهَةِ التَّعْلِيقِ، نَحْوُ إنْ أَوْ مَتَى لَمْ يَكُنْ عَلَى جِهَتِهِ كَطَلِّقْنِي عَلَى كَذَا (فَأَجَابَ) الزَّوْجُ قَوْلَهَا فَوْرًا (فَمُعَاوَضَةٌ) مِنْ جَانِبِهَا لِأَنَّهَا تَمْلِكُ الْبُضْعَ بِمَا تَبْذُلُهُ مِنْ الْعِوَضِ (فِيهَا شَوْبُ جَعَالَةٍ) لِأَنَّهَا تَبْذُلُ الْمَالَ فِي مُقَابَلَةِ مَا يَسْتَقِلُّ بِهِ الزَّوْجُ وَهُوَ الطَّلَاقُ، فَإِذَا أَتَى بِهِ وَقَعَ الْمَوْقِعَ وَحَصَلَ غَرَضُهَا كَالْعَامِلِ فِي الْجَعَالَةِ (فَلَهَا الرُّجُوعُ قَبْلَ جَوَابِهِ) لِأَنَّ هَذَا حُكْمُ الْمُعَاوَضَاتِ وَالْجَعَالَاتِ جَمِيعًا (وَيُشْتَرَطُ فَوْرٌ لِجَوَابِهِ) فِي مَحَلِّ التَّوَاجُبِ فِي الصِّيغَةِ السَّابِقَةِ الْمُقْتَضِيَةِ فَوْرًا وَغَيْرِهَا كَالتَّعْلِيقِ بِمَتَى تَغْلِيبًا لِلْمُعَاوَضَةِ مِنْ جَانِبِهَا بِخِلَافِ جَانِبِ الزَّوْجِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا، فَإِنْ طَلَّقَ مُتَرَاخِيًا كَانَ مُبْتَدِئًا لَا يَسْتَحِقُّ عِوَضًا وَيَقَعُ الطَّلَاقُ حِينَئِذٍ رَجْعِيًّا.
نَعَمْ لَوْ صَرَّحَتْ بِالتَّرَاخِي لَمْ يُشْتَرَطْ الْفَوْرُ كَمَا قَالَهُ الزَّرْكَشِيُّ.
قَالَ: وَلَمْ يَذْكُرُوهُ، وَنَقَلَ عَنْ الْبَيَانِ أَنَّهَا لَوْ قَالَتْ: خَالَعْتُكَ بِكَذَا، فَقَالَ: قَبِلْت لَمْ تَطْلُقْ؛ لِأَنَّ الْإِيقَاعَ إلَيْهِ.
وَلَوْ طَلَبَتْ ثَلَاثًا بِأَلْفٍ فَطَلَّقَ طَلْقَةً بِثُلُثِهِ فَوَاحِدَةً بِثُلُثِهِ.
وَإِذَا خَالَعَ أَوْ طَلَّقَ بِعِوَضٍ فَلَا رَجْعَةَ، فَإِنْ شَرَطَهَا فَرَجْعِيٌّ وَلَا مَالَ، وَفِي قَوْلٍ بَائِنٌ بِمَهْرِ مِثْلٍ.
وَلَوْ قَالَتْ طَلِّقْنِي بِكَذَا وَارْتَدَّتْ فَأَجَابَ إنْ كَانَ قَبْلَ دُخُولٍ أَوْ بَعْدَهُ وَأَصَرَّتْ حَتَّى انْقَضَتْ الْعِدَّةُ بَانَتْ بِالرِّدَّةِ، وَلَا مَالَ، وَإِنْ أَسْلَمَتْ فِيهَا طَلُقَتْ بِالْمَالِ،
[مغني المحتاج]
تَنْبِيهٌ: سُكُوتُ الْمُصَنِّفِ عَنْ تَطَابُقِ الْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ هُنَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ.
وَهُوَ كَذَلِكَ، فَلَوْ قَالَتْ: طَلِّقْنِي بِأَلْفٍ فَطَلَّقَهَا بِخَمْسِمِائَةٍ وَقَعَ بِهَا عَلَى الصَّحِيحِ؛ لِأَنَّهُ سَامَحَ بِبَعْضِ مَا طَلَبَتْ أَنْ يُطَلِّقَهَا عَلَيْهِ (وَلَوْ طَلَبَتْ) مِنْ الزَّوْجِ (ثَلَاثًا) يَمْلِكُهَا عَلَيْهَا (بِأَلْفٍ فَطَلَّقَ طَلْقَةً بِثُلُثِهِ فَوَاحِدَةٌ) تَقَعُ (بِثُلُثِهِ) تَغْلِيبًا لِشَوْبِ الْجَعَالَةِ كَمَا لَوْ قَالَ: إنْ رَدَدْت عَبِيدِي الثَّلَاثَ فَلَكَ أَلْفٌ فَرَدَّ وَاحِدًا اسْتَحَقَّ ثُلُثَ الْأَلْفِ، وَلَوْ طَلَّقَ طَلْقَتَيْنِ اسْتَحَقَّ ثُلُثَيْ الْأَلْفِ، وَلَوْ طَلَّقَهَا طَلْقَةً وَنِصْفًا اسْتَحَقَّ نِصْفَ الْأَلْفِ كَمَا فِي زِيَادَةِ الرَّوْضَةِ.
قَالَ الْأَذْرَعِيُّ: وَلَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ وَلَمْ يَذْكُرْ عَدَدًا وَلَا نَوَاهُ فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ يُحْمَلُ عَلَى الْوَاحِدَةِ وَلَوْ لَمْ يَمْلِكْ عَلَيْهَا إلَّا طَلْقَةً اسْتَحَقَّ الْأَلْفَ؛ لِأَنَّهُ أَفَادَهَا الْبَيْنُونَةَ الْكُبْرَى.
تَنْبِيهٌ: لَوْ حَذَفَ الْمُصَنِّفُ بِثُلُثِهِ كَانَ أَوْلَى فَإِنَّهُ لَوْ اقْتَصَرَ عَلَى قَوْلِهِ: طَلَّقْتُكِ وَاحِدَةً اسْتَحَقَّ الثُّلُثَ، وَكَانَ يَعْلَمُ حُكْمَ التَّقْيِيدِ مِنْ بَابِ أَوْلَى، وَأَيْضًا فِيهِ إيهَامُ أَنَّهُ إذَا لَمْ يَعُدَّ ذِكْرَ الْمَالِ يَقَعُ رَجْعِيًّا، وَهُوَ وَجْهٌ ضَعِيفٌ.
(وَإِذَا خَالَعَ أَوْ طَلَّقَ) زَوْجَتَهُ (بِعِوَضٍ) صَحِيحٍ أَوْ فَاسِدٍ، سَوَاءٌ جَعَلْنَا الْخُلْعَ طَلَاقًا أَمْ فَسْخًا (فَلَا رَجْعَةَ) لَهُ عَلَيْهَا لِأَنَّهَا بَذَلَتْ الْمَالَ لِتَمْلِكَ بُضْعَهَا فَلَا يَمْلِكُ الزَّوْجُ وِلَايَةَ الرُّجُوعِ إلَيْهِ (فَإِنْ شَرَطَهَا عَلَيْهَا) كَخَالَعْتُكِ أَوْ طَلَّقْتُك بِدِينَارٍ عَلَى أَنَّ لِي عَلَيْك الرَّجْعَةَ (فَرَجْعِيٌّ) يَقَعُ فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ؛ لِأَنَّ شَرْطَ الرَّجْعَةِ وَالْمَالِ مُتَنَافِيَانِ فَيَسْقُطَانِ وَيَبْقَى مُجَرَّدُ الطَّلَاقِ، وَقَضِيَّتُهُ ثُبُوتُ الرَّجْعَةِ، وَلَا حَاجَةَ بَعْدَ رَجْعِيٍّ لِقَوْلِهِ (وَلَا مَالَ) وَلَوْ عَبَّرَ بِالْمَذْهَبِ لَكَانَ أَوْلَى لِنَقْلِهِ فِي الرَّوْضَةِ الْقَطْعَ بِهِ عَنْ الْجُمْهُورِ (وَفِي قَوْلٍ) يَقَعُ الطَّلَاقُ (بَائِنٌ بِمَهْرِ مِثْلٍ) لِأَنَّ الْخُلْعَ لَا يَفْسُدُ بِفَسَادِ الْعِوَضِ كَالنِّكَاحِ، وَكَلَامُهُ يُشْعِرُ بِأَنَّ هَذَا الْقَوْلَ مَنْصُوصٌ.
وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَغَيْرُهُ: إنَّهُ مَخْرَجٌ.
تَنْبِيهٌ: قَدْ يَدْخُلُ فِي كَلَامِهِ مَا لَوْ خَالَعَهَا بِعِوَضٍ عَلَى أَنَّهُ مَتَى شَاءَ رَدَّهُ وَكَانَ لَهُ الرَّجْعَةُ، وَقَدْ نَصَّ الشَّافِعِيُّ فِيهِ عَلَى الْبَيْنُونَةِ بِمَهْرِ الْمِثْلِ؛ لِأَنَّهُ رَضِيَ بِسُقُوطِ الرَّجْعَةِ هُنَا، وَمَتَى سَقَطَتْ لَا تَعُودُ.
(وَلَوْ قَالَتْ) لَهُ (طَلِّقْنِي بِكَذَا وَارْتَدَّتْ) عَقِبَ هَذَا الْقَوْلِ (فَأَجَابَ) قَوْلَهَا فَوْرًا نُظِرَتْ (إنْ كَانَ) الِارْتِدَادُ (قَبْلَ دُخُولٍ أَوْ بَعْدَهُ وَأَصَرَّتْ) عَلَى الرِّدَّةِ (حَتَّى انْقَضَتْ الْعِدَّةُ بَانَتْ بِالرِّدَّةِ وَلَا مَالَ) وَلَا طَلَاقَ لِانْقِطَاعِ النِّكَاحِ بِالرِّدَّةِ فِي الْحَالَتَيْنِ (وَإِنْ أَسْلَمَتْ فِيهَا) أَيْ الْعِدَّةِ بَانَ صِحَّةُ الْخُلْعِ، وَ (طَلُقَتْ بِالْمَالِ) الْمُسَمَّى وَقْتَ جَوَابِهِ لِبَيَانِ صِحَّةِ الْخُلْعِ، وَتُحْسَبُ الْعِدَّةُ مِنْ وَقْتِ الطَّلَاقِ، فَلَوْ تَرَاخَتْ الرِّدَّةُ أَوْ الْجَوَابُ اخْتَلَفَتْ الصِّيغَةُ.
وَلَا يَضُرُّ تَخَلُّلُ كَلَامٍ يَسِيرٍ بَيْنَ إيجَابٍ وَقَبُولٍ.
فَصْلٌ: قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ، وَعَلَيْك أَوْ وَلِي عَلَيْك كَذَا، وَلَمْ يَسْبِقْ طَلَبُهَا بِمَالٍ وَقَعَ رَجْعِيًّا قَبِلَتْ أَمْ لَا وَلَا مَالَ،
[مغني المحتاج]
تَنْبِيهٌ: لَوْ وَقَعَتْ الرِّدَّةُ مَعَ الْجَوَابِ.
قَالَ السُّبْكِيُّ: الَّذِي يَظْهَرُ بَيْنُونَتُهَا بِالرِّدَّةِ، وَلَمْ أَرَ لِلْأَصْحَابِ كَلَامًا فِي ذَلِكَ.
وَقَالَ شَيْخُنَا فِي مَنْهَجِهِ: إذَا أَجَابَ قَبْلَ الرِّدَّةِ أَوْ مَعَهَا طَلُقَتْ وَوَجَبَ الْمَالُ، وَهَذَا أَوْجَهُ، وَلَوْ ارْتَدَّ الزَّوْجُ بَعْدَ سُؤَالِهَا فَحُكْمُهُ كَرِدَّتِهَا بَعْدَ سُؤَالِهَا (وَلَا يَضُرُّ) فِي الْخُلْعِ (تَخَلُّلُ كَلَامٍ يَسِيرٍ) عُرْفًا (بَيْنَ إيجَابٍ وَقَبُولٍ) فِيهِ.
قَالَ الشَّارِحُ كَمَا فِي مَسْأَلَةِ الِارْتِدَادِ اهـ.
وَهَذَا بِخِلَافِ الْبَيْعِ، وَتَقَدَّمَ الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّهُ هُنَاكَ بِخِلَافِ الْكَثِيرِ فَيَضُرُّ لِإِشْعَارِهِ بِالْإِعْرَاضِ.
تَنْبِيهٌ: مَحَلُّ كَوْنِ الْكَثِيرِ مُضِرًّا إذَا صَدَرَ مِنْ الْمُخَاطَبِ الْمَطْلُوبِ مِنْهُ الْجَوَابُ، فَإِنْ صَدَرَ مِنْ الْمُتَكَلِّمِ فَفِيهِ وَجْهَانِ كَالْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ فِي النِّكَاحِ اقْتَضَى إيرَادَ الرَّافِعِيِّ أَنَّ الْمَشْهُورَ أَنَّهُ لَا يَضُرُّ.
ثُمَّ حُكِيَ عَنْ الْبَغَوِيِّ التَّسْوِيَةُ بَيْنَهُمَا، وَاعْتَمَدَ هَذَا شَيْخِي، وَاسْتَدَلَّ لَهُ بِتَمْثِيلِ الشَّارِحِ لِلْيَسِيرِ بِالِارْتِدَادِ فَإِنَّهُ مِنْ جَانِبِ الْمُتَكَلِّمِ، فَمَفْهُومُهُ أَنَّهُ لَوْ كَانَ كَثِيرًا ضَرَّ.
[فَصْلٌ فِي الْأَلْفَاظِ الْمُلْزِمَةِ لِلْعِوَضِ]
ِ إذَا (قَالَ) لِزَوْجَتِهِ: أَنْتِ (طَالِقٌ) أَوْ طَلَّقْتُك (وَعَلَيْك) كَذَا (أَوْ وَلِي عَلَيْك كَذَا) كَأَلْفٍ (وَلَمْ يَسْبِقْ طَلَبُهَا) لِلطَّلَاقِ (بِمَالٍ وَقَعَ) عَلَيْهِ الطَّلَاقُ (رَجْعِيًّا قَبِلَتْ أَمْ لَا وَلَا مَالَ) عَلَيْهَا لِلزَّوْجِ؛ لِأَنَّهُ أَوْقَعَ الطَّلَاقَ مَجَّانًا؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ عِوَضًا وَلَا شَرْطًا بَلْ ذَكَرَ جُمْلَةً مَعْطُوفَةً عَلَى الطَّلَاقِ، فَلَا يُتَأَثَّرُ بِهَا وَتَلْغُو فِي نَفْسِهَا، وَهَذَا بِخِلَافِ قَوْلِهَا: طَلِّقْنِي وَعَلَيَّ أَوْ لَكَ عَلَيَّ أَلْفٌ فَأَجَابَهَا فَإِنَّهُ يَقَعُ بَائِنًا بِأَلْفٍ؛ لِأَنَّ الزَّوْجَةَ يَتَعَلَّقُ بِهَا الْتِزَامُ الْمَالِ فَيُحْمَلُ اللَّفْظُ مِنْهَا عَلَى الِالْتِزَامِ وَالزَّوْجُ يَنْفَرِدُ بِالطَّلَاقِ.
تَنْبِيهٌ: مَحَلُّ مَا ذَكَرَهُ إذَا لَمْ يَشِعْ فِي الْعُرْفِ اسْتِعْمَالُ هَذَا اللَّفْظِ فِي طَلَبِ الْعِوَضِ وَإِلْزَامِهِ، فَإِنْ شَاعَ فَهُوَ كَقَوْلِهِ: طَلَّقْتُك عَلَى كَذَا، حَكَاهُ الشَّيْخَانِ عَنْ الْمُتَوَلِّي وَأَقَرَّاهُ.
فَإِنْ قِيلَ: نَقَلَ الرَّافِعِيُّ فِي تَعْلِيقِ الطَّلَاقِ عَنْ الْمُتَوَلِّي وَالْأَكْثَرِينَ أَنَّهُ إذَا تَعَارَضَ مَدْلُولَانِ لُغَوِيٌّ وَعُرْفِيٌّ قُدِّمَ اللُّغَوِيُّ، وَقَضِيَّةُ ذَلِكَ عَدَمُ اللُّزُومِ هُنَا.
أُجِيبَ بِأَنَّ الْكَلَامَ هُنَا فِيمَا إذَا اُشْتُهِرَ فِي الْعُرْفِ اسْتِعْمَالُ لَفْظٍ فِي إرَادَةِ شَيْءٍ، وَلَمْ يُعَارِضْهُ مَدْلُولٌ لُغَوِيٌّ، وَالْكَلَامُ هُنَاكَ فِيمَا إذَا تَعَارَضَ مَدْلُولَانِ لُغَوِيٌّ وَعُرْفِيٌّ، وَخَرَجَ بِقَوْلِهِ: وَلَمْ يَسْبِقْ طَلَبُهَا بِمَالٍ مَا إذَا سَبَقَ، فَإِنَّ الصِّيغَةَ تَكُونُ مُقْتَضِيَةً لِلِالْتِزَامِ، سَوَاءٌ أَكَانَ مَا طَلَبَتْهُ مُعَيَّنًا أَمْ لَا، كَقَوْلِهَا: طَلِّقْنِي بِمَالٍ وَسَيَأْتِي.
ثُمَّ اسْتَثْنَى مِنْ وُقُوعِ مَا ذَكَرَهُ
فَإِنْ قَالَ أَرَدْت مَا يُرَادُ بِطَلَّقْتُك بِكَذَا وَصَدَّقَتْهُ فَكَهُوَ فِي الْأَصَحِّ، وَإِنْ سَبَقَ بَانَتْ بِالْمَذْكُورِ، وَإِنْ قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ عَلَى أَنَّ لِي عَلَيْك كَذَا فَالْمَذْهَبُ أَنَّهُ كَطَلَّقْتُكِ بِكَذَا، فَإِذَا قَبِلَتْ بَانَتْ وَوَجَبَ الْمَالُ.
وَإِنْ قَالَ إنْ ضَمِنْت لِي أَلْفًا فَأَنْتِ طَالِقٌ
[مغني المحتاج]
رَجْعِيًّا مَا تَضَمَّنَهُ قَوْلُهُ (فَإِنْ قَالَ أَرَدْت) بِهِ (مَا يُرَادُ بِطَلَّقْتُكِ بِكَذَا وَصَدَّقَتْهُ) الزَّوْجَةُ (فَكَهُوَ) أَيْ فَكَقَوْلِهِ طَلَّقْتُك.
. إلَخْ (فِي الْأَصَحِّ) فَتَبِينُ مِنْهُ بِذَلِكَ الْمُسَمَّى إنْ قَبِلَتْ؛ لِأَنَّهُ يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ كِنَايَةً فِي اقْتِضَاءِ الْعِوَضِ، فَإِنْ لَمْ يَقْبَلْ لَمْ يَقَعْ.
وَالثَّانِي: الْمَنْعُ؛ إذْ لَا أَثَرَ لِلتَّوَافُقِ فِي ذَلِكَ لِأَنَّ اللَّفْظَ لَا يَصْلُحُ لِلْإِلْزَامِ، فَكَأَنْ لَا إرَادَةَ، وَعَلَى الْأَوَّلِ فَإِنْ لَمْ تُصَدِّقْهُ لَمْ يَلْزَمْهَا الْمَالُ قَطْعًا إنْ حَلَفَتْ أَنَّهَا لَا تَعْلَمُ أَنَّهُ أَرَادَ ذَلِكَ إنْ كَانَتْ قَبِلَتْ، فَإِنْ نَكَلَتْ وَحَلَفَ بَانَتْ بِالْمُسَمَّى، فَإِنْ لَمْ تَقْبَلْ فَلَا حَلِفَ وَكَأَنْ لَا إرَادَةَ وَحَيْثُ انْتَفَتْ الْإِرَادَةُ يَقَعُ الطَّلَاقُ ظَاهِرًا.
أَمَّا فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى، فَقَالَ السُّبْكِيُّ: يُقْطَعُ بِعَدَمِ الْوُقُوعِ، وَعَلَى الْوَجْهِ الثَّانِي لَا حَلِفَ؛ لِأَنَّهَا وَإِنْ صَدَّقَتْهُ لَمْ يُؤَثِّرْ.
تَنْبِيهٌ: قَوْلُ الْمُصَنِّفِ: فَكَهُوَ فِيهِ جَرُّ الضَّمِيرِ بِالْكَافِ، وَهُوَ شَاذٌّ (وَإِنْ سَبَقَ) طَلَبُهَا لِلطَّلَاقِ بِمَالٍ مُعَيَّنٍ، كَطَلِّقْنِي بِأَلْفٍ، فَقَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ وَعَلَيْك أَوْ لِي أَوْ وَلِي عَلَيْك أَلْفٌ (بَانَتْ بِالْمَذْكُورِ) لِتَوَافُقِهِمَا عَلَيْهِ، فَقَوْلُهُ: وَعَلَيْك أَلْفٌ إنْ لَمْ يَكُنْ مُؤَكَّدًا لَا يَكُونُ مَانِعًا.
أَمَّا إذَا سَبَقَ طَلَبُهَا بِمَالٍ مُبْهَمٍ، كَطَلِّقْنِي بِمَالٍ، فَإِنْ عَيَّنَهُ فِي جَوَابِهِ كَأَنْ قَالَ: طَلَّقْتُك عَلَى أَلْفٍ فَهُوَ كَمَا لَوْ ابْتَدَأَ، فَإِنْ قَبِلَتْ بَانَتْ بِالْأَلْفِ وَإِلَّا فَلَا طَلَاقَ، وَإِنْ أَبْهَمَ الْجَوَابَ، فَقَالَ: طَلَّقْتُك بِمَالٍ أَوْ اقْتَصَرَ عَلَى طَلَّقْتُك بَانَتْ بِمَهْرِ الْمِثْلِ.
تَنْبِيهٌ: مَحَلُّ الْبَيْنُونَةِ فِيمَا إذَا سَبَقَ طَلَبُهَا إذَا قَصَدَ جَوَابَهَا.
فَإِنْ قَالَ: قَصَدْت ابْتِدَاءَ الطَّلَاقِ وَقَعَ رَجْعِيًّا كَمَا قَالَهُ الْإِمَامُ وَأَقَرَّاهُ.
قَالَ وَالْقَوْلُ قَوْلُهُ فِي ذَلِكَ بِيَمِينِهِ، وَلَوْ سَكَتَ عَنْ التَّفْسِيرِ فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ يُجْعَلُ جَوَابًا (وَإِنْ) شَرَطَ شَرْطًا إلْزَامِيًّا كَأَنْ (قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ) أَوْ طَلَّقْتُك (عَلَى أَنَّ لِي عَلَيْك كَذَا) كَأَلْفٍ (فَالْمَذْهَبُ) الْمَنْصُوصُ، وَعَبَّرَ فِي الرَّوْضَةِ بِالصَّوَابِ الْمُعْتَمَدِ (أَنَّهُ كَطَلَّقْتُكِ بِكَذَا، فَإِذَا قَبِلَتْ) فَوْرًا كَمَا نَصَّ عَلَيْهِ فِي الْأُمِّ، بِأَنْ تَقُولَ: قَبِلْت، وَكَذَا ضَمِنْت كَمَا اقْتَضَاهُ كَلَامُ الْمَاوَرْدِيُّ (بَانَتْ وَوَجَبَ الْمَالُ) لِأَنَّ عَلَى لِلشَّرْطِ، فَجُعِلَ كَوْنُهُ عَلَيْهَا شَرْطًا، فَإِذَا ضَمِنَتْهُ طَلُقَتْ، هَذَا هُوَ الْمَنْصُوصُ فِي الْأُمِّ، وَقَطَعَ بِهِ الْعِرَاقِيُّونَ وَغَيْرُهُمْ، وَمُقَابِلُهُ قَوْلُ الْغَزَالِيِّ: يَقَعُ الطَّلَاقُ رَجْعِيًّا وَلَا مَالَ؛ لِأَنَّ الصِّيغَةَ شَرْطٌ، وَالشَّرْطُ فِي الطَّلَاقِ يَلْغُو إذَا لَمْ يَكُنْ مِنْ قَضَايَاهُ كَمَا لَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ عَلَى أَنَّ لَكِ عَلَيَّ كَذَا، فَإِذًا تَعْبِيرُ الْمُصَنِّفِ بِالْمَذْهَبِ لَيْسَ بِظَاهِرٍ لِأَنَّ الْمَسْأَلَةَ لَيْسَ فِيهَا خِلَافٌ مُحَقَّقٌ؛ لِأَنَّ الْغَزَالِيَّ لَيْسَ مِنْ أَصْحَابِ الْوُجُوهِ.
قَالَ الْأَذْرَعِيُّ: فَكَأَنَّهُ غَرَّهُ قَوْلُ الْمُحَرَّرِ: وَالظَّاهِرُ لَمْ يُرِدْ نَقْلَ خِلَافٍ بَلْ أَرَادَ أَنَّهُ الْمَنْقُولُ كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ كَلَامُهُ فِي مَوَاضِعَ اهـ.
أَمَّا الشَّرْطُ التَّعْلِيقِيُّ كَقَوْلِهِ: أَنْتِ طَالِقٌ إنْ أَعْطَيْتِنِي أَلْفًا فَلَا خِلَافَ فِي تَوَقُّفِهِ عَلَى الْإِعْطَاءِ.
(وَإِنْ قَالَ: إنْ ضَمِنْت لِي أَلْفًا فَأَنْتِ طَالِقٌ) أَوْ أَنْتِ طَالِقٌ إنْ ضَمِنْت لِي أَلْفًا
فَضَمِنَتْ فِي الْفَوْرِ بَانَتْ وَلَزِمَهَا الْأَلْفُ.
وَإِنْ قَالَ مَتَى ضَمِنْت فَمَتَى ضَمِنَتْ طَلُقَتْ، وَإِنْ ضَمِنَتْ دُونَ الْأَلْفِ لَمْ تَطْلُقْ، وَلَوْ ضَمِنَتْ أَلْفَيْنِ طَلُقَتْ، وَلَوْ قَالَ طَلِّقِي نَفْسَك إنْ ضَمِنْت لِي أَلْفًا فَقَالَتْ: طَلَّقْتُ وَضَمِنْتُ أَوْ عَكْسَهُ بَانَتْ بِأَلْفٍ، فَإِنْ اقْتَصَرَتْ عَلَى أَحَدِهِمَا فَلَا، وَإِذَا عَلَّقَ بِإِعْطَاءِ مَالٍ فَوَضَعَتْهُ بَيْنَ يَدَيْهِ طَلُقَتْ، وَالْأَصَحُّ
[مغني المحتاج]
(فَضَمِنَتْ) أَيْ الْتَزَمَتْ لَهُ الْأَلْفَ (فِي الْفَوْرِ بَانَتْ وَلَزِمَهَا الْأَلْفُ) لِوُجُودِ الشَّرْطِ فِي الْعَقْدِ الْمُقْتَضِي لِلْإِلْزَامِ إيجَابًا وَقَبُولًا، وَالْمُرَادُ بِالْفَوْرِ هُنَا وَفِيمَا مَرَّ مَجْلِسُ التَّوَاجُبِ كَمَا عَبَّرَ بِهِ فِي الْمُحَرَّرِ بِخِلَافِ مَا لَوْ أَعْطَتْهُ الْأَلْفَ أَوْ قَالَتْ رَضِيتُ أَوْ شِئْتُ أَوْ قَبِلْت بَدَلَ ضَمِنْت؛ لِأَنَّ الْمُعَلَّقَ عَلَيْهِ الضَّمَانُ لَا غَيْرُهُ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِالضَّمَانِ هُنَا وَفِيمَا يَأْتِي فِي الْبَابِ الضَّمَانُ الْمُحْتَاجُ إلَى أَصْلٍ فَذَاكَ عَقْدٌ مُسْتَقِلٌّ مَذْكُورٌ فِي بَابِهِ، وَلَا الِالْتِزَامُ الْمُبْتَدَأُ؛ لِأَنَّ ذَاكَ لَا يَصِحُّ إلَّا بِالنَّذْرِ، بَلْ الْمُرَادُ الْتِزَامٌ بِقَبُولٍ عَلَى سَبِيلِ الْعِوَضِ فَلِذَلِكَ لَزِمَ لِأَنَّهُ فِي ضِمْنِ عَقْدٍ.
تَنْبِيهٌ: هَلْ يَكْفِي مُرَادِفُ الضَّمَانِ كَالِالْتِزَامِ أَوْ لَا؟ الْمُتَّجَهُ الْأَوَّلُ.
قَالَ شَيْخُنَا: وَفِي كَلَامِهِمْ مَا يَدُلُّ لَهُ، وَلَوْ كَانَ الْقَدْرُ الْمُعَلَّقُ عَلَى ضَمَانَةٍ لِلزَّوْجِ عَلَى غَيْرِهِ وَقَالَتْ: ضَمِنْت لَك وَقَعَ رَجْعِيًّا كَمَا بَحَثَهُ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ (وَإِنْ قَالَ: مَتَى ضَمِنْت) لِي أَلْفًا فَأَنْتِ طَالِقٌ يُشْتَرَطُ فَوْرٌ (فَمَتَى ضَمِنَتْ) أَيْ وَقْتَ (طَلُقَتْ) لِأَنَّ مَتَى لِلتَّرَاخِي كَمَا سَبَقَ، وَتَقَدَّمَ الْفَرْقُ بَيْنَ إنْ وَمَتَى.
تَنْبِيهٌ: أَفْهَمَ كَلَامُهُ أَنَّهُ لَيْسَ لِلزَّوْجِ الرُّجُوعُ قَبْلَ الضَّمَانِ، وَهُوَ كَذَلِكَ (وَإِنْ ضَمِنَتْ دُونَ الْأَلْفِ لَمْ تَطْلُقْ) لِعَدَمِ وُجُودِ الصِّفَةِ الْمُعَلَّقِ عَلَيْهَا (وَلَوْ ضَمِنَتْ أَلْفَيْنِ) مَثَلًا (طَلُقَتْ) لِوُجُودِ الْمُعَلَّقِ عَلَيْهِ مَعَ زِيَادَةٍ، وَهَذَا بِخِلَافِ مَا مَرَّ فِي طَلَّقْتُكِ بِأَلْفٍ فَقَبِلَتْ بِأَلْفَيْنِ لِاشْتِرَاطِ التَّوَافُقِ فِي صِيغَةِ الْمُعَاوَضَةِ، ثُمَّ الْمَزِيدُ يَلْغُو ضَمَانُهُ، وَإِذَا قَبَضَ الزَّائِدَ فَهُوَ أَمَانَةٌ عِنْدَهُ.
تَنْبِيهٌ: لَوْ نَقَصَتْ أَوْ زَادَتْ فِي التَّعْلِيقِ بِالْإِعْطَاءِ كَانَ الْحُكْمُ كَمَا ذَكَرْنَا هُنَا (وَلَوْ قَالَ: طَلِّقِي نَفْسَك إنْ ضَمِنْت لِي أَلْفًا فَقَالَتْ) فَوْرًا كَمَا يُشْعِرُ بِهِ التَّعْبِيرُ بِالْفَاءِ (طَلُقَتْ وَضَمِنَتْ أَوْ) قَالَتْ (عَكْسَهُ) أَيْ ضَمِنَتْ وَطَلُقَتْ (بَانَتْ) فِي الصُّورَتَيْنِ (بِأَلْفٍ) وَإِنْ تَأَخَّرَ تَسْلِيمُ الْمَالِ عَنْ الْمَجْلِسِ؛ لِأَنَّ أَحَدَهُمَا شَرْطٌ فِي الْآخَرِ يُعْتَبَرُ اتِّصَالُهُ بِهِ، فَهُمَا قَبُولٌ وَاحِدٌ فَاسْتَوَى تَقْدِيمُ أَحَدِهِمَا وَتَأْخِيرُهُ (فَإِنْ اقْتَصَرَتْ عَلَى أَحَدِهِمَا) بِأَنْ ضَمِنَتْ وَلَمْ تَطْلُقْ أَوْ عَكْسُهُ (فَلَا) تَبِينُ فِيهِمَا وَلَا مَالَ؛ لِأَنَّهُ فَوَّضَ إلَيْهَا التَّطْلِيقَ وَجَعَلَ لَهُ شَرْطًا فَلَا بُدَّ مِنْ التَّطْلِيقِ وَالشَّرْطِ (وَإِذَا عَلَّقَ) الطَّلَاقَ (بِإِعْطَاءِ مَالٍ فَوَضَعَتْهُ) فَوْرًا (بَيْنَ يَدَيْهِ) بِنِيَّةِ الدَّفْعِ عَنْ جِهَةِ التَّعْلِيقِ (طَلَقَتْ) بِفَتْحِ اللَّامِ أَفْصَحُ مِنْ ضَمِّهَا؛ لِأَنَّهُ إعْطَاءٌ عُرْفًا، وَلِهَذَا يُقَالُ: أَعْطَيْت فَلَمْ يَأْخُذْ، لَكِنْ لَا بُدَّ مِنْ تَمَكُّنِهِ مِنْ أَخْذِهِ وَإِنْ لَمْ يَأْخُذْهُ؛ لِأَنَّ تَمْكِينَهَا إيَّاهُ مِنْ الْأَخْذِ إعْطَاءٌ مِنْهَا، وَهُوَ بِالِامْتِنَاعِ مُفَوِّتٌ لِحَقِّهِ، فَإِنْ قَالَتْ: لَمْ أَقْصِدْ الدَّفْعَ عَنْ جِهَةِ التَّعْلِيقِ أَوْ تَعَذَّرَ عَلَيْهِ الْأَخْذُ بِحَبْسٍ أَوْ جُنُونٍ أَوْ نَحْوِهِ لَمْ تَطْلُقْ كَمَا قَالَهُ السُّبْكِيُّ، وَيَنْبَغِي كَمَا قَالَ الْأَذْرَعِيُّ وَغَيْرُهُ: أَنْ يُعْتَبَرَ عِلْمُهُ بِوَضْعِهِ بَيْنَ يَدَيْهِ (وَالْأَصَحُّ
دُخُولُهُ فِي مِلْكِهِ، وَإِنْ قَالَ إنْ أَقْبَضْتِنِي فَقِيلَ كَالْإِعْطَاءِ، وَالْأَصَحُّ كَسَائِرِ التَّعْلِيقِ فَلَا يَمْلِكُهُ، وَلَا يُشْتَرَطُ لِلْإِقْبَاضِ مَجْلِسٌ.
قُلْت: وَيَقَعُ رَجْعِيًّا، وَيُشْتَرَطُ لِتَحَقُّقِ الصِّفَةِ أَخْذٌ بِيَدِهِ مِنْهَا، وَلَوْ مُكْرَهَةً، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ، وَلَوْ عَلَّقَ بِإِعْطَاءِ عَبْدٍ وَوَصَفَهُ بِصِفَةِ سَلَمٍ فَأَعْطَتْهُ لَا بِالصِّفَةِ لَمْ تَطْلُقْ أَوْ بِهَا
[مغني المحتاج]
دُخُولُهُ) أَيْ الْمُعْطَى (فِي مِلْكِهِ) قَهْرًا وَإِنْ لَمْ يَأْخُذْهُ لِأَنَّ التَّعْلِيقَ يَقْتَضِي وُقُوعَ الطَّلَاقِ عِنْدَ الْإِعْطَاءِ، وَلَا يُمْكِنُ إيقَاعُهُ مَجَّانًا مَعَ قَصْدِ الْعِوَضِ وَقَدْ مَلَكَتْ زَوْجَتُهُ بَعْضَهَا فَيَمْلِكُ الْآخَرُ الْعِوَضَ عَنْهُ وَيَقَعُ بِإِعْطَاءِ وَكِيلِهِمَا إنْ أَمَرَتْهُ بِالْإِعْطَاءِ وَأَعْطَى بِحُضُورِهِمَا وَيَمْلِكُهُ تَنْزِيلًا لِحُضُورِهَا مَعَ إعْطَاءِ وَكِيلِهِمَا مَنْزِلَةَ إعْطَائِهَا، بِخِلَافِ مَا إذَا أَعْطَاهُ فِي غَيْبَتِهَا؛ لِأَنَّهَا لَمْ تُعْطِهِ حَقِيقَةً وَلَا تَنْزِيلًا، وَبِخِلَافِ مَا إذَا أَعْطَتْهُ عَنْ الْمُعَلَّقِ عَلَيْهِ عِوَضًا أَوْ كَانَ عَلَيْهِ مَثَلًا فَتَقَاصَّا لِعَدَمِ وُجُودِ الْمُعَلَّقِ عَلَيْهِ.
وَالثَّانِي: لَا يَدْخُلُ فِي مِلْكِهِ فَيَرُدَّهُ وَيَرْجِعَ لِمَهْرِ الْمِثْلِ وَكَالْإِعْطَاءِ الْإِيتَاءُ وَالْمَجِيءُ (وَإِنْ قَالَ: إنْ أَقْبَضْتِنِي) كَذَا فَأَنْتِ طَالِقٌ (فَقِيلَ) حُكْمُهُ (كَالْإِعْطَاءِ) فِي اشْتِرَاطِ الْفَوْرِيَّةِ وَمِلْكِ الْمَقْبُوضِ (وَالْأَصَحُّ) أَنَّهُ (كَسَائِرِ) صُوَرِ (التَّعْلِيقِ) الَّتِي لَا مُعَاوَضَةَ فِيهَا؛ لِأَنَّ الْإِقْبَاضَ لَا يَقْتَضِي التَّمْلِيكَ فَيَكُونُ صِفَةً مَحْضَةً بِخِلَافِ الْإِعْطَاءِ؛ لِأَنَّهُ إذَا قِيلَ: أَعْطَاهُ فُهِمَ مِنْهُ التَّمْلِيكُ وَإِذَا قِيلَ أَقْبَضَهُ لَمْ يُفْهَمْ مِنْهُ ذَلِكَ وَحِينَئِذٍ (فَلَا يَمْلِكُهُ) أَيْ الْمَقْبُوضَ، وَخَصَّهُ الْمُتَوَلِّي بِمَا إذَا لَمْ تَسْبِقْ قَرِينَةٌ تَدُلُّ عَلَى التَّمْلِيكِ، فَإِنْ سَبَقَ مِنْهُ مَا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ: كَقَوْلِهِ: إنْ أَقْبَضْتِنِي كَذَا لِأَقْضِيَ بِهِ دَيْنِي أَوْ لِأَصْرِفَهُ فِي حَوَائِجِي فَتَمْلِيكٌ كَالْإِعْطَاءِ.
قَالَ فِي زِيَادَةِ الرَّوْضَةِ: وَهُوَ مُتَعَيَّنٌ (وَلَا يُشْتَرَطُ لِلْإِقْبَاضِ) فِي صُورَةِ التَّعْلِيقِ بِهِ (مَجْلِسٌ) أَيْ إقْبَاضٌ فِي مَجْلِسِ التَّوَاجُبِ كَسَائِرِ التَّعْلِيقَاتِ (قُلْت: وَيَقَعُ) الطَّلَاقُ (رَجْعِيًّا) فِي الصُّورَةِ الْمَذْكُورَةِ؛ لِأَنَّ الْإِقْبَاضَ لَا يَقْتَضِي التَّمْلِيكَ (وَيُشْتَرَطُ لِتَحَقُّقِ الصِّفَةِ) وَهِيَ الْإِقْبَاضُ (أَخْذٌ بِيَدِهِ مِنْهَا) فَلَا يَكْفِي الْوَضْعُ بَيْنَ يَدَيْهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُسَمَّى قَبْضًا، وَهَذَا الشَّرْطُ ذَكَرَاهُ فِي الشَّرْحِ وَالرَّوْضَةِ فِي صِيغَةِ: فَإِنْ قَبَضْت مِنْكَ لَا فِي إنْ أَقْبَضْتِنِي، وَكَذَا قَوْلُهُ: (وَلَوْ مُكْرَهَةً، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ) إنَّمَا ذَكَرَاهُ فِي الشَّرْحِ وَالرَّوْضَةِ فِي صِيغَةِ إنْ قَبَضْت مِنْك فَذَكَرَهُ فِي إنْ أَقْبَضْتِنِي.
قَالَ السُّبْكِيُّ: سَهْوٌ؛ لِأَنَّ الْإِقْبَاضَ بِالْإِكْرَاهِ الْمُلْغَى شَرْعًا لَا اعْتِبَارَ بِهِ.
وَقَالَ الْأَذْرَعِيُّ الْأَصَحُّ أَنَّ الْإِكْرَاهَ يَرْفَعُ حُكْمَ الْخَنَثِ.
قَالَ ابْنُ شُهْبَةَ: وَحِينَئِذٍ فَمَا وَقَعَ فِي الْمِنْهَاجِ سَهْوٌ حَصَلَ مِنْ انْتِقَالِهِ مِنْ قَوْلِهِ: إنْ قَبَضْت إلَى قَوْلِهِ إنْ أَقْبَضْتِنِي اهـ.
وَجَرَى عَلَى ذَلِكَ شَيْخُنَا فِي مَنْهَجِهِ، وَقَالَ فِي شَرْحِهِ: فَذِكْرُ الْأَصْلِ لَهُ فِي مَسْأَلَةِ الْإِقْبَاضِ سَبْقُ قَلَمٍ اهـ. وَبِالْجُمْلَةِ فَمَا فِي الرَّوْضَةِ وَأَصْلِهَا أَوْجَهُ مِمَّا فِي الْكِتَابِ وَإِنْ قَالَ الشَّارِحُ: إنَّ الْقَبْضَ مُتَضَمِّنٌ لِلْإِقْبَاضِ (وَلَوْ عَلَّقَ) طَلَاقَهَا (بِإِعْطَاءِ) نَحْوِ (عَبْدٍ) كَثَوْبٍ (وَوَصَفَهُ بِصِفَةِ سَلَمٍ) وَهِيَ الَّتِي يَصِحُّ بِهَا ثُبُوتُهُ فِي الذِّمَّةِ أَوْ وَصَفَهُ بِصِفَةٍ دُونَ صِفَةِ السَّلَمِ بِأَنْ لَمْ يَسْتَوْفِهَا (فَأَعْطَتْهُ) عَبْدًا (لَا بِالصِّفَةِ) الَّتِي وَصَفَهَا (لَمْ تَطْلُقْ) لِعَدَمِ وُجُودِ الصِّفَةِ (أَوْ) أَعْطَتْهُ عَبْدًا (بِهَا) طَلُقَتْ بِهِ فِي الْأُولَى وَمَهْرُ مِثْلٍ فِي الثَّانِيَةِ لِفَسَادِ الْعِوَضِ فِيهَا بِعَدَمِ اسْتِيفَاءِ صِفَةِ السَّلَمِ، وَإِنْ أَعْطَتْهُ عَبْدًا فِي الْأُولَى
مَعِيبًا فَلَهُ رَدُّهُ وَمَهْرُ مِثْلٍ، وَفِي قَوْلٍ قِيمَتُهُ سَلِيمًا.
وَلَوْ قَالَ عَبْدًا طَلُقَتْ بِعَبْدٍ إلَّا مَغْصُوبًا فِي الْأَصَحِّ وَلَهُ مَهْرُ مِثْلٍ.
وَلَوْ مَلَكَ طَلْقَةً فَقَطْ فَقَالَتْ طَلِّقْنِي ثَلَاثًا بِأَلْفٍ فَطَلَّقَ الطَّلْقَةَ فَلَهُ أَلْفٌ، وَقِيلَ ثُلُثُهُ،
[مغني المحتاج]
(مَعِيبًا فَلَهُ رَدُّهُ) لِأَنَّ الْإِطْلَاقَ يَقْتَضِي السَّلَامَةَ، فَإِذَا اطَّلَعَ فِيهِ عَلَى عَيْبٍ تَخَيَّرَ، فَإِنْ شَاءَ أَمْسَكَهُ وَلَا شَيْءَ لَهُ، وَإِنْ شَاءَ رَدَّهُ (وَ) لَهُ (مَهْرُ مِثْلٍ) لِفَسَادِ الْعِوَضِ (وَفِي قَوْلٍ قِيمَتُهُ سَلِيمًا) الْخِلَافُ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ بَدَلَ الْخُلْعِ فِي يَدِ الزَّوْجَةِ مَضْمُونٌ ضَمَانَ عَقْدٍ أَوْ ضَمَانَ يَدٍ، وَمَرَّ أَنَّ الرَّاجِحَ الْأَوَّلُ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُطَالِبَ بِعَبْدٍ بِتِلْكَ الصِّفَةِ سَلِيمٍ لِوُقُوعِ الطَّلَاقِ بِالْمُعْطَى بِخِلَافِ غَيْرِ التَّعْلِيقِ كَمَا لَوْ قَالَ: طَلَّقْتُك عَلَى عَبْدٍ صِفَتُهُ كَذَا فَقَبِلَتْ وَأَعْطَتْهُ عَبْدًا بِتِلْكَ الصِّفَةِ مَعِيبًا لَهُ رَدُّهُ وَالْمُطَالَبَةُ بِعَبْدٍ سَلِيمٍ؛ لِأَنَّ الطَّلَاقَ وَقَعَ قَبْلَ الْإِعْطَاءِ بِالْقَبُولِ عَلَى عَبْدٍ فِي الذِّمَّةِ.
تَنْبِيهٌ: لَوْ كَانَ قِيمَةُ الْعَبْدِ مَعَ الْعَيْبِ أَكْثَرَ مِنْ مَهْرِ الْمِثْلِ وَكَانَ الزَّوْجُ مَحْجُورًا عَلَيْهِ بِسَفَهٍ أَوْ فَلَسٍ فَلَا رَدَّ؛ لِأَنَّهُ يُفَوِّتُ الْقَدْرَ الزَّائِدَ عَلَى السَّفِيهِ وَعَلَى الْغُرَمَاءِ، وَلَوْ كَانَ الزَّوْجُ عَبْدًا فَالرَّدُّ لِلسَّيِّدِ، أَيْ الْمُطْلَقِ التَّصَرُّفِ كَمَا قَالَهُ الزَّرْكَشِيُّ وَإِلَّا فَوَلِيُّهُ.
(وَلَوْ قَالَ) فِي تَعْلِيقِهِ بِالْإِعْطَاءِ إنْ أَعْطَيْتِنِي (عَبْدًا) وَلَمْ يَصِفْهُ (طَلُقَتْ بِعَبْدٍ) أَيْ بِكُلِّ عَبْدٍ عَلَى أَيِّ صِفَةٍ، صَغِيرًا كَانَ أَوْ كَبِيرًا، سَلِيمًا أَوْ مَعِيبًا، وَلَوْ مُدَبَّرًا أَوْ مُعَلَّقًا عِتْقُهُ بِصِفَةٍ، وَأَفْهَمَ كَلَامُهُ أَنَّهَا لَا تَطْلُقُ بِإِعْطَاءِ خُنْثَى وَأَمَةٍ، وَهُوَ كَذَلِكَ لِعَدَمِ وُجُودِ الصِّفَةِ وَإِنْ قَالَ ابْنُ حَزْمٍ: إنَّ الْعَبْدَ يُطْلَقُ عَلَى الْأَمَةِ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مَشْهُورٍ، وَكَانَ الْأَوْلَى لِلْمُصَنِّفِ أَنْ يَقُولَ: طَلُقَتْ بِكُلِّ عَبْدٍ كَمَا قَدَّرْتُهُ فِي كَلَامِهِ لِيَصِحَّ قَوْلُهُ (إلَّا مَغْصُوبًا فِي الْأَصَحِّ) فَإِنَّ الِاسْتِثْنَاءَ لَا يَكُونُ إلَّا مِنْ عَامٍّ، وَلَوْ قَالَ: إلَّا عَبْدًا لَا يَصِحُّ بَيْعُهُ لِيَشْمَلَ الْمُكَاتَبَ وَالْمُشْتَرَكَ وَالْمَرْهُونَ وَنَحْوَ ذَلِكَ لَكَانَ أَوْلَى؛ لِأَنَّ الْإِعْطَاءَ يَقْتَضِي التَّمْلِيكَ كَمَا مَرَّ، وَلَا يُمْكِنُ تَمْلِيكُ مَا لَا يَصِحُّ بَيْعُهُ، وَالثَّانِي: تَطْلُقُ بِمَنْ ذُكِرَ كَالْمَمْلُوكِ لِأَنَّ الزَّوْجَ لَا يَمْلِكُ الْمُعْطَى وَلَوْ كَانَ مَمْلُوكًا لَهَا كَمَا مَرَّ.
تَنْبِيهٌ: دَخَلَ فِي الْمَغْصُوبِ مَا لَوْ كَانَ عَبْدًا لَهَا وَهُوَ مَغْصُوبٌ فَأَعْطَتْهُ لِلزَّوْجِ فَإِنَّهَا لَا تَطْلُقُ بِهِ كَمَا قَالَهُ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَإِنْ بَحَثَ الْمَاوَرْدِيُّ الْوُقُوعَ.
نَعَمْ لَوْ خَرَجَ بِالدَّفْعِ عَنْ الْمَغْصُوبِ فَلَا شَكَّ فِي الطَّلَاقِ كَمَا قَالَهُ الْأَذْرَعِيُّ (وَلَهُ) فِي غَيْرِ الْمَغْصُوبِ وَنَحْوِهِ (مَهْرُ مِثْلٍ) بَدَلَ الْمُعْطَى لِتَعَذُّرِ مِلْكِهِ لَهُ؛ لِأَنَّهُ مَجْهُولٌ عِنْدَ التَّعْلِيقِ، وَالْمَجْهُولُ لَا يَصِحُّ عِوَضًا.
فَإِنْ قِيلَ تَصْوِيرُ مَسْأَلَةِ الْمَتْنِ مُشْكِلٌ؛ لِأَنَّ التَّعْلِيقَ بِإِعْطَاءِ الْعَبْدِ فِيهَا مُحْتَمِلٌ لِلتَّمْلِيكِ وَالْإِقْبَاضِ، فَإِنْ أُرِيدَ التَّمْلِيكُ فَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَقَعَ، وَإِنْ أُرِيدَ الْإِقْبَاضُ فَيَقَعُ رَجْعِيًّا، وَالْعَبْدُ فِي يَدِ الزَّوْجِ أَمَانَةٌ، وَهُوَ وَجْهٌ.
أُجِيبَ بِأَنَّ الْمُرَادَ الْأَوَّلُ لَكِنَّهُ لَمَّا تَعَذَّرَ مِلْكُهُ لِجَهْلِهِ رَجَعَ فِيهِ إلَى بَدَلِهِ، وَحَيْثُمَا ثَبَتَ الْبَدَلُ ثَبَتَ بَائِنًا.
ثُمَّ شَرَعَ فِي سُؤَالِ الْمَرْأَةِ الطَّلَاقَ، فَقَالَ (وَلَوْ مَلَكَ طَلْقَةً فَقَطْ فَقَالَتْ: طَلِّقْنِي ثَلَاثًا بِأَلْفٍ فَطَلَّقَ الطَّلْقَةَ) الَّتِي يَمْلِكُهَا (فَلَهُ أَلْفٌ) عَلَى الْأَصَحِّ الْمَنْصُوصِ عَلِمَتْ الْحَالَ أَوْ لَا؛ لِأَنَّهُ حَصَلَ بِهَا مَقْصُودُ الثَّلَاثِ، وَهُوَ الْبَيْنُونَةُ الْكُبْرَى (وَقِيلَ) لَهُ (ثُلُثُهُ) أَيْ الْأَلْفِ تَوْزِيعًا لِلْمُسَمَّى عَلَى
وَقِيلَ إنْ عَلِمَتْ الْحَالَ فَأَلْفٌ وَإِلَّا فَثُلُثُهُ.
وَلَوْ طَلَبَتْ طَلْقَةً بِأَلْفٍ فَطَلَّقَ بِمِائَةٍ وَقَعَ بِمِائَةٍ، وَقِيلَ بِأَلْفٍ، وَقِيلَ لَا تَقَعُ،
[مغني المحتاج]
الْعَدَدِ، وَهَذَا مِنْ تَخْرِيجِ الْمُزَنِيِّ (وَقِيلَ: إنْ عَلِمَتْ الْحَالَ) وَهُوَ مِلْكُهُ لِطَلْقَةٍ وَاحِدَةٍ فَقَطْ (فَأَلْفٌ) لِأَنَّ الْمُرَادَ، وَالْحَالَةُ هَذِهِ كَمِّلْ لِي الثَّلَاثَ (وَإِلَّا) بِأَنْ جَهِلَتْ الْحَالَ (فَثُلُثُهُ) وَهَذَا تَوَسُّطٌ لِابْنِ سُرَيْجٍ وَأَبِي إِسْحَاقَ حَمْلًا لِلْأَوَّلِ عَلَى حَالَةِ الْعِلْمِ، وَالثَّانِي عَلَى حَالَةِ الْجَهْلِ، وَعَلَى الْأَوَّلِ لَوْ طَلَّقَهَا ثَلَاثًا وَلَوْ مَعَ قَوْلِهِ إحْدَاهُنَّ بِأَلْفٍ وَنَوَى بِهِ الطَّلْقَةَ الْأُولَى أَيْ الْبَاقِيَةَ لَزِمَهَا الْأَلْفُ؛ لِأَنَّ مَقْصُودَهَا مِنْ الْبَيْنُونَةِ الْكُبْرَى حَصَلَ بِذَلِكَ، وَكَذَا لَوْ لَمْ يَنْوِ شَيْئًا لِمُطَابَقَةِ الْجَوَابِ السُّؤَالَ وَإِنْ نَوَى بِهِ غَيْرَهَا، أَيْ غَيْرَ مَا يَمْلِكُهَا وَقَعَتْ الْأُولَى، أَيْ الَّتِي يَمْلِكُهَا مَجَّانًا، فَإِنْ قَالَتْ لَهُ: طَلِّقْنِي ثَلَاثًا بِأَلْفٍ وَاحِدَةٌ مِنْهُنَّ تَكْمِلَةُ الثَّلَاثِ وَثِنْتَانِ يَقَعَانِ عَلَيَّ إذَا تَزَوَّجْتَنِي بَعْدَ زَوْجٍ أَوْ يَكُونَانِ فِي ذِمَّتِك تُنْجِزْهُمَا حِينَئِذٍ فَطَلَّقَهَا ثَلَاثًا أَوْ ثِنْتَيْنِ أَوْ وَاحِدَةً وَقَعَتْ الْوَاحِدَةُ فَقَطْ وَلَغَا كَلَامُهَا فِي الْأُخْرَيَيْنِ؛ لِأَنَّ تَعْلِيقَ الطَّلَاقِ بِالنِّكَاحِ وَإِثْبَاتَهُ فِي الذِّمَّةِ بَاطِلَانِ، وَلَهَا الْخِيَارُ فِي الْعِوَضِ لِتَبْعِيضِ الصَّفْقَةِ، فَإِنْ أَجَازَتْ فَبِثُلُثِ الْأَلْفِ عَمَلًا بِالتَّقْسِيطِ كَمَا فِي الْبَيْعِ وَإِنْ فَسَخَتْ فَبِمَهْرِ الْمِثْلِ.
قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: وَلَيْسَ لَنَا صُورَةٌ تُفِيدُ الْبَيْنُونَةَ الْكُبْرَى وَلَا تَسْتَحِقُّ الْمُسَمَّى غَيْرَ هَذِهِ.
فُرُوعٌ: لَوْ قَالَتْ: طَلِّقْنِي نِصْفَ طَلْقَةٍ بِأَلْفٍ أَوْ طَلِّقْ بَعْضِي كَيَدِي بِأَلْفٍ فَفَعَلَ وَقَعَتْ طَلْقَةٌ تَكْمِيلًا لِلْبَعْضِ بِمَهْرِ الْمِثْلِ لِفَسَادِ صِيغَةِ الْمُعَاوَضَةِ، وَيَقَعُ أَيْضًا طَلْقَةٌ بِمَهْرِ الْمِثْلِ إذَا ابْتَدَأَهَا بِقَوْلِهِ: أَنْتِ طَالِقٌ نِصْفُ طَلْقَةٍ أَوْ نِصْفُك مَثَلًا طَالِقٌ بِأَلْفٍ فَقَبِلَتْ، أَوْ قَالَتْ طَلِّقْنِي بِأَلْفٍ فَطَلَّقَ يَدَهَا مَثَلًا لِفَسَادِ الصِّيغَةِ فِي الْأُولَى وَعَدَمِ إمْكَانِ التَّقْسِيطِ فِي الثَّانِيَةِ، وَإِنْ طَلَّقَ فِيهَا نِصْفَهَا وَجَبَ نِصْفُ الْمُسَمَّى لِإِمْكَانِ التَّقْسِيطِ، كَمَا لَوْ قَالَتْ: طَلِّقْنِي ثَلَاثًا بِأَلْفٍ فَطَلَّقَهَا وَاحِدَةً وَنِصْفًا، وَلَوْ طَلَبَتْ عَشْرًا بِأَلْفٍ وَهُوَ لَا يَمْلِكُ عَلَيْهَا إلَّا طَلْقَةً اسْتَحَقَّهُ بِوَاحِدَةٍ، أَوْ بِبَعْضِهَا تَكْمُلُ الثَّلَاثُ وَإِنْ كَانَ لَا يَمْلِكُ عَلَيْهَا إلَّا ثِنْتَيْنِ اسْتَحَقَّ بِوَاحِدَةٍ عُشْرَهُ، وَبِالثِّنْتَيْنِ الْجَمِيعَ، أَوْ الثَّلَاثَ اسْتَحَقَّ بِوَاحِدَةٍ عُشْرَهُ، وَبِثِنْتَيْنِ خُمُسَهُ، وَبِثَلَاثَةٍ جَمِيعَهُ، وَبِوَاحِدَةٍ وَنِصْفٍ عُشْرٌ وَنِصْفُ عُشْرٍ وَإِنْ وَقَعَ بِذَلِكَ طَلْقَتَانِ؛ لِأَنَّ الْعِبْرَةَ بِمَا أُوقِعَ لَا بِمَا وَقَعَ.
فَإِنْ قِيلَ: قَدْ مَرَّ أَنَّهُ لَوْ طَلَّقَهَا نِصْفَ طَلْقَةٍ، وَهُوَ لَا يَمْلِكُ غَيْرَهَا أَنَّهُ يَسْتَحِقُّ الْجَمِيعَ فَقَدْ اعْتَبَرْتُمْ مَا وَقَعَ.
أُجِيبَ بِأَنَّهُ هُنَاكَ أَفَادَهَا الْبَيْنُونَةَ الْكُبْرَى.
وَلَوْ قَالَتْ لَهُ وَهُوَ يَمْلِكُ عَلَيْهَا الثَّلَاثَ: طَلِّقْنِي ثَلَاثًا بِأَلْفٍ وَثِنْتَيْنِ مَجَّانًا لَمْ تَقَعْ الْوَاحِدَةُ لِعَدَمِ التَّوَافُقِ وَوَقَعَ الثِّنْتَانِ مَجَّانًا لِاسْتِقْلَالِهِ بِالطَّلَاقِ مَجَّانًا، وَإِنْ طَلَّقَ وَاحِدَةً بِثُلُثِ الْأَلْفِ وَثِنْتَيْنِ مَجَّانًا وَقَعَتْ الْأُولَى فَقَطْ بِثُلُثِهِ لِمُوَافَقَتِهِ مَا اقْتَضَاهُ طَلَبُهَا مِنْ التَّوْزِيعِ دُونَ مَا عَدَاهَا لِبَيْنُونَتِهَا، وَإِنْ طَلَّقَهَا ثِنْتَيْنِ مَجَّانًا وَوَاحِدَةً بِثُلُثِ الْأَلْفِ وَقَعَ الثَّلَاثُ إنْ كَانَ مَدْخُولًا بِهَا وَإِلَّا فَالثِّنْتَانِ دُونَ الثَّالِثَةِ لِلْبَيْنُونَةِ (وَلَوْ طَلَبَتْ طَلْقَةً بِأَلْفٍ فَطَلَّقَ) طَلْقَةً (بِمِائَةٍ وَقَعَ بِمِائَةٍ) لِأَنَّهُ قَادِرٌ عَلَى الطَّلَاقِ بِغَيْرِ عِوَضٍ فَكَذَا عَلَى بَعْضِهِ (وَقِيلَ: بِأَلْفٍ) لِأَنَّهَا بَانَتْ بِقَوْلِهِ طَلَّقْتُك فَاسْتَحَقَّ الْأَلْفَ وَلَغَا قَوْلُهُ بِمِائَةٍ (وَقِيلَ: لَا تَقَعُ) بِمُثَنَّاةٍ فَوْقِيَّةٍ أَوَّلُهُ بِخَطِّهِ لِلْمُخَالَفَةِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُطَابِقْ السُّؤَالَ كَمَا لَوْ خَالَفَتْهُ فِي قَبُولِهَا.
وَلَوْ قَالَتْ طَلِّقْنِي غَدًا بِأَلْفٍ فَطَلَّقَ غَدًا أَوْ قَبْلَهُ بَانَتْ بِمَهْرِ مِثْلٍ، وَقِيلَ فِي قَوْلٍ بِالْمُسَمَّى.
وَإِنْ قَالَ: إذَا دَخَلْت الدَّارَ فَأَنْتِ طَالِقٌ بِأَلْفٍ فَقَبِلَتْ وَدَخَلْت طَلُقَتْ عَلَى الصَّحِيحِ بِالْمُسَمَّى، وَفِي وَجْهٍ، أَوْ قَوْلٍ بِمَهْرِ الْمِثْلِ.
[مغني المحتاج]
تَنْبِيهٌ: أَهْمَلَ الْمُصَنِّفُ مِنْ الْمُحَرَّرِ مَسْأَلَةً، وَهِيَ مَا لَوْ قَالَتْ: طَلِّقْنِي وَاحِدَةً بِأَلْفٍ فَقَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا فَيَقَعُ الثَّلَاثُ بِالْأَلْفِ، وَلَوْ أَعَادَ ذِكْرَ الْأَلْفِ فَقَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا بِأَلْفٍ فَكَذَا عَلَى الْأَظْهَرِ.
قَالَ ابْنُ شُهْبَةَ: وَكَأَنَّ ذَلِكَ سَقَطَ مِنْ نُسْخَةِ الْمُصَنِّفِ بِالْمُحَرَّرِ، وَهُوَ ثَابِتٌ فِي النُّسَخِ الصَّحِيحَةِ وَحَكَى عَنْ نُسْخَةِ الْمُصَنِّفِ (وَلَوْ قَالَتْ: طَلِّقْنِي غَدًا بِأَلْفٍ) أَوْ وَلَكَ عَلَيَّ أَلْفٌ كَمَا فِي الْمُحَرَّرِ، أَوْ إنْ طَلَّقْتَنِي غَدًا فَلَكَ عَلَيَّ، أَوْ خُذْ هَذِهِ الْأَلْفِ عَلَى أَنْ تُطَلِّقَنِي غَدًا كَمَا فِي الرَّوْضَةِ وَأَصْلِهَا (فَطَلَّقَ غَدًا أَوْ قَبْلَهُ) فَسَدَ الْخُلْعُ (بَانَتْ) لِأَنَّهُ إنْ طَلَّقَ فِي الْغَدِ فَقَدْ حَصَلَ مَقْصُودُهَا، وَإِنْ طَلَّقَ قَبْلَهُ فَقَدْ حَصَّلَهُ مَعَ زِيَادَةٍ، وَلَكِنْ (بِمَهْرِ مِثْلٍ) لَا بِالْمُسَمَّى، سَوَاءٌ أَعَلِمَ الْخُلْعَ أَمْ لَا؛ لِأَنَّ هَذَا الْخُلْعَ دَخَلَهُ شَرْطُ تَأْخِيرِ الطَّلَاقِ وَهُوَ فَاسِدٌ لَا يُعْتَدُّ بِهِ فَيُسْقَطُ مِنْ الْعِوَضِ مَا يُقَابِلُهُ وَهُوَ مَجْهُولٌ فَيَكُونُ الْبَاقِي مَجْهُولًا، وَالْمَجْهُولُ يَتَعَيَّنُ الرُّجُوعُ فِيهِ إلَى مَهْرِ الْمِثْلِ (وَقِيلَ فِي قَوْلٍ) مِنْ طَرِيقِ حَاكِيهِ لِقَوْلَيْنِ بَانَتْ (بِالْمُسَمَّى) وَاعْتُرِضَ بِأَنَّ هَذَا الْقَوْلَ مَبْنِيٌّ عَلَى فَسَادِ الْخُلْعِ وَلُزُومَ الْمُسَمَّى مَبْنِيٌّ عَلَى صِحَّتِهِ.
وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْمُرَادَ بَانَتْ بِمِثْلِ الْمُسَمَّى كَمَا قَالَهُ الْعِرَاقِيُّونَ، وَلَوْ عَبَّرَ بِهِ كَانَ أَوْلَى، وَلَوْ قَصَدَ بِطَلَاقِهِ فِي الْغَدِ ابْتِدَاءَ الطَّلَاقِ وَقَعَ رَجْعِيًّا، فَإِنْ اتَّهَمَتْهُ حَلَفَ كَمَا قَالَهُ ابْنُ الرِّفْعَةِ، وَلَوْ طَلَّقَهَا بَعْدَ الْغَدِ وَقَعَ رَجْعِيًّا؛ لِأَنَّهُ خَالَفَ قَوْلَهَا فَكَانَ مُبْتَدِئًا، فَإِنْ ذَكَرَ مَالًا فَلَا بُدَّ مِنْ الْقَبُولِ.
(وَإِنْ) قَالَتْ طَلِّقْنِي شَهْرًا فَفَعَلَ وَقَعَ مُؤَبَّدًا؛ لِأَنَّ الطَّلَاقَ لَا يُؤَقَّتُ بِمَهْرِ الْمِثْلِ لِفَسَادِ الصِّيغَةِ بِالتَّأْقِيتِ أَوْ عَلَّقَ الزَّوْجُ الطَّلَاقَ بِصِفَةٍ كَأَنْ (قَالَ إذَا دَخَلْت الدَّارَ) مَثَلًا (فَأَنْتِ طَالِقٌ بِأَلْفٍ فَقَبِلَتْ) فَوْرًا (وَدَخَلَتْ) بَعْدَ قَبُولِهَا وَلَوْ بَعْدَ زَمَنٍ (طَلُقَتْ عَلَى الصَّحِيحِ) لِوُجُودِ الْمُعَلَّقِ عَلَيْهِ مَعَ الْقَبُولِ.
وَالثَّانِي: لَا تَطْلُقُ؛ لِأَنَّ الْمُعَاوَضَةَ لَا تَقْبَلُ التَّعْلِيقَ فَيَمْتَنِعُ مَعَهُ ثُبُوتُ الْمَالِ فَيَنْتَفِي الطَّلَاقُ الْمَرْبُوطُ بِهِ وَيَقَعُ الطَّلَاقُ (بِالْمُسَمَّى) كَمَا فِي الطَّلَاقِ الْمُنَجَّزِ، وَلَا يَتَوَقَّفُ وُجُوبُهُ عَلَى الطَّلَاقِ، بَلْ يَجِبُ تَسْلِيمُهُ فِي الْحَالِ كَمَا فِي أَصْلِ الرَّوْضَةِ وَإِنْ كَانَ ظَاهِرُ عِبَارَةِ الْمُصَنِّفِ أَنَّهُ لَا يَجِبُ إلَّا عِنْدَ وُجُودِ الْمُعَلَّقِ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْأَعْوَاضَ الْمُطْلَقَةَ يَلْزَمُهَا تَسْلِيمُهَا فِي الْحَالِ وَالْمُعَوَّضُ تَأَخَّرَ لِوُقُوعِهِ فِي التَّعْلِيقِ، بِخِلَافِ الْمُنَجَّزِ مِنْ خُلْعٍ وَغَيْرِهِ يَجِبُ فِيهِ تَقَارُنُ الْعِوَضَيْنِ فِي الْمِلْكِ (وَ) طَلُقَتْ (فِي وَجْهٍ، أَوْ قَوْلٍ بِمَهْرِ الْمِثْلِ) لِأَنَّ الْمُعَاوَضَةَ لَا تَقْبَلُ التَّعْلِيقَ فَيُؤَثِّرُ فَسَادُ الْعِوَضِ دُونِ الطَّلَاقِ لِقَبُولِهِ التَّعْلِيقَ وَإِذَا فَسَدَ الْعِوَضُ وَجَبَ مَهْرُ الْمِثْلِ.
تَنْبِيهٌ: تَبِعَ الْمُحَرَّرَ فِي التَّرَدُّدِ فِي أَنَّ الْخِلَافَ وَجْهَانِ أَوْ قَوْلَانِ، وَاَلَّذِي اقْتَضَاهُ كَلَامُ الرَّوْضَةِ وَأَصْلِهَا تَرْجِيحُ أَنَّهُ وَجْهٌ حَيْثُ قَالَا: وَجْهَانِ، وَيُقَالُ: قَوْلَانِ.
وَيُسْتَثْنَى مِنْ صِحَّةِ تَعْلِيقِ الْخُلْعِ بِالْمُسَمَّى مَا لَوْ قَالَ: إنْ كُنْت حَامِلًا فَأَنْتِ طَالِقٌ عَلَى مِائَةٍ وَهِيَ حَامِلٌ فِي غَالِبِ الظَّنِّ فَتَطْلُقُ إذَا
وَيَصِحُّ اخْتِلَاعُ أَجْنَبِيٍّ، وَإِنْ كَرِهَتْ الزَّوْجَةُ وَهُوَ كَاخْتِلَاعِهَا لَفْظًا وَحُكْمًا.
وَلِوَكِيلِهَا أَنْ يَخْتَلِعَ لَهُ، وَلِلْأَجْنَبِيِّ تَوْكِيلُهَا فَتَتَخَيَّرُ هِيَ،
[مغني المحتاج]
أَعْطَتْهُ وَلَهُ عَلَيْهَا مَهْرُ مِثْلٍ كَمَا حَكَاهُ الرَّافِعِيُّ عَنْ نَصِّ الْإِمْلَاءِ.
ثُمَّ شَرَعَ فِي خُلْعِ الْأَجْنَبِيِّ سَوَاءٌ أَكَانَ وَلِيًّا لَهَا أَمْ غَيْرَهُ فَقَالَ (وَيَصِحُّ اخْتِلَاعُ أَجْنَبِيٍّ) مُطْلَقِ التَّصَرُّفِ بِلَفْظِ خُلْعٍ أَوْ طَلَاقٍ (وَإِنْ كَرِهَتْ الزَّوْجَةُ) ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الطَّلَاقَ مِمَّا يَسْتَقِلُّ بِهِ الزَّوْجُ، وَالْأَجْنَبِيُّ مُسْتَقِلٌّ بِالِالْتِزَامِ، وَلَهُ بَذْلُ الْمَالِ وَالْتِزَامُهُ فِدَاءً؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى سَمَّى الْخُلْعَ فِدَاءً فَجَازَ كَفِدَاءِ الْأَسِيرِ، وَكَمَا يُبْذَلُ الْمَالُ فِي عِتْقِ عَبْدٍ لِسَيِّدِهِ تَخْلِيصًا لَهُ مِنْ الرِّقِّ، وَقَدْ يَكُونُ لِلْأَجْنَبِيِّ فِيهِ غَرَضٌ دِينِيٌّ بِأَنْ يَرَاهُمَا لَا يُقِيمَانِ حُدُودَ اللَّهِ، أَوْ يَجْتَمِعَانِ عَلَى مُحَرَّمٍ، وَالتَّفْرِيقُ بَيْنَهُمَا يُنْقِذُهُمَا مِنْ ذَلِكَ فَيَفْعَلُ طَلَبًا لِثَوَابٍ، أَوْ دُنْيَوِيٍّ لِغَرَضٍ مُبَاحٍ (وَهُوَ) أَيْ اخْتِلَاعُ الْأَجْنَبِيِّ مَعَ الزَّوْجِ (كَاخْتِلَاعِهَا) أَيْ الزَّوْجَةِ (لَفْظًا) أَيْ فِي أَلْفَاظِ الِالْتِزَامِ (وَحُكْمًا) فِي جَمِيعِ مَا مَرَّ، فَهُوَ مِنْ جَانِبِ الزَّوْجِ ابْتِدَاءُ مُعَاوَضَةٍ فِيهَا شَوْبُ تَعْلِيقٍ، وَمِنْ جَانِبِ الْأَجْنَبِيِّ ابْتِدَاءُ مُعَاوَضَةٍ فِيهَا شَوْبُ جَعَالَةٍ، فَإِذَا قَالَ الزَّوْجُ لِلْأَجْنَبِيِّ: طَلَّقْتُ امْرَأَتِي عَلَى أَلْفٍ فِي ذِمَّتِك فَقَبِلَ، أَوْ قَالَ الْأَجْنَبِيُّ لِلزَّوْجِ طَلِّقْ امْرَأَتَك عَلَى أَلْفٍ فِي ذِمَّتِي فَأَجَابَهُ بَانَتْ بِالْمُسَمَّى، وَلِلزَّوْجِ أَنْ يَرْجِعَ قَبْلَ قَبُولِ الْأَجْنَبِيِّ نَظَرًا لِلْمُعَاوَضَةِ وَوَقَعَ لِلشَّارِحِ أَنَّهُ قَالَ: نَظَرًا لِشَوْبِ التَّعْلِيقِ، وَهُوَ سَبْقُ قَلَمٍ، وَلِلْأَجْنَبِيِّ أَنْ يَرْجِعَ قَبْلَ إجَابَةِ الزَّوْجِ نَظَرًا لِشَوْبِ الْجَعَالَةِ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْأَحْكَامِ.
تَنْبِيهٌ: يُسْتَثْنَى مِنْ قَوْلِهِ " وَحُكْمًا " صُوَرٌ:
إحْدَاهَا مَا لَوْ كَانَ لَهُ امْرَأَتَانِ فَخَالَعَ الْأَجْنَبِيُّ عَنْهُمَا بِأَلْفٍ مَثَلًا مِنْ مَالِهِ صَحَّ بِأَلْفٍ قَطْعًا وَإِنْ لَمْ يَفْصِلْ حِصَّةَ كُلٍّ مِنْهُمَا؛ لِأَنَّ الْأَلْفَ تَجِبُ لِلزَّوْجِ عَلَى الْأَجْنَبِيِّ وَحْدَهُ، بِخِلَافِ الزَّوْجَتَيْنِ إذَا اخْتَلَعَتَا فَإِنَّهُ يَجِبُ أَنْ يُفْصَلَ مَا يَلْتَزِمُهُ كُلٌّ مِنْهُمَا، قَالَهُ الْمَاوَرْدِيُّ.
الثَّانِيَةُ لَوْ اخْتَلَعَتْ الْمَرِيضَةُ بِمَا يَزِيدُ عَلَى مَهْرِ الْمِثْلِ فَالزِّيَادَةُ مِنْ الثُّلُثِ وَالْمَهْرُ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ وَفِي الْأَجْنَبِيِّ الْجَمِيعُ مِنْ الثُّلُثِ.
الثَّالِثَةُ: لَوْ قَالَ الْأَجْنَبِيُّ: طَلِّقْهَا عَلَى هَذَا الْمَغْصُوبِ، أَوْ عَلَى هَذَا الْخَمْرِ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ وَطَلَّقَ وَقَعَ رَجْعِيًّا، بِخِلَافِ مَا إذَا الْتَمَسَتْ الْمَرْأَةُ ذَلِكَ فَإِنَّهُ يَقَعُ بَائِنًا؛ لِأَنَّ الْبُضْعَ يَقَعُ لِلْمَرْأَةِ فَيَلْزَمُهَا بَدَلُهُ، بِخِلَافِ الْأَجْنَبِيِّ.
الرَّابِعَةُ: لَوْ سَأَلَتْ الْخُلْعَ بِمَالٍ فِي الْحَيْضِ فَلَا يَحْرُمُ بِخِلَافِ الْأَجْنَبِيِّ.
فَائِدَةٌ: أَخَذَ السُّبْكِيُّ مِنْ صِحَّةِ خُلْعِ الْأَجْنَبِيِّ جَوَازَ بَذْلِ مَالٍ لِمَنْ بِيَدِهِ وَظِيفَةٌ يَسْتَنْزِلُهُ عَنْهَا لِنَفْسِهِ أَوْ غَيْرِهِ، وَيَحِلُّ لَهُ حِينَئِذٍ أَخْذُ الْعِوَضِ، وَيَسْقُطُ حَقُّهُ مِنْهَا، وَيَبْقَى الْأَمْرُ بَعْدَ ذَلِكَ لِنَاظِرِ الْوَظِيفَةِ يَفْعَلُ مَا تَقْتَضِيهِ الْمَصْلَحَةُ شَرْعًا، وَقَدْ مَرَّتْ الْإِشَارَةُ إلَى ذَلِكَ، وَإِنَّمَا كَرَّرْته؛ لِأَنَّ النَّاسَ كَثُرَ مِنْهُمْ الْوُقُوعُ فِي ذَلِكَ.
(وَلِوَكِيلِهَا) فِي الِاخْتِلَاعِ (أَنْ يَخْتَلِعَ لَهُ) أَيْ لِنَفْسِهِ بِالتَّصْرِيحِ أَوْ بِالنِّيَّةِ فَيَكُونَ خُلْعَ أَجْنَبِيٍّ وَالْمَالُ عَلَيْهِ: كَمَا لَوْ لَمْ تُوَكِّلْهُ وَإِنْ صَرَّحَ بِالْوَكَالَةِ أَوْ نَوَاهَا فَلَهَا، وَإِنْ أَطْلَقَ وَقَعَ لَهَا كَمَا قَالَهُ الْغَزَالِيُّ، وَفِي كَلَامِ الشَّافِعِيُّ وَالْأَصْحَابِ مَا يَدُلُّ لَهُ وَإِنْ بَحَثَ الرَّافِعِيُّ وُقُوعَ الْخُلْعِ لَهُ لِعَوْدِ الْمَنْفَعَةِ إلَيْهَا (وَلِلْأَجْنَبِيِّ تَوْكِيلُهَا) فِي الِاخْتِلَاعِ عَنْهُ (فَتَتَخَيَّرُ هِيَ) بَيْنَ اخْتِلَاعِهَا لِنَفْسِهَا وَبَيْنَ اخْتِلَاعِهَا لَهُ بِأَنْ تُصَرِّحَ أَوْ تَنْوِيَ كَمَا مَرَّ، فَإِنْ أَطْلَقَتْ وَقَعَ لَهَا عَلَى قِيَاسِ مَا مَرَّ عَنْ
وَلَوْ اخْتَلَعَ رَجُلٌ وَصَرَّحَ بِوَكَالَتِهَا كَاذِبًا لَمْ تَطْلُقْ وَأَبُوهَا كَأَجْنَبِيٍّ فَيَخْتَلِعُ بِمَالِهِ، فَإِنْ اخْتَلَعَ بِمَالِهَا وَصَرَّحَ بِوَكَالَةٍ أَوْ وِلَايَةٍ لَمْ تَطْلُقْ، أَوْ بِاسْتِقْلَالٍ فَخُلْعٌ بِمَغْصُوبٍ.
فَصْلٌ ادَّعَتْ خُلْعًا فَأَنْكَرَهُ
[مغني المحتاج]
الْغَزَالِيِّ.
تَنْبِيهٌ: حَيْثُ صَرَّحَ الْأَجْنَبِيُّ أَوْ الزَّوْجَةُ بِالْوَكَالَةِ فَالْمُطَالَبُ بِالْعِوَضِ الْمُوَكَّلَ وَإِلَّا فَالْمُطَالِبُ الْمُبَاشِرُ، ثُمَّ يَرْجِعُ إذَا غَرِمَ عَلَى الْمُوَكِّلِ حَيْثُ نَوَى الْخُلْعَ لَهُ، أَوْ أَطْلَقَ فِي الْأُولَى كَمَا اقْتَضَاهُ كَلَامُ الرَّوْضِ (وَلَوْ اخْتَلَعَ رَجُلٌ) أَجْنَبِيٌّ مَثَلًا (وَصَرَّحَ بِوَكَالَتِهَا) أَيْ الزَّوْجَةِ حَالَةَ كَوْنِهِ (كَاذِبًا) فِيهَا (لَمْ تَطْلُقْ) لِارْتِبَاطِ الطَّلَاقِ بِلُزُومِ الْمَالِ عَلَيْهَا وَهِيَ لَمْ تَلْتَزِمْهُ، وَهَذَا حَيْثُ لَمْ يَعْتَرِفْ الزَّوْجُ بِالْوَكَالَةِ، فَإِنْ اعْتَرَفَ بِهَا أَوْ ادَّعَاهَا بَانَتْ بِمُقْتَضَى قَوْلِهِ وَلَا شَيْءَ لَهُ (وَأَبُوهَا كَأَجْنَبِيٍّ) فِيمَا ذُكِرَ (فَيَخْتَلِعُ) لَهَا (بِمَالِهِ) أَيْ يَجُوزُ لَهُ ذَلِكَ صَغِيرَةً كَانَتْ أَوْ كَبِيرَةً (فَإِنْ اخْتَلَعَ بِمَالِهَا وَصَرَّحَ بِوَكَالَةٍ) كَاذِبًا (أَوْ وِلَايَةٍ لَمْ تَطْلُقْ) لِأَنَّهُ لَيْسَ بِوَكِيلٍ وَلَا وَلِيٍّ فِي ذَلِكَ، إذْ الْوِلَايَةُ لَا تُثْبِتُ لَهُ التَّبَرُّعَ فِي مَالِهَا.
وَاسْتَثْنَى الزَّرْكَشِيُّ مَالَهَا الْعَامَّ كَالْوَقْفِ عَلَى مَنْ يَخْتَلِعُ؛ لِأَنَّهَا لَمْ تَمْلِكْهُ قَبْلَ الْخُلْعِ اهـ.
وَهَذَا الِاسْتِثْنَاءُ مَمْنُوعٌ؛ لِأَنَّهُ قَبِلَ الْخُلْعَ بِمَالِهَا كَمَا يُؤْخَذُ مِنْ تَعْلِيلِهِ (أَوْ) صَرَّحَ (بِاسْتِقْلَالٍ) كَاخْتَلَعْت لِنَفْسِي أَوْ عَنْ نَفْسِي (فَخُلْعٌ بِمَغْصُوبٍ) لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ غَاصِبٌ لِمَالِهَا بَائِنًا بِمَهْرِ الْمِثْلِ فِي الْأَظْهَرِ لِفَسَادِ الْعِوَضِ، فَإِنْ لَمْ يُصَرِّحْ بِشَيْءٍ مِمَّا ذُكِرَ كَأَنْ قَالَ: طَلِّقْهَا عَلَى عَبْدِهَا، أَوْ عَلَى هَذَا الْمَغْصُوبِ، أَوْ الْخَمْرِ مُقْتَصَرًا عَلَى ذَلِكَ وَقَعَ الطَّلَاقُ رَجْعِيًّا لِلْحَجْرِ عَلَيْهِ فِي مَالِهَا بِمَا ذُكِرَ كَمَا فِي السَّفِيهِ، فَلَوْ أَشَارَ الْأَبُ أَوْ الْأَجْنَبِيُّ إلَى عَبْدِهَا وَقَالَ: طَلِّقْهَا بِهَذَا الْعَبْدِ وَلَمْ يَذْكُرْ أَنَّهُ مِنْ مَالِهَا وَلَا أَنَّهُ مَغْصُوبٌ وَقَعَ الطَّلَاقُ بَائِنًا بِمَهْرِ الْمِثْلِ، وَلَوْ عَلِمَ الزَّوْجُ أَنَّهُ عَبْدُهَا.
تَنْبِيهٌ: مَحَلُّ مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ فِي غَيْرِ الصَّدَاقِ.
أَمَّا لَوْ اخْتَلَعَ الْأَبُ بِصَدَاقِهَا كَأَنْ قَالَ: طَلِّقْهَا وَأَنْتَ بَرِيءٌ مِنْ صَدَاقِهَا فَفَعَلَ وَقَعَ رَجْعِيًّا، وَلَا يَبْرَأُ مِنْ صَدَاقِهَا، وَلَا شَيْءَ عَلَى الْأَبِ إذْ لَيْسَ لَهُ الْإِبْرَاءُ وَلَمْ يَلْتَزِمْ فِي نَفْسِهِ شَيْئًا، فَلَوْ الْتَزَمَ مَعَ ذَلِكَ دَرْكَ بَرَاءَةِ الزَّوْجِ كَأَنْ قَالَ: وَضَمِنْت بَرَاءَتَك مِنْ الصَّدَاقِ، أَوْ قَالَ: هُوَ أَوْ أَجْنَبِيٌّ طَلِّقْهَا عَلَى عَبْدِهَا وَعَلَيَّ ضَمَانُهُ بَانَتْ وَلَزِمَهُ مَهْرُ الْمِثْلِ؛ لِأَنَّهُ الْتِزَامُ الْمَالِ فِي نَفْسِهِ فَكَانَ كَخُلْعِهَا بِمَغْصُوبٍ، فَإِنْ كَانَ جَوَابُ الزَّوْجِ بَعْدَ ضَمَانِ الدَّرْكِ إنْ بَرِئَتْ مِنْ صَدَاقِهَا فَهِيَ طَالِقٌ لَمْ تَطْلُقْ؛ لِأَنَّ الصِّفَةَ الْمُعَلَّقَ عَلَيْهَا لَمْ تُوجَدْ، وَلَوْ اخْتَلَعَتْ الْمَرْأَةُ بِمَالٍ فِي ذِمَّتِهَا، وَلَهَا عَلَى الزَّوْجِ صَدَاقٌ لَمْ يَسْقُطْ بِالْخُلْعِ، وَقَدْ يَقَعُ التَّقَاصُّ إذَا اتَّفَقَا جِنْسًا وَقَدْرًا وَصِفَةً.
[فَصْلٌ فِي الِاخْتِلَافِ فِي الْخُلْعِ أَوْ عِوَضِهِ]
. فَصْلٌ فِي الِاخْتِلَافِ فِي الْخُلْعِ أَوْ عِوَضِهِ إذَا (ادَّعَتْ) أَيْ الزَّوْجَةُ (خُلْعًا فَأَنْكَرَهُ) الزَّوْجُ وَلَا
صُدِّقَ بِيَمِينِهِ، وَإِنْ قَالَ طَلَّقْتُك بِكَذَا فَقَالَتْ مَجَّانًا بَانَتْ وَلَا عِوَضَ وَإِنْ اخْتَلَفَا فِي جِنْسِ عِوَضِهِ، أَوْ قَدْرِهِ وَلَا بَيِّنَةَ تَحَالَفَا وَوَجَبَ مَهْرُ مِثْلٍ، وَلَوْ خَالَعَ بِأَلْفٍ وَنَوَيَا نَوْعًا لَزِمَ، وَقِيلَ مَهْرُ مِثْلٍ، وَلَوْ قَالَ أَرَدْنَا دَنَانِيرَ فَقَالَتْ بَلْ دَرَاهِمَ أَوْ فُلُوسًا تَحَالَفَا عَلَى الْأَوَّلِ،
[مغني المحتاج]
بَيِّنَةَ (صُدِّقَ بِيَمِينِهِ) إذْ الْأَصْلُ بَقَاءُ النِّكَاحِ وَعَدَمُ الْخُلْعِ، فَإِنْ أَقَامَتْ بِذَلِكَ بَيِّنَةً فَلَا بُدَّ مِنْ رَجُلَيْنِ، وَإِذَا ثَبَتَ فَلَا مُطَالَبَةَ لَهُ بِالْمَالِ؛ لِأَنَّهُ يُنْكِرُهُ إلَّا أَنْ يَعُودَ وَيَعْتَرِفَ بِالْخُلْعِ فَيَسْتَحِقَّهُ، قَالَهُ الْمَاوَرْدِيُّ وَغَيْرُهُ (وَإِنْ قَالَ طَلَّقْتُك بِكَذَا) كَأَلْفٍ (فَقَالَتْ) بَلْ طَلَّقْتَنِي (مَجَّانًا) أَوْ لَمْ تُطَلِّقْنِي (بَانَتْ) بِقَوْلِهِ (وَلَا عِوَضَ) عَلَيْهَا لِلزَّوْجِ إنْ حَلَفَتْ عَلَى نَفْيِهِ، أَمَّا الْبَيْنُونَةُ فَلِإِقْرَارِهِ.
وَأَمَّا عَدَمُ الْعِوَضِ فَلِأَنَّ الْأَصْلَ بَرَاءَةُ ذِمَّتِهَا، فَإِنْ أَقَامَ بِالْعِوَضِ بَيِّنَةً، أَوْ رَجُلًا وَامْرَأَتَيْنِ، أَوْ حَلَفَ مَعَهُ، أَوْ عَادَتْ وَاعْتَرَفَتْ بَعْدَ يَمِينِهَا بِمَا ادَّعَاهُ لَزِمَهَا الْعِوَضُ.
تَنْبِيهٌ: قَوْلُهُ: بَانَتْ يَقْتَضِي أَنَّهُ لَا نَفَقَةَ وَلَا كِسْوَةَ لَهَا فِي الْعِدَّةِ، وَلَيْسَ مُرَادًا، بَلْ عَلَيْهِ ذَلِكَ إلَى انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ وَلَا يَرِثُهَا، وَلَوْ مَاتَ هُوَ فِي عِدَّتِهَا وَرِثَتْ هِيَ مِنْهُ كَمَا قَالَهُ الْأَذْرَعِيُّ، وَصُورَةُ الْمَسْأَلَةِ أَنْ يُقِرَّ بِأَنَّ الْمَالَ مِمَّا يَتِمُّ الْخُلْعُ بِدُونِ قَبْضِهِ، فَإِنْ أَقَرَّ بِأَنَّهُ خَالَعَهَا عَلَى تَعْجِيلِ شَيْءٍ لَا يَتِمُّ الْخُلْعُ إلَّا بِقَبْضِهِ لَمْ يَلْزَمْهُ شَيْءٌ إلَّا بَعْدَ قَبْضِهِ، نَصَّ عَلَيْهِ فِي الْبُوَيْطِيِّ وَهُوَ ظَاهِرٌ، وَلَوْ قَالَ: سَأَلْت الطَّلَاقَ بِأَلْفٍ فَأَنْكَرَتْ السُّؤَالَ أَوْ ادَّعَتْ طُولَ الْفَصْلِ بَيْنَ الْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ صُدِّقَتْ بِيَمِينِهَا فِي نَفْيِ الْعِوَضِ، لِأَنَّ الْأَصْلَ بَرَاءَةُ ذِمَّتِهَا وَعَدَمُ الطَّلَاقِ فِي الْوَقْتِ الَّذِي يَدَّعِيهِ (وَإِنْ اخْتَلَفَا فِي جِنْسِ عِوَضِهِ) أَدَرَاهِمُ أَوْ دَنَانِيرُ، أَوْ صِفَتِهِ كَصِحَاحٍ أَوْ مُكَسَّرَةٍ (أَوْ) فِي (قَدْرِهِ) كَأَلْفٍ فَقَالَتْ بَلْ بِخَمْسِمِائَةٍ، أَوْ فِي عَدَدِ الطَّلَاقِ الَّذِي وَقَعَ بِهِ الْخُلْعُ كَقَوْلِهَا: سَأَلْتُك ثَلَاثَ طَلْقَاتٍ بِأَلْفٍ، فَقَالَ: بَلْ وَاحِدَةً بِأَلْفٍ (وَلَا بَيِّنَةَ) لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا (تَحَالَفَا) كَمَا فِي الْبَيْعِ (وَوَجَبَ) لِبَيْنُونَتِهَا بِفَسْخِ الْعِوَضِ مِنْهُمَا أَوْ مِنْ أَحَدِهِمَا أَوْ الْحَاكِمِ (مَهْرُ مِثْلٍ) ؛ لِأَنَّهُ الْمُرَادُ وَكَيْفِيَّةُ الْيَمِينِ وَمَنْ يَبْدَأُ بِهِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ فِي الْبَيْعِ، فَإِنْ كَانَ لِأَحَدِهِمَا بَيِّنَةٌ عُمِلَ بِهَا أَوْ لِكُلٍّ مِنْهُمَا بَيِّنَةٌ وَاسْتَوَيَا تَارِيخًا سَقَطَتَا، فَإِنْ اخْتَلَفَ تَارِيخُهُمَا قُدِّمَتْ السَّابِقَةُ (وَلَوْ خَالَعَ بِأَلْفٍ) مَثَلًا وَفِي الْبَلَدِ نَوْعَانِ مَثَلًا مِنْ الدَّرَاهِمِ لَا غَالِبَ فِيهِمَا (وَنَوَيَا نَوْعًا) مِنْهُمَا (لَزِمَ) الْمَنْوِيُّ إلْحَاقًا لَهُ بِالْمَلْفُوظِ بِخِلَافِ الْبَيْعِ، لِأَنَّهُ يُحْتَمَلُ فِي الْخُلْعِ مَا لَا يُحْتَمَلُ فِي الْبَيْعِ، وَلِهَذَا يُمْلَكُ الْعِوَضُ فِيهِ بِالْإِعْطَاءِ بِخِلَافِ الْبَيْعِ (وَقِيلَ) : يَفْسُدُ الْمَنْوِيُّ وَيَلْزَمُ (مَهْرُ مِثْلٍ) بِالْجَهَالَةِ فِي اللَّفْظِ، وَلَا عِبْرَةَ بِالنِّيَّةِ.
تَنْبِيهٌ: أَفْهَمَ كَلَامُهُ أَنَّهُمَا لَوْ لَمْ يَنْوِيَا شَيْئًا فَسَدَتْ التَّسْمِيَةُ وَلَزِمَ مَهْرُ الْمِثْلِ وَهُوَ كَذَلِكَ (وَلَوْ) اخْتَلَفَتْ نِيَّتَاهُمَا بِأَنْ أَرَادَ كُلٌّ مِنْهُمَا جِنْسًا وَتَصَادَقَا فَلَا فُرْقَةَ لِعَدَمِ صِحَّةِ الْعَقْدِ، وَإِنْ تَكَاذَبَا كَأَنْ (قَالَ: أَرَدْنَا) بِالْأَلْفِ الَّتِي أَطْلَقْنَاهَا (دَنَانِيرَ فَقَالَتْ: بَلْ) أَرَدْنَا (دَرَاهِمَ) فِضَّةٍ (أَوْ فُلُوسًا تَحَالَفَا عَلَى الْأَوَّلِ) وَهُوَ لُزُومُ الْمَنْوِيِّ كَالْمَلْفُوظِ؛ لِأَنَّهُ يَرْجِعُ إلَى الِاخْتِلَافِ فِي جِنْسِ الْعِوَضِ وَبَانَتْ
وَوَجَبَ مَهْرُ مِثْلٍ بِلَا تَحَالُفٍ فِي الثَّانِي.
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[مغني المحتاج]
بِمَهْرِ مِثْلٍ بَعْدَ الْفَسْخِ (وَوَجَبَ مَهْرُ مِثْلٍ بِلَا تَحَالُفٍ فِي الثَّانِي) وَهُوَ لُزُومُ مَهْرِ مِثْلٍ لِمَا مَرَّ فِيهِ.
خَاتِمَةٌ: لَوْ قَالَتْ لَهُ: طَلِّقْنِي وَأَنْتَ بَرِيءٌ مِنْ صَدَاقِي أَوْ وَلَك عَلَيَّ أَلْفٌ فَطَلَّقَهَا بَانَتْ بِهِ؛ لِأَنَّهَا صِيغَةُ الْتِزَامٍ، أَوْ إنْ طَلَّقْتَنِي فَأَنْتَ بَرِيءٌ أَوْ فَقَدْ أَبْرَأْتُك مِنْ صَدَاقِي فَطَلَّقَهَا لَمْ يَبْرَأْ مِنْهُ وَوَقَعَ الطَّلَاقُ رَجْعِيًّا؛ لِأَنَّ الْإِبْرَاءَ لَا يُعَلَّقُ، وَطَلَاقُ الزَّوْجِ طَمَعًا فِي الْبَرَاءَةِ مِنْ غَيْرِ لَفْظٍ صَحِيحٍ فِي الِالْتِزَامِ لَا يُوجِبُ عِوَضًا.
قَالَ فِي الرَّوْضَةِ: وَلَا يَبْعُدُ أَنْ يُقَالَ: طَلَّقَ طَمَعًا فِي شَيْءٍ وَرَغِبَتْ هِيَ فِي الطَّلَاقِ بِالْبَرَاءَةِ فَيَكُونُ فَاسِدًا كَالْخَمْرِ أَيْ فَيَقَعُ بَائِنًا بِمَهْرِ الْمِثْلِ، إذْ لَا فَرْقَ بَيْنَ ذَلِكَ وَبَيْنَ قَوْلِهَا: إنْ طَلَّقْتَنِي فَلَكَ أَلْفٌ، فَإِنْ كَانَ ذَاكَ تَعْلِيقًا لِلْإِبْرَاءِ فَهَذَا تَعْلِيقٌ لِلتَّمْلِيكِ، وَجَزَمَ بِهَذَا ابْنُ الْمُقْرِي فِي رَوْضِهِ تَبَعًا لِأَصْلِهِ فِي أَوَاخِرِ الْبَابِ.
وَقَالَ الزَّرْكَشِيُّ تَبَعًا لِلْبُلْقِينِيِّ: التَّحْقِيقُ الْمُعْتَمَدُ أَنَّهُ إنْ عَلِمَ الزَّوْجُ صِحَّةَ تَعْلِيقِ الْإِبْرَاءِ وَقَعَ الطَّلَاقُ رَجْعِيًّا أَوْ ظَنَّ صِحَّتَهُ وَقَعَ بَائِنًا بِمَهْرِ الْمِثْلِ اهـ.
وَهُوَ جَمْعٌ حَسَنٌ، وَاعْتَمَدَ السُّبْكِيُّ الثَّانِيَ.
وَقَالَ ابْنُ الرِّفْعَةِ: إنَّهُ الْحَقُّ، وَفِي فَتَاوَى الْقَفَّالِ، لَوْ قَالَ لِزَوْجَتِهِ: إنْ أَبْرَأْتِنِي فَأَنْتِ طَالِقٌ، فَقَالَتْ: قَدْ أَبْرَأْتُك لَمْ يَكُنْ شَيْئًا؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَقُلْ إنْ أَبْرَأْتِنِي مِنْ مَهْرِك أَوْ دَيْنِك، وَإِنْ أَرَادَ الْإِبْرَاءَ مِنْ الْمَهْرِ صَحَّ إنْ كَانَتْ عَالِمَةً بِمِقْدَارِهِ بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَتْ جَاهِلَةً؛ لِأَنَّهُ إبْرَاءٌ عَنْ مَجْهُولٍ، وَإِذَا كَانَتْ عَالِمَةً بِهِ هَلْ يَقَعُ الطَّلَاقُ رَجْعِيًّا، كَمَا قَالَ بِهِ الْقَفَّالُ أَوْ بَائِنًا كَمَا هُوَ أَحَدُ جَوَابَيْ الْقَاضِي؟ وَجْهَانِ، أَصَحُّهُمَا الثَّانِي كَمَا صَرَّحَ بِهِ جَمَاعَةٌ، وَلَوْ طَلَبَ مِنْهَا الْبَرَاءَةَ عَلَى الطَّلَاقِ، فَقَالَتْ: أَبْرَأَك اللَّهُ تَعْنِي بِذَلِكَ أَبْرَأْتُك، فَقَالَ لَهَا: أَنْتِ طَالِقٌ ثُمَّ قَالَ أَرَدْت الْإِيقَاعَ بِشَرْطِ صِحَّةِ الْبَرَاءَةِ قُبِلَ مِنْهُ ظَاهِرًا، فَلَوْ تَبَيَّنَ جَهْلُهَا بِمَا أَبْرَأَتْ لَمْ يَقَعْ الطَّلَاقُ، كَمَا قَالَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ.
فَائِدَةٌ: ضَابِطُ مَسَائِلِ الْخُلْعِ: أَنَّ مِنْهَا مَا يَقَعُ فِيهِ الطَّلَاقُ بِالْمُسَمَّى، وَمِنْهَا مَا يَقَعُ فِيهِ بِمَهْرِ الْمِثْلِ، وَمِنْهَا مَا يَقَعُ رَجْعِيًّا، وَمِنْهَا مَا لَا يَقَعُ أَصْلًا، فَاَلَّذِي يَقَعُ فِيهِ الطَّلَاقُ بِالْمُسَمَّى أَنْ تَكُونَ الصِّيغَةُ صَحِيحَةً وَالْعِوَضُ صَحِيحًا، وَاَلَّذِي يَقَعُ فِيهِ بِمَهْرِ الْمِثْلِ هُوَ الَّذِي تَكُونُ الصِّيغَةُ فِيهِ صَحِيحَةً وَالْفَسَادُ فِي الْعِوَضِ، وَاَلَّذِي يَقَعُ فِيهِ رَجْعِيًّا هُوَ الَّذِي يَكُونُ الْفَسَادُ فِيهِ مِنْ جِهَةِ الصِّيغَةِ وَيَكُونُ الطَّلَاقُ فِيهِ مِنْ جِهَةِ الزَّوْجِ مُنَجَّزًا غَيْرَ مُعَلَّقٍ، وَاَلَّذِي لَا يَقَعُ أَصْلًا هُوَ الَّذِي يَكُونُ الطَّلَاقُ فِيهِ مُعَلَّقًا وَلَمْ يُوجَدْ شَرْطُهُ (وَاَللَّهُ أَعْلَمُ) .
كِتَابُ الطَّلَاقِ
يُشْتَرَطُ لِنُفُوذِهِ التَّكْلِيفُ
[مغني المحتاج]
[كِتَابُ الطَّلَاقِ]
ِ هُوَ لُغَةً حَلُّ الْقَيْدِ وَالْإِطْلَاقُ، وَمِنْهُ نَاقَةٌ طَالِقٌ أَيْ مُرْسَلَةٌ بِلَا قَيْدٍ، وَشَرْعًا حَلُّ عَقْدِ النِّكَاحِ بِلَفْظِ الطَّلَاقِ وَنَحْوِهِ، وَعَرَّفَهُ الْمُصَنِّفُ فِي تَهْذِيبِهِ بِأَنَّهُ تَصَرُّفٌ مَمْلُوكٌ لِلزَّوْجِ بِلَا سَبَبٍ فَيَقْطَعُ النِّكَاحَ.
وَالْأَصْلُ فِيهِ قَبْلَ الْإِجْمَاعِ الْكِتَابُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿الطَّلاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة: 229] . وقَوْله تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: 1] وَالسُّنَّةُ: «كَقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: لَيْسَ شَيْءٌ مِنْ الْحَلَالِ أَبْغَضَ إلَى اللَّهِ مِنْ الطَّلَاقِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ وَالْحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ.
«وَقَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: أَتَانِي جِبْرِيلُ فَقَالَ لِي رَاجِعْ حَفْصَةَ فَإِنَّهَا صَوَّامَةٌ قَوَّامَةٌ وَإِنَّهَا زَوْجَتُك فِي الْجَنَّةِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَغَيْرُهُ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ.
وَأَرْكَانُهُ خَمْسَةٌ: مُطَلِّقٌ وَصِيغَةٌ وَمَحَلٌّ وَوِلَايَةٌ وَقَصْدٌ، وَقَدْ شَرَعَ فِي شَرْطِ الرُّكْنِ الْأَوَّلِ وَهُوَ الْمُطَلِّقُ.
فَقَالَ (يُشْتَرَطُ لِنُفُوذِهِ) أَيْ الطَّلَاقِ مِنْ الْمُطَلِّقِ مُنَجَّزًا كَانَ أَوْ مُعَلَّقًا (التَّكْلِيفُ) أَيْ أَنْ يَكُونَ مُكَلَّفًا فَيَصِحُّ مِنْ السَّفِيهِ وَالْمَرِيضِ، أَيْ وَلَوْ كَانَ هَازِلًا، وَلَا يَصِحُّ مِنْ غَيْرِ مُكَلَّفٍ كَصَبِيٍّ وَمَجْنُونٍ وَمُغْمًى عَلَيْهِ وَنَائِمٍ لَا تَنْجِيزًا وَلَا تَعْلِيقًا، وَإِنْ وُجِدَتْ الصِّفَةُ بَعْدَ الْأَهْلِيَّةِ فِي الْمُعَلَّقِ لِفَسَادِ عِبَارَتِهِ، وَلِخَبَرِ «رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثٍ» نَعَمْ لَوْ تَوَلَّدَ جُنُونٌ مِنْ سُكْرٍ تَعَدَّى فِيهِ نَفَذَ طَلَاقُهُ
إلَّا السَّكْرَانَ.
وَيَقَعُ بِصَرِيحِهِ بِلَا نِيَّةٍ، وَبِكِنَايَةٍ بِنِيَّةٍ،
[مغني المحتاج]
فِي جُنُونِهِ، وَقَدْ يُتَصَوَّرُ طَلَاقُ الْمَجْنُونِ بِغَيْرِ سُكْرٍ تَعَدَّى فِيهِ، وَالْمُغْمَى عَلَيْهِ وَالنَّائِمِ بِمَا إذَا عَلَّقَ الطَّلَاقَ فِي حَالِ التَّكْلِيفِ عَلَى صِفَةٍ فَوُجِدَتْ وَهُوَ غَيْرُ مُكَلَّفٍ.
فَإِنْ قِيلَ: أَهْمَلَ الْمُصَنِّفُ شَرْطَيْنِ آخَرَيْنِ: أَحَدُهُمَا كَوْنُهُ مِنْ زَوْجٍ أَوْ وَكِيلِهِ فَلَا يَقَعُ طَلَاقُ غَيْرِهِ إلَّا فِيمَا سَيَأْتِي فِي الْمَوْلَى يُطَلِّقُ عَلَيْهِ الْحَاكِمُ، ثَانِيهِمَا: الِاخْتِيَارُ لِيُخْرِجَ الْمُكْرَهَ بِغَيْرِ حَقٍّ.
أُجِيبَ عَنْ إهْمَالِهِ الْأَوَّلِ بِأَنَّهُ إحَالَةٌ عَلَى مَا صَرَّحَ بِهِ فِي الْخُلْعِ وَعَلَى مَا سَيَذْكُرُهُ مِنْ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ تَعْلِيقُهُ مِلْكَ النِّكَاحِ، وَعَنْ الثَّانِي بِأَنَّهُ أَهْمَلَهُ لِذِكْرِهِ حُكْمَ الْمُكْرَهِ بَعْدَ ذَلِكَ.
قَالَ الْمُصَنِّفُ زِيَادَةً عَلَى الرَّافِعِيِّ وَغَيْرِهِ (إلَّا السَّكْرَانَ) الْمُتَعَدِّيَ بِسُكْرِهِ كَأَنْ شَرِبَ خَمْرًا أَوْ دَوَاءً مُجَنِّنًا بِلَا حَاجَةٍ فَيَصِحُّ مِنْهُ، وَلَوْ كَانَ السُّكْرُ طَافِحًا عَلَيْهِ بِحَيْثُ يَسْقُطُ كَالْمُغْمَى عَلَيْهِ مَعَ أَنَّهُ غَيْرُ مُكَلَّفٍ كَمَا نَقَلَهُ فِي الرَّوْضَةِ عَنْ أَصْحَابِنَا وَغَيْرِهِمْ فِي كُتُبِ الْأُصُولِ تَغْلِيظًا عَلَيْهِ لِعِصْيَانِهِ بِإِزَالَةِ عَقْلِهِ فَجُعِلَ كَأَنَّهُ لَمْ يَزُلْ، قَالَ: وَلَكِنَّ مُرَادَ أَهْلِ الْأُصُولِ أَنَّهُ غَيْرُ مُخَاطَبٍ حَالَ السُّكْرِ، وَمُرَادُنَا هُنَا أَنَّهُ مُكَلَّفٌ بِقَضَاءِ الْعِبَادَاتِ بِأَمْرٍ جَدِيدٍ.
قَالَ الْغَزَالِيُّ فِي الْمُسْتَصْفَى: وَلِأَنَّ صِحَّتَهُ مِنْ قَبِيلِ رَبْطِ الْأَحْكَامِ بِالْأَسْبَابِ.
وَأَجَابَ عَنْ قَوْله تَعَالَى: ﴿لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾ [النساء: 43] . الَّذِي اسْتَنَدَ إلَيْهِ الْجُوَيْنِيُّ وَغَيْرُهُ فِي تَكْلِيفِ السَّكْرَانِ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِهِ مَنْ هُوَ فِي أَوَائِلِ السُّكْرِ وَهُوَ الْمُنْتَشِئُ لِبَقَاءِ عَقْلِهِ، وَلِذَا يَصِحُّ مِنْهُ سَائِرُ أَفْعَالِهِ وَأَقْوَالِهِ مِمَّا لَهُ وَعَلَيْهِ مَعًا كَالْبَيْعِ وَالْإِجَارَةِ، أَوْ مُنْفَرِدَيْنِ كَالْإِسْلَامِ وَالطَّلَاقِ، وَيَصِحُّ طَلَاقُهُ بِالْكِنَايَةِ خِلَافًا لِابْنِ الرِّفْعَةِ وَشَمِلَ ذَلِكَ الْكَافِرَ، وَإِنْ لَمْ يَعْتَقِدْ حُرْمَةَ شُرْبِ الْخَمْرِ؛ لِأَنَّهُ مُخَاطَبٌ بِفُرُوعِ الشَّرِيعَةِ، وَخَرَجَ بِالْمُتَعَدِّي غَيْرُهُ كَمَنْ أُكْرِهَ عَلَى شُرْبِ مُسْكِرٍ أَوْ لَمْ يَعْلَمْ أَنَّهُ مُسْكِرٌ أَوْ شَرِبَ دَوَاءً مُجَنِّنًا لِحَاجَةٍ فَلَا يَقَعُ طَلَاقُهُ لِعَدَمِ تَعَدِّيهِ وَالرُّجُوعُ فِي مَعْرِفَةِ السَّكْرَانِ إلَى الْعُرْفِ، وَقِيلَ: أَدْنَى السُّكْرِ أَنْ يَخْتَلَّ كَلَامُهُ الْمَنْظُومُ، وَيَنْكَشِفَ سِرُّهُ الْمَكْتُومُ كَمَا عَبَّرَ بِهِ الشَّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - وَإِنْ لَمْ يَجْعَلْهُ أَدْنَى.
قَالَ ابْنُ الْمُقْرِي: وَلَا يَحْتَاجُ عَلَى الْوَجْهِ الصَّحِيحِ إلَى مَعْرِفَةِ السُّكْرِ لِأَنَّهُ إمَّا صَاحٍ وَإِمَّا سَكْرَانُ زَائِلُ الْعَقْلِ، وَحُكْمُهُ وَحُكْمُ الصَّاحِي سَوَاءٌ، بَلْ يَحْتَاجُ إلَى مَعْرِفَةِ السُّكْرِ فِي غَيْرِ الْمُتَعَدِّي بِهِ، وَفِيمَا إذَا قَالَ: إنْ سَكِرْت فَأَنْتِ طَالِقٌ اهـ.
أَيْ فَيُحَدُّ حِينَئِذٍ بِمَا ذَكَرَ وَهُوَ حَسَنٌ، وَلَوْ قَالَ السَّكْرَانُ بَعْدَمَا طَلَّقَ: إنَّمَا شَرِبْت الْخَمْرَ مُكْرَهًا - وَثَمَّ قَرِينَةٌ - أَوْ لَمْ أَعْلَمْ أَنَّ مَا شَرِبْتُهُ مُسْكِرٌ صُدِّقَ بِيَمِينِهِ، نَعَمْ مَنْ لَمْ يَعْرِفْ حُكْمَ الْإِكْرَاهِ فَإِنَّهُ يُسْتَفْسَرُ كَمَا قَالَهُ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ، أَمَّا إذَا شَرِبَ أَوْ أَكَلَ مَا يُزِيلُ الْعَقْلَ لِحَاجَةٍ كَالتَّدَاوِي فَإِنَّهُ كَالْمَجْنُونِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي الْمُهَذَّبِ وَالْوَجِيزِ وَأَصْلِ الرَّوْضَةِ.
ثُمَّ شَرَعَ فِي الرُّكْنِ الثَّانِي وَهُوَ الصِّيغَةُ فَقَالَ (وَيَقَعُ) الطَّلَاقُ مِنْ مُسْلِمٍ أَوْ كَافِرٍ (بِصَرِيحِهِ) وَهُوَ مَا لَا يَحْتَمِلُ ظَاهِرُهُ غَيْرَ الطَّلَاقِ (بِلَا نِيَّةٍ) لِإِيقَاعِ الطَّلَاقِ وَلَوْ قَالَ: لَمْ أَنْوِ بِهِ الطَّلَاقَ لَمْ يُقْبَلْ، وَحَكَى الْخَطَّابِيُّ فِيهِ الْإِجْمَاعَ (وَ) يَقَعُ أَيْضًا (بِكِنَايَةٍ) وَهِيَ مَا يَحْتَمِلُ الطَّلَاقَ وَغَيْرَهُ لَكِنْ (بِنِيَّةٍ) لِإِيقَاعِهِ.
فَإِنْ قِيلَ: سَيَأْتِي أَنَّهُ يُشْتَرَطُ قَصْدُ لَفْظِ الطَّلَاقِ لِمَعْنَاهُ، وَلَا يَكْفِي قَصْدُ حُرُوفِ الطَّلَاقِ مِنْ غَيْرِ قَصْدِ مَعْنَاهُ، فَكَيْفَ يُقَالُ إنَّ الصَّرِيحَ لَا يَحْتَاجُ إلَى نِيَّةٍ بِخِلَافِ الْكِنَايَةِ.
أُجِيبَ بِأَنَّ كُلًّا
فَصَرِيحُهُ الطَّلَاقُ وَكَذَا الْفِرَاقُ وَالسَّرَاحُ عَلَى الْمَشْهُورِ كَطَلَّقْتُك وَأَنْتِ طَالِقٌ وَمُطَلَّقَةٌ وَيَا طَالِقُ، لَا أَنْتِ طَلَاقٌ وَالطَّلَاقُ فِي الْأَصَحِّ.
[مغني المحتاج]
مِنْهُمَا يُشْتَرَطُ فِيهِ قَصْدُ اللَّفْظِ لِمَعْنَاهُ حَتَّى يَخْرُجَ الْعَجَمِيُّ إذَا لُقِّنَ كَلِمَةَ الطَّلَاقِ وَهُوَ لَا يَعْرِفُ مَعْنَاهَا فَلَا يَقَعُ طَلَاقُهُ، وَالْمُرَادُ بِالنِّيَّةِ فِي الْكِنَايَةِ أَنْ يَقْصِدَ الْإِيقَاعَ، وَلَيْسَ بِشَرْطٍ لِمَنْ عَرَفَ مَعْنَاهُ وَحِينَئِذٍ فَقَوْلُ الْمُصَنِّفِ بِلَا نِيَّةٍ أَيْ بِلَا نِيَّةِ الْإِيقَاعِ، أَمَّا قَصْدُ التَّلَفُّظِ بِهِ فَيُشْتَرَطُ.
نَعَمْ الْمُكْرَهُ إنْ نَوَى مَعَ الصَّرِيحِ الْوُقُوعَ وَقَعَ وَإِلَّا فَلَا.
تَنْبِيهٌ: أَفْهَمَ كَلَامُهُ أَنَّهُ لَا يَقَعُ طَلَاقٌ بِنِيَّةٍ مِنْ غَيْرِ لَفْظٍ وَهُوَ كَذَلِكَ وَلَا بِتَحْرِيكِ لِسَانِهِ بِكَلِمَةِ الطَّلَاقِ إذَا لَمْ يَرْفَعْ صَوْتَهُ بِقَدْرِ مَا يُسْمِعُ نَفْسَهُ مَعَ اعْتِدَالِ سَمْعِهِ وَعَدَمِ الْمَانِعِ؛ لِأَنَّ هَذَا لَيْسَ بِكَلَامٍ.
تَنْبِيهٌ: لَوْ أَتَى بِكِنَايَةٍ مِنْ كِنَايَةِ الطَّلَاقِ وَضَمَّ إلَيْهَا مِنْ الْأَلْفَاظِ مَا يَدُلُّ عَلَى الْمُرَادِ كَأَنْتِ بَائِنٌ بَيْنُونَةً مُحَرَّمَةً لَا تَحِلِّي لِي أَبَدًا لَمْ تَخْرُجْ عَنْ كَوْنِهَا كِنَايَةً، وَاسْتُشْكِلَ بِمَا ذَكَرُوهُ فِي الْوَقْفِ مِنْ أَنَّهُ لَوْ قَالَ: تَصَدَّقْت بِكَذَا كَانَ كِنَايَةً، فَلَوْ أَضَافَ إلَيْهِ لَا يُبَاعُ وَلَا يُوهَبُ، فَالْأَصَحُّ صَرَاحَتُهُ (فَصَرِيحُهُ) جَزْمًا (الطَّلَاقُ) أَيْ مَا اُشْتُقَّ مِنْهُ كَمَا سَيَأْتِي لِاشْتِهَارِهِ فِيهِ لُغَةً وَعُرْفًا (وَكَذَا الْفِرَاقُ وَالسَّرَاحُ) بِفَتْحِ السِّينِ أَيْ مَا اُشْتُقَّ مِنْهُمَا (عَلَى الْمَشْهُورِ) فِيهِمَا لِوُرُودِهِمَا فِي الْقُرْآنِ بِمَعْنَاهُ وَالثَّانِي، أَنَّهُمَا كِنَايَتَانِ؛ لِأَنَّهُمَا لَمْ يَشْتَهِرَا اشْتِهَارَ الطَّلَاقِ وَيُسْتَعْمَلَانِ فِيهِ وَفِي غَيْرِهِ.
تَنْبِيهٌ: جُمْلَةُ قَوْلِهِ وَكَذَا.
. إلَخْ مَعْطُوفٌ عَلَى الطَّلَاقِ لَا عَلَى صَرِيحِهِ وَإِلَّا يَلْزَمْ حَصْرُ صَرِيحٍ فِي الطَّلَاقِ مَعَ أَنَّ مِنْ صَرِيحِهِ مَا مَرَّ فِي بَابِ الْخُلْعِ مِنْ أَنَّ الْخُلْعَ صَرِيحٌ فِي الْأَصَحِّ إنْ ذُكِرَ الْمَالُ وَكَذَا الْمُفَادَاةُ، وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ أَنَّهُ لَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ الْمُسْلِمِ وَالْكَافِرِ، وَالظَّاهِرُ مَا قَالَهُ الْمَاوَرْدِيُّ فِي نِكَاحِ الْمُشْرِكِ أَنَّ كُلَّ مَا كَانَ عِنْدَ الْمُشْرِكِينَ صَرِيحًا فِي الطَّلَاقِ أُجْرِيَ عَلَيْهِ حُكْمُ الصَّرِيحِ وَإِنْ كَانَ كِنَايَةً عِنْدَنَا، وَكُلُّ مَا كَانَ عِنْدَهُمْ كِنَايَةً أُجْرِيَ عَلَيْهِ حُكْمُ الْكِنَايَةِ وَإِنْ كَانَ صَرِيحًا عِنْدَنَا؛ لِأَنَّا نَعْتَبِرُ عُقُودَهُمْ فِي شِرْكِهِمْ، فَكَذَا طَلَاقُهُمْ، وَأَمْثِلَةُ الْمُشْتَقُّ مِنْ الطَّلَاقِ (كَطَلَّقْتُك وَأَنْتِ طَالِقٌ وَمُطَلَّقَةٌ) بِالتَّشْدِيدِ وَيَا مُطَلَّقَةُ (وَيَا طَالِقُ) إنْ لَمْ يَكُنْ اسْمُهَا ذَلِكَ وَإِلَّا فَكِنَايَةٌ كَمَا جَزَمَ بِهِ الْمُصَنِّفُ وَغَيْرُهُ، وَلَوْ حُذِفَ الْمَفْعُولُ كَأَنْ قَالَ: طَلَّقْت، أَوْ الْمُبْتَدَأَ وَحَرْفَ النِّدَاءِ كَأَنْ قَالَ: طَالِقٌ لَمْ يَقَعْ الطَّلَاقُ كَمَا هُوَ ظَاهِرُ كَلَامِهِمْ، وَصَرَّحَ بِهِ الْقَفَّالُ فِي الْأُولَى (لَا أَنْتِ طَلَاقٌ وَالطَّلَاقُ) فَلَيْسَا بِصَرِيحَيْنِ (فِي الْأَصَحِّ) بَلْ كِنَايَتَانِ: لِأَنَّ الْمَصَادِرَ إنَّمَا تُسْتَعْمَلُ فِي الْأَعْيَانِ تَوَسُّعًا.
وَالثَّانِي: أَنَّهُمَا صَرِيحَانِ كَقَوْلِهِ: يَا طَالِقُ، وَيُقَاسُ بِمَا ذُكِرَ فَارَقْتُك وَسَرَّحْتُكِ فَهُمَا صَرِيحَانِ، وَكَذَا أَنْتِ مُفَارَقَةٌ وَمُسَرَّحَةٌ، وَيَا مُفَارَقَةُ، وَيَا مُسَرَّحَةُ، وَأَنْتِ فِرَاقٌ، وَالْفِرَاقُ وَسَرَاحٌ وَالسَّرَاحُ كِنَايَاتٌ، وَلَوْ قَالَ: أَرَدْت بِالطَّلَاقِ إطْلَاقَهَا مِنْ وِثَاقٍ أَوْ بِالْفِرَاقِ مُفَارَقَةَ الْمَنْزِلِ، أَوْ فِرَاقًا بِالْقَلْبِ، أَوْ بِالسَّرَاحِ تَسْرِيحًا إلَى مَنْزِلِ أَهْلِهَا أَوْ أَرَدْت غَيْرَ هَذِهِ الْأَلْفَاظِ فَسَبَقَ لِسَانِي إلَيْهَا وَلَمْ يَكُنْ قَرِينَةٌ تَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ لَمْ يُقْبَلْ فِي الظَّاهِرِ؛ لِأَنَّهُ خِلَافُ مَا يَقْتَضِيهِ اللَّفْظُ عُرْفًا
وَتَرْجَمَةُ الطَّلَاقِ بِالْعَجَمِيَّةِ صَرِيحٌ عَلَى الْمَذْهَبِ
وَأَطْلَقْتُك وَأَنْتِ مُطْلَقَةٌ كِنَايَةٌ، وَلَوْ اشْتَهَرَ لَفْظٌ لِلطَّلَاقِ كَالْحَلَالِ أَوْ حَلَالُ اللَّهِ عَلَيَّ حَرَامٌ فَصَرِيحٌ فِي الْأَصَحِّ.
قُلْت: الْأَصَحُّ أَنَّهُ كِنَايَةٌ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[مغني المحتاج]
وَدِينَ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى؛ لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ مَا ادَّعَاهُ، فَإِنْ كَانَتْ قَرِينَةٌ؛ كَمَا لَوْ قَالَ ذَلِكَ وَهُوَ يَحُلُّهَا مِنْ وِثَاقٍ قُبِلَ ظَاهِرًا لِوُجُودِ الْقَرِينَةِ الدَّالَّةِ عَلَى ذَلِكَ.
فَإِنْ صَرَّحَ بِمَا ذَكَرَ كَأَنْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ مِنْ وَثَاقٍ أَوْ مِنْ الْعَمَلِ، أَوْ سَرَّحْتُكِ إلَى كَذَا كَانَ كِنَايَةً إنْ قَصَدَ أَنْ يَأْتِيَ بِهَذِهِ الزِّيَادَةِ قَبْلَ فَرَاغِهِ مِنْ الْحَلِفِ وَإِلَّا فَصَرِيحٌ، وَيَجْرِي ذَلِكَ فِيمَنْ يَحْلِفُ بِالطَّلَاقِ مِنْ ذِرَاعِهِ أَوْ فَرَسِهِ أَوْ رَأْسِهِ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ وَلَوْ أَتَى بِالتَّاءِ الْمُثَنَّاةِ مِنْ فَوْقُ بَدَلَ الطَّاءِ كَأَنْ يَقُولَ: أَنْتِ تَالِقٌ كَانَ كِنَايَةً كَمَا أَفَادَهُ شَيْخِي.
قَالَ: سَوَاءٌ كَانَتْ لُغَتُهُ كَذَلِكَ أَمْ لَا، وَلَوْ قَالَ: نِسَاءُ الْمُسْلِمِينَ طَوَالِقُ لَمْ تَطْلُقْ زَوْجَتُهُ إنْ لَمْ يَنْوِ طَلَاقَهَا بِنَاءً عَلَى الْأَصَحِّ مِنْ أَنَّ الْمُتَكَلِّمَ لَا يَدْخُلُ فِي عُمُومِ كَلَامِهِ، وَلَيْسَ قَوْلُهُ: بَانَتْ مِنِّي امْرَأَتِي أَوْ حَرُمَتْ عَلَيَّ إقْرَارًا بِالطَّلَاقِ؛ لِأَنَّهُ كِنَايَةٌ فَيَتَوَقَّفُ عَلَى النِّيَّةِ.
(وَتَرْجَمَةُ) لَفْظِ (الطَّلَاقِ بِالْعَجَمِيَّةِ صَرِيحٌ عَلَى الْمَذْهَبِ) لِشُهْرَةِ اسْتِعْمَالِهَا فِي مَعْنَاهَا عِنْدَ أَهْلِهَا شُهْرَةَ اسْتِعْمَالِ الْعَرَبِيَّةِ عِنْدَ أَهْلِهَا وَيُفَرَّقُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ عَدَمِ صَرَاحَةٍ نَحْوُ حَلَالُ اللَّهِ عَلَيَّ حَرَامٌ عِنْدَ الْمُصَنِّفِ كَمَا سَيَأْتِي بِأَنَّهَا مَوْضُوعَةٌ لِلطَّلَاقِ بِخُصُوصِهِ بِخِلَافِ ذَلِكَ وَإِنْ اُشْتُهِرَ فِيهِ، وَالطَّرِيقُ الثَّانِي وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ كِنَايَةٌ اقْتِصَارًا فِي الصَّرِيحِ عَلَى الْعَرَبِيِّ لِوُرُودِهِ فِي الْقُرْآنِ وَتَكَرُّرِهِ عَلَى لِسَانِ جُمْلَةِ الشَّرْعِ.
تَنْبِيهٌ: اقْتِصَارُ الْمُصَنِّفِ عَلَى الطَّلَاقِ قَدْ يُفْهِمُ أَنَّ تَرْجَمَةَ الْفِرَاقِ وَالسَّرَاحِ كِنَايَةٌ وَهُوَ كَذَلِكَ: كَمَا صَحَّحَهُ فِي أَصْلِ الرَّوْضَةِ وَجَزَمَ بِهِ ابْنُ الْمُقْرِي فِي رَوْضِهِ لِلِاخْتِلَافِ فِي صَرَاحَتِهِمَا بِالْعَرَبِيَّةِ فَضُعِّفَا بِالتَّرْجَمَةِ.
فَإِنْ قِيلَ: تَخْصِيصُ الْمُصَنِّفِ التَّرْجَمَةَ بِالْعَجَمِيَّةِ قَاصِرٌ فَإِنَّ غَيْرَ الْعَجَمِيَّةِ مِنْ اللُّغَاتِ كَذَلِكَ، وَلِهَذَا عَبَّرَ فِي الْمُحَرَّرِ بِسَائِرِ اللُّغَاتِ.
أُجِيبَ بِأَنَّ مُرَادَهُ بِالْعَجَمِيَّةِ مَا عَدَا الْعَرَبِيَّةَ مِنْ سَائِرِ اللُّغَاتِ.
(وَ) كُلٌّ مِنْ (أَطْلَقْتُك وَأَنْتِ مُطْلَقَةٌ) بِسُكُونِ الطَّاءِ (كِنَايَةٌ) لِعَدَمِ اشْتِهَارِهِ فِي مَعْنَى الطَّلَاقِ.
تَنْبِيهٌ: قَوْلُ الْمُصَنِّفِ كِنَايَةٌ أَوْلَى مِنْ قَوْلِ الْمُحَرَّرِ لَيْسَ بِصَرِيحٍ، إذْ لَا يَلْزَمُ مِنْ نَفْيِ صَرَاحَتِهِ إثْبَاتُ كِنَايَتِهِ (وَلَوْ اشْتَهَرَ) عُرْفًا (لَفْظٌ لِلطَّلَاقِ كَالْحَلَالٍ) بِضَمِّ اللَّامِ عَلَيَّ حَرَامٌ (أَوْ حَلَالُ اللَّهِ عَلَيَّ حَرَامٌ) أَوْ أَنْتِ عَلَيَّ حَرَامٌ وَكَذَا الْحَرَامُ يَلْزَمُنِي أَوْ عَلَيَّ الْحَرَامُ كَمَا بَحَثَهُ الزَّرْكَشِيُّ (فَصَرِيحٌ فِي الْأَصَحِّ) عِنْدَ مَنْ اشْتَهَرَ عِنْدَهُمْ: كَمَا قَالَهُ الرَّافِعِيُّ تَبَعًا لِلْمَرَاوِزَةِ لِغَلَبَةِ الِاسْتِعْمَالِ وَحُصُولِ التَّفَاهُمِ عِنْدَهُمْ (قُلْت: الْأَصَحُّ) الْمَنْصُوصُ وَعَلَيْهِ الْأَكْثَرُونَ (أَنَّهُ كِنَايَةٌ) مُطْلَقًا (وَاَللَّهُ أَعْلَمُ) لِأَنَّ الصَّرِيحَ إنَّمَا يُؤْخَذُ مِنْ وُرُودِ الْقُرْآنِ بِهِ وَتَكَرُّرِهِ عَلَى لِسَانِ حَمَلَةِ الشَّرْعِ، وَلَيْسَ الْمَذْكُورُ كَذَلِكَ، أَمَّا مَنْ لَمْ يَشْتَهِرْ عِنْدَهُمْ فَكِنَايَةٌ فِي حَقِّهِمْ جَزْمًا.
تَنْبِيهٌ: قَوْلُ الزَّوْجِ لِزَوْجَتِهِ أَلْقَيْت عَلَيْكِ طَلْقَةً صَرِيحٌ، وَفِي قَوْلِهِ لَهَا: وَضَعْتُ عَلَيْكِ طَلْقَةً
وَكِنَايَتُهُ كَأَنْتِ خَلِيَّةٌ بَرِيَّةٌ بَتَّةً بَتْلَةٌ بَائِنٌ اعْتَدِّي اسْتَبْرِئِي رَحِمَك الْحَقِي بِأَهْلِك، حَبْلُك عَلَى غَارِبِك، لَا أَنْدَهُ سَرْبَكِ، اُعْزُبِي اُغْرُبِي دَعِينِي
[مغني المحتاج]
أَوْ لَكِ طَلْقَةً وَجْهَانِ: أَوْجَهُهُمَا أَنَّهُ صَرِيحٌ فِي الْأُولَى قِيَاسًا عَلَى أَلْقَيْت عَلَيْك طَلْقَةً كِنَايَةً فِي الثَّانِيَةِ كَمَا قَالَهُ شَيْخُنَا، وَإِنْ كَانَ كَلَامُ الرَّافِعِيِّ يَمِيلُ إلَى الصَّرَاحَةِ وَقَوْلُهُ لَهَا: لَمْ يَبْقَ بَيْنِي وَبَيْنَك شَيْءٌ وَبَيْعُهُ لَهَا بِصِيغَةِ الْبَيْعِ بِلَا عِوَضٍ أَوْ بِهِ، أَوْ أَبْرَأْتُك أَوْ عَفَوْت عَنْك، أَوْ بَرِئْت مِنْ نِكَاحِك، أَوْ بَرِئْت إلَيْكِ مِنْ طَلَاقِك كِنَايَةً، مَعْنَاهُ فِي الْأَخِيرَةِ بَرِئْت مِنْك بِوَاسِطَةِ إيقَاعِ الطَّلَاقِ عَلَيْك، وَهَذَا بِخِلَافِ قَوْلِهِ لَهَا: بَرِئْت مِنْ طَلَاقِك فَلَيْسَ بِكِنَايَةٍ فَلَا يَقَعُ بِهِ طَلَاقٌ وَإِنْ نَوَاهُ، وَإِنْ قَالَ الْأَذْرَعِيُّ: لَا يَبْعُدُ إيقَاعُهُ بِهِ، وَقَوْلُهُ: الطَّلَاقُ لَازِمٌ لِي أَوْ وَاجِبٌ عَلَيَّ صَرِيحٌ، بِخِلَافِ قَوْلِهِ: فَرْضٌ عَلَيَّ؛ لِلْعُرْفِ فِي ذَلِكَ.
قَالَ فِي الْبَحْرِ عَنْ الْمُزَنِيِّ: وَلَوْ قَالَ: عَلَيَّ الطَّلَاقُ فَهُوَ كِنَايَةٌ.
وَقَالَ الصَّيْمَرِيُّ: إنَّهُ صَرِيحٌ، وَهُوَ كَمَا قَالَ شَيْخُنَا أَوْجَهُ، بَلْ قَالَ الزَّرْكَشِيُّ وَغَيْرُهُ إنَّهُ الْحَقُّ فِي هَذَا الزَّمَنِ لِاشْتِهَارِهِ فِي مَعْنَى التَّطْلِيقِ، فَقَوْلُ ابْنِ الصَّلَاحِ فِي فَتَاوِيهِ: إنَّهُ لَا يَقَعُ بِهِ شَيْءٌ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَشْتَهِرْ فِي زَمَنِهِ وَلَمْ يَنْوِ بِهِ الطَّلَاقَ، وَقَوْلُهُ لَهَا: طَلَّقَك اللَّهُ، وَلِغَرِيمِهِ أَبْرَأَك اللَّهُ، وَقَوْلُهُ لِأَمَتِهِ: أَعْتَقَك اللَّهُ صَرِيحٌ فِي الطَّلَاقِ وَالْإِبْرَاءِ وَالْعِتْقِ، إذْ لَا يُطَلِّقُ اللَّهُ وَلَا يُبْرِئُ، وَلَا يُعْتِقُ إلَّا وَالزَّوْجَةُ طَالِقٌ، وَالْغَرِيمُ بَرِيءٌ، وَالْأَمَةُ مُعْتَقَةٌ.
فَإِنْ قِيلَ: قَدْ تَقَدَّمَ فِي الْبَيْعِ أَنَّ بَاعَك اللَّهُ وَأَقَالَك اللَّهُ كِنَايَةٌ، فَهَلَّا كَانَ مَا ذَكَرَ كَذَلِكَ؟ .
أُجِيبَ بِأَنَّ الصِّيَغَ هُنَا قَوِيَّةٌ لِاسْتِقْلَالِهَا بِالْمَقْصُودِ بِخِلَافِ صِيغَتَيْ الْبَيْعِ وَالْإِقَالَةِ، وَقَوْلُهُ لَهَا: طَلَاقُكِ عَلَيَّ أَوْ لَسْت زَوْجَتِي كِنَايَةٌ، وَفَارَقَ الْأَوَّلَ مِنْهُمَا عَلَيَّ الطَّلَاقُ عَلَى قَوْلِ الصَّيْمَرِيِّ بِاحْتِمَالِهِ طَلَاقُك فَرْضٌ عَلَيَّ مَعَ عَدَمِ اشْتِهَارِهِ بِخِلَافِ عَلَيَّ الطَّلَاقُ.
(وَكِنَايَتُهُ) أَيْ الطَّلَاقِ (كَأَنْتِ خَلِيَّةٌ) أَيْ خَالِيَةٌ مِنِّي، وَكَذَا يُقَدَّرُ الْجَارُّ وَالْمَجْرُورُ فِيمَا بَعْدَهُ (بَرِيَّةٌ) بِهَمْزٍ وَتَرْكِهِ بِخَطِّهِ، وَحَيْثُ قُلْت بِخَطِّهِ، الْمُرَادُ الْمُصَنِّفُ: أَيْ مُنْفَصِلَةً (بَتَّةً) بِمُثَنَّاةٍ قَبْلَ آخِرِهِ أَيْ مَقْطُوعَةَ الْوَصْلَةِ.
مَأْخُوذَةٌ مِنْ الْبَتِّ، وَهُوَ الْقَطْعُ.
تَنْبِيهٌ: تَنْكِيرُ الْبَتَّةِ جَوَّزَهُ الْفَرَّاءُ، وَالْأَصَحُّ، وَهُوَ مَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ أَنَّهُ لَا يُسْتَعْمَلُ إلَّا مُعَرَّفًا بِاللَّامِ (بَتْلَةٌ) أَيْ مَتْرُوكَةُ النِّكَاحِ، وَمِنْهُ: نَهَى عَنْ التَّبَتُّلِ (بَائِنٌ) مِنْ الْبَيْنِ وَهُوَ الْفِرَاقُ.
تَنْبِيهٌ: قَوْلُهُ بَائِنٌ هُوَ اللُّغَةُ الْفُصْحَى، وَالْقَلِيلُ بَائِنَةٌ (اعْتَدِّي اسْتَبْرِئِي رَحِمَك) أَيْ لِأَنِّي طَلَّقْتُك، وَسَوَاءٌ فِي ذَلِكَ الْمَدْخُولُ بِهَا وَغَيْرُهَا (الْحَقِي بِأَهْلِك) بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ وَفَتْحِ الْحَاءِ، وَقِيلَ بِالْعَكْسِ، وَجَعَلَهُ الْمُطَرِّزِيُّ خَطَأً أَيْ لِأَنِّي طَلَّقْتُك، سَوَاءٌ أَكَانَ لَهَا أَهْلٌ أَمْ لَا (حَبْلُك عَلَى غَارِبِك) أَيْ خَلَّيْت سَبِيلَك كَمَا يُخْلَى الْبَعِيرُ فِي الصَّحْرَاءِ وَزِمَامُهُ عَلَى غَارِبِهِ، وَهُوَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ الظَّهْرِ وَارْتَفَعَ مِنْ الْعُنُقِ لِيَرْعَى كَيْفَ شَاءَ (لَا أَنْدَهُ سَرْبَكِ) مِنْ النَّدْهِ، وَهُوَ الزَّجْرُ أَيْ لَا أَهْتَمُّ بِشَأْنِكِ لِأَنِّي طَلَّقْتُك، وَالسَّرْبُ بِفَتْحِ السِّينِ وَسُكُونِ الرَّاءِ الْمُهْمَلَتَيْنِ الْإِبِلُ وَمَا يَرْعَى مِنْ الْمَالِ، أَمَّا بِكَسْرِ السِّينِ فَالْجَمَاعَةُ مِنْ الظِّبَاءِ وَالْبَقَرِ، وَيَجُوزُ كَسْرُ السِّينِ هُنَا (اُعْزُبِي) بِمُهْمَلَةٍ ثُمَّ زَايٍ أَيْ تَبَاعَدِي عَنِّي (اُغْرُبِي) بِمُعْجَمَةٍ ثُمَّ رَاءٍ أَيْ صِيرِي غَرِيبَةً بِلَا زَوْجٍ (دَعِينِي) أَيْ اُتْرُكِينِي
وَدِّعِينِي وَنَحْوِهَا، وَالْإِعْتَاقُ كِنَايَةُ طَلَاقٍ وَعَكْسُهُ.
وَلَيْسَ الطَّلَاقُ كِنَايَةَ ظِهَارٍ وَعَكْسُهُ.
[مغني المحتاج]
لِأَنِّي طَلَّقْتُك (وَدِّعِينِي) بِتَشْدِيدِ الدَّالِ الْمَكْسُورَةِ مِنْ الْوَدَاعِ، فَوَاوُهُ أَصْلِيَّةٌ لَا عَاطِفَةٌ أَيْ لِأَنِّي طَلَّقْتُك (وَنَحْوُهَا) كَقَوْلِهِ: لَا حَاجَةَ لِي فِيك أَيْ لِأَنِّي طَلَّقْتُك، وَذُوقِي أَيْ مَرَارَةَ الْفِرَاقِ، وَتَزَوَّدِي أَيْ اسْتَعِدِّي لِلُّحُوقِ بِأَهْلِك، وَتَقَنَّعِي وَاسْتَتِرِي، أَيْ لِأَنِّي طَلَّقْتُك فَأَنْتِ مُحَرَّمَةٌ عَلَيَّ فَلَا تَحِلُّ لِي رُؤْيَتُك، وَتَجَرَّعِي أَيْ كَأْسَ الْفِرَاقِ، وَابْعَدِي لِأَنَّك أَجْنَبِيَّةٌ مِنِّي، وَاذْهَبِي أَيْ إلَى أَهْلِك لِأَنِّي طَلَّقْتُك لَا اذْهَبِي إلَى بَيْتِ أَبَوَيَّ إنْ نَوَى الطَّلَاقَ بِمَجْمُوعِهِ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ: إلَى بَيْتِ أَبَوَيَّ لَا يَحْتَمِلُ الطَّلَاقَ.
فَإِنْ نَوَاهُ بِقَوْلِهِ: اذْهَبِي وَقَعَ، إذْ ضَابِطُ الْكِنَايَةِ كُلُّ لَفْظٍ لَهُ إشْعَارٌ قَرِيبٌ بِالْفِرَاقِ وَلَمْ يَشِعْ اسْتِعْمَالُهُ فِيهِ شَرْعًا وَلَا عُرْفًا كَسَافِرِي، وَاخْرُجِي، وَيَا بِنْتِي إنْ أَمْكَنَ كَوْنَهَا بِنْتَه، وَإِنْ كَانَتْ مَعْلُومَةَ النَّسَبِ مِنْ غَيْرِهِ كَمَا إذَا قَالَهُ لِأَمَتِهِ، وَإِنَّمَا لَمْ يَكُنْ صَرِيحًا لِأَنَّهُ إنَّمَا يُسْتَعْمَلُ فِي الْعَادَةِ لِلْمُلَاطَفَةِ وَحُسْنِ الْمُعَاشَرَةِ، وَتَزَوَّجِي وَانْكِحِي أَيْ لِأَنِّي طَلَّقْتُك، وَأَحْلَلْتُك أَيْ لِلْأَزْوَاجِ لِأَنِّي طَلَّقْتُك وَفَتَحْت عَلَيْك الطَّلَاقَ أَيْ أَوْقَعْتُهُ، وَلَعَلَّ اللَّهَ يَسُوقُ إلَيْك الْخَيْرَ أَيْ بِالطَّلَاقِ، وَبَارَكَ اللَّهُ لَكِ أَيْ فِي الْفِرَاقِ لَا إنْ قَالَ: بَارَكَ اللَّهُ فِيكِ فَلَيْسَ بِكِنَايَةٍ؛ لِأَنَّ مَعْنَاهُ بَارَكَ اللَّهُ لِي فِيك، وَهُوَ يُشْعِرُ بِرَغْبَتِهِ فِيهَا، وَوَهَبْتُك لِأَهْلِك أَوْ لِلنَّاسِ أَوْ لِلْأَزْوَاجِ أَوْ لِلْأَجَانِبِ، وَلَا حَاجَةَ لِي فِيكِ، أَنْتِ وَشَأْنَكِ، وَسَلَامٌ عَلَيْكِ قَالَهُ ابْنُ الصَّلَاحِ؛ لِأَنَّهُ يُقَالُ عِنْدَ الْفِرَاقِ.
قَالَ فِي الْمُحَرَّرِ: وَلَا تَكَادُ تَنْحَصِرُ (وَالْإِعْتَاقُ) صَرِيحُهُ وَكِنَايَتُهُ (كِنَايَةُ طَلَاقٍ) لِاشْتِرَاكِهِمَا فِي إزَالَةِ الْمِلْكِ، فَقَوْلُهُ لِزَوْجَتِهِ: أَعْتَقْتُك أَوْ لَا مِلْكَ لِي عَلَيْك إنْ نَوَى بِهِ الطَّلَاقَ طَلُقَتْ، وَإِلَّا فَلَا (وَعَكْسُهُ) أَيْ صَرِيحُ الطَّلَاقِ، وَكِنَايَتُهُ كِنَايَةُ إعْتَاقٍ لِمَا مَرَّ، فَقَوْلُهُ لِرَقِيقِهِ: طَلَّقْتُك أَوْ أَنْتِ خَلِيٌّ أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ إنْ نَوَى الْعِتْقَ عَتَقَ وَإِلَّا فَلَا.
نَعَمْ قَوْلُهُ لِعَبْدِهِ: اعْتَدَّ أَوْ اسْتَبْرِئْ رَحِمَك لَغْوٌ لَا يَعْتِقُ بِهِ وَإِنْ نَوَاهُ لِاسْتِحَالَةِ ذَلِكَ فِي حَقِّهِ، وَمِثْلُهُ كَمَا بَحَثَهُ شَيْخُنَا الْخُنْثَى وَكِنَايَةٌ فِي الْأَمَةِ، وَقَوْلُهُ لِعَبْدِهِ أَوْ أَمَتِهِ: أَنَا مِنْك حُرٌّ، أَوْ أَعْتَقْت نَفْسِي لَغْوٌ لَا يَعْتِقُ بِهِ وَإِنْ نَوَاهُ بِخِلَافِ الزَّوْجَةِ؛ لِأَنَّ الزَّوْجِيَّةَ تَشْمَلُ الْجَانِبَيْنِ بِخِلَافِ الرِّقِّ فَإِنَّهُ يَخْتَصُّ بِالْمَمْلُوكِ.
(وَلَيْسَ الطَّلَاقُ كِنَايَةَ ظِهَارٍ وَعَكْسُهُ) وَإِنْ اشْتَرَكَا فِي إفَادَةِ التَّحْرِيمِ؛ لِأَنَّ تَنْفِيذَ كُلٍّ مِنْهُمَا فِي مَوْضُوعِهِ مُمْكِنٌ، فَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ مِنْ فُرُوعِ مَا كَانَ صَرِيحًا فِي بَابِهِ وَوَجَدَ نَفَاذًا فِي مَوْضُوعِهِ لَا يَكُونُ كِنَايَةً فِي غَيْرِهِ، فَلَوْ قَالَ لِزَوْجَتِهِ: أَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي وَنَوَى الطَّلَاقَ، أَوْ أَنْتِ طَالِقٌ وَنَوَى الظِّهَارَ لَمْ يَقَعْ مَا نَوَاهُ بَلْ يَقَعُ مُقْتَضَى الصَّرِيحِ، وَاسْتَثْنَى مِنْ هَذِهِ الْقَاعِدَةِ مَسَائِلَ.
مِنْهَا مَا لَوْ قَالَ الْمُسْتَحَقُّ عَلَيْهِ لِلْمُسْتَحِقِّ: أَرَدْت بِقَوْلِي أَحَلْتُك الْوَكَالَةَ وَقَالَ الْمُسْتَحِقُّ: بَلْ أَرَدْت الْحَوَالَةَ صُدِّقَ الْمُسْتَحَقُّ عَلَيْهِ بِيَمِينِهِ.
وَمِنْهَا مَا لَوْ قَالَ: تَصَدَّقْت فَإِنَّهُ صَرِيحٌ فِي بَابِهِ وَكِنَايَةٌ فِي الْوَقْفِ.
وَمِنْهَا مَا لَوْ قَالَ لِزَوْجَتِهِ: فَسَخْت نِكَاحَك وَهُوَ مُتَمَكِّنٌ مِنْ الْفَسْخِ بِعَيْبِهَا وَنَوَى الطَّلَاقَ فَهُوَ طَلَاقٌ مَعَ أَنَّ الْفَسْخَ صَرِيحٌ فِي رَفْعِ نِكَاحِ الْمَعِيبَةِ بِحَيْثُ تَبِينُ بِهِ مِنْ غَيْرِ طَلَاقٍ فَقَدْ وَجَدَ نَفَاذًا فِي مَوْضُوعِهِ حِينَئِذٍ، وَهُوَ كِنَايَةٌ فِي الطَّلَاقِ.
وَمِنْهَا مَا لَوْ أَسْلَمَ عَلَى أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعٍ، فَقَالَ لِإِحْدَاهُنَّ فَارَقْتُك فَإِنَّهُ فَسْخٌ وَإِنْ كَانَ لَفْظُهُ صَرِيحًا فِي الطَّلَاقِ.
وَمِنْهَا مَا لَوْ قَالَ لِزَوْجَتِهِ أَنْتِ عَلَيَّ حَرَامٌ كَظَهْرِ
وَلَوْ قَالَ أَنْتِ عَلَيَّ حَرَامٌ أَوْ حَرَّمْتُك وَنَوَى طَلَاقًا أَوْ ظِهَارًا حَصَلَ، أَوْ نَوَاهُمَا، تَخَيَّرَ وَثَبَتَ مَا اخْتَارَهُ، وَقِيلَ طَلَاقٌ، وَقِيلَ ظِهَارٌ، أَوْ تَحْرِيمَ عَيْنِهَا لَمْ تَحْرُمْ، وَعَلَيْهِ كَفَّارَةُ يَمِينٍ، وَكَذَا إنْ لَمْ تَكُنْ نِيَّةٌ فِي الْأَظْهَرِ، وَالثَّانِي لَغْوٌ وَإِنْ قَالَهُ لِأَمَتِهِ وَنَوَى عِتْقًا ثَبَتَ، أَوْ تَحْرِيمَ عَيْنِهَا أَوْ لَا نِيَّةَ فَكَالزَّوْجَةِ.
[مغني المحتاج]
أُمِّي، فَالْمَجْمُوعُ كِنَايَةٌ فِي الطَّلَاقِ مَعَ أَنَّهُ إذَا أَطْلَقَ كَانَ ظِهَارًا.
(وَلَوْ قَالَ) لِزَوْجَتِهِ رَأْسُك أَوْ فَرْجُك أَوْ (أَنْتِ عَلَيَّ حَرَامٌ أَوْ حَرَّمْتُك وَنَوَى) بِذَلِكَ (طَلَاقًا) رَجْعِيًّا أَوْ بَائِنًا وَإِنْ تَعَدَّدَ (أَوْ) نَوَى بِهِ (ظِهَارًا) أَيْ أَنَّهَا عَلَيْهِ كَظَهْرِ أُمِّهِ (حَصَلَ) مَا نَوَاهُ؛ لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا يَقْتَضِي التَّحْرِيمَ، فَجَازَ أَنْ يُكَنَّى عَنْهُ بِالْحَرَامِ (أَوْ نَوَاهُمَا) أَيْ الطَّلَاقَ وَالظِّهَارَ مَعًا، وَكَذَا مُتَعَاقِبَيْنِ كَمَا قَالَهُ الشَّيْخُ أَبُو عَلِيٍّ: أَيْ قَبْلَ الْفَرَاغِ مِنْ اللَّفْظِ كَأَنْ أَرَادَ أَحَدَهُمَا فِي أَوَّلِهِ وَالْآخَرَ فِي آخِرِهِ (تَخَيَّرَ وَثَبَتَ مَا اخْتَارَهُ) مِنْهُمَا، وَلَا يَثْبُتَانِ جَمِيعًا؛ لِأَنَّ الطَّلَاقَ يُزِيلُ النِّكَاحَ وَالظِّهَارَ يَسْتَدْعِي بَقَاءَهُ (وَقِيلَ) الْوَاقِعُ (طَلَاقٌ) لِأَنَّهُ أَقْوَى لِإِزَالَتِهِ الْمِلْكَ (وَقِيلَ: ظِهَارٌ) ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاءَ النِّكَاحِ.
تَنْبِيهٌ: هَذَانِ الْوَجْهَانِ مَزِيدَانِ عَلَى الْمُحَرَّرِ (أَوْ) نَوَى بِذَلِكَ (تَحْرِيمَ عَيْنِهَا) أَوْ فَرْجِهَا أَوْ وَطْئِهَا.
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ أَوْ رَأْسِهَا (لَمْ تَحْرُمْ) عَلَيْهِ وَإِنْ كُرِهَ لَهُ ذَلِكَ لِمَا رَوَى النَّسَائِيُّ " أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ ابْنَ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -. قَالَ: إنِّي جَعَلْت امْرَأَتِي عَلَيَّ حَرَامًا، فَقَالَ: كَذَبْتَ لَيْسَتْ عَلَيْك بِحَرَامٍ، ثُمَّ قَرَأَ قَوْله تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ [التحريم: 1] الْآيَةَ (وَ) لَكِنْ (عَلَيْهِ كَفَّارَةُ يَمِينٍ) أَيْ مِثْلُهَا؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِيَمِينٍ؛ لِأَنَّ الْيَمِينَ إنَّمَا تَنْعَقِدُ بِاسْمٍ مِنْ أَسْمَائِهِ تَعَالَى أَوْ صِفَةٍ مِنْ صِفَاتِهِ، وَلَا يَتَوَقَّفُ وُجُوبُهَا عَلَى الْوَطْءِ كَمَا لَوْ قَالَ ذَلِكَ لِأَمَتِهِ أَخْذًا مِنْ «قِصَّةِ مَارِيَةَ لَمَّا قَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: هِيَ عَلَيَّ حَرَامٌ» نَزَلَ قَوْله تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ [التحريم: 1] إلَى قَوْلِهِ: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ [التحريم: 2] أَوْجَبَ عَلَيْكُمْ كَفَّارَةً كَكَفَّارَةِ أَيْمَانِكُمْ (وَكَذَا) لَا تَحْرُمُ عَلَيْهِ وَإِنْ كُرِهَ لَهُ ذَلِكَ، وَعَلَيْهِ كَفَّارَةُ يَمِينٍ فِي الْحَالِ أَيْ مِثْلُهَا كَمَا مَرَّ (إنْ لَمْ تَكُنْ) لَهُ (نِيَّةٌ) فِي قَوْلِهِ: أَنْتِ عَلَيَّ حَرَامٌ (فِي الْأَظْهَرِ) لِعُمُومِ مَا مَرَّ (وَالثَّانِي) أَنَّ هَذَا الْقَوْلَ (لَغْوٌ) فَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ فِيهِ، وَعَلَى الْأَوَّلِ لَوْ قَالَ: أَرَدْت بِهِ الْيَمِينَ عَلَى تَرْكِ الْوَطْءِ لَمْ تَسْقُطْ عَنْهُ الْكَفَّارَةُ، إذْ لَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ: لِمَا مَرَّ أَنَّ الْيَمِينَ إنَّمَا تَنْعَقِدُ بِاسْمٍ مِنْ أَسْمَائِهِ تَعَالَى أَوْ صِفَةٍ مِنْ صِفَاتِهِ (وَإِنْ قَالَهُ) أَيْ أَنْتِ عَلَيَّ حَرَامٌ أَوْ نَحْوَهُ مِمَّا مَرَّ (لِأَمَتِهِ وَنَوَى عِتْقًا ثَبَتَ) لِأَنَّهُ كِنَايَةٌ فِيهِ أَوْ طَلَاقًا أَوْ ظِهَارًا لَغَا، إذْ لَا مَجَالَ لَهُ فِي الْأَمَةِ (أَوْ تَحْرِيمَ عَيْنِهَا) أَوْ نَحْوَهَا مِمَّا مَرَّ، وَهِيَ حَلَالٌ لَهُ (أَوْ لَا نِيَّةَ) لَهُ (فَكَالزَّوْجَةِ) فِيمَا مَرَّ، فَلَا تَحْرُمُ عَلَيْهِ بِذَلِكَ، وَيَلْزَمُهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ قَطْعًا فِي الْأُولَى، وَعَلَى الْأَظْهَرِ فِي الثَّانِيَةِ.
أَمَّا إذَا كَانَتْ الْأَمَةُ غَيْرَ حَلَالٍ لَهُ، فَإِنْ كَانَتْ مُحَرَّمَةً بِنَسَبٍ أَوْ رَضَاعٍ أَوْ مُصَاهَرَةٍ فَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ لِصِدْقِهِ فِي وَصْفِهَا بِتَحْرِيمِهَا عَلَيْهِ، وَفِي وُجُوبِ الْكَفَّارَةِ بِقَوْلِهِ: ذَلِكَ لِأَمَتِهِ الْمُزَوَّجَةِ وَالْمُعْتَدَّةِ وَالْمَجُوسِيَّةِ وَنَحْوِهَا، كَالْمُرْتَدَّةِ وَالْوَثَنِيَّةِ وَالْمُسْتَبْرَأَة وَجْهَانِ يَجْرِيَانِ فِي زَوْجَةٍ أَحْرَمَتْ أَوْ اعْتَدَّتْ بِشُبْهَةٍ أَوْجَهُهُمَا لَا كَمَا جَزَمَ بِهِ الرُّويَانِيُّ فِي أَمَتِهِ الْمُعْتَدَّةِ وَالْمَجُوسِيَّةِ وَالْقَاضِي فِي الْمُعْتَدَّةِ عَنْ شُبْهَةٍ وَالْمَجُوسِيَّةِ
وَلَوْ قَالَ هَذَا الثَّوْبُ أَوْ الطَّعَامُ أَوْ الْعَبْدُ حَرَامٌ عَلَيَّ فَلَغْوٌ.
وَشَرْطُ نِيَّةِ الْكِنَايَةِ اقْتِرَانُهَا بِكُلِّ اللَّفْظِ، وَقِيلَ يَكْفِي بِأَوَّلِهِ.
وَإِشَارَةُ نَاطِقٍ بِطَلَاقٍ لَغْوٌ،
[مغني المحتاج]
وَالْمُرْتَدَّةِ، وَلَا كَفَّارَةَ بِذَلِكَ فِي رَجْعِيَّةٍ لِصِدْقِهِ فِي وَصْفِهَا وَتَجِبُ فِي حَائِضٍ وَنُفَسَاءَ وَصَائِمَةٍ وَنَحْوِهَا كَمُصَلِّيَةٍ؛ لِأَنَّهَا عَوَارِضُ سَرِيعَةُ الزَّوَالِ.
(وَلَوْ) حَرَّمَ الشَّخْصُ غَيْرَ الْأَبْضَاعِ كَأَنْ (قَالَ: هَذَا الثَّوْبُ أَوْ الطَّعَامُ أَوْ الْعَبْدُ حَرَامٌ عَلَيَّ فَلَغْوٌ) لَا كَفَّارَةَ فِيهِ بِخِلَافِ الْأَبْضَاعِ لِاخْتِصَاصِهَا بِالِاحْتِيَاطِ وَلِشِدَّةِ قَبُولِهَا التَّحْرِيمَ بِدَلِيلِ تَأْثِيرِ الظِّهَارِ فِيهَا دُونَ الْأَمْوَالِ، وَكَالْأَمْوَالِ قَوْلُ الشَّخْصِ لِآخَرَ لَيْسَ بِزَوْجَةٍ وَلَا أَمَةٍ لَهُ أَنْتِ عَلَيَّ حَرَامٌ كَمَا بَحَثَهُ شَيْخُنَا - رَحِمَهُ اللَّهُ -.
تَنْبِيهَاتٌ: لَوْ حَرَّمَ كُلُّ مَا يَمْلِكُ وَلَهُ نِسَاءٌ وَإِمَاءٌ لَزِمَتْهُ الْكَفَّارَةُ كَمَا عُلِمَ مِمَّا مَرَّ، وَيَكْفِيهِ كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ، كَمَا لَوْ حَلَفَ لَا يُكَلِّمُ جَمَاعَةً وَكَلَّمَهُمْ، وَمِثْلُهُ مَا لَوْ قَالَ لِأَرْبَعِ زَوْجَاتٍ: أَنْتُنَّ عَلَيَّ حَرَامٌ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي الرَّوْضَةِ هُنَا، وَمَا نَقَلَهُ فِي الظِّهَارِ عَنْ الْإِمَامِ مِنْ تَعَدُّدِهَا ضَعِيفٌ، وَلَوْ حَرَّمَ زَوْجَتَهُ مَرَّاتٍ فِي مَجْلِسٍ أَوْ مَجَالِسَ وَنَوَى التَّأْكِيدَ، وَكَذَا إنْ أَطْلَقَ، سَوَاءٌ أَكَانَ فِي مَجْلِسٍ أَوْ مَجَالِسَ كَمَا فِي الرَّوْضَةِ فِي الْأُولَى، وَبَحَثَهُ شَيْخُنَا فِي الثَّانِيَةِ كَفَاهُ كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ، وَإِنْ نَوَى الِاسْتِئْنَافَ تَعَدَّدَتْ بِعَدَدِ الْمَرَّاتِ كَمَا فِي الرَّوْضَةِ فِي الثَّانِيَةِ، وَبَحَثَهُ الزَّرْكَشِيُّ فِي الْأُولَى وَإِنْ أَفْهَمَ كَلَامُهَا خِلَافَهُ.
فَإِنْ قِيلَ: لَوْ نَوَى الِاسْتِئْنَافَ فِي نَظِيرِهِ مِنْ الْأَيْمَانِ لَا تَتَعَدَّدُ الْكَفَّارَةُ فَكَانَ الْقِيَاسُ أَنْ يَكُونَ هُنَا كَذَلِكَ.
أُجِيبَ بِأَنَّ الْحَرَامَ لَمَّا كَانَ يَصْلُحُ لِلطَّلَاقِ نُزِّلَ مَنْزِلَتَهُ، وَالطَّلَاقُ إذَا نَوَى بِهِ الِاسْتِئْنَافَ يَتَعَدَّدُ؛ لِأَنَّهُ مَحْصُورٌ فِي عَدَدٍ فَقَصْدُ الِاسْتِئْنَافِ يَقْتَضِي اسْتِيفَاءَهُ بِخِلَافِ الْكَفَّارَةِ؛ وَلِأَنَّ الْكَفَّارَةَ تُشْبِهُ الْحُدُودَ الْمُتَّحِدَةَ الْجِنْسِ فَتَتَدَاخَلُ بِخِلَافِ الطَّلَاقِ.
وَلَوْ قَالَ: أَنْتِ عَلَيَّ كَالْمَيْتَةِ أَوْ الْخَمْرِ، أَوْ الْخِنْزِيرِ، أَوْ الدَّمِ فَكَقَوْلِهِ: أَنْتِ حَرَامٌ عَلَيَّ فِيمَا مَرَّ.
نَعَمْ إنْ قَصَدَ بِهِ الِاسْتِقْذَارَ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ وَلَا تُلْحَقُ الْكِنَايَةُ بِالصَّرِيحِ مُوَاطَأَةً كَالتَّوَاطُؤِ عَلَى جَعْلِ قَوْلِهِ: أَنْتِ عَلَيَّ حَرَامٌ كَطَلَّقْتُك، بَلْ تَكُونُ كَمَا لَوْ ابْتَدَأَ بِهِ، وَلَا سُؤَالُ الْمَرْأَةِ الطَّلَاقَ، وَلَا قَرِينَةَ مِنْ غَضَبٍ وَنَحْوِهِ (وَشَرْطُ نِيَّةِ الْكِنَايَةِ اقْتِرَانُهَا بِكُلِّ اللَّفْظِ) كَمَا فِي الْمُحَرَّرِ وَجَرَى عَلَيْهِ الْبُلْقِينِيُّ فَلَوْ قَارَنَتْ أَوَّلَهُ وَعَزَبَتْ قَبْلَ آخِرِهِ لَمْ يَقَعْ طَلَاقٌ (وَقِيلَ: يَكْفِي) اقْتِرَانُهَا (بِأَوَّلِهِ) فَقَطْ وَيَنْسَحِبُ مَا بَعْدَهُ عَلَيْهِ.
وَرَجَّحَهُ الرَّافِعِيُّ فِي الشَّرْحِ الصَّغِيرِ، وَنَقَلَ فِي الْكَبِيرِ تَرْجِيحَهُ عَنْ الْإِمَامِ وَغَيْرِهِ، وَصَوَّبَهُ الزَّرْكَشِيُّ، وَاَلَّذِي رَجَّحَهُ ابْنُ الْمُقْرِي وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ أَنَّهُ يَكْفِي اقْتِرَانُهَا بِبَعْضِ اللَّفْظِ، سَوَاءٌ أَكَانَ مِنْ أَوَّلِهِ أَوْ وَسَطِهِ أَوْ آخِرِهِ؛ لِأَنَّ الْيَمِينَ إنَّمَا تُعْتَبَرُ بِتَمَامِهَا.
تَنْبِيهٌ: اللَّفْظُ الَّذِي يُعْتَبَرُ قَرْنُ النِّيَّةِ بِهِ هُوَ لَفْظُ الْكِنَايَةِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْمَاوَرْدِيُّ وَالرُّويَانِيُّ وَالْبَنْدَنِيجِيّ، وَمَثَّلَ لَهُ الرَّافِعِيُّ تَبَعًا لِجَمَاعَةٍ بِقَرْنِهَا بِأَنْتِ مِنْ أَنْتِ بَائِنٌ مَثَلًا، وَصَوَّبَ فِي الْمُهِمَّاتِ الْأَوَّلَ؛ لِأَنَّ الْكَلَامَ فِي الْكِنَايَاتِ.
وَالْأَوْجَهُ كَمَا قَالَ شَيْخُنَا الِاكْتِفَاءُ بِمَا قَالَهُ الرَّافِعِيُّ؛ لِأَنَّ أَنْتِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ جُزْءًا مِنْ الْكِنَايَةِ فَهُوَ كَالْجُزْءِ مِنْهَا؛ لِأَنَّ مَعْنَاهَا الْمَقْصُودَ لَا يَتَأَدَّى بِدُونِهِ.
(وَإِشَارَةُ نَاطِقٍ) وَإِنْ فَهِمَهَا كُلُّ أَحَدٍ (بِطَلَاقٍ) كَأَنْ قَالَتْ لَهُ زَوْجَتُهُ: طَلِّقْنِي فَأَشَارَ بِيَدِهِ أَنْ اذْهَبِي (لَغْوٌ) لَا يَقَعُ بِهَا شَيْءٌ؛ لِأَنَّ عُدُولَهُ عَنْ الْعِبَارَةِ إلَى الْإِشَارَةِ يُفْهِمُ أَنَّهُ غَيْرُ قَاصِدٍ الطَّلَاقَ، وَإِنْ
وَقِيلَ كِنَايَةٌ، وَيُعْتَدُّ بِإِشَارَةِ أَخْرَسَ فِي الْعُقُودِ وَالْحُلُولِ، فَإِنْ فَهِمَ طَلَاقَهُ بِهَا كُلُّ أَحَدٍ فَصَرِيحَةٌ، وَإِنْ اخْتَصَّ بِفَهْمِهِ فَطِنُونَ فَكِنَايَةٌ.
لَوْ كَتَبَ نَاطِقٌ طَلَاقًا، وَلَمْ يَنْوِهِ فَلَغْوٌ، وَإِنْ نَوَاهُ فَالْأَظْهَرُ وُقُوعُهُ.
فَإِنْ كَتَبَ إذَا بَلَغَك كِتَابِي فَأَنْتِ طَالِقٌ
[مغني المحتاج]
قَصَدَهُ بِهَا فَهِيَ لَا تُقْصَدُ لِلْإِفْهَامِ إلَّا نَادِرًا (وَقِيلَ) : هِيَ (كِنَايَةٌ) لِحُصُولِ الْإِفْهَامِ بِهَا فِي الْجُمْلَةِ.
تَنْبِيهٌ: خَرَجَ بِإِشَارَةِ النَّاطِقِ إشَارَةً لِمَحَلِّ الطَّلَاقِ كَقَوْلِ مَنْ لَهُ زَوْجَتَانِ: امْرَأَتِي طَالِقٌ مُشِيرًا لِإِحْدَاهُمَا وَقَالَ: أَرَدْت الْأُخْرَى فَإِنَّهُ يُقْبَلُ كَمَا رَجَّحَهُ فِي زِيَادَةِ الرَّوْضَةِ آخِرَ الْمَسَائِلِ الْمَنْثُورَةِ قُبَيْلَ الْبَابِ السَّادِسِ فِي تَعْلِيقِ الطَّلَاقِ وَإِشَارَتِهِ بِأَمَانٍ وَنَحْوِهِ مِمَّا يُلْتَحَقُ بِعِبَارَتِهِ فَلَيْسَتْ لَغْوًا، وَمِمَّا لَمْ يُلْحِقُوهُ بِالْعِبَارَةِ إشَارَتُهُ فِي الصَّلَاةِ وَإِشَارَتُهُ إلَى مَنْ حَلَفَ لَا يُكَلِّمُهُ فَأَشَارَ إلَيْهِ فَإِنَّ صَلَاتَهُ لَا تَبْطُلُ وَلَا يَحْنَثُ (وَيُعْتَدُّ بِإِشَارَةِ أَخْرَسَ) وَلَوْ قَدَرَ عَلَى الْكِتَابَةِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْإِمَامُ (فِي الْعُقُودِ) كَالْبَيْعِ وَالنِّكَاحِ، وَفِي الْأَقَارِيرِ وَالدَّعَاوَى (وَ) فِي (الْحُلُولِ) كَالطَّلَاقِ وَالْعِتْقِ، وَاسْتَثْنَى فِي الدَّقَائِقِ شَهَادَتَهُ وَإِشَارَتَهُ فِي الصَّلَاةِ فَلَا يُعْتَدُّ بِهَا وَلَا يَحْنَثُ بِهَا فِي الْحَلِفِ عَلَى عَدَمِ الْكَلَامِ (فَإِنْ فَهِمَ طَلَاقَهُ) مَثَلًا (بِهَا) أَيْ الْإِشَارَةِ (كُلُّ أَحَدٍ) مِنْ فَطِنٍ وَغَيْرِهِ (فَصَرِيحَةٌ) إشَارَتُهُ لَا تَحْتَاجُ لِنِيَّةٍ كَأَنْ قِيلَ لَهُ: كَمْ طَلَّقْت زَوْجَتَك؟ فَأَشَارَ بِأَصَابِعِهِ الثَّلَاثِ (وَإِنْ اخْتَصَّ بِفَهْمِهِ) أَيْ بِفَهْمِ طَلَاقِهِ بِإِشَارَتِهِ (فَطِنُونَ) بِكَسْرِ الطَّاءِ بِخَطِّهِ، وَيَجُوزُ ضَمُّهَا: أَيْ أَهْلُ الْفِطْنَةِ وَالذَّكَاءِ ضِدُّ الْغَبِيِّ (فَكِنَايَةٌ) يَحْتَاجُ لِلنِّيَّةِ.
تَنْبِيهٌ: تَفْسِيرُ الْأَخْرَسِ صَرِيحُ إشَارَتِهِ فِي الطَّلَاقِ بِغَيْرِ طَلَاقٍ كَتَفْسِيرِ اللَّفْظِ الشَّائِعِ فِي الطَّلَاقِ بِغَيْرِهِ فَلَا يُقْبَلُ مِنْهُ ظَاهِرًا إلَّا بِقَرِينَةٍ.
(لَوْ كَتَبَ نَاطِقٌ) عَلَى مَا يَثْبُتُ عَلَيْهِ الْخَطُّ كَرِقٍّ وَثَوْبٍ وَحَجَرٍ وَخَشَبٍ لَا عَلَى نَحْوِ مَاءٍ كَهَوَاءٍ (طَلَاقًا) أَوْ نَحْوِهِ مِمَّا لَا يُغْتَفَرُ إلَى قَبُولٍ كَالْإِعْتَاقِ وَالْإِبْرَاءِ، وَالْعَفْوِ عَنْ الْقِصَاصِ، كَأَنْ كَتَبَ زَوْجَتِي أَوْ كُلُّ زَوْجَةٍ لِي طَالِقٌ، أَوْ عَبْدِي حُرٌّ (وَلَمْ يَنْوِهِ) أَيْ الطَّلَاقَ أَوْ نَحْوَهُ (فَلَغْوٌ) لَا يُعْتَدُّ بِهِ عَلَى الصَّحِيحِ (وَإِنْ نَوَاهُ) وَلَمْ يَتَلَفَّظْ بِهِ (فَالْأَظْهَرُ وُقُوعُهُ) لِأَنَّ الْكِنَايَةَ طَرِيقٌ فِي إفْهَامِ الْمُرَادِ وَقَدْ اقْتَرَنَتْ بِالنِّيَّةِ، وَلِأَنَّهَا أَحَدُ الْخِطَابَيْنِ فَجَازَ أَنْ يَقَعَ بِهَا الطَّلَاقُ كَاللَّفْظِ.
وَالثَّانِي لَا؛ لِأَنَّهُ فِعْلٌ مِنْ قَادِرٍ عَلَى الْقَوْلِ فَلَمْ يَقَعْ بِهِ الطَّلَاقُ كَالْإِشَارَةِ مِنْ نَاطِقٍ، فَإِنْ قَرَأَ مَا كَتَبَهُ حَالَ الْكِتَابَةِ أَوْ بَعْدَهَا فَصَرِيحٌ، فَإِنْ قَالَ: قَرَأْته حَاكِيًا مَا كَتَبْته بِلَا نِيَّةِ طَلَاقٍ صُدِّقَ بِيَمِينِهِ، وَفَائِدَةُ قَوْلِهِ هَذَا إذَا لَمْ تُقَارِنْ الْكُتُبُ النِّيَّةَ وَإِلَّا فَلَا مَعْنَى لِقَوْلِهِ، وَلَوْ كَتَبَ الْأَخْرَسُ أَنَّ زَوْجَتَهُ طَالِقٌ كَانَ كِنَايَةً عَلَى الصَّحِيحِ فَيَقَعُ إنْ نَوَى وَإِنْ لَمْ يُشِرْ مَعَهَا.
أَمَّا إذَا رَسَمَ صُورَةَ الْكِتَابَةِ عَلَى مَاءٍ أَوْ فِي هَوَاءٍ فَلَيْسَ بِكِنَايَةٍ فِي الْمَذْهَبِ.
وَفَرَّعَ الْمُصَنِّفُ عَلَى وُقُوعِ الطَّلَاقِ بِالْكِنَايَةِ مَا تَضَمَّنَهُ قَوْلُهُ (فَإِنْ كَتَبَ) شَخْصٌ فِي كِتَابٍ طَلَاقَ زَوْجَتِهِ صَرِيحًا أَوْ كِنَايَةً كَمَا فِي الرَّوْضَةِ وَأَصْلِهَا وَنَوَى وَعَلَّقَ الطَّلَاقَ بِبُلُوغِ الْكِتَابِ كَقَوْلِهِ (إذَا بَلَغَك كِتَابِي) أَوْ وَصَلَ إلَيْكَ أَوْ أَتَاكَ (فَأَنْتِ طَالِقٌ
فَإِنَّمَا تَطْلُقُ بِبُلُوغِهِ.
وَإِنْ كَتَبَ إذَا قَرَأْت كِتَابِي وَهِيَ قَارِئَةٌ وَإِنْ لَمْ تَكُنْ قَارِئَةً فَقُرِئَ عَلَيْهَا فَقَرَأَتْهُ طَلُقَتْ وَإِنْ قُرِئَ عَلَيْهَا فَلَا فِي الْأَصَحِّ، طَلُقَتْ.
[مغني المحتاج]
فَإِنَّمَا تَطْلُقُ بِبُلُوغِهِ) لَهَا مَكْتُوبًا كُلَّهُ مُرَاعَاةً لِلشَّرْطِ، فَإِنْ انْمَحَى كُلُّهُ قَبْلَ وُصُولِهِ لَمْ تَطْلُقْ، كَمَا لَوْ ضَاعَ وَلَوْ بَقِيَ أَثَرُهُ بَعْدَ الْمَحْوِ وَأَمْكَنَ قِرَاءَتُهُ طَلُقَتْ، وَلَوْ ذَهَبَ سَوَابِقُهُ وَلَوَاحِقُهُ كَالْبَسْمَلَةِ وَالْحَمْدَلَةِ وَبَقِيَتْ مَقَاصِدُهُ وَقَعَ، بِخِلَافِ مَا لَوْ ذَهَبَ مَوْضِعُ الطَّلَاقِ أَوْ انْمَحَقَ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَبْلُغْهَا جَمِيعُ الْكِتَابِ، وَلَا مَا هُوَ الْمَقْصُودُ الْأَصْلِيُّ مِنْهُ.
تَنْبِيهٌ: احْتَرَزَ بِقَوْلِهِ كَتَبَ عَمَّا لَوْ أَمَرَ أَجْنَبِيًّا، وَإِنْ نَوَى الزَّوْجُ، كَمَا لَوْ أَمَرَ أَجْنَبِيًّا أَنْ يَقُولَ لِزَوْجَتِهِ: أَنْتِ بَائِنٌ وَنَوَى الزَّوْجُ كَمَا جَزَمَا بِهِ خِلَافًا لِلصَّيْمَرِيِّ فِي قَوْلِهِ: إنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَكْتُبَ بِيَدِهِ وَبَيْنَ أَنْ يُمْلِيَ عَلَى غَيْرِهِ وَبِقَوْلِهِ طَالِقٌ عَمَّا لَوْ كَتَبَ كِنَايَةً مِنْ كِنَايَاتِ الطَّلَاقِ، كَمَا لَوْ كَتَبَ زَوْجَتِي بَائِنٌ وَنَوَى الطَّلَاقَ فَإِنَّهُ لَا يَقَعُ كَمَا اقْتَضَاهُ كَلَامُ الْمُهَذَّبِ؛ لِأَنَّ الْكِنَايَةَ كِنَايَةٌ فَلَا تَصِحُّ بِكِنَايَةٍ، إذْ لَا يَكُونُ لِلْكِنَايَةِ كِنَايَةٌ، كَذَا قَالَهُ بَعْضُ الشُّرَّاحِ، وَهُوَ مَرْدُودٌ بِمَا تَقَدَّمَ عَنْ الرَّوْضَةِ وَأَصْلِهَا.
فَرْعٌ: لَوْ كَتَبَ إذَا بَلَغَك نِصْفُ كِتَابِي هَذَا فَأَنْتِ طَالِقٌ فَبَلَغَهَا كُلُّهُ طَلُقَتْ كَمَا قَالَهُ الْمُصَنِّفُ، فَإِنْ ادَّعَتْ وُصُولَ كِتَابِهِ بِالطَّلَاقِ فَأَنْكَرَ صُدِّقَ بِيَمِينِهِ، فَإِنْ أَقَامَتْ بَيِّنَةً بِأَنَّهُ خَطُّهُ لَمْ تُسْمَعْ إلَّا بِرُؤْيَةِ الشَّاهِدِ بِكِتَابِهِ وَحَفِظَهُ عِنْدَهُ لِوَقْتِ الشَّهَادَةِ.
(وَإِنْ كَتَبَ إذَا قَرَأْت كِتَابِي) فَأَنْتِ طَالِقٌ (وَهِيَ قَارِئَةٌ فَقَرَأَتْهُ طَلُقَتْ) لِوُجُودِ الْمُعَلَّقِ عَلَيْهِ.
تَنْبِيهٌ: عِبَارَتُهُ تَقْتَضِي أَمْرَيْنِ: أَحَدُهُمَا اشْتِرَاطُ اللَّفْظِ بِهِ إذْ الْقِرَاءَةُ تُعْطِي ذَلِكَ، لَكِنْ نَقَلَ الْإِمَامُ الِاتِّفَاقَ عَلَى أَنَّهَا لَوْ طَالَعَتْهُ وَفَهِمَتْ مَا فِيهِ طَلُقَتْ وَإِنْ لَمْ تَتَلَفَّظْ بِشَيْءٍ.
الثَّانِي: اشْتِرَاطُ قِرَاءَةِ جَمِيعِهِ، وَالظَّاهِرُ الِاكْتِفَاءُ بِقِرَاءَةِ الْمَقَاصِدِ كَمَا بَحَثَهُ الْأَذْرَعِيُّ، فَحُكْمُ قِرَاءَةِ بَعْضِ الْكِتَابِ كَوُصُولِ بَعْضِهِ كَمَا مَرَّ حُكْمُهُ (وَإِنْ قُرِئَ عَلَيْهَا فَلَا) تَطْلُقُ (فِي الْأَصَحِّ) لِعَدَمِ قِرَاءَتِهَا مَعَ الْإِمْكَانِ.
وَالثَّانِي تَطْلُقُ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ اطِّلَاعُهَا عَلَى مَا فِي الْكِتَابِ وَقَدْ وُجِدَ.
فَإِنْ قِيلَ: يُشْكَلُ عَلَى الْأَوَّلِ مَا إذَا كَتَبَ لِلْقَاضِي مَنْ وَلَّاهُ إذَا قَرَأْتَ كِتَابِي فَأَنْتَ مَعْزُولٌ وَهُوَ قَارِئٌ فَقُرِئَ عَلَيْهِ فَإِنَّهُ يَنْعَزِلُ.
فَهَلَّا سَوَّى بَيْنَهُمَا كَمَا صَوَّبَهُ الْإِسْنَوِيُّ؟ .
أُجِيبَ بِأَنَّ عَادَةَ الْحُكَّامِ قِرَاءَةُ الْكُتُبِ عَلَيْهِمْ، وَالْمَقْصُودُ إعْلَامُهُ بِالْحَالِ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ تَعْلِيقُ الْعَزْلِ؛ لِأَنَّ الْعَزْلَ لَا يَجُوزُ تَعْلِيقُهُ فَلَمْ يَبْقَ إلَّا مُجَرَّدُ الْعِلْمِ بِالْعَزْلِ وَهُوَ حَاصِلٌ بِقِرَاءَةِ غَيْرِهِ عَلَيْهِ.
وَأَمَّا الطَّلَاقُ فَيَقْبَلُ التَّعْلِيقَ وَإِنَّمَا يُتَحَقَّقُ وُقُوعُهُ بِوُجُودِ الصِّفَةِ (وَإِنْ لَمْ تَكُنْ قَارِئَةً) أَيْ وَالزَّوْجُ يَعْلَمُ ذَلِكَ (فَقُرِئَ عَلَيْهَا طَلُقَتْ) لِأَنَّ الْقِرَاءَةَ فِي حَقِّ الْأُمِّيِّ مَحْمُولَةٌ عَلَى الِاطِّلَاعِ عَلَى مَا فِي الْكِتَابِ وَقَدْ وُجِدَ بِخِلَافِ الْقَارِئَةِ، أَمَّا إذَا لَمْ يَعْلَمْ الزَّوْجُ حَالَهَا فَإِنَّهَا لَا تَطْلُقْ عَلَى الْأَقْرَبِ فِي الرَّوْضَةِ وَأَصْلِهَا فَتَرِدُ هَذِهِ الصُّورَةُ عَلَى إطْلَاقِ الْمَتْنِ، وَلَوْ عَلَّقَ بِوُصُولِ الْكِتَابِ ثُمَّ عَلَّقَ بِوُصُولِ الطَّلَاقِ وَوَصَلَ إلَيْهَا طَلُقَتْ طَلْقَتَيْنِ.
فَصْلٌ لَهُ تَفْوِيضُ طَلَاقِهَا إلَيْهَا، وَهُوَ تَمْلِيكٌ، فِي الْجَدِيدِ فَيُشْتَرَطُ لِوُقُوعِهِ تَطْلِيقُهَا عَلَى الْفَوْرِ.
وَإِنْ قَالَ طَلِّقِي بِأَلْفٍ فَطَلَّقَتْ بَانَتْ وَلَزِمَهَا أَلْفٌ، وَقِيلَ قَوْلٌ تَوْكِيلٌ فَلَا يُشْتَرَطُ فَوْرٌ فِي الْأَصَحِّ،
[مغني المحتاج]
[فَصْلٌ فِي تَفْوِيضُ الطَّلَاقِ لِلزَّوْجَةِ]
(فَصْلٌ) فِي جَوَازِ تَفْوِيضِ الطَّلَاقِ لِلزَّوْجَةِ وَهُوَ جَائِزٌ بِالْإِجْمَاعِ، وَاحْتَجُّوا لَهُ أَيْضًا «بِأَنْ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَيَّرَ نِسَاءَهُ بَيْنَ الْمَقَامِ مَعَهُ وَبَيْنَ مُفَارَقَتِهِ لَمَّا نَزَلَ قَوْله تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا﴾ [الأحزاب: 28] إلَخْ» فَلَوْ لَمْ يَكُنْ لِاخْتِيَارِهِنَّ الْفُرْقَةَ أَثَرٌ لَمْ يَكُنْ لِتَخْيِيرِهِنَّ مَعْنَى.
فَإِنْ قِيلَ: لَا دَلِيلَ فِي ذَلِكَ لِمَا صَحَّحُوهُ مِنْ أَنَّهُ لَا يَقَعُ الطَّلَاقُ بِاخْتِيَارِهِنَّ الدُّنْيَا، بَلْ لَا بُدَّ مِنْ إيقَاعِهِ بِدَلِيلِ: ﴿فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ﴾ [الأحزاب: 28] .
أُجِيبَ بِأَنَّهُ فَوَّضَ إلَيْهِنَّ سَبَبَ الْفِرَاقِ وَهُوَ اخْتِيَارُ الدُّنْيَا جَازَ أَنْ يُفَوِّضَ إلَيْهِنَّ الْمُسَبَّبَ الَّذِي هُوَ الْفِرَاقُ (لَهُ) أَيْ الزَّوْجِ (تَفْوِيضُ طَلَاقِهَا) الْمُنَجَّزِ صَرِيحًا كَانَ أَوْ كِنَايَةً كَطَلِّقِي أَوْ أَبِينِي نَفْسَك (إلَيْهَا) أَيْ زَوْجَتِهِ الْبَالِغَةِ الْعَاقِلَةِ فَلَا يَصِحُّ تَعْلِيقُهُ كَقَوْلِهِ: إذَا جَاءَ الْغَدُ أَوْ زَيْدٌ فَطَلِّقِي نَفْسَك، وَلَا التَّفْوِيضُ لِصَغِيرَةٍ، أَوْ حُكْمُ مَجْنُونَةٍ كَسَائِرِ التَّمْلِيكَاتِ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ (وَهُوَ) أَيْ تَفْوِيضُ الطَّلَاقِ (تَمْلِيكٌ) لِلطَّلَاقِ أَيْ يُعْطَى حُكْمَ التَّمْلِيكِ (فِي الْجَدِيدِ) لِأَنَّهُ يَتَعَلَّقُ بِغَرَضِهَا كَغَيْرِهِ مِنْ التَّمْلِيكَاتِ فَنُزِّلَ مَنْزِلَةَ قَوْلِهِ مَلَّكْتُك طَلَاقَك (فَيُشْتَرَطُ) عَلَيْهِ (لِوُقُوعِهِ) تَكْلِيفَهُ وَتَكْلِيفَهَا وَ (تَطْلِيقُهَا عَلَى الْفَوْرِ) لِأَنَّ التَّطْلِيقَ هُنَا جَوَابٌ لِلتَّمْلِيكِ فَكَانَ كَقَبُولِهِ، وَقَبُولُهُ فَوْرٌ، فَإِنْ أَخَّرَتْ بِقَدْرِ مَا يَنْقَطِعُ بِهِ الْقَبُولُ عَنْ الْإِيجَابِ أَوْ تَخَلَّلَ كَلَامٌ أَجْنَبِيٌّ كَثِيرٌ بَيْنَ تَفْوِيضِهِ وَتَطْلِيقِهَا ثُمَّ طَلَّقَتْ نَفْسَهَا لَمْ تَطْلُقْ، فَلَوْ قَالَتْ: كَيْفَ أُطَلِّقُ نَفْسِي ثُمَّ طَلَّقَتْ وَقَعَ، وَالْفَصْلُ بِذَلِكَ لَا يُؤَثِّرُ لِقِصَرِهِ، وَلَا يَصِحُّ مِنْ غَيْرِ مُكَلَّفٍ، وَلَا يَقَعُ عَلَى غَيْرِ مُكَلَّفَةٍ كَمَا عُلِمَ مِمَّا مَرَّ لِفَسَادِ الْعِبَارَةِ، نَعَمْ لَوْ قَالَ: وَكَّلْتُك فِي طَلَاقِ نَفْسِك لَمْ يُشْتَرَطْ الْفَوْرُ، وَكَذَا إنْ قَالَ: طَلِّقِي نَفْسَك مَتَى أَوْ مَتَى مَا شِئْت لَمْ يُشْتَرَطْ الْفَوْرُ، وَإِنْ اقْتَضَى التَّمْلِيكُ اشْتِرَاطَهُ.
قَالَ ابْنُ الرِّفْعَةِ: لِأَنَّ الطَّلَاقَ لِمَا قَبْلَ التَّعْلِيقِ سُومِحَ فِي تَمْلِيكِهِ، وَهَذَا مَا جَزَمَ بِهِ صَاحِبُ التَّنْبِيهِ وَوَجَّهَهُ ابْنُ الرِّفْعَةِ بِمَا ذُكِرَ، وَجَرَى عَلَيْهِ ابْنُ الْمُقْرِي فِي رَوْضِهِ، وَقِيلَ: لَا يَصِحُّ إلَّا عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّهُ تَوْكِيلٌ، وَالْمُعْتَمَدُ الْأَوَّلُ وَوَجْهُهُ مَا مَرَّ.
(وَإِنْ قَالَ) لَهَا (طَلِّقِي) نَفْسَك (بِأَلْفٍ فَطَلَّقَتْ) فَوْرًا وَهِيَ جَائِزَةُ التَّصَرُّفِ (بَانَتْ وَلَزِمَهَا أَلْفٌ) وَيَكُونُ تَمْلِيكُهَا بِعِوَضٍ كَالْبَيْعِ، فَإِنْ لَمْ يُذْكَرْ عِوَضٌ فَهُوَ كَالْهِبَةِ (وَفِي قَوْلٍ) نُسِبَ لِلْقَدِيمِ أَنَّ التَّفْوِيضَ إلَيْهَا (تَوْكِيلٌ) كَمَا لَوْ فَوَّضَ طَلَاقَهَا لِأَجْنَبِيٍّ.
وَأَجَابَ الْأَوَّلُ بِأَنَّ لَهَا فِيهِ غَرَضًا وَلَهُ بِهَا اتِّصَالًا، وَإِذَا قُلْنَا بِأَنَّهُ تَوْكِيلٌ (فَلَا يُشْتَرَطُ) فِي تَطْلِيقِهَا (فَوْرٌ فِي الْأَصَحِّ) كَمَا فِي تَوْكِيلِ الْأَجْنَبِيِّ، وَالثَّانِي يُشْتَرَطُ لِمَا فِيهِ مِنْ
وَفِي اشْتِرَاطِ قَبُولِهَا خِلَافُ الْوَكِيلِ، وَعَلَى الْقَوْلَيْنِ لَهُ الرُّجُوعُ
قَبْلَ تَطْلِيقِهَا، وَلَوْ قَالَ: إذَا جَاءَ رَمَضَانُ فَطَلِّقِي لَغَا عَلَى التَّمْلِيكِ.
وَلَوْ قَالَ أَبِينِي نَفْسَك فَقَالَتْ أَبَنْت وَنَوَى وَقَعَ وَإِلَّا فَلَا، وَلَوْ قَالَ طَلِّقِي فَقَالَتْ أَبَنْت وَنَوَتْ، أَوْ أَبِينِي وَنَوَى فَقَالَتْ طَلَّقْت وَقَعَ.
وَلَوْ قَالَ طَلِّقِي
[مغني المحتاج]
شَائِبَةِ التَّمْلِيكِ (وَ) عَلَى قَوْلِ التَّوْكِيلِ (فِي اشْتِرَاطِ قَبُولِهَا) لَفْظًا (خِلَافُ الْوَكِيلِ) الَّذِي سَبَقَ فِي بَابِهِ، وَالْمُرَجَّحُ مِنْهُ عَدَمُ اشْتِرَاطِ الْقَبُولِ لَفْظًا.
تَنْبِيهٌ: لَوْ قَالَ كَالْمُحَرَّرِ: فَفِي اشْتِرَاطٍ لِأَفْهَمَ التَّفْرِيعَ عَلَى مَا قَبْلَهُ (وَعَلَى الْقَوْلَيْنِ) التَّمْلِيكِ وَالتَّوْكِيلِ (لَهُ الرُّجُوعُ) عَنْ التَّفْوِيضِ بِرُجُوعِهِ أَمْ لَا.
(وَلَوْ) عَلَّقَ التَّفْوِيضَ كَأَنْ (قَالَ) لَهَا (إذَا جَاءَ رَمَضَانُ) مَثَلًا (فَطَلِّقِي) نَفْسَك (لَغَا عَلَى) قَوْلِ (التَّمْلِيكِ) لِأَنَّ التَّمْلِيكَ لَا يَصِحُّ تَعْلِيقُهُ: كَمَا لَوْ قَالَ: مَلَّكْتُك هَذَا الْعَبْدَ إذَا جَاءَ رَأْسُ الشَّهْرِ.
قَالَ فِي الرَّوْضَةِ: وَجَازَ عَلَى قَوْلِ التَّوْكِيلِ كَمَا فِي تَوْكِيلِ الْأَجْنَبِيِّ اهـ.
فَإِنْ قِيلَ: تَقَدَّمَ فِي الْوَكَالَةِ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ تَعْلِيقُهَا بِشَرْطٍ فِي الْأَصَحِّ، وَلِذَا قَالَ الشَّارِحُ: فَلْيَتَأَمَّلْ الْجَمْعَ بَيْنَ مَا هُنَا وَمَا هُنَاكَ.
أُجِيبَ بِأَنَّ أَصْلَ هَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى صِحَّةِ تَصَرُّفِ الْوَكِيلِ بِالْوَكَالَةِ الْفَاسِدَةِ مُسْتَنِدًا إلَى الْإِذْنِ فِيهَا فَلَا يُشْكِلُ بِمَا مَرَّ فِي الْوَكَالَةِ.
وَاعْلَمْ أَنَّ مَا تَقَدَّمَ مِنْ صُوَرِ التَّفْوِيضِ بِالصَّرِيحِ (وَ) أَمَّا بِالْكِنَايَةِ فَهُوَ كَمَا (لَوْ قَالَ) لَهَا: (أَبِينِي نَفْسَك فَقَالَتْ أَبَنْت وَنَوَى) أَيْ الزَّوْجُ تَفْوِيضَ الطَّلَاقِ إلَيْهَا بِأَبِينِي وَنَوَتْ هِيَ تَطْلِيقَ نَفْسِهَا بِأَبَنْتُ (وَقَعَ) الطَّلَاقُ؛ لِأَنَّ الْكِنَايَةَ مَعَ النِّيَّةِ كَالصَّرِيحِ (وَإِلَّا) بِأَنْ لَمْ يَنْوِيَا أَوْ أَحَدُهُمَا (فَلَا) يَقَعُ لِأَنَّهُ إنْ لَمْ يَنْوِ هُوَ فَلَا تَفْوِيضَ وَإِنْ لَمْ تَنْوِ هِيَ فَلَا تَطْلِيقَ، إذْ الطَّلَاقُ لَا يَقَعُ بِهَذَا اللَّفْظِ وَحْدَهُ (وَلَوْ) صَرَّحَ فَكَنَّتْ أَوْ عَكْسُهُ كَأَنْ (قَالَ) لَهَا (طَلِّقِي) نَفْسَك (فَقَالَتْ أَبَنْت وَنَوَتْ، أَوْ) قَالَ (أَبِينِي) نَفْسَك (وَنَوَى فَقَالَتْ طَلَّقْت وَقَعَ) الطَّلَاقُ؛ لِأَنَّهَا أُمِرَتْ بِالطَّلَاقِ وَقَدْ فَعَلَتْهُ فِي الْحَالَيْنِ، وَلَا يَضُرُّ اخْتِلَافُ لَفْظِهِمَا، وَأَفْهَمَ كَلَامُ الْمُصَنِّفِ أَنَّ التَّخَالُفَ فِي الْكِنَايَةِ أَوْ الصَّرِيحِ كَاخْتَارِي نَفْسَك، فَقَالَتْ: أَبَنْتهَا، أَوْ طَلِّقِي نَفْسَك، فَقَالَتْ: سَرَّحْتُهَا لَا يَضُرُّ مِنْ بَابِ أَوْلَى، نَعَمْ إنْ قَالَ لَهَا طَلِّقِي نَفْسَك بِصَرِيحِ الطَّلَاقِ أَوْ بِكِنَايَتِهِ أَوْ بِالتَّسْرِيحِ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ فَعَدَلَتْ عَنْ الْمَأْذُونِ فِيهِ إلَى غَيْرِهِ لَمْ تَطْلُقْ لِمُخَالَفَتِهَا صَرِيحَ كَلَامِهِ.
تَنْبِيهٌ: عَبَّرَ فِي الرَّوْضَةِ وَالشَّرْحِ بِطَلِّقِي نَفْسَك، وَفِي الثَّانِيَةِ بِأَبِينِي نَفْسَك، وَذَلِكَ يُشْعِرُ بِاعْتِبَارِ قَوْلِهِ نَفْسَك وَحَذَفَ الْمُصَنِّفُ لَفْظَةَ نَفْسِك مِنْهُمَا وَزِدْتُهُمَا فِي الشَّرْحِ، فَأَفْهَمَ أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ، وَفِيهِ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا لَا يَقَعُ، وَإِنْ نَوَتْ نَفْسَهَا، إذْ لَيْسَ فِي كَلَامِ أَحَدِهِمَا مَا يُشْعِرُ بِالْفِرَاقِ، وَبِهِ قَالَ الْقَاضِي وَالْبَغَوِيُّ فِي تَهْذِيبِهِ.
وَثَانِيهِمَا: يَقَعُ إذَا نَوَتْ نَفْسَهَا وَبِهِ قَالَ الْبُوشَنْجِيُّ وَالْبَغَوِيُّ فِي تَعْلِيقِهِ، وَهَذَا كَمَا قَالَ الْأَذْرَعِيُّ: هُوَ الْمَذْهَبُ الصَّحِيحُ، وَهُوَ قَضِيَّةُ كَلَامِ جَمَاعَةٍ مِنْ الْعِرَاقِيِّينَ وَغَيْرِهِمْ، وَجَرَى عَلَيْهِ شَيْخُنَا فِي شَرْحِ الْبَهْجَةِ.
(وَلَوْ قَالَ) لَهَا (طَلِّقِي) نَفْسَك
وَنَوَى ثَلَاثًا فَقَالَتْ طَلَّقْت وَنَوَتْهُنَّ فَثَلَاثٌ وَإِلَّا فَوَاحِدَةٌ فِي الْأَصَحِّ.
وَلَوْ قَالَ ثَلَاثًا فَوَحَّدَتْ أَوْ عَكْسَهُ فَوَاحِدَةٌ.
[مغني المحتاج]
(وَنَوَى ثَلَاثًا فَقَالَتْ: طَلَّقْت وَنَوَتْهُنَّ) وَقَدْ عَلِمَتْ نِيَّتَهُ أَوْ وَقَعَ ذَلِكَ اتِّفَاقًا: كَمَا يُؤْخَذُ مِنْ قَوْلِ أَصْلِ الرَّوْضَةِ (فَثَلَاثٌ) لِأَنَّ اللَّفْظَ يَحْتَمِلُ الْعَدَدَ، وَقَدْ نَوَيَاهُ (وَإِلَّا فَوَاحِدَةٌ فِي الْأَصَحِّ) لِأَنَّ صَرِيحَ الطَّلَاقِ كِنَايَةٌ فِي الْعَدَدِ وَالثَّانِي ثَلَاثٌ حَمْلًا عَلَى مَنْوِيِّهِ.
تَنْبِيهٌ: قَوْلُهُ: وَإِلَّا صَادِقٌ بِمَا إذَا نَوَى هُوَ ثَلَاثًا وَلَمْ تَنْوِ هِيَ عَدَدًا، وَبِمَا إذَا لَمْ يَنْوِيَا أَوْ نَوَى أَحَدُهُمَا فَقَطْ، وَظَاهِرُ كَلَامِهِ أَنَّ الْخِلَافَ جَارٍ فِي الْبَيْعِ، لَكِنَّ الثَّانِيَةَ وَالثَّالِثَةَ تَقَعُ فِيهِمَا وَاحِدَةٌ بِلَا خِلَافٍ.
(وَلَوْ قَالَ) : طَلِّقِي نَفْسَك (ثَلَاثًا فَوَحَّدَتْ) أَيْ قَالَتْ: طَلَّقْت نَفْسِي وَاحِدًا (أَوْ عَكْسَهُ) كَقَوْلِهِ طَلِّقِي نَفْسَك وَاحِدَةً فَثَلَّثَتْ أَيْ قَالَتْ طَلَّقْت نَفْسِي ثَلَاثًا (فَوَاحِدَةٌ) تَقَعُ فِي الصُّورَتَيْنِ، أَمَّا فِي الْأُولَى فَلِأَنَّ مَا أَوْقَعَتْهُ دَاخِلٌ فِي الْمُفَوَّضِ إلَيْهَا، وَأَمَّا فِي الثَّانِيَةِ فَلِأَنَّ الْمُفَوَّضَ إلَيْهَا وَاحِدَةٌ وَالزَّائِدُ غَيْرُ مَأْذُونٍ فِيهِ فَيَقَعُ مَا تَمْلِكُهُ.
تَنْبِيهَاتٌ: لَهَا فِي الْأُولَى بَعْدَ أَنْ وَحَّدَتْ وَرَاجَعَهَا الزَّوْجُ أَوْ لَمْ يُرَاجِعْهَا أَنْ تَزِيدَ الثِّنْتَيْنِ الْبَاقِيَتَيْنِ عَلَى الْوَاحِدَةِ الَّتِي أَوْقَعَتْهَا فَوْرًا، إذْ لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ تُطَلِّقَ الثَّلَاثَ دُفْعَةً وَبَيْنَ قَوْلِهَا طَلَّقَتْ وَاحِدَةً وَوَاحِدَةً وَوَاحِدَةً، وَلَا يَقْدَحُ تَخَلُّلُ الرَّجْعَةِ مِنْ الزَّوْجِ، وَلَوْ قَالَ لَهَا: طَلِّقِي نَفْسَك ثَلَاثًا فَقَالَتْ بِلَا نِيَّةٍ: طَلَّقْت وَقَعَ الثَّلَاثُ؛ لِأَنَّ قَوْلَهَا جَوَابٌ لِكَلَامِهِ فَهُوَ كَالْمُعَادِ فِي الْجَوَابِ بِخِلَافِ مَا إذَا لَمْ يَتَلَفَّظْ هُوَ بِالثَّلَاثِ وَنَوَاهَا؛ لِأَنَّ الْمَنْوِيَّ لَا يُمْكِنُ تَقْدِيرُ عَوْدِهِ فِي الْجَوَابِ، إذْ التَّخَاطُبِ بِاللَّفْظِ لَا بِالنِّيَّةِ، وَلَوْ طَلَّقَتْ نَفْسَهَا عَبَثًا وَنَوَتْ فَصَادَفَتْ التَّفْوِيضَ لَهَا وَلَمْ يَطُلْ الْفَصْلُ بَيْنَهُمَا طَلُقَتْ كَمَا لَوْ بَاعَ مَالَ أَبِيهِ ظَانًّا حَيَاتَهُ فَبَانَ مَيِّتًا.
وَلَوْ فَوَّضَ طَلَاقَ زَوْجَتِهِ إلَى اثْنَيْنِ وَطَلَّقَ أَحَدُهُمَا طَلْقَةً، وَالْآخَرُ ثَلَاثًا وَقَعَتْ وَاحِدَةٌ فَقَطْ كَمَا قَالَ الْبَنْدَنِيجِيُّ إنَّهُ مُقْتَضَى الْمَذْهَبِ لِاتِّفَاقِهِمَا عَلَيْهَا، وَإِنْ جَعَلَ طَلَاقَهَا بِيَدِ اللَّهِ وَيَدِ زَيْدٍ لَغَا إنْ قَصَدَ الشَّرِكَةَ فَلَيْسَ لِزَيْدٍ أَنْ يُطَلِّقَهَا، فَإِنْ قَصَدَ التَّبَرُّكَ أَوْ أَنَّ الْأُمُورَ كُلَّهَا بِيَدِ اللَّهِ فَلَا، قَالَ الْأَذْرَعِيُّ: وَكَذَا إنْ أَطْلَقَ فِيمَا يَظْهَرُ، وَالْأَوْجَهُ كَمَا قَالَ شَيْخُنَا إنَّهُ كَمَا لَوْ قَصَدَ الشَّرِكَةَ؛ لِأَنَّهُ الظَّاهِرُ مِنْ الْعَطْفِ.
وَلَوْ قَالَ: جَعَلْت كُلَّ أَمْرٍ لِي عَلَيْك بِيَدِك كَانَ كِنَايَةً فِي التَّفْوِيضِ إلَيْهَا، وَلَيْسَ لَهَا أَنْ تُطَلِّقَ نَفْسَهَا ثَلَاثًا مَا لَمْ يَنْوِهَا، وَلَوْ قَالَ: طَلِّقِي نَفْسَك ثَلَاثًا إنْ شِئْت فَطَلَّقَتْ وَاحِدَةً أَوْ طَلِّقِي نَفْسَك وَاحِدَةً إنْ شِئْت فَطَلَّقَتْ ثَلَاثًا طَلُقَتْ وَاحِدَةً كَمَا لَوْ لَمْ يَذْكُرْ الْمَشِيئَةَ، وَإِنْ قَدَّمَ الْمَشِيئَةَ عَلَى الْعَدَدِ، فَقَالَ: طَلِّقِي نَفْسَك إنْ شِئْت وَاحِدَةً فَطَلَّقَتْ ثَلَاثًا أَوْ عَكْسَهُ لَغَا لِصَيْرُورَةِ الْمَشِيئَةِ شَرْطًا فِي أَصْلِ الطَّلَاقِ، وَالْمَعْنَى طَلِّقِي إنْ اخْتَرْتِ الثَّلَاثَ، فَإِذَا اخْتَارَتْ غَيْرَهُنَّ لَمْ يُوجَدْ الشَّرْطُ، بِخِلَافِ مَا إذَا أَخَّرَهَا فَإِنَّهَا تَرْجِعُ إلَى تَفْوِيضِ الْمَعْنَى، وَالْمَعْنَى فَوَّضْت إلَيْكِ أَنْ تُطَلِّقِي نَفْسَك ثَلَاثًا، فَإِنْ شِئْت فَافْعَلِي مَا فَوَّضْت إلَيْكِ، وَذَلِكَ لَا يَمْنَعُ نُفُوذَ ذَلِكَ الْمُعَيَّنِ وَلَا نُفُوذَ مَا يَدْخُلُ فِيهِ، وَالظَّاهِرُ كَمَا قَالَ شَيْخُنَا: إنَّهُ لَوْ قَدَّمَهَا عَلَى الطَّلَاقِ أَيْضًا، فَقَالَ: إنْ شِئْت طَلِّقِي نَفْسَك ثَلَاثًا فَطَلَّقَتْ وَاحِدَةً كَانَ كَمَا لَوْ أَخَّرَهَا عَنْ الْعَدَدِ
فَصْلٌ مَرَّ بِلِسَانِ نَائِمٍ طَلَاقٌ لَغَا، وَلَوْ سَبَقَ لِسَانٌ بِطَلَاقٍ بِلَا قَصْدٍ لَغَا، وَلَا يُصَدَّقُ ظَاهِرًا إلَّا بِقَرِينَةٍ.
وَلَوْ كَانَ اسْمُهَا طَالِقًا فَقَالَ يَا طَالِقُ وَقَصَدَ النِّدَاءَ لَمْ تَطْلُقْ، وَكَذَا إنْ أَطْلَقَ
[مغني المحتاج]
[فَصْلٌ فِي الْقَصْدُ فِي الطَّلَاقِ]
(فَصْلٌ) فِي اشْتِرَاطِ الْقَصْدِ فِي الطَّلَاقِ، وَهَذَا شُرُوعٌ مِنْهُ فِي الرُّكْنِ الثَّالِثِ وَهُوَ الْقَصْدُ، إذَا (مَرَّ بِلِسَانِ نَائِمٍ) أَوْ مَنْ زَالَ عَقْلُهُ بِسَبَبٍ لَمْ يَعْصِ بِهِ (طَلَاقٌ لَغَا) وَإِنْ قَالَ بَعْدَ اسْتِيقَاظِهِ أَوْ إفَاقَتِهِ أَجَزْتُهُ أَوْ أَوْقَعْتُهُ لِحَدِيثِ «رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثٍ» وَذَكَرَ مِنْهَا النَّائِمَ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ وَلِانْتِفَاءِ الْقَصْدِ.
تَنْبِيهٌ: كَانَ الْمُصَنِّفُ مُسْتَغْنِيًا عَنْ هَذَا بِاشْتِرَاطِ التَّكْلِيفِ أَوَّلَ الْبَابِ، لَوْ تَلَفَّظَ بِالطَّلَاقِ، ثُمَّ قَالَ: كُنْت حِينَئِذٍ صَبِيًّا أَوْ نَائِمًا وَأَمْكَنَ ذَلِكَ صُدِّقَ بِيَمِينِهِ: كَمَا قَالَهُ الرُّويَانِيُّ، وَإِنْ قَالَ فِي الرَّوْضَةِ فِي تَصْدِيقِ النَّائِمِ نَظَرٌ فَإِنَّهُ لَا أَمَارَةَ عَلَيْهِ بِخِلَافِ الصَّبِيِّ (وَلَوْ سَبَقَ لِسَانُهُ بِطَلَاقٍ بِلَا قَصْدٍ) لِحُرُوفِ الطَّلَاقِ لِمَعْنَاهُ (لَغَا) مَا سَبَقَ لِسَانُهُ إلَيْهِ لِمَا مَرَّ، وَكَذَا إذَا تَلَفَّظَ بِالطَّلَاقِ حَاكِيًا كَلَامَ غَيْرِهِ، وَكَذَلِكَ الْفَقِيهُ إذَا تَكَرَّرَ لَفْظُ الطَّلَاقِ فِي دَرْسِهِ وَتَصْوِيرِهِ.
تَنْبِيهٌ: لَا حَاجَةَ لِقَوْلِهِ قَصْدٌ مَعَ قَوْلِهِ سَبَقَ، وَلَوْ قَالَ: لَا بِقَصْدٍ كَانَ أَعَمَّ (وَلَا يُصَدَّقُ ظَاهِرًا) فِي دَعْوَاهُ سَبْقَ لِسَانِهِ بِالطَّلَاقِ لِتَعَلُّقِ حَقِّ الْغَيْرِ بِهِ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ الْغَالِبَ أَنَّ الْبَالِغَ الْعَاقِلَ لَا يَتَكَلَّمُ بِكَلَامٍ إلَّا وَيَقْصِدُهُ (إلَّا بِقَرِينَةٍ) كَأَنْ دَعَاهَا بَعْدَ طُهْرِهَا مِنْ الْحَيْضِ إلَى فِرَاشِهِ، وَأَرَادَ أَنْ يَقُولَ: أَنْتِ الْآنَ طَاهِرَةٌ فَسَبَقَ لِسَانُهُ، فَقَالَ أَنْتِ الْيَوْمَ طَالِقَةٌ.
تَنْبِيهٌ: لَوْ ظَنَّتْ صِدْقَهُ فِي دَعْوَاهُ السَّبْقَ فَلَهَا قَبُولُ قَوْلِهِ، وَكَذَا لِلشُّهُودِ أَنْ لَا يَشْهَدُوا عَلَيْهِ بِالطَّلَاقِ كَمَا ذَكَرَهُ فِي أَصْلِ الرَّوْضَةِ هُنَا، وَذَكَرَ أَوَاخِر الطَّلَاقِ، أَنَّهُ لَوْ سَمِعَ لَفْظَ رَجُلٍ بِالطَّلَاقِ وَتَحَقَّقَ أَنَّهُ سَبَقَ لِسَانُهُ إلَيْهِ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْهِ بِمُطْلَقِ الطَّلَاقِ، وَكَانَ مَا هُنَا فِيمَا إذَا ظَنُّوا وَمَا هُنَاكَ فِيمَا إذَا تَحَقَّقُوا كَمَا يُفْهِمُهُ كَلَامُهُ.
قَالَ شَيْخُنَا وَمَعَ ذَلِكَ فِيمَا هُنَا نَظَرٌ اهـ. وَالْأَوْلَى إلْحَاقُ مَا هُنَا بِمَا هُنَاكَ كَمَا قَالَهُ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ.
(وَلَوْ كَانَ اسْمُهَا طَالِقًا فَقَالَ) لَهَا (يَا طَالِقُ) بِضَمِّ الْقَافِ بِخَطِّهِ (وَقَصَدَ النِّدَاءَ لَمْ تَطْلُقْ) جَزْمًا لِأَنَّهُ صَرَفَهُ عَنْ مَعْنَاهُ، وَكَوْنُهَا اسْمَهَا كَذَلِكَ قَرِينَةٌ تُسَوِّغُ تَصْدِيقَهُ.
تَنْبِيهٌ: الْمُرَادُ قَصْدُ نِدَائِهَا بِاسْمِهَا وَإِلَّا فَنِدَاؤُهَا مَقْصُودٌ، وَإِنْ أَرَادَ الطَّلَاقَ (وَكَذَا إنْ أَطْلَقَ)
فِي الْأَصَحِّ؛ وَإِنْ كَانَ اسْمُهَا طَارِقًا أَوْ طَالِبًا فَقَالَ يَا طَالِقُ وَقَالَ أَرَدْت النِّدَاءَ فَالْتَفَّ الْحَرْفُ صُدِّقَ.
وَلَوْ خَاطَبَهَا بِطَلَاقٍ هَازِلًا أَوْ لَاعِبًا أَوْ وَهُوَ يَظُنُّهَا أَجْنَبِيَّةً بِأَنْ كَانَتْ فِي ظُلْمَةٍ أَوْ أَنْكَحَهَا لَهُ وَلِيُّهُ أَوْ وَكِيلُهُ وَلَمْ يَعْلَمْ وَقَعَ.
[مغني المحتاج]
بِأَنْ لَمْ يَقْصِدْ شَيْئًا وَكَانَ اسْمُهَا ذَلِكَ عِنْدَ النِّدَاءِ لَمْ تَطْلُقْ أَيْضًا (فِي الْأَصَحِّ) حَمْلًا عَلَى النِّدَاءِ؛ وَلِأَنَّهُ لَمْ يَقْصِدْ الطَّلَاقَ وَاللَّفْظُ هُنَا مُشْتَرَكٌ وَالْأَصْلُ دَوَامُ النِّكَاحِ، أَمَّا إذَا كَانَ اسْمُهَا ذَلِكَ ثُمَّ غُيِّرَ إلَى غَيْرِهِ ثُمَّ خَاطَبَهَا بِهِ بَعْدَ التَّغْيِيرِ طَلُقَتْ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ، كَمَا ذَكَرَهُ الرَّافِعِيُّ فِي نَظِيرِ الْمَسْأَلَةِ مِنْ الْعِتْقِ فِي نِدَاءِ عَبْدِهِ الْمُسَمَّى بِحُرٍّ يَا حُرُّ (وَإِنْ كَانَ اسْمُهَا طَارِقًا أَوْ طَالِبًا) أَوْ طَالِعًا أَوْ نَحْوَهَا مِنْ الْأَسْمَاءِ الَّتِي تُقَارِبُ حُرُوفَ طَالِقٍ (فَقَالَ) لَهَا: (يَا طَالِقُ، وَقَالَ: أَرَدْت النِّدَاءَ) لَهَا بِاسْمِهَا (فَالْتَفَّ) بِلِسَانِي (الْحَرْفُ صُدِّقَ) ظَاهِرًا لِظُهُورِ الْقَرِينَةِ.
(وَلَوْ خَاطَبَهَا بِطَلَاقٍ) لَهَا (هَازِلًا) وَهُوَ قَصْدُ اللَّفْظِ دُونَ مَعْنَاهُ (أَوْ لَاعِبًا) بِأَنْ لَمْ يَقْصِدْ شَيْئًا لِقَوْلِهَا لَهُ فِي مَعْرِضِ دَلَالٍ أَوْ مُلَاعَبَةٍ أَوْ اسْتِهْزَاءٍ طَلِّقْنِي فَيَقُولُ لَهَا لَاعِبًا أَوْ مُسْتَهْزِئًا طَلَّقْتُك (أَوْ) خَاطَبَهَا بِطَلَاقٍ (وَهُوَ يَظُنُّهَا أَجْنَبِيَّةً) وَيُصَدَّقُ ذَلِكَ بِصُوَرٍ.
إمَّا (بِأَنْ كَانَتْ فِي ظُلْمَةٍ) أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ (أَوْ) بِأَنْ (أَنْكَحَهَا) لَهُ (وَلِيُّهُ أَوْ وَكِيلُهُ وَلَمْ يَعْلَمْ) بِالنِّكَاحِ أَوْ نَسِيَهُ أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ (وَقَعَ) الطَّلَاقُ.
أَمَّا فِي الْأُولَيَيْنِ فَلِأَنَّهُ أَتَى بِاللَّفْظِ عَنْ قَصْدٍ وَاخْتِيَارٍ وَعَدَمِ رِضَاهُ بِوُقُوعِهِ لِظَنِّهِ أَنَّهُ لَا يَقَعُ لَا أَثَرَ لَهُ لِخَطَأِ ظَنِّهِ، وَفِي حَدِيثٍ حَسَّنَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ الْحَاكِمُ: صَحِيحُ الْإِسْنَادِ: «ثَلَاثٌ جِدُّهُنَّ جِدٌّ وَهَزْلُهُنَّ جِدٌّ: الطَّلَاقُ، وَالنِّكَاحُ، وَالرَّجْعَةُ» . قَالَ الْبَغَوِيّ: وَخَصَّ فِي الْحَدِيثِ الثَّلَاثَ لِتَأَكُّدِ أَمْرِ الْفَرْجِ وَإِنْ كَانَ الْبَيْعُ وَسَائِرُ التَّصَرُّفَاتِ تَنْعَقِدُ بِالْهَزْلِ عَلَى الْأَصَحِّ اهـ.
وَأَمَّا فِيمَا بَعْدَهُمَا فَلِأَنَّهُ أَوْقَعَ الطَّلَاقَ فِي مَحَلِّهِ وَظَنُّ غَيْرِ الْوَاقِعِ لَا يَدْفَعُهُ.
تَنْبِيهٌ: عَطْفُ الْمُصَنِّفِ اللَّعِبَ عَلَى الْهَزْلِ يَقْتَضِي تَغَايُرَهُمَا، وَكَلَامُ أَهْلِ اللُّغَةِ يَقْتَضِي تَرَادُفَهُمَا، قَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ فِي الْفَائِقِ: الْهَزْلُ وَاللَّعِبُ مِنْ وَادِي الِاضْطِرَابِ، وَعِبَارَةُ الْمُحَرَّرِ عَلَى سَبِيلِ اللَّعِبِ وَالْهَزْلِ، وَهِيَ تَقْتَضِي اتِّحَادَهُمَا، وَاَلَّذِي يَشْهَدُ لَهُ الِاسْتِعْمَالُ أَنَّ الْهَزْلَ يَخْتَصُّ بِالْكَلَامِ وَاللَّعِبَ أَعَمُّ، وَظَاهِرُ إطْلَاقِ الْمُصَنِّفِ الْوُقُوعَ أَنَّهُ يَقَعُ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا لَكِنَّ قَضِيَّةَ كَلَامِ الرَّوْضَةِ أَنَّهُ لَا يَقَعُ فِي مَسْأَلَةِ الظَّنِّ بَاطِنًا وَهُوَ، الظَّاهِرُ وَإِنْ قَالَ الْأَذْرَعِيُّ قَضِيَّةُ كَلَامِ الرُّويَانِيِّ إنَّ الْمَذْهَبَ الْوُقُوعُ بَاطِنًا، وَلَوْ نَسِيَ أَنَّ لَهُ زَوْجَةً فَقَالَ: زَوْجَتِي طَالِقٌ طَلُقَتْ كَمَا نَقَلَاهُ عَنْ النَّصِّ وَأَقَرَّاهُ، وَمَا جَزَمَ بِهِ الْمُصَنِّفُ مِنْ وُقُوعِ الطَّلَاقِ فِيمَا إذَا ظَنَّهَا أَجْنَبِيَّةً يُشْكِلُ عَلَيْهِ مَسْأَلَةٌ ذَكَرَهَا الْخُوَارِزْمِيُّ فِي الْكَافِي، فَقَالَ: رَجُلٌ تَزَوَّجَ امْرَأَةً فِي الرِّسْتَاقِ فَذَهَبَتْ إلَى الْبَلَدِ وَهُوَ لَا يَعْلَمُ، فَقِيلَ لَهُ: أَلَك زَوْجَةٌ فِي الْبَلَدِ وَهُوَ لَا يَعْلَمُ، فَقَالَ: إنْ كَانَ لِي زَوْجَةٌ فِي الْبَلَدِ فَهِيَ طَالِقٌ وَكَانَتْ هِيَ فِي الْبَلَدِ، فَعَلَى قَوْلَيْ حِنْثِ النَّاسِي.
قَالَ الْبُلْقِينِيُّ: وَأَكْثَرُ مَا يُلْمَحُ فِي الْفَرْقِ بَيْنَهُمَا
وَلَوْ لَفَظَ أَعْجَمِيٌّ بِهِ بِالْعَرَبِيَّةِ وَلَمْ يَعْرِفْ مَعْنَاهُ لَمْ يَقَعْ، وَقِيلَ إنْ نَوَى مَعْنَاهَا وَقَعَ.
وَلَا يَقَعُ طَلَاقُ مُكْرَهٍ،
[مغني المحتاج]
صُورَةُ التَّعْلِيقِ.
وَلَوْ كَانَ وَاعِظًا مَثَلًا وَطَلَبَ مِنْ الْحَاضِرِينَ شَيْئًا فَلَمْ يُعْطُوهُ، فَقَالَ مُتَضَجِّرًا مِنْهُمْ.
طَلَّقْتُكُمْ وَفِيهِمْ امْرَأَتُهُ، وَلَمْ يَعْلَمْ بِهَا لَمْ تَطْلُقْ كَمَا بَحَثَهُ فِي أَصْلِ الرَّوْضَةِ بَعْدَ نَقْلِهِ عَنْ الْإِمَامِ أَنَّهُ أَفْتَى بِخِلَافِهِ.
قَالَ الْمُصَنِّفُ: لِأَنَّهُ لَمْ يَقْصِدْ مَعْنَى الطَّلَاقِ، وَلِأَنَّ النِّسَاءَ لَا يَدْخُلْنَ فِي خِطَابِ الرِّجَالِ إلَّا بِدَلِيلٍ، وَاعْتُرِضَ عَلَيْهِ بِمَنْعٍ أَنَّهُ لَمْ يَقْصِدْ مَعْنَى الطَّلَاقِ، إذْ مَعْنَاهُ الْفُرْقَةُ وَقَدْ نَوَاهَا، وَبِأَنَّ دَلِيلَ الدُّخُولِ هُنَا مَوْجُودٌ وَهُوَ مُشَافَهَةُ الْحَاضِرِينَ وَعَدَمُ عِلْمِهِ بِأَنَّ زَوْجَتَهُ فِيهِمْ لَا يَمْنَعُ الْإِيقَاعَ كَمَنْ خَاطَبَهَا يَظُنُّهَا غَيْرَهَا.
وَأُجِيبَ عَنْ الْأَوَّلِ بِأَنَّ مَعْنَى الطَّلَاقِ شَرْعًا: قَطْعُ عِصْمَةِ النِّكَاحِ وَلَمْ يَقْصِدْهُ الْوَاعِظُ، بِخِلَافِ مَنْ خَاطَبَ زَوْجَتَهُ يَظُنُّهَا غَيْرَهَا، وَعَنْ الثَّانِي بِأَنَّ ذَلِكَ إنَّمَا يَكُونُ بِحَسَبِ الْقَصْدِ لِلتَّغْلِيبِ وَلَا قَصْدَ.
(وَلَوْ لَفَظَ أَعْجَمِيٌّ) أَوْ غَيْرُهُ (بِهِ) أَيْ الطَّلَاقِ (بِالْعَرَبِيَّةِ) أَوْ غَيْرِهَا مِمَّا لَا يَعْرِفُهُ (وَلَمْ يَعْرِفْ مَعْنَاهُ) سَوَاءٌ أَلْقَنَهُ أَوْ لَا (لَمْ يَقَعْ) لِانْتِفَاءِ قَصْدِهِ، وَقَيَّدَهُ الْمُتَوَلِّي بِمَنْ لَمْ يَكُنْ مُخَالِطًا لِأَهْلِ اللِّسَانِ وَإِلَّا لَمْ يُقْبَلْ ظَاهِرًا، وَيُدَيَّنُ وَيُصَدَّقُ فِي أَنَّهُ لَا يَعْرِفُ مَعْنَاهُ؛ لِأَنَّهُ الظَّاهِرُ مِنْ حَالِهِ قَالَهُ فِي الِاسْتِقْصَاءِ (وَقِيلَ إنْ نَوَى) الْعَجَمِيُّ بِهِ (مَعْنَاهَا) أَيْ الْعَرَبِيَّةِ عِنْدَ أَهْلِهَا (وَقَعَ) لِأَنَّهُ قَصَدَ لَفْظَ الطَّلَاقِ لِمَعْنَاهُ.
وَأَجَابَ الْأَوَّلُ بِأَنَّهُ لَمْ يَعْرِفْ مَعْنَاهُ لَا يَصِحُّ قَصْدُهُ؛ وَلَوْ لَمْ يَعْرِفْ مَعْنَاهُ وَقَصَدَ بِهِ قَطْعَ النِّكَاحِ لَمْ تَطْلُقْ كَمَا لَوْ أَرَادَ الطَّلَاقَ بِكَلِمَةٍ لَا مَعْنَى لَهَا.
(وَلَا يَقَعُ طَلَاقُ مُكْرَهٍ) بِغَيْرِ حَقٍّ خِلَافًا لِأَبِي حَنِيفَةَ كَمَا لَا يَصِحُّ إسْلَامُهُ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «رُفِعَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأُ وَالنِّسْيَانُ وَمَا اُسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ» وَلِخَبَرِ: «لَا طَلَاقَ فِي إغْلَاقٍ» أَيْ إكْرَاهٍ، رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالْحَاكِمُ، وَصَحَّحَ إسْنَادَهُ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ؛ وَلِأَنَّهُ قَوْلٌ لَوْ صَدَرَ مِنْهُ بِاخْتِيَارِهِ طَلُقَتْ زَوْجَتُهُ وَصَحَّ إسْلَامُهُ، فَإِنْ أُكْرِهَ عَلَيْهِ بِبَاطِلٍ لَغَا كَالرِّدَّةِ.
نَعَمْ تَقَدَّمَ فِي شُرُوطِ الصَّلَاةِ أَنَّهُ لَوْ تَكَلَّمَ فِيهَا مُكْرَهًا بَطَلَتْ صَلَاتُهُ لِنُدْرَةِ الْإِكْرَاهِ فِيهَا، فَإِنْ كَانَ الْإِكْرَاهُ بِحَقٍّ وَقَعَ الطَّلَاقُ وَصَحَّ الْإِسْلَامُ، وَصُوِّرَ الطَّلَاقُ بِحَقٍّ جَمْعٌ بِإِكْرَاهِ الْقَاضِي الْمُولِيَ بَعْدَ مُدَّةِ الْإِيلَاءِ عَلَى طَلْقَةٍ وَاحِدَةٍ، فَإِنْ أُكْرِهَ عَلَى الثَّلَاثِ فَتَلَفَّظَ بِهَا لَغَا الطَّلَاقُ؛ لِأَنَّهُ يَفْسُقُ بِذَلِكَ وَيَنْعَزِلُ بِهِ.
فَإِنْ قِيلَ: الْمُولِي لَا يُؤْمَرُ بِالطَّلَاقِ عَيْنًا بَلْ بِهِ أَوْ بِالْفَيْئَةِ، وَمِثْلُ هَذَا لَيْسَ بِإِكْرَاهٍ يَمْنَعُ الْوُقُوعَ كَمَا لَوْ أُكْرِهَ عَلَى أَنْ يُطَلِّقَ زَوْجَتَهُ أَوْ يُعْتِقَ عَبْدَهُ فَأَتَى بِأَحَدِهِمَا فَإِنَّهُ يَنْفُذُ.
أُجِيبَ بِأَنَّ الطَّلَاقَ قَدْ يَتَعَيَّنُ فِي بَعْضِ صُوَرِ الْمُولِي كَمَا لَوْ آلَى وَهُوَ غَائِبٌ فَمَضَتْ الْمُدَّةُ فَوَكَّلَتْ بِالْمُطَالَبَةِ فَرَفَعَهُ وَكِيلُهَا إلَى قَاضِي الْبَلَدِ الَّذِي فِيهِ الزَّوْجُ وَطَالَبَهُ فَإِنَّ الْقَاضِيَ يَأْمُرُهُ بِالْفَيْئَةِ بِاللِّسَانِ فِي الْحَالِ وَبِالْمَسِيرِ إلَيْهَا أَوْ بِحَمْلِهَا إلَيْهِ
فَإِنْ ظَهَرَتْ قَرِينَةُ اخْتِيَارٍ بِأَنْ أُكْرِهَ عَلَى ثَلَاثٍ، فَوَحَّدَ، أَوْ صَرِيحٍ أَوْ تَعْلِيقٍ فَكَنَّى أَوْ نَجَّزَ أَوْ عَلَى طَلَّقْتُ فَسَرَّحَ أَوْ بِالْعُكُوسِ وَقَعَ، وَشَرْطُ الْإِكْرَاهِ قُدْرَةُ الْمُكْرِهِ عَلَى تَحْقِيقِ مَا هَدَّدَ بِهِ بِوِلَايَةٍ أَوْ تَغَلُّبٍ، وَعَجْزُ الْمُكْرَهِ عَنْ دَفْعِهِ بِهَرَبٍ وَغَيْرِهِ وَظَنِّهِ أَنَّهُ إنْ امْتَنَعَ حَقَّقَهُ، وَيَحْصُلُ بِتَخْوِيفٍ بِضَرْبٍ شَدِيدٍ أَوْ حَبْسٍ أَوْ إتْلَافِ مَالٍ وَنَحْوِهَا،
[مغني المحتاج]
أَوْ الطَّلَاقِ، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ حَتَّى مَضَى مُدَّةُ إمْكَانِهِ ذَلِكَ، ثُمَّ قَالَ: أَسِيرُ إلَيْهَا الْآنَ لَمْ يُمَكَّنْ بَلْ يُجْبَرُ عَلَى الطَّلَاقِ عَيْنًا هَكَذَا أَجَابَ بِهِ ابْنُ الرِّفْعَةِ، وَهُوَ إنَّمَا يَأْتِي تَفْرِيعًا عَلَى مَرْجُوحٍ، وَهُوَ أَنَّ الْقَاضِيَ يُكْرِهُ الْمُولِيَ عَلَى الْفَيْئَةِ أَوْ الطَّلَاقِ، وَالْأَصَحُّ أَنَّ الْحَاكِمَ هُوَ الَّذِي يُطَلِّقُ عَلَى الْمُولِي الْمُمْتَنِعِ كَمَا سَيَأْتِي فِي بَابِهِ، وَحِينَئِذٍ فَلَا إكْرَاهَ أَصْلًا حَتَّى يَحْتَرِزَ عَنْهُ بِغَيْرِ حَقٍّ، وَيُسْتَثْنَى مِنْ إطْلَاقِ الْمُكْرَهِ مَا لَوْ أَكْرَهَ شَخْصًا عَلَى طَلَاقِ زَوْجَةِ نَفْسِهِ فَإِنَّهُ يَقَعُ لِأَنَّهُ إذْنٌ وَزِيَادَةٌ، وَلَا يُسْتَثْنَى مَا إذَا أُكْرِهَ عَلَى الطَّلَاقِ فَنَوَى لِأَنَّ هَذَا لَيْسَ مُكْرَهًا.
وَلَوْ أَكْرَهَ غَيْرُ الزَّوْجِ الْوَكِيلَ فِي الطَّلَاقِ عَلَيْهِ لَغَا أَوْ الزَّوْجُ وَقَعَ لِأَنَّهُ أَبْلَغُ فِي الْإِذْنِ كَمَا مَرَّ، وَأَمَّا الْإِكْرَاهُ عَلَى الْإِسْلَامِ بِحَقٍّ فَإِكْرَاهُ الْمُرْتَدِّ وَالْحَرْبِيِّ عَلَيْهِ بِخِلَافِ الذِّمِّيِّ فَإِنَّهُ مُقِرٌّ عَلَى كُفْرِهِ بِالْجِزْيَةِ، وَالْمُعَاهَدُ كَالذِّمِّيِّ كَمَا بَحَثَهُ ابْنُ الرِّفْعَةِ (فَإِنْ ظَهَرَتْ) مِنْ مُكْرَهٍ بِفَتْحِ الرَّاءِ (قَرِينَةُ اخْتِيَارٍ) مِنْهُ لِلطَّلَاقِ (بِأَنْ) أَيْ كَأَنْ (أُكْرِهَ) بِضَمِّ الْهَمْزَةِ (عَلَى ثَلَاثٍ فَوَحَّدَ) أَيْ طَلَّقَ وَاحِدَةً (أَوْ) عَلَى طَلَاقٍ (صَرِيحٍ أَوْ) عَلَى (تَعْلِيقٍ) لَهُ (فَكَنَّى) وَنَوَى (أَوْ نَجَّزَ أَوْ عَلَى) أَنْ يَقُولَ: (طَلَّقْتُ) زَوْجَتِي (فَسَرَّحَ) بِتَشْدِيدِ الرَّاءِ أَيْ قَالَ سَرَّحْتُهَا (أَوْ) وَقَعَ الْإِكْرَاهُ (بِالْعُكُوسِ) لِهَذِهِ الصُّوَرِ بِأَنْ أُكْرِهَ عَلَى وَاحِدَةٍ فَثَلَّثَ أَوْ كِنَايَةٍ فَصَرَّحَ أَوْ تَنْجِيزٍ فَعَلَّقَ، أَوْ عَلَى أَنْ يَقُولَ: سَرَّحْت، فَقَالَ: طَلَّقْتُ (وَقَعَ) الطَّلَاقُ فِي الْجَمِيع؛ لِأَنَّ مُخَالَفَتَهُ تُشْعِرُ بِاخْتِيَارِهِ فِيمَا أَتَى بِهِ (وَشَرْطُ) حُصُولِ (الْإِكْرَاهِ قُدْرَةُ الْمُكْرِهِ) بِكَسْرِ الرَّاءِ (عَلَى تَحْقِيقِ مَا هَدَّدَ بِهِ) الْمُكْرَهَ بِفَتْحِهَا تَهْدِيدًا عَاجِلًا ظُلْمًا (بِوِلَايَةٍ أَوْ تَغَلُّبٍ وَعَجْزُ الْمُكْرَهِ) بِفَتْحِ الرَّاءِ (عَنْ دَفْعِهِ) أَيْ الْمُكْرِهِ بِكَسْرِهَا (بِهَرَبٍ وَغَيْرِهِ) كَاسْتِغَاثَةٍ بِغَيْرِهِ (وَظَنِّهِ أَنَّهُ إنْ امْتَنَعَ) مِنْ فِعْلِ مَا أُكْرِهَ عَلَيْهِ (حَقَّقَهُ) أَيْ فِعْلَ مَا خَوَّفَهُ بِهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَتَحَقَّقُ الْعَجْزُ إلَّا بِهَذِهِ الْأُمُورِ الثَّلَاثَةِ.
تَنْبِيهٌ: تَعْبِيرُهُ بِالظَّنِّ يَقْتَضِي أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ تَحَقُّقُهُ، وَهُوَ الْأَصَحُّ، وَخَرَجَ بِعَاجِلًا مَا لَوْ قَالَ: لَأَقْتُلَنَّكَ غَدًا فَلَيْسَ بِإِكْرَاهٍ، وَبِظُلْمٍ مَا لَوْ قَالَ وَلِيُّ الْقِصَاصِ لِلْجَانِي: طَلِّقْهَا وَإِلَّا اقْتَصَصْت مِنْكَ لَمْ يَكُنْ إكْرَاهًا (وَيَحْصُلُ) الْإِكْرَاهُ (بِتَخْوِيفٍ بِضَرْبٍ شَدِيدٍ أَوْ) بِ (حَبْسٍ) طَوِيلٍ كَمَا نَقَلَهُ فِي الشَّامِلِ عَنْ النَّصِّ (أَوْ إتْلَافِ مَالٍ) وَقَوْلُهُ (وَنَحْوِهَا) مِنْ زِيَادَتِهِ: أَيْ مِمَّا يُؤْثِرُ الْعَاقِلُ لِأَجْلِهِ الْإِقْدَامَ عَلَى مَا أُكْرِهَ عَلَيْهِ، وَيَخْتَلِفُ الْإِكْرَاهُ بِاخْتِلَافِ الْأَشْخَاصِ وَالْأَسْبَابِ الْمُكْرَهِ عَلَيْهَا، فَقَدْ يَكُونُ الشَّيْءُ إكْرَاهًا فِي شَخْصٍ دُونَ آخَرَ، وَفِي سَبَبٍ دُونَ آخَرَ، فَالْإِكْرَاهُ بِإِتْلَافِ مَالٍ لَا يَضِيقُ عَلَى الْمُكْرَهِ بِفَتْحِ الرَّاءِ كَخَمْسَةِ دَرَاهِمَ فِي حَقِّ الْمُوسِرِ لَيْسَ بِإِكْرَاهٍ عَلَى الطَّلَاقِ؛ لِأَنَّ الْإِنْسَانَ يَتَحَمَّلُهُ، وَلَا يُطَلِّقُ بِخِلَافِ الْمَالِ الَّذِي يَضِيقُ عَلَيْهِ، وَالْحَبْسُ فِي الْوَجِيهِ إكْرَاهٌ وَإِنْ قَلَّ كَمَا قَالَهُ الْأَذْرَعِيُّ
وَقِيلَ يُشْتَرَطُ قَتْلٌ، وَقِيلَ قَتْلٌ أَوْ قَطْعٌ أَوْ ضَرْبٌ مَخُوفٌ.
وَلَا تُشْتَرَطُ التَّوْرِيَةُ بِأَنْ يَنْوِيَ غَيْرَهَا، وَقِيلَ إنْ تَرَكَهَا بِلَا عُذْرٍ وَقَعَ.
وَمَنْ أَثِمَ بِمُزِيلِ عَقْلِهِ مِنْ شَرَابٍ أَوْ دَوَاءٍ نَفَذَ طَلَاقُهُ وَتَصَرُّفُهُ لَهُ
[مغني المحتاج]
وَالضَّرْبُ الْيَسِيرُ فِي أَهْلِ الْمُرُوآتِ إكْرَاهٌ، وَالتَّهْدِيدُ بِقَتْلِ أَصْلِهِ وَإِنْ عَلَا أَوْ فَرْعِهِ وَإِنْ سَفَلَ إكْرَاهٌ بِخِلَافِ ابْنِ الْعَمِّ وَنَحْوِهِ، بَلْ يَخْتَلِفُ ذَلِكَ بِاخْتِلَافِ النَّاسِ كَمَا مَرَّ (وَقِيلَ: يُشْتَرَطُ) فِي الْإِكْرَاهِ (قَتْلٌ) لِنَفْسِهِ؛ لِأَنَّ مَا دُونَهُ يَدُومُ مَعَهُ النَّظَرُ وَالِاخْتِيَارُ (وَقِيلَ يُشْتَرَطُ) فِيهِ (قَتْلٌ) لِنَفْسِهِ (أَوْ قَطْعٌ) لِطَرَفِهِ (أَوْ ضَرْبٌ مَخُوفٌ) لِإِفْضَائِهِ إلَى الْقَتْلِ وَلَا يَحْصُلُ الْإِكْرَاهُ بِطَلِّقْ زَوْجَتَك وَإِلَّا قَتَلْتُ نَفْسِي أَوْ كَفَرْتُ أَوْ أَبْطَلْتُ صَوْمِي أَوْ صَلَاتِي.
قَالَ الْأَذْرَعِيُّ: فِي وَإِلَّا قَتَلْت نَفْسِي كَذَا أَطْلَقُوهُ، وَيَظْهَرُ عَدَمُ الْوُقُوعِ إذَا قَالَهُ مَنْ لَوْ هَدَّدَ بِقَتْلِهِ كَانَ مُكْرَهًا كَالْوَلَدِ اهـ. وَهُوَ حَسَنٌ.
(وَلَا تُشْتَرَطُ) فِي عَدَمِ وُقُوعِ طَلَاقِ الْمُكْرَهِ (التَّوْرِيَةُ) وَهِيَ مِنْ وَرَى أَيْ جَعَلَ الْبَيَانَ وَرَاءَهُ (بِأَنْ) أَيْ كَأَنْ (يَنْوِيَ) بِقَوْلِهِ: طَلَّقْت زَيْنَبَ مَثَلًا (غَيْرَهَا) أَيْ زَوْجَتَهُ أَوْ يَنْوِي بِالطَّلَاقِ حَلَّ الْوِثَاقِ، أَوْ يَقُولُ عَقِيبَ اللَّفْظِ؛ إنْ شَاءَ سِرًّا كَمَا قَالَهُ فِي الْمُحَرَّرِ، وَعِبَارَةُ الرَّوْضَةِ وَأَصْلُهَا، أَوْ قَالَ فِي نَفْسِهِ: إنْ شَاءَ اللَّهُ.
فَإِنْ قِيلَ: لَا أَثَرَ لِلتَّعْلِيقِ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ تَعَالَى بِمُجَرَّدِ النِّيَّةِ لَا ظَاهِرًا وَلَا بَاطِنًا، بَلْ لَا بُدَّ مِنْ التَّلَفُّظِ بِهِ.
أُجِيبَ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ فِي نَفْسِهِ تَلَفُّظُهُ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ تَعَالَى سِرًّا بِحَيْثُ لَمْ يَسْمَعْهُ الْمُكْرَهُ لَا أَنَّهُ نَوَاهُ، أَوْ أَنَّ مَا ذُكِرَ مِنْ اشْتِرَاطِ التَّلَفُّظِ بِالتَّعْلِيقِ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ تَعَالَى مَحِلُّهُ فِي غَيْرِ الْمُكْرَهِ.
أَمَّا هُوَ فَيَكْفِي بِقَلْبِهِ كَمَا نَقَلَهُ الْأَذْرَعِيُّ عَنْ الْقَاضِي الْحُسَيْنِ عَنْ الْأَصْحَابِ، وَهِيَ فَائِدَةٌ حَسَنَةٌ.
وَضَابِطُ التَّوْرِيَةِ أَنْ يَنْوِيَ مَا لَوْ صَرَّحَ بِهِ لَقُبِلَ وَلَمْ يَقَعْ الطَّلَاقُ، وَلِهَذَا لَوْ عَبَّرَ الْمُصَنِّفُ بِقَوْلِهِ: كَأَنْ بِالْكَافِ كَمَا حُوِّلَتْ بِهِ عِبَارَتُهُ لَكَانَ أَوْلَى، وَهَذَا يَقَعُ فِي كَلَامِ الشَّيْخَيْنِ كَثِيرًا، وَفِيهِ تَسَاهُلٌ (وَقِيلَ إنْ تَرَكَهَا) أَيْ التَّوْرِيَةَ (بِلَا عُذْرٍ) لَهُ (وَقَعَ) لِإِشْعَارِهِ بِالِاخْتِيَارِ، فَإِنْ تَرَكَهَا لِعُذْرٍ كَدَهْشَةٍ لَمْ يَقَعْ قَطْعًا كَمَا قَالَهُ فِي الْمُحَرَّرِ.
فُرُوعٌ: لَوْ قَالَ لَهُ اللُّصُوصُ لَا نُخَلِّيَك حَتَّى تَحْلِفَ بِالطَّلَاقِ أَنَّك لَا تُخْبِرُ بِنَا فَحَلَفَ بِذَلِكَ فَهُوَ إكْرَاهٌ مِنْهُمْ لَهُ عَلَى الْحَلِفِ فَإِذَا أَخْبَرَ بِهِمْ لَمْ يَقَعْ طَلَاقٌ، وَلَوْ أَكْرَهَ ظَالِمٌ شَخْصًا أَنْ يَدُلَّهُ عَلَى زَيْدٍ مَثَلًا أَوْ مَالِهِ وَقَدْ أَنْكَرَ مَعْرِفَةَ مَحَلِّهِ فَلَمْ يُخْلِهِ حَتَّى يَحْلِفَ لَهُ بِالطَّلَاقِ فَحَلَفَ بِهِ كَاذِبًا أَنَّهُ لَا يَعْلَمُهُ طَلُقَتْ؛ لِأَنَّهُ فِي الْحَقِيقَةِ لَمْ يُكْرَهْ عَلَى الطَّلَاقِ بَلْ خُيِّرَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الدَّلَالَةِ، وَلَوْ قَالَ: طَلَّقْت مُكْرَهًا فَأَنْكَرَتْ زَوْجَتُهُ وَهُنَاكَ قَرِينَةٌ كَالْحَبْسِ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ بِيَمِينِهِ وَإِلَّا فَلَا، وَلَوْ ادَّعَى الصِّبَا بَعْدَ طَلَاقِهِ وَأَمْكَنَ صَدَّقَهُ بِيَمِينِهِ.
فَإِنْ قِيلَ: قَدْ جَزَمُوا فِي الْأَيْمَانِ بِعَدَمِ تَصْدِيقِ مُدَّعِي عَدَمِ قَصْدِ الطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ ظَاهِرًا لِتَعَلُّقِ حَقِّ الْغَيْرِ بِهِمَا، فَهَلَّا كَانَ هُنَا كَذَلِكَ؟ .
أُجِيبَ بِأَنَّ مَا ذُكِرَ هُنَاكَ لَا يُشْبِهُ هَذَا فَإِنَّ الزَّوْجَ تَلَفَّظَ ثَمَّ بِصَرِيحِ الطَّلَاقِ، ثُمَّ ادَّعَى صَرْفَهُ بِعَدَمِ الْقَصْدِ، وَالْمُدَّعَى هُنَا طَلَاقٌ مُقَيَّدٌ بِحَالَةٍ لَا يَصِحُّ فِيهَا الطَّلَاقُ فَقُبِلَ قَوْلُهُ لِعَدَمِ مُخَالَفَتِهِ الظَّاهِرَ.
(وَمَنْ أَثِمَ بِمُزِيلِ عَقْلِهِ مِنْ شَرَابِ) خَمْرٍ أَوْ غَيْرِهِ (أَوْ دَوَاءٍ) بِنَبِيذٍ أَوْ غَيْرِهِ (نَفَذَ طَلَاقُهُ وَتَصَرُّفُهُ لَهُ) قَوْلًا وَفِعْلًا (وَ) نَفَذَ
وَعَلَيْهِ قَوْلًا وَفِعْلًا عَلَى الْمَذْهَبِ، وَفِي قَوْلٍ لَا، وَقِيلَ عَلَيْهِ.
وَلَوْ قَالَ رُبْعُك أَوْ بَعْضُك أَوْ جُزْؤُك أَوْ كَبِدُكِ أَوْ شَعْرُك أَوْ ظُفْرُك طَالِقٌ وَقَعَ، وَكَذَا دَمُك عَلَى الْمَذْهَبِ، لَا فَضْلَةٌ كَرِيقٍ وَعَرَقٍ، وَكَذَا مَنِيٌّ وَلَبَنٌ فِي الْأَصَحِّ،
[مغني المحتاج]
أَيْضًا تَصَرُّفُهُ (عَلَيْهِ قَوْلًا وَفِعْلًا) كَإِسْلَامٍ وَرِدَّةٍ وَقَطْعٍ وَقَتْلٍ (عَلَى الْمَذْهَبِ) الْمَنْصُوصِ، أَمَّا السَّكْرَانُ فَاحْتَجَّ لَهُ الشَّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - بِحَدِيثِ: «رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثٍ» قَالَ: وَالسَّكْرَانُ لَيْسَ فِي مَعْنَى وَاحِدٍ مِنْ هَؤُلَاءِ، فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ قَضَاءُ الصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ وَغَيْرِهِمَا، فَالْقَلَمُ غَيْرُ مَرْفُوعٍ بِخِلَافِ الْمَجْنُونِ.
قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ مَنْ لَقِيتُهُ مِنْ الْمُفْتِينَ، وَأَمَّا الْمُتَدَاوِي فَإِنَّهُ فِي مَعْنَاهُ (وَفِي قَوْلٍ: لَا) يَنْفُذُ شَيْءٌ مِنْ تَصَرُّفِهِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ فَهْمٌ صَحِيحٍ (وَقِيلَ) يَنْفُذُ تَصَرُّفُهُ (عَلَيْهِ) كَالطَّلَاقِ وَالْإِقْرَارِ تَغْلِيظًا عَلَيْهِ، وَاحْتَرَزَ بِقَوْلِهِ أَثِمَ عَمَّا إذَا لَمْ يَأْثَمْ: كَمَا إذَا أُوجِرَ خَمْرًا أَوْ أُكْرِهَ عَلَى شُرْبِهَا أَوْ شُرْبِ دَوَاءٍ يُزِيلُ الْعَقْلَ بِقَصْدِ التَّدَاوِي، فَإِنَّهُ لَا يَقَعُ طَلَاقُهُ وَلَا يَصِحُّ تَصَرُّفُهُ.
تَنْبِيهٌ: مُقْتَضَى إطْلَاقِ الْمُصَنِّفِ أَنَّهُ لَوْ تَعَدَّى بِسُكْرِهِ، ثُمَّ نَشَأَ عَنْ سُكْرِهِ جُنُونُهُ أَنَّ حُكْمَهُ كَالسَّكْرَانِ، وَهُوَ كَذَلِكَ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي الْبَحْرِ، وَفِيهِ أَيْضًا لَوْ أَوْقَعَ السَّكْرَانُ الطَّلَاقَ، ثُمَّ ادَّعَى الْإِكْرَاهَ عَلَى الشُّرْبِ أَوْ الْجَهْلَ بِإِسْكَارِ مَا شَرِبَهُ وَرَامَ عَدَمَ الْوُقُوعِ صُدِّقَ بِيَمِينِهِ.
قَالَ الْأَذْرَعِيُّ: وَيَنْبَغِي اسْتِفْسَارُهُ، فَإِنْ ذَكَرَ إكْرَاهًا مُعْتَبَرًا فَذَاكَ، فَإِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ يَظُنُّ مَا لَيْسَ بِإِكْرَاهٍ إكْرَاهًا اهـ. وَهَذَا ظَاهِرٌ، إذَا كَانَ مِمَّنْ يَخْفَى عَلَيْهِ ذَلِكَ.
ثُمَّ شَرَعَ فِي الرُّكْنِ الرَّابِعِ وَهُوَ الْمَحَلُّ أَيْ الْمَرْأَةُ فَقَالَ (وَلَوْ قَالَ) شَخْصٌ لِزَوْجَتِهِ أَنْتِ طَالِقٌ أَوْ طَلَّقْتُك فَذَاكَ وَاضِحٌ، وَكَذَا لَوْ قَالَ جِسْمُكِ أَوْ جَسَدُكِ أَوْ رُوحُكِ أَوْ شَخْصُك أَوْ جُثَّتُكِ أَوْ ذَاتُكِ طَالِقٌ، وَإِنْ طَلَّقَ جُزْءًا مِنْهَا كَقَوْلِهِ يَدُك أَوْ رِجْلُك أَوْ نَحْوُ ذَلِكَ مِنْ أَعْضَائِهَا الْمُتَّصِلَةِ بِهَا أَوْ (رُبْعُك أَوْ بَعْضُك أَوْ جُزْؤُك) سَوَاءٌ أَكَانَ مَعْلُومًا كَالْمِثَالِ الْأَوَّلِ أَوْ مُبْهَمًا كَالْمِثَالِ الثَّانِي وَالثَّالِثِ، أَصْلِيًّا كَانَ أَوْ زَائِدًا، ظَاهِرًا كَمَا مَرَّ أَوْ بَاطِنًا، وَمَثَّلَ لَهُ بِقَوْلِهِ (أَوْ كَبِدُكِ) أَوْ كَانَ الْجُزْءُ مِمَّا يَنْفَصِلُ مِنْهَا فِي الْحَيَاةِ، وَمَثَّلَ لَهُ بِقَوْلِهِ (أَوْ شَعْرُك أَوْ ظُفْرُك طَالِقٌ وَقَعَ) الطَّلَاقُ جَزْمًا وَاحْتَجُّوا لَهُ بِالْإِجْمَاعِ، وَلِأَنَّهُ طَلَاقٌ صَدَرَ مِنْ أَهْلِهِ، فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُلْغَى وَتَبْعِيضُهُ مُتَعَذِّرٌ؛ لِأَنَّ الْمَرْأَةَ لَا تَتَبَعَّضُ فِي حُكْمِ النِّكَاحِ فَوَجَبَ تَعْمِيمُهُ، وَبِالْقِيَاسِ عَلَى الْعِتْقِ بِجَامِعِ أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا إزَالَةُ مِلْكٍ بِالصَّرِيحِ وَالْكِنَايَةِ، وَنُظِرَ فِي الْقِيَاسِ بِأَنَّ الْعِتْقَ مَحْبُوبٌ وَالطَّلَاقَ مَبْغُوضٌ، وَبِأَنَّ الْعِتْقَ يَقْبَلُ التَّجْزِئَةِ فَصَحَّتْ إضَافَتُهُ لِلْبَعْضِ بِخِلَافِ الطَّلَاقِ (وَكَذَا دَمُك) طَالِقٌ يَقَعُ بِهِ الطَّلَاقُ (عَلَى الْمَذْهَبِ) لِأَنَّ بِهِ قِوَامَ الْبَدَنِ كَالرُّوحِ، وَفِي وَجْهٍ لَا يَقَعُ لِأَنَّهُ كَفَضْلَةٍ وَقَطَعَ بَعْضُهُمْ الْأَوَّلَ (لَا فَضْلَةٌ كَرِيقٍ وَعَرَقٍ) وَبَوْلٍ لَا يَقَعُ بِهَا طَلَاقٌ؛ لِأَنَّهَا غَيْرُ مُتَّصِلَةً اتِّصَالَ خِلْقَةٍ بِخِلَافِ مَا قَبْلَهَا (وَكَذَا مَنِيٌّ وَلَبَنٌ) لَا يَقَعُ بِهِمَا (فِي الْأَصَحِّ) لِأَنَّهُمَا وَإِنْ كَانَ أَصْلُهُمَا دَمًا فَقَدْ تَهَيَّآ لِلْخُرُوجِ بِالِاسْتِحَالَةِ كَالْبَوْلِ، وَالثَّانِي الْوُقُوعُ كَالدَّمِ؛ لِأَنَّهُ أَصْلُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، وَكَالْفَضَلَاتِ الْأَخْلَاطُ كَالْبَلْغَمِ وَلَا بِالْجَنِينِ لِأَنَّهُ شَخْصٌ مُسْتَقِلٌّ بِنَفْسِهِ، وَلَيْسَ مَحَلًّا لِلطَّلَاقِ وَلَا بِالْعُضْوِ الْمُلْتَحِمِ
وَلَوْ قَالَ لِمَقْطُوعَةِ يَمِينٍ يَمِينُك طَالِقٌ لَمْ يَقَعْ عَلَى الْمَذْهَبِ.
وَلَوْ قَالَ أَنَا مِنْك طَالِقٌ وَنَوَى تَطْلِيقَهَا طَلُقَتْ، وَإِنْ لَمْ يَنْوِ طَلَاقًا فَلَا، وَكَذَا إنْ لَمْ يَنْوِ إضَافَتَهُ إلَيْهَا فِي الْأَصَحِّ
[مغني المحتاج]
بِالْمَرْأَةِ بَعْدَ الْفَصْلِ مِنْهَا؛ لِأَنَّهُ كَالْمُنْفَصِلِ بِدَلِيلِ وُجُوبِ قَطْعِهِ وَعَدَمِ تَعَلُّقِ الْقِصَاصِ بِهِ.
قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: وَيُؤْخَذُ مِنْ عَدَمِ الْوُقُوعِ عَدَمُ نَقْضِ الْوُضُوءِ بِهِ، وَلَا بِالْمَعَانِي الْقَائِمَةِ بِالذَّاتِ كَالسَّمْعِ وَالْبَصَرِ وَالْحَرَكَةِ وَسَائِرِ الصِّفَاتِ الْمَعْنَوِيَّةِ كَالْحُسْنِ وَالْقُبْحِ وَالْمَلَاحَةِ؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ جُزْءًا مِنْ بَدَنِهَا، وَالشَّحْمُ وَالسَّمْنُ جُزْءَانِ مِنْ الْبَدَنِ، فَيَقَعُ بِالْإِضَافَةِ إلَى كُلٍّ مِنْهُمَا الطَّلَاقُ وَإِنْ نُوزِعَ فِي الْأَوَّلِ، وَلَوْ قَالَ: اسْمُك طَالِقٌ لَمْ تَطْلُقْ إنْ لَمْ يُرِدْ بِهِ الذَّاتَ، فَإِنْ أَرَادَهَا بِهِ طَلُقَتْ، وَإِنْ قَالَ نَفْسُك بِإِسْكَانِ الْفَاءِ طَالِقٌ طَلُقَتْ لِأَنَّهَا أَصْلُ الْآدَمِيِّ، أَمَّا بِفَتْحِ الْفَاءِ فَلَا لِأَنَّهُ أَجْزَاءٌ مِنْ الْهَوَاءِ يَدْخُلُ الرِّئَةَ وَيَخْرُجُ مِنْهَا لَا جُزْءٌ مِنْ الْمَرْأَةِ وَلَا صِفَةٌ لَهَا، وَلَوْ قَالَ: حَيَاتُك طَالِقٌ طَلُقَتْ إنْ أَرَادَ بِهَا الرُّوحَ، وَإِنْ أَرَادَ الْمَعْنَى فَلَا كَسَائِرِ الْمَعَانِي، وَإِنْ أَطْلَقَ فَهُوَ كَالْأَوَّلِ كَمَا بَحَثَهُ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ.
تَنْبِيهٌ: الطَّلَاقُ فِيمَا مَرَّ يَقَعُ عَلَى الْجُزْءِ، ثُمَّ يَسْرِي إلَى بَاقِي الْبَدَنِ، كَمَا فِي الْعِتْقِ، فَلَوْ قَالَ: إنْ دَخَلْت الدَّارَ فَيَمِينُك طَالِقٌ فَقَطَعَتْ، ثُمَّ دَخَلَتْ لَمْ تَطْلُقْ كَمَنْ خَاطَبَهَا بِذَلِكَ وَلَا يَمِينَ لَهَا كَمَا قَالَ (وَلَوْ قَالَ لِمَقْطُوعَةِ يَمِينٍ) مَثَلًا (يَمِينُك) وَذَكَرَهُ عَلَى إرَادَةِ الْعُضْوِ، وَلَوْ أَنَّثَ قَالَ: يُمْنَاك (طَالِقٌ لَمْ يَقَعْ عَلَى الْمَذْهَبِ) الْمَنْصُوصِ لِفِقْدَانِ الَّذِي يَسْرِي مِنْهُ الطَّلَاقُ إلَى الْبَاقِي كَمَا فِي الْعِتْقِ، وَكَمَا لَوْ قَالَ لَهَا: لِحْيَتُك أَوْ ذَكَرُك طَالِقٌ، وَالطَّرِيقُ الثَّانِي تَخْرِيجُهُ عَلَى الْخِلَافِ، فَإِنْ جَعَلْنَاهُ مِنْ بَابِ التَّعْبِيرِ بِالْبَعْضِ عَنْ الْكُلِّ وَقَعَ، أَوْ مِنْ بَابِ السِّرَايَةِ فَلَا، وَصَوَّرَ الرُّويَانِيُّ الْمَسْأَلَةَ بِمَا إذَا فَقَدَتْ يَمِينَهَا مِنْ الْكَتِفِ وَهُوَ يَقْتَضِي أَنَّهَا تَطْلُقُ فِي الْمَقْطُوعَةِ مِنْ الْكَفِّ أَوْ مِنْ الْمِرْفَقِ وَهُوَ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْيَدَ حَقِيقَةٌ إلَى الْمَنْكِبِ كَمَا مَرَّ فِي بَابِ الْوُضُوءِ.
قَالَ فِي الْبَحْرِ: وَلَوْ قَالَ: حَفْصَةُ طَالِقٌ، وَرَأْسُ عَمْرَةَ بِرَفْعِ رَأْسٍ طَلُقَتَا، أَوْ بِجَرِّهِ لَمْ تَطْلُقْ عَمْرَةُ اهـ.
وَهَذَا ظَاهِرٌ فِيمَنْ يَعْرِفُ الْعَرَبِيَّةَ، أَمَّا غَيْرُهُ فَتَطْلُقُ عَمْرَةُ مُطْلَقًا، وَلَوْ قَالَ لِأَمَتِهِ: يَدُك أُمُّ وَلَدٍ أَوْ لِلْمُلْتَقِطِ يَدُك ابْنِي لَمْ يَثْبُتْ بِهِ اسْتِيلَادٌ وَلَا نَسَبٌ لِعَدَمِ السِّرَايَةِ فِيهِمَا.
(وَلَوْ قَالَ: أَنَا مِنْك طَالِقٌ وَنَوَى تَطْلِيقَهَا) أَيْ إيقَاعَ الطَّلَاقِ عَلَيْهَا (طَلُقَتْ) لِأَنَّ عَلَيْهِ حَجْرًا مِنْ جِهَتِهَا، حَيْثُ لَا يَنْكِحُ مَعَهَا أُخْتَهَا وَلَا أَرْبَعًا وَيَلْزَمُهُ صَوْنُهَا وَمُؤْنَتُهَا فَيَصِحُّ إضَافَةُ الطَّلَاقِ إلَيْهِ لِحَلِّ السَّبَبِ الْمُقْتَضِي لِهَذَا الْحَجْرِ؛ وَلِأَنَّ الْمَرْأَةَ مُقَيَّدَةٌ وَالزَّوْجُ كَالْقَيْدِ عَلَيْهَا وَالْحَلُّ يُضَافُ إلَى الْقَيْدِ كَمَا يُضَافُ إلَى الْمُقَيَّدِ، فَيُقَالُ: حُلَّ فُلَانٌ الْمُقَيَّدُ وَحُلَّ الْقَيْدُ عَنْهُ (وَإِنْ لَمْ يَنْوِ طَلَاقًا فَلَا) تَطْلُقُ؛ لِأَنَّ اللَّفْظَ خَرَجَ عَنْ الصَّرَاحَةِ بِإِضَافَتِهِ إلَى غَيْرِ مَحَلِّهِ فَشُرِطَ فِيهِ مَا شُرِطَ فِي الْكِنَايَةِ مِنْ قَصْدِ الْإِيقَاعِ (وَكَذَا) لَا تَطْلُقُ (إنْ لَمْ يَنْوِ) مَعَ نِيَّةِ الطَّلَاقِ (إضَافَتَهُ إلَيْهَا فِي الْأَصَحِّ) لِأَنَّ مَحَلَّ الطَّلَاقِ الْمَرْأَةُ لَا الرَّجُلُ وَاللَّفْظُ مُضَافٌ إلَيْهِ، فَلَا بُدَّ مِنْ نِيَّةٍ صَارِفَةٍ تَجْعَلُ الْإِضَافَةَ إلَيْهِ إضَافَةً إلَيْهَا، وَالثَّانِي تَطْلُقُ لِوُجُودِ نِيَّةِ الطَّلَاقِ، وَلَا حَاجَةَ لِلتَّنْصِيصِ عَلَى الْمَحَلِّ نُطْقًا أَوْ نِيَّةً.
تَنْبِيهٌ: عِبَارَتُهُ تَصْدُقُ بِصُورَتَيْنِ: الْأُولَى أَنْ لَا يَنْوِيَ إيقَاعَهُ عَلَيْهَا وَلَا عَلَيْهِ.
وَالثَّانِيَةُ أَنْ
وَلَوْ قَالَ أَنَا مِنْك بَائِنٌ اُشْتُرِطَ نِيَّةُ الطَّلَاقِ، وَفِي الْإِضَافَةِ الْوَجْهَانِ.
وَلَوْ قَالَ اسْتَبْرِئِي رَحِمِي مِنْك فَلَغْوٌ، وَقِيلَ إنْ نَوَى طَلَاقَهَا وَقَعَ.
فَصْلٌ خِطَابُ الْأَجْنَبِيَّةِ بِطَلَاقٍ وَتَعْلِيقُهُ بِنِكَاحٍ وَغَيْرِهِ لَغْوٌ.
[مغني المحتاج]
يَنْوِيَ تَطْلِيقَ نَفْسِهِ، لَكِنْ عَبَّرَ فِي الرَّوْضَةِ فِي الْأُولَى بِالصَّحِيحِ، وَفِي الثَّانِيَةِ الْقَطْعُ بِعَدَمِ الْوُقُوعِ، وَقِيلَ: بِجَرَيَانِ الْخِلَافِ، وَالتَّقْيِيدِ بِقَوْلِ الْمُصَنِّفِ مِنْك وَقَعَ أَيْضًا فِي الرَّوْضَةِ وَأَصْلِهَا وَهُوَ يُوهِمُ أَنَّهُ لَوْ أَسْقَطَهَا لَمْ يَقَعْ، وَكَلَامُ الْقَاضِي يَقْتَضِي عَدَمَ اعْتِبَارِهَا وَهُوَ الظَّاهِرُ لِانْتِظَامِ هَذَا الْعَمَلِ بِدُونِهَا وَجَرَى عَلَيْهِ فِي الْمُهِمَّاتِ؛ وَلِهَذَا حَذَفَهَا الدَّارِمِيُّ فِي الِاسْتِذْكَارِ.
قَالَ حِينَئِذٍ، فَإِنْ كَانَتْ لَهُ زَوْجَةٌ وَاحِدَةٌ وَقَصَدَ طَلَاقَهَا فَوَاضِحٌ، وَإِنْ كَانَ لَهُ زَوْجَاتٌ وَقَصَدَ طَلَاقَ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ وَقَعَ عَلَى وَاحِدَةٍ وَيُعَيِّنُ (وَلَوْ قَالَ: أَنَا مِنْك بَائِنٌ) أَوْ نَحْوَهُ مِنْ الْكِنَايَاتِ (اُشْتُرِطَ نِيَّةُ) أَصْلِ (الطَّلَاقِ) قَطْعًا كَسَائِرِ الْكِنَايَاتِ (وَفِي) نِيَّةِ (الْإِضَافَةِ) إلَيْهَا (الْوَجْهَانِ) فِي قَوْلِهِ: أَنَا مِنْك طَالِقٌ أَصَحُّهُمَا اشْتِرَاطُهَا، فَإِنْ نَوَى الطَّلَاقَ مُضَافًا إلَيْهَا وَقَعَ وَإِلَّا فَلَا لِمَا مَرَّ.
تَنْبِيهٌ: لَا حَاجَةَ إلَى هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ بَعْدَ ذِكْرِ الْمَسْأَلَةِ قَبْلَهَا؛ لِأَنَّ النِّيَّةَ إذًا شُرِطَتْ فِي الصَّرِيحِ، وَهُوَ أَنَا مِنْك طَالِقٌ فَفِي الْكِنَايَةِ وَهُوَ أَنَا مِنْك بَائِنٌ أَوْلَى، اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يُقَالَ: إنَّمَا ذَكَرَهَا تَمْيِيزًا بَيْنَ الْكِنَايَةِ الْقَرِيبَةِ وَالْبَعِيدَةِ وَهِيَ اسْتِبْرَاءُ رَحِمِهِ الَّذِي تَضَمَّنَهُ قَوْلُهُ.
(وَلَوْ قَالَ: اسْتَبْرِئِي رَحِمِي مِنْك) أَوْ أَنَا مُعْتَدٌّ مِنْك أَوْ نَحْوُ ذَلِكَ كَاسْتَبْرِئِي الرَّحِمَ الَّتِي كَانَتْ لِي (فَلَغْوٌ) وَإِنْ نَوَى بِهِ الطَّلَاقَ؛ لِأَنَّ اللَّفْظَ غَيْرُ مُنْتَظِمٍ فِي نَفْسِهِ، وَالْكِنَايَةُ شَرْطُهَا احْتِمَالُ اللَّفْظِ الْمُرَادِ (وَقِيلَ: إنْ) نَوَى بِهَذَا اللَّفْظِ (طَلَاقَهَا وَقَعَ) وَيَكُونُ الْمَعْنَى عَلَيْهِ اسْتَبْرِئِي الرَّحِمَ الَّتِي كَانَتْ لِي وَبِهِ صَوَّرَ الْمَسْأَلَةَ فِي الشَّرْحِ الصَّغِيرِ.
تَنْبِيهٌ: قَوْلُهُ: مِنْكِ لَيْسَ بِقَيْدٍ، فَلَوْ لَمْ يَذْكُرْهُ كَانَ الْحُكْمُ كَذَلِكَ وَلَوْ قَالَ شَخْصٌ لِآخَرَ: طَلِّقْ امْرَأَتِي، فَقَالَ لَهُ طَلَّقْتُك وَنَوَى وُقُوعَهُ عَلَيْهِ لَمْ تَطْلُقْ، كَمَا قَالَهُ فِي التَّتِمَّةِ؛ لِأَنَّ النِّكَاحَ لَا تَعَلُّقَ لَهُ، بِالْأَجْنَبِيِّ بِخِلَافِ الْمَرْأَةِ مَعَ الزَّوْجِ.
[فَصْلٌ فِي الْوِلَايَةُ عَلَى مَحَلِّ الطَّلَاقِ وَهُوَ الزَّوْجَةُ]
(فَصْلٌ) فِي بَيَانِ الْوِلَايَةِ عَلَى مَحَلِّ الطَّلَاقِ وَهُوَ الزَّوْجَةُ، وَهَذَا هُوَ الرُّكْنُ الْخَامِسِ فَخَرَجَتْ الْأَجْنَبِيَّةُ كَمَا قَالَ (خِطَابُ الْأَجْنَبِيَّةِ بِطَلَاقٍ) كَأَنْتِ طَالِقٌ (وَتَعْلِيقُهُ) أَيْ الطَّلَاقِ (بِنِكَاحٍ) كَإِنْ تَزَوَّجْتهَا فَهِيَ طَالِقٌ (وَغَيْرِهِ) أَيْ النِّكَاحِ كَإِنْ دَخَلْت الدَّارَ فَأَنْتِ طَالِقٌ (لَغْوٌ) أَيْ فَلَا تَطْلُقُ عَلَى زَوْجِهَا، أَمَّا الْمُنَجَّزُ فَبِالْإِجْمَاعِ وَأَمَّا الْمُعَلَّقُ فَلِانْتِفَاءِ الْوِلَايَةِ مِنْ الْقَائِلِ عَلَى الْمَحَلِّ، وَقَدْ قَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَا طَلَاقَ إلَّا بَعْدَ نِكَاحٍ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ، وَلَوْ قَالَ كُلُّ امْرَأَةٍ أَتَزَوَّجُهَا فَهِيَ
وَالْأَصَحُّ صِحَّةُ تَعْلِيقِ الْعَبْدِ ثَالِثَةً كَقَوْلِهِ: إنْ عَتَقْت أَوْ إنْ دَخَلْت فَأَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا فَيَقَعْنَ إذَا عَتَقَ أَوْ دَخَلَتْ بَعْدَ عِتْقِهِ.
وَيَلْحَقُ رَجْعِيَّةً لَا مُخْتَلِعَةً، وَلَوْ عَلَّقَهُ بِدُخُولِ فَبَانَتْ ثُمَّ نَكَحَهَا ثُمَّ دَخَلَتْ لَمْ يَقَعْ إنْ دَخَلَتْ فِي الْبَيْنُونَةِ، وَكَذَا إنْ لَمْ تَدْخُلْ فِي الْأَظْهَرِ، وَفِي ثَالِثٍ يَقَعُ إنْ بَانَتْ بِدُونِ ثَلَاثٍ.
[مغني المحتاج]
طَالِقٌ فَرُفِعَ إلَى قَاضٍ شَافِعِيٍّ فَفَسَخَهُ.
قَالَ الْعَبَّادِيُّ: انْفَسَخَتْ الْيَمِينُ، وَقَالَ الْهَرَوِيُّ: لَيْسَ ذَلِكَ بِفَسْخٍ بَلْ هُوَ حُكْمٌ بِإِبْطَالِ الْيَمِينِ، فَإِنَّ الْيَمِينَ الصَّحِيحَةَ لَا تَنْفَسِخُ.
تَنْبِيهٌ: تَعْلِيقُ الْعِتْقِ بِالْمِلْكِ كَتَعْلِيقِ الطَّلَاقِ بِالنِّكَاحِ (وَالْأَصَحُّ صِحَّةُ تَعْلِيقِ الْعَبْدِ) طَلْقَةً (ثَالِثَةً كَقَوْلِهِ: إنْ عَتَقْت أَوْ إنْ دَخَلْت) الدَّارَ مَثَلًا (فَأَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا فَيَقَعْنَ إذَا عَتَقَ) الْعَبْدُ (أَوْ دَخَلَتْ) زَوْجَتُهُ الدَّارَ (بَعْدَ عِتْقِهِ) وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَالِكًا لِلثَّالِثَةِ وَقْتَ التَّعْلِيقِ؛ لِأَنَّهُ يَمْلِكُ أَصْلَ النِّكَاحِ، وَهُوَ يُفِيدُ الطَّلْقَاتِ الثَّلَاثَ بِشَرْطِ الْحُرِّيَّةِ، وَقَدْ وُجِدَتْ.
وَالثَّانِي: لَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ تَنْجِيزَهَا فَلَا يَمْلِكُ تَعْلِيقَهَا، وَعَلَى هَذَا عَلَيْهِ طَلْقَتَانِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: وَيَجْرِي الْوَجْهَانِ فِي قَوْلِهِ لِأَمَتِهِ الْحَائِلِ: إنْ وَلَدْت فَوَلَدُك حُرٌّ.
(وَيَلْحَقُ) الطَّلَاقُ (رَجْعِيَّةً) لِأَنَّهَا فِي حُكْمِ الزَّوْجَاتِ لِبَقَاءِ الْوِلَايَةِ عَلَيْهَا بِمِلْكِ الرَّجْعَةِ، قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: الرَّجْعِيَّةُ زَوْجَةٌ فِي خَمْسِ آيَاتٍ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى، يُرِيدُ بِذَلِكَ لُحُوقَ الطَّلَاقِ، وَصِحَّةَ الظِّهَارِ، وَاللِّعَانِ، وَالْإِيلَاءِ، وَالْمِيرَاثِ (لَا مُخْتَلِعَةً) فَلَا يَلْحَقُهَا طَلَاقٌ وَإِنْ كَانَتْ فِي الْعِدَّةِ لِانْتِفَاءِ الْوِلَايَةِ عَلَيْهَا، وَمَا رُوِيَ مِنْ أَنَّ الْمُخْتَلِعَةَ يَلْحَقُهَا الطَّلَاقُ مَا دَامَتْ فِي الْعِدَّةِ.
قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ: هُوَ حَدِيثٌ مَوْضُوعٌ (وَلَوْ عَلَّقَهُ) أَيْ الطَّلَاقَ (بِدُخُولِ) الدَّارِ مَثَلًا أَوْ غَيْرِهِ مِمَّا يُمْكِنُ حُصُولُهُ فِي الْبَيْنُونَةِ (فَبَانَتْ) بِطَلَاقٍ أَوْ فَسْخٍ قَبْلَ الدُّخُولِ بِهَا أَوْ بَعْدَهُ: إمَّا بِعِوَضٍ أَوْ بِالثَّلَاثِ (ثُمَّ نَكَحَهَا) أَيْ جَدَّدَ نِكَاحَهَا (ثُمَّ دَخَلَتْ لَمْ يَقَعْ) بِذَلِكَ طَلَاقٌ (إنْ) كَانَتْ (دَخَلَتْ فِي) حَالِ (الْبَيْنُونَةِ) جَزْمًا لِانْحِلَالِ الْيَمِينِ بِالدُّخُولِ فِيهَا (وَكَذَا) لَا يَقَعُ (إنْ لَمْ تَدْخُلْ) فِي الْبَيْنُونَةِ بَلْ دَخَلَتْ فِي النِّكَاحِ (فِي الْأَظْهَرِ) لِارْتِفَاعِ النِّكَاحِ الَّذِي عَلَّقَ فِيهِ، وَالثَّانِي: يَقَعُ لِقِيَامِ النِّكَاحِ فِي حَالَتَيْ التَّعْلِيقِ وَالصِّفَةِ، وَتَخَلُّلُ الْبَيْنُونَةِ لَا يُؤَثِّرُ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ وَقْتَ الْإِيقَاعِ وَلَا وَقْتَ الْوُقُوعِ (وَفِي) قَوْلٍ (ثَالِثٍ يَقَعُ إنْ بَانَتْ بِدُونِ ثَلَاثٍ) لِأَنَّ الْعَائِدَ فِي النِّكَاحِ الثَّانِي مَا بَقِيَ مِنْ الطَّلْقَاتِ مِنْ الْأَوَّلِ فَتَعُودُ بِصِفَتِهَا، وَهِيَ التَّعْلِيقُ بِالْفِعْلِ الْمُعَلَّقِ عَلَيْهِ، بِخِلَافِ مَا لَوْ بَانَتْ بِالثَّلَاثِ لِأَنَّهُ اسْتَوْفَى مَا عَلَّقَ مِنْ الطَّلَاقِ، وَالْعَائِدُ طَلْقَاتٌ جَدِيدَةٌ.
أَمَّا إذَا لَمْ يُمْكِنْ حُصُولُ الصِّفَةِ فِي الْبَيْنُونَةِ كَأَنْ قَالَ: إنْ وَطِئْتُك فَأَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا فَأَبَانَهَا ثُمَّ نَكَحَهَا لَمْ يَقَعْ طَلَاقٌ قَطْعًا كَمَا هُوَ قَضِيَّةُ كَلَامِ الرَّوْضَةِ وَأَصْلِهَا.
تَنْبِيهٌ: مَا ذُكِرَ هُنَا إذَا كَانَ التَّعْلِيقُ بِالدُّخُولِ الْمُطْلَقِ.
أَمَّا لَوْ حَلَفَ بِالطَّلَاقِ الثَّلَاثِ أَنَّهَا تَدْخُلُ الدَّارَ فِي هَذَا الشَّهْرِ ثُمَّ أَبَانَهَا قَبْلَ انْقِضَاءِ الشَّهْرِ وَبَعْدَ تَمَكُّنِهَا مِنْ الدُّخُولِ ثُمَّ تَزَوَّجَهَا وَمَضَى الشَّهْرُ وَلَمْ تَدْخُلْ فَنَقَلَ السُّبْكِيُّ عَنْ ابْنِ الرِّفْعَةِ أَنَّهُ أَفْتَى بِالتَّخَلُّصِ، وَأَنَّهَا لَا تَطْلُقُ ثُمَّ
وَلَوْ طَلَّقَ دُونَ ثَلَاثٍ وَرَاجَعَ أَوْ جَدَّدَ وَلَوْ بَعْدَ زَوْجٍ عَادَتْ بِبَقِيَّةِ الثَّلَاثِ وَإِنْ ثَلَّثَ عَادَتْ بِثَلَاثٍ.
وَلِلْعَبْدِ طَلْقَتَانِ فَقَطْ، وَلِلْحُرِّ ثَلَاثٌ.
وَيَقَعُ فِي مَرَضِ مَوْتِهِ، وَيَتَوَارَثَانِ فِي عِدَّةِ رَجْعِيٍّ
[مغني المحتاج]
تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ خَطَأٌ.
قَالَ السُّبْكِيُّ: فَبَحَثْت مَعَهُ فِي ذَلِكَ وَأَنَا أَجْنَحُ إلَى التَّخَلُّصِ وَهُوَ لَا يَلْوِي عَنْ كَوْنِهِ خَطَأً، وَذَكَرَ كَلَامًا طَوِيلًا تَعَرَّضْتُ لَهُ فِي شَرْحِ التَّنْبِيهِ.
قَالَ الْبُلْقِينِيُّ: الصَّوَابُ مَا أَفْتَى بِهِ ابْنُ الرِّفْعَةِ أَوَّلًا.
وَهُوَ التَّخَلُّصُ اهـ.
وَهَذَا هُوَ الْمُعْتَمَدُ؛ لِأَنَّهُ ظَاهِرُ إطْلَاقِ كَلَامِ الْأَصْحَابِ، وَقَدْ مَرَّتْ الْإِشَارَةُ إلَى بَعْضِ ذَلِكَ فِي كِتَابِ الْخُلْعِ.
(وَلَوْ طَلَّقَ) الزَّوْجُ الْحُرُّ (دُونَ ثَلَاثٍ وَرَاجَعَ) مَنْ طَلَّقَهَا (أَوْ جَدَّدَ) نِكَاحَهَا (وَلَوْ بَعْدَ زَوْجٍ) وَإِصَابَةٍ كَمَا فِي بَعْضِ نُسَخِ الْمُحَرَّرِ (عَادَتْ بِبَقِيَّةِ الثَّلَاثِ) أَمَّا إذَا لَمْ يَكُنْ بَعْدَ زَوْجٍ فَبِالْإِجْمَاعِ، وَأَمَّا بَعْدَ الزَّوْجِ فَخَالَفَ فِي ذَلِكَ أَبُو حَنِيفَةَ وَقَالَ: تَعُودُ بِالثَّلَاثِ؛ لِأَنَّ الزَّوْجَ يَهْدِمُ الثَّلَاثَ فَمَا دُونَهَا، وَاحْتَجَّ أَصْحَابُنَا بِأَنَّهَا إصَابَةٌ لَيْسَتْ بِشَرْطٍ فِي الْإِبَاحَةِ فَلَمْ تُؤَثِّرْ كَوَطْءِ السَّيِّدِ أَمَتَهُ الْمُطَلَّقَةَ، وَبِهَذَا قَالَ أَكَابِرُ الصَّحَابَةِ كَمَا قَالَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ: مِنْهُمْ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَلَمْ يَظْهَرْ لَهُمْ مُخَالِفٌ (وَإِنْ ثَلَّثَ) الطَّلَاقَ بِأَنْ طَلَّقَهَا أَثْلَاثًا وَجَدَّدَ نِكَاحَهَا بَعْدَ زَوْجٍ دَخَلَ بِهَا وَفَارَقَهَا وَانْقَضَتْ عِدَّتُهَا مِنْهُ (عَادَتْ بِثَلَاثٍ) بِالْإِجْمَاعِ؛ لِأَنَّ دُخُولَ الثَّانِي أَفَادَ حِلَّ النِّكَاحِ لِلْأَوَّلِ، وَلَا يُمْكِنُ بِنَاؤُهُ عَلَى الْعَقْدِ الْأَوَّلِ فَثَبَتَ نِكَاحٌ مُسْتَفْتِحٌ بِأَحْكَامِهِ.
(وَلِلْعَبْدِ طَلْقَتَانِ فَقَطْ) وَإِنْ كَانَتْ الزَّوْجَةُ حُرَّةً لِمَا رَوَى الدَّارَقُطْنِيّ مَرْفُوعًا: «طَلَاقُ الْعَبْدِ اثْنَتَانِ» . وَرُوِيَ عَنْ عُثْمَانَ وَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ وَلَا مُخَالِفَ لَهُمَا مِنْ الصَّحَابَةِ رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ وَالْمُكَاتَبُ وَالْمُبَعَّضُ وَالْمُدَبَّرُ كَالْقِنِّ، وَإِنَّمَا لَمْ تُعْتَبَرْ حُرِّيَّةُ الزَّوْجَةِ؛ لِأَنَّ الِاعْتِبَارَ فِي الطَّلَاقِ بِالزَّوْجِ لِمَا رَوَى الْبَيْهَقِيُّ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «الطَّلَاقُ بِالرِّجَالِ، وَالْعِدَّةُ بِالنِّسَاءِ» وَقَدْ يَمْلِكُ الْعَبْدُ ثَالِثَةً كَذِمِّيٍّ طَلَّقَ زَوْجَتَهُ طَلْقَتَيْنِ ثُمَّ الْتَحَقَ بِدَارِ الْحَرْبِ وَاسْتُرِقَّ ثُمَّ أَرَادَ نِكَاحَهَا فَإِنَّهَا تَحِلُّ لَهُ عَلَى الْأَصَحِّ، وَيَمْلِكُ عَلَيْهَا الثَّالِثَةَ لِأَنَّهَا لَمْ تَحْرُمْ عَلَيْهِ بِالطَّلْقَتَيْنِ.
وَطَرَيَانُ الرِّقِّ لَا يَمْنَعُ الْحِلَّ السَّابِقَ بِخِلَافِ مَا لَوْ طَلَّقَهَا طَلْقَةً ثُمَّ اُسْتُرِقَّ فَإِنَّهَا تَعُودُ لَهُ بِطَلْقَةٍ فَقَطْ؛ لِأَنَّهُ رُقَّ قَبْلَ اسْتِيفَاءِ عَدَدِ الْعَبِيدِ، وَمَنْ عَتَقَ بَعْدَ طَلْقَةٍ بَقِيَ لَهُ طَلْقَتَانِ؛ لِأَنَّهُ عَتَقَ قَبْلَ اسْتِيفَاءِ عَدَدِ الْعَبِيدِ أَوْ بَعْدَ طَلْقَتَيْنِ لَمْ يَبْقَ لَهُ شَيْءٌ لِاسْتِيفَائِهِ عَدَدَ الْعَبِيدِ فِي الرِّقِّ.
وَلَوْ أَشْكَلَ عَلَى الزَّوْجَيْنِ هَلْ وَقَعَ الطَّلْقَتَانِ قَبْلَ الْعِتْقِ أَوْ بَعْدَهُ لَمْ يَبْقَ لَهُ شَيْءٌ؛ لِأَنَّ الرِّقَّ وَوُقُوعَ الطَّلَاقِ مَعْلُومَانِ، وَالْأَصْلُ بَقَاءُ الرِّقِّ حِينَ أَوْقَعَهُمَا، فَإِنْ ادَّعَى تَقَدُّمَ الْعِتْقِ عَلَيْهِمَا وَأَنْكَرَتْ صُدِّقَ بِيَمِينِهِ، سَوَاءٌ اتَّفَقَا عَلَى يَوْمِ الْعِتْقِ أَوْ لَمْ يَتَّفِقَا عَلَى وَقْتٍ لِأَنَّهُ أَعْرَفُ بِوَقْتِ الطَّلَاقِ، فَإِنْ اتَّفَقَا عَلَى يَوْمِ الطَّلَاقِ كَيَوْمِ الْجُمُعَةِ وَادَّعَى الْعِتْقَ قَبْلَهُ صُدِّقَتْ بِيَمِينِهَا لِأَنَّ الْأَصْلَ دَوَامُ الرِّقِّ قَبْلَ يَوْمِ الْجُمُعَةِ (وَلِلْحُرِّ ثَلَاثٌ) وَإِنْ كَانَتْ زَوْجَتُهُ أَمَةً: لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «سُئِلَ عَنْ قَوْله تَعَالَى: ﴿الطَّلاقُ مَرَّتَانِ﴾ [البقرة: 229] . فَأَيْنَ الثَّالِثَةُ، فَقَالَ: أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَصَحَّحَهُ ابْنُ الْقَطَّانِ وَإِنَّمَا لَمْ يُعْتَبَرْ رِقٌّ لِزَوْجَةٍ لِمَا مَرَّ.
وَاعْتَبَرَهُ أَبُو حَنِيفَةَ بِالنِّسَاءِ كَالْعِدَّةِ.
(وَيَقَعُ) الطَّلَاقُ بَائِنًا أَوْ رَجْعِيًّا (فِي مَرَضِ مَوْتِهِ) أَيْ الْمُطَلِّقِ كَمَا يَقَعُ فِي صِحَّتِهِ (وَيَتَوَارَثَانِ) أَيْ الزَّوْجُ الْمَرِيضُ وَزَوْجَتُهُ (فِي عِدَّةِ) طَلَاقٍ (رَجْعِيٍّ) بِالْإِجْمَاعِ لِبَقَاءِ آثَارِ
لَا بَائِنٍ، وَفِي الْقَدِيمِ تَرِثُهُ.
فَصْلٌ قَالَ طَلَّقْتُك أَوْ أَنْتِ طَالِقٌ وَنَوَى عَدَدًا وَقَعَ، وَكَذَا الْكِنَايَةُ.
وَلَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ وَاحِدَةً وَنَوَى عَدَدًا فَوَاحِدَةٌ، وَقِيلَ الْمَنْوِيُّ.
[مغني المحتاج]
الزَّوْجِيَّةِ فِي الرَّجْعَةِ بِلُحُوقِ الطَّلَاقِ لَهَا وَالْإِيلَاءِ مِنْهَا وَغَيْرِ ذَلِكَ كَمَا مَرَّ (لَا) فِي عِدَّةِ الطَّلَاقِ (بَائِنٍ) لِانْقِطَاعِ آثَارِ الزَّوْجِيَّةِ (وَفِي الْقَدِيمِ) وَنَصَّ عَلَيْهِ فِي الْإِمْلَاءِ فَيَكُونُ جَدِيدًا (تَرِثُهُ) وَبِهِ قَالَ الْأَئِمَّةُ الثَّلَاثَةُ؛ لِأَنَّ تَطْلِيقَهَا بِغَيْرِ اخْتِيَارِهَا يَدُلُّ عَلَى قَصْدِهِ حِرْمَانَهَا مِنْ الْإِرْثِ فَيُعَاقَبُ بِنَقِيضِ قَصْدِهِ.
تَنْبِيهٌ: لِلْقَدِيمِ شُرُوطٌ: أَحَدُهَا: كَوْنُ الزَّوْجَةِ وَارِثَةً، فَلَوْ أَسْلَمَتْ بَعْدَ الطَّلَاقِ فَلَا.
ثَانِيهَا: عَدَمُ اخْتِيَارِهَا، فَلَوْ اخْتَلَعَتْ أَوْ سَأَلَتْ فَلَا.
ثَالِثُهَا: كَوْنُ الْبَيْنُونَةِ فِي مَرَضِ مَخُوفٍ وَنَحْوِهِ وَمَاتَ بِسَبَبِهِ، فَإِنْ بَرِئَ مِنْهُ فَلَا.
رَابِعُهَا: كَوْنُهَا بِطَلَاقٍ لَا بِلِعَانٍ وَفَسْخٍ.
خَامِسُهَا: كَوْنُهُ مُنْشَأً لِيُخْرِجَ مَا إذَا أَقَرَّ بِهِ.
سَادِسُهَا: كَوْنُهُ مُنَجَّزًا، وَإِذَا قُلْنَا بِالْجَدِيدِ فَلَهَا حُكْمُ بَقِيَّةِ الْبَوَائِنِ إلَّا إنْ قَصَدَ بِطَلَاقِهَا فِرَارَهُ مِنْ الْإِرْثِ فَيَجْرِي فِي تَحْرِيمِهِ خِلَافُ تَحْرِيمِ بَيْعِ النِّصَابِ قَبْلَ الْحَوْلِ فِرَارًا مِنْ الزَّكَاةِ، وَعَبَّرَ بِقَوْلِهِ: تَرِثُهُ دُونَ يَتَوَارَثَانِ تَنْبِيهًا عَلَى أَنَّهَا لَوْ مَاتَتْ لَا يَرِثُهَا وَهُوَ كَذَلِكَ.
[فَصْلٌ فِي تَعَدُّدُ الطَّلَاقِ بِنِيَّةِ الْعَدَدِ فِيهِ]
(فَصْلٌ) فِي تَعَدُّدِ الطَّلَاقِ بِنِيَّةِ الْعَدَدِ فِيهِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، لَوْ (قَالَ) شَخْصٌ لِزَوْجَتِهِ وَلَوْ نَائِمَةً أَوْ مَجْنُونَةً (طَلَّقْتُك أَوْ أَنْتِ طَالِقٌ) أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ مِنْ الصَّرِيحِ وَإِنْ لَمْ يُخَاطِبْهَا كَقَوْلِهِ: هَذِهِ طَالِقٌ (وَنَوَى عَدَدًا وَقَعَ) سَوَاءٌ الْمَدْخُولُ بِهَا وَغَيْرُهَا؛ لِأَنَّ اللَّفْظَ يَحْتَمِلُ الْعَدَدَ بِدَلِيلِ جَوَازِ تَفْسِيرِهِ بِهِ وَمَا احْتَمَلَ إذَا نَوَاهُ وَقَعَ كَالطَّلَاقِ بِالْكِنَايَةِ فَيَأْتِي فِيهِ مَا مَرَّ فِي أَنَّ النِّيَّةَ لَا بُدَّ مِنْ مُقَارَنَتِهَا لِجَمِيعِ اللَّفْظِ أَوْ تَكْفِي مُقَارَنَتُهُ لِبَعْضِهِ كَمَا قَالَهُ الْمُتَوَلِّي وَغَيْرُهُ (وَكَذَا الْكِنَايَةُ) كَأَنْتِ بَائِنٌ إذَا نَوَى فِيهَا عَدَدًا وَقَعَ مَا نَوَاهُ لِاحْتِمَالِ اللَّفْظِ لَهُ، فَإِنْ نَوَى وَاحِدَةً أَوْ لَمْ يَنْوِ شَيْئًا وَقَعَتْ وَاحِدَةٌ؛ لِأَنَّهُ الْمُتَيَقَّنُ.
(وَلَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ وَاحِدَةً) بِالنَّصْبِ بِخَطِّهِ (وَنَوَى عَدَدًا فَوَاحِدَةً) لِأَنَّ الْمَلْفُوظَ يُنَاقِضُ الْمَنْوِيَّ وَاللَّفْظُ أَقْوَى فَالْعَمَلُ بِهِ أَوْلَى.
وَهَذَا مَا صَحَّحَهُ الْغَزَالِيُّ، وَفِي الْمُحَرَّرِ أَنَّهُ الَّذِي رُجِّحَ، وَالرَّفْعُ وَالْجَرُّ وَالسُّكُونُ كَالنَّصْبِ فِي هَذَا وَفِيمَا سَيَأْتِي، وَتَقْدِيرُ الرَّفْعِ عَلَى أَنَّهُ خَبَرٌ، وَالنَّصْبِ عَلَى أَنَّهُ صِفَةٌ لِمَفْعُولٍ مَحْذُوفٍ، وَالْجَرِّ عَلَى أَنْتِ ذَاتُ وَاحِدَةٍ، فَحَذَفَ الْجَارَّ وَأَبْقَى الْمَجْرُورَ بِحَالٍ كَمَا قِيلَ لِبَعْضِهِمْ: كَيْفَ أَصْبَحْت.
قَالَ خَيْرٍ: أَيْ بِخَيْرٍ، أَوْ يَكُونُ الْمُتَكَلِّمُ لَحَنَ، وَاللَّحْنُ لَا يُغَيِّرُ الْحُكْمَ عِنْدَنَا وَالسُّكُونُ عَلَى الْوَقْفِ (وَقِيلَ) يَقَعُ (الْمَنْوِيُّ) لَا الْمَلْفُوظُ عَمَلًا بِالنِّيَّةِ، وَمَعْنَى أَنْتِ وَاحِدَةٌ: أَيْ أَنَّك تَتَوَحَّدِينَ مِنِّي بِالْعَدَدِ الَّذِي أَوْقَعْتُهُ، وَهَذَا مَا صَحَّحَهُ فِي أَصْلِ الرَّوْضَةِ تَبَعًا لِلْبَغَوِيِّ وَغَيْرِهِ، وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ، وَلَوْ قَالَ: أَنْتِ وَاحِدَةً بِالنَّصْبِ وَحَذَفَ طَالِقٍ.
قَالَ الزَّرْكَشِيُّ