مغني المحتاج إلى معرفة معاني ألفاظ المنهاجصفحات 445-486
أهل الأثرالأرشيف العلمي

وَلَوْ اخْتَلَفَا فِي قِدَمِ الْعَيْبِ صُدِّقَ الْبَائِعُ بِيَمِينِهِ

[مغني المحتاج]

اشْتَرَاهُ وَاحِدٌ مِنْ وَكِيلِ اثْنَيْنِ أَوْ مِنْ وَكِيلَيْ وَاحِدٍ جَاءَ الْخِلَافُ فِي أَنَّ الْعِبْرَةَ بِالْوَكِيلِ أَوْ الْمُوَكِّلِ وَقَدْ مَرَّ فِي تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ، وَلَوْ اشْتَرَى ثَلَاثَةٌ مِنْ ثَلَاثَةٍ فَكُلُّ مُشْتَرٍ مِنْ كُلِّ تِسْعَةٍ؛ وَضَابِطُ ذَلِكَ أَنْ تَضْرِبَ عَدَدَ الْبَائِعِينَ فِي عَدَدِ الْمُشْتَرِينَ عِنْدَ التَّعَدُّدِ مِنْ الْجَانِبَيْنِ أَوْ أَحَدِهِمَا عِنْدَ الِانْفِرَادِ فِي الْجَانِبِ الْآخَرِ، فَمَا حَصَلَ فَهُوَ عَدَدُ الْعُقُودِ، وَلَوْ اشْتَرَى بَعْضَ عَبْدٍ ثُمَّ عَلِمَ الْعَيْبَ بَعْدَمَا تَعَذَّرَ رَدُّهُ: كَأَنْ خَرَجَ عَنْ مِلْكِهِ أَوْ رَهَنَهُ ثُمَّ اشْتَرَى بَاقِيَهُ ثُمَّ عَادَ إلَيْهِ الْبَعْضُ الْأَوَّلُ كَانَ لَهُ رَدُّهُ دُونَ الثَّانِي: لِأَنَّهُ اشْتَرَاهُ عَالِمًا بِعَيْبِهِ.

(وَلَوْ اخْتَلَفَا فِي قِدَمِ الْعَيْبِ) وَحُدُوثِهِ، كَأَنْ قَالَ كُلٌّ لِلْآخَرِ حَدَثَ عِنْدَك وَدَعْوَاهُمَا فِيهِ مُمْكِنَةٌ بِأَنْ اُحْتُمِلَ قِدَمُهُ وَحُدُوثُهُ كَبَرَصٍ (صُدِّقَ الْبَائِعُ) ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الْعَيْبِ (بِيَمِينِهِ) لِاحْتِمَالِ صِدْقِ الْمُشْتَرِي، فَالْبَائِعُ يَدَّعِي الْحُدُوثَ وَيُتَصَوَّرُ أَنْ يَدَّعِي قِدَمَهُ، وَهُوَ فِيمَا إذَا بَاعَ الْحَيَوَانَ بِشَرْطِ الْبَرَاءَةِ مِنْ كُلِّ عَيْبٍ، وَالْحُكْمُ فِيهَا كَالْأَوَّلِ عَلَى الظَّاهِرِ، وَقِيلَ الْمُصَدَّقُ فِي هَذِهِ الْمُشْتَرِي، وَإِذَا صَدَّقْنَا الْبَائِعَ بِيَمِينِهِ فِي الْأُولَى لَا يَثْبُتُ بِيَمِينِهِ حُدُوثُ الْعَيْبِ مُطْلَقًا؛ لِأَنَّهَا صَلُحَتْ لِلدَّفْعِ عَنْهُ، فَلَا تَصْلُحُ لِشَغْلِ ذِمَّةِ الْمُشْتَرِي، فَلَوْ فُسِخَ الْبَيْعُ مَثَلًا بِتَحَالُفٍ بَعْدَ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَرْشُ الْعَيْبِ وَلِلْمُشْتَرِي أَنْ يَحْلِفَ الْآنَ أَنَّهُ لَيْسَ بِحَادِثٍ، قَالَهُ الْقَاضِي وَالْإِمَامُ وَالْغَزَالِيُّ أَمَّا مَا لَا يُحْتَمَلُ حُدُوثُهُ بَعْدَ الْبَيْعِ كَإِصْبَعٍ زَائِدَةٍ وَشَيْنِ شَجَّةٍ مُنْدَمِلَةٍ، وَقَدْ جَرَى الْبَيْعُ أَمْسِ أَوْ لَا يُحْتَمَلُ قِدَمُهُ كَشَجَّةٍ طَرِيَّةٍ وَقَدْ جَرَى الْبَيْعُ وَالْقَبْضُ مِنْ سَنَةٍ مَثَلًا فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُشْتَرِي فِي الْأُولَى وَقَوْلُ الْبَائِعِ فِي الثَّانِيَةِ بِلَا يَمِينٍ فِيهِمَا.
تَنْبِيهٌ لَوْ بَاعَهُ عَصِيرًا وَسَلَّمَهُ إلَيْهِ فَوُجِدَ فِي يَدِ الْمُشْتَرِي خَمْرًا فَقَالَ الْبَائِعُ: عِنْدَك صَارَ خَمْرًا وَقَالَ الْمُشْتَرِي: بَلْ عِنْدَك كَانَ خَمْرًا وَأَمْكَنَ كُلٌّ مِنْ الْأَمْرَيْنِ صُدِّقَ الْبَائِعُ بِيَمِينِهِ لِمُوَافَقَتِهِ لِلْأَصْلِ مِنْ اسْتِمْرَارِ الْعَقْدِ.
وَيُسْتَثْنَى مِنْ كَلَامِهِ مَسْأَلَتَانِ: الْأُولَى: مَا لَوْ ادَّعَى الْمُشْتَرِي وُجُودَ عَيْبَيْنِ فِي يَدِ الْبَائِعِ فَاعْتَرَفَ بِأَحَدِهِمَا، وَادَّعَى حُدُوثَ الْآخَرِ فِي يَدِ الْمُشْتَرِي كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَ الْمُشْتَرِي؛ لِأَنَّ الرَّدَّ يَثْبُتُ بِإِقْرَارِ الْبَائِعِ بِأَحَدِهِمَا فَلَا يَبْطُلُ بِالشَّكِّ كَمَا نَقَلَهُ ابْنُ الْأُسْتَاذِ فِي شَرْحِ الْوَسِيطِ عَنْ النَّصِّ.
قَالَ ابْنُ الرِّفْعَةِ: وَلَا بُدَّ مِنْ يَمِينِ الْمُشْتَرِي، فَإِنْ نَكَلَ لَمْ تُرَدَّ عَلَى الْبَائِعِ؛ لِأَنَّهَا إنَّمَا تُرَدُّ إذَا كَانَتْ تُثْبِتُ لِلْمَرْدُودِ عَلَيْهِ حَقًّا وَلَا حَقَّ لَهُ هُنَا، وَلَكِنْ لَا يَثْبُتُ لِلْمُشْتَرِي الرَّدُّ.
الثَّانِيَةِ: لَوْ اشْتَرَى شَيْئًا غَائِبًا وَكَانَ قَدْ رَآهُ وَأَبْرَأَ الْبَائِعَ مِنْ عَيْبٍ بِهِ ثُمَّ أَتَاهُ بِهِ فَقَالَ الْمُشْتَرِي: قَدْ زَادَ الْعَيْبُ وَأَنْكَرَ الْبَائِعُ، فَإِنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ الْمُشْتَرِي عَلَى الْأَصَحِّ الْمَنْصُوصِ؛ لِأَنَّ الْبَائِعَ يَدَّعِي عَلَيْهِ عِلْمَهُ بِهَذِهِ الصِّفَةِ فَلَمْ يُقْبَلْ كَادِّعَائِهِ اطِّلَاعِهِ

عَلَى حَسَبِ جَوَابِهِ.

وَالزِّيَادَةُ الْمُتَّصِلَةُ كَالسِّمَنِ تَتْبَعُ الْأَصْلَ، وَالْمُنْفَصِلَةُ كَالْوَلَدِ وَالْأُجْرَةِ لَا تَمْنَعُ الرَّدَّ، وَهِيَ لِلْمُشْتَرِي إنْ رَدَّ بَعْدَ الْقَبْضِ

[مغني المحتاج]

عَلَى الْعَيْبِ ذَكَرَاهُ فِي بَيْعِ الْغَائِبِ، وَلَوْ اخْتَلَفَا فِي وُجُودِ الْعَيْبِ أَوْ صِفَتِهِ هَلْ هِيَ عَيْبٌ أَوْ لَا؟ صُدِّقَ الْبَائِعُ بِيَمِينِهِ، لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الْعَيْبِ وَدَوَامُ الْعَقْدِ هَذَا إذَا لَمْ يَعْرِفْ الْحَالَ مِنْ غَيْرِهِمَا، فَإِنْ عَرَفَ مِنْ غَيْرِهِمَا فَلَا بُدَّ مِنْ قَوْلِ عَدْلَيْنِ عَارِفَيْنِ بِذَلِكَ كَمَا جَزَمَ بِهِ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ وَتَبِعَهُمْ ابْنُ الْمُقْرِي وَقِيلَ يَكْفِي كَمَا قَالَهُ الْبَغَوِيّ وَلَمْ يُرَجِّحْ الشَّيْخَانِ شَيْئًا مِنْ الْمَقَالَتَيْنِ، وَإِذَا حَلَفَ الْبَائِعُ يَحْلِفُ (عَلَى حَسَبِ) بِفَتْحِ السِّينِ: أَيْ مِثْلِ (جَوَابِهِ) فَإِنْ قَالَ فِي جَوَابِهِ: لَيْسَ لَهُ الرَّدُّ بِالْعَيْبِ الَّذِي ذَكَرَهُ أَوْ لَا يَلْزَمُنِي قَبُولُهُ حَلَفَ عَلَى ذَلِكَ، وَلَا يَكْفِي فِي الْجَوَابِ التَّعَرُّضُ لِعَدَمِ الْعَيْبِ وَقْتَ الْقَبْضِ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ الْمُشْتَرِي عَلِمَ الْعَيْبَ وَرَضِيَ بِهِ، فَلَوْ قَالَ الْبَائِعُ عَلِمَ الْمُشْتَرِي الْعَيْبَ وَرَضِيَ بِهِ كُلِّفَ الْبَيِّنَةَ عَلَى ذَلِكَ، وَإِنْ قَالَ فِي جَوَابِهِ: مَا أَقْبَضْتُهُ إلَّا سَلِيمًا مِنْ الْعَيْبِ حَلَفَ كَذَلِكَ، وَلَا يَكْفِي فِي الْجَوَابِ وَالْحَلِفِ مَا عَلِمْتُ بِهِ هَذَا الْعَيْبِ عِنْدِي، وَيَجُوزُ الْحَلِفُ عَلَى الْبَتِّ اعْتِمَادًا عَلَى ظَاهِرِ السَّلَامَةِ إذَا لَمْ يَعْلَمْ أَوْ يَظُنَّ خِلَافَهُ، وَلَوْ ادَّعَى الْبَائِعُ عِلْمَ الْمُشْتَرِي بِالْعَيْبِ أَوْ تَقْصِيرَهُ فِي الرَّدِّ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُشْتَرِي.
قَالَ الدَّارِمِيُّ: هَذَا إذَا كَانَ مِثْلُ الْعَيْبِ يَخْفَى عَلَى الْمُشْتَرِي: أَيْ عِنْدَ الرُّؤْيَةِ، فَإِنْ كَانَ لَا يَخْفَى كَقَطْعِ أَنْفِهِ أَوْ يَدِهِ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْبَائِعِ.

(وَالزِّيَادَةُ الْمُتَّصِلَةُ) بِالْمَبِيعِ أَوْ الثَّمَنِ (كَالسِّمَنِ) وَكِبَرِ الشَّجَرَةِ وَتَعَلُّمِ الصَّنْعَةِ وَالْقُرْآنِ (تَتْبَعُ الْأَصْلَ) فِي الرَّدِّ لِعَدَمِ إمْكَانِ إفْرَادِهَا؛ وَلِأَنَّ الْمِلْكَ قَدْ تَجَدَّدَ بِالْفَسْخِ فَكَانَتْ الزِّيَادَةُ الْمُتَّصِلَةُ فِيهِ تَابِعَةً لِلْأَصْلِ كَالْعَقْدِ (وَالْمُنْفَصِلَةُ) عَيْنًا وَمَنْفَعَةً (كَالْوَلَدِ وَالْأُجْرَةِ) وَكَسْبِ الرَّقِيقِ وَالرِّكَازِ الَّذِي يَجِدُهُ وَمَا وُهِبَ لَهُ فَقَبِلَهُ وَقَبَضَهُ وَمَا وُصِّيَ لَهُ بِهِ فَقَبِلَهُ وَمَهْرُ الْجَارِيَةِ إذَا وُطِئَتْ بِشُبْهَةٍ (لَا تَمْنَعُ الرَّدَّ) بِالْعَيْبِ عَمَلًا بِمُقْتَضَى الْعَيْبِ.
نَعَمْ وَلَدُ الْأَمَةِ الَّذِي لَمْ يُمَيِّزْ يَمْنَعُ الرَّدَّ لِحُرْمَةِ التَّفْرِيقِ بَيْنَهُمَا عَلَى الْأَصَحِّ الْمَنْصُوصِ خِلَافًا لِمَا جَرَى عَلَيْهِ ابْنُ الْمُقْرِي هُنَا، وَتَقَدَّمَ فِي الْمَنَاهِي التَّنْبِيهُ عَلَيْهِ (وَهِيَ) أَيْ الزِّيَادَةُ الْمُنْفَصِلَةُ مِنْ الْبَيْعِ (لِلْمُشْتَرِي) وَمِنْ الثَّمَنِ لِلْبَائِعِ (إنْ رَدَّ) الْمَبِيعَ فِي الْأُولَى وَالثَّمَنَ فِي الثَّانِيَةِ (بَعْدَ الْقَبْضِ) سَوَاءٌ أَحَدَثَ بَعْدَ الْقَبْضِ أَمْ قَبْلَهُ لِمَا رُوِيَ «أَنَّ رَجُلًا ابْتَاعَ مِنْ آخَرَ غُلَامًا فَأَقَامَ عِنْدَهُ مَا شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ وَجَدَ بِهِ عَيْبًا فَخَاصَمَهُ إلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَرَدَّهُ عَلَيْهِ، فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ: قَدْ اسْتَعْمَلَ غُلَامِي، فَقَالَ: الْخَرَاجُ بِالضَّمَانِ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ وَالْحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ، وَمَعْنَاهُ أَنَّ فَوَائِدَ الْمَبِيعِ لِلْمُشْتَرِي فِي مُقَابَلَةِ أَنَّهُ لَوْ تَلِفَ كَانَ مِنْ ضَمَانِهِ، وَقِيسَ

وَكَذَا قَبْلَهُ فِي الْأَصَحِّ.

وَلَوْ بَاعَهَا حَامِلًا فَانْفَصَلَ رَدَّهُ مَعَهَا فِي الْأَظْهَرِ.

[مغني المحتاج]

عَلَى الْمَبِيعِ الثَّمَنُ.
فَإِنْ قِيلَ: الْمَغْصُوبُ وَالْمَبِيعُ قَبْلَ قَبْضِهِ لَوْ تَلِفَ تَحْتَ ذِي الْيَدِ ضَمِنَهُ وَلَيْسَ لَهُ خَرَاجُهُ؟ . أُجِيبَ بِأَنَّ الضَّمَانَ هُنَا مُعْتَبَرٌ بِالْمِلْكِ؛ لِأَنَّهُ الضَّمَانُ الْمَعْهُودُ فِي الْخَبَرِ، وَوُجُوبُ الضَّمَانِ عَلَى ذِي الْيَدِ فِيمَا ذُكِرَ لَيْسَ لِكَوْنِهِ مِلْكَهُ، بَلْ لِوَضْعِ يَدِهِ عَلَى مِلْكِ غَيْرِهِ بِطَرِيقٍ مُضَمَّنٍ (وَكَذَا) إنْ رَدَّهُ (قَبْلَهُ فِي الْأَصَحِّ) بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْفَسْخَ يَرْفَعُ الْعَقْدَ مِنْ حِينِهِ، وَهُوَ الْأَصَحُّ، وَمُقَابِلُهُ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّهُ يَرْفَعُهُ مِنْ أَصْلِهِ.
تَنْبِيهٌ إنَّمَا جَمَعَ الْمُصَنِّفُ فِي التَّمْثِيلِ بَيْنَ الْأُجْرَةِ وَالْوَلَدِ لِيُعَرِّفكَ أَنَّهُ لَا فَرْقَ فِي عَدَمِ امْتِنَاعِ الرَّدِّ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ مِنْ نَفْسِ الْمَبِيعِ كَالْوَلَدِ أَمْ لَا كَالْأُجْرَةِ خِلَافًا لِأَبِي حَنِيفَةَ فِيمَا إذَا كَانَ مِنْ نَفْسِ الْمَبِيعِ، وَإِنَّمَا مَثَّلَ لِلْمُتَوَلِّدِ مِنْ نَفْسِ الْمَبِيعِ بِالْوَلَدِ بِخِلَافِ الثَّمَرَةِ وَغَيْرِهَا لِيُعَرِّفكَ أَنَّهَا تَبْقَى لَهُ وَإِنْ كَانَتْ مِنْ جِنْسِ الْأَصْلِ خِلَافًا لِمَالِكٍ، قَالَهُ الْإِسْنَوِيُّ قَالَ: وَهُوَ مِنْ مَحَاسِنِ كَلَامِهِ.

(وَلَوْ بَاعَهَا) أَيْ الْجَارِيَةَ أَوْ الْبَهِيمَةَ (حَامِلًا) وَهِيَ مَعِيبَةٌ مَثَلًا (فَانْفَصَلَ) الْحَمْلُ (رَدَّهُ مَعَهَا) إنْ لَمْ تَنْقُصْ بِالْوِلَادَةِ (فِي الْأَظْهَرِ) بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْحَمْلَ يُعْلَمُ وَيُقَابَلُ بِقِسْطٍ مِنْ الثَّمَنِ.
وَالثَّانِي: لَا بِنَاءً عَلَى مُقَابِلِهِ.
أَمَّا إذَا نَقَصَتْ بِالْوِلَادَةِ فَإِنَّهُ يَمْتَنِعُ عَلَيْهِ الرَّدُّ قَهْرًا كَسَائِرِ الْعُيُوبِ الْحَادِثَةِ.
نَعَمْ إنْ جَهِلَ الْحَمْلَ وَاسْتَمَرَّ إلَى الْوَضْعِ فَلَهُ الرَّدُّ لِمَا مَرَّ أَنَّ الْحَادِثَ بِسَبَبٍ مُتَقَدِّمٍ كَالْمُتَقَدِّمِ وَلَوْ انْفَصَلَ قَبْلَ الْقَبْضِ فَلِلْبَائِعِ حَبْسُهُ لِاسْتِيفَاءِ الثَّمَنِ وَلَيْسَ لِلْمُشْتَرِي بَيْعُهُ قَبْلَ الْقَبْضِ كَأُمِّهِ، وَاحْتُرِزَ بِقَوْلِهِ: فَانْفَصَلَ عَمَّا إذَا لَمْ يَنْفَصِلْ فَإِنَّهُ يَرُدُّهَا كَذَلِكَ، وَلَوْ حَدَثَ الْحَمْلُ فِي مِلْكِهِ لَمْ يَتْبَعْ فِي الرَّدِّ بَلْ هُوَ لَهُ يَأْخُذُهُ إذَا انْفَصَلَ، وَعَلَيْهِ قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ، وَغَيْرُهُ: وَلَهُ حَبْسُ أَمَتِهِ حَتَّى تَضَعَ اهـ. وَحُدُوثُ حَمْلِ الْأَمَةِ بَعْدَ الْقَبْضِ يَمْنَعُ الرَّدَّ قَهْرًا إنْ نَقَصَتْ بِهِ، وَالطَّلْعُ كَالْحَمْلِ، وَالتَّأْبِيرُ كَالْوَضْعِ، فَإِذَا اشْتَرَى نَخْلَةً عَلَيْهَا طَلْعٌ غَيْرُ مُؤَبَّرٍ وَعَلِمَ عَيْبَهَا بَعْدَ التَّأْبِيرِ، فَالصَّحِيحُ أَنَّهَا عَلَى الْقَوْلَيْنِ، وَالصُّوفُ الْمَوْجُودُ عِنْدَ الْعَقْدِ يُرَدُّ مَعَ الْأَصْلِ، وَإِنْ جَزَّهُ؛ لِأَنَّهُ جُزْءٌ مِنْ الْمَبِيعِ، وَيَرُدُّ أَيْضًا الْحَادِثَ بَعْدَ الْعَقْدِ مَا لَمْ يُجَزَّ، فَإِنْ جُزَّ لَمْ يُرَدَّ كَالْوَلَدِ الْمُنْفَصِلِ، وَهَذَا مَا فِي فَتَاوَى الْقَاضِي وَجَرَى عَلَيْهِ الْخُوَارِزْمِيُّ وَجَزَمَ بِهِ فِي أَصْلِ الرَّوْضَةِ، وَلَكِنْ كَانَ قِيَاسُ الْحَمْلِ أَنَّ مَا لَمْ يُجَزَّ لَا يُرَدُّ أَيْضًا، وَبِهِ جَزَمَ الْقَاضِي فِي تَعْلِيقِهِ وَأَلْحَقَ بِهِ اللَّبَنَ الْحَادِثَ، وَالْأَوَّلُ وَإِنْ وُجِّهَ بِأَنَّهُ كَالسَّمْنِ فَالثَّانِي كَمَا قَالَ شَيْخُنَا أَوْجَهُ، وَعَلَيْهِ اقْتَصَرَ ابْنُ الرِّفْعَةِ.
وَقَالَ الْبُلْقِينِيُّ: إنَّهُ الْأَصْوَبُ وَالْحَادِثُ مِنْ أُصُولِ الْكُرَّاثِ وَنَحْوِهِ التَّابِعَةِ لِلْأَرْضِ فِي بَيْعِهَا لِلْمُشْتَرِي؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ تَبَعًا لِلْأَرْضِ: أَلَا تَرَى أَنَّ

وَلَا يَمْنَعُ الرَّدُّ الِاسْتِخْدَامَ وَوَطْءَ الثَّيِّبِ، وَافْتِضَاضُ الْبِكْرِ بَعْدَ الْقَبْضِ نَقْصٌ حَدَثَ وَقَبْلَهُ جِنَايَةٌ عَلَى الْمَبِيعِ قَبْلَ الْقَبْضِ.

[مغني المحتاج]

الظَّاهِرَ مِنْهَا فِي ابْتِدَاءِ الْبَيْعِ لَا يَدْخُلُ فِيهِ.

(وَلَا يَمْنَعُ الرَّدُّ الِاسْتِخْدَامَ) إجْمَاعًا (وَ) لَا (وَطْءَ الثَّيِّبِ) أَوْ الْعَوَرُ مَعَ بَقَاءِ بَكَارَتِهَا مِنْ مُشْتَرٍ أَوْ غَيْرِهِ وَإِنْ حُرِّمَتْ بِالْوَطْءِ عَلَى الْبَائِعِ كَوَطْءِ أَصْلِهِ أَوْ فَرْعِهِ كَمَا مَرَّتْ الْإِشَارَةُ إلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ إلْمَامٌ مِنْ غَيْرِ إيلَامٍ فَلَا يَمْنَعُ الرَّدُّ كَالِاسْتِخْدَامِ.
هَذَا إذَا وَطِئَهَا الْمُشْتَرِي أَوْ غَيْرُهُ بِشُبْهَةٍ أَوْ مُكْرَهَةً.
أَمَّا إذَا كَانَتْ زَانِيَةً فَهُوَ عَيْبٌ حَادِثٌ يَمْنَعُ الرَّدَّ إذَا كَانَ بَعْدَ الْقَبْضِ (وَاقْتِضَاضُ الْبِكْرِ) بِالْقَافِ: أَيْ زَوَالُ بَكَارَتِهَا مِنْ الْمُشْتَرِي أَوْ غَيْرِهِ وَلَوْ بِوَثْبَةٍ، وَلَوْ عَبَّرَ بِهِ كَانَ أَوْلَى لِيَشْمَلَ مَا ذَكَرَ (بَعْدَ الْقَبْضِ نَقْصٌ حَدَثَ) فَيَمْنَعُ الرَّدَّ كَسَائِرِ الْعُيُوبِ الْحَادِثَةِ، إلَّا إنْ كَانَ بِزَوَاجٍ سَابِقٍ كَمَا مَرَّ (وَقَبْلَهُ جِنَايَةٌ عَلَى الْمَبِيعِ قَبْلَ الْقَبْضِ) فَيَفْصِلُ فِيهِ بَيْنَ الْأَجْنَبِيِّ وَالْبَائِعِ وَالْمُشْتَرِي وَالْآفَةِ السَّمَاوِيَّةِ، فَإِنْ كَانَ مِنْ الْمُشْتَرِي فَلَا رَدَّ لَهُ بِالْعَيْبِ وَاسْتَقَرَّ عَلَيْهِ مِنْ الثَّمَنِ بِقَدْرِ مَا نَقَصَ مِنْ قِيمَتِهَا، فَإِنْ قَبَضَهَا لَزِمَهُ الثَّمَنُ بِكَمَالِهِ، وَإِنْ تَلِفَتْ قَبْلَ قَبْضِهَا لَزِمَهُ قَدْرُ النَّقْصِ مِنْ الثَّمَنِ، أَوْ كَانَ مِنْ غَيْرِهِ وَأَجَازَ هُوَ الْبَيْعَ فَلَهُ الرَّدُّ بِالْعَيْبِ.
ثُمَّ إنْ كَانَ زَوَالُهَا مِنْ الْبَائِعِ أَوْ بِآفَةٍ أَوْ بِزَوَاجٍ سَابِقٍ فَهَدَرٌ، أَوْ مِنْ أَجْنَبِيٍّ فَعَلَيْهِ الْأَرْشُ إنْ زَالَتْ بِلَا وَطْءٍ أَوْ بِوَطْءِ زِنًا مِنْهَا، وَإِلَّا لَزِمَهُ مَهْرُ بِكْرٍ مِثْلِهَا بِلَا إفْرَادِ أَرْشٍ وَيَكُونُ لِلْمُشْتَرِي.
لَكِنَّهُ إنْ رَدَّ بِالْعَيْبِ سَقَطَ مِنْهُ قَدْرُ الْأَرْشِ، وَمَا ذُكِرَ مِنْ وُجُوبِ مَهْرِ بِكْرٍ هُنَا لَا يُخَالِفُ مَا فِي الْغَصْبِ وَالدِّيَاتِ مِنْ وُجُوبِ مَهْرِ ثَيِّبٍ وَأَرْشِ بَكَارَةٍ؛ لِأَنَّ مِلْكَ الْمَالِكِ هُنَا ضَعِيفٌ فَلَا يَحْتَمِلُ شَيْئَيْنِ بِخِلَافِهِ ثَمَّ.
وَلِهَذَا لَمْ يُفَرِّقُوا ثَمَّ بَيْنَ الْحُرَّةِ وَالْأَمَةِ وَلَا مَا فِي آخِرِ الْبُيُوعِ الْمَنْهِيِّ عَنْهَا فِي الْمَبِيعَةِ بَيْعًا فَاسِدًا مِنْ وُجُوبِ مَهْرِ بِكْرٍ وَأَرْشٍ لِوُجُودِ الْعَقْدِ الْمُخْتَلَفِ فِي حُصُولِ الْمِلْكِ بِهِ ثَمَّ كَمَا فِي النِّكَاحِ الْفَاسِدِ بِخِلَافِهِ فِيمَا ذُكِرَ: أَيْ فَإِنَّ فَاسِدَ كُلِّ عَقْدٍ كَصَحِيحِهِ فِي الضَّمَانِ وَعَدَمِهِ، وَأَرْشُ الْبَكَارَةِ مَضْمُونٌ فِي صَحِيحِ الْبَيْعِ فَيَجِبُ أَرْشُ بَكَارَةٍ فِي الْبَيْعِ الْفَاسِدِ كَمَا يَجِبُ فِي الْبَيْعِ الصَّحِيحِ وَلَا يَجِبُ فِي النِّكَاحِ الْفَاسِدِ كَمَا لَا يَجِبُ فِي صَحِيحِهِ؛ لِأَنَّ الْمُشْتَرِي لَوْ أَزَالَ بَكَارَتَهَا بِوَطْءٍ أَوْ غَيْرِهِ فِي الْبَيْعِ الصَّحِيحِ ثُمَّ اطَّلَعَ عَلَى عَيْبٍ لَمْ يَكُنْ لَهُ الرَّدُّ بِغَيْرِ أَرْشِ الْبَكَارَةِ، وَلَوْ أَزَالَهَا بِأُصْبُعِهِ فِي النِّكَاحِ الصَّحِيحِ ثُمَّ طَلَّقَهَا لَا شَيْءَ عَلَيْهِ، فَالتَّشْبِيهُ مِنْ حَيْثُ إنَّ فَاسِدَ كُلِّ عَقْدٍ كَصَحِيحِهِ لَا أَنَّ النِّكَاحَ الْفَاسِدَ فِيهِ أَرْشُ بَكَارَةٍ كَمَا قَدْ يُتَوَهَّمُ.
تَتِمَّةٌ: مَنْ عَلِمَ فِي السِّلْعَةِ عَيْبًا لَمْ يَحِلَّ لَهُ أَنْ يَبِيعَهَا حَتَّى يُبَيِّنَهُ حَذَرًا مِنْ الْغِشِّ،

فَصْلٌ التَّصْرِيَةِ حَرَامٌ

[مغني المحتاج]

لِخَبَرِ الشَّيْخَيْنِ «مَنْ غَشَّنَا فَلَيْسَ مِنَّا» وَلِحَدِيثِ «الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ لَا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ بَاعَ مِنْ أَخِيهِ شَيْئًا يَعْلَمُ بِهِ عَيْبًا إلَّا بِبَيِّنَةٍ» أَيْ فَيَجِبُ عَلَى الْبَائِعِ أَنْ يُعْلِمَ الْمُشْتَرِيَ بِالْعَيْبِ، وَلَوْ حَدَثَ بَعْدَ الْبَيْعِ وَقَبْلَ الْقَبْضِ فَإِنَّهُ مِنْ ضَمَانِهِ، بَلْ وَعَلَى غَيْرِ الْبَائِعِ إذَا عَلِمَ بِالْعَيْبِ أَنْ يُبَيِّنَهُ لِمَنْ يَشْتَرِيهِ سَوَاءٌ أَكَانَ الْمُشْتَرِي مُسْلِمًا أَمْ كَافِرًا؛ لِأَنَّهُ مِنْ بَابِ النُّصْحِ، وَكَالْعَيْبِ فِي ذَلِكَ كُلُّ مَا يَكُونُ تَدْلِيسًا.

[فَصْلٌ التَّصْرِيَةُ]

ثُمَّ شَرَعَ فِي الْأَمْرِ الثَّالِثَ وَهُوَ مَا يُظَنُّ حُصُولُهُ بِالتَّغْرِيرِ الْفِعْلِيِّ مُصَرِّحًا بِحُكْمِهِ فَقَالَ: فَصْلٌ: التَّصْرِيَةُ وَهِيَ أَنْ يَتْرُكَ الْبَائِعُ حَلْبُ النَّاقَةِ أَوْ غَيْرِهَا عَمْدًا مُدَّةِ قَبْلَ بَيْعِهَا لِيُوهِمَ الْمُشْتَرِيَ كَثْرَةَ اللَّبَنِ (حَرَامٌ) لِلتَّدْلِيسِ عَلَى الْمُشْتَرِي، وَلِخَبَرِ الصَّحِيحَيْنِ «لَا تُصَرُّوا الْإِبِلَ وَالْغَنَمَ فَمَنْ

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

[مغني المحتاج]

ابْتَاعَهَا بَعْدَ ذَلِكَ: أَيْ النَّهْيِ فَهُوَ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ بَعْدَ أَنْ يَحْلِبَهَا إنْ رَضِيَهَا أَمْسَكَهَا وَإِنْ سَخِطَهَا رَدَّهَا وَصَاعًا مِنْ تَمْرٍ» وَقِيسَ بِالْإِبِلِ وَالْغَنَمِ غَيْرُهُمَا بِجَامِعِ التَّدْلِيسِ وَتُصَرُّوا بِوَزْنِ تُزَكُّوا مِنْ صَرَّ الْمَاءَ فِي الْحَوْضِ جَمَعَهُ، وَتُسَمَّى الْمُصَرَّاةُ الْمُحَفَّلَةَ أَيْضًا بِحَاءٍ مُهْمَلَةٍ وَفَاءٍ مُشَدَّدَةٍ مِنْ الْحَفْلِ وَهُوَ الْجَمْعُ.
وَمِنْهُ قِيلَ لِلْجَمْعِ مَحْفَلٌ بِفَتْحِ الْمِيمِ.
تَنْبِيهٌ: قَضِيَّةُ إطْلَاقِ الْمُصَنِّفِ أَنَّهُ لَا فَرْقَ فِي التَّحْرِيمِ بَيْنَ أَنْ يَقْصِدَ الْبَيْعَ أَمْ لَا، وَبِهِ

تُثْبِتُ الْخِيَارَ عَلَى الْفَوْرِ، وَقِيلَ يَمْتَدُّ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، فَإِنْ رَدَّ بَعْدَ تَلَفِ اللَّبَنِ رَدَّ مَعَهَا صَاعَ تَمْرٍ، وَقِيلَ يَكْفِي صَاعُ قُوتٍ،

[مغني المحتاج]

صَرَّحَ صَاحِبُ التَّتِمَّةِ وَعَلَّلَهُ بِأَنَّهُ مُضِرٌّ لِلْحَيَوَانِ، وَتَعْلِيلُ الرَّافِعِيِّ بِالتَّدْلِيسِ يَقْتَضِي اخْتِصَاصَهُ بِمَا إذَا أَرَادَ الْبَيْعَ، وَبِهِ صَرَّحَ الدَّارِمِيُّ، وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى مَا لَمْ يَحْصُلْ بِهِ ضَرَرٌ (تُثْبِتُ الْخِيَارَ) لِلْجَاهِلِ بِهَا إذَا عَلِمَ بِهَا بَعْدَ ذَلِكَ الْخَبَرِ السَّابِقِ وَهُوَ (عَلَى الْفَوْرِ) كَخِيَارِ الْعَيْبِ (وَقِيلَ يَمْتَدُّ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ) مِنْ الْعَقْدِ وَلَوْ مَعَ الْعِلْمِ بِهَا لِخَبَرِ مُسْلِمٍ «مَنْ اشْتَرَى مُصَرَّاةً فَهُوَ بِالْخِيَارِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ» وَهَذَا مَا نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِي الْإِمْلَاءِ كَمَا نَقَلَهُ الرُّويَانِيُّ وَصَحَّحَهُ جَمْعٌ كَثِيرٌ مِنْ الْأَصْحَابِ، وَقَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ فِي شَرْحِ الْعُدَّةِ: إنَّهُ الصَّوَابُ.
وَأَجَابَ الْقَائِلُونَ بِالْأَوَّلِ عَنْ الْحَدِيثِ بِأَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى الْغَالِبِ، إذْ التَّصْرِيَةُ لَا تَظْهَرُ غَالِبًا فِيمَا دُونَ الثَّلَاثِ لِإِحَالَةِ نَقْصِ اللَّبَنِ قَبْلَ تَمَامِهَا عَلَى اخْتِلَافِ الْعَلَفِ أَوْ الْمَأْوَى أَوْ تَبَدُّلِ الْأَيْدِي أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ.
تَنْبِيهٌ: قَضِيَّةُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ عَدَمُ ثُبُوتِ الْخِيَارِ إذَا تَرَكَ حَلْبَهَا نَاسِيًا أَوْ تَحَفَّلَتْ بِنَفْسِهَا، وَبِهِ قَطَعَ الْغَزَالِيُّ وَالْحَاوِي الصَّغِيرُ لِعَدَمِ التَّدْلِيسِ، وَالْمُعْتَمَدُ ثُبُوتُهُ كَمَا صَحَّحَهُ الْبَغَوِيّ وَقَطَعَ بِهِ الْقَاضِي لِحُصُولِ الضَّرَرِ، وَلَوْ زَادَ اللَّبَنُ بِقَدْرِ مَا أَشْعَرَتْ بِهِ التَّصْرِيَةُ وَاسْتَمَرَّ فَلَا خِيَارَ لِزَوَالِ الْمُقْتَضِي لَهُ، وَإِذَا عَلِمَ الْمُشْتَرِي بِالتَّصْرِيَةِ بَعْدَ الْحَلْبِ وَأَرَادَ رَدَّهَا (فَإِنْ رَدَّ) هَا (بَعْدَ تَلَفِ اللَّبَنِ) أَوْ لَمْ يَتَرَاضَيَا عَلَى رَدِّهِ (رَدَّ مَعَهَا صَاعَ تَمْرٍ) وَإِنْ زَادَتْ قِيمَتُهُ عَلَى قِيمَتِهَا بَدَلَ اللَّبَنِ الْمَوْجُودِ حَالَةَ الْعَقْدِ لِلْخَبَرِ السَّابِقِ، وَالْعِبْرَةُ بِغَالِبِ تَمْرِ الْبَلَدِ كَالْفِطْرَةِ.
تَنْبِيهٌ: قَوْلُهُ: بَعْدَ تَلَفِ اللَّبَنِ يَقْتَضِي أَنَّهُ لَا يَجِبُ رَدُّ الصَّاعِ بَعْدَ الْحَلْبِ وَقَبْلَ التَّلَفِ وَلَيْسَ مُرَادًا، فَإِنَّهُ إذَا كَانَ اللَّبَنُ مَوْجُودًا وَطَلَبَ الْبَائِعُ رَدَّهُ لَمْ يُجْبَرْ الْمُشْتَرِي عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ مَا حَدَثَ مِنْهُ بَعْدَ الْبَيْعِ مِلْكٌ لَهُ، وَإِنْ طَلَبَهُ الْمُشْتَرِي لَمْ يُكَلَّفْ الْبَائِعُ قَبُولَهُ، وَإِنْ لَمْ يَتَغَيَّرْ لِذَهَابِ طَرَاوَتِهِ، فَلَوْ عَبَّرَ بِقَوْلِهِ بَعْدَ الْحَلْبِ كَانَ أَوْلَى وَاسْتَغْنَى عَمَّا قَدَّرْتُهُ فِي كَلَامِهِ، فَإِنْ عَلِمَ بِهَا قَبْلَ الْحَلْبِ رَدَّهَا وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ (وَقِيلَ يَكْفِي صَاعُ قُوتٍ) ؛ لِأَنَّهُ وَرَدَ فِي رِوَايَةٍ ذِكْرُ التَّمْرِ كَمَا مَرَّ وَفِي رِوَايَةٍ ذِكْرُ الطَّعَامِ كَمَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ، وَفِي رِوَايَةٍ ذِكْرُ الْقَمْحَ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى اعْتِبَارِ الْقُوتِ مُطْلَقًا، وَعَلَى هَذَا هَلْ يَتَخَيَّرُ بَيْنَ الْأَقْوَاتِ أَوْ يَتَعَيَّنُ؟ الْغَالِبُ، كَلَامُ الْمُصَنِّفِ يَقْتَضِي الْأَوَّلَ وَهُوَ وَجْهٌ، وَالْأَصَحُّ الثَّانِي، وَعَلَى تَعَيُّنِ التَّمْرِ لَوْ تَرَاضَيَا بِغَيْرِ صَاعِ تَمْرٍ مِنْ مِثْلِيٍّ أَوْ مُتَقَوِّمٍ جَازَ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ لَهُمَا لَا يَعْدُوهُمَا بَلْ الظَّاهِرُ كَمَا قَالَ

وَالْأَصَحُّ أَنَّ الصَّاعَ لَا يَخْتَلِفُ بِكَثْرَةِ اللَّبَنِ وَأَنَّ خِيَارَهَا لَا يَخْتَصُّ بِالنَّعَمِ بَلْ يَعُمُّ كُلَّ مَأْكُولٍ وَالْجَارِيَةَ وَالْأَتَانَ، وَلَا يَرُدُّ مَعَهُمَا شَيْئًا، وَفِي الْجَارِيَةِ وَجْهٌ،

[مغني المحتاج]

الزَّرْكَشِيُّ: أَنَّهُمَا لَوْ تَرَاضَيَا عَلَى الرَّدِّ بِغَيْرِ شَيْءٍ جَازَ.
فَإِنْ قِيلَ: لِمَ تَعَيَّنَ التَّمْرُ هُنَا وَلَمْ يَجُزْ الْعُدُولُ عَنْهُ إلَى غَيْرِهِ بِغَيْرِ رِضًا وَإِنْ كَانَ أَعْلَى مِنْهُ فِي الْقِيمَةِ وَالِاقْتِيَاتِ بِخِلَافِ الْفِطْرَةِ؟ . . أُجِيبَ بِأَنَّ الْمَقْصُودَ هُنَا قَطْعُ النِّزَاعِ مَعَ ضَرْبِ تَعَبُّدٍ وَالْمَقْصُودَ فِي الْفِطْرَةِ سَدُّ الْخَلَّةِ، فَإِنْ تَعَذَّرَ عَلَيْهِ التَّمْرُ فَقِيمَتُهُ بِالْمَدِينَةِ كَمَا نَقَلَهُ الشَّيْخَانِ عَنْ الْمَاوَرْدِيُّ وَهُوَ أَحَدُ وَجْهَيْنِ لَهُ، وَجَرَى عَلَيْهِ ابْنُ الْمُقْرِي وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ، وَالْوَجْهُ الْآخَرُ قِيمَتُهُ فِي أَقْرَبِ بِلَادِ التَّمْرِ إلَيْهِ وَصَحَّحَهُ السُّبْكِيُّ وَالْأَذْرَعِيُّ وَغَيْرُهُمَا، وَلَوْ اشْتَرَى مُصَرَّاةً بِصَاعٍ مِنْ تَمْرٍ رَدَّهَا وَصَاعَ تَمْرٍ إنْ شَاءَ وَاسْتَرَدَّ صَاعَهُ.
قَالَ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ: لِأَنَّ الرِّبَا لَا يُؤَثِّرُ فِي الْفُسُوخِ، وَلَوْ تَعَدَّدَتْ الْمُصَرَّاةُ فِي عَقْدٍ تَعَدَّدَ الصَّاعُ بِعَدَدِهَا كَمَا نَصَّ عَلَيْهِ، وَلَوْ تَعَدَّدَ الْعَقْدُ بِتَعَدُّدِ الْبَائِعِ أَوْ الْمُشْتَرِي أَوْ بِتَفْصِيلِ الثَّمَنِ وَرَدِّ الْبَعْضِ بِعَيْبٍ هَلْ يَتَعَدَّدُ الصَّاعُ؟ لَمْ أَرَ مَنْ تَعَرَّضَ لَهُ، وَاَلَّذِي يَظْهَرُ تَعَدُّدُهُ؛ لِأَنَّهُمْ قَالُوا: إنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ قِلَّةِ اللَّبَنِ وَكَثْرَته، وَلَوْ رَضِيَ بِعَيْبِ التَّصْرِيَةِ بَعْدَ الْحَلْبِ ثُمَّ وَجَدَ بِهَا عَيْبًا آخَرَ، فَالْمَنْصُوصُ أَنَّهُ يَرُدُّهَا مَعَ بَدَلِ اللَّبَنِ، وَكَذَا لَوْ رَدَّ غَيْرَ الْمُصَرَّاةِ بَعْدَ حَلْبِهَا بِعَيْبٍ، فَإِنَّهُ يَرُدُّ مَعَهَا صَاعَ تَمْرٍ بَدَلَ اللَّبَنِ كَمَا جَزَمَ بِهِ الْبَغَوِيّ وَصَحَّحَهُ الْقَاضِي وَابْنُ الرِّفْعَةِ وَقِيلَ لَا يَرُدُّ؛ لِأَنَّهُ قَلِيلٌ غَيْرُ مُعْتَنًى بِجَمْعِهِ بِخِلَافِهِ فِي الْمُصَرَّاةِ (وَالْأَصَحُّ أَنَّ الصَّاعَ لَا يَخْتَلِفُ بِكَثْرَةِ اللَّبَنِ) وَقِلَّتِهِ لِظَاهِرِ الْخَبَرِ وَقَطْعًا لِلْخُصُومَةِ بَيْنَهُمَا كَمَا لَا تَخْتَلِفُ غُرَّةُ الْجَنِينِ بِاخْتِلَافِ ذُكُورَتِهِ وَأُنُوثَتِهِ وَلَا أَرْشُ الْمُوضِحَةِ مَعَ اخْتِلَافِهَا فِي الصِّغَرِ وَالْكِبَرِ.
وَالثَّانِي: يَخْتَلِفُ فَيُقَدَّرُ التَّمْرُ أَوْ غَيْرُهُ بِقَدْرِ اللَّبَنِ فَقَدْ يَزِيدُ عَلَى الصَّاعِ وَقَدْ يَنْقُصُ عَنْهُ (وَ) الْأَصَحُّ (أَنَّ خِيَارَهَا) أَيْ: الْمُصَرَّاةِ (لَا يَخْتَصُّ بِالنَّعَمِ) وَهِيَ الْإِبِلُ وَالْبَقَرُ وَالْغَنَمُ (بَلْ يَعُمُّ كُلَّ مَأْكُولٍ) مِنْ الْحَيَوَانِ (وَالْجَارِيَةِ وَالْأَتَانِ) بِالْمُثَنَّاةِ، وَهِيَ الْأُنْثَى مِنْ الْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ وَرَدَ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ " مَنْ اشْتَرَى مُصَرَّاةً " وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ " مَنْ اشْتَرَى مُحَفَّلَةً "؛ وَلِأَنَّ لَبَنَهَا مَقْصُودٌ لِلتَّرْبِيَةِ.
وَالثَّانِي: مُخْتَصٌّ بِالنَّعَمِ؛ لِأَنَّ غَيْرَهَا لَا يُقْصَدُ لَبَنُهُ إلَّا عَلَى نُذُورٍ (وَلَا يَرُدُّ مَعَهُمَا شَيْئًا) بَدَلَ اللَّبَنِ؛ لِأَنَّ لَبَنَ الْجَارِيَةِ لَا يُعْتَاضُ عَنْهُ غَالِبًا، وَلَبَنَ الْأَتَانِ نَجِسٌ لَا عِوَضَ لَهُ (وَفِي الْجَارِيَةِ وَجْهٌ) أَنَّهُ يَرُدُّ مَعَهَا بَدَلَ لَبَنِهَا؛ لِأَنَّهُ كَلَبَنِ النَّعَمِ فِي صِحَّةِ أَخْذِ الْعِوَضِ عَنْهُ، وَعَلَى هَذَا هَلْ يَرُدُّ بَدَلَهُ صَاعَ تَمْرٍ أَوْ قِيمَتَهُ مِنْ تَمْرٍ أَوْ قُوتٍ آخَرَ: وَجْهَانِ فِي النِّهَايَةِ، وَظَاهِرُ كَلَامِ الْمَتْنِ الْأَوَّلُ وَإِنَّ هَذَا الْوَجْهَ لَا يَجْرِي فِي الْأَتَانِ، وَطَرَدَهُ الْإِصْطَخْرِيُّ فِيهَا؛ لِأَنَّهُ عِنْدَهُ طَاهِرٌ مَشْرُوبٌ وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ أَنَّ رَدَّ الصَّاعِ جَازَ فِي كُلِّ مَأْكُولٍ.
قَالَ السُّبْكِيُّ: وَهُوَ

وَحَبْسُ مَاءِ الْقَنَاةِ، وَالرَّحَى الْمُرْسَلِ عِنْدَ الْبَيْعِ، وَتَحْمِيرُ الْوَجْهِ، وَتَسْوِيدُ الشَّعْرِ وَتَجْعِيدُهُ يُثْبِتُ الْخِيَارَ، لَا لَطْخُ ثَوْبِهِ تَخْيِيلًا لِكِتَابَتِهِ فِي الْأَصَحِّ.

[مغني المحتاج]

الصَّحِيحُ الْمَشْهُورُ وَاسْتَبْعَدَهُ الْأَذْرَعِيُّ فِي الْأَرْنَبِ وَالثَّعْلَبِ وَالضَّبُعِ وَنَحْوِهَا (وَحَبْسُ مَاءِ الْقَنَاةِ وَ) مَاءِ (الرَّحَى) الَّذِي يُدِيرُهَا لِلطَّحْنِ (الْمُرْسَلِ) مَاءُ كُلٍّ مِنْهُمَا (عِنْدَ الْبَيْعِ وَتَحْمِيرُ الْوَجْهِ) وَإِرْسَالُ الزُّنْبُورِ عَلَيْهِ لِيَظُنَّ بِالْجَارِيَةِ السِّمَنَ (وَتَسْوِيدُ الشَّعْرِ وَتَجْعِيدُهُ) الدَّالُّ عَلَى قُوَّةِ الْبَدَنِ، وَهُوَ الَّذِي فِيهِ الْتِوَاءٌ وَانْقِبَاضٌ لَا الْمُفَلْفَلُ كَشَعْرِ السُّودَانِ (يُثْبِتُ الْخِيَارَ) قِيَاسًا عَلَى الْمُصَرَّاةِ بِجَامِعِ التَّدْلِيسِ، وَقَضِيَّةُ إطْلَاقِهِ أَنَّهُ لَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ الْعَبْدِ وَالْأَمَةِ، وَهُوَ الظَّاهِرُ كَمَا قَالَهُ الْأَذْرَعِيُّ، وَإِنْ كَانَ فِي الرَّوْضَةِ وَأَصْلِهَا إنَّمَا ذَكَرَاهُ فِي الْجَارِيَةِ؛ لِأَنَّ الْجُعُودَةَ كَمَا قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ - وَمَرَّتْ الْإِشَارَةُ إلَيْهِ - تَدُلُّ عَلَى قُوَّةِ الْبَدَنِ، وَالسُّبُوطَةُ تَدُلُّ عَلَى ضَعْفِهِ.
تَنْبِيهٌ: قَضِيَّةُ تَعْبِيرِهِ بِالْحَبْسِ وَالتَّحْمِيرِ وَالتَّجْعِيدِ أَنَّ ذَلِكَ مَحِلُّهُ إذَا كَانَ بِفِعْلِ الْبَائِعِ أَوْ بِمُوَاطَأَتِهِ، وَبِهِ صَرَّحَ ابْنُ الرِّفْعَةِ، فَلَوْ تَجَعَّدَ الشَّعْرُ بِنَفْسِهِ فَكَمَا لَوْ تَحَفَّلَتْ بِنَفْسِهَا.
قَالَ الْإِسْنَوِيُّ: وَتَجْعِيدُ الشَّعْرِ مِنْ زِيَادَاتِ الْكِتَابِ عَلَى الْمُحَرَّرِ، وَلَعَلَّ نُسْخَةَ الْمُحَرَّرِ الَّتِي اطَّلَعَ عَلَيْهَا لَيْسَ فِيهَا ذَلِكَ وَإِلَّا فَهِيَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نُسَخِهِ كَمَا قَالَهُ غَيْرُهُ (لَا لَطْخُ ثَوْبِهِ) أَيْ الرَّقِيقِ بِمِدَادٍ (تَخْيِيلًا لِكِتَابَتِهِ) فَظَهَرَ كَوْنُهُ غَيْرَ كَاتِبٍ فَلَا رَدَّ لَهُ (فِي الْأَصَحِّ) إذْ لَيْسَ فِيهِ كَبِيرُ غَرَرٍ؛ لِأَنَّ الِاسْتِدْلَالَ بِهِ عَلَى الْكِتَابَةِ ضَعِيفٌ فَإِنَّهُ رُبَّمَا لَبِسَ ثَوْبَ غَيْرِهِ أَوْ أَصَابَهُ ذَلِكَ مِنْ حَمْلِ دَوَاةٍ وَلِأَنَّهُ مُقَصِّرٌ بِعَدَمِ امْتِحَانِهِ وَالسُّؤَالِ عَنْهُ.
وَالثَّانِي: يَثْبُتُ لَهُ الرَّدُّ نَظَرًا لِمُطْلَقِ التَّدْلِيسِ، وَيَجْرِي الْخِلَافُ فِي إلْبَاسِهِ ثَوْبًا مُخْتَصًّا بِحِرْفَةٍ كَثِيَابِ الْخَبَّازِينَ أَوْ غَيْرِهِمْ مِنْ أَرْبَابِ الصَّنَائِعِ، كَمَا لَوْ اشْتَرَى زُجَاجَةً يَظُنُّهَا جَوْهَرَةً بِثَمَنٍ كَثِيرٍ أَوْ بَاعَ جَوْهَرَةً يَظُنُّهَا زُجَاجَةً بِمَالٍ قَلِيلٍ فَإِنَّهُ لَا خِيَارَ فِي الْأُولَى لِلْمُشْتَرِي وَلَا لِلْبَائِعِ فِي الثَّانِيَةِ، وَظَاهِرُ إطْلَاقِهِمْ أَنَّ هَذَا لَيْسَ بِحَرَامٍ بِخِلَافِ التَّصْرِيَةِ كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ الْمَاوَرْدِيُّ، وَلَوْ قِيلَ بِحُرْمَتِهِ لَمْ يَبْعُدْ كَمَا قَالَهُ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ؛ لِأَنَّ الضَّرَرَ الْحَاصِلَ بِالتَّصْرِيَةِ يَرْتَفِعُ عَنْ الْمُشْتَرِي بِإِثْبَاتِ الْخِيَارِ بِخِلَافِ هَذَا.
خَاتِمَةٌ: سَكَتَ الْمُصَنِّفُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - عَنْ الْفَسْخِ بِالْإِقَالَةِ وَهُوَ جَائِزٌ، وَيُسَنُّ إقَالَةُ النَّادِمِ، لِخَبَرِ «مَنْ أَقَالَ نَادِمًا أَقَالَ اللَّهُ عَثْرَتَهُ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، وَصِيغَتُهَا تَقَايَلْنَا أَوْ تَفَاسَخْنَا، أَوْ يَقُولُ أَحَدُهُمَا: أَقَلْتُكَ فَيَقُولُ الْآخَرُ: قَبِلْتُ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ: وَهِيَ فَسْخٌ فِي أَظْهَرِ الْقَوْلَيْنِ وَالْفَسْخُ مِنْ الْآنِ، وَقِيلَ مِنْ أَصْلِهِ، وَيَتَرَتَّبُ عَلَى ذَلِكَ الزَّوَائِدُ الْحَادِثَةُ وَتَجُوزُ فِي السَّلَمِ وَفِي الْمَبِيعِ قَبْلَ الْقَبْضِ وَلِلْوَرَثَةِ الْإِقَالَةُ بَعْدَ مَوْتِ الْمُتَعَاقِدَيْنِ، وَتَجُوزُ فِي بَعْضِ الْمَبِيعِ وَفِي

بَابُ الْمَبِيعِ قَبْلَ قَبْضِهِ مِنْ ضَمَانِ الْبَائِعِ.

[مغني المحتاج]

بَعْضِ الْمُسْلَمِ فِيهِ إذَا كَانَ ذَلِكَ الْبَعْضُ مُعَيَّنًا وَإِذَا اخْتَلَفَا فِي الثَّمَنِ بَعْدَ الْإِقَالَةِ صُدِّقَ الْبَائِعُ عَلَى الْأَصَحِّ، وَإِنْ اخْتَلَفَا فِي وُجُودِ الْإِقَالَةِ صُدِّقَ مُنْكِرُهَا، وَذَكَرْتُ بَقِيَّةَ أَحْكَامِهَا فِي شَرْحِ التَّنْبِيهِ، وَلَوْ وَهَبَ الْبَائِعُ الثَّمَنَ الْمُعَيَّنَ بَعْدَ قَبْضِهِ لِلْمُشْتَرِي ثُمَّ وَجَدَ الْمُشْتَرِي بِالْمَبِيعِ عَيْبًا فَهَلْ لَهُ رَدُّهُ عَلَى الْبَائِعِ فِيهِ وَجْهَانِ.
أَحَدُهُمَا لَا لِخُلُوِّهِ عَنْ الْفَائِدَةِ.
وَالثَّانِي: وَهُوَ الظَّاهِرُ، نَعَمْ وَفَائِدَتُهُ الرُّجُوعُ عَلَى الْبَائِعِ بِبَدَلِ الثَّمَنِ كَنَظِيرِهِ فِي الصَّدَاقِ، وَبِهِ جَزَمَ ابْنُ الْمُقْرِي ثَمَّ.
وَلَوْ اشْتَرَى ثَوْبًا وَقَبَضَهُ وَسَلَّمَ ثَمَنَهُ ثُمَّ وَجَدَ بِالثَّوْبِ عَيْبًا قَدِيمًا فَرَدَّهُ فَوَجَدَ الثَّمَنَ مَعِيبًا نَاقِصَ الصِّفَةِ بِأَمْرٍ حَادِثٍ عِنْدَ الْبَائِعِ أَخَذَهُ نَاقِصًا وَلَا شَيْءَ لَهُ بِسَبَبِ النَّقْصِ، وَعُلِمَ مِمَّا مَرَّ وَمِمَّا سَيَأْتِي أَنَّ أَسْبَابَ الْفَسْخِ، كَمَا قَالَ الشَّيْخَانِ: سَبْعَةٌ خِيَارُ الْمَجْلِسِ، وَالشَّرْطُ وَالْخُلْفُ لِلشَّرْطِ الْمَقْصُودِ وَالْعَيْبُ وَالْإِقَالَةُ كَمَا مَرَّ بَيَانُهَا وَالتَّخَالُفُ وَهَلَاكُ الْمَبِيعِ قَبْلَ الْقَبْضِ كَمَا سَيَأْتِي، وَبَقِيَ مِنْ أَسْبَابِ الْفَسْخِ أَشْيَاءُ وَإِنْ عُلِمْتَ مِنْ أَبْوَابِهَا وَأَمْكَنَ رُجُوعُ بَعْضِهَا إلَى السَّبْعَةِ، فَمِنْهَا إفْلَاسُ الْمُشْتَرِي وَتَلَقِّي الرُّكْبَانِ وَغَيْبَةُ مَالِ الْمُشْتَرِي إلَى مَسَافَةِ الْقَصْرِ وَبَيْعُ الْمَرِيضِ مُحَابَاةً لِوَارِثٍ أَوْ أَجْنَبِيٍّ بِزَائِدٍ عَلَى الثُّلُثِ وَلَمْ يُجِزْ الْوَارِثُ.

[بَابٌ فِي حُكْمِ الْمَبِيعِ وَنَحْوِهِ قَبْلَ الْقَبْضِ وَبَعْدَهُ]

ُ وَأَحْكَامِ الْقَبْضِ وَالتَّنَازُعِ فِي الْبُدَاءَةِ بِالتَّسْلِيمِ وَالتَّصَرُّفِ فِي مَالِهِ تَحْتَ يَدِ غَيْرِهِ مَعَ مَا يَتَعَلَّقُ بِذَلِكَ (الْمَبِيعُ قَبْلَ قَبْضِهِ مِنْ ضَمَانِ الْبَائِعِ) بِمَعْنَى انْفِسَاخِ الْبَيْعِ بِتَلَفِهِ وَثُبُوتِ الْخِيَارِ بِتَعْيِينِهِ وَبِإِتْلَافِ الْأَجْنَبِيِّ لَهُ لِبَقَاءِ سَلْطَنَتِهِ عَلَيْهِ سَوَاءٌ أَعَرَضَهُ عَلَى الْمُشْتَرِي فَلَمْ يَقْبَلْهُ أَمْ لَا، نَعَمْ إنْ وَضَعَهُ بَيْنَ يَدَيْهِ عِنْدَ امْتِنَاعِهِ بَرِئَ فِي الْأَصَحِّ كَمَا فِي الرَّوْضَةِ وَأَصْلِهَا فِي الْكَلَامِ عَلَى حَقِيقَةِ الْقَبْضِ، لَكِنْ لَوْ خَرَجَ مُسْتَحِقًّا وَلَمْ يَقْبِضْهُ الْمُشْتَرِي لَمْ يَكُنْ لِلْمُسْتَحِقِّ مُطَالَبَتُهُ، وَكَذَا لَوْ بَاعَهُ قَبْلَ نَقْلِهِ فَنَقَلَهُ الْمُشْتَرِي الثَّانِي فَلَيْسَ لِلْمُسْتَحِقِّ مُطَالَبَةُ الْمُشْتَرِي الْأَوَّلِ.
قَالَ الْإِمَامُ: وَإِنَّمَا يَكُونُ الْوَضْعُ بَيْنَ يَدَيْ الْمُشْتَرِي قَبْضًا فِي الصَّحِيحِ دُونَ الْفَاسِدِ، وَكَذَا تَخْلِيَةُ الدَّارِ وَنَحْوِهَا إنَّمَا تَكُونُ قَبْضًا فِي الصَّحِيحِ دُونَ الْفَاسِدِ.
تَنْبِيهٌ: احْتَرَزَ الْمُصَنِّفُ بِالْمَبِيعِ عَنْ زَوَائِدِهِ الْمُنْفَصِلَةِ الْحَادِثَةِ فِي يَدِ الْبَائِعِ: كَثَمَرَةٍ وَلَبَنٍ وَبَيْضٍ وَصُوفٍ وَرِكَازٍ يَجِدُهُ الرَّقِيقُ وَهُوَ مَوْهُوبٌ وَمُوصًى بِهِ فَإِنَّهَا لِلْمُشْتَرِي؛ لِأَنَّ الْفَسْخَ يَرْفَعُ الْعَقْدَ مِنْ حِينِهِ لَا مِنْ أَصْلِهِ، وَهِيَ أَمَانَةٌ فِي يَدِ الْبَائِعِ؛ لِأَنَّ ضَمَانَ الْأَصْلِ بِالْعَقْدِ وَلَمْ

فَإِنْ تَلِفَ انْفَسَخَ الْبَيْعُ وَسَقَطَ الثَّمَنُ، وَلَوْ أَبْرَأَهُ الْمُشْتَرِي عَنْ الضَّمَانِ لَمْ يَبْرَأْ فِي الْأَظْهَرِ وَلَمْ يَتَغَيَّرْ الْحُكْمُ.

[مغني المحتاج]

يُوجَدْ الْعَقْدُ فِي الزَّوَائِدِ وَلَمْ تَحْتَوِ يَدُهُ عَلَيْهَا لِتَمَلُّكِهَا كَالْمُسْتَامِ وَلَا لِلِانْتِفَاعِ بِهَا كَالْمُسْتَعِيرِ وَلَمْ يُوجَدْ مِنْهُ تَعَدٍّ كَالْغَاصِبِ حَتَّى يَضْمَنَ، وَسَبَبُ ضَمَانِ الْيَدِ عِنْدَهُمْ أَحَدُ هَذِهِ الثَّلَاثَةِ وَالثَّمَنُ الْمُعَيَّنُ قَبْلَ قَبْضِ الْبَائِعِ لَهُ كَذَلِكَ.

(فَإِنْ تَلِفَ) الْمَبِيعُ بِآفَةٍ سَمَاوِيَّةٍ (انْفَسَخَ الْبَيْعُ) لِتَعَذُّرِ قَبْضِهِ الْمُسْتَحَقَّ كَالتَّفْرِيقِ قَبْلَهُ فِي الصَّرْفِ (وَسَقَطَ الثَّمَنُ) إنْ كَانَ فِي الذِّمَّةِ، فَإِنْ كَانَ مُعَيَّنًا وَجَبَ رَدُّهُ أَوْ كَانَ دَيْنًا عَلَى الْبَائِعِ عَادَ عَلَيْهِ كَمَا كَانَ، وَيَنْتَقِلُ الْمِلْكُ فِي الْمَبِيعِ لِلْبَائِعِ قُبَيْلَ التَّلَفِ فَتَجْهِيزُهُ عَلَى الْبَائِعِ لِانْتِقَالِ الْمِلْكِ فِيهِ إلَيْهِ.
تَنْبِيهٌ اسْتَثْنَى مِنْ طَرْدِهِ مَا لَوْ وَضَعَ الْمَبِيعَةَ بَيْنَ يَدَيْهِ بَعْدَ امْتِنَاعِهِ مِنْ قَبْضِهَا كَمَا مَرَّ، وَمِنْ عَكْسِهِ مَا لَوْ قَبَضَهُ الْمُشْتَرِي وَدِيعَةً مِنْ الْبَائِعِ.
وَقُلْنَا بِالْأَصَحِّ إنَّهُ لَا يَبْطُلُ بِهِ حَقُّ الْحَبْسِ فَتَلِفَ فِي يَدِهِ فَهُوَ كَتَلَفِهِ فِي يَدِ الْبَائِعِ وَمَا لَوْ قَبَضَهُ الْمُشْتَرِي مِنْ الْبَائِعِ فِي زَمَنِ الْخِيَارِ، وَالْخِيَارُ لِلْبَائِعِ وَحْدَهُ وَتَلِفَ فَهُوَ كَتَلَفِهِ فِي يَدِ الْبَائِعِ كَمَا مَرَّ فِي بَابِهِ فَيَنْفَسِخُ وَيَرْجِعُ الْمُشْتَرِي بِثَمَنِهِ وَلِلْبَائِعِ بَدَلُهُ مِنْ مِثْلٍ أَوْ قِيمَةٍ كَالْمُسْتَعَارِ، وَفِي مَعْنَى التَّلَفِ وُقُوعُ الدِّرَّةِ وَنَحْوِهَا فِي الْبَحْرِ إذَا لَمْ يُمْكِنْ إخْرَاجُهَا مِنْهُ وَانْفِلَاتُ الصَّيْدِ الْمُتَوَحِّشِ وَالطَّيْرِ إذَا لَمْ يُرْجَ عَوْدُهُ وَاخْتِلَاطُ مُتَقَوِّمٍ كَثَوْبٍ أَوْ شَاةٍ بِغَيْرِهِ وَلَمْ يَتَمَيَّزْ وَانْقِلَابُ الْعَصِيرِ خَمْرًا عَلَى الْأَصَحِّ وَإِنْ عَادَ خَلًّا كَمَا أَطْلَقَهُ الشَّيْخَانِ هُنَا خِلَافَ مَا اقْتَضَاهُ كَلَامُهُمَا فِي بَابِ الرَّهْنِ.
وَجَرَى عَلَيْهِ ابْنُ الْمُقْرِي هُنَا فِي بَعْضِ نُسَخِ الرَّوْضِ: مِنْ أَنَّهُ مَتَى عَادَ عَادَ حُكْمُهُ وَلِلْمُشْتَرِي الْخِيَارُ؛ لِأَنَّ الْخَلَّ دُونَ الْعَصِيرِ، وَلَوْ أَبِقَ الرَّقِيقُ أَوْ ضَلَّ أَوْ غُصِبَ قَبْلَ الْقَبْضِ ثَبَتَ لِلْمُشْتَرِي الْخِيَارُ وَلَمْ يَنْفَسِخْ الْبَيْعُ لِرَجَاءِ الْعَوْدِ، فَإِنْ أَجَازَ الْبَيْعَ لَمْ يَطُلْ خِيَارُهُ مَا لَمْ يَرْجِعْ وَلَمْ يَلْزَمْهُ تَسْلِيمُ الثَّمَنِ قَبْلَ الْعَوْدِ، فَإِنْ سَلَّمَهُ لَمْ يَسْتَرِدَّهُ مَا لَمْ يَفْسَخْ، وَلَوْ غَرِقَتْ الْأَرْضُ بِالْمَاءِ أَوْ سَقَطَتْ عَلَيْهَا صَخْرَةٌ أَوْ رَكِبَهَا رَمْلٌ قَبْلَ قَبْضِهَا ثَبَتَ لَهُ الْخِيَارُ؛ لِأَنَّهُ عَيْبٌ لَا تَلَفٌ.
فَإِنْ قِيلَ يُنَاقِضُهُ مَا فِي الشُّفْعَةِ مِنْ أَنَّ تَغْرِيقَ الْأَرْضِ تَلَفٌ لَا عَيْبٌ حَتَّى لَوْ حَصَلَ فِي بَعْضِهَا لَمْ يَأْخُذْ الشَّفِيعُ إلَّا بِالْحِصَّةِ، وَمَا فِي الْإِجَارَةِ مِنْ أَنَّهُ كَانْهِدَامِ الدَّارِ فَيَكُونُ تَلَفًا.
أُجِيبَ بِأَنَّ الْأَرْضَ لَمْ تَتْلَفْ، وَالْحَيْلُولَةُ لَا تَقْتَضِي الِانْفِسَاخَ كَإِبَاقِ الْعَبْدِ وَإِنَّمَا جُعِلَتْ تَالِفَةً فِيمَا ذُكِرَ؛ لِأَنَّ الشَّفِيعَ مُتَمَلِّكٌ، وَالتَّالِفُ مِنْهَا لَا يَصِحُّ تَمَلُّكُهُ؛ وَلِأَنَّهُ يُغْتَفَرُ فِي الدَّوَامِ مَا لَا يُغْتَفَرُ فِي الِابْتِدَاءِ وَالْمُسْتَأْجِرُ غَيْرُ مُتَمَكِّنٍ مِنْ الِانْتِفَاعِ لِحَيْلُولَةِ الْمَاءِ وَلَا يُمْكِنُ تَرَقُّبُ زَوَالِهِ؛ لِأَنَّ الْمَنَافِعَ تَتْلَفُ وَلَا تُضْمَنُ (وَلَوْ أَبْرَأَهُ الْمُشْتَرِي عَنْ الضَّمَانِ لَمْ يَبْرَأْ فِي الْأَظْهَرِ وَلَمْ يَتَغَيَّرْ الْحُكْمُ) الْمَذْكُورُ لِلتَّلَفِ؛ لِأَنَّهُ أَبْرَأَ عَمَّا

وَإِتْلَافُ الْمُشْتَرِي قَبْضٌ إنْ عَلِمَ، وَإِلَّا فَقَوْلَانِ: كَأَكْلِ الْمَالِكِ طَعَامَهُ الْمَغْصُوبَ ضَيْفًا،

[مغني المحتاج]

لَمْ يَجِبْ.
وَالثَّانِي: يَبْرَأُ لِوُجُودِ سَبَبِ الضَّمَانِ، فَلَا يَنْفَسِخُ بِهِ الْبَيْعُ وَلَا يَسْقُطُ بِهِ الثَّمَنُ.
تَنْبِيهٌ: الْجَمْعُ بَيْنَ الْبَرَاءَةِ وَتَغَيُّرِ الْحُكْمِ تَبِعَ فِيهِ الْمُحَرَّرَ.
قَالَ الْإِسْنَوِيُّ: لَا فَائِدَةَ فِيهِ، وَقَالَ الْوَلِيُّ الْعِرَاقِيُّ: لَا فَائِدَةَ فِيهِ إلَّا مُجَرَّدُ التَّأْكِيدِ.
وَقَالَ الزَّرْكَشِيُّ: فَائِدَتُهُ نَفْيُ تَوَهُّمِ عَدَمِ الِانْفِسَاخِ إذَا تَلِفَ وَأَنَّ الْإِبْرَاءِ كَمَا لَا يَرْفَعُ الضَّمَانَ لَا يَرْفَعُ الْفَسْخَ بِالتَّلَفِ وَكَذَلِكَ بَقَاءَ الْمَنْعِ مِنْ التَّصَرُّفِ.

(وَإِتْلَافُ الْمُشْتَرِي) الْمَبِيعَ حِسًّا أَوْ شَرْعًا (قَبْضٌ) لَهُ (إنْ عَلِمَ) أَنَّهُ الْمَبِيعَ حَالَةَ إتْلَافِهِ كَمَا لَوْ أَتْلَفَ الْمَالِكُ الْمَغْصُوبَ فِي يَدِ الْغَاصِبِ، وَفِي مَعْنَى إتْلَافِهِ مَا لَوْ اشْتَرَى أَمَةً فَأَحْبَلَهَا أَبُوهُ، وَمَا لَوْ اشْتَرَى السَّيِّدُ مِنْ مُكَاتَبِهِ أَوْ الْوَارِثُ مِنْ مُوَرِّثِهِ شَيْئًا ثُمَّ عَجَزَ الْمُكَاتَبُ أَوْ مَاتَ الْمُوَرِّثُ وَقَدْ ذَكَرَ الشَّيْخَانِ فِي مَسْأَلَةِ الْوَارِثِ جَوَازَ بَيْعِهِ قَبْلَ الْقَبْضِ، وَإِنْ كَانَ عَلَى الْمَيِّتِ دَيْنٌ فَيَتَعَلَّقُ بِالثَّمَنِ، فَإِنْ كَانَ مَعَهُ وَارِثٌ آخَرُ لَمْ يَنْفُذْ بَيْعُهُ فِي قَدْرِ نَصِيبِ الْآخَرِ حَتَّى يَقْبِضَهُ، وَيُسْتَثْنَى مَا إذَا قَتَلَهُ الْمُشْتَرِي دَفْعًا لِصِيَالِهِ عَلَيْهِ.
وَكَذَا الْقَوَدُ كَمَا بَحَثَهُ فِي الْمَطْلَبِ أَوْ لِرِدَّةٍ وَالْمُشْتَرِي الْإِمَامُ وَقَصَدَ قَتْلَهُ عَنْهَا فَيَنْفَسِخُ الْبَيْعُ، فَإِنْ لَمْ يَقْصِدْ ذَلِكَ صَارَ قَابِضًا لِلْمَبِيعِ وَتَقَرَّرَ عَلَيْهِ الثَّمَنُ كَمَا حَكَاهُ الرَّافِعِيُّ قُبَيْلَ الدِّيَاتِ عَنْ فَتَاوَى الْبَغَوِيِّ، فَإِنْ كَانَ غَيْرَهُ كَانَ قَابِضًا إذْ لَا يَجُوزُ لَهُ قَتْلُهُ.
فَإِنْ قِيلَ لِمَ لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّ لِلسَّيِّدِ إقَامَةَ الْحَدِّ عَلَى عَبْدِهِ فَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَسْتَقِرَّ عَلَيْهِ الثَّمَنُ بِقَتْلِهِ كَالْإِمَامِ.
. أُجِيبَ بِأَنَّهُ لَوْ قَتَلَهُ وَقُلْنَا لَهُ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ قَاتِلًا إلَّا بِحُكْمِ الْمِلْكِ، فَالْمِلْكُ هُوَ الَّذِي سَلَّطَهُ عَلَى ذَلِكَ، فَلَوْ قُلْنَا: يَنْفَسِخُ وَلَا يَسْتَقِرُّ عَلَيْهِ الثَّمَنُ لَتَبَيَّنَ بِالْآخِرَةِ أَنَّهُ قَتَلَ غَيْرَ مَمْلُوكٍ لَهُ فَلِذَلِكَ جَعَلْنَا قَتْلَهُ إيَّاهُ قَبْضًا.
قَالَ الْإِسْنَوِيُّ: وَيُقَاسُ بِالْمُرْتَدِّ: تَارِكُ الصَّلَاةِ وَقَاطِعُ الطَّرِيقِ وَالزَّانِي وَالْمُحْصَنُ بِأَنْ زَنَى كَافِرٌ حُرٌّ ثُمَّ الْتَحَقَ بِدَارِ الْحَرْبِ ثُمَّ اُسْتُرِقَّ.
فَإِنْ قِيلَ: كَيْفَ يَكُونُ الْمُشْتَرِي قَابِضًا بِقَتْلِ الْمُرْتَدِّ أَوْ بِمَنْ ذُكِرَ مَعَهُ مَعَ أَنَّهُ غَيْرُ مَضْمُونٍ عَلَى قَاتِلِهِ؟ . أُجِيبَ بِأَنَّهُ يَتَبَيَّنُ أَنَّهُ قَتَلَ مِلْكَهُ مِنْ غَيْرِ ضَرَرٍ عَلَيْهِ فَيَسْتَقِرُّ عَلَيْهِ ثَمَنُهُ، وَاسْتَثْنَى الْبُلْقِينِيُّ تَفَقُّهًا مَا لَوْ مَرَّ بَيْنَ يَدَيْ الْمُشْتَرِي فِي الصَّلَاةِ فَقَتَلَهُ لِلدَّفْعِ: أَيْ بِشَرْطِهِ الْمَذْكُورِ فِي دَفْعِ الْمَارِّ، وَمَا لَوْ قَاتَلَ مَعَ الْبُغَاةِ أَوْ أَهْلِ الذِّمَّةِ فَقَتَلَهُ (وَإِلَّا) أَيْ: وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ الْمُشْتَرِي أَنَّهُ الْمَبِيعُ قَالَ الشَّارِحُ: وَقَدْ أَضَافَهُ بِهِ الْبَائِعُ (فَقَوْلَانِ) وَفِي الرَّوْضَةِ وَأَصْلِهَا وَجْهَانِ (كَأَكْلِ الْمَالِكِ طَعَامَهُ الْمَغْصُوبَ ضَيْفًا) لِلْغَاصِبِ جَاهِلًا بِأَنَّهُ طَعَامُهُ، وَالْأَصَحُّ أَنَّ الْغَاصِبَ يَبْرَأُ بِذَلِكَ تَقْدِيمًا لِلْمُبَاشَرَةِ، وَقَضِيَّةُ الْبِنَاءِ تَصْيِيرَهُ قَابِضًا فِي الْأَصَحِّ وَإِنَّمَا قَيَّدَهُ الشَّارِحُ بِمَا تَقَدَّمَ لِأَجْلِ مَحَلِّ الْخِلَافِ، وَإِلَّا فَالْحُكْمُ كَذَلِكَ

وَالْمَذْهَبُ أَنَّ إتْلَافَ الْبَائِعِ كَتَلَفِهِ،

[مغني المحتاج]

فِيمَا لَوْ قَدَّمَهُ أَجْنَبِيٌّ أَوْ لَمْ يُقَدِّمْهُ أَحَدٌ مَعَ أَنَّ الْخِلَافَ جَارٍ فِي الْأُولَى أَيْضًا.
هَذَا كُلُّهُ إذَا كَانَ الْمُشْتَرِي أَهْلًا لِلْقَبْضِ وَاشْتَرَى لِنَفْسِهِ، فَإِنْ كَانَ مَجْنُونًا كَأَنْ اشْتَرَاهُ قَبْلَ جُنُونِهِ، فَالْقِيَاسُ أَنَّ إتْلَافَهُ لَيْسَ بِقَبْضٍ وَعَلَيْهِ الْبَدَلُ، وَعَلَى الْبَائِعِ رَدُّ الثَّمَنِ إنْ كَانَ بَاقِيًا وَرَدُّ بَدَلِهِ إنْ كَانَ تَالِفًا أَوْ كَانَ وَكِيلًا فَكَالْأَجْنَبِيِّ سَوَاءٌ أَذِنَ لَهُ الْمَالِكُ فِي الْقَبْضِ أَمْ لَا (وَالْمَذْهَبُ أَنَّ إتْلَافَ الْبَائِعِ) الْمَبِيعَ (كَتَلَفِهِ) بِآفَةٍ سَمَاوِيَّةٍ فَيَنْفَسِخُ الْبَيْعُ فِيهِ وَيَسْقُطُ الثَّمَنُ عَنْ الْمُشْتَرِي؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ الرُّجُوعُ عَلَى الْبَائِعِ بِالْبَدَلِ؛ لِأَنَّ الْمَبِيعَ مَضْمُونٌ عَلَيْهِ بِالثَّمَنِ فَإِذَا أَتْلَفَهُ سَقَطَ الثَّمَنُ، وَقَطَعَ بَعْضُهُمْ بِهَذَا، وَمُقَابِلُهُ قَوْلُهُ إنَّهُ لَا يَنْفَسِخُ الْبَيْعُ بَلْ يَتَخَيَّرُ الْمُشْتَرِي، فَإِنْ فَسَخَ سَقَطَ الثَّمَنُ، وَإِنْ أَجَازَ غَرِمَ الْبَائِعُ الْقِيمَةَ وَأَدَّى لَهُ الثَّمَنَ وَقَدْ يَتَقَاصَّانِ، وَلَوْ أَخَذَ الْمُشْتَرِي الْمَبِيعَ بِغَيْرِ إذْنِ الْبَائِعِ حَيْثُ لَهُ حَقُّ الْحَبْسِ فَلَهُ الِاسْتِرْدَادُ، فَلَوْ أَتْلَفَهُ الْبَائِعُ فِي يَدِ الْمُشْتَرِي فِي هَذِهِ الْحَالَةِ فَهَلْ عَلَيْهِ الْبَدَلُ؟ وَلَا خِيَارَ لِلْمُشْتَرِي لِاسْتِقْرَارِ الْعَقْدِ بِالْقَبْضِ أَوْ يُجْعَلُ مُسْتَرِدًّا بِالْإِتْلَافِ كَمَا أَنَّ الْمُشْتَرِيَ قَابِضٌ بِهِ، فِيهِ قَوْلَانِ بِلَا تَرْجِيحٍ فِي كَلَامِ الشَّيْخَيْنِ، وَرَجَّحَ ابْنُ الْمُقْرِي الثَّانِيَ وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ.
تَنْبِيهٌ سَكَتَ الْمُصَنِّفُ عَمَّا لَوْ أَتْلَفَاهُ مَعًا.
وَقَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: يَلْزَمُ الْبَيْعُ فِي نِصْفِهِ.
وَأَمَّا النِّصْفُ الْآخَرُ فَيَنْفَسِخُ فِيهِ؛ لِأَنَّ إتْلَافَ الْبَائِعِ كَالْآفَةِ وَيَرْجِعُ الْبَائِعُ عَلَيْهِ بِنِصْفِ الثَّمَنِ وَلَا خِيَارَ لَهُ فِي فَسْخِ مَا قَدْ لَزِمَهُ بِجِنَايَةٍ وَلَا أُجْرَةَ عَلَى الْبَائِعِ فِي اسْتِعْمَالِ الْمَبِيعِ قَبْلَ قَبْضِهِ، وَلَوْ تَعَدَّى بِحَبْسِهِ مُدَّةً لِمِثْلِهَا أُجْرَةٌ خِلَافًا لِلْغَزَالِيِّ؛ لِأَنَّ إتْلَافَهُ كَالْآفَةِ كَمَا مَرَّ وَإِتْلَافُ الْأَعْجَمِيِّ وَغَيْرِ الْمُمَيِّزِ بِأَمْرِ أَحَدِهِمَا أَوْ بِأَمْرِ الْأَجْنَبِيِّ كَإِتْلَافِهِ عَنْ أَمْرِهِ فَلَوْ أَمَرَهُ الثَّلَاثَةُ، قَالَ الْإِسْنَوِيُّ: فَالْقِيَاسُ أَنَّهُ يَحْصُلُ الْقَبْضُ فِي الثُّلُثِ وَالتَّخْيِيرُ فِي الثُّلُثِ وَالْفَسْخُ فِي الثُّلُثِ.
أَمَّا إتْلَافُ الْمُمَيِّزِ بِأَمْرِ وَاحِدٍ مِنْهُمْ فَكَإِتْلَافِ الْأَجْنَبِيِّ بِلَا أَمْرٍ، وَإِذْنُ الْمُشْتَرِي لِلْأَجْنَبِيِّ أَوْ لِلْبَائِعِ فِي إتْلَافِهِ لَغْوٌ لِعَدَمِ اسْتِقْرَارِ الْمِلْكِ بِخِلَافِ الْغَاصِبِ فَإِنَّهُ يَبْرَأُ بِإِذْنِ الْمَالِكِ لَهُ فِي إتْلَافِهِ لِاسْتِقْرَارِ الْمِلْكِ ثَمَّ، وَإِتْلَافُ عَبْدِ الْبَائِعِ وَلَوْ بِإِذْنِهِ كَإِتْلَافِ الْأَجْنَبِيِّ، وَكَذَا عَبْدِ الْمُشْتَرِي بِغَيْرِ إذْنِهِ، فَإِنْ أَجَازَ الْبَيْعَ جُعِلَ قَابِضًا كَمَا لَوْ أَتْلَفَهُ بِنَفْسِهِ فَلَا شَيْءَ لَهُ عَلَى عَبْدِهِ وَإِنْ فَسَخَ أَتْبَعَ الْبَائِعُ الْجَانِيَ، وَإِنَّمَا لَمْ يَلْحَقْ عَبْدُ الْبَائِعِ بِعَبْدِ الْمُشْتَرِي فِي التَّقْيِيدِ بِغَيْرِ الْإِذْنِ لِشِدَّةِ تَشَوُّفِ الشَّارِعِ إلَى بَقَاءِ الْعُقُودِ، وَلَوْ أَتْلَفَتْهُ دَابَّةُ الْمُشْتَرِي نَهَارًا انْفَسَخَ الْبَيْعُ أَوْ لَيْلًا فَلَهُ الْخِيَارُ، فَإِنْ فُسِخَ طَالَبَهُ الْبَائِعُ بِبَدَلِ مَا أَتْلَفَهُ وَإِنْ أَجَازَ فَقَابِضٌ أَوْ دَابَّةُ الْبَائِعِ فَكَإِتْلَافِهِ، وَإِنَّمَا لَمْ يُفَرِّقْ فِيهَا بَيْنَ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ كَدَابَّةِ الْمُشْتَرِي؛ لِأَنَّ إتْلَافَهَا إنْ لَمْ يَكُنْ بِتَفْرِيطٍ مِنْ الْبَائِعِ فَآفَةٌ، وَإِنْ كَانَ بِتَفْرِيطٍ مِنْهُ

وَالْأَظْهَرُ أَنَّ إتْلَافَ الْأَجْنَبِيِّ لَا يَفْسَخُ، بَلْ يَتَخَيَّرُ الْمُشْتَرِي بَيْنَ أَنْ يُجِيزَ وَيَغْرَمُ الْأَجْنَبِيُّ أَوْ يَفْسَخَ فَيَغْرَمُ الْبَائِعُ الْأَجْنَبِيُّ.

وَلَوْ تَعَيَّبَ قَبْلَ الْقَبْضِ فَرَضِيَهُ أَخَذَهُ بِكُلِّ الثَّمَنِ، وَلَوْ عَيَّبَهُ الْمُشْتَرِي فَلَا خِيَارَ أَوْ الْأَجْنَبِيُّ فَالْخِيَارُ، فَإِنْ أَجَازَ غَرِمَ الْأَجْنَبِيُّ الْأَرْشَ،

[مغني المحتاج]

فَقَدْ مَرَّ أَنَّ إتْلَافَهُ كَالْآفَةِ بِخِلَافِ إتْلَافِ دَابَّةِ الْمُشْتَرِي، فَنَزَلَ إتْلَافُهَا بِالنَّهَارِ مَنْزِلَةَ إتْلَافِ الْبَائِعِ لِتَفْرِيطِهِ بِخِلَافِهِ لَيْلًا.
فَإِنْ قِيلَ: إتْلَافُهَا لَيْلًا إمَّا بِتَقْصِيرِ الْمُشْتَرِي فَيَكُونُ قَبْضًا أَوْ لَا فَيَكُونُ كَالْآفَةِ فَيَنْفَسِخُ بِهِ الْبَيْعُ فَلَا وَجْهَ لِتَخْيِيرِهِ.
أُجِيبَ بِأَنَّهُ بِتَقْصِيرِهِ سَوَاءٌ أَكَانَ مَعَهَا أَمْ لَا.
وَلَمَّا لَمْ يَكُنْ إتْلَافُهَا صَالِحًا لِلْقَبْضِ خُيِّرَ، فَإِنْ أَجَازَ فَقَابِضٌ أَوْ فَسَخَ طَالَبَهُ الْبَائِعُ بِالْبَدَلِ كَمَا تَقَرَّرَ (وَالْأَظْهَرُ أَنَّ إتْلَافَ الْأَجْنَبِيِّ لَا يَفْسَخُ) الْبَيْعَ لِقِيَامِ الْبَدَلِ مَقَامَ الْمَبِيعِ (بَلْ يَتَخَيَّرُ الْمُشْتَرِي) بِهِ عَلَى التَّرَاخِي كَمَا اقْتَضَاهُ كَلَامُ الْقَفَّالِ، وَإِنْ نَظَرَ فِيهِ الْقَاضِي (بَيْنَ أَنْ يُجِيزَ) الْبَيْعَ (وَيَغْرَمَ الْأَجْنَبِيُّ) الْبَدَلَ (أَوْ يَفْسَخَ فَيَغْرَمُ الْبَائِعُ الْأَجْنَبِيُّ) الْبَدَلَ، وَقَطَعَ بَعْضُهُمْ بِهَذَا، وَمُقَابِلُهُ أَنَّ الْبَيْعَ يَنْفَسِخُ كَالتَّلَفِ بِآفَةٍ.
وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ كَاَلَّتِي قَبْلَهَا فِي حِكَايَةِ الطَّرِيقَيْنِ، فَلَوْ حَذَفَ لَفْظَةَ " الْأَظْهَرُ " لَكَانَ أَوْلَى وَأَخْصَرَ، وَهَذَا الْخِيَارُ فِي غَيْرِ الرِّبَوِيِّ وَفِيمَا إذَا لَمْ يَكُنْ الْأَجْنَبِيُّ حَرْبِيًّا وَلَمْ يَكُنْ إتْلَافُهُ بِحَقٍّ وَإِلَّا فَيَنْفَسِخُ الْبَيْعُ.
فَإِنْ قِيلَ إذَا غَصَبَ أَجْنَبِيٌّ الْعَيْنَ الْمُسْتَأْجَرَةَ حَتَّى انْقَضَتْ الْمُدَّةُ انْفَسَخَتْ الْإِجَارَةُ وَلَمْ يُخَيَّرْ الْمُسْتَأْجِرُ كَمَا هُنَا.
أُجِيبَ بِأَنَّ الْمَعْقُودَ عَلَيْهِ هَذَا الْمَالُ وَهُوَ وَاجِبٌ عَلَى الْجَانِي فَتَعَدَّى الْعَقْدُ مِنْ الْعَيْنِ إلَى بَدَلِهَا بِخِلَافِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ ثَمَّ فَإِنَّهُ الْمَنْفَعَةُ وَهِيَ غَيْرُ وَاجِبَةٍ عَلَى مُتْلِفِهَا فَلَمْ يَتَعَدَّ الْعَقْدُ مِنْهَا إلَى بَدَلِهَا.

(وَلَوْ تَعَيَّبَ) الْمَبِيعُ بِآفَةٍ سَمَاوِيَّةٍ (قَبْلَ الْقَبْضِ فَرَضِيَهُ) بِأَنْ أَجَازَ الْبَيْعَ (أَخَذَهُ بِكُلِّ الثَّمَنِ) كَمَا لَوْ كَانَ الْعَيْبُ مُقَارَنًا وَلَا أَرْشَ لَهُ لِقُدْرَتِهِ عَلَى الْفَسْخِ (وَلَوْ عَيَّبَهُ الْمُشْتَرِي فَلَا خِيَارَ) لَهُ لِحُصُولِهِ بِفِعْلِهِ فَيَمْتَنِعُ بِسَبَبِهِ الرَّدُّ الْقَهْرِيُّ بِالْعُيُوبِ الْقَدِيمَةِ وَيَكُونُ قَابِضًا لِمَا أَتْلَفَهُ، فَلَوْ قَطَعَ يَدَهُ مَثَلًا اسْتَقَرَّ عَلَيْهِ حِصَّتُهَا مِنْ الثَّمَنِ وَهُوَ مَا بَيْنَ قِيمَتِهِ سَلِيمًا وَمَعِيبًا، هَذَا إذَا مَاتَ عِنْدَ الْبَائِعِ بَعْدَ الِانْدِمَالِ، فَإِنْ سَرَى وَجَبَ الثَّمَنُ لِمَا مَرَّ أَنَّ إتْلَافَهُ قَبْضٌ، وَبِهَذَا فَارَقَ ثُبُوتَ الْخِيَارِ فِيمَا لَوْ عَيَّبَ الْمُسْتَأْجِرُ الْعَيْنَ الْمُؤَجَّرَةَ وَمَا لَوْ جَبَّتْ الْمَرْأَةُ ذَكَرَ زَوْجِهَا، إذْ لَا يُتَخَيَّلُ أَنَّ ذَلِكَ قَبْضٌ لِأَنَّ الْمُسْتَأْجِرَ وَالْمَرْأَةَ لَمْ يَتَصَرَّفَا فِي مِلْكِهِمَا، بَلْ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ حَقُّهُمَا فَلَا يَكُونَانِ بِذَلِكَ مُسْتَوْفِيَيْنِ بِخِلَافِ الْمُشْتَرِي (أَوْ) عَيَّبَهُ (الْأَجْنَبِيُّ) غَيْرُ الْحَرْبِيِّ بِغَيْرِ حَقٍّ (فَالْخِيَارُ) بِتَعْيِيبِهِ ثَابِتٌ لِلْمُشْتَرِي قِيَاسًا عَلَى مَا مَرَّ فِي الْإِتْلَافِ (فَإِنْ أَجَازَ) الْبَيْعَ (غَرِمَ الْأَجْنَبِيُّ الْأَرْشَ) ؛ لِأَنَّهُ الْجَانِي وَلَكِنْ بَعْدَ قَبْضِ الْمَبِيعِ.
أَمَّا قَبْلَهُ فَلَا لِجَوَازِ تَلَفِهِ فَيَنْفَسِخُ الْمَبِيعُ؛ وَالْمُرَادُ بِالْأَرْشِ فِي الرَّقِيقِ مَا يَأْتِي فِي الدِّيَاتِ، فَفِي يَدِهِ نِصْفُ قِيمَتِهِ لَا مَا نَقَصَ مِنْهُ، وَفِي

وَلَوْ عَيَّبَهُ الْبَائِعُ فَالْمَذْهَبُ ثُبُوتُ الْخِيَارِ لَا التَّغْرِيمِ.

وَلَا يَصِحُّ بَيْعُ الْمَبِيع قَبْلَ قَبْضِهِ، وَالْأَصَحُّ أَنَّ بَيْعَهُ لِلْبَائِعِ كَغَيْرِهِ،

[مغني المحتاج]

غَيْرِهَا مَا نَقَصَ مِنْ قِيمَتِهِ (وَلَوْ عَيَّبَهُ الْبَائِعُ فَالْمَذْهَبُ ثُبُوتُ الْخِيَارِ) لِلْمُشْتَرِي (لَا التَّغْرِيمِ) أَمَّا الْخِيَارُ فَلَا خِلَافَ فِي ثُبُوتِهِ؛ لِأَنَّ فِعْلَ الْبَائِعِ إمَّا كَالْآفَةِ وَإِمَّا كَفِعْلِ الْأَجْنَبِيِّ، وَكِلَاهُمَا مُثْبِتٌ لِلْخِيَارِ قَطْعًا، وَإِنَّمَا الْخِلَافُ فِي التَّغْرِيمِ، وَالْمَذْهَبُ أَنَّهُ لَا يَثْبُتُ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ كَإِتْلَافِهِ الَّذِي هُوَ كَالتَّلَفِ بِآفَةٍ عَلَى الرَّاجِحِ الْمَقْطُوعِ بِهِ كَمَا مَرَّ، وَمُقَابِلُهُ ثُبُوتُ الْخِيَارِ مَعَ التَّغْرِيمِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ فِعْلَ الْبَائِعِ كَفِعْلِ الْأَجْنَبِيِّ فَصَحَّ تَعْبِيرُهُ هُنَا بِالْمَذْهَبِ كَمَا هُنَاكَ، وَكَانَ الْأَوْلَى فِي التَّعْبِيرِ أَنْ يَقُولَ ثَبَتَ الْخِيَارُ لَا التَّغْرِيمُ عَلَى الْمَذْهَبِ، وَلَوْ لَمْ يَعْلَمْ الْمُشْتَرِي بِالْحَالِ حَتَّى قَبَضَ وَحَدَثَ عِنْدَهُ عَيْبٌ كَانَ لَهُ الْأَرْشُ لِتَعَذُّرِ الرَّدِّ.

(وَلَا يَصِحُّ بَيْعُ الْمَبِيعِ قَبْلَ قَبْضِهِ) وَلَا الْإِشْرَاكُ فِيهِ وَلَا التَّوْلِيَةُ مَنْقُولًا كَانَ أَوْ عَقَارًا وَإِنْ أَذِنَ الْبَائِعُ فِي قَبْضِ الثَّمَنِ لِخَبَرِ «مَنْ ابْتَاعَ طَعَامًا فَلَا يَبِعْهُ حَتَّى يَسْتَوْفِيَهُ» . قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: " وَلَا أَحْسَبُ كُلَّ شَيْءٍ إلَّا مِثْلَهُ " رَوَاهُ الشَّيْخَانِ، وَلِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِحَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ «لَا تَبِيعَنَّ شَيْئًا حَتَّى تَقْبِضَهُ» رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ وَقَالَ: إسْنَادُهُ حَسَنٌ مُتَّصِلٌ وَلِضَعْفِ الْمِلْكِ قَبْلَ الْقَبْضِ بِدَلِيلِ انْفِسَاخِ الْعَقْدِ بِالتَّلَفِ قَبْلَهُ.
فَإِنْ قِيلَ: يَصِحُّ أَنْ يُؤْجِرَ مَا اسْتَأْجَرَهُ قَبْلَ قَبْضِهِ فَلِأَيِّ شَيْءٍ مَا امْتَنَعَ كَمَا فِي الْبَيْعِ؟ . أُجِيبَ بِأَنَّ الْبَيْعَ قَدْ وَرَدَ عَلَى الْعَيْنِ وَالْقَبْضُ يَتَأَتَّى فِيهَا حَقِيقَةً وَالْإِجَارَةُ وَارِدَةٌ عَلَى الْمَنْفَعَةِ فَلَمْ يَكُنْ الْقَبْضُ لَهَا حَقِيقَةً (وَالْأَصَحُّ أَنَّ بَيْعَهُ لِلْبَائِعِ كَغَيْرِهِ) فَلَا يَصِحُّ لِعُمُومِ الْأَخْبَارِ وَلِضَعْفِ الْمِلْكِ.
وَالثَّانِي: يَصِحُّ كَبَيْعِ الْمَغْصُوبِ مِنْ الْغَاصِبِ، وَمَحِلُّ الْخِلَافِ إذَا بَاعَهُ بِغَيْرِ جِنْسِ الثَّمَنِ أَوْ بِزِيَادَةٍ أَوْ نَقْصٍ أَوْ تَفَاوُتِ صِفَةٍ وَإِلَّا فَهُوَ إقَالَةٌ بِلَفْظِ الْبَيْعِ كَمَا نَقَلَاهُ عَنْ الْمُتَوَلِّي وَأَقَرَّاهُ فَيَصِحُّ، وَقِيلَ: لَا يَصِحُّ، وَقَدْ ذَكَرَ الْقَاضِي الْقَوْلَيْنِ وَبَنَاهُمَا عَلَى أَنَّ الْعِبْرَةَ فِي الْعُقُودِ بِاللَّفْظِ أَوْ بِالْمَعْنَى، وَالْأَصْحَابُ تَارَةً يَعْتَبِرُونَ اللَّفْظَ وَهُوَ الْأَكْثَرُ كَمَا لَوْ قَالَ: بِعْتُكَ هَذَا بِلَا ثَمَنٍ لَا يَنْعَقِدُ بَيْعًا وَلَا هِبَةً عَلَى الصَّحِيحِ وَكَمَا لَوْ قَالَ: اشْتَرَيْت مِنْك ثَوْبًا صِفَتُهُ كَذَا بِكَذَا يَنْعَقِدُ بَيْعًا لَا سَلَمًا عَلَى الصَّحِيحِ، وَتَارَةً يَعْتَبِرُونَ الْمَعْنَى كَمَا لَوْ قَالَ: وَهَبْتُكَ هَذَا الثَّوْبَ بِكَذَا يَنْعَقِدُ بَيْعًا عَلَى الصَّحِيحِ، فَلَمْ يُطْلِقُوا الْقَوْلَ بِاعْتِبَارِ اللَّفْظِ بَلْ يَخْتَلِفُ الْجَوَابُ بِقُوَّةِ الْمُدْرَكِ كَالْإِبْرَاءِ فِي أَنَّهُ إسْقَاطٌ أَوْ تَمْلِيكٌ، وَفِي أَنَّ النَّذْرَ يُسْلَكُ بِهِ مَسْلَكَ الْوَاجِبِ أَوْ الْجَائِزِ، وَفِي أَنَّ الطَّلَاقَ

وَأَنَّ الْإِجَارَةَ وَالرَّهْنَ وَالْهِبَةَ كَالْبَيْعِ، وَأَنَّ الْإِعْتَاقَ بِخِلَافِهِ،

[مغني المحتاج]

الرَّجْعِيَّ يُزِيلُ الْمِلْكَ أَمْ لَا، وَتَارَةً لَا يُرَاعُونَ اللَّفْظَ وَلَا الْمَعْنَى فِيمَا إذَا قَالَ: أَسْلَمْتُ إلَيْكَ هَذَا الثَّوْبَ فِي هَذَا الْعَبْدِ، فَإِنَّ الصَّحِيحَ أَنَّهُ لَا يَنْعَقِدُ بَيْعًا وَلَا سَلَمًا، وَكَانَ الْأَوْلَى لِلْمُصَنِّفِ أَنْ يُعَبِّرَ بِالْمَذْهَبِ، فَفِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ أَنَّ مُقَابِلَهُ شَاذٌّ ضَعِيفٌ، وَالْأَكْثَرُونَ عَلَى الْقَطْعِ بِالْبُطْلَانِ (وَ) الْأَصَحُّ (أَنَّ الْإِجَارَةَ) وَالْكِتَابَةَ (وَالرَّهْنَ وَالْهِبَةَ) وَالصَّدَاقَ وَالْإِقْرَاضَ وَجَعْلَهُ عِوَضًا فِي نِكَاحٍ أَوْ خُلْعٍ أَوْ صُلْحٍ أَوْ سَلَمٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ (كَالْبَيْعِ) فَلَا يَصِحُّ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْعِلَّةَ فِي الْبَيْعِ ضَعْفُ الْمِلْكِ.
وَالثَّانِي: يَصِحُّ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْعِلَّةَ فِيهِ تَوَالِي الضَّمَانَيْنِ.
تَنْبِيهٌ لَا فَرْقَ فِي بُطْلَانِ الرَّهْنِ مِنْ الْبَائِعِ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ رَهَنَ ذَلِكَ بِالثَّمَنِ أَوْ بِغَيْرِهِ، وَلَا بَيْنَ أَنْ يَكُونَ لَهُ حَقُّ الْحَبْسِ أَمْ لَا كَمَا هُوَ ظَاهِرُ إطْلَاقِ كَلَامِ الْأَصْحَابِ وَإِنْ قَيَّدَهُ السُّبْكِيُّ بِمَا إذَا رَهَنَ ذَلِكَ بِالثَّمَنِ وَكَانَ لَهُ حَقُّ الْحَبْسِ، وَخَرَجَ بِالْمَبِيعِ زَوَائِدُهُ الْحَادِثَةُ، فَلَوْ اشْتَرَى نَخْلًا مَثَلًا فَأَثْمَرَتْ قَبْلَ الْقَبْضِ جَازَ بَيْعُهَا قَبْلَ قَبْضِهَا؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ بِمَضْمُونَةٍ عَلَى الْبَائِعِ قَالَهُ الْأَرْدَبِيلِيِّ وَقَالَ الرَّافِعِيُّ: يَنْبَنِي عَلَى أَنَّهَا تَعُودُ لِلْبَائِعِ لَوْ عَرَضَ انْفِسَاخٌ أَوَّلًا، فَإِنْ أَعَدْنَاهَا لَمْ يَتَصَرَّفْ فِيهَا كَالْأَصْلِ وَإِلَّا تَصَرَّفَ.
تَنْبِيهٌ: قَوْلُهُ قَبْلَ قَبْضِهِ يُفْهِمُ الْجَوَازَ بَعْدَ قَبْضِهِ مُطْلَقًا وَلَيْسَ مُرَادًا بَلْ مَحِلُّهُ مَا إذَا لَمْ يَكُنْ لِلْبَائِعِ خِيَارٌ، فَإِنْ كَانَ امْتَنَعَ أَيْضًا كَمَا عُلِمَ مِمَّا مَرَّ.
وَاسْتَثْنَى ابْنُ الرِّفْعَةِ مِنْ عَدَمِ صِحَّةِ بَيْعِ الْمَبِيعِ قَبْلَ قَبْضِهِ صُورَتَيْنِ: الْأُولَى: إذَا اشْتَرَى مِنْ مُوَرِّثِهِ شَيْئًا وَمَاتَ مُوَرِّثُهُ قَبْلَ قَبْضِهِ وَلَا وَارِثَ لَهُ غَيْرُهُ فَيَجُوزُ لَهُ بَيْعُهُ قَبْلَ قَبْضِهِ؛ لِأَنَّهُ صَارَ فِي يَدِهِ شَرْعًا، وَيَمْتَنِعُ أَنْ يَقْبِضَ مِنْ نَفْسِهِ لِنَفْسِهِ.
الثَّانِيَةُ: إذَا اشْتَرَى جُزْءًا شَائِعًا وَطَلَبَ قِسْمَتَهُ قَبْلَ قَبْضِهِ فَإِنَّهُ يُجَابُ إلَيْهِ وَإِنْ قُلْنَا: الْقِسْمَةُ بَيْعٌ؛ لِأَنَّ الرِّضَا غَيْرُ مُعْتَبَرٍ فِيهَا، وَإِذَا لَمْ يُعْتَبَرْ الرِّضَا جَازَ أَنْ لَا يُعْتَبَرَ الْقَبْضُ كَالشُّفْعَةِ نَقَلَهُ الرَّافِعِيُّ عَنْ الْمُتَوَلِّي وَأَقَرَّهُ، وَاسْتَثْنَى غَيْرُهُ صُورَةً أُخْرَى، وَهِيَ مَا لَوْ اشْتَرَى رَقِيقًا وَبَاعَهُ الْمُشْتَرِي مِنْ نَفْسِهِ قَبْلَ قَبْضِهِ فَيَصِحُّ إنْ قُلْنَا: إنَّهُ عَقْدُ عَتَاقَةٍ وَهُوَ الْأَصَحُّ وَهَذِهِ تُعْلَمُ مِنْ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ (وَ) الْأَصَحُّ (أَنَّ الْإِعْتَاقَ بِخِلَافِهِ) فَيَصِحُّ لِتَشَوُّفِ الشَّارِعِ إلَيْهِ، وَنَقَلَ ابْنُ الْمُنْذِرِ فِيهِ الْإِجْمَاعَ، وَسَوَاءٌ كَانَ لِلْبَائِعِ حَقُّ الْحَبْسِ أَمْ لَا لِقُوَّتِهِ وَضَعْفِ حَقِّ الْحَبْسِ، وَلِهَذَا يَصِحُّ إعْتَاقُ الْآبِقِ.
فَإِنْ قِيلَ: لَا يَصِحُّ إعْتَاقُ الْمَرْهُونِ مِنْ الرَّاهِنِ الْمُعْسِرِ فَهَلَّا كَانَ هُنَا كَذَلِكَ؟ . أُجِيبَ بِأَنَّ الرَّاهِنَ حَجَرَ عَلَى نَفْسِهِ.
وَالثَّانِي: لَا يَصِحُّ كَالْبَيْعِ لِاشْتِرَاكِهِمَا فِي إزَالَةِ الْمِلْكِ.
وَالثَّالِثَ: إنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ حَقُّ الْحَبْسِ لِتَأْجِيلِ الثَّمَنِ صَحَّ، وَإِلَّا فَلَا لِمَا فِيهِ مِنْ

وَالثَّمَنَ الْمُعَيَّنَ كَالْمَبِيعِ فَلَا يَبِيعُهُ الْبَائِعُ قَبْلَ قَبْضِهِ، وَلَهُ بَيْعُ مَالِهِ فِي يَدِ غَيْرِهِ أَمَانَةً كَوَدِيعَةٍ وَمُشْتَرَكٍ وَقِرَاضٍ وَمَرْهُونٍ بَعْدَ انْفِكَاكِهِ وَمَوْرُوثٍ وَبَاقٍ فِي يَدِ وَلِيِّهِ بَعْدَ رُشْدِهِ، وَكَذَا عَارِيَّةٌ وَمَأْخُوذٌ بِسَوْمٍ.

[مغني المحتاج]

إبْطَالِ حَقِّهِ.
نَعَمْ لَا يَصِحُّ عَلَى الْأَوَّلِ إعْتَاقُهُ عَلَى مَالٍ؛ لِأَنَّهُ كَمَا قَالَهُ الْقَاضِي فِي فَتَاوِيهِ وَلَا إعْتَاقُهُ عَنْ كَفَّارَةِ غَيْرِهِ؛ لِأَنَّهُ هِبَةٌ وَالِاسْتِيلَادُ وَالتَّزْوِيجُ وَالْوَقْفُ، سَوَاءٌ احْتَاجَ إلَى قَبُولٍ أَمْ لَا كَمَا فِي الْمَجْمُوعِ خِلَافًا لِمَا فِي الشَّرْحِ وَالرَّوْضَةِ نَقْلًا عَنْ الْقِيمَةِ مِنْ أَنَّ الْوَقْفَ إنْ شُرِطَ فِيهِ الْقَبُولُ كَانَ كَالْبَيْعِ وَإِلَّا فَكَالْإِعْتَاقِ مَعَ أَنَّ الْأَصَحَّ أَنَّ الْوَقْفَ عَلَى مُعَيَّنٍ لَا يَحْتَاجُ إلَى قَبُولٍ كَمَا سَيَأْتِي - إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى - فِي بَابِهِ كَالْعِتْقِ، وَيَصِحُّ تَدْبِيرُهُ وَالْوَصِيَّةُ بِهِ وَإِبَاحَتُهُ لِلْفُقَرَاءِ طَعَامًا اشْتَرَاهُ جِزَافًا وَيَصِيرُ الْمُشْتَرِي بِإِعْتَاقِهِ وَإِيلَادِهِ وَإِيلَادِ أَبِيهِ وَإِبَاحَةِ مَا ذُكِرَ إنْ قَبَضُوهُ وَوَقْفِهِ قَابِضًا لِلْمَبِيعِ وَإِنْ كَانَ لِلْبَائِعِ حَقُّ الْحَبْسِ لَا بِتَزْوِيجِهِ وَلَا بِوَطْءِ الزَّوْجِ.
أَمَّا إذَا اشْتَرَى الطَّعَامَ مُقَدَّرًا بِكَيْلٍ أَوْ غَيْرِهِ فَلَا يَصِحُّ قَبْضُهُ إلَّا كَذَلِكَ أَوْ اشْتَرَاهُ جِزَافًا وَأَبَاحَهُ كَمَا مَرَّ وَلَمْ يَقْبِضُوهُ فَإِنَّهُ لَا يَصِيرُ قَابِضًا بِذَلِكَ، فَإِنْ لَمْ يَرْفَعْ الْبَائِعُ يَدَهُ بَعْدَ الْوَقْفِ وَالِاسْتِيلَادِ ضَمِنَهُ بِالْقِيمَةِ لَا بِالثَّمَنِ (وَالثَّمَنَ الْمُعَيَّنَ) نَقْدًا كَانَ أَوْ غَيْرَهُ (كَالْمَبِيعِ) قَبْلَ قَبْضِهِ فِيمَا مَرَّ فَيَأْتِي فِيهِ جَمِيعُ مَا تَقَدَّمَ لِعُمُومِ النَّهْيِ عَنْهُ، وَلَوْ أَبْدَلَهُ الْمُشْتَرِي بِمِثْلِهِ أَوْ بِغَيْرِ جِنْسِهِ بِرِضَا الْبَائِعِ فَهُوَ كَبَيْعِ الْمَبِيعِ لِلْبَائِعِ، فَقَوْلُهُ (فَلَا يَبِيعُهُ الْبَائِعُ قَبْلَ قَبْضِهِ) لَا حَاجَةَ إلَيْهِ بَلْ تَرْكُهُ أَوْلَى، لِأَنَّهُ يُوهِمُ جَوَازَ الْمَبِيعِ وَلَيْسَ مُرَادًا، وَلِهَذَا عَبَّرَ فِي الْمُحَرَّرِ بِالتَّصَرُّفِ لِيَعُمَّ (وَلَهُ بَيْعٌ) وَأَوْلَى مِنْهُ وَلَهُ التَّصَرُّفُ فِي (مَالِهِ) وَهُوَ (فِي يَدِ غَيْرِهِ أَمَانَةٌ، كَوَدِيعَةٍ وَمُشْتَرَكٍ وَقِرَاضٍ وَمَرْهُونٍ بَعْدَ انْفِكَاكِهِ) أَوْ قَبْلَهُ وَأَذِنَ لَهُ فِيمَا ذَكَرَ الْمُرْتَهِنُ (وَمَوْرُوثٍ) كَانَ يَجُوزُ لِلْمُوَرِّثِ التَّصَرُّفُ فِيهِ (وَبَاقٍ فِي يَدِ وَلِيِّهِ بَعْدَ رُشْدِهِ) وَأَوْلَى مِنْهُ بَعْدَ فَكِّ الْحَجْرِ عَنْهُ لِيَدْخُلَ الْمَجْنُونُ، فَإِنَّ حَجْرَهُ يَنْفَكُّ بِنَفْسِ الْإِفَاقَةِ لِتَمَامِ مِلْكِهِ عَلَى ذَلِكَ وَقُدْرَتِهِ عَلَى تَسْلِيمِهِ.
نَعَمْ لَوْ أَكْرَى صَبَّاغًا أَوْ قَصَّارًا لِعَمَلٍ فِي ثَوْبٍ وَسَلَّمَهُ لَهُ، فَلَيْسَ لَهُ بَيْعُهُ قَبْلَ الْعَمَلِ وَكَذَا بَعْدَهُ إنْ لَمْ يَكُنْ سَلَّمَ الْأُجْرَةَ؛ لِأَنَّ لَهُ الْحَبْسَ لِلْعَمَلِ ثُمَّ لِاسْتِيفَاءِ الْأُجْرَةِ وَمِثْلُ ذَلِكَ صَوْغُ الذَّهَبِ وَنَسْجُ الْغَزْلِ وَرِيَاضَةُ الدَّابَّةِ، وَخَرَجَ: بِيَجُوزُ لِلْمُوَرِّثِ التَّصَرُّفُ فِيهِ مَا مَاتَ عَنْهُ وَلَمْ يَقْبِضْهُ فَلَيْسَ لِلْوَارِثِ بَيْعُهُ قَبْلَ قَبْضِهِ.
فَإِنْ قِيلَ: هَلْ هَذِهِ مُسْتَثْنَاةٌ مِنْ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ أَوْ لَا؟ . أُجِيبَ بِلَا؛ لِأَنَّ الْمَبِيعَ حِينَئِذٍ لَيْسَ فِي يَدِ بَائِعِهِ أَمَانَةً بَلْ هُوَ مَضْمُونٌ عَلَيْهِ (وَكَذَا) لَهُ بَيْعُ مَا لَهُ وَهُوَ فِي يَدِ غَيْرِهِ (عَارِيَّةٌ وَمَأْخُوذٌ بِسَوْمٍ) وَهُوَ مَا يَأْخُذُهُ مَنْ يُرِيدُ الشِّرَاءَ لِيَتَأَمَّلَهُ أَيُعْجِبُهُ أَمْ لَا لِمَا ذُكِرَ.
فَإِنْ قِيلَ: مَا فَائِدَةُ عَطْفِهِ بِكَذَا؟ . أُجِيبَ بِأَنَّ

وَلَا يَصِحُّ بَيْعُ الْمُسْلَمِ فِيهِ وَلَا الِاعْتِيَاضُ عَنْهُ، وَالْجَدِيدُ جَوَازُ الِاسْتِبْدَالِ عَنْ الثَّمَنِ،

[مغني المحتاج]

فَائِدَتَهُ التَّنْبِيهُ عَلَى أَنَّهُ قَسَّمَ الْأَمَانَةَ؛ لِأَنَّهُ مَضْمُونٌ ضَمَانَ يَدٍ فَلَا يَنْحَصِرُ فِي الْأَمَانَةِ وَلَكِنْ لَا يَنْحَصِرُ فِيمَا ذَكَرَهُ، بَلْ مَا رَجَعَ إلَيْهِ بِفَسْخِ عَقْدٍ بِعَيْبٍ أَوْ غَيْرِهِ وَهُوَ بَاقٍ فِي يَدِ الْمُشْتَرِي بَعْدَ رَدِّ الثَّمَنِ لَهُ وَمَقْبُوضٌ بِعَقْدٍ فَاسِدٍ لِفَوَاتِ شَرْطٍ أَوْ نَحْوِهِ وَرَأْسُ مَالٍ سَلَمٍ فُسِخَ لِانْقِطَاعِ الْمُسْلَمِ فِيهِ أَوْ غَيْرِهِ وَمَغْصُوبٌ يَقْدِرُ عَلَى انْتِزَاعِهِ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ.
تَنْبِيهٌ: فَصَّلَ الْمَاوَرْدِيُّ فِي بَيْعِ الْعَارِيَّةِ، فَقَالَ: إنْ أَمْكَنَ الرَّدُّ كَالدَّارِ وَالدَّابَّةِ صَحَّ، وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ كَالْأَرْضِ غُرِسَتْ فَالْبَيْعُ بَاطِلٌ فِي الْأَصَحِّ لِجَهَالَةِ الْمُدَّةِ، وَاسْتِرْجَاعُهَا غَيْرُ مُمْكِنٍ إلَّا بِبَذْلِ قِيمَةِ الْبِنَاءِ وَالْغِرَاسِ أَوْ أَرْشِ النَّقْصِ، وَذَلِكَ غَيْرُ وَاجِبٍ عَلَى الْبَائِعِ وَلَا عَلَى الْمُشْتَرِي.
اهـ. وَيُحْمَلُ إطْلَاقُ الشَّيْخَيْنِ عَلَى هَذَا التَّفْصِيلِ.

فَرْعٌ: لَوْ أَفْرَزَ السُّلْطَانُ لِشَخْصٍ عَطَاءً وَرَضِيَ بِهِ جَازَ لَهُ بَيْعُهُ قَبْلَ قَبْضِهِ لِلرِّفْقِ بِالْجُنْدِ؛ وَلِأَنَّ يَدَ السُّلْطَانِ فِي الْحَظِّ لِلْمُفْرِزِ يَدُ الْمُفْرَزِ لَهُ، وَيَصِحُّ بَيْعُ أَحَدِ الْغَانِمَيْنِ لِقَدْرٍ مَعْلُومٍ مَلَكَهُ مِنْ الْغَنِيمَةِ شَائِعًا، وَيَصِحُّ بَيْعُ مَوْهُوبٍ رَجَعَ فِيهِ الْوَالِدُ قَبْلَ قَبْضِهِ وَلَهُ بَيْعُ مَقْسُومٍ قِسْمَةَ إفْرَازٍ قَبْلَ قَبْضِهِ، بِخِلَافِ قِسْمَةِ الْبَيْعِ لَيْسَ لَهُ بَيْعُ مَا صَارَ لَهُ فِيهَا مِنْ نَصِيبِ صَاحِبِهِ قَبْلَ قَبْضِهِ، وَلَا بَيْعُ شِقْصٍ أَخَذَهُ بِشُفْعَةٍ قَبْلَ قَبْضِهِ؛ لِأَنَّ الْأَخْذَ بِهَا مُعَاوَضَةٌ، وَلَهُ بَيْعُ ثَمَرٍ عَلَى شَجَرٍ مَوْقُوفٍ عَلَيْهِ قَبْلَ أَخْذِهِ، وَكَذَا سَائِرُ غَلَّاتِ وَقْفٍ حَصَلَتْ لِجَمَاعَةٍ وَعَرَفَ كُلٌّ قَدْرَ حِصَّتِهِ كَمَا نَقَلَهُ فِي الْمَجْمُوعِ عَنْ الْمُتَوَلِّي وَأَقَرَّهُ.

(وَلَا يَصِحُّ بَيْعُ الْمُسْلَمِ فِيهِ وَلَا الِاعْتِيَاضُ عَنْهُ) قَبْلَ قَبْضِهِ لِعُمُومِ النَّهْيِ عَنْ بَيْعِ مَا لَمْ يُقْبَضْ، وَالْمَبِيعُ الثَّابِتُ فِي الذِّمَّةِ إذَا عُقِدَ عَلَيْهِ بِغَيْرِ لَفْظِ السَّلَمِ لَا يُعْتَاضُ عَنْهُ وَإِنْ كَانَ غَيْرَ سَلَمٍ عَلَى الصَّحِيحِ، وَتَنَاقَضَ فِي ذَلِكَ كَلَامُ الشَّيْخَيْنِ، وَالْمُعْتَمَدُ عَدَمُ الصِّحَّةِ (وَالْجَدِيدُ جَوَازُ الِاسْتِبْدَالِ عَنْ الثَّمَنِ) الثَّابِتِ فِي الذِّمَّةِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ نَقْدًا لِخَبَرِ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - أَنَّهُ قَالَ: «كُنْتُ أَبِيعُ الْإِبِلَ بِالدَّنَانِيرِ وَآخُذُ مَكَانَهَا الدَّرَاهِمَ وَأَبِيعُ بِالدَّرَاهِمِ وَآخُذُ مَكَانَهَا الدَّنَانِيرَ، فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَسَأَلْتُهُ عَنْ ذَلِكَ، فَقَالَ: لَا بَأْسَ إذَا تَفَرَّقْتُمْ وَلَيْسَ بَيْنَكُمَا شَيْءٌ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَغَيْرُهُ وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ.
وَسَوَاءٌ أَقَبَضَ الثَّمَنَ أَمْ لَا، فَقَوْلُهُ فِي الْخَبَرِ " وَلَيْسَ بَيْنَكُمَا شَيْءٌ " أَيْ: مِنْ عَقْدِ الِاسْتِبْدَالِ لَا مِنْ الْعَقْدِ الْأَوَّلِ بِقَرِينَةِ رِوَايَةٍ أُخْرَى تَدُلُّ لِذَلِكَ، وَالْقَدِيمُ الْمَنْعُ لِعُمُومِ النَّهْيِ السَّابِقِ لِذَلِكَ، وَلِلْمَضْمُونَاتِ ضَمَانُ الْعُقُودِ كَبَدَلِ خُلْعٍ وَصَدَاقٍ وَأُجْرَةٍ

فَإِنْ اسْتَبْدَلَ مُوَافِقًا فِي عِلَّةِ الرِّبَا كَدَرَاهِمَ عَنْ دَنَانِيرَ اُشْتُرِطَ قَبْضُ الْبَدَلِ فِي الْمَجْلِسِ وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ التَّعْيِينُ فِي الْعَقْدِ وَكَذَا الْقَبْضُ فِي الْمَجْلِسِ

إنْ اسْتَبْدَلَ مَا لَا يُوَافِقُ فِي الْعِلَّةِ كَثَوْبٍ عَنْ دَرَاهِمَ، وَلَوْ اسْتَبْدَلَ عَنْ الْقَرْضِ

[مغني المحتاج]

حُكْمُ الثَّمَنِ لِاسْتِقْرَارِهَا، بِخِلَافِ دَيْنِ السَّلَمِ كَمَا مَرَّ، وَفُرِّقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الثَّمَنِ بِأَنَّهُ مُعَرَّضٌ بِانْقِطَاعِهِ لِلِانْفِسَاخِ أَوْ الْفَسْخِ، وَبِأَنَّ عَيْنَهُ تُقْصَدُ بِخِلَافِ الثَّمَنِ فِيهِمَا، وَيَجُوزُ اسْتِبْدَالُ الْحَالِّ عَنْ الْمُؤَجَّلِ وَكَانَ صَاحِبُهُ عَجَّلَهُ بِخِلَافِ عَكْسِهِ لِعَدَمِ لُحُوقِ الْأَجَلِ.
فَائِدَةٌ: الثَّمَنُ: النَّقْدُ إنْ قُوبِلَ بِغَيْرِهِ لِلْعُرْفِ، فَإِنْ كَانَا نَقْدَيْنِ أَوْ عَرْضَيْنِ فَمَا الْتَصَقَتْ بِهِ الْبَاءُ الْمُسَمَّاةُ بِبَاءِ الثَّمَنِيَّةِ هُوَ الثَّمَنُ، وَالْمُثَمَّنُ مَا يُقَابِلُهُ، فَلَوْ قَالَ بِعْتُكَ هَذِهِ الدَّرَاهِمَ بِعَبْدٍ وَوَصَفَهُ فَالْعَبْدُ مَبِيعٌ لَا يَجُوزُ الِاسْتِبْدَالُ عَنْهُ وَالدَّرَاهِمُ ثَمَنٌ، أَوْ بِعْتُكَ هَذَا الثَّوْبَ بِعَبْدٍ وَوَصَفَهُ فَالْعَبْدُ ثَمَنٌ يَجُوزُ الِاسْتِبْدَالُ عَنْهُ لَا عَنْ الثَّوْبِ؛ لِأَنَّهُ مُثَمَّنٌ.
فَإِنْ قِيلَ مُقْتَضَى كَلَامِهِمْ أَنَّهُ لَوْ بَاعَ عَبْدَهُ بِدَرَاهِمَ سَلَمًا كَانَتْ ثَمَنًا وَصَحَّ الِاسْتِبْدَالُ عَنْهَا، وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ الِاسْتِبْدَالُ عَنْ الْمُسْلَمِ فِيهِ.
أُجِيبَ بِأَنَّ دُخُولَ الْبَاءِ عَارَضَهُ كَوْنُهُ مُسْلَمًا فِيهِ فَلَا يَصِحُّ، فَكَلَامُهُمْ عَلَى إطْلَاقِهِ مِنْ أَنَّ الثَّمَنَ مَدْخَلُ الْبَاءِ وَلَكِنْ عَارَضَ مَانِعٌ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ فَلَا تُرَدُّ نَقْضًا، وَقِيلَ: إنَّ قَوْلَهُمْ: يَجُوزُ الِاسْتِبْدَالُ عَنْ الثَّمَنِ جَرَى عَلَى الْغَالِبِ حَتَّى لَا تُرَدُّ هَذِهِ الصُّورَةُ، هَذَا كُلُّهُ فِيمَا لَا يُشْتَرَطُ قَبْضُهُ فِي الْمَجْلِسِ (فَإِنْ اسْتَبْدَلَ مُوَافِقًا فِي عِلَّةِ الرِّبَا كَدَرَاهِمَ عَنْ دَنَانِيرَ) أَوْ عَكْسَهُ (اُشْتُرِطَ قَبْضُ الْبَدَلِ فِي الْمَجْلِسِ) كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ الْخَبَرُ السَّابِقُ حَذَرًا مِنْ الرِّبَا فَلَا يَكْفِي التَّعْيِينُ عَنْهُ (وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ التَّعْيِينُ) لِلْبَدَلِ: أَيْ تَشْخِيصُهُ (فِي الْعَقْدِ) ؛ لِأَنَّ الصَّرْفَ عَلَى مَا فِي الذِّمَّةِ جَائِزٌ.
وَالثَّانِي: يُشْتَرَطُ لِيَخْرُجَ عَنْ بَيْعِ الدَّيْنِ بِالدَّيْنِ (وَكَذَا) لَا يُشْتَرَطُ (الْقَبْضُ) لِلْبَدَلِ (فِي الْمَجْلِسِ) فِي الْأَصَحِّ.

(إنْ اسْتَبْدَلَ مَا لَا يُوَافِقُ فِي الْعِلَّةِ) لِلرِّبَا (كَثَوْبٍ عَنْ دَرَاهِمَ) كَمَا لَوْ بَاعَ ثَوْبًا بِدَرَاهِمَ فِي الذِّمَّةِ، لَكِنْ لَا بُدَّ مِنْ التَّعْيِينِ فِي الْمَجْلِسِ قَطْعًا، وَفِي اشْتِرَاطِ التَّعْيِينِ فِي الْعَقْدِ الْوَجْهَانِ فِي اسْتِبْدَالِ الْمُوَافِقِ.
وَالثَّانِي: يُشْتَرَطُ الْقَبْضُ؛ لِأَنَّ أَحَدَ الْعِوَضَيْنِ دَيْنٌ، فَيُشْتَرَطُ قَبْضُ الْآخَرِ كَرَأْسِ مَالِ السَّلَمِ.
فَإِنْ قِيلَ كَانَ الْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ كَطَعَامٍ عَنْ دَرَاهِمَ؛ لِأَنَّ الثَّوْبَ لَيْسَ بِرِبَوِيٍّ، فَلَا يَحْسُنُ أَنْ يُقَالَ: إنَّ الثَّوْبَ لَا يُوَافِقُ الدَّرَاهِمَ فِي عِلَّةِ الرِّبَا؟ . أُجِيبَ بِأَنَّ النَّفْيَ يَصْدُقُ بِنَفْيِ الْمَوْضُوعِ، فَيَصْدُقُ بِأَنْ لَا رِبَا أَصْلًا (وَلَوْ اسْتَبْدَلَ عَنْ الْقَرْضِ) بِمَعْنَى الْمَقْرُوضِ جَازَ وَلَوْ لَمْ يَتْلَفْ خِلَافًا لِبَعْضِ الْمُتَأَخِّرِينَ، وَإِنْ كَانَ قَبْلَ تَلَفِهِ غَيْرَ مُسْتَقِرٍّ فِي الذِّمَّةِ مِنْ حَيْثُ إنَّ لِلْمُقْرِضِ أَنْ يَرْجِعَ فِي عَيْنِهِ.

وَقِيمَةِ الْمُتْلَفِ جَازَ، وَفِي اشْتِرَاطِ قَبْضِهِ فِي الْمَجْلِسِ مَا سَبَقَ.

وَبَيْعُ الدَّيْنِ لِغَيْرِ مَنْ عَلَيْهِ بَاطِلٌ فِي الْأَظْهَرِ بِأَنْ اشْتَرَى عَبْدَ زَيْدٍ بِمِائَةٍ لَهُ عَلَى عَمْرٍو وَلَوْ كَانَ لِزَيْدٍ وَعَمْرو دَيْنَانِ عَلَى شَخْصٍ فَبَاعَ زَيْدٌ عَمْرًا دَيْنَهُ بِدَيْنِهِ بَطَلَ قَطْعًا، وَقَبْضُ الْعَقَارِ تَخْلِيَتُهُ لِلْمُشْتَرِي

[مغني المحتاج]

(وَ) لَوْ اسْتَبْدَلَ عَنْ (قِيمَةِ الْمُتْلَفِ) أَوْ مِثْلِهِ، وَكَذَا عَنْ كُلِّ دَيْنٍ لَيْسَ بِثَمَنٍ وَلَا مُثَمَّنٍ كَالدَّيْنِ الْمُوصَى بِهِ أَوْ الْوَاجِبِ بِتَقْدِيرِ الْحَاكِمِ فِي الْمُتْعَةِ أَوْ بِسَبَبِ الضَّمَانِ أَوْ عَنْ زَكَاةِ الْفِطْرِ إذَا كَانَ الْفُقَرَاءُ مَحْصُورِينَ (جَازَ) لِاسْتِقْرَارِ ذَلِكَ (وَفِي اشْتِرَاطِ قَبْضِهِ) أَيْ الْبَدَلِ (فِي الْمَجْلِسِ) وَتَعْيِينِهِ (مَا سَبَقَ) مِنْ كَوْنِهِ مُخَالِفًا فِي عِلَّةِ الرِّبَا أَوَّلًا.
قَالَ الْإِسْنَوِيُّ: وَفِي الدَّيْنِ الثَّابِتِ بِالْحَوَالَةِ نَظَرٌ، وَيُحْتَمَلُ تَخْرِيجُهُ عَلَى أَنَّ الْحَوَالَةَ بَيْعٌ أَمْ لَا، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَنْظُرَ إلَى أَصْلِهِ وَهُوَ الْمُحَالُ بِهِ فَيُعْطَى حُكْمَهُ.
اهـ. وَالثَّانِي: أَوْجَهُ.

(وَبَيْعُ الدَّيْنِ) بِعَيْنٍ (لِغَيْرِ مَنْ عَلَيْهِ بَاطِلٌ فِي الْأَظْهَرِ بِأَنْ اشْتَرَى عَبْدَ زَيْدٍ) مَثَلًا (بِمِائَةٍ لَهُ عَلَى عَمْرٍو) ؛ لِأَنَّهُ لَا يَقْدِرُ عَلَى تَسْلِيمِهِ، وَهَذَا مَا صَحَّحَهُ فِي الْمُحَرَّرِ وَالشَّرْحَيْنِ وَالْمَجْمُوعِ هُنَا، وَجَزَمَ بِهِ الرَّافِعِيُّ فِي بَابِ الْكِتَابَةِ.
وَالثَّانِي: يَصِحُّ، وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ كَمَا صَحَّحَهُ فِي زَوَائِدِ الرَّوْضَةِ هُنَا مُوَافِقًا لِلرَّافِعِيِّ فِي آخَرِ الْخُلْعِ، وَاخْتَارَهُ السُّبْكِيُّ، وَحُكِيَ عَنْ النَّصِّ لِاسْتِقْرَارِهِ، كَبَيْعِهِ مِمَّنْ هُوَ عَلَيْهِ، وَعَلَى هَذَا قَالَ فِي الْمَطْلَبِ: يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ الْمَدْيُونُ مَلِيًّا مُقِرًّا، وَأَنْ يَكُونَ الدَّيْنُ حَالًّا مُسْتَقِرًّا، وَصَرَّحَ فِي أَصْلِ الرَّوْضَةِ كَالْبَغَوِيِّ بِاشْتِرَاطِ قَبْضِ الْعِوَضَيْنِ فِي الْمَجْلِسِ، وَهَذَا هُوَ الْمُعْتَمَدُ وَإِنْ قَالَ فِي الْمَطْلَبِ: مُقْتَضَى كَلَامِ الْأَكْثَرِينَ يُخَالِفُهُ، وَلَا يَصِحُّ أَنْ يُحْمَلَ الْأَوَّلُ عَلَى الرِّبَوِيِّ وَالثَّانِي عَلَى غَيْرِهِ كَمَا قَالَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ؛ لِأَنَّ مِثَالَهُمْ يَأْبَى ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الشَّيْخَيْنِ مَثَّلَا ذَلِكَ بِعَبْدٍ.
تَنْبِيهٌ: الْقَوْلُ بِالصِّحَّةِ إنَّمَا يَجْرِي فِي غَيْرِ الْمُسْلَمِ فِيهِ كَمَا يُؤْخَذُ مِنْ تَعْلِيلِهِ وَمِمَّا مَرَّ (وَلَوْ كَانَ لِزَيْدٍ وَعَمْرو دَيْنَانِ عَلَى شَخْصٍ فَبَاعَ زَيْدٌ عَمْرًا دَيْنَهُ بِدَيْنِهِ بَطَلَ قَطْعًا) اتَّفَقَ الْجِنْسُ أَوْ اخْتَلَفَ «لِنَهْيِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ بَيْعِ الْكَالِئِ بِالْكَالِئِ» رَوَاهُ الْحَاكِمُ وَقَالَ: إنَّهُ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ.
وَفُسِّرَ بِبَيْعِ الدَّيْنِ بِالدَّيْنِ كَمَا وَرَدَ التَّصْرِيحُ بِهِ فِي رِوَايَةِ الْبَيْهَقِيّ ثُمَّ شَرَعَ فِي بَيَانِ الْقَبْضِ وَالرُّجُوعِ فِي حَقِيقَتِهِ إلَى الْعُرْفِ فِيهِ لِعَدَمِ مَا يَضْبِطُهُ شَرْعًا أَوْ لُغَةً كَالْإِحْيَاءِ وَالْحَرْزِ فِي السَّرِقَةِ، فَقَالَ (وَقَبْضُ الْعَقَارِ) أَيْ إقْبَاضُهُ، وَهُوَ الْأَرْضُ وَالنَّخْلُ وَالضِّيَاعُ كَمَا قَالَهُ الْجَوْهَرِيُّ، وَأَرَادَ بِالضِّيَاعِ: الْأَبْنِيَةَ (تَخْلِيَةً لِلْمُشْتَرِي) أَيْ تَرَكَهُ بِلَفْظٍ يَدُلُّ عَلَيْهَا مِنْ الْبَائِعِ

وَتَمْكِينُهُ مِنْ التَّصَرُّفِ، بِشَرْطِ فَرَاغِهِ مِنْ أَمْتِعَةِ الْبَائِعِ فَإِنْ لَمْ يَحْضُرْ الْعَاقِدَانِ الْمَبِيعَ اُعْتُبِرَ مُضِيُّ زَمَنٍ يُمْكِنُ فِيهِ الْمُضِيُّ إلَيْهِ فِي الْأَصَحِّ وَقَبْضُ الْمَنْقُولِ تَحْوِيلُهُ،

[مغني المحتاج]

كَمَا اقْتَضَاهُ كَلَامُ الْمَطْلَبِ نَقْلًا عَنْ الْأَصْحَابِ (وَتَمْكِينُهُ مِنْ التَّصَرُّفِ) فِيهِ كَتَسْلِيمِ الْمِفْتَاحِ إلَيْهِ وَإِنْ لَمْ يَتَصَرَّفْ فِيهِ وَلَمْ يَدْخُلْهُ، وَيُشْتَرَطُ كَمَا فِي الْكِفَايَةِ: أَنْ لَا يَكُونَ هُنَاكَ مَانِعٌ حِسِّيٌّ وَلَا شَرْعِيٌّ؛ لِأَنَّ الشَّارِعَ أَطْلَقَ الْقَبْضَ وَأَنَاطَ بِهِ أَحْكَامًا وَلَمْ يُبَيِّنْهُ وَلَا لَهُ حَدٌّ فِي اللُّغَةِ فَيُرْجَعُ فِيهِ إلَى الْعُرْفِ كَمَا مَرَّ، وَالْعُرْفُ قَاضٍ بِمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ فِي هَذَا وَمَا بَعْدَهُ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: وَفِي مَعْنَى الْعَقَارِ الْأَشْجَارُ الثَّابِتَةُ وَالثَّمَرَةُ الْمَبِيعَةُ عَلَى الشَّجَرَةِ قَبْلَ أَوَانِ الْجُذَاذِ، وَتَقْيِيدُهُ بِذَلِكَ يُشْعِرُ بِأَنَّ دُخُولَ وَقْتِ قَطْعِهَا يَلْحَقُ بِالْمَنْقُولِ، وَهُوَ كَمَا قَالَ الْإِسْنَوِيُّ الْمُتَّجَهُ وَإِنْ نَازَعَ فِيهِ الْأَذْرَعِيُّ.
تَنْبِيهٌ: قَالَ الشَّارِحُ: لَوْ أَتَى الْمُصَنِّفُ بِالْبَاءِ فِي التَّخْلِيَةِ كَمَا فِي الرَّوْضَةِ وَأَصْلِهَا وَالْمُحَرَّرِ كَانَ أَقْوَمَ إلَّا أَنْ يُفَسِّرَ الْقَبْضَ بِالْإِقْبَاضِ اهـ. أَيْ: لِأَنَّ الْقَبْضَ فِعْلُ الْمُشْتَرِي وَالتَّخْلِيَةَ فِعْلُ الْبَائِعِ، فَلَوْلَا التَّأْوِيلُ الْمَذْكُورُ كَمَا قَدَّرْتُهُ فِي عِبَارَتِهِ لَمَا صَحَّ الْحَمْلُ (بِشَرْطِ فَرَاغِهِ مِنْ أَمْتِعَةِ الْبَائِعِ) ؛ لِأَنَّ التَّسْلِيمَ فِي الْعُرْفِ مَوْقُوفٌ عَلَى ذَلِكَ فَيُفَرِّغُهَا بِحَسَبِ الْإِمْكَانِ وَلَا يُكَلَّفُ تَفْرِيغَهَا فِي سَاعَةٍ وَاحِدَةٍ إذَا كَانَتْ كَثِيرَةً وَسَيَأْتِي فِي بَابِ الْأُصُولِ وَالثِّمَارِ أَنَّ الْأَرْضَ الْمَزْرُوعَةَ يَحْصُلُ تَسْلِيمُهَا بِالتَّخْلِيَةِ مَعَ بَقَاءِ الزَّرْعِ لِتَأَتِّي التَّفْرِيغِ هُنَا فِي الْحَالِ بِخِلَافِهِ ثَمَّ، وَلَوْ جُمِعَتْ الْأَمْتِعَةُ فِي بَيْتٍ مِنْ الدَّارِ وَخُلِّيَ بَيْنَ الْمُشْتَرِي وَبَيْنَهَا حَصَلَ الْقَبْضُ فِيمَا عَدَاهُ، فَإِنْ نُقِلَتْ الْأَمْتِعَةُ مِنْهُ إلَى بَيْتٍ آخَرَ حَصَلَ الْقَبْضُ فِي الْجَمِيعِ.
تَنْبِيهٌ: تَقْيِيدُ الْمُصَنِّفِ بِأَمْتِعَةِ الْبَائِعِ يَخْرُجُ بِهِ أَمْتِعَةُ الْمُشْتَرِي فَقَطْ.
أَمَّا أَمْتِعَةُ غَيْرِ الْمُشْتَرِي مِنْ مُسْتَأْجِرٍ وَمُسْتَعِيرٍ وَمُوصًى لَهُ بِالْمَنْفَعَةِ فَكَأَمْتِعَةِ الْبَائِعِ كَمَا قَالَهُ الْأَذْرَعِيُّ وَإِنْ خَالَفَ فِي ذَلِكَ غَيْرَهُ فَاحْذَرْهُ (فَإِنْ لَمْ يَحْضُرْ الْعَاقِدَانِ الْمَبِيعَ) وَحُضُورُهُمَا لَا يُشْتَرَطُ عَلَى الْأَصَحِّ؛ لِمَا فِيهِ مِنْ الْمَشَقَّةِ (اُعْتُبِرَ) فِي حُصُولِ قَبْضِهِ (مُضِيُّ زَمَنٍ يُمْكِنُ فِيهِ الْمُضِيُّ إلَيْهِ فِي الْأَصَحِّ) سَوَاءٌ أَكَانَ فِي يَدِ الْمُشْتَرِي أَمْ لَا مَنْقُولًا كَانَ أَوْ لَا؛ لِأَنَّا لَا نَعْتَبِرُ الْحُضُورَ لِلْمَشَقَّةِ، وَلَا مَشَقَّةَ فِي مُضِيِّ الزَّمَانِ فَاعْتُبِرَ.
وَالثَّانِي: لَا يُعْتَبَرُ؛ لِأَنَّهُ لَا مَعْنَى لِاعْتِبَارِهِ مَعَ عَدَمِ الْحُضُورِ، وَعَلَى الْأَوَّلِ لَا يُعْتَبَرُ نَفْسُ الْمُضِيِّ وَلَا يَفْتَقِرُ فِي الْغَائِبِ عَنْ الْعَاقِدَيْنِ، وَلَا فِي الْحَاضِرِ بِيَدِ الْمُشْتَرِي إلَى إذْنِ الْبَائِعِ إنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ حَقُّ الْحَبْسِ وَإِلَّا افْتَقَرَ (وَقَبْضُ الْمَنْقُولِ) مِنْ حَيَوَانٍ أَوْ غَيْرِهِ (تَحْوِيلُهُ) لِمَا رَوَى الشَّيْخَانِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ

فَإِنْ جَرَى الْبَيْعُ بِمَوْضِعٍ لَا يَخْتَصُّ بِالْبَائِعِ كَفَى نَقْلَهُ إلَى حَيِّزٍ،

[مغني المحتاج]

«كُنَّا نَشْتَرِي الطَّعَامَ جِزَافًا فَنَهَانَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ نَبِيعَهُ حَتَّى نَنْقُلَهُ مِنْ مَكَانِهِ» ، وَقِيسَ بِالطَّعَامِ غَيْرُهُ فَيَأْمُرُ الْعَبْدَ بِالِانْتِقَالِ مِنْ مَوْضِعِهِ وَيَسُوقُ الدَّابَّةَ أَوْ يَقُودُهَا، وَلَا يَكْفِي رُكُوبُهَا وَاقِفَةً، وَلَا اسْتِعْمَالُ الْعَبْدِ كَذَلِكَ، وَلَا وَطْءُ الْجَارِيَةِ "، وَقَوْلُ الرَّافِعِيِّ فِي كِتَابِ الْغَصْبِ: لَوْ رَكِبَ الْمُشْتَرِي الدَّابَّةَ أَوْ جَلَسَ عَلَى الْفِرَاشِ حَصَلَ الضَّمَانُ، ثُمَّ إنْ كَانَ ذَلِكَ بِإِذْنِ الْبَائِعِ جَازَ لَهُ التَّصَرُّفُ أَيْضًا وَإِنْ لَمْ يَنْقُلْهُ وَإِلَّا فَلَا صَحِيحٌ فِي الضَّمَانِ غَيْرُ صَحِيحٍ فِي التَّصَرُّفِ، وَيَكْفِي فِي قَبْضِ الثَّوْبِ وَنَحْوِهِ مِمَّا يُتَنَاوَلُ بِالْيَدِ التَّنَاوُلُ، وَمَرَّ أَنَّ بَيْعَ الثَّمَرَةِ قَبْلَ أَوَانِ الْجُدَادِ يَكْفِي فِيهِ التَّخْلِيَةُ، وَكَذَا بَيْعُ الزَّرْعِ فِي الْأَرْضِ، وَأَنَّ إتْلَافَ الْمُشْتَرِي الْمَبِيعَ قَبْضٌ لَهُ، فَيُسْتَثْنَى ذَلِكَ مِنْ كَلَامِهِ هُنَا، وَيُسْتَثْنَى أَيْضًا الْقِسْمَةُ فَلَا حَاجَةَ إلَى تَحْوِيلِ الْمَقْسُومِ، وَلَوْ جَعَلْنَا الْقِسْمَةَ بَيْعًا إذْ لَا ضَمَانَ فِيهَا حَتَّى يَسْقُطَ بِالْقَبْضِ.
تَنْبِيهٌ: يُؤْخَذُ مِنْ التَّعْبِيرِ بِالنَّقْلِ أَنَّ الدَّابَّةَ مَثَلًا لَوْ تَحَوَّلَتْ بِنَفْسِهَا ثُمَّ اسْتَوْلَى عَلَيْهَا الْمُشْتَرِي لَا يَحْصُلُ الْقَبْضُ وَهُوَ كَذَلِكَ سَوَاءٌ اسْتَوْلَى عَلَيْهَا بِغَيْرِ إذْنِ الْبَائِعِ أَوْ بِإِذْنِهِ لِمَا مَرَّ أَنْ كَلَامَ الرَّافِعِيِّ فِي الْغَصْبِ ضَعِيفٌ وَلَوْ كَانَ الْمَبِيعُ تَحْتَ يَدِ الْمُشْتَرِي أَمَانَةً أَوْ مَضْمُونًا وَهُوَ حَاضِرٌ وَلَمْ يَكُنْ لِلْبَائِعِ حَقُّ الْحَبْسِ صَارَ مَقْبُوضًا بِنَفْسِ الْعَقْدِ بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ لَهُ حَقُّ الْحَبْسِ فَإِنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ إذْنِهِ كَمَا مَرَّ، وَلَوْ بَاعَ شَجَرَةً بِشَرْطِ الْقَطْعِ كَفَى فِيهَا التَّخْلِيَةُ كَمَا ذَكَرَهُ الْقَفَّالُ فِي فَتَاوِيهِ، وَلَوْ اشْتَرَى الْأَمْتِعَةَ مَعَ الدَّارِ صَفْقَةً اشْتَرَطَ فِي قَبْضِهَا نَقْلَهَا كَمَا لَوْ أُفْرِدَتْ، وَقِيلَ: لَا تَبَعًا لِقَبْضِ الدَّارِ، وَلَوْ اشْتَرَى صُبْرَةً ثُمَّ اشْتَرَى مَكَانَهَا لَمْ يَكْفِ خِلَافًا لِلْمَاوَرْدِيِّ كَمَا لَوْ اشْتَرَى شَيْئًا فِي دَارِهِ فَإِنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ نَقْلِهِ، وَمَا فَرَّقَ بِهِ بَيْنَهُمَا غَيْرُ مُعْتَبَرٍ وَالسَّفِينَةُ مِنْ الْمَنْقُولَاتِ كَمَا قَالَهُ ابْنُ الرِّفْعَةِ، فَلَا بُدَّ مِنْ تَحْوِيلِهَا، وَهُوَ ظَاهِرٌ فِي الصَّغِيرَةِ وَفِي الْكَبِيرَةِ فِي مَاءٍ تَسِيرُ فِيهِ.
أَمَّا الْكَبِيرَةُ فِي الْبَرِّ فَكَالْعَقَارِ فَيَكْفِي فِيهَا التَّخْلِيَةُ لِعُسْرِ النَّقْلِ، وَعَلَى كُلِّ تَقْدِيرٍ لَا بُدَّ فِيهَا مِنْ تَفْرِيغِهَا مِنْ أَمْتِعَةِ الْبَائِعِ وَنَحْوِهِ، وَلَوْ بِيعَ ظَرْفٌ دُونَ مَظْرُوفِهِ اُشْتُرِطَ فِي تَسْلِيمِهِ تَفْرِيغُهُ كَالسَّفِينَةِ، وَكَذَا كُلُّ مَنْقُولٍ لَا بُدَّ مِنْ تَفْرِيغِهِ (فَإِنْ جَرَى الْبَيْعُ) فِي أَيِّ مَكَان كَانَ وَالْمَبِيعُ (بِمَوْضِعٍ لَا يَخْتَصُّ بِالْبَائِعِ) بِأَنْ اخْتَصَّ بِالْمُشْتَرِي بِمِلْكٍ أَوْ وَقْفٍ أَوْ وَصِيَّةٍ لَهُ بِالْمَنْفَعَةِ أَوْ إجَارَةٍ أَوْ إعَارَةٍ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ كَتَحَجُّرٍ عَلَى مَا سَيَأْتِي فِي الْإِحْيَاءِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، أَوْ لَمْ يَخْتَصَّ بِأَحَدٍ كَمَوَاتٍ وَشَارِعٍ وَمَسْجِدٍ (كَفَى) فِي قَبْضِهِ (نَقْلَهُ) مِنْ حَيِّزٍ (إلَى حَيِّزٍ) آخَرَ مِنْ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ، وَشَمِلَ كَلَامُهُ الْمَغْصُوبَ مِنْ أَجْنَبِيٍّ وَالْمُشْتَرَكَ بَيْنَ

وَإِنْ جَرَى فِي دَارِ الْبَائِعِ لَمْ يَكْفِ ذَلِكَ إلَّا بِإِذْنِ الْبَائِعِ فَيَكُونُ مُعِيرًا لِلْبُقْعَةِ.

فَرْعٌ لِلْمُشْتَرِي قَبْضُ الْمَبِيعِ إنْ كَانَ الثَّمَنُ مُؤَجَّلًا أَوْ سَلَّمَهُ، وَإِلَّا فَلَا يَسْتَقِلُّ بِهِ، وَلَوْ بِيعَ الشَّيْءُ تَقْدِيرًا كَثَوْبٍ وَأَرْضٍ ذَرْعًا وَحِنْطَةٍ كَيْلًا أَوْ

[مغني المحتاج]

الْمُشْتَرِي وَغَيْرِهِ وَبَيْنَ الْبَائِعِ وَغَيْرِهِ فَإِنَّهُ يُصَدَّقُ أَنَّهُ لَا اخْتِصَاصَ لِلْبَائِعِ بِهِ وَإِنْ قَالَ الْإِسْنَوِيُّ فِيهِ نَظَرٌ.
تَنْبِيهٌ: كَانَ الْأَوْلَى لِلْمُصَنِّفِ أَنْ يَزِيدَ، وَالْمَبِيعُ بِالْمِيمِ، فَإِنَّ جَرَيَانَ الْبَيْعِ لَا مَدْخَلَ لَهُ فِيمَا نَحْنُ فِيهِ كَمَا قَدَّرْتُهُ فِي كَلَامِهِ، لَكِنَّهُ تَبِعَ الْمُحَرَّرَ فِي ذَلِكَ، وَلَعَلَّهُ مِنْ غَيْرِ تَأَمُّلٍ، وَقَوْلُهُ لَا يَخْتَصُّ بِالْبَائِعِ قَالَ الْوَلِيُّ الْعِرَاقِيُّ: إنَّهُ مَقْلُوبٌ وَصَوَابُهُ لَا يَخْتَصُّ الْبَائِعُ بِهِ؛ لِأَنَّ الْبَاءَ تَدْخُلُ عَلَى الْمَقْصُورِ الَّذِي لَا يَتَعَدَّى اهـ. وَفِي التَّعْبِيرِ بِالصَّوَابِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ دُخُولَهَا عَلَى الْمَقْصُورِ أَكْثَرِيٌّ لَا كُلِّيٌّ (وَإِنْ جَرَى) الْبَيْعُ فِي أَيِّ مَكَان كَانَ كَمَا مَرَّ، وَالْمَبِيعُ (فِي دَارِ الْبَائِعِ) أَيْ فِي مَوْضِعٍ يَسْتَحِقُّ مَنْفَعَتَهُ، أَوْ الِانْتِفَاعَ بِهِ بِمِلْكٍ أَوْ وَقْفٍ أَوْ وَصِيَّةٍ أَوْ إجَارَةٍ أَوْ إعَارَةٍ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ كَتَحَجُّرٍ كَمَا مَرَّ (لَمْ يَكْفِ ذَلِكَ) النَّقْلُ فِي قَبْضِهِ (إلَّا بِإِذْنِ الْبَائِعِ) فِيهِ؛ لِأَنَّ يَدَ الْبَائِعِ عَلَيْهَا وَعَلَى مَا فِيهَا.
نَعَمْ لَوْ جَعَلَهُ فِي أَمْتِعَةٍ لَهُ أَوْ مُسْتَعَارَةٍ مِنْ الْبَائِعِ كَفَى كَمَا نَقَلَهُ فِي الْكِفَايَةِ عَنْ الْقَاضِي حُسَيْنٍ وَأَقَرَّهُ، وَيُسْتَثْنَى مِنْ إطْلَاقِهِ مَا إذَا كَانَ الْمَنْقُولُ خَفِيفًا فَقَبَضَهُ بِتَنَاوُلِهِ بِالْيَدِ كَمَا مَرَّ، إذْ لَا فَرْقَ بَيْنَ وُقُوعِهِ فِيمَا يَخْتَصُّ بِالْبَائِعِ أَوْ لَا، وَيُشْتَرَطُ فِي الْمَقْبُوضِ كَوْنُهُ مَرْئِيًّا لِلْقَابِضِ وَإِلَّا فَكَالْبَيْعِ، نَبَّهَ عَلَى ذَلِكَ الزَّرْكَشِيُّ أَمَّا إذَا أَذِنَ لَهُ الْبَائِعُ (فَيَكُونُ مُعِيرًا لِلْبُقْعَةِ) الَّتِي أُذِنَ فِي النَّقْلِ إلَيْهَا كَمَا لَوْ اسْتَعَارَهَا مِنْ غَيْرِهِ.
تَنْبِيهٌ: قَوْلُهُ لَمْ يَكْفِ: أَيْ بِالنِّسْبَةِ إلَى التَّصَرُّفِ.
أَمَّا بِالنِّسْبَةِ إلَى نَقْلِ الضَّمَانِ فَإِنَّهُ يَكُونُ كَافِيًا لِاسْتِيلَائِهِ عَلَيْهِ، وَكَذَا لَوْ أَذِنَ لَهُ فِي مُجَرَّدِ التَّحْوِيلِ.
هَذَا كُلُّهُ فِي مَنْقُولِ بَيْعٍ بِلَا تَقْدِيرٍ، فَإِنْ بِيعَ بِتَقْدِيرٍ فَسَيَأْتِي.

فَرْعٌ: زَادَ التَّرْجَمَةَ بِهِ (لِلْمُشْتَرِي قَبْضُ الْمَبِيعِ) اسْتِقْلَالًا (إنْ كَانَ الثَّمَنُ مُؤَجَّلًا) لِانْتِفَاءِ حَقِّ الْحَبْسِ، وَكَذَا لَوْ حَلَّ قَبْلَ التَّسْلِيمِ وَإِنْ خَالَفَ فِي ذَلِكَ الْإِسْنَوِيُّ (أَوْ) كَانَ حَالًّا وَ (سَلَّمَهُ) لِمُسْتَحِقِّهِ (وَإِلَّا) أَيْ: وَإِنْ كَانَ حَالًّا وَلَمْ يُسَلِّمْهُ كُلَّهُ أَوْ بَعْضَهُ (فَلَا يَسْتَقِلُّ بِهِ) بَلْ لَا بُدَّ مِنْ إذْنِ الْبَائِعِ فِيهِ؛ لِأَنَّ حَقَّ الْحَبْسِ ثَابِتٌ لَهُ، فَإِنْ اسْتَقَلَّ بِهِ لَزِمَهُ رَدُّهُ، وَلَا يَنْفُذُ تَصَرُّفُهُ فِيهِ، لَكِنْ يَدْخُلُ فِي ضَمَانِهِ بِالْيَدِ الْحِسِّيَّةِ لَا الشَّرْعِيَّةِ لِيُطَالِبَ بِهِ إنْ خَرَجَ مُسْتَحَقًّا وَاسْتَقَرَّ ثَمَنُهُ عَلَيْهِ (وَلَوْ بِيعَ الشَّيْءُ تَقْدِيرًا كَثَوْبٍ وَأَرْضٍ ذَرْعًا) بِإِعْجَامِ الذَّالِ (وَحِنْطَةٍ كَيْلًا أَوْ

وَزْنًا اُشْتُرِطَ مَعَ النَّقْلِ ذَرْعُهُ أَوْ كَيْلُهُ أَوْ وَزْنُهُ: مِثَالُهُ بِعْتُكَهَا كُلَّ صَاعٍ بِدِرْهَمٍ أَوْ: عَلَى أَنَّهَا عَشَرَةُ آصُعٍ، وَلَوْ كَانَ لَهُ طَعَامٌ مُقَدَّرٌ عَلَى زَيْدٍ

[مغني المحتاج]

وَزْنًا اُشْتُرِطَ) فِي قَبْضِهِ (مَعَ النَّقْلِ) فِي الْمَنْقُولِ (ذَرْعُهُ) إنْ بِيعَ ذَرْعًا بِأَنْ كَانَ يُذْرَعُ (أَوْ كَيْلُهُ) إنْ بِيعَ كَيْلًا بِأَنْ كَانَ يُكَالُ (أَوْ وَزْنُهُ) إنْ بِيعَ وَزْنًا بِأَنْ كَانَ يُوزَنُ، أَوْ عَدُّهُ إنْ بِيعَ عَدًّا بِأَنْ كَانَ يُعَدُّ، لِوُرُودِ النَّصِّ فِي الْكَيْلِ فِي خَبَرِ مُسْلِمٍ «مَنْ ابْتَاعَ طَعَامًا فَلَا يَبِعْهُ حَتَّى يَكْتَالَهُ» دَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَا يَحْصُلُ فِيهِ الْقَبْضُ إلَّا بِالْكَيْلِ، وَلَيْسَ بِمُعْتَبَرٍ فِي بَيْعِ الْجِزَافِ إجْمَاعًا، فَتَعَيَّنَ فِيمَا قُدِّرَ بِكَيْلٍ الْكَيْلُ، وَقِيسَ عَلَيْهِ الْبَاقِي، وَيُعْتَبَرُ أَنْ يَكِيلَ الْبَائِعُ أَوْ وَكِيلُهُ، فَلَوْ قَالَ لِغَرِيمِهِ: اكْتَلْ حَقَّكَ مِنْ صُبْرَتِي لَمْ يَصِحَّ؛ لِأَنَّ الْكَيْلَ أَحَدُ رُكْنَيْ الْقَبْضِ، وَقَدْ صَارَ نَائِبًا فِيهِ مِنْ جِهَةِ الْبَائِعِ مُتَأَصِّلًا لِنَفْسِهِ.
وَلَوْ تَنَازَعَا فِيمَنْ يَكِيلُ نَصَبَ الْحَاكِمُ كَيَّالًا أَمِينًا يَتَوَلَّاهُ، وَيُقَاسُ بِالْكَيْلِ غَيْرُهُ وَأُجْرَةُ كَيَّالِ الْمَبِيعِ أَوْ وَزَّانِهِ، أَوْ مَنْ ذَرَعَهُ، أَوْ عَدَّهُ وَمُؤْنَةُ إحْضَارِهِ إذَا كَانَ غَائِبًا إلَى مَحِلِّ الْعَقْدِ: أَيْ تِلْكَ الْمَحَلَّةِ عَلَى الْبَائِعِ، وَأُجْرَةُ كَيَّالِ الثَّمَنِ أَوْ وَزَّانِهِ، أَوْ مَنْ ذَرَعَهُ أَوْ عَدَّهُ، وَمُؤْنَةُ إحْضَارِ الثَّمَنِ الْغَائِبِ إلَى مَحَلِّ الْعَقْدِ عَلَى الْمُشْتَرِي، وَأُجْرَةُ النَّقْلِ الْمُحْتَاجِ إلَيْهِ فِي تَسْلِيمِ الْمَبِيعِ الْمَنْقُولِ عَلَى الْمُشْتَرِي: أَيْ وَقِيَاسُهُ أَنْ يَكُونَ فِي الثَّمَنِ عَلَى الْبَائِعِ، وَأُجْرَةُ نَقَّادِ الثَّمَنِ عَلَى الْبَائِعِ: أَيْ وَقِيَاسُهُ أَنْ يَكُونَ فِي الْمَبِيعِ عَلَى الْمُشْتَرِي؛ لِأَنَّ الْقَصْدَ مِنْهُ إظْهَارُ عَيْبٍ إنْ كَانَ لِيَرُدَّ بِهِ، وَلَا فَرْقَ فِي الثَّمَنِ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ مُعَيَّنًا أَوْ لَا كَمَا أَطْلَقَهُ الشَّيْخَانِ وَإِنْ قَيَّدَهُ الْعُمْرَانِيُّ فِي كِتَابِ الْإِجَارَةِ بِمَا إذَا كَانَ الثَّمَنُ مُعَيَّنًا، وَلَوْ أَخْطَأَ النَّقَّادُ فَظَهَرَ بِمَا نَقَدَهُ غِشٌّ وَتَعَذَّرَ الرُّجُوعُ عَلَى الْمُشْتَرِي فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ وَإِنْ كَانَ بِأُجْرَةٍ كَمَا أَطْلَقَهُ صَاحِبُ الْكَافِي وَإِنْ قَيَّدَهُ الزَّرْكَشِيُّ بِمَا إذَا كَانَ مُتَبَرِّعًا لَكِنْ لَا أُجْرَةَ لَهُ كَمَا لَوْ اسْتَأْجَرَهُ لِلنَّسْخِ فَغَلِطَ فَإِنَّهُ لَا أُجْرَةَ لَهُ.
فَإِنْ قِيلَ: إنَّهُ يَغْرَمُ هُنَاكَ أَرْشَ الْوَرَقِ، فَقِيَاسُهُ أَنْ يَكُونَ هُنَا ضَامِنًا وَهُوَ مَا اسْتَنَدَ إلَيْهِ الزَّرْكَشِيُّ.
أُجِيبَ بِأَنَّهُ هُنَاكَ مُقَصِّرٌ وَهُنَا مُجْتَهِدٌ، وَالْمُجْتَهِدُ غَيْرُ مُقَصِّرٍ.
ثُمَّ إنَّ الْمُصَنِّفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - بَيَّنَ لَكَ الْقَدْرَ فِي الْمَكِيلِ بِمِثَالَيْنِ لِتَقِيسَ عَلَيْهِ غَيْرَهُ فَقَالَ (مِثَالُهُ بِعْتُكَهَا) أَيْ الصُّبْرَةَ (كُلَّ صَاعٍ بِدِرْهَمٍ، أَوْ) بِعْتُكَهَا بِخَمْسَةٍ مَثَلًا (عَلَى أَنَّهَا عَشَرَةُ آصُعٍ) لَكِنْ فِي الْمِثَالِ الثَّانِي كَمَا قَالَ ابْنُ شُهْبَةَ نَظَرٌ؛ لِأَنَّهُ جَعَلَ ذَلِكَ وَصْفًا كَالْكِتَابَةِ فِي الْعَبْدِ، فَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَتَوَقَّفَ ذَلِكَ عَلَى الْكَيْلِ، وَيُخَالِفُ مَا إذَا بَاعَهَا كُلَّ صَاعٍ بِدِرْهَمٍ، فَإِنَّ التَّقْدِيرَ يَحْتَاجُ إلَى مَعْرِفَةِ الثَّمَنِ، فَلَوْ قَبَضَ مَا ذُكِرَ جِزَافًا لَمْ يَصِحَّ الْقَبْضُ، لَكِنْ يَدْخُلُ الْمَقْبُوضُ فِي ضَمَانِهِ (وَلَوْ كَانَ لَهُ) أَيْ لِبَكْرٍ (طَعَامٌ) مَثَلًا (مُقَدَّرٌ) كَعَشْرَةِ آصُعٍ (عَلَى زَيْدٍ،

وَلِعَمْرٍو عَلَيْهِ مِثْلُهُ فَلْيَكْتَلْ لِنَفْسِهِ ثُمَّ يَكِيلُ لِعَمْرٍو، فَلَوْ قَالَ اقْبِضْ مِنْ زَيْدٍ مَا لِي عَلَيْهِ لِنَفْسِكَ فَفَعَلَ فَالْقَبْضُ فَاسِدٌ.

[مغني المحتاج]

وَلِعَمْرٍو عَلَيْهِ مِثْلُهُ فَلْيَكْتَلْ) بَكْرٌ (لِنَفْسِهِ) مِنْ زَيْدٍ (ثُمَّ يَكِيلُ لِعَمْرٍو) ؛ لِأَنَّ الْإِقْبَاضَ هُنَا مُتَعَدِّدٌ وَمِنْ شَرْطِ صِحَّتِهِ الْكَيْلُ فَلَزِمَ تَعَدُّدُ الْكَيْلِ، وَلِلنَّهْيِ عَنْ بَيْعِ الطَّعَامِ حَتَّى يَجْرِي فِيهِ الصَّاعَانِ كَمَا رُوِيَ مَرْفُوعًا يَعْنِي صَاعَ الْبَائِعِ وَصَاعَ الْمُشْتَرِي.
قَالَ الْقَاضِي حُسَيْنٌ: وَالْمَعْنَى فِيهِ أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَسْتَحِقُّ عَلَى مَنْ لَهُ عَلَيْهِ الْحَقُّ قَبْضَهُ بِالْكَيْلِ، وَالْكَيْلَانِ قَدْ يَقَعُ بَيْنَهُمَا تَفَاوُتٌ فَلَمْ يَجُزْ الِاقْتِصَارُ عَلَى الْكَيْلِ الْأَوَّلِ لِجَوَازِ أَنْ لَوْ حَدَّدَهُ لَظَهَرَ فِيهِ تَفَاوُتٌ، فَإِذَا كَالَ لِنَفْسِهِ وَقَبَضَهُ ثُمَّ كَالَهُ لِغَرِيمِهِ فَزَادَ أَوْ نَقَصَ بِقَدْرٍ يَقَعُ بَيْنَ الْكَيْلَيْنِ لَمْ يُؤَثِّرْ فَتَكُونُ الزِّيَادَةُ لَهُ وَالنَّقْصُ عَلَيْهِ، أَوْ بِمَا لَا يَقَعُ بَيْنَ الْكَيْلَيْنِ، فَالْكَيْلُ الْأَوَّلُ غَلَطٌ فَيَرُدُّ بَكْرٌ الزِّيَادَةَ وَيَرْجِعُ بِالنَّقْصِ، وَلَوْ قَبَضَهُ فِي الْمِكْيَالِ وَسَلَّمَهُ لِغَرِيمِهِ فِيهِ صَحَّ؛ لِأَنَّ اسْتِدَامَةَ الْمِكْيَالِ كَابْتِدَائِهِ.
وَقَدْ يُقَالُ فِي الذَّرْعِ كَذَلِكَ (فَلَوْ قَالَ) بَكْرٌ لِعَمْرٍو (اقْبَضْ مِنْ زَيْدٍ مَا لِي عَلَيْهِ لِنَفْسِكَ) أَوْ احْضَرْ مَعِي لِأَقْبِضَهُ أَنَا لَكَ (فَفَعَلَ فَالْقَبْضُ فَاسِدٌ) لَهُ لِاتِّحَادِ الْقَابِضِ وَالْمُقَبِّضِ وَضَمِنَهُ الْقَابِضُ لِاسْتِيلَائِهِ عَلَيْهِ لِغَرَضِهِ وَبَرِئَ زَيْدٌ مِنْ حَقِّ بَكْرٍ لِإِذْنِهِ فِي الْقَبْضِ مِنْهُ فِي الْأُولَى وَقَبْضِهِ بِنَفْسِهِ فِي الثَّانِيَةِ، وَإِنْ قَالَ لَهُ اقْبِضْهُ لِي ثُمَّ لِنَفْسِكَ أَوْ احْضَرْ مَعِي لِأَقْبِضَهُ لِي ثُمَّ لَك فَفَعَلَ صَحَّ الْقَبْضُ الْأَوَّلُ، إذْ لَا مَانِعَ مِنْهُ دُونَ الثَّانِي لِاتِّحَادِ الْقَابِضِ وَالْمُقَبِّضِ وَضَمِنَهُ الْقَابِضُ وَبَرِئَ زَيْدٌ مِنْ حَقِّ بَكْرٍ.

فُرُوعٌ: لَا يَجُوزُ لِلْمُسْتَحِقِّ أَنْ يُوَكِّلَ فِي الْقَبْضِ مَنْ يَدُهُ يَدُ الْمَقْبُوضِ كَرَقِيقِهِ وَلَوْ مَأْذُونًا لَهُ فِي التِّجَارَةِ، كَمَا لَا يَجُوزُ أَنْ يُوَكِّلَ فِيهِ الْمُقَبِّضَ بِخِلَافِ ابْنِهِ وَأَبِيهِ وَمُكَاتَبِهِ، وَلَوْ قَالَ لِغَرِيمِهِ: وَكِّلْ مَنْ يَقْبِضُ لِي مِنْك، أَوْ قَالَ لِغَيْرِهِ: وَكِّلْ مَنْ يَشْتَرِي لِي مِنْك صَحَّ، وَيَكُونُ وَكِيلًا لَهُ فِي التَّوْكِيلِ فِي الْقَبْضِ أَوْ الشِّرَاءِ مِنْهُ، وَلَوْ وَكَّلَ الْبَائِعُ رَجُلًا فِي الْإِقْبَاضِ وَوَكَّلَهُ الْمُشْتَرِي فِي الْقَبْضِ لَمْ يَصِحَّ تَوْكِيلُهُ لَهُمَا مَعًا لِاتِّحَادِ الْقَابِضِ وَالْمُقَبِّضِ، وَلَوْ قَالَ لِغَرِيمِهِ اشْتَرِ بِهَذِهِ الدَّرَاهِمِ مِنْ مِثْلِ مَا تَسْتَحِقُّهُ عَلَيَّ وَاقْبِضْهُ لِي ثُمَّ لِنَفْسِكَ صَحَّ الشِّرَاءُ وَالْقَبْضُ الْأَوَّلُ دُونَ الثَّانِي لِاتِّحَادِ الْقَابِضِ وَالْمُقَبِّضِ، أَوْ قَالَ: وَاقْبِضْهُ لِنَفْسِكَ فَسَدَ الْقَبْضُ؛ لِأَنَّ حَقَّ الْإِنْسَانِ لَا يَتَمَكَّنُ غَيْرُهُ مِنْ قَبْضِهِ لِنَفْسِهِ وَضَمِنَهُ الْغَرِيمُ لِاسْتِيلَائِهِ عَلَيْهِ وَبَرِئَ الدَّافِعُ مِنْ حَقِّ الْمُوَكِّلِ لِإِذْنِهِ فِي الْقَبْضِ مِنْهُ، أَوْ قَالَ: اشْتَرِ بِهَا ذَلِكَ لِنَفْسِكَ فَسَدَتْ الْوَكَالَةُ، إذْ كَيْفَ يَشْتَرِي بِمَالِ الْغَرِيمِ لِنَفْسِهِ وَالدَّرَاهِمُ أَمَانَةٌ بِيَدِهِ؟ فَإِنْ اشْتَرَى بِعَيْنِهَا بَطَلَ أَوْ فِي الذِّمَّةِ صَحَّ وَوَقَعَ عَنْهُ وَأَدَّى الثَّمَنَ مِنْ مَالِهِ، وَلِلْأَبِ وَإِنْ عَلَا أَنْ يَتَوَلَّى طَرَفَيْ الْقَبْضِ كَمَا يَتَوَلَّى طَرَفَيْ الْبَيْعِ كَمَا مَرَّ فِي بَابِهِ.

فَرْعٌ: قَالَ الْبَائِعُ لَا أُسَلِّمُ الْمَبِيعَ حَتَّى أَقْبِضَ ثَمَنَهُ، وَقَالَ الْمُشْتَرِي فِي الثَّمَنِ مِثْلَهُ أُجْبِرَ الْبَائِعُ، وَفِي قَوْلٍ الْمُشْتَرِي، وَفِي قَوْلٍ لَا إجْبَارَ، فَمَنْ سَلَّمَ أُجْبِرَ صَاحِبُهُ، وَفِي قَوْلٍ يُجْبَرَانِ.
قُلْتُ: فَإِنْ كَانَ الثَّمَنُ مُعَيَّنًا سَقَطَ الْقَوْلَانِ الْأَوَّلَانِ وَأُجْبِرَا فِي الْأَظْهَرِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ، وَإِذَا سَلَّمَ الْبَائِعُ أُجْبِرَ الْمُشْتَرِي إنْ حَضَرَ الثَّمَنُ

[مغني المحتاج]

فَرْعٌ: زَادَ التَّرْجَمَةَ بِهِ أَيْضًا إذَا (قَالَ الْبَائِعُ) مَالَ نَفْسِهِ بِثَمَنٍ حَالٍّ فِي الذِّمَّةِ بَعْدَ لُزُومِ الْعَقْدِ: (لَا أُسَلِّمُ الْمَبِيعَ حَتَّى أَقْبِضَ ثَمَنَهُ وَقَالَ الْمُشْتَرِي فِي الثَّمَنِ مِثْلَهُ) أَيْ: لَا أُسَلِّمُهُ حَتَّى أَقْبِضَ الْمَبِيعَ وَتَرَافَعَا إلَى حَاكِمٍ (أُجْبِرَ الْبَائِعُ) عَلَى الِابْتِدَاءِ بِالتَّسْلِيمِ؛ لِأَنَّ حَقَّ الْمُشْتَرِي فِي الْعَيْنِ وَحَقَّ الْبَائِعِ فِي الذِّمَّةِ، فَيُقَدَّمُ مَا يَتَعَلَّقُ بِالْعَيْنِ كَأَرْشِ الْجِنَايَةِ مَعَ غَيْرِهِ مِنْ الدُّيُونِ (وَفِي قَوْلٍ الْمُشْتَرِي) ؛ لِأَنَّ حَقَّهُ مُتَعَيِّنٌ فِي الْمَبِيعِ وَحَقَّ الْبَائِعِ غَيْرُ مُتَعَيِّنٍ فِي الثَّمَنِ فَيُؤْمَرُ بِالتَّعْيِينِ لِيَتَسَاوَيَا فِي تَعْيِينِ الْحَقِّ (وَفِي قَوْلٍ لَا إجْبَارَ) أَوَّلًا، وَعَلَى هَذَا يَمْنَعُهُمَا الْحَاكِمُ مِنْ التَّخَاصُمِ (فَمَنْ سَلَّمَ أُجْبِرَ صَاحِبُهُ) عَلَى التَّسْلِيمِ؛ لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا ثَبَتَ لَهُ إيفَاءٌ وَاسْتِيفَاءٌ، وَلَا سَبِيلَ إلَى تَكْلِيفِ الْإِيفَاءِ، حَكَاهُ الشَّافِعِيُّ فِي الْأُمِّ عَنْ غَيْرِهِ، ثُمَّ رَدَّهُ لِأَنَّ فِيهِ تَرْكَ النَّاسِ يَتَمَانَعُونَ الْحُقُوقَ (وَفِي قَوْلٍ يُجْبَرَانِ) ، لِأَنَّ التَّسْلِيمَ وَاجِبٌ عَلَيْهِمَا فَيُلْزِمُ الْحَاكِمُ كُلًّا مِنْهُمَا بِإِحْضَارِ مَا عَلَيْهِ إلَيْهِ، أَوْ إلَى عَدْلٍ، فَإِذَا فَعَلَ سَلَّمَ الثَّمَنَ لِلْبَائِعِ وَالْمَبِيعَ لِلْمُشْتَرِي يَبْدَأُ بِأَيِّهِمَا شَاءَ (قُلْتُ: فَإِنْ كَانَ الثَّمَنُ مُعَيَّنًا سَقَطَ الْقَوْلَانِ الْأَوَّلَانِ) سَوَاءٌ كَانَ الثَّمَنُ نَقْدًا أَمْ عَرْضًا كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي الشَّرْحِ الصَّغِيرِ وَزَوَائِدِ الرَّوْضَةِ، وَلَا يُنَافِي ذَلِكَ تَصْوِيرَ الرَّافِعِيِّ فِي الشَّرْحِ الْكَبِيرِ سُقُوطَهُمَا فِي بَيْعِ عَرْضٍ بِعَرْضٍ.
قَالَ الشَّارِحُ: لِأَنَّ سُكُوتَهُ عَنْ النَّقْدِ لَا يَنْفِيه (وَأُجْبِرَا فِي الْأَظْهَرِ، وَاَللَّهِ أَعْلَمُ) لِاسْتِوَاءِ الْجَانِبَيْنِ؛ لِأَنَّ الثَّمَنَ الْمُعَيَّنَ كَالْمَبِيعِ فِي تَعَلُّقِ الْحَقِّ بِالْعَيْنِ.
أَمَّا إذَا كَانَ نَائِبًا عَنْ غَيْرِهِ كَالْوَكِيلِ وَنَاظِرِ الْوَقْفِ وَالْحَاكِمِ فِي بَيْعِ أَمْوَالِ الْمُفْلِسِ وَعَامِلِ الْقِرَاضِ فَإِنَّهُ لَا يُجْبَرُ عَلَى التَّسْلِيمِ، بَلْ لَا يَجُوزُ لَهُ ذَلِكَ حَتَّى يَقْبِضَ الثَّمَنَ فَلَا يَأْتِي إلَّا إجْبَارُهُمَا أَوْ إجْبَارُ الْمُشْتَرِي وَلَا يَأْتِي قَوْلُ الْإِعْرَاضِ عَنْهُمَا؛ لِأَنَّ الْحَالَ لَا يَحْتَمِلُ التَّأْجِيلَ.
قَالَ الْإِمَامُ: وَلَوْ تَبَايَعَ وَلِيَّانِ أَوْ وَكِيلَانِ لَمْ يَأْتِ سِوَى إجْبَارِهِمَا (وَإِذَا سَلَّمَ الْبَائِعُ) بِإِجْبَارٍ أَوْ بِدُونِهِ (أُجْبِرَ الْمُشْتَرِي) عَلَى التَّسْلِيمِ فِي الْحَالِ (إنْ حَضَرَ الثَّمَنُ) فِي الْمَجْلِسِ؛ لِأَنَّ التَّسْلِيمَ وَاجِبٌ عَلَيْهِ وَلَا مَانِعَ مِنْهُ، وَإِذَا أَصَرَّ الْمُشْتَرِي عَلَى الِامْتِنَاعِ لَا يَثْبُتُ لِلْبَائِعِ حَقُّ الْفَسْخِ كَمَا سَيَأْتِي فِي كِتَابِ الْفَلَسِ، وَالْمُرَادُ بِحُضُورِ الثَّمَنِ حُضُورُ عَيْنِهِ إنْ كَانَ مُعَيَّنًا، أَوْ نَوْعِهِ الَّذِي يُقْضَى مِنْهُ إنْ كَانَ فِي الذِّمَّةِ، فَإِنَّ مَا فِي الذِّمَّةِ قَبْلَ قَبْضِهِ لَا يُسَمَّى ثَمَنًا إلَّا

وَإِلَّا

فَإِنْ كَانَ مُعْسِرًا فَلِلْبَائِعِ الْفَسْخُ بِالْفَلَسِ، أَوْ مُوسِرًا وَمَالُهُ بِالْبَلَدِ أَوْ بِمَسَافَةٍ قَرِيبَةٍ حُجِرَ عَلَيْهِ فِي أَمْوَالِهِ حَتَّى يُسَلِّمَ، فَإِنْ كَانَ بِمَسَافَةِ الْقَصْرِ لَمْ يُكَلَّفْ الْبَائِعُ الصَّبْرَ إلَى إحْضَارِهِ، وَالْأَصَحُّ أَنَّ لَهُ الْفَسْخَ فَإِنْ صَبَرَ فَالْحَجْرُ كَمَا ذَكَرْنَا، وَلِلْبَائِعِ حَبْسُ مَبِيعِهِ حَتَّى يَقْبِضَ ثَمَنَهُ إنْ خَافَ فَوْتَهُ بِلَا خِلَافٍ، وَإِنَّمَا الْأَقْوَالُ إذَا لَمْ يَخَفْ فَوْتَهُ وَتَنَازَعَا فِي مُجَرَّدِ الِابْتِدَاءِ

[مغني المحتاج]

مَجَازًا (وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يُحْضِرْ الثَّمَنَ.

(فَإِنْ كَانَ) الْمُشْتَرِي (مُعْسِرًا) بِالثَّمَنِ فَهُوَ مُفْلِسٌ (فَلِلْبَائِعِ الْفَسْخُ بِالْفَلَسِ) وَأَخْذُ الْمَبِيعِ لِمَا سَيَأْتِي فِي بَابِهِ، وَحِينَئِذٍ فَيُشْتَرَطُ فِيهِ حَجْرُ الْقَاضِي وَإِنْ اقْتَضَتْ عِبَارَةُ الْمُصَنِّفُ كَالرَّوْضَةِ وَأَصْلِهَا أَنَّهُ يَسْتَقِلُّ بِذَلِكَ مِنْ غَيْرِ تَوَقُّفٍ عَلَى حَجْرِ الْحَاكِمِ.
وَفِي افْتِقَارِ الرُّجُوعِ بَعْدَ الْحَجْرِ إلَى إذْنِ الْحَاكِمِ وَجْهَانِ: أَشْهَرُهُمَا كَمَا قَالَ الرَّافِعِيُّ أَنَّهُ لَا يَفْتَقِرُ (أَوْ مُوسِرًا وَمَالُهُ بِالْبَلَدِ، أَوْ بِمَسَافَةٍ قَرِيبَةٍ) وَهُوَ دُونَ مَسَافَةِ الْقَصْرِ (حُجِرَ عَلَيْهِ فِي) الْمَبِيعِ وَفِي جَمِيعِ (أَمْوَالِهِ) وَإِنْ كَانَتْ وَافِيَةً بِدَيْنِهِ (حَتَّى يُسَلِّمَ) الثَّمَنَ لِئَلَّا يَتَصَرَّفَ فِي ذَلِكَ بِمَا يُبْطِلُ حَقَّ الْبَائِعِ، وَهَذَا يُسَمَّى بِالْحَجْرِ الْغَرِيبِ.
قَالَ السُّبْكِيُّ: وَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ حَجْرِ الْفَلَسِ حَيْثُ اُعْتُبِرَ فِيهِ نَقْصُ مَالِهِ مَعَ الْمَبِيعِ عَنْ الْوَفَاءِ أَنَّ الْمُفْلِسَ سَلَّطَهُ الْبَائِعُ عَلَى الْمَبِيعِ بِاخْتِيَارِهِ وَرَضِيَ بِذِمَّتِهِ بِخِلَافِهِ هُنَا، هَذَا إذَا لَمْ يَكُنْ مَحْجُورًا عَلَيْهِ بِفَلَسٍ، وَإِلَّا لَمْ يُحْجَرْ عَلَيْهِ أَيْضًا هَذَا الْحَجْرَ لِعَدَمِ فَائِدَتِهِ؛ لِأَنَّ حَجْرَ الْفَلَسِ يُتَمَكَّنُ فِيهِ مِنْ الرُّجُوعِ مِنْ عَيْنِ مَالِهِ بِشَرْطِهِ الْآتِي، وَهَذَا الْحَجْرُ يُخَالِفُهُ فِي ذَلِكَ، وَفِي كَوْنِهِ لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى ضِيقِ الْمَالِ كَمَا مَرَّ، وَلَا يَتَوَقَّفُ عَلَى فَكِّ الْقَاضِي، بَلْ يَنْفَكُّ بِمُجَرَّدِ التَّسْلِيمِ كَمَا جَزَمَ بِهِ الْإِمَامُ وَتَبِعَهُ الْبُلْقِينِيُّ وَإِنْ خَالَفَ فِي ذَلِكَ الْإِسْنَوِيُّ وَجَعَلَهُ كَحَجْرِ الْفَلَسِ (فَإِنْ كَانَ) مَالُهُ (بِمَسَافَةِ الْقَصْرِ) فَأَكْثَرَ (لَمْ يُكَلَّفْ الْبَائِعُ الصَّبْرَ إلَى إحْضَارِهِ) لِتَضَرُّرِهِ بِذَلِكَ (وَالْأَصَحُّ أَنَّ لَهُ الْفَسْخَ) وَلَا يَحْتَاجُ هُنَا إلَى حَجْرٍ خِلَافًا لِبَعْضِ الْمُتَأَخِّرِينَ لِتَعَذُّرِ تَحْصِيلِ الثَّمَنِ كَالْإِفْلَاسِ بِهِ.
وَالثَّانِي لَيْسَ لَهُ الْفَسْخُ بَلْ يُبَاعُ الْمَبِيعُ وَيُؤَدَّى حَقُّهُ مِنْ الثَّمَنِ كَسَائِرِ الدُّيُونِ (فَإِنْ صَبَرَ) الْبَائِعُ إلَى إحْضَارِ الْمَالِ (فَالْحَجْرُ) يُضْرَبُ عَلَى الْمُشْتَرِي (كَمَا ذَكَرْنَا) فِي الْمَبِيعِ وَفِي جَمِيعِ أَمْوَالِهِ حَتَّى يُسَلِّمَ الثَّمَنَ لِمَا مَرَّ (وَلِلْبَائِعِ حَبْسُ مَبِيعِهِ حَتَّى يَقْبِضَ ثَمَنَهُ) كُلَّهُ الْحَالَّ أَصَالَةً (إنْ خَافَ فَوْتَهُ بِلَا خِلَافٍ) وَكَذَا لِلْمُشْتَرِي حَبْسُ الثَّمَنِ الْمَذْكُورِ إنْ خَافَ فَوْتَ الْمَبِيعِ بِلَا خِلَافٍ (وَإِنَّمَا الْأَقْوَالُ) السَّابِقَةُ (إذَا لَمْ يَخَفْ) أَيْ الْبَائِعُ (فَوْتَهُ) أَيْ الثَّمَنِ وَكَذَا الْمُشْتَرِي فَوْتَ الْمَبِيعِ (وَتَنَازَعَا فِي مُجَرَّدِ الِابْتِدَاءِ) بِالتَّسْلِيمِ؛ لِأَنَّ الْإِجْبَارَ عِنْدَ خَوْفِ الْفَوَاتِ بِالْهَرَبِ أَوْ

بَابُ التَّوْلِيَةِ وَالْإِشْرَاكُ وَالْمُرَابَحَةُ

[مغني المحتاج]

تَمْلِيكِ الْمَالِ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ فِيهِ ضَرَرٌ ظَاهِرٌ.
أَمَّا الثَّمَنُ الْمُؤَجَّلُ فَلَيْسَ لِلْبَائِعِ حَبْسُ الْمَبِيعِ بِهِ وَإِنْ حَلَّ قَبْلَ التَّسْلِيمِ كَمَا مَرَّ لِرِضَاهُ بِتَأْخِيرِهِ.
تَنْبِيهٌ: كَانَ الْأَوْلَى لِلْمُصَنِّفِ أَنْ يَقُولَ: وَلِكُلٍّ مِنْ بَائِعٍ وَمُشْتَرٍ حَبْسُ مَا بَذَلَهُ حَتَّى يَقْبِضَ عِوَضَهُ لِيَشْمَلَ الْمُشْتَرِي كَمَا قَدَّرْتُهُ.
وَلَكِنْ إنَّمَا صَرَّحَ بِالْبَائِعِ؛ لِأَنَّهُ قَدَّمَ تَصْحِيحَ إجْبَارِهِ فَذَكَرَ شَرْطَ وُجُوبِهِ، وَلَوْ اسْتَبْدَلَ عَنْ الثَّمَنِ ثَوْبًا مَثَلًا.
قَالَ الْقَفَّالُ: لَيْسَ لَهُ الْحَبْسُ؛ لِأَنَّهُ أَبْطَلَ حَقَّهُ مِنْ الْحَبْسِ بِنَقْلِهِ إلَى الْعَيْنِ إذْ حَقَّ الْحَبْسُ لِاسْتِيفَاءِ عَيْنِ الثَّمَنِ وَهَذَا بَدَلُهُ.
لَكِنَّ عِبَارَةَ الرَّوْضَةِ، وَلَوْ صَالَحَ مِنْ الثَّمَنِ عَلَى مَالٍ فَلَهُ إدَامَةُ حَبْسِهِ لِاسْتِيفَاءِ الْعِوَضِ.
قَالَ الْوَلِيُّ الْعِرَاقِيُّ: وَلَعَلَّ الْأَوَّلَ مَحْمُولٌ عَلَى مَا إذَا اسْتَبْدَلَ عَيْنًا، وَالثَّانِي عَلَى مَا إذَا اسْتَبْدَلَ دَيْنًا اهـ. وَالْمُعْتَمَدُ إطْلَاقُ عِبَارَةِ الرَّوْضَةِ كَمَا جَرَى عَلَيْهِ ابْنُ الْمُقْرِي فِي رَوْضِهِ.
خَاتِمَةٌ: اخْتِلَافُ الْمُكْتَرِي وَالْمُسْتَأْجِرِ فِي الِابْتِدَاءِ بِالتَّسْلِيمِ كَاخْتِلَافِ الْبَائِعِ وَالْمُشْتَرِي فِي ذَلِكَ، وَمَا قِيلَ مِنْ أَنَّ اخْتِلَافَ الْمُسْلِمِ وَالْمُسْلَمِ إلَيْهِ كَذَلِكَ مَرْدُودٌ كَمَا قَالَهُ شَيْخُنَا؛ لِأَنَّ الْإِجْبَارَ إنَّمَا يَكُونُ بَعْدَ اللُّزُومِ كَمَا مَرَّ، وَالسَّلَمُ إنَّمَا يَلْزَمُ بَعْدَ قَبْضِ رَأْسِ الْمَالِ وَالتَّفَرُّقِ مِنْ الْمَجْلِسِ، وَلَوْ تَبَرَّعَ الْبَائِعُ بِالتَّسْلِيمِ لَمْ يَكُنْ لَهُ حَقُّ الْحَبْسِ، وَكَذَا لَوْ أَعَارَهُ الْبَائِعُ لِلْمُشْتَرِي.
قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: وَالْمُرَادُ مِنْ الْعَارِيَّةِ نَقْلُ الْيَدِ كَمَا قَالُوهُ فِي إعَارَةِ الْمُرْتَهِنِ الرَّهْنَ لِلرَّاهِنِ، وَإِلَّا فَكَيْفَ تَصِحُّ الْإِعَارَةُ مِنْ غَيْرِ مَالِكٍ، وَقَالَ غَيْرُهُ صُورَتُهَا أَنْ يُؤَجِّرَ عَيْنًا ثُمَّ يَبِيعَهَا لِغَيْرِ مُسْتَأْجِرِهَا ثُمَّ يَسْتَأْجِرَهَا مِنْ الْمُسْتَأْجِرِ وَيُعِيرَهَا لِلْمُشْتَرِي قَبْلَ الْقَبْضِ، وَلَوْ أَوْدَعَهُ لَهُ كَانَ لَهُ اسْتِرْدَادُهُ إذْ لَيْسَ لَهُ فِي الْإِيدَاعِ تَسْلِيطٌ بِخِلَافِهِ فِي الْإِعَارَةِ، وَتَلَفُهُ فِي يَدِ الْمُشْتَرِي بَعْدَ الْإِيدَاعِ كَتَلَفِهِ فِي يَدِ الْبَائِعِ كَمَا قَالَهُ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ فِي الشُّفْعَةِ وَلَهُ اسْتِرْدَادُهُ أَيْضًا فِيمَا إذَا خَرَجَ الثَّمَنُ رِبَوِيًّا كَمَا قَالَهُ ابْنُ الرِّفْعَةِ وَغَيْرُهُ، وَلَوْ اشْتَرَى شَخْصٌ شَيْئًا بِوَكَالَةِ اثْنَيْنِ وَفِي نِصْفِ الثَّمَنِ عَنْ أَحَدِهِمَا كَانَ لِلْبَائِعِ الْحَبْسُ حَتَّى يَقْبِضَ الْكُلَّ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الِاعْتِبَارَ بِالْعَاقِدِ، أَوْ بَاعَ مِنْهُمَا وَلِكُلٍّ مِنْهُمَا نِصْفٌ وَأَعْطَى أَحَدُهُمَا الْبَائِعَ النِّصْفَ مِنْ الثَّمَنِ سَلَّمَ إلَيْهِ الْبَائِعُ نِصْفَهُ مِنْ الْمَبِيعِ لِأَنَّهُ سَلَّمَهُ جَمِيعَ مَا عَلَيْهِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الصَّفْقَةَ تَتَعَدَّدُ بِتَعَدُّدِ الْمُشْتَرِي.

[بَابُ التَّوْلِيَةِ وَالْإِشْرَاكُ وَالْمُرَابَحَةُ]

بَابُ التَّوْلِيَةِ أَصْلُهَا تَقْلِيدُ الْعَمَلِ ثُمَّ اُسْتُعْمِلَتْ فِيمَا يَأْتِي (وَالْإِشْرَاكُ) مَصْدَرُ أَشْرَكَهُ: أَيْ صَيَّرَهُ شَرِيكًا (وَالْمُرَابَحَةُ) وَهِيَ مُفَاعَلَةٌ مِنْ الرِّبْحِ وَهُوَ الزِّيَادَةُ عَلَى رَأْسِ الْمَالِ، وَفِيهِ أَيْضًا الْمُحَاطَّةُ

اشْتَرَى شَيْئًا ثُمَّ قَالَ لِعَالِمٍ بِالثَّمَنِ وَلَّيْتُكَ هَذَا الْعَقْدَ فَقَبِلَ لَزِمَهُ مِثْلُ الثَّمَنِ،

وَهُوَ بَيْعٌ فِي شَرْطِهِ وَتَرَتُّبِ أَحْكَامِهِ، لَكِنْ لَا يَحْتَاجُ إلَى ذِكْرِ الثَّمَنِ.

وَلَوْ حُطَّ عَنْ الْمُوَلِّي بَعْضُ الثَّمَنِ انْحَطَّ عَنْ الْمُوَلَّى.

[مغني المحتاج]

مِنْ الْحَطِّ وَهُوَ النَّقْصُ وَلَمْ يُتَرْجِمْ لَهَا.
قَالَ ابْنُ شُهْبَةَ: إمَّا لِإِدْخَالِهَا فِي الْمُرَابَحَةِ كَمَا فَعَلَهُ الْإِمَامُ؛ لِأَنَّهَا فِي الْحَقِيقَةِ رِبْحُ الْمُشْتَرِي.
وَإِمَّا لِأَنَّهُ تَرْجَمَ لِأَشْرَفِ الْقِسْمَيْنِ، وَاكْتَفَى بِهِ عَنْ الْآخَرِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ﴾ [النحل: 81] أَيْ وَالْبَرْدَ وَأَهْمَلَ الْمُسَاوَمَةَ.
ثُمَّ شَرَعَ فِي النَّوْعِ الْأَوَّلِ مِنْ التَّرْجَمَةِ، فَقَالَ: إذَا (اشْتَرَى) شَخْصٌ (شَيْئًا) بِمِثْلِيٍّ (ثُمَّ قَالَ) بَعْدَ قَبْضِهِ وَلُزُومِ الْعَقْدِ وَهُوَ عَالِمٌ بِالثَّمَنِ (لِعَالِمٍ بِالثَّمَنِ) قَدْرًا وَصِفَةً بِإِعْلَامِ الْمُشْتَرِي أَوْ غَيْرِهِ أَوْ لِجَاهِلٍ بِهِ ثُمَّ عَلِمَ بِهِ قَبْلَ قَبُولِهِ كَمَا قَالَهُ الزَّرْكَشِيُّ (وَلَّيْتُكَ هَذَا الْعَقْدَ) سَوَاءٌ قَالَ بِمَا اشْتَرَيْت أَمْ سَكَتَ (فَقَبِلَ) كَقَوْلِهِ: قَبِلْتُهُ أَوْ تَوَلَّيْتُهُ (لَزِمَهُ مِثْلُ الثَّمَنِ) جِنْسًا وَقَدْرًا وَصِفَةً.
أَمَّا إذَا اشْتَرَاهُ بِعِوَضٍ فَإِنَّ عَقْدَ التَّوْلِيَةِ لَمْ يَصِحَّ إلَّا مِمَّنْ مَلَكَ ذَلِكَ الْعِوَضَ.
نَعَمْ، لَوْ قَالَ قَامَ عَلَيَّ بِكَذَا وَقَدْ أَوْلَيْتُك الْعَقْدَ بِمَا قَامَ عَلَيَّ أَوْ وَلَّتْ الْمَرْأَةُ فِي صَدَاقِهَا بِلَفْظِ الْقِيَامَةِ أَوْ قَالَهُ الرَّجُلُ فِي عِوَضِ الْخُلْعِ صَحَّ كَمَا جَزَمَ بِهِ ابْنُ الْمُقْرِي فِي الْأَوَّلِ وَمِثْلُهَا الْبَقِيَّةَ.

(وَهُوَ) أَيْ عَقْدُ التَّوْلِيَةِ (بَيْعٌ فِي شَرْطِهِ) أَيْ فِي سَائِرِ شُرُوطِهِ كَالتَّقَابُضِ فِي الرِّبَوِيِّ وَالْقُدْرَةِ عَلَى التَّسْلِيمِ؛ لِأَنَّ حَدَّ الْبَيْعِ صَادِقٌ عَلَيْهِ (وَتَرَتُّبِ) جَمِيعِ (أَحْكَامِهِ) مِنْ تَجْدِيدِ شُفْعَةٍ إذَا كَانَ الْمَبِيعُ شِقْصًا مَشْفُوعًا عَفَا عَنْهُ الشَّفِيعُ فِي الْعَقْدِ الْأَوَّلِ، وَقَضِيَّةُ كَوْنِهَا بَيْعًا أَنَّ لِلْمُوَلِّي مُطَالَبَةَ الْمُتَوَلِّي بِالثَّمَنِ مُطْلَقًا وَهُوَ كَذَلِكَ، وَإِنْ قَالَ الْإِمَامُ يَنْقَدِحُ أَنَّهُ لَا يُطَالِبُهُ حَتَّى يُطَالِبَهُ بَائِعُهُ وَلَيْسَ لِلْبَائِعِ مُطَالَبَةُ الْمُتَوَلِّي وَإِنْ تَوَقَّفَ فِيهِ الْإِمَامُ وَمِنْ بَقَاءِ الزَّوَائِدِ الْمُنْفَصِلَةِ لِلْمُوَلِّي وَغَيْرِ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ مِلْكٌ جَدِيدٌ (لَكِنْ لَا يَحْتَاجُ) عَقْدُ التَّوْلِيَةِ (إلَى ذِكْرِ الثَّمَنِ) بَلْ يَكْفِي الْعِلْمُ بِهِ عَنْ ذِكْرِهِ؛ لِأَنَّ خَاصِّيَّتَهُ الْبِنَاءُ عَلَى الثَّمَنِ الْأَوَّلِ وَإِنْ لَزِمَهُ أَحْكَامُ الْبَيْعِ.

(وَلَوْ حُطَّ) بِضَمِّ الْحَاءِ (عَنْ الْمُوَلِّي) بِكَسْرِ اللَّامِ (بَعْضُ الثَّمَنِ) بَعْدَ التَّوْلِيَةِ كَمَا فِي الْمُحَرَّرِ (انْحَطَّ عَنْ الْمُوَلَّى) بِفَتْحِهَا؛ لِأَنَّ خَاصِّيَّةَ التَّوْلِيَةِ التَّنْزِيلُ عَلَى الثَّمَنِ الْأَوَّلِ، وَشَمِلَ كَلَامُهُ حَطَّ الْبَائِعِ وَوَارِثِهِ وَوَكِيلِهِ، فَإِنْ كَانَ الْحَطُّ لِلْبَعْضِ قَبْلَ التَّوْلِيَةِ لَمْ تَصِحَّ التَّوْلِيَةُ إلَّا بِالْبَاقِي، وَلَوْ حَطَّ عَنْهُ الْكُلَّ قَبْلَ التَّوْلِيَةِ وَلَوْ بَعْدَ اللُّزُومِ أَوْ بَعْدَهَا وَقَبْلَ لُزُومِهَا لَمْ تَصِحَّ؛ لِأَنَّهَا حِينَئِذٍ بَيْعٌ بِلَا ثَمَنٍ أَوْ بَعْدَهَا وَبَعْدَ لُزُومِهَا صَحَّتْ وَانْحَطَّ الثَّمَنُ عَنْ الْمُتَوَلِّي؛ لِأَنَّهَا وَإِنْ كَانَتْ بَيْعًا جَدِيدًا فَخَاصِّيَّتُهَا التَّنْزِيلُ عَلَى مَا اسْتَقَرَّ عَلَيْهِ الثَّمَنُ الْأَوَّلُ فَهِيَ فِي حَقِّ الثَّمَنِ كَالْبِنَاءِ وَفِي حَقِّ نَقْلِ الْمِلْكِ كَالِابْتِدَاءِ حَتَّى تَتَجَدَّدَ فِيهِ الشُّفْعَةُ كَمَا مَرَّ وَلَوْ كَذَبَ الْمُوَلِّي فِي إخْبَارِهِ بِالثَّمَنِ فَكَالْكَذِبِ فِيهِ فِي الْمُرَابَحَةِ

وَالْإِشْرَاكُ فِي بَعْضِهِ كَالتَّوْلِيَةِ فِي كُلِّهِ إنْ بَيَّنَ الْبَعْضَ، فَلَوْ أَطْلَقَ صَحَّ وَكَانَ مُنَاصَفَةً، وَقِيلَ لَا.

وَيَصِحُّ بَيْعُ الْمُرَابَحَةِ بِأَنْ يَشْتَرِيَهُ بِمِائَةٍ ثُمَّ يَقُولُ بِعْتُك بِمَا اشْتَرَيْتُ وَرِبْحِ دِرْهَمٍ لِكُلِّ عَشَرَةٍ أَوْ رِبْحِ الإل عِوْدَانٌ.

[مغني المحتاج]

وَسَيَأْتِي.
قَالَ ابْنُ الرِّفْعَةِ: وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ أَنَّهُ لَا فَرْقَ فِي التَّوْلِيَةِ بَيْنَ كَوْنِ الثَّمَنِ حَالًّا وَكَوْنُهُ مُؤَجَّلًا وَفِيمَا إذَا كَانَ الثَّمَنُ مُؤَجَّلًا وَوَقَعَتْ بَعْدَ الْحُلُولِ نَظَرٌ، فَيَجُوزُ أَنْ يُقَالَ يَكُونُ الْأَجَلُ فِي حَقِّ الثَّانِي مِنْ وَقْتِهَا وَأَنْ يُقَالَ يَكُونُ مِنْ حِينِ الْعَقْدِ الْأَوَّلِ فَيَلْزَمُهُ الثَّمَنُ حَالًّا، وَالْأَوَّلُ أَشْبَهُ؛ لِأَنَّ الْأَجَلَ مِنْ صِفَاتِ الثَّمَنِ، وَقَدْ شَرَطُوا الْمِثْلِيَّةَ فِي الصِّفَةِ.

ثُمَّ شَرَعَ فِي النَّوْعِ الثَّانِي فَقَالَ (وَالْإِشْرَاكُ فِي بَعْضِهِ) أَيْ الْمُشْتَرَى (كَالتَّوْلِيَةِ فِي كُلِّهِ) فِي جَمِيعِ مَا مَرَّ مِنْ الشُّرُوطِ وَالْأَحْكَامِ؛ لِأَنَّ الْإِشْرَاكَ تَوْلِيَةٌ فِي بَعْضِ الْمَبِيعِ (إنْ بَيَّنَ الْبَعْضَ) بِأَنْ صَرَّحَ بِالْمُنَاصَفَةِ أَوْ غَيْرِهَا مِنْ الْكُسُورِ لِتَعْيِينِهِ، فَلَوْ قَالَ: أَشْرَكْتُك فِي النِّصْفِ كَانَ لَهُ الرُّبْعُ بِرُبْعِ الثَّمَنِ إلَّا أَنْ يَقُولَ بِنِصْفِ الثَّمَنِ فَيَتَعَيَّنَ النِّصْفُ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْمُصَنِّفُ فِي نُكَتِهِ لِمُقَابَلَتِهِ بِنِصْفِ الثَّمَنِ إذْ لَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ شَرِيكًا بِالرُّبْعِ بِنِصْفِ الثَّمَنِ؛ لِأَنَّ جُمْلَةَ الْمَبِيعِ مُقَابَلَةٌ بِالثَّمَنِ فَنِصْفُهُ بِنِصْفِهِ.
تَنْبِيهٌ: اُعْتُرِضَ عَلَى الْمُصَنِّفِ فِي إدْخَالِهِ الْأَلِفَ وَاللَّامَ عَلَى بَعْضٍ، وَحُكِيَ مَنْعُهُ عَنْ الْجُمْهُورِ، فَإِنْ ذَكَرَ بَعْضًا وَلَمْ يُبَيِّنْهُ لَمْ يَصِحَّ لِلْجَهْلِ (فَلَوْ أَطْلَقَ) الْإِشْرَاكَ (صَحَّ) أَيْضًا (وَكَانَ) الْمُشْتَرَى بَيْنَهُمَا (مُنَاصَفَةً) كَمَا لَوْ أَقَرَّ بِشَيْءٍ لِزَيْدٍ وَعَمْرٍو (وَقِيلَ لَا) يَصِحُّ لِلْجَهْلِ بِقَدْرِ الْمَبِيعِ وَثَمَنِهِ.
فَرْعٌ: لِلشَّرِيكِ الرَّدُّ بِعَيْبٍ عَلَى الَّذِي أَشْرَكَهُ فَإِذَا رَدَّ عَلَيْهِ رَدَّ هُوَ عَلَى الْأَوَّلِ، وَقَضِيَّةُ كَلَامِ الْأَكْثَرِينَ أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ ذِكْرُ الْعَقْدِ، وَقَالَ الْإِمَامُ وَغَيْرُهُ: يُشْتَرَطُ ذِكْرُهُ بِأَنْ يَقُولَ: أَشْرَكْتُك فِي بَيْعِ هَذَا أَوْ فِي هَذَا الْعَقْدِ، وَلَا يَكْفِي أَشْرَكْتُكَ فِي هَذَا.
وَهَذَا ظَاهِرٌ كَمَا نَقَلَهُ صَاحِبُ الْأَنْوَارِ وَأَقَرَّهُ وَعَلَيْهِ أَشْرَكْتُك فِي هَذَا كِنَايَةً.
.

ثُمَّ شَرَعَ فِي النَّوْعِ الثَّالِثَ فَقَالَ (وَيَصِحُّ بَيْعُ الْمُرَابَحَةِ) مِنْ غَيْرِ كَرَاهَةٍ لِعُمُومِ قَوْله تَعَالَى ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ [البقرة: 275] (بِأَنْ يَشْتَرِيَهُ) شَيْئًا (بِمِائَةٍ) مَثَلًا (ثُمَّ يَقُولَ) لِغَيْرِهِ وَهُمَا عَالِمَانِ بِذَلِكَ (بِعْتُك) بِمِائَتَيْنِ أَوْ (بِمَا اشْتَرَيْتُ) أَيْ بِمِثْلِهِ أَوْ بِرَأْسِ الْمَالِ أَوْ بِمَا قَامَ عَلَيَّ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ (وَرِبْحِ دِرْهَمٍ لِكُلِّ عَشَرَةٍ) أَوْ فِي أَوْ عَلَى كُلِّ عَشَرَةٍ (أَوْ رِبْحِ دِهْ يازده) ؛ لِأَنَّ الثَّمَنَ مَعْلُومٌ فَكَانَ كَبِعْتُكَ بِمِائَةٍ وَعَشَرَةٍ، وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ كَانَ لَا يَرَى بَأْسَا بازده زده دوزاده، وَمَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ

وَالْمُحَاطَّةِ كَبِعْت بِمَا اشْتَرَيْتُ وَحَطِّ الإل عِوْدَانٌ وَيُحَطُّ مِنْ كُلِّ أَحَدَ عَشَرَ وَاحِدٌ، وَقِيلَ مِنْ كُلِّ عَشَرَةٍ، وَإِذَا قَالَ بِعْت بِمَا اشْتَرَيْت لَمْ يَدْخُلْ فِيهِ سِوَى الثَّمَنِ.

[مغني المحتاج]

كَانَ يَنْهَى عَنْ ذَلِكَ، وَعَنْ عِكْرِمَةَ أَنَّهُ حَرَامٌ، وَعَنْ إِسْحَاقَ أَنَّ الْبَيْعَ يَبْطُلُ بِهِ حُمِلَ عَلَى مَا إذَا لَمْ يُبَيِّنْ الثَّمَنَ، وده بِالْفَارِسِيَّةِ عَشَرَةٌ، ويازده أَحَدَ عَشَرَ: أَيْ كُلُّ عَشَرَةٍ رِبْحُهَا دِرْهَمٌ، وده دوزاده كُلُّ عَشَرَةٍ رِبْحُهَا دِرْهَمَانِ، فَلَوْ كَانَ الثَّمَنُ دَرَاهِمَ مُعَيَّنَةً غَيْرَ مَوْزُونَةٍ أَوْ حِنْطَةً مَثَلًا مُعَيَّنَةً غَيْرَ مَكِيلَةٍ لَمْ يَصِحَّ الْبَيْعُ مُرَابَحَةً.
فَرْعٌ لَهُ أَنْ يَضُمَّ إلَى الثَّمَنِ شَيْئًا وَيَبِيعَهُ مُرَابَحَةً كَأَنْ يَقُولَ: اشْتَرَيْتُ بِمِائَةٍ وَبِعْتُك بِمِائَتَيْنِ وَرِبْحُ دِرْهَمٍ لِكُلِّ عَشَرَةٍ أَوْ رِبْحُ دِهْ يازده، وَكَأَنَّهُ قَالَ: بِعْتُكَهُ بِمِائَتَيْنِ وَعِشْرِينَ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الرِّبْحُ مِنْ غَيْرِ جِنْسِ الثَّمَنِ، قِيلَ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ: مَا سَبَبُ كَثْرَةِ مَالِكَ؟ . قَالَ: مَا كَتَمْتُ عَيْبًا وَلَا رَدَدْتُ رِبْحًا.

ثُمَّ شَرَعَ فِي النَّوْعِ الرَّابِعَ الَّذِي لَمْ يُتَرْجِمْ لَهُ فَقَالَ (وَ) يَصِحُّ بَيْعُ (الْمُحَاطَّةِ) وَيُقَالُ لَهَا الْمُوَاضَعَةُ وَالْمُخَاسَرَةُ (كَبِعْت) أَيْ كَقَوْلِ مَنْ ذَكَرَ لِغَيْرِهِ وَهُمَا عَالِمَانِ بِالثَّمَنِ بِعْتُكَهُ (بِمَا اشْتَرَيْتُ) أَيْ بِمِثْلِهِ أَوْ بِرَأْسِ الْمَالِ أَوْ بِمَا قَامَ عَلَيَّ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ (وَحَطِّ دِهْ يازده) أَوْ وَحَطِّ دِرْهَمٍ لِكُلِّ عَشَرَةٍ أَوْ فِي أَوْ عَلَى كُلِّ عَشَرَةٍ فَيَقْبَلُ (وَيُحَطُّ مِنْ كُلِّ أَحَدَ عَشَرَ وَاحِدٌ) كَمَا أَنَّ الرِّبْحَ فِي مُرَابَحَةِ ذَلِكَ وَاحِدٌ مِنْ أَحَدَ عَشَرَ، فَلَوْ اشْتَرَاهُ بِمِائَةٍ فَالثَّمَنُ تِسْعُونَ وَعَشَرَةُ أَجْزَاءٍ مِنْ أَحَدَ عَشَرَ جُزْءًا مِنْ دِرْهَمٍ أَوْ بِمِائَةٍ وَعَشَرَةٍ فَالثَّمَنُ مِائَةٌ (وَقِيلَ) يُحَطُّ (مِنْ كُلِّ عَشَرَةٍ) وَاحِدٌ كَمَا زِيدَ فِي الْمُرَابَحَةِ عَلَى كُلِّ عَشَرَةٍ وَاحِدٌ، وَلَوْ قَالَ: يُحَطُّ دِرْهَمٌ مِنْ كُلِّ عَشَرَةٍ فَالْمَحْطُوطُ الْعَاشِرُ؛ لِأَنَّ مِنْ تَقْتَضِي إخْرَاجَ وَاحِدٍ مِنْ الْعَشَرَةِ بِخِلَافِ اللَّامِ وَفِي وَعَلَى، وَالظَّاهِرُ فِي نَظِيرِهِ مِنْ الْمُرَابَحَةِ كَمَا قَالَهُ شَيْخِي الصِّحَّةُ مَعَ الرِّبْحِ وَتُحْمَلُ مِنْ عَلَى فِي أَوْ عَلَى تَجَوُّزًا، وَقَرِينَةُ التَّجَوُّزِ قَوْلُهُ: وَرِبْحِ دِرْهَمٍ إلَخْ، وَإِنْ خَالَفَ فِي ذَلِكَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ (وَإِذَا قَالَ بِعْت) لَك (بِمَا اشْتَرَيْت) أَوْ بِرَأْسِ الْمَالِ (لَمْ يَدْخُلْ فِيهِ سِوَى الثَّمَنِ) الَّذِي اسْتَقَرَّ عَلَيْهِ الْعَقْدُ عِنْدَ لُزُومِهِ؛ لِأَنَّهُ الْمَفْهُومُ مِنْ ذَلِكَ، وَهَذَا صَادِقٌ بِمَا فِيهِ حَطٌّ عَمَّا عَقَدَ بِهِ الْعَقْدَ أَوْ زِيَادَةً عَلَيْهِ فِي زَمَنِ الْخِيَارِ وَلَوْ حَطَّ جَمِيعَ الثَّمَنِ فِي مُدَّةِ الْخِيَارِ بَطَلَ الْعَقْدُ عَلَى الْأَصَحِّ كَمَا لَوْ بَاعَ بِلَا ثَمَنٍ قَالَهُ الشَّيْخَانِ قُبَيْلَ الْكَلَامِ عَلَى الِاحْتِكَارِ.
قَالَ الدَّمِيرِيُّ: حَادِثَةٌ: وَقَعَ فِي الْفَتَاوَى أَنَّ رَجُلًا بَاعَ وَلَدَهُ دَارًا بِثَمَنٍ مَعْلُومٍ ثُمَّ أَسْقَطَ عَنْهُ جَمِيعَ الثَّمَنِ قَبْلَ التَّفَرُّقِ مِنْ الْمَجْلِسِ.
. فَأُجِيبَ فِيهَا بِأَنَّهُ يَصِيرُ كَمَنْ بَاعَ بِلَا ثَمَنٍ وَهُوَ غَيْرُ صَحِيحٍ فَتَسْتَمِرُّ الدَّارُ عَلَى مِلْكِ الْوَالِدِ اهـ. وَمَا قَالُوهُ هُوَ الْمُوَافِقُ لِكَلَامِ الشَّيْخَيْنِ أَمَّا إذَا وَقَعَ الْحَطُّ بَعْدَ لُزُومِ الْعَقْدِ، فَإِنْ كَانَ بَعْدَ الْمُرَابَحَةِ لَمْ يَتَعَدَّدْ الْحَطُّ إلَى الْمُشْتَرِي وَإِنْ كَانَ قَبْلَهَا، فَإِنْ

وَلَوْ قَالَ بِمَا قَامَ عَلَيَّ دَخَلَ مَعَ ثَمَنِهِ أُجْرَةُ الْكَيَّالِ وَالدَّلَّالِ وَالْحَارِسِ وَالْقَصَّارِ وَالرَّفَّاءِ وَالصَّبَّاغِ وَقِيمَةُ الصِّبْغِ وَسَائِرُ الْمُؤَنِ الْمُرَادَةِ لِلِاسْتِرْبَاحِ.

وَلَوْ قَصَّرَ بِنَفْسِهِ أَوْ كَالَ أَوْ حَمَلَ أَوْ تَطَوَّعَ بِهِ شَخْصٌ لَمْ تَدْخُلْ أُجْرَتُهُ، وَلْيَعْلَمَا ثَمَنَهُ

[مغني المحتاج]

حَطَّ الْكُلَّ لَمْ يَجُزْ بَيْعُهُ بِقَوْلِهِ قَامَ عَلَيَّ، وَيَجُوزُ بِلَفْظِ اشْتَرَيْتُ، وَإِنْ حَطَّ الْبَعْضَ أُجِيزَ بِلَفْظِ الشِّرَاءِ، وَلَا يَجُوزُ بِلَفْظِ الْقِيَامِ إلَّا بَعْدَ إسْقَاطِ الْمَحْطُوطِ.

(وَلَوْ قَالَ) : بِعْتُك (بِمَا قَامَ عَلَيَّ دَخَلَ مَعَ ثَمَنِهِ أُجْرَةُ الْكَيَّالِ) لِلثَّمَنِ الْمَكِيلِ (وَالدَّلَّالِ) لِلثَّمَنِ الْمُنَادَى عَلَيْهِ: أَيْ إنْ اشْتَرَى بِهِ الْمَبِيعَ كَمَا أَفْصَحَ بِهِمَا ابْنُ الرِّفْعَةِ فِي الْكِفَايَةِ وَالْمَطْلَبِ (وَالْحَارِسِ وَالْقَصَّارِ وَالرَّفَّاءِ) بِالْمَدِّ مِنْ رَفَأْتُ الثَّوْبَ بِالْهَمْزِ، وَرُبَّمَا قِيلَ بِالْوَاوِ (وَالصَّبَّاغِ) لِلْمَبِيعِ فِي الصُّوَرِ الْأَرْبَعِ (وَقِيمَةُ الصِّبْغِ) لَهُ (وَسَائِرُ الْمُؤَنِ الْمُرَادَةِ لِلِاسْتِرْبَاحِ) كَأُجْرَةِ الْمَكَانِ، وَأُجْرَةِ الْخِتَانِ فِي الرَّقِيقِ، وَأُجْرَةِ الطَّبِيبِ إذَا اشْتَرَاهُ مَرِيضًا، وَأُجْرَةِ تَطْيِينِ الدَّارِ، وَعَلَفِ تَسْمِينٍ، وَكَذَا الْمَكْسُ الْمَأْخُوذُ كَمَا نَقَلَاهُ عَنْ صَاحِبِ التَّتِمَّةِ وَأَقَرَّاهُ؛ لِأَنَّ جَمِيعَ ذَلِكَ مِنْ مُؤَنِ التِّجَارَةِ.
أَمَّا الْمُؤَنُ الْمَقْصُودَةُ لِلْبَقَاءِ كَنَفَقَةِ الرَّقِيقِ وَكِسْوَتِهِ، وَعَلَفِ الدَّابَّةِ غَيْرِ الزَّائِدِ لِلتَّسْمِينِ، وَأُجْرَةِ الطَّبِيبِ إذَا حَدَثَ الْمَرَضُ فَلَا تُحْسَبُ، وَيَقَعُ ذَلِكَ فِي مُقَابَلَةِ الْفَوَائِدِ الْمُسْتَفَادَةِ مِنْ الْمَبِيعِ، وَلَوْ جَنَى الْعَبْدُ فَفَدَاهُ أَوْ غُصِبَ فَبَذَلَ مُؤْنَةً فِي اسْتِرْدَادِهِ لَمْ يُحْسَبْ ذَلِكَ عِنْدَ الْأَكْثَرِينَ.
تَنْبِيهٌ لَيْسَ مَعْنَى قَوْلِهِ: دَخَلَ مَعَ ثَمَنِهِ.
. إلَخْ أَنَّ مُطْلَقَ ذَلِكَ يَدْخُلُ فِيهِ جَمِيعُ الْأَشْيَاءِ مَعَ الْجَهْلِ بِهَا لِقَوْلِهِ بَعْدَ ذَلِكَ وَلِيَعْلَمَا ثَمَنَهُ أَوْ مَا قَامَ بِهِ، وَفِي مَعْنَى قَوْلِهِ قَامَ عَلَيَّ ثَبَتَ عَلَيَّ بِكَذَا، وَاسْتَشْكَلَ الْإِمَامُ تَصْوِيرَ أُجْرَةِ الْكَيَّالِ وَالدَّلَّالِ، فَإِنَّهُمَا عَلَى الْبَائِعِ، وَصَوَّرَهُ ابْنُ الرِّفْعَةِ بِمَا تَقَدَّمَ.
قَالَ الْإِسْنَوِيُّ: وَصُورَةٌ أُخْرَى، وَهِيَ بِأَنْ يَتَرَدَّدَ فِي صِحَّةِ مَا اكْتَالَهُ الْبَائِعُ فَيَسْتَأْجِرُ مَنْ يَكْتَالُهُ ثَانِيًا لِيَرْجِعَ عَلَيْهِ إنْ ظَهَرَ نَقْصٌ، وَصَوَّرَهُ ابْنُ الْأُسْتَاذِ أَيْضًا بِأَنْ يَكُونَ اشْتَرَاهُ جِزَافًا ثُمَّ كَالَهُ بِأُجْرَةٍ لِيَعْرِفَ قَدْرَهُ قَالَ الْأَذْرَعِيُّ: وَفِيهِ تَوَقُّفٌ وَأَقْرَبُ مِنْهُ أَنْ يَشْتَرِيَ مَعَ غَيْرِهِ صُبْرَةً ثُمَّ يَقْتَسِمَاهَا كَيْلًا، فَأُجْرَةُ الْكَيَّالِ عَلَيْهِمَا.

(وَلَوْ قَصَّرَ بِنَفْسِهِ أَوْ كَالَ) أَوْ طَيَّنَ (أَوْ حَمَلَ أَوْ تَطَوَّعَ بِهِ شَخْصٌ لَمْ تَدْخُلْ أُجْرَتُهُ) مَعَ الثَّمَنِ فِي قَوْلِهِ قَامَ عَلَيَّ؛ لِأَنَّ عَمَلَهُ وَمَا تَطَوَّعَ بِهِ غَيْرُهُ لَمْ يَقُمْ عَلَيْهِ وَإِنَّمَا قَامَ عَلَيْهِ مَا بَذَلَهُ، وَطَرِيقُهُ أَنْ يَقُولَ بِعْتُكَهُ بِكَذَا أَوْ أُجْرَةُ عَمَلِي أَوْ عَمَلِ الْمُتَطَوِّعِ عَنِّي وَهِيَ كَذَا أَوْ رِبْحُ كَذَا، وَفِي مَعْنَى أُجْرَةِ عَمَلِهِ أُجْرَةٌ مُسْتَحَقَّةٌ بِمِلْكِهِ أَوْ غَيْرِهِ كَمُكْتَرًى، وَعَمَلُ غُلَامِهِ كَعَمَلِهِ، وَلَوْ صَبَغَهُ بِنَفْسِهِ حُسِبَتْ قِيمَةُ الصِّبْغِ فَقَطْ؛ لِأَنَّهُ عَيْنٌ، وَمِثْلُهُ ثَمَنُ الصَّابُونِ فِي الْقِصَارَةِ (وَلْيُعْلِمَا) أَيْ الْمُتَبَايِعَانِ (ثَمَنَهُ) أَيْ الْمَبِيعِ وُجُوبًا فِي نَحْوِ

أَوْ مَا قَامَ بِهِ فَلَوْ جَهِلَهُ أَحَدُهُمَا بَطَلَ عَلَى الصَّحِيحِ

وَلْيُصَدَّقْ الْبَائِعَ فِي قَدْرِ الثَّمَنِ، وَالْأَجَلِ

وَالشِّرَاءِ بِالْعَرْضِ

وَبَيَانُ الْعَيْبِ الْحَادِثِ عِنْدَهُ.

[مغني المحتاج]

بِعْتُ بِمَا اشْتَرَيْتُ (أَوْ مَا قَامَ بِهِ) فِي نَحْوِ بِعْتُ بِمَا قَامَ عَلَيَّ (فَلَوْ جَهِلَهُ أَحَدُهُمَا بَطَلَ) أَيْ لَمْ يَصِحَّ الْبَيْعُ (عَلَى الصَّحِيحِ) لِجَهَالَةِ الثَّمَنِ.
وَالثَّانِي: يَصِحُّ لِسُهُولَةِ مَعْرِفَتِهِ؛ لِأَنَّ الثَّمَنَ الثَّانِي مَبْنِيٌّ عَلَى الْأَوَّلِ.
وَالثَّالِثُ: إنْ عَلِمَ الْمُشْتَرِي الثَّانِي قَدْرَ الثَّمَنِ فِي الْمَجْلِسِ صَحَّ وَإِلَّا فَلَا.

(وَلْيُصَدَّقْ الْبَائِعَ) وُجُوبًا (فِي قَدْرِ الثَّمَنِ) الَّذِي اسْتَقَرَّ عَلَيْهِ الْعَقْدُ أَوْ مَا قَامَ بِهِ الْمَبِيعُ عَلَيْهِ فِيمَا إذَا أَخْبَرَ بِذَلِكَ فِي بَيْعِ الْمُرَابَحَةِ، وَفِي صِفَتِهِ كَصِحَّةٍ وَتَكَسُّرٍ وَخُلُوصٍ وَغِشٍّ (وَ) فِي (الْأَجَلِ) ؛ لِأَنَّ بَيْعَ الْمُرَابَحَةِ مَبْنِيٌّ عَلَى الْأَمَانَةِ لِاعْتِمَادِ الْمُشْتَرِي نَظَرَ الْبَائِعِ وَرِضَاهُ لِنَفْسِهِ مَا رَضِيَهُ الْبَائِعُ مَعَ زِيَادَةٍ أَوْ حَطٍّ.
تَنْبِيهٌ لَوْ حَذَفَ الْمُصَنِّفُ لَفْظَةَ " قَدْرَ " لَكَانَ أَخْصَرَ وَأَعَمَّ لِيَشْمَلَ مَا زِدْتُهُ، وَكَلَامُهُ يَقْتَضِي اشْتِرَاطَ تَعْيِينِ قَدْرِ الْأَجَلِ مُطْلَقًا وَهُوَ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْأَجَلَ يُقَابِلُهُ قِسْطٌ مِنْ الثَّمَنِ وَإِنْ قَالَ الزَّرْكَشِيُّ الظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا يَجِبُ إلَّا إنْ كَانَ خَارِجًا عَنْ الْعَادَةِ، وَلَوْ وَاطَأَ صَاحِبَهُ فَبَاعَهُ مَا اشْتَرَاهُ بِعَشَرَةٍ ثُمَّ اشْتَرَاهُ مِنْهُ بِعِشْرِينَ لِيُخْبِرَ بِهِ فِي الْمُرَابَحَةِ كُرِهَ، وَقِيلَ: يَحْرُمُ، وَاخْتَارَهُ السُّبْكِيُّ، وَالْأَقْوَى فِي الرَّوْضَةِ ثُبُوتُ الْخِيَارِ.
قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: الْقَائِلُ بِثُبُوتِ الْخِيَارِ لَمْ يَقُلْ بِالْكَرَاهَةِ بَلْ بِالتَّحْرِيمِ كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ صَاحِبُ الِاسْتِقْصَاءِ وَهُوَ الَّذِي يَظْهَرُ؛ لِأَنَّ مَا أَثْبَتَ الْخِيَارَ يَجِبُ إظْهَارُهُ كَالْعَيْبِ.
قَالَ وَعَلَيْهِ فَفِي جَزْمِ النَّوَوِيِّ بِالْكَرَاهَةِ مَعَ تَقْوِيَةِ الْقَوْلِ بِثُبُوتِ الْخِيَارِ نَظَرٌ، وَلَوْ اشْتَرَى شَيْئًا بِمِائَةٍ ثُمَّ خَرَجَ عَنْ مِلْكِهِ وَاشْتَرَاهُ بِخَمْسِينَ وَجَبَ الْإِخْبَارُ بِالْخَمْسِينَ.

(وَ) يَجِبُ أَنْ يُصَدَّقَ فِي (الشِّرَاءِ بِالْعَرْضِ) فَيَذْكُرُ أَنَّهُ اشْتَرَاهُ بِعَرْضٍ قِيمَتُهُ كَذَا، وَلَا يَقْتَصِرُ عَلَى ذِكْرِ الْقِيمَةِ؛ لِأَنَّ الْبَائِعَ بِالْعَرْضِ يُشَدِّدُ فَوْقُ مَا يُشَدِّدُ الْبَائِعُ بِالنَّقْدِ، وَسَوَاءٌ فِي ذَلِكَ بَاعَهُ مُرَابَحَةً بِلَفْظِ الشِّرَاءِ أَمْ بِلَفْظِ الْقِيَامِ كَمَا قَالَاهُ، وَإِنْ قَالَ الْإِسْنَوِيُّ: إنَّهُ غَلَطٌ، وَإِنَّ الصَّوَابُ أَنَّهُ إذَا بَاعَ بِلَفْظِ الْقِيَامِ يَقْتَصِرُ عَلَى ذِكْرِ الْقِيمَةِ.

(وَ) فِي (بَيَانِ الْعَيْبِ) الْقَدِيمِ (الْحَادِثِ عِنْدَهُ) بِآفَةٍ أَوْ جِنَايَةٍ تُنْقِصُ الْقِيمَةَ أَوْ الْعَيْنَ، لِأَنَّ الْغَرَضَ يَخْتَلِفُ بِذَلِكَ وَلِأَنَّ الْحَادِثَ يَنْقُصُ بِهِ الْمَبِيعُ، وَلَا يَكْفِي فِيهِ تَبْيِينُ الْعَيْبِ فَقَطْ لِيُوهِمَ الْمُشْتَرِي أَنَّهُ كَانَ عِنْدَ الشِّرَاءِ كَذَلِكَ وَأَنَّ الثَّمَنَ الْمَبْذُولَ كَانَ فِي مُقَابَلَتِهِ مَعَ الْعَيْبِ، وَلَوْ كَانَ بِهِ عَيْبٌ قَدِيمٌ اطَّلَعَ عَلَيْهِ بَعْدَ الشِّرَاءِ أَوْ رَضِيَ بِهِ وَجَبَ بَيَانُهُ أَيْضًا وَبَيَانُ أَنَّهُ اشْتَرَاهُ مِنْ طِفْلِهِ أَوْ بِدَيْنِ مُمَاطِلٍ أَوْ مُعْسِرٍ؛ لِأَنَّ الْغَرَضَ يَخْتَلِفُ بِذَلِكَ، وَلَوْ أَخَذَ أَرْشَ عَيْبٍ وَبَاعَ بِلَفْظِ قَامَ عَلَيَّ حَطَّ الْأَرْشَ أَوْ بِلَفْظِ مَا اشْتَرَيْت ذَكَرَ

فَلَوْ قَالَ بِمِائَةٍ فَبَانَ بِتِسْعِينَ فَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ يَحُطُّ الزِّيَادَةَ وَرِبْحَهَا، وَأَنَّهُ لَا خِيَارَ لِلْمُشْتَرِي.

وَلَوْ زَعَمَ أَنَّهُ مِائَةٌ وَعَشَرَةً وَصَدَّقَهُ الْمُشْتَرِي لَمْ يَصِحَّ الْبَيْعُ فِي الْأَصَحّ.
قُلْت: الْأَصَحُّ صِحَّتُهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

[مغني المحتاج]

صُورَةَ مَا جَرَى بِهِ الْعَقْدُ مَعَ الْعَيْبِ وَأَخْذِ الْأَرْشَ، لِأَنَّ الْأَرْشَ الْمَأْخُوذَ جُزْءٌ مِنْ الثَّمَنِ، وَإِنْ أَخَذَ الْأَرْشَ عَنْ جِنَايَةٍ: كَأَنْ قُطِعَتْ يَدُ الرَّقِيقِ وَقِيمَتُهُ مِائَةٌ وَنَقَصَ ثَلَاثِينَ مَثَلًا وَأَخَذَ مِنْ الْجَانِي نِصْفَ الْقِيمَةِ خَمْسِينَ، فَالْمَحْطُوطُ مِنْ الثَّمَنِ الْأَقَلُّ مِنْ أَرْشِ النَّقْصِ وَنِصْفُ الْقِيمَةِ إنْ بَاعَ بِلَفْظِ قَامَ عَلَيَّ، فَإِنْ كَانَ نَقْصُ الْقِيمَةِ أَكْثَرَ مِنْ الْأَرْشِ كَسِتِّينَ حَطَّ مَا أَخَذَ مِنْ الثَّمَنِ ثُمَّ أَخْبَرَ مَعَ إخْبَارِهِ بِقِيَامِهِ عَلَيْهِ بِالْبَاقِي بِنِصْفِ الْقِيمَةِ، وَإِنْ بَاعَ بِلَفْظِ مَا اشْتَرَيْتُ ذَكَرَ الثَّمَنَ وَالْجِنَايَةَ.

(فَلَوْ قَالَ) اشْتَرَيْته (بِمِائَةٍ) وَبَاعَهُ مُرَابَحَةً (فَبَانَ) أَنَّهُ اشْتَرَاهُ (بِتِسْعِينَ) بِإِقْرَارِهِ أَوْ حُجَّةٍ (فَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ يَحُطُّ الزِّيَادَةَ وَرِبْحَهَا) ؛ لِأَنَّهُ تَمْلِيكٌ بِاعْتِمَادِ الثَّمَنِ الْأَوَّلِ فَتَحُطُّ الزِّيَادَةَ عَنْهُ كَمَا فِي الشُّفْعَةِ إذَا أَخَذْت بِمَا أَخْبَرَ بِهِ الْمُشْتَرِي وَكَأَنَّ الْعَقْدَ لَمْ يَنْعَقِدْ إلَّا بِمَا بَقِيَ.
وَالثَّانِي: لَا يُحَطُّ شَيْءٌ؛ لِأَنَّهُ قَدْ سُمِّيَ عِوَضًا وَعَقَدَ بِهِ، وَالْبَيْعُ صَحِيحٌ عَلَى الْقَوْلَيْنِ؛ لِأَنَّهُ غَرَّهُ وَالتَّغْرِيرُ لَا يَمْنَعُ الصِّحَّةَ كَمَا لَوْ رَوَّجَ عَلَيْهِ مَعِيبًا (وَ) الْأَظْهَرُ بِنَاءً عَلَى الْحَطِّ (أَنَّهُ لَا خِيَارَ لِلْمُشْتَرِي) وَلَا لِلْبَائِعِ أَيْضًا سَوَاءٌ أَكَانَ الْمَبِيعُ بَاقِيًا أَمْ تَالِفًا، فَلَوْ أَسْقَطَ لَفْظَ الْمُشْتَرِي لَشَمِلَهُمَا.
أَمَّا الْمُشْتَرِي؛ فَلِأَنَّهُ إذَا رَضِيَ بِالْأَكْثَرِ فَبِالْأَقَلِّ مِنْ بَابِ أَوْلَى.
وَأَمَّا الْبَائِعُ فَلِتَدْلِيسِهِ.
وَالثَّانِي يَثْبُتُ الْخِيَارُ وَهُوَ وَجْهٌ فِي الْبَائِعِ، وَقِيلَ: قَوْلٌ.
أَمَّا الْمُشْتَرِي؛ فَلِأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ لَهُ غَرَضٌ فِي الشِّرَاءِ بِذَلِكَ الْمَبْلَغِ لِإِبْرَارِ قَسَمٍ أَوْ إنْفَاذِ وَصِيَّةٍ.
وَأَمَّا الْبَائِعُ؛ فَلِأَنَّهُ لَمْ يُسَلِّمْ لَهُ مَا سَمَّاهُ.
قَالَ السُّبْكِيُّ: وَهُوَ عَلَى الْفَوْرِ فِيمَا يَظْهَرُ، وَلَوْ لَمْ يُبَيِّنْ الْأَجَلَ أَوْ الْعَيْبَ أَوْ شَيْئًا مِمَّا يَجِبُ ذِكْرُهُ ثَبَتَ لِلْمُشْتَرِي الْخِيَارُ لِتَدْلِيسِ الْبَائِعِ عَلَيْهِ بِتَرْكِ مَا وَجَبَ عَلَيْهِ، وَقَدْ عُلِمَ مِنْ ذَلِكَ أَنَّهُ لَا سُقُوطَ فِي غَيْرِ الْكَذِبِ، وَيَنْدَفِعُ ضَرَرُ الْمُشْتَرِي بِثُبُوتِ الْخِيَارِ لَهُ وَإِنْ قَالَ الْإِمَامُ وَالْغَزَالِيُّ بِالسُّقُوطِ وَهُوَ حَطُّ التَّفَاوُتِ.

(وَلَوْ) غَلِطَ الْبَائِعُ فَنَقَصَ مِنْ الثَّمَنِ كَأَنْ قَالَ: اشْتَرَيْته بِمِائَةٍ وَبَاعَهُ مُرَابَحَةً ثُمَّ (زَعَمَ أَنَّهُ) أَيْ: الثَّمَنَ الَّذِي اشْتَرَى بِهِ (مِائَةٌ وَعَشَرَةٌ) مَثَلًا (وَصَدَّقَهُ الْمُشْتَرِي) فِي ذَلِكَ (لَمْ يَصِحَّ الْبَيْعُ) الْوَاقِعُ بَيْنَهُمَا مُرَابَحَةً (فِي الْأَصَحِّ) لِتَعَذُّرِ إمْضَائِهِ مَزِيدًا فِيهِ الْعَشَرَةُ الْمَتْبُوعَةُ بِرِبْحِهَا؛ لِأَنَّ الْعَقْدَ لَا يَحْتَمِلُ الزِّيَادَةَ.
وَأَمَّا النَّقْصُ فَهُوَ مَعْهُودٌ بِدَلِيلِ الْأَرْشِ (قُلْت: الْأَصَحُّ صِحَّتُهُ) كَمَا لَوْ غَلِطَ الْمُشْتَرِي بِالزِّيَادَةِ، وَلَا تَثْبُتُ الْعَشَرَةُ (وَاَللَّهُ أَعْلَمُ) .

وَلِلْبَائِعِ الْخِيَارُ فِي الْأَصَحِّ.
فَإِنْ قِيلَ طَرِيقَةُ الْمُصَنِّفِ مُشْكِلَةٌ حَيْثُ رَاعَى هُنَا الْمُسَمَّى وَهُنَاكَ الْعَقْدَ.
أُجِيبَ بِأَنَّ الْبَائِعَ هُنَاكَ نَقَصَ حَقُّهُ، فَنَزَلَ الثَّمَنُ عَلَى الْعَقْدِ الْأَوَّلِ، وَلَا ضَرَرَ عَلَى

وَإِنْ كَذَّبَهُ وَلَمْ يُبَيِّنْ لِلْغَلَطِ وَجْهًا مُحْتَمَلًا لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ وَلَا بَيِّنَتُهُ، وَلَهُ تَحْلِيفُ الْمُشْتَرِي أَنَّهُ لَا يَعْرِفُ ذَلِكَ فِي الْأَصَحِّ، وَإِنْ بَيَّنَ فَلَهُ التَّحْلِيفُ، وَالْأَصَحُّ سَمَاعُ بَيِّنَتِهِ.

بَابُ

[مغني المحتاج]

الْمُشْتَرِي، وَهُنَا يَزِيدُ فَلَا يُلْتَفَتُ إلَيْهِ (وَإِنْ كَذَّبَهُ) أَيْ الْبَائِعُ الْمُشْتَرِي (وَلَمْ يُبَيِّنْ) أَيْ الْبَائِعُ (لِلْغَلَطِ وَجْهًا مُحْتَمَلًا) بِفَتْحِ الْمِيمِ (لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ) ؛ لِأَنَّهُ رُجُوعٌ عَنْ إقْرَارٍ تَعَلَّقَ بِهِ حَقُّ آدَمِيٍّ (وَلَا بَيِّنَتُهُ) إنْ أَقَامَهَا عَلَيْهِ لِتَكْذِيبِهِ لَهَا بِقَوْلِهِ: الْأَوَّلُ (وَلَهُ تَحْلِيفُ الْمُشْتَرِي أَنَّهُ لَا يَعْرِفُ ذَلِكَ فِي الْأَصَحِّ) ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يُقِرُّ عِنْدَ عَرْضِ الْيَمِينِ عَلَيْهِ.
وَالثَّانِي: لَا كَمَا لَا تُسْمِعُ بَيِّنَتُهُ، وَعَلَى الْأَصَحِّ إنْ حَلَفَ أَمْضَى الْعَقْدَ مَا حَلَفَ عَلَيْهِ، وَإِنْ نَكَلَ عَنْ الْيَمِينِ رُدَّتْ عَلَى الْبَائِعِ بِنَاءً عَلَى الْأَظْهَرِ مِنْ أَنَّ الْيَمِينَ الْمَرْدُودَةَ كَالْإِقْرَارِ، فَيَحْلِفَ عَلَى الْبَتِّ أَنَّ ثَمَنَهُ الْمِائَةُ وَالْعَشَرَةُ.
قَالَ الشَّارِحُ تَبَعًا لِغَيْرِهِ وَلِلْمُشْتَرِي حِينَئِذٍ الْخِيَارُ: أَيْ عَلَى الْوَجْهِ الضَّعِيفِ الْقَائِلِ بِثُبُوتِ الزِّيَادَةِ، وَأَمَّا عَلَى الْمُعْتَمَدِ فَلَا يَثْبُتُ لَهُ وَلِلْبَائِعِ الْخِيَارُ وَقَالَ الشَّيْخَانِ: كَذَا أَطْلَقُوهُ، وَقَضِيَّةُ قَوْلِنَا أَنَّ الْيَمِينَ الْمَرْدُودَةَ كَالْإِقْرَارِ أَنْ يَعُودَ فِيهِ مَا ذَكَرْنَا حَالَةَ التَّصْدِيقِ: أَيْ فَلَا خِيَارَ لِلْمُشْتَرِي هَذَا هُوَ الْمُعْتَمَدُ كَمَا قَالَ فِي الْأَنْوَارِ: إنَّهُ هُوَ الْحَقُّ، قَالَ وَمَا ذَكَرَاهُ مِنْ إطْلَاقِهِمْ غَيْرَ مُسَلَّمٍ فَإِنَّ الْإِمَامَ وَالْمُتَوَلِّي وَالْغَزَالِيَّ أَوْرَدُوا أَنَّهُ كَالتَّصْدِيقِ اهـ. فَإِنْ قِيلَ قَوْلُ الشَّيْخَيْنِ كَذَا أَطْلَقُوهُ إلَخْ مَا فَائِدَتُهُ مَعَ أَنَّا وَلَوْ قُلْنَا: إنَّهَا كَالْبَيِّنَةِ كَانَ الْحُكْمُ فِيهِ عَلَى مَا ذَكَرَاهُ فَإِنَّهُمَا لَمْ يَذْكُرَا حُكْمَ إقَامَةِ الْبَيِّنَةِ لِيُحِيلَا عَلَيْهِ، فَظَهَرَ أَنَّ مَا بَحَثَاهُ جَارٍ عَلَى الْقَوْلَيْنِ، وَهَذَا لَا يَأْتِي عَلَى الْقَوْلَيْنِ إلَّا فِيمَا إذَا بَيَّنَ لِغَلَطِهِ وَجْهًا مُحْتَمَلًا كَمَا سَيَأْتِي وَإِلَّا فَلَا يَصِحُّ إلَّا عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّهَا كَالْإِقْرَارِ كَمَا يُعْلَمُ مِنْ الْبِنَاءِ الْمُتَقَدِّمِ (وَإِنْ بَيَّنَ) لِغَلَطِهِ وَجْهًا مُحْتَمَلًا، كَقَوْلِهِ جَاءَنِي كِتَابٌ عَلَى لِسَانِ وَكِيلِي بِأَنَّهُ اشْتَرَاهُ بِكَذَا فَبَانَ كَذِبًا عَلَيْهِ أَوْ تَبَيَّنَ لِي بِمُرَاجَعَةِ جَرِيدَتِي أَنِّي غَلِطْت مِنْ ثَمَنِ مَتَاعٍ إلَى غَيْرِهِ (فَلَهُ التَّحْلِيفُ) كَمَا سَبَقَ؛ لِأَنَّ الْعُذْرَ يُحَرِّكُ ظَنَّ صِدْقِهِ (وَالْأَصَحُّ) عَلَى التَّحْلِيفِ (سَمَاعُ بَيِّنَتِهِ) الَّتِي يُقِيمُهَا بِأَنَّ الثَّمَنَ مَا ذَكَرَهُ، وَالثَّانِي: لَا لِتَكْذِيبِهِ لَهَا.
قَالَ فِي الْمَطْلَبِ: وَهَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ وَالْمَنْصُوصُ عَلَيْهِ.

خَاتِمَةٌ: لَوْ اتَّهَبَ بِشَرْطِ الثَّوَابِ ذَكَرَهُ وَبَاعَ بِهِ مُرَابَحَةً أَوْ اتَّهَبَهُ بِلَا عِوَضٍ أَوْ مَلَكَهُ بِإِرْثٍ أَوْ وَصِيَّةٍ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ ذَكَرَ الْقِيمَةَ وَبَاعَ بِهَا مُرَابَحَةً، وَلَا يَبِيعُ بِلَفْظِ الْقِيَامِ وَلَا الشِّرَاءِ وَلَا رَأْسِ الْمَالِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ كَذِبٌ، وَلَهُ أَنْ يَقُولَ فِي عَبْدٍ هُوَ أُجْرَةٌ أَوْ عِوَضُ خُلْعٍ أَوْ نِكَاحٌ أَوْ صَالَحَ بِهِ عَنْ دَمٍ قَامَ عَلَيَّ بِكَذَا أَوْ بِذِكْرِ أُجْرَةِ الْمِثْلِ فِي الْإِجَارَةِ وَمَهْرِهِ فِي الْخُلْعِ وَالنِّكَاحِ وَالدِّيَةِ فِي الصُّلْحِ، وَلَا يَقُولُ اشْتَرَيْتُ وَلَا رَأْسَ الْمَالِ كَذَا؛ لِأَنَّهُ كَذِبٌ، وَالدَّرَاهِمُ فِي

الْأُصُولِ وَالثِّمَارِ قَالَ بِعْتُك هَذِهِ الْأَرْضَ أَوْ السَّاحَةَ أَوْ الْبُقْعَةَ وَفِيهَا بِنَاءٌ وَشَجَرٌ، فَالْمَذْهَبُ أَنَّهُ يَدْخُلَ فِي الْبَيْعِ دُونَ الرَّهْنِ.

[مغني المحتاج]

قَوْلِهِ: اشْتَرَيْتُهُ بِكَذَا أَوْ بِعْتُكَهُ بِهِ وَرِبْحُ دِرْهَمٍ يَكُونُ مِنْ نَقْدِ الْبَلَدِ، سَوَاءٌ أَكَانَ الثَّمَنُ مِنْ نَقْدِ الْبَلَدِ أَمْ لَا، وَهَذَا عِنْدَ الْإِطْلَاقِ، فَإِنْ عَيَّنَّا أَنْ يَكُونَ الرِّبْحُ مِنْ جِنْسِ الثَّمَنِ الْأَوَّلِ أَوْ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ عُمِلَ بِهِ كَمَا يُؤْخَذُ مِنْ كَلَامِ الزَّرْكَشِيّ.

[بَابٌ بَيْعِ الْأُصُولِ وَالثِّمَارِ وَغَيْرِهِمَا]

قَالَ الْمُصَنِّفُ فِي تَحْرِيرِهِ: الْأُصُولُ وَالشَّجَرُ وَالْأَرْضُ وَالثِّمَارُ جَمْعُ ثَمَرٍ، وَهُوَ جَمْعُ ثَمَرَةٍ.
قَالَ السُّبْكِيُّ: أَخَذَ الْمُصَنِّفُ هَذِهِ التَّرْجَمَةَ مِنْ التَّنْبِيهِ وَلَمْ أَرَهَا لِغَيْرِهِمَا.
وَقَالَ الْأَذْرَعِيُّ: ذَكَرَهَا مَنْصُورٌ التَّمِيمِيُّ فِي الْمُسْتَعْمَلِ، وَهُوَ جَمْعٌ بَيْنَ تَرْجَمَتَيْ بَابَيْنِ مُتَجَاوِرَيْنِ لِلشَّافِعِيِّ: أَحَدُهُمَا بَابُ ثَمَرِ الْحَائِطِ يُبَاعُ أَصْلُهُ، وَالْآخَرُ بَابُ الْوَقْتِ الَّذِي يَحِلُّ فِيهِ بَيْعُ الثِّمَارِ.
وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّفْظَ الْمُتَنَاوَلَ غَيْرُهُ فِي عَقْدِ الْبَيْعِ سَبْعَةٌ: الْأَوَّلُ: الْأَرْضُ أَوْ نَحْوُهَا، فَإِذَا (قَالَ بِعْتُك) أَوْ رَهَنْتُك (هَذِهِ الْأَرْضَ) أَوْ الْعَرْصَةَ (أَوْ السَّاحَةَ) وَهِيَ الْفَضَاءُ بَيْنَ الْأَبْنِيَةِ (أَوْ الْبُقْعَةَ، وَفِيهَا بِنَاءٌ وَشَجَرٌ) فَإِنْ بَاعَهَا أَوْ رَهَنَهَا بِمَا فِيهَا مِنْ أَشْجَارٍ وَأَبْنِيَةٍ دَخَلَتْ فِي الْعَقْدِ جَزْمًا، وَلَوْ بِقَوْلِهِ: بِعْتُك أَوْ رَهَنْتُك الْأَرْضَ بِمَا فِيهَا أَوْ عَلَيْهَا أَوْ بِهَا أَوْ بِحُقُوقِهَا، وَفِي قَوْلِهِ: بِحُقُوقِهَا وَجْهٌ أَنَّهَا لَا تَدْخُلُ فِي الْبَيْعِ وَيَأْتِي مِثْلُهُ فِي الرَّهْنِ، وَوَجْهُهُ أَنَّ حُقُوقَ الْأَرْضِ إنَّمَا تَقَعُ عَلَى الْمَمَرِّ وَمَجْرَى الْمَاءِ إلَيْهَا وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَإِنْ اسْتَثْنَاهَا: كَبِعْتُكَ أَوْ رَهَنْتُكَ الْأَرْضَ دُونَ مَا فِيهَا لَمْ تَدْخُلْ فِي الْعَقْدِ جَزْمًا، وَإِنْ أَطْلَقَ (فَالْمَذْهَبُ أَنَّهُ يَدْخُلَ) الْبِنَاءُ وَالشَّجَرُ الرَّطْبُ (فِي الْبَيْعِ دُونَ الرَّهْنِ) لِأَنَّ الْبَيْعَ قَوِيٌّ بِدَلِيلِ أَنَّهُ يَنْقُلُ الْمِلْكَ فَاسْتَتْبَعَ بِخِلَافِ الرَّهْنِ، وَهَذَا هُوَ الْمَنْصُوصُ فِيهِمَا، وَالطَّرِيقُ الثَّانِي: الْقَطْعُ بِعَدَمِ الدُّخُولِ فِيهِمَا لِخُرُوجِهِمَا عَنْ مُسَمَّى الْأَرْضِ، وَحَمَلَ نَصَّهُ فِي الْبَيْعِ عَلَى مَا إذَا قَالَ بِحُقُوقِهَا، وَالثَّالِثُ: فِيهِمَا قَوْلَانِ بِالنَّصِّ وَالتَّخْرِيجِ: أَحَدُهُمَا عَدَمُ الدُّخُولِ لِمَا مَرَّ، وَالثَّانِي: يَدْخُلَانِ؛ لِأَنَّهُمَا لِلدَّوَامِ فَأَشْبَهَا أَجْزَاءَ الْأَرْضِ، وَلِهَذَا يُلْحَقَانِ بِهَا فِي الْأَخْذِ بِالشُّفْعَةِ، وَعَلَى الْأَوَّلِ كُلُّ مَا يَنْقُلُ الْمِلْكَ مِنْ نَحْوِ هِبَةٍ: كَوَقْفٍ وَصَدَقَةٍ وَوَصِيَّةٍ كَالْبَيْعِ، وَمَا لَا يَنْقُلُهُ مِنْ نَحْوِ عَارِيَّةٍ: كَإِقْرَارٍ كَالرَّهْنِ.
أَمَّا الشَّجَرُ الْيَابِسُ فَلَا يَدْخُلُ كَمَا صَرَّحَ بِهِ ابْنُ الرِّفْعَةِ وَالسُّبْكِيُّ تَفَقُّهًا، وَهُوَ

وَأُصُولُ الْبَقْلِ الَّتِي تَبْقَى سَنَتَيْنِ كَالْقَتِّ وَالْهُنْدَبَا كَالشَّجَرِ،

[مغني المحتاج]

قِيَاسُ مَا يَأْتِي مِنْ أَنَّ الشَّجَرَ لَا يَتَنَاوَلُ غُصْنَهُ الْيَابِسَ.
فَإِنْ قِيلَ: بَيْعُ الدَّارِ يَتَنَاوَلُ مَا فِيهَا مِنْ وَتِدٍ وَنَحْوَهُ فَيَكُونُ.
أُجِيبَ بِأَنَّ ذَلِكَ أَثْبَتُ فِيهَا لِلِانْتِفَاعِ بِهِ مُثْبَتًا فَصَارَ كَجُزْئِهَا بِخِلَافِ الشَّجَرَةِ الْيَابِسَةِ، وَلِهَذَا لَوْ عُرِّشَ عَلَيْهَا عَرِيشٌ نَحْوَ عِنَبٍ أَوْ جُعِلَتْ دِعَامَةً لِجِدَارٍ أَوْ غَيْرِهِ صَارَتْ كَالْوَتِدِ فَتَدْخُلُ فِي الْبَيْعِ، وَعَدَّ الْبَغَوِيّ شَجَرَ الْمَوْزِ مِمَّا يَنْدَرِجُ فِي الْبَيْعِ، وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ كَمَا صَحَّحَهُ السُّبْكِيُّ وَإِنْ خَالَفَ فِي ذَلِكَ الْمَاوَرْدِيُّ وَلَا يَدْخُلُ فِي بَيْعِ الْأَرْضِ مَسِيلُ الْمَاءِ وَشِرْبُهَا وَهُوَ بِكَسْرِ الشِّينِ الْمُعْجَمَةِ نَصِيبُهَا مِنْ الْقَنَاةِ وَالنَّهْرِ الْمَمْلُوكَيْنِ حَتَّى يَشْرُطَهُ، كَأَنْ يَقُولَ بِحُقُوقِهَا، وَهَذَا كَمَا قَالَ السُّبْكِيُّ فِي الْخَارِجِ عَنْ الْأَرْضِ.
أَمَّا الدَّاخِلُ فِيهَا فَلَا رَيْبَ فِي دُخُولِهِ، وَيُخَالِفُ ذَلِكَ مَا لَوْ اسْتَأْجَرَ أَرْضًا لِزَرْعٍ أَوْ غِرَاسٍ فَإِنَّ ذَلِكَ يَدْخُلُ مُطْلَقًا؛ لِأَنَّ الْمَنْفَعَةَ لَا تَحْصُلُ بِدُونِهِ.
تَنْبِيهٌ: دُخُولُ الْفَاءِ فِي قَوْلِ الْمُصَنِّفِ فَالْمَذْهَبُ مُعْتَرَضٌ مِنْ جِهَةِ الْعَرَبِيَّةِ، فَإِنَّهُ لَمْ يَتَقَدَّمْهُ شَرْطٌ وَلَا مَا يَقْتَضِي الرَّبْطَ، وَلِذَا قُدِّرَتْ فِي كَلَامِهِ فَإِذَا، وَقَدْ وَقَعَ لَهُ مِثْلُ هَذَا فِي الْجِرَاحِ وَغَيْرِهِ.

(وَأُصُولُ الْبَقْلِ الَّتِي تَبْقَى) فِي الْأَرْضِ (سَنَتَيْنِ) أَوْ أَكْثَرَ بَلْ أَوْ أَقَلَّ كَمَا قَالَهُ جَمَاعَةٌ: مِنْهُمْ الْمَاوَرْدِيُّ وَنَقَلَهُ عَنْ نَصِّ الْأُمِّ.
وَقَالَ الْأَذْرَعِيُّ: إنَّهُ الْمَذْهَبُ وَيُجَزُّ مَا ذُكِرَ مِرَارًا (كَالْقَتِّ) وَهُوَ بِالْقَافِ وَالتَّاءِ الْمُثَنَّاةِ عَلَفُ الْبَهَائِمِ، وَيُسَمَّى الْقُرْطُ وَالرَّطْبَةُ وَالْفِصْفِصَةُ بِكَسْرِ الْفَاءَيْنِ وَبِالْمُهْمَلَتَيْنِ (وَالْهُنْدَبَا) بِالْمَدِّ وَالْقَصْرِ وَالْقَضْبِ بِالْمُعْجَمَةِ وَالْقَصَبِ الْفَارِسِيِّ وَالْكُرَّاثِ وَالْكُرْفُسِ وَالنَّعْنَاعِ أَوْ تُؤْخَذُ ثَمَرَتُهُ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرَى كَالنَّرْجِسِ وَالْبَنَفْسَجِ وَالْقُطْنِ الْحِجَازِيِّ وَالْبِطِّيخِ وَالْقِثَّاءِ (كَالشَّجَرِ) ؛ لِأَنَّ هَذِهِ الْمَذْكُورَاتِ لِلثَّبَاتِ وَالدَّوَامِ فَتَدْخُلُ فِي الْبَيْعِ دُونَ الرَّهْنِ عَلَى الْخِلَافِ الْمُتَقَدِّمِ وَالثَّمَرَةِ الظَّاهِرَةِ، وَكَذَا الْجِزَّةُ بِكَسْرِ الْجِيمِ الْمَوْجُودَةِ عِنْدَ بَيْعِ الْأَرْضِ الْمُشْتَمِلَةِ عَلَى مَا يُجَزُّ مِرَارًا لِلْبَائِعِ، بِخِلَافِ الثَّمَرَةِ الْكَامِنَةِ لِكَوْنِهَا كَالْجُزْءِ مِنْ الشَّجَرَةِ وَالْجِزَّةِ غَيْرِ الْمَوْجُودَةِ فَيَدْخُلَانِ فِي بَيْعِ الْأَرْضِ، وَعَلَى عَدَمِ دُخُولِ الْجِزَّةِ يُشْتَرَطُ عَلَى الْبَائِعِ قَطْعُهَا وَإِنْ لَمْ تَبْلُغْ أَوَانَ الْجَزِّ لِئَلَّا تَزِيدَ فَيُشْتَبَهَ الْمَبِيعُ بِغَيْرِهِ، بِخِلَافِ الثَّمَرَةِ الَّتِي لَا يَغْلِبُ اخْتِلَاطُهَا فَلَا يُشْتَرَطُ فِيهَا ذَلِكَ.
وَأَمَّا غَيْرُهَا فَكَالْجِزَّةِ كَمَا يُعْلَمُ مِمَّا يَأْتِي، وَمَا ذُكِرَ مِنْ اشْتِرَاطِ الْقَطْعِ هُوَ مَا جَزَمَ بِهِ الشَّيْخَانِ كَالْبَغَوِيِّ وَغَيْرِهِ، وَاعْتِبَارُ كَثِيرِينَ وُجُوبَ الْقَطْعِ مِنْ غَيْرِ اعْتِبَارِ شَرْطٍ مَحْمُولٌ عَلَى ذَلِكَ.
قَالَ فِي التَّتِمَّةِ: إلَّا الْقَصَبَ: أَيْ الْفَارِسِيَّ فَهُوَ بِالصَّادِ الْمُهْمَلَةِ كَمَا قَالَهُ الْأَذْرَعِيُّ خِلَافًا لِمَا ضَبَطَهُ الْإِسْنَوِيُّ مِنْ أَنَّهُ بِالْمُعْجَمَةِ

وَلَا يَدْخُلُ مَا يُؤْخَذُ كَحِنْطَةٍ وَشَعِيرٍ وَسَائِرِ الزُّرُوعِ.

وَيَصِحُّ بَيْعُ الْأَرْضِ الْمَزْرُوعَةِ عَلَى الْمَذْهَبِ، وَلِلْمُشْتَرِي الْخِيَارُ إنْ جَهِلَهُ، وَلَا يَمْنَعُ الزَّرْعُ دُخُولَ الْأَرْضِ فِي يَدِ الْمُشْتَرِي وَضَمَانُهُ إذَا حَصَلَتْ التَّخْلِيَةُ فِي الْأَصَحِّ، وَالْبَذْرُ كَالزَّرْعِ،

[مغني المحتاج]

فَلَا يُكَلَّفُ قَطْعَهُ حَتَّى يَكُونَ قَدْرًا يَنْتَفِعُ بِهِ، وَشَجَرَ الْخِلَافِ بِتَخْفِيفِ اللَّامِ كَالْقَصَبِ فِي ذَلِكَ.
فَإِنْ قِيلَ الْوَجْهُ التَّسْوِيَةُ بَيْنَ الْمُسْتَثْنَى وَالْمُسْتَثْنَى مِنْهُ، فَإِمَّا أَنْ يُعْتَبَرَ الِانْتِفَاعُ فِي الْكُلِّ أَوْ لَا يُعْتَبَرَ.
أُجِيبَ بِأَنَّ تَكْلِيفَ الْبَائِعِ قَطْعَ مَا اسْتَثْنَى يُؤَدِّي إلَى أَنَّهُ لَا يَنْتَفِعُ بِهِ مِنْ الْوَجْهِ الَّذِي يُرَادُ الِانْتِفَاعُ بِهِ بِخِلَافِ غَيْرِهِ، وَلَا بُعْدَ فِي تَأْخِيرِ وُجُوبِ الْقَطْعِ حَالًا لِمَعْنًى بَلْ قَدْ عَهِدَ تَخَلُّفَهُ بِالْكُلِّيَّةِ وَذَلِكَ فِي بَيْعِ الثَّمَرَةِ مِنْ مَالِكِ الشَّجَرَةِ كَمَا سَيَأْتِي (وَلَا يَدْخُلُ) فِي مُطْلَقِ بَيْعِ الْأَرْضِ كَمَا فِي الْمُحَرَّرِ وَالرَّوْضَةِ وَأَصْلِهَا، أَوْ قَالَ بِحُقُوقِهَا كَمَا قَالَهُ الْقَمُولِيُّ وَغَيْرُهُ (مَا يُؤْخَذُ) بِقَلْعٍ أَوْ قَطْعٍ (دَفْعَةً) وَاحِدَةً (كَحِنْطَةٍ وَشَعِيرٍ وَسَائِرِ) أَيْ بَاقِي (الزُّرُوعِ) كَالْفُجْلِ وَالْجَزَرِ وَقُطْنِ خُرَاسَانَ وَالثُّومِ وَالْبَصَلِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ لِلدَّوَامِ، فَأَشْبَهَ مَنْقُولَاتِ الدَّارِ.
تَنْبِيهٌ عَدَّ الشَّيْخَانِ مِمَّا يُؤْخَذُ دَفْعَةً السِّلْقَ بِكَسْرِ السِّينِ وَاعْتَرَضَهُمَا جَمَاعَةٌ بِأَنَّهُ مِمَّا يُجَزُّ مِرَارًا.
وَأَجَابَ عَنْهُ الْأَذْرَعِيُّ بِأَنَّهُ نَوْعَانِ: نَوْعٌ يُؤْخَذُ دَفْعَةً وَاحِدَةً، وَهُوَ مَا أَرَادَهُ الشَّيْخَانِ، وَنَوْعٌ مِمَّا يُجَزُّ مِرَارًا، وَهُوَ الْمَعْرُوفُ بِمِصْرَ وَأَكْثَرِ بِلَادِ الشَّامِ.

(وَيَصِحُّ بَيْعُ الْأَرْضِ الْمَزْرُوعَةِ) قَالَ الشَّارِحُ: هَذَا الزَّرْعُ الَّذِي لَا يَدْخُلُ (عَلَى الْمَذْهَبِ) كَمَا لَوْ بَاعَ دَارًا مَشْحُونَةً بِأَمْتِعَةٍ.
وَالطَّرِيقُ الثَّانِي، تَخْرِيجُهُ عَلَى الْقَوْلَيْنِ فِي بَيْعِ الدَّارِ الْمُسْتَأْجَرَةِ لِغَيْرِ الْمُكْتَرِي: أَحَدُهُمَا الْبُطْلَانُ، وَفَرَّقَ الْأَوَّلُ بِأَنَّ يَدَ الْمُسْتَأْجِرِ حَائِلَةٌ.
أَمَّا الزَّرْعُ الَّذِي يَدْخُلُ فَلَا يَمْنَعُ الصِّحَّةَ بِلَا خِلَافٍ، فَتَقْيِيدُ الشَّارِحِ لِأَجْلِ مَحَلِّ الْخِلَافِ وَلِأَجْلِ قَوْلِهِ (وَلِلْمُشْتَرِي الْخِيَارُ إنْ جَهِلَهُ) أَيْ الزَّرْعَ الَّذِي لَا يَدْخُلُ بِأَنْ كَانَ قَدْ رَآهَا قَبْلَهُ.
قَالَ الْأَذْرَعِيُّ: أَوْ لَمْ يَسْتُرْهَا الزَّرْعُ: أَيْ كَأَنْ رَآهَا مِنْ خِلَالِهِ.
فَإِنْ قِيلَ إذَا رَآهَا مِنْ خِلَالِهِ لَا خِيَارَ لَهُ؟ . أُجِيبَ بِأَنَّهُ جَهِلَ كَوْنَهُ بَاقِيًا إلَى الشِّرَاءِ وَإِلَّا فَكَيْفَ يُتَصَوَّرُ أَنَّهُ رَأَى الزَّرْعَ وَلَهُ الْخِيَارُ؟ . نَعَمْ إنْ تَرَكَهُ لَهُ الْبَائِعُ وَلَا يَمْلِكُهُ إلَّا بِتَمْلِيكٍ أَوْ قَصُرَ زَمَنُ التَّفْرِيغِ سَقَطَ خِيَارُهُ.
أَمَّا الْعَالِمُ بِذَلِكَ فَلَا خِيَارَ لَهُ لِتَقْصِيرِهِ.
نَعَمْ إنْ ظَهَرَ أَمْرٌ يَقْتَضِي تَأْخِيرَ الْحَصَادِ عَنْ وَقْتِهِ الْمُعْتَادِ فَلَهُ الْخِيَارُ (وَلَا يَمْنَعُ الزَّرْعُ) الْمَذْكُورُ (دُخُولَ الْأَرْضِ فِي يَدِ الْمُشْتَرِي وَضَمَانُهُ إذَا حَصَلَتْ التَّخْلِيَةُ فِي الْأَصَحِّ) لِوُجُودِ التَّسْلِيمِ فِي عَيْنِ الْمَبِيعِ.
وَالثَّانِي: يُمْنَعُ كَمَا تُمْنَعُ الْأَمْتِعَةُ الْمَشْحُونِ بِهَا الدَّارُ مِنْ قَبْضِهَا، وَفَرَّقَ الْأَوَّلُ بِأَنَّ تَفْرِيغَ الدَّارِ مُتَأَتٍّ فِي الْحَالِ غَالِبًا بِخِلَافِ الْأَرْضِ (وَالْبَذْرُ) بِالذَّالِ الْمُعْجَمَةِ (كَالزَّرْعِ)

وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ لا أجرة لِلْمُشْتَرَيْ مُدَّةَ بَقَاءِ الزَّرْعِ.

وَلَوْ بَاعَ أَرْضًا مَعَ بَذْرٍ أَوْ زَرْعٍ لَا يُفْرَدُ بِالْبَيْعِ بَطَلَ فِي الْجَمِيعِ، وَقِيلَ فِي الْأَرْضِ قَوْلَانِ.

وَيَدْخُلُ فِي بَيْعِ الْأَرْضِ الْحِجَارَةُ الْمَخْلُوقَةُ

[مغني المحتاج]

فَالْبَذْرُ الَّذِي لَا ثَبَاتَ لِنَبَاتِهِ، وَيُؤْخَذُ دَفْعَةً وَاحِدَةً لَا يَدْخُلُ فِي بَيْعِ الْأَرْضِ وَيَبْقَى إلَى أَوَانِ الْحَصَادِ، وَمِثْلُهُ الْقَلْعُ فِيمَا يُقْلَعُ، وَلِلْمُشْتَرِي الْخِيَارُ إنْ جَهِلَهُ وَتَضَرَّرَ بِهِ وَصَحَّ قَبْضُهَا مَشْغُولَةً بِهِ، وَلَا أُجْرَةَ لَهُ مُدَّةَ بَقَائِهِ، فَإِنْ تَرَكَهُ لَهُ الْبَائِعُ سَقَطَ خِيَارُهُ وَعَلَيْهِ الْقَبُولُ، وَلَوْ قَالَ آخُذُهُ وَأُفْرِغُ الْأَرْضَ وَأَمْكَنَ فِي زَمَنٍ يَسِيرٍ وَلَمْ يَضُرَّ سَقَطَ خِيَارُهُ وَالْبَذْرُ الَّذِي يَدُومُ كَنَوَى النَّخْلِ وَبَزْرِ الْكُرَّاثِ وَنَحْوِهِ مِنْ الْبُقُولِ حُكْمُهُ فِي الدُّخُولِ فِي بَيْعِ الْأَرْضِ كَالشَّجَرِ (وَالْأَصَحُّ) وَفِي الرَّوْضَةِ قَطَعَ الْجُمْهُورُ (أَنَّهُ لِلْمُشْتَرِي مُدَّةَ بَقَاءِ الزَّرْعِ) قَالَ الشَّارِحُ: الَّذِي جَهِلَهُ وَأَجَازَ كَمَا لَا أَرْشَ فِي الْإِجَازَةِ بِالْعَيْبِ اهـ. وَلِأَنَّهُ بِالْإِجَازَةِ رَضِيَ بِتَلَفِ الْمَنْفَعَةِ تِلْكَ الْمُدَّةَ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ بَاعَ دَارًا مَشْحُونَةً بِأَمْتِعَةٍ فَإِنَّهُ لَا أُجْرَةَ لِمُدَّةِ التَّفْرِيغِ، وَالثَّانِي: لَهُ الْأُجْرَةُ.
قَالَ فِي الْبَسِيطِ: لِأَنَّ الْمَنَافِعَ مُتَمَيِّزَةٌ عَنْ الْمَعْقُودِ لَهُ: أَيْ فَلَيْسَتْ كَالْعَيْبِ.
أَمَّا إذَا كَانَ عَالِمًا فَلَا أُجْرَةَ لَهُ جَزْمًا، فَتَقْيِيدُ الشَّارِحِ لِأَجْلِ مَحَلِّ الْخِلَافِ.

(وَلَوْ بَاعَ أَرْضًا مَعَ بَذْرٍ أَوْ زَرْعٍ) بِهَا (لَا يُفْرَدُ بِالْبَيْعِ) عَنْهَا: أَيْ لَا يَصِحُّ بَيْعُهُ وَحْدَهُ وَالزَّرْعُ الَّذِي لَا يُفْرَدُ بِالْبَيْعِ كَبُرٍّ لَمْ يُرَ: كَأَنْ يَكُونَ فِي سُنْبُلِهِ أَوْ كَانَ مَسْتُورًا بِالْأَرْضِ كَالْفُجْلِ وَالْبَذْرِ الَّذِي لَا يُفْرَدُ بِالْبَيْعِ هُوَ مَا لَمْ يَرَهُ أَوْ تَغَيَّرَ بَعْدَ رُؤْيَتِهِ أَوْ امْتَنَعَ عَلَيْهِ أَخَذَهُ كَمَا هُوَ الْغَالِبُ (بَطَلَ) الْبَيْعُ (فِي الْجَمِيعِ) جَزْمًا لِلْجَهْلِ بِأَحَدِ الْمَقْصُودَيْنِ وَتَعَذَّرَ التَّوْزِيعُ.
نَعَمْ إنْ دَخَلَ فِيهَا عِنْدَ الْإِطْلَاقِ بِأَنْ كَانَ دَائِمَ الثَّبَاتِ صَحَّ الْبَيْعُ فِي الْكُلِّ وَكَأَنَّهُ ذَكَرَهُ تَأْكِيدًا كَمَا قَالَهُ الْمُتَوَلِّي وَغَيْرُهُ، وَإِنْ فَرَضُوهُ فِي الْبَذْرِ.
فَإِنْ قِيلَ: يُشْكِلُ إذَا لَمْ يَرَهُ قَبْلَ الْبَيْعِ بِبَيْعِ الْجَارِيَةِ مَعَ حَمْلِهَا؟ . أُجِيبَ بِأَنَّ الْحَمْلَ غَيْرُ مُتَحَقَّقِ الْوُجُودِ بِخِلَافٍ مَا هُنَا، فَاغْتُفِرَ فِيهِ مَا لَا يُغْتَفَرُ فِي الْحَمْلِ (وَقِيلَ فِي الْأَرْضِ قَوْلَانِ) أَحَدُهُمَا كَالْأَوَّلِ، وَالثَّانِي: الصِّحَّةُ فِيهَا بِجَمِيعِ الثَّمَنِ.
تَنْبِيهٌ ذَكَرَ فِي الْمُحَرَّرِ الْبَذْرَ بَعْدَ صِفَةِ الزَّرْعِ وَقَدَّمَهُ فِي الْكِتَابِ.
قِيلَ: لِتَعُودَ الصِّفَةُ إلَيْهِ أَيْضًا فَيَخْرُجَ بِهَا مَا رُئِيَ قَبْلَ الْعَقْدِ وَلَمْ يَتَغَيَّرْ وَقَدَرَ عَلَى أَخْذِهِ فَإِنَّهُ يُفْرَدُ بِالْبَيْعِ، وَلَمْ يُنَبِّهْ فِي الدَّقَائِقِ عَلَى ذَلِكَ، وَقَدْ أَطْلَقَ الْبَذْرَ فِي الرَّوْضَةِ كَأَصْلِهَا، وَلَمْ يَقُلْ الْمُصَنِّفُ لَا يُفْرَدَانِ؛ لِأَنَّ الْمَعْرُوفَ فِي الْعَطْفِ بِأَوْ إفْرَادُ الضَّمِيرِ وَالزَّرْعُ الَّذِي يُفْرَدُ بِالْبَيْعِ كَالْقَصِيلِ الَّذِي لَمْ يُسَنْبِلْ أَوْ سَنْبَلَ وَثَمَرَتُهُ ظَاهِرَةٌ كَالذُّرَةِ وَالشَّعِيرِ.

(وَيَدْخُلُ فِي بَيْعِ الْأَرْضِ الْحِجَارَةُ الْمَخْلُوقَةُ)

فِيهَا، دُونَ الْمَدْفُونَةِ، وَلَا خِيَارَ لِلْمُشْتَرِي إنْ عَلِمَ، وَيَلْزَمُ الْبَائِعَ النَّقْلُ، وَكَذَا إنْ جَهِلَ وَلَمْ يَضُرَّ قَلْعُهَا، وَإِنْ ضَرَّ فَلَهُ الْخِيَارُ، فَإِنْ أَجَازَ لَزِمَ الْبَائِعَ النَّقْلُ وَتَسْوِيَةُ الْأَرْضِ.

[مغني المحتاج]

أَوْ الْمُثْبَتَةُ (فِيهَا) ؛ لِأَنَّهَا مِنْ أَجْزَائِهَا، فَإِنْ كَانَتْ تَضُرُّ بِالزَّرْعِ أَوْ الْغَرْسِ فَهُوَ عَيْبٌ إنْ كَانَتْ الْأَرْضُ تُقْصَدُ لِذَلِكَ مُثْبِتٌ لِلْخِيَارِ (دُونَ الْمَدْفُونَةِ) فِيهَا كَالْكُنُوزِ فَلَا تَدْخُلُ فِيهَا كَبَيْعِ دَارٍ فِيهَا أَمْتِعَةٌ (وَلَا خِيَارَ لِلْمُشْتَرِي إنْ عَلِمَ) الْحَالَ وَلَوْ ضَرَّ قَلْعُهَا.
نَعَمْ إنْ جَهِلَ ضَرَرَهَا وَكَانَ لَا يَزُولُ بِالْقَلْعِ أَوْ تَتَعَطَّلُ بِهِ مُدَّةً لِمِثْلِهَا أُجْرَةٌ فَلَهُ الْخِيَارُ كَمَا قَالَهُ الْمُتَوَلِّي (وَيَلْزَمُ الْبَائِعَ) الْقَلْعُ وَ (النَّقْلُ) تَفْرِيغًا لِمِلْكِ الْمُشْتَرِي، بِخِلَافِ الزَّرْعِ؛ لِأَنَّ لَهُ أَمَدًا يُنْتَظَرُ، وَلِلْبَائِعِ التَّفْرِيغُ أَيْضًا وَإِنْ ضَرَّ الْمُشْتَرِي وَيَلْزَمُهُ تَسْوِيَةُ حُفَرِ الْأَرْضِ الْحَاصِلَةِ بِالْقَلْعِ.
قَالَ فِي الْمَطْلَبِ: بِأَنْ يُعِيدَ التُّرَابَ الْمُزَالَ بِالْقَلْعِ مِنْ فَوْقِ الْحِجَارَةِ مَكَانَهُ: أَيْ وَإِنْ لَمْ يُسَوِّ، إذْ يَبْعُدُ أَنْ يُقَالَ يُسَوِّيهَا بِتُرَابٍ آخَرَ مِنْ مَكَان خَارِجٍ أَوْ مِمَّا فِيهَا؛ لِأَنَّ فِي الْأَوَّلِ إيجَابَ عَيْنٍ لَمْ تَدْخُلْ فِي الْبَيْعِ، وَفِي الثَّانِي تَغْيِيرُ الْمَبِيعِ وَلَا أُجْرَةَ عَلَيْهِ لِمُدَّةِ ذَلِكَ وَإِنْ طَالَتْ (وَكَذَا) لَا خِيَارَ لِلْمُشْتَرِي (إنْ جَهِلَ) الْحَالَ (وَلَمْ يَضُرَّ قَلْعُهَا) بِأَنْ لَمْ تَنْقُصْ الْأَرْضُ بِهِ وَلَمْ يُحْوِج النَّقْلُ وَالتَّسْوِيَةُ إلَى مُدَّةِ لِمِثْلِهَا أُجْرَةٌ سَوَاءٌ أَضَرَّ تَرْكُهَا أَمْ لَا، وَيَلْزَمُ الْبَائِعَ النَّقْلُ وَتَسْوِيَةُ الْأَرْضِ وَلَا أُجْرَةَ عَلَيْهِ لِمُدَّةِ ذَلِكَ كَمَا مَرَّ (وَإِنْ ضَرَّ) قَلْعُهَا بِأَنْ نَقَصَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ أَحْوَجَ التَّفْرِيغُ وَتَسْوِيَةُ الْأَرْضِ لِمُدَّةٍ لِمِثْلِهَا أُجْرَةٌ (فَلَهُ الْخِيَارُ) ضَرَّ تَرْكُهَا أَمْ لَا، وَلَا يَسْقُطُ خِيَارُهُ بِقَوْلِ الْبَائِعِ أَنَا أَغْرَمُ لَكَ الْأُجْرَةَ وَالْأَرْشَ لِلْمِنَّةِ، فَلَوْ تَرَكَ لَهُ الْحِجَارَةَ وَتَرْكُهَا لَا يَضُرُّ الْمُشْتَرِي سَقَطَ خِيَارُهُ.
فَإِنْ قِيلَ فِي ذَلِكَ مِنَّةٌ أَيْضًا.
أُجِيبَ بِأَنَّ الْمِنَّةِ الَّتِي فِيهَا حَصَلَتْ بِمَا هُوَ مُتَّصِلٍ بِالْمَبِيعِ يُشْبِهُ جُزْأَهُ بِخِلَافِهَا فِي ذَلِكَ، وَهَذَا التَّرْكُ إعْرَاضٌ لَا تَمْلِيكٌ، فَلِلْبَائِعِ الرُّجُوعُ فِيهِ وَيَعُودُ بِرُجُوعِهِ خِيَارُ الْمُشْتَرِي.
نَعَمْ لَوْ وَهَبَهَا لَهُ وَاجْتَمَعَتْ شُرُوطُ الْهِبَةِ حَصَلَ الْمِلْكُ وَلَا رُجُوعَ لِلْبَائِعِ فِيهَا، فَإِنْ فُقِدَ مِنْهَا شَرْطٌ فَهُوَ إعْرَاضٌ كَالتَّرْكِ؛ لِأَنَّهُ إذَا بَطَلَ الْخُصُوصُ بَقِيَ الْعُمُومُ (فَإِنْ أَجَازَ) حَيْثُ ثَبَتَ لَهُ الْخِيَارُ (لَزِمَ الْبَائِعَ) الْقَلْعُ وَ (النَّقْلُ) تَفْرِيغًا لِمِلْكِ الْمُشْتَرِي (وَ) لَزِمَهُ (تَسْوِيَةُ الْأَرْضِ) كَمَا سَبَقَ سَوَاءٌ أَنَقَلَ قَبْلَ الْقَبْضِ أَمْ بَعْدَهُ، فَلَوْ رَضِيَ الْبَائِعُ بِتَرْكِهَا.
قَالَ الْإِسْنَوِيُّ فَفِيهِ مَا سَبَقَ.
تَنْبِيهٌ ظَاهِرُ عِبَارَةِ الشَّيْخَيْنِ أَنَّهُ لَوْ جَهِلَ ضَرَرَ التَّرْكِ فَقَطْ أَنَّهُ لَا خِيَارَ لَهُ، وَاسْتَدْرَكَ النَّسَائِيُّ وَالْإِسْنَوِيُّ عَلَيْهِمَا بِأَنَّ مُقْتَضَى كَلَامِ غَيْرِهِمَا ثُبُوتُهُ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَطْمَعُ فِي أَنَّ الْبَائِعَ قَدْ يَتْرُكُهَا لَهُ، وَرُدَّ هَذَا الِاسْتِدْرَاكُ بِأَنَّ طَمَعَهُ فِي تَرْكِهَا لَا يَصْلُحُ عِلَّةً لِثُبُوتِ الْخِيَارِ وَلَا يُقَاسُ

فصول الكتاب · 11 فصل · 627 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول مغني المحتاج إلى معرفة معاني ألفاظ المنهاج · 627 صفحة
المقدمة
بَابُ صَلَاةِ الْمُسَافِرِ
بَابُ صَلَاةِ الْكُسُوفَيْنِ
بَابُ زَكَاةِ النَّقْدِبَابُ زَكَاةِ الْمَعْدِن وَالرِّكَازِ وَالتِّجَارَةِ
بَاب زَكَاةِ الْفِطْرِ
كتاب البيع
بَابُ الضَّمَانِ
بَابُ مَا يَحْرُمُ مِنْ النِّكَاحِ
بَابُ نِكَاحِ الْمُشْرِكِ
بَابُ قَاطِعِ الطَّرِيقِ
جارٍ التحميل