مغني المحتاج إلى معرفة معاني ألفاظ المنهاجصفحات 104-143
أهل الأثرالأرشيف العلمي

وَانْقَضَتْ الْعِدَّةُ كَمَا لَوْ فَارَقَتْ الْمَسْكَنَ، وَلَوْ بَلَغَتْهَا الْوَفَاةُ بَعْدَ الْمُدَّةِ كَانَتْ مُنْقَضِيَةً، وَلَهَا إحْدَادٌ عَلَى غَيْرِ زَوْجٍ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، وَتَحْرُمُ الزِّيَادَةُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ

فَصْلٌ تَجِبُ سُكْنَى لِمُعْتَدَّةِ طَلَاقٍ وَلَوْ بَائِنٍ،

[مغني المحتاج]

وَلِيُّهَا إنْ لَمْ يَمْنَعْهَا (وَانْقَضَتْ الْعِدَّةُ) مَعَ الْعِصْيَانِ، وَهَذَا (كَمَا لَوْ فَارَقَتْ الْمُعْتَدَّةُ) الْمُحِدَّةُ أَوْ غَيْرُهَا بِلَا عُذْرٍ (الْمَسْكَنَ) الَّذِي يَجِبُ عَلَيْهَا مُلَازَمَتُهُ بِلَا عُذْرٍ كَمَا سَيَأْتِي فَإِنَّهَا تَعْصِي وَتَنْقَضِي عِدَّتُهَا بِمُضِيِّ الْمُدَّةِ، إذْ الْعِبْرَةُ فِي انْقِضَائِهَا بِانْقِضَاءِ الْعِدَّةِ (وَلَوْ بَلَغَتْهَا الْوَفَاةُ) أَيْ مَوْتُ زَوْجِهَا أَوْ طَلَاقُهُ (بَعْدَ الْمُدَّةِ) لِلْعِدَّةِ (كَانَتْ مُنْقَضِيَةً) وَلَمْ يَكُنْ عَلَيْهَا غَيْرُهَا لِمَا مَرَّ (وَلَهَا) أَيْ الْمَرْأَةِ (إحْدَادٌ عَلَى غَيْرِ زَوْجٍ) مِنْ الْمَوْتَى (ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ) فَأَقَلَّ (وَتَحْرُمُ الزِّيَادَةُ) عَلَيْهَا بِقَصْدِ الْإِحْدَادِ (وَاَللَّهُ أَعْلَمُ) فَلَوْ تَرَكَتْ ذَلِكَ بِلَا قَصْدٍ لَمْ تَأْثَمْ، ذَكَرَهُ فِي أَصْلِ الرَّوْضَةِ فِي الشِّقَاقِ، وَذَلِكَ مَأْخُوذٌ مِنْ الْخَبَرَيْنِ السَّابِقَيْنِ، وَلِأَنَّ فِي تَعَاطِيهِ إظْهَارَ عَدَمِ الرِّضَا بِالْقَضَاءِ، وَالْأَلْيَقُ بِهَا التَّقَنُّعُ بِجِلْبَابِ الصَّبْرِ، وَإِنَّمَا رُخِّصَ لِلْمُعْتَدَّةِ فِي عِدَّتِهَا لِحَبْسِهَا عَلَى الْمَقْصُودِ مِنْ الْعِدَّةِ وَلِغَيْرِهَا مِنْ الثَّلَاثِ؛ لِأَنَّ النُّفُوسَ قَدْ لَا تَسْتَطِيعُ فِيهَا الصَّبْرَ، وَلِذَلِكَ تُسَنُّ فِيهَا التَّعْزِيَةُ وَبَعْدَهَا تَنْكَسِرُ أَعْلَامُ الْحُزْنِ قَالَ الْأَذْرَعِيُّ: وَالْأَشْبَهُ أَنَّ الْمُرَادَ بِغَيْرِ الزَّوْجِ الْقَرِيبُ كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ الْقَاضِي، فَلَا يَجُوزُ لِلْأَجْنَبِيَّةِ الْإِحْدَادُ عَلَى أَجْنَبِيٍّ أَصْلًا وَلَوْ بَعْضَ يَوْمٍ، وَلَمْ أَرَ فِيهِ نَصًّا قَالَ الْغَزِّيُّ: وَيَظْهَرُ أَنَّ الصَّدِيقَ كَالْقَرِيبِ، وَكَذَا الْعَالِمُ وَالصَّالِحُ وَضَابِطُهُ مَنْ يَحْصُلُ بِمَوْتِهِ حُزْنٌ، فَكُلُّ مَنْ حَزِنَتْ بِمَوْتِهِ لَهَا أَنْ تُحِدَّ عَلَيْهِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ هَذَا هُوَ الَّذِي يَظْهَرُ اهـ. ، وَيُمْكِنُ حَمْلُ إطْلَاقِ الْحَدِيثِ وَحَمْلُ إطْلَاقِ كَلَامِ الْأَصْحَابِ عَلَى هَذَا، وَهَذَا لَا بَأْسَ بِهِ.
تَنْبِيهٌ: كَلَامُ الْمُصَنِّفِ يُفْهِمُ أَنَّ الرَّجُلَ لَيْسَ لَهُ الْإِحْدَادُ عَلَى قَرِيبهِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، وَهُوَ كَذَلِكَ، وَمَا قَالَهُ الْإِمَامُ مِنْ أَنَّ التَّحَزُّنَ فِي الْمُدَّةِ لَا يَخْتَصُّ بِالنِّسَاءِ مَنَعَهُ ابْنُ الرِّفْعَةِ فَإِنَّهُ شُرِعَ لِلنِّسَاءِ لِنَقْصِ عَقْلِهِنَّ الْمُقْتَضِي عَدَمَ الصَّبْرِ مَعَ أَنَّ الشَّارِعَ أَوْجَبَ عَلَى النِّسَاءِ الْإِحْدَادَ دُونَ الرِّجَالِ

[فَصْلٌ فِي سُكْنَى الْمُعْتَدَّةِ وَمُلَازَمَتِهَا مَسْكَنَ فِرَاقِهَا]

(تَجِبُ سُكْنَى لِمُعْتَدَّةِ طَلَاقٍ) حَائِلٍ أَوْ حَامِلٍ (وَلَوْ بَائِنٍ) بِالْجَرِّ عَطْفًا عَلَى الْمَجْرُورِ، وَالْأَوْلَى نَصْبُهُ أَيْ وَلَوْ كَانَتْ بَائِنًا، وَيَجُوزُ رَفْعُهُ بِتَقْدِيرِ مُبْتَدَإٍ مَحْذُوفٍ أَيْ وَلَوْ هِيَ بَائِنٌ وَيَسْتَمِرُّ سُكْنَاهَا إلَى انْقِضَاءِ عِدَّتِهَا لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ﴾ [الطلاق: 6] وقَوْله تَعَالَى: ﴿لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ﴾ [الطلاق: 1] أَيْ بُيُوتِ أَزْوَاجِهِنَّ وَأَضَافَهَا إلَيْهِنَّ لِلسُّكْنَى، إذْ لَوْ كَانَتْ إضَافَةُ مِلْكٍ لَمْ تَخْتَصَّ بِالْمُطَلَّقَاتِ، وَلَوْ أُسْقِطَتْ مُؤْنَةُ الْمَسْكَنِ عَنْ الزَّوْجِ لَمْ تَسْقُطْ كَمَا فِي فَتَاوَى الْمُصَنِّفِ لِأَنَّهَا تَجِبُ يَوْمًا بِيَوْمٍ، وَلَا يَصِحُّ إسْقَاطُ مَا لَمْ يَجِبْ

إلَّا نَاشِزَةً

وَلِمُعْتَدَّةِ وَفَاةٍ فِي الْأَظْهَرِ

وَفَسْخٌ عَلَى الْمَذْهَبِ،

[مغني المحتاج]

تَنْبِيهٌ أَفْهَمَ تَقْيِيدُهُ عَنْ طَلَاقٍ أَنَّهُ لَا سُكْنَى لِمُعْتَدَّةٍ عَنْ وَطْءِ شُبْهَةٍ وَلَوْ فِي نِكَاحٍ فَاسِدٍ وَلَا لِأُمِّ وَلَدٍ إنْ أُعْتِقَتْ، وَهُوَ كَذَلِكَ، ثُمَّ اسْتَثْنَى مِنْ الْمُعْتَدَّةِ قَوْلَهُ (إلَّا نَاشِزَةً) سَوَاءٌ كَانَ ذَلِكَ قَبْلَ طَلَاقِهَا كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ، أَمْ فِي أَثْنَاءِ الْعِدَّةِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْمُتَوَلِّي فَإِنَّهَا لَا سُكْنَى لَهَا فِي الْعِدَّةِ، فَإِنْ عَادَتْ إلَى الطَّاعَةِ عَادَ حَقُّ السُّكْنَى كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْمُتَوَلِّي فِي مَسْأَلَتِهِ، وَإِلَّا صَغِيرَةً لَا تَحْتَمِلُ الْجِمَاعَ فَإِنَّهُ لَا سُكْنَى لَهَا بِنَاءً عَلَى الْأَصَحِّ أَنَّهَا لَا تَسْتَحِقُّ النَّفَقَةَ حَالَةَ النِّكَاحِ، وَالْأَمَةُ لَا نَفَقَةَ لَهَا عَلَى زَوْجِهَا كَالْمُسْلِمَةِ لَيْلًا فَقَطْ أَوْ نَهَارًا كَمَا مَرَّ ذَلِكَ فِي فَصْلِ نِكَاحِ الْعَبْدِ وَإِلَّا مَنْ وَجَبَتْ الْعِدَّةُ بِقَوْلِهَا بِأَنْ طَلُقَتْ ثُمَّ أَقَرَّتْ بِالْإِصَابَةِ وَأَنْكَرَهَا الزَّوْجُ فَلَا نَفَقَةَ لَهَا وَلَا سُكْنَى وَعَلَيْهَا الْعِدَّةُ فَإِنْ قِيلَ: لَا وَجْهَ لِاسْتِثْنَاءِ الصَّغِيرَةِ مِنْ ذَلِكَ، إذْ الْكَلَامُ فِي سُكْنَى الْمُعْتَدَّةِ، وَالصَّغِيرَةُ لَا عِدَّةَ عَلَيْهَا أُجِيبَ بِأَنَّهُ يُتَصَوَّرُ ذَلِكَ بِاسْتِدْخَالِهَا مَاءَ الزَّوْجِ وَإِنْ كَانَ فِيهِ بُعْدٌ

(وَ) يَجِبُ السُّكْنَى أَيْضًا (لِمُعْتَدَّةِ وَفَاةٍ فِي الْأَظْهَرِ) «لِأَمْرِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فُرَيْعَةَ بِضَمِّ الْفَاءِ، بِنْتَ مَالِكٍ أُخْتَ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ لَمَّا قُتِلَ زَوْجُهَا أَنْ تَمْكُثَ فِي بَيْتِهَا حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ، فَاعْتَدَّتْ فِيهِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا» صَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ وَغَيْرُهُ، وَالثَّانِي: لَا سُكْنَى لَهَا كَمَا لَا نَفَقَةَ لَهَا.
وَأَجَابَ الْأَوَّلُ بِأَنَّ السُّكْنَى لِصِيَانَةِ مَائِهِ، وَهِيَ مَوْجُودَةٌ بَعْدَ الْوَفَاةِ، كَالْحَيَاةِ، وَالنَّفَقَةَ لِسَلْطَنَتِهِ عَلَيْهَا وَقَدْ انْقَطَعَتْ، وَبِأَنَّ النَّفَقَةَ حَقُّهَا فَسَقَطَتْ إلَى الْمِيرَاثِ، وَالسُّكْنَى حَقُّ اللَّهِ تَعَالَى فَلَمْ تَسْقُطْ تَنْبِيهٌ مَحَلُّ الْخِلَافِ إذَا لَمْ يُطَلِّقْهَا قَبْلَ الْوَفَاةِ رَجْعِيًّا وَإِلَّا لَمْ تَسْقُطْ قَطْعًا؛ لِأَنَّهَا اسْتَحَقَّتْهَا بِالطَّلَاقِ فَلَمْ تَسْقُطْ بِالْمَوْتِ كَمَا حَكَاهُ فِي الْمَطْلَبِ عَنْ الْأَصْحَابِ، لَكِنْ حَكَى الْجُرْجَانِيِّ طَرْدَ الْقَوْلَيْنِ فِيهَا، وَعَلَيْهِ يَأْتِي إطْلَاقُ الْمُصَنِّفِ

(وَ) يَجِبُ أَيْضًا لِمُعْتَدَّةٍ (فَسْخٌ) بِعَيْبٍ أَوْ رِدَّةٍ أَوْ إسْلَامٍ أَوْ رَضَاعٍ (عَلَى الْمَذْهَبِ) لِأَنَّهَا مُعْتَدَّةٌ عَنْ نِكَاحٍ صَحِيحٍ بِفُرْقَةٍ فِي الْحَيَاةِ فَأَشْبَهَتْ الْمُطَلَّقَةَ تَحْصِينًا لِلْمَاءِ وَالطَّرِيقُ الثَّانِي عَلَى قَوْلَيْنِ كَالْمُعْتَدَّةِ عَنْ وَفَاةٍ تَنْبِيهٌ سَكَتَ الْمُصَنِّفُ عَنْ اسْتِثْنَاءِ النَّاشِزَةِ فِي عِدَّةِ الْوَفَاةِ وَعِدَّةِ الْفَسْخِ مَعَ أَنَّ حُكْمَهَا كَالنَّاشِزَةِ فِي عِدَّةِ الطَّلَاقِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْقَاضِي وَالْمُتَوَلِّي فِيمَنْ مَاتَ عَنْهَا نَاشِزًا، فَلَوْ أَخَّرَ قَوْلَهُ: إلَّا نَاشِزَةً إلَى هُنَا لَشَمِلَ ذَلِكَ، وَشَمِلَ إطْلَاقَهُ الْمُلَاعَنَةَ، وَاَلَّذِي فِي الرَّوْضَةِ نَقْلًا عَنْ الْبَغَوِيِّ أَنَّهَا تَسْتَحِقُّ قَطْعًا، وَحَيْثُ لَا تَجِبُ السُّكْنَى لِمُعْتَدَّةٍ فَلِلزَّوْجِ إسْكَانُهَا حِفْظًا لِمَائِهِ، وَيَقُومُ وَارِثُهُ مَقَامَهُ وَعَلَيْهَا الْإِجَابَةُ، وَحَيْثُ لَا تَرِكَةَ لِلْمَيِّتِ لَمْ يَجِبْ إسْكَانُهَا، فَإِنْ تَبَرَّعَ الْوَارِثُ بِالسُّكْنَى لَزِمَتْهَا الْإِجَابَةُ؛ لِأَنَّ لَهُ غَرَضًا فِي صَوْنِ مَاءِ مُوَرِّثِهِ، وَغَيْرُ الْوَارِثِ كَالْوَارِثِ كَمَا قَالَهُ الرُّويَانِيُّ تَبَعًا لِلْمَاوَرْدِيِّ فَإِنْ قِيلَ: يَنْبَغِي عَدَمُ اللُّزُومِ كَمَا لَوْ تَبَرَّعَ أَجْنَبِيٌّ بِوَفَاءِ دَيْنِ مَيِّتٍ أَوْ مُفْلِسٍ لَمْ يَلْزَمْ الدَّائِنَ قَبُولُهُ بِخِلَافِ الْوَارِثِ، وَبِأَنَّ اللُّزُومَ فِيهِ تَحَمُّلٌ مِنْهُ مَعَ كَوْنِ الْأَجْنَبِيِّ لَا غَرَضَ لَهُ صَحِيحٌ فِي صَوْنِ مَاءِ الْمَيِّتِ.
أُجِيبَ عَنْ الْأَوَّلِ بِأَنَّ مُلَازَمَةَ الْمُعْتَدَّةِ لِلْمَسْكَنِ حَقُّ اللَّهِ تَعَالَى لَا بَدَلَ لَهُ فَيَجِبُ فِيهِ الْقَبُولُ، وَإِلَّا فَيَلْزَمُ تَعْطِيلُهُ، وَبِأَنَّ حِفْظَ مَاءِ الْإِنْسَانِ مِنْ الْمُهِمَّاتِ الْمَطْلُوبَةِ بِخِلَافِ

وَتُسَكَّنُ فِي مَسْكَنٍ كَانَتْ فِيهِ عِنْدَ الْفُرْقَةِ، وَلَيْسَ لِلزَّوْجِ وَغَيْرِهِ إخْرَاجُهَا، وَلَا لَهَا خُرُوجٌ قُلْت: وَلَهَا الْخُرُوجُ فِي عِدَّةِ وَفَاةٍ، وَكَذَا بَائِنٌ فِي النَّهَارِ لِشِرَاءِ طَعَامٍ وَغَزْلٍ وَنَحْوِهِ، وَكَذَا لَيْلًا إلَى دَارِ جَارَةٍ لِغَزْلٍ وَحَدِيثٍ وَنَحْوِهِمَا بِشَرْطِ أَنْ تَرْجِعَ وَتَبِيتَ فِي بَيْتِهَا

[مغني المحتاج]

أَدَاءِ الدَّيْنِ، وَعَنْ الثَّانِي بِأَنَّهُ إنَّمَا يَصِحُّ إذَا كَانَ التَّبَرُّعُ عَلَيْهَا، وَلَيْسَ كَذَلِكَ، وَإِنَّمَا هُوَ عَلَى الْمَيِّتِ، فَإِذَا لَمْ يُوجَدْ مُتَبَرِّعٌ سُنَّ لِلْإِمَامِ حَيْثُ لَا تَرِكَةَ إسْكَانُهَا مِنْ بَيْتِ الْمَالِ، لَا سِيَّمَا إنْ كَانَتْ مُتَّهَمَةً بِرِيبَةٍ وَإِنْ لَمْ يُسْكِنْهَا أَحَدٌ سَكَنَتْ حَيْثُ شَاءَتْ (وَ) إذَا وَجَبَتْ السُّكْنَى فَإِنَّمَا (تُسَكَّنُ) بِضَمِّ أَوَّلِهِ بِخَطِّهِ: أَيْ الْمُعْتَدَّةُ حَتْمًا (فِي مَسْكَنٍ) مُسْتَحَقٍّ لِلزَّوْجِ لَائِقٍ بِهَا (كَانَتْ فِيهِ عِنْدَ الْفُرْقَةِ) بِمَوْتٍ أَوْ غَيْرِهِ لِلْآيَةِ وَحَدِيثِ فُرَيْعَةَ السَّابِقَيْنِ (وَلَيْسَ لِلزَّوْجِ وَغَيْرِهِ إخْرَاجُهَا، وَلَا لَهَا خُرُوجٌ) مِنْهُ وَإِنْ رَضِيَ بِهِ الزَّوْجُ إلَّا لِعُذْرٍ كَمَا سَيَأْتِي لِأَنَّ فِي الْعِدَّةِ حَقَّ اللَّهِ تَعَالَى، وَالْحَقُّ الَّذِي لِلَّهِ تَعَالَى لَا يَسْقُطُ بِالتَّرَاضِي - بِالضَّادِ -، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: ﴿لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلا يَخْرُجْنَ﴾ [الطلاق: 1] تَنْبِيهٌ شَمِلَ كَلَامُهُ كَأَصْلِهِ الرَّجْعِيَّةَ، وَبِهِ صَرَّحَ فِي النِّهَايَةِ، وَفِي حَاوِي الْمَاوَرْدِيُّ وَالْمُهَذَّبِ وَغَيْرِهِمَا مِنْ الْعِرَاقِيِّينَ أَنَّ لِلزَّوْجِ أَنْ يُسْكِنَهَا حَيْثُ شَاءَ لِأَنَّهَا فِي حُكْمِ الزَّوْجَةِ، وَبِهِ جَزَمَ الْمُصَنِّفُ فِي نُكَتِهِ، وَالْأَوَّلُ هُوَ مَا نَصَّ عَلَيْهِ فِي الْأُمِّ كَمَا قَالَ ابْنُ الرِّفْعَةِ وَغَيْرُهُ، وَهُوَ كَمَا قَالَ السُّبْكِيُّ أَوْلَى لِإِطْلَاقِ الْآيَةِ وَقَالَ الْأَذْرَعِيُّ: إنَّهُ الْمَذْهَبُ الْمَشْهُورُ، وَالزَّرْكَشِيُّ: إنَّهُ الصَّوَابُ، وَلِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ الْخَلْوَةُ بِهَا فَضْلًا عَنْ الِاسْتِمْتَاعِ فَلَيْسَتْ كَالزَّوْجَاتِ (قُلْت: وَلَهَا الْخُرُوجُ فِي عِدَّةِ وَفَاةٍ) وَعِدَّةِ وَطْءِ شُبْهَةٍ وَنِكَاحٍ فَاسِدٍ (وَكَذَا بَائِنٌ) وَمَفْسُوخٍ نِكَاحُهَا، وَضَابِطُ ذَلِكَ كُلُّ مُعْتَدَّةٍ لَا تَجِبُ نَفَقَتُهَا وَلَمْ يَكُنْ لَهَا مَنْ يَقْضِيهَا حَاجَتَهَا لَهَا الْخُرُوجُ (فِي النَّهَارِ لِشِرَاءِ طَعَامٍ) وَقُطْنٍ وَكَتَّانٍ (وَ) بَيْعِ (غَزْلٍ وَنَحْوِهِ) لِلْحَاجَةِ إلَى ذَلِكَ «وَلِقَوْلِ جَابِرٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - طَلُقَتْ خَالَتِي ثَلَاثًا، فَخَرَجَتْ تَجُدُّ نَخْلًا لَهَا، فَنَهَاهَا رَجُلٌ، فَأَتَتْ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَذَكَرَتْ ذَلِكَ لَهُ فَقَالَ: اُخْرُجِي فَجُدِّي نَخْلَكِ وَلَعَلَّكِ أَنْ تَتَصَدَّقِي مِنْهُ أَوْ تَفْعَلِي خَيْرًا» رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُد وَاللَّفْظُ لَهُ قَالَ الْإِمَامُ الشَّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -: وَنَخْلُ الْأَنْصَارِ قَرِيبٌ مِنْ مَنَازِلِهِمْ، وَالْجِدَادُ لَا يَكُونُ إلَّا نَهَارًا أَيْ غَالِبًا، أَمَّا مَنْ وَجَبَتْ نَفَقَتُهَا مِنْ رَجْعِيَّةٍ أَوْ مُسْتَبْرَأَةٍ أَوْ بَائِنٍ أَوْ حَامِلٍ فَلَا تَخْرُجُ إلَّا بِإِذْنٍ أَوْ ضَرُورَةٍ كَالزَّوْجَةِ لِأَنَّهُنَّ مَكْفِيَّاتٌ بِنَفَقَةِ أَزْوَاجِهِنَّ (وَكَذَا) لَهَا الْخُرُوجُ لِذَلِكَ (لَيْلًا) إنْ لَمْ يُمْكِنْهَا نَهَارًا وَكَذَا (إلَى دَارِ جَارَةٍ) لَهَا (لِغَزْلٍ وَحَدِيثٍ وَنَحْوِهِمَا) لِلتَّأَنُّسِ لَكِنْ (بِشَرْطِ أَنْ تَرْجِعَ وَتَبِيتَ فِي بَيْتِهَا) لِمَا رَوَى الشَّافِعِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا -: «أَنَّ رِجَالًا اُسْتُشْهِدُوا بِأُحُدٍ فَقَالَتْ نِسَاؤُهُمْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّا نَسْتَوْحِشُ فِي بُيُوتِنَا فَنَبِيتُ عِنْدَ إحْدَانَا فَأَذِنَ لَهُنَّ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ تَحَدَّثْنَ عِنْدَ إحْدَاهُنَّ، فَإِذَا كَانَ وَقْتُ النَّوْمِ تَأْوِي كُلُّ وَاحِدَةٍ إلَى بَيْتِهَا»

وَتَنْتَقِلُ مِنْ الْمَسْكَنِ لِخَوْفٍ مِنْ هَدْمٍ أَوْ غَرَقٍ أَوْ عَلَى نَفْسِهَا، أَوْ تَأَذَّتْ بِالْجِيرَانِ، أَوْ هَمَّ بِهَا أَذًى شَدِيدًا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ

وَلَوْ انْتَقَلَتْ إلَى مَسْكَنٍ بِإِذْنِ الزَّوْجِ فَوَجَبَتْ الْعِدَّةُ

[مغني المحتاج]

تَنْبِيهٌ مَحَلُّ ذَلِكَ: كَمَا قَالَ الْأَذْرَعِيُّ وَغَيْرُهُ، إذَا أَمِنَتْ الْخُرُوجَ وَلَمْ يَكُنْ عِنْدَهَا مَنْ يُؤْنِسُهَا، وَإِلَّا فَلَا يَجُوزُ لَهَا الْخُرُوجُ، فَقَدْ قَالَتْ عَائِشَةُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا -: لَوْ يَعْلَمُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَا أَحْدَثَ النِّسَاءُ بَعْدَهُ لَمَنَعَهُنَّ الْمَسَاجِدَ " وَهَذَا فِي زَمَنِ السَّيِّدَةِ عَائِشَةَ وَلَمْ يَتَعَرَّضُوا لِضَابِطِ وَقْتِ الرُّجُوعِ، وَيَنْبَغِي كَمَا قَالَ ابْنُ شُهْبَةَ الرُّجُوعُ فِيهِ لِلْعَادَةِ

(وَتَنْتَقِلُ) الْمُعْتَدَّةُ (مِنْ الْمَسْكَنِ) الَّذِي كَانَتْ فِيهِ عِنْدَ الْفُرْقَةِ لِعُذْرٍ، وَذَلِكَ (لِخَوْفٍ مِنْ هَدْمٍ أَوْ غَرَقٍ) عَلَى مَالِهَا أَوْ وَلَدِهَا (أَوْ) لِخَوْفٍ (عَلَى نَفْسِهَا) تَلَفًا أَوْ فَاحِشَةً لِلضَّرُورَةِ الدَّاعِيَةِ إلَى ذَلِكَ، وَلِمَا رَوَى أَبُو دَاوُد «عَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا - أَنَّهَا قَالَتْ: كَانَتْ فَاطِمَةُ بِنْتُ قَيْسٍ فِي مَكَان وَحْشٍ مُخِيفٍ فَلِذَلِكَ رَخَّصَ لَهَا النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -» أَيْ فِي الْخُرُوجِ مِنْهُ (أَوْ تَأَذَّتْ بِالْجِيرَانِ) بِكَسْرِ الْجِيمِ (أَوْ هَمَّ بِهَا أَذًى شَدِيدًا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ) لِلْحَاجَةِ إلَى ذَلِكَ، وَفَسَّرَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَغَيْرُهُ، قَوْله تَعَالَى: ﴿إِلا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ [النساء: 19] بِالْبَذَاءَةِ عَلَى الْأَحْمَاءِ أَوْ غَيْرِهِمْ، وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ «أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ قَيْسٍ كَانَتْ تَبْدُو عَلَى أَحْمَائِهَا فَنَقَلَهَا النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إلَى بَيْتِ ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ» وَوَقَعَ لِلرَّافِعِيِّ أَنَّهَا فَاطِمَةُ بِنْتُ أَبِي حُبَيْشٍ وَعُدَّ مِنْ سَبْقِ الْقَلَمِ تَنْبِيهٌ أَطْلَقَ الْمُصَنِّفُ الِانْتِقَالَ عِنْدَ هَذِهِ الضَّرُورَاتِ وَهُوَ يُفْهِمُ أَنَّهَا تَسْكُنُ حَيْثُ شَاءَتْ وَلَيْسَ مُرَادًا بَلْ قَالَ الرَّافِعِيُّ: الَّذِي أَوْرَدَهُ الْجُمْهُورُ انْتِقَالُهَا إلَى أَقْرَبِ الْمَوَاضِعِ إلَى ذَلِكَ الْمَسْكَنِ، وَقَالَ الزَّرْكَشِيُّ: الْمَنْصُوصُ فِي الْأُمِّ أَنَّ الزَّوْجَ يُحَصِّنُهَا حَيْثُ رَضِيَ لَا حَيْثُ شَاءَتْ، وَتَقْيِيدُهُ الْأَذَى بِالشَّدِيدِ يُفْهِمُ أَنَّهَا لَوْ تَأَذَّتْ بِهِمْ قَلِيلًا لَا اعْتِبَارَ بِهِ وَهُوَ كَذَلِكَ إذْ لَا يَخْلُو مِنْهُ أَحَدٌ، وَمِنْ الْجِيرَانِ الْأَحْمَاءُ وَهُمْ أَقَارِبُ الزَّوْجِ، نَعَمْ إنْ اشْتَدَّ أَذَاهَا بِهِمْ أَوْ عَكْسُهُ وَكَانَتْ الدَّارُ ضَيِّقَةً نَقَلَهُمْ الزَّوْجُ عَنْهَا، وَكَذَا لَوْ كَانَ الْمَسْكَنُ لَهَا فَإِنَّهَا لَا تَنْتَقِلُ مِنْهُ لِاسْتِطَالَةٍ وَلَا غَيْرِهَا بَلْ يَنْتَقِلُونَ عَنْهَا، وَكَذَا لَوْ كَانَتْ بِبَيْتِ أَبَوَيْهَا وَبَذَتْ عَلَيْهِمْ نَقَلُوا دُونَهَا لِأَنَّهَا أَحَقُّ بِدَارِ أَبَوَيْهَا: كَذَا قَالَاهُ قَالَ الْأَذْرَعِيُّ: وَكَأَنَّ الْمُرَادَ أَنَّ الْأَوْلَى نَقْلُهُمْ دُونَهَا وَهُوَ حَسَنٌ، وَخَرَجَ بِالْجِيرَانِ مَا لَوْ طَلُقَتْ بِبَيْتِ أَبَوَيْهَا وَتَأَذَّتْ بِهِمْ أَوْ هُمْ بِهَا فَلَا نَقْلَ؛ لِأَنَّ الْوَحْشَةَ لَا تَطُولُ بَيْنَهُمْ، وَلَا يَخْتَصُّ الِانْتِقَالُ بِمَا ذُكِرَ بَلْ لَوْ لَزِمَهَا حَدٌّ أَوْ يَمِينٌ فِي دَعْوَى وَهِيَ بَرْزَةٌ خَرَجَتْ لَهُ، وَإِنْ كَانَتْ مُخَدَّرَةً حُدَّتْ وَحُلِّفَتْ فِي مَسْكَنِهَا بِأَنْ يَحْضُرَ إلَيْهَا الْحَاكِمُ أَوْ يَبْعَثَ إلَيْهَا نَائِبَهُ، وَلَوْ لَزِمَهَا الْعِدَّةُ بِدَارِ الْحَرْبِ هَاجَرَتْ مِنْهَا إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ إلَّا إنْ أَمِنَتْ عَلَى نَفْسِهَا أَوْ غَيْرِهَا مِمَّا مَرَّ فَلَا تُهَاجِرُ حَتَّى تَعْتَدَّ، أَوْ زَنَتْ الْمُعْتَدَّةُ وَهِيَ بِكْرٌ غُرِّبَتْ، وَلَا يُؤَخَّرُ تَغْرِيبُهَا إلَى انْقِضَاءِ عِدَّتِهَا، وَيُخَالِفُ هَذَا تَأْخِيرَ الْحَدِّ لِشِدَّةِ الْحَرِّ وَالْبَرْدِ؛ لِأَنَّهُمَا يُؤَثِّرَانِ فِي الْحَدِّ وَيُعِينَانِ عَلَى الْهَلَاكِ، وَالْعِدَّةُ لَا تُؤَثِّرُ فِي الْحَدِّ وَلَا تُعْذَرُ فِي الْخُرُوجِ لِتِجَارَةٍ وَزِيَارَةٍ وَتَعْجِيلِ حَجَّةِ إسْلَامٍ وَنَحْوِهَا مِنْ الْأَغْرَاضِ الَّتِي تُعَدُّ مِنْ الزِّيَادَاتِ دُونَ الْمُهِمَّاتِ

(وَلَوْ انْتَقَلَتْ إلَى مَسْكَنٍ) فِي الْبَلَدِ (بِإِذْنِ الزَّوْجِ فَوَجَبَتْ الْعِدَّةُ) فِي أَثْنَاءِ الطَّرِيقِ

قَبْلَ وُصُولِهَا إلَيْهِ اعْتَدَّتْ فِيهِ عَلَى النَّصِّ أَوْ بِغَيْرِ إذْنٍ فَفِي الْأَوَّلِ، وَكَذَا لَوْ أَذِنَ ثُمَّ وَجَبَتْ قَبْلَ الْخُرُوجِ، وَلَوْ أَذِنَ فِي الِانْتِقَالِ إلَى بَلَدٍ فَكَمَسْكَنٍ، أَوْ فِي سَفَرِ حَجٍّ أَوْ تِجَارَةٍ ثُمَّ وَجَبَتْ فِي الطَّرِيقِ فَلَهَا الرُّجُوعُ وَالْمُضِيُّ، فَإِنْ مَضَتْ أَقَامَتْ لِقَضَاءِ حَاجَتِهَا ثُمَّ يَجِبُ الرُّجُوعُ لِتَعْتَدَّ الْبَقِيَّةَ فِي الْمَسْكَنِ

[مغني المحتاج]

الْمُهِمَّاتِ (قَبْلَ وُصُولِهَا إلَى مَسْكَنٍ) فِي الْبَلَدِ (بِإِذْنِ الزَّوْجِ فَوَجَبَتْ الْعِدَّةُ) فِي أَثْنَاءِ الطَّرِيقِ بِطَلَاقٍ أَوْ فَسْخٍ أَوْ مَوْتٍ (قَبْلَ وُصُولِهَا إلَيْهِ) أَيْ الْمَسْكَنِ (اعْتَدَّتْ فِيهِ) لَا فِي الْأَوَّلِ (عَلَى النَّصِّ) فِي الْأُمِّ؛ لِأَنَّهَا مَأْمُورَةٌ بِالْمُقَامِ فِيهِ مَمْنُوعَةٌ مِنْ الْأَوَّلِ، وَقِيلَ تَعْتَدُّ فِي الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّهَا لَمْ تَحْصُلْ وَقْتَ الْفِرَاقِ فِي الثَّانِي، وَقِيلَ تَتَخَيَّرُ لِتَعَلُّقِهَا بِكُلٍّ مِنْهُمَا، أَمَّا إذَا وَجَبَتْ الْعِدَّةُ بَعْدَ وُصُولِهَا فِيهِ فَتَعْتَدُّ فِيهِ جَزْمًا تَنْبِيهٌ الْعِبْرَةُ فِي النُّقْلَةِ بِبَدَنِهَا وَإِنْ لَمْ تَنْقُلْ الْأَمْتِعَةَ وَالْخَدَمَ وَغَيْرَهُمَا مِنْ الْأَوَّلِ حَتَّى لَوْ عَادَتْ لِنَقْلِ مَتَاعِهَا أَوْ خَدَمِهَا فَطَلَّقَهَا فِيهِ اعْتَدَّتْ فِي الثَّانِي (أَوْ) كَانَ انْتِقَالُهَا مِنْ الْأَوَّلِ (بِغَيْرِ إذْنٍ) مِنْ الزَّوْجِ فَوَجَبَتْ الْعِدَّةُ وَلَوْ بَعْدَ وُصُولِهَا إلَى الثَّانِي وَلَمْ يَأْذَنْ لَهَا فِي الْمُقَامِ فِيهِ (فَفِي الْأَوَّلِ) تَعْتَدُّ لِعِصْيَانِهَا بِذَلِكَ، فَإِنْ أَذِنَ لَهَا بَعْدَ الْوُصُولِ إلَيْهِ بِالْمُقَامِ فِيهِ كَانَ كَالنُّقْلَةِ بِإِذْنِهِ (وَكَذَا) تَعْتَدُّ أَيْضًا فِي الْأَوَّلِ وَ (لَوْ أَذِنَ) لَهَا فِي الِانْتِقَالِ مِنْهُ (ثُمَّ وَجَبَتْ) عَلَيْهَا الْعِدَّةُ (قَبْلَ الْخُرُوجِ) مِنْهُ وَإِنْ بَعَثَتْ أَمْتِعَتَهَا وَخَدَمَهَا إلَى الثَّانِي؛ لِأَنَّهُ الْمَنْزِلُ الَّذِي وَجَبَتْ فِيهِ الْعِدَّةُ (وَلَوْ أَذِنَ) لَهَا (فِي الِانْتِقَالِ إلَى بَلَدٍ فَكَمَسْكَنٍ) فِيمَا ذُكِرَ (أَوْ) أَذِنَ لَهَا (فِي سَفَرِ حَجٍّ أَوْ) عُمْرَةٍ وَ (تِجَارَةٍ) أَوْ اسْتِحْلَالِ مَظْلَمَةٍ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ كَرَدِّ آبِقٍ وَالسَّفَرِ لِحَاجَتِهَا (ثُمَّ وَجَبَتْ) عَلَيْهَا الْعِدَّةُ (فِي) أَثْنَاءِ (الطَّرِيقِ فَلَهَا الرُّجُوعُ) إلَى الْأَوَّلِ (وَالْمُضِيُّ) فِي السَّفَرِ؛ لِأَنَّ فِي قَطْعِهَا عَنْ السَّفَرِ مَشَقَّةٌ، لَا سِيَّمَا إذَا بَعُدَتْ عَنْ الْبَلَدِ وَخَافَتْ الِانْقِطَاعَ عَنْ الرُّفْقَةِ، وَلَكِنَّ الْأَفْضَلَ الرُّجُوعُ وَالْعَوْدُ إلَى الْمَنْزِلِ كَمَا نَقَلَاهُ عَنْ الشَّيْخِ أَبِي حَامِدٍ وَأَقَرَّاهُ، وَهِيَ فِي سَيْرِهَا مُعْتَدَّةٌ، وَخَرَجَ بِالطَّرِيقِ مَا لَوْ وَجَبَتْ قَبْلَ الْخُرُوجِ مِنْ الْمَنْزِلِ فَلَا تَخْرُجُ قَطْعًا، وَمَا لَوْ وَجَبَتْ فِيهِ وَلَمْ تُفَارِقْ عُمْرَانَ الْبُلْدَانِ فَإِنَّهُ يَجِبُ الْعَوْدُ فِي الْأَصَحِّ عِنْدَ الْجُمْهُورِ كَمَا فِي أَصْلِ الرَّوْضَةِ لِأَنَّهَا لَمْ تَشْرَعْ فِي السَّفَرِ (فَإِنْ) لَمْ تَرْجِعْ فِيمَا إذَا خُيِّرَتْ وَ (مَضَتْ) لِمَقْصَدِهَا أَوْ بَلَغَتْهُ (أَقَامَتْ) فِيهِ (لِقَضَاءِ حَاجَتِهَا) مِنْ غَيْرِ زِيَادَةٍ عَمَلًا بِحَسَبِ الْحَاجَةِ، وَإِنْ زَادَتْ إقَامَتُهَا عَلَى مُدَّةِ الْمُسَافِرِينَ كَمَا شَمِلَهُ كَلَامُهُ، وَأَفْهَمَ أَنَّ الْحَاجَةَ إذَا انْقَضَتْ قَبْلَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ لَمْ يَجُزْ لَهَا اسْتِكْمَالُهَا وَهُوَ الْأَصَحُّ كَمَا فِي زِيَادَةِ الرَّوْضَةِ وَقَطَعَ بِهِ فِي الْمُحَرَّرِ، وَإِنْ كَانَ مُقْتَضَى كَلَامِ الشَّيْخَيْنِ اسْتِكْمَالَهَا (ثُمَّ يَجِبُ) عَلَيْهَا بَعْدَ قَضَاءِ حَاجَتِهَا (الرُّجُوعُ) فِي الْحَالِ (لِتَعْتَدَّ الْبَقِيَّةَ) مِنْ الْعِدَّةِ (فِي الْمَسْكَنِ) الَّذِي فَارَقَتْهُ لِأَنَّهُ الْأَصْلُ فِي ذَلِكَ، فَإِنْ لَمْ تَمْضِ اعْتَدَّتْ الْبَقِيَّةَ فِي مَسْكَنِهَا تَنْبِيهٌ قَوْلُهُ لِتَعْتَدَّ الْبَقِيَّةَ فِي الْمَسْكَنِ، يُفْهِمُ أَنَّهَا لَوْ لَمْ تَتَوَقَّعْ بُلُوغَ الْمَسْكَنِ قَبْلَ انْقِضَاءِ عِدَّتِهَا بَلْ تَنْقَضِي عِدَّتُهَا فِي الطَّرِيقِ أَنَّهَا لَا يَلْزَمُهَا الْعَوْدُ وَهُوَ وَجْهٌ، وَالْأَصَحُّ كَمَا فِي الشَّرْحِ

وَلَوْ خَرَجَتْ إلَى غَيْرِ الدَّارِ الْمَأْلُوفَةِ فَطَلَّقَ وَقَالَ مَا أَذِنْت فِي الْخُرُوجِ صُدِّقَ بِيَمِينِهِ، وَلَوْ قَالَتْ: نَقَلْتَنِي فَقَالَ بَلْ أَذِنْت لِحَاجَةٍ صُدِّقَ عَلَى الْمَذْهَبِ

وَمَنْزِلُ بَدَوِيَّةٍ وَبَيْتُهَا مِنْ شَعْرٍ كَمَنْزِلِ حَضَرِيَّةٍ

[مغني المحتاج]

وَالرَّوْضَةِ كَأَصْلِهَا يَلْزَمُهَا الْعَوْدُ؛ لِأَنَّ إقَامَتَهَا لَمْ يُؤْذَنْ لَهَا وَعَوْدَهَا مَأْذُونٌ فِيهِ مِنْ جِهَتِهِ، أَمَّا إذَا سَافَرَتْ لِنُزْهَةٍ أَوْ زِيَارَةٍ أَوْ سَافَرَ بِهَا الزَّوْجُ لِحَاجَتِهِ فَلَا تَزِيدُ عَلَى مُدَّةِ إقَامَةِ الْمُسَافِرِينَ ثُمَّ تَعُودُ، فَإِنْ قَدَّرَ لَهَا مُدَّةً فِي نُقْلَةٍ أَوْ سَفَرِ حَاجَةٍ أَوْ فِي غَيْرِهِ كَاعْتِكَافٍ اسْتَوْفَتْهَا وَعَادَتْ لِتَمَامِ الْعِدَّةِ، وَلَوْ انْقَضَتْ فِي الطَّرِيقِ كَمَا مَرَّ وَتَعْصِي بِالتَّأْخِيرِ إلَّا لِعُذْرٍ كَخَوْفٍ فِي الطَّرِيقِ وَعَدَمِ رُفْقَةٍ، وَلَوْ جَهِلَ أَمْرَ سَفَرِهَا بِأَنْ أَذِنَ لَهَا وَلَمْ يَذْكُرْ حَاجَةً وَلَا نُزْهَةً وَلَا أَقِيمِي وَلَا ارْجِعِي حُمِلَ عَلَى سَفَرِ النُّقْلَةِ كَمَا قَالَهُ الرُّويَانِيُّ وَغَيْرُهُ

فَرْعٌ لَوْ أَحْرَمَتْ بِحَجٍّ أَوْ قِرَانٍ بِإِذْنِ زَوْجِهَا أَوْ بِغَيْرِ إذْنِهِ ثُمَّ طَلَّقَهَا أَوْ مَاتَ، فَإِنْ خَافَتْ الْفَوَاتَ كَضِيقِ الْوَقْتِ وَجَبَ عَلَيْهَا الْخُرُوجُ مُعْتَدَّةً لِتَقَدُّمِ الْإِحْرَامِ، وَإِنْ لَمْ تَخَفْ الْفَوَاتَ لِسَعَةِ الْوَقْتِ جَازَ لَهَا الْخُرُوجُ إلَى ذَلِكَ لِمَا فِي تَعْيِينِ الصَّبْرِ مِنْ مَشَقَّةِ مُصَابَرَةِ الْإِحْرَامِ، وَإِنْ أَحْرَمَتْ بَعْدَ أَنْ طَلَّقَهَا أَوْ مَاتَ بِإِذْنٍ مِنْهُ قَبْلَ ذَلِكَ أَوْ بِغَيْرِ إذْنٍ بِحَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ أَوْ بِهِمَا امْتَنَعَ عَلَيْهَا الْخُرُوجُ، سَوَاءٌ أَخَافَتْ الْفَوَاتَ أَمْ لَا لِبُطْلَانِ الْإِذْنِ قَبْلَ الْإِحْرَامِ بِالطَّلَاقِ أَوْ الْمَوْتِ فِي الْأُولَى، وَلِعَدَمِهِ فِي الثَّانِيَةِ، فَإِذَا انْقَضَتْ الْعِدَّةُ أَتَمَّتْ عُمْرَتَهَا أَوْ حَجَّهَا إنْ بَقِيَ وَقْتُهُ، وَإِلَّا تَحَلَّلَتْ بِأَفْعَالِ عُمْرَةٍ وَلَزِمَهَا الْقَضَاءُ وَدَمُ الْفَوَاتِ

(وَلَوْ خَرَجَتْ إلَى غَيْرِ الدَّارِ الْمَأْلُوفَةِ) لَهَا بِالسُّكْنَى فِيهَا (فَطَلَّقَ وَقَالَ: مَا أَذِنْتُ) لَكِ (فِي الْخُرُوجِ) وَقَالَتْ: بَلْ أَذِنْتَ لِي (صُدِّقَ بِيَمِينِهِ) لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الْإِذْنِ فَيَجِبُ عَلَيْهَا الرُّجُوعُ حَالًا إلَى الْمَأْلُوفَةِ، فَإِنْ وَافَقَهَا عَلَى الْإِذْنِ فِي الْخُرُوجِ لَمْ يَجِبْ الرُّجُوعُ حَالًا وَاخْتِلَافُهَا فِي إذْنِهِ فِي الْخُرُوجِ لِغَيْرِ الْبَلْدَةِ الْمَأْلُوفَةِ كَالدَّارِ (وَلَوْ قَالَتْ) لَهُ: (نَقَلْتَنِي) أَيْ أَذِنْتَ لِي فِي النُّقْلَةِ إلَى مَوْضِعِ كَذَا فَيَجِبُ عَلَيَّ الْعِدَّةُ فِيهِ (فَقَالَ) لَهَا: (بَلْ أَذِنْتُ) لَكِ فِي الْخُرُوجِ إلَيْهِ (لِحَاجَةٍ) عَيَّنَهَا فَارْجِعِي فَاعْتَدِّي فِي الْأَوَّلِ (صُدِّقَ) بِيَمِينِهِ (عَلَى الْمَذْهَبِ) لِأَنَّهُ أَعْلَمُ بِقَصْدِهِ وَإِرَادَتِهِ؛ لِأَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُهُ فِي أَصْلِ الْإِذْنِ فَكَذَا فِي صِفَتِهِ

تَنْبِيهٌ لَوْ وَقَعَ النِّزَاعُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْوَارِثِ صُدِّقَتْ بِيَمِينِهَا؛ لِأَنَّ كَوْنَهَا فِي الْمَنْزِلِ الثَّانِي يَشْهَدُ بِصِدْقِهَا، وَيُرَجَّحُ جَانِبُهَا عَلَى جَانِبِ الْوَرَثَةِ وَلَا يُرَجَّحُ عَلَى جَانِبِ الزَّوْجِ لِتَعَلُّقِ الْحَقِّ بِهِمَا وَالْوَارِثُ أَجْنَبِيٌّ عَنْهُمَا، وَلِأَنَّهَا أَعْرَفُ بِمَا جَرَى مِنْ الْوَارِثِ بِخِلَافِ الزَّوْجِ (وَمَنْزِلُ بَدَوِيَّةٍ) بِفَتْحِ الدَّالِ لِسُكَّانِ الْبَادِيَةِ، وَهُوَ مِنْ شَاذِّ النَّسَبِ كَمَا قَالَهُ سِيبَوَيْهِ (وَبَيْتُهَا مِنْ) نَحْوِ (شَعَرٍ) كَصُوفٍ (كَمَنْزِلِ حَضَرِيَّةٍ) فِي لُزُومِ مُلَازَمَتِهِ فِي الْعِدَّةِ، وَلَوْ ارْتَحَلَ فِي أَثْنَائِهَا كُلُّ الْحَيِّ ارْتَحَلَتْ مَعَهُمْ لِلضَّرُورَةِ، وَإِنْ ارْتَحَلَ بَعْضُ الْحَيِّ نُظِرَ، إنْ كَانَ أَهْلُهَا مِمَّنْ لَمْ يَرْتَحِلْ وَفِي الْمُقِيمِينَ قُوَّةٌ وَعَدَدٌ لَمْ يَكُنْ لَهَا الِارْتِحَالُ، وَإِنْ ارْتَحَلَ أَهْلُهَا وَفِي الْبَاقِينَ قُوَّةٌ وَعَدَدٌ فَالْأَصَحُّ أَنَّهَا تَتَخَيَّرُ بَيْنَ أَنْ تُقِيمَ وَبَيْنَ أَنْ تَرْحَلَ؛ لِأَنَّ مُفَارَقَةَ الْأَهْلِ عُسْرَةٌ مُوحِشَةٌ، وَهَذَا مِمَّا تُخَالِفُ فِيهِ الْبَدَوِيَّةُ الْحَضَرِيَّةَ، فَإِنَّ

وَإِذَا كَانَ الْمَسْكَنُ لَهُ وَيَلِيقُ بِهَا تَعَيَّنَ

وَلَا يَصِحُّ بَيْعُهُ إلَّا فِي عِدَّةِ ذَاتِ أَشْهُرٍ فَكَمُسْتَأْجَرٍ، وَقِيلَ بَاطِلٌ،

[مغني المحتاج]

أَهْلَهَا لَوْ ارْتَحَلُوا لَمْ تَرْتَحِلْ مَعَهُمْ مَعَ أَنَّ التَّعْلِيلَ يَقْتَضِي عَدَمَ الْفَرْقِ قَالَ الْبُلْقِينِيُّ: وَمَحَلُّ التَّخْيِيرِ فِي الْوَفَاةِ وَالطَّلَاقِ الْبَائِنِ، أَمَّا الرَّجْعِيَّةُ إذَا كَانَ مُطَلِّقُهَا فِي الْمُقِيمِينَ وَاخْتَارَ إقَامَتَهَا يُسْكِنُهَا مَتَى شَاءَ أَوْ لَا؟ وَتَقَدَّمَ أَنَّ الْمَشْهُورَ أَنَّهَا كَغَيْرِهَا، وَعَلَيْهِ فَلَيْسَ لَهُ مَنْعُهَا وَلَهَا إذَا ارْتَحَلَتْ مَعَهُمْ أَنْ تُقِيمَ دُونَهُمْ فِي قَرْيَةٍ أَوْ نَحْوِهَا فِي الطَّرِيقِ لِتَعْتَدَّ فَإِنَّهُ أَلْيَقُ بِحَالِ الْمُعْتَدَّةِ مِنْ السَّيْرِ، وَإِنْ هَرَبَ أَهْلُهَا خَوْفًا مِنْ عَدُوٍّ وَأَمِنَتْ لَمْ يَجُزْ أَنْ تَهْرُبَ مَعَهُمْ لِأَنَّهُمْ يَعُودُونَ إذَا أَمِنُوا تَنْبِيهٌ مُقْتَضَى إلْحَاقِ الْبَدَوِيَّةِ بِالْحَضَرِيَّةِ أَنْ يَأْتِيَ فِيهَا مَا سَبَقَ مِنْ أَنَّهُ لَوْ أَذِنَ لَهَا فِي الِانْتِقَالِ مِنْ بَيْتٍ فِي الْحِلَّةِ إلَى آخَرَ مِنْهَا فَخَرَجَتْ مِنْهُ وَلَمْ تَصِلْ إلَى الْآخَرِ هَلْ يَجِبُ عَلَيْهَا الْمُضِيُّ أَوْ الرُّجُوعُ؟ أَوْ أَذِنَ لَهَا فِي الِانْتِقَالِ مِنْ تِلْكَ الْحِلَّةِ إلَى حِلَّةٍ أُخْرَى فَوُجِدَ سَبَبُ الْعِدَّةِ مِنْ طَلَاقٍ أَوْ مَوْتٍ بَيْنَ الْحِلَّتَيْنِ أَوْ بَعْدَ خُرُوجِهَا مِنْ مَنْزِلٍ وَقَبْلَ مُفَارَقَةِ حِلَّتِهَا، فَهَلْ تَمْضِي أَوْ تَرْجِعُ عَلَى التَّفْصِيلِ السَّابِقِ فِي الْحَضَرِيَّةِ؟ وَسَكَتَ فِي الرَّوْضَةِ كَأَصْلِهَا عَنْ جَمِيعِ ذَلِكَ

وَلَوْ طَلَّقَهَا مَلَّاحُ سَفِينَةٍ أَوْ مَاتَ وَكَانَ مَسْكَنُهَا السَّفِينَةُ اعْتَدَّتْ فِيهَا إنْ انْفَرَدَتْ عَنْ الزَّوْجِ فِي الْأُولَى بِمَسْكَنٍ فِيهَا بِمُرَافَقَةٍ لِاتِّسَاعِهَا مَعَ اشْتِمَالِهَا عَلَى بُيُوتٍ مُتَمَيِّزَةِ الْمَرَافِقِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ كَالْبَيْتِ فِي الْخَانِ وَإِنْ لَمْ تَنْفَرِدْ بِذَلِكَ، فَإِنْ صَحِبَهَا مَحْرَمٌ لَهَا يُمْكِنُهُ أَنْ يَقُومَ بِتَسْيِيرِ السَّفِينَةِ خَرَجَ الزَّوْجُ مَعَهَا وَاعْتَدَّتْ هِيَ فِيهَا، فَإِنْ لَمْ تَجِدْ مَحْرَمًا مَوْصُوفًا بِذَلِكَ خَرَجَتْ إلَى أَقْرَبِ الْقُرَى إلَى الشَّطِّ وَاعْتَدَّتْ فِيهِ، فَإِنْ تَعَذَّرَ الْخُرُوجُ مِنْهُ تَسَتَّرَتْ وَتَنَحَّتْ عَنْهُ بِقَدْرِ الْإِمْكَانِ (وَإِذَا كَانَ الْمَسْكَنُ) مِلْكًا (لَهُ وَيَلِيقُ بِهَا) بِأَنْ يَسْكُنَ مِثْلُهَا فِي مِثْلِهِ (تَعَيَّنَ) اسْتِدَامَتُهَا فِيهِ، وَلَيْسَ لِأَحَدٍ إخْرَاجُهَا مِنْهُ بِغَيْرِ عُذْرٍ مِنْ الْأَعْذَارِ السَّابِقَةِ

تَنْبِيهٌ لَوْ كَانَ قَدْ رَهَنَ الْمَسْكَنَ بِدَيْنٍ قَبْلَ ذَلِكَ ثُمَّ حَلَّ الدَّيْنُ بَعْدَ الطَّلَاقِ وَلَمْ يُمْكِنْهُ وَفَاؤُهُ مِنْ مَوْضِعٍ آخَرَ جَازَ لَهُ بَيْعُهُ وَتُنْقَلُ مِنْهُ إذَا لَمْ يَرْضَ الْمُشْتَرِي بِإِقَامَتِهَا فِيهِ بِأُجْرَةِ الْمِثْلِ كَمَا بَحَثَهُ الْأَذْرَعِيُّ، وَقَوْلُ الْمُصَنِّفِ: يَلِيقُ بِهَا ظَاهِرُهُ اعْتِبَارُ الْمَسْكَنِ بِحَالِهَا لَا بِحَالِ الزَّوْجِ وَهُوَ كَذَلِكَ كَمَا فِي حَالِ الزَّوْجِيَّةِ، وَقَوْلُ الْمَاوَرْدِيُّ يُرَاعَى حَالُ الزَّوْجِيَّةِ حَالُ الزَّوْجِ يُخَالِفُهُ هُنَا، قَالَ الْأَذْرَعِيُّ: لَا أَعْرِفُ التَّفْرِقَةَ لِغَيْرِهِ (وَلَا يَصِحُّ بَيْعُهُ) أَيْ مَسْكَنِ الْمُعْتَدَّةِ مَا لَمْ تَنْقَضِ عِدَّتُهَا (إلَّا فِي عِدَّةِ ذَاتِ أَشْهُرٍ فَكَمُسْتَأْجَرٍ) بِفَتْحِ الْجِيمِ أَيْ كَبَيْعِهِ، وَمَرَّ فِي الْإِجَارَةِ صِحَّةُ بَيْعِهِ فِي الْأَظْهَرِ فَبَيْعُ مَسْكَنِ الْمُعْتَدَّةِ كَذَلِكَ، وَزَادَ عَلَى الْمُحَرَّرِ قَوْلَهُ (وَقِيلَ) بَيْعُ مَسْكَنِهَا (بَاطِلٌ) أَيْ قَطْعًا، وَفَرَّقَ بِأَنَّ الْمُسْتَأْجَرَ يَمْلِكُ الْمَنْفَعَةَ وَالْمُعْتَدَّةَ لَا تَمْلِكُهَا فَيَصِيرُ كَأَنَّ الْمُطَلِّقَ بَاعَهُ وَاسْتَثْنَى مَنْفَعَتَهُ لِنَفْسِهِ مُدَّةً مَعْلُومَةً وَذَلِكَ بَاطِلٌ تَنْبِيهٌ مَحَلُّ الْخِلَافِ كَمَا قَالَ ابْنُ شُهْبَةَ حَيْثُ لَمْ تَكُنْ الْمُعْتَدَّةُ هِيَ الْمُشْتَرِيَةَ، فَإِنْ كَانَتْ صَحَّ

أَوْ مُسْتَعَارًا لَزِمَتْهَا فِيهِ، فَإِنْ رَجَعَ الْمُعِيرُ وَلَمْ يَرْضَ بِأُجْرَةٍ نُقِلَتْ، وَكَذَا مُسْتَأْجَرٌ انْقَضَتْ مُدَّتُهُ، أَوْ لَهَا اسْتَمَرَّتْ وَطَلَبَتْ الْأُجْرَةَ

فَإِنْ كَانَ مَسْكَنُ النِّكَاحِ نَفِيسًا فَلَهُ النَّقْلُ

[مغني المحتاج]

الْبَيْعُ لَهَا جَزْمًا، أَمَّا عِدَّةُ الْحَمْلِ وَالْأَقْرَاءِ فَلَا يَصِحُّ بَيْعُهُ فِيهَا لِلْجَهْلِ بِالْمُدَّةِ (أَوْ) كَانَ (مُسْتَعَارًا لَزِمَتْهَا) الْعِدَّةُ (فِيهِ) لِأَنَّ السُّكْنَى ثَابِتَةٌ فِي الْمُسْتَعَارِ ثُبُوتَهَا فِي الْمَمْلُوكِ فَشَمِلَتْهَا الْآيَةُ، وَلَيْسَ لِلزَّوْجِ نَقْلُهَا لِتَعَلُّقِ حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى بِذَلِكَ (فَإِنْ رَجَعَ الْمُعِيرُ) فِيهِ (وَلَمْ يَرْضَ بِأُجْرَةٍ) لِمِثْلِ مَسْكَنِهَا وَطَلَبَ أَكْثَرَ مِنْهَا أَوْ امْتَنَعَ مِنْ الْإِيجَارِ (نُقِلَتْ) إلَى أَقْرَبِ مَا يُوجَدُ تَنْبِيهٌ أَفْهَمَ كَلَامُهُ أَنَّهُ إذَا رَضِيَ بِأُجْرَةِ الْمِثْلِ امْتَنَعَ النَّقْلُ وَلَزِمَ الزَّوْجَ بَذْلُهَا، وَهُوَ مَا نَقَلَاهُ عَنْ الْمُتَوَلِّي وَأَقَرَّاهُ وَإِنْ تَوَقَّفَ فِيهِ الْأَذْرَعِيُّ فِيمَا إذَا قَدَرَ عَلَى الْمَسْكَنِ مَجَّانًا لِعَارِيَّةٍ أَوْ وَصِيَّةٍ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ، وَمِثْلُ رُجُوعِهِ خُرُوجُهُ عَنْ أَهْلِيَّةِ التَّبَرُّعِ بِجُنُونٍ أَوْ سَفَهٍ أَوْ زَوَالِ اسْتِحْقَاقٍ بِانْقِضَاءِ إجَارَةٍ أَوْ مَوْتٍ قَالَ فِي الْمَطْلَبِ: وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ كَوْنِ الْإِعَارَةِ قَبْلَ وُجُوبِ الْعِدَّةِ أَوْ بَعْدَهَا، فَإِنْ كَانَ بَعْدُ وَعُلِمَ بِالْحَالِ فَإِنَّهَا تَلْزَمُ لِمَا فِي الرُّجُوعِ مِنْ إبْطَالِ حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى فِي مُلَازَمَةِ الْمَسْكَنِ كَمَا يَلْزَمُ الْعَارِيَّةُ فِي دَفْنِ الْمَيِّتِ اهـ. بَلْ صَرَّحُوا بِذَلِكَ فِي بَابِ الْعَارِيَّةِ (وَكَذَا مُسْتَأْجَرٌ انْقَضَتْ مُدَّتُهُ) وَلَمْ يَرْضَ مَالِكُهُ بِتَجْدِيدِ أُجْرَةِ مِثْلٍ تُنْقَلُ مِنْهُ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَا يَحِلُّ مَالُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إلَّا عَنْ طِيبِ نَفْسٍ مِنْهُ» رَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ، بِخِلَافِ مَا إذَا رَضِيَ بِذَلِكَ فَلَا تَنْتَقِلُ، وَفِي مَعْنَى الْمُسْتَأْجَرِ الْمُوصَى بِسُكْنَاهَا مُدَّةً وَانْقَضَتْ، وَلَوْ رَضِيَ الْمُعِيرُ أَوْ الْمُؤَجِّرُ بِأُجْرَةِ مِثْلٍ بَعْدَ أَنْ نُقِلَتْ نَظَرْتَ، إنْ كَانَ الْمُنْتَقَلُ إلَيْهِ مُسْتَعَارًا رُدَّتْ إلَى الْأَوَّلِ لِجَوَازِ رُجُوعِ الْمُعِيرِ، أَوْ مُسْتَأْجَرًا لَمْ تُرَدَّ، فِي أَحَدِ وَجْهَيْنِ يَظْهَرُ تَرْجِيحُهُ وَقَالَ الْأَذْرَعِيُّ: إنَّهُ الْأَقْرَبُ؛ لِأَنَّ فِي دَعْوَاهَا إلَى الْأَوَّلِ إضَاعَةَ مَالٍ أَمَّا إذَا رَضِيَا بِعَوْدِهَا بِعَارِيَّةٍ فَلَا تُرَدُّ؛ لِأَنَّهَا لَا تَأْمَنُ مِنْ الرُّجُوعِ لِجَوَازِ رُجُوعِ الْمُعِيرِ كَمَا مَرَّ (أَوْ) مِلْكًا (لَهَا اسْتَمَرَّتْ) فِيهِ جَوَازًا (وَطَلَبَتْ الْأُجْرَةَ) مِنْ الْمُطَلِّقِ؛ لِأَنَّ السُّكْنَى عَلَيْهِ فَيَلْزَمُهُ الْأُجْرَةُ أَيْ أُجْرَةُ أَقَلِّ مَا يَسَعُهَا مِنْ الْمَسْكَنِ عَلَى النَّصِّ فِي الْأُمِّ تَنْبِيهٌ ظَاهِرُ كَلَامِهِ أَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهَا أَنْ تَسْتَمِرَّ فِيهِ، وَهُوَ مَا جَزَمَ بِهِ صَاحِبُ الْمُهَذَّبِ وَالتَّهْذِيبِ، وَالْأَصَحُّ كَمَا فِي الرَّوْضَةِ أَنَّهَا إنْ رَضِيَتْ بِالْإِقَامَةِ فِيهِ بِإِجَارَةٍ أَوْ إعَارَةٍ جَازَ وَهُوَ أَوْلَى، وَإِنْ طَلَبَتْ الِانْتِقَالَ فَلَهَا ذَلِكَ، إذْ لَا يَجِبُ عَلَيْهَا بَذْلُ مَسْكَنِهَا لَا بِإِجَارَةٍ وَلَا بِإِعَارَةٍ وَلَا تَجِبُ الْأُجْرَةُ إلَّا بِطَلَبِهَا، فَإِنْ لَمْ تَطْلُبْهَا وَمَضَتْ مُدَّةٌ فَالْأَصَحُّ الْقَطْعُ بِسُقُوطِهَا، بِخِلَافِ النَّفَقَةِ؛ لِأَنَّهَا فِي مُقَابَلَةِ التَّمْكِينِ وَقَدْ وُجِدَ فَلَا تَسْقُطُ بِتَرْكِ الطَّلَبِ، وَلِأَنَّهَا عَيْنٌ تُمْلَكُ لَوْ ثَبَتَ فِي الذِّمَّةِ، وَالْمَسْكَنُ لَا تَمْلِكُهُ الْمَرْأَةُ وَإِنَّمَا تَمْلِكُ الِانْتِفَاعَ بِهِ فِي وَقْتٍ وَقَدْ مَضَى، وَكَذَا لَا تَسْتَحِقُّ أُجْرَةً لَوْ سَكَنَتْ فِي مَنْزِلِهَا مَعَ الزَّوْجِ فِي الْعِصْمَةِ عَلَى النَّصِّ إنْ كَانَتْ أَذِنَتْ لَهُ فِي ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْإِذْنَ الْمُطْلَقَ الْعَارِيَ عَنْ ذِكْرِ الْعِوَضِ مُنَزَّلٌ عَلَى الْإِعَارَةِ وَالْإِبَاحَةِ كَمَا فِي فَتَاوَى ابْنِ الصَّلَاحِ: أَيْ إذَا كَانَتْ مُطْلَقَةَ التَّصَرُّفِ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ

(فَإِنْ كَانَ مَسْكَنُ النِّكَاحِ نَفِيسًا فَلَهُ) أَيْ الزَّوْجِ (النَّقْلُ

إلَى لَائِقٍ بِهَا، أَوْ خَسِيسًا، فَلَهَا الِامْتِنَاعُ، وَلَيْسَ لَهُ مُسَاكَنَتِهَا وَلَا مُدَاخَلَتِهَا، فَإِنْ كَانَ فِي الدَّارِ مَحْرَمٌ لَهَا مُمَيِّزٌ ذَكَرٌ أَوْ لَهُ أُنْثَى أَوْ زَوْجَةٌ أُخْرَى، أَوْ أَمَةٌ، أَوْ امْرَأَةٌ أَجْنَبِيَّةٌ جَازَ

وَلَوْ كَانَ فِي الدَّارِ حُجْرَةٌ فَسَكَنَهَا أَحَدُهُمَا وَالْآخَرُ الْأُخْرَى فَإِنْ اتَّحَدَتْ الْمَرَافِقُ كَمَطْبَخٍ وَمُسْتَرَاحٍ

[مغني المحتاج]

إلَى) أَقْرَبِ مَوْضِعٍ مِنْ مَسْكَنِ النِّكَاحِ بِحَسَبِ الْإِمْكَانِ (لَائِقٍ بِهَا) لِأَنَّ النَّفِيسَ غَيْرُ وَاجِبٍ عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا كَانَ سَمَحَ بِهِ لِدَوَامِ الصُّحْبَةِ وَقَدْ زَالَتْ، وَهَلْ مُرَاعَاةُ الْأَقْرَبِ وَاجِبَةٌ أَوْ مُسْتَحَبَّةٌ فِيهِ تَرَدُّدٌ؟ وَظَاهِرُ كَلَامِ الْأَصْحَابِ الْوُجُوبُ وَهُوَ الظَّاهِرُ كَنَقْلِ الزَّكَاةِ إذَا عُدِمَ الْأَصْنَافُ فِي الْبَلَدِ وَجَوَّزْنَا النَّقْلَ فَإِنَّهُ يَتَعَيَّنُ الْأَقْرَبُ، وَإِنْ رَضِيَ بِبَقَائِهَا فِيهِ لَزِمَهَا (أَوْ) كَانَ (خَسِيسًا) لَا يَلِيقُ بِهَا (فَلَهَا الِامْتِنَاعُ) مِنْ اسْتِمْرَارِهَا فِيهِ وَطَلَبُ النُّقْلَةِ إلَى لَائِقٍ بِهَا إذْ لَيْسَ هُوَ حَقَّهَا، وَإِنَّمَا كَانَتْ سَمَحَتْ بِهِ لِدَوَامِ الصُّحْبَةِ وَقَدْ زَالَتْ (وَلَيْسَ لَهُ) أَيْ يَحْرُمُ عَلَيْهِ وَلَوْ أَعْمَى (مُسَاكَنَتُهَا وَلَا مُدَاخَلَتُهَا) فِي الدَّارِ الَّتِي تَعْتَدُّ فِيهَا، لِأَنَّهُ يُؤَدِّي إلَى الْخَلْوَةِ بِهَا وَهِيَ مُحَرَّمٌ عَلَيْهِ، وَلِأَنَّ فِي ذَلِكَ إضْرَارًا بِهَا وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلا تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ﴾ [الطلاق: 6] أَيْ فِي الْمَسْكَنِ، وَسَوَاءٌ كَانَ الطَّلَاقُ بَائِنًا أَمْ رَجْعِيًّا (فَإِنْ كَانَ فِي الدَّارِ) الْوَاسِعَةِ الَّتِي زَادَتْ عَلَى سُكْنَى مِثْلِهَا (مَحْرَمٌ لَهَا) وَلَوْ بِرَضَاعٍ أَوْ مُصَاهَرَةٍ (مُمَيِّزٌ) يَسْتَحْيِي مِنْهُ، وَلَوْ غَيْرَ بَالِغٍ أَوْ مُرَاهِقٍ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْمُصَنِّفُ فِي فَتَاوِيهِ حَيْثُ قَالَ: وَيُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ بَالِغًا عَاقِلًا، أَوْ مُرَاهِقًا، أَوْ مُمَيِّزًا يُسْتَحْيَى مِنْهُ، وَمَا نُقِلَ عَنْ النَّصِّ مِنْ اشْتِرَاطِ الْبُلُوغِ وَعَنْ الشَّيْخِ أَبِي حَامِدٍ مِنْ الْمُرَاهَقَةِ مَحْمُولٌ عَلَى الْأَوْلَى، وَقَوْلُهُ (ذَكَرٌ) لَيْسَ بِقَيْدٍ بَلْ الْأُنْثَى كَأُخْتِهَا أَوْ خَالَتِهَا أَوْ عَمَّتِهَا كَذَلِكَ إذَا كَانَتْ ثِقَةً، فَقَدْ صَحَّحَ فِي الرَّوْضَةِ أَنَّهُ يَكْفِي حُضُورُ الْمَرْأَةِ الْأَجْنَبِيَّةِ الثِّقَةِ، فَالْمَحْرَمُ أَوْلَى (أَوْ) مَحْرَمٌ (لَهُ) مُمَيِّزٌ (أُنْثَى أَوْ زَوْجَةٌ أُخْرَى، أَوْ أَمَةٌ، أَوْ امْرَأَةٌ أَجْنَبِيَّةٌ جَازَ) مَا ذُكِرَ لِانْتِفَاءِ الْمَحْذُورِ، لَكِنْ مَعَ الْكَرَاهَةِ لِاحْتِمَالِ النَّظَرِ، وَلَا عِبْرَةَ بِالْمَجْنُونِ وَالصَّغِيرِ الَّذِي لَا يُمَيِّزُ، وَيُعْتَبَرُ فِي الزَّوْجَةِ وَالْأَمَةِ أَنْ يَكُونَا ثِقَتَيْنِ، وَقِيلَ: لَا يُشْتَرَطُ ذَلِكَ فِي الزَّوْجَةِ لِمَا عِنْدَهَا مِنْ الْغَيْرَةِ، وَيُشْتَرَطُ فِي الْمَحْرَمِ أَنْ يَكُونَ بَصِيرًا كَمَا قَالَهُ الزَّرْكَشِيُّ، فَلَا يَكْفِي الْأَعْمَى، كَمَا لَا يَكْفِي فِي السَّفَرِ بِالْمَرْأَةِ إذَا كَانَ مَحْرَمًا لَهَا

تَنْبِيهٌ يَجُوزُ لِلرَّجُلِ أَنْ يَخْلُوَ بِامْرَأَتَيْنِ أَجْنَبِيَّتَيْنِ ثِقَتَيْنِ فَأَكْثَرَ كَمَا نَقَلَهُ الرَّافِعِيُّ عَنْ الْأَصْحَابِ، وَمَا فِي الرَّوْضَةِ كَأَصْلِهَا فِي صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ - مِنْ أَنَّهُ لَا يَخْلُو بِالنِّسَاءِ إلَّا الْمَحْرَمُ - مَحْمُولٌ عَلَى غَيْرِ الثِّقَاتِ لِيُوَافِقَ الْمَذْكُورَ هُنَا فَإِنَّهُ الْمُعْتَمَدُ، وَيَحْرُمُ كَمَا فِي الْمَجْمُوعِ خَلْوَةُ رَجُلَيْنِ أَوْ رِجَالٍ بِامْرَأَةٍ وَلَوْ بَعُدَتْ مُوَاطَأَتُهُمْ عَلَى الْفَاحِشَةِ؛ لِأَنَّ اسْتِحْيَاءَ الْمَرْأَةِ مِنْ الْمَرْأَةِ أَكْثَرُ مِنْ اسْتِحْيَاءِ الرَّجُلِ مِنْ الرَّجُلِ (وَلَوْ كَانَ فِي الدَّارِ حُجْرَةٌ) وَهِيَ كُلُّ بِنَاءٍ مَحُوطٍ أَوْ نَحْوُهَا كَطَبَقَةٍ (فَسَكَنَهَا أَحَدُهُمَا) أَيْ الزَّوْجَيْنِ (وَ) سَكَنَ (الْآخَرُ) الْحُجْرَةَ (الْأُخْرَى) مِنْ الدَّارِ (فَإِنْ اتَّحَدَتْ الْمَرَافِقُ) لِلدَّارِ وَهِيَ مَا يُرْتَفَقُ بِهِ فِيهَا (كَمَطْبَخٍ وَمُسْتَرَاحٍ) وَمَصَبِّ مَاءٍ وَمَرْقَى سَطْحٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ

اُشْتُرِطَ مَحْرَمٌ، وَإِلَّا فَلَا، وَيَنْبَغِي أَنْ يُغْلَقَ مَا بَيْنَهُمَا مِنْ بَابٍ، وَأَنْ لَا يَكُونَ مَمَرُّ إحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى، وَسُفْلٌ وَعُلُوٌّ كَدَارٍ وَحُجْرَةٍ

بَابُ الِاسْتِبْرَاءِ يَجِبُ بِسَبَبَيْنِ: أَحَدُهُمَا

[مغني المحتاج]

(اُشْتُرِطَ مَحْرَمٌ) حَذَرًا مِنْ الْخَلْوَةِ فِيمَا ذُكِرَ (وَإِلَّا) بِأَنْ لَمْ تَتَّحِدْ الْمَرَافِقُ، بَلْ اخْتَصَّ كُلٌّ مِنْ الْحُجْرَتَيْنِ بِمَرَافِقَ (فَلَا) يُشْتَرَطُ مَحْرَمٌ، وَيَجُوزُ لَهُ مُسَاكَنَتُهَا بِدُونِهِ؛ لِأَنَّهَا تَصِيرُ حِينَئِذٍ كَالدَّارَيْنِ الْمُتَجَاوِرَتَيْنِ نَعَمْ لَوْ كَانَتْ الْمَرَافِقُ خَارِجَ الْحُجْرَةِ فِي الدَّارِ لَمْ يَجُزْ؛ لِأَنَّ الْخَلْوَةَ لَا تَمْتَنِعُ مَعَ ذَلِكَ، قَالَهُ الزَّرْكَشِيُّ (وَيَنْبَغِي) أَنْ يُشْتَرَطَ كَمَا عَبَّرَ بِهِ فِي الشَّرْحِ الصَّغِيرِ وَنَقَلَهُ فِي الرَّوْضَةِ وَأَصْلِهَا عَنْ الْبَغَوِيِّ (أَنْ يُغْلَقَ مَا بَيْنَهُمَا) أَيْ الزَّوْجَيْنِ (مِنْ بَابٍ) وَسَدُّهُ أَوْلَى (وَأَنْ لَا يَكُونَ مَمَرُّ إحْدَاهُمَا) أَيْ الْحُجْرَتَيْنِ بِحَيْثُ يَمُرُّ فِيهِ (عَلَى) الْحُجْرَةِ (الْأُخْرَى) مِنْ الدَّارِ كَمَا اشْتَرَطَهُ صَاحِبُ التَّهْذِيبِ وَالتَّتِمَّةِ وَغَيْرُهُمَا حَذَرًا مِنْ الْوُقُوعِ فِي الْخَلْوَةِ (وَسُفْلٌ) بِضَمِّ أَوَّلِهِ بِخَطِّهِ، وَيَجُوزُ كَسْرُهُ (وَعُلُوٌّ) بِضَمِّ أَوَّلِهِ بِخَطِّهِ، وَيَجُوزُ فَتْحُهُ وَكَسْرُهُ، حُكْمُهُمَا (كَدَارٍ وَحُجْرَةٍ) فِيمَا ذُكِرَ قَالَ فِي التَّجْرِيدِ: وَالْأَوْلَى أَنْ يُسْكِنَهَا الْعُلُوَّ حَتَّى لَا يُمْكِنَهُ الِاطِّلَاعُ عَلَيْهَا

خَاتِمَةٌ: يَكْتَرِي الْحَاكِمُ مِنْ مَالِ مُطَلِّقٍ لَا مَسْكَنَ لَهُ مَسْكَنًا لِمُعْتَدَّتِهِ لِتَعْتَدَّ فِيهِ إنْ فُقِدَ مُتَطَوِّعٌ بِهِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ اقْتَرَضَ عَلَيْهِ الْحَاكِمُ، فَإِنْ أَذِنَ لَهَا الْحَاكِمُ أَنْ تَقْتَرِضَ عَلَى زَوْجِهَا أَوْ تَكْتَرِيَ الْمَسْكَنَ مِنْ مَالِهَا جَازَ وَتَرْجِعُ بِهِ، فَإِنْ فَعَلَتْهُ بِقَصْدِ الرُّجُوعِ بِلَا إذْنِ الْحَاكِمِ نَظَرْتَ فَإِنْ قَدَرَتْ عَلَى اسْتِئْذَانِهِ أَوْ لَمْ تَقْدِرْ وَلَمْ تُشْهِدْ لَمْ تَرْجِعْ، وَإِنْ قَدَرَتْ وَأَشْهَدَتْ رَجَعَتْ، وَإِنْ مَاتَ زَوْجُ الْمُعْتَدَّةِ فَقَالَتْ: انْقَضَتْ عِدَّتِي فِي حَيَاتِهِ لَمْ تَسْقُطْ الْعِدَّةُ عَنْهَا وَلَمْ تَرِثْ لِإِقْرَارِهَا قَالَ الْأَذْرَعِيُّ: وَهَذَا قَيَّدَهُ الْقَفَّالُ بِالرَّجْعِيَّةِ، فَلَوْ كَانَتْ بَائِنًا سَقَطَتْ عِدَّتُهَا فِيمَا يَظْهَرُ أَخْذًا مِنْ التَّقْيِيدِ بِذَلِكَ قَالَ: فَإِنْ لَمْ يُعْلَمْ هَلْ كَانَ الطَّلَاقُ رَجْعِيًّا أَوْ بَائِنًا؟ فَادَّعَتْ أَنَّهُ كَانَ رَجْعِيًّا وَأَنَّهَا تَرِثُ فَالْأَشْبَهُ نَعَمْ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاءُ حُكْمِ الزَّوْجِيَّةِ

[بَابُ الِاسْتِبْرَاءِ]

ِ بِالْمَدِّ وَجَعَلَهُ فِي الْمُحَرَّرِ فَصْلًا لِكَوْنِهِ تَابِعًا لِبَابِ الْعِدَّةِ، وَهُوَ لُغَةً طَلَبُ الْبَرَاءَةِ، وَشَرْعًا تَرَبُّصُ الْأَمَةِ مُدَّةً بِسَبَبِ مِلْكِ الْيَمِينِ حُدُوثًا أَوْ زَوَالًا لِمَعْرِفَةِ بَرَاءَةِ الرَّحِمِ، أَوْ لِلتَّعَبُّدِ، وَاقْتَصَرُوا عَلَى ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ الْأَصْلُ، وَإِلَّا فَقَدْ يَجِبُ الِاسْتِبْرَاءُ بِغَيْرِ حُدُوثِ مِلْكٍ أَوْ زَوَالِهِ كَأَنْ وَطِئَ أَمَةَ غَيْرِهِ ظَانًّا أَنَّهَا أَمَتُهُ، عَلَى أَنَّ حُدُوثَ مِلْكِ الْيَمِينِ لَيْسَ بِشَرْطٍ، بَلْ الشَّرْطُ كَمَا سَيَأْتِي حُدُوثُ حِلِّ التَّمَتُّعِ بِهِ لِيُوَافِقَ مَا يَأْتِي فِي الْمُكَاتَبَةِ وَالْمُرْتَدَّةِ وَتَزْوِيجِ مَوْطُوءَتِهِ وَنَحْوِهَا، وَخُصَّ هَذَا بِهَذَا الِاسْمِ؛ لِأَنَّهُ قُدِّرَ بِأَقَلِّ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ بَرَاءَةُ الرَّحِمِ مِنْ غَيْرِ تَكَرُّرٍ وَتَعَدُّدٍ، وَخُصَّ التَّرَبُّصُ بِسَبَبِ النِّكَاحِ بِاسْمِ الْعِدَّةِ اشْتِقَاقًا مِنْ الْعِدَدِ كَمَا مَرَّ أَوَّلَ بَابِهَا لِمَا يَقَعُ فِيهِ مِنْ التَّعَدُّدِ غَالِبًا وَالْأَصْلُ فِي الْبَابِ مَا سَيَأْتِي مِنْ الْأَدِلَّةِ (يَجِبُ) الِاسْتِبْرَاءُ لِحِلِّ تَمَتُّعٍ أَوْ تَزْوِيجٍ (بِسَبَبَيْنِ: أَحَدُهُمَا) وَهُوَ

مِلْكُ أَمَةٍ بِشِرَاءٍ أَوْ إرْثٍ أَوْ هِبَةٍ أَوْ سَبْيٍ أَوْ رَدٍّ بِعَيْبٍ، أَوْ تَحَالُفٍ أَوْ إقَالَةٍ وَسَوَاءٌ بِكْرٌ، وَمَنْ اسْتَبْرَأَهَا الْبَائِعُ قَبْلَ الْبَيْعِ وَمُنْتَقِلَةٌ مِنْ صَبِيٍّ وَامْرَأَةٍ وَغَيْرُهَا

وَيَجِبُ فِي مُكَاتَبَةٍ عُجِّزَتْ

[مغني المحتاج]

مُخْتَصٌّ بِالْأَوَّلِ (مِلْكُ) حُرٍّ جَمِيعَ (أَمَةٍ) لَمْ تَكُنْ زَوْجَةً لَهُ كَمَا سَيَأْتِي (بِشِرَاءٍ أَوْ إرْثٍ أَوْ هِبَةٍ) وَقَوْلُهُ (أَوْ سَبْيٍ) أَيْ قِسْمَةٍ عَنْهُ، وَكَانَ الْأَوْلَى أَنْ يُصَرِّحَ بِهِ فَإِنَّ الْغَنِيمَةَ لَا تُمْلَكُ قَبْلَ الْقِسْمَةِ، وَصَوَّرَهُ بَعْضُهُمْ بِمَنْ أَخَذَ جَارِيَةً مِنْ دَارِ الْحَرْبِ عَلَى وَجْهِ السَّرِقَةِ، وَهُوَ إنَّمَا يَأْتِي عَلَى رَأْيِ الْإِمَامِ وَالْغَزَالِيِّ مِنْ أَنَّهُ يَمْلِكُهَا مِنْ غَيْرِ تَخْمِيسٍ، وَالْجُمْهُورُ عَلَى خِلَافِهِ، وَلِهَذَا قَالَ الْجُوَيْنِيُّ وَالْقَفَّالُ وَغَيْرُهُمَا إنَّهُ يَحْرُمُ وَطْءُ السَّرَارِيِّ اللَّاتِي يُجْلَبْنَ مِنْ الرُّومِ وَالْهِنْدِ وَالتُّرْكِ إلَّا أَنْ يَنْصِبَ الْإِمَامُ مَنْ يَقْسِمُ الْغَنَائِمَ مِنْ غَيْرِ ظُلْمٍ (أَوْ رَدٍّ بِعَيْبٍ، أَوْ تَحَالُفٍ، أَوْ إقَالَةٍ) أَوْ قَبُولِ وَصِيَّةٍ أَوْ غَيْرِهِمَا كَفَسْخٍ بِفَلَسٍ، وَرُجُوعٍ فِي هِبَةٍ تَنْبِيهٌ قَوْلُهُ: بِسَبَبَيْنِ يَقْتَضِي أَنَّهُ لَا يَجِبُ بِغَيْرِهِمَا وَلَيْسَ مُرَادًا، فَإِنَّهُ لَوْ وَطِئَ أَمَةَ غَيْرِهِ ظَانًّا أَنَّهَا أَمَتُهُ وَجَبَ اسْتِبْرَاؤُهَا كَمَا مَرَّ بِقَرْءٍ وَاحِدٍ وَلَيْسَ هُنَا حُدُوثُ مِلْكٍ وَلَا زَوَالُهُ، وَمَرَّ الْجَوَابُ عَنْ ذَلِكَ، وَقَوْلُهُ: مِلْكُ أَمَةٍ، يَقْتَضِي اعْتِبَارَ مِلْكِ جَمِيعِهَا كَمَا قَدَّرْته فِي كَلَامِهِ، فَإِنَّهُ لَوْ مَلَكَ بَعْضَهَا فَإِنَّهَا لَا تُبَاحُ لَهُ حَتَّى يَسْتَبْرِئَهَا، وَيَدْخُلُ فِي ذَلِكَ مَا لَوْ كَانَ مَالِكًا لِبَعْضِ أَمَةٍ ثُمَّ اشْتَرَى بَاقِيَهَا فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ الِاسْتِبْرَاءُ، وَأَشَارَ بِالْأَمْثِلَةِ الْمَذْكُورَةِ إلَى أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْمِلْكِ الْقَهْرِيِّ وَالِاخْتِيَارِيِّ، وَخَرَجَ الْمُبَعَّضُ وَالْمُكَاتَبُ فَإِنَّهُ لَا يَحِلُّ لَهُمَا وَطْءُ الْأَمَةِ بِمِلْكِ الْيَمِينِ وَإِنْ أَذِنَ لَهُمَا السَّيِّدُ (وَسَوَاءٌ بِكْرٌ، وَمَنْ اسْتَبْرَأَهَا الْبَائِعُ قَبْلَ الْبَيْعِ، وَمُنْتَقِلَةٌ مِنْ صَبِيٍّ وَامْرَأَةٍ وَغَيْرُهَا) بِرَفْعِ الرَّاءِ بِخَطِّهِ: أَيْ غَيْرُ الْمَذْكُورَاتِ مِنْ صَغِيرَةٍ وَآيِسَةٍ لِعُمُومِ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي سَبَايَا أَوْطَاسٍ «أَلَا لَا تُوطَأُ حَامِلٌ حَتَّى تَضَعَ، وَلَا غَيْرُ ذَاتِ حَمْلٍ حَتَّى تَحِيضَ حَيْضَةً» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَغَيْرُهُ وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ، وَقَاسَ الشَّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - غَيْرَ الْمَسْبِيَّةِ عَلَيْهَا بِجَامِعِ حُدُوثِ الْمِلْكِ، وَأَخَذَ الْإِطْلَاقَ فِي الْمَسْبِيَّةِ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْبِكْرِ وَغَيْرِهَا، وَأَلْحَقَ مَنْ لَمْ تَحِضْ أَوْ أَيِسَتْ بِمَنْ تَحِيضُ فِي اعْتِبَارِ قَدْرِ الْحَيْضِ وَالطُّهْرِ غَالِبًا، وَهُوَ شَهْرٌ كَمَا سَيَأْتِي

(وَيَجِبُ) الِاسْتِبْرَاءُ أَيْضًا (فِي مُكَاتَبَةٍ) كِتَابَةً صَحِيحَةً فَسَخَتْهَا بِلَا تَعْجِيزٍ أَوْ (عُجِّزَتْ) بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَتَشْدِيدِ ثَانِيهِ الْمَكْسُورِ بِخَطِّهِ أَيْ بِتَعْجِيزِ السَّيِّدِ لَهَا عِنْدَ عَجْزِهَا عَنْ النُّجُومِ لِعَوْدِ مِلْكِ التَّمَتُّعِ بَعْدَ زَوَالٍ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ بَاعَهَا ثُمَّ اشْتَرَاهَا أَمَّا الْفَاسِدَةُ فَلَا يَجِبُ الِاسْتِبْرَاءُ فِيهَا كَمَا قَالَهُ الرَّافِعِيُّ فِي بَابِهِ.

وَكَذَا مُرْتَدَّةٌ فِي الْأَصَحِّ

لَا مَنْ خَلَتْ مِنْ صَوْمٍ وَاعْتِكَافٍ وَإِحْرَامٍ، وَفِي الْإِحْرَامِ وَجْهٌ

وَلَوْ اشْتَرَى زَوْجَتَهُ اُسْتُحِبَّ، وَقِيلَ يَجِبُ

وَلَوْ مَلَكَ مُزَوَّجَةً أَوْ مُعْتَدَّةً

[مغني المحتاج]

تَنْبِيهٌ: أَمَةُ الْمُكَاتَبِ وَالْمُكَاتَبَةِ إذَا عُجِّزَا أَوْ فُسِخَتْ كِتَابَتُهُمَا كَالْمُكَاتَبَةِ كَمَا قَالَهُ الْبُلْقِينِيُّ (وَكَذَا) أَمَةٌ (مُرْتَدَّةٌ) عَادَتْ لِلْإِسْلَامِ يَجِبُ اسْتِبْرَاؤُهَا (فِي الْأَصَحِّ) لِزَوَالِ مِلْكِ الِاسْتِمْتَاعِ ثُمَّ إعَادَتِهِ، فَأَشْبَهَ تَعْجِيزَ الْمُكَاتَبَةِ، وَالثَّانِي لَا يَجِبُ، لِأَنَّ الرِّدَّةَ لَا تُنَافِي الْمِلْكَ بِخِلَافِ الْكِتَابَةِ، وَلَوْ ارْتَدَّ السَّيِّدُ ثُمَّ أَسْلَمَ لَزِمَهُ الِاسْتِبْرَاءُ أَيْضًا، وَلَوْ عَبَّرَ بِزَوَالِ رِدَّةٍ لَعَمَّ الْمَسْأَلَتَيْنِ

فَرْعٌ: لَوْ زَوَّجَ السَّيِّدُ أَمَتَهُ ثُمَّ طَلَّقَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ وَجَبَ الِاسْتِبْرَاءُ لِمَا مَرَّ، وَإِنْ طَلَّقَهَا بَعْدَ الدُّخُولِ فَاعْتَدَّتْ مِنْ الزَّوْجِ لَمْ يَدْخُلْ الِاسْتِبْرَاءُ فِي الْعِدَّةِ، بَلْ يَلْزَمُهُ أَنْ يَسْتَبْرِئَهَا بَعْدَ انْقِضَاءِ عِدَّتِهَا مِنْهُ

تَنْبِيهٌ وَقَعَ فِي الرَّوْضَةِ أَنَّهُ لَوْ أَسْلَمَ فِي جَارِيَةٍ وَقَبَضَهَا فَوَجَدَهَا بِغَيْرِ الصِّفَةِ الْمَشْرُوطَةِ فَرَدَّهَا لَزِمَ الْمُسْلَمَ إلَيْهِ الِاسْتِبْرَاءُ وَهُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى ضَعِيفٍ، وَهُوَ أَنَّ الْمِلْكَ فِي هَذِهِ زَالَ ثُمَّ عَادَ بِالرَّدِّ، وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ لَمْ يَزُلْ، وَلِهَذَا حَذَفَهُ ابْنُ الْمُقْرِي (لَا مَنْ) أَيْ أَمَةٌ (خَلَتْ مِنْ) مَا لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى إذْنِهِ كَحَيْضٍ وَنِفَاسٍ وَ (صَوْمٍ وَاعْتِكَافٍ) أَوْ يَتَوَقَّفُ وَأَذِنَ فِيهِ كَرَهْنٍ (وَإِحْرَامٍ) بَعْدَ حُرْمَتِهَا عَلَى سَيِّدِهَا بِذَلِكَ لَا يَجِبُ اسْتِبْرَاؤُهَا بَعْدَ حِلِّهَا مِمَّا ذُكِرَ؛ لِأَنَّ حُرْمَتَهَا بِذَلِكَ لَا تَحِلُّ بِالْمِلْكِ بِخِلَافِ الْكِتَابَةِ وَالرِّدَّةِ (وَفِي الْإِحْرَامِ وَجْهٌ) أَنَّهُ يَجِبُ الِاسْتِبْرَاءُ بَعْدَ الْحِلِّ مِنْهُ كَالرِّدَّةِ، وَرُدَّ هَذَا بِمَا مَرَّ

تَنْبِيهٌ قَدْ عُلِمَ مِمَّا تَقَرَّرَ أَنَّهَا فَعَلَتْ ذَلِكَ فِي مِلْكِهِ أَمَّا لَوْ اشْتَرَاهَا مُحْرِمَةً أَوْ صَائِمَةً صَوْمًا وَاجِبًا أَوْ مُعْتَكِفَةً اعْتِكَافًا مَنْذُورًا بِإِذْنِ سَيِّدِهَا، فَلَا بُدَّ مِنْ الِاسْتِبْرَاءِ، وَهَلْ يَكْفِي مَا وَقَعَ فِي زَمَنِ الْعِبَادَاتِ الثَّلَاثِ أَمْ يَجِبُ اسْتِبْرَاءٌ جَدِيدٌ قَضِيَّةُ كَلَامِ الْعِرَاقِيِّينَ الْأَوَّلُ، وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ فَإِنْ قِيلَ: كَيْفَ يُتَصَوَّرُ الِاسْتِبْرَاءُ فِي الصَّوْمِ وَالِاعْتِكَافِ؟ أُجِيبَ بِتَصَوُّرِهِ فِي ذَاتِ الْأَشْهُرِ وَالْحَامِلِ

(وَلَوْ اشْتَرَى) حُرٌّ (زَوْجَتَهُ) الْأَمَةَ (اُسْتُحِبَّ) لَهُ الِاسْتِبْرَاءُ لِيَتَمَيَّزَ وَلَدُ الْمِلْكِ مِنْ وَلَدِ النِّكَاحِ، لِأَنَّهُ بِالنِّكَاحِ يَنْعَقِدُ الْوَلَدُ رَقِيقًا ثُمَّ يَعْتِقُ، فَلَا يَكُونُ كُفْئًا لِحُرَّةٍ أَصْلِيَّةٍ وَلَا تَصِيرُ بِهِ أُمَّ وَلَدٍ، وَبِمِلْكِ الْيَمِينِ يَنْعَكِسُ الْحُكْمُ (وَقِيلَ يَجِبُ) الِاسْتِبْرَاءُ لِتَجَدُّدِ الْمِلْكِ.
وَأَجَابَ الْأَوَّلُ بِأَنَّ الِاسْتِبْرَاءَ لِتَجَدُّدِ الْحِلِّ وَلَمْ يَتَجَدَّدْ، لَكِنْ يَحْرُمُ عَلَيْهِ وَطْؤُهَا فِي مُدَّةِ الْخِيَارِ لِلتَّرَدُّدِ فِي أَنَّهُ يَطَأُ بِالْمِلْكِ الضَّعِيفِ الَّذِي لَا يُبِيحُ الْوَطْءَ أَوْ بِالزَّوْجِيَّةِ، فَإِنْ أَرَادَ أَنْ يُزَوِّجَهَا لِغَيْرِهِ وَقَدْ وَطِئَهَا وَهِيَ زَوْجَةٌ اعْتَدَّتْ مِنْهُ بِقُرْأَيْنِ قَبْلَ أَنْ يُزَوِّجَهَا؛ لِأَنَّهُ إذَا انْفَسَخَ النِّكَاحُ وَجَبَ أَنْ تَعْتَدَّ مِنْهُ فَلَا تَنْكِحَ غَيْرَهُ حَتَّى تَنْقَضِيَ عِدَّتُهَا بِذَلِكَ، وَلَوْ مَاتَ عَقِبَ الشِّرَاءِ لَمْ يَلْزَمْهَا عِدَّةُ الْوَفَاةِ لِأَنَّهُ مَاتَ وَهِيَ مَمْلُوكَتُهُ، وَتَعْتَدُّ مِنْهُ بِقُرْأَيْنِ، أَمَّا لَوْ مَلَكَ الْمُكَاتَبُ أَوْ الْمُبَعَّضُ زَوْجَتَهُ فَإِنَّ النِّكَاحَ يَنْفَسِخُ، وَلَا يَحِلُّ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا وَطْؤُهَا وَلَوْ بِإِذْنِ سَيِّدِهَا

(وَلَوْ مَلَكَ) أَمَةً (مُزَوَّجَةً أَوْ مُعْتَدَّةً) مِنْ زَوْجٍ أَوْ وَطْءِ شُبْهَةٍ مَعَ عِلْمِهِ

لَمْ يَجِبْ، فَإِنْ زَالَا وَجَبَ فِي الْأَظْهَرِ

الثَّانِي: زَوَالُ فِرَاشٍ عَنْ أَمَةٍ مَوْطُوءَةٍ أَوْ مُسْتَوْلَدَةٍ بِعِتْقٍ أَوْ مَوْتِ السَّيِّدِ

وَلَوْ مَضَتْ مُدَّةُ اسْتِبْرَاءٍ عَلَى مُسْتَوْلِدَةٍ ثُمَّ أَعْتَقَهَا أَوْ

[مغني المحتاج]

بِمَا ذُكِرَ أَوْ جَهْلِهِ وَأَجَازَ الْبَيْعَ (لَمْ يَجِبْ) عَلَيْهِ اسْتِبْرَاؤُهَا حَالًا لِأَنَّهَا مَشْغُولَةٌ بِحَقِّ غَيْرِهِ (فَإِنْ زَالَا) أَيْ الزَّوْجِيَّةُ وَالْعِدَّةُ بِأَنْ طَلُقَتْ الْأَمَةُ الْمُزَوَّجَةُ قَبْلَ الدُّخُولِ أَوْ بَعْدَهُ وَانْقَضَتْ عِدَّةُ الزَّوْجِ أَوْ الشُّبْهَةِ (وَجَبَ) حِينَئِذٍ الِاسْتِبْرَاءُ (فِي الْأَظْهَرِ) لِزَوَالِ الْمَانِعِ وَوُجُودِ الْمُقْتَضِي، وَالثَّانِي لَا يَجِبُ لَهُ وَطْؤُهَا فِي الْحَالِ اكْتِفَاءً بِالْعِدَّةِ، وَعَلَيْهِ الْعِرَاقِيُّونَ وَقَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: إنَّ مَذْهَبَ الشَّافِعِيِّ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ الِاسْتِبْرَاءُ وَيَطَؤُهَا فِي الْحَالِ تَنْبِيهٌ مَحَلُّ الْخِلَافِ إذَا كَانَتْ مُعْتَدَّةً مِنْ غَيْرِهِ أَمَّا لَوْ اشْتَرَى أَمَةً مُعْتَدَّةً مِنْهُ وَلَوْ مِنْ طَلَاقٍ رَجْعِيٍّ فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ الِاسْتِبْرَاءُ قَطْعًا؛ لِأَنَّهُ مَلَكَهَا وَهِيَ مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِ بِخِلَافِ زَوْجَتِهِ، وَهَذَا مِمَّا اُسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ الطَّلَاقَ الرَّجْعِيَّ يُزِيلُ الزَّوْجِيَّةَ، وَكَأَنَّهُمْ ارْتَكَبُوهُ هُنَا لِلِاحْتِيَاطِ

فُرُوعٌ: يُسَنُّ لِلْمَالِكِ اسْتِبْرَاءُ الْأَمَةِ الْمَوْطُوءَةِ لِلْبَيْعِ قَبْلَ بَيْعِهِ لَهَا لِيَكُونَ عَلَى بَصِيرَةٍ مِنْهَا، وَلَوْ وَطِئَ أَمَةً شَرِيكَانِ فِي حَيْضٍ أَوْ طُهْرٍ ثُمَّ بَاعَهَا أَوْ أَرَادَا تَزْوِيجَهَا أَوْ وَطِئَ اثْنَانِ أَمَةَ رَجُلٍ كُلٌّ يَظُنُّهَا أَمَتَهُ وَأَرَادَ الرَّجُلُ تَزْوِيجَهَا وَجَبَ اسْتِبْرَاءَانِ كَالْعِدَّتَيْنِ مِنْ شَخْصَيْنِ، وَلَوْ بَاعَ جَارِيَةً لَمْ يُقِرَّ بِوَطْئِهَا فَظَهَرَ بِهَا حَمْلٌ وَادَّعَاهُ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُشْتَرِي بِيَمِينِهِ أَنَّهُ لَا يَعْلَمُهُ مِنْهُ، وَيَثْبُتُ نَسَبُ الْبَائِعِ عَلَى الْأَوْجَهِ مِنْ خِلَافٍ فِيهِ، إذْ لَا ضَرَرَ عَلَى الْمُشْتَرِي فِي الْمَالِيَّةِ، وَالْقَائِلُ بِخِلَافِهِ عَلَّلَهُ بِأَنَّ ثُبُوتَهُ يَقْطَعُ إرْثَ الْمُشْتَرِي بِالْوَلَاءِ، فَإِنْ أَقَرَّ بِوَطْئِهَا وَبَاعَهَا نَظَرْتَ، فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ بَعْدَ أَنْ اسْتَبْرَأَهَا فَأَتَتْ بِوَلَدٍ لِدُونِ سِتَّةِ أَشْهُرٍ مِنْ اسْتِبْرَائِهَا مِنْهُ لَحِقَهُ وَبَطَلَ الْبَيْعُ لِثُبُوتِ أُمِّيَّةِ الْوَلَدِ، وَإِنْ وَلَدَتْهُ لِسِتَّةِ أَشْهُرٍ فَأَكْثَرَ فَالْوَلَدُ مَمْلُوكٌ لِلْمُشْتَرِي إنْ لَمْ يَكُنْ وَطِئَهَا، وَإِلَّا فَإِنْ أَمْكَنَ كَوْنُهُ مِنْهُ بِأَنْ وَلَدَتْهُ لِسِتَّةِ أَشْهُرٍ فَأَكْثَرَ مِنْ وَطْئِهِ لَحِقَهُ وَصَارَتْ الْأَمَةُ مُسْتَوْلَدَةً لَهُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ اسْتَبْرَأَهَا قَبْلَ الْبَيْعِ فَالْوَلَدُ لَهُ إنْ أَمْكَنَ كَوْنُهُ مِنْهُ إلَّا إنْ وَطِئَهَا الْمُشْتَرِي وَأَمْكَنَ كَوْنُهُ مِنْهُمَا فَيُعْرَضُ عَلَى الْقَائِفِ السَّبَبُ (الثَّانِي: زَوَالُ فِرَاشٍ عَنْ أَمَةٍ مَوْطُوءَةٍ) بِمِلْكِ الْيَمِينِ غَيْرِ مُسْتَوْلَدَةٍ (أَوْ مُسْتَوْلَدَةٍ بِعِتْقٍ) مُنَجَّزٍ (أَوْ مَوْتِ السَّيِّدِ) عَنْهَا فَيَجِبُ عَلَيْهَا الِاسْتِبْرَاءُ لِزَوَالِ فِرَاشِهَا كَمَا تَجِبُ الْعِدَّةُ عَلَى الْمُفَارَقَةِ عَنْ نِكَاحٍ، وَاسْتِبْرَاؤُهَا بِقَرْءٍ ثَبَتَ ذَلِكَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - كَمَا قَالَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ، وَلَا يُعْرَفُ لَهُ مُخَالِفٌ، وَخَرَجَ بِمَوْطُوءَةٍ مَنْ لَمْ تُوطَأْ فَلَا اسْتِبْرَاءَ بِعِتْقِهَا جَزْمًا كَمَا فِي الرَّوْضَةِ وَأَصْلِهَا، وَمَا لَوْ مَاتَ السَّيِّدُ عَنْ أَمَةٍ مَوْطُوءَةٍ لَمْ يُعْتِقْهَا فَإِنَّهَا تَنْتَقِلُ لِلْوَارِثِ، وَعَلَيْهِ اسْتِبْرَاؤُهَا لِحُدُوثِ مِلْكِهِ فَيَكُونُ مِنْ السَّبَبِ الْأَوَّلِ

تَنْبِيهٌ لَوْ عَتَقَتْ الْأَمَةُ وَهِيَ مُزَوَّجَةٌ أَوْ مُعْتَدَّةٌ عَنْ زَوْجٍ لَا اسْتِبْرَاءَ عَلَيْهَا؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ فِرَاشًا لِلسَّيِّدِ، وَلِأَنَّ الِاسْتِبْرَاءَ لِحِلِّ التَّمَتُّعِ وَهِيَ مَشْغُولَةٌ بِحَقِّ الزَّوْجِ، بِخِلَافِهَا فِي عِدَّةِ وَطْءِ الشُّبْهَةِ؛ لِأَنَّهَا تَصِيرُ بِذَلِكَ فِرَاشًا لِغَيْرِ السَّيِّدِ

(وَلَوْ مَضَتْ مُدَّةُ اسْتِبْرَاءٍ عَلَى مُسْتَوْلَدَةٍ ثُمَّ أَعْتَقَهَا) سَيِّدُهَا (أَوْ

مَاتَ وَجَبَ فِي الْأَصَحِّ قُلْت: وَلَوْ اسْتَبْرَأَ أَمَةً مَوْطُوءَةً فَأَعْتَقَهَا لَمْ يَجِبْ وَتَتَزَوَّجُ فِي الْحَالِ إذْ لَا تُشْبِهُ مَنْكُوحَةٌ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ

وَيَحْرُمُ تَزْوِيجُ أَمَةٍ مَوْطُوءَةٍ وَمُسْتَوْلَدَةٍ قَبْلَ الِاسْتِبْرَاءِ لِئَلَّا يَخْتَلِطَ الْمَاءَانِ

وَلَوْ أَعْتَقَ مُسْتَوْلَدَتَهُ فَلَهُ نِكَاحُهَا بِلَا اسْتِبْرَاءٍ فِي الْأَصَحِّ، وَلَوْ أَعْتَقَهَا أَوْ مَاتَ، وَهِيَ مُزَوَّجَةٌ فَلَا اسْتِبْرَاءَ

[مغني المحتاج]

مَاتَ) عَنْهَا وَهِيَ غَيْرُ مُزَوَّجَةٍ (وَجَبَ) عَلَيْهَا الِاسْتِبْرَاءُ (فِي الْأَصَحِّ) وَلَا تَعْتَدُّ بِمَا مَضَى كَمَا لَا تَعْتَدُّ بِمَا تَقَدَّمَ مِنْ الْأَقْرَاءِ عَلَى الطَّلَاقِ الثَّانِي: لَا يَجِبُ لِحُصُولِ الْبَرَاءَةِ (قُلْت) : كَمَا قَالَ الرَّافِعِيُّ فِي الشَّرْحِ (وَلَوْ اسْتَبْرَأَ) السَّيِّدُ (أَمَةً مَوْطُوءَةً) غَيْرَ مُسْتَوْلَدَةٍ (فَأَعْتَقَهَا لَمْ يَجِبْ) عَلَيْهَا الِاسْتِبْرَاءُ (وَتَتَزَوَّجُ فِي الْحَالِ) عَقِبَ عِتْقِهَا (إذْ لَا تُشْبِهُ مَنْكُوحَةً، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ) لِأَنَّ فِرَاشَهَا يَزُولُ بِالِاسْتِبْرَاءِ اتِّفَاقًا بِدَلِيلِ أَنَّهَا لَوْ أَتَتْ بِوَلَدٍ بَعْدَهُ بِسِتَّةِ أَشْهُرٍ لَمْ يَلْحَقْهُ، بِخِلَافِ الْمُسْتَوْلَدَةِ، فَإِنَّ فِيهَا قَوْلَيْنِ كَمَا حَكَاهُ الرَّافِعِيُّ عَنْ الْأَئِمَّةِ

(وَيَحْرُمُ تَزْوِيجُ أَمَةٍ مَوْطُوءَةٍ) بِغَيْرِ اسْتِيلَادٍ، سَوَاءٌ وَطِئَهَا الْمَالِكُ أَوْ مَلَكَهَا مِنْ جِهَتِهِ وَلَمْ يَكُنْ اسْتَبْرَأَهَا (وَمُسْتَوْلَدَةٍ قَبْلَ الِاسْتِبْرَاءِ لِئَلَّا يَخْتَلِطَ الْمَاءَانِ) فَإِنْ قِيلَ: قَدْ مَرَّ أَنَّهُ يُسَنُّ لِلْمَالِكِ اسْتِبْرَاءُ الْأَمَةِ الْمَوْطُوءَةِ لِلْبَيْعِ فَهَلَّا كَانَ هُنَا كَذَلِكَ.
أُجِيبَ بِأَنَّ مَقْصُودَ التَّزْوِيجِ الْوَطْءُ فَيَنْبَغِي أَنْ يَسْتَعْقِبَ الْحِلَّ بِخِلَافِ الْبَيْعِ، نَعَمْ لَوْ زَوَّجَهَا مِمَّنْ وَطِئَهَا لَمْ يَجِبْ اسْتِبْرَاءٌ كَمَا يَجُوزُ لِوَاطِئِ امْرَأَةٍ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا فِي عِدَّتِهِ

(وَلَوْ أَعْتَقَ مُسْتَوْلَدَتَهُ فَلَهُ نِكَاحُهَا بِلَا اسْتِبْرَاءٍ فِي الْأَصَحِّ) كَمَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَنْكِحَ الْمُعْتَدَّةَ مِنْهُ؛ لِأَنَّ الْمَاءَ لِوَاحِدٍ، وَالثَّانِي: لَا، لِأَنَّ الْإِعْتَاقَ يَقْتَضِي الِاسْتِبْرَاءَ فَيَتَوَقَّفُ نِكَاحُهُ عَلَيْهِ كَتَزْوِيجِهَا لِغَيْرِهِ (وَلَوْ أَعْتَقَهَا) سَيِّدُهَا (أَوْ مَاتَ) عَنْهَا (وَهِيَ) فِي الصُّورَتَيْنِ (مُزَوَّجَةٌ) أَوْ مُعْتَدَّةٌ (فَلَا اسْتِبْرَاءَ) يَجِبُ عَلَيْهَا؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ فِرَاشًا لَهُ بَلْ لِلزَّوْجِ فَهِيَ كَغَيْرِ الْمَوْطُوءَةِ، وَلِأَنَّ الِاسْتِبْرَاءَ لِحِلِّ الِاسْتِمْتَاعِ، وَهُمَا مَشْغُولَتَانِ بِحَقِّ الزَّوْجِ بِخِلَافِهِمَا فِي عِدَّةِ وَطْءِ شُبْهَةٍ لِقُصُورِهَا عَنْ دَفْعِ الِاسْتِبْرَاءِ الَّذِي هُوَ مُقْتَضَى الْعِتْقِ وَالْمَوْتِ، وَلِأَنَّهُمَا لَمْ يَصِيرَا بِذَلِكَ فِرَاشًا لِغَيْرِ السَّيِّدِ

فَرْعٌ: لَوْ مَاتَ سَيِّدُ الْمُسْتَوْلَدَةِ الْمُزَوَّجَةِ ثُمَّ مَاتَ زَوْجُهَا أَوْ مَاتَا مَعًا اعْتَدَّتْ كَالْحُرَّةِ لِتَأَخُّرِ سَبَبِ الْعِدَّةِ فِي الْأُولَى وَاحْتِيَاطًا لَهَا فِي الثَّانِيَةِ وَلَا اسْتِبْرَاءَ عَلَيْهَا؛ لِأَنَّهَا لَمْ تَعُدْ إلَى فِرَاشِ السَّيِّدِ، وَإِنْ تَقَدَّمَ مَوْتُ الزَّوْجِ مَوْتَ سَيِّدِهَا اعْتَدَّتْ عِدَّةَ أَمَةٍ، وَلَا اسْتِبْرَاءَ عَلَيْهَا إنْ مَاتَ السَّيِّدُ وَهِيَ فِي الْعِدَّةِ كَمَا مَرَّ، فَإِنْ مَاتَ بَعْدَ فَرَاغِ الْعِدَّةِ لَزِمَهَا الِاسْتِبْرَاءُ لِعَوْدِهَا فِرَاشًا لَهُ عَقِبَ الْعِدَّةِ، وَإِنْ مَاتَ أَحَدُهُمَا قَبْلَ الْآخَرِ وَلَمْ يُعْلَمْ السَّابِقُ مِنْهُمَا أَوْ لَمْ يُعْلَمْ هَلْ مَاتَا مَعًا أَوْ مُرَتَّبًا نَظَرْتَ، فَإِنْ كَانَ بَيْنَ مَوْتِهِمَا شَهْرَانِ وَخَمْسَةُ أَيَّامٍ بِلَيَالِيِهَا فَمَا دُونَهَا لَمْ يَلْزَمْهَا اسْتِبْرَاءٌ؛ لِأَنَّهَا تَكُونُ عِنْدَ مَوْتِ السَّيِّدِ - الَّذِي يَجِبُ الِاسْتِبْرَاءُ بِسَبَبِهِ - زَوْجَةً إنْ مَاتَ السَّيِّدُ أَوَّلًا، أَوْ مُعْتَدَّةً إنْ مَاتَ الزَّوْجُ أَوَّلًا، وَلَا اسْتِبْرَاءَ عَلَيْهَا فِي الْحَالَيْنِ كَمَا مَرَّ، وَيَلْزَمُهَا أَنْ تَعْتَدَّ بِأَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ وَعَشْرٍ مِنْ مَوْتِ الثَّانِي لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ مَوْتُ السَّيِّدِ أَوَّلًا فَتَكُونَ حُرَّةً عِنْدَ مَوْتِ الزَّوْجِ، وَإِنْ كَانَ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ، أَوْ

وَهُوَ بِقَرْءٍ، وَهُوَ حَيْضَةٌ كَامِلَةٌ فِي الْجَدِيدِ

وَذَاتُ أَشْهُرٍ بِشَهْرٍ، وَفِي قَوْلٍ بِثَلَاثَةٍ، وَحَامِلٌ مَسْبِيَّةٌ أَوْ زَالَ عَنْهَا فِرَاشُ سَيِّدٍ بِوَضْعِهِ، وَإِنْ مُلِكَتْ بِشِرَاءٍ فَقَدْ سَبَقَ أَنْ لَا اسْتِبْرَاءَ فِي الْحَالِ قُلْت: يَحْصُلُ الِاسْتِبْرَاءُ بِوَضْعِ حَمْلِ زِنًا فِي الْأَصَحِّ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ

[مغني المحتاج]

جُهِلَ قَدْرُهُ لَزِمَهَا الْأَكْثَرُ مِنْ عِدَّةِ الْوَفَاةِ، وَهِيَ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ وَعَشْرٌ، وَمِنْ حَيْضَةٍ لِاحْتِمَالِ تَقَدُّمِ مَوْتِ الزَّوْجِ فَتَكُونُ عِنْدَ مَوْتِ السَّيِّدِ فِرَاشًا لَهُ فَيَلْزَمُهَا الِاسْتِبْرَاءُ، وَيُحْتَمَلُ تَقَدُّمُ مَوْتِ السَّيِّدِ، فَتَكُونُ عِنْدَ مَوْتِ الزَّوْجِ حُرَّةً فَيَلْزَمُهَا الْعِدَّةُ فَوَجَبَ أَكْثَرُهُمَا لِتَخْرُجَ عَمَّا عَلَيْهَا بِيَقِينٍ (وَهُوَ) أَيْ قَدْرُ الِاسْتِبْرَاءِ يَحْصُلُ لِذَاتِ أَقْرَاءٍ (بِقَرْءٍ، وَهُوَ حَيْضَةٌ كَامِلَةٌ) بَعْدَ انْتِقَالِ الْمِلْكِ إلَيْهِ (فِي الْجَدِيدِ) لِلْخَبَرِ السَّابِقِ، فَلَا يَكْفِي بَقِيَّةُ الْحَيْضَةِ الَّتِي وُجِدَ السَّبَبُ فِي أَثْنَائِهَا، وَتَنْتَظِرُ ذَاتُ الْأَقْرَاءِ الْكَامِلَةِ إلَى سِنِّ الْيَأْسِ كَالْمُعْتَدَّةِ، وَفِي الْقَدِيمِ وَحُكِيَ عَنْ الْإِمْلَاءِ أَيْضًا وَهُوَ مِنْ الْجَدِيدِ أَنَّهُ الطُّهْرُ كَمَا فِي الْعِدَّةِ.
وَأَجَابَ الْأَوَّلُ بِأَنَّ الْعِدَّةَ تَتَكَرَّرُ فِيهَا الْأَقْرَاءُ كَمَا مَرَّ فَتُعْرَفُ بَرَاءَةُ الرَّحِمِ بِالْحَيْضِ الْمُتَخَلِّلِ بَيْنَهَا، وَهُنَا لَا يَتَكَرَّرُ فَيُعْتَمَدُ الْحَيْضُ الدَّالُّ عَلَى الْبَرَاءَةِ، وَإِنَّمَا لَمْ يُكْتَفَ بِبَقِيَّةِ الْحَيْضَةِ كَمَا اُكْتُفِيَ بِبَقِيَّةِ الطُّهْرِ فِي الْعِدَّةِ؛ لِأَنَّ بَقِيَّةَ الطُّهْرِ تَسْتَعْقِبُ الْحَيْضَةَ الدَّالَّةَ عَلَى الْبَرَاءَةِ وَهَذَا يَسْتَعْقِبُ الطُّهْرَ، وَلَا دَلَالَةَ عَلَى الْبَرَاءَةِ

(وَذَاتُ أَشْهُرٍ) مِنْ صَغِيرَةٍ وَغَيْرِهَا يَحْصُلُ اسْتِبْرَاؤُهَا (بِشَهْرٍ) فَقَطْ فَإِنَّهُ كَقَرْءٍ فِي الْحُرَّةِ، فَكَذَا فِي الْأَمَةِ (وَفِي قَوْلٍ) يَحْصُلُ اسْتِبْرَاؤُهَا (بِثَلَاثَةٍ) مِنْ أَشْهُرٍ نَظَرًا؛ لِأَنَّ الْمَاءَ لَا يَظْهَرُ أَثَرُهُ فِي الرَّحِمِ فِي أَقَلَّ مِنْ ثَلَاثَةِ أَشْهُرٍ، وَجَرَى عَلَى ذَلِكَ صَاحِبُ التَّنْبِيهِ وَالْمُتَحَيِّرَةُ تُسْتَبْرَأُ بِشَهْرٍ أَيْضًا عَلَى الْأَوَّلِ (وَ) أَمَةٌ (حَامِلٌ مَسْبِيَّةٌ) وَهِيَ الَّتِي مُلِكَتْ بِالسَّبْيِ لَا بِالشِّرَاءِ (أَوْ) أَمَةٌ حَائِلٌ غَيْرُ مَسْبِيَّةٍ وَلَكِنْ (زَالَ عَنْهَا فِرَاشُ سَيِّدٍ) لَهَا بِعِتْقِهِ لَهَا أَوْ مَوْتِهِ يَحْصُلُ اسْتِبْرَاؤُهَا (بِوَضْعِهِ) أَيْ الْحَمْلِ فِي الصُّورَتَيْنِ لِلْخَبَرِ السَّابِقِ (وَإِنْ مُلِكَتْ) حَامِلٌ (بِشِرَاءٍ) أَوْ نَحْوِهِ وَهِيَ فِي نِكَاحٍ أَوْ عِدَّةٍ (فَقَدْ سَبَقَ) عِنْدَ قَوْلِهِ: وَلَوْ مَلَكَ مُزَوَّجَةً أَوْ مُعْتَدَّةً (أَنْ لَا اسْتِبْرَاءَ فِي الْحَالِ) وَأَنَّهُ يَجِبُ بَعْدَ زَوَالِهَا فِي الْأَظْهَرِ فَلَا يَكُونُ الِاسْتِبْرَاءُ هُنَا بِالْوَضْعِ، لِأَنَّهُ إمَّا غَيْرُ وَاجِبٍ أَوْ مُؤَخَّرٌ عَنْ الْوَضْعِ (قُلْت: يَحْصُلُ الِاسْتِبْرَاءُ بِوَضْعِ حَمْلِ) أَمَةٍ مِنْ (زِنًا فِي الْأَصَحِّ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ) لِعُمُومِ الْحَدِيثِ السَّابِقِ، وَلِأَنَّ الْمَقْصُودَ مَعْرِفَةُ بَرَاءَةِ الرَّحِمِ وَهِيَ حَاصِلَةٌ بِهِ، وَالثَّانِي: لَا يَحْصُلُ الِاسْتِبْرَاءُ بِهِ كَمَا لَا تَنْقَضِي بِهِ الْعِدَّةُ.
وَأَجَابَ الْأَوَّلُ بِأَنَّ الْعِدَّةَ مُخْتَصَّةٌ بِالتَّأْكِيدِ بِدَلِيلِ اشْتِرَاطِ التَّكْرَارِ فِيهَا دُونَ الِاسْتِبْرَاءِ، وَلِأَنَّ الْعِدَّةَ حَقُّ الزَّوْجِ، وَإِنْ كَانَ فِيهَا حَقٌّ لِلَّهِ تَعَالَى فَلَا يُكْتَفَى بِوَضْعِ حَمْلِ غَيْرِهِ، بِخِلَافِ الِاسْتِبْرَاءِ الْحَقُّ فِيهِ لِلَّهِ تَعَالَى تَنْبِيهٌ يُكْتَفَى بِحَيْضَةٍ فِي الْحَامِلِ مِنْ زِنًا؛ لِأَنَّ حَمْلَ الزِّنَا لَا حُرْمَةَ لَهُ قَالَ الزَّرْكَشِيُّ أَخْذًا مِنْ كَلَامِ غَيْرِهِ: وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْحَمْلَ الْحَادِثَ مِنْ الزِّنَا كَالْمُقَارِنِ؛ لِأَنَّهُمْ اكْتَفَوْا بِالْحَيْضِ الْحَادِثِ لَا بِالْمُقَارِنِ، وَاكْتَفَوْا بِالْحَمْلِ الْمُقَارِنِ فَبِالْحَادِثِ أَوْلَى، قَالَ: وَقَدْ يُفْهَمُ مِنْ كَلَامِهِمْ أَنَّهَا لَوْ كَانَتْ مِنْ ذَوَاتِ أَشْهُرٍ وَحَمَلَتْ مِنْ الزِّنَا لَمْ يَحْصُلُ الِاسْتِبْرَاءُ بِمُضِيِّ شَهْرٍ، وَالْمَجْزُومُ بِهِ

وَلَوْ مَضَى زَمَنُ اسْتِبْرَاءٍ بَعْدَ الْمِلْكِ وَقَبْلَ الْقَبْضِ حُسِبَ إنْ مَلَكَ بِإِرْثٍ وَكَذَا شِرَاءٍ فِي الْأَصَحِّ، لَا هِبَةٍ

وَلَوْ اشْتَرَى مَجُوسِيَّةً فَحَاضَتْ ثُمَّ أَسْلَمَتْ لَمْ يَكْفِ

[مغني المحتاج]

فِي الْعُدَّةِ فَإِنْ قِيلَ: كَيْفَ يَصِحُّ كَلَامُهُ بِأَنَّ الْحَادِثَ كَالْمُقَارِنِ مَعَ قَوْلِهِ: إنَّهُ يَحْصُلُ بِشَهْرٍ مَعَ وُجُودِهِ.
أُجِيبَ بِأَنَّ ذَلِكَ يُتَصَوَّرُ بِاسْتِمْرَارِ خِيَارِ الْمَجْلِسِ حَتَّى تَضَعَ فِيهِ، فَإِنَّ الِاسْتِبْرَاءَ إنَّمَا يُعْتَبَرُ بَعْدَ انْقِضَاءِ الْخِيَارِ كَمَا سَيَأْتِي عَلَى الْأَثَرِ

(وَلَوْ مَضَى زَمَنُ اسْتِبْرَاءٍ) عَلَى أَمَةٍ (بَعْدَ الْمِلْكِ وَقَبْلَ الْقَبْضِ) (حُسِبَ) زَمَنُهُ (إنْ مَلَكَ) هَا (بِإِرْثٍ) لِأَنَّ الْمِلْكَ بِهِ مَقْبُوضٌ حُكْمًا، وَإِنْ لَمْ يَحْصُلْ الْقَبْضُ حِسًّا بِدَلِيلِ صِحَّةِ بَيْعِهِ تَنْبِيهٌ قَوْلُ ابْنِ الرِّفْعَةِ: مَحَلُّهُ أَنْ تَكُونَ مَقْبُوضَةً لِلْمُوَرِّثِ، أَمَّا لَوْ ابْتَاعَهَا ثُمَّ مَاتَ قَبْلَ قَبْضِهَا لَمْ يُعْتَدَّ بِاسْتِبْرَائِهَا إلَّا بَعْدَ أَنْ يَقْبِضَهَا الْوَارِثُ مَبْنِيٌّ عَلَى ضَعِيفٍ كَمَا يُعْلَمُ مِنْ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ (وَكَذَا شِرَاءٍ) مُلِكَتْ بِهِ الْأَمَةُ وَنَحْوِهِ مِنْ الْمُعَاوَضَاتِ بَعْدَ لُزُومِهَا فَإِنَّهُ كَمِلْكِ الْأَمَةِ بِإِرْثٍ (فِي الْأَصَحِّ) لِأَنَّ الْمِلْكَ لَازِمٌ فَأَشْبَهَ مَا بَعْدَ الْقَبْضِ وَالثَّانِي: لَا يُحْسَبُ لِعَدَمِ اسْتِقْرَارِ الْمِلْكِ، أَمَّا إذَا جَرَى الِاسْتِبْرَاءُ فِي زَمَنِ الْخِيَارِ فَإِنَّهُ لَا يُعْتَدُّ بِهِ إنْ قُلْنَا: الْمِلْكُ لِلْبَائِعِ أَوْ مَوْقُوفٌ، وَكَذَا لِلْمُشْتَرِي عَلَى الْأَصَحِّ لِضَعْفِ الْمِلْكِ، فَلَوْ قَيَّدَ الْمُصَنِّفُ الْمِلْكَ بِالتَّامِّ لَخَرَجَتْ هَذِهِ الصُّورَةُ فَإِنْ قِيلَ: قَدْ سَبَقَ فِي بَابِ الْخِيَارِ: أَنَّ الْخِيَارَ إذَا كَانَ لِلْمُشْتَرِي فَقَطْ أَنَّهُ يَحِلُّ لَهُ وَطْؤُهَا وَيَلْزَمُ مِنْ حِلِّهِ الِاعْتِدَادُ بِالِاسْتِبْرَاءِ فِي زَمَنِ الْخِيَارِ.
أُجِيبَ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِالْحِلِّ هُنَاكَ ارْتِفَاعُ التَّحْرِيمِ الْمُسْتَنِدِ لِضَعْفِ الْمِلْكِ وَانْقِطَاعُ سَلْطَنَةِ الْبَائِعِ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِحَقِّهِ، وَإِنْ بَقِيَ التَّحْرِيمُ الْمُسْتَنِدُ لِضَعْفِ الْمِلْكِ، وَانْقِطَاعُ التَّحْرِيمِ لِمَعْنًى آخَرَ وَهُوَ الِاسْتِبْرَاءُ، وَقَدْ مَرَّتْ الْإِشَارَةُ إلَى ذَلِكَ فِي بَابِ الْخِيَارِ (لَا هِبَةٍ) جَرَى الِاسْتِبْرَاءُ بَعْدَ عَقْدِهَا وَقَبْلَ قَبْضِهَا فَلَا يُعْتَدُّ بِهِ لِتَوَقُّفِ الْمِلْكِ فِيهَا عَلَى الْقَبْضِ كَمَا مَرَّ فِي بَابِهَا فَإِنْ قِيلَ: إنَّ عِبَارَةَ الْمُصَنِّفِ تُوهِمُ أَنَّ هَذِهِ الصُّورَةَ مِنْ صُوَرِ الِاسْتِبْرَاءِ بَعْدَ الْمِلْكِ وَقَبْلَ الْقَبْضِ وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّهَا لَا تُمْلَكُ إلَّا بِالْقَبْضِ.
أُجِيبَ بِدَفْعِ ذَلِكَ، إذْ شَرْطُ الْعَطْفِ بِلَا أَنْ يَكُونَ مَا بَعْدَهَا غَيْرَ صَادِقٍ عَلَى مَا قَبْلَهَا كَمَا قَالَهُ السُّهَيْلِيُّ، وَتَقَدَّمَتْ الْإِشَارَةُ إلَى ذَلِكَ فِي قَوْلِ الْمَتْنِ فِي كِتَابِ الطَّهَارَةِ وَقِيلَ: طَاهِرٌ لَا طَهُورٌ

تَنْبِيهٌ الْأَمَةُ الْمُوصَى بِهَا إذَا مَضَى زَمَنُ الِاسْتِبْرَاءِ بَعْدَ مَوْتِ الْمُوصِي وَبَعْدَ قَبُولِ الْمُوصَى لَهُ يُحْسَبُ كَمَا فِي الْإِرْثِ، وَكَذَا بَعْدَ مَوْتِ الْمُوصِي وَقَبْلَ الْمُوصَى لَهُ كَمَا قَالَهُ الرَّافِعِيُّ فَإِنْ قِيلَ: هَلَّا كَانَ ذَلِكَ كَمَغِيبِهَا فِي مُدَّةِ خِيَارِ الْمُشْتَرِي وَهُوَ لَا يَحْصُلُ كَمَا مَرَّ؟ . أُجِيبَ بِأَنَّ الْمِلْكَ فِي الْمُوصَى بِهَا بَعْدَ الْمَوْتِ أَقْوَى مِنْ مِلْكِ الْمُشْتَرِي لَهَا فِي زَمَنِ الْخِيَارِ ثُمَّ أَشَارَ الْمُصَنِّفُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لِقَاعِدَةٍ وَهِيَ أَنَّ كُلَّ اسْتِبْرَاءٍ لَا يَتَعَلَّقُ بِهِ اسْتِبَاحَةُ وَطْءٍ لَا يُعْتَدُّ بِهِ بِقَوْلِهِ

(وَلَوْ اشْتَرَى) أَمَةً (مَجُوسِيَّةً) أَوْ نَحْوَهَا كَمُرْتَدَّةٍ (فَحَاضَتْ) أَوْ وُجِدَ مِنْهَا مَا يَحْصُلُ بِهِ الِاسْتِبْرَاءُ مِنْ وَضْعِ حَمْلٍ أَوْ مُضِيِّ شَهْرٍ لِغَيْرِ ذَوَاتِ الْأَقْرَاءِ (ثُمَّ أَسْلَمَتْ) بَعْدَ انْقِضَاءِ ذَلِكَ أَوْ فِي أَثْنَائِهِ (لَمْ

وَيَحْرُمُ الِاسْتِمْتَاعُ بِالْمُسْتَبْرَأَةِ إلَّا مَسْبِيَّةً فَيَحِلُّ غَيْرُ وَطْءٍ وَقِيلَ لَا

وَإِذَا قَالَتْ: حِضْت صُدِّقَتْ، وَلَوْ مَنَعَتْ السَّيِّدَ فَقَالَ: أَخْبَرْتنِي بِتَمَامِ الِاسْتِبْرَاءِ صُدِّقَ

[مغني المحتاج]

يَكْفِ) هَذَا الِاسْتِبْرَاءُ فِي الْأَصَحِّ؛ لِأَنَّهُ لَا يَسْتَعْقِبُ حِلَّ الِاسْتِمْتَاعِ الَّذِي هُوَ الْقَصْدُ فِي الِاسْتِبْرَاءِ وَالثَّانِي يُكْتَفَى بِذَلِكَ لِوُقُوعِهِ فِي الْمِلْكِ الْمُسْتَقِرِّ تَنْبِيهٌ يَلْتَحِقُ بِشِرَاءِ الْمَجُوسِيَّةِ وَنَحْوِهَا مَا لَوْ اشْتَرَى الْعَبْدُ الْمَأْذُونُ جَارِيَةً وَكَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ، فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ لِلسَّيِّدِ وَطْؤُهَا وَلَوْ مَضَتْ مُدَّةُ الِاسْتِبْرَاءِ، فَإِذَا زَالَ الدَّيْنُ بِقَضَاءٍ أَوْ إبْرَاءٍ لَمْ يَكْفِ مَا حَصَلَ مِنْ الِاسْتِبْرَاءِ قَبْلَهُ فِي الْأَصَحِّ، وَهَلْ يُعْتَدُّ بِاسْتِبْرَاءِ الْمَرْهُونَةِ فَلَا تَجِبُ إعَادَتُهُ بَعْدَ انْفِكَاكِ الرَّهْنِ أَوْ لَا؟ جَرَى ابْنُ الْمُقْرِي عَلَى الْأَوَّلِ تَبَعًا لِلرُّويَانِيِّ، وَجَرَى الْأَذْرَعِيُّ وَغَيْرُهُ عَلَى الثَّانِي تَبَعًا لِابْنِ الصَّبَّاغِ، وَهُوَ أَوْجَهُ، إذَا تَعَلَّقَ الْغُرَمَاءُ بِمَا فِي يَدِ الْعَبْدِ إنْ لَمْ يَنْقُصْ عَنْ تَعَلُّقِ حَقِّ الْمُرْتَهِنِ لَا يَزِيدُ عَلَيْهِ

(وَيَحْرُمُ الِاسْتِمْتَاعُ بِالْمُسْتَبْرَأَةِ) قَبْلَ انْقِضَاءِ الِاسْتِبْرَاءِ بِوَطْءٍ لِمَا مَرَّ وَغَيْرُهُ كَقُبْلَةٍ وَنَظَرٍ بِشَهْوَةٍ قِيَاسًا عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ يُؤَدِّي إلَى الْوَطْءِ الْمُحَرَّمِ، وَإِذَا طَهُرَتْ مِنْ الْحَيْضِ حَلَّ مَا عَدَا الْوَطْءَ عَلَى الصَّحِيحِ وَبَقِيَ تَحْرِيمُ الْوَطْءِ إلَى الِاغْتِسَالِ (إلَّا) مُسْتَبْرَأَةً (مَسْبِيَّةً) وَقَعَتْ فِي سَهْمِهِ مِنْ الْغَنِيمَةِ (فَيَحِلُّ) لَهُ مِنْهَا (غَيْرُ وَطْءٍ) مِنْ أَنْوَاعِ الِاسْتِمْتَاعَاتِ لِمَفْهُومِ الْخَبَرِ السَّابِقِ، وَلِمَا رَوَى الْبَيْهَقِيُّ عَنْ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - أَنَّهُ قَالَ: " وَقَعَتْ فِي سَهْمِي جَارِيَةٌ مِنْ سَبْيِ جَلُولَاءَ فَنَظَرْتُ إلَيْهَا فَإِذَا عُنُقُهَا مِثْلُ إبْرِيقِ الْفِضَّةِ فَلَمْ أَتَمَالَكْ أَنْ قَبَّلْتُهَا وَالنَّاسُ يَنْظُرُونَ وَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيَّ أَحَدٌ مِنْ الصَّحَابَةِ " وَجَلُولَاءُ بِفَتْحِ الْجِيمِ وَالْمَدِّ قَرْيَةٌ مِنْ نَوَاحِي فَارِسَ، وَالنِّسْبَةُ إلَيْهَا جَلُولِيٌّ عَلَى غَيْرِ قِيَاسٍ، فُتِحَتْ يَوْمَ الْيَرْمُوكِ سَنَةَ سَبْعَ عَشْرَةَ مِنْ الْهِجْرَةِ فَبَلَغَتْ غَنَائِمُهَا ثَمَانِيَةَ عَشَرَ أَلْفَ أَلْفٍ، وَفَارَقَتْ الْمَسْبِيَّةُ غَيْرَهَا بِأَنَّ غَايَتَهَا أَنْ تَكُونَ مُسْتَوْلَدَةَ حَرْبِيٍّ وَذَلِكَ لَا يَمْنَعُ الْمِلْكَ، وَإِنَّمَا حَرُمَ وَطْؤُهَا صِيَانَةً لِمَائِهِ لِئَلَّا يَخْتَلِطَ بِمَاءِ حَرْبِيٍّ لَا لِحُرْمَةِ مَاءِ الْحَرْبِيِّ (وَقِيلَ: لَا) يَحِلُّ الِاسْتِمْتَاعُ بِالْمَسْبِيَّةِ أَيْضًا كَغَيْرِهَا وَهُوَ مَا نَصَّ عَلَيْهِ فِي الْأُمِّ كَمَا حَكَاهُ فِي الْمُهِمَّاتِ، وَالْمُشْتَرَاةُ مِنْ حَرْبِيٍّ كَالْمَسْبِيَّةِ كَمَا قَالَهُ صَاحِبُ الِاسْتِقْصَاءِ إلَّا أَنْ يُعْلَمَ أَنَّهَا انْتَقَلَتْ إلَيْهِ مِنْ مُسْلِمٍ أَوْ ذِمِّيٍّ وَنَحْوِهِ وَالْعَهْدُ قَرِيبٌ، وَخَرَجَ بِالِاسْتِمْتَاعِ الِاسْتِخْدَامُ فَلَا يَحْرُمُ، وَلَا يُفْهَمُ مِنْ تَحْرِيمِ الِاسْتِمْتَاعِ تَحْرِيمُ الْخَلْوَةِ بِهَا وَيَدُلُّ لَهُ قَوْلُهُمْ: وَلَا تُزَالُ يَدُ السَّيِّدِ عَنْ أَمَتِهِ الْمُسْتَبْرَأَةِ مُدَّةَ الِاسْتِبْرَاءِ وَإِنْ كَانَتْ حَسْنَاءَ بَلْ هُوَ مُؤْتَمَنٌ فِيهِ شَرْعًا؛ لِأَنَّ سَبَايَا أَوْطَاسٍ لَمْ يُنْتَزَعْنَ مِنْ أَيْدِي أَصْحَابِهِنَّ، فَإِنْ وَطِئَهَا السَّيِّدُ قَبْلَ الِاسْتِبْرَاءِ أَوْ فِي أَثْنَائِهِ لَمْ يَنْقَطِعْ الِاسْتِبْرَاءُ وَإِنْ أَثِمَ بِهِ، فَإِنْ حَبِلَتْ مِنْهُ قَبْلَ الْحَيْضِ بَقِيَ التَّحْرِيمُ حَتَّى تَضَعَ، أَوْ فِي أَثْنَائِهِ حَلَّتْ بِانْقِطَاعِهِ لِتَمَامِهِ قَالَ الْإِمَامُ: هَذَا إنْ مَضَى قَبْلَ وَطْئِهِ أَقَلُّ الْحَيْضِ وَإِلَّا فَلَا تَحِلُّ لَهُ حَتَّى تَضَعَ كَمَا لَوْ أَحْبَلَهَا قَبْلَ الْحَيْضِ اهـ وَهُوَ حَسَنٌ

(وَإِذَا قَالَتْ) أَمَةٌ فِي زَمَنِ اسْتِبْرَائِهَا (حِضْتُ صُدِّقَتْ) بِلَا يَمِينٍ؛ لِأَنَّهُ لَا يُعْلَمُ إلَّا مِنْهَا غَالِبًا، وَإِنَّمَا لَمْ تُحَلَّفْ لِأَنَّهَا لَوْ نَكَلَتْ لَمْ يَقْدِرْ السَّيِّدُ عَلَى الْحَلِفِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ (وَلَوْ مَنَعَتْ السَّيِّدَ) الْوَطْءَ (فَقَالَ) لَهَا أَنْتِ (أَخْبَرْتِنِي بِتَمَامِ الِاسْتِبْرَاءِ صُدِّقَ) السَّيِّدُ فِي

وَلَا تَصِيرُ أَمَةٌ فِرَاشًا إلَّا بِوَطْءٍ، فَإِذَا وَلَدَتْ لِلْإِمْكَانِ مِنْ وَطْئِهِ لَحِقَهُ

وَلَوْ أَقَرَّ بِوَطْءٍ وَنَفَى الْوَلَدَ وَادَّعَى اسْتِبْرَاءً لَمْ يَلْحَقْهُ عَلَى الْمَذْهَبِ،

[مغني المحتاج]

تَمَامِهِ؛ لِأَنَّ الِاسْتِبْرَاءَ مُفَوَّضٌ إلَى أَمَانَتِهِ فَيَحِلُّ وَطْؤُهَا قَبْلَ غُسْلِهَا تَنْبِيهٌ قَضِيَّةُ كَلَامِهِ تَصْدِيقُهُ بِلَا يَمِينٍ، وَاَلَّذِي صَحَّحَهُ فِي زِيَادَةِ الرَّوْضَةِ أَنَّ لَهَا تَحْلِيفَهُ قَالَ: وَعَلَيْهَا الِامْتِنَاعُ بَاطِنًا مِنْ تَمْكِينِهِ إنْ تَحَقَّقَتْ بَقَاءَ شَيْءٍ مِنْ زَمَنِ الِاسْتِبْرَاءِ، وَإِنْ أَبَحْنَاهَا لَهُ فِي الظَّاهِرِ فَرْعَانِ: لَوْ ادَّعَى السَّيِّدُ حَيْضَهَا فَأَنْكَرَتْ صُدِّقَتْ كَمَا جَزَمَ بِهِ الْإِمَامُ، وَلَوْ وُرِثَتْ أَمَةٌ فَادَّعَتْ أَنَّهَا حَرَامٌ عَلَيْهِ بِوَطْءِ مُوَرِّثِهِ فَأَنْكَرَ صُدِّقَ بِيَمِينِهِ

(وَلَا تَصِيرُ أَمَةٌ فِرَاشًا) لِسَيِّدِهَا (إلَّا بِوَطْءٍ) لَا بِمُجَرَّدِ الْمِلْكِ بِالْإِجْمَاعِ: كَمَا نَقَلَهُ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَغَيْرُهُ وَلَا بِالْخَلْوَةِ بِهَا وَلَا بِوَطْئِهَا فِيمَا دُونَ الْفَرْجِ فَلَا يَلْحَقُهُ وَلَدُهَا، وَإِنْ أَمْكَنَ كَوْنُهُ مِنْهُ بِخِلَافِ الزَّوْجَةِ فَإِنَّهَا تَكُونُ فِرَاشًا بِمُجَرَّدِ الْخَلْوَةِ بِهَا حَتَّى إذَا وَلَدَتْ لِلْإِمْكَانِ مِنْ الْخَلْوَةِ بِهَا لَحِقَهُ، وَإِنْ لَمْ يَعْتَرِفْ بِالْوَطْءِ؛ لِأَنَّ مَقْصُودَ النِّكَاحِ التَّمَتُّعُ وَالْوَلَدُ فَاكْتُفِيَ فِيهِ بِالْإِمْكَانِ مِنْ الْخَلْوَةِ، وَمِلْكُ الْيَمِينِ قَدْ يُقْصَدُ بِهِ التِّجَارَةُ وَالِاسْتِخْدَامُ، فَلَا يُكْتَفَى فِيهِ بِالْإِمْكَانِ مِنْ الْوَطْءِ وَيُعْلَمُ الْوَطْءُ بِإِقْرَارِهِ بِهِ أَوْ بِالْبَيِّنَةِ عَلَى الْوَطْءِ أَوْ عَلَى إقْرَارِهِ تَنْبِيهٌ شَمِلَ إطْلَاقُهُ الْوَطْءَ فِي الدُّبُرِ، وَقَدْ اضْطَرَبَ فِيهِ كَلَامُهُمَا فَصَحَّحَا فِي آخِرِ هَذَا الْبَابِ أَنَّهُ لَا يَلْحَقُهُ، وَصَحَّحَا فِي الْبَابِ التَّاسِعِ مِنْ كِتَابِ النِّكَاحِ اللُّحُوقَ، وَكَذَا فِي كِتَابِ الطَّلَاقِ وَاللِّعَانِ.
وَالْأَوْجَهُ عَدَمُ اللُّحُوقِ، فَقَدْ قَالَ الْإِمَامُ: الْقَوْلُ بِاللُّحُوقِ ضَعِيفٌ لَا أَصْلَ لَهُ، وَهُوَ يَرُدُّ عَلَى مَنْ جَمَعَ بَيْنَهُمَا بِحَمْلِ مَا هُنَا عَلَى الْأَمَةِ، وَمَا فِي النِّكَاحِ عَلَى الْحُرَّةِ ثُمَّ أَشَارَ لِفَائِدَةِ كَوْنِ الْأَمَةِ فِرَاشًا بِقَوْلِهِ (فَإِذَا وَلَدَتْ لِلْإِمْكَانِ مِنْ وَطْئِهِ) أَيْ السَّيِّدِ (لَحِقَهُ) الْوَلَدُ وَإِنْ لَمْ يَعْتَرِفْ بِهِ لِثُبُوتِ الْفِرَاشِ بِالْوَطْءِ لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أَلْحَقَ الْوَلَدَ بِزَمْعَةَ مِنْ غَيْرِ إقْرَارٍ مِنْهُ وَلَا مِنْ وَارِثِهِ بِالِاسْتِيلَادِ، وَقَالَ: الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ وَلِلْعَاهِرِ أَيْ الزَّانِي الْحَجَرُ» : أَيْ الرَّجْمُ إذَا كَانَ مُحْصَنًا كَمَا مَرَّ، وَفِي مَعْنَى الْوَطْءِ مَا إذَا اسْتَدْخَلَتْ مَاءَهُ الْمُحْتَرَمَ

(وَلَوْ أَقَرَّ) السَّيِّدُ (بِوَطْءٍ) لِأَمَتِهِ (وَنَفَى الْوَلَدَ) مِنْهَا (وَادَّعَى) بَعْدَ وَطْئِهَا (اسْتِبْرَاءً) مِنْهَا بِحَيْضَةٍ كَامِلَةٍ وَأَتَى الْوَلَدُ لِسِتَّةِ أَشْهُرٍ فَأَكْثَرَ مِنْهَا إلَى أَرْبَعِ سِنِينَ (لَمْ يَلْحَقْهُ) الْوَلَدُ (عَلَى الْمَذْهَبِ) الْمَنْصُوصِ، وَفِي قَوْلٍ يَلْحَقُهُ تَخْرِيجًا مِنْ نَصِّهِ فِيمَا إذَا طَلَّقَ زَوْجَتَهُ وَمَضَتْ ثَلَاثَةُ أَقْرَاءٍ ثُمَّ أَتَتْ بِوَلَدٍ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ يَلْحَقُهُ.
وَأَجَابَ الْأَوَّلُ بِأَنَّ فِرَاشَ النِّكَاحِ أَقْوَى مِنْ فِرَاشِ التَّسَرِّي إذْ لَا بُدَّ فِيهِ مِنْ الْإِقْرَارِ بِالْوَطْءِ أَوْ الْبَيِّنَةِ عَلَيْهِ وَقَدْ عَارَضَ الْوَطْءُ هُنَا الِاسْتِبْرَاءَ فَلَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ اللُّحُوقُ، وَلَا بُدَّ مِنْ حَلِفِهِ مَعَ دَعْوَى الِاسْتِبْرَاءِ لِأَجْلِ حَقِّ الْوَلَدِ أَمَّا إذَا أَتَى الْوَلَدُ لِأَقَلَّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ مِنْ الِاسْتِبْرَاءِ فَيَلْحَقُهُ لِلْعِلْمِ بِأَنَّهَا كَانَتْ حَامِلًا حِينَئِذٍ تَنْبِيهٌ وَقَعَ فِي أَصْلِ الرَّوْضَةِ هُنَا أَنَّ لَهُ نَفْيَهُ حِينَئِذٍ بِاللِّعَانِ قَالَ عَلَى الصَّحِيحِ كَمَا سَبَقَ فِي

فَإِنْ أَنْكَرَتْ الِاسْتِبْرَاءَ خُلِّفَ أَنَّ الْوَلَدَ لَيْسَ مِنْهُ، وَقِيلَ: يَجِبُ تَعَرُّضُهُ لِلِاسْتِبْرَاءِ

وَلَوْ ادَّعَتْ اسْتِيلَادًا فَأَنْكَرَ أَصْلَ الْوَطْءِ، وَهُنَاكَ وَلَدٌ لَمْ يُحَلَّفْ عَلَى الصَّحِيحِ

وَلَوْ قَالَ: وَطِئْتهَا وَعَزَلْت لَحِقَهُ فِي الْأَصَحِّ

[مغني المحتاج]

اللِّعَانِ اهـ. وَنُسِبَ فِي ذَلِكَ لِلسَّهْوِ، فَإِنَّ السَّابِقَ هُنَاكَ تَصْحِيحُ الْمَنْعِ وَهُوَ كَذَلِكَ هُنَا فِي كَلَامِ الرَّافِعِيِّ (فَإِنْ أَنْكَرَتْ) الْأَمَةُ (الِاسْتِبْرَاءَ حُلِّفَ) بِضَمِّ أَوَّلِهِ بِخَطِّهِ أَيْ السَّيِّدُ عَلَى الصَّحِيحِ، وَيَكْفِي فِيهِ (أَنَّ الْوَلَدَ لَيْسَ مِنْهُ) وَإِنْ لَمْ يَتَعَرَّضْ لِلِاسْتِبْرَاءِ كَمَا فِي نَفْيِ وَلَدِ الْحُرَّةِ، وَهَلْ يَقُولُ فِي حَلِفِهِ: اسْتَبْرَأْتُهَا قَبْلَ سِتَّةِ أَشْهُرٍ مِنْ وِلَادَتِهَا هَذَا الْوَلَدَ، أَوْ يَقُولُ: وَلَدَتْهُ بَعْدَ سِتَّةِ أَشْهُرٍ مِنْ اسْتِبْرَائِي؟ فِيهِ وَجْهَانِ: وَيَظْهَرُ أَنَّهُ يَكْفِي كُلٌّ مِنْهُمَا (وَقِيلَ: يَجِبُ) مَعَ حَلِفِهِ الْمَذْكُورِ (تَعَرُّضُهُ لِلِاسْتِبْرَاءِ) أَيْضًا لِيُثْبِتَ بِذَلِكَ دَعْوَاهُ

فَرْعٌ: لَوْ وَطِئَ أَمَتَهُ وَاسْتَبْرَأَهَا ثُمَّ أَعْتَقَهَا ثُمَّ أَتَتْ لِسِتَّةِ أَشْهُرٍ مِنْ الْعِتْقِ لَمْ يَلْحَقْهُ (وَلَوْ ادَّعَتْ) الْأَمَةُ (اسْتِيلَادًا فَأَنْكَرَ) السَّيِّدُ (أَصْلَ الْوَطْءِ وَهُنَاكَ وَلَدٌ لَمْ يُحَلَّفْ) سَيِّدُهَا (عَلَى الصَّحِيحِ) لِمُوَافَقَتِهِ لِلْأَصْلِ مِنْ عَدَمِ الْوَطْءِ وَكَانَ الْوَلَدُ مَنْفِيًّا عَنْهُ، وَإِنَّمَا حُلِّفَ فِي الصُّورَةِ السَّابِقَةِ؛ لِأَنَّهُ سَبَقَ مِنْهُ الْإِقْرَارُ بِمَا يَقْتَضِي ثُبُوتَ النَّسَبِ فَلَا مَعْنَى لِلتَّحْلِيفِ وَالثَّانِي: يُحَلَّفُ أَنَّهُ مَا وَطِئَهَا؛ لِأَنَّهُ لَوْ اعْتَرَفَ ثَبَتَ النَّسَبُ، فَإِذَا أَنْكَرَ حُلِّفَ، وَخَرَجَ بِقَوْلِهِ: هُنَاكَ وَلَدٌ مَا إذَا لَمْ يَكُنْ فَإِنَّهُ لَا يُحَلَّفُ جَزْمًا كَمَا قَالَاهُ تَبَعًا لِلْإِمَامِ تَنْبِيهٌ أَفْهَمَ كَلَامُهُ صِحَّةَ دَعْوَى الْأَمَةِ الِاسْتِيلَادَ وَهُوَ كَذَلِكَ فِي، الْأَصَحِّ

(وَلَوْ قَالَ) سَيِّدُ الْأَمَةِ (وَطِئْتُهَا وَعَزَلْتُ) وَقْتَ الْإِنْزَالِ مَائِي عَنْهَا (لَحِقَهُ) الْوَلَدُ (فِي الْأَصَحِّ) لِأَنَّ الْمَاءَ سَبَّاقٌ لَا يَدْخُلُ تَحْتَ الِاخْتِيَارِ فَيَسْبِقُهُ إلَى الرَّحِمِ وَهُوَ لَا يُحِسُّ بِهِ، وَلِأَنَّ أَحْكَامَ الْوَطْءِ لَا يُشْتَرَطُ فِيهَا الْإِنْزَالُ وَالثَّانِي: لَا يَلْحَقُهُ كَدَعْوَى الِاسْتِبْرَاءِ

خَاتِمَةٌ: لَوْ كَانَ السَّيِّدُ مَجْبُوبَ الذَّكَرِ بَاقِي الْأُنْثَيَيْنِ وَأَتَتْ بِوَلَدٍ لَمْ يَلْحَقْهُ لِانْتِفَاءِ فِرَاشِ الْأَمَةِ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يَثْبُتُ بِمَا مَرَّ وَهُوَ مُنْتَفٍ هُنَا وَقَوْلُ الْبُلْقِينِيُّ: الْأَقْرَبُ عِنْدِي أَنَّهُ يَلْحَقُهُ إلَّا أَنْ يَنْفِيَهُ بِالْيَمِينِ مَمْنُوعٌ، أَوْ مَحْمُولٌ عَلَى مَا إذَا اسْتَدْخَلَتْ مَاءَهُ، وَلَوْ اشْتَرَى زَوْجَتَهُ وَأَتَتْ بِوَلَدٍ يُمْكِنُ كَوْنُهُ مِنْ النِّكَاحِ وَالْمِلْكِ بِأَنْ وَلَدَتْهُ لِسِتَّةِ أَشْهُرٍ فَأَكْثَرَ مِنْ الْوَطْءِ بَعْدَ الشِّرَاءِ، وَأَقَلَّ مِنْ أَرْبَعِ سِنِينَ مِنْ النِّكَاحِ لَمْ تَصِرْ أُمَّ وَلَدٍ لِانْتِفَاءِ لُحُوقِهِ بِمِلْكِ الْيَمِينِ إلَّا إنْ أَقَرَّ بِوَطْءٍ بَعْدَ الْمِلْكِ بِغَيْرِ دَعْوَى اسْتِبْرَاءٍ يُمْكِنُ حُدُوثُ الْوَلَدِ بَعْدَهُ بِأَنْ لَمْ يَدَّعِهِ، أَوْ ادَّعَاهُ وَوَلَدَتْ لِدُونِ سِتَّةِ أَشْهُرٍ مِنْ الِاسْتِبْرَاءِ فَتَصِيرُ أُمَّ وَلَدٍ لِلْحُكْمِ بِلُحُوقِهِ بِمِلْكِ الْيَمِينِ، وَلَا يَمْنَعُ مِنْ ذَلِكَ احْتِمَالُ كَوْنِهِ مِنْ النِّكَاحِ، إذْ الظَّاهِرُ فِي ذَلِكَ أَنَّهُ مِنْ مِلْكِ الْيَمِينِ، وَلَوْ زَوَّجَ أَمَتَهُ فَطَلُقَتْ قَبْلَ الدُّخُولِ وَأَقَرَّ السَّيِّدُ بِوَطْئِهَا فَوَلَدَتْ وَلَدًا لِزَمَنٍ يُحْتَمَلُ كَوْنُهُ مِنْهُمَا لَحِقَ السَّيِّدَ عَمَلًا بِالظَّاهِرِ، وَصَارَتْ أُمَّ وَلَدٍ لِلْحُكْمِ بِلُحُوقِ الْوَلَدِ بِمِلْكِ الْيَمِينِ.

كِتَابُ الرَّضَاعِ إنما يثبت

[مغني المحتاج]

[كِتَابُ الرَّضَاعِ]

ِ هُوَ - بِفَتْحِ الرَّاءِ، وَيَجُوزُ كَسْرُهَا، وَإِثْبَاتُ التَّاءِ مَعَهُمَا - لُغَةً: اسْمٌ لِمَصِّ الثَّدْيِ وَشُرْبِ لَبَنِهِ وَشَرْعًا: اسْمٌ لِحُصُولِ لَبَنِ امْرَأَةٍ أَوْ مَا حَصَلَ مِنْهُ فِي مَعِدَةِ طِفْلٍ أَوْ دِمَاغِهِ وَالْأَصْلُ فِي تَحْرِيمِهِ قَبْلَ الْإِجْمَاعِ الْآيَةُ وَالْخَبَرُ الْآيَتَانِ، وَإِنَّمَا جُعِلَ الرَّضَاعُ سَبَبًا لِلتَّحْرِيمِ؛ لِأَنَّ جُزْءَ الْمُرْضِعَةِ وَهُوَ اللَّبَنُ صَارَ جُزْءًا لِلرَّضِيعِ بِاغْتِذَائِهِ بِهِ فَأَشْبَهَ مَنِيَّهَا فِي النَّسَبِ، وَتَقَدَّمَتْ الْحُرْمَةُ بِهِ فِي بَابِ مَا يَحْرُمُ مِنْ النِّكَاحِ، وَالْكَلَامُ الْآنَ فِي بَيَانِ مَا يَحْصُلُ بِهِ وَحُكْمِ عُرُوضِهِ بَعْدَ النِّكَاحِ وَغَيْرِهِمَا مِمَّا سَيَأْتِي وَأَرْكَانُهُ ثَلَاثَةٌ: مُرْضِعٌ، وَلَبَنٌ وَرَضِيعٌ وَبَدَأَ بِالرُّكْنِ الْأَوَّلِ فَقَالَ (إنَّمَا يَثْبُتُ) بِالنِّسْبَةِ لِأَحْكَامِهِ الْآتِيَةِ مِنْ تَحْرِيمِ النِّكَاحِ وَثُبُوتِ الْمَحْرَمِيَّةِ الْمُفِيدَةِ جَوَازَ النَّظَرِ، وَالْخَلْوَةِ،

بِلَبَنِ امْرَأَةٍ حَيَّةٍ بَلَغَتْ تِسْعَ سِنِينَ،

[مغني المحتاج]

وَعَدَمِ نَقْضِ الْوُضُوءِ بِالْمَسِّ لَا بِالنِّسْبَةِ لِإِرْثٍ، وَنَفَقَةٍ، وَعِتْقٍ بِمِلْكٍ، وَسُقُوطِ قَوَدٍ وَرَدِّ شَهَادَةٍ وَغَيْرِهَا مِنْ أَحْكَامِ النَّسَبِ الْمُخْتَصَّةِ بِهِ (بِلَبَنِ امْرَأَةٍ) آدَمِيَّةٍ خَلِيَّةٍ أَوْ مُزَوَّجَةٍ (حَيَّةٍ) حَيَاةً مُسْتَقِرَّةً حَالَ انْفِصَالِهِ مِنْهَا (بَلَغَتْ تِسْعَ سِنِينَ) قَمَرِيَّةً تَقْرِيبًا وَإِنْ لَمْ يُحْكَمْ بِبُلُوغِهَا بِذَلِكَ، فَخَرَجَ بِاللَّبَنِ غَيْرُهُ كَأَنْ امْتَصَّ مِنْ الثَّدْيِ دَمًا أَوْ قَيْحًا، وَبِامْرَأَةٍ ثَلَاثَةُ أُمُورٍ: أَحَدُهَا الرَّجُلُ فَلَا يَثْبُتُ بِلَبَنِهِ عَلَى الصَّحِيحِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مُعَدًّا لِلتَّغْذِيَةِ فَلَمْ يَتَعَلَّقْ بِهِ التَّحْرِيمُ كَغَيْرِهِ مِنْ الْمَائِعَاتِ، لَكِنْ يُكْرَهُ وَلِفَرْعِهِ نِكَاحُ مَنْ ارْتَضَعَتْ مِنْهُ كَمَا نَصَّ عَلَيْهِ فِي الْأُمِّ وَالْبُوَيْطِيِّ ثَانِيهَا: الْخُنْثَى الْمُشْكِلُ، وَالْمَذْهَبُ تَوَقُّفُهُ إلَى الْبَيَانِ، فَإِنْ بَانَتْ أُنُوثَتُهُ حُرِّمَ وَإِلَّا فَلَا، وَإِنْ مَاتَ قَبْلَهُ لَمْ يَثْبُتْ التَّحْرِيمُ فَلِلرَّضِيعِ نِكَاحُ أُمِّ الْخُنْثَى وَنَحْوِهَا كَمَا نَقَلَهُ الْأَذْرَعِيُّ عَنْ الْمُتَوَلِّي وَأَقَرَّاهُ ثَالِثُهَا: الْبَهِيمَةُ، فَلَوْ ارْتَضَعَ صَغِيرَانِ مِنْ شَاةٍ مَثَلًا لَمْ يَثْبُتْ بَيْنَهُمَا أُخُوَّةٌ فَتَحِلُّ مُنَاكَحَتُهُمَا؛ لِأَنَّ الْأُخُوَّةَ فَرْعُ الْأُمُومَةِ، فَإِذَا لَمْ يَثْبُتْ الْأَصْلُ لَمْ يَثْبُتْ الْفَرْعُ، وَبِآدَمِيَّةٍ، وَلَوْ عَبَّرَ بِهَا بَدَلَ الْمَرْأَةِ كَمَا عَبَّرَ بِهِ الشَّافِعِيُّ لَكَانَ أَوْلَى، وَاسْتَغْنَى عَمَّا قَدَّرْته فِي كَلَامِهِ الْجِنِّيَّةَ إنْ تُصُوِّرَ رَضَاعُهَا بِنَاءً عَلَى عَدَمِ صِحَّةِ تَنَاكُحِهِمْ، وَهُوَ الرَّاجِحُ كَمَا مَرَّ؛ لِأَنَّ الرَّضَاعَ تِلْوُ النَّسَبِ بِدَلِيلِ «يَحْرُمُ مِنْ الرَّضَاعِ مَا يَحْرُمُ مِنْ النَّسَبِ» وَاَللَّهُ قَطَعَ النَّسَبَ بَيْنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ، قَالَهُ الزَّرْكَشِيُّ، وَبِالْحَيَّةِ لَبَنُ الْمَيِّتَةِ فَإِنَّهُ لَا يُحَرِّمُ؛ لِأَنَّهُ مِنْ لَبَنِ جُثَّةٍ مُنْفَكَّةٍ عَنْ الْحِلِّ وَالْحُرْمَةِ كَالْبَهِيمَةِ، وَقِيلَ: يُحَرِّمُ، وَبِهِ قَالَ الْأَئِمَّةُ الثَّلَاثَةُ؛ لِأَنَّ الْمَعْنَى الَّذِي يَقَعُ بِهِ التَّحْرِيمُ هُوَ اللَّبَنُ، وَلَا يُقَالُ: مَاتَ اللَّبَنُ بِمَوْتِهَا؛ لِأَنَّ اللَّبَنَ لَا يَمُوتُ، غَيْرَ أَنَّهُ فِي ظَرْفٍ مَيِّتٍ، فَهُوَ كَلَبَنِ آدَمِيَّةٍ حَيَّةٍ جُعِلَ فِي سِقَاءٍ طَاهِرٍ أَوْ نَجِسٍ عَلَى الْقَوْلِ بِنَجَاسَتِهِ، وَبِحَيَاةٍ

وَلَوْ حَلَبَتْ فَأُوجِرَ بَعْدَ مَوْتِهَا حَرَّمَ فِي الْأَصَحِّ

وَلَوْ جُبِّنَ أَوْ نُزِعَ مِنْهُ زُبْدٌ حَرَّمَ، وَلَوْ خُلِطَ بِمَائِعٍ حَرَّمَ إنْ غَلَبَ

فَإِنْ غُلِبَ وَشَرِبَ الْكُلَّ قِيلَ أَوْ الْبَعْضَ حَرَّمَ فِي الْأَظْهَرِ،

[مغني المحتاج]

مُسْتَقِرَّةٍ مَنْ انْتَهَتْ إلَى حَرَكَةِ مَذْبُوحٍ؛ لِأَنَّهَا كَالْمَيِّتَةِ، وَبَلَغَتْ إلَى آخِرِهِ مَا إذَا لَمْ تَبْلُغْ ذَلِكَ، فَإِنَّ لَبَنَهَا لَا يُحَرِّمُ، لِأَنَّهُ فَرْعُ الْحَمْلِ، وَالْحَمْلُ لَا يَتَأَتَّى فِيمَا دُونَ ذَلِكَ فَكَذَا فَرْعُهُ بِخِلَافِ مَنْ بَلَغَتْ ذَلِكَ وَإِنْ لَمْ يُحْكَمْ بِبُلُوغِهَا كَمَا مَرَّ، فَاحْتِمَالُ الْبُلُوغِ قَائِمٌ، وَالرَّضَاعُ تِلْوُ النَّسَبِ كَمَا مَرَّ فَاكْتُفِيَ فِيهِ بِالِاحْتِمَالِ تَنْبِيهٌ أَفْهَمَ اقْتِصَارُهُ عَلَى مَا ذَكَرَ أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ الثُّيُوبَةُ، وَهُوَ الْأَصَحُّ الْمَنْصُوصُ وَقِيلَ: يُشْتَرَطُ، لِأَنَّ لَبَنَ الْبِكْرِ نَادِرٌ فَأَشْبَهَ لَبَنَ الرَّجُلِ (وَلَوْ حَلَبَتْ) لَبَنَهَا قَبْلَ مَوْتِهَا وَفِيهَا حَيَاةٌ مُسْتَقِرَّةٌ (فَأُوجِرَ) بِضَمِّ أَوَّلِهِ طِفْلٌ (بَعْدَ مَوْتِهَا حَرَّمَ فِي الْأَصَحِّ) لِانْفِصَالِهِ مِنْهَا وَهُوَ حَلَالٌ مُحْتَرَمٌ، كَذَا عَلَّلُوا بِهِ، وَهُوَ يَقْتَضِي أَنَّهُ بَعْدَ الْمَوْتِ لَيْسَ بِحَلَالٍ، وَلَكِنَّ مَعْنَاهُ أَنَّهُ لَا حُرْمَةَ لَهُ وَإِلَّا فَهُوَ حَلَالٌ بَعْدَ مَوْتِهَا أَيْضًا كَمَا مَرَّ فِي بَابِ النَّجَاسَةِ وَصُورَةُ الْمَسْأَلَةِ أَنْ تُرْضِعَهُ أَرْبَعَ رَضَعَاتٍ فِي الْحَيَاةِ ثُمَّ تَحْلُبَ شَيْئًا فَيُوجَرَ بَعْدَ مَوْتِهَا، أَوْ تَحْلُبَ فِي خَمْسِ آنِيَةٍ ثُمَّ يُوجَرَ بَعْدَ مَوْتِهَا فِي خَمْسِ دَفَعَاتٍ فَإِنَّهُ يُحَرِّمُ كَمَا سَيَأْتِي وَالثَّانِي: لَا يُحَرِّمُ لِبُعْدِ إثْبَاتِ الْأُمُومَةِ بَعْدَ الْمَوْتِ تَنْبِيهٌ قَوْلُهُ: حَرَّمَ بِحَاءٍ وَرَاءٍ مُشَدَّدَةٍ مَفْتُوحَتَيْنِ هُنَا وَفِيمَا بَعْدُ، وَقَوْلُهُ فِي الْأَصَحِّ مُخَالِفٌ لِتَعْبِيرِ الرَّوْضَةِ بِالصَّحِيحِ الْمَنْصُوصِ

ثُمَّ شَرَعَ فِي الرُّكْنِ الثَّانِي وَهُوَ اللَّبَنُ، وَلَا يُشْتَرَطُ بَقَاءُ اسْمِهِ لَبَنًا فَقَالَ (وَلَوْ جُبِّنَ) أَوْ جُعِلَ مِنْهُ أَقِطٌ (أَوْ نُزِعَ مِنْهُ زُبْدٌ) أَوْ عُجِنَ بِهِ دَقِيقٌ وَأُطْعِمَ الطِّفْلُ مِنْ ذَلِكَ (حَرَّمَ) لِحُصُولِ التَّغَذِّي بِهِ تَنْبِيهٌ عِبَارَتُهُ صَادِقَةٌ بِإِطْعَامِ الزُّبْدِ نَفْسِهِ وَبِاللَّبَنِ الَّذِي نُزِعَ زُبْدُهُ، وَكُلٌّ مِنْهُمَا مُحَرِّمٌ (وَلَوْ خُلِطَ) اللَّبَنُ (بِمَائِعٍ) طَاهِرٍ كَمَاءٍ أَوْ نَجِسِ خَمْرٍ (حَرَّمَ إنْ غَلَبَ) بِفَتْحِ الْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ عَلَى الْمَائِعِ بِظُهُورِ أَحَدِ صِفَاتِهِ مِنْ طَعْمٍ أَوْ لَوْنٍ أَوْ رِيحٍ، إذْ الْمَغْلُوبُ كَالْمَعْدُومِ، وَسَوَاءٌ أَشَرِبَ الْكُلَّ أَمْ الْبَعْضَ

(فَإِنْ غُلِبَ) بِضَمِّ أَوَّلِهِ بِأَنْ زَالَتْ أَوْصَافُهُ الثَّلَاثَةُ حِسًّا وَتَقْدِيرًا (وَشَرِبَ) الرَّضِيعُ (الْكُلَّ) حَرَّمَ (قِيلَ: أَوْ) شَرِبَ (الْبَعْضَ حَرَّمَ) أَيْضًا (فِي الْأَظْهَرِ) لِوُصُولِ اللَّبَنِ إلَى الْجَوْفِ، وَلَيْسَ كَالنَّجَاسَةِ الْمُسْتَهْلَكَةِ فِي الْمَاءِ الْكَثِيرِ حَيْثُ لَا يُؤَثِّرُ، فَإِنَّهَا تُجْتَنَبُ لِلِاسْتِقْذَارِ وَهُوَ مُنْدَرِجٌ بِالْكَثْرَةِ، وَلَا كَالْخَمْرِ الْمُسْتَهْلَكَةِ فِي غَيْرِهَا حَيْثُ لَا يَتَعَلَّقُ بِهَا حَدٌّ، فَإِنَّ الْحَدَّ مَنُوطٌ بِالشِّدَّةِ الْمُزِيلَةِ لِلْعَقْلِ وَالثَّانِي: لَا يُحَرِّمُ لِأَنَّ الْمَغْلُوبَ الْمُسْتَهْلَكُ كَالْمَعْدُومِ، وَالْأَصَحُّ أَنَّ شُرْبَ الْبَعْضِ لَا يُحَرِّمُ لِانْتِفَاءِ تَحَقُّقِ وُصُولِ اللَّبَنِ مِنْهُ إلَى الْجَوْفِ، فَإِنْ تَحَقَّقَ كَأَنْ بَقِيَ مِنْ الْمَخْلُوطِ أَقَلُّ مِنْ قَدْرِ اللَّبَنِ حَرَّمَ جَزْمًا تَنْبِيهٌ يُشْتَرَطُ كَوْنُ اللَّبَنِ قَدْرًا يُمْكِنُ أَنْ يُسْقَى مِنْهُ خَمْسٌ دَفْعًا لَوْ انْفَرَدَ كَمَا حَكَيَاهُ عَنْ السَّرَخْسِيِّ وَأَقَرَّاهُ، وَمَحَلُّ الْخِلَافِ مَا إذَا شَرِبَ مِنْ الْمُخْتَلِطِ خَمْسَ دَفَعَاتٍ أَوْ كَانَ حُلِبَ فِي

وَيُحَرِّمُ إيجَارٌ

وَكَذَا إسْعَاطٌ عَلَى الْمَذْهَبِ،

[مغني المحتاج]

خَمْسِ آنِيَةٍ كَمَا مَرَّ أَوْ شَرِبَ مِنْهُ دَفْعَةً بَعْدَ أَنْ سُقِيَ اللَّبَنَ الصِّرْفَ أَرْبَعًا، فَإِنْ زَالَتْ الْأَوْصَافُ الثَّلَاثَةُ اُعْتُبِرَ قَدْرُ اللَّبَنِ بِمَاءٍ لَهُ لَوْنٌ قَوِيٌّ يَسْتَوْلِي عَلَى الْخَلِيطِ، فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ الْقَدْرُ مِنْهُ يَظْهَرُ فِي الْخَلِيطِ ثَبَتَ التَّحْرِيمُ وَإِلَّا فَلَا، وَقَدْ يُفْهِمُ تَقْيِيدُهُ بِالْمَائِعِ أَنَّ خَلْطَهُ بِالْجَامِدِ لَا يُحَرِّمُ، وَلَيْسَ مُرَادًا، فَقَدْ مَرَّ أَنَّهُ عُجِنَ بِهِ دَقِيقٌ يُحَرِّمُ، وَسَكَتَ عَنْ اسْتِوَاءِ الْأَمْرَيْنِ، وَحُكْمُهُ يُؤْخَذُ مِنْ الثَّانِيَةِ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى، وَلَبَنُ الْمَرْأَتَيْنِ الْمُخْتَلِطُ يُثْبِتُ أُمُومَتَهُمَا، وَفِي الْمَغْلُوبِ مِنْ اللَّبَنَيْنِ التَّفْصِيلُ الْمَذْكُورُ فَيُثْبِتُ الْأُمُومَةَ الْغَالِبَةَ اللَّبَنُ، وَكَذَا لِمَغْلُوبَتِهِ بِشَرْطِهِ السَّابِقِ، وَلَا يَضُرُّ فِي التَّحْرِيمِ غَلَبَةُ الرِّيقِ لِقَطْرَةِ اللَّبَنِ الْمَوْضُوعَةِ فِي الْفَمِ إلْحَاقًا لَهُ بِالرُّطُوبَاتِ فِي الْمَعِدَةِ (وَيُحَرِّمُ) بِرَاءٍ مُشَدَّدَةٍ مَكْسُورَةٍ (إيجَارٌ) وَهُوَ صَبُّ اللَّبَنِ فِي الْحَلْقِ لِحُصُولِ التَّغْذِيَةِ بِهِ كَالِارْتِضَاعِ

تَنْبِيهٌ قَضِيَّةُ إطْلَاقِهِ التَّحْرِيمُ بِمُجَاوَزَةِ اللَّبَنِ الْحَلْقَ وَإِنْ لَمْ يَصِلْ الْمَعِدَةَ كَمَا يُفْطِرُ بِمِثْلِهِ الصَّائِمُ، وَلَيْسَ مُرَادًا فَقَدْ اعْتَبَرَ فِي الْمُحَرَّرِ الْوُصُولَ إلَى الْمَعِدَةِ، وَجَرَيَا عَلَيْهِ فِي الشَّرْحِ وَالرَّوْضَةِ، فَلَوْ تقايأه قَبْلَ وُصُولِهِ إلَيْهَا لَمْ يُحَرِّمْ (وَكَذَا إسْعَاطٌ) وَهُوَ صَبُّ اللَّبَنِ فِي الْأَنْفِ لِيَصِلَ الدِّمَاغَ يُحَرِّمُ أَيْضًا (عَلَى الْمَذْهَبِ) لِحُصُولِ التَّغَذِّي بِذَلِكَ، لِأَنَّ الدِّمَاغَ جَوْفٌ لَهُ كَالْمَعِدَةِ،

لَا حُقْنَةٌ فِي الْأَظْهَرِ

وَشَرْطُهُ: رَضِيعٌ حَيٌّ لَمْ يَبْلُغْ سَنَتَيْنِ

[مغني المحتاج]

وَالطَّرِيقُ الثَّانِي فِيهِ قَوْلَانِ كَالْحُقْنَةِ الْمَذْكُورَةِ فِي قَوْلِهِ (لَا حُقْنَةٌ) وَهِيَ مَا يَدْخُلُ فِي الدُّبُرِ أَوْ الْقُبُلِ مِنْ دَوَاءٍ فَلَا يُحَرِّمُ (فِي الْأَظْهَرِ) لِانْتِفَاءِ التَّغَذِّي؛ لِأَنَّهَا لِإِسْهَالِ مَا انْعَقَدَ فِي الْمَعِدَةِ، وَالثَّانِي: تُحَرِّمُ كَمَا يَحْصُلُ بِهَا الْفِطْرُ، وَدُفِعَ بِأَنَّ الْفِطْرَ يَتَعَلَّقُ بِالْوُصُولِ إلَى جَوْفٍ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَعِدَةً وَلَا دِمَاغًا بِخِلَافِهِ هُنَا، وَلِهَذَا لَمْ يُحَرِّمْ التَّقْطِيرُ فِي الْأُذُنِ أَوْ الْجِرَاحَةُ إذَا لَمْ يَصِلْ إلَى الْمَعِدَةِ، وَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ مِنْ مَنْفَذٍ مَفْتُوحٍ فَلَا يُحَرِّمُ وُصُولُهُ إلَى جَوْفٍ أَوْ مَعِدَةٍ بِصَبِّهِ فِي الْعَيْنِ بِوَاسِطَةِ الْمَسَامِّ

ثُمَّ شَرَعَ فِي الرُّكْنِ الثَّالِثِ، وَهُوَ الرَّضِيعُ، فَقَالَ (وَشَرْطُهُ) أَيْ رُكْنُهُ (رَضِيعٌ) وَلَهُ شُرُوطٌ شَرَعَ فِي ذِكْرِهَا بِقَوْلِهِ (حَيٌّ) حَيَاةً مُسْتَقِرَّةً فَلَا أَثَرَ لِوُصُولِ اللَّبَنِ إلَى جَوْفِ الْمَيِّتِ بِالِاتِّفَاقِ لِخُرُوجِهِ عَنْ التَّغْذِيَةِ وَنَبَاتِ اللَّحْمِ، وَكَذَا إذَا انْتَهَى إلَى حَرَكَةِ مَذْبُوحٍ، فَإِنَّ حُكْمَهُ حُكْمُ الْمَيِّتِ تَنْبِيهٌ لَوْ قَالَ الْمُصَنِّفُ: وَشَرْطُهُ حَيَاةُ رَضِيعٍ لَاسْتَغْنَى عَمَّا قَدَّرْته (لَمْ يَبْلُغْ سَنَتَيْنِ)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

[مغني المحتاج]

بِالْأَهِلَّةِ، فَإِنْ انْكَسَرَ الشَّهْرُ الْأَوَّلُ ثُمَّ عَدَّدَهُ ثَلَاثِينَ مِنْ الشَّهْرِ الْخَامِسِ وَالْعِشْرِينَ، فَإِنْ بَلَغَهُمَا لَمْ يُحَرِّمْ ارْتِضَاعُهُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾ [البقرة: 233] جَعَلَ تَمَامَ الرَّضَاعَةِ فِي الْحَوْلَيْنِ فَأَفْهَمَ بِأَنَّ الْحُكْمَ بَعْدَ الْحَوْلَيْنِ بِخِلَافِهِ، وَلِخَبَرِ «لَا رَضَاعَ إلَّا مَا كَانَ فِي الْحَوْلَيْنِ» رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ وَغَيْرُهُ.
وَمَا فِي مُسْلِمٍ «أَنَّ امْرَأَةَ أَبِي حُذَيْفَةَ قَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ: إنَّ سَالِمًا يَدْخُلُ عَلَيَّ وَهُوَ رَجُلٌ وَفِي نَفْسِ أَبِي حُذَيْفَةَ مِنْهُ شَيْءٌ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: أَرْضِعِيهِ أَيْ خَمْسَ رَضَعَاتٍ حَتَّى يَدْخُلَ عَلَيْكِ»

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

[مغني المحتاج]

فَهُوَ رُخْصَةٌ خَاصَّةٌ بِسَالِمٍ كَمَا قَالَهُ الشَّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -، وَقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: لَيْسَ يَخْلُو أَنْ يَكُونَ مَنْسُوخًا أَوْ خَاصًّا بِسَالِمٍ كَمَا قَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ وَسَائِرُ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُنَّ بِالْخَاصِّ وَالْعَامِّ، وَالنَّاسِخِ وَالْمَنْسُوخِ أَعْلَمُ

تَنْبِيهٌ ابْتِدَاءُ الْحَوْلَيْنِ مِنْ تَمَامِ انْفِصَالِ الرَّضِيعِ كَمَا فِي نَظَائِرِهِ، فَإِنْ ارْتَضَعَ قَبْلَ تَمَامِهِ لَمْ

وخَمْسُ رَضَعَاتٍ،

[مغني المحتاج]

يُؤَثِّرْ، وَقَوْلُ الزَّرْكَشِيّ: وَالْأَشْبَهُ تَرْجِيعُ التَّأْثِيرِ لِوُجُودِ الرَّضَاعِ حَقِيقَةً، وَهُوَ قِيَاسُ مَا صَحَّحَهُ فِيمَنْ انْفَصَلَ بَعْضُهُ فَحَزَّ جَانٍ رَقَبَتَهُ وَهُوَ حَيٌّ مِنْ أَنَّهُ يُضْمَنُ بِالْقَوَدِ أَوْ الدِّيَةِ، وَعَلَيْهِ تُحْسَبُ الْمُدَّةُ مِنْ حِينِ ارْتَضَعَ مَمْنُوعٌ لِمَا فِيهِ مِنْ ارْتِكَابِ إحْدَاثِ قَوْلٍ ثَالِثٍ، إذْ الْمَحْكِيُّ فِي ابْتِدَاءِ الْمُدَّةِ وَجْهَانِ: ابْتِدَاءُ الْخُرُوجِ وَانْتِهَاؤُهُ، وَبِذَلِكَ فَارَقَ مَسْأَلَةَ الْحَزِّ مَعَ أَنَّهَا خَارِجَةٌ عَنْ نَظَائِرِهَا عَلَى اضْطِرَابٍ فِيهَا اسْتِصْحَابًا لِلضَّمَانِ فِي الْجُمْلَةِ، إذْ الْجَنِينُ يُضْمَنُ بِالْغُرَّةِ، وَكَلَامُ الْمُصَنِّفِ يَقْتَضِي أَنَّهُ لَوْ تَمَّ الْحَوْلَانِ فِي الرَّضْعَةِ الْأَخِيرَةِ لَا تَحْرِيمَ وَهُوَ ظَاهِرُ نَصُّ الْأُمِّ وَغَيْرِهِ، وَلَكِنَّ الْمَذْهَبَ كَمَا فِي التَّهْذِيبِ، وَجَرَى عَلَيْهِ ابْنُ الْمُقْرِي أَنَّهُ يُحَرِّمُ لِأَنَّ مَا يَصِلُ إلَى الْجَوْفِ فِي كُلِّ رَضْعَةٍ غَيْرُ مُقَدَّرٍ كَمَا قَالُوا لَوْ لَمْ يَحْصُلْ فِي جَوْفِهِ إلَّا خَمْسُ قَطَرَاتٍ فِي كُلِّ رَضْعَةٍ قَطْرَةٌ حَرَّمَ (وَخَمْسُ رَضَعَاتٍ) لِمَا رَوَى مُسْلِمٌ

وَضَبْطُهُنَّ بِالْعُرْفِ

[مغني المحتاج]

«عَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا - كَانَ فِيمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِي الْقُرْآنِ عَشْرُ رَضَعَاتٍ مَعْلُومَاتٍ يُحَرِّمْنَ فَنُسِخْنَ بِخَمْسٍ مَعْلُومَاتٍ، فَتُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُنَّ فِيمَا يُقْرَأُ مِنْ الْقُرْآنِ» أَيْ يُتْلَى حُكْمُهُنَّ أَوْ يَقْرَؤُهُنَّ مَنْ لَمْ يَبْلُغْهُ النَّسْخُ لِقُرْبِهِ وَقِيلَ: يَكْفِي رَضْعَةٌ وَاحِدَةٌ، وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ وَمَالِكٍ لِعُمُومِ قَوْله تَعَالَى ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللاتِي أَرْضَعْنَكُمْ﴾ [النساء: 23] وَأَجَابَ الْأَوَّلُ بِأَنَّ السُّنَّةَ تُثْبِتُ كَآيَةِ السَّرِقَةِ، وَلَمْ يَأْخُذْ الشَّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - فِي هَذَا بِقَاعِدَتِهِ وَهِيَ الْأَخْذُ بِأَقَلِّ مَا قِيلَ؛ لِأَنَّ شَرْطَ ذَلِكَ عِنْدَهُ أَنْ لَا يَجِدَ دَلِيلًا سِوَاهُ، وَالسُّنَّةُ نَاصَّةٌ عَلَى الْخَمْسِ؛ لِأَنَّ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - لَمَّا أَخْبَرَتْ أَنَّ التَّحْرِيمَ بِالْعَشَرَةِ مَنْسُوخٌ بِالْخَمْسِ دَلَّ عَلَى ثُبُوتِ التَّحْرِيمِ بِالْخَمْسِ لَا بِمَا دُونَهَا، وَلَوْ وَقَعَ التَّحْرِيمُ بِأَقَلَّ مِنْهَا بَطَلَ أَنْ يَكُونَ الْخَمْسُ نَاسِخًا وَصَارَ مَنْسُوخًا كَالْعَشْرِ، فَإِنْ قِيلَ: الْقُرْآنُ لَا يَثْبُتُ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ فَلَا يُحْتَجُّ بِهِ.
أُجِيبَ بِأَنَّهُ وَإِنْ لَمْ يُثْبِتْهُ قُرْآنًا بِخَبَرِ الْوَاحِدِ لَكِنْ ثَبَتَ حُكْمُهُ وَالْعَمَلُ بِهِ، فَالْقِرَاءَةُ الشَّاذَّةُ تُنَزَّلُ مَنْزِلَةَ الْخَبَرِ، وَقِيلَ: يَكْفِي ثَلَاثُ رَضَعَاتٍ لِمَفْهُومِ خَبَرِ مُسْلِمٍ «لَا تُحَرِّمُ الرَّضْعَةُ وَلَا الرَّضْعَتَانِ» وَإِنَّمَا قُدِّمَ مَفْهُومُ الْخَبَرِ الْأَوَّلِ عَلَى هَذَا لِاعْتِضَادِهِ بِالْأَصْلِ، وَهُوَ عَدَمُ التَّحْرِيمِ، وَلَا يُشْتَرَطُ اتِّفَاقُ صِفَاتِ الرَّضَعَاتِ بَلْ لَوْ أُوجِرَ مَرَّةً وَسُعِطَ وَارْتَضَعَ مَرَّةً وَأَكَلَ مِمَّا صُنِعَ مِنْهُ مَرَّتَيْنِ ثَبَتَ التَّحْرِيمُ قِيلَ: الْحِكْمَةُ فِي كَوْنِ التَّحْرِيمِ بِخَمْسٍ أَنَّ الْحَوَاسَّ الَّتِي هِيَ سَبَبُ الْإِدْرَاكِ خَمْسٌ تَنْبِيهٌ ضَادُ رَضَعَاتٍ مَفْتُوحَةٌ لِمَا تَقَرَّرَ فِي عِلْمِ النَّحْوِ أَنَّ فَعْلَةً عَلَمًا كَانَتْ أَوْ مَصْدَرًا تُفْتَحُ عَيْنُهَا فِي الْجَمْعِ، نَحْوُ ظَبَيَاتٍ وَحَسَرَاتٍ، وَإِنْ كَانَتْ صِفَةً سُكِّنَتْ عَيْنُهَا كَعَصْبَاتٍ (وَ) الْخَمْسُ رَضَعَاتٍ (ضَبْطُهُنَّ بِالْعُرْفِ) إذْ لَا ضَابِطَ لَهَا فِي اللُّغَةِ وَلَا فِي الشَّرْعِ فَرُجِعَ فِيهِ إلَى الْعُرْفِ

فَلَوْ قَطَعَ إعْرَاضًا تَعَدَّدَ،

[مغني المحتاج]

كَالْحِرْزِ فِي السَّرِقَةِ، فَمَا قُضِيَ بِكَوْنِهِ رَضْعَةً أَوْ رَضَعَاتٍ اُعْتُبِرَ وَإِلَّا فَلَا

(فَلَوْ قَطَعَ) الرَّضِيعُ الِارْتِضَاعَ بَيْنَ كُلٍّ مِنْ الْخَمْسِ (إعْرَاضًا) عَنْ الثَّدْيِ (تَعَدَّدَ) عَمَلًا بِالْعُرْفِ قَالَ الْأَذْرَعِيُّ: وَفِي

أَوْ لِلَّهْوِ وَعَادَ فِي الْحَالِ

[مغني المحتاج]

الصَّدْرِ حَكَّةٌ مِنْ قَوْلِهِمْ: لَوْ طَارَتْ قَطْرَةٌ إلَى فِيهِ وَاخْتَلَطَتْ بِرِيقِهِ وَعَبَرَتْهُ عُدَّ رَضْعَةً، وَمِثْلُهُ إسْعَاطُ قَطْرَةٍ، وَقَدْ ضَبَطُوا ذَلِكَ بِالْعُرْفِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ أَهْلَ الْعُرْفِ لَا يَعُدُّونَ هَذَا رَضْعَةً، وَكَيْفَ هَذَا مَعَ وُرُودِ الْخَبَرِ «أَنَّ الرَّضَاعَ مَا أَنْبَتَ اللَّحْمَ وَأَنْشَرَ الْعَظْمَ» اهـ. وَهَذَا نَظِيرُ قَوْلِهِمْ فِي بُدُوِّ الصَّلَاحِ: يُكْتَفَى فِيهِ بِثَمَرَةٍ وَاحِدَةٍ، وَفِي اشْتِدَادِ الْحَبِّ بِسُنْبُلَةٍ وَاحِدَةٍ، فَحَيْثُ لَمْ يَكُنْ لَهَا ضَابِطٌ بِقِلَّةٍ وَلَا بِكَثْرَةٍ اعْتَبَرْنَا أَقَلَّ مَا يَقَعُ عَلَيْهِ الِاسْمُ، وَمَا أَجَابَ بِهِ الْغَزِّيُّ مِنْ أَنَّ أَقَلَّ الرَّضْعَةِ لَا حَدَّ لَهُ، وَالضَّبْطُ إنَّمَا هُوَ لِكَثْرَتِهَا مَمْنُوعٌ تَنْبِيهٌ كَلَامُ الْمُصَنِّفِ يَقْتَضِي أَنَّهَا لَوْ قَطَعَتْ عَلَيْهِ الْمُرْضِعَةُ لِشُغْلٍ وَأَطَالَتْهُ ثُمَّ عَادَ لَمْ يُعْتَدَّ بِذَلِكَ رَضْعَةً، وَهُوَ مَا جَرَى عَلَيْهِ صَاحِبُ التَّنْبِيهِ كَمَا لَوْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ إلَّا مَرَّةً فَقَطَعَ عَلَيْهِ إنْسَانٌ الْأَكْلَ بِغَيْرِ اخْتِيَارِهِ ثُمَّ عَادَ وَأَكَلَ بَعْدَ تَمَكُّنِهِ لَمْ يَحْنَثْ، وَالْأَصَحُّ كَمَا فِي أَصْلِ الرَّوْضَةِ أَنَّهُ يُعْتَدُّ بِهِ؛ لِأَنَّ الرَّضَاعَ يُعْتَبَرُ فِيهِ فِعْلُ الْمُرْضِعَةِ وَالرَّضِيعِ عَلَى الِانْفِرَادِ بِدَلِيلِ مَا لَوْ ارْتَضَعَ مِنْ امْرَأَةٍ نَائِمَةٍ أَوْ أَوْجَرَتْهُ لَبَنًا وَهُوَ نَائِمٌ، وَإِذَا ثَبَتَ ذَلِكَ وَجَبَ أَنْ يُعْتَدَّ بِقَطْعِهَا كَمَا يُعْتَدُّ بِقَطْعِهِ (أَوْ) قَطَعَهُ (لِلَّهْوِ) أَوْ نَحْوِهِ كَنَوْمَةٍ خَفِيفَةٍ أَوْ تَنَفُّسٍ أَوْ ازْدِرَادِ مَا جَمَعَهُ مِنْ اللَّبَنِ فِي فَمِهِ (وَعَادَ فِي الْحَالِ) فَلَا

أَوْ تَحَوَّلَ

[مغني المحتاج]

تَعَدُّدَ بَلْ الْكُلُّ رَضْعَةٌ وَاحِدَةٌ، فَإِنْ طَالَ لَهْوُهُ أَوْ نَوْمُهُ، فَإِنْ كَانَ الثَّدْيُ، فِي فَمِهِ فَرَضْعَةٌ، وَإِلَّا فَرَضْعَتَانِ، فَتَقْيِيدُ الرَّوْضَةِ مَسْأَلَةَ اللَّهْوِ بِبَقَاءِ الثَّدْيِ فِي فَمِهِ مَحْمُولٌ عَلَى مَا إذَا لَمْ يُطِلْ، فَلَا يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ الثَّدْيُ فِي فَمِهِ كَمَا نَصَّ عَلَيْهِ فِي الْمُخْتَصَرِ، وَيُفْهِمُهُ إطْلَاقُ الْمَتْنِ (أَوْ تَحَوَّلَ)

مِنْ ثَدْيٍ إلَى ثَدْيٍ فَلَا.

[مغني المحتاج]

الرَّضِيعُ بِنَفْسِهِ أَوْ بِتَحْوِيلِ الْمُرْضِعَةِ فِي الْحَالِ (مِنْ ثَدْيٍ إلَى ثَدْيٍ) آخَرَ أَوْ قَطَعَتْهُ الْمُرْضِعَةُ لِشُغْلٍ خَفِيفٍ ثُمَّ عَادَتْ (فَلَا) تَتَعَدَّدُ حِينَئِذٍ، فَإِنْ لَمْ تَتَحَوَّلْ فِي الْحَالِ تَعَدَّدَ الْإِرْضَاعُ

وَلَوْ حَلَبَ مِنْهَا دَفْعَةً وَأَوْجَرَهُ خَمْسًا أَوْ عَكْسُهُ فَرَضْعَةٌ، وَفِي قَوْلٍ خَمْسٌ

وَلَوْ شُكَّ هَلْ خَمْسًا أَمْ أَقَلَّ، أَوْ هَلْ رَضَعَ فِي حَوْلَيْنِ أَمْ بَعْدُ؟ فَلَا تَحْرِيمَ، وَفِي الثَّانِيَة قَوْلٌ، أَوْ وَجْهٌ،

[مغني المحتاج]

تَنْبِيهٌ مَحَلُّ مَا ذُكِرَ فِي الْمُرْضِعَةِ الْوَاحِدَةِ أَمَّا إذَا تَحَوَّلَ مِنْ ثَدْيِ امْرَأَةٍ إلَى ثَدْيِ أُخْرَى فِي الْحَالِ فَإِنَّهُ يَتَعَدَّدُ فِي الْأَصَحِّ؛ لِأَنَّ الرَّضْعَةَ أَنْ يَتْرُكَ الثَّدْيَ وَلَا يَعُودَ إلَيْهِ إلَّا بَعْدَ مُدَّةٍ طَوِيلَةٍ وَقَدْ وُجِدَ فَائِدَةٌ: الثَّدْيُ بِفَتْحِ الثَّاءِ يُذَكَّرُ وَيُؤَنَّثُ، وَالتَّذْكِيرُ أَشْهَرُ، وَيَكُونُ لِلرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ، وَلَكِنَّ اسْتِعْمَالَهُ فِي الْمَرْأَةِ أَكْثَرُ حَتَّى إنَّ بَعْضَهُمْ خَصَّهُ بِهَا

(وَلَوْ حُلِبَ مِنْهَا) لَبَنٌ (دَفْعَةً وَأُوجِرَهُ) أَيْ وَصَلَ إلَى جَوْفِ الرَّضِيعِ أَوْ دِمَاغِهِ بِإِيجَارٍ أَوْ إسْعَاطٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ (خَمْسًا) أَيْ خَمْسَ مَرَّاتٍ (أَوْ عَكْسُهُ) بِأَنْ حُلِبَ مِنْهَا خَمْسًا وَأُوجِرَ الرَّضِيعُ دَفْعَةً (فَرَضْعَةٌ) وَاحِدَةٌ فِي الصُّورَتَيْنِ اعْتِبَارًا فِي الْأُولَى بِحَالَةِ الِانْفِصَالِ مِنْ الثَّدْيِ، وَفِي الثَّانِيَةِ بِحَالَةِ وُصُولِهِ إلَى جَوْفِهِ دَفْعَةً وَاحِدَةً (وَفِي قَوْلٍ خَمْسٌ) فِيهِمَا تَنْزِيلًا فِي الْأُولَى لِلْإِنَاءِ مَنْزِلَةَ الثَّدْيِ، وَنَظَرًا فِي الثَّانِي إلَى حَالَةِ الِانْفِصَالِ مِنْ الثَّدْيِ أَمَّا لَوْ حُلِبَ مِنْهَا خَمْسَ دَفَعَاتٍ وَأُوجِرَهُ فِي خَمْسِ دَفَعَاتٍ مِنْ غَيْرِ خَلْطٍ فَهُوَ خَمْسٌ قَطْعًا، وَإِنْ خُلِطَ ثُمَّ فُرِّقَ وَأُوجِرَهُ خَمْسَ دَفَعَاتٍ فَخَمْسٌ عَلَى الْأَصَحِّ، وَقِيلَ: وَاحِدَةٌ؛ لِأَنَّهُ بِالْخَلْطِ صَارَ كَالْمَحْلُوبِ دَفْعَةً

تَنْبِيهٌ قَوْلُهُ: مِنْهَا فَرَضَ الْخِلَافَ فِي الْوَاحِدَةِ، فَلَوْ حُلِبَ خَمْسُ نِسْوَةٍ فِي إنَاءٍ وَأُوجِرَهُ الطِّفْلُ دَفْعَةً وَاحِدَةً حُسِبَ مِنْ كُلِّ وَاحِدَةٍ رَضْعَةٌ، وَإِنْ أُوجِرَهُ فِي خَمْسِ دَفَعَاتٍ فَكَذَلِكَ عَلَى الْأَصَحِّ وَقِيلَ: خَمْسٌ (وَ) لَا بُدَّ مِنْ تَيَقُّنِ الْخَمْسِ رَضَعَاتٍ وَتَيَقُّنِ كَوْنِ الرَّضِيعِ قَبْلَ الْحَوْلَيْنِ فَعَلَى هَذَا (لَوْ شُكَّ) فِي رَضِيعٍ (هَلْ رَضَعَ خَمْسًا أَمْ أَقَلَّ، أَوْ هَلْ رَضَعَ فِي حَوْلَيْنِ أَمْ بَعْدُ) أَيْ بَعْدَ الْحَوْلَيْنِ، أَوْ فِي دُخُولِ اللَّبَنِ جَوْفَهُ أَوْ دِمَاغَهُ، أَوْ فِي أَنَّهُ لَبَنُ امْرَأَةٍ أَوْ بَهِيمَةٍ، أَوْ فِي أَنَّهُ حُلِبَ فِي حَيَاتِهَا؟ (فَلَا تَحْرِيمَ) لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ مَا ذُكِرَ، وَلَا يَخْفَى الْوَرَعُ (وَفِي) الْمَسْأَلَةِ (الثَّانِيَةِ) فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ (قَوْلٌ أَوْ وَجْهٌ) بِالتَّحْرِيمِ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاءُ الْحَوْلَيْنِ، وَرَجَّحَ الشَّرْحُ الصَّغِيرُ أَنَّهُ قَوْلٌ

وَتَصِير الْمُرْضِعَةُ أُمَّهُ،

[مغني المحتاج]

تَنْبِيهٌ كَلَامُهُ يُشْعِرُ بِأَنَّهُ لَا خِلَافَ فِي الْأُولَى وَهُوَ كَذَلِكَ (وَ) اعْلَمْ أَنَّ الْحُرْمَةَ تَسْرِي مِنْ الْمُرْضِعَةِ وَالْفَحْلِ إلَى أُصُولِهِمَا وَفُرُوعِهِمَا وَحَوَاشِيهِمَا، وَمِنْ الرَّضِيعِ إلَى فُرُوعِهِ فَقَطْ إذَا عَلِمْت ذَلِكَ وَوُجِدَتْ الشُّرُوطُ الْمَذْكُورَةُ فَنَقُولُ (تَصِيرُ الْمُرْضِعَةُ) بِذَلِكَ (أُمَّهُ) بِنَصِّ الْقُرْآنِ

وَاَلَّذِي مِنْهُ اللَّبَنُ أَبَاهُ، وَتَسْرِي الْحُرْمَةُ إلَى أَوْلَادِهِ،

[مغني المحتاج]

(وَاَلَّذِي مِنْهُ اللَّبَنُ) الْمُحْتَرَمُ وَهُوَ الْفَحْلُ (أَبَاهُ، وَتَسْرِي) أَيْ تَنْتَشِرُ (الْحُرْمَةُ) مِنْ الرَّضِيعِ (إلَى أَوْلَادِهِ) فَقَطْ كَمَا مَرَّ، سَوَاءٌ أَكَانُوا مِنْ النَّسَبِ أَمْ مِنْ الرَّضَاعِ، وَلِذَلِكَ احْتَرَزَ الْمُصَنِّفُ بِقَوْلِهِ:

وَلَوْ كَانَ لِرَجُلٍ خَمْسٌ مُسْتَوْلِدَاتٍ أَوْ أَرْبَعُ نِسْوَةٍ وَأُمُّ وَلَدٍ فَرَضَعَ طِفْلٌ مِنْ كُلٍّ رَضْعَةً صَارَ ابْنَهُ فِي الْأَصَحِّ فَيَحْرُمْنَ عَلَيْهِ لِأَنَّهُنَّ مَوْطُوآتُ أَبِيهِ، وَلَوْ كَانَ بَدَلَ الْمُسْتَوْلَدَاتِ بَنَاتٌ أَوْ أَخَوَاتٌ فَلَا حُرْمَةَ فِي الْأَصَحِّ

[مغني المحتاج]

أَوْلَادِهِ " عَنْ آبَائِهِ وَإِخْوَتِهِ، فَلَا تَسْرِي الْحُرْمَةُ إلَيْهِمْ، فَلِأَبِيهِ وَأَخِيهِ نِكَاحُ الْمُرْضِعَةِ وَبَنَاتِهَا، وَلِزَوْجِ الْمُرْضِعَةِ أَنْ يَتَزَوَّجَ بِأُمِّ الطِّفْلِ وَأُخْتِهِ قَالَ الْجُرْجَانِيِّ فِي الْمُعَايَاةِ: وَإِنَّمَا كَانَتْ الْحُرْمَةُ الْمُنْتَشِرَةُ مِنْهَا أَيْ الْمُرْضِعَةِ إلَيْهِ أَيْ الطِّفْلِ أَعَمَّ مِنْ الْحُرْمَةِ الْمُنْتَشِرَةِ مِنْهُ إلَيْهَا؛ لِأَنَّ التَّحْرِيمَ بِفِعْلِهَا أَيْ غَالِبًا، فَكَانَ التَّأْثِيرُ أَكَثَرَ، وَلَا صُنْعَ لِلطِّفْلِ فِيهِ: أَيْ غَالِبًا، فَكَانَ تَأْثِيرُ التَّحْرِيمِ فِيهِ أَخَصَّ اهـ. وَلَمَّا كَانَ اللَّبَنُ لِلْفَحْلِ كَانَ كَالْأُمِّ تَنْبِيهٌ جَعَلَ الشَّارِحُ ضَمِيرَ أَوْلَادِهِ لِلْفَحْلِ وَالْأَوْلَى عَوْدُهُ لِلرَّضِيعِ كَمَا تَقَرَّرَ، بَلْ قَالَ ابْنُ قَاسِمٍ: إنَّ مَا فَعَلَهُ الشَّارِحُ سَهْوٌ (وَ) اعْلَمْ أَنَّهُ لَا تَلَازُمَ بَيْنَ الْأُبُوَّةِ وَالْأُمُومَةِ فَقَدْ تُوجَدُ الْأُمُومَةُ دُونَ الْأُبُوَّةِ كَبِكْرٍ دَرَّ لَهَا لَبَنٌ أَوْ ثَيِّبٍ لَا زَوْجَ لَهَا، وَقَدْ تُوجَدُ الْأُبُوَّةُ دُونَ الْأُمُومَةِ، إذَا عَلِمْتَ ذَلِكَ فَنَقُولُ (لَوْ كَانَ لِرَجُلٍ خَمْسٌ مُسْتَوْلَدَاتٍ أَوْ) لَهُ (أَرْبَعُ نِسْوَةٍ) دَخَلَ بِهِنَّ (وَأُمُّ وَلَدٍ فَرَضَعَ طِفْلٌ مِنْ كُلٍّ رَضْعَةً) وَلَوْ مُتَوَالِيًا (صَارَ ابْنَهُ فِي الْأَصَحِّ) لِأَنَّ لَبَنَ الْجَمِيعِ مِنْهُ (فَيَحْرُمْنَ عَلَيْهِ) أَيْ عَلَى الطِّفْلِ (لِأَنَّهُنَّ مَوْطُوآتُ أَبِيهِ) لَا لِكَوْنِهِنَّ أُمَّهَاتٍ لَهُ، وَالثَّانِي لَا يَصِيرُ ابْنَهُ؛ لِأَنَّ الْأُبُوَّةَ تَابِعَةٌ لِلْأُمُومَةِ وَلَمْ تَحْصُلْ (وَلَوْ كَانَ) لِلرَّجُلِ (بَدَلُ الْمُسْتَوْلَدَاتِ بَنَاتٍ أَوْ أَخَوَاتٍ) فَرَضَعَ طِفْلٌ مِنْ كُلٍّ رَضْعَةً (فَلَا حُرْمَةَ) بَيْنَ الرَّجُلِ وَالطِّفْلِ (فِي الْأَصَحِّ) لِأَنَّ الْجُدُودَةَ لِلْأُمِّ فِي الصُّورَةِ الْأُولَى وَالْخُؤُولَةَ فِي الصُّورَةِ الثَّانِيَةِ إنَّمَا يَثْبُتَانِ بِتَوَسُّطِ الْأُمُومَةِ، وَلَا أُمُومَةَ هُنَا، وَالثَّانِي: تَثْبُتُ الْحُرْمَةُ تَنْزِيلًا لِلْبَنَاتِ أَوْ الْأَخَوَاتِ مَنْزِلَةَ الْوَاحِدَةِ أَيْ مَنْزِلَةَ مَا لَوْ كَانَ لَهُ بِنْتٌ أَوْ أُخْتٌ أَرْضَعَتْ الطِّفْلَ خَمْسَ رَضَعَاتٍ

فَرْعٌ: لَوْ ارْتَضَعَتْ صَغِيرَةٌ تَحْتَ رَجُلٍ مِنْ كُلٍّ مِنْ مَوْطُوآتِهِ الْخَمْسِ رَضْعَةً وَاللَّبَنُ لِغَيْرِهِ حُرِّمَتْ عَلَيْهِ قَالَ ابْنُ الْمُقْرِي لِكَوْنِهَا رَبِيبَتَهُ، وَأَقَرَّهُ شَيْخُنَا عَلَى ذَلِكَ فِي شَرْحِهِ وَقَالَ نَقَلَهُ الْأَصْلُ عَنْ ابْنِ الْقَاصِّ اهـ. وَفِيهِ نَظَرٌ وَاضِحٌ؛ لِأَنَّ الْأُمُومَةَ لَمْ تَثْبُتْ فَلَا تَكُونُ رَبِيبَةً، وَلَعَلَّ هَذِهِ

وَآبَاءُ الْمُرْضِعَةِ مِنْ نَسَبٍ أَوْ رَضَاعٍ أَجْدَادٌ لِلرَّضِيعِ، وَأُمَّهَاتُهَا جَدَّاتُهُ، وَأَوْلَادُهَا مِنْ نَسَبٍ أَوْ رَضَاعٍ إخْوَتُهُ وَأَخَوَاتُهُ وَإِخْوَتُهَا وَأَخَوَاتُهَا أَخْوَالُهُ وَخَالَاتُهُ، وَأَبُو اللَّبَنِ جَدُّهُ، وَأَخُوهُ عَمُّهُ وَكَذَا الْبَاقِي، وَاللَّبَنُ لِمَنْ نُسِبَ إلَيْهِ وَلَدٌ نَزَلَ بِهِ بِنِكَاحٍ أَوْ وَطْءِ شُبْهَةٍ

لَا زِنًا، وَلَوْ نَفَاهُ بِلِعَانٍ انْتَفَى اللَّبَنُ عَنْهُ

وَلَوْ وَطِئْت مَنْكُوحَةً بِشُبْهَةٍ، أَوْ وَطِئَ اثْنَانِ بِشُبْهَةٍ فَوَلَدَتْ

[مغني المحتاج]

مَقَالَةٌ لِابْنِ الْقَاصِّ (وَآبَاءُ الْمُرْضِعَةِ مِنْ نَسَبٍ أَوْ رَضَاعٍ أَجْدَادٌ لِلرَّضِيعِ) لِمَا مَرَّ مِنْ أَنَّ الْحُرْمَةَ تَسْرِي إلَى أُصُولِهَا، فَلَوْ كَانَ الرَّضِيعُ أُنْثَى حُرِّمَ عَلَيْهِمْ نِكَاحُهَا (وَأُمَّهَاتُهَا) مِنْ نَسَبٍ أَوْ رَضَاعٍ (جَدَّاتُهُ) لِمَا مَرَّ، فَلَوْ كَانَ الرَّضِيعُ ذَكَرًا حُرِّمَ عَلَيْهِ نِكَاحُهُنَّ (وَأَوْلَادُهَا مِنْ نَسَبٍ أَوْ رَضَاعٍ إخْوَتُهُ وَأَخَوَاتُهُ) لِمَا مَرَّ مِنْ أَنَّ الْحُرْمَةَ تَسْرِي إلَى فُرُوعِهَا (وَإِخْوَتُهَا وَأَخَوَاتُهَا) مِنْ نَسَبٍ أَوْ رَضَاعٍ (أَخْوَالُهُ وَخَالَاتُهُ) لِمَا مَرَّ مِنْ أَنَّ الْحُرْمَةَ تَسْرِي إلَى حَوَاشِيهَا فَيَحْرُمُ التَّنَاكُحُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمْ، وَكَذَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَوْلَادِ الْأَوْلَادِ، بِخِلَافِ أَوْلَادِ الْإِخْوَةِ وَالْأَخَوَاتِ؛ لِأَنَّهُمْ أَوْلَادُ أَخْوَالِهِ وَخَالَاتِهِ (وَأَبُو ذِي) أَيْ صَاحِبِ (اللَّبَنِ جَدُّهُ، وَأَخُوهُ عَمُّهُ) أَيْ الرَّضِيعِ (وَكَذَا الْبَاقِي) مِنْ أَقَارِبِ صَاحِبِ اللَّبَنِ عَلَى هَذَا الْقِيَاسِ فَأُمُّهُ جَدَّتُهُ وَأَوْلَادُهُ إخْوَتُهُ وَأَخَوَاتُهُ وَإِخْوَتُهُ أَعْمَامُهُ وَعَمَّاتُهُ لِمَا مَرَّ، أَنَّ الْحُرْمَةَ تَسْرِي إلَى أُصُولِ صَاحِبِ اللَّبَنِ وَفُرُوعِهِ وَحَوَاشِيهِ (وَاللَّبَنُ لِمَنْ نُسِبَ إلَيْهِ وَلَدٌ) أَوْ سِقْطٌ (نَزَلَ) أَيْ دَرَّ اللَّبَنُ (بِهِ بِنِكَاحٍ أَوْ وَطْءِ شُبْهَةٍ) كَمَا فِي الْوَلَدِ اتِّبَاعًا لِلرَّضَاعِ بِالنَّسَبِ، وَالنَّسَبُ فِيهِ ثَابِتٌ، فَقَوْلُ ابْنِ الْقَاصِّ: يُشْتَرَطُ فِي حُرْمَةِ الرَّضَاعِ فِي حَقِّ مَنْ يُنْسَبُ إلَيْهِ الْوَلَدُ إقْرَارُهُ بِالْوَطْءِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ وَلَحِقَهُ الْوَلَدُ بِمُجَرَّدِ الْإِمْكَانِ لَمْ تَثْبُتْ الْحُرْمَةُ مُخَالِفٌ لِمَا ذُكِرَ وَالظَّاهِرُ كَلَامُ الْجُمْهُورِ فَالْمُعْتَمَدُ خِلَافُهُ

تَنْبِيهٌ قَضِيَّةُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ أَنَّهُ لَوْ ثَارَ لِلْمَرْأَةِ لَبَنٌ قَبْلَ أَنْ يُصِيبَهَا الزَّوْجُ أَوْ بَعْدَ الْإِصَابَةِ وَلَمْ تَحْبَلْ ثُبُوتُ حُرْمَةِ الرَّضَاعِ فِي حَقِّهَا دُونَ الزَّوْجِ، وَبِهِ جَزَمَ الْقَاضِي الْحُسَيْنُ فِيمَا قَبْلَ الْإِصَابَةِ وَقَالَ فِيمَا بَعْدَ الْإِصَابَةِ وَقَبْلَ الْحَمْلِ: الْمَذْهَبُ ثُبُوتُهُ فِي حَقِّهَا دُونَهُ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ فِي رِوَايَةِ حَرْمَلَةَ ثَبَتَ فِي حَقِّهِ أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ ثَوَّرَ أَعْضَاءَهَا بِالْوَطْءِ، وَالْأَصَحُّ هُوَ الْأَوَّلُ اهـ. قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: وَعَلَيْهِ اقْتَصَرَ فِي الْكَافِي، وَنَقَلَهُ الْأَذْرَعِيُّ عَنْ فُرُوعِ ابْنِ الْقَطَّانِ، وَلَمْ يَذْكُرْ كَلَامَ الْقَاضِي وَصَاحِبِ الْكَافِي فَإِنْ قِيلَ: كَانَ يَنْبَغِي لِلْمُصَنِّفِ أَنْ يَقُولَ: أَوْ مِلْكِ يَمِينٍ، فَإِنَّ الْوَلَدَ مِنْهُ كَالْوَلَدِ بِالنِّكَاحِ.
أُجِيبَ بِأَنَّهُ اسْتَغْنَى عَنْهُ بِمَا ذَكَرَهُ قَبْلُ: أَنَّ الْمُسْتَوْلَدَةَ كَالزَّوْجَةِ (لَا) بِوَطْءِ (زِنًا) فَلَا يَحْرُمُ عَلَى الزَّانِي نِكَاحُ صَغِيرَةٍ ارْتَضَعَتْ بِلَبَنِهِ؛ لِأَنَّهُ لَا حُرْمَةَ لَهُ، لَكِنْ يُكْرَهُ لَهُ نِكَاحُهَا كَنِكَاحِ بِنْتِهِ مِنْ الزِّنَا (وَلَوْ نَفَاهُ) أَيْ نَفَى مَنْ نُسِبَ إلَيْهِ الْوَلَدُ الْوَلَدَ (بِلِعَانٍ انْتَفَى اللَّبَنُ) النَّازِلُ بِهِ كَالنَّسَبِ (عَنْهُ) فَلَوْ ارْتَضَعَتْ بِهِ صَغِيرَةٌ حَلَّتْ لِلنَّافِي، وَلَوْ عَادَ وَاسْتَلْحَقَ الْوَلَدَ بَعْدَ اللِّعَانِ لَحِقَهُ الرَّضِيعُ أَيْضًا

(وَلَوْ وُطِئَتْ مَنْكُوحَةٌ) أَيْ وَطِئَهَا وَاحِدٌ (بِشُبْهَةٍ أَوْ وَطِئَ اثْنَانِ) امْرَأَةً (بِشُبْهَةٍ فَوَلَدَتْ) وَلَدًا

فَاللَّبَنُ لِمَنْ لَحِقَهُ الْوَلَدُ بِقَائِفٍ أَوْ غَيْرِهِ، وَلَا تَنْقَطِعُ نِسْبَةُ اللَّبَنِ عَنْ زَوْجٍ مَاتَ أَوْ طَلَّقَ، وَإِنْ طَالَتْ الْمُدَّةُ أَوْ انْقَطَعَ وَعَادَ

فَإِنْ نَكَحَتْ آخَرَ وَوَلَدَتْ مِنْهُ فَاللَّبَنُ بَعْدَ الْوِلَادَةِ لَهُ وَقَبْلَهَا لِلْأَوَّلِ إنْ لَمْ يَدْخُلْ وَقْتَ ظُهُورِ لَبَنِ حَمْلِ الثَّانِي، وَكَذَا إنْ دَخَلَ، وَفِي قَوْلٍ لِلثَّانِي وَفِي قَوْلٍ لَهُمَا

[مغني المحتاج]

(فَاللَّبَنُ) النَّازِلُ بِهِ (لِمَنْ لَحِقَهُ الْوَلَدُ) مِنْهُمَا: إمَّا (بِقَائِفٍ) وَسَيَأْتِي بَيَانُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى آخِرَ كِتَابِ الدَّعْوَى وَالْبَيِّنَاتِ إنْ أَمْكَنَ كَوْنُهُ مِنْهُمَا (أَوْ) لِمَنْ لَحِقَهُ الْوَلَدُ بِسَبَبٍ (غَيْرِهِ) بِأَنْ انْحَصَرَ الْإِمْكَانُ فِي وَاحِدٍ مِنْهُمَا، أَوْ لَمْ يَكُنْ قَائِفٌ، أَوْ أَلْحَقَهُ بِهِمَا أَوْ نَفَاهُ عَنْهُمَا، أَوْ أَشْكَلَ عَلَيْهِ الْأَمْرُ وَانْتَسَبَ الْوَلَدُ لِأَحَدِهِمَا بَعْدَ بُلُوغِهِ أَوْ بَعْدَ إفَاقَتِهِ مِنْ جُنُونٍ وَنَحْوِهِ، فَالرَّضِيعُ مِنْ ذَلِكَ اللَّبَنِ وَلَدُ رَضَاعٍ لِمَنْ لَحِقَهُ ذَلِكَ الْوَلَدُ؛ لِأَنَّ اللَّبَنَ تَابِعٌ لِلْوَلَدِ، فَإِنْ مَاتَ الْوَلَدُ قَبْلَ الِانْتِسَابِ وَلَهُ وَلَدٌ قَامَ مَقَامَهُ، أَوْ أَوْلَادٌ وَانْتَسَبَ بَعْضُهُمْ لِهَذَا وَبَعْضُهُمْ لِذَاكَ دَامَ الْإِشْكَالُ، فَإِنْ مَاتُوا قَبْلَ الِانْتِسَابِ أَوْ بَعْدَهُ فِيمَا إذَا انْتَسَبَ بَعْضُهُمْ لِهَذَا وَبَعْضُهُمْ لِذَاكَ، أَوْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَلَا وَلَدُ وَلَدٍ انْتَسَبَ الرَّضِيعُ حِينَئِذٍ أَمَّا قَبْلَ انْقِرَاضِ وَلَدِهِ وَوَلَدِ وَلَدِهِ فَلَيْسَ لَهُ الِانْتِسَابُ بَلْ هُوَ تَابِعٌ لِلْوَلَدِ أَوْ وَلَدِهِ، وَلَا يُجْبَرُ عَلَى الِانْتِسَابِ، بِخِلَافِ الْوَلَدِ وَأَوْلَادِهِ فَإِنَّهُمْ يُجْبَرُونَ عَلَيْهِ لِضَرُورَةِ النَّسَبِ، وَالْفَرْقُ أَنَّ النَّسَبَ يَتَعَلَّقُ بِهِ حُقُوقٌ لَهُ وَعَلَيْهِ كَالْمِيرَاثِ وَالنَّفَقَةِ وَالْعِتْقِ بِالْمِلْكِ وَسُقُوطِ الْقَوَدِ وَرَدِّ الشَّهَادَةِ فَلَا بُدَّ مِنْ دَفْعِ الْإِشْكَالِ، وَالْمُتَعَلِّقُ بِالرَّضَاعِ حُرْمَةُ النِّكَاحِ، وَجَوَازُ النَّظَرِ، وَالْخَلْوَةِ، وَعَدَمُ نَقْضِ الطَّهَارَةِ كَمَا مَرَّ، وَالْإِمْسَاكُ عَنْهُ سَهْلٌ فَلَمْ يُجْبَرْ عَلَيْهِ الرَّضِيعُ وَلَا يُعْرَضُ أَيْضًا عَلَى الْقَائِفِ، وَيُفَارِقُ وَلَدَ النَّسَبِ بِأَنَّ مُعْظَمَ اعْتِمَادِ الْقَائِفِ عَلَى الْأَشْبَاهِ الظَّاهِرَةِ دُونَ الْأَخْلَاقِ، وَإِنَّمَا جَازَ انْتِسَابُهُ؛ لِأَنَّ الْإِنْسَانَ يَمِيلُ إلَى مَنْ ارْتَضَعَ مِنْ لَبَنِهِ (وَلَا تَنْقَطِعُ نِسْبَةُ اللَّبَنِ عَنْ) صَاحِبِهِ مِنْ (زَوْجٍ) أَوْ غَيْرِهِ (مَاتَ أَوْ) زَوْجٍ (طَلَّقَ) وَلَهُ اللَّبَنُ (وَإِنْ طَالَتْ الْمُدَّةُ) كَعَشْرِ سِنِينَ وَلَهُ لَبَنٌ ارْتَضَعَ مِنْهُ جُمِعَ بِتَرْتِيبٍ (أَوْ انْقَطَعَ) اللَّبَنُ (وَعَادَ) إذْ لَمْ يَحْدُثْ مَا يُحَالُ اللَّبَنُ عَلَيْهِ، إذْ الْكَلَامُ فِي الْخَلِيَّةِ فَاسْتَمَرَّتْ نِسْبَتُهُ إلَيْهِ

(فَإِنْ نَكَحَتْ) بَعْدَ مَوْتٍ أَوْ طَلَاقِ مَنْ ذُكِرَ زَوْجًا (آخَرَ) أَوْ وُطِئَتْ بِشُبْهَةٍ (وَوَلَدَتْ مِنْهُ فَاللَّبَنُ بَعْدَ الْوِلَادَةِ لَهُ) أَيْ لِلْآخَرِ أَوْ لِلْوَاطِئِ بِشُبْهَةٍ؛ لِأَنَّ اللَّبَنَ يَتْبَعُ الْوَلَدَ وَالْوَلَدُ لِلثَّانِي فَكَذَلِكَ اللَّبَنُ (وَقَبْلَهَا) أَيْ الْوِلَادَةِ يَكُونُ (لِلْأَوَّلِ إنْ لَمْ يَدْخُلْ وَقْتُ ظُهُورِ لَبَنِ حَمْلِ الثَّانِي) لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاءُ الْأَوَّلِ وَلَمْ يَحْدُثْ مَا يُغَيِّرُهُ، وَسَوَاءٌ أَزَادَ عَلَى مَا كَانَ أَمْ لَا، انْقَطَعَ ثُمَّ عَادَ أَمْ لَا، وَيَرْجِعُ فِي أَوَّلِ مُدَّةٍ يَحْدُثُ فِيهَا لَبَنُ الْحَمْلِ لِلْقَوَابِلِ عَلَى النَّصِّ وَقِيلَ: إنَّ أَوَّلَ مُدَّتِهِ أَرْبَعُونَ يَوْمًا وَقِيلَ: أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ (وَكَذَا إنْ دَخَلَ) وَقْتُ ظُهُورِ لَبَنِ حَمْلِ الثَّانِي يَكُونُ اللَّبَنُ أَيْضًا لِلْأَوَّلِ دُونَ الثَّانِي؛ لِأَنَّ اللَّبَنَ غِذَاءٌ لِلْوَلَدِ لَا لِلْحَمْلِ فَيَتْبَعُ الْمُنْفَصِلَ (وَفِي قَوْلٍ لِلثَّانِي) لِأَنَّ الْحَمْلَ نَاسِخٌ فَقَطَعَ حُكْمَ مَا قَبْلَهُ كَالْوِلَادَةِ (وَفِي قَوْلٍ لَهُمَا) مَعًا لِأَنَّ احْتِمَالَ الْأَمْرَيْنِ يُوجِبُ تَسَاوِيَهُمَا

فَصْلٌ تَحْتَهُ صَغِيرَةٌ فَأَرْضَعَتْهَا أُمُّهُ أَوْ أُخْتُهُ أَوْ زَوْجَةٌ أُخْرَى انْفَسَخَ نِكَاحُهُ، وَلِلصَّغِيرَةِ نِصْفُ مَهْرِهَا، وَلَهُ عَلَى الْمُرْضِعَةِ نِصْفُ مَهْرِ مِثْلٍ،

[مغني المحتاج]

تَنْبِيهٌ أَطْلَقَ الْقَوْلَ الثَّانِيَ، وَمَحَلُّهُ إذَا انْقَطَعَ اللَّبَنُ مُدَّةً طَوِيلَةً ثُمَّ عَادَ كَمَا فِي الشَّرْحِ وَالرَّوْضَةِ، أَمَّا إذَا لَمْ يَنْقَطِعْ أَوْ انْقَطَعَ مُدَّةً يَسِيرَةً فَلَيْسَ فِيهِ قَوْلُ أَنَّهُ لِلثَّانِي فَقَطْ بَلْ لِلْأَوَّلِ أَوْ لَهُمَا، أَوْ لِلْأَوَّلِ إنْ لَمْ يَزِدْ، وَلَهُمَا إنْ زَادَ

تَتِمَّةٌ: لَوْ حَمَلَتْ مُرْضِعَةٌ مُزَوَّجَةٌ مِنْ زِنًا فَاللَّبَنُ لِلزَّوْجِ مَا لَمْ تَضَعْ، فَإِذَا وَضَعَتْ كَانَ اللَّبَنُ لِلزِّنَا نَظِيرَ مَا لَوْ حَمَلَتْ بِغَيْرِ زِنًا

وَلَوْ نَزَلَ لِبِكْرٍ لَبَنٌ وَتَزَوَّجَتْ وَحَبِلَتْ مِنْ الزَّوْجِ فَاللَّبَنُ لَهَا لَا لِلزَّوْجِ مَا لَمْ تَلِدْ وَلَا أَبَ لِلرَّضِيعِ، فَإِنْ وَلَدَتْ مِنْهُ فَاللَّبَنُ بَعْدَ الْوِلَادَةِ لَهُ

[فَصْلٌ فِي طَرَيَانُ الرَّضَاعِ عَلَى النِّكَاحِ]

(فَصْلٌ) فِي طَرَيَانِ الرَّضَاعِ عَلَى النِّكَاحِ مَعَ الْغُرْمِ بِسَبَبِ قَطْعِهِ النِّكَاحَ، لَوْ كَانَ (تَحْتَهُ) زَوْجَةٌ (صَغِيرَةٌ فَأَرْضَعَتْهَا) الْإِرْضَاعَ الْمُحَرِّمَ (أُمُّهُ) أَيْ الزَّوْجِ (أَوْ أُخْتُهُ) مِنْ نَسَبٍ أَوْ رَضَاعٍ (أَوْ زَوْجَةٌ أُخْرَى) لَهُ أَوْ غَيْرُهُنَّ مِمَّنْ يَحْرُمُ عَلَيْهِ بِنْتُهَا كَزَوْجَةِ أَبِيهِ أَوْ ابْنِهِ أَوْ أَخَاهُ بِلَبَنِهِمْ (انْفَسَخَ نِكَاحُهُ) مِنْ الصَّغِيرَةِ وَحُرِّمَتْ عَلَيْهِ أَبَدًا؛ لِأَنَّهَا صَارَتْ أُخْتَهُ، أَوْ بِنْتَ أُخْتِهِ، أَوْ بِنْتَ زَوْجَتِهِ، أَوْ أُخْتَهُ أَيْضًا، أَوْ بِنْتَ ابْنِهِ، أَوْ بِنْتَ أَخِيهِ؛ لِأَنَّ مَا يُوجِبُ الْحُرْمَةَ الْمُؤَبَّدَةَ كَمَا يَمْنَعُ ابْتِدَاءَ النِّكَاحِ يَمْنَعُ اسْتِدَامَتَهُ بِدَلِيلِ أَنَّ الِابْنَ إذَا وَطِئَ زَوْجَةَ أَبِيهِ بِشُبْهَةٍ انْفَسَخَ النِّكَاحُ وَحُرِّمَتْ عَلَيْهِ، وَلَيْسَ ذَلِكَ كَطُرُوِّ الرِّدَّةِ وَالْعِدَّةِ لِعَدَمِ إيجَابِهِمَا التَّحْرِيمَ الْمُؤَبَّدَ أَمَّا إذَا كَانَ اللَّبَنُ مِنْ غَيْرِ الْأَبِ وَالِابْنِ وَالْأَخِ فَلَا يُؤَثِّرُ؛ لِأَنَّ غَايَتَهُ أَنْ تَصِيرَ رَبِيبَةَ أَبِيهِ أَوْ ابْنِهِ أَوْ أَخِيهِ، وَلَيْسَتْ بِحَرَامٍ عَلَيْهِ، وَانْفَسَخَ نِكَاحُ زَوْجَتِهِ الْأُخْرَى أَيْضًا إذَا كَانَتْ هِيَ الْمُرْضِعَةَ؛ لِأَنَّهَا صَارَتْ أُمَّ زَوْجَتِهِ تَنْبِيهٌ قَدْ عُلِمَ مِمَّا تَقَرَّرَ أَنَّهُ لَوْ عَبَّرَ بِمَنْ يَحْرُمُ عَلَيْهِ نِكَاحُ بِنْتِهَا لَكَانَ أَخْصَرَ وَأَشْمَلَ (وَلِلصَّغِيرَةِ) عَلَى الزَّوْجِ (نِصْفُ مَهْرِهَا) الْمُسَمَّى إنْ كَانَ صَحِيحًا، وَإِلَّا فَنِصْفُ مَهْرِ مِثْلِهَا؛ لِأَنَّهُ فِرَاقٌ حَصَلَ قَبْلَ الدُّخُولِ لَا بِسَبَبِهَا فَشَطَرَ الْمَهْرَ كَالطَّلَاقِ (وَلَهُ عَلَى الْمُرْضِعَةِ نِصْفُ مَهْرِ مِثْلٍ) عَلَى النَّصِّ أَمَّا الْغُرْمُ فَلِأَنَّهَا فَوَّتَتْ عَلَيْهِ مِلْكَ النِّكَاحِ سَوَاءٌ أَقَصَدَتْ بِإِرْضَاعِهَا فَسْخَ النِّكَاحِ أَمْ لَا، تَعَيَّنَ عَلَيْهَا لِخَوْفِ تَلَفِ الصَّغِيرَةِ أَمْ لَا؛ لِأَنَّ غَرَامَةَ الْمُتْلَفَاتِ لَا تَخْتَلِفُ بِهَذِهِ الْأَسْبَابِ وَأَمَّا النِّصْفُ فَلِأَنَّهُ الَّذِي يَغْرَمُهُ فَاعْتُبِرَ مَا يَجِبُ لَهُ بِمَا يَجِبُ عَلَيْهِ، وَلَوْ أَوْجَرَ الصَّغِيرَةَ أَجْنَبِيٌّ لَبَنَ أُمِّ الزَّوْجِ كَانَ الرُّجُوعُ عَلَيْهِ وَلَوْ أَكْرَهَ أَجْنَبِيٌّ الْأُمَّ عَلَى إرْضَاعِهَا فَأَرْضَعَتْهَا فَالْغُرْمُ عَلَيْهَا طَرِيقًا وَالْقَرَارُ عَلَى الْمُكْرِهِ لِيُوَافِقَ قَاعِدَةَ الْإِكْرَاهِ عَلَى الْإِتْلَافِ، وَالْفَرْقُ بِأَنَّ الْأَبْضَاعَ لَا تَدْخُلُ تَحْتَ الْيَدِ، وَبِأَنَّ الْغُرْمَ هُنَا لِلْحَيْلُولَةِ وَهِيَ مُنْتَفِيَةٌ فِي الْمُكْرِهِ مَرْدُودٌ بِأَنَّ الْحُرَّ لَا يَدْخُلُ تَحْتَ الْيَدِ مَعَ دُخُولِ إتْلَافِهِ فِي الْقَاعِدَةِ، وَالْقَوْلُ بِأَنَّ الْغُرْمَ هُنَا لِلْحَيْلُولَةِ يَرُدُّهُ مَا سَيَأْتِي عَنْ قُرْبٍ مِنْ الْفَرْقِ، بَيْنَ مَا هُنَا وَشُهُودِ

وَفِي قَوْلٍ كُلُّهُ

وَلَوْ رَضَعَتْ مِنْ نَائِمَةٍ فَلَا غُرْمَ وَلَا مَهْرَ لِلْمُرْتَضِعَةِ.

وَلَوْ كَانَ تَحْتَهُ كَبِيرَةٌ وَصَغِيرَةٌ فَأَرْضَعَتْ أُمُّ الْكَبِيرَةِ الصَّغِيرَةَ انْفَسَخَتْ الصَّغِيرَةُ وَكَذَا الْكَبِيرَةُ فِي الْأَظْهَرِ، وَلَهُ نِكَاحُ مَنْ شَاءَ مِنْهُمَا

[مغني المحتاج]

الطَّلَاقِ إذَا رَجَعُوا (وَفِي قَوْلٍ) مُخَرَّجٍ مِنْ رُجُوعِ شُهُودِ الطَّلَاقِ قَبْلَ الدُّخُولِ لِلزَّوْجِ عَلَى الْمُرْضِعَةِ الْمَهْرُ (كُلُّهُ) وَفَرَّقَ الْأَوَّلُ بِأَنَّ فُرْقَةَ الرَّضَاعِ حَقِيقَةٌ فَلَا تُوجِبُ إلَّا النِّصْفَ كَالْمُفَارَقَةِ بِالطَّلَاقِ، وَفِي الشَّهَادَةِ النِّكَاحُ بَاقٍ بِزَعْمِ الزَّوْجِ وَالشُّهُودِ، وَلَكِنَّهُمْ بِشَهَادَتِهِمْ حَالُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْبُضْعِ فَغَرِمُوا قِيمَتَهُ كَالْغَاصِبِ الْحَائِلِ بَيْنَ الْمَالِكِ وَالْمَغْصُوبِ تَنْبِيهٌ مَا أَطْلَقَهُ الْمُصَنِّفُ مِنْ تَغْرِيمِهِ الْمُرْضِعَةَ مَحَلُّهُ كَمَا قَيَّدَهُ الْمَاوَرْدِيُّ بِمَا إذَا لَمْ يَأْذَنْ الزَّوْجُ لَهَا فِي الْإِرْضَاعِ، فَإِنْ أَذِنَ لَهَا فَلَا غُرْمَ، وَإِكْرَاهُهُ لَهَا عَلَى الرَّضَاعِ إذْنٌ وَزِيَادَةٌ، وَمَا ذُكِرَ مَحَلُّهُ فِي الزَّوْجِ الْحُرِّ، فَلَوْ كَانَ عَبْدًا فَأَرْضَعَتْ أُمُّهُ مَثَلًا زَوْجَتَهُ الصَّغِيرَةَ فَإِنَّهُ يُؤْخَذُ مِنْ كَسْبِهِ لِلصَّغِيرَةِ نِصْفُ الْمُسَمَّى إنْ كَانَ صَحِيحًا، وَإِلَّا فَنِصْفُ مَهْرِ الْمِثْلِ، وَالْغُرْمُ عَلَى الْمُرْضِعَةِ لِلسَّيِّدِ كَعِوَضٍ وَإِنْ كَانَ النِّكَاحُ لَمْ يَفُتْ إلَّا عَلَى الْعَبْدِ وَلَا حَقَّ لِلسَّيِّدِ فِيهِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ بَدَلُ الْبُضْعِ فَكَانَ لِلسَّيِّدِ كَعِوَضِ الْخُلْعِ، وَمَحَلُّهُ أَيْضًا إذَا لَمْ تَكُنْ الْمُرْضِعَةُ مَمْلُوكَةً لِلزَّوْجِ، فَإِنْ كَانَتْ مَمْلُوكَتَهُ وَلَوْ مُدَبَّرَةً وَمُسْتَوْلَدَةً فَلَا رُجُوعَ لَهُ عَلَيْهَا، وَإِنْ كَانَ مُكَاتَبَةً رَجَعَ عَلَيْهَا بِالْغُرْمِ مَا لَمْ تَعْجِزْ، وَسَكَتَ الْمُصَنِّفُ عَنْ مَهْرِ الْكَبِيرَةِ، وَحُكْمُهُ إنْ كَانَ مَدْخُولًا بِهَا فَلَهَا الْمَهْرُ وَإِلَّا فَلَا

فَرْعٌ: لَوْ نَكَحَ عَبْدٌ أَمَةً صَغِيرَةً مُفَوَّضَةً بِتَفْوِيضِ سَيِّدِهَا فَأَرْضَعَتْهَا أُمُّهُ مَثَلًا فَلَهَا الْمُتْعَةُ فِي كَسْبِهِ، وَلَا يُطَالِبُ سَيِّدُهُ الْمُرْضِعَةَ إلَّا بِنِصْفِ مَهْرِ الْمِثْلِ، وَإِنَّمَا صَوَّرُوا ذَلِكَ بِالْأَمَةِ لِأَنَّهُ لَا يُتَصَوَّرُ فِي الْحُرَّةِ لِعَدَمِ الْمُكَافَأَةِ

(وَلَوْ) دَبَّتْ صَغِيرَةٌ وَ (رَضَعَتْ) خَمْسَ رَضَعَاتٍ (مِنْ) كَبِيرَةٍ (نَائِمَةٍ) أَوْ مُسْتَيْقِظَةٍ سَاكِتَةٍ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْمُصَنِّفُ فِي زِيَادَةِ الرَّوْضَةِ (فَلَا غُرْمَ) عَلَى مَنْ رَضَعَتْ مِنْهَا، لِأَنَّهَا لَمْ تَصْنَعْ شَيْئًا (وَلَا مَهْرَ لِلْمُرْتَضِعَةِ) لِأَنَّ الِانْفِسَاخَ حَصَلَ بِفِعْلِهَا، وَذَلِكَ يُسْقِطُ الْمَهْرَ قَبْلَ الدُّخُولِ، وَيَرْجِعُ الزَّوْجُ فِي مَالِهَا بِنِسْبَةِ مَا غَرِمَ لِكَبِيرَةٍ؛ لِأَنَّهَا أَتْلَفَتْ عَلَيْهِ بُضْعَ الْكَبِيرَةِ، وَلَا فَرْقَ فِي غُرْمِهِ الْمُتْلَفَاتِ بَيْنَ الْكَبِيرَةِ وَالصَّغِيرَةِ

فَرْعٌ: لَوْ حَمَلَتْ الرِّيحُ اللَّبَنَ مِنْ الْكَبِيرَةِ إلَى جَوْفِ الصَّغِيرَةِ لَمْ يَرْجِعْ عَلَى وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا إذْ لَا صُنْعَ مِنْهُمَا

وَلَوْ دَبَّتْ الصَّغِيرَةُ فَارْتَضَعَتْ مِنْ أُمِّ الزَّوْجِ أَرْبَعًا ثُمَّ أَرْضَعَتْهَا أُمُّ الزَّوْجِ الْخَامِسَةَ أَوْ عَكْسُهُ اخْتَصَّ التَّغْرِيمُ بِالْخَامِسَةِ

(وَلَوْ كَانَ) (تَحْتَهُ) زَوْجَتَانِ (كَبِيرَةٌ وَصَغِيرَةٌ فَأَرْضَعَتْ أُمُّ الْكَبِيرَةِ الصَّغِيرَةَ) (انْفَسَخَتْ الصَّغِيرَةُ) أَيْ نِكَاحُهَا؛ لِأَنَّهَا صَارَتْ أُخْتًا لِلْكَبِيرَةِ، وَلَا سَبِيلَ إلَى الْجَمْعِ بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ (وَكَذَا الْكَبِيرَةُ) يَنْفَسِخُ نِكَاحُهَا أَيْضًا (فِي الْأَظْهَرِ) لِمَا مَرَّ وَالثَّانِي يَخْتَصُّ الِانْفِسَاخُ بِالصَّغِيرَةِ؛ لِأَنَّ الْجَمْعَ حَصَلَ بِإِرْضَاعِهَا، وَنَسَبَهُ الْمَاوَرْدِيُّ لِلْجَدِيدِ وَالْأَوَّلُ لِلْقَدِيمِ (وَ) عَلَى الْأَظْهَرِ (لَهُ نِكَاحُ مَنْ شَاءَ مِنْهُمَا) عَلَى الِانْفِرَادِ، لِأَنَّهُمَا أُخْتَانِ وَالْمُحَرَّمُ عَلَيْهِ جَمْعُهُمَا

فصول الكتاب · 11 فصل · 627 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول مغني المحتاج إلى معرفة معاني ألفاظ المنهاج · 627 صفحة
المقدمة
بَابُ صَلَاةِ الْمُسَافِرِ
بَابُ صَلَاةِ الْكُسُوفَيْنِ
بَابُ زَكَاةِ النَّقْدِبَابُ زَكَاةِ الْمَعْدِن وَالرِّكَازِ وَالتِّجَارَةِ
بَاب زَكَاةِ الْفِطْرِ
كتاب البيع
بَابُ الضَّمَانِ
بَابُ مَا يَحْرُمُ مِنْ النِّكَاحِ
بَابُ نِكَاحِ الْمُشْرِكِ
بَابُ قَاطِعِ الطَّرِيقِ
جارٍ التحميل