وَغَيْرِهِمَا.
وَلَوْ شَهِدَتْ بِإِقْرَارِهِ أَمْسِ بِالْمِلْكِ لَهُ اُسْتُدِيمَ.
وَلَوْ أَقَامَهَا بِالْمِلْكِ دَابَّةً أَوْ شَجَرَةً لَمْ يَسْتَحِقَّ ثَمَرَةً مَوْجُودَةً، وَلَا وَلَدًا مُنْفَصِلًا وَيَسْتَحِقُّ حَمْلًا فِي الْأَصَحِّ
وَلَوْ اشْتَرَى
[مغني المحتاج]
وَغَيْرِهِمَا) اعْتِمَادًا عَلَى الِاسْتِصْحَابِ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ الْبَقَاءُ وَجَازَ ذَلِكَ لِلْحَاجَةِ وَإِنْ جَازَ زَوَالُهُ؛ لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَعْتَمِدْ الِاسْتِصْحَابَ لَعَسِرَتْ الشَّهَادَةُ عَلَى الْأَمْلَاكِ إذَا تَطَاوَلَ الزَّمَنُ، هَذَا إذَا أَطْلَقَ الشَّهَادَةَ، فَإِنْ صَرَّحَ فِي شَهَادَتِهِ بِاعْتِمَادِ الِاسْتِصْحَابِ لَمْ يُقْبَلْ عِنْدَ الْأَكْثَرِينَ.
وَقَالَ الْقَاضِي حُسَيْنٌ: يُقْبَلُ.
وَالْأَوْجَهُ كَمَا قَالَ شَيْخُنَا حَمْلُ الْأَوَّلِ عَلَى مَا إذَا ظَهَرَ بِذِكْرِ الِاسْتِصْحَابِ تَرَدُّدٌ، أَيْ وَكَلَامُ الْقَاضِي عَلَى خِلَافِهِ، فَإِنْ قَالَا: لَا نَدْرِي هَلْ زَالَ أَوْ لَا؟ لَمْ تُقْبَلْ قَطْعًا؛ لِأَنَّهَا صِيغَةُ مُرْتَابٍ بَعِيدَةٌ عَنْ أَدَاءِ الشَّهَادَةِ.
(وَلَوْ) (شَهِدَتْ) بَيِّنَةٌ (بِإِقْرَارِهِ) أَيْ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ (أَمْسِ بِالْمِلْكِ لَهُ) أَيْ الْمُدَّعِي (اُسْتُدِيمَ) الْإِقْرَارُ أَيْ حُكْمُهُ وَإِنْ لَمْ يُصَرِّحْ بِالْمِلْكِ فِي الْحَالِ؛ لِأَنَّهُ أَسْنَدَهُ إلَى أَمْرٍ يَقِينِيٍّ فَيَثْبُتُ الْمِلْكُ لَهُ ثُمَّ يُسْتَصْحَبُ، وَلَوْ قَالَ لَهُ الْخَصْمُ: كَانَتْ الْعَيْنُ الْمُدَّعَاةُ مِلْكَكَ أَمْسِ وَأَخَذْنَاهُ بِإِقْرَارِهِ فَتُنْزَعُ مِنْهُ، كَمَا لَوْ قَامَتْ بَيِّنَةٌ بِأَنَّهُ أَقَرَّ لَهُ بِهِ أَمْسِ وَفَارَقَتْ مَا لَوْ شَهِدَتْ بِأَنَّهَا كَانَتْ مِلْكَهُ أَمْسِ بِأَنَّ الْإِقْرَارَ لَا يَكُونُ إلَّا عَنْ تَحْقِيقٍ، وَالشَّاهِدُ بِالْمِلْكِ قَدْ يَتَسَاهَلُ وَيَعْتَمِدُ التَّخْمِينَ، فَإِذَا لَمْ يَنْضَمَّ إلَيْهِ الْجَزْمُ فِي الْحَالِ ضَعُفَ.
تَنْبِيهٌ الْأَصْلُ أَنَّ بَيِّنَةَ الْمُدَّعِي الْمُطْلَقَةَ لَا تُوجِبُ قَبُولَ الْمِلْكِ لَهُ بَلْ تُظْهِرُهُ كَمَا نَصَّ عَلَيْهِ، فَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ مِلْكُهُ سَابِقًا عَلَى إقَامَتِهَا، وَلَكِنْ لَا يُشْتَرَطُ السَّبْقُ بِزَمَنٍ طَوِيلٍ يَكْفِي لِصِدْقِ الشُّهُودِ لَحْظَةً لَطِيفَةً؛ لِأَنَّ هَذَا تَقَدُّمٌ صُورِيٌّ لَا حَقِيقِيٌّ، وَلِهَذَا لَا يَسْتَحِقُّ الثَّمَرَةَ وَالنِّتَاجَ الْحَاصِلَيْنِ قَبْلَ تِلْكَ السَّاعَةِ كَمَا قَالَ.
(وَلَوْ) (أَقَامَهَا بِالْمِلْكِ دَابَّةً أَوْ شَجَرَةً) (لَمْ يَسْتَحِقَّ ثَمَرَةً مَوْجُودَةً، وَلَا) يَسْتَحِقُّ (وَلَدًا مُنْفَصِلًا) عِنْدَ الشَّهَادَةِ الْمَسْبُوقَةِ بِالْمِلْكِ، بَلْ يَبْقَيَانِ لِلْمُدَّعَى عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الثَّمَرَةَ وَالْوَلَدَ لَيْسَا مِنْ أَجْزَاءِ الدَّابَّةِ وَالشَّجَرَةِ، وَلِذَلِكَ لَا يَتْبَعَانِهِمَا فِي الْبَيْعِ الْمُطْلَقِ.
تَنْبِيهٌ قَيَّدَ الْبُلْقِينِيُّ الثَّمَرَةَ الْمَوْجُودَةَ بِأَنْ لَا تَدْخُلَ فِي الْبَيْعِ لِكَوْنِهَا مُؤَبَّرَةً فِي ثَمَرِ النَّخْلِ، أَوْ بَارِزَةً فِي التِّينِ وَالْعِنَبِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، فَإِنْ دَخَلَتْ فِي مُطْلَقِ بَيْعِ الشَّجَرَةِ اسْتَحَقَّهَا مُقِيمُ الْبَيِّنَةِ بِمِلْكِ الشَّجَرَةِ.
قَالَ: وَكَلَامُ الْأَصْحَابِ شَاهِدٌ لِذَلِكَ، وَبَسَطَ ذَلِكَ، وَأَشَارَ إلَى ذَلِكَ فِي الْمَطْلَبِ، وَهُوَ مُقْتَضَى تَعْبِيرِ الرَّوْضَةِ بِالظَّاهِرِ (وَيَسْتَحِقُّ حَمْلًا) مَوْجُودًا عِنْدَ الشَّهَادَةِ (فِي الْأَصَحِّ) تَبَعًا لِلْأُمِّ وَإِنْ لَمْ تَتَعَرَّضْ لَهُ الْبَيِّنَةُ.
وَالثَّانِي وَهُوَ احْتِمَالٌ لِلْإِمَامِ لَا يَسْتَحِقُّهُ لِاحْتِمَالِ كَوْنِهِ لِغَيْرِ مَالِكِ الْأُمِّ بِوَصِيَّةٍ.
تَنْبِيهٌ مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ فِي بَيِّنَةٍ مُطْلَقَةٍ، فَإِنْ تَعَرَّضَتْ لِوَقْتٍ مَخْصُوصٍ ادَّعَاهُ الْمَشْهُودُ لَهُ، فَمَا يَحْصُلُ مِنْ النِّتَاجِ وَالثَّمَرَةِ لَهُ وَإِنْ تَقَدَّمَ عَلَى وَقْتِ أَدَاءِ الشَّهَادَةِ، وَلَوْ أَقَامَ بَيِّنَةً بِمِلْكِ جِدَارٍ أَوْ شَجَرَةٍ كَانَتْ شَهَادَةً بِالْأُسِّ لَا الْمَغْرَسِ كَمَا اقْتَضَاهُ كَلَامُ الْإِمَامِ.
(وَلَوْ) (اشْتَرَى) شَخْصٌ
شَيْئًا فَأَخَذَ مِنْهُ بِحُجَّةٍ مُطْلَقَةٍ رَجَعَ عَلَى بَائِعِهِ بِالثَّمَنِ، وَقِيلَ لَا إلَّا إذَا اُدُّعِيَ فِي مِلْكٍ سَابِقٍ عَلَى الشِّرَاءِ.
وَلَوْ ادَّعَى مِلْكًا مُطْلَقًا فَشَهِدُوا لَهُ مَعَ سَبَبِهِ لَمْ يَضُرَّ، وَإِنْ ذَكَرَ سَبَبًا، وَهُمْ سَبَبًا آخَرَ ضَرَّ.
[مغني المحتاج]
(شَيْئًا فَأَخَذَ مِنْهُ بِحُجَّةٍ مُطْلَقَةٍ) أَيْ غَيْرِ مُؤَرَّخَةٍ وَلَا بَيِّنَةٍ لِسَبَبِ الْمِلْكِ (رَجَعَ) الشَّخْصُ (عَلَى بَائِعِهِ بِالثَّمَنِ) وَإِنْ اُحْتُمِلَ انْتِقَالُهُ مِنْهُ أَيْ الْمُدَّعِي لِمَسِيسِ الْحَاجَةِ إلَيْهِ فِي عُهْدَةِ الْعُقُودِ، وَلِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ انْتِقَالِهِ مِنْهُ إلَيْهِ فَيَسْتَنِدُ الْمِلْكُ الْمَشْهُودُ بِهِ إلَى مَا قَبْلَ الشِّرَاءِ، وَإِنَّمَا حُكِمَ بِبَقَاءِ الزَّوَائِدِ الْمُنْفَصِلَةِ لِلْمُدَّعِي كَمَا تَقَرَّرَ لِاحْتِمَالِ انْتِقَالِهَا إلَيْهِ مَعَ كَوْنِهَا لَيْسَتْ بِجُزْءٍ مِنْ الْأَصْلِ (وَقِيلَ: لَا) يَرْجِعُ (إلَّا إذَا اُدُّعِيَ) بِضَمِّ الدَّالِ بِخَطِّهِ (فِي مِلْكٍ سَابِقٍ عَلَى الشِّرَاءِ) لِاحْتِمَالِ انْتِقَالِ الْمِلْكِ مِنْ الْمُشْتَرِي إلَى الْمُدَّعِي، وَرَجَّحَهُ الْبُلْقِينِيُّ وَقَالَ: إنَّهُ الصَّوَابُ وَالْمَذْهَبُ الَّذِي لَا يَجُوزُ غَيْرُهُ.
قَالَ: وَحَكَى الْقَاضِي الْحُسَيْنُ الْأَوَّلَ عَنْ الْأَصْحَابِ، وَهُوَ لَا يُعْرَفُ مِنْ كُتُبِ الْأَصْحَابِ فِي الطَّرِيقَيْنِ، وَهِيَ طَرِيقَةٌ غَيْرُ مُسْتَقِيمَةٍ جَامِعَةٌ لِأَمْرٍ مُحَالٍ، وَهُوَ أَنَّهُ يَأْخُذُ النِّتَاجَ وَالثَّمَرَةَ وَالزَّوَائِدَ الْمُنْفَصِلَةَ كُلَّهَا، وَهُوَ قَضِيَّةُ صِحَّةِ الْبَيْعِ، وَيَرْجِعُ عَلَى الْبَائِعِ بِالثَّمَنِ، وَهُوَ قَضِيَّةُ فَسَادِ الْبَيْعِ، وَهَذَا مُحَالٌ،
وَأُجِيبَ عَنْهُ بِمَا تَقَرَّرَ.
تَنْبِيهٌ احْتَرَزَ الْمُصَنِّفُ بِقَوْلِهِ: " مُطْلَقَةٍ " عَمَّا لَوْ اسْتَنَدَ الِاسْتِحْقَاقُ إلَى حَالَةِ الْعَقْدِ فَيَرْجِعُ قَطْعًا، وَمَحِلُّ الرُّجُوعِ مَا لَمْ يُصَدِّقْهُ عَلَى أَنَّهُ مِلْكُهُ، فَإِنْ صَدَّقَهُ أَوْ شَهِدَتْ الْبَيِّنَةُ بِإِقْرَارِ الْمُشْتَرِي حَقِيقَةً أَوْ حُكْمًا لَمْ يَرْجِعْ بِالثَّمَنِ عَلَيْهِ لِاعْتِرَافِهِ بِمَا يَقْتَضِي أَنَّهُ مَظْلُومٌ.
نَعَمْ لَوْ صَدَّقَهُ.
أَوْ قَالَ: هُوَ مِلْكِي عَلَى وَجْهِ الْخُصُومَةِ وَاعْتُمِدَ ظَاهِرُ الْيَدِ ثُمَّ بَانَ خِلَافُهُ رَجَعَ، وَكَذَا لَوْ قَالَ ابْتِدَاءً بِعْنِي هَذِهِ الدَّارَ فَإِنَّهَا مِلْكُكَ.
ثُمَّ قَامَتْ بَيِّنَةٌ بِالِاسْتِحْقَاقِ أَوْ اشْتَرَى عَبْدًا فِي الظَّاهِرِ.
فَقَالَ: أَنَا حُرُّ الْأَصْلِ وَحَلَفَ فَحُكِمَ بِحُرِّيَّتِهِ وَكَانَ الْمُشْتَرِي قَدْ صَرَّحَ فِي مُنَازَعَتِهِ بِأَنَّهُ رَقِيقٌ فَيَرْجِعُ بِالثَّمَنِ، وَاحْتَرَزَ بِقَوْلِهِ عَلَى بَائِعِهِ عَمَّا لَوْ بَاعَهُ الْمُشْتَرِي لِغَيْرِهِ وَانْتُزِعَ مِنْ الْمُشْتَرِي الثَّانِي فَإِنَّهُ لَيْسَ لَهُ مُطَالَبَةُ الْبَائِعِ الْأَوَّلِ وَإِنْ لَمْ يَظْفَرْ بِبَائِعِهِ، بَلْ يَرْجِعُ كُلٌّ مِنْهُمَا عَلَى بَائِعِهِ.
(وَلَوْ) (ادَّعَى) شَخْصٌ (مِلْكًا مُطْلَقًا فَشَهِدُوا لَهُ) بِهِ (مَعَ) بَيَانِ (سَبَبِهِ) (لَمْ يَضُرَّ) مَا زَادُوهُ أَيْ لَمْ تَبْطُلْ شَهَادَتُهُمْ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّ سَبَبَ الْمِلْكِ تَابِعٌ لِلْمِلْكِ، وَلَيْسَ مَقْصُودًا فِي نَفْسِهِ، وَإِنَّمَا الْمَقْصُودُ الْمِلْكُ، وَقَدْ وَافَقَتْ فِيهِ الْبَيِّنَةُ الدَّعْوَى.
تَنْبِيهٌ لَا تُقَدَّمُ هَذِهِ الْبَيِّنَةُ بِذِكْرِ السَّبَبِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ ذِكْرَ السَّبَبِ مُرَجَّحٌ؛ لِأَنَّهُمْ ذَكَرُوا السَّبَبَ قَبْلَ الدَّعْوَى بِهِ وَالِاسْتِشْهَادِ عَلَيْهِ، فَإِنْ أَفَادَ الْمُدَّعِي دَعْوَى الْمِلْكِ وَسَبَبِهِ فَشَهِدُوا لَهُ بِذَلِكَ قُدِّمَتْ بَيِّنَتُهُ حِينَئِذٍ (وَإِنْ ذَكَرَ) الْمُدَّعِي (سَبَبًا) لِلْمِلْكِ (وَهُمْ) أَيْ الشُّهُودُ ذَكَرُوا (سَبَبًا آخَرَ) لِلْمِلْكِ (ضَرَّ) ذَلِكَ فَتُرَدُّ شَهَادَتُهُمْ لِلتَّنَاقُضِ بَيْنَ الدَّعْوَى وَالشَّهَادَةِ.
وَقِيلَ: لَا يَضُرُّ بَلْ يُقْبَلُ عَلَى أَصْلِ الْمِلْكِ وَيَلْغُو السَّبَبُ وَهُوَ نَظِيرُ الْمُرَجَّحِ فِيمَا إذَا قَالَ لَهُ عَلَيَّ أَلْفٌ مِنْ ثَمَنِ عَبْدٍ فَقَالَ الْمُقَرُّ لَهُ: لَا بَلْ مِنْ ثَمَنِ دَارٍ، فَإِنَّهُ لَا يَضُرُّ وَحِينَئِذٍ يُحْتَاجُ إلَى الْفَرْقِ.
فصل قَالَ آجَرْتُك هَذَا الْبَيْتَ بِعَشْرَةٍ، فَقَالَ بَلْ جَمِيعَ الدَّارِ بِالْعَشَرَةِ وَأَقَامَا بَيِّنَتَيْنِ تَعَارَضَتَا، وَفِي قَوْلٍ تُقَدَّمُ بَيِّنَةُ الْمُسْتَأْجِرِ.
وَلَوْ ادَّعَيَا شَيْئًا فِي يَدِ ثَالِثٍ وَأَقَامَ كُلٌّ مِنْهُمَا بَيِّنَةً أَنَّهُ اشْتَرَاهُ وَوَزَنَ لَهُ ثَمَنَهُ فَإِنْ اخْتَلَفَ تَارِيخٌ حُكِمَ لِلْأَسْبَقِ، وَإِلَّا تَعَارَضَتَا.
[مغني المحتاج]
[فَصْلٌ فِي اخْتِلَافِ الْمُتَدَاعِيَيْنِ]
ِ فِي الْعُقُودِ وَغَيْرِهَا، وَأَشَارَ لِلْأَوَّلِ بِقَوْلِهِ: إذَا (قَالَ) وَاحِدٌ (آجَرْتُك هَذَا الْبَيْتَ) مِنْ هَذِهِ الدَّارِ شَهْرَ كَذَا (بِعَشْرَةٍ فَقَالَ) الْآخَرُ (بَلْ) آجَرْتنِي (جَمِيعَ الدَّارِ) الْمُشْتَمِلَةِ عَلَيْهِ (بِالْعَشَرَةِ وَأَقَامَا) بِمَا قَالَاهُ (بَيِّنَتَيْنِ) وَأُطْلِقَتَا أَوْ اتَّفَقَ تَارِيخُهُمَا، وَكَذَا إنْ اخْتَلَفَ وَاتَّفَقَا عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَجْرِ إلَّا عَقْدٌ وَاحِدٌ (تَعَارَضَتَا) لِتَكَاذُبِهِمَا فَيَسْقُطَانِ عَلَى الْأَصَحِّ؛ لِأَنَّ الْعَقْدَ وَاحِدٌ، وَعَلَى الْقَوْلِ بِالِاسْتِعْمَالِ يُقْرَعُ عَلَى الْأَصَحِّ، وَلَا تَأْتِي الْقِسْمَةُ؛ لِأَنَّ التَّنَازُعَ هُنَا فِي الْعَقْدِ وَهُوَ لَا يُمْكِنُ أَنْ يُقَسَّمَ بِخِلَافِ الْمِلْكِ، وَلَا الْوَقْفِ أَيْضًا؛ لِأَنَّ الْمَنَافِعَ تَفُوتُ فِي مُدَّةِ التَّوَقُّفِ (وَفِي قَوْلٍ) مِنْ تَخْرِيجِ ابْنِ سُرَيْجٍ وَلَيْسَ بِمَنْصُوصٍ، وَمَحِلُّهُ فِي غَيْرِ مُخْتَلِفَتَيْ التَّارِيخِ (تُقَدَّمُ بَيِّنَةُ الْمُسْتَأْجِرِ) لِاشْتِمَالِ بَيِّنَتِهِ عَلَى زِيَادَةٍ وَهِيَ اكْتِرَاءُ غَيْرِ الْبَيْتِ، وَأَجَابَ الْأَوَّلُ بِأَنَّ الزِّيَادَةَ الْمُرَجَّحَةَ هِيَ الْمُشْعِرَةُ بِمَزِيدِ عِلْمٍ وَوُضُوحِ حَالِ أَحَدِ جَانِبَيْ مَا فِيهِ التَّنَافِي كَإِسْنَادٍ إلَى سَبَبٍ وَانْتِقَالٍ عَنْ اسْتِصْحَابٍ، وَأَصْلُ الزِّيَادَةِ هُنَا لَيْسَتْ كَذَلِكَ، وَإِنَّمَا هِيَ زِيَادَةٌ فِي الْمَشْهُودِ بِهِ.
أَمَّا إذَا اخْتَلَفَ تَارِيخُهُمَا وَلَمْ يَتَّفِقَا عَلَى عَقْدٍ وَاحِدٍ كَأَنْ شَهِدَتْ إحْدَاهُمَا أَنَّهُ أَجَّرَ كَذَا سَنَةً مِنْ أَوَّلِ رَمَضَانَ، وَالْأُخْرَى مِنْ أَوَّلِ شَوَّالٍ، قُدِّمَ الْأَسْبَقُ فِي الْأَصَحِّ؛ لِأَنَّ السَّابِقَ مِنْ الْعَقْدَيْنِ صَحِيحٌ لَا مَحَالَةَ، فَإِنَّهُ إنْ سَبَقَ الْعَقْدُ عَلَى الدَّارِ صَحَّ وَلَغَا الْعَقْدُ الْوَارِدُ عَلَى الْبَيْتِ بَعْدُ، وَإِنْ سَبَقَ الْعَقْدُ عَلَى الْبَيْتِ صَحَّ، وَالْعَقْدُ الْوَارِدُ عَلَى الدَّارِ بَعْدَهُ يَبْطُلُ فِي الْبَيْتِ، وَفِي بَاقِي الدَّارِ خِلَافُ تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ.
(وَلَوْ) (ادَّعَيَا) أَيْ كُلٌّ مِنْ اثْنَيْنِ (شَيْئًا فِي يَدِ ثَالِثٍ) أَنْكَرَهُمَا (وَأَقَامَ كُلٌّ مِنْهُمَا بَيِّنَةً أَنَّهُ اشْتَرَاهُ) مِنْ ذَلِكَ الثَّالِثِ (وَوَزَنَ) بِفَتْحِ الزَّايِ (لَهُ ثَمَنَهُ) وَطَالَبَ بِتَسْلِيمِ مَا اشْتَرَاهُ ذَا الْيَدِ (فَإِنْ اخْتَلَفَ تَارِيخٌ) كَأَنْ شَهِدَتْ إحْدَى الْبَيِّنَتَيْنِ أَنَّهُ اشْتَرَاهُ فِي رَجَبٍ، وَالْأُخْرَى أَنَّهُ اشْتَرَاهُ فِي شَعْبَانَ (حُكِمَ لِلْأَسْبَقِ) تَارِيخًا لِعَدَمِ الْمُعَارِضِ حَالَ السَّبْقِ وَيُطَالِبُهُ الْآخَرُ بِالثَّمَنِ.
تَنْبِيهٌ وَزَنَ يَتَعَدَّى بِاللَّامِ كَمَا اسْتَعْمَلَهُ الْمُصَنِّفُ وَبِنَفْسِهِ وَهُوَ الْأَفْصَحُ (وَإِلَّا) بِأَنْ اتَّحَدَ تَارِيخُهُمَا أَوْ أُطْلِقَتَا أَوْ إحْدَاهُمَا (تَعَارَضَتَا) فَعَلَى الْأَصَحِّ يَتَسَاقَطَانِ وَيَحْلِفُ لِكُلٍّ مِنْهُمَا أَنَّهُ مَا بَاعَهُ وَلَا تَعَارُضَ فِي الثَّمَنَيْنِ فَيَلْزَمَانِهِ، هَذَا إذَا لَمْ تَتَعَرَّضْ الْبَيِّنَةُ لِقَبْضِ الْمَبِيعِ، فَإِنْ فُرِضَ التَّعَرُّضُ لَهُ فَلَا رُجُوعَ بِالثَّمَنِ؛ لِأَنَّ الْعَقْدَ قَدْ اسْتَقَرَّ بِالْقَبْضِ وَلَيْسَ عَلَى الْبَائِعِ عُهْدَةُ مَا يَحْدُثُ بَعْدَهُ، وَمَنْ شَهِدَ لِلْبَائِعِ بِالْمِلْكِ وَقْتَ الْبَيْعِ أَوْ لِلْمُشْتَرِي الْآنَ أَوْ بِنَقْدِ الثَّمَنِ دُونَ الْأُخْرَى قُدِّمَتْ شَهَادَتُهَا وَإِنْ كَانَتْ الْأُخْرَى سَابِقَةً؛ لِأَنَّ مَعَهَا زِيَادَةَ عِلْمٍ.
وَلَوْ قَالَ كُلٌّ مِنْهُمَا بِعْتُكَهُ بِكَذَا وَأَقَامَاهُمَا، فَإِنْ اتَّحَدَ تَارِيخُهُمَا تَعَارَضَتَا، وَإِنْ اخْتَلَفَ لَزِمَهُ الثَّمَنَانِ وَكَذَا إنْ أَطْلَقَتَا أَوْ إحْدَاهُمَا فِي الْأَصَحِّ.
وَلَوْ مَاتَ عَنْ ابْنَيْنِ مُسْلِمٍ وَنَصْرَانِيٍّ فَقَالَ كُلٌّ مِنْهُمَا: مَاتَ عَلَى دِينِي، فَإِنْ عُرِفَ أَنَّهُ كَانَ نَصْرَانِيًّا صُدِّقَ النَّصْرَانِيُّ، فَإِنْ أَقَامَا بَيِّنَتَيْنِ مُطْلَقَتَيْنِ قُدِّمَ الْمُسْلِمُ، وَإِنْ قَيَّدَتْ أَنَّ آخِرَ كَلَامِهِ إسْلَامٌ وَعَكَسَتْهُ الْأُخْرَى تَعَارَضَتَا، وَإِنْ لَمْ يُعْرَفْ دِينُهُ وَأَقَامَ كُلٌّ بَيِّنَةً أَنَّهُ مَاتَ عَلَى دِينِهِ تَعَارَضَتَا.
[مغني المحتاج]
تَنْبِيهٌ مَا أَطْلَقَهُ فِي الْمَتْنِ حَيْثُ لَمْ يُصَدِّقْ الْبَائِعُ أَحَدَهُمَا، فَإِنْ صَدَّقَهُ فَعَلَى الْأَصَحِّ وَهُوَ سُقُوطُ الْبَيِّنَتَيْنِ يُسَلَّمُ الْمُدَّعَى بِهِ لِلْمُصَدَّقِ.
ثُمَّ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ عَكْسَ هَذِهِ الصُّورَةِ فِي قَوْلِهِ.
(وَلَوْ) (قَالَ: كُلٌّ مِنْهُمَا:) أَيْ الْمُتَدَاعِيَيْنِ لِثَالِثٍ (بِعْتُكَهُ) أَيْ الثَّوْبَ مَثَلًا (بِكَذَا) وَهُوَ مِلْكِي (وَأَقَامَاهُمَا) أَيْ أَقَامَ كُلٌّ مِنْهُمَا بَيِّنَةً بِمَا قَالَهُ وَطَالَبَهُ بِالثَّمَنِ (فَإِنْ) لَمْ يُمْكِنْ الْجَمْعُ كَأَنْ (اتَّحَدَ تَارِيخُهُمَا تَعَارَضَتَا) لِامْتِنَاعِ كَوْنِهِ مِلْكًا فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ لِهَذَا وَحْدَهُ وَلِذَاكَ وَحْدَهُ وَسَقَطَتَا عَلَى الْأَصَحِّ فَيَحْلِفُ لِكُلٍّ مِنْهُمَا يَمِينًا (وَإِنْ اخْتَلَفَ) تَارِيخُهُمَا وَمَضَى مِنْ الزَّمَنِ مَا يُمْكِنُ فِيهِ الْعَقْدُ الْأَوَّلُ ثُمَّ الِانْتِقَالُ مِنْ الْمُشْتَرِي لِلْبَائِعِ الثَّانِي ثُمَّ الْعَقْدُ الثَّانِي (لَزِمَهُ الثَّمَنَانِ) لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ اشْتَرَاهُ مِنْ أَحَدِهِمَا فِي التَّارِيخِ الْأَوَّلِ ثُمَّ بَاعَهُ وَاشْتَرَاهُ مِنْ الْآخَرِ فِي التَّارِيخِ الثَّانِي.
أَمَّا إذَا لَمْ يَمْضِ مَا يُمْكِنُ فِيهِ الِانْتِقَالُ فَلَا يَلْزَمُهُ الثَّمَنَانِ لِلتَّعَارُضِ (وَكَذَا إنْ أُطْلِقَتَا، أَوْ) أُطْلِقَتْ (إحْدَاهُمَا) وَأُرِّخَتْ الْأُخْرَى يَلْزَمُهُ أَيْضًا الثَّمَنَانِ (فِي الْأَصَحِّ) لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَا فِي زَمَانَيْنِ.
وَالثَّانِي يَقُولُ بِتَعَارُضِهِمَا كَمُتَّحِدَيْ التَّارِيخِ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ بَرَاءَةُ الْمُشْتَرِي فَلَا يَلْزَمُهُ إلَّا بِيَقِينٍ.
(وَلَوْ) (مَاتَ) رَجُلٌ (عَنْ ابْنَيْنِ مُسْلِمٍ وَنَصْرَانِيٍّ فَقَالَ كُلٌّ مِنْهُمَا مَاتَ عَلَى دِينِي) فَأَرِثُهُ وَلَا بَيِّنَةَ (فَإِنْ عُرِفَ أَنَّهُ كَانَ نَصْرَانِيًّا صُدِّقَ النَّصْرَانِيُّ) بِيَمِينِهِ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاءُ كُفْرِهِ وَالْمُسْلِمُ يَدَّعِي انْتِقَالَهُ عَنْهُ وَالْأَصْلُ عَدَمُهُ (فَإِنْ أَقَامَا بَيِّنَتَيْنِ مُطْلَقَتَيْنِ) بِمَا قَالَاهُ فَلَا تَعَارُضَ، وَ (قُدِّمَ الْمُسْلِمُ) أَيْ بَيِّنَتُهُ عَلَى بَيِّنَةِ النَّصْرَانِيِّ؛ لِأَنَّ مَعَ بَيِّنَتِهِ زِيَادَةَ عِلْمٍ وَهُوَ انْتِقَالُهُ إلَى الْإِسْلَامِ، وَالْأُخْرَى اسْتَصْحَبَتْ الْأَصْلَ، وَالنَّاقِلَةُ أَوْلَى مِنْ الْمُسْتَصْحِبَةِ، وَهَذَا أَصْلٌ يُسْتَعْمَلُ فِي تَرْجِيحِ الْبَيِّنَاتِ، كَمَا تُقَدَّمُ بَيِّنَةُ الْجَرْحِ عَلَى التَّعْدِيلِ (وَإِنْ قَيَّدَتْ) بَيِّنَةُ الْمُسْلِمِ (أَنَّ آخِرَ كَلَامِهِ إسْلَامٌ وَعَكَسَتْهُ الْأُخْرَى) وَهِيَ بَيِّنَةُ النَّصْرَانِيِّ بِأَنْ قَيَّدَتْ بِأَنَّ آخِرَ كَلَامِهِ النَّصْرَانِيَّةُ (تَعَارَضَتَا) لِتَنَاقُضِهِمَا، إذْ يَسْتَحِيلُ مَوْتُهُ عَلَيْهِمَا فَتَسْقُطَانِ وَكَأَنْ لَا بَيِّنَةَ فَيُصَدَّقُ النَّصْرَانِيُّ بِيَمِينِهِ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاءُ كُفْرِ الْأَبِ، وَكَذَا لَوْ قَيَّدَتْ بَيِّنَةُ النَّصْرَانِيِّ فَقَطْ، وَيُشْتَرَطُ فِي بَيِّنَةِ النَّصْرَانِيِّ بَيَانُ مَا يَحْصُلُ بِهِ التَّنَصُّرُ كَثَالِثِ ثَلَاثَةٍ، وَفِي اشْتِرَاطِ بَيَانِ بَيِّنَةِ الْمُسْلِمِ كَلِمَةَ الْإِسْلَامِ وَجْهَانِ، وَنَقَلَ الْأَذْرَعِيُّ عَنْ إيرَادِ الْبَنْدَنِيجِيِّ الْمَنْعَ.
ثُمَّ قَالَ: وَيَظْهَرُ أَنْ يَكُونَ الْأَصَحُّ الِاشْتِرَاطَ سِيَّمَا إذَا لَمْ يَكُنْ الشَّاهِدُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ أَوْ كَانَ مُخَالِفًا لِلْقَاضِي فِيمَا يُسْلِمُ بِهِ الْكَافِرُ (وَإِنْ) (لَمْ يُعْرَفْ دِينُهُ) . أَيْ الْمَيِّتِ (وَأَقَامَ كُلٌّ) مِنْهُمَا (بَيِّنَةً أَنَّهُ مَاتَ عَلَى دِينِهِ) (تَعَارَضَتَا) فَكَأَنْ لَا بَيِّنَةَ، وَسَوَاءٌ أَطْلَقَتَا أَمْ قَيَّدَتَا بِمِثْلِ مَا ذُكِرَ أَمْ قَيَّدَتْ بَيِّنَةُ النَّصْرَانِيِّ فَقَطْ، وَحِينَئِذٍ فَيُنْظَرُ،
وَلَوْ مَاتَ نَصْرَانِيٌّ عَنْ ابْنَيْنِ مُسْلِمٍ وَنَصْرَانِيٍّ فَقَالَ الْمُسْلِمُ أَسْلَمْت بَعْدَ مَوْتِهِ فَالْمِيرَاثُ بَيْنَنَا، فَقَالَ النَّصْرَانِيُّ: بَلْ قَبْلَهُ صُدِّقَ الْمُسْلِمُ بِيَمِينِهِ، وَإِنْ أَقَامَاهُمَا قُدِّمَ النَّصْرَانِيُّ.
فَلَوْ اتَّفَقَا عَلَى إسْلَامِ الِابْنِ فِي رَمَضَانَ، وَقَالَ الْمُسْلِمُ مَاتَ الْأَبُ فِي شَعْبَانَ، وَقَالَ النَّصْرَانِيُّ فِي شَوَّالٍ صُدِّقَ النَّصْرَانِيُّ، وَتُقَدَّمُ بَيِّنَةُ الْمُسْلِمِ عَلَى بَيِّنَتِهِ.
وَلَوْ مَاتَ عَنْ أَبَوَيْنِ كَافِرَيْنِ وَابْنَيْنِ مُسْلِمَيْنِ فَقَالَ كُلٌّ مَاتَ عَلَى دِينِنَا صُدِّقَ الْأَبَوَانِ بِالْيَمِينِ، وَفِي قَوْلٍ
[مغني المحتاج]
إنْ كَانَ الْمَالُ فِي يَدِ غَيْرِهِمَا فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ، وَإِنْ كَانَ فِي يَدِهِمَا فَيَحْلِفُ كُلٌّ مِنْهُمَا لِصَاحِبِهِ وَيُجْعَلُ بَيْنَهُمَا، وَكَذَا إنْ كَانَ فِي يَدِ أَحَدِهِمَا عَلَى الْأَصَحِّ، إذْ لَا أَثَرَ لِلْيَدِ بَعْدَ اعْتِرَافِ صَاحِبِ الْيَدِ بِأَنَّهُ كَانَ لِلْمَيِّتِ وَأَنَّهُ يَأْخُذُهُ إرْثًا.
تَنْبِيهٌ هَذَا التَّعَارُضُ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْإِرْثِ خَاصَّةً، وَأَمَّا بِالنِّسْبَةِ لِلدَّفْنِ وَغَيْرِهِ فَإِنَّهُ يُدْفَنُ فِي مَقَابِرِ الْمُسْلِمِينَ وَيُصَلَّى عَلَيْهِ وَيَقُولُ الْمُصَلِّي: أُصَلِّي عَلَيْهِ إنْ كَانَ مُسْلِمًا كَمَا لَوْ اخْتَلَطَ مَوْتَى الْمُسْلِمِينَ بِمَوْتَى الْكُفَّارِ.
(وَلَوْ) (مَاتَ نَصْرَانِيٌّ عَنْ ابْنَيْنِ مُسْلِمٍ وَنَصْرَانِيٍّ، فَقَالَ الْمُسْلِمُ) أَنَا (أَسْلَمْت بَعْدَ مَوْتِهِ فَالْمِيرَاثُ) مُشْتَرَكٌ (بَيْنَنَا، فَقَالَ النَّصْرَانِيُّ: بَلْ) أَسْلَمْت (قَبْلَهُ) فَلَا مِيرَاثَ لَك بَلْ هُوَ لِي (صُدِّقَ الْمُسْلِمُ بِيَمِينِهِ) ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ اسْتِمْرَارُهُ عَلَى دِينِهِ، سَوَاءٌ اتَّفَقَا عَلَى وَقْتِ مَوْتِ الْأَبِ أَمْ أَطْلَقَا (وَإِنْ أَقَامَاهُمَا) أَيْ أَقَامَ كُلٌّ مِنْهُمَا بَيِّنَةً بِمَا قَالَاهُ (قُدِّمَ النَّصْرَانِيُّ) أَيْ بَيِّنَتُهُ؛ لِأَنَّهُ نَاقِلَةٌ وَبَيِّنَةُ الْمُسْلِمِ مُسْتَصْحِبَةٌ لِدِينِهِ، فَمَعَ الْأُولَى زِيَادَةُ عِلْمٍ.
تَنْبِيهٌ مَحِلُّ تَقْدِيمِ بَيِّنَةِ النَّصْرَانِيِّ مَا إذَا لَمْ تَشْهَدْ بَيِّنَةُ الْمُسْلِمِ بِأَنَّهَا كَانَتْ تَسْمَعُ تَنَصُّرَهُ إلَى مَا بَعْدَ الْمَوْتِ، وَإِلَّا فَيَتَعَارَضَانِ، وَحِينَئِذٍ يَصْدُقُ الْمُسْلِمُ بِيَمِينِهِ.
قَالَ الْبُلْقِينِيُّ: وَمَحِلُّهُ أَيْضًا إذَا لَمْ تَشْهَدْ بَيِّنَةُ الْمُسْلِمِ بِأَنَّهَا عَلِمَتْ مِنْهُ دِينَ النَّصْرَانِيَّةِ حِينَ مَوْتِ أَبِيهِ وَبَعْدَهُ وَأَنَّهَا لَمْ تُسْتَصْحَبْ، فَإِنْ قَالَتْ ذَلِكَ قُدِّمَتْ بَيِّنَةُ الْمُسْلِمِ؛ لِأَنَّا لَوْ قَدَّمْنَا بَيِّنَةَ النَّصْرَانِيِّ لَلَزِمَ أَنْ يَكُونَ مُرْتَدًّا حَالَةَ مَوْتِ أَبِيهِ وَالْأَصْلُ عَدَمُ الرِّدَّةِ.
(فَلَوْ) (اتَّفَقَا عَلَى إسْلَامِ الِابْنِ فِي رَمَضَانَ، وَقَالَ الْمُسْلِمُ مَاتَ الْأَبُ فِي شَعْبَانَ) فَالْمِيرَاثُ بَيْنَنَا (وَقَالَ النَّصْرَانِيُّ) بَلْ مَاتَ (فِي شَوَّالٍ) فَالْمِيرَاثُ لِي وَلَا بَيِّنَةَ (صُدِّقَ النَّصْرَانِيُّ) بِيَمِينِهِ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاءُ الْحَيَاةِ (وَتُقَدَّمُ بَيِّنَةُ الْمُسْلِمِ) الَّتِي أَقَامَهَا (عَلَى بَيِّنَتِهِ) أَيْ النَّصْرَانِيِّ الَّتِي أَقَامَهَا؛ لِأَنَّ بَيِّنَةَ الْمُسْلِمِ نَاقِلَةٌ مِنْ الْحَيَاةِ إلَى الْمَوْتِ فِي شَعْبَانَ، وَالْأُخْرَى مُسْتَصْحَبَةٌ لِلْحَيَاةِ إلَى شَوَّالٍ، نَعَمْ إنْ شَهِدَتْ بَيِّنَةُ النَّصْرَانِيِّ بِأَنَّهَا عَايَنَتْهُ حَيًّا بَعْدَ الْإِسْلَامِ تَعَارَضَتَا، كَمَا فِي الرَّوْضَةِ وَأَصْلِهَا، وَحِينَئِذٍ فَيُصَدَّقُ الْمُسْلِمُ بِيَمِينِهِ.
(وَلَوْ) (مَاتَ) رَجُلٌ (عَنْ أَبَوَيْنِ كَافِرَيْنِ، وَ) عَنْ (ابْنَيْنِ مُسْلِمَيْنِ) وَمِثْلُهُمَا الِابْنُ الْوَاحِدُ وَابْنُ الِابْنِ وَالْبِنْتُ وَبِنْتُ الِابْنِ (فَقَالَ كُلٌّ) مِنْ الْفَرِيقَيْنِ (مَاتَ عَلَى دِينِنَا) (صُدِّقَ الْأَبَوَانِ بِالْيَمِينِ) ؛ لِأَنَّ الْوَلَدَ مَحْكُومٌ بِكُفْرِهِ فِي الِابْتِدَاءِ تَبَعًا لِلْأَبَوَيْنِ فَيُسْتَصْحَبُ حَتَّى يُعْلَمَ خِلَافُهُ (وَفِي قَوْلٍ) وَلَيْسَ مَنْصُوصًا، بَلْ مِنْ تَخْرِيجِ
يُوقَفُ حَتَّى يَتَبَيَّنَ أَوْ يَصْطَلِحُوا.
وَلَوْ شَهِدَتْ أَنَّهُ أَعْتَقَ فِي مَرَضِهِ سَالِمًا، وَأُخْرَى غَانِمًا وَكُلُّ وَاحِدٍ ثُلُثُ مَالِهِ، فَإِنْ اخْتَلَفَ تَارِيخُ تَقْدِيمٍ قُدِّمَ الْأَسْبَقُ، وَإِنْ اتَّحَدَ أُقْرِعَ، وَإِنْ أَطْلَقَتَا قِيلَ يُقْرَعُ، وَفِي قَوْلٍ يُعْتِقُ مِنْ كُلٍّ نِصْفَهُ.
قُلْتُ: الْمَذْهَبُ يُعْتِقُ مِنْ كُلٍّ نِصْفَهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[مغني المحتاج]
ابْنِ سُرَيْجٍ (يُوقَفُ) الْأَمْرُ (حَتَّى يَتَبَيَّنَ أَوْ يَصْطَلِحُوا) عَلَى شَيْءٍ لِتَسَاوِي الْحَالَيْنِ بَعْدَ الْبُلُوغِ؛ لِأَنَّ التَّبَعِيَّةَ تَزُولُ بِالْبُلُوغِ.
تَنْبِيهٌ لَوْ انْعَكَسَ الْحَالُ فَكَانَ الْأَبَوَانِ مُسْلِمَيْنِ وَالِابْنَانِ كَافِرَيْنِ، وَقَالَ كُلَّ مَا ذُكِرَ، فَإِنْ عُرِفَ لِلْأَبَوَيْنِ كُفْرٌ سَابِقٌ وَقَالَا: أَسْلَمْنَا قَبْلَ بُلُوغِهِ أَوْ أَسْلَمَ هُوَ أَوْ بَلَغَ بَعْدَ إسْلَامِنَا.
وَقَالَ الِابْنَانِ: لَا وَلَمْ يَتَّفِقُوا عَلَى وَقْتِ الْإِسْلَامِ فِي الثَّالِثَةِ فَالْمُصَدَّقُ الِابْنَانِ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ الْبَقَاءُ عَلَى الْكُفْرِ، وَإِنْ لَمْ يُعْرَفْ لَهُمَا كُفْرٌ سَابِقٌ أَوْ اتَّفَقُوا عَلَى وَقْتِ الْإِسْلَامِ فِي الثَّالِثَةِ فَالْمُصَدَّقُ الْأَبَوَانِ عَمَلًا بِالظَّاهِرِ فِي الْأُولَى، وَلِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاءُ الصِّبَا فِي الثَّالِثَةِ.
فَرْعٌ: لَوْ مَاتَ لِرَجُلٍ ابْنٌ وَزَوْجَةٌ، ثُمَّ اخْتَلَفَ هُوَ وَأَخُو الزَّوْجَةِ فَقَالَ هُوَ: مَاتَتْ قَبْلَ الِابْنِ فَوَرِثْتهَا أَنَا وَابْنِي ثُمَّ مَاتَ الِابْنُ فَوَرِثْتُهُ وَقَالَ أَخُوهَا: بَلْ مَاتَتْ بَعْدُ فَوَرِثَتْ الِابْنَ قَبْلَ مَوْتِهَا ثُمَّ وَرِثْتهمَا أَنَا وَلَا بَيِّنَةَ صُدِّقَ الْأَخُ فِي مَالِ أُخْتِهِ وَالزَّوْجُ فِي مَالِ ابْنِهِ بِيَمِينِهَا، فَإِنْ حَلَفَا أَوْ نَكَلَا لَمْ يَرِثْ مَيِّتٌ مِنْ مَيِّتٍ، فَمَالُ الِابْنِ لِأَبِيهِ وَمَالُ الزَّوْجَةِ بَيْنَ الزَّوْجِ وَالْأَخِ، فَإِنْ أَقَامَا بَيِّنَتَيْنِ بِذَلِكَ تَعَارَضَتَا، فَإِنْ اتَّفَقَا عَلَى مَوْتِ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَوْمَ الْجُمُعَةِ مَثَلًا وَاخْتَلَفَا فِي مَوْتِ الْآخَرِ قَبْلَهُ أَوْ بَعْدَهُ صَدَقَ مَنْ ادَّعَاهُ بَعْدُ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاءُ الْحَيَاةِ.
فَإِنْ أَقَامَا بَيِّنَتَيْنِ بِذَلِكَ قُدِّمَ بَيِّنَةُ مَنْ ادَّعَاهُ قَبْلُ؛ لِأَنَّهَا نَاقِلَةٌ.
وَلَوْ قَالَ وَرَثَةُ مَيِّتٍ لِزَوْجَتِهِ كُنْتِ أَمَةً ثُمَّ عَتَقْتِ بَعْدَ مَوْتِهِ أَوْ كُنْتِ كَافِرَةً ثُمَّ أَسْلَمْت بَعْدَ مَوْتِهِ وَقَالَتْ هِيَ: بَلْ عَتَقْتِ أَوْ أَسْلَمْت قَبْلُ، صُدِّقُوا بِأَيْمَانِهِمْ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاءُ الرِّقِّ وَالْكُفْرِ، وَإِنْ قَالَتْ: لَمْ أَزَلْ حُرَّةً أَوْ مُسْلِمَةً صُدِّقَتْ بِيَمِينِهَا دُونَهُمْ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ مَعَهَا.
(وَلَوْ) (شَهِدَتْ) بَيِّنَةٌ عَلَى شَخْصٍ (أَنَّهُ أَعْتَقَ فِي مَرَضِهِ) الَّذِي مَاتَ فِيهِ (سَالِمًا، وَ) بَيِّنَةٌ (أُخْرَى) أَنَّهُ أَعْتَقَ فِي مَرَضِهِ الْمَذْكُورِ (غَانِمًا وَكُلُّ وَاحِدٍ) مِنْهَا (ثُلُثُ مَالِهِ) وَلَمْ تُجِزْ الْوَرَثَةُ مَا زَادَ عَلَيْهِ (فَإِنْ اخْتَلَفَ) لِلْبَيِّنَتَيْنِ (تَارِيخُ تَقْدِيمٍ قُدِّمَ الْأَسْبَقُ) مِنْهُمَا تَارِيخًا؛ لِأَنَّ التَّصَرُّفَ الْمُنْجَزَ فِي مَرَضِ الْمَوْتِ يُقَدَّمُ فِيهِ الْأَسْبَقُ فَالْأَسْبَقُ، وَلِأَنَّ مَعَهَا زِيَادَةُ عِلْمٍ (وَإِنْ اتَّحَدَ) تَارِيخُهُمَا (أُقْرِعَ) بَيْنَهُمَا لِعَدَمِ مَزِيَّةِ أَحَدِهِمَا، فَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا سُدُسَ الْمَالِ وَخَرَجَتْ الْقُرْعَةُ لَهُ عَتَقَ هُوَ وَنِصْفُ الْآخَرِ، وَإِنْ خَرَجَتْ لِلْآخَرِ عَتَقَ وَحْدَهُ (وَإِنْ أَطْلَقَتَا) أَوْ إحْدَاهُمَا (قِيلَ: يُقْرَعُ) بَيْنَهُمَا لِاحْتِمَالِ الْمَعِيَّةِ وَالتَّرْتِيبِ (وَفِي قَوْلٍ) مِنْ طَرِيقٍ (يُعْتِقُ مِنْ كُلٍّ نِصْفَهُ) لِاسْتِوَائِهِمَا، وَالْقُرْعَةُ مُمْتَنِعَةٌ؛ لِأَنَّا لَوْ أَقْرَعْنَا لَمْ نَأْمَنْ أَنْ يَخْرُجَ الرِّقُّ عَلَى السَّابِقِ فَيَلْزَمُهُ مِنْهُ إرْقَاقُ حُرٍّ وَتَحْرِيرُ رَقِيقٍ، وَلِذَا قَالَ الْمُصَنِّفُ (قُلْتُ: الْمَذْهَبُ يُعْتِقُ مِنْ كُلٍّ نِصْفَهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ) . وَلَوْ قَالَ: قُلْتُ الْمَذْهَبُ الثَّانِي لَكَانَ أَخْصَرَ، وَلَوْ
وَلَوْ شَهِدَ أَجْنَبِيَّانِ أَنَّهُ أَوْصَى بِعِتْقِ سَالِمٍ وَهُوَ ثُلُثُهُ، وَوَارِثَانِ حَائِزَانِ أَنَّهُ رَجَعَ عَنْ ذَلِكَ، وَوَصَّى بِعِتْقِ غَانِمٍ وَهُوَ ثُلُثُهُ ثَبَتَ لِغَانِمٍ، فَإِنْ كَانَ الْوَارِثَانِ فَاسِقَيْنِ لَمْ يَثْبُتْ الرُّجُوعُ فَيَعْتِقُ سَالِمٌ، وَمِنْ غَانِمٍ ثُلُثُ مَالِهِ بَعْدَ سَالِمٍ.
[مغني المحتاج]
شَهِدَتْ بَيِّنَتَانِ بِتَعْلِيقِ عِتْقِهِمَا بِمَوْتِهِ أَوْ بِالْوَصِيَّةِ بِإِعْتَاقِهِمَا، وَكُلُّ وَاحِدٍ ثُلُثُ مَالِهِ وَلَمْ تُجِزْ الْوَرَثَةُ أُقْرِعَ سَوَاءٌ أُطْلِقَتَا أَوْ إحْدَاهُمَا أَمْ أُرِّخَتَا.
(وَلَوْ) (شَهِدَ أَجْنَبِيَّانِ أَنَّهُ أَوْصَى بِعِتْقِ سَالِمٍ، وَهُوَ ثُلُثُهُ) أَيْ ثُلُثُ مَالِهِ (وَ) شَهِدَ (وَارِثَانِ) عَدْلَانِ (حَائِزَانِ) لِلتَّرِكَةِ (أَنَّهُ رَجَعَ عَنْ ذَلِكَ، وَوَصَّى بِعِتْقِ غَانِمٍ، وَهُوَ ثُلُثُهُ) (ثَبَتَ) بِشَهَادَتِهِمَا الرُّجُوعُ عَنْ عِتْقِ سَالِمٍ وَثُبُوتُ الْعِتْقِ (لِغَانِمٍ) ؛ لِأَنَّهُمَا أَثْبَتَا الرُّجُوعَ عَنْ الْوَصِيَّةِ بِسَالِمٍ بَدَلًا يُسَاوِيهِ فَلَا تُهْمَةَ وَلَا نَظَرَ إلَى تَبْدِيلِ الْوَلَاءِ وَكَوْنِ الثَّانِي أَهْدَى لِجَمْعِ الْمَالِ فَيُورَثُ عَنْهُ لِبُعْدِ هَذَا الِاحْتِمَالِ، وَخَرَجَ بِثُلُثِهِ مَا لَوْ كَانَ غَانِمٌ دُونَهُ كَالسُّدُسِ، فَلَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ الْوَارِثَيْنِ فِي الْقَدْرِ الَّذِي لَمْ يُعَيِّنَا لَهُ بَدَلًا، وَهُوَ نِصْفُ سَالِمٍ، وَفِي الْبَاقِي خِلَافُ تَبْعِيضِ الشَّهَادَةِ فَعَلَى مَا صَحَّحَهُ الْأَصْحَابُ مِنْ صِحَّةِ التَّبْعِيضِ يَعْتِقُ نِصْفُ سَالِمٍ مَعَ كُلِّ غَانِمٍ، وَالْمَجْمُوعُ قَدْرُ الثُّلُثِ (فَإِنْ) (كَانَ الْوَارِثَانِ) الْحَائِزَانِ (فَاسِقَيْنِ لَمْ يَثْبُتْ الرُّجُوعُ) عَنْ الْوَصِيَّةِ لِسَالِمٍ لِعَدَمِ قَبُولِ شَهَادَةِ الْفَاسِقِ (فَيَعْتِقُ سَالِمٌ) بِشَهَادَةِ الْأَجْنَبِيَّيْنِ؛ لِأَنَّ الثُّلُثَ يَحْتَمِلُهُ وَلَمْ يَثْبُتْ الرُّجُوعُ فِيهِ (وَ) يُعْتَقُ (مِنْ غَانِمٍ) قَدْرُ مَا يَحْتَمِلُهُ (ثُلُثُ مَالِهِ بَعْدَ سَالِمٍ) وَكَأَنَّ سَالِمًا هَلَكَ أَوْ غَصَبَ مِنْ التَّرِكَةِ مُؤَاخَذَةً لِلْوَرَثَةِ بِإِقْرَارِهِمْ.
تَنْبِيهٌ لَوْ لَمْ يَتَعَرَّضَا لِلرُّجُوعِ أُقْرِعَ بَيْنَهُمَا، نَعَمْ إنْ كَانَا فَاسِقَيْنِ عَتَقَ غَانِمٌ وَثُلُثَا سَالِمٍ كَمَا بَحَثَهُ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ.
تَتِمَّةٌ
لَوْ قَالَ السَّيِّدُ لِعَبْدِهِ: إنْ قُتِلْتُ أَوْ إنْ مِتُّ فِي رَمَضَانَ فَأَنْتَ حُرٌّ فَأَقَامَ الْعَبْدُ بَيِّنَةً بِأَنَّهُ قُتِلَ فِي الْأُولَى أَوْ بِأَنَّهُ مَاتَ فِي رَمَضَانَ فِي الثَّانِيَةِ وَأَقَامَ الْوَارِثُ بَيِّنَةً بِمَوْتِهِ حَتْفَ أَنْفِهِ فِي الْأَوَّلِ، وَبِمَوْتِهِ فِي شَوَّالٍ فِي الثَّانِيَةِ قُدِّمَتْ بَيِّنَةُ الْعَبْدِ؛ لِأَنَّ مَعَهَا زِيَادَةُ عِلْمٍ بِالْقَتْلِ فِي الْأُولَى وَبِحُدُوثِ الْمَوْتِ فِي رَمَضَانَ فِي الثَّانِيَةِ، وَلَا قِصَاصَ فِي الْأُولَى؛ لِأَنَّ الْوَارِثَ مُنْكِرٌ لِلْقَتْلِ، فَإِنْ أَقَامَ الْوَارِثُ بَيِّنَةً فِي الثَّانِيَةِ بِمَوْتِهِ فِي شَعْبَانَ قُدِّمَتْ بَيِّنَتُهُ؛ لِأَنَّهَا نَاقِلَةٌ، وَإِنْ عُلِّقَ عِتْقُ سَالِمٍ بِمَوْتِهِ فِي رَمَضَانَ أَوْ فِي مَرَضِهِ وَعُلِّقَ عِتْقُ غَانِمٍ بِمَوْتِهِ فِي شَوَّالٍ أَوْ بِالْبُرْءِ مِنْ مَرَضِهِ فَأَقَامَا بَيِّنَتَيْنِ بِمُوجِبِ عِتْقِهِمَا، فَهَلْ يَتَعَارَضَانِ كَمَا قَالَهُ ابْنُ الْمُقْرِي، أَوْ تُقَدَّمُ بَيِّنَةُ سَالِمٍ كَمَا قَالَهُ صَاحِبُ الْأَنْوَارِ أَوْ بَيِّنَةُ غَانِمٍ كَمَا اسْتَظْهَرَهُ شَيْخُنَا أَوْجُهٌ، أَظْهَرُهَا آخِرُهَا.
[فَصْلٌ فِي شُرُوطِ الْقَائِفِ وَبَيَانِ إلْحَاقِهِ النَّسَبَ بِغَيْرِهِ]
[فَصْلٌ] فِي شُرُوطِ الْقَائِفِ وَبَيَانِ إلْحَاقِهِ النَّسَبَ بِغَيْرِهِ، وَذَكَرَ الْمُصَنِّفُ بَعْضَ أَحْكَامِهِ فِي بَابَيْ الْعِدَّةِ وَاللَّقِيطِ، وَالْقَائِفُ لُغَةً مُتَتَبِّعُ الْآثَارِ، وَالْجَمْعُ قَافَةٌ كَبَائِعٍ وَبَاعَةٌ، وَشَرْعًا مَنْ يُلْحِقُ النَّسَبَ بِغَيْرِهِ عِنْدَ الِاشْتِبَاهِ بِمَا خَصَّهُ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ مِنْ عِلْمِ ذَلِكَ، وَالْأَصْلُ فِي الْبَابِ خَبَرُ الصَّحِيحَيْنِ
شَرْطُ الْقَائِفِ: مُسْلِمٌ عَدْلٌ، مُجَرَّبٌ،
[مغني المحتاج]
«عَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا - قَالَتْ: دَخَلَ عَلَيَّ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَسْرُورًا تَبْرُقُ أَسَارِيرُ وَجْهِهِ، فَقَالَ: أَلَمْ تَرَيْ أَنَّ مُجَزِّزًا الْمُدْلِجِيَّ دَخَلَ عَلَيَّ فَرَأَى أُسَامَةَ وَزَيْدًا عَلَيْهِمَا قَطِيفَةٌ قَدْ غَطَّيَا بِهَا رُءُوسَهَا وَقَدْ بَدَتْ أَقْدَامُهُمَا، فَقَالَ: إنَّ هَذِهِ الْأَقْدَامَ بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ» فَإِقْرَارُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى ذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْقَافَةَ حَقٌّ.
قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -: فَلَوْ لَمْ يُعْتَبَرُ قَوْلُهُ لَمَنَعَهُ مِنْ الْمُجَازَفَةِ، وَهُوَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَا يُقِرُّ عَلَى خَطَأٍ وَلَا يُسَرُّ إلَّا بِالْحَقِّ اهـ.
وَسَبَبُ سُرُورِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِمَا قَالَهُ مُجَزِّزٌ.
أَنَّ الْمُنَافِقِينَ كَانُوا يَطْعَنُونَ فِي نَسَبِ أُسَامَةَ؛ لِأَنَّهُ كَانَ طَوِيلًا أَسْوَدَ أَقْنَى الْأَنْفِ، وَكَانَ زَيْدٌ قَصِيرًا بَيْنَ السَّوَادِ وَالْبَيَاضِ أَخْنَسَ الْأَنْفِ، وَكَانَ طَعْنُهُمْ مَغِيظَةً لَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذْ كَانَا حِبَّيْهِ، فَلَمَّا قَالَ الْمُدْلِجِيُّ ذَلِكَ، وَهُوَ لَا يَرَى إلَّا أَقْدَامَهُمَا سُرَّ بِهِ، نَقَلَهُ الرَّافِعِيُّ عَنْ الْأَئِمَّةِ، وَقَالَ أَبُو دَاوُد: إنَّ زَيْدًا كَانَ أَبْيَضَ، وَرَوَى ابْنُ سَعْدٍ أَنَّ أُسَامَةَ كَانَ أَحْمَرَ أَشْقَرَ وَزَيْدٌ مِثْلُ اللَّيْلِ الْأَسْوَدِ، وَرَوَى مَالِكٌ أَنَّ عُمَرَ دَعَا قَائِفَيْنِ فِي رَجُلَيْنِ تَدَاعَيَا مَوْلُودًا، وَشَكَّ أَنَسٌ فِي مَوْلُودٍ لَهُ فَدَعَا لَهُ قَائِفًا، رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -.
وَبِقَوْلِنَا قَالَ مَالِكٌ وَأَحْمَدُ وَخَالَفَ أَبُو حَنِيفَةَ وَقَالَ: لَا اعْتِبَارَ بِقَوْلِ الْقَائِفِ، وَهُوَ مَحْجُوجٌ بِمَا مَرَّ، وَفِي عَجَائِبِ الْمَخْلُوقَاتِ عَنْ بَعْضِ التُّجَّارِ أَنَّهُ وَرِثَ مِنْ أَبِيهِ مَمْلُوكًا أَسْوَدَ شَيْخًا.
قَالَ: فَكُنْت فِي بَعْضِ أَسْفَارِي رَاكِبًا عَلَى بَعِيرٍ وَالْمَمْلُوكُ يَقُودُهُ فَاجْتَازَ بِنَا رَجُلٌ مِنْ بَنِي مُدْلِجٍ فَأَمْعَنَ فِينَا نَظَرَهُ ثُمَّ قَالَ: مَا أَشْبَهَ الرَّاكِبَ بِالْقَائِدِ.
قَالَ: فَرَجَعْتُ إلَى أُمِّي فَأَخْبَرْتُهَا بِذَلِكَ فَقَالَتْ: إنَّ زَوْجِي كَانَ شَيْخًا كَبِيرًا ذَا مَالٍ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ فَزَوَّجَنِي بِهَذَا الْمَمْلُوكِ فَوَلَدْتُكَ ثُمَّ فَكَّنِي وَاسْتَلْحَقَكَ، وَكَانَتْ الْعَرَبُ تَحْكُمُ بِالْقِيَافَةِ وَتَفْخَرُ بِهَا وَتَعُدُّهَا مِنْ أَشْرَفِ عُلُومِهَا، وَهِيَ وَالْفِرَاسَةُ غَرَائِزُ فِي الطِّبَاعِ يُعَانُ عَلَيْهَا الْمَجْبُولُ وَيَعْجِزُ عَنْهَا الْمَصْرُوفُ عَنْهَا، وَلِلْقَائِفِ شُرُوطٌ شَرَعَ الْمُصَنِّفُ فِي ذِكْرِهَا بِقَوْلِهِ (شَرْطُ الْقَائِفِ) أَيْ شُرُوطُهُ (مُسْلِمٌ) فَلَا يُقْبَلُ مِنْ كَافِرٍ (عَدْلٌ) فَلَا يُقْبَلُ مِنْ فَاسِقٍ؛ لِأَنَّهُ حَاكِمٌ أَوْ قَاسِمٌ.
تَنْبِيهٌ كَانَ الْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ إسْلَامٌ، وَكَذَا مَا بَعْدَهُ فَيَأْتِي بِالْمَصْدَرِ؛ لِأَنَّ الشَّرْطَ هُوَ الْإِسْلَامُ لَا الشَّخْصُ، وَمَرَّ التَّنْبِيهُ عَلَى ذَلِكَ فِي كِتَابِ الْقَضَاءِ، وَعِبَارَةُ الْمُحَرَّرِ أَنْ يَكُونَ مُسْلِمًا هُوَ حَسَنٌ وَأَهْمَلَ الْمُصَنِّفُ كَوْنَهُ بَصِيرًا نَاطِقًا وَانْتِفَاءَ الْعَدَاوَةِ عَنْ الَّذِي يَنْفِيهِ عَنْهُ، وَانْتِفَاءَ الْوَلَاءِ عَمَّنْ يَلْحَقُهُ بِهِ فَلَوْ عَبَّرَ بِأَهْلِيَّةِ الشَّهَادَةِ كَمَا فِي الرَّوْضَةِ لَكَانَ أَخْصَرَ وَأَعَمَّ لَكِنْ قَالَ الْبُلْقِينِيُّ: وَلَا أَمْنَعُ قِيَافَةَ الْأَخْرَسِ إذَا فَهِمَ إشَارَتَهُ كُلُّ وَاحِدٍ، وَفِي الْمَطْلَبِ اشْتِرَاطُ كَوْنِهِ سَمِيعًا، وَرَدَّهُ الْبُلْقِينِيُّ وَهُوَ ظَاهِرٌ (مُجَرَّبٌ) بِفَتْحِ
وَالْأَصَحُّ اشْتِرَاطُ حُرٍّ ذَكَرٍ، لَا عَدَدٍ، وَلَا كَوْنِهِ مُدْلِجِيًّا، فَإِذَا تَدَاعَيَا مَجْهُولًا عُرِضَ عَلَيْهِ،
[مغني المحتاج]
الرَّاءِ بِخَطِّهِ فِي مَعْرِفَةِ النَّسَبِ لِحَدِيثِ «لَا حَكِيمَ إلَّا ذُو تَجْرِبَةٍ» حَسَّنَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَكَمَا لَا يُوَلَّى الْقَضَاءَ إلَّا بَعْدَ مَعْرِفَةِ عِلْمِهِ بِالْأَحْكَامِ، وَفَسَّرَ الْمُحَرَّرُ التَّجْرِبَةَ بِأَنْ يُعْرَضَ عَلَيْهِ وَلَوْ فِي نِسْوَةٍ لَيْسَ فِيهِنَّ أُمُّهُ ثُمَّ مَرَّةً أُخْرَى ثُمَّ مَرَّةً أُخْرَى كَذَلِكَ فِي نِسْوَةٍ فِيهِنَّ أُمُّهُ، فَإِنْ أَصَابَ فِي الْكُلِّ فَهُوَ مُجَرَّبٌ، فَإِنْ قِيلَ: لِمَ حَذَفَ الْمُصَنِّفُ هَذَا مَعَ أَنَّ فِيهِ حُكْمَيْنِ أَحَدَهُمَا: أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ التَّجْرِبَةِ ثَلَاثًا.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ الْعَرْضُ مَعَ أُمِّهِ، وَقَدْ تَعْجَبُ مِنْ حَذْفِهِ لِذَلِكَ.
أُجِيبَ بِأَنَّ الْحُكْمَ الْأَوَّلَ مُنَازَعٌ فِيهِ، فَقَدْ قَالَ الْإِمَامُ: لَا مَعْنَى لِاعْتِبَارِ الثَّلَاثِ، بَلْ الْمُعْتَبَرُ غَلَبَةُ الظَّنِّ بِأَنَّ قَوْلَهُ عَنْ خِبْرَةٍ لَا عَنْ اتِّفَاقٍ، وَهَذَا قَدْ يَحْصُلُ بِدُونِ الثَّلَاثِ اهـ.
وَهَذَا نَظِيرُ مَا رَجَّحُوهُ فِي تَعْلِيمِ جَارِحَةِ الصَّيْدِ.
وَأَمَّا الْحُكْمُ الثَّانِي فَإِنَّ ذِكْرَ الْأُمِّ مَعَ النِّسْوَةِ لَيْسَ لِلتَّقَيُّدِ بَلْ، لِلْأَوْلَوِيَّةِ إذْ الْأَبُ مَعَ الرِّجَالِ كَذَلِكَ، وَكَذَا سَائِرُ الْعَصَبَةِ وَالْأَقَارِبِ عِنْدَ فَقْدِهِمَا.
وَقَالَ فِي الرَّوْضَةِ كَأَصْلِهَا: كَيْفِيَّةُ التَّجْرِبَةِ أَنْ يُعْرَضَ عَلَيْهِ وَلَدٌ فِي نِسْوَةٍ لَيْسَ فِيهِنَّ أُمُّهُ، ثُمَّ فِي نِسْوَةٍ لَيْسَ فِيهِنَّ أُمُّهُ، ثُمَّ فِي نِسْوَةٍ لَيْسَ فِيهِنَّ أُمُّهُ، ثُمَّ فِي نِسْوَةٍ هِيَ فِيهِنَّ فَيُصِيبُ فِي الْكُلِّ، وَاسْتَشْكَلَهُ الْبَارِزِيُّ بِأَنَّ الْمُجَرَّبَ قَدْ يَعْلَمُ ذَلِكَ فَلَا تَبْقَى فَائِدَةٌ فِي الثَّلَاثَةِ الْأُوَلِ، وَقَدْ يُصِيبُ فِي الرَّابِعَةِ اتِّفَاقًا فَلَا يُؤَثِّرُ بِالتَّجْرِبَةِ، وَالْأَوْلَى أَنْ يُعْرَضَ مَعَ صِنْفِ وَلَدٍ لِوَاحِدٍ مِنْهُمْ أَوْ فِي بَعْضِ الْأَصْنَافِ وَلَا يَخُصُّ بِهِ الرَّابِعَةَ، فَإِذَا أَصَابَ فِي الْكُلِّ قُبِلَ قَوْلُهُ بَعْدَ ذَلِكَ، وَيَنْبَغِي أَنْ يَكْتَفِيَ بِثَلَاثِ مَرَّاتٍ اهـ.
وَقَدْ مَرَّ أَنَّ الْإِمَامَ يَعْتَبِرُ غَلَبَةَ الظَّنِّ، فَمَتَى حَصَلَتْ عُمِلَ بِمَا فِي الرَّوْضَةِ أَوْ بِمَا قَالَهُ الْبَارِزِيُّ (وَالْأَصَحُّ) وَفِي الرَّوْضَةِ الصَّحِيحُ (اشْتِرَاطُ حُرٍّ ذَكَرٍ) كَالْقَاضِي.
وَالثَّانِي لَا كَالْمُفْتِي (لَا) اشْتِرَاطُ (عَدَدٍ) فَيَكْفِي قَوْلُ الْوَاحِدِ كَالْقَاضِي وَالْقَاسِمِ.
وَالثَّانِي: يُشْتَرَطُ كَالْمُزَكِّي وَالْمُقَوِّمِ (وَلَا كَوْنِهِ مُدْلِجِيًّا) أَيْ مِنْ بَنِي مُدْلِجٍ، وَهُمْ رَهْطُ مُجَزِّزٍ الْمُدْلِجِيِّ، بَلْ يَجُوزُ كَوْنُهُ مِنْ سَائِرِ الْعَرَبِ وَالْعَجَمِ؛ لِأَنَّ الْقِيَافَةَ نَوْعٌ مِنْ الْعِلْمِ فَمَنْ تَعَلَّمَهُ عَمِلَ بِهِ.
وَفِي سُنَنِ الْبَيْهَقِيّ أَنَّ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - كَانَ قَائِفًا يَقُوفُ.
وَالثَّانِي: يُشْتَرَطُ لِرُجُوعِ الصَّحَابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - إلَى بَنِي مُدْلِجٍ فِي ذَلِكَ دُونَ غَيْرِهِمْ، وَقَدْ يَخُصُّ اللَّهُ تَعَالَى جَمَاعَةً بِنَوْعٍ مِنْ الْمَنَاصِبِ وَالْفَضَائِلِ كَمَا خَصَّ قُرَيْشًا بِالْإِمَامَةِ.
ثُمَّ أَشَارَ الْمُصَنِّفُ لِمَسْأَلَتَيْنِ يُعْرَضُ الْوَلَدُ فِيهِمَا عَلَى الْقَائِفِ بِقَوْلِهِ (فَإِذَا) (تَدَاعَيَا) أَيْ شَخْصَانِ أَوْ أَحَدُهُمَا وَسَكَتَ الْآخَرُ أَوْ أَنْكَرَا وَلَدًا (مَجْهُولًا) صَغِيرًا لَقِيطًا كَانَ أَوْ غَيْرَهُ حَيًّا أَوْ مَيِّتًا لَمْ يَتَغَيَّرْ وَلَمْ يُدْفَنْ (عُرِضَ عَلَيْهِ) أَيْ الْقَائِفِ وَلَوْ بَعْدَ مَوْتِ أَحَدِ الْمُتَدَاعِيَيْنِ فَمَنْ أَلْحَقَهُ بِهِ لَحِقَهُ كَمَا مَرَّ فِي بَابِ كِتَابِ اللَّقِيطِ، وَالْمَجْنُونُ كَالصَّبِيِّ.
قَالَ الْبُلْقِينِيُّ: وَكَذَا لَوْ كَانَ مَغْمِيٌّ عَلَيْهِ أَوْ نَائِمًا أَوْ سَكْرَانَ سُكْرًا يُعْذَرُ فِيهِ، فَلَوْ كَانَ غَيْرَ الْمَعْذُورِ لَمْ يُعْرَضْ؛ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الصَّاحِي وَلَوْ انْتَسَبَ إلَى هَذِهِ الْحَالَةِ عُمِلَ بِهِ
وَكَذَا لَوْ اشْتَرَكَا فِي وَطْءٍ فَوَلَدَتْ وَلَدًا مُمْكِنًا مِنْهُمَا وَتَنَازَعَاهُ بِأَنْ وَطِئَا امْرَأَةً بِشُبْهَةٍ أَوْ مُشْتَرَكَةً لَهُمَا أَوْ وَطِئَ زَوْجَتَهُ وَطَلَّقَ فَوَطِئَهَا آخَرُ بِشُبْهَةٍ أَوْ نِكَاحٍ فَاسِدٍ، أَوْ أَمَتَهُ فَبَاعَهَا فَوَطِئَهَا الْمُشْتَرِي وَلَمْ يَسْتَبْرِئْ وَاحِدٌ مِنْهُمَا، وَكَذَا لَوْ وَطِئَ مَنْكُوحَةً فِي الْأَصَحِّ،
[مغني المحتاج]
تَنْبِيهٌ قَضِيَّةُ إطْلَاقِهِ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ لِأَحَدِهِمَا عَلَيْهِ يَدٌ أَوْ لَا، وَالْأَشْبَهُ بِالْمَذْهَبِ كَمَا قَالَ الرَّافِعِيُّ تَفْصِيلٌ ذَكَرَهُ الْقَفَّالُ فِي اللَّقِيطِ، وَهُوَ أَنَّهُ إنْ كَانَ فِي يَدِهِ عَنْ الْتِقَاطٍ لَمْ يُؤَثِّرْ، وَإِلَّا قُدِّمَ صَاحِبُ الْيَدِ إنْ تَقَدَّمَ اسْتِلْحَاقُهُ، وَإِلَّا فَوَجْهَانِ.
قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: أَصَحُّهُمَا يَسْتَوِيَانِ فَيُعْرَضُ عَلَى الْقَائِفِ (وَكَذَا لَوْ) (اشْتَرَكَا) أَيْ رَجُلَانِ (فِي وَطْءٍ) لِامْرَأَةٍ (فَوَلَدَتْ وَلَدًا مُمْكِنًا) أَيْ مِنْ كُلٍّ (مِنْهُمَا وَتَنَازَعَاهُ) أَيْ ادَّعَاهُ كُلٌّ مِنْهُمَا أَوْ أَحَدِهِمَا، وَسَكَتَ الْآخَرُ أَوْ أَنْكَرَ وَلَمْ يَتَخَلَّلْ بَيْنَ الْوَطْئَيْنِ حَيْضَةٌ كَمَا سَيَأْتِي فَإِنَّهُ يُعْرَضُ عَلَى الْقَائِفِ وَلَوْ كَانَ بَالِغًا مُكَلَّفًا كَمَا جَزَمَ بِهِ الْمَاوَرْدِيُّ، ثُمَّ بَيْنَ الِاشْتِرَاكِ فِي الْوَطْءِ فِي صُوَرٍ بِقَوْلِهِ (بِأَنْ) (وَطِئَا امْرَأَةً بِشُبْهَةٍ) كَأَنْ وَجَدَهَا كُلٌّ مِنْهُمَا فِي فِرَاشِهِ فَظَنَّهَا زَوْجَتَهُ أَوْ أَمَتَهُ (أَوْ) بِأَنْ وَطِئَ شَرِيكَانِ أَمَةً (مُشْتَرَكَةً لَهُمَا، أَوْ وَطِئَ زَوْجَتَهُ وَطَلَّقَ فَوَطِئَهَا آخَرُ بِشُبْهَةٍ أَوْ نِكَاحٍ فَاسِدٍ، أَوْ) وَطِئَ (أَمَتَهُ فَبَاعَهَا فَوَطِئَهَا الْمُشْتَرِي وَلَمْ يَسْتَبْرِئْ وَاحِدٌ مِنْهُمَا) فَإِنَّهُ يُعْرَضُ عَلَى الْقَائِفِ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يَلْحَقُ الْوَلَدُ فِي هَذِهِ الصُّوَرِ بِهِمَا وَلَا اعْتِبَارَ بِقَوْلِ الْقَائِفِ بِمَا تَقَدَّمَ وَبِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ﴾ [الأحزاب: 4] وَلَوْ كَانَ لَهُ أَبَوَانِ لَكَانَ لَهُ قَلْبٌ إلَى كُلٍّ مِنْهُمَا، وَبِأَنَّ الْوَلَدَ لَا يَنْعَقِدُ مِنْ مَاءِ شَخْصَيْنِ؛ لِأَنَّ الْوَطْءَ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ عَلَى التَّعَاقُبِ، وَإِذَا اجْتَمَعَ مَاءُ الْمَرَّةِ وَانْعَقَدَ الْوَلَدُ مِنْهُ حَصَلَتْ عَلَيْهِ غِشَاوَةٌ تَمْنَعُ مِنْ اخْتِلَاطِ مَاءِ الثَّانِي بِمَاءِ الْأَوَّلِ كَمَا نُقِلَ عَنْ إجْمَاعٍ الْأَطِبَّاءِ.
تَنْبِيهٌ: قَوْلُ الْمُصَنِّفِ فِي وَطْءٍ ظَاهِرُهُ اشْتِرَاطُ تَغْيِيبِ الْحَشَفَةِ.
قَالَ الْبُلْقِينِيُّ: وَلَيْسَ هَذَا بِمُعْتَبَرٍ عِنْدِي فِي هَذَا الْمَكَانِ، بَلْ لَوْ لَمْ تَدْخُلْ الْحَشَفَةُ كُلُّهَا وَأَنْزَلَ دَاخِلَ الْفَرْجِ كَانَ كَالْوَطْءِ، وَكَذَا الْإِنْزَالُ خَارِجَ الْفَرْجِ بِحَيْثُ دَخَلَ الْمَاءُ فِي الْفَرْجِ وَاسْتِدْخَالُ الْمَاءِ، وَقَوْلُهُ بِأَنْ وَطِئَا بِشُبْهَةٍ أَوْ مُشْتَرَكَةً لَهُمَا هُوَ مِنْ عَطْفِ الْخَاصِّ عَلَى الْعَامِّ؛ لِأَنَّ وَطْءَ الْمُشْتَرَكَةِ شُبْهَةٌ، وَيُشْتَرَطُ فِيهَا أَنْ يَقَعَ الْوَطْآنِ فِي طُهْرٍ، فَلَوْ تَخَلَّلَ بَيْنَهُمَا حَيْضَةٌ فَهُوَ لِلثَّانِي، وَلَا يُغْنِي عَنْ ذَلِكَ ذِكْرُهُ لَهُ بَعْدُ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ عَوْدُهُ لِجَمِيعِ الصُّوَرِ لِتَعَذُّرِ ذَلِكَ فِي بَعْضِهَا (وَكَذَا لَوْ) (وَطِئَ) بِشُبْهَةٍ كَمَا فِي الْمُحَرَّرِ (مَنْكُوحَةً) لِغَيْرِهِ نِكَاحًا صَحِيحًا وَوَلَدَتْ مُمْكِنًا مِنْهُ وَمِنْ زَوْجِهَا يُعْرَضُ عَلَى الْقَائِفِ (فِي الْأَصَحِّ) فَيَلْحَقُ مَنْ أَلْحَقَهُ بِهِ مِنْهُمَا وَلَا يَتَعَيَّنُ الزَّوْجُ لِلْإِلْحَاقِ، بَلْ الْمَوْضِعُ مَوْضِعُ الِاشْتِبَاهِ.
وَالثَّانِي: يَلْحَقُ بِالزَّوْجِ لِقُوَّةِ فِرَاشِهِ، وَعَلَى الْأَوَّلِ لَا بُدَّ مِنْ إقَامَةِ بَيِّنَةٍ عَلَى الْوَطْءِ، وَلَا يَكْفِي اتِّفَاقُ الزَّوْجَيْنِ وَالْوَطْءِ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ لِلْمَوْلُودِ حَقًّا فِي النَّسَبِ وَاتِّفَاقُهُمَا لَيْسَ بِحُجَّةٍ عَلَيْهِ، فَإِنْ قَامَتْ بَيِّنَةٌ بِهِ عُرِضَ عَلَى الْقَائِفِ وَيُعْرَضُ بِتَصْدِيقِهِ إنْ بَلَغَ، وَإِنْ لَمْ تَقُمْ بَيِّنَةٌ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ لَهُ، وَعَلَى هَذَا فَيُقَيَّدُ كَلَامُ الْمَتْنِ بِإِقَامَةِ بَيِّنَةِ الْوَطْءِ أَوْ تَصْدِيقِ الْوَلَدِ الْمُكَلَّفِ.
فَإِذَا وَلَدَتْ لِمَا بَيْنَ سِتَّةِ أَشْهُرٍ وَأَرْبَعِ سِنِينَ مِنْ وَطْأَيْهِمَا وَادَّعَيَاهُ عُرِضَ عَلَيْهِ، فَإِنْ تَخَلَّلَ بَيْنَ وَطْأَيْهِمَا حَيْضَةٌ فَلِلثَّانِي إلَّا أَنْ يَكُونَ الْأَوَّلُ زَوْجًا فِي نِكَاحٍ صَحِيحٍ، وَسَوَاءٌ فِيهِمَا اتَّفَقَا إسْلَامًا وَحُرِّيَّةً أَمْ لَا.
[مغني المحتاج]
تَنْبِيهٌ لَوْ أَلْقَتْ سَقْطًا عُرِضَ عَلَى الْقَائِفِ.
قَالَ الْفُورَانِيُّ: إذَا ظَهَرَ فِيهِ التَّخْطِيطُ دُونَ مَا لَمْ يَظْهَرْ وَفَائِدَتُهُ فِيمَا إذَا كَانَتْ الْمَوْطُوءَةُ أَمَةً وَبَاعَهَا أَحَدُهُمَا مِنْ الْآخَرِ بَعْدَ الْوَطْءِ وَالِاسْتِبْرَاءِ فِي أَنَّ الْبَيْعَ هَلْ يَصِحُّ وَأُمِّيَّةُ الْوَلَدِ عَمَّنْ تَثْبُتُ؟ ، وَفِي الْحُرَّةِ أَنَّ الْعِدَّةَ تَنْقَضِي بِهِ عَمَّنْ كَانَ مُتَّهَمًا (فَإِذَا وَلَدَتْ) تِلْكَ الْمَوْطُوءَةُ فِي الْمَسَائِلِ الْمَذْكُورَةِ (لِمَا بَيْنَ سِتَّةِ أَشْهُرٍ وَأَرْبَعِ سِنِينَ) وَكَذَا (مِنْ وَطْأَيْهِمَا وَادَّعَيَاهُ) أَيْ الْوَلَدَ (عُرِضَ عَلَيْهِ) أَيْ الْقَائِفِ فَيَلْحَقُ مَنْ أَلْحَقَهُ بِهِ مِنْهُمَا.
تَنْبِيهٌ قَوْلُهُ: وَادَّعَيَاهُ لَيْسَ بِشَرْطٍ، بَلْ لَوْ ادَّعَاهُ أَحَدُهُمَا وَسَكَتَ الْآخَرُ أَوْ نَكَلَ كَانَ الْحُكْمُ كَذَلِكَ كَمَا مَرَّ (فَإِنْ تَخَلَّلَ بَيْنَ وَطْأَيْهِمَا حَيْضَةٌ فَلِلثَّانِي) مِنْ الْوَاطِئَيْنِ الْوَلَدُ؛ لِأَنَّ الْحَيْضَ أَمَارَةٌ ظَاهِرَةٌ فِي حُصُولِ الْبَرَاءَةِ عَنْ الْأَوَّلِ فَيَنْقَطِعُ تَعَلُّقُهُ عَنْهُ، وَإِذَا انْقَطَعَ عَنْ الْأَوَّلِ تَعَيَّنَ لِلثَّانِي؛ لِأَنَّ فِرَاشَهُ لَمْ يَنْقَطِعْ بَعْدَ وُجُودِهِ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَدَّعِيَهُ الْأَوَّلُ أَمْ لَا اللَّهُمَّ (إلَّا أَنْ يَكُونَ) (الْأَوَّلُ) مِنْهُمَا (زَوْجًا فِي نِكَاحٍ صَحِيحٍ) وَالثَّانِي مِنْهُمَا وَاطِئًا بِشُبْهَةٍ أَوْ فِي نِكَاحٍ فَاسِدٍ فَلَا يَنْقَطِعُ تَعَلُّقُ الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّ إمْكَانَ الْوَطْءِ مَعَ فِرَاشِ النِّكَاحِ قَائِمٌ مَقَامَ نَفْسِ الْوَطْءِ، وَالْإِمْكَانُ حَاصِلٌ بَعْدَ الْحَيْضَةِ، فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلُ زَوْجًا فِي نِكَاحٍ فَاسِدٍ انْقَطَعَ تَعَلُّقُهُ؛ لِأَنَّ الْمَرْأَةَ لَا تَصِيرُ فِرَاشًا فِي النِّكَاحِ الْفَاسِدِ إلَّا بِحَقِيقَةِ الْوَطْءِ (وَسَوَاءٌ فِيهِمَا) أَيْ الْمُتَنَازِعَيْنِ فِيمَا ذُكِرَ (اتَّفَقَا إسْلَامًا وَحُرِّيَّةً) بِكَوْنِهِمَا مُسْلِمَيْنِ حُرَّيْنِ (أَمْ لَا) كَمُسْلِمٍ وَذِمِّيٍّ وَحُرٍّ وَعَبْدٍ؛ لِأَنَّ النَّسَبَ لَا يَخْتَلِفُ، وَهَذَا تَفْرِيعٌ عَلَى صِحَّةِ اسْتِلْحَاقِ الْعَبْدِ، وَهُوَ الْأَظْهَرُ، فَلَوْ ادَّعَاهُ مُسْلِمٌ وَذِمِّيٌّ وَأَقَامَ الذِّمِّيُّ بَيِّنَةً تَبِعَهُ نَسَبًا وَدِينًا، كَمَا لَوْ أَقَامَهَا الْمُسْلِمُ أَوْ لَحِقَهُ بِإِلْحَاقِ الْقَائِفِ أَوْ بِنَفْسِهِ كَمَا بَحَثَهُ شَيْخُنَا تَبِعَهُ نَسَبًا لَا دِينًا؛ لِأَنَّ الْإِسْلَامَ يَعْلُو وَلَا يُعْلَى عَلَيْهِ، فَلَا يَحْضُنُهُ لِعَدَمِ أَهْلِيَّتِهِ لِحَضَانَتِهِ، أَوْ ادَّعَاهُ حُرٌّ وَعَبْدٌ وَأَلْحَقَهُ الْقَائِفُ بِالْعَبْدِ، أَوْ لَحِقَ بِهِ بِنَفْسِهِ كَمَا بَحَثَهُ شَيْخُنَا لَحِقَهُ فِي النَّسَبِ وَكَانَ حُرًّا لِاحْتِمَالِ أَنَّهُ وَلَدٌ مِنْ حُرَّةٍ.
تَنْبِيهٌ لَوْ عُدِمَ الْقَائِفُ بِدُونِ مَسَافَةِ الْقَصْرِ أَوْ أَشْكَلَ عَلَيْهِ الْحَالُ بِأَنْ تَحَيَّرَ، أَوْ أَلْحَقَهُ بِهِمَا، أَوْ نَفَاهُ عَنْهُمَا وُقِفَ الْأَمْرُ حَتَّى يَبْلُغَ عَاقِلًا وَيَخْتَارَ الِانْتِسَابَ إلَى أَحَدِهِمَا بِحَسَبِ الْمَيْلِ الَّذِي يَجِدُهُ وَيُحْبَسُ لِيَخْتَارَ إنْ امْتَنَعَ مِنْ الِانْتِسَابِ إلَّا إنْ لَمْ يَجِدْ مَيْلًا إلَى أَحَدِهِمَا فَيُوقَفُ الْأَمْرُ، وَلَا يُقْبَلُ رُجُوعُ قَائِفِ إلَّا قَبْلِ الْحُكْمِ بِقَوْلِهِ ثُمَّ لَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ فِي حَقِّهِ لِسُقُوطِ الثِّقَةِ بِقَوْلِهِ وَمَعْرِفَتِهِ وَكَذَا لَا يُصَدَّقُ لِغَيْرِ الْآخَرِ إلَّا بَعْدَ مُضِيِّ إمْكَانِ تَعَلُّمِهِ مَعَ امْتِحَانٍ لَهُ بِذَلِكَ.
خَاتِمَةٌ
لَوْ اسْتَلْحَقَ مَجْهُولًا نَسَبَهُ وَلَهُ زَوْجَةٌ فَأَنْكَرَتْهُ زَوْجَتُهُ لَحِقَهُ عَمَلًا بِإِقْرَارِهِ دُونَهَا لِجَوَازِ كَوْنِهِ مِنْ وَطْءِ شُبْهَةٍ أَوْ زَوْجَةٍ أُخْرَى وَإِنْ ادَّعَتْهُ وَالْحَالَةُ هَذِهِ امْرَأَةٌ أُخْرَى وَأَنْكَرَهُ زَوْجُهَا وَأَقَامَ زَوْجُ
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[مغني المحتاج]
الْمُنْكِرَةِ بَيِّنَتَيْنِ تَعَارَضَتَا فَيَسْقُطَانِ وَيُعْرَضُ عَلَى الْقَائِفِ، فَإِنْ أَلْحَقَهُ بِهَا لَحِقَهَا، وَكَذَا زَوْجُهَا عَلَى الْمَذْهَبِ الْمَنْصُوصِ كَمَا قَالَهُ الْإِسْنَوِيُّ خِلَافًا لِمَا جَرَى عَلَيْهِ ابْنُ الْمُقْرِي، أَوْ بِالرَّجُلِ لَحِقَهُ وَزَوْجَتَهُ، فَإِنْ لَمْ يُقِمْ وَاحِدٌ مِنْهُمَا بَيِّنَةً، فَالْأَصَحُّ كَمَا قَالَ الْإِسْنَوِيُّ أَنَّهُ لَيْسَ وَلَدَ الْوَاحِدَةِ مِنْهُمَا، وَلَا يَسْقُطُ حُكْمُ قَائِفٍ بِقَوْلِ قَائِفٍ آخَرَ، وَلَوْ أَلْحَقَهُ قَائِفٌ بِالْأَشْبَاهِ الظَّاهِرَةِ، وَآخَرُ بِالْأَشْبَاهِ الْخَفِيَّةِ كَالْخَلْقِ وَتَشَاكُلِ الْأَعْضَاءِ فَالثَّانِي أَوْلَى مِنْ الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّ فِيهَا زِيَادَةَ حِذْقٍ وَبَصِيرَةٍ، وَلَوْ أَلْحَقَ الْقَائِفُ التَّوْأَمَيْنِ بِاثْنَيْنِ بِأَنْ أَلْحَقَ أَحَدَهُمَا بِأَحَدِهِمَا، وَالْآخَرَ بِالْآخَرِ بَطَلَ قَوْلُهُ حَتَّى يُمْتَحَنَ وَيَغْلِبَ عَلَى الظَّنِّ صِدْقُهُ فَيُعْمَلَ بِقَوْلِهِ، كَمَا لَوْ أَلْحَقَ الْوَاحِدَ بِاثْنَيْنِ، وَيَبْطُلُ أَيْضًا قَوْلُ قَائِفَيْنِ اخْتَلَفَا فِي الْإِلْحَاقِ حَتَّى يُمْتَحَنَا وَيَغْلِبَ عَلَى الظَّنِّ صِدْقُهُمَا، وَيَلْغُو انْتِسَابُ بَالِغٍ أَوْ تَوْأَمَيْنِ إلَى اثْنَيْنِ، فَإِنْ رَجَّعَ أَحَدَ التَّوْأَمَيْنِ إلَى الْآخَرِ قُبِلَ، وَيُؤْمَرُ الْبَالِغُ بِالِانْتِسَابِ إلَى أَحَدِهِمَا، وَمَتَى أَمْكَنَ كَوْنُهُ مِنْهُمَا عُرِضَ عَلَى الْقَائِفِ وَإِنْ أَنْكَرَهُ الْآخَرُ أَوْ أَنْكَرَاهُ؛ لِأَنَّ لِلْوَلَدِ حَقًّا فِي النَّسَبِ فَلَا يَثْبُتُ بِالْإِنْكَارِ مِنْ غَيْرِهِ وَيُنْفِقَانِ عَلَيْهِ إلَى أَنْ يُعْرَضَ عَلَى الْقَائِفِ أَوْ يُنْتَسَبَ، وَيَرْجِعُ بِالنَّفَقَةِ مَنْ لَمْ يَلْحَقْهُ الْوَلَدُ عَلَى مَنْ لَحِقَهُ إنْ أَنْفَقَ بِإِذْنِ الْحَاكِمِ وَلَمْ يَدَّعِ الْوَلَدَ، وَيَقْبَلَانِ لَهُ الْوَصِيَّةَ الَّتِي أَوْصَى لَهُ بِهَا فِي مُدَّةِ التَّوَقُّفِ؛ لِأَنَّ أَحَدَهُمَا أَبُوهُ، وَنَفَقَةُ الْحَامِلِ عَلَى الْمُطْلِقِ فَيُعْطِيهَا لَهَا وَيَرْجِعُ بِهَا عَلَى الْآخَرِ إنْ أُلْحِقَ الْوَلَدُ بِالْآخَرِ، فَإِنْ مَاتَ الْوَلَدُ قَبْلَ الْعَرْضِ عَلَى الْقَائِفِ عُرِضَ عَلَيْهِ مَيِّتًا، لَا إنْ تَغَيَّرَ أَوْ دُفِنَ، وَإِنْ مَاتَ مُدَّعِيهِ عُرِضَ عَلَى الْقَائِفِ مَعَ أَبِيهِ أَوْ أَخِيهِ وَنَحْوِهِ مِنْ سَائِرِ الْعَصَبَةِ.
كتاب العتق
[مغني المحتاج]
[كِتَابُ الْعِتْقِ]
ِ بِمَعْنَى الْإِعْتَاقِ، وَهُوَ لُغَةٌ مَأْخُوذَةٌ مِنْ قَوْلِهِمْ: عَتَقَ الْفَرَسُ إذَا سَبَقَ، وَعَتَقَ الْفَرْخُ إذَا طَارَ
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[مغني المحتاج]
وَاسْتَقَلَّ، فَكَأَنَّ الْعَبْدَ إذَا فُكَّ مِنْ الرِّقِّ خَلَصَ وَاسْتَقَلَّ.
وَشَرْعًا: إزَالَةُ الرِّقِّ عَنْ الْآدَمِيِّ وَالْأَصْلُ فِي الْبَابِ قَوْله تَعَالَى: ﴿فَكُّ رَقَبَةٍ﴾ [البلد: 13] وقَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ﴾ [الأحزاب: 37]- أَيْ بِالْإِسْلَامِ - ﴿وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ﴾ [الأحزاب: 37] أَيْ بِالْعِتْقِ كَمَا قَالَهُ الْمُفَسِّرُونَ، وَفِي غَيْرِ مَوْضِعٍ ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ [النساء: 92] وَفِي الصَّحِيحَيْنِ: «مَنْ أَعْتَقَ رَقَبَةً مُؤْمِنَةً أَعْتَقَ اللَّهُ بِكُلِّ عُضْوٍ مِنْهَا عُضْوًا مِنْ أَعْضَائِهِ مِنْ النَّارِ حَتَّى الْفَرْجَ بِالْفَرْجِ» وَفِي سُنَنِ أَبِي دَاوُد
إنَّمَا يَصِحُّ مِنْ مُطْلَقِ التَّصَرُّفِ، وَيَصِحُّ تَعْلِيقُهُ
[مغني المحتاج]
أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «مَنْ أَعْتَقَ رَقَبَةً مُؤْمِنَةً كَانَتْ فِدَاءَهُ مِنْ النَّارِ» وَخُصَّتْ الرَّقَبَةُ بِالذِّكْرِ فِي هَذَيْنِ الْخَبَرَيْنِ؛ لِأَنَّ مِلْكَ السَّيِّدِ الرَّقِيقَ كَالْغُلِّ فِي رَقَبَتِهِ، فَهُوَ مُحْتَبَسٌ بِهِ كَمَا تُحْبَسُ الدَّابَّةُ بِالْحَبْلِ فِي عُنُقِهَا، فَإِذَا أَعْتَقَهُ أَطْلَقَهُ مِنْ ذَلِكَ الْغُلِّ الَّذِي كَانَ فِي رَقَبَتِهِ.
فَائِدَةٌ: أَعْتَقَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثَلَاثًا وَسِتِّينَ نَسَمَةً، وَنَحَرَ بِيَدِهِ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ ثَلَاثًا وَسِتِّينَ بَدَنَةً، وَأَعْتَقَتْ عَائِشَةُ تِسْعًا وَسِتِّينَ، وَعَاشَتْ كَذَلِكَ، وَأَعْتَقَ أَبُو بَكْرٍ كَثِيرًا، وَأَعْتَقَ الْعَبَّاسُ سَبْعِينَ، وَأَعْتَقَ عُثْمَانُ وَهُوَ مُحَاصَرٌ عِشْرِينَ، وَأَعْتَقَ حَكِيمُ بْنُ حِزَامٍ مِائَةً مُطَوَّقِينَ بِالْفِضَّةِ، وَأَعْتَقَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ أَلْفًا، وَاعْتَمَرَ أَلْفَ عُمْرَةٍ، وَحَجَّ سِتِّينَ حَجَّةً، وَحَبَسَ أَلْفَ فَرَسٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَأَعْتَقَ ذُو الْكَلَاعِ الْحِمْيَرِيُّ فِي يَوْمٍ ثَمَانِيَةَ آلَافٍ، وَأَعْتَقَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ ثَلَاثِينَ أَلْفًا.
وَرَوَى الْحَاكِمُ عَنْ سَلَمَةَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «اللَّهُمَّ اسْقِ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ مِنْ سَلْسَلِ الْجَنَّةِ» - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - وَحَشَرَنَا مَعَهُمْ آمِينَ.
وَالْعِتْقُ الْمُنْجَزُ مِنْ الْمُسْلِمِ قُرْبَةٌ بِالْإِجْمَاعِ أَمَّا الْمُعَلَّقُ، فَفِي الصَّدَاقِ مِنْ الرَّافِعِيِّ أَنَّ التَّعْلِيقَ لَيْسَ عَقْدَ قُرْبَةٍ، وَإِنَّمَا يُقْصَدُ بِهِ حَثٌّ أَوْ مَنْعٌ أَيْ أَوْ تَحْقِيقُ خَبَرٍ، بِخِلَافِ التَّدْبِيرِ، وَكَلَامُهُ يَقْتَضِي أَنَّ تَعْلِيقَهُ الْعَارِي عَنْ قَصْدِ مَا ذُكِرَ كَالتَّدْبِيرِ، وَهُوَ كَمَا قَالَ شَيْخُنَا ظَاهِرٌ.
وَأَرْكَانُهُ ثَلَاثَةٌ: مُعْتِقٌ، وَعَتِيقٌ، وَصِيغَةٌ.
وَقَدْ شَرَعَ فِي الرُّكْنِ الْأَوَّلِ فَقَالَ (إنَّمَا) (يَصِحُّ مِنْ) مَالِكٍ (مُطْلَقِ التَّصَرُّفِ) أَهْلٍ لِلتَّبَرُّعِ وَالْوَلَاءِ مُخْتَارًا، وَمِنْ وَكِيلٍ أَوْلَى فِي كَفَّارَةٍ لَزِمَتْ مُوَلِّيهِ، فَلَا يَصِحُّ مِنْ غَيْرِ مَالِكٍ بِلَا إذْنٍ، وَلَا مِنْ غَيْرِ مُطْلَقِ التَّصَرُّفِ مِنْ صَبِيٍّ وَمَجْنُونٍ وَمَحْجُورٍ عَلَيْهِ بِسَفَهٍ أَوْ فَلَسٍ، وَلَا مِنْ مُبَعَّضٍ وَمُكَاتَبٍ وَمُكْرَهٍ بِغَيْرِ حَقٍّ، وَيُتَصَوَّرُ الْإِكْرَاهُ بِحَقٍّ فِي الْبَيْعِ بِشَرْطِ الْعِتْقِ، وَيَصِحُّ مِنْ سَكْرَانَ، وَمِنْ كَافِرٍ وَلَوْ حَرْبِيًّا، وَيَثْبُتُ وَلَاؤُهُ عَلَى عَتِيقِهِ الْمُسْلِمِ سَوَاءٌ أَعْتَقَهُ مُسْلِمًا أَمْ كَافِرًا ثُمَّ أَسْلَمَ، وَلَا يَصِحُّ عِتْقُ مَوْقُوفٍ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مَمْلُوكٍ، وَلِأَنَّ ذَلِكَ يَبْطُلُ بِهِ حَقُّ بَقِيَّةِ الْبُطُونِ، وَبِمَا تَقَرَّرَ عُلِمَ مَا فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ مِنْ الْإِجْحَافِ (وَيَصِحُّ تَعْلِيقُهُ) بِصِفَةٍ مُحَقَّقَةِ الْوُقُوعِ وَغَيْرِهَا كَالتَّدْبِيرِ لِمَا فِيهِ مِنْ التَّوْسِعَةِ لِتَحْصِيلِ الْقُرْبَةِ، وَيَصِحُّ تَعْلِيقُهُ بِعِوَضٍ أَيْضًا، وَقَدْ يُفْهَمُ مِنْ صِحَّةِ تَعْلِيقِهِ أَنَّهُ لَا يَفْسُدُ بِالشُّرُوطِ الْفَاسِدَةِ، بِخِلَافِ الْوَقْفِ، وَبِهِ صَرَّحَ الْقَفَّالُ فِي فَتَاوِيهِ.
قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: وَمُقْتَضَى كَلَامِ الرَّافِعِيِّ فِي كِتَابِ الْوَقْفِ أَنَّهُ يَفْسُدُ بِهِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ.
قَالَ فِي الْبَسِيطِ: وَكَذَا وَقْتُهُ نَفَذَ وَلَغَا التَّوْقِيتُ اهـ.
وَإِذَا عَلَّقَ الْإِعْتَاقَ عَلَى صِفَةٍ لَمْ يَمْلِكْ الرُّجُوعَ فِيهِ بِالْقَوْلِ وَيَمْلِكُهُ بِالتَّصَرُّفِ كَالْبَيْعِ وَنَحْوِهِ، وَإِذَا بَاعَهُ ثُمَّ اشْتَرَاهُ (عَلَّقَ الْإِعْتَاقَ عَلَى صِفَةٍ) لَمْ تَعُدْ الصِّفَةُ، وَإِنْ عَلَّقَهُ عَلَى صِفَةٍ بَعْدَ الْمَوْتِ فَمَاتَ السَّيِّدُ لَمْ تَبْطُلْ الصِّفَةُ.
تَنْبِيهٌ كَلَامُ الْمُصَنِّفِ قَدْ يَقْتَضِي اعْتِبَارَ إطْلَاقِ التَّصَرُّفِ فِي تَعْلِيقِ الْإِعْتَاقِ، وَلَيْسَ مُرَادًا، فَإِنَّهُ يَصِحُّ تَعْلِيقُهُ مِنْ الرَّاهِنِ الْمُعْسِرِ وَالْمُوسِرِ عَلَى صِفَةٍ تُوجَدُ بَعْدَ الْفَكِّ، أَوْ يُحْتَمَلُ وُجُودُهَا
وَإضَافَتُهُ إلَى جُزْءٍ فَيَعْتِقُ كُلُّهُ.
وَصَرِيحُهُ تَحْرِيرٌ وَإِعْتَاقٌ،
[مغني المحتاج]
قَبْلَهُ أَوْ بَعْدَهُ، وَكَذَا مِنْ مَالِكِ الْعَبْدِ الْجَانِي الَّتِي تَعَلَّقَتْ الْجِنَايَةُ بِرَقَبَتِهِ، وَمِنْ الْمَحْجُورِ عَلَيْهِ بِفَلَسٍ أَوْ رِدَّةٍ (وَ) تَصِحُّ (إضَافَتُهُ إلَى جُزْءٍ) مُعَيَّنٍ مِنْ الرَّقِيقِ كَيَدِهِ أَوْ شَائِعٍ مِنْهُ كَرُبُعِهِ (فَيَعْتِقُ كُلُّهُ) سِرَايَةً كَنَظِيرِهِ فِي إطْلَاقٍ وَسَوَاءٌ الْمُوسِرُ وَغَيْرُهُ لِمَا رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ «أَنَّ رَجُلًا أَعْتَقَ شِقْصًا مِنْ غُلَامٍ فَذَكَرَ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَجَازَ عِتْقَهُ وَقَالَ: لَيْسَ لِلَّهِ شَرِيكٌ» هَذَا إذَا كَانَ بَاقِيهِ لَهُ.
فَإِنْ كَانَ بَاقِيهِ لِغَيْرِهِ فَسَيَذْكُرُهُ الْمُصَنِّفُ بَعْدُ، وَظَاهِرُ كَلَامِهِ أَنَّ الْعِتْقَ يَقَعُ عَلَى الْجَمِيعِ دَفْعَةً، وَهُوَ أَحَدُ وَجْهَيْنِ فِي الشَّرْحِ وَالرَّوْضَةِ بِلَا تَرْجِيحٍ.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ يَقَعُ عَلَى مَا أَعْتَقَهُ ثُمَّ عَلَى الْبَاقِي بِالسِّرَايَةِ، وَهُوَ الصَّحِيحُ كَمَا قَالَهُ الزَّرْكَشِيُّ كَمَا سَبَقَ فِي الطَّلَاقِ، وَلِذَا حَمَلَا كَلَامَ الْمُصَنِّفِ عَلَيْهِ وَإِنْ قَالَ الدَّمِيرِيُّ أَصَحُّهُمَا يَقَعُ عَلَى الْجَمِيعِ دَفْعَةً وَاحِدَةً، وَكَأَنَّهُ عَبَّرَ عَنْ الْكُلِّ بِالْبَعْضِ.
وَمِنْ فَوَائِدِ الْخِلَافِ أَنَّهُ لَوْ قَالَ لِرَقِيقِهِ: إنْ دَخَلْت الدَّارَ فَإِبْهَامُكِ حُرٌّ، فَقَطَعَ إبْهَامَهُ ثُمَّ دَخَلَ، فَإِنْ قُلْنَا بِالتَّعْبِيرِ عَنْ الْكُلِّ بِالْبَعْضِ عَتَقَ وَإِلَّا فَلَا، وَمِنْهَا مَا لَوْ حَلَفَ لَا يُعْتِقُ رَقِيقًا فَأَعْتَقَ بَعْضَ رَقِيقٍ فَإِنْ قُلْنَا بِالتَّعْبِيرِ عَنْ الْكُلِّ بِالْبَعْضِ حَنِثَ وَإِلَّا فَلَا.
تَنْبِيهٌ أُورِدَ عَلَى الْمُصَنِّفِ مَا إذَا وَكَّلَ وَكِيلًا فِي إعْتَاقِ عَبْدِهِ فَأَعْتَقَ الْوَكِيلُ نِصْفَهُ فَقَطْ مَثَلًا فَالْأَصَحُّ عِتْقُ ذَلِكَ النِّصْفِ فَقَطْ كَمَا صَحَّحَهُ فِي أَصْلِ الرَّوْضَةِ، لَكِنْ رَجَّحَ الْبُلْقِينِيُّ الْقَطْعَ بِعِتْقِ الْكُلِّ، وَاسْتُشْكِلَ فِي الْمُهِمَّاتِ عَدَمُ السِّرَايَةِ بِأَنَّ فِي أَصْلِ الرَّوْضَةِ أَنَّهُ لَوْ وَكَّلَ شَرِيكَهُ فِي عِتْقِ نَصِيبِهِ فَأَعْتَقَ الشَّرِيكُ النِّصْفَ الْمُوَكَّلَ فِيهِ سَرَى إلَى نَصِيبِ الْمُوَكَّلِ.
قَالَ: فَإِذَا حُكِمَ بِالسِّرَايَةِ إلَى مِلْكِ الْغَيْرِ فِي الْعِتْقِ الصَّادِرِ مِنْ الْوَكِيلِ، فَلَأَنْ يَسْرِيَ إلَى مِلْكِ نَفْسِهِ أَوْلَى، فَكَيْفَ يَسْتَقِيمُ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا انْتَهَى، وَقَدْ يُجَابُ بِأَنَّ الْوَكِيلَ قَدْ خَالَفَ مُوَكِّلَهُ فِيمَا مَرَّ وَكَانَ الْقِيَاسُ عَدَمُ النُّفُوذِ بِالْكُلِّيَّةِ، لَكِنْ لَمَّا كَانَ الشَّارِعُ مُتَشَوِّفًا إلَى الْعِتْقِ نَفَّذْنَاهُ فِيمَا أَعْتَقَهُ الْوَكِيلُ وَلَمْ تَتَرَتَّبْ السِّرَايَةُ عَلَى مَا يَثْبُتُ عِتْقُهُ عَلَى خِلَافِ الْقِيَاسِ؛ لِأَنَّ عِتْقَ السِّرَايَةِ قَدْ لَا يَقُومُ مَقَامَ الْمُبَاشَرَةِ فَيَفُوتُ غَرَضُ الْمُوَكِّلِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يُوَكِّلُهُ فِي عِتْقِهِ عَنْ الْكَفَّارَةِ، فَلَوْ نَفَّذْنَا عِتْقَ بَعْضِهِ بِالسِّرَايَةِ لَمَا أَجْزَأَ عَنْ الْكَفَّارَةِ وَكَانَ الْمَالِكُ يَحْتَاجُ إلَى نِصْفِ رَقَبَةٍ أُخْرَى، بِخِلَافِ مَا إذَا قُلْنَا يُعْتِقَ النِّصْفَ فَقَطْ، فَإِنَّ النِّصْفَ الْآخَرَ يُمْكِنُ عِتْقُهُ بِالْمُبَاشَرَةِ عَنْ الْكَفَّارَةِ.
وَأَمَّا الْمُسْتَشْكَلُ بِهِ فَقَدْ وَافَقَ الْوَكِيلُ مُوَكِّلَهُ فِيمَا أَذِنَ لَهُ فِيهِ فَكَأَنَّهُ أَعْتَقَ ذَلِكَ الْبَعْضَ وَهُوَ إذَا أَعْتَقَ ذَلِكَ الْبَعْضَ بِنَفْسِهِ سَرَى الْعِتْقُ إلَى نَصِيبِ شَرِيكِهِ.
وَالرُّكْنُ الثَّانِي الْعَتِيقُ، وَيُشْتَرَطُ فِيهِ.
أَنْ لَا يَتَعَلَّقَ بِهِ حَقٌّ لَازِمٌ غَيْرُ عِتْقٍ يَمْنَعُ بَيْعَهُ كَمُسْتَوْلَدَةٍ وَمُؤَجَّرٍ، بِخِلَافِ مَا تَعَلَّقَ بِهِ ذَلِكَ كَوَقْفٍ كَمَا مَرَّ وَكَرَهْنٍ عَلَى تَفْصِيلٍ مَرَّ بَيَانُهُ.
وَالرُّكْنُ الثَّالِثُ: الصِّيغَةُ وَهِيَ.
إمَّا لَفْظٌ صَرِيحٌ، وَإِمَّا كِنَايَةٌ، وَقَدْ شَرَعَ فِي الْقِسْمِ الْأَوَّلِ.
فَقَالَ (وَصَرِيحُهُ تَحْرِيرٌ وَإِعْتَاقٌ) وَمَا تَصَرَّفَ مِنْهُمَا كَأَنْتَ مُحَرَّرٌ أَوْ حَرَّرْتُكَ أَوْ عَتِيقٌ أَوْ مُعْتَقٌ لِوُرُودِهِمَا فِي الْقُرْآنِ
وَكَذَا فَكُّ رَقَبَةٍ فِي الْأَصَحِّ، وَلَا يَحْتَاجُ إلَى نِيَّةٍ، وَيَحْتَاجُ إلَيْهَا كِنَايَتُهُ، وَهِيَ لَا مِلْكَ لِي عَلَيْكَ، لَا سُلْطَانَ، لَا سَبِيلَ، لَا خِدْمَةَ، أَنْتَ سَائِبَةٌ،
[مغني المحتاج]
وَالسُّنَّةِ مُنَكَّرَيْنِ، وَيَسْتَوِي فِي أَلْفَاظِهِمَا الْهَازِلُ وَاللَّاعِبُ؛ لِأَنَّ هَزْلَهُمَا جِدٌّ كَمَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَغَيْرُهُ (وَكَذَا فَكُّ رَقَبَةٍ) وَمَا تَصَرَّفَ مِنْهُ كَمَفْكُوكِ الرَّقَبَةِ صَرِيحٌ (فِي الْأَصَحِّ) لِوُرُودِهِ فِي الْقُرْآنِ، وَالثَّانِي: هُوَ كِنَايَةٌ لِاسْتِعْمَالِهِ فِي الْعِتْقِ وَغَيْرِهِ، فَقَدْ قِيلَ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿فَكُّ رَقَبَةٍ﴾ [البلد: 13] أَيْ مِنْ الْأَسْرِ، وَقِيلَ بِاجْتِنَابِ الْمَعَاصِي، وَوَرَدَ فِي الْحَدِيثِ «فَكُّ الرَّقَبَةِ أَنْ تُعِينَ فِي ثَمَنِهَا» .
تَنْبِيهٌ كَانَ الْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ: وَمَا اُشْتُقَّ مِنْ التَّحْرِيرِ وَالْإِعْتَاقِ وَالْفَكِّ، فَإِنَّهُ لَوْ قَالَ: أَنْتَ تَحْرِيرٌ أَوْ إعْتَاقٌ أَوْ فَكٌّ كَانَ كِنَايَةً كَقَوْلِهِ لِزَوْجَتِهِ: أَنْتِ طَلَاقٌ.
فُرُوعٌ: لَوْ كَانَ اسْمُ أَمَتِهِ قَبْلَ إرْقَاقِهَا حُرَّةَ فَسُمِّيَتْ بِغَيْرِهِ، فَقَالَ لَهَا: يَا حُرَّةُ عَتَقَتْ إنْ لَمْ يَقْصِدْ النِّدَاءَ لَهَا بِاسْمِهَا الْقَدِيمِ، فَإِنْ كَانَ اسْمُهَا فِي الْحَالِ حُرَّةَ لَمْ تُعْتَقْ إلَّا إنْ قَصَدَ الْعِتْقَ، وَإِنْ أَقَرَّ بِحُرِّيَّتِهِ خَوْفًا مِنْ أَخْذِ الْمَكْسِ عَنْهُ إذَا طَالَبَهُ الْمُكَّاسُ بِهِ وَقَصَدَ الْإِخْبَارَ لَمْ يُعْتَقْ بَاطِنًا، وَقَوْلُ الْإِسْنَوِيِّ وَلَا ظَاهِرًا كَمَا لَوْ قَالَ لَهَا: أَنْتِ طَالِقٌ، وَهُوَ يَحِلُّهَا مِنْ وَثَاقٍ.
ثُمَّ ادَّعَى أَنَّهُ أَرَادَ طَلَاقَهَا مِنْ الْوِثَاقِ مَرْدُودٌ، فَإِنَّ ذَلِكَ إنَّمَا هُوَ قَرِينَةٌ عَلَى أَنَّهُ إخْبَارٌ لَيْسَ بِإِنْشَاءٍ، وَلَا يَسْتَقِيمُ كَلَامُهُ مَعَهُ إلَّا إذَا كَانَ عَلَى ظَاهِرِهِ، وَنَظِيرُ مَسْأَلَةِ الْوِثَاقِ كَمَا قَالَ شَيْخُنَا أَنْ يُقَالَ لَهُ أَمَتُك قَحْبَةٌ، فَيَقُولُ بَلْ هِيَ حُرَّةٌ فَهُوَ قَرِينَةٌ عَلَى إرَادَةِ الصِّفَةِ لَا الْعِتْقِ، وَلَوْ قَالَ لِامْرَأَةٍ زَاحَمَتْهُ تَأَخَّرِي يَا حُرَّةُ فَبَانَتْ أَمَتُهُ لَمْ تُعْتَقْ، وَإِنَّمَا أَعْتَقَ الشَّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَمَتَهُ بِذَلِكَ تَوَرُّعًا، وَلَوْ قَالَ لِعَبْدِهِ: اُفْرُغْ مِنْ عَمَلِكَ وَأَنْتَ حُرٌّ، وَقَالَ أَرَدْتُ حُرًّا مِنْ الْعَمَلِ لَمْ يُقْبَلْ ظَاهِرًا وَيَدِينُ، وَلَوْ قَالَ: اللَّهُ أَعْتَقَك عَتَقَ أَوْ أَعْتَقَك اللَّهُ فَكَذَلِكَ كَمَا هُوَ مُقْتَضَى كَلَامِهِمَا، وَرَأَى الْبُوشَنْجِيُّ أَنَّهُ كِنَايَةٌ لِاحْتِمَالِ الْإِنْشَاءِ وَالدُّعَاءِ، وَلَوْ قَالَ: أَنْتَ حُرٌّ مِثْلُ هَذَا الْعَبْدِ، وَأَشَارَ إلَى عَبْدٍ آخَرَ لَهُ لَمْ يُعْتَقْ ذَلِكَ الْعَبْدُ كَمَا بَحَثَهُ الْمُصَنِّفُ، وَإِنْ قَالَ الْإِسْنَوِيُّ: إنَّمَا يُعْتَقُ الْأَوَّلُ فَقَطْ، وَلَوْ قَالَ رَجُلٌ: أَنْتَ تَعْلَمُ أَنَّ عَبْدِي حُرٌّ عَتَقَ بِإِقْرَارِهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ الْمُخَاطَبُ عَالِمًا بِحُرِّيَّتِهِ لَا إنْ قَالَ لَهُ: أَنْتَ تَظُنُّ أَوْ تَرَى، وَلَوْ قَالَ السَّيِّدُ لِضَارِبِ عَبْدِهِ: عَبْدُ غَيْرِكَ حُرٌّ مِثْلُك لَمْ يُحْكَمْ بِعِتْقِهِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُعَيِّنْهُ (وَلَا يَحْتَاجُ) الصَّرِيحُ (إلَى نِيَّةٍ) لِإِيقَاعِهِ كَسَائِرِ الصَّرَائِحِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُفْهَمُ مِنْهُ غَيْرُهُ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ فَلَمْ يَحْتَجْ لِتَقْوِيَتِهِ بِالنِّيَّةِ وَلِأَنَّ هَزْلَهُ جَدٌّ كَمَا مَرَّ فَيَقَعُ الْعِتْقُ، وَإِنْ لَمْ يَقْصِدْ إيقَاعَهُ.
أَمَّا قَصْدُ لَفْظِ الصَّرِيحِ لِمَعْنَاهُ، فَلَا بُدَّ مِنْهُ لِيَخْرُجَ أَعْجَمِيٌّ تَلَفَّظَ بِالْعِتْقِ وَلَمْ يَعْرِفْ مَعْنَاهُ، وَمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ مِنْ عَدَمِ احْتِيَاجِ الصَّرِيحِ لِنِيَّةِ مَعْلُومٍ مِنْ حُكْمِ الصَّرِيحِ، وَإِنَّمَا صَرَّحَ بِهِ تَمْهِيدًا لِقَوْلِهِ (وَيَحْتَاجُ إلَيْهَا) أَيْ النِّيَّةِ (كِنَايَتُهُ) بِهَاءِ الضَّمِيرِ أَيْ الْعِتْقِ، وَإِنْ احْتَفَتْ بِهَا قَرِينَةٌ لِاحْتِمَالِهَا غَيْرَ الْعِتْقِ، فَلَا بُدَّ مِنْ نِيَّةِ التَّمْيِيزِ كَالْإِمْسَاكِ فِي الصَّوْمِ (وَهِيَ) أَيْ الْكِنَايَةُ (لَا مِلْكَ لِي عَلَيْكَ، لَا سُلْطَانَ) لِي عَلَيْكَ، وَكَذَا فِي بَقِيَّةِ الْأَمْثِلَةِ، وَهِيَ (لَا سَبِيلَ، لَا خِدْمَةَ) لَا يَدَ لَا أَسْرَ وَنَحْوُهَا (أَنْتَ) بِفَتْحِ التَّاءِ بِخَطِّهِ (سَائِبَةٌ،
أَنْتَ مَوْلَايَ، وَكَذَا كُلُّ صَرِيحٍ أَوْ كِنَايَةٍ لِلطَّلَاقِ، وَقَوْلُهُ لِعَبْدٍ: أَنْتِ حُرَّةٌ، وَلِأَمَةٍ أَنْتَ حُرٌّ صَرِيحٌ، وَلَوْ قَالَ عِتْقُكَ إلَيْك أَوْ خَيَّرْتُك وَنَوَى تَفْوِيضَ الْعِتْقِ إلَيْهِ فَأَعْتَقَ نَفْسَهُ فِي الْمَجْلِسِ عَتَقَ،
[مغني المحتاج]
أَنْتَ مَوْلَايَ) وَنَحْوُ ذَلِكَ كَأَزَلْت مِلْكِي أَوْ حُكْمِي عَنْكَ لِإِشْعَارِ مَا ذُكِرَ بِإِزَالَةِ الْمِلْكِ مَعَ احْتِمَالِ غَيْرِهِ.
تَنْبِيهٌ لَوْ قَالَ لِعَبْدِهِ: يَا سَيِّدِي هَلْ هُوَ كِنَايَةٌ أَوْ لَا؟ وَجْهَانِ: رَجَّحَ الْإِمَامُ أَنَّهُ كِنَايَةٌ، وَجَرَى عَلَيْهِ ابْنُ الْمُقْرِي وَهُوَ الظَّاهِرُ، وَرَجَّحَ الْقَاضِي وَالْغَزَالِيُّ أَنَّهُ لَغْوٌ؛ لِأَنَّهُ مِنْ السُّؤْدُدِ وَتَدْبِيرِ الْمَنْزِلِ، وَلَيْسَ فِيهِ مَا يَقْتَضِي الْعِتْقَ، وَجَرَى عَلَيْهِ الزَّرْكَشِيُّ وَعَلَّلَهُ بِأَنَّهُ إخْبَارٌ بِغَيْرِ الْوَاقِعِ أَوْ خِطَابٌ بِلَفْظٍ وَلَا إشْعَارَ لَهُ بِالْعِتْقِ، وَلَوْ قَالَ الْمُصَنِّفُ هِيَ كَقَوْلِهِ كَمَا فَعَلَ فِي الرَّوْضَةِ كَانَ أَوْلَى لِئَلَّا يُوهَمَ الْحَصْرُ.
قَالَ الْقَاضِي الْحُسَيْنُ: وَضَابِطُ الْكِنَايَةِ هُنَا كُلُّ لَفْظٍ يَتَضَمَّنُ زَوَالَ الْمِلْكِ أَوْ يُنْبِئُ عَنْ الْفُرْقَةِ كَالْأَمْثِلَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ (وَكَذَا كُلُّ صَرِيحٍ أَوْ كِنَايَةٍ لِلطَّلَاقِ) لِإِشْعَارِهَا بِإِزَالَةِ قَيْدِ الْمِلْكِ، وَيُسْتَثْنَى مِنْ ذَلِكَ مَا لَوْ قَالَ لِرَقِيقِهِ: أَنَا مِنْك طَالِقٌ أَوْ بَائِنٌ وَنَحْوَ ذَلِكَ وَنَوَى إعْتَاقَهُ عَبْدًا كَانَ أَوْ أَمَةً لَمْ يُعْتَقْ بِخِلَافِ نَظِيرِهِ مِنْ الطَّلَاقِ، وَالْفَرْقُ أَنَّ الزَّوْجِيَّةَ تَشْمَلُ الزَّوْجَيْنِ، وَالرِّقَّ خَاصٌّ بِالْعَبْدِ، وَيُسْتَثْنَى أَيْضًا مَا لَوْ قَالَ لِعَبْدِهِ: اعْتَدَّ أَوْ اسْتَبْرِئْ رَحِمِكَ وَنَوَى الْعِتْقَ فَإِنَّهُ لَا يُعْتَقُ كَمَا فِي أَصْلِ الرَّوْضَةِ فِي الطَّلَاقِ، وَلَوْ قَالَ لِأَمَتِهِ فَوَجْهَانِ: أَصَحُّهُمَا الْعِتْقُ.
تَنْبِيهٌ قَوْلُهُ لِلطَّلَاقِ يُخْرِجُ صَرَائِحَ وَكِنَايَاتٍ غَيْرَهُ، لَكِنْ الظَّاهِرُ صَرَائِحُهُ وَكِنَايَاتُهُ كِنَايَةٌ فِي الْعِتْقِ، وَلَيْسَ صَرِيحًا وَلَا كِنَايَةً فِي الطَّلَاقِ، وَلَوْ قَالَ لِعَبْدِهِ: يَا خَوَاجَا لَمْ يُعْتَقْ.
قَالَ الْمَرْوَزِيُّ: وَفِي الْإِحْيَاءِ أَنَّ الزُّهْرِيَّ قَالَ مَنْ قَالَ: لِعَبْدِهِ جَزَاهُ اللَّهُ عَتَقَ عَلَيْهِ اهـ.
وَلَعَلَّ هَذَا مَذْهَبُ الزُّهْرِيِّ، وَفِي الْكَشَّافِ فِي سُورَةِ يس: إذَا قَالَ الرَّجُلُ كُلُّ مَمْلُوكٍ لِي قَدِيمٍ حُرٌّ أَوْ كَتَبَ ذَلِكَ فِي وَصِيَّةٍ عَتَقَ مِنْهُمْ مَنْ مَضَى لَهُ حَوْلٌ وَأَكْثَرُ؛ لِأَنَّ الْقَدِيمَ هُوَ الْمَحْمُولُ اهـ.
(وَقَوْلُهُ لِعَبْدٍ) لَهُ (أَنْتِ) بِكَسْرِ التَّاءِ بِخَطِّهِ (حُرَّةٌ وَلِأَمَةٍ) لَهُ (أَنْتَ) بِفَتْحِ التَّاءِ بِخَطِّهِ أَيْضًا (حُرٌّ) (صَرِيحٌ) فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ، وَلَا يَضُرُّ الْخَطَأُ فِي التَّذْكِيرِ وَالتَّأْنِيثِ تَغْلِيبًا لِلْإِشَارَةِ عَلَى الْعِبَارَةِ، ثُمَّ شَرَعَ فِي مُشَابَهَةِ الْعِتْقِ لِلطَّلَاقِ فِي التَّعْوِيضِ وَالتَّعْلِيقِ بِقَوْلِهِ (وَلَوْ) (قَالَ) شَخْصٌ لِرَقِيقِهِ (عِتْقُكَ إلَيْك) أَيْ جَعَلْتُهُ (أَوْ خَيَّرْتُك) فِي إعْتَاقِك بِخَاءٍ مُعْجَمَةٍ مِنْ التَّخْيِيرِ، وَعَبَّرَ فِي الرَّوْضَةِ بِقَوْلِهِ: حَرَّرْتُكَ بِحَاءٍ مُهْمَلَةٍ مِنْ التَّحْرِيرِ.
قَالَ الْإِسْنَوِيُّ: وَهُوَ غَيْرُ مُسْتَقِيمٍ، فَإِنَّ هَذِهِ اللَّفْظَةَ صَرِيحَةٌ، وَصَوَابُهُ حُرِّيَّتكَ مَصْدَرًا مُضَافًا كَاللَّفْظِ الْمَذْكُورِ قَبْلَهُ وَهُوَ الْعِتْقُ (وَنَوَى تَفْوِيضَ الْعِتْقِ إلَيْهِ فَأَعْتَقَ نَفْسَهُ فِي الْمَجْلِسِ عَتَقَ) كَمَا فِي الطَّلَاقِ؛ لِأَنَّ الْعِتْقَ وَالطَّلَاقَ يَتَقَارَبَانِ، فَكُلُّ مَا تَقَدَّمَ هُنَاكَ يَأْتِي مِثْلُهُ هُنَا.
تَنْبِيهٌ عِبَارَةُ الْمُحَرَّرِ: وَجَعَلْتُ عِتْقَكَ إلَيْكَ، وَحَذْفُ الْمُصَنِّفِ الْعَامِلَ يُوهِمُ عَدَمَ الِاحْتِيَاجِ إلَيْهِ.
قَالَ الْبُلْقِينِيُّ: وَهُوَ مُحْتَمَلٌ.
قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: وَلَيْسَ كَذَلِكَ اهـ.
وَلِهَذَا قَيَّدْتُ الْعَامِلَ فِي عِبَارَةِ الْمُصَنِّفِ وَتَعْبِيرُهُ يَقْتَضِي اشْتِرَاطَ النِّيَّةِ مَعَ التَّفْوِيضِ بِالصَّرِيحِ، لَكِنْ صَرَّحَا فِي
أَوْ أَعْتَقْتُك عَلَى أَلْفٍ، أَوْ أَنْتَ حُرٌّ عَلَى أَلْفٍ فَقَبِلَ أَوْ قَالَ لَهُ الْعَبْدُ أَعْتِقْنِي عَلَى أَلْفٍ فَأَجَابَهُ عَتَقَ فِي الْحَالِ، وَلَزِمَهُ الْأَلْفُ، وَلَوْ قَالَ بِعْتُكَ نَفْسَكَ بِأَلْفٍ فَقَالَ اشْتَرَيْت فَالْمَذْهَبُ صِحَّةُ الْبَيْعِ وَيَعْتِقُ فِي الْحَالِ وَعَلَيْهِ الْأَلْفُ.
وَالْوَلَاءُ لِسَيِّدِهِ.
[مغني المحتاج]
الطَّلَاقِ بِعَدَمِ الِاحْتِيَاجِ، وَإِنَّمَا يُشْتَرَطُ ذَلِكَ فِي التَّفْوِيضِ بِالْكِنَايَةِ، فَعَلَى هَذَا يَكُونُ قَوْلُهُ: وَنَوَى قَيْدًا فِي الْأَخِيرَةِ خَاصَّةٌ، وَقَوْلُهُ فِي الْمَجْلِسِ يَقْتَضِي أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ الْفَوْرُ، لَكِنْ ظَاهِرُ عِبَارَةِ الشَّرْحِ وَالرَّوْضَةِ اشْتِرَاطُهُ حَيْثُ قَالَا: فَأَعْتَقَ نَفْسَهُ فِي الْحَالِ عَتَقَ وَاعْتُذِرَ عَنْ الْمُصَنِّفِ بِأَنَّ مُرَادَهُ، مَجْلِسُ التَّخَاطُبِ لَا الْحُضُورِ (أَوْ) قَالَ لِعَبْدِهِ فِي الْإِيجَابِ (أَعْتَقْتُك عَلَى أَلْفٍ) مَثَلًا فِي ذِمَّتِك (أَوْ أَنْتَ حُرٌّ عَلَى أَلْفٍ فَقَبِلَ) فِي الْحَالِ (أَوْ قَالَ لَهُ الْعَبْدُ) فِي الِاسْتِيجَابِ (أَعْتِقْنِي عَلَى أَلْفٍ) مَثَلًا (فَأَجَابَهُ) فِي الْحَالِ (عَتَقَ فِي الْحَالِ وَلَزِمَهُ الْأَلْفُ) فِي الصُّوَرِ الثَّلَاثِ كَالْخُلْعِ بَلْ أَوْلَى لِتَشَوُّفِ الشَّارِعِ إلَى تَخْلِيصِ الرَّقَبَةِ دُونَ الْفِرَاقِ فَهُوَ مِنْ جَانِبِ الْمَالِكِ مُعَاوَضَةٌ فِيهَا شَوْبُ تَعْلِيقٍ، وَمِنْ جَانِبِ الْمُسْتَدْعِي مُعَاوَضَةٌ نَازِعَةٌ إلَى الْجَعَالَةِ، وَلَا يَقْدَحُ كَوْنُهُ تَمْلِيكًا، إذْ يُغْتَفَرُ فِي الضِّمْنِيِّ مَا لَا يُغْتَفَرُ فِي الْمَقْصُودِ.
تَنْبِيهٌ قَوْلُهُ فِي الْحَالِ تَبِعَ فِيهِ الْمُحَرَّرَ وَلَا فَائِدَةَ لَهُ، وَلِهَذَا لَمْ يَذْكُرَاهُ فِي الشَّرْحِ وَالرَّوْضَةِ، وَإِنَّمَا ذَكَرَاهُ بَعْدَ هَذِهِ الصُّورَةِ فِيمَا لَوْ قَالَ: أَعْتَقْتُك عَلَى كَذَا إلَى شَهْرٍ فَقَبِلَ عَتَقَ فِي الْحَالِ وَالْعِوَضُ مُؤَجَّلٌ، وَصُورَةُ مَسْأَلَةِ الْكِتَابِ أَنْ يَكُونَ الْأَلْفُ فِي الذِّمَّةِ كَمَا قَدَّرْتُهُ فِي كَلَامِهِ، فَإِنْ كَانَتْ مُعَيَّنَةً، فَفِي فَتَاوَى الْقَفَّالِ إذَا كَانَ فِي يَدِ عَبْدِهِ أَلْفُ دِرْهَمٍ اكْتَسَبَهَا، فَقَالَ السَّيِّدُ أَعْتَقْتُكَ عَلَى هَذَا الْأَلْفِ فَفِيهِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ: أَحَدُهَا: يُعْتَقُ وَلَا شَيْءَ عَلَى الْعَبْدِ، وَالْأَلْفُ مِلْكُ السَّيِّدِ؛ لِأَنَّهَا كَسْبُ عَبْدِهِ.
وَثَانِيهَا: يُعْتَقُ وَيَتَرَاجَعَانِ بِالْقِيمَةِ كَالْكِتَابَةِ الْفَاسِدَةِ.
وَثَالِثُهَا: يُعْتَقُ وَالْأَلْفُ مِلْكُ السَّيِّدِ وَيَرْجِعُ عَلَى الْعَبْدِ بِتَمَامِ قِيمَتِهِ، وَهَذَا هُوَ الظَّاهِرُ، وَلَوْ أَعْتَقَهُ عَلَى خَمْرٍ أَوْ خِنْزِيرٍ عَتَقَ وَعَلَيْهِ قِيمَتُهُ (وَلَوْ) (قَالَ) لِرَقِيقِهِ (بِعْتُكَ نَفْسَكَ بِأَلْفٍ) فِي ذِمَّتِك حَالَّةً أَوْ مُؤَجَّلَةً تَرُدُّهَا بَعْدَ حُرِّيَّتِك (فَقَالَ: اشْتَرَيْت) (فَالْمَذْهَبُ صِحَّةُ الْبَيْعِ) كَالْكِتَابَةِ وَأَوْلَى؛ لِأَنَّ الْبَيْعَ أَثْبَتُ وَالْعِتْقَ فِيهِ أَسْرَعُ (وَيَعْتِقُ فِي الْحَالِ وَعَلَيْهِ الْأَلْفُ) عَمَلًا بِمُقْتَضَى الْعَقْدِ وَهُوَ عَقْدُ عَتَاقَةٍ عَلَى الْأَصَحِّ لَا بَيْعٍ، وَلِهَذَا لَا يَثْبُتُ فِيهِ خِيَارُ الْمَجْلِسِ، وَلَوْ كَانَ بَيْعًا لَثَبَتَ فِيهِ.
(وَالْوَلَاءُ لِسَيِّدِهِ) لِعُمُومِ خَبَرِ الصَّحِيحَيْنِ «الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ» وَهَذَا عِتْقٌ غَلَبَ فِيهِ شَائِبَةُ الْعِتْقِ، وَقِيلَ: لَا وَلَاءَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ عَتَقَ عَلَى مِلْكِ نَفْسِهِ.
هَذَا إذَا بَاعَهُ نَفْسَهُ جَمِيعًا، فَلَوْ بَاعَهُ بَعْضَ نَفْسِهِ سَرَى عَلَى الْبَائِعِ إنْ قُلْنَا الْوَلَاءُ لَهُ كَمَا لَوْ أَعْتَقَهُ، فَإِنْ قُلْنَا: لَا وَلَاءَ لَهُ لَمْ يَسْرِ، كَمَا لَوْ بَاعَهُ مِنْ غَيْرِهِ.
قَالَهُ الْبَغَوِيّ فِي فَتَاوِيهِ.
تَنْبِيهٌ أَفْهَمَ سُكُوتُ الْمُصَنِّفِ فِي هَذِهِ وَمَا قَبْلَهَا عَنْ حَطِّ شَيْءٍ أَنَّ السَّيِّدَ لَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ، وَهُوَ الْمَشْهُورُ وَلَا خِلَافَ أَنَّهُ لَا يَجِبُ شَيْءٌ فِي الْإِعْتَاقِ بِغَيْرِ عِوَضٍ، وَلَوْ قَالَ لِرَقِيقِهِ: وَهَبْتُكَ نَفْسَكَ وَنَوَى الْعِتْقَ عَتَقَ، أَوْ التَّمْلِيكَ فَكَذَلِكَ إنْ قَبِلَ فَوْرًا كَمَا اقْتَضَاهُ كَلَامُهُمَا فِي بَابِ الْكِتَابَةِ.
وَلَوْ قَالَ لِحَامِلٍ أَعْتَقْتُكِ أَوْ أَعْتَقْتُكِ دُونَ حَمْلِكَ عَتَقَا، وَلَوْ أَعْتَقَهُ عَتَقَ دُونَهَا، وَلَوْ كَانَتْ لِرَجُلٍ وَالْحَمْلُ لِآخَرَ لَمْ يَعْتِقْ أَحَدُهُمَا بِعِتْقِ الْآخَرِ.
[مغني المحتاج]
(وَلَوْ) (قَالَ لِحَامِلٍ:) أَيْ لِأَمَتِهِ الْحَامِلِ بِمَمْلُوكٍ لَهُ (أَعْتَقْتُكِ) وَأَطْلَقَ (أَوْ أَعْتَقْتُكِ دُونَ حَمْلِكَ) (عَتَقَا) أَيْ عَتَقَتْ وَتَبِعَهَا فِي الْعِتْقِ حَمْلُهَا، وَلَوْ انْفَصَلَ بَعْضُهُ حَتَّى يَأْتِيَ يَوْمَانِ؛ لِأَنَّهُ كَالْجُزْءِ مِنْهَا وَعِتْقُهُ بِالتَّبَعِيَّةِ لَا بِالسِّرَايَةِ؛ لِأَنَّ السِّرَايَةَ فِي الْأَشْقَاصِ لَا فِي الْأَشْخَاصِ، وَلِقُوَّةِ الْعِتْقِ لَمْ يَبْطُلْ فِي الْأَخِيرَةِ، بِخِلَافِ الْبَيْعِ فِيهَا كَمَا مَرَّ، وَظَاهِرُ عِبَارَتِهِ أَنَّهُمَا يَعْتِقَانِ مَعًا لَا مُرَتَّبًا وَالتَّعْلِيلُ يَقْتَضِيهِ، لَكِنْ قَوْلُ الزَّرْكَشِيّ فِيمَا لَوْ أَعْتَقَهَا فِي مَرَضِهِ وَالثُّلُثُ يَفِي بِهَا دُونَ الْحَمْلِ فَيُحْتَمَلُ أَنَّهَا تُعْتَقُ دُونَهُ كَمَا لَوْ قَالَ: أَعْتَقْتُ سَالِمًا، ثُمَّ غَانِمًا، وَكَانَ الْأَوَّلُ ثُلُثُ مَالِهِ، إذْ لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يُرَتِّبَ هُوَ الْعِتْقَ أَوْ يُرَتِّبَهُ الشَّرْعُ عَلَى سَبِيلِ التَّبَعِيَّةِ يَقْتَضِي التَّرْتِيبَ.
وَهُوَ الظَّاهِرُ.
تَنْبِيهٌ شَمِلَ إطْلَاقُهُ مَا لَوْ قَالَ لَهَا: أَنْتِ حُرَّةٌ بَعْدَ مَوْتِي وَفِيهَا فِي الرَّافِعِيِّ فِي بَابِ الْوَصِيَّةِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: لَا يُعْتَقُ الْحَمْلُ؛ لِأَنَّ إعْتَاقَ الْمَيِّتِ لَا يَسْرِي وَأَصَحُّهُمَا يُعْتَقُ؛ لِأَنَّهُ كَعُضْوٍ مِنْهَا (وَلَوْ أَعْتَقَهُ) أَيْ الْحَمْلَ الْمَمْلُوكَ لَهُ (عَتَقَ دُونَهَا) حَكَى ابْنُ الْمُنْذِرِ فِيهِ الْإِجْمَاعَ.
وَقِيلَ: تُعْتَقُ بِعِتْقِهِ كَعَكْسِهِ، وَرُدَّ بِأَنَّ الْعِتْقَ إنَّمَا وَقَعَ بِعِتْقِ الْأُمِّ تَبَعًا لَهَا وَلَا يَقَعُ الْعِتْقُ عَلَيْهَا بِعِتْقِهِ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ لَا يَتْبَعُ الْفَرْعَ، وَإِنْ أَعْتَقَهُمَا عِتْقًا بِخِلَافِ الْبَيْعِ فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ كَمَا مَرَّ فِي مَحِلِّهِ.
تَنْبِيهٌ مَحِلُّ صِحَّةِ إعْتَاقِهِ وَحْدَهُ إذَا نُفِخَ فِيهِ الرُّوحُ، فَإِنْ لَمْ يُنْفَخْ فِيهِ الرُّوحُ كَمُضْغَةٍ كَأَنْ قَالَ: أَعْتَقْت مُضْغَتَك فَهُوَ لَغْوٌ كَمَا حَكَاهُ قُبَيْلَ التَّدْبِيرِ عَنْ فَتَاوَى الْقَاضِي وَأَقَرَّاهُ وَلَا يُنَافِي ذَلِكَ مَا قَالَاهُ فِي بَابِ الْوَصِيَّةِ تَجُوزُ الْوَصِيَّةُ بِالْحَمْلِ كَمَا يَجُوزُ إعْتَاقُهُ، ثُمَّ الشَّرْطُ أَنْ يَنْفَصِلَ لِوَقْتٍ يُعْلَمُ وُجُودُهُ عِنْدَ الْوَصِيَّةِ، وَأَنْ يَنْفَصِلَ حَيًّا؛ لِأَنَّ حُكْمَ الْمُشَبَّهِ لَا يُعْطِي حُكْمَ الْمُشَبَّهِ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ، وَأَنَّ الْوَصِيَّةَ لَمَّا كَانَتْ تَصِحُّ بِالْمَجْهُولِ وَبِالْمَعْدُومِ وَبِالنَّجَسِ تَوَسَّعُوا فِيهَا فَلَمْ يَشْرِطُوا فِي الْحَمْلِ نَفْخَ الرُّوحِ بِخِلَافِ الْعِتْقِ، وَلَوْ قَالَ: مُضْغَةُ هَذِهِ الْأَمَةِ حُرَّةٌ، فَفِي فَتَاوَى الْقَاضِي أَنَّهُ إقْرَارٌ بِانْعِقَادِ الْوَلَدِ حُرًّا وَتَصِيرُ الْأُمُّ بِهِ أُمَّ وَلَدٍ.
وَقَالَ الْمُصَنِّفُ: يَنْبَغِي أَنْ لَا تَصِيرَ حَتَّى يُقِرَّ بِوَطْئِهَا لِاحْتِمَالِ أَنَّهُ حُرٌّ مِنْ وَطْءِ أَجْنَبِيَّةٍ بِشُبْهَةٍ.
قَالَ الْبُلْقِينِيُّ: وَهَذَا غَيْرُ كَافٍ وَصَوَابُهُ حَتَّى يُقِرَّ بِوَطْئِهَا، وَبِأَنَّ هَذِهِ الْمُضْغَةَ مِنْهُ.
قَالَ: وَقَوْلُهُ: مُضْغَةُ أَمَتِي لَا يَتَعَيَّنُ لِلْإِقْرَارِ فَقَدْ تَكُونُ لِلْإِنْشَاءِ كَقَوْلِهِ: أَعْتَقْتُ مُضْغَتَهَا أَيْ فَلَمْ يَصِحَّ كَمَا مَرَّ، وَمَا صَوَّبَهُ غَيْرُ كَافٍ أَيْضًا؛ بَلْ لَا بُدَّ أَنْ يَقُولَ: عَلَقَتْ بِهِ فِي مِلْكِي أَوْ نَحْوَهُ أَخْذًا مِمَّا ذُكِرَ فِي الْإِقْرَارِ (وَلَوْ كَانَتْ) تِلْكَ الْأَمَةُ الْحَامِلُ (لِرَجُلٍ، وَالْحَمْلُ لِآخَرَ) كَأَنْ أَوْصَى لَهُ بِهِ (لَمْ يَعْتِقْ أَحَدُهُمَا بِعِتْقِ الْآخَرِ) وَإِنْ كَانَ الْمُعْتِقُ مُوسِرًا؛ لِأَنَّهُ اسْتِتْبَاعٌ مَعَ اخْتِلَافِ الْمَالِكَيْنِ.
فُرُوعٌ: لَوْ قَالَ لِأَمَتِهِ الْحَامِلِ: إنْ وَلَدْت وَلَدًا فَهُوَ حُرٌّ فَوَلَدَتْ حَيًّا عَتَقَ، وَإِنْ وَلَدَتْ مَيِّتًا، ثُمَّ حَمَلَتْ وَوَلَدَتْ حَيًّا لَمْ يُعْتَقْ، وَلَوْ قَالَ ذَلِكَ لِحَائِلٍ فَحَمَلَتْ وَوَضَعَتْ حَيًّا عَتَقَ، وَلَوْ قَالَ لَهَا: إنْ
وَإِذَا كَانَ بَيْنَهُمَا عَبْدٌ فَأَعْتَقَ أَحَدُهُمَا كُلَّهُ أَوْ نَصِيبَهُ عَتَقَ نَصِيبُهُ فَإِنْ كَانَ مُعْسِرًا بَقِيَ الْبَاقِي لِشَرِيكِهِ، وَإِلَّا سَرَى إلَيْهِ، أَوْ إلَى مَا أَيْسَرَ بِهِ
[مغني المحتاج]
وَلَدْت أَوَّلًا ذَكَرًا فَهُوَ حُرٌّ، وَإِنْ وَلَدْت أَوَّلًا أُنْثَى فَأَنْتِ حُرَّةٌ فَوَلَدَتْ ذَكَرًا، ثُمَّ أُنْثَى أَعْتَقَ الذَّكَرَ فَقَطْ، أَوْ بِالْعَكْسِ عَتَقَتْ الْأُمُّ وَالذَّكَرُ؛ لِأَنَّهُ حَالُ عِتْقِ الْأُمِّ كَانَ جَنِينًا فَتَبِعَهَا، وَإِنْ وَلَدَتْهُمَا مَعًا أَوْ ذَكَرَيْنِ أَوْ أُنْثَيَيْنِ مَعًا فَلَا عِتْقَ، وَلَوْ قَالَ: مَنْ دَخَلَ الدَّارَ أَوَّلًا مِنْ عَبِيدِي فَهُوَ حُرٌّ فَدَخَلَهَا وَاحِدٌ مِنْهُمْ عَتَقَ وَلَوْ لَمْ يَدْخُلْهَا أَحَدٌ بَعْدَهُ، وَلَوْ دَخَلَ اثْنَانِ ثُمَّ ثَالِثٌ لَمْ يَعْتِقْ وَاحِدٌ مِنْهُمْ إذْ لَا يُوصَفُ وَاحِدٌ مِنْهُمْ بِأَنَّهُ أَوَّلٌ.
وَأُجِيبَ عَمَّا ذُكِرَ فِي الْمُسَابَقَةِ أَنَّ الْأَوَّلَ يُطْلَقُ عَلَى الْمُتَعَدِّدِ بِأَنَّهُ لَا مَحْذُورَ مِنْ الْإِطْلَاقِ ثَمَّ، إذْ لَا يَلْزَمُ الْمُخْرِجَ زِيَادَةٌ عَلَى الْمَشْرُوطِ بِخِلَافِهِ هُنَا إذْ يَلْزَمُ عَلَيْهِ زِيَادَةُ عِتْقٍ لَمْ يَلْتَزِمْهَا، فَإِنْ كَانَ قَالَ فِي هَذِهِ: أَوَّلُ مَنْ يَدْخُلُ وَحْدَهُ حُرٌّ عَتَقَ الثَّالِثُ، وَلَوْ قَالَ: آخِرُ مَنْ يَدْخُلُهَا مِنْ عَبِيدِي حُرٌّ فَدَخَلَ بَعْضُهُمْ بَعْدَ بَعْضٍ لَمْ يُعْتَقْ وَاحِدٌ مِنْهُمْ إلَى أَنْ يَمُوتَ السَّيِّدُ فَيَتَبَيَّنَ الْآخَرُ.
(وَإِذَا كَانَ بَيْنَهُمَا) أَيْ الشَّرِيكَيْنِ سَوَاءٌ كَانَا مُسْلِمَيْنِ أَمْ كَافِرَيْنِ أَمْ مُخْتَلِفَيْنِ (عَبْدٌ فَأَعْتَقَ أَحَدُهُمَا كُلَّهُ أَوْ نَصِيبَهُ) أَوْ بَعْضَهُ بِنَفْسِهِ أَوْ وَكِيلِهِ (عَتَقَ نَصِيبُهُ) وَلَوْ كَانَ مُعْسِرًا (فَإِنْ كَانَ مُعْسِرًا) عِنْدَ الْإِعْتَاقِ (بَقِيَ الْبَاقِي) مِنْ الْعَبْدِ (لِشَرِيكِهِ) وَلَا يَسْرِي لِمَفْهُومِ الْحَدِيثِ الْآتِي (وَإِلَّا) بِأَنْ لَمْ يَكُنْ مُعْسِرًا (سَرَى) الْعِتْقُ عَلَيْهِ (إلَيْهِ) أَيْ نَصِيبِ شَرِيكِهِ، وَالْمُرَادُ بِغَيْرِ الْمُعْسِرِ أَنْ يَكُونَ مُوسِرًا بِقِيمَةِ حِصَّةِ شَرِيكِهِ فَاضِلًا ذَلِكَ عَنْ قُوتِهِ وَقُوتِ مَنْ تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ فِي يَوْمِهِ وَلَيْلَتِهِ وَدَسْتُ ثَوْبٍ يَلْبَسُهُ وَسُكْنَى يَوْمٍ عَلَى مَا سَبَقَ فِي الْفَلَسِ وَيُصْرَفُ إلَى ذَلِكَ كُلُّ مَا يُبَاعُ، وَيُصْرَفُ فِي الدُّيُونِ (أَوْ) سَرَى (إلَى مَا أَيْسَرَ بِهِ) مِنْ نَصِيبِ شَرِيكِهِ، وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ خَبَرُ الصَّحِيحَيْنِ «مَنْ أَعْتَقَ شِرْكًا لَهُ فِي عَبْدٍ وَكَانَ لَهُ مَالٌ يَبْلُغُ ثَمَنَ الْعَبْدِ قُوِّمَ الْعَبْدُ عَلَيْهِ قِيمَةَ عَدْلٍ وَأَعْطَى شُرَكَاءَهُ حِصَصَهُمْ وَأَعْتَقَ عَلَيْهِ الْعَبْدُ، وَإِلَّا فَقَدْ عَتَقَ عَلَيْهِ مِنْهُ مَا عَتَقَ» ، وَفِي رِوَايَةٍ «إذَا كَانَ الْعَبْدُ بَيْنَ اثْنَيْنِ فَأَعْتَقَ أَحَدُهُمَا نَصِيبَهُ، وَكَانَ لَهُ مَالٌ فَقَدْ عَتَقَ كُلُّهُ» وَأَمَّا رِوَايَةُ «فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ قُوِّمَ الْعَبْدُ عَلَيْهِ قِيمَةَ عَدْلٍ، ثُمَّ يُسْتَسْعَى لِصَاحِبِهِ فِي قِيمَتِهِ غَيْرَ مَشْقُوقٍ عَلَيْهِ» فَمُدْرَجَةٌ فِي الْخَبَرِ كَمَا قَالَهُ الْحُفَّاظُ، أَوْ مَحْمُولَةٌ عَلَى أَنَّهُ يُسْتَسْعَى لِشَرِيكِ الْمُعْتِقِ أَيْ يَخْدُمُهُ بِقَدْرِ نَصِيبِهِ لِئَلَّا يَظُنَّ أَنَّهُ يَحْرُمُ عَلَيْهِ اسْتِخْدَامُهُ.
تَنْبِيهٌ يُسْتَثْنَى مِنْ ذَلِكَ مَا لَوْ كَانَ نَصِيبُ الشَّرِيكِ مُسْتَوْلَدًا بِأَنْ اسْتَوْلَدَهَا وَهُوَ مُعْسِرٌ، فَلَا سِرَايَةَ فِي الْأَصَحِّ؛ لِأَنَّ السِّرَايَةَ تَتَضَمَّنُ النَّقْلَ، وَيَجْرِي الْخِلَافُ فِيمَا لَوْ اسْتَوْلَدَهَا أَحَدُهُمَا وَهُوَ مُعْسِرٌ، ثُمَّ اسْتَوْلَدَهَا الْآخَرُ، ثُمَّ أَعْتَقَهَا أَحَدُهُمَا، وَلَوْ كَانَتْ حِصَّةُ الَّذِي لَمْ يُعْتِقْ مَوْقُوفَةً لَمْ يُسْرِ الْمُعْسِرُ الْعِتْقَ قَوْلًا وَاحِدًا.
قَالَ فِي الْكِفَايَةِ: وَبِهِ شَمِلَ إطْلَاقُهُ مَا لَوْ كَانَ الْعَبْدُ بَيْنَ ثَلَاثَةٍ فَأَعْتَقَ اثْنَانِ مِنْهُمْ نَصِيبَهُمَا مَعًا وَأَحَدُهُمَا مُعْسِرٌ وَالْآخَرُ مُوسِرٌ، فَإِنَّهُ يُقَوَّمُ جَمِيعُ نَصِيبِ الَّذِي لَمْ يُعْتِقْ عَلَى هَذَا الْمُوسِرِ كَمَا جَزَمَا بِهِ وَالْمَرِيضُ مُعْسِرٌ إلَّا فِي ثُلُثِ مَالِهِ كَمَا سَيَأْتِي، فَإِذَا أَعْتَقَ نَصِيبَهُ مِنْ عَبْدٍ مُشْتَرَكٍ فِي مَرَضِ مَوْتِهِ، فَإِنْ خَرَجَ جَمِيعُ الْعَبْدِ مِنْ ثُلُثِ مَالِهِ قُوِّمَ عَلَيْهِ نَصِيبُ شَرِيكِهِ
وَعَلَيْهِ قِيمَةُ ذَلِكَ يَوْمَ الْإِعْتَاقِ، وَتَقَعُ السِّرَايَةُ بِنَفْسِ الْإِعْتَاقِ، وَفِي قَوْلٍ بِأَدَاءِ الْقِيمَةِ، وَقَوْلٍ إنْ دَفَعَهَا بَانَ أَنَّهَا بِالْإِعْتَاقِ، وَاسْتِيلَادُ أَحَدِ الشَّرِيكَيْنِ الْمُوسِرِ يَسْرِي، وَعَلَيْهِ قِيمَةُ نَصِيبِ شَرِيكِهِ وَحِصَّتُهُ مِنْ مَهْرِ مِثْلٍ،
[مغني المحتاج]
وَعَتَقَ جَمِيعُهُ، وَإِنْ لَمْ يَخْرُجْ إلَّا نَصِيبُهُ عَتَقَ بِلَا سِرَايَةٍ (وَعَلَيْهِ) أَيْ الْمُوسِرِ عَلَى كُلِّ الْأَقْوَالِ الْآتِيَةِ (قِيمَةُ ذَلِكَ) الْقَدْرِ الَّذِي أَيْسَرَ لَهُ (يَوْمَ) أَيْ وَقْتَ (الْإِعْتَاقِ) ؛ لِأَنَّهُ وَقْتُ الْإِتْلَافِ أَوْ وَقْتُ سَبَبِهِ كَالْجِنَايَةِ عَلَى الْعَبْدِ إذَا سَرَتْ لِنَفْسِهِ تُعْتَبَرُ وَقْتَ الْجِنَايَةِ.
تَنْبِيهٌ لِلشَّرِيكِ مُطَالَبَةُ الْمُعْتِقِ بِدَفْعِ الْقِيمَةِ وَإِجْبَارِهِ عَلَيْهَا، فَلَوْ مَاتَ أُخِذَتْ مِنْ تَرِكَتِهِ، فَإِنْ لَمْ يُطَالِبْهُ الشَّرِيكُ فَلِلْعَبْدِ الْمُطَالَبَةُ، فَإِنْ لَمْ يُطَالِبْ طَالَبَهُ الْقَاضِي، وَإِنْ اخْتَلَفَا فِي قَدْرِ قِيمَتِهِ، فَإِنْ كَانَ الْعَبْدُ حَاضِرًا قَرِيبَ الْعَهْدِ بِالْعِتْقِ وَرَجَعَ أَهْلُ التَّقْوِيمِ أَوْ مَاتَ أَوْ غَابَ أَوْ طَالَ الْعَهْدُ صَدَقَ الْمُعْتِقُ؛ لِأَنَّهُ غَارِمٌ (وَتَقَعُ السِّرَايَةُ) الْمَذْكُورَةُ (بِنَفْسِ الْإِعْتَاقِ) فَتَنْتَقِلُ الْحِصَّةُ إلَى مِلْكِ الْمُعْتِقِ، ثُمَّ تَقَعُ السِّرَايَةُ بِهِ، وَلَوْ حَذَفَ الْمُصَنِّفُ لَفْظَ " نَفْسِ " كَمَا حَذَفَهَا بَعْدُ فِي قَوْلِهِ إنْ قُلْنَا السِّرَايَةُ بِالْإِعْتَاقِ كَانَ أَوْلَى.
تَنْبِيهٌ يُسْتَثْنَى مِنْ ذَلِكَ مَا لَوْ كَاتَبَهُ الشَّرِيكَانِ، ثُمَّ أَعْتَقَ أَحَدُهُمَا نَصِيبَهُ فَإِنَّا نَحْكُمُ بِالسِّرَايَةِ بَعْدَ الْعَجْزِ عَنْ أَدَاءِ نَصِيبِ الشَّرِيكِ، فَإِنَّ فِي التَّعْجِيلِ ضَرَرًا عَلَى السَّيِّدِ بِفَوَاتِ الْوَلَاءِ (وَفِي قَوْلٍ) قَدِيمٍ تَقَعُ السِّرَايَةُ (بِأَدَاءِ الْقِيمَةِ) أَوْ الِاعْتِيَاضِ عَنْهَا؛ لِأَنَّ فِي إزَالَةِ مِلْكِ الشَّرِيكِ قَبْلَ أَنْ يَحْصُلَ الْعِوَضُ إضْرَارًا بِهِ، فَإِنَّهُ قَدْ يَفُوتُهُ لِهَرَبٍ أَوْ غَيْرِهِ، وَالضَّرَرُ لَا يُزَالُ بِالضَّرَرِ، فَلَا يَكْفِي الْإِبْرَاءُ كَمَا قَالَهُ الْمَاوَرْدِيُّ (وَ) فِي (قَوْلٍ) السِّرَايَةُ مَوْقُوفَةٌ (إنْ دَفَعَهَا) أَيْ الْقِيمَةَ (بَانَ أَنَّهَا) أَيْ السِّرَايَةَ (بِالْإِعْتَاقِ) ؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ بِالْعِتْقِ يَضُرُّ السَّيِّدَ، وَالتَّأْخِيرَ إلَى أَدَاءِ الْقِيمَةِ يَضُرُّ بِالْعَبْدِ وَالتَّوَقُّفُ أَقْرَبُ إلَى الْعَدْلِ وَرِعَايَةِ الْجَانِبَيْنِ، وَلَا تُخَصُّ السِّرَايَةُ بِالْإِعْتَاقِ (وَ) حِينَئِذٍ (اسْتِيلَادُ أَحَدِ الشَّرِيكَيْنِ الْمُوسِرِ) الْأَمَةَ الْمُشْتَرَكَةَ بَيْنَهُمَا (يَسْرِي) إلَى نَصِيبِ شَرِيكِهِ كَالْعِتْقِ، بَلْ أَوْلَى مِنْهُ بِالنُّفُوذِ؛ لِأَنَّهُ فِعْلٌ وَهُوَ أَقْوَى مِنْ الْقَوْلِ، وَلِهَذَا يَنْفُذُ اسْتِيلَادُ الْمَجْنُونِ وَالْمَحْجُورِ عَلَيْهِ دُونَ عِتْقِهِمَا.
وَإِيلَادُ الْمَرِيضِ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ وَإِعْتَاقُهُ مِنْ الثُّلُثِ، وَخَرَجَ بِالْمُوسِرِ الْمُعْسِرُ فَلَا يَسْرِ اسْتِيلَادُهُ كَالْعِتْقِ، نَعَمْ إنْ كَانَ الشَّرِيكُ الْمُسْتَوْلِدُ أَصْلًا لِشَرِيكِهِ سَرَى كَمَا لَوْ اسْتَوْلَدَ الْجَارِيَةَ الَّتِي كُلُّهَا لَهَا (وَعَلَيْهِ قِيمَةُ نَصِيبِ شَرِيكِهِ) لِلْإِتْلَافِ بِإِزَالَةِ مِلْكِهِ (وَ) عَلَيْهِ أَيْضًا (حِصَّتُهُ مِنْ مَهْرِ مِثْلٍ) لِلِاسْتِمْتَاعِ بِمِلْكِ غَيْرِهِ، وَيَجِبُ مَعَ ذَلِكَ أَرْشُ الْبَكَارَةِ لَوْ كَانَتْ بِكْرًا، وَهَلْ يُفْرَدُ أَوْ يَدْخُلُ فِي الْمَهْرِ؟ خِلَافٌ اضْطَرَبَ التَّرْجِيحُ فِي نَظَائِرِهِ، وَالظَّاهِرُ كَمَا رَجَّحَهُ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ عَدَمُ الدُّخُولِ، وَهَذَا إنْ تَأَخَّرَ الْإِنْزَالُ عَنْ تَغْيِيبِ الْحَشَفَةِ كَمَا هُوَ الْغَالِبُ، وَإِلَّا فَلَا يَلْزَمُهُ حِصَّةُ مَهْرٍ عَلَى الْأَظْهَرِ الْآتِي؛ لِأَنَّ الْمُوجِبَ لَهُ تَغْيِيبُ الْحَشَفَةِ فِي مِلْكِ غَيْرِهِ، وَهُوَ مُنْتَفٍ.
نَعَمْ إنْ أَنْزَلَ مَعَ الْحَشَفَةِ وَقُلْنَا بِمَا صَحَّحَهُ الْإِمَامُ مَعَ أَنَّ الْمِلْكَ يَنْتَقِلُ مَعَ الْعُلُوقِ فَقَضِيَّةُ كَلَامِ الْأَصْحَابِ كَمَا
وَتَجْرِي الْأَقْوَالُ فِي وَقْتِ حُصُولِ السِّرَايَةِ، فَعَلَى الْأَوَّلِ وَالثَّانِي لَا تَجِبُ قِيمَةُ حِصَّتِهِ مِنْ الْوَلَدِ، وَلَا يَسْرِي تَدْبِيرٌ، وَلَا يَمْنَعُ السِّرَايَةَ دَيْنٌ مُسْتَغْرِقٌ فِي الْأَظْهَرِ.
وَلَوْ قَالَ لِشَرِيكِهِ الْمُوسِرِ: أَعْتَقْت نَصِيبَك فَعَلَيْك قِيمَةُ نَصِيبِي فَأَنْكَرَ صُدِّقَ بِيَمِينِهِ فَلَا يَعْتِقُ نَصِيبُهُ وَيَعْتِقُ نَصِيبُ الْمُدَّعِي بِإِقْرَارِهِ إنْ قُلْنَا يَسْرِي بِالْإِعْتَاقِ، وَلَا يَسْرِي إلَى نَصِيبِ الْمُنْكِرِ، وَلَوْ قَالَ لِشَرِيكِهِ: إنْ أَعْتَقْت نَصِيبَكَ فَنَصِيبِي حُرٌّ بَعْدَ نَصِيبِك
[مغني المحتاج]
فِي الْمَطْلَبِ الْوُجُوبُ، وَاحْتَرَزَ الْمُصَنِّفُ بِالْمُوسِرِ عَمَّا لَوْ كَانَ مُعْسِرًا، فَإِنَّ الِاسْتِيلَادَ لَا يَسْرِي كَالْعِتْقِ، فَلَوْ اسْتَوْلَدَهَا الثَّانِي وَهُوَ مُعْسِرٌ فَفِي مُسْتَوْلَدَتِهِمَا لِمُصَادَفَةِ مِلْكِهِ الْمُسْتَقَرُّ، وَيَجِبُ عَلَى كُلٍّ مِنْهُمَا نِصْفُ مَهْرِهَا لِلْآخَرِ وَيَأْتِي فِيهِ أَقْوَالُ التَّقَاصِّ (وَتَجْرِي الْأَقْوَالُ) السَّابِقَةُ (فِي وَقْتِ حُصُولِ السِّرَايَةِ) وَالْعُلُوقُ هُنَا كَالْإِعْتَاقِ (فَعَلَى الْأَوَّلِ) الْأَظْهَرُ، وَهُوَ أَنَّهَا تَحْصُلُ بِنَفْسِ الْعُلُوقِ (وَ) عَلَى (الثَّانِي) وَهُوَ التَّبَيُّنُ (لَا تَجِبُ قِيمَةُ حِصَّتِهِ مِنْ الْوَلَدِ) ؛ لِأَنَّا جَعَلْنَا أُمَّهُ أُمَّ وَلَدٍ فِي الْحَالِ فَيَكُونُ الْعُلُوقُ فِي مِلْكِهِ، فَلَا تَجِبُ قِيمَةُ الْوَلَدِ.
أَمَّا عَلَى الثَّانِي الْقَائِلِ بِحُصُولِ السِّرَايَةِ بِأَدَاءِ الْقِيمَةِ فَتَجِبُ، وَصَحَّحَهُ الْإِسْنَوِيُّ وَنَقَلَهُ عَنْ جَزْمِ الرَّافِعِيِّ فِي آخِرِ التَّدْبِيرِ (وَلَا يَسْرِي تَدْبِيرٌ) فَلَوْ دَبَّرَ أَحَدُ الشَّرِيكَيْنِ نَصِيبَهُ لَمْ يَسْرِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِإِتْلَافٍ بِدَلِيلِ جَوَازِ بَيْعِهِ، فَلَا يَقْتَضِي السِّرَايَةَ وَلَا يَسْرِي أَيْضًا إذَا مَاتَ؛ لِأَنَّ الْمَيِّتَ مُعْسِرٌ، وَلَا يَسْرِي أَيْضًا مِنْ بَعْضِهِ إلَى بَاقِيهِ فِيمَنْ مَلَكَهُ كُلَّهُ (وَلَا يَمْنَعُ السِّرَايَةَ دَيْنٌ مُسْتَغْرِقٌ) (فِي الْأَظْهَرِ) ؛ لِأَنَّهُ مَالِكٌ لِمَا فِي يَدِهِ نَافِذُ التَّصَرُّفِ فِيهِ؛ وَلِهَذَا لَوْ اشْتَرَى عَبْدًا وَأَعْتَقَهُ نَفَذَ.
وَالثَّانِي تَمْنَعُ؛ لِأَنَّهُ فِي الْحَقِيقَةِ غَيْرُ مُوسِرٍ.
تَنْبِيهٌ هَذَا إذَا كَانَ مَنْ يَسْرِي عَلَيْهِ غَيْرَ مَحْجُورٍ عَلَيْهِ، فَإِنْ حُجِرَ عَلَيْهِ بِفَلَسٍ بَعْدَ أَنْ عَلَّقَ عِتْقَ حِصَّتِهِ عَلَى صِفَةٍ ثُمَّ وُجِدَتْ حَالَ الْحَجْرِ فَلَا سِرَايَةَ، وَفِي نَظِيرِهِ فِي حَجْرِ السَّفَهِ يُعْتَقُ عَلَيْهِ، وَالْفَرْقُ أَنَّ الْمُفْلِسَ لَوْ نَفَّذْنَا عِتْقَهُ أَضْرَرْنَا بِالْغُرَمَاءِ، بِخِلَافِ السَّفِيهِ.
(وَلَوْ) (قَالَ) أَحَدُ الشَّرِيكَيْنِ (لِشَرِيكِهِ الْمُوسِرِ: أَعْتَقْت نَصِيبَك فَعَلَيْك قِيمَةُ نَصِيبِي فَأَنْكَرَ) الشَّرِيكُ وَلَا بَيِّنَةَ لِلْمُدَّعِي (صُدِّقَ) الْمُنْكِرُ (بِيَمِينِهِ) عَمَلًا بِالْأَصْلِ (فَلَا يَعْتِقُ نَصِيبُهُ) إنْ حَلَفَ (وَيَعْتِقُ نَصِيبُ الْمُدَّعِي بِإِقْرَارِهِ إنْ قُلْنَا) بِالرَّاجِحِ مِنْ أَنَّهُ (يَسْرِي بِالْإِعْتَاقِ) فِي الْحَالِ مُؤَاخَذَةً لَهُ بِإِقْرَارِهِ (وَلَا يَسْرِي إلَى نَصِيبِ الْمُنْكِرِ) وَإِنْ كَانَ الْمُدَّعِي مُوسِرًا؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُنْشِئْ عِتْقًا فَهُوَ كَمَا لَوْ قَالَ أَحَدُ الشَّرِيكَيْنِ لِرَجُلٍ: إنَّك اشْتَرَيْتَ نَصِيبِي فَأَعْتَقْتَهُ فَأَنْكَرَ فَإِنَّهُ يَعْتِقُ نَصِيبَ الْمُدَّعِي وَلَا يَسْرِي وَلَا يَعْتِقُ عَلَى الْقَوْلَيْنِ الْآخَرَيْنِ، فَإِنْ نَكَلَ عَنْ الْيَمِينِ حَلَفَ الْمُدَّعِي وَاسْتَحَقَّ الْقِيمَةَ وَلَمْ يَعْتِقْ نَصِيبُ الْمُنْكِرِ أَيْضًا بِهَذَا الْيَمِينِ؛ لِأَنَّ الْيَمِينَ إنَّمَا تَوَجَّهَتْ عَلَيْهِ لِأَجْلِ الْقِيمَةِ، وَالْيَمِينُ الْمَرْدُودَةُ لَا تَثْبُتُ إلَّا مَا تَوَجَّهَتْ الدَّعْوَى نَحْوَهُ، وَإِلَّا فَلَا مَعْنَى لِلدَّعْوَى عَلَى إنْسَانٍ أَنَّكَ أَعْتَقْتَ عَبْدَكَ، وَإِنَّمَا ذَلِكَ مِنْ وَظِيفَةِ الْعَبْدِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: وَاحْتَرَزَ بِقَوْلِهِ: الْمُوسِرِ عَنْ الْمُعْسِرِ فَإِنَّهُ إذَا أَنْكَرَ وَحَلَفَ لَمْ يَعْتِقْ مِنْ الْعَبْدِ شَيْءٌ، فَلَوْ اشْتَرَى الْمُدَّعِي نَصِيبَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ عَتَقَ عَلَيْهِ وَلَا سِرَايَةَ فِي الْبَاقِي (وَلَوْ قَالَ لِشَرِيكِهِ:) وَلَوْ مُعْسِرًا (إنْ أَعْتَقْت نَصِيبَكَ فَنَصِيبِي حُرٌّ بَعْدَ نَصِيبِك،
فَأَعْتَقَ الشَّرِيكُ وَهُوَ مُوسِرٌ سَرَى إلَى نَصِيبِ الْأَوَّلِ إنْ قُلْنَا: السِّرَايَةُ بِالْإِعْتَاقِ، وَعَلَيْهِ قِيمَتُهُ، وَلَوْ قَالَ فَنَصِيبِي حُرٌّ قَبْلَهُ، فَأَعْتَقَ الشَّرِيكُ، فَإِنْ كَانَ الْمُعَلِّقُ مُعْسِرًا عَتَقَ نَصِيبُ كُلٍّ عَنْهُ، وَالْوَلَاءُ لَهُمَا، وَكَذَا إنْ كَانَ مُوسِرًا وَأَبْطَلْنَا الدَّوْرَ، وَإِلَّا فَلَا يَعْتِقُ شَيْءٌ.
وَلَوْ كَانَ عَبْدٌ لِرَجُلٍ نِصْفُهُ، وَلِآخَرَ ثُلُثُهُ، وَلِآخَرَ سُدُسُهُ فَأَعْتَقَ الْآخَرَانِ نَصِيبَيْهِمَا
[مغني المحتاج]
فَأَعْتَقَ الشَّرِيكُ) الْمَنْقُولُ لَهُ نَصِيبُهُ (وَهُوَ مُوسِرٌ) (سَرَى إلَى نَصِيبِ) الشَّرِيكِ (الْأَوَّلِ إنْ قُلْنَا: السِّرَايَةُ) تَحْصُلُ (بِالْإِعْتَاقِ) وَهُوَ الْأَظْهَرُ (وَعَلَيْهِ قِيمَتُهُ) أَيْ قِيمَةُ نَصِيبِ الْمُعَلِّقِ وَلَا يُعْتَقُ بِالتَّعْلِيقِ؛ لِأَنَّهُ اجْتَمَعَ عَلَى النِّصْفِ تَعْلِيقٌ وَسِرَايَةٌ وَالسِّرَايَةُ أَقْوَى؛ لِأَنَّهَا قَهْرِيَّةٌ لَا مَدْفَعَ لَهَا، وَمُوجِبُ التَّعْلِيقِ قَابِلٌ لِلدَّفْعِ بِالْبَيْعِ وَنَحْوِهِ.
تَنْبِيهٌ قَوْلُهُ: بَعْدَ نَصِيبِكَ لَا حَاجَةَ إلَيْهِ، فَإِنَّهُ لَوْ أَطْلَقَ قَوْلَهُ: فَنَصِيبِي حُرٌّ كَانَ حُكْمُهُ كَذَلِكَ، وَإِنَّمَا يُخَالِفُهُ أَنْ لَوْ قَالَ قَبْلَهُ، وَقَوْلُهُ: إنْ قُلْنَا السِّرَايَةُ بِالْإِعْتَاقِ، وَكَذَا إنْ قُلْنَا بِالتَّبْيِينِ وَأُدِّيَتْ الْقِيمَةُ، وَاحْتُرِزَ بِالْمُوسِرِ عَنْ الْمُعْسِرِ فَلَا سِرَايَةَ عَلَيْهِ وَيَعْتِقُ عَلَى الْمُعَلِّقِ نَصِيبُهُ (وَلَوْ) (قَالَ) لِشَرِيكِهِ: إنْ أَعْتَقْت نَصِيبَكَ (فَنَصِيبِي حُرٌّ قَبْلَهُ) أَيْ قَبْلَ عِتْقِ نَصِيبِكَ (فَأَعْتَقَ الشَّرِيكُ) الْمَقُولُ لَهُ نَصِيبَهُ (فَإِنْ كَانَ الْمُعَلِّقُ مُعْسِرًا عَتَقَ نَصِيبُ كُلٍّ) مِنْهُمَا (عَنْهُ) الْمُنْجَزُ فِي الْحَالِ، وَالْمُعَلِّقِ قَبْلَهُ بِمُوجَبِ التَّعْلِيقِ وَلَا سِرَايَةَ، وَعُلِمَ مِنْ تَقْيِيدِهِ الْمُعَلِّقَ بِالْمُعْسِرِ أَنَّهُ لَا فَرْقَ فِي الْآخَرِ بَيْنَ الْمُعْسِرِ وَالْمُوسِرِ (وَالْوَلَاءُ لَهُمَا) لِاشْتِرَاكِهِمَا فِي الْعِتْقِ (وَكَذَا إنْ كَانَ) الْمُعَلِّقُ (مُوسِرًا وَأَبْطَلْنَا الدَّوْرَ) وَهُوَ الْأَصَحُّ فَيَعْتِقُ نَصِيبُ كُلٍّ مِنْهُمَا وَلَا شَيْءَ لِأَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ (وَإِلَّا) بِأَنْ صَحَّحْنَا الدَّوْرَ كَمَا قَالَهُ ابْنُ الْحَدَّادِ (فَلَا يَعْتِقُ شَيْءٌ) عَلَى أَحَدٍ مِنْ الشَّرِيكَيْنِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ نَفَذَ إعْتَاقُ الْمَقُولِ لَهُ فِي نَصِيبِهِ لَعَتَقَ نَصِيبُ الْقَائِلِ.
قَبْلَهُ، وَلَوْ عَتَقَ لَسَرَى عَلَيْهِ بِنَاءً عَلَى تَرْتِيبِ السِّرَايَةِ عَلَى الْعِتْقِ، وَلَوْ سَرَى لَبَطَلَ عِتْقُهُ، فَيَلْزَمُ مِنْ نُفُوذِهِ عَدَمُ نُفُوذِهِ، وَفِيمَا ذُكِرَ دَوْرٌ، وَهُوَ تَوَقُّفُ الشَّيْءِ عَلَى مَا يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ أَيْ وُجُودًا وَعَدَمًا، وَهُوَ دَوْرٌ لَفْظِيٌّ.
تَنْبِيهٌ لَوْ قَالَ فِي الْمَسْأَلَةِ: نَصِيبِي حُرٌّ مَعَ عِتْقِ نَصِيبِك، أَوْ فِي حَالِ عِتْقِ نَصِيبِكَ فَأَعْتَقَهُ وَقُلْنَا: السِّرَايَةُ بِالْإِعْتَاقِ فَفِي الْأَصَحِّ يَعْتِقُ عَلَى كُلٍّ نَصِيبُهُ نَظَرًا لِاعْتِبَارِ الْمَعِيَّةِ الْمَانِعِ لِلسِّرَايَةِ.
حَادِثَةٌ: سُئِلَ السُّبْكِيُّ عَنْ رَجُلٍ مَاتَ وَتَرَكَ عَبْدًا فَادَّعَتْ زَوْجَتُهُ أَنَّهُ عَوَّضَهَا إيَّاهُ مِنْ صَدَاقِهَا وَأَنَّهَا أَعْتَقَتْهُ فَهَلْ يَعْتِقُ وَيَسْرِي إلَى بَاقِيهِ أَوْ لَا؟ فَقَالَ: يَعْتِقُ وَلَا يَسْرِي؛ لِأَنَّ الْإِقْرَارَ بِإِعْتَاقِهِ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ قَبْلَ الْمَوْتِ وَبَعْدَهُ.
وَالْأَوَّلُ يَقْتَضِي الْمُؤَاخَذَةَ فِي نَصِيبِهَا وَعَدَمَ السِّرَايَةِ وَالثَّانِي: يَقْتَضِي السِّرَايَةَ فَيُحْمَلُ عَلَى الْمُتَيَقَّنِ وَهُوَ عَدَمُهَا، وَتُؤَاخَذُ بِإِقْرَارِهَا فِي إسْقَاطِ صَدَاقِهَا.
وَلَوْ تَعَدَّدَ الْمُعْتِقُ (وَلَوْ) مَعَ التَّفَاوُتِ كَأَنْ (كَانَ عَبْدٌ) مُشْتَرَكًا بَيْنَ ثَلَاثَةٍ (لِرَجُلٍ) مِنْهُمْ (نِصْفُهُ وَلِآخَرَ ثُلُثُهُ وَلِآخَرَ سُدُسُهُ فَأَعْتَقَ الْآخَرَانِ) بِكَسْرِ الْخَاءِ بِخَطِّهِ (نَصِيبَهُمَا) بِالتَّثْنِيَةِ كَانَ
مَعًا عِتْقًا، فَالْقِيمَةُ عَلَيْهِمَا نِصْفَانِ عَلَى الْمَذْهَبِ.
وَشَرْطُ السِّرَايَةِ إعْتَاقُهُ بِاخْتِيَارِهِ، فَلَوْ وَرِثَ بَعْضَ وَلَدِهِ لَمْ يَسْرِ،
[مغني المحتاج]
تَلَفُّظًا بِالْعِتْقِ (مَعًا) بِحَيْثُ لَمْ يَسْبِقْ أَحَدُهُمَا بِالْفَرَاغِ مِنْهُ، أَوْ وَكَّلَا وَكِيلًا فَأَعْتَقَهُ بِلَفْظٍ وَاحِدٍ، أَوْ عَلَّقَاهُ عَلَى صِفَةٍ وَاحِدَةٍ كَدُخُولِ الدَّارِ وَهُمَا مُوسِرَانِ (عِتْقًا) بِقَدْرِ الْوَاجِبِ (فَالْقِيمَةُ) لِلنِّصْفِ الَّذِي سَرَى الْعِتْقُ (عَلَيْهِمَا نِصْفَانِ) عَلَى عَدَدِ رُءُوسِهِمَا لَا عَلَى قَدْرِ الْحِصَصِ (عَلَى الْمَذْهَبِ) ؛ لِأَنَّ ضَمَانَ التَّلَفِ يَسْتَوِي فِيهِ الْقَلِيلُ وَالْكَثِيرُ: كَمَا لَوْ مَاتَ مِنْ جِرَاحَاتِهِمَا الْمُخْتَلِفَةِ، وَكَمَا لَوْ وَضَعَ رَجُلَانِ فِي مَاءٍ لِغَيْرِهِمَا نَجَاسَةً فَإِنَّهُمَا يَسْتَوِيَانِ فِي ضَمَانِهِ وَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا قَدْ وَضَعَ فِيهِ جَرْوًا وَالْآخَرُ جَرْوَيْنِ، وَفِي قَوْلٍ مِنْ الطَّرِيقِ الثَّانِي الْقِيمَةُ عَلَيْهِمَا عَلَى قَدْرِ الْمِلْكَيْنِ كَمَا فِي نَظِيرِهِ فِي الشُّفْعَةِ، وَفُرِّقَ الْأَوَّلُ بِأَنَّ الْأَخْذَ بِالشُّفْعَةِ مِنْ فَوَائِدِ الْمِلْكِ وَمَرَافِقِهِ كَالثَّمَرَةِ، وَهَذَا سَبِيلُهُ سَبِيلُ ضَمَانِ الْمُتْلَفِ.
تَنْبِيهٌ مَحِلُّ الْخِلَافِ إذَا كَانَا مُوسِرَيْنِ بِقَدْرِ الْوَاجِبِ كَمَا قَدَّرْتُهُ فِي كَلَامِهِ، فَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا مُوسِرًا فَقَطْ قُوِّمَ عَلَيْهِ نَصِيبُ الثَّالِثِ قَطْعًا، فَإِنْ كَانَا مُوسِرَيْنِ بِدُونِ الْوَاجِبِ سَرَى إلَى ذَلِكَ الْقَدْرِ بِحَسَبِ يَسَارِهِمَا، فَإِنْ تَفَاوَتَا فِي الْيَسَارِ سَرَى عَلَى كُلٍّ مِنْهُمَا بِقَدْرِ مَا يَجِدُ، وَإِنَّمَا ضَبَطَ الْمُصَنِّفُ الْآخِرَانِ بِكَسْرِ الْخَاءِ لِيُوَافِقَ قَوْلَ الْمُحَرَّرِ فَأَعْتَقَ الثَّانِي وَالثَّالِثُ وَإِلَّا فَلَوْ قَالَ: فَأَعْتَقَ اثْنَانِ مِنْهُمَا كَمَا فِي الرَّوْضَةِ وَغَيْرِهَا كَانَ الْحُكْمُ كَذَلِكَ.
(وَشَرْطُ السِّرَايَةِ) أَيْ شُرُوطِهَا أَرْبَعَةٌ، وَلَوْ عَبَّرَ بِهِ كَانَ أَوْلَى لِئَلَّا يُوهَمَ الْحَصْرُ فِيمَا ذَكَرَهُ فَإِنَّهُ لَمْ يَسْتَوْفِهَا كَمَا سَتَرَاهُ.
أَحَدُهَا (إعْتَاقُهُ) أَيْ الْمَالِكِ وَلَوْ بِنَائِبِهِ (بِاخْتِيَارِهِ) كَشِرَاءِ حُرٍّ أَصْلِهِ أَوْ فَرْعِهِ وَقَبُولِ هِبَتِهِ أَوْ الْوَصِيَّةِ بِهِ.
تَنْبِيهٌ لَيْسَ الْمُرَادُ بِالِاخْتِيَارِ مُقَابِلَ الْإِكْرَاهِ، بَلْ الْمُرَادُ السَّبَبُ فِي الْإِعْتَاقِ، وَلَا يَصِحُّ الِاحْتِرَازُ بِالِاخْتِيَارِ عَنْ الْإِكْرَاهِ؛ لِأَنَّ الْكَلَامَ فِيمَا يُعْتَقُ فِيهِ الشِّقْصُ وَالْإِكْرَاهُ لَا عِتْقَ فِيهِ أَصْلًا، وَخَرَجَ بِاخْتِيَارِهِ مَا ذَكَرَهُ بِقَوْلِهِ (فَلَوْ وَرِثَ بَعْضَ وَلَدِهِ) وَإِنْ سَفَلَ، أَوْ بَعْضَ أَصْلِهِ، وَإِنْ عَلَا (لَمْ يَسْرِ) عَلَيْهِ عِتْقُهُ إلَى بَاقِيهِ؛ لِأَنَّ التَّقْوِيمَ سَبِيلُهُ سَبِيلُ ضَمَانِ الْمُتْلَفَاتِ، وَعِنْدَ انْتِفَاءِ الِاخْتِيَارِ لَا صُنْعَ مِنْهُ يُعَدُّ إتْلَافًا، وَمَا لَوْ عَجَزَ مُكَاتَبٌ اشْتَرَى جُزْءَ بَعْضِ سَيِّدِهِ فَإِنَّهُ يَعْتِقُ عَلَيْهِ وَلَمْ يَسْرِ سَوَاءٌ أَعَجَزَ بِتَعْجِيزِ نَفْسِهِ أَمْ بِتَعْجِيزِ سَيِّدِهِ لِعَدَمِ اخْتِيَارِ السَّيِّدِ.
فَإِنْ قِيلَ: هُوَ مُخْتَارٌ فِي الثَّانِيَةِ.
أُجِيبَ بِأَنَّهُ إنَّمَا قَصَدَ التَّعْجِيزَ وَالْمِلْكُ حَصَلَ ضِمْنًا، وَمَا لَوْ اشْتَرَى أَوْ اتَّهَبَ الْمُكَاتَبُ بَعْضَ ابْنِهِ أَوْ أَبِيهِ وَعَتَقَ بِعِتْقِهِ لَمْ يَسْرِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَعْتِقْ بِاخْتِيَارِهِ، بَلْ ضِمْنًا، وَمَا لَوْ مَلَكَ شَخْصٌ بَعْضَ ابْنِ أَخِيهِ وَبَاعَهُ بِثَوْبٍ مَثَلًا وَمَاتَ فَوَرِثَهُ أَخُوهُ وَرَدَّ الْأَخُ الثَّوْبَ بِعَيْبٍ وَجَدَهُ فِيهِ وَاسْتَرَدَّ الْبَعْضَ عَتَقَ عَلَيْهِ وَلَمْ يَسْرِ كَمَا هُوَ مُقْتَضَى كَلَامِ الرَّوْضَةِ كَالرَّافِعِيِّ قُبَيْلَ الْخَاصَّةِ الثَّالِثَةِ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ فِيهِ رَدُّ الثَّوْبِ لَا اسْتِرْدَادُ الْبَعْضِ، وَصَوَّبَهُ الزَّرْكَشِيُّ، وَلَكِنْ الْمُصَحَّحُ فِي الرَّوْضَةِ هُنَا السِّرَايَةُ، وَجَرَى عَلَيْهِ ابْنُ الْمُقْرِي، وَهُوَ الَّذِي يَظْهَرُ تَرْجِيحُهُ؛ لِأَنَّهُ تَسَبَّبَ فِي مِلْكِهِ بِالْفَسْخِ، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَا مَرَّ فِي
وَالْمَرِيضُ مُعْسِرٌ إلَّا فِي ثُلُثِ مَالِهِ، وَالْمَيِّتُ مُعْسِرٌ، فَلَوْ أَوْصَى بِعِتْقِ نَصِيبِهِ لَمْ يَسْرِ.
[مغني المحتاج]
تَعْجِيزِ السَّيِّدِ مُكَاتَبَهُ بِأَنَّ الرَّدَّ يَسْتَدْعِي حُدُوثَ مِلْكٍ فَأَشْبَهَ الشِّرَاءَ بِخِلَافِ التَّعْجِيزِ، وَمَا لَوْ رَدَّ عَلَيْهِ ذَلِكَ الْبَعْضَ بِعَيْبٍ فَإِنَّهُ لَمْ يَسْرِ؛ لِأَنَّهُ قَهْرِيٌّ كَالْإِرْثِ وَمَا لَوْ أَوْصَى لِزَيْدٍ مَثَلًا بِبَعْضِ ابْنِ أَخِيهِ فَمَاتَ زَيْدٌ قَبْلَ الْقَبُولِ وَقَبِلَهُ الْأَخُ عَتَقَ عَلَيْهِ ذَلِكَ الْبَعْضُ وَلَمْ يَسْرِ؛ لِأَنَّهُ بِقَبُولِهِ يَدْخُلُ الْبَعْضُ فِي مِلْكِ مُوَرِّثِهِ ثُمَّ يَنْتَقِلُ إلَيْهِ بِالْإِرْثِ.
ثَانِي شُرُوطِ السِّرَايَةِ: أَنْ يَكُونَ لَهُ يَوْمَ الْإِعْتَاقِ مَالٌ يَفِي بِقِيمَةِ الْبَاقِي أَوْ بَعْضِهِ كَمَا مَرَّ، وَيُبَاعُ فِيهَا مَا يُبَاعُ فِي الدَّيْنِ مِنْ مَسْكَنٍ وَخَادِمٍ وَغَيْرِهِمَا عَلَى مَا مَرَّ فِي الْفَلَسِ، وَإِنْ كَانَ الْمُعْتِقُ مَدْيُونًا وَاسْتَغْرَقَتْ الدُّيُونُ مَالَهُ كَمَا مَرَّ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ حَتَّى يُضَارِبَ الشَّرِيكُ بِقِيمَةِ نَصِيبِهِ مَعَ الْغُرَمَاءِ، فَإِنْ أَصَابَهُ بِالْمُضَارَبَةِ مَا بَقِيَ بِقِيمَةِ جَمِيعِ نَصِيبِهِ فَذَاكَ، وَإِلَّا أَخَذَ حِصَّتَهُ وَيَعْتِقُ جَمِيعُ الْعَبْدِ بِنَاءً عَلَى حُصُولِ السِّرَايَةِ بِنَفْسِ الْإِعْتَاقِ فَلَا يَسْرِي عَلَى مُعْسِرٍ (وَالْمَرِيضُ) أَيْضًا (مُعْسِرٌ إلَّا فِي ثُلُثِ مَالِهِ) فَإِنَّهُ إذَا عَتَقَ فِي مَرَضِ مَوْتِهِ نَصِيبُهُ وَلَمْ يَخْرُجْ مِنْ الثُّلُثِ غَيْرُهُ فَلَا سِرَايَةَ، فَإِنْ خَرَجَ نَصِيبُهُ وَبَعْضُ نَصِيبِ شَرِيكِهِ فَلَا سِرَايَةَ فِي الْبَاقِي (وَالْمَيِّتُ) أَيْضًا (مُعْسِرٌ) مُطْلَقًا (فَلَوْ) (أَوْصَى) أَحَدُ شَرِيكَيْنِ فِي رَقِيقٍ (بِعِتْقِ نَصِيبِهِ) مِنْهُ فَأَعْتَقَ بَعْدَ مَوْتِهِ (لَمْ يَسْرِ) إلَى بَاقِيهِ وَإِنْ خَرَجَ كُلُّهُ مِنْ الثُّلُثِ لِانْتِقَالِ الْمَالِ غَيْرِ الْمُوصَى بِهِ إلَى الْوَارِثِ.
ثَالِثُ شُرُوطِ السِّرَايَةِ: أَنْ يَكُونَ مَحِلُّهَا قَابِلًا لِلنَّقْلِ، فَلَا سِرَايَةَ فِي نَصِيبِ حُكْمٍ بِالِاسْتِيلَادِ فِيهِ، وَلَا إلَى الْحِصَّةِ الْمَوْقُوفَةِ، وَلَا إلَى الْمَنْذُورِ إعْتَاقُهُ وَنَحْوِهِ مِمَّا لَزِمَ إعْتَاقُهُ بِمَوْتِ الْمَرِيضِ، أَوْ الْمُعَلِّقِ عَلَى صِفَةٍ بَعْدَ الْمَوْتِ إذَا كَانَ أَعْتَقَ بَعْدَ الْمَوْتِ، وَلَوْ اسْتَوْلَدَ أَحَدُ شَرِيكَيْنِ نَصِيبَهُ مُعْسِرًا ثُمَّ أَعْتَقَهُ وَهُوَ مُوسِرٌ سَرَى إلَى نَصِيبِ شَرِيكِهِ، وَقَوْلُ الزَّرْكَشِيّ نَقْلًا عَنْ الْقَاضِي أَبِي الطَّيِّبِ لَا يَسْرِي إلَيْهِ بِعَكْسِهِ مَمْنُوعٌ، وَيَسْرِي الْعِتْقُ إلَى بَعْضٍ مَرْهُونٍ، وَإِلَى بَعْضٍ مُدَبَّرٍ، وَإِلَى بَعْضٍ مُكَاتَبٍ عَجَزَ عَنْ أَدَاءِ نَصِيبِ الشَّرِيكِ.
رَابِعُ شُرُوطِ السِّرَايَةِ: أَنْ يَعْتِقَ نَصِيبُهُ أَوَّلًا لِيَعْتِقَ ثُمَّ يَسْرِيَ الْعِتْقُ إلَى نَصِيبِ شَرِيكِهِ، فَلَوْ أُعْتِقَ نَصِيبُ شَرِيكِهِ لَغَا، إذْ لَا مِلْكَ وَلَا تَبَعِيَّةَ، فَلَوْ أَعْتَقَ نَصِيبَهُ بَعْدَ ذَلِكَ سَرَى إلَى حِصَّةِ شَرِيكِهِ، وَإِنْ أَعْتَقَ نِصْفَ الْمُشْتَرَكِ وَأَطْلَقَ فَهَلْ يَقَعُ الْعِتْقُ عَلَى النِّصْفِ شَائِعًا؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَخُصَّهُ بِمِلْكِ نَفْسِهِ أَوْ عَلَى مِلْكِهِ فَقَطْ؛ لِأَنَّ الْإِنْسَانَ إنَّمَا يَعْتِقُ مَا يَمْلِكُهُ؟ وَجْهَانِ أَرْجَحُهُمَا الثَّانِي كَمَا جَزَمَ بِهِ صَاحِبُ الْأَنْوَارِ كَمَا فِي الْبَيْعِ وَالْإِقْرَارِ، وَعَلَى كِلَا التَّقْدِيرَيْنِ لَا يَعْتِقُ جَمِيعُهُ إلَّا إنْ كَانَ الْمُعْتِقُ مُوسِرًا.
قَالَ الْإِمَامُ: وَلَا يَكَادُ يَظْهَرُ لِهَذَا الْخِلَافِ فَائِدَةٌ إلَّا فِي تَعْلِيقِ طَلَاقٍ أَوْ عِتْقٍ.
تَتِمَّةٌ
أَمَةٌ حَامِلٌ مِنْ زَوْجٍ اشْتَرَاهَا ابْنُهَا الْحُرُّ وَزَوْجُهَا مَعًا وَهُمَا مُوسِرَانِ، فَالْحُكْمُ كَمَا لَوْ أَوْصَى سَيِّدُهَا بِهَا لَهُمَا وَقَبِلَا الْوَصِيَّةَ مَعًا فَتُعْتَقُ الْأَمَةُ عَلَى الِابْنِ، وَالْحَمْلُ يُعْتَقُ عَلَيْهِمَا وَلَا يُقَوَّمُ.
فصل إذَا مَلَكَ أَهْلُ تَبَرُّعٍ أَصْلَهُ أَوْ فَرْعَهُ عَتَقَ.
[مغني المحتاج]
[فَصْلٌ فِي الْعِتْقِ بِالْبَعْضِيَّةِ]
ِ (إذَا مَلَكَ أَهْلُ تَبَرُّعٍ أَصْلَهُ أَوْ فَرْعَهُ) الثَّابِتَ النَّسَبِ (عَتَقَ) عَلَيْهِ.
أَمَّا الْأُصُولُ فَلِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ﴾ [الإسراء: 24] وَلَا يَتَأَتَّى خَفْضُ الْجَنَاحِ مَعَ الِاسْتِرْقَاقِ، وَلِمَا فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ «لَنْ يَجْزِيَ وَلَدٌ وَالِدَهُ إلَّا أَنْ يَجِدَهُ مَمْلُوكًا فَيَشْتَرِيَهُ فَيُعْتِقَهُ» أَيْ فَيُعْتِقَهُ الشِّرَاءُ لَا أَنَّ الْوَلَدَ هُوَ الْمُعْتِقُ بِإِنْشَائِهِ الْعِتْقَ كَمَا فَهِمَهُ دَاوُد الظَّاهِرِيُّ بِدَلِيلِ رِوَايَةِ فَيَعْتِقُ عَلَيْهِ.
وَأَمَّا الْفُرُوعُ فَلِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا﴾ [مريم: 92] ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ إِلا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾ [مريم: 93] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ﴾ [الأنبياء: 26] دَلَّ عَلَى نَفْيِ اجْتِمَاعِ الْوَلَدِيَّةِ وَالْعَبْدِيَّةِ.
تَنْبِيهٌ شَمِلَ قَوْلُهُ أَصْلَهُ وَفَرْعَهُ الذُّكُورَ مِنْهُمَا وَالْإِنَاثَ، عَلَوْا أَوْ سَفَلُوا، مَلَكُوا اخْتِيَارًا أَوْ لَا، اتَّحَدَ دِينُهُمَا أَوْ لَا؛ لِأَنَّهُ حُكْمٌ مُتَعَلِّقٌ بِالْقَرَابَةِ فَاسْتَوَى فِيهِ مَنْ ذَكَرْنَاهُ، وَخَرَجَ مَنْ عَدَاهُمَا مِنْ الْأَقَارِبِ كَالْإِخْوَةِ وَالْأَعْمَامِ فَإِنَّهُ لَا يُعْتَقُونَ بِالْمِلْكِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَرِدْ فِيهِ نَصٌّ وَلَا هُوَ فِي مَعْنَى مَا وَرَدَ فِيهِ النَّصُّ لِانْتِفَاءِ الْبَعْضِيَّةِ عَنْهُ وَأَمَّا خَبَرُ «مَنْ مَلَكَ ذَا رَحِمٍ مَحْرَمٍ فَقَدْ عَتَقَ عَلَيْهِ» فَضَعِيفٌ، بَلْ قَالَ النَّسَائِيُّ: إنَّهُ مُنْكَرٌ، وَالتِّرْمِذِيُّ: إنَّهُ خَطَأٌ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَحْمَدُ: يُعْتَقُ كُلُّ ذِي رَحِمٍ مَحْرَمٍ، وَقَالَ مَالِكٌ: يُعْتَقُ السَّبْعَةُ الْمَذْكُورُونَ فِي آيَةِ الْمِيرَاثِ.
وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ: يُعْتَقُ كُلُّ قَرِيبٍ مُحَرَّمًا كَانَ أَوْ غَيْرَهُ، وَخَرَجَ بِقَوْلِنَا الثَّابِتَ النَّسَبِ مَا لَوْ وَلَدَتْ الْمَزْنِيُّ بِهَا وَلَدًا ثُمَّ مَلَكَهُ الزَّانِي لَمْ يَعْتِقْ عَلَيْهِ، وَخَرَجَ أَصْلُهُ وَفَرْعُهُ مِنْ الرَّضَاعِ فَإِنَّهُ لَا يَعْتِقُ عَلَيْهِ، وَالتَّقْيِيدُ بِأَهْلِ التَّبَرُّعِ تَبِعَ فِيهِ الْمُحَرَّرَ، وَلَا يَصِحُّ الِاحْتِرَازُ بِهِ عَنْ الصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ، فَإِنَّهُمَا إذَا مَلَكَا ذَلِكَ عَتَقَ عَلَيْهِمَا كَمَا سَيَأْتِي، وَوَقَعَ هُنَا التَّقْيِيدُ فِي الْوَجِيزِ فَقَالَ الرَّافِعِيُّ: اُحْتُرِزَ عَنْ الصَّبِيِّ وَنَحْوِهِ.
قِيلَ: كَأَنَّهُ كَتَبَهُ مِنْ غَيْرِ تَأَمُّلٍ.
وَقَوْلُ الشَّارِحِ لَمْ يُقْصَدْ لِذَلِكَ مَفْهُومٌ مَمْنُوعٌ بَلْ يُحْتَرَزُ بِهِ عَنْ صُوَرٍ: مِنْهَا الْمُكَاتَبُ إذَا مَلَكَ أَصْلَهُ وَفَرْعَهُ بِهِبَةٍ أَوْ وَصِيَّةٍ، وَكَانَ الْقَرِيبُ كَسُوبًا بِمَا يَقُومُ بِكِفَايَةِ نَفْسِهِ فَإِنَّهُ يَجُوزُ لَهُ قَبُولُهُ، وَإِذَا قَبِلَهُ مَلَكَهُ وَلَا يُعْتَقُ عَلَيْهِ بَلْ يُكَاتَبُ عَلَيْهِ إذْ لَوْ عَتَقَ لَكَانَ وَلَاؤُهُ لَهُ وَلَا يُتَصَوَّرُ الْوَلَاءُ لِرَقِيقٍ.
وَمِنْهَا مَا لَوْ مَلَكَ الْمُبَعَّضُ بِبَعْضِهِ الْحُرَّ أَصْلَهُ أَوْ فَرْعَهُ فَإِنَّهُ لَا يُعْتَقُ عَلَيْهِ لِتَضَمُّنِهِ الْإِرْثَ وَالْوَلَاءَ وَلَيْسَ مِنْ أَهْلِهِمَا، وَإِنَّمَا عَتَقَتْ أُمُّ الْوَلَدِ الْمُبَعَّضِ بِمَوْتِهِ؛ لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ أَهْلٌ لِلْوَلَاءِ لِانْقِطَاعِ الرِّقِّ.
وَمِنْهَا مَا لَوْ مَلَكَ شَخْصٌ ابْنَ أَخِيهِ ثُمَّ مَاتَ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ مُسْتَغْرِقٌ وَوَرِثَهُ أَخُوهُ فَقَطْ، وَقُلْنَا: الدَّيْنُ لَا يَمْنَعُ الْإِرْثَ كَمَا هُوَ الْأَصَحُّ فَإِنَّ الْأَخَ يَمْلِكُ ابْنَهُ وَلَا يُعْتَقُ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ أَهْلًا لِلتَّبَرُّعِ فِيهِ، وَإِذَا كَانَ فِي الْمَفْهُومِ تَفْصِيلٌ لَا يَرِدُ، وَلَوْ اشْتَرَى الْحُرُّ زَوْجَتَهُ الْحَامِلَ مِنْهُ عَتَقَ عَلَيْهِ الْحَمْلُ كَمَا قَالَ الزَّرْكَشِيُّ، وَلَوْ اشْتَرَاهَا فِي مَرَضِ مَوْتِهِ ثُمَّ انْفَصَلَ قَبْلَ مَوْتِهِ أَوْ بَعْدَهُ
وَلَا يَشْتَرِي لِطِفْلٍ قَرِيبَهُ، وَلَوْ وَهَبَ لَهُ أَوْ وَصَّى لَهُ فَإِنْ كَانَ كَاسِبًا فَعَلَى الْوَلِيِّ قَبُولُهُ، وَيَعْتِقُ وَيُنْفِقُ مِنْ كَسْبِهِ، وَإِلَّا فَإِنْ كَانَ الصَّبِيُّ مُعْسِرًا وَجَبَ الْقَبُولُ، وَنَفَقَتُهُ فِي بَيْتِ الْمَالِ، أَوْ مُوسِرًا حَرُمَ.
[مغني المحتاج]
لَمْ يَرِثْ أَيْ لِأَنَّ عِتْقَهُ حِينَئِذٍ وَصِيَّةٌ، وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى ذَلِكَ، وَأُورِدَ عَلَى الْمُصَنِّفِ صُوَرٌ: مِنْهَا مَسَائِلُ الْمَرِيضِ الْأَتِيَّةُ، وَمِنْهَا مَا لَوْ وَكَّلَهُ فِي شِرَاءِ عَبْدٍ فَاشْتَرَى مَنْ يُعْتَقُ عَلَى مُوَكِّلِهِ وَكَانَ مَعِيبًا فَإِنَّهُ لَا يُعْتَقُ عَلَيْهِ قَبْلَ رِضَاهُ بِعَيْبِهِ.
(وَلَا يَشْتَرِي) الْوَلِيُّ (لِطِفْلٍ) أَوْ مَجْنُونٍ أَوْ سَفِيهٍ (قَرِيبَهُ) الَّذِي يُعْتَقُ عَلَيْهِ أَيْ لَا يَصِحُّ شِرَاؤُهُ، وَلَوْ قَالَ: لِمَحْجُورِهِ كَانَ أَوْلَى؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يَتَصَرَّفُ عَلَيْهِ بِالْغِبْطَةِ وَلَا غِبْطَةَ؛ لِأَنَّهُ يُعْتَقُ عَلَيْهِ وَقَدْ يُطَالَبُ بِنَفَقَتِهِ، وَفِي ذَلِكَ ضَرَرٌ عَلَيْهِ (وَلَوْ) (وَهَبَ لَهُ) أَيْ لِمَنْ ذُكِرَ (أَوْ) وَ (وَصَّى لَهُ) بِهِ (فَإِنْ كَانَ) الْمَوْهُوبُ أَوْ الْمُوصَى بِهِ (كَاسِبًا) بِمَا يَفِي بِمُؤْنَتِهِ (فَعَلَى الْوَلِيِّ) وَلَوْ وَصِيًّا أَوْ قَيِّمًا (قَبُولُهُ) إذْ لَا ضَرَرَ عَلَيْهِ مَعَ تَحْصِيلِ الْكَمَالِ لِأَصْلِهِ وَلَا نَظَرَ إلَى احْتِمَالِ تَوَقُّعِ وُجُوبِ النَّفَقَةِ بِعَجْزٍ يَطْرَأُ؛ لِأَنَّهُ مَشْكُوكٌ فِيهِ وَالْأَصْلُ عَدَمُهُ وَالْمَنْفَعَةُ مُحَقَّقَةٌ (وَيَعْتِقُ) عَلَى الطِّفْلِ وَنَحْوِهِ لِعُمُومِ الْأَدِلَّةِ السَّابِقَةِ (وَيُنْفِقُ) عَلَيْهِ (مِنْ كَسْبِهِ) لِاسْتِغْنَائِهِ عَنْ الْقَرِيبِ.
تَنْبِيهٌ ظَاهِرُ كَلَامِهِ وُجُوبُ الْقَبُولِ وَلَوْ كَانَ الصَّبِيُّ وَنَحْوُهُ مُوسِرًا، وَهُوَ مُشْكِلٌ فَإِنَّ الْأَظْهَرَ فِي النَّفَقَاتِ أَنَّ مَنْ لَا يَكْتَسِبُ مِنْ الْأُصُولِ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى الْكَسْبِ تَجِبُ نَفَقَتُهُ، فَلَوْ عَبَّرَ بِمُوجِبِ النَّفَقَةِ وَعَدَمِهِ كَمَا فِي الرَّوْضَةِ وَغَيْرِهَا لَا بِالْكَسْبِ وَعَدَمِهِ لَكَانَ أَوْلَى، وَلَوْ أَوْصَى لِطِفْلٍ مَثَلًا بِجَدِّهِ وَعَمِّهِ الَّذِي هُوَ ابْنُ هَذَا الْجَدِّ حَيٌّ مُوسِرٌ لَزِمَ الْوَلِيَّ قَبُولُهُ، وَلَوْ كَانَ الْجَدُّ غَيْرَ كَاسِبٍ إذْ لَا ضَرَرَ عَلَيْهِ حِينَئِذٍ، وَمِنْ صُوَرِ الْوَصِيَّةِ بِالْأَبِ أَنْ يَتَزَوَّجَ عَبْدٌ بِحُرَّةٍ وَيُوَلِّدُهَا وَلَدًا فَهُوَ حُرٌّ ثُمَّ يُوصِي سَيِّدُ الْعَبْدِ بِهِ لِابْنِهِ، وَمِنْ صُوَرِ الْوَصِيَّةِ بِالِابْنِ أَنْ يَتَزَوَّجَ حُرٌّ أَمَةً فَيُولِدُهَا فَالْوَلَدُ رَقِيقٌ لِمَالِكِ الْأَمَةِ ثُمَّ يُوصِي سَيِّدُ الْوَلَدِ بِهِ لِأَبِيهِ (وَإِلَّا) بِأَنْ لَمْ يَكُنْ الْقَرِيبُ كَاسِبًا نُظِرَ (فَإِنْ كَانَ الصَّبِيُّ) أَوْ نَحْوُهُ (مُعْسِرًا وَجَبَ) عَلَى وَلِيِّهِ (الْقَبُولُ) إذْ لَا ضَرَرَ عَلَى الصَّبِيِّ أَوْ نَحْوِهِ حِينَئِذٍ، وَلَا نَظَرَ إلَى أَنَّهُ قَدْ يُوسِرُ فَتَجِبُ عَلَيْهِ نَفَقَتُهُ، فَإِنْ أَبَى الْوَلِيُّ قَبِلَ لَهُ الْحَاكِمُ، فَإِنْ أَبَى قَبِلَ هُوَ الْوَصِيَّةَ إذَا كَمُلَ إلَّا الْهِبَةَ لِفَوَاتِهَا بِالتَّأْخِيرِ، قَالَ الْأَذْرَعِيُّ: يُشْبِهُ أَنَّ الْحَاكِمَ لَوْ أَبَى عَنْ نَظَرٍ وَاجْتِهَادٍ وَكَانَ رَأَى أَنَّ الْقَرِيبَ يَعْجِزُ عَنْ قُرْبٍ أَوْ أَنَّ حِرْفَتَهُ كَثِيرَةُ الْكَسَادِ فَلَيْسَ لَهُ الْقَبُولُ بَعْدَ كَمَالِهِ اهـ.
وَهُوَ ظَاهِرٌ إنْ أَبَاهُ بِالْقَوْلِ دُونَ مَا إذَا سَكَتَ (وَنَفَقَتُهُ) إنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَنْ تَجِبُ نَفَقَتُهُ عَلَيْهِ بِزَوْجِيَّةٍ أَوْ قَرَابَةِ غَيْرِ الصَّبِيِّ أَوْ نَحْوِهِ (فِي بَيْتِ الْمَالِ) إنْ كَانَ مُسْلِمًا وَلِأَنَّهُ مِنْ مَحَاوِيجِ الْمُسْلِمِينَ.
أَمَّا الْكَافِرُ فَلَا حَقَّ لَهُ فِيهِ وَلِهَذَا يُقْطَعُ لِسَرِقَتِهِ، لَكِنْ الْإِمَامُ يُنْفِقُ عَلَيْهِ مِنْهُ عِنْدَ الْحَاجَةِ بِشَرْطِ الضَّمَانِ، وَرَجَّحَ الرَّافِعِيُّ نَفْيَ الضَّمَانِ عَلَى اللَّقِيطِ الْمَحْكُومِ بِكُفْرِهِ (أَوْ) كَانَ الصَّبِيُّ وَنَحْوُهُ (مُوسِرًا حَرُمَ) عَلَى وَلِيِّهِ الْقَبُولُ لِمَا فِيهِ مِنْ الضَّرَرِ عَلَى الصَّبِيِّ أَوْ نَحْوِهِ بِالْإِنْفَاقِ عَلَيْهِ مِنْ مَالِهِ.
تَنْبِيهٌ هَذَا كُلُّهُ إذَا وُهِبَ لَهُ جَمِيعُ الْقَرِيبِ كَمَا هُوَ ظَاهِرُ إطْلَاقِهِ؛ فَلَوْ وُهِبَ لَهُ بَعْضُهُ وَهُوَ كَسُوبٌ وَالْمَحْجُورُ عَلَيْهِ مُوسِرٌ لَمْ يَقْبَلْهُ الْوَلِيُّ؛ لِأَنَّهُ لَوْ قَبِلَهُ مَلَكَهُ وَعَتَقَ عَلَيْهِ، وَحِينَئِذٍ فَيَسْرِي
وَلَوْ مَلَكَ فِي مَرَضِ مَوْتِهِ قَرِيبَهُ بِلَا عِوَضٍ عَتَقَ مِنْ ثُلُثِهِ، وَقِيلَ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ أَوْ بِعِوَضٍ بِلَا مُحَابَاةٍ فَمِنْ ثُلُثِهِ، وَلَا يَرِثُ فَإِنْ كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ فَقِيلَ لَا يَصِحُّ الشِّرَاءُ، وَالْأَصَحُّ صِحَّتُهُ، وَلَا يَعْتِقُ بَلْ يُبَاعُ لِلدَّيْنِ،
[مغني المحتاج]
عَلَى الْمَحْجُورِ فَتَجِبُ قِيمَةُ نَصِيبِ الشَّرِيكِ، وَهَذَا مَا فِي الرَّوْضَةِ وَأَصْلِهَا، وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ، وَإِنْ رُجِّحَ فِي تَصْحِيحِ التَّنْبِيهِ أَنَّهُ يُقْبَلُ وَيَعْتِقُ وَلَا يَسْرِي؛ لِأَنَّ التَّبْعِيضَ لِلسِّرَايَةِ بِالِاخْتِيَارِ، وَهُوَ مُنْتَفٍ، وَعَلَّلَهُ الْمَاوَرْدِيُّ بِأَنَّهُ بِالْحَجْرِ عَلَيْهِ كَالْمُعْسِرِ.
(وَلَوْ) (مَلَكَ) شَخْصٌ (فِي مَرَضِ مَوْتِهِ قَرِيبَهُ) الَّذِي يُعْتَقُ عَلَيْهِ (بِلَا عِوَضٍ) كَأَنْ وَرِثَهُ أَوْ وُهِبَ لَهُ (عَتَقَ) عَلَيْهِ (مِنْ ثُلُثِهِ) حَتَّى لَوْ لَمْ يَكُنْ لَهُ غَيْرُهُ لَمْ يُعْتَقْ إلَّا ثُلُثُهُ؛ لِأَنَّهُ دَخَلَ فِي مِلْكِهِ وَخَرَجَ بِلَا مُقَابِلٍ فَأَشْبَهَ الْمُتَبَرِّعَ بِهِ، وَهَذَا مَا رَجَّحَهُ الْبَغَوِيّ، وَتَبِعَهُ فِي الْمُحَرَّرِ (وَقِيلَ) يُعْتَقُ عَلَيْهِ جَمِيعُهُ (مِنْ رَأْسِ الْمَالِ) وَإِنْ لَمْ يَمْلِكْ غَيْرَهُ؛ لِأَنَّ الشَّرْعَ أَخْرَجَهُ عَنْ مِلْكِهِ، فَكَأَنَّهُ لَمْ يَدْخُلْ، وَهَذَا هُوَ الْأَصَحُّ كَمَا صَحَّحَاهُ فِي الشَّرْحَيْنِ وَالرَّوْضَةِ هُنَا، وَفِي كِتَابِ الْوَصَايَا فِي مَسْأَلَةِ الْإِرْثِ.
وَقَالَ الْبُلْقِينِيُّ: إنَّهُ الْأَصَحُّ الَّذِي يَقْتَضِيهِ نَصُّ الشَّافِعِيِّ عَلَى أَنَّ الْمَحْجُورَ عَلَيْهَا بِفَلَسٍ لَوْ أَصْدَقَهَا أَبَاهَا عَتَقَ عَلَيْهَا وَلَمْ يَكُنْ لِلْغُرَمَاءِ مِنْهُ شَيْءٌ؛ لِأَنَّهُ يُعْتَقُ سَاعَةَ يَتِمُّ مِلْكُهَا عَلَيْهِ، قَالَ وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ فِي الْفَتْوَى (أَوْ) مَلَكَهُ فِي مَرَضِ مَوْتِهِ (بِعِوَضٍ بِلَا مُحَابَاةٍ) بَلْ بِثَمَنِ مِثْلِهِ (فَمِنْ ثُلُثِهِ) فَلَا يُعْتَقُ مِنْهُ إلَّا مَا خَرَجَ مِنْ الثُّلُثِ؛ لِأَنَّهُ فَوَّتَ عَلَى الْوَرَثَةِ مَا بَذَلَهُ مِنْ الثَّمَنِ، وَلَمْ يَحْصُلْ لَهُمْ فِي مُقَابَلَتِهِ شَيْءٌ، وَلَيْسَ لِلْبَائِعِ الْفَسْخُ بِالتَّفْرِيقِ لَوْ لَمْ يَخْرُجْ مِنْ الثُّلُثِ إلَّا بَعْضُهُ، وَقَوْلُهُ (وَلَا يَرِثُ) رَاجِعٌ لِلْمَسْأَلَتَيْنِ عَلَى اعْتِبَارِ الْعِتْقِ مِنْ الثُّلُثِ؛ لِأَنَّ عِتْقَهُ حِينَئِذٍ وَصِيَّةٌ، وَلَا يُجْمَعُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْإِرْثِ فَالْأَبْعَدُ نَقْلُهُمَا، هَذَا عَنْ الْأَصْحَابِ، وَكَأَنَّهُ تَفْرِيعٌ عَلَى بُطْلَانِ الْوَصِيَّةِ لِلْوَارِثِ.
فَإِنْ قُلْنَا بِصِحَّتِهَا مَوْقُوفَةً عَلَى إجَازَةِ الْوَرَثَةِ أَيْ وَهُوَ الصَّحِيحُ لَمْ يَمْتَنِعْ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا، فَيُحْتَمَلُ تَوَقُّفُ الْأَمْرِ إلَيْهَا، وَيُحْتَمَلُ خِلَافُهُ أَيْ وَهُوَ الظَّاهِرُ لِتَعَذُّرِ إجَازَتِهِ لِتَوَقُّفِهَا عَلَى إرْثِهِ الْمُتَوَقِّفِ عَلَى عِتْقِهِ الْمُتَوَقِّفِ عَلَيْهَا، فَيَتَوَقَّفُ كُلٌّ مِنْ إجَازَتِهِ وَإِرْثِهِ عَلَى الْآخَرِ فَيَمْتَنِعُ إرْثُهُ، وَهَذَا خِلَافُ الَّذِي عَتَقَ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ فَيَرِثُ، أَمَّا إذَا اعْتَبَرْنَاهُ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ وَهُوَ الْأَصَحُّ فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى كَمَا مَرَّ وَرِثَ عَلَى الْأَصَحِّ، هَذَا إذَا لَمْ يَكُنْ عَلَى الْمَرِيضِ دَيْنٌ (فَإِنْ كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ) مُسْتَغْرِقٌ لِمَالِهِ عِنْدَ الْمَوْتِ (فَقِيلَ: لَا يَصِحُّ الشِّرَاءُ) ؛ لِأَنَّ تَصْحِيحَهُ يُؤَدِّي إلَى مِلْكِهِ وَلَا يُعْتَقُ عَلَيْهِ فَلَمْ يَصِحَّ كَمَا لَا يَصِحُّ شِرَاءُ الْكَافِرِ الْعَبْدَ الْمُسْلِمَ (وَالْأَصَحُّ صِحَّتُهُ) إذْ لَا خَلَلَ فِيهِ (وَلَا يَعْتِقُ) مِنْهُ شَيْءٌ؛ لِأَنَّ عِتْقَهُ يُعْتَبَرُ مِنْ الثُّلُثِ، وَالدَّيْنُ يَمْنَعُ مِنْهُ (بَلْ يُبَاعُ فِي الدَّيْنِ) وَيُلْغَزُ بِهَذَا، فَيُقَالُ: حُرٌّ مُوسِرٌ اشْتَرَى مَنْ يُعْتَقُ عَلَيْهِ وَلَا يُعْتَقُ، وَفِي مَعْنَى هَذِهِ الصُّورَةِ مَا لَوْ اشْتَرَى الْمَأْذُونُ مَنْ يُعْتَقُ عَلَى سَيِّدِهِ بِإِذْنِهِ وَقَدْ رَكِبَهُ دَيْنُ التِّجَارَةِ فَإِنَّهُ يَصِحُّ الشِّرَاءُ، وَلَا يُعْتَقُ عَلَى الْأَصَحِّ فِي تَصْحِيحِ التَّنْبِيهِ لِلْمُصَنِّفِ، وَقَدْ ذَكَرَهُ الرَّافِعِيُّ فِي الْقِرَاضِ، وَعَلَّلَهُ بِأَنَّهُ كَالْمَرْهُونِ بِالدُّيُونِ، وَخَرَجَ بِالْمُسْتَغْرِقِ مَا إذَا لَمْ يَكُنْ مُسْتَغْرِقًا أَوْ سَقَطَ عَنْهُ بِإِبْرَاءٍ أَوْ غَيْرِهِ فَإِنَّهُ يُعْتَقُ إنْ خَرَجَ مِنْهُ مَا بَقِيَ بَعْدَ وَفَاءِ الدَّيْنِ فِي الْأُولَى أَوْ ثُلُثُ الْبَاقِي فِي الثَّانِيَةِ
أَوْ بِمُحَابَاةٍ فَقَدْرُهَا كَهِبَةٍ، وَالْبَاقِي مِنْ الثُّلُثِ.
وَلَوْ وَهَبَ لِعَبْدٍ بَعْضَ قَرِيبٍ سَيِّدُهُ فَقَبِلَ وَقُلْنَا يَسْتَقِلُّ بِهِ عَتَقَ وَسَرَى، وَعَلَى سَيِّدِهِ قِيمَةُ بَاقِيهِ.
[فَصْلٌ] أَعْتَقَ فِي مَرَضِ مَوْتِهِ عَبْدًا لَا يَمْلِكُ غَيْرَهُ، عَتَقَ ثُلُثُهُ،
[مغني المحتاج]
أَوْ أَجَازَهُ الْوَارِثُ فِيهِمَا وَإِلَّا عَتَقَ مِنْهُ بِقَدْرِ مَا خَرَجَ مِنْ ثُلُثِ ذَلِكَ (أَوْ) مَلَكَ فِيهِ بِعِوَضٍ (بِمُحَابَاةٍ) مِنْ الْبَائِعِ كَأَنْ اشْتَرَى بِخَمْسِينَ وَهُوَ يُسَاوِي مِائَةً (فَقَدْرُهَا كَهِبَةٍ) فَيَكُونُ قَدْرُ الْمُحَابَاةِ وَهُوَ خَمْسُونَ فِي هَذَا الْمِثَالِ كَالْمَوْهُوبِ لَهُ فَيَجِيءُ الْخِلَافُ السَّابِقُ فِيمَا مَلَكَهُ بِلَا عِوَضٍ هَلْ يُحْسَبُ مِنْ الثُّلُثِ أَوْ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ؟ (وَالْبَاقِي) بَعْدَ قَدْرِهَا يُعْتَبَرُ (مِنْ الثُّلُثِ) جَزْمًا، وَخَرَجَ بِالْمُحَابَاةِ مِنْ الْبَائِعِ الْمُحَابَاةُ مِنْ الْمَرِيضِ كَأَنْ اشْتَرَاهُ بِمِائَةٍ وَهُوَ يُسَاوِي خَمْسِينَ فَقَدْرُهَا تَبَرُّعٌ مِنْهُ، فَإِنْ اسْتَوْعَبَ الثُّلُثَ لَمْ يُعْتَقُ مِنْهُ شَيْءٌ وَإِلَّا قُدِّمَتْ الْمُحَابَاةُ عَلَى الْعِتْقِ فِي أَحَدِ أَوْجُهٍ اسْتَظْهَرَهُ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ.
(وَلَوْ) (وَهَبَ لِعَبْدٍ بَعْضَ قَرِيبٍ سَيِّدُهُ) الَّذِي يُعْتَقُ عَلَيْهِ (فَقَبِلَ وَقُلْنَا يَسْتَقِلُّ) الْعَبْدُ (بِهِ) أَيْ الْقَبُولِ وَهُوَ الْأَصَحُّ (عَتَقَ) الْقَرِيبُ عَلَى السَّيِّدِ (وَسَرَى) عَلَيْهِ (وَعَلَى سَيِّدِهِ قِيمَةُ بَاقِيهِ) ؛ لِأَنَّ الْهِبَةَ لَهُ هِبَةٌ لِسَيِّدِهِ وَقَبُولَهُ كَقَبُولِ سَيِّدِهِ هَذَا مَا جَزَمَ بِهِ الرَّافِعِيُّ هُنَا، وَصَوَّبَهُ فِي الْمُهِمَّاتِ؛ وَلِهَذَا صَحَّحُوا أَنَّ السَّيِّدَ يَحْلِفُ عَلَى الْبَتِّ فِي نَفْيِ فِعْلِ عَبْدِهِ، وَقَالَ فِي الرَّوْضَةِ: يَنْبَغِي أَنَّهُ لَا يَسْرِي؛ لِأَنَّهُ دَخَلَ فِي مِلْكِهِ قَهْرًا كَالْإِرْثِ، وَفِيهَا كَأَصْلِهَا فِي كِتَابِ الْكِتَابَةِ تَصْحِيحُهُ، اعْتَمَدَهُ الْبُلْقِينِيُّ وَقَالَ: مَا فِي الْمِنْهَاجِ وَجْهٌ ضَعِيفٌ غَرِيبٌ لَا يُلْتَفَتُ إلَيْهِ اهـ.
وَهَذَا هُوَ الظَّاهِرُ.
تَنْبِيهٌ هَذَا إذَا لَمْ يَكُنْ الْعَبْدُ مُبَعَّضًا وَلَا مُكَاتَبًا، فَإِنْ كَانَ مُبَعَّضًا وَكَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ سَيِّدِهِ مُهَايَأَةٌ، فَإِنْ كَانَ فِي نَوْبَةِ الْحُرِّيَّةِ فَلَا عِتْقَ، أَوْ فِي نَوْبَةِ الرِّقِّ فَكَالْقِنِّ، أَوْ لَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمَا مُهَايَأَةٌ فَمَا يَتَعَلَّقُ بِالْحُرِّيَّةِ لَا يَمْلِكُهُ السَّيِّدُ، وَمَا يَتَعَلَّقُ بِالرِّقِّ فِيهِ مَا مَرَّ، وَإِنْ كَانَ مُكَاتَبًا لَمْ يُعْتَقْ مِنْ مَوْهُوبِهِ شَيْءٌ مَا دَامَتْ الْكِتَابَةُ قَائِمَةً، فَإِنْ عَجَّزَ نَفْسَهُ بِغَيْرِ اخْتِيَارِ السَّيِّدِ ذَلِكَ الْجُزْءَ وَلَمْ يَسْرِ، وَإِنْ عَجَّزَهُ السَّيِّدُ فَالْأَصَحُّ لَا سِرَايَةَ أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا قَصَدَ التَّعْجِيزَ وَالْمِلْكُ حَصَلَ ضِمْنًا، وَقَدْ مَرَّتْ الْإِشَارَةُ إلَيْهِ، وَخَالَفَ فِي ذَلِكَ الْبُلْقِينِيُّ.
[فَصْلٌ فِي الْإِعْتَاقِ فِي مَرَضِ الْمَوْتِ]
[فَصْلٌ] فِي الْإِعْتَاقِ فِي مَرَضِ الْمَوْتِ وَبَيَانِ الْقُرْعَةِ.
إذَا (أَعْتَقَ فِي مَرَضِ مَوْتِهِ عَبْدًا لَا يَمْلِكُ غَيْرَهُ) عِنْدَ مَوْتِهِ وَلَا دَيْنَ عَلَيْهِ (عَتَقَ ثُلُثُهُ) وَرَقَّ ثُلُثَاهُ؛ لِأَنَّ الْعِتْقَ تَبَرُّعٌ مُعْتَبَرٌ مِنْ الثُّلُثِ كَمَا مَرَّ فِي الْوَصَايَا.
تَنْبِيهٌ هَذَا إنْ بَقِيَ بَعْدَ مَوْتِ السَّيِّدِ، فَإِنْ مَاتَ فِي حَيَاتِهِ فَهَلْ يَمُوتُ كُلُّهُ رَقِيقًا أَوْ كُلُّهُ حُرًّا أَوْ ثُلُثُهُ حُرًّا وَبَاقِيهِ رَقِيقٌ؟ قَالَ فِي أَصْلِ الرَّوْضَةِ: هُنَا فِيهِ أَوْجُهٌ أَصَحُّهَا عِنْدَ الصَّيْدَلَانِيِّ الْأَوَّلُ، وَجَرَى عَلَيْهِ ابْنُ الْمُقْرِي فِي رَوْضِهِ؛ لِأَنَّ مَا يُعْتَقُ يَنْبَغِي أَنْ يَبْقَى لِلْوَرَثَةِ مِثْلَاهُ وَلَمْ يَحْصُلْ لَهُمْ
فَإِنْ كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ مُسْتَغْرِقٌ لَمْ يَعْتِقْ شَيْءٌ مِنْهُ.
وَلَوْ أَعْتَقَ ثَلَاثَةً لَا يَمْلِكُ غَيْرَهُمْ، وَقِيمَتُهُمْ سَوَاءٌ عَتَقَ أَحَدُهُمْ بِقُرْعَةٍ
[مغني المحتاج]
هُنَا شَيْءٌ، وَنَقَلَا فِي الْوَصَايَا عَنْ الْأُسْتَاذِ أَبِي مَنْصُورٍ تَصْحِيحَ الثَّانِي وَاقْتَصَرَا عَلَيْهِ، وَصَوَّبَهُ الزَّرْكَشِيُّ تَنْزِيلًا لَهُ مَنْزِلَةَ عِتْقِهِ فِي الصِّحَّةِ، وَإِطْلَاقُ الْمُصَنِّفِ يَقْتَضِي تَرْجِيحَ الثَّالِثِ وَهُوَ الظَّاهِرُ، وَصَحَّحَهُ الْبَغَوِيّ: وَقَالَ فِي الْبَحْرِ: إنَّهُ ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ، وَقَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: إنَّهُ الظَّاهِرُ مِنْ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ كَمَا لَوْ مَاتَ بَعْدَهُ.
قَالَ الْبَغَوِيّ: وَلَا وَجْهَ لِلْقَوْلِ بِأَنَّهُ مَاتَ رَقِيقًا؛ لِأَنَّ تَصَرُّفَ الْمَرِيضِ غَيْرُ مُمْتَنِعٍ عَلَى الْإِطْلَاقِ، وَتَبِعَهُ الْأَذْرَعِيُّ، وَخَصَّ ذَلِكَ الْمَاوَرْدِيُّ بِمَا إذَا مَاتَ مِنْ غَيْرِ كَسْبٍ، فَإِنْ كَانَ مَاتَ عَنْ كَسْبٍ وَهُوَ مَثَلًا قِيمَتُهُ عَتَقَ جَمِيعُهُ؛ لِأَنَّهُ صَارَ لِلتَّرِكَةِ مَثَلًا قِيمَتُهُ، وَإِنْ كَانَ نِصْفُ قِيمَتِهِ كَانَ نِصْفُهُ حُرًّا، وَتَظْهَرُ فَائِدَةُ الْخِلَافِ فِيمَا لَوْ وَهَبَ فِي الْمَرَضِ عَبْدًا لَا يَمْلِكُ غَيْرَهُ وَأَقْبَضَهُ وَمَاتَ الْعَبْدُ قَبْلَ السَّيِّدِ، فَإِنْ قُلْنَا فِي مَسْأَلَةِ الْعِتْقِ بِمَوْتِهِ رَقِيقًا مَاتَ هُنَا عَلَى مِلْكِ الْوَاهِبِ وَيَلْزَمُهُ مُؤْنَةُ تَجْهِيزِهِ، وَإِنْ قُلْنَا بِمَوْتِهِ حُرًّا مَاتَ هُنَا عَلَى مِلْكِ الْمَوْهُوبِ لَهُ فَعَلَيْهِ تَجْهِيزُهُ، وَإِنْ قُلْنَا بِالثَّالِثِ وُزِّعَتْ الْمُؤْنَةُ عَلَيْهِمَا (فَإِنْ) (كَانَ عَلَيْهِ) أَيْ مَنْ أَعْتَقَ فِي مَرَضِ مَوْتِهِ عَبْدًا لَا يَمْلِكُ غَيْرَهُ (دَيْنٌ مُسْتَغْرِقٌ) (لَمْ يَعْتِقْ شَيْءٌ مِنْهُ) ؛ لِأَنَّ الْعِتْقَ حِينَئِذٍ كَالْوَصِيَّةِ وَالدَّيْنُ مُقَدَّمٌ عَلَيْهَا.
تَنْبِيهٌ أَرَادَ بِقَوْلِهِ لَمْ يَعْتِقْ عَدَمَ النُّفُوذِ لَكِنْ يُحْكَمُ بِإِعْتَاقِهِ فِي الظَّاهِرِ حَتَّى لَوْ تَبَرَّعَ مُتَبَرِّعٌ بِأَدَاءِ الدَّيْنِ أَوْ إبْرَاءِ الْمُسْتَحِقِّ نَفَذَ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الرَّافِعِيُّ فِيمَا لَوْ أَوْصَى بِشَيْءٍ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ مُسْتَغْرِقٌ، وَاسْتَثْنَى الْبُلْقِينِيُّ مِنْ ذَلِكَ صُوَرًا: مِنْهَا مَا إذَا أَعْتَقَهُ عَنْ وَاجِبِ كَفَّارَةٍ.
قِيلَ: فَالْأَرْجَحُ نُفُوذُهُ وَلَوْ أَمْكَنَ إعْتَاقُ رَقَبَةٍ بِبَعْضِ قِيمَتِهِ وَصَرْفُ الْبَاقِي إلَى الدَّيْنِ.
وَمِنْهَا الْمَنْذُورُ إعْتَاقُهُ فِي حَالِ الصِّحَّةِ إذَا أَعْتَقَهُ فِي حَالَةِ مَرَضِ الْمَوْتِ نَفَذَ مَعَ الدَّيْنِ الْمُسْتَغْرِقِ وَمِنْهَا مَا إذَا أَبْرَأَ أَصْحَابَ الدَّيْنِ مِنْ دَيْنِهِمْ نَفَذَ الْعِتْقُ لِزَوَالِ الْمَانِعِ، وَخَرَجَ بِالْمُسْتَغْرِقِ غَيْرُهُ فَإِنَّهُ يُعْتَقُ مِنْهُ ثُلُثُ بَاقِيهِ.
(وَلَوْ) (أَعْتَقَ) شَخْصٌ (ثَلَاثَةً) مِنْ الْأَرِقَّاءِ مَعًا كَأَعْتَقْتُكُمْ (لَا يَمْلِكُ غَيْرَهُمْ) عِنْدَ مَوْتِهِ (وَقِيمَتُهُمْ سَوَاءٌ) وَلَمْ تُجِزْ الْوَرَثَةُ عِتْقَهُمْ (عَتَقَ أَحَدُهُمْ بِقُرْعَةٍ) ؛ لِأَنَّهَا شُرِعَتْ لِقَطْعِ الْمُنَازَعَةِ فَتَعَيَّنَتْ طَرِيقًا، وَالْأَصْلُ فِيهَا مَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ الْحُصَيْنِ: «أَنَّ رَجُلًا مِنْ الْأَنْصَارِ أَعْتَقَ سِتَّةَ أَعْبُدٍ مَمْلُوكِينَ لَهُ عِنْدَ مَوْتِهِ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ غَيْرُهُمْ فَدَعَاهُمْ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَجَزَّأَهُمْ أَثْلَاثًا ثُمَّ أَقْرَعَ بَيْنَهُمْ فَأَعْتَقَ اثْنَيْنِ وَرَقَّ أَرْبَعَةً» وَالظَّاهِرُ تَسَاوِي الْأَثْلَاثِ فِي
وَكَذَا لَوْ قَالَ أَعْتَقْتُ ثُلُثَكُمْ، أَوْ ثُلُثُكُمْ حُرٌّ، وَلَوْ قَالَ أَعْتَقْت ثُلُثَ كُلِّ عَبْدٍ أُقْرِعَ وَقِيلَ يَعْتِقُ مِنْ كُلٍّ ثُلُثَهُ.
وَالْقُرْعَةُ أَنْ يُؤْخَذَ ثَلَاثُ رِقَاعٍ مُتَسَاوِيَةٌ يُكْتَبُ فِي ثِنْتَيْنِ رِقٌّ وَفِي وَاحِدَةٍ عِتْقٌ، وَتُدْرَجُ فِي بَنَادِقَ كَمَا سَبَقَ، وَتَخْرُجُ وَاحِدَةٌ بِاسْمِ أَحَدِهِمْ، فَإِنْ خَرَجَ الْعِتْقُ عَتَقَ وَرَقَّ الْآخَرَانِ، أَوْ الرِّقُّ رَقَّ وَأُخْرِجَتْ أُخْرَى بِاسْمٍ آخَرَ، يَجُوزُ أَنْ يَكْتُبَ أَسْمَاءَهُمْ ثُمَّ تُخْرَجُ رُقْعَةٌ عَلَى الْحُرِّيَّةِ، فَمَنْ خَرَجَ اسْمُهُ عَتَقَ وَرَقَّا،
[مغني المحتاج]
الْقِيمَةِ؛ لِأَنَّ عَبِيدَ الْحِجَازِ غَالِبًا لَا تَخْتَلِفُ قِيمَتُهُمْ.
تَنْبِيهٌ شَمِلَ إطْلَاقُهُ مَا لَوْ مَاتَ أَحَدُهُمْ قَبْلَ مَوْتِ السَّيِّدِ حَتَّى يَدْخُلَ الْمَيِّتُ فِي الْقُرْعَةِ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ، فَإِنْ خَرَجَتْ الْقُرْعَةُ لَهُ رَقَّ الْآخَرَانِ وَبَانَ أَنَّهُ مَاتَ حُرًّا فَيُورَثُ، وَظَاهِرُ كَلَامِهِ تَعَيُّنُ الْقُرْعَةِ وَهُوَ كَذَلِكَ، فَلَوْ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ إنْ طَارَ غُرَابٌ فَفُلَانٌ حُرٌّ أَوْ مَنْ وَضَعَ صَبِيٌّ يَدَهُ عَلَيْهِ فَهُوَ حُرٌّ لَمْ يَكْفِ (وَكَذَا لَوْ قَالَ: أَعْتَقْتُ ثُلُثَكُمْ، أَوْ) قَالَ (ثُلُثُكُمْ حُرٌّ) فَيُعْتَقُ وَاحِدٌ مِنْهُمْ بِقُرْعَةٍ، وَإِنَّمَا لَمْ يُعْتَقُ ثُلُثُ كُلٍّ مِنْهُمْ فِي هَاتَيْنِ؛ لِأَنَّ عِتْقَ بَعْضِ الرَّقَبَةِ كَإِعْتَاقِ كُلِّهِ (وَلَوْ) (قَالَ: أَعْتَقْت ثُلُثَ كُلِّ عَبْدٍ) مِنْكُمْ (أُقْرِعَ) بَيْنَهُمْ أَيْضًا فِي الْأَصَحِّ، وَيُعْتَقُ وَاحِدٌ بِقُرْعَةٍ كَمَا مَرَّ (وَقِيلَ يَعْتِقُ مِنْ كُلٍّ ثُلُثَهُ) وَلَا إقْرَاعَ لِتَصْرِيحِهِ بِالتَّبْعِيضِ وَهَذَا هُوَ الْقِيَاسُ، لَكِنْ تَشَوَّفَ الشَّارِعُ إلَى تَكْمِيلِ الْعِتْقِ يُوجِبُ اتِّبَاعَ الْخَبَرِ فِي إيقَاعِ الْقُرْعَةِ.
تَنْبِيهٌ هَذَا كُلُّهُ إذَا لَمْ يُضِفْهُ إلَى الْمَوْتِ، فَإِنْ قَالَ: ثُلُثُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْكُمْ حُرٌّ بَعْدَ مَوْتِي عَتَقَ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ ثُلُثُهُ وَلَا يُقْرَعُ عَلَى الصَّحِيحِ؛ لِأَنَّ الْعِتْقَ بَعْدَ الْمَوْتِ لَا يَسْرِي، وَفُهِمَ مِنْ أَمْثِلَةِ التَّصْوِيرِ بِمَا إذَا أَعْتَقَ الْأَبْعَاضَ مَعًا فَخَرَجَ مَا إذَا رَتَّبَهَا فَيُقَدَّمُ الْأَسْبَقُ حَتَّى لَوْ كَانَ لَهُ عَبْدَانِ فَقَطْ فَقَالَ: نِصْفُ غَانِمٍ حُرٌّ وَثُلُثُ سَالِمٍ حُرٌّ عَتَقَ ثُلُثَا غَانِمٍ وَلَا قُرْعَةَ، ذَكَرَاهُ فِي بَابِ الْوَصِيَّةِ.
ثُمَّ شَرَعَ فِي بَيَانِ كَيْفِيَّةِ الْقُرْعَةِ وَالتَّجْزِئَةِ الْمُتَرَتِّبَةِ عَلَيْهَا فَقَالَ (وَالْقُرْعَةُ أَنْ يُؤْخَذَ ثَلَاثُ رِقَاعٍ مُتَسَاوِيَةٌ) إذَا كَانَ الْعَبِيدُ ثَلَاثَةً كَمَا هُوَ فَرْضُ الْمَسْأَلَةِ (يُكْتَبُ فِي ثِنْتَيْنِ) مِنْهَا (رِقٌّ وَفِي وَاحِدَةٍ عِتْقٌ) ؛ لِأَنَّ الرِّقَّ ضِعْفُ الْحُرِّيَّةِ، فَتَكُونُ الرِّقَاعُ عَلَى نِسْبَةِ الْمَطْلُوبِ فِي الْكَثْرَةِ وَالْقِلَّةِ (وَتُدْرَجُ فِي بَنَادِقَ) مِنْ نَحْوِ شَمْعٍ (كَمَا سَبَقَ) فِي بَابِ الْقِسْمَةِ (وَتَخْرُجُ وَاحِدَةٌ بِاسْمِ أَحَدِهِمْ، فَإِنْ خَرَجَ) لَهُ (الْعِتْقُ عَتَقَ وَرَقَّ الْآخَرَانِ) بِفَتْحِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ (أَوْ الرِّقُّ) لِوَاحِدٍ (رَقَّ وَأُخْرِجَتْ) رُقْعَةٌ (أُخْرَى بِاسْمٍ آخَرَ) فَإِنْ خَرَجَ لَهُ الْعِتْقُ عَتَقَ وَرَقَّ الثَّالِثُ، وَإِنْ خَرَجَ لَهُ الرِّقُّ رَقَّ وَعَتَقَ الثَّالِثُ؛ لِأَنَّ فَائِدَةَ الْقُرْعَةِ ذَلِكَ.
ثُمَّ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ طَرِيقًا آخَرَ لِلْقُرْعَةِ وَعَبَّرَ فِيهَا بِالْجَوَازِ فَقَالَ (يَجُوزُ أَنْ يَكْتُبَ أَسْمَاءَهُمْ) فِي الرِّقَاعِ (ثُمَّ تُخْرَجُ رُقْعَةٌ عَلَى الْحُرِّيَّةِ فَمَنْ خَرَجَ اسْمُهُ عَتَقَ وَرَقَّا) أَيْ الْبَاقِيَانِ.
تَنْبِيهٌ ظَاهِرُ كَلَامِهِ أَنَّ الطَّرِيقَ الْأُولَى أَوْلَى لِتَعْبِيرِهِ فِي الثَّانِيَةِ بِالْجَوَازِ، لَكِنْ صَوَّبَ الْقَاضِي وَالْإِمَامُ وَغَيْرُهُمَا هَذِهِ الْكَيْفِيَّةَ؛ لِأَنَّ الْإِخْرَاجَ فِيهَا يُمْكِنُ مَرَّةً وَاحِدَةً بِخِلَافِ الْأُولَى، فَإِنَّهُ
وَإِنْ كَانُوا ثَلَاثَةً قِيمَةَ وَاحِدٍ مِائَةٌ، وَآخَرُ مِائَتَانِ، وَآخَرُ ثَلَاثُمِائَةٍ أُقْرِعَ بِسَهْمَيْ رِقٍّ وَسَهْمِ عِتْقٍ، فَإِنْ خَرَجَ الْعِتْقُ لِذِي الْمِائَتَيْنِ عَتَقَ وَرَقَّا، أَوْ لِلثَّالِثِ عَتَقَ ثُلُثَاهُ، أَوْ لِلْأَوَّلِ عَتَقَ ثُمَّ يُقْرَعُ بَيْنَ الْآخَرَيْنِ بِسَهْمِ رِقٍّ وَسَهْمِ عِتْقٍ، فَمَنْ خَرَجَ تُمِّمَ مِنْهُ الثُّلُثُ، وَإِنْ كَانُوا فَوْقَ ثَلَاثَةٍ وَأَمْكَنَ تَوْزِيعُهُمْ بِالْعَدَدِ وَالْقِيمَةِ كَسِتَّةٍ قِيمَتُهُمْ سَوَاءٌ جُعِلُوا اثْنَيْنِ اثْنَيْنِ، أَوْ بِالْقِيمَةِ دُونَ الْعَدَدِ كَسِتَّةٍ قِيمَةُ أَحَدِهِمْ مِائَةٌ، وَقِيمَةُ اثْنَيْنِ مِائَةٌ، وَثَلَاثَةٍ مِائَةٌ جُعِلَ الْأَوَّلُ جُزْءًا، وَالِاثْنَانِ جُزْءًا، وَالثَّلَاثَةُ جُزْءًا،
[مغني المحتاج]
قَدْ يُحْوَجُ إلَى إعَادَتِهِ كَمَا مَرَّ، وَمُقْتَضَى كَلَامِهِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ الِاقْتِصَارُ فِي الصُّورَةِ الْأُولَى عَلَى رُقْعَتَيْنِ، فِي إحْدَاهُمَا عِتْقٌ، وَفِي الْأُخْرَى رِقٌّ، وَفِيهِ وَجْهَانِ بِلَا تَرْجِيحٍ فِي الرَّوْضَةِ.
قَالَ الْإِمَامُ: وَالْأَوْجَهُ أَنَّهُ احْتِيَاطٌ.
وَقَالَ الْبُلْقِينِيُّ: إنَّهُ الْأَصَحُّ إذْ لَيْسَ فِيهِ إلَّا أَنَّا إذَا أَخْرَجْنَا رُقْعَةً عَلَى عَبْدٍ فَخَرَجَ فِيهَا رِقٌّ يُحْتَاجُ إلَى إدْرَاجِهَا فِي بُنْدُقِهَا مَرَّةً أُخْرَى فَيَكُونُ ثَلَاثٌ أَرْجَحَ مِنْ رُقْعَتَيْنِ لَا أَنَّهُ مَمْنُوعٌ اهـ.
وَقَدْ مَرَّتْ الْإِشَارَةُ إلَى ذَلِكَ فِي بَابِ الْقِسْمَةِ (وَإِنْ) اخْتَلَفَتْ قِيمَتُهُمْ كَأَنْ (كَانُوا ثَلَاثَةً قِيمَةَ وَاحِدٍ) مِنْهُمْ (مِائَةٌ، وَآخَرُ مِائَتَانِ، وَآخَرُ ثَلَاثُمِائَةٍ) (أُقْرِعَ) بَيْنَهُمْ (بِسَهْمَيْ رِقٍّ وَسَهْمِ عِتْقٍ) بِأَنْ يُكْتَبَ فِي رُقْعَتَيْنِ رِقٌّ، وَفِي أُخْرَى عِتْقٌ وَتُدْرَجُ فِي بَنَادِقَ إلَى آخِرِ مَا مَرَّ (فَإِنْ خَرَجَ الْعِتْقُ لِذِي الْمِائَتَيْنِ عَتَقَ وَرَقَّا) أَيْ الْبَاقِيَانِ؛ لِأَنَّهُ بِهِ يَتِمُّ الثُّلُثُ (أَوْ لِلثَّالِثِ عَتَقَ ثُلُثَاهُ) وَرَقَّ بَاقِيهِ وَالْآخَرَانِ (أَوْ لِلْأَوَّلِ عَتَقَ، ثُمَّ يُقْرَعُ بَيْنَ الْآخَرَيْنِ بِسَهْمِ رِقٍّ وَسَهْمِ عِتْقٍ) فِي رُقْعَتَيْنِ (فَمَنْ خَرَجَ) الْعِتْقُ عَلَى اسْمِهِ مِنْهُمَا (تُمِّمَ مِنْهُ الثُّلُثُ) وَإِنْ كَانَ ذَا الْمِائَتَيْنِ عَتَقَ نِصْفُهُ أَوْ ذَا الثَّلَاثِمِائَةِ عَتَقَ ثُلُثُهُ وَرَقَّ الْبَاقِي الْآخَرُ.
تَنْبِيهٌ تَعْبِيرُهُ يُوهِمُ تَعْيِينَ هَذَا الطَّرِيقِ عِنْدَ اخْتِلَافِ الْقِيمَةِ، وَلَيْسَ مُرَادًا بَلْ يَجُوزُ الطَّرِيقُ الْآخَرُ وَإِنْ كَتَبَ فِي الرِّقَاعِ أَسْمَاءَهُمْ، فَإِنْ خَرَجَ عَلَى الْحُرِّيَّةِ اسْمُ ذِي الْمِائَةِ عَتَقَ وَتُمِّمَ الثُّلُثُ مِمَّنْ خَرَجَ اسْمُهُ بَعْدَهُ إلَى آخِرِ مَا مَرَّ (وَإِنْ كَانُوا) أَيْ الْأَرِقَّاءُ (فَوْقَ ثَلَاثَةٍ وَأَمْكَنَ تَوْزِيعُهُمْ بِالْعَدَدِ وَالْقِيمَةِ) مَعًا فِي الْأَجْزَاءِ الثَّلَاثِ (كَسِتَّةٍ) أَوْ تِسْعَةٍ (قِيمَتُهُمْ سَوَاءٌ جُعِلُوا) فِي الْمِثَالِ الْأَوَّلِ (اثْنَيْنِ اثْنَيْنِ) وَفِي الْمِثَالِ الثَّانِي ثَلَاثَةً ثَلَاثَةً وَفُعِلَ كَمَا سَبَقَ فِي الثَّلَاثَةِ الْمُتَسَاوِيَةِ الْقِيمَةِ، وَكَذَا الْحُكْمُ فِي سِتَّةٍ ثَلَاثَةٍ مِنْهُمْ قِيمَةُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ مِائَةٌ وَثَلَاثَةٍ قِيمَةُ كُلِّ وَاحِدٍ خَمْسُونَ فَيُضَمُّ إلَى كُلِّ نَفِيسٍ خَسِيسٌ فَتَسْتَوِي الْأَجْزَاءُ عَدَدًا وَقِيمَةً (أَوْ) أَمْكَنَ تَوْزِيعُهُمْ (بِالْقِيمَةِ دُونَ الْعَدَدِ كَسِتَّةٍ قِيمَةُ أَحَدِهِمْ مِائَةٌ، وَقِيمَةُ اثْنَيْنِ) مِنْهُمْ (مِائَةٌ، وَ) قِيمَةُ (ثَلَاثَةٍ) مِنْهُمْ (مِائَةٌ جُعِلَ الْأَوَّلُ جُزْءًا وَالِاثْنَانِ جُزْءًا وَالثَّلَاثَةُ جُزْءًا) وَأُقْرِعَ بَيْنَهُمْ كَمَا مَرَّ.
تَنْبِيهٌ تَابَعَ الْمُصَنِّفُ الْمُحَرَّرَ فِي هَذَا الْمِثَالِ، وَهُوَ غَيْرُ مُطَابِقٍ فَإِنَّ السِّتَّةَ لَهَا ثُلُثٌ صَحِيحٌ، وَإِنَّمَا مِثَالُهُ كَمَا ذَكَرَاهُ فِي الرَّوْضَةِ وَأَصْلِهَا خَمْسَةٌ قِيمَةُ أَحَدِهِمْ مِائَةٌ، وَقِيمَةُ اثْنَيْنِ مِائَةٌ،
وَإِنْ تَعَذَّرَ بِالْقِيمَةِ كَأَرْبَعَةٍ قِيمَتُهُمْ سَوَاءٌ، فَفِي قَوْلٍ يُجَزَّءُونَ ثَلَاثَةَ أَجْزَاءٍ: وَاحِدٌ وَوَاحِدٌ، وَاثْنَانِ، فَإِنْ خَرَجَ الْعِتْقُ لِوَاحِدٍ عَتَقَ ثُمَّ أُقْرِعَ لِتَتْمِيمِ الثُّلُثِ، أَوْ لِلِاثْنَيْنِ رَقَّ الْآخَرَانِ ثُمَّ أُقْرِعَ بَيْنَهُمَا فَيَعْتِقُ مَنْ خَرَجَ لَهُ الْعِتْقُ وَثُلُثُ الْآخَرِ، وَفِي قَوْلٍ يُكْتَبُ اسْمُ كُلِّ عَبْدٍ فِي رُقْعَةٍ فَيَعْتِقُ مَنْ خَرَجَ أَوَّلًا وَثُلُثُ الثَّانِي قُلْتُ: أَظْهَرُهُمَا الْأَوَّلُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ، وَالْقَوْلَانِ فِي اسْتِحْبَابٍ، وَقِيلَ إيجَابٍ،
[مغني المحتاج]
وَقِيمَةُ اثْنَيْنِ مِائَةٌ.
قَالَ ابْنُ شُهْبَةَ: وَحِينَئِذٍ فَالْعِبَارَةُ مَعْكُوسَةٌ، وَإِنَّمَا هُوَ وَإِنْ أَمْكَنَ تَوْزِيعُهُمْ بِالْعَدَدِ دُونَ الْقِيمَةِ كَسِتَّةٍ قِيمَةُ أَحَدِهِمْ مِائَةٌ وَقِيمَةُ اثْنَيْنِ مِائَةٌ وَقِيمَةُ ثَلَاثَةٍ مِائَةٌ، وَبِهِ صَرَّحَا فِي الشَّرْحَيْنِ وَالرَّوْضَةِ اهـ.
وَاعْتَذَرَ الشُّرَّاحُ عَنْ الْمُصَنِّفِ بِقَوْلِهِ: وَفِي عِتْقِ الِاثْنَيْنِ إنْ خَرَجَ وَافَقَ ثُلُثُ الْعَدَدِ ثُلُثَ الْقِيمَةِ، فَقَوْلُهُ: دُونَ الْعَدَدِ صَادِقٌ بِبَعْضِ الْأَجْزَاءِ فِي مُقَابَلَتِهِ لِلْمُثْبِتِ قَبْلَهُ فِي جَمِيعِ الْأَجْزَاءِ.
قَالَ: وَلَا يَتَأَتَّى التَّوْزِيعُ بِالْعَدَدِ دُونَ الْقِيمَةِ (وَإِنْ تَعَذَّرَ) تَوْزِيعُهُمْ (بِالْقِيمَةِ) مَعَ الْعَدَدِ بِأَنْ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ وَلَا لَقِيمَتِهِمْ ثُلُثٌ صَحِيحٌ (كَأَرْبَعَةٍ قِيمَتُهُمْ سَوَاءٌ، فَفِي قَوْلٍ يُجَزَّءُونَ ثَلَاثَةَ أَجْزَاءٍ: وَاحِدٌ) جُزْءٌ (وَوَاحِدٌ) جُزْءٌ (وَاثْنَانِ) جُزْءٌ؛؛ لِأَنَّهُ أَقْرَبُ إلَى فِعْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (فَإِنْ خَرَجَ الْعِتْقُ لِوَاحِدٍ عَتَقَ) كُلُّهُ (ثُمَّ أُقْرِعَ لِتَتْمِيمِ الثُّلُثِ) بَيْنَ الثَّلَاثَةِ أَثْلَاثًا، فَمَنْ خَرَجَ لَهُ سَهْمُ الْحُرِّيَّةِ عَتَقَ ثُلُثُهُ.
قَالَ الدَّمِيرِيُّ: كَذَا قَالَ الرَّافِعِيُّ، وَيُحْتَاجُ إلَى تَأَمُّلٍ، فَإِنَّهُ إنْ خَرَجَ لِلْوَاحِدِ فَعَتَقَ ثُلُثُهُ فَوَاضِحٌ، وَإِنْ خَرَجَ لِاثْنَيْنِ فَكَيْفَ يُفْعَلُ؟ هَلْ يَعْتِقُ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا سُدُسُهُ أَوْ يُقْرَعُ بَيْنَهُمَا ثَانِيًا، فَمَنْ خَرَجَتْ لَهُ عَتَقَ ثُلُثُهُ وَقَلَّ مَنْ تَعَرَّضَ لِذَلِكَ اهـ.
وَهَذَا لَا يَحْتَاجُ لِلتَّعَرُّضِ لَهُ، فَإِنَّ كَلَامَ الشَّيْخَيْنِ ظَاهِرٌ أَوْ صَرِيحٌ فِي أَنَّ الْقُرْعَةَ تُعَادُ بَيْنَ الثَّلَاثَةِ الْبَاقِينَ، وَأَنَّهُمْ يُجَزَّءُونَ أَثْلَاثًا كَمَا مَرَّ، فَمَنْ خَرَجَ لَهُ سَهْمُ الْحُرِّيَّةِ عَتَقَ ثُلُثُهُ، وَقَدْ صَرَّحَ بِهِ الْبَغَوِيّ فِي التَّهْذِيبِ كَمَا نَقَلَهُ عَنْهُ الْبُلْقِينِيُّ، وَحِينَئِذٍ فَلَا وَجْهَ لِمَا قَالَهُ (أَوْ) خَرَجَ الْعِتْقُ (لِلِاثْنَيْنِ) الْمَجْمُوعَيْنِ جُزْءًا (رَقَّ الْآخَرَانِ ثُمَّ أُقْرِعَ بَيْنَهُمَا) أَيْ اللَّذَيْنِ خَرَجَ لَهُمَا رُقْعَةُ الْعِتْقِ (فَيَعْتِقُ مَنْ خَرَجَ لَهُ الْعِتْقُ وَثُلُثُ الْآخَرِ) ؛ لِأَنَّهُ بِذَلِكَ يَتِمُّ الثُّلُثُ (وَفِي قَوْلٍ يُكْتَبُ اسْمُ كُلِّ عَبْدٍ فِي رُقْعَةٍ فَيَعْتِقُ مَنْ خَرَجَ أَوَّلًا وَثُلُثُ الثَّانِي) وَهُوَ الْقَارِعُ.
ثَانِيًا لِأَنَّ ذَلِكَ أَقْرَبُ إلَى فَصْلِ الْأَمْرِ.
قَالَ الْبُلْقِينِيُّ: وَقَعَ فِي بَعْضِ النُّسَخِ، وَثُلُثُ الْبَاقِي بِالْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ وَالْقَافِ، وَفِي بَعْضِهَا الثَّانِي وَهُوَ الصَّوَابُ.
تَنْبِيهٌ كَلَامُ الْمُصَنِّفِ يُوهِمُ أَنَّهُ يَعْتِقُ ثُلُثُ الْبَاقِي مِنْ غَيْرِ إعَادَةِ الْقُرْعَةِ، وَلَيْسَ مُرَادًا، بَلْ الْمُرَادُ أَنْ يَكْتُبَ أَسْمَاءَهُمْ فِي أَرْبَعِ رِقَاعٍ وَيُخْرِجَ وَاحِدَةً بَعْدَ وَاحِدَةٍ إلَى أَنْ يَتِمَّ الثُّلُثُ، فَمَنْ خَرَجَتْ لَهُ أَوَّلًا رُقْعَةٌ بِالْحُرِّيَّةِ عَتَقَ وَتُعَادُ الْقُرْعَةُ بَيْنَ الْبَاقِينَ، فَمَنْ خَرَجَتْ لَهُ ثَانِيًا عَتَقَ ثُلُثُهُ (قُلْتُ) كَمَا قَالَ الرَّافِعِيُّ فِي الشَّرْحِ (أَظْهَرُهُمَا الْأَوَّلُ) وَهُوَ أَنَّهُمْ يُجَزَّءُونَ ثَلَاثَةَ أَجْزَاءٍ بِحَيْثُ يَقْرَبُ مِنْ الثُّلُثِ (وَاَللَّهُ أَعْلَمُ) ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جَزَّأَهُمْ ثَلَاثَةَ أَجْزَاءٍ (وَالْقَوْلَانِ فِي اسْتِحْبَابٍ) ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ يَحْصُلُ بِكُلِّ طَرِيقٍ مِنْ ذَلِكَ (وَقِيلَ) فِي (إيجَابٍ) ؛ لِأَنَّهُ أَقْرَبُ إلَى فِعْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهَذَا كَمَا
وَإِذَا أَعْتَقْنَا بَعْضَهُمْ بِقُرْعَةٍ فَظَهَرَ مَالٌ وَخَرَجَ كُلُّهُمْ مِنْ الثُّلُثِ عَتَقُوا، وَلَهُمْ كَسْبُهُمْ مِنْ يَوْمِ الْإِعْتَاقِ، وَلَا يَرْجِعُ الْوَارِثُ بِمَا أَنْفَقَ عَلَيْهِمْ، وَإِنْ خَرَجَ بِمَا ظَهَرَ عَبْدٌ آخَرُ أُقْرِعَ، وَمَنْ عَتَقَ بِقُرْعَةٍ حُكِمَ بِعِتْقِهِ مِنْ يَوْمِ الْإِعْتَاقِ، وَتُعْتَبَرُ قِيمَتُهُ حِينَئِذٍ، وَلَهُ كَسْبُهُ مِنْ يَوْمِئِذٍ غَيْرَ مَحْسُوبٍ مِنْ الثُّلُثِ، وَمَنْ بَقِيَ رَقِيقًا قُوِّمَ يَوْمَ الْمَوْتِ وَحُسِبَ مِنْ الثُّلُثَيْنِ هُوَ وَكَسْبُهُ الْبَاقِي قَبْلَ الْمَوْتِ، لَا الْحَادِثُ بَعْدَهُ،
[مغني المحتاج]
فِي الرَّوْضَةِ وَأَصْلِهَا مُقْتَضَى كَلَامِ الْأَكْثَرِينَ، وَالْأَوَّلُ هُوَ مَا رَجَّحَهُ فِي الْمُحَرَّرِ وِفَاقًا لِلْقَاضِي وَلِلْإِمَامِ، وَهُوَ الظَّاهِرُ، هَذَا كُلُّهُ إذَا لَمْ يَظْهَرْ لِلْمَيِّتِ مَالٌ (وَ) حِينَئِذٍ (إذَا أَعْتَقْنَا بَعْضَهُمْ بِقُرْعَةٍ فَظَهَرَ) بَعْدَهَا (مَالٌ) آخَرُ لِلْمَيِّتِ جَهِلْنَاهُ وَقْتَ الْقُرْعَةِ (وَخَرَجَ) الْأَرِقَّاءُ (كُلُّهُمْ مِنْ الثُّلُثِ عَتَقُوا) أَيْ تَبَيَّنَ عِتْقُهُمْ مِنْ حِينِ الْإِعْتَاقِ، وَلِهَذَا قَالَ (وَلَهُمْ كَسْبُهُمْ مِنْ يَوْمِ الْإِعْتَاقِ) وَكَذَا مَا هُوَ فِي مَعْنَى الْكَسْبِ كَوَلَدٍ وَأَرْشِ جِنَايَةٍ وَغَيْرِهِمَا، وَتَجْرِي عَلَيْهِمْ أَحْكَامُ الْأَحْرَارِ مِنْ حِينِ الْإِعْتَاقِ حَتَّى لَوْ زَنَى أَحَدُهُمْ وَجُلِدَ خَمْسِينَ كُمِّلَ حَدُّهُ إنْ كَانَ بِكْرًا، وَرُجِمَ إنْ كَانَ ثَيِّبًا، أَوْ لَوْ كَانَتْ أَمَةً زَوَّجَهَا الْوَارِثُ بِالْمِلْكِ بَطَلَ نِكَاحُهَا، وَلَوْ وَطِئَهَا الْوَارِثُ بِالْمِلْكِ لَزِمَهُ مَهْرُهَا، وَلَوْ كَانَ الْوَارِثُ بَاعَ أَحَدَهُمْ أَوْ أَجَّرَهُ أَوْ وَهَبَهُ بَطَلَ تَصَرُّفُهُ وَرَجَعَ الْمُؤَجَّرُ عَلَى الْمُسْتَأْجِرِ بِأُجْرَةِ مِثْلِهِ (وَلَا يَرْجِعُ الْوَارِثُ بِمَا أَنْفَقَ عَلَيْهِمْ) ؛ لِأَنَّهُ أَنْفَقَ عَلَى أَنْ لَا يَرْجِعَ فَهُوَ كَمَنْ نَكَحَ امْرَأَةً نِكَاحًا فَاسِدًا عَلَى ظَنِّ الصِّحَّةِ وَأَنْفَقَ عَلَيْهَا، ثُمَّ فَرَّقَ الْقَاضِي بَيْنَهُمَا لَا يَرْجِعُ بِمَا أَنْفَقَ (وَإِنْ) (خَرَجَ) مِنْ الثُّلُثِ (بِمَا ظَهَرَ عَبْدٌ آخَرُ) فِيمَا إذَا أُعْتِقَ مِنْ ثَلَاثَةٍ وَاحِدٌ (أُقْرِعَ) بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَنْ بَقِيَ مِنْ الْعَبِيدِ، فَمَنْ خَرَجَتْ لَهُ الْقُرْعَةُ فَهُوَ مَعَ الْأَوَّلِ.
تَنْبِيهٌ لَوْ خَرَجَ بَعْضُ عَبْدٍ كَانَ الْحُكْمُ كَذَلِكَ.
ثُمَّ أَشَارَ إلَى قَاعِدَةٍ (وَ) هِيَ كُلُّ (مَنْ عَتَقَ) مِنْ الْأَرِقَّاءِ (بِقُرْعَةٍ) (حُكِمَ بِعِتْقِهِ مِنْ يَوْمِ الْإِعْتَاقِ) لَا مِنْ يَوْمِ الْقُرْعَةِ؛ لِأَنَّهَا مُبَيِّنَةٌ لِلْعِتْقِ لَا مُثْبِتَةٌ لَهُ (وَتُعْتَبَرُ قِيمَتُهُ حِينَئِذٍ) أَيْ حِينَ الْإِعْتَاقِ؛ لِأَنَّهُ تَبَيَّنَ بِالْقُرْعَةِ أَنَّهُ كَانَ حُرًّا قَبْلَهَا، بِخِلَافِ مَنْ أَوْصَى بِعِتْقِهِ فَإِنَّهُ يُقَوَّمُ حِينَ الْمَوْتِ؛ لِأَنَّهُ وَقْتَ الِاسْتِحْقَاقِ (وَلَهُ كَسْبُهُ مِنْ يَوْمِئِذٍ غَيْرَ مَحْسُوبٍ مِنْ الثُّلُثِ) سَوَاءٌ كَسَبَهُ فِي حَيَاةِ الْمُعْتِقِ أَمْ بَعْدَ مَوْتِهِ؛ لِأَنَّهُ حَدَثَ عَلَى مِلْكِهِ بَعْدَ الْحُكْمِ بِحُرِّيَّتِهِ (وَ) كُلُّ (مَنْ بَقِيَ) أَيْ اسْتَمَرَّ (رَقِيقًا) مِنْ الْأَرِقَّاءِ (قُوِّمَ يَوْمَ الْمَوْتِ) ؛ لِأَنَّهُ وَقْتُ اسْتِحْقَاقِ الْوَارِثِ.
تَنْبِيهٌ مَحِلُّ ذَلِكَ مَا إذَا كَانَتْ قِيمَةُ يَوْمِ الْمَوْتِ أَقَلَّ أَوْ لَمْ يَخْتَلِفْ، وَإِلَّا فَالْعِبْرَةُ كَمَا فِي الرَّوْضَةِ وَأَصْلِهَا بِأَقَلِّ الْقِيَمِ مِنْ وَقْتِ الْمَوْتِ إلَى وَقْتِ قَبْضِ الْوَارِثِ التَّرِكَةَ؛ لِأَنَّهُ إنْ كَانَتْ قِيمَتُهُ وَقْتَ الْمَوْتِ أَقَلَّ فَالزِّيَادَةُ حَدَثَتْ فِي مِلْكِهِمْ أَوْ وَقْتَ الْقَبْضِ أَقَلَّ فَمَا نَقَصَ قَبْلَ ذَلِكَ لَمْ يَدْخُلْ فِي يَدِهِمْ، فَلَا يُحْسَبُ عَلَيْهِمْ كَاَلَّذِي يُغْصَبُ أَوْ يَضِيعُ مِنْ التَّرِكَةِ قَبْلَ أَنْ يَقْبِضُوهُ (وَحُسِبَ) عَلَى الْوَارِثِ (مِنْ الثُّلُثَيْنِ هُوَ وَكَسْبُهُ الْبَاقِي قَبْلَ الْمَوْتِ) لِلْمُعْتِقِ؛ لِأَنَّهُ وَقْتُ اسْتِحْقَاقِ الْوَارِثِ (لَا الْحَادِثُ بَعْدَهُ) أَيْ مَوْتِ الْمُعْتِقِ؛ لِأَنَّهُ حَدَثَ عَلَى مِلْكِ الْوَارِثِ حَتَّى لَوْ كَانَ عَلَى سَيِّدِهِ دَيْنٌ بِيعَ
فَلَوْ أَعْتَقَ ثَلَاثَةً لَا يَمْلِكُ غَيْرَهُمْ قِيمَةَ كُلٍّ مِائَةٌ، وَكَسَبَ أَحَدُهُمْ مِائَةً أُقْرِعَ، فَإِنْ خَرَجَ الْعِتْقُ لِلْكَاسِبِ عَتَقَ وَلَهُ الْمِائَةُ، وَإِنْ خَرَجَ لِغَيْرِهِ عَتَقَ ثُمَّ أُقْرِعَ، فَإِنْ خَرَجَتْ لِغَيْرِهِ عَتَقَ ثُلُثُهُ، وَإِنْ خَرَجَتْ لَهُ عَتَقَ رُبُعُهُ، وَتَبِعَهُ رُبُعُ كَسْبِهِ.
[مغني المحتاج]
فِي الدَّيْنِ وَالْكَسْبِ لِلْوَارِثِ لَا يُقْضَى الدَّيْنُ مِنْهُ خِلَافًا لِلْإِصْطَخْرِيِّ.
ثُمَّ فَرَّعَ عَلَى مَا سَبَقَ قَوْلَهُ: (فَلَوْ) (أَعْتَقَ) فِي مَرَضِ مَوْتِهِ (ثَلَاثَةً) مَعًا (لَا يَمْلِكُ غَيْرَهُمْ قِيمَةَ كُلٍّ) مِنْهُمْ (مِائَةٌ وَكَسَبَ أَحَدُهُمْ) قَبْلَ مَوْتِ الْمُعْتِقِ (مِائَةً) (أُقْرِعَ) بَيْنَهُمْ (فَإِنْ خَرَجَ الْعِتْقُ لِلْكَاسِبِ عَتَقَ وَلَهُ الْمِائَةُ) الَّتِي اكْتَسَبَهَا لِمَا مَرَّ أَنَّ مَنْ عَتَقَ فَلَهُ كَسْبٌ مِنْ يَوْمِ الْإِعْتَاقِ غَيْرَ مَحْسُوبٍ مِنْ الثُّلُثِ وَرَقَّ الْآخَرَانِ (وَإِنْ خَرَجَ) الْعِتْقُ (لِغَيْرِهِ) أَيْ الْكَاسِبِ (عَتَقَ ثُمَّ أُقْرِعَ) ثَانِيًا بَيْنَ الْكَاسِبِ، وَالْآخَرِ لِتَتْمِيمِ الثُّلُثِ (فَإِنْ خَرَجَتْ) أَيْ الْقُرْعَةُ (لِغَيْرِهِ عَتَقَ ثُلُثُهُ) وَبَقِيَ ثُلُثَاهُ مَعَ الْكَاسِبِ وَكَسْبُهُ لِلْوَرَثَةِ، وَهُوَ مَثَلًا قِيمَةُ الْأَوَّلِ وَمَا عَتَقَ مِنْ الثَّانِي (وَإِنْ خَرَجَتْ) أَيْ الْقُرْعَةُ (لَهُ) أَيْ الْكَاسِبِ (عَتَقَ رُبُعُهُ وَتَبِعَهُ رُبُعُ كَسْبِهِ) ؛ لِأَنَّهُ يَجِبُ أَنْ يَبْقَى لِلْوَرَثَةِ ضِعْفُ مَا عَتَقَ، وَلَا يَبْقَى ذَلِكَ إلَّا بِمَا ذُكِرَ فَإِنَّهُ يَعْتِقُ رُبُعُهُ وَقِيمَتُهُ خَمْسَةٌ وَعِشْرُونَ، وَتَبِعَهُ مَنْ كَسْبُهُ قَدْرُهَا وَهُوَ غَيْرُ مَحْسُوبٍ عَلَيْهِ، فَيَبْقَى مِنْ كَسْبِهِ خَمْسَةٌ وَسَبْعُونَ، وَبَقِيَ مِنْهُ مَا قِيمَتُهُ خَمْسَةٌ وَسَبْعُونَ، وَبَقِيَ عَبْدٌ قِيمَتُهُ مِائَةٌ، فَجُمْلَةُ التَّرِكَةِ الْمَحْسُوبَةِ ثَلَاثُمِائَةٍ وَخَمْسَةٌ وَسَبْعُونَ، مِنْهَا قِيمَةُ الْعَبِيدِ ثَلَاثُمِائَةٍ.
وَمِنْهَا كَسْبُ أَحَدِهِمْ خَمْسَةٌ وَسَبْعُونَ، فَجُمْلَةُ مَا عَتَقَ قِيمَتُهُ مِائَةٌ وَخَمْسَةٌ وَعِشْرُونَ، وَجُمْلَةُ مَا بَقِيَ لِلْوَرَثَةِ مِائَتَانِ وَخَمْسُونَ، وَأَمَّا رُبُعُ كَسْبِهِ فَغَيْرُ مَحْسُوبٍ؛ لِأَنَّهُ تَابِعٌ لِمَا عَتَقَ مِنْهُ؛ لِأَنَّ الْكَسْبَ يَتَقَسَّطُ عَلَى مَا فِي الْعَبْدِ مِنْ الْحُرِّيَّةِ وَالرِّقِّ، فَمَا قَابَلَ مِائَةً مِنْ الْحُرِّيَّةِ كَانَ لِلْعَبْدِ بِغَيْرِ وَصِيَّةٍ، وَمَا قَابَلَ مِائَةً مِنْ الرِّقِّ فَهُوَ لِلسَّيِّدِ فَتَزْدَادُ تَرِكَتُهُ بِذَلِكَ، وَبِازْدِيَادِهَا يَزْدَادُ اسْتِحْقَاقُ الْعَبْدِ فِي الْكَسْبِ فَتَنْقُصُ حِصَّةُ التَّرِكَةِ، فَدَارَتْ الْمَسْأَلَةُ؛ لِأَنَّ مَعْرِفَةَ مَا يَعْتِقُ مِنْهُ مُتَوَقِّفَةٌ عَلَى مَعْرِفَةِ مَا يَعْتِقُ مِنْهُ، وَطَرِيقُ اسْتِخْرَاجِهِ بِالْجَبْرِ وَالْمُقَابَلَةِ، وَقَدْ ذَكَرَهَا الْمُحَرَّرُ، فَقَالَ: وَيُسْتَخْرَجُ ذَلِكَ بِطَرِيقِ الْجَبْرِ بِأَنْ يُقَالَ عَتَقَ مِنْ الْعَبْدِ الثَّانِي شَيْءٌ، وَتَبِعَهُ مَنْ كَسْبُهُ مِثْلُهُ غَيْرَ مَحْسُوبٍ مِنْ الثُّلُثِ، فَيَبْقَى لِلْوَارِثِ ثَلَاثُمِائَةٍ سِوَى شَيْئَيْنِ يَعْدِلُ مِثْلَيْ مَا أَعْتَقَا وَهُوَ مِائَةٌ وَشَيْءٌ، فَمِثْلَاهُ مِائَتَانِ وَشَيْئَانِ، وَذَلِكَ مُقَابِلُ ثَلَاثِمِائَةٍ سِوَى شَيْئَيْنِ فَتُجْبَرُ وَتُقَابَلُ، فَمِائَتَانِ وَأَرْبَعَةُ أَشْيَاءَ مُقَابِلُ ثَلَاثِمِائَةٍ يُسْقِطُ الْمِائَتَيْنِ بِالْمِائَتَيْنِ فَتَبْقَى أَرْبَعَةُ أَشْيَاءَ فِي مُقَابَلَةِ مِائَةٍ، فَالشَّيْءُ خَمْسَةٌ وَعِشْرُونَ، فَعَلِمْنَا أَنَّ الَّذِي عَتَقَ مِنْ الْعَبْدِ رُبُعُهُ، وَتَبِعَهُ مِنْ الْكَسْبِ رُبُعُهُ غَيْرَ مَحْسُوبٍ مِنْ الثُّلُثِ اهـ كَلَامُهُ وَهُوَ ظَاهِرٌ.
تَتِمَّةٌ لَوْ قَالَ لِأَمَتِهِ: أَوَّلُ وَلَدٍ تَلِدِينَهُ حُرٌّ فَوَلَدَتْ مَيِّتًا، ثُمَّ حَيًّا لَمْ يُعْتَقْ الْحَيُّ؛ لِأَنَّ الصِّفَةَ انْحَلَّتْ بِوِلَادَةِ الْمَيِّتِ، وَلَوْ قَالَ لِعَبْدِهِ الْمَجْهُولِ نَسَبُهُ لَا عَلَى وَجْهِ الْمُلَاطَفَةِ: أَنْتَ ابْنِي وَأَمْكَنَ أَنْ يَكُونَ ابْنَهُ بِأَنْ كَانَ أَصْغَرَ مِنْهُ بِمَا يَتَأَتَّى مَعَهُ أَنْ يَكُونَ ابْنَهُ عَتَقَ عَلَيْهِ وَثَبَتَ نَسَبُهُ إنْ كَانَ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا وَصَدَّقَهُ وَيَعْتِقُ فَقَطْ إنْ كَذَّبَهُ، وَإِنْ كَانَ لَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ مِنْهُ لَغَا قَوْلُهُ، فَإِنْ أَمْكَنَ أَنْ يَكُونَ مِنْهُ وَكَانَ مَعْرُوفَ النَّسَبِ مِنْ غَيْرِهِ عَتَقَ عَلَيْهِ وَلَهُ يَثْبُتُ نَسَبُهُ.
فصل في الولاء مَنْ عَتَقَ عَلَيْهِ رَقِيقٌ بِإِعْتَاقٍ أَوْ كِتَابَةٍ وَتَدْبِيرٍ وَاسْتِيلَادٍ وَقَرَابَةٍ وَسِرَايَةٍ فَوَلَاؤُهُ لَهُ.
[مغني المحتاج]
[فَصْلٌ فِي الْوَلَاءِ]
(فَصْلٌ فِي الْوَلَاءِ) (فَصْلٌ فِي الْوَلَاءِ) وَهُوَ بِفَتْحِ الْوَاوِ وَالْمَدِّ لُغَةً الْقَرَابَةُ، مَأْخُوذٌ مِنْ الْمُوَالَاةِ وَهُوَ الْمُعَاوَنَةُ وَالْمُقَارَبَةُ، وَشَرْعًا عُصُوبَةٌ سَبَبُهَا زَوَالُ الْمِلْكِ عَنْ الرَّقِيقِ بِالْحُرِّيَّةِ، وَهِيَ مُتَرَاخِيَةٌ عَنْ عُصُوبَةِ النَّسَبِ، فَيَرِثُ بِهَا الْمُعْتَقُ، وَيَلِي أَمْرَ النِّكَاحِ وَالصَّلَاةَ عَلَيْهِ وَيَعْقِلُ.
وَالْأَصْلُ فِيهِ قَبْلَ الْإِجْمَاعِ قَوْله تَعَالَى: ﴿ادْعُوهُمْ لآبَائِهِمْ﴾ [الأحزاب: 5] إلَى قَوْلِهِ: ﴿وَمَوَالِيكُمْ﴾ [الأحزاب: 5] وَقَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إنَّمَا الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَقَوْلُهُ: «الْوَلَاءُ لُحْمَةٌ كَلُحْمَةِ النَّسَبِ لَا يُبَاعُ وَلَا يُوهَبُ» ، رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَابْنُ خُزَيْمَةَ وَابْنُ حِبَّانَ، وَاللُّحْمَةُ بِضَمِّ اللَّامِ الْقَرَابَةُ، وَيَجُوزُ فَتْحُهَا، وَلَا يُورَثُ بَلْ يُورَثُ بِهِ لِأَنَّهُ لَوْ وُرِثَ لَاشْتَرَكَ فِيهِ الرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ كَسَائِرِ الْحُقُوقِ، وَلَاخْتَصَّ الِابْنُ الْمُسْلِمُ بِالْإِرْثِ بِهِ فِيمَا لَوْ مَاتَ الْمُعْتِقُ الْمُسْلِمُ عَنْ ابْنَيْنِ مُسْلِمٍ وَنَصْرَانِيٍّ، فَأَسْلَمَ النَّصْرَانِيُّ، ثُمَّ مَاتَ الْعَتِيقُ عَنْهُمَا (مَنْ عَتَقَ عَلَيْهِ رَقِيقٌ) أَوْ مُبَعَّضٌ (بِإِعْتَاقٍ) مُنْجَزٍ إمَّا اسْتِقْلَالًا أَوْ بِعِوَضٍ كَبَيْعِ الْعَبْدِ مِنْ نَفْسِهِ أَوْ ضِمْنًا كَقَوْلِهِ: اعْتِقْ عَبْدَكَ عَنِّي.
فَأَجَابَهُ، أَوْ مُعَلَّقًا عَلَى صِفَةٍ وُجِدَتْ (أَوْ كِتَابَةٍ) بِأَدَاءِ نُجُومٍ (وَتَدْبِيرٍ وَاسْتِيلَادٍ وَقَرَابَةٍ) كَأَنْ وَرِثَ قَرِيبَهُ الَّذِي يَعْتِقُ عَلَيْهِ أَوْ مَلَكَهُ بِبَيْعٍ أَوْ هِبَةٍ أَوْ وَصِيَّةٍ (وَسِرَايَةٍ) كَمَا مَرَّ فِي عِتْقِ أَحَدِ الشَّرِيكَيْنِ الْمُوسِرِ نَصِيبَهُ، أَوْ بِإِعْتَاقِ غَيْرِهِ رَقِيقَهُ عَنْهُ بِإِذْنِهِ (فَوَلَاؤُهُ لَهُ) إمَّا بِالْإِعْتَاقِ فَلِلْخَبَرِ السَّابِقِ، وَإِمَّا بِغَيْرِهِ فَبِالْقِيَاسِ عَلَيْهِ.
أَمَّا إذَا أَعْتَقَ غَيْرُهُ عَبْدَهُ عَنْهُ بِغَيْرِ إذْنِهِ فَإِنَّهُ يَصِحُّ أَيْضًا، لَكِنْ لَا يَثْبُتُ لَهُ الْوَلَاءُ، وَإِنَّمَا يَثْبُتُ لِلْمَالِكِ خِلَافًا لِمَا وَقَعَ فِي أَصْلِ الرَّوْضَةِ مِنْ أَنَّهُ يَثْبُتُ
ثُمَّ لِعَصَبَتِهِ، وَلَا تَرِثُ امْرَأَةٌ بِوَلَاءٍ إلَّا مِنْ عَتِيقِهَا وَأَوْلَادِهِ وَعُتَقَائِهِ، فَإِنْ عَتَقَ عَلَيْهَا أَبُوهَا ثُمَّ أَعْتَقَ عَبْدًا فَمَاتَ بَعْدَ مَوْتِ الْأَبِ بِلَا وَارِثٍ فَمَالُهُ لِلْبِنْتِ،
[مغني المحتاج]
لَهُ لَا لِلْمَالِكِ.
وَلَوْ أَعْتَقَ عَبْدَهُ عَلَى أَنْ لَا وَلَاءَ عَلَيْهِ أَوْ عَلَى أَنْ يَكُونَ سَائِبَةً أَوْ عَلَى أَنَّهُ لِغَيْرِهِ لَمْ يَبْطُلْ وَلَاؤُهُ وَلَمْ يَنْتَقِلْ كَنَسَبِهِ لِخَبَرِ الصَّحِيحَيْنِ «كُلُّ شَرْطٍ لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ فَهُوَ بَاطِلٌ، قَضَاءُ اللَّهِ أَحَقُّ وَشَرْطُهُ أَوْثَقُ، إنَّمَا الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ» وَاسْتَثْنَى مِنْ ذَلِكَ مَا لَوْ أَقَرَّ بِحُرِّيَّةِ عَبْدٍ، ثُمَّ اشْتَرَاهُ فَإِنَّهُ يَعْتِقُ عَلَيْهِ، وَلَا يَكُونُ وَلَاؤُهُ لَهُ بَلْ هُوَ مَوْقُوفٌ، لِأَنَّ الْمِلْكَ بِزَعْمِهِ لَمْ يَثْبُتْ لَهُ، وَإِنَّمَا عَتَقَ مُؤَاخَذَةً لَهُ بِقَوْلِهِ.
وَمَا لَوْ أَعْتَقَ الْكَافِرُ كَافِرًا فَلَحِقَ الْعَتِيقُ بِدَارِ الْحَرْبِ وَاسْتُرِقَّ، ثُمَّ أَعْتَقَهُ السَّيِّدُ الثَّانِي فَوَلَاؤُهُ لِلثَّانِي.
وَمَا لَوْ أَعْتَقَ الْإِمَامُ عَبْدًا مِنْ عَبِيدِ بَيْتِ الْمَالِ فَإِنَّهُ يَثْبُتُ الْوَلَاءُ عَلَيْهِ لِلْمُسْلِمِينَ لَا لِلْمُعْتِقِ.
تَنْبِيهٌ: يَثْبُتُ الْوَلَاءُ لِلْكَافِرِ عَلَى الْمُسْلِمِ كَعَكْسِهِ، وَإِنْ لَمْ يَتَوَارَثَا كَمَا ثَبَتَ عَلَقَةُ النِّكَاحِ وَالنَّسَبِ بَيْنَهُمَا، وَإِنْ لَمْ يَتَوَارَثَا.
وَلَا يَثْبُتُ الْوَلَاءُ بِسَبَبٍ آخَرَ غَيْرِ الْإِعْتَاقِ كَإِسْلَامِ شَخْصٍ عَلَى يَدِ غَيْرِهِ وَحَدِيثُ «مَنْ أَسْلَمَ عَلَى يَدِ رَجُلٍ فَهُوَ أَحَقُّ النَّاسِ بِمَحْيَاهُ وَمَمَاتِهِ» قَالَ الْبُخَارِيُّ: اخْتَلَفُوا فِي صِحَّتِهِ، وَكَالْتِقَاطٍ، وَحَدِيثُ «تَحُوزُ الْمَرْأَةُ ثَلَاثَةَ مَوَارِيثَ: عَتِيقَهَا وَلَقِيطَهَا وَوَلَدَهَا الَّذِي لَاعَنَتْ عَلَيْهِ» ضَعَّفَهُ الشَّافِعِيُّ وَغَيْرُهُ، وَكَالْحَلِفِ وَالْمُوَالَاةِ (ثُمَّ لِعَصَبَتِهِ) الْمُتَعَصِّبِينَ بِأَنْفُسِهِمْ كَمَا مَرَّ فِي الْفَرَائِضِ دُونَ سَائِرِ الْوَرَثَةِ، وَمَنْ يَعْصِبُهُمْ الْعَاصِبُ؛ لِأَنَّهُ لَا يُورَثُ كَمَا مَرَّ، فَلَوْ انْتَقَلَ إلَى غَيْرِهِمْ لَكَانَ مَوْرُوثًا.
تَنْبِيهٌ: ظَاهِرُ كَلَامِهِ أَنَّ الْوَلَاءَ لَا يَثْبُتُ لِلْعَاصِبِ مَعَ وُجُودِ الْمُعْتِقِ، وَلَيْسَ مُرَادًا بَلْ هُوَ ثَابِتٌ لَهُمْ فِي حَيَاتِهِ، وَهُوَ قَضِيَّةُ قَوْلِ الشَّيْخَيْنِ.
فِيمَا إذَا مَاتَ الْعَتِيقُ وَهُوَ مُسْلِمٌ، وَالْمُعْتِقُ حُرٌّ كَافِرٌ، وَلَهُ ابْنٌ مُسْلِمٌ فَمِيرَاثُهُ لِلِابْنِ الْمُسْلِمُ، وَلَوْ قُلْنَا: لَا يَثْبُتُ لَكَانَ لِبَيْتِ الْمَالِ، بَلْ الْمُتَأَخَّرُ لَهُمْ عَنْهُ إنَّمَا هُوَ فَوَائِدُهُ، وَكَانَ يَنْبَغِي لِلْمُصَنِّفِ أَنْ يُقَيِّدَ الْعَصَبَةَ بِمَا زِدْتُهُ فِي كَلَامِهِ وَكَأَنَّهُ اسْتَغْنَى عَنْ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: (وَلَا تَرِثُ امْرَأَةٌ بِوَلَاءٍ) فَلَوْ كَانَ لِلْمُعْتِقِ ابْنٌ وَبِنْتٌ وَرِثَ الذَّكَرُ دُونَهَا.
ثُمَّ اسْتَثْنَى مِنْ ذَلِكَ قَوْلَهُ: (إلَّا مِنْ عَتِيقِهَا) لِلْخَبَرِ السَّابِقِ (وَأَوْلَادِهِ) وَإِنْ نَزَلُوا (وَعُتَقَائِهِ) وَإِنْ بَعُدُوا.
تَنْبِيهٌ: كَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَقُولَ إلَّا مِنْ مُعْتِقِهَا أَوْ مُنْتَمٍ إلَيْهِ بِنَسَبٍ أَوْ وَلَاءٍ لِئَلَّا يُرَدَّ عَلَيْهِ وَلَدُ الْعَتِيقَةِ الَّذِي عَلِقَتْ بِهِ بَعْدَ الْعِتْقِ مِنْ حُرٍّ أَصْلِيٍّ، فَإِنَّ الْأَصَحَّ أَنَّهُ لَا وَلَاءَ لِأَحَدٍ عَلَيْهِ مَعَ دُخُولِهِ فِي عِبَارَتِهِ، وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ قَدْ تَقَدَّمَتْ لِلْمُصَنِّفِ فِي الْفَرَائِضِ، وَذَكَرهَا هُنَا تَوْطِئَةً لِقَوْلِهِ: (فَإِنْ) (عَتَقَ عَلَيْهَا أَبُوهَا) كَأَنْ اشْتَرَتْهُ (ثُمَّ أَعْتَقَ عَبْدًا فَمَاتَ بَعْدَ مَوْتِ الْأَبِ بِلَا وَارِثٍ) مِنْ النَّسَبِ لِلْأَبِ وَالْعَبْدِ (فَمَالُهُ) أَيْ الْعَتِيقِ (لِلْبِنْتِ) لَا لِكَوْنِهَا بِنْتَ مُعْتِقِهِ لِمَا مَرَّ أَنَّهَا لَا تَرِثُ بَلْ؛ لِأَنَّهَا مُعْتِقَةُ الْمُعْتِقِ.
تَنْبِيهٌ: مَحِلُّ مِيرَاثِهَا إذَا لَمْ يَكُنْ لِلْأَبِ عَصَبَةٌ، فَإِنْ كَانَ كَأَخٍ وَابْنِ عَمٍّ، فَمِيرَاثُ الْعَتِيقِ لَهُ
وَالْوَلَاءُ لِأَعْلَى الْعَصَبَاتِ.
وَمَنْ مَسَّهُ رِقٌّ فَلَا وَلَاءَ عَلَيْهِ إلَّا لِمُعْتِقِهِ وَعَصَبَتِهِ.
وَلَوْ نَكَحَ عَبْدٌ مُعْتَقَةً فَأَتَتْ بِوَلَدٍ فَوَلَاؤُهُ لِمَوْلَى الْأُمّ، فَإِنْ أُعْتِقَ الْأَبُ انْجَرَّ إلَى مَوَالِيهِ،
[مغني المحتاج]
وَلَا شَيْءَ لَهَا؛ لِأَنَّ مُعْتِقَ الْمُعْتِقِ مُتَأَخِّرٌ عَنْ عُصُوبَةِ النَّسَبِ.
قَالَ الشَّيْخُ أَبُو عَلِيٍّ: سَمِعْت بَعْضَ النَّاسِ يَقُولُ: أَخْطَأَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَرْبَعُمِائَةِ قَاضٍ، فَقَالُوا: إنَّ الْمِيرَاثَ لِلْبِنْتِ؛ لِأَنَّهُمْ رَأَوْهَا أَقْرَبَ وَهِيَ عَصَبَةٌ لَهُ بِوَلَائِهَا عَلَيْهِ، وَوَجْهُ الْغَفْلَةِ أَنَّ الْمُقَدَّمَ فِي الْوَلَاءِ الْمُعْتِقُ.
ثُمَّ عَصَبَتُهُ.
ثُمَّ مُعْتِقُهُ.
ثُمَّ عَصَبَاتُهُ، وَهَكَذَا، وَوَارِثُ الْعَبْدِ هَهُنَا عَصَبَةٌ فَكَانَ مُقَدَّمًا عَلَى مُعْتِقِ مُعْتِقِهِ وَلَا شَيْءَ لَهَا مَعَ وُجُودِهِ، وَقَدْ مَرَّتْ الْإِشَارَةُ إلَى بَعْضِ ذَلِكَ فِي كِتَابِ الْفَرَائِضِ، وَنِسْبَةُ غَلَطِ الْقُضَاةِ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ حَكَاهُ الشَّيْخَانِ.
قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: وَاَلَّذِي حَكَاهُ الْإِمَامُ عَنْ غَلَطِهِمْ فِيمَا إذَا اشْتَرَى أَخٌ وَأُخْتٌ أَبَاهُمَا، فَأَعْتَقَ الْأَبُ عَبْدًا وَمَاتَ.
ثُمَّ مَاتَ الْعَتِيقُ، فَقَالُوا: مِيرَاثُهُ بَيْنَ الْأَخِ وَالْأُخْتِ؛ لِأَنَّهُمَا مُعْتِقَا مُعْتِقِهِ وَهُوَ غَلَطٌ، وَإِنَّمَا الْمِيرَاثُ لِلْأَخِ وَحْدَهُ، وَقَوْلُ الْمُصَنِّفِ: بِلَا وَارِثٍ يَرْجِعُ لِلْأَبِ وَالْعَبْدِ كَمَا مَرَّ، وَإِنْ ذَكَرَهُ فِي الْمُحَرَّرِ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْأَبِ (وَالْوَلَاءُ لِأَعْلَى الْعَصَبَاتِ) لِمَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَغَيْرُهُ عَنْ عُمَرَ وَعُثْمَانَ وَعَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - (الْوَلَاءُ لِلْكُبْرِ) وَهُوَ بِضَمِّ الْكَافِ وَسُكُونِ الْبَاءِ أَكْبَرُ الْجَمَاعَةِ فِي الدَّرَجَةِ وَالْقُرْبِ دُونَ السِّنِّ، مِثَالُهُ ابْنُ الْمُعْتِقِ مَعَ ابْنِ ابْنِهِ، فَلَوْ مَاتَ الْمُعْتِقُ عَنْ ابْنَيْنِ أَوْ أَخَوَيْنِ فَمَاتَ أَحَدُهُمَا وَخَلَّفَ ابْنًا، فَالْوَلَاءُ لِعَمِّهِ دُونَهُ، وَإِنْ كَانَ هُوَ الْوَارِثَ لِأَبِيهِ، فَلَوْ مَاتَ الْآخَرُ وَخَلَفَ تِسْعَةَ بَنِينَ فَالْوَلَاءُ بَيْنَ الْعَشَرَةِ بِالسَّوِيَّةِ.
(وَمَنْ مَسَّهُ رِقٌّ) فَعَتَقَ (فَلَا وَلَاءَ عَلَيْهِ) لِأَحَدٍ (إلَّا لِمُعْتِقِهِ وَعَصَبَتِهِ) فَلَا وَلَاءَ عَلَيْهِ لِمُعْتِقِ أَحَدٍ مِنْ أُصُولِهِ؛ لِأَنَّ نِعْمَةَ مَنْ أَعْتَقَهُ أَعْظَمُ مِنْ نِعْمَةِ مَنْ أَعْتَقَ بَعْضَ أُصُولِهِ، فَاخْتَصَّ بِالْوَلَاءِ، وَصُورَتُهُ أَنْ يَلِدَ رَقِيقُهُ رَقِيقًا مِنْ رَقِيقٍ أَوْ حُرٍّ فَأُعْتِقَ الْوَلَدُ وَأُعْتِقَ أَبُوهُ أَوْ أُمُّهُ، وَهَذَا مُسْتَثْنًى مِنْ اسْتِرْسَالِ الْوَلَاءِ عَلَى أَوْلَادِ الْمُعْتِقِ وَأَحْفَادِهِ، وَاسْتَثْنَى الرَّافِعِيُّ صُورَةً أُخْرَى وَهِيَ مَنْ أَبُوهُ حُرٌّ أَصْلِيٌّ، فَلَا يَثْبُتُ الْوَلَاءُ عَلَيْهِ لِمَوَالِي الْأُمِّ عَلَى الْأَصَحِّ؛ لِأَنَّ الِانْتِسَابَ لِلْأَبِ وَلَا وَلَاءَ عَلَيْهِ، فَكَذَا الْفَرْعُ، فَإِنَّ ابْتِدَاءَ حُرِّيَّةِ الْأَبِ تُبْطِلُ دَوَامَ الْوَلَاءِ لِمَوَالِي الْأُمِّ كَمَا سَيَأْتِي فَدَوَامُهَا أَوْلَى بِأَنْ يَمْنَعَ ثُبُوتُهَا لَهُمْ، أَمَّا عَكْسُهُ وَهُوَ مُعْتَقٌ تَزَوَّجَ بِحُرَّةٍ أَصْلِيَّةٍ، فَفِي ثُبُوتِ الْوَلَاءِ عَلَى الْوَلَدِ وَجْهَانِ أَصَحُّهُمَا أَنَّهُ يَثْبُتُ تَبَعًا لِلنَّسَبِ، وَالثَّانِي: لَا؛ لِأَنَّهَا أَحَدُ الْوَالِدَيْنِ، فَحُرِّيَّتُهَا تَمْنَعُ الْوَلَاءَ عَلَى الْوَلَدِ كَالْأَبِ، وَلَا وَلَاءَ عَلَى ابْنِ حُرَّةٍ أَصْلِيَّةٍ مَاتَ أَبُوهُ رَقِيقًا، فَإِنْ عَتَقَ أَبُوهُ بَعْدَ وِلَادَتِهِ، فَهَلْ عَلَيْهِ وَلَاءٌ تَبَعًا لِأَبِيهِ أَمْ لَا؟ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ ابْتِدَاءً، فَكَذَا بَعْدَهُ كَمَا لَوْ كَانَ أَبَوَاهُ حُرَّيْنِ وَجْهَانِ رَجَّحَ مِنْهُمَا الْبُلْقِينِيُّ وَصَاحِبُ الْأَنْوَارِ الْأَوَّلَ، وَمَنْ وُلِدَ بَيْنَ حُرَّيْنِ، ثُمَّ رَقَّ أَبَوَاهُ، ثُمَّ زَالَ رِقُّهُمَا لَا وَلَاءَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ نِعْمَةَ الْإِعْتَاقِ لَمْ تَشْمَلْهُ لِحُصُولِ الْحُرِّيَّةِ لَهُ قَبْلَ ذَلِكَ، نَبَّهَ عَلَيْهِ الزَّرْكَشِيُّ أَخْذًا مِمَّا يَأْتِي.
ثُمَّ أَشَارَ لِوَلَاءِ الِانْجِرَارِ بِقَوْلِهِ: (وَلَوْ نَكَحَ عَبْدٌ مُعْتَقَةً فَأَتَتْ بِوَلَدٍ فَوَلَاؤُهُ لِمَوْلَى الْأُمِّ) ؛ لِأَنَّهُ الْمُنْعِمُ عَلَيْهِ فَإِنَّهُ عَتَقَ بِإِعْتَاقِ أُمِّهِ (فَإِنْ أُعْتِقَ الْأَبُ انْجَرَّ) الْوَلَاءُ مِنْ مَوَالِي الْأُمِّ (إلَى مَوَالِيهِ) أَيْ الْأَبِ؛ لِأَنَّ الْوَلَاءَ فَرْعُ النَّسَبِ، وَالنَّسَبُ إلَى الْآبَاءِ دُونَ الْأُمَّهَاتِ، وَإِنَّمَا ثَبَتَ لِمَوَالِي الْأُمِّ لِعَدَمِهِ مِنْ جِهَةِ الْأَبِ، فَإِذَا أَمْكَنَ عَادَ
وَلَوْ مَاتَ الْأَبُ رَقِيقًا وَعَتَقَ الْجَدُّ انْجَرَّ إلَى مَوَالِيهِ، فَإِنْ أُعْتِقَ الْجَدُّ وَالْأَبُ رَقِيقٌ انْجَرَّ، فَإِنْ أُعْتِقَ الْأَبُ بَعْدَهُ انْجَرَّ إلَى مَوَالِيهِ، وَقِيلَ يَبْقَى لِمَوَالِي الْأُمِّ حَتَّى يَمُوتَ الْأَبُ فَيَنْجَرَّ إلَى مَوَالِي الْجَدِّ، وَلَوْ مَلَكَ هَذَا الْوَلَدُ أَبَاهُ جُرَّ وَلَاءُ إخْوَتِهِ إلَيْهِ، وَكَذَا وَلَاءُ نَفْسِهِ فِي الْأَصَحِّ.
قُلْت: الْأَصَحُّ الْمَنْصُوصُ لَا يَجُرُّهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ..
[مغني المحتاج]
إلَى مَوْضِعِهِ.
تَنْبِيهٌ: مَعْنَى الِانْجِرَارِ أَنْ يَنْقَطِعَ مِنْ وَقْتِ عِتْقِ الْأَبِ عَنْ مَوَالِي الْأُمِّ، فَإِذَا انْجَرَّ إلَى مَوَالِي الْأَبِ فَلَمْ يَبْقَ مِنْهُمْ أَحَدٌ لَمْ يَرْجِعْ إلَى مَوَالِي الْأُمِّ، بَلْ يَكُونُ الْمِيرَاثُ لِبَيْتِ الْمَالِ، وَلَوْ لَحِقَ مَوَالِي الْأَبِ بِدَارِ الْحَرْبِ فَسُبُوا هَلْ يَعُودُ الْوَلَاءُ لِمَوَالِي الْأُمِّ؟ حَكَى ابْنُ كَجٍّ فِي التَّجْرِيدِ فِيهِ وَجْهَيْنِ، وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ كَالْمَسْأَلَةِ قَبْلَهَا، وَمَحِلُّ الِانْجِرَارِ إلَى مَوَالِي الْأَبِ إذَا لَمْ يَكُنْ مُعْتِقُ الْأَبِ هُوَ الِابْنَ نَفْسَهُ، فَإِنْ اشْتَرَى أَبَاهُ فَعَتَقَ عَلَيْهِ، فَالْأَصَحُّ أَنَّ وَلَاءَ الِابْنِ بَاقٍ لِمَوَالِي أُمِّهِ كَمَا سَيَأْتِي (وَلَوْ مَاتَ الْأَبُ رَقِيقًا وَعَتَقَ الْجَدُّ انْجَرَّ) الْوَلَاءُ مِنْ مَوَالِي الْأُمِّ (إلَى مَوَالِيهِ) أَيْ الْجَدِّ؛ لِأَنَّهُ كَالْأَبِ فِي النَّسَبِ وَالتَّعْصِيبِ فَإِنَّهُ يَسْتَقِرُّ بِذَلِكَ وَلَا يُتَوَقَّعُ فِيهِ انْجِرَارٌ (فَإِنْ أُعْتِقَ الْجَدُّ وَالْأَبُ رَقِيقٌ انْجَرَّ) الْوَلَاءُ مِنْ مَوَالِي الْأُمِّ إلَى مَوَالِي الْجَدِّ أَيْضًا لِمَا مَرَّ (فَإِنْ أُعْتِقَ الْأَبُ بَعْدَهُ) أَيْ الْجَدِّ (انْجَرَّ) مِنْ مَوَالِي الْجَدِّ (إلَى مَوَالِيهِ) أَيْ الْأَبِ؛ لِأَنَّ الْجَدَّ إنَّمَا جَرَّهُ لِكَوْنِ الْأَبِ كَانَ رَقِيقًا، فَإِذَا عَتَقَ كَانَ أَوْلَى بِالْجَرِّ؛ لِأَنَّهُ أَقْوَى مِنْ الْجَدِّ فِي النَّسَبِ، وَإِذَا انْقَرَضَ مَوَالِي الْأَبِ لَا يَعُودُ إلَى مَوَالِي الْجَدِّ، وَلَا إلَى مَوَالِي الْأُمِّ بَلْ يَبْقَى لِبَيْتِ الْمَالِ (وَقِيلَ) لَا يَنْجَرُّ إلَى مَوَالِي الْجَدِّ بَلْ (يَبْقَى لِمَوَالِي الْأُمِّ حَتَّى يَمُوتَ الْأَبُ فَيَنْجَرَّ إلَى مَوَالِي الْجَدِّ) ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا لَمْ يَنْجَرَّ لِبَقَاءِ الْأَبِ رَقِيقًا، فَإِذَا مَاتَ زَالَ الْمَانِعُ.
تَنْبِيهٌ: الْمُرَادُ بِالْجَدِّ أَبُو الْأَبِ، فَإِنَّ الْوَلَاءَ لَا يَنْجَرُّ مِنْ مُعْتَقِي الْأُمِّ إلَى مُعْتَقِ أَبِي الْأُمِّ بِلَا خِلَافٍ (وَلَوْ مَلَكَ هَذَا الْوَلَدُ) الَّذِي ثَبَتَ عَلَيْهِ الْوَلَاءُ لِمَوَالِي أَبِيهِ بِسَبَبِ رِقِّ أُمِّهِ (أَبَاهُ) وَعَتَقَ عَلَيْهِ (جُرَّ وَلَاءُ إخْوَتِهِ) لِأَبِيهِ مِنْ مَوَالِي أُمِّهِمْ (إلَيْهِ) أَيْ الْوَلَدِ قَطْعًا؛ لِأَنَّ الْأَبَ يَعْتِقُ عَلَيْهِ فَيَثْبُتُ لَهُ الْوَلَاءُ عَلَيْهِ وَعَلَى أَوْلَادِهِ، سَوَاءٌ كَانُوا مِنْ أُمِّهِ أَمْ مِنْ مُعْتَقَةٍ أُخْرَى (وَكَذَا وَلَاءُ نَفْسِهِ) جُرَّ مِنْ مَوَالِي أُمِّهِ (فِي الْأَصَحِّ) فِي الْمُحَرَّرِ كَإِخْوَتِهِ كَمَا لَوْ أَعْتَقَ الْأَبَ غَيْرُهُ، ثُمَّ يَسْقُطُ وَيَصِيرُ كَحُرٍّ لَا وَلَاءَ عَلَيْهِ (قُلْت) كَمَا قَالَ الرَّافِعِيُّ فِي الشَّرْحِ: (الْأَصَحُّ الْمَنْصُوصُ لَا يَجُرُّهُ) أَيْ وَلَاءَ نَفْسِهِ مِنْ مَوَالِي الْأُمِّ إلَيْهِ، بَلْ يَسْتَمِرُّ الْوَلَاءُ لَهُمْ (وَاَللَّهُ أَعْلَمُ) ؛ لِأَنَّهُ لَوْ جَرَّهُ لَثَبَتَ لَهُ عَلَى نَفْسِهِ، وَلَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ لَهُ عَلَى نَفْسِهِ وَلَاءٌ، وَلِهَذَا لَوْ اشْتَرَى الْعَبْدُ نَفْسَهُ أَوْ كَاتَبَهُ سَيِّدُهُ وَأَخَذَ النُّجُومَ يَعْتِقُ وَيَكُونُ الْوَلَاءُ لِسَيِّدِهِ.
قَالَ فِي الْمُهِمَّاتِ: وَالظَّاهِرُ أَنَّ مَا وَقَعَ فِي الْمُحَرَّرِ سَهْوٌ.
خَاتِمَةٌ: لَوْ أَعْتَقَ عَتِيقٌ أَبَا مُعْتِقِهِ فَلِكُلٍّ مِنْهُمَا الْوَلَاءُ عَلَى الْآخَرِ.
وَإِنْ أَعْتَقَ أَجْنَبِيٌّ أُخْتَيْنِ لِأَبَوَيْنِ أَوْ لِأَبٍ فَاشْتَرَيَا أَبَاهُمَا فَلَا وَلَاءَ لِوَاحِدَةٍ مِنْهُمَا عَلَى الْأُخْرَى.
وَلَوْ خُلِقَ حُرٌّ مِنْ حُرَّيْنِ