فَالْأَكْلُ فِي سُوقٍ، وَالْمَشْيُ مَكْشُوفَ الرَّأْسِ، وَقُبْلَةُ زَوْجَةٍ وَأَمَةٍ بِحَضْرَةِ النَّاسِ، وَإِكْثَارُ حِكَايَاتٍ مُضْحِكَةٍ، وَلُبْسُ فَقِيهٍ قُبَاءَ وَقَلَنْسُوَةٍ حَيْثُ لَا يُعْتَادُ، وَإِكْبَابٌ عَلَى لَعِبِ
[مغني المحتاج]
أَشَرْت إلَى رَدِّ هَذَا بِقَوْلِي: مِمَّنْ يُرَاعِي مَنَاهِجَ الشَّرْعِ وَآدَابِهِ (فَالْأَكْلُ) وَالشُّرْبُ (فِي سُوقٍ) لِغَيْرِ سُوقِيٍّ كَمَا فِي الرَّوْضَةِ تَبَعًا لِلْقَاضِي حُسَيْنٍ وَغَيْرِهِ وَلِغَيْرِ مَنْ لَمْ يَغْلِبْهُ جُوعٌ أَوْ عَطَشٌ.
وَاسْتَثْنَى الْبُلْقِينِيُّ مِنْ الْأَكْلِ فِي السُّوقِ مَنْ أَكَلَ دَاخِلَ حَانُوتٍ مُسْتَتِرًا، وَفِيهِ كَمَا قَالَ ابْنُ شُهْبَةَ نَظَرٌ (وَالْمَشْيُ) فِي السُّوقِ (مَكْشُوفَ الرَّأْسِ) أَوْ الْبَدَنِ غَيْرِ الْعَوْرَةِ مِمَّنْ لَا يَلِيقُ بِهِ مِثْلُهُ وَلِغَيْرِ مُحْرِمٍ بِنُسُكٍ.
أَمَّا الْعَوْرَةُ فَكَشْفُهَا حَرَامٌ (وَقُبْلَةُ زَوْجَةٍ وَأَمَةٍ) لَهُ (بِحَضْرَةِ النَّاسِ) أَوْ وَضْعِ يَدِهِ عَلَى مَوْضِعِ الِاسْتِمْتَاعِ مِنْهَا مِنْ صَدْرٍ وَنَحْوِهِ، وَالْمُرَادُ جِنْسُهُمْ وَلَوْ وَاحِدًا فَلَوْ عَبَّرَ بِحَضْرَةِ أَجْنَبِيٍّ كَانَ أَوْلَى.
قَالَ الْبُلْقِينِيُّ: وَالْمُرَادُ بِالنَّاسِ الَّذِينَ يَسْتَحْيِي مِنْهُمْ فِي ذَلِكَ، وَالتَّقْبِيلُ الَّذِي يُسْتَحْيَا مِنْ إظْهَارِهِ، فَلَوْ قَبَّلَ زَوْجَتَهُ بِحَضْرَةِ جَوَارِيهِ، أَوْ بِحَضْرَةِ زَوْجَاتٍ لَهُ غَيْرُهَا، فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يُعَدُّ مِنْ تَرْكِ الْمُرُوءَةِ.
وَأَمَّا تَقْبِيلُ الرَّأْسِ وَنَحْوِهِ فَلَا يَخِلُّ بِالْمُرُوءَةِ، وَقَرَنَ فِي الرَّوْضَةِ بِالتَّقْبِيلِ أَنْ يَحْكِيَ مَا يَجْرِي بَيْنَهُمَا فِي الْخَلْوَةِ مِمَّا يُسْتَحْيَا مِنْهُ، وَكَذَا صَرَّحَ فِي النِّكَاحِ بِكَرَاهَتِهِ، لَكِنْ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ أَنَّهُ حَرَامٌ.
وَأَمَّا تَقْبِيلُ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - أَمَتَهُ الَّتِي وَقَعَتْ فِي سَهْمِهِ بِحَضْرَةِ النَّاسِ فَقَالَ الزَّرْكَشِيُّ كَأَنَّهُ تَقْبِيلُ اسْتِحْسَانٍ لَا تَمَتُّعٍ، أَوْ فَعَلَهُ بَيَانًا لِلْجَوَازِ، أَوْ ظَنَّ أَنَّهُ لَيْسَ ثَمَّ مَنْ يَنْظُرُهُ، أَوْ عَلَى أَنَّ الْمَرَّةَ الْوَاحِدَةَ لَا تَضُرُّ عَلَى مَا اقْتَضَاهُ نَصُّ الشَّافِعِيِّ، وَمَدُّ الرِّجْلِ عِنْدَ النَّاسِ بِلَا ضَرُورَةٍ كَقُبْلَةِ أَمَتِهِ بِحَضْرَتِهِمْ.
قَالَ الْأَذْرَعِيُّ: وَيُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ مَحَلُّهُ إذَا كَانَ بِحَضْرَةِ مَنْ يَحْتَشِمُهُ، فَلَوْ كَانَ بِحَضْرَةِ إخْوَانِهِ أَوْ نَحْوِهِمْ: كَتَلَامِذَتِهِ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ تَرْكًا لِلْمُرُوءَةِ (وَإِكْثَارُ حِكَايَاتٍ مُضْحِكَةٍ) بَيْنَهُمْ بِحَيْثُ يَصِيرُ ذَلِكَ عَادَةً لَهُ، وَخَرَجَ بِالْإِكْثَارِ مَا لَمْ يُكْثِرْ أَوْ كَانَ ذَلِكَ طَبْعًا لَا تَصَنُّعًا كَمَا وَقَعَ لِبَعْضِ الصَّحَابَةِ، وَفِي الصَّحِيحِ «مَنْ تَكَلَّمَ بِالْكَلِمَةِ يُضْحِكُ بِهَا جُلَسَاءَهُ يَهْوِي بِهَا فِي النَّارِ سَبْعِينَ خَرِيفًا»
تَنْبِيهٌ تَقْيِيدُهُ الْحِكَايَاتِ الْمُضْحِكَةَ بِالْإِكْثَارِ يَقْتَضِي أَنَّ مَا عَدَاهَا لَا يَتَقَيَّدُ بِالْإِكْثَارِ، بَلْ يُسْقِطُ الْعَدَالَةَ بِالْمَرَّةِ الْوَاحِدَةِ.
قَالَ ابْنُ النَّقِيبِ: وَفِيهِ نَظَرٌ.
وَقَالَ الْبُلْقِينِيُّ: الَّذِي يُعْتَمَدُ فِي ذَلِكَ لَا بُدَّ مِنْ تَكَرُّرِهِ تَكَرُّرًا دَالًّا عَلَى قِلَّةِ الْمُبَالَاةِ، وَقَدْ قَالَ الشَّافِعِيُّ: إذَا كَانَ الْأَغْلَبُ عَلَى الرَّجُلِ: أَيْ الْأَظْهَرُ مِنْ أَمْرِهِ الطَّاعَةُ وَالْمُرُوءَةُ قُبِلَتْ شَهَادَتُهُ، وَحَكَى الْبَيْهَقِيُّ فِي الْمَعْرِفَةِ عَنْ ابْنِ سُرَيْجٍ: أَنَّ الْعَدْلَ مَنْ لَا يَكُونُ تَارِكًا لِلْمُرُوءَةِ فِي غَالِبِ الْعَادَةِ.
قَالَ الْبَيْهَقِيُّ وَهَذَا تَلْخِيصُ مَا قَالَهُ الشَّافِعِيُّ، وَهُوَ يَقْتَضِي اعْتِبَارَ الْإِكْثَارِ فِي الْجَمِيعِ (وَلُبْسُ فَقِيهٍ قُبَاءَ) بِالْمَدِّ سُمِّيَ بِذَلِكَ لِاجْتِمَاعِ أَطْرَافِهِ، وَلُبْسُ جَمَّالٍ لُبْسَ الْقُضَاةِ (وَقَلَنْسُوَةٍ) وَهُوَ بِفَتْحِ الْقَافِ وَاللَّامِ، وَبِضَمِّ الْقَافِ مَعَ السِّينِ: مَا يُلْبَسُ عَلَى الرَّأْسِ، هَذَا (حَيْثُ) أَيْ فِي بَلَدٍ (لَا يُعْتَادُ) لِلْفَقِيهِ لُبْسُهَا، وَقَيَّدَ فِي الرَّوْضَةِ لُبْسُهُمَا لِلْفَقِيهِ بِأَنْ يَتَرَدَّدَ فِيهِمَا، فَأَشْعَرَ بِأَنَّ لُبْسَهُمَا فِي الْبَيْتِ لَيْسَ كَذَلِكَ (وَإِكْبَابٌ عَلَى لَعِبِ
الشِّطْرَنْجِ أَوْ غِنَاءٍ أَوْ سَمَاعِهِ، وَإِدَامَةُ رَقْصٍ يُسْقِطُهَا، وَالْأَمْرُ فِيهِ يَخْتَلِفُ بِالْأَشْخَاصِ وَالْأَحْوَالِ وَالْأَمَاكِنِ، وَحِرْفَةٌ دَنِيئَةٌ كَحِجَامَةٍ وَكَنْسٍ وَدَبْغٍ مِمَّنْ لَا تَلِيقُ بِهِ تُسْقِطُهَا، فَإِنْ اعْتَادَهَا وَكَانَتْ حِرْفَةَ أَبِيهِ فَلَا فِي الْأَصَحِّ.
وَلَمَّا قَدَّمَ الْمُصَنِّفُ مِنْ شُرُوطِ الشَّاهِدِ كَوْنَهُ غَيْرَ مُتَّهَمٍ بِتُهْمَةٍ تَرُدُّ شَهَادَتَهُ بَيَّنَهَا بِقَوْلِهِ
[مغني المحتاج]
الشِّطْرَنْجِ) بِحَيْثُ يُشْغِلُهُ عَنْ مُهِمَّاتِهِ وَإِنْ لَمْ يَقْتَرِنْ بِهِ مَا يُحَرِّمُهُ، وَيُرْجَعُ فِي قَدْرِ الْإِكْبَابِ لِلْعَادَةِ.
أَمَّا الْقَلِيلُ مِنْ لَعِبِ الشِّطْرَنْجِ فَلَا يَضُرُّ فِي الْخَلْوَةِ، بِخِلَافِ قَارِعَةِ الطَّرِيقِ فَإِنَّهُ هَادِمٌ لِلْمُرُوءَةِ وَالْإِكْبَابُ عَلَى لَعِبِ الْحَمَامِ كَالْإِكْبَابِ عَلَى لَعِبِ الشِّطْرَنْجِ (أَوْ) عَلَى (غِنَاءٍ أَوْ سَمَاعِهِ) أَيْ اسْتِمَاعِهِ، وَلَوْ عَبَّرَ بِهِ لَكَانَ أَوْلَى، سَوَاءٌ اقْتَرَنَ بِذَلِكَ مَا يُوجِبُ التَّحْرِيمَ أَمْ لَا، وَمِثْلُ مَا ذُكِرَ الْإِكْبَابُ عَلَى إنْشَادِ الشِّعْرِ وَاسْتِنْشَادِهِ حَتَّى يَتْرُكَ بِهِ مُهِمَّاتِهِ، وَكَذَا اتِّخَاذُ جَارِيَةٍ أَوْ غُلَامٍ لِلْغِنَاءِ لِلنَّاسِ وَالْكَسْبِ بِالشِّعْرِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ بَحْثًا: وَالْغِنَاءُ قَدْ لَا يُزْرِي بِمَنْ يَلِيقُ بِهِ، فَلَا يَكُونُ تَرْكًا لِلْمُرُوءَةِ (وَإِدَامَةُ) أَيْ إكْثَارُ (رَقْصٍ) وَقَوْلُهُ (يُسْقِطُهَا) أَيْ الْمُرُوءَةَ فِي جَمِيعِ هَذِهِ الصُّوَرِ كَمَا مَرَّ التَّنْبِيهُ عَلَيْهِ خَبَرُ قَوْلِهِ: فَالْأَكْلُ وَمَا عُطِفَ عَلَيْهِ (وَالْأَمْرُ فِيهِ) أَيْ مُسْقِطِ الْمُرُوءَةِ (يَخْتَلِفُ بِالْأَشْخَاصِ وَالْأَحْوَالِ وَالْأَمَاكِنِ) ؛ لِأَنَّ الْمَدَارَ عَلَى الْعُرْفِ، فَقَدْ يُسْتَقْبَحُ مِنْ شَخْصٍ دُونَ آخَرَ، وَفِي حَالٍ دُونَ آخَرَ، وَفِي قُطْرٍ دُونَ آخَرَ كَمَا عُلِمَ مِمَّا مَرَّ، فَحَمْلُ الْمَاءِ وَالْأَطْعِمَةِ إلَى الْبَيْتِ شُحًّا لَا اقْتِدَاءً بِالسَّلَفِ التَّارِكِينَ لِلتَّكَلُّفِ خَرْمُ مُرُوءَةٍ مِمَّنْ لَا يَلِيقُ بِهِ، بِخِلَافِ مَنْ يَلِيقُ بِهِ وَمَنْ يَفْعَلُهُ اقْتِدَاءً بِالسَّلَفِ، وَالتَّقَشُّفُ فِي الْأَكْلِ، وَاللُّبْسِ كَذَلِكَ.
تَنْبِيهٌ يُرْجَعُ فِي قَدْرِ الْإِكْثَارِ لِلْعَادَةِ، وَظَاهِرُ تَقْيِيدِهِمْ مَا ذُكِرَ بِالْكَثْرَةِ أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ فِيمَا عَدَاهَا، لَكِنَّ ظَاهِرَ نَصِّ الشَّافِعِيِّ وَالْعِرَاقِيِّينَ وَغَيْرِهِمْ، أَنَّ التَّقْيِيدَ فِي الْكُلِّ ذَكَرَهُ الزَّرْكَشِيُّ، ثُمَّ قَالَ: وَيَنْبَغِي التَّفْصِيلُ بَيْنَ مَا يُعَدُّ لَهَا خَارِمًا بِالْمَرَّةِ الْوَاحِدَةِ وَغَيْرِهِ، فَالْأَكْلُ مِنْ غَيْرِ السُّوقِيِّ مَرَّةً فِي السُّوقِ لَيْسَ كَالْمَشْيِ فِيهِ مَكْشُوفًا (وَحِرْفَةٌ دَنِيئَةٌ) مُبَاحَةٌ (كَحِجَامَةٍ وَكَنْسٍ) لِزِبْلٍ وَنَحْوِهِ (وَدَبْغٍ) وَنَحْوِهَا: كَقَيِّمِ حَمَّامٍ وَحَارِسٍ وَقَصَّابٍ وَإِسْكَافٍ وَنَخَّالٍ (مِمَّنْ لَا تَلِيقُ) هَذِهِ الْحِرْفَةُ (بِهِ) وَقَوْلُهُ (تُسْقِطُهَا) أَيْ الْمُرُوءَةَ لِإِشْعَارِ ذَلِكَ بِقِلَّةِ مُرُوءَتِهِ خَبَرُ قَوْلِهِ: وَحِرْفَةُ وَمَا عُطِفَ عَلَيْهِ.
تَنْبِيهٌ قَوْلُهُ: دَنِيئَةٌ بِالْهَمْزِ مِنْ الدَّنَاءَةِ، وَهِيَ السَّاقِطَةُ، وَبِتَرْكِهِ مِنْ الدُّنُوِّ بِمَعْنَى الْقَرِيبِ (فَإِنْ اعْتَادَهَا) مَعَ مُحَافَظَةِ مُخَامِرِ النَّجَاسَةِ عَلَى الصَّلَاةِ فِي أَوْقَاتِهَا فِي أَثْوَابٍ طَاهِرَةٍ (وَكَانَتْ حِرْفَةُ أَبِيهِ، فَلَا) يُسْقِطُهَا (فِي الْأَصَحِّ) ؛ لِأَنَّهُ لَا يَتَعَيَّرُ بِذَلِكَ، وَهِيَ حِرْفَةٌ مُبَاحَةٌ مِنْ فُرُوضِ الْكِفَايَاتِ لِاحْتِيَاجِ النَّاسِ إلَيْهَا، وَلَوْ رُدَّتْ بِهَا الشَّهَادَةُ لَرُبَّمَا تُرِكَتْ فَتُعَطِّلُ النَّاسَ.
وَالثَّانِي تُسْقِطُهَا؛ لِأَنَّ فِي اخْتِيَارِهِ لَهَا مَعَ اتِّسَاعِ طُرُقِ الْكَسْبِ إشْعَارًا بِقِلَّةِ الْمُرُوءَةِ.
تَنْبِيهٌ هَذَا التَّقْيِيدُ الَّذِي ذَكَرَهُ نَقَلَهُ الرَّافِعِيُّ عَنْ الْغَزَالِيِّ وَاسْتَحْسَنَهُ.
وَقَالَ فِي زِيَادَةِ الرَّوْضَةِ: لَمْ يَتَعَرَّضْ الْجُمْهُورُ لِهَذَا الْقَيْدِ، وَيَنْبَغِي أَنْ لَا يُقَيَّدَ بِصَنْعَةِ آبَائِهِ بَلْ يُنْظَرُ هَلْ تَلِيقُ بِهِ
وَالتُّهْمَةُ أَنْ يَجُرَّ إلَيْهِ نَفْعًا أَوْ يَدْفَعَ عَنْهُ ضَرَرًا فَتُرَدُّ شَهَادَتُهُ لِعَبْدِهِ وَمُكَاتَبِهِ وَغَرِيمٍ لَهُ مَيِّتٍ أَوْ عَلَيْهِ حَجْرُ فَلَسٍ،
[مغني المحتاج]
هُوَ أَمْ لَا؟ ، ثُمَّ إنَّهُ هُنَا وَافَقَ الْمُحَرَّرَ، وَلَمْ يَعْتَرِضْ عَلَيْهِ، وَالْمُعْتَمَدُ عَدَمُ التَّقْيِيدِ، وَاعْتُرِضَ جَعْلُهُمْ الْحِرْفَةَ الدَّنِيئَةَ مِمَّا يَخْرِمُ الْمُرُوءَةَ مَعَ قَوْلِهِمْ: إنَّهَا مِنْ فُرُوضِ الْكِفَايَاتِ، وَأُجِيبَ بِحَمْلِ ذَلِكَ عَلَى مَنْ اخْتَارَهَا لِنَفْسِهِ مَعَ حُصُولِ الْكِفَايَةِ بِغَيْرِهِ.
أَمَّا الْحِرْفَةُ غَيْرُ الْمُبَاحَةِ كَالْمُنَجِّمِ وَالْعَرَّافِ وَالْكَاهِنِ وَالْمُصَوِّرِ فَلَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُمْ قَالَ الصَّيْمَرِيُّ: لِأَنَّ شِعَارَهُمْ التَّلْبِيسُ عَلَى الْعَامَّةِ، وَمَنْ أَكْثَرَ مِنْ أَهْلِ الصَّنَائِعِ الْكَذِبَ وَخَلْفَ الْوَعْدِ رُدَّتْ شَهَادَتُهُ.
قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: وَمِمَّا عَمَّتْ بِهِ الْبَلْوَى التَّكَسُّبُ بِالشَّهَادَةِ مَعَ أَنَّ شَرِكَةَ الْأَبَدَانِ بَاطِلَةٌ، وَذَلِكَ قَادِحٌ فِي الْعَدَالَةِ، لَا سِيَّمَا إذَا مَنَعْنَا أَخْذَ الْأُجْرَةِ عَلَى التَّحَمُّلِ أَوْ كَانَ يَأْخُذُ وَلَا يَكْتُبُ فَإِنَّ نُفُوسَ شُرَكَائِهِ لَا تَطِيبُ لِذَلِكَ.
قَالَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ: وَأَسْلَمُ طَرِيقٍ فِيهِ أَنْ يَشْتَرِيَ وَرَقًا مُشْتَرَكًا وَيَكْتُبُ وَيَقْسِمُ عَلَى قَدْرِ مَا لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ ثَمَنِ وَرَقِهِ، فَإِنَّ الشَّرِكَةَ لَا يُشْتَرَطُ فِيهَا التَّسَاوِي فِي الْعَمَلِ، وَمِثْلُ ذَلِكَ الْمُقْرِئِينَ وَالْوُعَّاظِ.
فُرُوعٌ: الْمُدَاوَمَةُ عَلَى تَرْكِ السُّنَنِ الرَّاتِبَةِ وَمُسْتَحَبَّاتِ الصَّلَاةِ تَقْدَحُ فِي الشَّهَادَةِ لِتَهَاوُنِ مُرْتَكِبِهَا بِالدِّينِ وَإِشْعَارِهِ بِقِلَّةِ مُبَالَاتِهِ بِالْمُهِمَّاتِ، وَمَحَلُّ هَذَا كَمَا قَالَ الْأَذْرَعِيُّ فِي الْحَاضِرِ أَمَّا مَنْ يُدِيمُ السَّفَرَ: كَالْمَلَّاحِ وَالْمُكَارِي وَبَعْضِ التُّجَّارِ فَلَا، وَيَقْدَحُ فِي الشَّهَادَةِ مُدَاوَمَةُ مُنَادَمَتِهِ مُسْتَحِلَّ النَّبِيذِ وَالسُّفَهَاءِ، وَكَذَا كَثْرَةُ شُرْبِهِ إيَّاهُ مَعَهُمْ لِإِخْلَالِ ذَلِكَ بِالْمُرُوءَةِ، وَلَا يَقْدَحُ فِيهَا السُّؤَالُ لِلْحَاجَةِ وَإِنْ طَافَ مُكْثِرُهُ بِالْأَبْوَابِ إنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى كَسْبٍ مُبَاحٍ يَكْفِيه؛ لِحِلِّ الْمَسْأَلَةِ حِينَئِذٍ، إلَّا إنْ أَكْثَرَ الْكَذِبَ فِي دَعْوَى الْحَاجَةِ أَوْ أَخَذَ مَا لَا يَحِلُّ لَهُ أَخْذُهُ فَيَقْدَحُ فِي شَهَادَتِهِ.
نَعَمْ إنْ كَانَ الْمَأْخُوذُ فِي الثَّانِيَةِ قَلِيلًا اُعْتُبِرَ التَّكْرَارُ كَمَا مَرَّ نَظِيرُهُ،.
(وَالتُّهْمَةُ) بِمُثَنَّاةٍ فَوْقِيَّةٍ مَضْمُومَةٍ بِخَطِّهِ فِي الشَّخْصِ (أَنْ) (يَجُرَّ إلَيْهِ) بِشَهَادَتِهِ (نَفْعًا أَوْ يَدْفَعَ عَنْهُ) بِهَا (ضَرَرًا) وَبِمَا تَقَرَّرَ انْدَفَعَ مَا قِيلَ: إنَّ كَلَامَهُ أَشْعَرَ بِعَوْدِ ضَمِيرٍ إلَيْهِ لِلشَّاهِدِ، فَيَصِيرُ التَّقْدِيرُ أَنْ يَجُرَّ الشَّاهِدُ.
إلَى الشَّاهِدِ، وَفِيهِ قَلَاقَةٌ، وَأَيْضًا فَالنَّفْعُ يَنْجَرُّ لِلْمُسَمَّى لَا لِلِاسْمِ، فَلَوْ قَالَ: أَنْ يَجُرَّ إلَى نَفْسِهِ أَوْ يَدْفَعَ عَنْهَا كَانَ أَوْلَى اهـ.
ثُمَّ أَشَارَ الْمُصَنِّفُ لِصُوَرٍ مِنْ جَرِّ النَّفْعَ بِمَا تَضَمَّنَهُ قَوْلُهُ (فَتُرَدُّ شَهَادَتُهُ لِعَبْدِهِ) سَوَاءٌ أَكَانَ مَأْذُونًا لَهُ كَمَا فِي الْمُحَرَّرِ أَوْ لَا كَمَا شَمِلَهُ إطْلَاقُهُ؛ لِأَنَّ مَا يَشْهَدُ بِهِ فَهُوَ لَهُ (وَمُكَاتَبِهِ) ؛ لِأَنَّ لَهُ فِي مَالِهِ عُلْقَةً؛ لِأَنَّهُ بِصَدَدِ الْعَوْدِ إلَيْهِ بِعَجْزٍ أَوْ تَعْجِيزٍ.
نَعَمْ لَوْ شَهِدَ بِشِرَاءِ شِقْصٍ لِمُشْتَرِيهِ، وَفِيهِ شُفْعَةٌ لِمُكَاتَبِهِ قُبِلَتْ نَبَّهَ عَلَيْهِ الزَّرْكَشِيُّ (وَغَرِيمٍ لَهُ مَيِّتٍ) وَإِنْ لَمْ تَسْتَغْرِقْ تَرِكَتُهُ الدُّيُونَ (أَوْ عَلَيْهِ حَجْرُ فَلَسٍ) ؛ لِأَنَّهُ إذَا أَثْبَتَ لِلْغَرِيمِ شَيْئًا أَثْبَتَ لِنَفْسِهِ الْمُطَالَبَةَ بِهِ، وَأَلْحَقَ الْمَاوَرْدِيُّ بِذَلِكَ إذَا كَانَ زَوْجُهَا مُعْسِرًا بِنَفَقَتِهَا فَشَهِدَتْ لَهُ بِدَيْنٍ وَتُقْبَلُ لِغَرِيمِهِ الْمُوسِرِ، وَكَذَا الْمُعْسِرِ قَبْلَ الْحَجْرِ وَالْمَوْتِ لِتَعَلُّقِ الْحَقِّ بِذِمَّتِهِ بِخِلَافِهِ بَعْدَ الْحَجْرِ أَوْ الْمَوْتِ؛ لِأَنَّهُ يُحْكَمُ بِمَالِهِ لِغُرَمَائِهِ حَالَ الشَّهَادَةِ، وَخَرَجَ
وَبِمَا هُوَ وَكِيلٌ فِيهِ.
وَبِبَرَاءَةِ مَنْ ضَمِنَهُ.
وَبِجِرَاحَةِ مُوَرِّثِهِ، وَلَوْ شَهِدَ لِمُوَرِّثٍ لَهُ مَرِيضٍ أَوْ جَرِيحٍ بِمَالٍ قَبْلَ الِانْدِمَالِ قُبِلَتْ فِي الْأَصَحِّ.
وَتُرَدُّ شَهَادَةُ عَاقِلَةٍ بِفِسْقِ شُهُودِ قَتْلٍ.
وَغُرَمَاءِ مُفْلِسٍ بِفِسْقِ شُهُودِ دَيْنٍ آخَرَ.
[مغني المحتاج]
بِحَجْرِ الْفَلَسِ حَجْرُ السَّفَهِ وَالْمَرَضِ وَنَحْوِهِمَا.
نَعَمْ لَوْ شَهِدَ غَرِيمُ الْمُرْتَدِّ بِمَالٍ لَمْ تُقْبَلْ شَهَادَتُهُ؛ لِأَنَّ أَشَدُّ مِنْ الْمُفْلِسِ، وَقَرِيبٌ مِنْ الْمَيِّتِ (وَ) تُرَدُّ شَهَادَتُهُ أَيْضًا (بِمَا هُوَ) وَلِيٌّ أَوْ وَصِيٌّ أَوْ (وَكِيلٌ فِيهِ) وَلَوْ بِدُونِ جُعْلٍ؛ لِأَنَّهُ يُثْبِتُ لِنَفْسِهِ سَلْطَنَةَ التَّصَرُّفِ فِي الْمَشْهُودِ بِهِ.
تَنْبِيهٌ يَلْحَقُ بِمَنْ ذُكِرَ شَهَادَةُ الْوَدِيعِ لِلْمُودِعِ وَالْمُرْتَهِنِ لِلرَّاهِنِ لِاقْتِضَائِهَا دَوَامَ يَدِهِمَا، وَقَدْ يُفْهِمُ كَلَامُهُ الْقَبُولَ فِيمَا إذَا عَزَلَ نَفْسَهُ وَشَهِدَ، وَلَكِنَّ مَحَلَّهُ مَا لَمْ يُخَاصِمْ، فَإِنْ خَاصَمَ ثُمَّ عَزَلَ نَفْسَهُ لَمْ يُقْبَلْ، وَأَفْهَمَ كَلَامُهُ لِغَيْرِهِ الْقَطْعَ بِقَبُولِ شَهَادَةِ الْوَكِيلِ لِمُوَكَّلِهِ بِمَا لَيْسَ وَكِيلًا فِيهِ، وَلَكِنْ حَكَى الْمَاوَرْدِيُّ فِيهِ وَجْهَيْنِ، وَأَصَحُّهُمَا الصِّحَّةُ، وَلَوْ عَبَّرَ بِقَوْلِهِ فِيمَا هُوَ وَكِيلٌ فِيهِ كَمَا فَعَلَهُ فِي الْمُحَرَّرِ وَأَصْلِ الرَّوْضَةِ كَانَ أَوْلَى لِيَتَنَاوَلَ مَنْ وُكِّلَ فِي شَيْءٍ بِخُصُومَةٍ أَوْ تَعَاطَى عَقْدًا فِيهِ أَوْ حَفِظَهُ أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ، فَإِنَّهُ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ لِمُوَكِّلِهِ فِي ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ يَجُرُّ لِنَفْسِهِ نَفْعًا بِاسْتِيفَاءِ مَالِهِ فِي ذَلِكَ مِنْ التَّصَرُّفِ، وَإِنْ لَمْ يَشْهَدْ بِنَفْسِ مَا وُكِّلَ فِيهِ (وَ) تُرَدُّ شَهَادَتُهُ (بِبَرَاءَةِ مَنْ ضَمِنَهُ) بِأَدَاءٍ أَوْ إبْرَاءٍ؛ لِأَنَّهُ يَدْفَعُ بِهَا الْغُرْمَ عَنْ نَفْسِهِ تَنْبِيهٌ فِي مَعْنَى ذَلِكَ مَنْ ضَمِنَهُ عَبْدُهُ أَوْ مُكَاتَبُهُ أَوْ غَرِيمُهُ الْمَيِّتُ أَوْ الْمَحْجُورُ عَلَيْهِ بِفَلَسٍ، وَمَنْ ضَمِنَهُ أَصْلُهُ وَفَرْعُهُ.
.
(وَ) تُرَدُّ شَهَادَةُ وَارِثٍ عِنْدَ الشَّهَادَةِ (بِجِرَاحَةِ مُوَرِّثِهِ) قَبْلَ انْدِمَالِهَا كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي الْمَتْنِ فِي بَابِ الْقَسَامَةِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ مَاتَ كَانَ الْأَرْشُ بِهِ، وَلَيْسَ مُوَرِّثُهُ أَصْلَهُ وَفَرْعَهُ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ وَارِثًا لَهُ عِنْدَ الشَّهَادَةِ لِحَجْبٍ مَثَلًا قُبِلَتْ، وَلَا يَضُرُّ زَوَالُ الْحَجْبِ وَارِثَهُ بَعْدَ الْحُكْمِ (وَلَوْ) (شَهِدَ لِمُوَرِّثٍ لَهُ) غَيْرِ أَصْلِهِ وَفَرْعِهِ (مَرِيضٍ) مَرَضَ مَوْتٍ (أَوْ جَرِيحٍ بِمَالٍ قَبْلَ الِانْدِمَالِ) (قُبِلَتْ) شَهَادَتُهُ (فِي الْأَصَحِّ) وَالثَّانِي: قَالَ: لَا كَالْجِرَاحَةِ لِلتُّهْمَةِ، وَفَرَّقَ الْأَوَّلُ بِأَنَّ الْجِرَاحَةَ سَبَبٌ لِلْمَوْتِ النَّاقِلِ لِلْحَقِّ إلَيْهِ بِخِلَافِ الْمَالِ، وَبَعْدَ الِانْدِمَالِ يُقْبَلُ قَطْعًا لِانْتِفَاءِ التُّهْمَةِ.
نَعَمْ لَوْ مَاتَ الْمُوَرِّثُ قَبْلَ الْحُكْمِ لَمْ يُحْكَمْ، قَالَهُ الْمَاوَرْدِيُّ.
وَلَمَّا فَرَغَ مِنْ الشَّهَادَة الْجَالِبَةِ لِلنَّفْعِ شَرَعَ فِي الدَّافِعَةِ لِلضَّرَرِ.
فَقَالَ (وَتُرَدُّ شَهَادَةُ عَاقِلَةٍ بِفِسْقِ شُهُودِ قَتْلٍ) يَحْمِلُونَهُ مِنْ خَطَأٍ أَوْ شِبْهِ عَمْدٍ، بِخِلَافِ شُهُودِ إقْرَارٍ بِذَلِكَ أَوْ شُهُودِ عَمْدٍ.
فَإِنْ قِيلَ: هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ تَقَدَّمَتْ فِي بَابِ دَعْوَى الدَّمِ وَالْقَسَامَةِ فَمَا فَائِدَةُ ذِكْرِهَا هُنَا؟ .
أُجِيبَ بِأَنَّهُ أَطْلَقَ هُنَاكَ مَا يَجِبُ تَقْيِيدُهُ فِي مَوْضِعَيْنِ: أَحَدُهُمَا رَدُّ جِرَاحَةِ الْمُوَرِّثِ، وَهُوَ فِيمَا قَبْلَ الِانْدِمَالِ.
ثَانِيهِمَا رَدُّ الْعَاقِلَةِ، وَهُوَ فِيمَا يَتَحَمَّلُونَهُ، وَقَدْ ذَكَرَهُ هُنَا عَلَى الصَّوَابِ، وَبِأَنَّهُ هُنَاكَ ذَكَرَهَا لِإِفَادَةِ الْحُكْمِ وَذَكَرَهَا هُنَا لِلتَّمْثِيلِ.
تَنْبِيهٌ لَوْ شَهِدَا لِمُوَرِّثِهِمَا فَمَاتَ قَبْلَ الْحُكْمِ لَمْ يُحْكَمْ؛ لِأَنَّهُمَا الْآنَ شَاهِدَانِ لِأَنْفُسِهِمَا قَالَهُ الْمَاوَرْدِيُّ.
(وَ) تُرَدُّ شَهَادَةُ (غُرَمَاءِ مُفْلِسٍ) حُجِرَ عَلَيْهِ (بِفِسْقِ شُهُودِ دَيْنٍ آخَرَ) ظَهَرَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُمْ
وَلَوْ شَهِدَا لِاثْنَيْنِ بِوَصِيَّةٍ فَشَهِدَا لِلشَّاهِدَيْنِ بِوَصِيَّةٍ مِنْ تِلْكَ التَّرِكَةِ قُبِلَتْ الشَّهَادَتَانِ فِي الْأَصَحِّ.
وَلَا تُقْبَلُ لِأَصْلٍ وَلَا فَرْعٍ
وَتُقْبَلُ عَلَيْهِمَا
[مغني المحتاج]
يَدْفَعُونَ بِهَا ضَرَرَ الْمُزَاحَمَةِ.
تَنْبِيهٌ اسْتَثْنَى الْبُلْقِينِيُّ مِنْ ذَلِكَ مَا إذَا كَانَ لِلْغَرِيمِ الشَّاهِدِ رَهْنٌ بِدَيْنِهِ وَلَا مَالِ لِلْمُفْلِسِ غَيْرُهُ أَوْ لَهُ مَالٌ وَيُقْطَعُ بِأَنَّ الرَّهْنَ يُوفِي الدَّيْنَ الْمَرْهُونَ بِهِ فَيُقْبَلُ لِفَقْدِ ضَرَرِ الْمُزَاحَمَةِ.
قَالَ: وَلَمْ أَرَ مَنْ تَعَرَّضَ لَهُ، وَالْقَوَاعِدُ تَقْتَضِيهِ اهـ وَهَذَا مَأْخُوذٌ مِنْ التَّعْلِيلِ.
وَلَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ شَخْصٍ بِمَوْتِ مُوَرِّثِهِ وَمَنْ أَوْصَى لَهُ، وَتُقْبَلُ شَهَادَةُ الْمَدْيُونِ بِمَوْتِ الْمَدِينِ.
(وَلَوْ) (شَهِدَا) أَيْ شَاهِدَانِ (لِاثْنَيْنِ بِوَصِيَّةٍ) مِنْ تَرِكَةٍ (فَشَهِدَا) أَيْ الِاثْنَانِ (لِلشَّاهِدَيْنِ) لَهُمَا (بِوَصِيَّةٍ مِنْ تِلْكَ التَّرِكَةِ) (قُبِلَتْ الشَّهَادَتَانِ فِي الْأَصَحِّ) لِانْفِصَالِ كُلٍّ عَنْ شَهَادَةِ الْأُخْرَى، وَلَا تَجُرُّ شَهَادَتُهُ نَفْعًا وَلَا تَدْفَعُ عَنْهُ ضَرَرًا.
وَالثَّانِي: الْمَنْعُ؛ لِاحْتِمَالِ الْمُوَاطَأَةِ، وَأَجَابَ الْأَوَّلُ بِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُهَا.
تَنْبِيهٌ: تُقْبَلُ شَهَادَةُ بَعْضِ الْقَافِلَةِ لِبَعْضٍ عَلَى قَاطِعِ الطَّرِيقِ بِمِثْلِ مَا شَهِدَ لَهُ بِهِ الْبَعْضُ الْآخَرُ إذَا قَالَ كُلٌّ مِنْهُمْ أَخَذَ مَالَ فُلَانٍ، فَإِنْ قَالَ: أَخَذَ مَالَنَا لَمْ تُقْبَلْ، وَلَا تُقْبَلْ شَهَادَةُ خُنْثَى بِمَالٍ لَوْ كَانَ ذَكَرًا لَاسْتَحَقَّ فِيهِ كَوَقْفِ الذُّكُورِ.
(وَ) مِمَّا يَمْنَعُ الشَّهَادَةَ الْبَعْضِيَّةَ، وَحِينَئِذٍ (لَا تُقْبَلُ لِأَصْلٍ) لِلشَّاهِدِ وَإِنْ عَلَا (وَلَا فَرْعٍ) لَهُ وَإِنْ سَفَلَ كَشَهَادَتِهِ لِنَفْسِهِ؛ لِأَنَّهُ جُزْءٌ مِنْهُ، فَفِي الصَّحِيحِ «فَاطِمَةُ مِنِّي» وَكَذَا لَا تُقْبَلُ لِمُكَاتَبِ أَصْلِهِ أَوْ فَرْعِهِ وَلَا لِمَأْذُونِهِمَا.
تَنْبِيهَانِ: أَحَدُهُمَا قَضِيَّةُ كَلَامِهِ أَنَّهَا لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ لِأَحَدِ أَصْلَيْهِ أَوْ فَرْعَيْهِ عَلَى الْآخَرِ، وَهُوَ كَذَلِكَ كَمَا جَزَمَ بِهِ الْغَزَالِيُّ، وَيُؤَيِّدُهُ مَنْعُ الْحُكْمِ بَيْنَ أَبِيهِ وَابْنِهِ، وَإِنْ خَالَفَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ فِي ذَلِكَ مُعَلِّلًا بِأَنَّ الْوَازِعَ الطَّبْعِيَّ قَدْ تَعَارَضَ فَظَهَرَ الصِّدْقُ لِضَعْفِ التُّهْمَةِ، وَلَا تُقْبَلُ تَزْكِيَةُ الْوَالِدِ لِوَلَدِهِ وَلَا شَهَادَتُهُ لَهُ بِالرُّشْدِ، سَوَاءٌ أَكَانَ فِي حِجْرِهِ أَمْ لَا، وَإِنْ أَخَذْنَا بِإِقْرَارِهِ بِرُشْدِ مَنْ فِي حِجْرِهِ.
ثَانِيهِمَا: مَحَلُّ عَدَمِ قَبُولِ إشْهَادِ الْأَصْلِ لَفَرْعِهِ وَعَكْسِهِ إذَا لَمْ يَكُنْ ضِمْنِيًّا، فَإِنْ كَانَ صَحَّ وَيَتَّضِحُ بِصُورَتَيْنِ: إحْدَاهُمَا: مَا لَوْ ادَّعَى عَلَيْهِ نَسَبَ وَلَدٍ فَأَنْكَرَ فَشَهِدَ أَبُوهُ مَعَ أَجْنَبِيٍّ عَلَى إقْرَارِهِ أَنَّهُ وَلَدُهُ قُبِلَتْ شَهَادَةُ الْأَبِ كَمَا فِي فَتَاوَى الْقَاضِي الْحُسَيْنِ وَإِنْ كَانَ فِي ضِمْنِهِ الشَّهَادَةُ لِحَفِيدِهِ احْتِيَاطًا لِأَمْرِ النَّسَبِ.
ثَانِيَتُهُمَا: مَا لَوْ ادَّعَى شَخْصٌ شِرَاءَ عَبْدٍ فِي يَدِ زَيْدٍ مِنْ عَمْرٍو بَعْدَ أَنْ اشْتَرَاهُ عَمْرٌو مِنْ زَيْدٍ صَاحِبِ الْيَدِ وَقَبَضَهُ وَطَالَبَهُ بِالتَّسْلِيمِ فَأَنْكَرَ زَيْدٌ جَمِيعَ ذَلِكَ فَشَهِدَ ابْنَاهُ لِلْمُدَّعِي بِمَا يَقُولُهُ قُبِلَتْ شَهَادَتُهُمَا؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ بِالشَّهَادَةِ فِي الْحَالِ الْمُدَّعِي، وَهُوَ أَجْنَبِيٌّ عَنْهُمَا.
(وَتُقْبَلُ) الشَّهَادَةُ (عَلَيْهِمَا) أَيْ أَصْلِهِ وَفَرْعِهِ، سَوَاءٌ أَكَانَ فِي عُقُوبَةٍ أَمْ لَا لِانْتِفَاءِ التُّهْمَةِ، وَيُسْتَثْنَى مِنْ ذَلِكَ مَا إذَا كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَصْلِهِ أَوْ فَرْعِهِ عَدَاوَةٌ، فَإِنَّ شَهَادَتَهُ لَا تُقْبَلُ لَهُ وَلَا عَلَيْهِ كَمَا
وَكَذَا عَلَى أَبِيهِمَا بِطَلَاقِ ضَرَّةِ أُمِّهِمَا أَوْ قَذْفِهَا فِي الْأَظْهَرِ.
وَإِذَا شَهِدَ لِفَرْعٍ وَأَجْنَبِيٍّ قُبِلَتْ لِلْأَجْنَبِيِّ فِي الْأَظْهَرِ.
قُلْت: وَتُقْبَلُ لِكُلٍّ مِنْ الزَّوْجَيْنِ
وَلِأَخٍ وَصَدِيقٍ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَلَا تُقْبَلُ مِنْ عَدُوٍّ،
[مغني المحتاج]
جَزَمَ بِهِ فِي الْأَنْوَارِ (وَكَذَا) تُقْبَلُ مِنْ فَرَعَيْنَ (عَلَى أَبِيهِمَا بِطَلَاقِ ضَرَّةِ أُمِّهِمَا أَوْ قَذْفِهَا فِي الْأَظْهَرِ) لِضَعْفِ تُهْمَةِ نَفْعِ أُمِّهِمَا بِذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ مَتَى أَرَادَ طَلَّقَهَا أَوْ نَكَحَ عَلَيْهَا مَعَ إمْسَاكِهَا.
وَالثَّانِي: الْمَنْعُ فَإِنَّهَا تَجُرُّ نَفْعًا إلَى الْأُمِّ، وَهُوَ انْفِرَادُهَا بِالْأَبِ.
تَنْبِيهٌ أَفْهَمَ قَوْلُهُ عَلَى أَبِيهِمَا أَنَّ مَحَلَّ الْخِلَافِ مَا إذَا شَهِدَا حِسْبَةً أَوْ بَعْدَ دَعْوَى الضَّرَّةِ.
أَمَّا لَوْ ادَّعَى الْأَبُ الطَّلَاقَ فِي زَمَنٍ سَابِقٍ لِإِسْقَاطِ نَفَقَةٍ مَاضِيَةٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ، أَوْ ادَّعَى أَنَّهَا سَأَلَتْهُ الطَّلَاقَ عَلَى مَالٍ فَشَهِدَا لَهُ فَهُنَا لَا تُقْبَلُ الشَّهَادَةُ عَلَيْهَا؛ لِأَنَّهَا شَهَادَةٌ لِلْأَبِ لَا عَلَيْهِ، وَلَكِنْ تَحْصُلُ الْفُرْقَةُ بِقَوْلِهِ فِي دَعْوَاهُ الْخُلْعَ كَمَا مَرَّ فِي بَابِهِ.
(وَإِذَا) (شَهِدَ) بِحَقٍّ (لِفَرْعٍ) أَوْ أَصْلٍ لَهُ (وَأَجْنَبِيٍّ) كَأَنْ شَهِدَ بِرَقِيقٍ لَهُمَا كَقَوْلِهِ: هُوَ لِأَبِي وَفُلَانٍ، أَوْ عَكْسِهِ (قُبِلَتْ) تِلْكَ الشَّهَادَةُ (لِلْأَجْنَبِيِّ فِي الْأَظْهَرِ) مِنْ قَوْلَيْ تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ.
وَالثَّانِي: لَا تُفَرَّقُ فَلَا تُقْبَلُ لَهُ.
(قُلْت) كَالرَّافِعِيِّ فِي الشَّرْحِ (وَتُقْبَلُ) الشَّهَادَةُ (لِكُلٍّ مِنْ الزَّوْجَيْنِ) لِلْآخَرِ؛ لِأَنَّ الْحَاصِلَ بَيْنَهُمَا عَقْدٌ يَطْرَأُ وَيَزُولُ فَلَا يَمْنَعُ قَبُولَ الشَّهَادَةِ كَمَا لَوْ شَهِدَ الْأَجِيرُ لِلْمُسْتَأْجِرِ وَعَكْسِهِ.
تَنْبِيهٌ لَا يَصِحُّ الِاحْتِجَاجُ لِذَلِكَ بِحُكْمِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِعَائِشَةَ عَلَى أَهْلِ الْإِفْكِ كَمَا احْتَجَّ بِهِ بَعْضُهُمْ؛ لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَحْكُمُ لِنَفْسِهِ وَلِفَرْعِهِ، وَقِيلَ: لَا تُقْبَلُ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَارِثٌ لَا يُحْجَبُ فَأَشْبَهَ الْأَبَ، وَهُوَ قَوْلُ الْأَئِمَّةِ الثَّلَاثَةِ، وَاسْتَثْنَى عَلَى الْأَوَّلِ مَا إذَا شَهِدَ لِزَوْجَتِهِ بِأَنَّ فُلَانًا قَذَفَهَا فِي أَحَدِ وَجْهَيْنِ رَجَّحَهُ الْبُلْقِينِيُّ وَاحْتَرَزَ الْمُصَنِّفُ بِقَوْلِهِ: لَهُمَا عَمَّا لَوْ شَهِدَ أَحَدُهُمَا عَلَى الْآخَرِ فَإِنَّهَا تُقْبَلُ قَطْعًا إذْ لَا تُهْمَةَ، لَكِنْ يُسْتَثْنَى شَهَادَتُهُ عَلَيْهَا بِزِنَاهَا فَلَا تُقْبَلُ عَلَيْهَا؛ لِأَنَّهُ يَدَّعِي خِيَانَتَهَا فِرَاشَهُ.
(وَ) تُقْبَلُ الشَّهَادَةُ (لِأَخٍ) مِنْ أَخِيهِ، وَكَذَا مِنْ بَقِيَّةِ الْحَوَاشِي، وَإِنْ كَانُوا يَصِلُونَهُ وَيَبَرُّونَهُ (وَصَدِيقٍ) مِنْ صَدِيقِهِ، وَهُوَ مَنْ صَدَقَ فِي وِدَادِك بِأَنْ يُهِمَّهُ مَا أَهَمَّكَ.
قَالَ ابْنُ قَاسِمٍ: وَقَلِيلٌ ذَلِكَ - أَيْ فِي زَمَانِهِ - وَنَادِرٌ فِي زَمَانِنَا (وَاَللَّهُ أَعْلَمُ) لِضَعْفِ التُّهْمَةِ؛ لِأَنَّهُمَا لَا يُتَّهَمَانِ تُهْمَةَ الْأَصْلِ وَالْفَرْعِ، أَمَّا شَهَادَةُ كُلٍّ مِمَّنْ ذُكِرَ عَلَى الْآخَرِ فَمَقْبُولَةٌ جَزْمًا.
(وَلَا تُقْبَلُ) شَهَادَةٌ (مِنْ عَدُوٍّ) عَلَى عَدُوِّهِ لِحَدِيثِ «لَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ ذِي غِمْرٍ عَلَى أَخِيهِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَابْنُ مَاجَهْ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ وَالْغِمْرُ بِكَسْرِ الْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ الْغِلُّ، وَهُوَ الْحِقْدُ، وَلِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ التُّهْمَةِ تَنْبِيهٌ الْمُرَادُ بِالْعَدَاوَةِ الدُّنْيَوِيَّةِ الظَّاهِرَةُ؛ لِأَنَّ الْبَاطِنَةَ لَا يَطَّلِعُ عَلَيْهَا إلَّا عَلَّامُ الْغُيُوبِ، وَفِي مُعْجَمِ الطَّبَرَانِيِّ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. قَالَ: «سَيَأْتِي قَوْمٌ فِي آخِرِ الزَّمَانِ إخْوَانُ الْعَلَانِيَةِ أَعْدَاءُ السَّرِيرَةِ»
وَهُوَ مَنْ يُبْغِضُهُ بِحَيْثُ يَتَمَنَّى زَوَالَ نِعْمَتِهِ، وَيَحْزَنُ بِسُرُورِهِ وَيَفْرَحُ بِمُصِيبَتِهِ، وَتُقْبَلُ لَهُ، وَكَذَا عَلَيْهِ فِي عَدَاوَةِ دِينٍ كَكَافِرٍ وَمُبْتَدِعٍ.
وَتُقْبَلُ شَهَادَةُ مُبْتَدِعٍ لَا نُكَفِّرُهُ.
[مغني المحتاج]
قِيلَ لِنَبِيِّ اللَّهِ أَيُّوبَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: أَيُّ شَيْءٍ كَانَ أَشَدَّ عَلَيْك مِمَّا مَرَّ بِك.
قَالَ شَمَاتَةُ الْأَعْدَاءِ، وَكَانَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَسْتَعِيذُ بِاَللَّهِ مِنْهَا، فَنَسْأَلُ اللَّهَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى الْعَافِيَةَ مِنْ ذَلِكَ (وَهُوَ) أَيْ الْعَدُوُّ (مَنْ يُبْغِضُهُ) أَيْ الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ (بِحَيْثُ يَتَمَنَّى زَوَالَ نِعْمَتِهِ) سَوَاءٌ أَطَلَبَهَا لِنَفْسِهِ أَمْ لِغَيْرِهِ أَمْ لَا (وَيَحْزَنُ بِسُرُورِهِ وَيَفْرَحُ بِمُصِيبَتِهِ) لِشَهَادَةِ الْعُرْفِ بِذَلِكَ، وَقَدْ تَكُونُ الْعَدَاوَةُ مِنْ الْجَانِبَيْنِ، وَقَدْ تَكُونُ مِنْ أَحَدِهِمَا فَيُخْتَصُّ بِرَدِّ شَهَادَتِهِ عَلَى الْآخَرِ، وَلَوْ عَادَى مَنْ يُسْتَشْهَدُ عَلَيْهِ وَبَالَغَ فِي خِصَامِهِ وَلَمْ يُجِبْهُ ثُمَّ شَهِدَ عَلَيْهِ لَمْ تُرَدَّ شَهَادَتُهُ لِئَلَّا يُتَّخَذَ ذَلِكَ ذَرِيعَةً إلَى رَدِّهَا، وَلَوْ أَفْضَتْ الْعَدَاوَةُ إلَى الْفِسْقِ رُدَّتْ مُطْلَقًا.
تَنْبِيهٌ هَذَا الضَّابِطُ لَخَّصَهُ الرَّافِعِيُّ مِنْ كَلَامِ الْغَزَالِيِّ قَالَ الْبُلْقِينِيُّ: ذِكْرُ الْبُغْضِ لَيْسَ فِي الْمُحَرَّرِ وَلَا فِي الرَّوْضَةِ وَأَصْلِهَا وَلَمْ يَذْكُرْهُ أَحَدٌ مِنْ الْأَصْحَابِ وَلَا مَعْنَى لِذِكْرِهِ هُنَا؛ لِأَنَّ الْعَدَاوَةَ غَيْرُ الْبَغْضَاءِ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ﴾ [الممتحنة: 4] وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ الْبَغْضَاءَ بِالْقَلْبِ وَالْعَدَاوَةَ بِالْفِعْلِ وَهِيَ أَغْلَظُ، فَلَا يُفَسَّرُ الْأَغْلَظُ بِالْأَخَفِّ، وَقَالَ الزَّرْكَشِيُّ: الْأَشْبَهُ فِي الضَّابِطِ تَحْكِيمُ الْعُرْفِ كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ فِي الْمَطْلَبِ، فَمَنْ عَدَّهُ أَهْلُ الْعُرْفِ عَدُوًّا لِلْمَشْهُودِ عَلَيْهِ رُدَّتْ شَهَادَتُهُ عَلَيْهِ، إذْ لَا ضَابِطَ لَهُ فِي الشَّرْعِ وَلَا فِي اللُّغَةِ.
فَرْعٌ: حُبُّ الرَّجُلِ لِقَوْمِهِ لَيْسَ عَصَبِيَّةً حَتَّى تُرَدَّ شَهَادَتُهُ لَهُمْ بَلْ تُقْبَلُ مَعَ أَنَّ الْعَصَبِيَّةَ وَهِيَ أَنْ يُبْغِضَ الرَّجُلَ لِكَوْنِهِ مِنْ بَنِي فُلَانٍ لَا تَقْتَضِي الرَّدَّ بِمُجَرَّدِهَا، وَإِنْ أَجْمَعَ جَمَاعَةٌ عَلَى أَعْدَاءِ قَوْمِهِ وَوَقَعَ مَعَهَا فِيهِمْ رُدَّتْ شَهَادَتُهُ عَلَيْهِمْ (وَتُقْبَلُ لَهُ) أَيْ الْعَدُوِّ إذَا لَمْ يَكُنْ أَصْلُهُ أَوْ فَرْعُهُ إذْ لَا تُهْمَةَ وَالْفَضْلُ مَا شَهِدَتْ بِهِ الْأَعْدَاءُ وَتُقْبَلُ تَزْكِيَتُهُ لَهُ أَيْضًا لَا تَزْكِيَتُهُ لِشَاهِدٍ شَهِدَ عَلَيْهِ كَمَا بَحَثَهُ ابْنُ الرِّفْعَةِ، وَخَرَجَ بِالْعَدُوِّ أَصْلُ الْعَدُوِّ وَفَرْعُهُ فَتُقْبَلُ شَهَادَتُهُمَا، إذْ لَا مَانِعَ بَيْنَهُمَا وَبَيْنَ الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ (وَكَذَا) تُقْبَلُ (عَلَيْهِ) أَيْ الْعَدُوِّ (فِي عَدَاوَةِ دِينٍ كَكَافِرٍ) شَهِدَ عَلَيْهِ مُسْلِمٌ (وَمُبْتَدِعٍ) شَهِدَ عَلَيْهِ سُنِّيٌّ؛ لِأَنَّ الْعَدَاوَةَ الدِّينِيَّةَ لَا تُوجِبُ رَدَّ الشَّهَادَةِ.
تَنْبِيهٌ لَوْ قَالَ الْعَالِمُ لِجَمَاعَةٍ: لَا تَسْمَعُوا الْحَدِيثَ مِنْ فُلَانٍ فَإِنَّهُ يَخْلِطُ أَوْ لَا تَسْتَفْتُوا مِنْهُ فَإِنَّهُ لَا يُحْسِنُ الْفَتْوَى لَمْ تُرَدَّ شَهَادَتُهُ؛ لِأَنَّ هَذَا نُصْحٌ لِلنَّاسِ، نَصّ عَلَيْهِ فِي الْأُمِّ قَالَ وَلَيْسَ هَذَا بِعَدَاوَةٍ وَلَا غِيبَةٍ إنْ كَانَ يَقُولُهُ لِمَنْ يَخَافُ أَنْ يَتَّبِعَهُ وَيُخْطِئَ بِاتِّبَاعِهِ.
(وَتُقْبَلُ شَهَادَةُ مُبْتَدِعٍ لَا نُكَفِّرُهُ) بِبِدْعَتِهِ قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: وَلَا نُفَسِّقُهُ بِهَا، وَلَمْ يُبَيِّنْ الْمُصَنِّفُ مَنْ لَمْ يُكَفَّرْ بِبِدْعَتِهِ وَمَنْ يُكَفَّرُ بِهَا، وَقَدْ مَرَّ فِي بَابِ الرِّدَّةِ جُمْلَةٌ مِنْ ذَلِكَ، وَمِنْ الْقِسْمِ الْأَوَّلِ مُنْكِرُ صِفَاتِ اللَّهِ تَعَالَى
لَا مُغَفَّلٍ
[مغني المحتاج]
وَخَلْقِهِ أَفْعَالَ عِبَادِهِ وَجَوَازِ رُؤْيَتِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لِاعْتِقَادِهِمْ أَنَّهُمْ مُصِيبُونَ فِي ذَلِكَ لِمَا قَامَ عِنْدَهُمْ، وَقَدْ رَوَى أَبُو دَاوُد بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «تَفْتَرِقُ أُمَّتِي عَلَى ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ فِرْقَةً» فَجَعَلَ الْكُلَّ مِنْ أُمَّتِهِ، وَمِنْ الْقِسْمِ الثَّانِي مُنْكِرُو حُدُوثِ الْعَالَمِ وَالْبَعْثِ وَالْحَشْرِ لِلْأَجْسَامِ وَعِلْمِ اللَّهِ تَعَالَى بِالْمَعْدُومِ وَبِالْجُزْئِيَّاتِ لِإِنْكَارِ بَعْضِ مَا عُلِمَ مَجِيءُ الرَّسُولِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِهِ ضَرُورَةً فَلَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُمْ وَلَا شَهَادَةُ مَنْ يَدْعُو النَّاسَ إلَى بِدْعَتِهِ وَلَا خَطَّابِيٍّ لِمِثْلِهِ، وَهُمْ أَصْحَابُ أَبِي الْخَطَّابِ الْأَسَدِيِّ الْكُوفِيِّ كَانَ يَقُولُ بِإِلَهِيَّةِ أَبِي جَعْفَرٍ الصَّادِقِ.
ثُمَّ ادَّعَى إلَهِيَّةً لِنَفْسِهِ وَهُمْ يَعْتَقِدُونَ أَنَّ الْكَذِبَ كُفْرٌ، وَأَنَّ مَنْ كَانَ عَلَى مَذْهَبِهِمْ لَا يَكْذِبُ فَيُصَدِّقُونَهُ عَلَى مَا يَقُولُ وَيَشْهَدُونَ لَهُ بِمُجَرَّدِ إخْبَارِهِ.
هَذَا إذَا لَمْ يَذْكُرُوا فِي شَهَادَتِهِمْ مَا يَنْفِي احْتِمَالَ اعْتِمَادِهِمْ عَلَى قَوْلِ الْمَشْهُودِ لَهُ، فَإِنْ بَيَّنُوا مَا يَنْفِي الِاحْتِمَالَ كَأَنْ قَالُوا: سَمِعْنَاهُ يُقِرُّ لَهُ بِكَذَا أَوْ رَأَيْنَاهُ يُقْرِضُهُ كَذَا قُبِلَتْ فِي الْأَصَحِّ.
تَنْبِيهٌ قَضِيَّةُ إطْلَاقِهِ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ سَبِّ الصَّحَابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - وَغَيْرِهِ وَهُوَ الْمُرَجَّحُ فِي زِيَادَةِ الرَّوْضَةِ قَالَ بِخِلَافِ مَنْ قَذَفَ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا - فَإِنَّهُ كَافِرٌ - أَيْ لِأَنَّهُ كَذَبَ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى، وَقَالَ السُّبْكِيُّ فِي الْحَلَبِيَّاتِ فِي تَكْفِيرِ مَنْ سَبَّ الشَّيْخَيْنِ وَجْهَانِ لِأَصْحَابِنَا فَإِنْ لَمْ نُكَفِّرْهُ فَهُوَ فَاسِقٌ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ، وَمَنْ سَبَّ بَقِيَّةَ الصَّحَابَةِ فَهُوَ فَاسِقٌ مَرْدُودُ الشَّهَادَةِ وَلَا يُغَلَّطُ فَيُقَالُ: شَهَادَتُهُ مَقْبُولَةٌ اهـ.
فَجَعَلَ مَا رَجَّحَهُ فِي الرَّوْضَةِ غَلَطًا.
قَالَ الْأَذْرَعِيُّ: وَهُوَ كَمَا قَالَ، وَنُقِلَ عَنْ جَمْعٍ التَّصْرِيحُ بِهِ وَأَنَّ الْمَاوَرْدِيُّ قَالَ: مَنْ سَبَّ الصَّحَابَةَ أَوْ لَعَنَهُمْ أَوْ كَفَّرَهُمْ فَهُوَ فَاسِقٌ مَرْدُودُ الشَّهَادَةِ، وَقَضِيَّةُ إطْلَاقِ الشَّيْخَيْنِ قَبُولُ شَهَادَةِ أَهْلِ الْأَهْوَاءِ غَيْرِ الْخَطَّابِيَّةِ، وَأَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ مَنْ يَسْتَحِلُّ الْمَالَ وَالدَّمَ وَغَيْرَهُمَا، وَنَقَلَ فِي زِيَادَةِ الرَّوْضَةِ التَّصْرِيحَ بِهِ عَنْ نَصِّ الْأُمِّ، وَنَقَلَا فِي بَابِ الْبُغَاةِ عَنْ الْمُعْتَبَرِينَ أَنَّهُ لَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ أَهْلِ الْبَغْيِ وَلَا يَنْفُذُ قَضَاءُ قَاضِيهِمْ إذَا اسْتَحَلُّوا دِمَاءَنَا وَأَمْوَالَنَا وَقَدَّمْنَا الْفَرْقَ هُنَاكَ فَلْيُرَاجَعْ.
فَائِدَةٌ: قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: الْبِدْعَةُ مُنْقَسِمَةٌ إلَى وَاجِبَةٍ، وَمُحَرَّمَةٍ، وَمَنْدُوبَةٍ، وَمَكْرُوهَةٍ، وَمُبَاحَةٍ.
قَالَ وَالطَّرِيقُ فِي ذَلِكَ أَنْ تُعْرَضَ الْبِدْعَةُ عَلَى قَوَاعِدِ الشَّرِيعَةِ، فَإِنْ دَخَلَتْ فِي قَوَاعِدِ الْإِيجَابِ فَهِيَ وَاجِبَةٌ كَالِاشْتِغَالِ بِعِلْمِ النَّحْوِ أَوْ فِي قَوَاعِدِ التَّحْرِيمِ فَمُحَرَّمَةٌ كَمَذْهَبِ الْقَدَرِيَّةِ وَالْمُرْجِئَةِ وَالْمُجَسِّمَةِ وَالرَّافِضَةِ.
قَالَ: وَالرَّدُّ عَلَى هَؤُلَاءِ مِنْ الْبِدَعِ الْوَاجِبَةِ.
أَيْ لِأَنَّ الْمُبْتَدِعَ مَنْ أَحْدَثَ فِي الشَّرِيعَةِ مَا لَمْ يَكُنْ فِي عَهْدِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَوْ فِي قَوَاعِدِ الْمَنْدُوبِ فَمَنْدُوبَةٌ كَبِنَاءِ الرُّبُطِ وَالْمَدَارِسِ، وَكُلُّ إحْسَانٍ لَمْ يَحْدُثْ فِي الْعَصْرِ الْأَوَّلِ كَصَلَاةِ التَّرَاوِيحِ، أَوْ فِي قَوَاعِدِ الْمَكْرُوهِ فَمَكْرُوهٌ كَزَخْرَفَةِ الْمَسَاجِدِ وَتَزْوِيقِ الْمَصَاحِفِ، أَوْ فِي قَوَاعِدِ الْمُبَاحِ فَمُبَاحَةٌ كَالْمُصَافَحَةِ عَقِبَ الصُّبْحِ وَالْعَصْرِ وَالتَّوَسُّعِ فِي الْمَآكِلِ وَالْمَلَابِسِ، وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ بِإِسْنَادِهِ فِي مَنَاقِبِ الشَّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّهُ قَالَ: الْمُحْدَثَاتُ ضَرْبَانِ: أَحَدُهُمَا مَا خَالَفَ كِتَابًا أَوْ سُنَّةً أَوْ إجْمَاعًا فَهُوَ بِدْعَةٌ وَضَلَالَةٌ: وَالثَّانِي مَا أُحْدِثَ مِنْ الْخَيْرِ فَهُوَ غَيْرُ مَذْمُومٍ.
وَ (لَا) تُقْبَلُ شَهَادَةُ (مُغَفَّلٍ
لَا يَضْبِطُ.
وَلَا مُبَادِرٍ.
وَتُقْبَلُ شَهَادَةُ الْحِسْبَةِ فِي حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى، وَفِيمَا لَهُ فِيهِ حَقٌّ مُؤَكَّدٌ كَطَلَاقٍ وَعِتْقٍ
[مغني المحتاج]
لَا يَضْبِطُ) أَصْلًا أَوْ غَالِبًا لِعَدَمِ التَّوَثُّقِ بِقَوْلِهِ.
أَمَّا مَنْ لَا يَضْبِطُ نَادِرًا وَالْأَغْلَبُ فِيهِ الْحِفْظُ وَالضَّبْطُ فَتُقْبَلُ قَطْعًا؛ لِأَنَّ أَحَدًا لَا يَسْلَمُ مِنْ ذَلِكَ، وَمَنْ تَعَادَلَ غَلَطُهُ وَضَبْطُهُ فَالظَّاهِرُ كَمَا قَالَ الْأَذْرَعِيُّ أَنَّهُ كَمَنْ غَلَبَ غَلَطُهُ.
تَنْبِيهٌ مَحَلُّ الرَّدِّ فِيمَنْ غَلَطُهُ وَضَبْطُهُ سَوَاءٌ إذَا لَمْ تَكُنْ الشَّهَادَةُ مُفَسَّرَةً، فَإِنْ فَسَّرَهَا وَبَيَّنَ وَقْتَ التَّحَمُّلِ وَمَكَانِهِ قُبِلَتْ كَمَا جَرَى عَلَيْهِ الشَّيْخَانِ قَالَ الْإِمَامُ: وَالِاسْتِفْصَالُ عِنْدَ اسْتِشْعَارِ الْقَاضِي غَفْلَةً فِي الشُّهُودِ حَتْمٌ، وَكَذَا إنْ رَابَهُ أَمْرٌ، وَإِذَا اسْتَفْصَلَهُمْ وَلَمْ يُفَصِّلُوا بَحَثَ عَنْ أَحْوَالِهِمْ، فَإِنْ تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُمْ غَيْرُ مُغَفَّلِينَ قَضَى بِشَهَادَتِهِمْ الْمُطْلَقَةِ.
قَالَ وَمُعْظَمُ شَهَادَةِ الْعَوَامّ يَشُوبُهَا غِرَّةٌ وَسَهْوٌ وَجَهْلٌ، وَإِنْ كَانُوا عُدُولًا فَيَتَعَيَّنُ الِاسْتِفْصَالُ كَمَا ذَكَرْنَا، وَلَيْسَ الِاسْتِفْصَالُ مَقْصُودًا فِي نَفْسِهِ، وَإِنَّمَا الْغَرَضُ تَبَيُّنُ تَثَبُّتِهِمْ فِي الشَّهَادَةِ.
(وَلَا) تُقْبَلُ شَهَادَةُ (مُبَادِرٍ) بِشَهَادَتِهِ قَبْلَ الدَّعْوَى جَزْمًا، وَكَذَا بَعْدَهَا وَقَبْلَ أَنْ يُسْتَشْهَدَ عَلَى الْأَصَحِّ لِلتُّهْمَةِ وَلِخَبَرِ الصَّحِيحَيْنِ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «خَيْرُ الْقُرُونِ قَرْنِي، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ثُمَّ يَجِيءُ قَوْمٌ يَشْهَدُونَ وَلَا يُسْتَشْهَدُونَ» فَإِنَّ ذَلِكَ فِي مَقَامِ الذَّمِّ لَهُمْ، وَأَمَّا خَبَرُ مُسْلِمٍ «أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِخَيْرِ الشُّهُودِ الَّذِي يَأْتِي بِشَهَادَتِهِ قَبْلَ أَنْ يُسْأَلَهَا» فَمَحْمُولٌ عَلَى مَا تُسْمَعُ فِيهِ شَهَادَةُ الْحِسْبَةِ.
تَنْبِيهٌ تُقْبَلُ شَهَادَةُ مَنْ اخْتَبَأَ وَجَلَسَ فِي زَاوِيَةٍ مُخْتَبِئًا لِتَحَمُّلِ الشَّهَادَةِ؛ لِأَنَّ الْحَاجَةَ قَدْ تَدْعُو إلَيْهِ، وَيُسَنُّ أَنْ يُخْبِرَ الْخَصْمَ أَنِّي شَهِدْت عَلَيْك لِئَلَّا يُبَادِرَ إلَى تَكْذِيبِهِ فَيَعْذُرُهُ الْقَاضِي وَلَوْ قَالَ رَجُلَانِ مَثَلًا لِثَالِثٍ: تَوَسَّطْ بَيْنَنَا لِنَتَحَاسَبَ وَلَا تَشْهَدْ عَلَيْنَا بِمَا جَرَى، فَهَذَا شَرْطٌ بَاطِلٌ وَعَلَيْهِ أَنْ يَشْهَدَ.
قَالَ ابْنُ الْقَاصِّ: وَتَرْكُ الدُّخُولِ فِي ذَلِكَ أَحَبُّ إلَيَّ.
ثُمَّ اسْتَثْنَى الْمُصَنِّفُ مِنْ عَدَمِ صِحَّةِ شَهَادَةِ الْمُبَادِرِ مَا ذَكَرَهُ بِقَوْلِهِ (وَتُقْبَلُ شَهَادَةُ الْحِسْبَةِ) مِنْ الِاحْتِسَابِ وَهُوَ طَلَبُ الْأَجْرِ، سَوَاءٌ أَسَبَقَهَا دَعْوَى أَمْ لَا، كَانَتْ فِي غَيْبَةِ الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ أَمْ لَا، وَهِيَ كَغَيْرِهَا مِنْ الشَّهَادَاتِ فِي شُرُوطِهَا السَّابِقَةِ (فِي حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى) الْمُتَمَحِّضَةِ كَالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَالصَّوْمِ بِأَنْ يَشْهَدَ بِتَرْكِهَا (وَفِيمَا لَهُ) أَيْ فِي الَّذِي لِلَّهِ (فِيهِ حَقٌّ مُؤَكَّدٌ) وَهُوَ مَا لَا يَتَأَثَّرُ بِرِضَا الْآدَمِيِّ (كَطَلَاقٍ) بَائِنٍ أَوْ رَجْعِيٍّ، وَأَمَّا الْخُلْعُ فَنَقَلَا عَنْ الْبَغَوِيِّ الْمَنْعَ؛ لِأَنَّهُ يَنْفَكُّ عَنْ الْمَالِ، وَعَنْ الْإِمَامِ أَنَّهَا تُسْمَعُ لِثُبُوتِ الطَّلَاقِ دُونَ الْمَالِ.
قَالَ فِي الْمُهِمَّاتِ: وَالرَّاجِحُ مَا قَالَهُ الْإِمَامُ اهـ.
وَهَذَا هُوَ الظَّاهِرُ، وَجَرَى عَلَيْهِ ابْنُ الْمُقْرِي فِي رَوْضِهِ؛ لِأَنَّ الْمَالَ حَقُّ آدَمِيٍّ دُونَ الْفِرَاقِ، (وَعِتْقٍ) غَيْرِ ضِمْنِيٍّ، وَلَا فَرْقَ فِي الْعِتْقِ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ مُنَجَّزًا أَوْ مُعَلَّقًا، عَبْدًا أَوْ أَمَةً، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: تُقْبَلُ فِي عِتْقِ الْأَمَةِ دُونَ الْعَبْدِ.
أَمَّا الضِّمْنِيُّ كَمَنْ شَهِدَ لِشَخْصٍ بِشِرَاءِ قَرِيبِهِ فَلَا يَصِحُّ فِي الْأَصَحِّ؛ لِأَنَّهَا شَهَادَةٌ بِالْمِلْكِ، وَالْعِتْقُ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ.
وَعَفْوٍ عَنْ قِصَاصٍ، وَبَقَاءِ عِدَّةٍ وَانْقِضَائِهَا، وَحَدٍّ لَهُ، وَكَذَا النَّسَبُ عَلَى الصَّحِيحِ.
وَمَتَى حَكَمَ بِشَاهِدَيْنِ فَبَانَا كَافِرَيْنِ أَوْ عَبْدَيْنِ أَوْ صَبِيَّيْنِ نَقَضَهُ هُوَ وَغَيْرُهُ،
[مغني المحتاج]
تَنْبِيهٌ الْمُرَادُ بِالْعِتْقِ أَنْ يَشْهَدَ بِخُصُوصِهِ، فَلَوْ شَهِدَ بِمَا يُفْضِي إلَيْهِ فَالْمَنْقُولُ فِي الِاسْتِيلَادِ الْقَبُولُ، وَأَمَّا التَّدْبِيرُ وَالتَّعْلِيقُ بِصِفَةٍ وَالْكِتَابَةُ فَلَا يُقْبَلُ فِيهَا فَفَارَقَتْ الِاسْتِيلَادَ بِأَنَّهُ يُفْضِي إلَى الْعِتْقِ لَا مَحَالَةَ بِخِلَافِهَا، وَتَصِحُّ شَهَادَتُهُ بِالْعِتْقِ الْحَاصِلِ بِشِرَاءِ الْقَرِيبِ وَالتَّدْبِيرِ وَتَعْلِيقِ الْعِتْقِ وَالْكِتَابَةِ (وَعَفْوٍ عَنْ قِصَاصٍ) فِي نَفْسٍ أَوْ طَرَفٍ لِمَا فِيهِ مِنْ سَلَامَةِ النَّفْسِ وَهُوَ حَقُّ اللَّهِ تَعَالَى أَيْضًا (وَبَقَاءِ عِدَّةٍ وَانْقِضَائِهَا) لِمَا يَتَرَتَّبُ عَلَى الْأَوَّلِ مِنْ صِيَانَةِ الْفَرْجِ وَاسْتِبَاحَتِهِ مِنْ غَيْرِ طَرِيقٍ شَرْعِيٍّ، وَلِمَا فِي الثَّانِي مِنْ الصِّيَانَةِ بِقَصْدِ التَّعَفُّفِ بِالنِّكَاحِ، وَيَلْتَحِقُ بِذَلِكَ تَحْرِيمُ الرَّضَاعِ وَالْمُصَاهَرَةِ (وَحَدٍّ لَهُ) تَعَالَى كَحَدِّ الزِّنَا وَقَطْعِ الطَّرِيقِ وَكَذَا حَدُّ السَّرِقَةِ عَلَى الصَّحِيحِ بِأَنْ يَشْهَدَ بِمُوجِبِ ذَلِكَ، وَالْمُسْتَحَبُّ سَتْرُهُ إذَا رَأَى الْمَصْلَحَةَ فِيهِ (وَكَذَا النَّسَبُ عَلَى الصَّحِيحِ) لِأَنَّ فِي وَصْلِهِ حَقًّا لِلَّهِ تَعَالَى، إذْ الشَّرْعُ أَكَّدَ الْأَنْسَابَ وَمَنَعَ قَطْعَهَا فَضَاهَى الطَّلَاقَ وَالْعَتَاقَ.
وَالثَّانِي لَا لِتَعَلُّقِ حَقِّ الْآدَمِيِّ فِيهِ.
تَنْبِيهٌ يُلْتَحَقُ بِمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ الْإِحْصَانُ، وَالتَّعْدِيلُ، وَالزَّكَوَاتُ، وَالْكَفَّارَاتُ، وَالْبُلُوغُ، وَالْكُفْرُ، وَالْإِسْلَامُ، وَتَحْرِيمُ الْمُصَاهَرَةِ، وَالْوَصِيَّةُ، وَالْوَقْفُ إذَا عَمَّتْ جِهَتُهُمَا وَلَوْ أُخِّرَتْ الْجِهَةُ الْعَامَّةُ، فَيَدْخُلُ نَحْوُ مَا أَفْتَى بِهِ الْبَغَوِيّ مِنْ أَنَّهُ لَوْ وَقَفَ دَارًا عَلَى أَوْلَادِهِ، ثُمَّ الْفُقَرَاءِ فَاسْتَوْلَى عَلَيْهَا وَرَثَتُهُ وَتَمَلَّكُوهَا، فَشَهِدَ شَاهِدَانِ حِسْبَةً قَبْلَ انْقِرَاضِ أَوْلَادِهِ بِوَقْفِيَّتِهَا قُبِلَتْ شَهَادَتُهُمَا؛ لِأَنَّ آخِرَهُ وَقْفٌ عَلَى الْفُقَرَاءِ، لَا إنْ خُصَّتْ جِهَتُهُمَا فَلَا تُقْبَلُ فِيهَا لِتَعَلُّقِهِمَا بِحُظُوظٍ خَاصَّةٍ، وَاحْتُرِزَ بِحُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى عَنْ حُقُوقِ الْآدَمِيِّ كَالْقِصَاصِ، وَحَدِّ الْقَذْفِ، وَالْبُيُوعِ، وَالْأَقَارِيرِ وَنَحْوِهَا لَكِنْ إذَا لَمْ يَعْلَمْ صَاحِبُ الْحَقِّ بِهِ أَعْلَمَهُ الشَّاهِدُ بِهِ لِيَسْتَشْهِدَهُ بَعْدَ الدَّعْوَى، وَإِنَّمَا تُسْمَعُ شَهَادَةُ الْحِسْبَةِ عِنْدَ الْحَاجَةِ إلَيْهَا، فَلَوْ شَهِدَ اثْنَانِ أَنَّ فُلَانًا أَعْتَقَ عَبْدَهُ، أَوْ أَنَّهُ أَخُو فُلَانَةَ مِنْ الرَّضَاعِ لَمْ يَكْفِ حَتَّى يَقُولَا: إنَّهُ يَسْتَرِقُّهُ، أَوْ أَنَّهُ يُرِيدُ نِكَاحَهَا، وَكَيْفِيَّةُ شَهَادَةِ الْحِسْبَةِ أَنَّ الشُّهُودَ يَجِيئُونَ إلَى الْقَاضِي وَيَقُولُونَ: نَحْنُ نَشْهَدُ عَلَى فُلَانٍ بِكَذَا فَأَحْضِرْهُ لِنَشْهَدَ عَلَيْهِ، فَإِنْ ابْتَدَءُوا وَقَالُوا: فُلَانٌ زَنَى فَهُمْ قَذَفَةٌ، وَمَا تُقْبَلُ فِيهِ شَهَادَةُ الْحِسْبَةِ هَلْ تُسْمَعُ فِيهِ دَعْوَاهَا؟ وَجْهَانِ أَوْجَهُهُمَا كَمَا جَرَى عَلَيْهِ ابْنُ الْمُقْرِي تَبَعًا لِلْإِسْنَوِيِّ، وَنَسَبَهُ الْإِمَامُ لِلْعِرَاقِيِّينَ لَا تُسْمَعُ؛ لِأَنَّهُ لَا حَقَّ لِلْمُدَّعِي فِي الْمَشْهُودِ بِهِ، وَمَنْ لَهُ الْحَقُّ لَمْ يَأْذَنْ فِي الطَّلَبِ وَالْإِثْبَاتِ، بَلْ أَمَرَ فِيهِ بِالْإِعْرَاضِ وَالدَّفْعِ مَا أَمْكَنَ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي وَرَجَّحَهُ الْبُلْقِينِيُّ: أَنَّهَا تُسْمَعُ وَيَجِبُ حَمْلُهُ عَلَى غَيْرِ حُدُودِ اللَّهِ تَعَالَى، وَكَذَا فَصَّلَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ فَقَالَ: إنَّهَا تُسْمَعُ إلَّا فِي مَحْضِ حُدُودِ اللَّهِ تَعَالَى.
(وَمَتَى) (حَكَمَ) قَاضٍ (بِشَاهِدَيْنِ فَبَانَا) عِنْدَ أَدَاءِ الشَّهَادَةِ أَوْ عِنْدَ الْحُكْمِ بِهِمَا (كَافِرَيْنِ، أَوْ عَبْدَيْنِ) (أَوْ صَبِيَّيْنِ) أَوْ امْرَأَتَيْنِ، أَوْ خُنْثَيَيْنِ، أَوْ بَانَ أَحَدُهُمَا كَذَلِكَ (نَقَضَهُ هُوَ وَغَيْرُهُ) لِتَيَقُّنِ الْخَطَأِ فِيهِ،
وَكَذَا فَاسِقَانِ فِي الْأَظْهَرِ.
وَلَوْ شَهِدَ كَافِرٌ أَوْ عَبْدٌ أَوْ صَبِيٌّ ثُمَّ أَعَادَهَا بَعْدَ كَمَالِهِ قُبِلَتْ شَهَادَتُهُ، أَوْ فَاسِقٌ تَابَ
[مغني المحتاج]
وَالْمُرَادُ إظْهَارُ الْبُطْلَانِ.
قَالَ فِي أَصْلِ الرَّوْضَةِ: فَإِنْ قِيلَ: قَدْ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي شَهَادَةِ الْعَبْدِ، فَكَيْفَ نُقِضَ الْحُكْمُ فِي مَحَلِّ الْخِلَافِ وَالِاجْتِهَادِ فِيهِ؟ قُلْنَا: لِأَنَّ الصُّورَةَ مَفْرُوضَةٌ فِيمَنْ لَا يَعْتَقِدُ الْحُكْمَ بِشَهَادَةِ الْعَبْدِ وَحَكَمَ بِشَهَادَةِ مَنْ ظَنَّهُمَا حُرَّيْنِ فَلَا اعْتِدَادَ بِمِثْلِ هَذَا الْحُكْمِ، وَلِأَنَّهُ حُكْمٌ يُخَالِفُ الْقِيَاسَ الْجَلِيَّ؛ لِأَنَّ الْعَبْدَ نَاقِصٌ فِي الْوِلَايَاتِ وَسَائِرِ الْأَحْكَامِ فَكَذَا فِي الشَّهَادَةِ (وَكَذَا فَاسِقَانِ) ظَهَرَ فِسْقُهُمَا عِنْدَ الْقَاضِي يُنْقَضُ الْحُكْمُ بِهِمَا (فِي الْأَظْهَرِ) كَمَا فِي الْمَسَائِلِ الْمَذْكُورَةِ؛ لِأَنَّ النَّصَّ وَالْإِجْمَاعَ دَلَّا عَلَى اعْتِبَارِ الْعَدَالَةِ.
وَالثَّانِي: لَا يُنْقَضُ؛ لِأَنَّ قَبُولَهُمَا بِالِاجْتِهَادِ، وَقَبُولَ بَيِّنَةِ فِسْقِهِمَا بِالِاجْتِهَادِ، وَلَا يُنْقَضُ الِاجْتِهَادُ بِالِاجْتِهَادِ، وَعُورِضَ بِأَنَّ الْحُكْمَ بِالِاجْتِهَادِ يُنْقَضُ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ الْعَدْلِ مَعَ أَنَّ عَدَالَتَهُ إنَّمَا تَثْبُتُ بِالِاجْتِهَادِ.
تَنْبِيهٌ قَيَّدَ الْقَاضِي الْحُسَيْنُ وَالْبَغَوِيُّ النَّقْضَ بِمَا إذَا كَانَ الْفِسْقُ ظَاهِرًا غَيْرَ مُجْتَهَدٍ فِيهِ، فَإِنْ كَانَ مُجْتَهَدًا فِيهِ كَشُرْبِ النَّبِيذِ لَمْ يُنْقَضْ قَطْعًا؛ لِأَنَّ الِاجْتِهَادَ لَا يُنْقَضُ بِالِاجْتِهَادِ، وَلَوْ شَهِدَ عَدْلَانِ عَلَى فِسْقِهِمَا مُطْلَقَيْنِ وَلَمْ يُسْنِدَا إلَى حَالَةِ الْحُكْمِ لَمْ يُنْقَضْ الْقَضَاءُ؛ لِاحْتِمَالِ حُدُوثِهِ بَعْدَ الْحُكْمِ كَمَا قَالَهُ صَاحِبُ الْكَافِي، وَاقْتَضَاهُ كَلَامُ الرَّافِعِيِّ فِي بَابِ الْقَضَاءِ عَلَى الْغَائِبِ.
فَرْعٌ: لَوْ شَهِدَ شَاهِدَانِ ثُمَّ فَسَقَا، أَوْ ارْتَدَّا قَبْلَ الْحُكْمِ لَمْ يُحْكَمْ بِشَهَادَتِهِمَا؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يُوقِعُ رِيبَةً فِيمَا مَضَى، وَيُشْعِرُ بِخُبْثٍ كَامِنٍ، وَلِأَنَّ الْفِسْقَ يَخْفَى غَالِبًا، فَرُبَّمَا كَانَ مَوْجُودًا عِنْدَ الشَّهَادَةِ، وَإِنْ عَمِيَا أَوْ خَرِسَا أَوْ جُنَّا أَوْ مَاتَا حُكِمَ بِشَهَادَتِهِمَا؛؛ لِأَنَّ هَذِهِ الْأُمُورَ لَا تُوقِعُ رِيبَةً فِيمَا مَضَى، بَلْ يَجُوزُ تَعْدِيلُهُمَا بَعْدَ حُدُوثِ هَذِهِ الْأُمُورِ وَيَحْكُمُ بِشَهَادَتِهِمَا، وَلَوْ فَسَقَا أَوْ ارْتَدَّا بَعْدَ الْحُكْمِ بِشَهَادَتِهِمَا وَقَبْلَ اسْتِيفَاءِ الْمَالِ اُسْتُوْفِيَ، كَمَا لَوْ رَجَعَا عَنْ شَهَادَتِهِمَا كَذَلِكَ، وَخَرَجَ بِالْمَالِ الْحُدُودُ فَلَا تُسْتَوْفَى، وَلَوْ قَالَ الْحَاكِمُ بَعْدَ الْحُكْمِ: بَانَ لِي أَنَّهُمَا كَانَا فَاسِقَيْنِ وَلَمْ تَظْهَرْ بَيِّنَةٌ بِفِسْقِهِمَا نُقِضَ حُكْمُهُ إنْ جَوَّزْنَا قَضَاءَهُ بِالْعِلْمِ وَهُوَ الْأَصَحُّ وَلَمْ يُتَّهَمْ فِيهِ، وَلَوْ قَالَ: أُكْرِهْت عَلَى الْحُكْمِ بِشَهَادَتِهِمَا وَأَنَا أَعْلَمُ فِسْقَهُمَا قُبِلَ قَوْلُهُ مِنْ غَيْرِ بَيِّنَةٍ عَلَى الْإِكْرَاهِ، وَلَوْ بَانَا وَالِدَيْنِ، أَوْ وَلَدَيْنِ لِلْمَشْهُودِ لَهُ، أَوْ عَدُوَّيْنِ لِلْمَشْهُودِ لَهُ، أَوْ عَدُوَّيْنِ لِلْمَشْهُودِ عَلَيْهِ انْتَقَضَ الْحُكْمُ أَيْضًا، كَمَا لَوْ بَانَا فَاسِقَيْنِ، وَلَوْ قَالَ الْحَاكِمُ: كُنْت يَوْمَ الْحُكْمِ فَاسِقًا فَالظَّاهِرُ كَمَا قَالَ شَيْخُنَا أَنَّهُ لَا يُلْتَفَت إلَيْهِ، كَمَا لَوْ قَالَ الشَّاهِدَانِ كُنَّا عِنْدَ عَقْدِ النِّكَاحِ فَاسِقَيْنِ.
فَإِنْ قِيلَ: هَلَّا كَانَ هَذَا مِثْلَ قَوْلِهِ بَانَ لِي فِسْقُ الشَّاهِدَيْنِ؟ .
أُجِيبَ بِأَنَّهُ أَعْرَفُ بِصِفَةِ نَفْسِهِ مِنْهُ بِصِفَةِ غَيْرِهِ، فَتَقْصِيرُهُ فِي حَقِّ نَفْسِهِ أَكْثَرُ.
(وَلَوْ) (شَهِدَ كَافِرٌ) مُعْلِنٌ بِكُفْرِهِ أَوْ مُرْتَدٌّ كَمَا قَالَهُ الْقَفَّالُ (أَوْ عَبْدٌ، أَوْ صَبِيٌّ، ثُمَّ أَعَادَهَا بَعْدَ كَمَالِهِ) بِإِسْلَامٍ أَوْ عِتْقٍ أَوْ بُلُوغٍ (قُبِلَتْ شَهَادَتُهُ) لِانْتِفَاءِ التُّهْمَةِ؛ لِأَنَّ الْمُتَّصِفَ بِذَلِكَ لَا يُعَيَّرُ بِرَدِّ شَهَادَتِهِ (أَوْ) شَهِدَ (فَاسِقٌ تَابَ) مِنْ فِسْقِهِ، أَوْ عَدُوٌّ تَابَ مِنْ عَدَاوَتِهِ، أَوْ مَنْ لَا مُرُوءَةَ لَهُ ثُمَّ عَادَتْ
فَلَا، وَتُقْبَلُ شَهَادَتُهُ فِي غَيْرِهَا بِشَرْطِ اخْتِبَارِهِ بَعْدَ التَّوْبَةِ مُدَّةً يُظَنُّ بِهَا صِدْقُ تَوْبَتِهِ، وَقَدَّرَهَا الْأَكْثَرُونَ بِسَنَةٍ،
[مغني المحتاج]
مُرُوءَتُهُ، أَوْ سَيِّدٌ لِمُكَاتَبِهِ ثُمَّ أَعَادَهَا بَعْدَ الْعِتْقِ، أَوْ مَخْفِيُّ الْكُفْرِ ثُمَّ أَعَادَهَا بَعْدَ إسْلَامِهِ (فَلَا) تُقْبَلُ لِلتُّهْمَةِ؛ لِأَنَّ الْمُتَّصِفَ بِذَلِكَ يُعَيَّرُ بِرَدِّ شَهَادَتِهِ (وَتُقْبَلُ) (شَهَادَتُهُ) أَيْ الْفَاسِقِ (فِي غَيْرِهَا) أَيْ فِي غَيْرِ تِلْكَ الشَّهَادَةِ الَّتِي شَهِدَ بِهَا حَالَ فِسْقِهِ، وَفِي بَعْضِ نُسَخِ الْمَتْنِ بِغَيْرِهَا (بِشَرْطِ اخْتِبَارِهِ بَعْدَ التَّوْبَةِ مُدَّةً يُظَنُّ بِهَا صِدْقُ تَوْبَتِهِ) ؛ لِأَنَّ التَّوْبَةَ مِنْ أَعْمَالِ الْقُلُوبِ وَهُوَ مُتَّهَمٌ بِإِظْهَارِهَا لِتَرْوِيجِ شَهَادَتِهِ، وَعَوْدِ وِلَايَتِهِ، فَاعْتَبَرَ الشَّرْعُ ذَلِكَ لَيُقَوِّيَ مَا ادَّعَاهُ قَالَ تَعَالَى فِي حَقِّ الْقَذَفَةِ: ﴿إِلا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا﴾ [آل عمران: 89] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿فَإِنْ تَابَا وَأَصْلَحَا﴾ [النساء: 16] (وَقَدَّرَهَا الْأَكْثَرُونَ) مِنْ الْأَصْحَابِ (بِسَنَةٍ) لِأَنَّ لِمُضِيِّهَا الْمُشْتَمِلِ عَلَى الْفُصُولِ الْأَرْبَعَةِ أَثَرًا بَيِّنًا فِي تَهْيِيجِ النُّفُوسِ لِمَا تَشْتَهِيه، فَإِذَا مَضَتْ عَلَى السَّلَامَةِ أَشْعَرَ ذَلِكَ بِحُسْنِ السَّرِيرَةِ، وَقَدْ اعْتَبَرَ الشَّارِعُ السَّنَةَ فِي الْعُنَّةِ وَفِي مُدَّةِ التَّغْرِيبِ وَالزَّكَاةِ وَالْجِزْيَةِ، وَهَلْ السَّنَةُ تَحْدِيدٌ أَوْ تَقْرِيبٌ؟ وَجْهَانِ فِي الْحَاوِي وَالْبَحْرِ، رَجَّحَ الْبُلْقِينِيُّ وَالْأَذْرَعِيُّ وَمَنْ تَبِعَهُمَا الثَّانِيَ، وَهُوَ الظَّاهِرُ وَإِنْ كَانَ مُقْتَضَى كَلَامِ الْجُمْهُورِ الْأَوَّلُ.
وَاسْتُثْنِيَ مِنْ اشْتِرَاطِ الِاخْتِبَارِ صُوَرٌ: مِنْهَا مَخْفِيُّ الْفِسْقِ إذَا تَابَ وَأَقَرَّ وَسَلَّمَ نَفْسَهُ لِلْحَدِّ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُظْهِرْ التَّوْبَةَ عَمَّا كَانَ مَسْتُورًا عَلَيْهِ إلَّا عَنْ صَلَاحٍ، قَالَهُ الْمَاوَرْدِيُّ وَالرُّويَانِيُّ.
وَمِنْهَا مَا لَوْ عَصَى الْوَلِيُّ بِالْعَضْلِ ثُمَّ تَابَ زُوِّجَ فِي الْحَالِ وَلَا يَحْتَاجُ إلَى اسْتِبْرَاءٍ كَمَا حَكَاهُ الرَّافِعِيُّ عَنْ الْبَغَوِيِّ وَمِنْهَا شَاهِدُ الزِّنَا إذَا وَجَبَ عَلَيْهِ الْحَدُّ لِعَدَمِ تَمَامِ الْعَدَدِ، فَإِنَّهُ لَا يَحْتَاجُ بَعْدَ التَّوْبَةِ إلَى اسْتِبْرَاءٍ بَلْ تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ فِي الْحَالِ عَلَى الْمَذْهَبِ فِي أَصْلِ الرَّوْضَةِ وَمِنْهَا نَاظِرُ الْوَقْفِ بِشَرْطِ الْوَاقِفِ إذَا فَسَقَ ثُمَّ تَابَ عَادَتْ وِلَايَتُهُ مِنْ غَيْرِ اسْتِبْرَاءٍ.
وَمِنْهَا الْمُمْتَنِعُ مِنْ الْقَضَاءِ إذَا تَعَيَّنَ عَلَيْهِ، وَقَدْ مَرَّ مَا فِيهِ فِي بَابِ الْقَضَاءِ.
وَمِنْهَا قَاذِفُ غَيْرِ الْمُحْصَنِ: قَالَ الْبُلْقِينِيُّ: لَا يَحْتَاجُ إلَى اسْتِبْرَاءٍ لِمَفْهُومِ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ فِي الْأُمِّ فَأَمَّا مَنْ قَذَفَ مُحْصَنَةً فَلَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ حَتَّى يُخْتَبَرَ.
وَمِنْهَا الصَّبِيُّ إذَا فَعَلَ مَا يَقْتَضِي فِسْقَ الْبَالِغِ ثُمَّ تَابَ وَبَلَغَ تَائِبًا.
قَالَ الْبُلْقِينِيُّ أَيْضًا لَمْ يُعْتَبَرْ فِيهِ الِاخْتِبَارُ كَمَا يَظْهَرُ مِنْ كَلَامِ الشَّافِعِيِّ وَالْأَصْحَابِ.
وَمِنْهَا لَوْ حَصَلَ خَلَلٌ فِي الْأَصْلِ ثُمَّ زَالَ احْتَاجَ الْفَرْعُ إلَى تَحَمُّلِ الشَّهَادَةِ ثَانِيًا.
قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: وَلَمْ يَذْكُرُوا هَذِهِ الْمُدَّةَ.
وَمِنْهَا الْمُرْتَدُّ إذَا أَسْلَمَ وَكَانَ عَدْلًا قَبْلَ الرِّدَّةِ كَمَا قَالَهُ الْمَاوَرْدِيُّ وَاقْتَضَاهُ كَلَامُ غَيْرِهِ.
فَإِنْ قِيلَ: هَلَّا كَانَ كَالْفَاسِقِ؟ .
أُجِيبَ بِأَنَّهُ إذَا أَسْلَمَ فَقَدْ أَتَى بِضِدِّ الْكُفْرِ فَلَمْ يَبْقَ بَعْدَ ذَلِكَ احْتِمَالٌ.
وَلَيْسَ كَذَلِكَ إذَا زَنَى ثُمَّ تَابَ؛ لِأَنَّ التَّوْبَةَ لَيْسَتْ مُضَافَةً لِلْمَعْصِيَةِ بِحَيْثُ تَنْفِيهَا، وَقَيَّدَ الْمَاوَرْدِيُّ وَالرُّويَانِيُّ إسْلَامَ الْمُرْتَدِّ بِمَا إذَا أَسْلَمَ مُرْسَلًا، فَإِنْ أَسْلَمَ عِنْدَ تَقْدِيمِ الْقَتْلِ اُعْتُبِرَ مُضِيُّ الْمُدَّةِ.
تَنْبِيهٌ اقْتِصَارُ الْمُصَنِّفِ كَالرَّافِعِيِّ عَلَى الْفِسْقِ يَقْتَضِي أَنَّهُ إذَا تَابَ عَمَّا يَخْرِمُ الْمُرُوءَةَ
وَيُشْتَرَطُ فِي تَوْبَةِ مَعْصِيَةٍ قَوْلِيَّةٍ الْقَوْلُ فَيَقُولُ الْقَاذِفُ قَذْفِي بَاطِلٌ وَأَنَا نَادِمٌ عَلَيْهِ وَلَا أَعُودُ إلَيْهِ، وَكَذَا شَهَادَةُ الزُّورِ.
قُلْت: وَغَيْرُ الْقَوْلِيَّةِ يُشْتَرَطُ إقْلَاعٌ، وَنَدَمٌ، وَعَزْمٌ أَنْ لَا يَعُودَ، وَرَدُّ ظُلَامَةِ آدَمِيٍّ إنْ تَعَلَّقَتْ بِهِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[مغني المحتاج]
لَا يَحْتَاجُ إلَى اسْتِبْرَاءٍ، وَلَيْسَ مُرَادًا، فَقَدْ صَرَّحَ صَاحِبُ التَّنْبِيهِ بِأَنَّهُ يَحْتَاجُ إلَى الِاسْتِبْرَاءِ.
قَالَ الْبُلْقِينِيُّ: وَلَهُ وَجْهٌ، فَإِنَّ خَارِمَ الْمُرُوءَةِ صَارَ بِاعْتِيَادِهِ سَجِيَّةً لَهُ، فَلَا بُدَّ مِنْ اخْتِبَارِ حَالِهِ، وَذَكَرَ فِي الْمَطْلَبِ أَنَّهُ يَحْتَاجُ إلَى الِاسْتِبْرَاءِ فِي التَّوْبَةِ مِنْ الْعَدَاوَةِ سَوَاءٌ أَكَانَتْ قَذْفًا أَمْ لَا كَالْغِيبَةِ وَالنَّمِيمَةِ وَشَهَادَةِ الزُّورِ (وَيُشْتَرَطُ فِي تَوْبَةِ مَعْصِيَةٍ قَوْلِيَّةٍ الْقَوْلُ) قِيَاسًا عَلَى التَّوْبَةِ مِنْ الرِّدَّةِ بِكَلِمَتَيْ الشَّهَادَةِ (فَيَقُولُ الْقَاذِفُ) مَثَلًا فِي التَّوْبَةِ مِنْ الْقَذْفِ (قَذْفِي) فُلَانًا (بَاطِلٌ) أَوْ مَا كُنْت مُحِقًّا فِيهِ وَنَحْوُ ذَلِكَ (وَأَنَا نَادِمٌ عَلَيْهِ، وَلَا أَعُودُ إلَيْهِ) لِيَنْدَفِعَ عَارُ الْقَذْفِ، وَلَا يُكَلَّفُ أَنْ يَقُولَ كَذَبْت، فَقَدْ يَكُونُ صَادِقًا فَكَيْفَ يُؤْمَرُ بِالْكَذِبِ فَإِنْ قِيلَ: قَوْلُ الْمُصَنِّفِ: قَذْفِي بَاطِلٌ صَرِيحٌ فِي إكْذَابِ نَفْسِهِ، وَقَدْ نُقِلَ عَنْ الْجُمْهُورِ أَنَّهُ لَا يُكَذِّبُ نَفْسَهُ، فَكَانَ الْأَوْلَى إتْيَانَهُ بِعِبَارَةِ الْمُحَرَّرِ وَالْجُمْهُورِ، وَهِيَ الْقَذْفُ بَاطِلٌ: أَيْ قَذْفُ النَّاسِ بَاطِلٌ.
أُجِيبَ بِحَمْلِ كَلَامِهِ عَلَى تَجْوِيزِ نِيَابَةٍ الْمُضَافِ إلَيْهِ عَنْ الْأَلِفِ وَاللَّامِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي﴾ [الزمر: 14] أَيْ الدِّينَ، وَقَضِيَّةُ إطْلَاقِهِ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْقَذْفِ عَلَى سَبِيلِ الْإِيذَاءِ أَوْ عَلَى الشَّهَادَةِ إذَا لَمْ يَتِمَّ عَدَدُ الشُّهُودِ وَهُوَ كَذَلِكَ كَمَا فِي الشَّرْحِ وَالرَّوْضَةِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: وَيُشْبِهُ أَنْ يُشْتَرَطَ فِي هَذَا إلَّا كَذَّابٌ جَرَيَانُهُ بَيْنَ يَدَيْ الْقَاضِي انْتَهَى، وَهُوَ كَمَا قَالَ ابْنُ شُهْبَةَ: ظَاهِرٌ فِيمَنْ قَذَفَ بِحَضْرَةِ الْقَاضِي وَاتَّصَلَ قَذْفُهُ بِبَيِّنَةٍ، أَوْ اعْتَرَفَ، وَغَيْرُ ظَاهِرٍ فِيمَا إذَا لَمْ يَتَّصِلْ بِالْقَاضِي أَصْلًا، بَلْ فِي جَوَازِ إتْيَانِهِ الْقَاضِيَ وَإِعْلَامِهِ لَهُ بِالْقَذْفِ نَظَرٌ لِمَا فِيهِ مِنْ الْإِيذَاءِ وَإِشَاعَةِ الْفَاحِشَةِ (وَكَذَا شَهَادَةُ الزُّورِ) يَقُولُ الشَّاهِدُ فِيهَا عَلَى وِزَانِ مَا مَرَّ شَهَادَتِي بَاطِلَةٌ وَأَنَا نَادِمٌ عَلَيْهَا، وَلَا أَعُودُ إلَيْهَا؛ لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى مَا سَبَقَ وَلَكِنَّ الَّذِي فِي الرَّوْضَةِ وَأَصْلِهَا عَنْ الْمُهَذَّبِ أَنَّهُ يَقُولُ: كَذَبْت فِيمَا قُلْت وَلَا أَعُودُ إلَى مِثْلِهِ وَأَقَرَّاهُ (قُلْت) كَالرَّافِعِيِّ فِي الشَّرْحِ (وَ) الْمَعْصِيَةُ (غَيْرُ الْقَوْلِيَّةِ) كَالسَّرِقَةِ وَالزِّنَا وَالشُّرْبِ (يُشْتَرَطُ) فِي التَّوْبَةِ مِنْهَا (إقْلَاعٌ) عَنْهَا (وَنَدَمٌ) عَلَيْهَا (وَعَزْمٌ أَنْ لَا يَعُودَ) لَهَا (وَرَدُّ ظُلَامَةِ آدَمِيٍّ) مِنْ مَالٍ وَغَيْرِهِ، وَقِصَاصٍ وَحَدِّ قَذْفٍ (إنْ تَعَلَّقَتْ بِهِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ) فَيُؤَدِّي الزَّكَاةَ لَمُسْتَحَقِّهَا، وَيَرُدُّ الْمَغْصُوبَ إنْ بَقِيَ وَبَدَلَهُ إنْ تَلِفَ لِمُسْتَحِقِّهِ أَوْ يَسْتَحِلُّ مِنْهُ أَوْ مِنْ وَارِثِهِ وَيُعْلِمُهُ إنْ لَمْ يَعْلَمْ، فَإِنْ لَمْ يُوجَدْ مُسْتَحِقٌّ أَوْ انْقَطَعَ خَبَرُهُ سَلَّمَهَا إلَى قَاضٍ أَمِينٍ، فَإِنْ تَعَذَّرَ تَصَدَّقَ بِهَا وَيُؤَدِّي الْغُرْمَ أَوْ يَتْرُكُهَا عِنْدَهُ، وَالْمُعْسِرُ يَنْوِي الْعَزْمَ إذَا قَدِرَ، فَإِنْ مَاتَ مُعْسِرًا طُولِبَ فِي الْآخِرَةِ إنْ عَصَى بِالِاسْتِدَانَةِ كَأَنْ اسْتَدَانَ لِإِعَانَةٍ عَلَى مَعْصِيَةٍ، وَإِلَّا فَإِنْ اسْتَدَانَ لِحَاجَةٍ فِي أَمْرٍ مُبَاحٍ، فَهُوَ جَائِزٌ إنْ رَجَا الْوَفَاءَ مِنْ جِهَةٍ ظَاهِرَةٍ أَوْ سَبَبٍ ظَاهِرٍ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا مُطَالَبَةَ حِينَئِذٍ، وَالرَّجَاءُ فِي اللَّهِ تَعَالَى تَعْوِيضُ خَصْمِهِ.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[مغني المحتاج]
تَنْبِيهَاتٌ: الْأَوَّلُ: لَوْ عَبَّرَ الْمُصَنِّفُ بِالْخُرُوجِ مِنْ ظُلَامَةِ آدَمِيٍّ بَدَلَ الرَّدِّ لَكَانَ أَوْلَى لِيَشْمَلَ الرَّدَّ وَالْإِبْرَاءَ مِنْهَا وَإِقْبَاضَ الْبَدَلِ عِنْدَ التَّلَفِ، وَيَشْمَلَ الْمَالَ وَالْعَرَضَ وَالْقِصَاصَ، فَلَا بُدَّ فِي الْقِصَاصِ وَحَدِّ الْقَذْفِ مِنْ التَّمْكِينِ أَوْ طَلَبِ الْعَفْوِ، فَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ وَجَبَ إعْلَامُهُ بِالْقِصَاصِ فَيَقُولُ: أَنَا الَّذِي قَتَلْت أَبَاك وَلَزِمَنِي الْقِصَاصُ فَاقْتَصَّ إنْ شِئْت، وَكَذَلِكَ حَدُّ الْقَذْفِ.
وَأَمَّا لِغِيبَةٍ فَإِنْ بَلَغَتْ الْمُغْتَابَ اُشْتُرِطَ أَنْ يَأْتِيَهُ وَيَسْتَحِلَّ مِنْهُ، فَإِنْ تَعَذَّرَ بِمَوْتِهِ أَوْ تَعَسُّرٍ لِغَيْبَتِهِ الطَّوِيلَةِ اسْتَغْفَرَ اللَّهَ تَعَالَى، وَلَا اعْتِبَارَ بِتَحْلِيلِ الْوَرَثَةِ.
وَإِنْ لَمْ تَبْلُغْهُ كَفَى النَّدَمُ وَالِاسْتِغْفَارُ كَمَا قَالَهُ الْحَنَّاطِيُّ فِي فَتَاوِيهِ وَيَظْهَرُ أَنَّهَا إذَا بَلَغَتْهُ بَعْدَ ذَلِكَ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ اسْتِحْلَالِهِ إنْ أَمْكَنَ؛ لِأَنَّ الْعِلَّةَ مَوْجُودَةٌ، وَهُوَ الْإِيذَاءُ، وَهَلْ يَكْفِي الِاسْتِحْلَالُ مِنْ الْغِيبَةِ الْمَجْهُولَةِ؟ قَالَ فِي زِيَادَةِ الرَّوْضَةِ: فِيهِ وَجْهَانِ سَبَقَا فِي كِتَابِ الصُّلْحِ اهـ.
وَلَكِنَّهُمَا إنَّمَا سَبَقَا فِي كِتَابِ الضَّمَانِ وَلَمْ نُرْجِعْ مِنْهُمَا شَيْئًا وَرَجَّحَ فِي الْأَذْكَارِ عَدَمَ الِاكْتِفَاءِ، وَالْوَجْهَانِ كَالْوَجْهَيْنِ فِي الْإِبْرَاءِ مِنْ الْمَجْهُولِ.
قَالَ الشَّيْخُ عِمَادُ الدِّينِ الْحُسْبَانِيُّ: وَقَدْ يُقَالُ بِالْمُسَامَحَةِ فِي ذَلِكَ بِخِلَافِ الْأَمْوَالِ، وَفِي كَلَامِ الْحَلِيمِيِّ وَغَيْرِهِ الِاقْتِصَارُ عَلَى الْجَوَازِ، وَحَدِيثُ كَلَامِ الْأَذْكَارِ فِي بَابِ الضَّمَانِ، وَلَكِنَّ الْفَرْقَ بَيْنَهُمَا وَبَيْنَ الْأَمْوَالِ أَظْهَرُ.
وَالْحَسَدُ وَهُوَ أَنْ يَتَمَنَّى زَوَالَ نِعْمَةِ ذَلِكَ الشَّخْصِ وَيَفْرَحَ بِمُصِيبَتِهِ كَالْغِيبَةِ كَمَا نَقَلَاهُ عَنْ الْعَبَّادِيِّ فَيَأْتِي فِيهِ مَا مَرَّ فِيهَا.
قَالَ فِي زِيَادَةِ الرَّوْضَةِ: الْمُخْتَارُ بَلْ الصَّوَابُ أَنَّهُ لَا يَجِبُ إخْبَارُ الْمَحْسُودِ، وَلَوْ قِيلَ بِكَرَاهَتِهِ لَمْ يَبْعُدْ التَّنْبِيهُ الثَّانِي قَضِيَّةُ إطْلَاقِهِ رَدَّ الظُّلَامَةِ تُوقِفُ التَّوْبَةَ فِي الْقِصَاصِ عَلَى تَسْلِيمِ نَفْسِهِ، وَلَكِنَّ الَّذِي نَقَلَهُ فِي زِيَادَةِ الرَّوْضَةِ عَنْ الْإِمَامِ وَأَقَرَّهُ أَنَّ الْقَاتِلَ إذَا نَدِمَ صَحَّتْ تَوْبَتُهُ فِي حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى قَبْلَ أَنْ يُسَلِّمَ نَفْسَهُ لِلْقِصَاصِ، وَكَانَ تَأَخُّرُ ذَلِكَ مَعْصِيَةً أُخْرَى تَجِبُ التَّوْبَةُ مِنْهَا وَلَا يَقْدَحُ فِي الْأُولَى.
التَّنْبِيهُ الثَّالِثُ: كَانَ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَقُولَ حَيْثُ أَمْكَنَ لِئَلَّا يُوهِمَ أَنَّهَا لَا تَصِحُّ عِنْدَ تَعَذُّرِ الرَّدِّ.
قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: إنْ تَعَلَّقَتْ بِآدَمِيٍّ أَعَمَّ مِمَّا تَمَحَّضَ حَقًّا لَهُ أَوْ لَمْ يَتَمَحَّضْ، وَفِيهِ حَقُّ اللَّهِ تَعَالَى كَالزَّكَاةِ إذَا تَمَكَّنَ مِنْ إخْرَاجِهَا فَلَمْ يَفْعَلْ، وَكَذَا الْكَفَّارَاتُ قَالَهُ الْبَنْدَنِيجِيُّ: وَالْمُرَادُ الَّتِي يَجِبُ إخْرَاجُهَا عَلَى الْفَوْرِ، وَحِينَئِذٍ فَلَا يُقَالُ: إنَّ تَقْيِيدَهُ بِالْآدَمِيِّ يُخْرِجُ حُقُوقَ اللَّهِ تَعَالَى كَالزَّكَاةِ التَّنْبِيهُ الرَّابِعُ: إنَّ مُقْتَضَى كَلَامِهِ أَنَّ الْمَعْصِيَةَ الْقَوْلِيَّةَ لَا يُشْتَرَطُ فِيهَا ذَلِكَ، بَلْ يَكْفِي الْقَوْلُ وَلَيْسَ مُرَادًا، بَلْ الثَّلَاثَةُ الْأُوَلُ رُكْنٌ فِي التَّوْبَةِ لِكُلِّ مَعْصِيَةٍ قَوْلِيَّةً كَانَتْ أَوْ فِعْلِيَّةً، وَإِذَا تَعَلَّقَ بِالْمَعْصِيَةِ حَدٌّ لِلَّهِ تَعَالَى كَالزِّنَا وَشُرْبِ الْمُسْكِرِ، فَإِنْ لَمْ يَظْهَرْ عَلَيْهِ أَحَدٌ فَلَهُ أَنْ يُظْهِرَهُ وَيُقِرَّ بِهِ لِيُسْتَوْفَى مِنْهُ، وَلَهُ أَنْ يَسْتُرَ عَلَى نَفْسِهِ، وَهُوَ الْأَفْضَلُ، فَإِنْ ظَهَرَ فَقَدْ فَاتَ السَّتْرُ فَيَأْتِي الْحَاكِمَ وَيُقِرُّ بِهِ لِيَسْتَوْفِيَ مِنْهُ.
التَّنْبِيهُ الْخَامِسُ: إنَّ كَلَامَهُمْ يَقْتَضِي أَنَّهُ لَا يَكْفِي فِي انْتِفَاءِ الْمَعْصِيَةِ اسْتِيفَاءُ الْحَدِّ، بَلْ لَا بُدَّ مَعَهُ مِنْ التَّوْبَةِ، وَقَدْ قَدَّمْت الْكَلَامَ عَلَى ذَلِكَ فِي أَوَّلِ كِتَابِ الْجِرَاحِ فَلْيُرَاجَعْ.
التَّنْبِيهُ السَّادِسُ: مَنْ مَاتَ وَلَهُ دُيُونٌ أَوْ مَظَالِمُ وَلَمْ تَصِلْ إلَى الْوَرَثَةِ طَالَبَ بِهَا فِي الْآخِرَةِ لَا آخِرَ وَارِثٍ كَمَا قِيلَ، وَإِنْ دَفَعَهَا إلَى الْوَارِثِ أَوْ أَبْرَأَهُ كَمَا قَالَهُ الْقَاضِي خَرَجَ عَنْ مَظْلَمَةٍ غَيْرِ الْمَطْلِ.
التَّنْبِيهُ السَّابِعُ: تَجِبُ التَّوْبَةُ مِنْ الْمَعْصِيَةِ وَلَوْ صَغِيرَةً عَلَى الْفَوْرِ بِالِاتِّفَاقِ، وَتَصِحُّ مِنْ ذَنْبٍ دُونَ ذَنْبٍ، وَإِنْ تَكَرَّرَتْ وَتَكَرَّرَ الْعَوْدُ
[فَصْلٌ] لَا يُحْكَمُ بِشَاهِدٍ إلَّا فِي هِلَالِ رَمَضَانَ فِي الْأَظْهَرِ.
وَيُشْتَرَطُ لِلزِّنَا أَرْبَعَةُ رِجَالٍ
[مغني المحتاج]
وَلَا تَبْطُلُ بِهِ، بَلْ هُوَ مُطَالَبٌ بِالذَّنْبِ الثَّانِي دُونَ الْأَوَّلِ وَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ تَجْدِيدُ التَّوْبَةِ كُلَّمَا ذَكَرَ الذَّنْبَ كَمَا رَجَّحَهُ ابْنُ الْمُقْرِي التَّنْبِيهُ الثَّامِنُ: إنَّ مِنْ شُرُوطِ التَّوْبَةِ زِيَادَةً عَلَى مَا مَرَّ كَوْنَهَا لِلَّهِ تَعَالَى، فَلَوْ تَابَ عَنْ مَعْصِيَةٍ مَالِيَّةٍ لِفَقْرِهِ أَوْ شُحِّهِ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ لَمْ تَصِحَّ تَوْبَتُهُ، وَكَوْنَهَا قَبْلَ وُصُولِهِ إلَى الْغَرْغَرَةِ أَوْ الِاضْطِرَارِ بِظُهُورِ الْآيَاتِ كَطُلُوعِ الشَّمْسِ مِنْ مَغْرِبِهَا.
قَالَهُ الْبُلْقِينِيُّ: التَّنْبِيهُ التَّاسِعُ: إنَّ سُقُوطَ الذَّنْبِ بِالتَّوْبَةِ مَظْنُونٌ لَا مَقْطُوعٌ بِهِ، وَسُقُوطُ الْكُفْرِ بِالْإِسْلَامِ مَعَ النَّدَمِ مَقْطُوعٌ بِهِ وَتَائِبٌ بِالْإِجْمَاعِ.
قَالَ فِي أَصْلِ الرَّوْضَةِ: وَلَيْسَ إسْلَامُ الْكَافِرِ تَوْبَةً مِنْ كُفْرِهِ، وَإِنَّمَا تَوْبَتُهُ نَدَمُهُ عَلَى كُفْرِهِ وَلَا يُتَصَوَّرُ إيمَانُهُ بِلَا نَدَمٍ فَيَجِبُ مُقَارَنَةُ الْإِيمَانِ لِلنَّدَمِ عَلَى الْكُفْرِ اهـ.
وَإِنَّمَا كَانَ تَوْبَةُ الْكَافِرِ مَقْطُوعًا بِهَا؛ لِأَنَّ الْإِيمَانَ لَا يُجَامِعُ الْكُفْرَ وَالْمَعْصِيَةُ قَدْ تُجَامِعُ التَّوْبَةَ.
[فَصْلٌ فِيمَا يُعْتَبَرُ فِيهِ شَهَادَةُ الرِّجَالِ]
[فَصْلٌ] فِي بَيَانِ مَا يُعْتَبَرُ فِيهِ شَهَادَةُ الرِّجَالِ وَتَعَدُّدُ الشُّهُودِ وَمَا لَا يُعْتَبَرُ فِيهِ ذَلِكَ مَعَ مَا يَتَعَلَّقُ بِهِمَا (لَا يُحْكَمُ بِشَاهِدٍ) وَاحِدٍ (إلَّا فِي هِلَالِ) شَهْرِ (رَمَضَانَ) فَيُحْكَمُ بِهِ فِيهِ (فِي الْأَظْهَرِ) لِمَا مَرَّ فِي كِتَابِ الصِّيَامِ.
فَإِنْ قِيلَ: لِمَ ذَكَرَهَا هُنَا مَعَ تَقَدُّمِهِ؟ .
أُجِيبَ بِأَنَّهُ ذَكَرَهُ هُنَا لِبَيَانِ الْحَصْرِ.
وَأَوْرَدَ عَلَى الْحَصْرِ مَسَائِلَ: مِنْهَا مَا لَوْ نَذَرَ صَوْمَ رَجَبٍ مَثَلًا فَشَهِدَ وَاحِدٌ بِرُؤْيَتِهِ فَهَلْ يَجِبُ الصَّوْمُ إذَا قُلْنَا: يَثْبُتُ بِهِ رَمَضَانُ؟ حَكَى ابْنُ الرِّفْعَةِ فِيهِ وَجْهَيْنِ عَنْ الْبَحْرِ، وَرَجَّحَ ابْنُ الْمُقْرِي فِي كِتَابِ الصِّيَامِ الْوُجُوبَ.
وَمِنْهَا مَا فِي الْمَجْمُوعِ آخِرَ الصَّلَاةِ عَلَى الْمَيِّتِ عَنْ الْمُتَوَلِّي أَنَّهُ لَوْ مَاتَ ذِمِّيٌّ فَشَهِدَ عَدْلٌ بِإِسْلَامِهِ لَمْ يَكْفِ فِي الْإِرْثِ، وَفِي الِاكْتِفَاءِ بِهِ فِي الصَّلَاةِ عَلَيْهِ وَتَوَابِعِهَا وَجْهَانِ بِنَاءً عَلَى الْقَوْلَيْنِ فِي هِلَالِ رَمَضَانِ، وَمُقْتَضَاهُ تَرْجِيحُ الْقَبُولِ، وَهُوَ الظَّاهِرُ، وَإِنْ أَفْتَى الْقَاضِي حُسَيْنٌ بِالْمَنْعِ.
وَمِنْهَا مَا سَبَقَ فِي الْمَتْنِ فِي بَابِ الْقَسَامَةِ أَنَّ شَهَادَةَ الْعَدْلِ الْوَاحِدِ لَوْثٌ، وَمِنْهَا مَا سَبَقَ فِيهِ أَيْضًا فِي زَكَاةِ النَّبَاتِ الِاكْتِفَاءُ بِخَارِصٍ وَاحِدٍ: أَيْ عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ الْخَرْصَ شَهَادَةٌ، وَمِنْهَا ثُبُوتُ هِلَالِ ذِي الْحَجَّةِ بِالْعَدْلِ الْوَاحِدِ، فَإِنَّ فِيهِ وَجْهَيْنِ حَكَاهُمَا الدَّارِمِيُّ وَالْقَاضِي الْحُسَيْنُ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ وَالطَّوَافِ وَنَحْوِ ذَلِكَ.
قَالَ الْأَذْرَعِيُّ: وَالْقِيَاسُ الْقَبُولُ، وَإِنْ كَانَ الْأَشْهَرُ خِلَافَهُ، وَمِنْهَا ثُبُوتُ شَوَّالٍ بِشَهَادَةِ الْعَدْلِ الْوَاحِدِ بِطَرِيقِ التَّبَعِيَّةِ فِيمَا إذَا ثَبَتَ رَمَضَانُ بِشَهَادَتِهِ وَلَمْ يُرَ الْهِلَالُ بَعْدَ الثَّلَاثِينَ فَإِنَّا نُفْطِرُ فِي الْأَصَحِّ، وَمِنْهَا مَا مَرَّ فِي كِتَابِ الْقَضَاءِ أَنَّهُ يَكْفِي قَوْلُ الْعَوْنِ بِامْتِنَاعِ الْغَرِيمِ مِنْ الْحُضُورِ فِي التَّعْزِيرِ، وَمِنْهَا الْمُسْمِعُ لِلْخَصْمِ كَلَامَ الْقَاضِي أَوْ الْخَصْمِ يُقْبَلُ فِيهِ الْوَاحِدُ، وَهُوَ مِنْ بَابِ الشَّهَادَةِ كَذَا ذَكَرَهُ الرَّافِعِيُّ قُبَيْلَ الْقَضَاءِ عَلَى الْغَائِبِ.
(وَيُشْتَرَطُ لِلزِّنَا أَرْبَعَةُ رِجَالٍ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ﴾ [النور: 4] وَلِمَا فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -
وَلَلْإِقْرَارِ بِهِ اثْنَانِ فِي الْأَظْهَرِ، وَفِي قَوْلٍ أَرْبَعَةٌ، وَلِمَالٍ وَعَقْدٍ مَالِيٍّ كَبَيْعٍ وَإِقَالَةٍ وَحَوَالَةٍ وَضَمَانٍ وَحَقٍّ مَالِيٍّ كَخِيَارٍ وَأَجَلٍ: رَجُلَانِ أَوْ رَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ
[مغني المحتاج]
«أَنَّهُ قَالَ لِرَسُولِ اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَوْ وَجَدْتُ مَعَ امْرَأَتِي رَجُلًا أُمْهِلُهُ حَتَّى آتِيَ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ؟ قَالَ نَعَمْ» وَلِأَنَّهُ لَا يَقُومُ إلَّا مِنْ اثْنَيْنِ فَصَارَ كَالشَّهَادَةِ عَلَى فِعْلَيْنِ، وَلِأَنَّ الزِّنَا مِنْ أَغْلَظِ الْفَوَاحِشِ فَغُلِّظَتْ الشَّهَادَةُ فِيهِ لِيَكُونَ أَسْتَرَ، وَإِنَّمَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُمَا بِالزِّنَا إذَا قَالُوا: حَانَتْ مِنَّا الْتِفَاتَةٌ، فَرَأَيْنَا أَوْ تَعَمَّدْنَا النَّظَرَ لِإِقَامَةِ الشَّهَادَةِ، فَإِنْ قَالُوا: تَعَمَّدْنَا لِغَيْرِ الشَّهَادَةِ فُسِّقُوا بِذَلِكَ وَرُدَّتْ شَهَادَتُهُمْ جَزْمًا كَمَا قَالَهُ الْمَاوَرْدِيُّ، وَإِنْ أَطْلَقُوا لَمْ أَرَ مَنْ تَعَرَّضَ لَهُ، وَيَنْبَغِي أَنْ يَسْتَفْسِرُوا إنْ تَيَسَّرَ، وَإِلَّا فَلَا يُعْمَلُ بِشَهَادَتِهِمْ كَمَا يُؤْخَذُ مِنْ الْحَصْرِ الْمُتَقَدِّمِ فِي قَبُولِ شَهَادَتِهِمْ، وَمَحَلُّ مَا قَالَهُ الْمَاوَرْدِيُّ إذَا تَكَرَّرَ ذَلِكَ مِنْهُمْ وَلَمْ تَغْلِبْ طَاعَاتُهُمْ عَلَى مَعَاصِيهِمْ وَإِلَّا فَتُقْبَلُ شَهَادَتُهُمْ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ صَغِيرَةٌ وَلَا بُدَّ أَنْ يَقُولُوا: رَأَيْنَاهُ أَدْخَلَ حَشَفَتَهُ أَوْ قَدْرَهَا مِنْ فَاقِدِهَا فِي فَرْجِهَا، وَإِنْ لَمْ يَقُولُوا كَالْمِرْوَدِ فِي الْمُكْحُلَةِ أَوْ كَالْأُصْبُعِ فِي الْخَاتِمِ.
وَالثَّانِي: يَثْبُتُ بِرَجُلَيْنِ، وَمُقْتَضَى كَلَامِ الْقَاضِي.
تَنْبِيهٌ اللِّوَاطُ فِي ذَلِكَ كَالزِّنَا، وَكَذَا إتْيَانُ الْبَهِيمَةِ عَلَى الْمَذْهَبِ الْمَنْصُوصِ فِي الْأُمِّ قَالَ فِي زِيَادَةِ الرَّوْضَةِ: لِأَنَّهُ كَالْجِمَاعِ وَنُقْصَانُ الْعُقُوبَةِ فِيهِ لَا يَمْنَعُ مِنْ الْعَدَدِ كَمَا فِي زِنَا الْأَمَةِ.
قَالَ الْبُلْقِينِيُّ: وَوَطْءُ الْمَيِّتَةِ لَا يُوجِبُ الْحَدَّ عَلَى الْأَصَحِّ وَهُوَ كَإِتْيَانِ الْبَهِيمَةِ فِي أَنَّهُ لَا يَثْبُتُ إلَّا بِأَرْبَعَةٍ عَلَى الْمُعْتَمَدِ اهـ.
وَخَرَجَ بِمَا ذُكِرَ وَطْءُ الشَّبَهِ إذَا قَصَدَ بِالدَّعْوَى بِهِ الْمَالَ أَوْ شَهِدَ بِهِ حِسْبَةً، وَمُقَدِّمَاتُ الزِّنَا كَقُبْلَةٍ وَمُعَانَقَةٍ فَلَا يَحْتَاجُ إلَى أَرْبَعَةٍ.
بَلْ الْأَوَّلُ بِقَيْدِهِ الْأَوَّلِ يَثْبُتُ بِمَا يَثْبُتُ بِهِ الْمَالُ، وَسَيَأْتِي، وَلَا يَحْتَاجُ فِيهِ إلَى ذِكْرِ مَا يُعْتَبَرُ فِي شَهَادَةِ الزِّنَا مِنْ قَوْلِ الشُّهُودِ: رَأَيْنَاهُ أَدْخَلَ حَشَفَتَهُ إلَخْ.
(وَ) يُشْتَرَطُ (لَلْإِقْرَارِ بِهِ) أَيْ الزِّنَا (اثْنَانِ) (فِي الْأَظْهَرِ) كَغَيْرِهِ مِنْ الْأَقَارِيرِ وَمِثْلُهُ مَا شُبِّهَ بِهِ مِمَّا ذُكِرَ (وَفِي قَوْلٍ أَرْبَعَةٌ) كَفِعْلِهِ.
وَأَجَابَ الْأَوَّلُ بِأَنَّ الْمُقِرَّ لَا يَتَحَتَّمُ حَدُّهُ بِخِلَافِ الْمُعَايِنِ، فَلِذَلِكَ غُلِّظَتْ بَيِّنَتُهُ (وَ) يُشْتَرَطُ (لِمَالٍ) عَيْنٍ أَوْ دَيْنٍ (وَعَقْدٍ مَالِيٍّ) وَفَسْخِهِ (كَبَيْعٍ وَإِقَالَةٍ وَحَوَالَةٍ وَضَمَانٍ) وَصُلْحٍ وَرَهْنٍ وَشُفْعَةٍ وَمُسَابَقَةٍ وَحُصُولِ السَّبَقِ (وَحَقٍّ مَالِيٍّ كَخِيَارٍ) لِمَجْلِسٍ أَوْ شَرْطٍ (وَأَجَلٍ) وَجِنَايَةٍ تُوجِبُ مَالًا (رَجُلَانِ أَوْ رَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ) لِعُمُومِ قَوْله تَعَالَى: ﴿فَاسْتَشْهِدُوا﴾ [النساء: 15] أَيْ فِيمَا يَقَعُ لَكُمْ: ﴿شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ﴾ [البقرة: 282] فَكَانَ عُمُومُ الْأَشْخَاصِ فِيهِ مُسْتَلْزِمًا لِعُمُومِ الْأَحْوَالِ الْمُخْرِجِ مِنْهُ بِدَلِيلِ مَا يُشْتَرَطُ فِيهِ الْأَرْبَعَةُ، وَمَا لَا يُكْتَفَى فِيهِ بِالرَّجُلِ وَالْمَرْأَتَيْنِ، وَالْمَعْنَى فِي تَسْهِيلِ ذَلِكَ كَثْرَةُ جِهَاتِ الْمُدَايَنَاتِ وَعُمُومِ الْبَلْوَى بِهَا، وَفُهِمَ مِنْ التَّخْيِيرِ قَبُولُ الْمَرْأَتَيْنِ مَعَ وُجُودِ الرَّجُلَيْنِ.
وَحَكَى ابْنُ الْمُنْذِرِ وَغَيْرُهُ فِيهِ الْإِجْمَاعَ وَإِنْ كَانَ ظَاهِرُ الْآيَةِ غَيْرَ مُرَادٍ، وَالْخُنْثَى هُنَا كَالْأُنْثَى.
وَلِغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ عُقُوبَةٍ لِلَّهِ تَعَالَى أَوْ لِآدَمِيٍّ وَمَا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ رِجَالٌ غَالِبًا كَنِكَاحٍ وَطَلَاقٍ وَرَجْعَةٍ وَإِسْلَامٍ وَرِدَّةٍ وَجَرْحٍ وَتَعْدِيلٍ وَمَوْتٍ وَإِعْسَارٍ وَوَكَالَةٍ وَوِصَايَةٍ وَشَهَادَةٍ عَلَى شَهَادَةِ رَجُلَانِ.
وَمَا يَخْتَصُّ بِمَعْرِفَتِهِ النِّسَاءُ أَوْ لَا يَرَاهُ رِجَالٌ غَالِبًا كَبَكَارَةٍ وَوِلَادَةٍ وَحَيْضٍ وَرَضَاعٍ وَعُيُوبٍ تَحْتَ
[مغني المحتاج]
تَنْبِيهٌ: شَمِلَ إطْلَاقُهُ الشَّرِكَةَ وَالْقِرَاضَ، لَكِنْ رَجَّحَا فِي الشَّرْحِ وَالرَّوْضَةِ اشْتِرَاطُ رَجُلَيْنِ.
قَالَ ابْنُ الرِّفْعَةِ: وَيَنْبَغِي أَنْ يُقَالَ: إنْ رَامَ مُدَّعِيهمَا إثْبَاتَ التَّصَرُّفِ، فَهُوَ كَالْوَكِيلِ لَا بُدَّ فِيهِ مِنْ شَاهِدَيْنِ، أَوْ إثْبَاتِ حِصَّتِهِ مِنْ الرِّبْحِ ثَبَتَ بِرَجُلٍ وَامْرَأَتَيْنِ، إذْ الْمَقْصُودُ الْمَالُ وَهُوَ تَفْصِيلٌ حَسَنٌ، وَاقْتِصَارُ الْمُصَنِّفِ عَلَى الْعَقْدِ الْمَالِيِّ قَدْ يُوهِمُ أَنَّ الْفُسُوخَ لَيْسَتْ كَذَلِكَ، وَلَيْسَ مُرَادًا، وَجَعْلُهُ الْإِقَالَةَ مِنْ أَمْثِلَةِ الْعَقْدِ إنَّمَا يَأْتِي عَلَى الْوَجْهِ الضَّعِيفِ أَنَّهَا بَيْعٌ، وَالْأَصَحُّ أَنَّهَا فَسْخٌ، وَعَطْفُهُ الْحَوَالَةَ عَلَى الْبَيْعِ لَا حَاجَةَ إلَيْهِ فَإِنَّهَا بَيْعُ دَيْنٍ بِدَيْنٍ، فَلَوْ قَالَ: وَعَقْدٌ مَالِيٌّ وَزَادَ وَفَسْخُهُ كَمَا قَدَّرْتُهُ فِي كَلَامِهِ كَانَ أَوْلَى.
(وَلِغَيْرِ ذَلِكَ) أَيْ مَا ذُكِرَ مِنْ الزِّنَا وَنَحْوِهِ.
وَمَا لَيْسَ بِمَالٍ وَلَا يُقْصَدُ مِنْهُ الْمَالُ (مِنْ) مُوجِبِ (عُقُوبَةٍ لِلَّهِ تَعَالَى) كَالرِّدَّةِ وَقَطْعِ الطَّرِيقِ وَالشُّرْبِ (أَوْ) مِنْ عُقُوبَةٍ (لِآدَمِيٍّ) كَقَتْلِ نَفْسٍ وَقَطْعِ طَرَفٍ وَقَذْفٍ (وَ) كَذَا (مَا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ رِجَالٌ غَالِبًا) مِنْ غَيْرِ الْعُقُوبَاتِ (كَنِكَاحٍ وَطَلَاقٍ وَرَجْعَةٍ) وَعَتَاقٍ وَوَلَاءٍ وَانْقِضَاءِ عِدَّةٍ بِالْأَشْهُرِ وَبُلُوغٍ وَإِيلَاءٍ وَظِهَارٍ (وَإِسْلَامٍ وَرِدَّةٍ وَجُرْحٍ) لِلشَّاهِدِ (وَتَعْدِيلٍ) لَهُ (وَمَوْتٍ وَإِعْسَارٍ وَوَكَالَةٍ وَوِصَايَةٍ وَشَهَادَةٍ عَلَى شَهَادَةِ: رَجُلَانِ) ؛ لِأَنَّهُ تَعَالَى نَصَّ عَلَى شَهَادَةِ الرَّجُلَيْنِ فِي الطَّلَاقِ وَالرَّجْعَةِ وَالْوِصَايَةِ، وَتَقَدَّمَ خَبَرٌ «لَا نِكَاحَ إلَّا بِوَلِيٍّ وَشَاهِدَيْ عَدْلٍ» رَوَى مَالِكٌ عَنْ الزُّهْرِيِّ " مَضَتْ السُّنَّةُ بِأَنَّهُ لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ النِّسَاءِ فِي الْحُدُودِ وَلَا فِي النِّكَاحِ وَالطَّلَاقِ " وَقِيسَ بِالْمَذْكُورَاتِ غَيْرِهَا مِمَّا شَارَكَهَا فِي الشَّرْطِ الْمَذْكُورِ، وَلَا نَظَرَ إلَى رُجُوعِ الْوَكَالَةِ وَالْوِصَايَةِ إلَى مَالٍ؛ لِأَنَّ الْقَصْدَ مِنْهُمَا الْوِلَايَةُ لَا الْمَالُ.
تَنْبِيهٌ: يُسْتَثْنَى مِنْ النِّكَاحِ مَا لَوْ ادَّعَتْ أَنَّهُ نَكَحَهَا وَطَلَّقَهَا وَطَلَبَتْ، شَطْرَ الصَّدَاقِ، أَوْ أَنَّهَا زَوْجَةُ فُلَانٍ الْمَيِّتِ وَطَلَبَتْ الْإِرْثَ، فَيَثْبُتُ مَا ادَّعَتْهُ بِرَجُلٍ وَامْرَأَتَيْنِ وَبِشَاهِدٍ وَيَمِينٍ وَإِنْ لَمْ يَثْبُتْ النِّكَاحُ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّ مَقْصُودَهَا الْمَالُ كَمَا حَكَيَاهُ فِي الشَّرْحِ وَالرَّوْضَةِ فِي آخِرِ الدَّعَاوَى عَنْ فَتَاوَى الْقَفَّالِ وَأَقَرَّاهُ، وَإِنْ نَازَعَ فِي ذَلِكَ الْبُلْقِينِيُّ وَقَالَ: إنَّهُ غَيْرُ مَعْمُولٍ بِهِ، وَمِنْ الطَّلَاقِ مَا لَوْ كَانَ بِعِوَضٍ وَادَّعَاهُ الزَّوْجُ فَإِنَّهُ يَثْبُتُ بِشَاهِدٍ وَيَمِينٍ، وَيُلْغَزُ بِهِ فَيُقَالُ: لَنَا طَلَاقٌ ثَبَتَ بِشَاهِدٍ وَيَمِينٍ، وَمِنْ الْإِسْلَامِ مَا لَوْ ادَّعَاهُ وَاحِدٌ مِنْ الْكُفَّارِ قَبْلَ أَسْرِهِ وَأَقَامَ رَجُلًا وَامْرَأَتَيْنِ فَإِنَّهُ يَكْفِيهِ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ نَفْيُ الِاسْتِرْقَاقِ وَالْمُفَادَاةِ دُونَ نَفْيِ الْقَتْلِ، ذَكَرَهُ الْمَاوَرْدِيُّ وَحَكَى فِي الْبَحْرِ عَنْ الصَّيْمَرِيِّ أَنَّهُ يُقْبَلُ شَاهِدٌ وَامْرَأَتَانِ وَشَاهِدٌ وَيَمِينٌ مِنْ الْوَارِثِ أَنَّ مُوَرِّثَهُ تُوُفِّيَ عَلَى الْإِسْلَامِ أَوْ الْكُفْرِ؛ لِأَنَّ الْقَصْدَ مِنْهُ إثْبَاتُ الْمِيرَاثِ ثُمَّ اسْتَغْرَبَهُ.
(وَمَا يَخْتَصُّ بِمَعْرِفَتِهِ النِّسَاءُ) غَالِبًا (أَوْ لَا يَرَاهُ رِجَالٌ غَالِبًا كَبَكَارَةٍ) وَثُيُوبَةٍ وَقَرْنٍ وَرَتْقٍ (وَوِلَادَةٍ وَحَيْضٍ وَرَضَاعٍ وَعُيُوبٍ) لِلنِّسَاءِ (تَحْتَ
الثِّيَابِ يَثْبُتُ بِمَا سَبَقَ، وَبِأَرْبَعِ نِسْوَةٍ.
[مغني المحتاج]
الثِّيَابِ) كَجِرَاحَةٍ عَلَى فَرْجِهَا حُرَّةً كَانَتْ أَوْ أَمَةً، وَاسْتِهْلَالِ وَلَدٍ (يَثْبُتُ بِمَا سَبَقَ) أَيْ بِرَجُلَيْنِ وَرَجُلٍ وَامْرَأَتَيْنِ (وَبِأَرْبَعِ نِسْوَةٍ) مُفْرَدَاتٍ لِمَا رَوَاهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ الزُّهْرِيِّ: مَضَتْ السُّنَّةُ بِأَنَّهُ تَجُوزُ شَهَادَةُ النِّسَاءِ فِيمَا لَا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ غَيْرُهُنَّ مِنْ وِلَادَةِ النِّسَاءِ وَعُيُوبِهِنَّ، وَقِيسَ بِمَا ذُكِرَ غَيْرُهُ مِمَّا شَارَكَهُ فِي الضَّابِطِ الْمَذْكُورِ، وَإِذَا قُبِلَتْ شَهَادَتُهُنَّ فِي ذَلِكَ مُنْفَرِدَاتٍ، فَقَبُولُ الرَّجُلَيْنِ وَالرَّجُلِ وَالْمَرْأَتَيْنِ أَوْلَى.
تَنْبِيهٌ: تَمْثِيلُ الْمُصَنِّفِ بِالْحَيْضِ صَرِيحٌ فِي إمْكَانِ إقَامَةِ الْبَيِّنَةِ عَلَيْهِ.
قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: وَهُوَ الصَّوَابُ بِخِلَافِ مَا ذُكِرَ فِي كِتَابِ الطَّلَاقِ أَنَّهُ لَوْ عَلَّقَ عَلَى حَيْضِهَا فَقَالَتْ: حِضْت وَأَنْكَرَ صُدِّقَتْ بِيَمِينِهَا لِتَعَذُّرِ إقَامَةِ الْبَيِّنَةِ عَلَيْهِ، فَإِنَّ الدَّمَ وَإِنْ شُوهِدَ لَا يُعْلَمُ أَنَّهُ حَيْضٌ لِاحْتِمَالِ أَنَّهُ اسْتِحَاضَةٌ، وَصَرَّحَا بِمِثْلِهِ فِي الدِّيَاتِ، وَيَنْبَغِي كَمَا قَالَ ابْنُ شُهْبَةَ حَمْلُهُ عَلَى تَعَسُّرِ إقَامَةِ الْبَيِّنَةِ عَلَيْهِ، لَا التَّعَذُّرِ بِالْكُلِّيَّةِ فَلَا مُنَافَاةَ، وَذَكَرَ الْمُصَنِّفُ فِي فَتَاوِيه أَنَّهَا تُقْبَلُ مِنْ النِّسْوَةِ لِمُمَارَسَتِهِنَّ ذَلِكَ وَنَقَلَهُ عَنْ ابْنِ الصَّبَّاغِ وَالْبَغَوِيِّ، وَأَنَّهُ لَا خِلَافَ فِيهِ، لَكِنَّ قَضِيَّةَ تَعْلِيلِهِ أَنَّهُ لَا يَثْبُتُ بِرَجُلَيْنِ، وَلَا بِرَجُلٍ وَامْرَأَتَيْنِ، وَلَيْسَ مُرَادًا وَقَيَّدَ الْقَفَّالُ وَغَيْرُهُ مَسْأَلَةَ الرَّضَاعِ بِمَا إذَا كَانَ الرَّضَاعُ مِنْ الثَّدْيِ، فَإِنْ كَانَ مِنْ إنَاءٍ حُلِبَ فِيهِ اللَّبَنُ لَمْ تُقْبَلُ شَهَادَةُ النِّسَاءِ بِهِ، لَكِنْ تُقْبَلُ شَهَادَتُهُنَّ بِأَنَّ هَذَا اللَّبَنَ مِنْ هَذِهِ الْمَرْأَةِ؛ لِأَنَّ الرِّجَالَ لَا يَطَّلِعُونَ عَلَيْهِ غَالِبًا، وَاحْتَرَزَ بِقَوْلِهِ: تَحْتَ الثِّيَابِ عَمَّا نَقَلَهُ فِي الرَّوْضَةِ عَنْ الْبَغَوِيِّ وَأَقَرَّهُ أَنَّ الْعَيْبَ فِي وَجْهِ الْحُرَّةِ وَكَفَّيْهَا لَا يَثْبُتُ إلَّا بِرَجُلَيْنِ، وَفِي وَجْهِ الْأَمَةِ وَمَا يَبْدُو عِنْدَ الْمِهْنَةِ يَثْبُتُ بِرَجُلٍ وَامْرَأَتَيْنِ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْهُ الْمَالُ.
فَإِنْ قِيلَ: هَذَا وَمَا قَبْلَهُ إنَّمَا يَأْتِيَانِ عَلَى الْقَوْلِ بِحِلِّ النَّظَرِ إلَى ذَلِكَ.
أَمَّا مَا صَحَّحَهُ الشَّيْخَانِ فِي الْأُولَى وَالْمُصَنِّفُ فِي الثَّانِيَةِ مِنْ تَحْرِيمِ ذَلِكَ فَتُقْبَلُ النِّسَاءُ فِيهِ مُفْرَدَاتٍ.
أُجِيبَ بِأَنَّ الْوَجْهَ وَالْكَفَّيْنِ يَطَّلِعُ عَلَيْهِمَا الرِّجَالُ غَالِبًا وَإِنْ قُلْنَا بِحُرْمَةِ نَظَرِ الْأَجْنَبِيِّ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ جَائِزٌ لِمَحَارِمِهَا وَزَوْجِهَا، وَيَجُوزُ نَظَرُ الْأَجْنَبِيِّ لِوَجْهِهَا لِتَعْلِيمٍ وَمُعَامَلَةٍ وَتَحَمُّلِ شَهَادَةٍ.
وَقَدْ قَالَ الْوَلِيُّ الْعِرَاقِيُّ: أَطْلَقَ الْمَاوَرْدِيُّ نَقْلَ الْإِجْمَاعِ عَلَى أَنَّ عُيُوبَ النِّسَاءِ فِي الْوَجْهِ وَالْكَفَّيْنِ لَا يُقْبَلُ فِيهَا إلَّا الرِّجَالُ، وَلَمْ يَفْصِلْ بَيْنَ الْأَمَةِ وَالْحُرَّةِ، وَبِهِ صَرَّحَ الْقَاضِي حُسَيْنٌ فِيهِمَا اهـ.
أَيْ فَلَا تُقْبَلُ النِّسَاءُ الْخُلَّصُ فِي الْأَمَةِ لِمَا مَرَّ أَنَّهُ يُقْبَلُ فِيهَا رَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ لِمَا مَرَّ.
وَقَوْلُ الْمُصَنِّفِ: وَمَا يَخْتَصُّ بِمَعْرِفَتِهِ النِّسَاءُ غَالِبًا إلَخْ يُفْهِمُ أَنَّ الْإِقْرَارَ بِمَا يَخْتَصُّ بِمَعْرِفَتِهِنَّ لَا يَكْفِي فِيهِ شَهَادَةُ النِّسْوَةِ وَهُوَ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّ الرِّجَالَ تَسْمَعُهُ غَالِبًا كَسَائِرِ الْأَقَارِيرِ، وَقَوْلُهُ فِيمَا سَبَقَ: وَبِأَرْبَعِ نِسْوَةٍ يَقْتَضِي أَنَّهُ لَا يَثْبُتُ بِشَاهِدٍ وَيَمِينٍ وَهُوَ كَذَلِكَ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْمَاوَرْدِيُّ فِي الرَّضَاعِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: وَهُوَ الْمُوَافِقُ لِإِطْلَاقِ عَامَّةِ الْأَصْحَابِ، وَلَوْ اقْتَصَرَ الْمُصَنِّفُ عَلَى أَرْبَعٍ لَعُلِمَ اخْتِصَاصُ ذَلِكَ بِالنِّسْوَةِ؛ لِأَنَّ التَّاءَ لَا تَثْبُتُ مَعَ الْمَعْدُودِ الْمُؤَنَّثِ.
وَأَمَّا الْخُنْثَى فَيُحْتَاطُ فِي أَمْرِهِ عَلَى الْمُرَجَّحِ فَلَا يَرَاهُ بَعْدَ بُلُوغِهِ رِجَالٌ وَلَا نِسَاءٌ، وَفِي وَجْهٍ يُسْتَصْحَبُ حُكْمُ الصِّغَرِ عَلَيْهِ، وَيُشْتَرَطُ فِي الشَّاهِدِ بِالْعُيُوبِ الْمَعْرِفَةُ بِالطِّبِّ كَمَا حَكَاهُ
وَمَا لَا يَثْبُتُ بِرَجُلٍ وَامْرَأَتَيْنِ لَا يَثْبُتُ بِرَجُلٍ وَيَمِينٍ، وَمَا ثَبَتَ بِهِمْ ثَبَتَ بِرَجُلٍ وَيَمِينٍ، إلَّا عُيُوبَ النِّسَاءِ وَنَحْوَهَا، وَلَا يَثْبُتُ شَيْءٌ بِامْرَأَتَيْنِ وَيَمِينٍ، وَإِنَّمَا يَحْلِفُ الْمُدَّعِي بَعْدَ شَهَادَةِ شَاهِدِهِ وَتَعْدِيلِهِ،
[مغني المحتاج]
الرَّافِعِيُّ فِي التَّهْذِيبِ.
ثُمَّ أَشَارَ الْمُصَنِّفُ لِضَابِطٍ يُعْرَفُ بِهِ مَا يَثْبُتُ بِشَاهِدٍ وَيَمِينٍ وَمَا لَا يَثْبُتُ بِهِمَا فَقَالَ (وَ) كُلُّ (مَا لَا يَثْبُتُ) مِنْ الْحُقُوقِ (بِرَجُلٍ وَامْرَأَتَيْنِ لَا يَثْبُتُ بِرَجُلٍ وَيَمِينٍ) ؛ لِأَنَّ الرَّجُلَ وَالْمَرْأَتَيْنِ أَقْوَى، وَإِذَا لَمْ يَثْبُتْ بِالْأَقْوَى لَا يَثْبُتُ بِمَا دُونَهُ.
فَإِنْ قِيلَ: يُرَدُّ عَلَى الْمُصَنِّفِ اللَّوْثُ فِي قَتْلِ عَمْدٍ، فَإِنَّهُ يَكْفِي فِيهِ شَاهِدٌ وَيَمِينٌ مُتَعَدِّدَةٌ، وَلَا يَثْبُتُ بِرَجُلٍ وَامْرَأَتَيْنِ.
أُجِيبَ بِأَنَّهُ أَرَادَ الْيَمِينَ الْمُتَّحِدَةَ لَا الْمُتَعَدِّدَةَ (وَ) كُلُّ (مَا ثَبَتَ بِهِمْ) أَيْ بِرَجُلٍ وَامْرَأَتَيْنِ، وَأَتَى بِالضَّمِيرِ مُذَكَّرًا تَغْلِيبًا لَهُ عَلَى الْمُؤَنَّثِ (ثَبَتَ بِرَجُلٍ وَيَمِينٍ) لِمَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَغَيْرُهُ «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَضَى بِالشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ» . وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ فِي خِلَافِيَّاتِهِ حَدِيثَ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَضَى بِشَاهِدٍ وَيَمِينٍ» عَنْ نَيِّفٍ وَعِشْرِينَ صَحَابِيًّا.
قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: وَبِهِ يَنْدَفِعُ قَوْلُ الْحَنَفِيَّةِ أَنَّهُ خَبَرٌ وَاحِدٌ فَلَا يَنْسَخُ الْقُرْآنَ اهـ.
وَالْقَضَاءُ بِالشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ قَالَ بِهِ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ سَلَفًا وَخَلَفًا مِنْهُمْ الْخُلَفَاءُ الْأَرْبَعَةُ، وَكَتَبَ بِهِ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ إلَى عُمَّالِهِ فِي جَمِيعِ الْأَمْصَارِ، وَهُوَ مَذْهَبُ الْإِمَامِ مَالِكٍ وَأَحْمَدَ، وَخَالَفَ فِي ذَلِكَ أَبُو حَنِيفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ - أَجْمَعِينَ (إلَّا عُيُوبَ النِّسَاءِ وَنَحْوَهَا) بِنَصْبِ نَحْوَ بِخَطِّهِ عَطْفًا عَلَى عُيُوبٍ كَرَضَاعٍ، فَإِنَّهَا لَا تَثْبُتُ بِشَاهِدٍ وَيَمِينٍ؛ لِأَنَّهَا أُمُورٌ خَطِرَةٌ بِخِلَافِ الْمَالِ.
تَنْبِيهٌ: يَنْبَغِي كَمَا قَالَ الدَّمِيرِيُّ تَقْيِيدَ إطْلَاقِهِ بِالْحُرَّةِ.
أَمَّا الْأَمَةُ فَيَثْبُتُ فِيهَا بِذَلِكَ قَطْعًا؛ لِأَنَّهَا مَالٌ، وَبِذَلِكَ جَزَمَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَأَوْرَدَ عَلَى حَصْرِهِ الِاسْتِثْنَاءَ فِيمَا ذَكَرَهُ التَّرْجَمَةَ فِي الدَّعْوَى بِالْمَالِ أَوْ الشَّهَادَةِ بِهِ فَإِنَّهَا تَثْبُتُ بِرَجُلٍ وَامْرَأَتَيْنِ وَلَا مَدْخَلَ لِلشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ فِيهَا؛؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِمَالٍ، وَإِنَّمَا هُوَ إخْبَارٌ عَنْ مَعْنَى لَفْظِ الْمُدَّعِي أَوْ الشَّاهِدِ (وَلَا يَثْبُتُ شَيْءٌ) مِنْ الْحُقُوقِ (بِامْرَأَتَيْنِ وَيَمِينٍ) فِي الْمَالِ جَزْمًا وَفِيمَا يُقْبَلُ فِيهِ النِّسْوَةُ مُنْفَرِدَاتٍ فِي الْأَصَحِّ لِعَدَمِ وُرُودِ ذَلِكَ وَقِيَامِهِمَا مَقَامَ رَجُلٍ فِي غَيْرِ ذَلِكَ لِوُرُودِهِ.
ثُمَّ شَرَعَ فِي شَرْطِ مَسْأَلَةِ الِاكْتِفَاءِ بِشَاهِدٍ وَيَمِينٍ بِقَوْلِهِ (وَإِنَّمَا يَحْلِفُ الْمُدَّعِي) فِيهَا (بَعْدَ شَهَادَةِ شَاهِدِهِ وَ) بَعْدَ (تَعْدِيلِهِ) ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يَتَقَوَّى جَانِبُهُ حِينَئِذٍ، وَالْيَمِينُ أَبَدًا فِي جَانِبِ الْقَوِيِّ، وَفَارِقُ عَدَمِ اشْتِرَاطِ تَقَدُّمِ شَهَادَةِ الرَّجُلِ عَلَى شَهَادَةِ الْمَرْأَتَيْنِ بِقِيَامِهِمَا مَقَامَ الرَّجُلِ قَطْعًا، وَلَا تَرْتِيبَ بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ.
تَنْبِيهٌ: هَلْ الْقَضَاءُ بِالشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ مَعًا أَوْ بِالشَّاهِدِ فَقَطْ وَالْيَمِينُ مُؤَكِّدَةٌ أَوْ بِالْعَكْسِ؟
وَيَذْكُرُ فِي حَلِفِهِ صِدْقَ الشَّاهِدِ.
فَإِنْ تَرَكَ الْحَلِفَ وَطَلَبَ يَمِينَ خَصْمِهِ فَلَهُ ذَلِكَ، فَإِنْ نَكَلَ فَلَهُ أَنْ يَحْلِفَ يَمِينَ الرَّدِّ فِي الْأَظْهَرِ.
وَلَوْ كَانَ بِيَدِهِ أَمَةٌ وَوَلَدُهَا فَقَالَ رَجُلٌ: هَذِهِ مُسْتَوْلَدَتِي عَلِقَتْ بِهَذَا فِي مِلْكِي وَحَلَفَ مَعَ شَاهِدٍ ثَبَتَ الِاسْتِيلَادُ، لَا نَسَبُ الْوَلَدِ وَحُرِّيَّتُهُ فِي الْأَظْهَرِ.
[مغني المحتاج]
أَقْوَالٌ: أَصَحُّهَا أَوَّلُهَا وَتَظْهَرُ فَائِدَةُ الْخِلَافِ فِيمَا لَوْ رَجَعَ الشَّاهِدُ، فَعَلَى الْأَوَّلِ يَغْرَمُ النِّصْفَ، وَعَلَى الثَّانِي الْكُلَّ، وَعَلَى الثَّالِثِ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ (وَيَذْكُرُ) حَتْمًا (فِي حَلِفِهِ صِدْقَ الشَّاهِدِ) لَهُ، وَاسْتِحْقَاقَهُ لِمَا ادَّعَاهُ، فَيَقُولُ: وَاَللَّهِ شَاهِدِي صَادِقٌ فِيمَا شَهِدَ بِهِ، وَأَنَا مُسْتَحِقٌّ لِكَذَا.
تَنْبِيهٌ: عُلِمَ مِنْ تَعْبِيرِ الْمُصَنِّفِ بِالْوَاوِ أَنَّهُ لَا تَرْتِيبَ بَيْنَ الْحَلِفِ عَلَى إثْبَاتِ الْحَقِّ وَصِدْقِ الشَّاهِدِ، وَحَكَى الْإِمَامُ فِيهِ الِاتِّفَاقَ، وَإِنَّمَا اُعْتُبِرَ تَعَرُّضُهُ فِي يَمِينِهِ لِصِدْقِ شَاهِدِهِ؛ لِأَنَّ الْيَمِينَ وَإِشْهَادَهُ حُجَّتَانِ مُخْتَلِفَتَا الْجِنْسِ، فَاعْتُبِرَ ارْتِبَاطُ إحْدَاهُمَا بِالْأُخْرَى لِيَصِيرَا كَالنَّوْعِ الْوَاحِدِ.
(فَإِنْ) (تَرَكَ) الْمُدَّعِي (الْحَلِفَ) بَعْدَ شَهَادَةِ شَاهِدِهِ (وَطَلَبَ يَمِينَ خَصْمِهِ) (فَلَهُ ذَلِكَ) ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَتَوَرَّعُ عَنْ الْيَمِينِ، فَإِنْ حَلَفَ سَقَطَتْ الدَّعْوَى، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَحْلِفَ بَعْدَ ذَلِكَ مَعَ شَاهِدِهِ كَمَا نَقَلَهُ الرَّافِعِيُّ عَنْ ابْنِ الصَّبَّاغِ بِخِلَافِ مَا لَوْ أَقَامَ بَيِّنَةً بَعْدَ يَمِينِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ حَيْثُ تُسْمَعُ؛ لِأَنَّ الْبَيِّنَةَ قَدْ يَتَعَذَّرُ عَلَيْهِ إقَامَتُهَا فَعُذِرَ، وَالْيَمِينُ إلَيْهِ بَعْدَ شَهَادَةِ الشَّاهِدِ الْوَاحِدِ، فَلَا عُذْرَ لَهُ فِي الِامْتِنَاعِ (فَإِنْ نَكَلَ) الْمُدَعَّى عَلَيْهِ عَنْ الْيَمِينِ (فَلَهُ) أَيْ الْمُدَّعِي (أَنْ يَحْلِفَ يَمِينَ الرَّدِّ فِي الْأَظْهَرِ) كَمَا لَوْ لَمْ يَكُنْ لَهُ شَاهِدٌ أَوْ نَكَلَ الْمُدَعَّى عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهَا غَيْرُ الَّتِي امْتَنَعَ عَنْهَا؛ لِأَنَّ تِلْكَ لِقُوَّةِ جِهَتِهِ بِالشَّاهِدِ وَهَذِهِ لِقُوَّةِ جِهَتِهِ بِنُكُولِ الْمُدَعَّى عَلَيْهِ، وَلِأَنَّ تِلْكَ لَا يُقْضَى بِهَا إلَّا فِي الْمَالِ وَهَذِهِ يُقْضَى بِهَا فِي جَمِيعِ الْحُقُوقِ، وَالثَّانِي الْمَنْعُ؛ لِأَنَّهُ تَرَكَ الْحَلِفَ فَلَا يَعُودُ إلَيْهِ، وَعُورِضَ بِمَا مَرَّ، وَعَلَى الْأَوَّلِ لَوْ لَمْ يَحْلِفْ سَقَطَ حَقُّهُ مِنْ الْيَمِينِ، وَلَيْسَ لَهُ مُطَالَبَةُ الْخَصْمِ كَمَا سَيَأْتِي إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فِي الدَّعَاوَى.
(وَلَوْ كَانَ) (بِيَدِهِ) أَيْ شَخْصٍ (أَمَةٌ وَوَلَدُهَا) يَسْتَرِقُّهُمَا (فَقَالَ) لَهُ (رَجُلٌ: هَذِهِ مُسْتَوْلَدَتِي عَلِقَتْ) مِنِّي (بِهَذَا) الْوَلَدِ (فِي مِلْكِي وَحَلَفَ مَعَ شَاهِدٍ) بِذَلِكَ (ثَبَتَ الِاسْتِيلَادُ) ؛ لِأَنَّ حُكْمَ الْمُسْتَوْلَدَةِ حُكْمُ الْمَالِ فَتُنْزَعُ مِمَّنْ هِيَ فِي يَدِهِ وَتُسَلَّمُ إلَيْهِ كَغَيْرِهَا مِنْ الْأَمْوَالِ، وَإِذَا مَاتَ حُكِمَ بِعِتْقِهَا بِإِقْرَارِهِ لَا بِالشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ كَمَا تُوهِمُهُ عِبَارَةُ الْكِتَابِ وَالرَّوْضَةِ؛ لِأَنَّ الِاسْتِيلَادَ لَا يَثْبُتُ بِالْحُجَّةِ النَّاقِصَةِ.
فَإِنْ قِيلَ: لَا بُدَّ أَنْ يَقُولَ فِي الدَّعْوَى وَهِيَ بَاقِيَةٌ عَلَى مِلْكِي عَلَى حُكْمِ الِاسْتِيلَادِ إلَى الْآنَ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ مِلْكُهُ زَالَ عَنْهَا بِبَيْعٍ بَعْدَ اسْتِيلَادِهَا بِأَنْ اسْتَوْلَدَهَا وَهِيَ مَرْهُونَةٌ رَهْنًا لَازِمًا وَلَمْ يَأْذَنْ لَهُ الْمُرْتَهِنُ فِي الْوَطْءِ وَكَانَ مُعْسِرًا فَإِنَّهُ لَا يَنْفُذُ الِاسْتِيلَادُ فِي حَقِّ الْمُرْتَهِنِ، وَكَذَا الْجَانِيَةُ.
.
أُجِيبَ بِأَنَّ هَذَا احْتِمَالٌ بَعِيدٌ لَا يُعَوَّلُ عَلَيْهِ فِي الدَّعْوَى (لَا نَسَبُ الْوَلَدِ وَحُرِّيَّتُهُ) فَلَا يَثْبُتَانِ بِالشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ (فِي الْأَظْهَرِ) ؛ لِأَنَّهُمَا حُجَّةٌ نَاقِصَةٌ، وَالثَّانِي: يَثْبُتَانِ تَبَعًا فَيُنْزَعُ مِمَّنْ هُوَ فِي يَدِهِ وَيَكُونُ حُرًّا نَسِيبًا بِإِقْرَارِ الْمُدَّعِي، وَعَلَى الْأَوَّلِ يَبْقَى الْوَلَدُ فِي يَدِ صَاحِبِ الْيَدِ، وَفِي ثُبُوتِ نَسَبِهِ مِنْ الْمُدَّعِي بِالْإِقْرَارِ مَا مَرَّ فِي بَابِهِ، فَقَالَ الرَّافِعِيُّ: مُقْتَضَاهُ أَنَّهُ إنْ كَانَ صَغِيرًا لَمْ
وَلَوْ كَانَ بِيَدِهِ غُلَامٌ فَقَالَ رَجُلٌ: كَانَ لِي وَأَعْتَقْتُهُ وَحَلَفَ مَعَ شَاهِدٍ فَالْمَذْهَبُ انْتِزَاعُهُ وَمَصِيرُهُ حُرًّا.
وَلَوْ ادَّعَتْ وَرَثَةٌ مَالًا لِمُوَرِّثِهِمْ وَأَقَامُوا شَاهِدًا وَحَلَفَ مَعَهُ بَعْضُهُمْ أَخَذَ نَصِيبَهُ، وَلَا يُشَارَكُ فِيهِ وَيَبْطُلُ حَقُّ مَنْ لَمْ يَحْلِفْ بِنُكُولِهِ إنْ حَضَرَ وَهُوَ كَامِلٌ، فَإِنْ كَانَ غَائِبًا أَوْ
[مغني المحتاج]
يَثْبُتْ مُحَافَظَةً عَلَى حَقِّ الْوَلَاءِ لِلسَّيِّدِ، أَوْ بَالِغًا وَصَدَّقَهُ ثَبَتَ فِي الْأَصَحِّ.
(وَلَوْ كَانَ) (بِيَدِهِ غُلَامٌ) يَسْتَرِقُّهُ (فَقَالَ) لَهُ (رَجُلٌ كَانَ لِي) هَذَا الْغُلَامُ (وَأَعْتَقْتُهُ) وَأَنْتَ تَسْتَرِقُّهُ ظُلْمًا (وَحَلَفَ مَعَ شَاهِدٍ) بِذَلِكَ أَوْ شَهِدَ لَهُ رَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ بِذَلِكَ (فَالْمَذْهَبُ انْتِزَاعُهُ) مِنْ يَدِهِ (وَمَصِيرُهُ حُرًّا) لَا بِالشَّهَادَةِ كَمَا هُوَ ظَاهِرُ كَلَامِهِ بَلْ بِإِقْرَارِهِ كَمَا نَصَّ عَلَيْهِ: وَإِنْ تَضَمَّنَ اسْتِلْحَاقُهُ الْوَلَاءَ؛ لِأَنَّهُ تَابِعٌ، وَمِنْهُمْ مَنْ خَرَّجَ قَوْلًا مِنْ مَسْأَلَةِ الِاسْتِيلَادِ بِنَفْيِ ذَلِكَ فَجَعَلَ فِي الْمَسْأَلَةِ قَوْلَيْنِ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَطَعَ بِالْأَوَّلِ وَهُوَ الرَّاجِحُ فِي أَصْلِ الرَّوْضَةِ، وَالْفَرْقُ أَنَّ الْمُدَّعِيَ هُنَا يَدَّعِي مِلْكًا وَحُجَّتُهُ تَصْلُحُ لِإِثْبَاتِهِ، وَالْعِتْقُ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ بِإِقْرَارِهِ.
(وَلَوْ) (ادَّعَتْ وَرَثَةُ) الْمَيِّتِ كُلُّهُمْ أَوْ بَعْضُهُمْ (مَالًا) عَيْنًا أَوْ دَيْنًا أَوْ مَنْفَعَةً (لِمُوَرِّثِهِمْ وَأَقَامُوا) عَلَيْهِ (شَاهِدًا) بِالْمَالِ بَعْدَ أَنْ أَثْبَتُوا مَوْتَهُ وَوِرَاثَتَهُمْ مِنْهُ (وَحَلَفَ مَعَهُ بَعْضُهُمْ) (أَخَذَ) الْحَالِفُ (نَصِيبَهُ) فَقَطْ (وَلَا يُشَارَكُ فِيهِ) أَيْ لَا يُشَارِكُهُ أَحَدٌ مِمَّنْ لَمْ يَحْلِفْ لَا مِنْ الْغَائِبِينَ وَلَا مِنْ الْحَاضِرِينَ النَّاكِلِينَ؛ لِأَنَّ الْحُجَّةَ تَمَّتْ فِي حَقِّهِ وَحْدَهُ، كَذَا نَصَّ عَلَيْهِ هُنَا، وَنَصَّ فِي الصُّلْحِ أَنَّهُمَا لَوْ ادَّعَيَا دَارًا أَوْ إرْثًا وَصَدَّقَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ أَحَدُهُمَا فِي نَصِيبِهِ وَكَذَّبَ الْآخَرَ شَارَكَ الْمُكَذِّبُ الْمُصَدِّقَ، فَخَرَّجَ بَعْضُهُمْ مِنْهُ قَوْلًا هُنَا أَنْ يَأْخُذَهُ الْحَالِفُ يُشَارِكُ فِيهِ مَنْ لَمْ يَحْلِفْ؛ لِأَنَّ الْإِرْثَ يَثْبُتُ عَلَى الشُّيُوعِ وَقَطَعَ الْجُمْهُورُ بِالْمَنْصُوصِ هُنَا، وَفَرَّقُوا بِأَنَّ الثُّبُوتَ هُنَا بِشَاهِدٍ وَيَمِينٍ، فَلَوْ أَثْبَتْنَا الشَّرِكَةَ لَمَلَّكْنَا الشَّخْصَ بِيَمِينِ غَيْرِهِ، وَهُنَاكَ الثُّبُوتُ بِإِقْرَارِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ.
ثُمَّ تَرَتَّبَ عَلَيْهِ إقْرَارُ الْمُصَدِّقِ بِأَنَّهُ إرْثٌ، وَبِأَنَّ الْمُمْتَنِعَ هُنَا قَادِرٌ عَلَى الْوُصُولِ إلَى حَقِّهِ بِيَمِينِهِ، فَحَيْثُ لَمْ يَفْعَلْ صَارَ كَالتَّارِكِ لِحَقِّهِ.
تَنْبِيهٌ: كَلَامُ الْمُصَنِّفِ يُشْعِرُ بِأَنَّ بَعْضَ الْوَرَثَةِ يَحْلِفُ عَلَى حِصَّتِهِ مِنْ الْمَالِ وَلَيْسَ مُرَادًا، بَلْ يَحْلِفُ عَلَى الْجَمِيعِ كَمَا فِي أَصْلِ الرَّوْضَةِ عَنْ أَبِي الْفَرَجِ.
ثُمَّ قَالَ: وَفِي كَلَامِ غَيْرِهِ إشْعَارٌ بِخِلَافِهِ (وَيَبْطُلُ حَقُّ مَنْ لَمْ يَحْلِفْ بِنُكُولِهِ) عَنْ الْيَمِينِ مَعَ الشَّاهِدِ (إنْ حَضَرَ) فِي الْبَلَدِ بِحَيْثُ يُمْكِنُ تَحْلِيفُهُ (وَهُوَ كَامِلٌ) بِبُلُوغٍ وَعَقْلٍ حَتَّى لَوْ مَاتَ بَعْدَ نُكُولِهِ لَمْ يَكُنْ لِوَارِثِهِ أَنْ يَحْلِفَ مَعَ ذَلِكَ الشَّاهِدِ وَلَا مَعَ شَاهِدٍ آخَرَ يُقِيمُهُ، وَهَلْ لَهُ ضَمُّ شَاهِدِهِ إلَى الْأَوَّلِ لِيُحْكَمَ لَهُ بِالْبَيِّنَةِ؟ فِيهِ احْتِمَالَانِ لِلْإِمَامِ جَارِيَانِ فِيمَا لَوْ أَقَامَ مُدَّعٍ شَاهِدًا مَعَهُ فِي خُصُومَةٍ، ثُمَّ مَاتَ وَأَقَامَ وَارِثُهُ شَاهِدًا آخَرَ يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ لَهُ الْبِنَاءُ، وَيَجُوزُ أَنْ يُقَالَ عَلَيْهِ تَجْدِيدُ الدَّعْوَى وَإِقَامَةُ الْبَيِّنَةِ الْأُولَى، وَقَضِيَّةُ كَلَامِ الْإِمَامِ الْجَزْمُ بِالْأَوَّلِ.
أَمَّا إذَا مَاتَ قَبْلَ نُكُولِهِ فَلِوَارِثِهِ الْحَلِفُ.
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ وَالْإِمَامُ: إنْ لَمْ يَصْدُرْ مِنْ مُورِثِهِ مَا يُبْطِلُ حَقَّهُ وَلَا يَجِبُ إعَادَةُ الشَّهَادَةِ (فَإِنْ كَانَ) مَنْ لَمْ يَحْلِفْ (غَائِبًا أَوْ
صَبِيًّا أَوْ مَجْنُونًا فَالْمَذْهَبُ أَنَّهُ لَا يَقْبِضُ نَصِيبَهُ، فَإِذَا زَالَ عُذْرُهُ حَلَفَ وَأَخَذَ بِغَيْرِ إعَادَةِ شَهَادَةٍ.
وَلَا تَجُوزُ شَهَادَةٌ عَلَى فِعْلٍ كَزِنًا وَغَصْبٍ وَإِتْلَافٍ وَوِلَادَةٍ إلَّا بِالْإِبْصَارِ.
[مغني المحتاج]
صَبِيًّا أَوْ مَجْنُونًا) (فَالْمَذْهَبُ أَنَّهُ لَا يَقْبِضُ نَصِيبَهُ) ؛ لِأَنَّ الشَّافِعِيَّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - نَصَّ فِي الْمَجْنُونِ عَلَى أَنَّهُ يُوقَفُ نَصِيبُهُ، وَفِي مَعْنَاهُ الصَّبِيُّ وَالْغَائِبُ، وَاخْتَلَفَ الْأَصْحَابُ فِي مَعْنَى النَّصِّ، فَقَالَ جُمْهُورُهُمْ: أَرَادَ التَّوَقُّفَ عَنْ الْحُكْمِ لَهُ إلَى إفَاقَتِهِ فَيَحْلِفَ وَيَأْخُذَ أَوْ يَمْتَنِعَ فَلَا يُعْطَى شَيْئًا، وَعَلَى هَذَا فَلَا يُنْزَعُ مِنْ يَدِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، وَقِيلَ: أَرَادَ أَنَّهُ يَأْخُذُ نَصِيبَهُ مِنْ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ وَيُوقَفُ الدَّفْعُ إلَيْهِ عَلَى حَلِفِهِ (فَإِذَا زَالَ عُذْرُهُ) بِأَنْ حَضَرَ الْغَائِبُ وَبَلَغَ الصَّبِيُّ وَأَفَاقَ الْمَجْنُونُ (حَلَفَ وَأَخَذَ) حِصَّتَهُ (بِغَيْرِ إعَادَةِ شَهَادَةٍ) وَاسْتِئْنَافِ دَعْوَى؛ لِأَنَّ الدَّعْوَى وَالشَّاهِدَ لِلْمَيِّتِ قَدْ وُجِدَا بِإِقَامَةِ الْكَامِلِ مِنْ الْوَرَثَةِ خِلَافَةً عَنْ الْمَيِّتِ، وَهَذَا بِخِلَافِ مَا لَوْ كَانَتْ الدَّعْوَى لَا عَنْ جِهَةِ الْإِرْثِ كَمَا لَوْ ادَّعَى أَنَّهُ أَوْصَى لَهُ وَلِأَخِيهِ الْغَائِبِ أَوْ الصَّبِيِّ أَوْ الْمَجْنُونِ أَوْ اشْتَرَيْتُ أَنَا وَأَخِي الْغَائِبُ مِنْك كَذَا وَأَقَامَ شَاهِدًا وَحَلَفَ مَعَهُ فَإِنَّهُ لَا بُدَّ هُنَاكَ مِنْ تَجْدِيدِ الدَّعْوَى وَالشَّهَادَةِ إذَا بَلَغَ الصَّبِيُّ أَوْ أَفَاقَ الْمَجْنُونُ أَوْ قَدِمَ الْغَائِبُ، وَلَا يُؤْخَذُ نَصِيبُ الصَّبِيِّ أَوْ الْمَجْنُونِ أَوْ الْغَائِبِ قَطْعًا؛ لِأَنَّ الدَّعْوَى فِي الْمِيرَاثِ عَنْ الْمَيِّتِ وَهُوَ وَاحِدٌ، وَالْوَارِثُ خَلِيفَتُهُ وَفِي غَيْرِهِ الْحَقُّ لِأَشْخَاصٍ، فَلَا يَدَّعِي وَيُقِيمُ الْبَيِّنَةَ لَهُمْ مِنْ غَيْرِ إذْنٍ وَلَا وِلَايَةٍ.
قَالَا: وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الْحَاضِرُ الْكَامِلُ الَّذِي لَمْ يَشْرَعْ فِي الْخُصُومَةِ أَوْ لَمْ يَشْعُرْ بِالْحَالِ كَالصَّبِيِّ وَنَحْوِهِ فِي بَقَاءِ حَقِّهِ، بِخِلَافِ مَا مَرَّ فِي الْكَامِلِ.
تَنْبِيهٌ: مَحَلُّ مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ مِنْ عَدَمِ الْإِعَادَةِ إذَا لَمْ يَتَغَيَّرْ حَالُ الشَّاهِدِ بِمَا يَقْتَضِي رَدَّ شَهَادَتِهِ، فَإِنْ تَغَيَّرَ فَوَجْهَانِ، أَوْجَهُهُمَا كَمَا رَجَّحَهُ الْأَذْرَعِيُّ الْمَنْعُ؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ قَدْ اتَّصَلَ بِشَهَادَتِهِ دُونَ الْحَالِفِ، وَمَحَلُّ مَوْضِعِ عَدَمِ الْحَاجَةِ إلَى إعَادَةِ الشَّهَادَةِ فِي حَالَتَيْ تَغَيُّرِ الشَّاهِدِ وَعَدَمِهِ كَمَا قَالَهُ الزَّرْكَشِيُّ: فِيمَا إذَا كَانَ الْأَوَّلُ قَدْ ادَّعَى بِجَمِيعِ الْحَقِّ، أَمَّا لَوْ كَانَ قَدْ ادَّعَى بِحِصَّتِهِ فَقَطْ فَلَا بُدَّ مِنْ الْإِعَادَةِ.
ثُمَّ شَرَعَ فِي بَيَانِ مُسْتَنِدِ عِلْمِ الشَّاهِدِ مِنْ الْبِنَاءِ عَلَى الْيَقِينِ وَالْعِلْمِ.
فَقَالَ (وَلَا تَجُوزُ شَهَادَةٌ عَلَى فِعْلٍ كَزِنًا) وَشُرْبِ خَمْرٍ (وَغَصْبٍ وَإِتْلَافٍ وَوِلَادَةٍ) وَرَضَاعٍ وَاصْطِيَادٍ وَإِحْيَاءٍ وَكَوْنِ الْيَدِ عَلَى مَالٍ (إلَّا بِالْإِبْصَارِ) لَهُ مَعَ فَاعِلِهِ؛ لِأَنَّهُ يَصِلُ بِهِ إلَى الْعِلْمِ وَالْيَقِينِ فَلَا يَكْفِي فِيهِ السَّمَاعُ مِنْ الْغَيْرِ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [الإسراء: 36] وَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «عَلَى مِثْلِهَا فَاشْهَدْ» إلَّا أَنَّ مِنْ الْحُقُوقِ مَا اُكْتُفِيَ فِيهِ بِالظَّنِّ الْمُؤَكَّدِ لِتَعَذُّرِ الْيَقِينِ فِيهِ وَتَدْعُو الْحَاجَةُ إلَى إثْبَاتِهِ كَالْمِلْكِ فَإِنَّهُ لَا سَبِيلَ إلَى مَعْرِفَتِهِ يَقِينًا، وَكَذَلِكَ الْعَدَالَةُ وَالْإِعْسَارُ.
تَنْبِيهٌ: أَوْرَدَ الْبُلْقِينِيُّ صُوَرًا يُقْبَلُ فِيهَا شَهَادَةُ الْأَعْمَى عَلَى الْفِعْلِ، الْأُولَى: الزِّنَا إذَا وَضَعَ يَدَهُ عَلَى ذَكَرٍ دَاخِلٍ فِي فَرْجِ امْرَأَةٍ أَوْ دُبُرِ صَبِيٍّ مَثَلًا فَأَمْسَكَهُمَا وَلَزِمَهُمَا حَتَّى شَهِدَ عِنْدَ الْحَاكِمِ بِمَا عَرَفَهُ بِمُقْتَضَى وَضْعِ الْيَدِ فَهَذَا أَبْلَغُ مِنْ الرُّؤْيَةِ.
الثَّانِيَةُ: الْغَصْبُ وَالْإِتْلَافُ لَوْ جَلَسَ الْأَعْمَى
وَتُقْبَلُ مِنْ أَصَمَّ، وَالْأَقْوَالُ كَعَقْدٍ يُشْتَرَطُ سَمْعُهَا وَإِبْصَارُ قَائِلِهَا، وَلَا يُقْبَلُ أَعْمَى إلَّا أَنْ يُقِرَّ فِي أُذُنِهِ فَيَتَعَلَّقُ بِهِ حَتَّى يَشْهَدَ عِنْدَ قَاضٍ بِهِ عَلَى الصَّحِيحِ، وَلَوْ حَمَلَهَا بَصِيرٌ ثُمَّ عَمِيَ شَهِدَ إنْ كَانَ الْمَشْهُودُ لَهُ وَعَلَيْهِ مَعْرُوفَيْ الِاسْمِ وَالنَّسَبِ،
[مغني المحتاج]
عَلَى بِسَاطٍ لِغَيْرِهِ فَغَصَبَهُ غَاصِبٌ أَوْ أَتْلَفَهُ فَأَمْسَكَهُ الْأَعْمَى فِي تِلْكَ الْحَالَةِ وَالْبِسَاطَ وَتَعَلَّقَ حَتَّى شَهِدَ بِمَا عَرَفَهُ جَازَ.
الثَّالِثَةُ: الْوِلَادَةُ: إذَا وَضَعَتْ الْعَمْيَاءُ يَدَهَا عَلَى قُبُلِ الْمَرْأَةِ وَخَرَجَ مِنْهَا الْوَلَدُ وَهِيَ وَاضِعَةٌ يَدَهَا عَلَى رَأْسِهِ إلَى تَكَامُلِ خُرُوجِهِ وَتَعَلَّقَتْ بِهِمَا حَتَّى شَهِدَتْ بِوِلَادَتِهَا مَعَ غَيْرِهَا قُبِلَتْ شَهَادَتُهَا.
(وَتُقْبَلُ) فِي الْفِعْلِ (مِنْ أَصَمَّ) لِإِبْصَارِهِ، وَيَجُوزُ تَعَمُّدُ النَّظَرِ لِفَرْجَيْ الزَّانِيَيْنِ لِتَحَمُّلِ الشَّهَادَةِ كَمَا مَرَّتْ الْإِشَارَةُ إلَيْهِ؛ لِأَنَّهُمَا هَتَكَا حُرْمَةَ أَنْفُسِهِمَا، وَسَكَتَ عَنْ الْأَخْرَسِ وَسَبَقَ حُكْمُ شَهَادَتِهِ عِنْدَ ذِكْرِ شُرُوطِ الشَّاهِدِ (وَالْأَقْوَالُ كَعَقْدٍ) وَفَسْخٍ وَطَلَاقٍ وَإِقْرَارٍ (يُشْتَرَطُ) فِي الشَّاهِدِ بِهَا (سَمْعُهَا) فَلَا تُقْبَلُ مِنْ أَصَمَّ بِهَا (وَإِبْصَارُ قَائِلِهَا) حَالَ تَلَفُّظِهِ بِهَا حَتَّى لَوْ نَطَقَ بِهَا مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ وَهُوَ يَتَحَقَّقُهُ لَمْ يَكْفِ، وَمَا حَكَاهُ الرُّويَانِيُّ عَنْ الْأَصْحَابِ مِنْ أَنَّهُ لَوْ جَلَسَ بِبَابِ بَيْتٍ فِيهِ اثْنَانِ فَقَطْ فَسَمِعَ تَعَاقُدَهُمَا بِالْبَيْعِ وَغَيْرِهِ كَفَى مِنْ غَيْرِ رُؤْيَةٍ، زَيَّفَهُ الْبَنْدَنِيجِيُّ بِأَنَّهُ لَا يَعْرِفُ الْمُوجِبَ مِنْ الْقَابِلِ.
قَالَ الْأَذْرَعِيُّ: وَقَضِيَّةُ كَلَامِهِ أَنَّهُ لَوْ عَرَفَ هَذَا مِنْ هَذَا أَنَّهُ يَصِحُّ التَّحَمُّلُ، وَيُتَصَوَّرُ ذَلِكَ بِأَنْ يَعْرِفَ أَنَّ الْمَبِيعَ مِلْكُ أَحَدِهِمَا كَمَا لَوْ كَانَ الشَّاهِدُ يَسْكُنُ بَيْتًا وَنَحْوَهُ لِأَحَدِهِمَا أَوْ كَانَ جَارَهُ فَسَمِعَ أَحَدَهُمَا يَقُولُ: بِعْنِي بَيْتَك الَّذِي يَسْكُنُهُ فُلَانٌ الشَّاهِدُ أَوْ الَّذِي فِي جِوَارِهِ أَوْ عَلِمَ أَنَّ الْقَابِلَ فِي زَاوِيَةٍ وَالْمُوجِبَ فِي أُخْرَى أَوْ كَانَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِي بَيْتٍ بِمُفْرَدِهِ وَالشَّاهِدُ جَالِسٌ بَيْنَ الْبَيْتَيْنِ وَغَيْرَ ذَلِكَ.
قَالَ الْحُسْبَانِيُّ: وَلَوْ كَانَ أَحَدُهُمَا فِي الْبَيْتِ وَحْدَهُ وَالْآخَرُ مَعَهُ عَلَى بَابِهِ وَهُوَ عَالِمٌ أَنَّهُ لَيْسَ فِي الْبَيْتِ غَيْرُهُ جَازَ لَهُ الشَّهَادَةُ عَلَيْهِ بِمَا سَمِعَهُ مِنْ الْإِقْرَارِ وَإِنْ لَمْ يُشَاهِدْهُ حَالَةَ النُّطْقِ (وَلَا يُقْبَلُ) شَهَادَةُ (أَعْمَى) فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِالْبَصَرِ لِجَوَازِ اشْتِبَاهِ الْأَصْوَاتِ، وَقَدْ يُحَاكِي الْإِنْسَانُ صَوْتَ غَيْرِهِ (إلَّا) صُورَةَ الضَّبْطِ، وَهِيَ (أَنْ يُقِرَّ) شَخْصٌ (فِي أُذُنِهِ) بِنَحْوِ طَلَاقٍ أَوْ عِتْقٍ أَوْ مَالٍ لِشَخْصٍ مَعْرُوفِ الِاسْمِ وَالنَّسَبِ (فَيَتَعَلَّقُ) الْأَعْمَى (بِهِ) وَيَضْبِطُهُ (حَتَّى يَشْهَدَ) عَلَيْهِ بِمَا سَمِعَهُ مِنْهُ (عِنْدَ قَاضٍ بِهِ) فَيُقْبَلُ (عَلَى الصَّحِيحِ) لِحُصُولِ الْعِلْمِ بِأَنَّهُ الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ.
وَالثَّانِي: الْمَنْعُ حَسْمًا لِلْبَابِ.
تَنْبِيهٌ: تَقَدَّمَ أَنَّهُ يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ الْأَعْمَى مُتَرْجِمًا أَوْ مُسْمِعًا.
وَسَيَأْتِي أَنَّهُ يَصِحُّ أَنْ يَشْهَدَ بِمَا ثَبَتَ بِالتَّسَامُعِ إنْ لَمْ يَحْتَجْ إلَى تَعْيِينٍ، وَإِشَارَةٍ بِأَنْ يَكُونَ الرَّجُلُ مَشْهُورًا بِاسْمِهِ وَصِفَتِهِ، وَلَهُ أَنْ يَطَأَ زَوْجَتَهُ اعْتِمَادًا عَلَى صَوْتِهَا لِلضَّرُورَةِ، وَلِأَنَّ الْوَطْءَ يَجُوزُ بِالظَّنِّ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَشْهَدَ عَلَى زَوْجَتِهِ اعْتِمَادًا عَلَى صَوْتِهِمَا كَغَيْرِهَا خِلَافًا لِمَا بَحْثَهُ الْأَذْرَعِيُّ مِنْ قَبُولِ شَهَادَتِهِ عَلَيْهَا اعْتِمَادًا عَلَى ذَلِكَ (وَلَوْ حَمَلَهَا) أَيْ الشَّهَادَةَ فِي مُحْتَاجٍ لِلْبَصَرِ (بَصِيرٌ ثُمَّ عَمِيَ شَهِدَ إنْ كَانَ الْمَشْهُودُ لَهُ وَعَلَيْهِ مَعْرُوفَيْ الِاسْمِ وَالنَّسَبِ) لِإِمْكَانِ الشَّهَادَةِ عَلَيْهِمَا؛ فَيَقُولُ: أَشْهَدُ أَنَّ فُلَانَ بْنَ فُلَانٍ أَقَرَّ
وَمَنْ سَمِعَ قَوْلَ شَخْصٍ أَوْ رَأَى فِعْلَهُ، فَإِنْ عَرَفَ عَيْنَهُ وَاسْمَهُ وَنَسَبَهُ شَهِدَ عَلَيْهِ فِي حُضُورِهِ إشَارَةً، وَعِنْدَ غَيْبَتِهِ وَمَوْتِهِ بِاسْمِهِ وَنَسَبِهِ، فَإِنْ جَهِلَهُمَا لَمْ يَشْهَدْ عَنَدَ مَوْتِهِ وَغَيْبَتِهِ.
[مغني المحتاج]
لِفُلَانٍ بْنِ فُلَانٍ بِكَذَا، بِخِلَافِ مَجْهُولِهِمَا أَوْ أَحَدِهِمَا أَخْذًا مِنْ مَفْهُومِ الشَّرْطِ.
نَعَمْ لَوْ عَمِيَ وَيَدُهُمَا أَوْ يَدُ الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ فِي يَدِهِ فَشَهِدَ عَلَيْهِ فِي الْأُولَى مُطْلَقًا مَعَ تَمْيِيزِهِ لَهُ مِنْ خَصْمِهِ، وَفِي الثَّانِيَةِ لِمَعْرُوفِ الِاسْمِ وَالنَّسَبِ قُبِلَتْ شَهَادَتُهُ كَمَا بَحْثَهُ الزَّرْكَشِيُّ فِي الْأُولَى، وَصَرَّحَ بِهِ أَصْلُ الرَّوْضَةِ فِي الثَّانِيَةِ (وَمَنْ سَمِعَ قَوْلَ شَخْصٍ أَوْ رَأَى فِعْلَهُ، فَإِنْ عَرَفَ عَيْنَهُ وَاسْمَهُ وَنَسَبَهُ شَهِدَ عَلَيْهِ فِي حُضُورِهِ إشَارَةً) لَا بِاسْمِهِ وَنَسَبِهِ فَقَطْ كَمَا لَوْ لَمْ يَعْرِفْ بِهِمَا (وَعِنْدَ غَيْبَتِهِ وَمَوْتِهِ) وَدَفْنِهِ (بِاسْمِهِ وَنَسَبِهِ) لِحُصُولِ التَّمْيِيزِ بِذَلِكَ (فَإِنْ جَهِلَهُمَا) أَيْ اسْمَهُ وَنَسَبَهُ أَوْ أَحَدَهُمَا (لَمْ يَشْهَدْ عَنَدَ مَوْتِهِ) وَدَفْنِهِ (وَغَيْبَتِهِ) فَإِنْ مَاتَ وَلَمْ يُدْفَنْ أُحْضِرَ لِيُشَاهِدَ صُورَتَهُ، وَيَشْهَدَ عَلَى عَيْنِهِ.
وَهَذَا كَمَا قَالَ الْأَذْرَعِيُّ: إنْ كَانَ بِالْبَلَدِ وَلَمْ يُخْشَ تَغَيُّرُهُ بِإِحْضَارِهِ، وَإِلَّا فَالْوَجْهُ حُضُورُ الشَّاهِدِ إلَيْهِ، فَإِنْ دُفِنَ لَمْ يَحْضُرْ إذْ لَا يَجُوزُ نَبْشُهُ.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: فَإِنْ اشْتَدَّتْ الْحَاجَةُ إلَيْهِ وَلَمْ تَتَغَيَّرْ صُورَتُهُ جَازَ نَبْشُهُ اهـ.
قَالَ فِي أَصْلِ الرَّوْضَةِ: وَهَذَا احْتِمَالٌ ذَكَرَهُ الْإِمَامُ، ثُمَّ قَالَ: وَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ لَا فَرْقَ، وَالْمُرَادُ بِالنَّسَبِ اسْمُ أَبِيهِ وَجَدِّهِ، فَإِنْ عُرِفَ اسْمُهُ وَاسْمُ أَبِيهِ دُونَ جَدِّهِ شَهِدَ بِذَلِكَ وَلَمْ تُفِدْ شَهَادَتُهُ بِهِ إلَّا إنْ ذَكَرَ لِلْقَاضِي أَمَارَاتٍ يَتَحَقَّقُ بِهَا نَسَبُهُ بِأَنْ يَتَمَيَّزَ بِهَا عَنْ غَيْرِهِ فَلَهُ أَنْ يَحْكُمَ بِشَهَادَتِهِ حِينَئِذٍ كَذَا نَقَلَهُ فِي أَصْلِ الرَّوْضَةِ عَنْ الْغَزَالِيِّ، ثُمَّ نُقِلَ عَنْ غَيْرِهِ مَا يَقْتَضِي أَنَّهَا لَا تُفِيدُ؛ لِأَنَّهَا شَهَادَةٌ عَلَى مَجْهُولٍ، وَجَمَعَ بَيْنَهُمَا الْإِسْنَوِيِّ بِأَنَّ الْأَوَّلَ فِيمَا إذَا حَصَلَتْ الْمَعْرِفَةُ بِذَلِكَ.
وَالثَّانِي فِيمَا إذَا لَمْ تَحْصُلْ بِهِ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْمَدَارَ عَلَى الْمَعْرِفَةِ، وَلَوْ بِمُجَرَّدِ لَقَبٍ خَاصٍّ بِهِ كَالشَّهَادَةِ عَلَى السُّلْطَانِ بِقَوْلِهِ: أَشْهَدُ عَلَى سُلْطَانِ الدِّيَارِ الْمِصْرِيَّةِ وَالشَّامِيَّةِ فُلَانٍ فَإِنَّهُ يَكْفِي، وَلَا يَحْتَاجُ مَعَهُ إلَى شَيْءٍ آخَرَ، وَلَوْ كَانَ بَعْدَ مَوْتِهِ، وَيَدُلُّ لِذَلِكَ قَوْلُ الرَّافِعِيِّ بَعْدَ اشْتِرَاطِهِ ذِكْرَ اسْمِهِ وَاسْمِ أَبِيهِ وَجَدِّهِ وَحِلْيَتِهِ وَصَنْعَتِهِ: وَإِذَا حَصَلَ الْإِعْلَامُ بِبَعْضِ مَا ذَكَرْنَاهُ اكْتَفَى بِهِ اهـ.
قَالَ ابْنُ شُهْبَةَ: وَبِهَا يَزُولُ الْإِشْكَالُ فِي الشَّهَادَةِ عَلَى عُتَقَاءِ السُّلْطَانِ وَالْأُمَرَاءِ وَغَيْرِهِمْ، فَإِنَّ الشُّهُودَ لَا تَعْرِفُ أَنْسَابَهُمْ غَالِبًا، فَيُكْتَفَى بِذَكَرِ أَسْمَائِهِمْ مَعَ مَا يَحْصُلُ التَّمْيِيزُ بِهِ مِنْ أَوْصَافِهِمْ، وَعَلَيْهِ الْعَمَلُ عِنْدَ الْحُكَّامِ قَالَ: وَقَدْ اعْتَمَدْتُ عَلَى شَهَادَةِ مَنْ شَهِدَ عَلَى فُلَانٍ التَّاجِرِ الْمُتَوَفَّى فِي وَقْتِ كَذَا الَّذِي كَانَ سَاكِنًا فِي الْحَانُوتِ الْفُلَانِيِّ إلَى وَقْتِ وَفَاتِهِ، وَعَلِمَ أَنَّهُ لَمْ يَسْكُنْ فِي ذَلِكَ الْحَانُوتِ فِي هَذَا الْوَقْتِ غَيْرُهُ وَحَكَمْتُ بِهَذِهِ الشَّهَادَةِ.
وَقَالَ الْبُلْقِينِيُّ: فَالْمَدَارُ عَلَى ذِكْرِ مَا يُعْرَفُ بِهِ كَيْفَمَا كَانَ، قَالَ: وَمُقْتَضَى كَلَامِ الْإِمَامِ أَنَّ الشَّهَادَةَ عَلَى مُجَرَّدِ الِاسْمِ قَدْ تَنْفَعُ عِنْدَ الشُّهْرَةِ وَعَدَمِ الْمُشَارَكَةِ، فَلَوْ تَحَمَّلَهَا عَلَى مِنْ لَمْ يَعْرِفْهُ، وَقَالَ لَهُ اسْمِي وَنَسَبِي كَذَا لَمْ يَعْتَمِدْهُ، فَلَوْ اسْتَفَاضَ اسْمَهُ وَنَسَبَهُ بَعْدَ تَحَمُّلِهَا عَلَيْهِ، فَلَهُ أَنْ يَشْهَدَ فِي غِيبَتِهِ بِاسْمِهِ وَنَسَبِهِ كَمَا لَوْ عَرَفَهُمَا عِنْدَ التَّحَمُّلِ، وَإِنْ أَخْبَرَهُ عَدْلَانِ عِنْدَ التَّحَمُّلِ أَوْ بَعْدَهُ بِاسْمِهِ وَنَسَبِهِ لَمْ يَشْهَدْ فِي غِيبَتِهِ بِنَاءً عَلَى عَدَمِ جَوَازِ الشَّهَادَةِ عَلَى النَّسَبِ بِالسَّمَاعِ مِنْ عَدْلَيْنِ كَمَا هُوَ الرَّاجِحُ كَمَا سَيَأْتِي.
وَلَا يَصِحُّ تَحَمُّلُ شَهَادَةٍ عَلَى مُتَنَقِّبَةٍ اعْتِمَادًا عَلَى صَوْتِهَا، فَإِنْ عَرَفَهَا بِعَيْنِهَا أَوْ بِاسْمٍ وَنَسَبٍ جَازَ، وَيَشْهَدُ عِنْدَ الْأَدَاءِ بِمَا يَعْلَمُ، وَلَا يَجُوزُ التَّحَمُّلُ عَلَيْهَا بِتَعْرِيفِ عَدْلٍ أَوْ عَدْلَيْنِ عَلَى الْأَشْهَرِ، وَالْعَمَلُ عَلَى خِلَافِهِ،
[مغني المحتاج]
تَنْبِيهٌ: لَوْ شَهِدَ أَنَّ فُلَانَ بْنَ فُلَانٍ وَكَّلَ فُلَانَ بْنَ فُلَانٍ كَانَتْ شَهَادَةٌ بِالْوَكَالَةِ وَالنَّسَبِ جَمِيعًا.
قَالَهُ الْمَاوَرْدِيُّ: وَالرُّويَانِيُّ.
(وَلَا يَصِحُّ تَحَمُّلُ شَهَادَةٍ عَلَى مُتَنَقِّبَةٍ اعْتِمَادًا عَلَى صَوْتِهَا) فَإِنَّ الْأَصْوَاتَ تَتَشَابَهُ، فَمَنْ لَمْ يَسْمَعْ صَوْتَهَا وَلَمْ يَرَهَا بِأَنْ كَانَتْ مِنْ وَرَاءِ سِتْرٍ أَوْلَى بِالْمَنْعِ، وَلَا يَمْنَعُ الْحَائِلُ الرَّقِيقُ عَلَى الْأَصَحِّ
تَنْبِيهٌ: مُرَادُ الْمُصَنِّفِ وَالْأَصْحَابِ بِأَنَّهُ لَا يَصِحُّ التَّحَمُّلُ عَلَى الْمُتَنَقِّبَةِ لِيُؤَدِّيَ مَا تَحَمَّلَهُ اعْتِمَادًا عَلَى مَعْرِفَةِ صَوْتِهَا، أَمَّا لَوْ شَهِدَ اثْنَانِ أَنَّ امْرَأَةً مُتَنَقِّبَةً أَقَرَّتْ يَوْمَ كَذَا لِفُلَانٍ بِكَذَا، فَشَهِدَ آخَرَانِ أَنَّ تِلْكَ الْمَرْأَةَ الَّتِي حَضَرَتْ وَأَقَرَّتْ يَوْمَ كَذَا هِيَ هَذِهِ ثَبَتَ الْحَقُّ بِالْبَيِّنَتَيْنِ كَمَا لَوْ قَامَتْ بَيِّنَةٌ أَنَّ فُلَانَ بْنَ فُلَانٍ الْفُلَانِيِّ أَقَرَّ بِكَذَا وَقَامَتْ أُخْرَى عَلَى أَنَّ الْحَاضِرَ هُوَ فُلَانُ بْنُ فُلَانٍ ثَبَتَ الْحَقُّ، وَيُسْتَثْنَى مِنْ إطْلَاقِ الْمُصَنِّفِ مَا لَوْ تَحَقَّقَ صَوْتَهَا مِنْ وَرَاءِ نِقَابٍ كَثِيفٍ وَلَازَمَهَا حَتَّى أَدَّى عَلَى عَيْنِهَا كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ الرَّافِعِيُّ بَحْثًا كَنَظِيرِهِ مِنْ الْأَعْمَى.
قَالَ فِي الْمَطْلَبِ: وَلَا إشْكَالَ فِيهِ، وَضَبَطَ الْمُصَنِّفُ مُتَنَقِّبَةً بِمُثَنَّاةٍ فَوْقِيَّةٍ، ثُمَّ نُونٍ مَفْتُوحَتَيْنِ، ثُمَّ قَافٍ مَكْسُورَةٍ شَدِيدَةٍ، وَفِي بَعْضِ شُرُوحِ الْمَتْنِ ضَبَطَهُ بِنُونٍ سَاكِنَةٍ، ثُمَّ مُثَنَّاةٍ فَوْقِيَّةٍ مَفْتُوحَةٍ، ثُمَّ قَافٍ مَكْسُورَةٍ خَفِيفَةٍ، وَجَرَى عَلَى ذَلِكَ الشَّارِحُ فَقَالَ بِنُونٍ، ثُمَّ تَاءٍ مِنْ انْتَقَبَ كَمَا فِي الصِّحَاحِ (فَإِنْ عَرَفَهَا بِعَيْنِهَا، أَوْ بِاسْمٍ وَنَسَبٍ جَازَ) التَّحَمُّلُ عَلَيْهَا، وَلَا يَضُرُّ النِّقَابُ، بَلْ يَجُوزُ كَشْفُ الْوَجْهِ حِينَئِذٍ كَمَا فِي الْحَاوِي وَغَيْرِهِ (وَيَشْهَدُ) الْمُتَحَمِّلُ عَلَى الْمُتَنَقِّبَةِ (عِنْدَ الْأَدَاءِ بِمَا يَعْلَمُ) مِمَّا ذُكِرَ فَيَشْهَدُ فِي الْعِلْمِ بِعَيْنِهَا إنْ حَضَرَتْ، وَفِي صُورَةِ عِلْمِهِ بِاسْمِهَا وَنَسَبِهَا إنْ غَابَتْ أَوْ مَاتَتْ وَدُفِنَتْ، فَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ كُشِفَ وَجْهُهَا عِنْدَ التَّحَمُّلِ عَلَيْهَا وَضَبَطَ حِلْيَتَهَا وَكَشَفَهُ أَيْضًا عِنْدَ الْأَدَاءِ، وَيَجُوزُ اسْتِيعَابُ وَجْهَهَا بِالنَّظَرِ لِلشَّهَادَةِ عِنْدَ الْجُمْهُورِ، وَصَحَّحَ الْمَاوَرْدِيُّ أَنْ يَنْظُرَ مَا يَعْرِفُهَا بِهِ فَقَطْ، فَإِنْ عَرَفَهَا بِالنَّظَرِ إلَى بَعْضِهِ لَمْ يَتَجَاوَزْهُ، وَهَذَا هُوَ الظَّاهِرُ، وَلَا يَزِيدُ عَلَى مَرَّةٍ، سَوَاءٌ قُلْنَا بِالِاسْتِيعَابِ أَمْ لَا، إلَّا أَنْ يَحْتَاجَ لِلتَّكْرَارِ (وَلَا يَجُوزُ التَّحَمُّلُ عَلَيْهَا) أَيْ الْمَرْأَةِ مُتَنَقِّبَةً أَمْ لَا (بِتَعْرِيفِ عَدْلٍ أَوْ عَدْلَيْنِ) أَنَّهَا فُلَانَةُ بِنْتُ فُلَانٍ (عَلَى الْأَشْهَرِ) الْمُعَبَّرِ بِهِ فِي الْمُحَرَّرِ، وَفِي الرَّوْضَةِ وَأَصْلِهَا عِنْدَ الْأَكْثَرِينَ، بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْمَذْهَبَ فِي أَنَّ التَّسَامُعَ لَا بُدَّ فِيهِ مِنْ جَمَاعَةٍ يُؤْمَنُ تَوَاطُؤُهُمْ عَلَى الْكَذِبِ.
وَقِيلَ: يَجُوزُ بِتَعْرِيفِ عَدْلٍ؛ لِأَنَّهُ خَبَرٌ، وَقِيلَ بِتَعْرِيفِ عَدْلَيْنِ بِنَاءً عَلَى جَوَازِ الشَّهَادَةِ عَلَى النَّسَبِ بِالسَّمَاعِ مِنْهُمَا (وَالْعَمَلُ عَلَى خِلَافِهِ) أَيْ الْأَشْهَرُ، وَهُوَ التَّحَمُّلُ بِمَا ذُكِرَ وَلَمْ يُبَيِّنْ أَنَّ مُرَادَهُ الْعَمَلُ عَلَى التَّحَمُّلِ بِتَعْرِيفِ عَدْلٍ فَقَطْ، وَقَدْ مَرَّ أَنَّهُمَا وَجْهَانِ، وَقَدْ سَبَقَ لِلْمُصَنِّفِ مِثْلُ هَذِهِ الْعِبَارَةِ فِي صَلَاةِ الْعِيدِ، وَهِيَ تَقْتَضِي الْمَيْلَ إلَيْهِ وَلَمْ يُصَرِّحَا بِذَلِكَ فِي الشَّرْحِ وَالرَّوْضَةِ، بَلْ نَقَلَا عَنْ
وَلَوْ قَامَتْ بَيِّنَةٌ عَلَى عَيْنِهِ بِحَقٍّ فَطَلَبَ الْمُدَّعِي التَّسْجِيلَ سَجَّلَ الْقَاضِي بِالْحِلْيَةِ لَا بِالِاسْمِ وَالنَّسَبِ، مَا لَمْ يَثْبُتَا،
وَلَهُ الشَّهَادَةُ بِالتَّسَامُعِ عَلَى نَسَبٍ مِنْ أَبٍ أَوْ قَبِيلَةٍ، وَكَذَا أُمٌّ فِي الْأَصَحِّ، وَمَوْتٌ عَلَى الْمَذْهَبِ،
[مغني المحتاج]
الْأَكْثَرِينَ الْمَنْعَ وَسَاقَا الثَّانِيَ مَسَاقَ الْأَوْجُهِ الضَّعِيفَةِ.
وَقَالَ الْبُلْقِينِيُّ: لَيْسَ الْمُرَادُ بِالْعَمَلِ عَمَلَ الْأَصْحَابِ، بَلْ عَمَلَ بَعْضِ الشُّهُودِ فِي بَعْضِ الْبُلْدَانِ: أَيْ وَلَا اعْتِبَارَ بِهِ.
(وَلَوْ قَامَتْ بَيِّنَةٌ عَلَى عَيْنِهِ) أَيْ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ (بِحَقٍّ فَطَلَبَ الْمُدَّعِي التَّسْجِيلَ) بِذَلِكَ (سَجَّلَ الْقَاضِي) عَلَيْهِ جَوَازًا (بِالْحِلْيَةِ) فَيَكْتُبُ حَضَرَ رَجُلٌ ذَكَرَ أَنَّهُ فُلَانُ بْنُ فُلَانٍ، وَمِنْ حِلْيَتِهِ كَيْتَ وَكَيْتَ وَيَذْكُرُ مَا يَدُلُّ عَلَى الْمُحَلَّى مِنْ أَوْصَافِهِ الظَّاهِرَةِ كَالطُّولِ وَالْقِصَرِ، وَالْبَيَاضِ وَالسَّوَادِ، وَالسِّمَنِ وَالْهُزَالِ، وَعَجَلَةٍ لِلِّسَانِ وَثِقَلِهِ وَمَا فِي الْعَيْنِ مِنْ الْكُحْلِ وَالشُّهْلَةِ، وَمَا فِي الشَّعْرِ مِنْ جُعُودَةٍ وَسُبُوطَةٍ وَبَيَاضٍ وَسَوَادٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ، و (لَا) يُسَجِّلُ الْقَاضِي بِذَلِكَ (بِالِاسْمِ وَالنَّسَبِ مَا لَمْ يَثْبُتَا) بِبَيِّنَةٍ أَوْ بِعِلْمِهِ، وَلَا يَكْفِي فِيهِمَا قَوْلُ الْمُدَّعِي، وَلَا إقْرَارُ مَنْ قَامَتْ عَلَيْهِ الْبَيِّنَةُ؛ لِأَنَّ نَسَبَ الشَّخْصِ لَا يَثْبُتُ بِإِقْرَارِهِ، وَيَثْبُتَانِ بِبَيِّنَةِ حِسْبَةٍ، فَإِنْ ثَبَتَا بِبَيِّنَةٍ أَوْ بِعِلْمِهِ سَجَّلَ بِهِمَا، وَنَازَعَ الْبُلْقِينِيُّ فِي عَدَمِ ثُبُوتِ نَسَبِ الْإِنْسَانِ بِإِقْرَارِهِ وَأَطَالَ الْكَلَامَ فِي ذَلِكَ، وَمَعَ هَذَا فَالْمُعَوَّلُ عَلَيْهِ مَا ذُكِرَ.
.
ثُمَّ شَرَعَ فِيمَا لَا يُشْتَرَطُ فِيهِ إبْصَارُ الشَّاهِدِ وَيَكْفِي فِيهِ السَّمَاعُ، فَقَالَ (وَلَهُ الشَّهَادَةُ بِالتَّسَامُعِ) أَيْ الِاسْتِفَاضَةِ (عَلَى نَسَبٍ) لِذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى، وَإِنْ لَمْ يَعْرِفْ عَيْنَ الْمَنْسُوبِ إلَيْهِ (مِنْ أَبٍ) فَيَشْهَدُ أَنَّ هَذَا ابْنَ فُلَانٍ، أَوْ أَنَّ هَذِهِ بِنْتَ فُلَانٍ (أَوْ قَبِيلَةٍ) فَيَشْهَدُ أَنَّهُ مِنْ قَبِيلَةِ كَذَا،؛ لِأَنَّهُ لَا مَدْخَلَ لِلرُّؤْيَةِ فِيهِ، فَإِنَّ غَايَةَ الْمُمْكِنِ أَنْ يُشَاهِدَ الْوِلَادَةَ عَلَى الْفِرَاشِ، وَذَلِكَ لَا يُفِيدُ الْقَطْعَ، بَلْ الظَّاهِرَ فَقَطْ، وَالْحَاجَةُ دَاعِيَةٌ إلَى إثْبَاتِ الْأَنْسَابِ إلَى الْأَجْدَادِ الْمُتَوَفِّينَ وَالْقَبَائِلِ الْقَدِيمَةِ فَسُومِحَ فِيهِ.
قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: وَهَذَا مِمَّا لَا أَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا.
تَنْبِيهٌ: ذِكْرُ الْأَبِ وَالْقَبِيلَةِ زَائِدٌ عَلَى مَا أَطْلَقَهُ الْمُحَرَّرُ (وَكَذَا أُمٌّ) يَثْبُتُ النَّسَبُ بِالتَّسَامُعِ (فِي الْأَصَحِّ) كَالْأَبِ وَإِنْ كَانَ النَّسَبُ فِي الْحَقِيقَةِ لِلْأَبِ، وَالثَّانِي الْمَنْعُ لِإِمْكَانِ رُؤْيَةِ الْوِلَادَةِ.
تَنْبِيهٌ: صُورَةُ الِاسْتِفَاضَةِ فِي التَّحَمُّلِ أَنْ يَسْمَعَ الشَّاهِدُ الْمَشْهُودَ بِنَسَبِهِ يَنْتَسِبُ إلَى الشَّخْصِ أَوْ الْقَبِيلَةِ، وَالنَّاسَ يَنْسُبُونَهُ إلَى ذَلِكَ، وَامْتَدَّ ذَلِكَ مُدَّةً، وَلَا يُقَدَّرُ بِسَنَةٍ، بَلْ الْعِبْرَةُ بِمُدَّةٍ يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ صِحَّةُ ذَلِكَ، وَإِنَّمَا يَكْتَفِي بِالِانْتِسَابِ وَنِسْبَةِ النَّاسِ بِشَرْطِ أَنْ لَا يُعَارِضَهُمَا مَا يُورِثُ تُهْمَةً، فَإِنْ أَنْكَرَ النَّسَبَ الْمَنْسُوبَ إلَيْهِ لَمْ تَجُزْ الشَّهَادَةُ بِهِ، وَكَذَا لَوْ طَعَنَ بَعْضُ النَّاسِ فِي نَسَبِهِ، وَلَوْ سَمِعَهُ يَقُولُ: هَذَا ابْنِي لِصَغِيرٍ أَوْ كَبِيرٍ وَصَدَّقَهُ الْكَبِيرُ، أَوْ أَنَا ابْنُ فُلَانٍ وَصَدَّقَهُ فُلَانٌ جَازَ لَهُ أَنْ يَشْهَدَ بِنَسَبِهِ، وَلَوْ سَكَتَ الْمَنْسُوبُ الْكَبِيرُ لِلشَّاهِدِ أَنْ يَشْهَدَ بِالْإِقْرَارِ لَا بِالنَّسَبِ (وَ) كَذَا (مَوْتٌ) يَثْبُتُ بِالتَّسَامُعِ (عَلَى الْمَذْهَبِ) كَالنَّسَبِ وَلِأَنَّ أَسْبَابَهُ كَثِيرَةٌ، وَمِنْهَا مَا يَخْفَى، وَمِنْهَا مَا يَظْهَرُ، وَقَدْ يَعْسُرُ الِاطِّلَاعُ عَلَيْهَا فَجَازَ أَنْ يَعْتَمِدَ عَلَى الِاسْتِفَاضَةِ، وَفِي وَجْهٍ مِنْ طَرِيقٍ
لَا عِتْقٌ وَوَلَاءُ وَوَقْفٌ وَنِكَاحٌ وَمِلْكٌ فِي الْأَصَحِّ.
قُلْتُ: الْأَصَحُّ عِنْدَ الْمُحَقِّقِينَ وَالْأَكْثَرِينَ فِي الْجَمِيعِ الْجَوَازُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَشَرْطُ التَّسَامُعِ سَمَاعُهُ مِنْ جَمْعٍ يُؤْمَنُ تَوَاطُؤُهُمْ عَلَى الْكَذِبِ،
[مغني المحتاج]
الْمَنْعُ؛ لِأَنَّهُ يُمْكِنُ فِيهِ الْمُعَايَنَةُ، و (لَا) يَثْبُتُ بِالتَّسَامُعِ (عِتْقٌ، وَ) لَا (وَلَاءُ وَ) لَا (وَقْفٌ) عَلَى جِهَةٍ عَامَّةِ أَوْ مُعَيَّنٍ (وَ) لَا (نِكَاحٌ، وَ) لَا (مِلْكٌ فِي الْأَصَحِّ) ؛ لِأَنَّ مُشَاهَدَةَ هَذِهِ الصُّوَرِ مُتَيَسِّرَةٌ، وَأَسْبَابُهَا غَيْرُ مُتَعَدِّدَةٍ (قُلْتُ: الْأَصَحُّ عِنْدَ الْمُحَقِّقِينَ وَالْأَكْثَرِينَ) مِنْ الْأَصْحَابِ (فِي الْجَمِيعِ الْجَوَازُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ) ؛ لِأَنَّهَا أُمُورٌ مُؤَبَّدَةٌ، فَإِذَا طَالَتْ مُدَّتُهَا عَسُرَ إقَامَةُ الْبَيِّنَةِ عَلَى ابْتِدَائِهَا فَمَسَّتْ الْحَاجَةُ إلَى إثْبَاتِهَا بِالِاسْتِفَاضَةِ، وَلَا يَشُكُّ أَحَدٌ أَنَّ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا - زَوْجُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَأَنَّ فَاطِمَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا - بِنْتُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَلَا مُسْتَنَدَ غَيْرُ السَّمَاعِ.
تَنْبِيهٌ: مَا ذُكِرَ فِي الْوَقْفِ هُوَ بِالنَّظَرِ إلَى أَصْلِهِ، وَأَمَّا شُرُوطُهُ فَقَالَ الْمُصَنِّفُ فِي فَتَاوِيهِ: لَا يَثْبُتُ بِالِاسْتِفَاضَةِ شُرُوطُ الْوَقْفِ وَتَفَاصِيلِهِ، بَلْ إنْ كَانَ وَقْفًا عَلَى جَمَاعَةٍ مُعَيَّنِينَ أَوْ جِهَاتٍ مُتَعَدِّدَةٍ قُسِمَتْ الْغَلَّةُ بَيْنَهُمْ بِالسَّوِيَّةِ أَوْ عَلَى مَدْرَسَةٍ مَثَلًا وَتَعَذَّرَتْ مَعْرِفَةُ الشُّرُوطِ صَرَفَ النَّاظِرُ الْغَلَّةَ فِيمَا يَرَاهُ مِنْ مَصَالِحِهَا اهـ.
قَالَ الْإِسْنَوِيُّ: وَهَذَا الْإِطْلَاقُ لَيْسَ بِجَيِّدٍ، بَلْ الْأَرْجَحُ فِيهِ مَا أَفْتَى بِهِ ابْنُ الصَّلَاحِ، فَإِنَّهُ قَالَ: يَثْبُتُ بِالِاسْتِفَاضَةِ أَنَّ هَذَا وَقْفٌ؛ لِأَنَّ فُلَانًا وَقَّفَهُ.
قَالَ: وَأَمَّا الشُّرُوطُ فَإِنْ شَهِدَ بِهَا مُنْفَرِدَةً لَمْ تَثْبُتْ بِهَا، وَإِنْ ذَكَرَهَا فِي شَهَادَتِهِ بِأَصْلِ الْوَقْفِ سُمِعَتْ؛ لِأَنَّهُ يَرْجِعُ حَاصِلُهُ إلَى بَيَانِ كَيْفِيَّةِ الْوَقْفِ اهـ. وَمَا قَالَهُ الْمُصَنِّفُ قَالَ بِهِ ابْنُ سُرَاقَةَ وَغَيْرُهُ.
وَالْأَوْجَهُ كَمَا قَالَ شَيْخُنَا حَمْلُهُ عَلَى مَا قَالَهُ ابْنُ الصَّلَاحِ وَهُوَ شَيْخُهُ كَمَا قَالَهُ ابْنُ قَاسِمٍ.
قَالَ الْإِسْنَوِيُّ: وَلَا شَكَّ أَنَّ الْمُصَنِّفَ لَمْ يَطَّلِعْ عَلَيْهِ أَيْ مَا قَالَهُ ابْنُ الصَّلَاحِ.
وَبَقِيَ مِمَّا يَثْبُتُ بِالِاسْتِفَاضَةِ صُوَرٌ أُخَرُ: مِنْهَا الْقَضَاءُ، وَالْجَرْحُ وَالتَّعْدِيلُ، وَالرُّشْدُ، وَالْإِرْثُ، وَاسْتِحْقَاقُ الزَّكَاةِ، وَالرَّضَاعُ، وَتَقَدَّمَ بَعْضُ ذَلِكَ وَحَيْثُ ثَبَتَ النِّكَاحُ بِالتَّسَامُعِ لَا يَثْبُتُ الصَّدَاقُ بِهِ، بَلْ يَرْجِعُ لِمَهْرِ الْمِثْلِ، وَلَا يَكْفِي الشَّاهِدُ بِالِاسْتِفَاضَةِ أَنْ يَقُولَ: سَمِعْتُ النَّاسَ يَقُولُونَ كَذَا، وَإِنْ كَانَتْ شَهَادَتُهُ مَبْنِيَّةً عَلَيْهَا، بَلْ يَقُولُ: أَشْهَدُ أَنَّهُ لَهُ أَوْ أَنَّهُ ابْنُهُ مَثَلًا؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَعْلَمُ خِلَافَ مَا سَمِعَ مِنْ النَّاسِ، بَلْ قَالَ ابْنُ أَبِي الدَّمِ: لَوْ صَرَّحَ بِذَلِكَ لَمْ تُقْبَلْ الشَّهَادَةُ عَلَى الْأَصَحِّ؛ لِأَنَّ ذِكْرَهُ يُشْعِرُ بِعَدَمِ جَزْمِهِ بِالشَّهَادَةِ، وَيُؤْخَذُ مِنْ هَذَا التَّعْلِيلِ حَمْلُ هَذَا عَلَى مَا إذَا ظَهَرَ بِذِكْرِهِ تَرَدُّدٌ فِي الشَّهَادَةِ، فَإِنْ ذَكَرَهُ لِتَقْوِيَةٍ أَوْ حِكَايَةِ حَالٍ قُبِلَتْ شَهَادَتُهُ وَهُوَ ظَاهِرٌ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَقُولَ: أَشْهَدُ أَنَّ فُلَانَةَ وَلَدَتْ فُلَانًا، أَوْ أَنَّ فُلَانًا أَعْتَقَ فُلَانًا لِمَا مَرَّ أَنَّهُ يُشْتَرَطُ فِي الشَّهَادَةِ بِالْفِعْلِ الْإِبْصَارُ، وَبِالْقَوْلِ الْإِبْصَارُ وَالسَّمْعُ (وَشَرْطُ التَّسَامُعِ) الَّذِي تَسْتَنِدُ الشَّهَادَةُ إلَيْهِ فِي الْمَشْهُودِ بِهِ (سَمَاعُهُ) أَيْ الْمَشْهُودِ بِهِ (مِنْ جَمْعٍ) كَثِيرٍ (يُؤْمَنُ تَوَاطُؤُهُمْ) أَيْ تَوَافُقُهُمْ (عَلَى الْكَذِبِ) بِحَيْثُ يَقَعُ الْعِلْمُ أَوْ الظَّنُّ الْقَوِيُّ بِخَبَرِهِمْ كَمَا ذَكَرَاهُ فِي الشَّرْحِ وَالرَّوْضَةِ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ فِي الشَّهَادَةِ اعْتِمَادُ الْيَقِينِ، وَإِنَّمَا يُعْدَلُ عَنْهُ عِنْدَ عَدَمِ الْوُصُولِ إلَيْهِ إلَى ظَنٍّ يَقْرُبُ مِنْهُ عَلَى حَسَبِ الطَّاقَةِ.
وَقِيلَ يَكْفِي مِنْ عَدْلَيْنِ،
وَلَا تَجُوزُ الشَّهَادَةُ عَلَى مِلْكٍ بِمُجَرَّدِ يَدٍ وَلَا بَيْدٍ، وَتَصَرُّفٍ فِي مُدَّةٍ قَصِيرَةٍ، وَتَجُوزُ فِي طَوِيلَةٍ فِي الْأَصَحِّ، وَشَرْطُهُ تَصَرُّفُ مُلَّاكٍ مِنْ سُكْنَى وَهَدْمٍ وَبِنَاءٍ وَبَيْعٍ وَرَهْنٍ، وَتُبْنَى شَهَادَةُ الْإِعْسَارِ عَلَى قَرَائِنَ وَمَخَائِلِ الضُّرِّ والْإِضَاقَةِ.
[مغني المحتاج]
تَنْبِيهٌ: قَدْ يُفْهِمُ كَلَامُهُ أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ فِيهِمْ عَدَالَةٌ وَلَا حُرِّيَّةٌ وَلَا ذُكُورَةٌ وَهُوَ ذَلِكَ، كَمَا لَا يُشْتَرَطُ فِي التَّوَاتُرِ (وَقِيلَ: يَكْفِي) سَمَاعُهُ (مِنْ عَدْلَيْنِ) فَقَطْ إذَا سَكَنَ الْقَلْبُ إلَى خَبَرِهِمَا؛؛ لِأَنَّ الْحَاكِمَ يَعْتَمِدُ قَوْلَهُمَا، فَكَذَا الشَّاهِدُ وَمَالَ إلَيْهِ الْإِمَامُ، وَقِيلَ: يَكْفِي وَاحِدٌ إذَا سَكَنَ إلَيْهِ الْقَلْبُ.
(وَلَا تَجُوزُ الشَّهَادَةُ عَلَى مِلْكٍ بِمُجَرَّدِ يَدٍ) أَوْ تَصَرُّفٍ؛ لِأَنَّ الْيَدَ لَا تَسْتَلْزِمُ الْمِلْكَ، إذْ قَدْ يَكُونُ عَنْ إجَارَةٍ أَوْ عَارِيَّةٍ (وَلَا بَيْدٍ وَتَصَرُّفٍ فِي مُدَّةٍ قَصِيرَةٍ) عُرْفًا بِلَا اسْتِفَاضَةٍ لِاحْتِمَالِ أَنَّهُ وَكِيلٌ عَنْ غَيْرِهِ (وَتَجُوزُ فِي) مُدَّةٍ (طَوِيلَةٍ) عُرْفًا بِلَا مُعَارَضَةِ مُنَازِعٍ (فِي الْأَصَحِّ) ؛ لِأَنَّ امْتِدَادَ الْيَدِ وَالتَّصَرُّفِ مَعَ طُولِ الزَّمَانِ مِنْ غَيْرِ مُنَازِعٍ يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ الْمِلْكُ.
وَالثَّانِي: لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّهُمَا قَدْ يُوجَدَانِ مِنْ مُسْتَأْجِرٍ وَوَكِيلٍ وَغَاصِبٍ.
تَنْبِيهٌ: مَحَلُّ الْخِلَافِ إذَا لَمْ يَنْضَمَّ إلَى الْيَدِ وَالتَّصَرُّفِ اسْتِفَاضَةٌ وَإِلَّا جَازَتْ الشَّهَادَةُ قَطْعًا، وَيُسْتَثْنَى مِنْ إطْلَاقِهِ الرَّقِيقُ فَلَيْسَ لِمَنْ رَأَى صَغِيرًا فِي يَدِ مَنْ يَسْتَخْدِمُهُ وَيَأْمُرُهُ وَيَنْهَاهُ مُدَّةً طَوِيلَةً أَنْ يَشْهَدَ لَهُ بِمِلْكِهِ إلَّا أَنْ يَسْمَعَهُ يَقُولُ هُوَ عَبْدِي أَوْ يَسْمَعَ النَّاسَ يَقُولُونَ ذَلِكَ كَمَا صَحَّحَهُ فِي الرَّوْضَةِ فِي أَثْنَاءِ بَابِ اللَّقِيطِ.
قَالَ ابْنُ شُهْبَةَ: وَكَانَ الْفَرْقُ الِاحْتِيَاطُ فِي الْحُرِّيَّةِ وَوُقُوعُ الِاسْتِخْدَامِ فِي الْأَحْرَارِ كَثِيرٌ (وَ) التَّصَرُّفُ الْمُنْضَمُّ إلَى الْيَدِ (شَرْطُهُ) فِي عَقَارٍ (تَصَرُّفُ مُلَّاكٍ) فِيهِ جَمْعُ مَالِكٍ وَبَيْنَ التَّصَرُّفِ بِقَوْلِهِ (مِنْ سُكْنَى وَهَدْمٍ وَبِنَاءٍ) وَدُخُولٍ وَخُرُوجٍ (وَبَيْعٍ) وَفَسْخٍ بَعْدَهُ (وَرَهْنٍ) وَإِجَارَةٍ وَنَحْوِهَا؛ لِأَنَّهَا تَدُلُّ عَلَى الْمِلْكِ مَعَ عَدَمِ النَّكِيرِ.
تَنْبِيهٌ: لَا يُشْتَرَطُ اجْتِمَاعُ هَذِهِ الْأُمُورِ كَمَا يُوهِمُهُ كَلَامُهُ بَلْ وَاحِدٌ مِنْهَا كَافٍ.
قَالَا: وَلَا يَكْفِي التَّصَرُّفُ مَرَّةً وَاحِدَةً فَإِنَّهُ لَا يُثِيرُ الظَّنَّ لِقَوْلِهِ قَبْلَ ذَلِكَ فِي مُدَّةٍ طَوِيلَةٍ (وَتُبْنَى شَهَادَةُ الْإِعْسَارِ عَلَى قَرَائِنَ) خَفِيَّةٍ مِنْ أَحْوَالِ الْمُعْسِرِ (وَ) عَلَى (مخائل الضُّرِّ) جَمْعُ مَخِيلَةٍ مِنْ خَالَ بِمَعْنَى ظَنَّ - أَيْ مَا يُظَنُّ بِهَا مَا ذُكِرَ، وَالضَّرُّ بِالْفَتْحِ خِلَافُ النَّفْعِ، وَبِالضَّمِّ الْهُزَالُ وَسُوءُ الْحَالِ وَهُوَ الْمُنَاسِبُ هُنَا (و) عَلَى مخائل (الْإِضَاقَةِ) مَصْدَرُ أَضَاقَ الرَّجُلُ ذَهَبَ مَالُهُ، وَالضِّيقُ بِالْكَسْرِ وَالْفَتْحِ مَصْدَرُ ضَاقَ الشَّيْءُ، وَبِالْفَتْحِ جَمْعُ الضَّيِّقَةِ.
وَهُوَ الْفَقْرُ وَسُوءُ الْحَالِ، وَإِنَّمَا اُعْتُبِرَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ فِيهِ التَّوَصُّلُ إلَى الْيَقِينِ، بَلْ يَكْفِي الِاعْتِمَادُ فِيهِ عَلَى مَا تَدُلُّ عَلَيْهِ الْقَرَائِنُ مِنْ حَالِهِ وَيُعْرَفُ ذَلِكَ بِمُرَاقَبَتِهِ فِي خَلَوَاتِهِ وَحَالَةِ ضَمِّهَا وَمَا يَظْهَرُ عَلَيْهِ مِنْ الْإِعْسَارِ بِشِدَّةِ صَبْرِهِ عَلَى الضَّرَرِ وَالْإِضَاقَةِ، وَلَا بُدَّ فِيهِ مِنْ اعْتِبَارِ الْخِبْرَةِ الْبَاطِنَةِ كَمَا ذَكَرَهُ فِي التَّفْلِيسِ، وَإِنَّمَا لَمْ يَذْكُرْهُ هُنَا؛ لِأَنَّهُ شَرْطٌ لِقَبُولِ شَهَادَتِهِ لَا لِجَوَازِ إقْدَامِ الشَّاهِدِ.
[فَصْلٌ] تَحَمُّلُ الشَّهَادَةِ فَرْضُ كِفَايَةٍ فِي النِّكَاحِ،
[مغني المحتاج]
تَتِمَّةٌ: لَا يَثْبُتُ دَيْنٌ بِاسْتِفَاضَةٍ؛ لِأَنَّهَا لَا تَقَعُ فِي قَدْرِهِ كَذَا عَلَّلَهُ ابْنُ الصَّبَّاغِ قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: وَيُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّ مِلْكَ الْحِصَصِ مِنْ الْأَعْيَانِ لَا يَثْبُتُ بِالِاسْتِفَاضَةِ.
قَالَ: وَثُبُوتُ الدَّيْنِ بِالِاسْتِفَاضَةِ قَوِيٌّ وَكَانَ يَنْبَغِي لِلْمُصَنَّفِ تَرْجِيحُهُ كَمَا رَجَّحَ ثُبُوتَ الْوَقْفِ وَنَحْوَهُ بِهَا وَلَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا، وَمَا شَهِدَ بِهِ الشَّاهِدُ اعْتِمَادًا عَلَى الِاسْتِفَاضَةِ يَجُوزُ الْحَلِفُ عَلَيْهِ اعْتِمَادًا عَلَيْهَا، بَلْ أَوْلَى؛ لِأَنَّهُ يَجُوزُ الْحَلِفُ عَلَى خَطِّ الْأَبِ دُونَ الشَّهَادَةِ.
[فَصْلٌ] فِي تَحَمُّلِ الشَّهَادَةِ وَأَدَائِهَا وَكِتَابَةِ الصَّكِّ، وَتُطْلَقُ الشَّهَادَةُ عَلَى تَحَمُّلِهَا كَشَهِدْتُ بِمَعْنَى تَحَمَّلْتُ، وَعَلَى أَدَائِهَا كَشَهِدْتُ عِنْدَ الْقَاضِي بِمَعْنَى أَدَّيْت، وَعَلَى الْمَشْهُودِ بِهِ وَهُوَ الْمُرَادُ هُنَا كَتَحَمَّلْتُ شَهَادَةً يَعْنِي الْمَشْهُودَ بِهِ فَيَكُونُ مَصْدَرًا بِمَعْنَى الْمَفْعُولِ (تَحَمُّلُ الشَّهَادَةِ فَرْضُ كِفَايَةٍ فِي النِّكَاحِ) لِتَوَقُّفِ الِانْعِقَادِ عَلَيْهِ، وَمِثْلُهُ مَا يَجِبُ فِيهِ الْإِشْهَادُ لِتَوَقُّفِ الِانْعِقَادِ عَلَيْهِ، فَلَوْ امْتَنَعَ
وَكَذَا الْإِقْرَارُ، وَالتَّصَرُّفُ الْمَالِيُّ،
[مغني المحتاج]
الْكُلُّ أَثِمُوا، وَلَوْ طَلَبَ مِنْ اثْنَيْنِ وَثَمَّ غَيْرُهُمَا لَمْ يَتَعَيَّنَا، بِخِلَافِ مَا إذَا تَحَمَّلَ جَمَاعَةٌ وَطَلَبَ الْأَدَاءَ مِنْ اثْنَيْنِ وَسَيَأْتِي الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا (وَكَذَا الْإِقْرَارُ وَالتَّصَرُّفُ الْمَالِيُّ) وَغَيْرُهُ كَطَلَاقٍ، وَعِتْقٍ،
وَكِتَابَةِ الصَّكِّ فِي الْأَصَحِّ،
[مغني المحتاج]
وَرَجْعَةٍ (وَكِتَابَةِ الصَّكِّ) وَهُوَ الْكِتَابُ، فَالتَّحَمُّلُ فِي كُلٍّ مِنْهَا فَرْضُ كِفَايَةٍ (فِي الْأَصَحِّ) لِلْحَاجَةِ إلَى إثْبَاتِ ذَلِكَ عِنْدَ التَّنَازُعِ، وَكِتَابَةُ الصُّكُوكِ يُسْتَعَانُ بِهَا فِي تَحْصِينِ الْحُقُوقِ، وَالْمُرَادُ بِهَا فِي الْجُمْلَةِ لِمَا مَرَّ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ الْقَاضِيَ أَنْ يَكْتُبَ لِلْخَصْمِ بِمَا ثَبَتَ عِنْدَهُ أَوْ حَكَمَ بِهِ، وَلِأَنَّهَا لَا يُسْتَغْنَى عَنْهَا فِي حِفْظِ الْحَقِّ وَالْمَالِ وَلَهَا أَثَرٌ ظَاهِرٌ فِي التَّذَكُّرِ.
وَالثَّانِي: الْمَنْعُ لِصِحَّةِ مَا ذُكِرَ بِدُونِ إشْهَادٍ.
تَنْبِيهٌ: التَّقْيِيدُ بِالتَّصَرُّفِ الْمَالِيِّ لَا مَعْنَى لَهُ، فَإِنَّ الْخِلَافَ جَارٍ فِي غَيْرِهِ كَمَا قَدَّرْتُهُ فِي كَلَامِهِ كَالطَّلَاقِ، وَلِذَلِكَ أَطْلَقَ فِي التَّنْبِيهِ أَنَّ تَحَمُّلَ الشَّهَادَةِ فَرْضُ كِفَايَةٍ، ثُمَّ عَلَى فَرْضِيَّةِ التَّحَمُّلِ مَنْ طُلِبَ مِنْهُ لَزِمَهُ إذَا كَانَ مُسْتَجْمِعًا لِشَرَائِطِ الْعَدَالَةِ مُعْتَقِدًا لِصِحَّةِ مَا يَتَحَمَّلُهُ وَحَضَرَهُ الْمُتَحَمِّلُ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُسْتَجْمِعَ الشُّرُوطِ فَلَا وُجُوبَ.
قَالَ الْقَاضِي جَزْمًا، أَوْ دُعِيَ لِلتَّحَمُّلِ فَلَا وُجُوبَ إلَّا أَنْ يَكُونَ الدَّاعِي مَعْذُورًا بِمَرَضٍ أَوْ حَبْسٍ أَوْ كَانَ امْرَأَةً مُخَدَّرَةً أَوْ قَاضِيًا يُشْهِدُهُ عَلَى أَمْرٍ ثَبَتَ عِنْدَهُ فَتَلْزَمُهُ الْإِجَابَةُ.
قَالَ الْبُلْقِينِيُّ: مَحَلُّ كَوْنِ التَّحَمُّلِ فَرْضَ كِفَايَةٍ إذَا كَانَ
وَإِذَا لَمْ يَكُنْ فِي الْقَضِيَّةِ إلَّا اثْنَانِ لَزِمَهُمَا الْأَدَاءُ، فَلَوْ أَدَّى وَاحِدٌ وَامْتَنَعَ الْآخَرُ وَقَالَ احْلِفْ مَعَهُ عَصَى، وَإِنْ كَانَ شُهُودٌ، فَالْأَدَاءُ فَرْضُ كِفَايَةٍ، فَلَوْ طَلَبَ مِنْ اثْنَيْنِ لَزِمَهُمَا فِي الْأَصَحِّ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ إلَّا وَاحِدٌ لَزِمَهُ إنْ كَانَ فِيمَا يَثْبُتُ بِشَاهِدٍ وَيَمِينٍ، وَإِلَّا فَلَا،
[مغني المحتاج]
الْمُتَحَمِّلُونَ كَثِيرِينَ، فَإِنْ لَمْ يُوجَدْ إلَّا الْعَدَدُ الْمُعْتَبَرُ فِي الْحُكْمِ فَهُوَ فَرْضُ عَيْنٍ كَمَا جَزَمَ بِهِ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَالْمَاوَرْدِيُّ وَغَيْرُهُمَا، وَهُوَ وَاضِحٌ جَارٍ عَلَى الْقَوَاعِدِ وَفِي كَلَامِ الشَّافِعِيِّ مَا يَقْتَضِيه اهـ. وَمَحَلُّهُ أَيْضًا فِي غَيْرِ الْحُدُودِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْمَاوَرْدِيُّ؛ لِأَنَّهَا تُدْرَأُ بِالشُّبُهَاتِ، وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ مُكَرَّرَةٌ فَإِنَّهَا ذُكِرَتْ فِي السِّيَرِ، وَلَا يَلْزَمُ الشَّاهِدَ كِتَابَةُ الصَّكِّ وَرَسْمُ الشَّهَادَةِ إلَّا بِأُجْرَةٍ فَلَهُ أَخْذُهَا كَمَا لَهُ ذَلِكَ فِي تَحَمُّلِهِ إذَا دُعِيَ لَهُ كَمَا سَيَأْتِي، وَأُجْرَةُ رَسْمِ الشَّهَادَةِ لَيْسَتْ دَاخِلَةً فِي أُجْرَةِ التَّحَمُّلِ وَلَهُ بَعْدَ كِتَابَتِهِ حَبْسُهُ عِنْدَهُ لِلْأُجْرَةِ كَالْقَصَّارِ فِي الثَّوْبِ، وَكِتْمَانُ الشَّهَادَةِ حَرَامٌ لِلْآيَةِ: ﴿وَلا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ﴾ [البقرة: 283] وَلِأَنَّهَا أَمَانَةٌ حَصَلَتْ عِنْدَهُ فَعَلَيْهِ أَدَاؤُهَا (وَ) عَلَى هَذَا (إذَا لَمْ يَكُنْ فِي الْقَضِيَّةِ إلَّا اثْنَانِ) بِأَنْ لَمْ يَتَحَمَّلْ سِوَاهُمَا أَوْ مَاتَ غَيْرُهُمَا أَوْ جُنَّ أَوْ فَسَقَ أَوْ غَابَ، وَجَوَابُ إذَا قَوْلُهُ (لَزِمَهُمَا الْأَدَاءُ) إنْ دُعِيَا لَهُ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا﴾ [البقرة: 282] أَيْ لِلْأَدَاءِ، وَلِأَنَّهُ يُؤَدِّي فَرْضًا الْتَزَمَهُ فِي ذِمَّتِهِ (فَلَوْ أَدَّى وَاحِدٌ) مِنْهُمَا (وَامْتَنَعَ الْآخَرُ) بِلَا عُذْرٍ، سَوَاءٌ كَانَ بَعْدَ أَدَاءِ صَاحِبِهِ أَمْ قَبْلَهُ (وَقَالَ) لِلْمُدَّعِي (احْلِفْ مَعَهُ عَصَى) وَإِنْ كَانَ الْقَاضِي يَرَى الْحُكْمَ بِشَاهِدٍ وَيَمِينٍ؛ لِأَنَّ مِنْ مَقَاصِدِ الْإِشْهَادِ التَّوَرُّعَ عَنْ الْيَمِينِ فَلَا يُفَوَّتُ عَلَيْهِ، وَكَذَا لَوْ امْتَنَعَ شَاهِدَا رَدَّ الْوَدِيعَةِ، وَقَالَا لَهُ: احْلِفْ عَلَى رَدِّهَا عَصَى (وَإِنْ كَانَ) فِي الْقَضِيَّةِ (شُهُودٌ) كَأَرْبَعَةٍ (فَالْأَدَاءُ فَرْضُ كِفَايَةٍ) عَلَيْهِمْ لِحُصُولِ الْغَرَضِ بِالْبَعْضِ كَالْجِهَادِ، فَإِذَا قَامَ بِهَا اثْنَانِ مِنْهُمْ سَقَطَ الْجُرْحُ عَنْ الْبَاقِينَ، وَإِنْ امْتَنَعَ الْكُلُّ عَصَوْا، سَوَاءٌ طَلَبَهُمْ الْمُدَّعِي مُجْتَمَعِينَ أَمْ مُتَفَرِّقِينَ، وَالْمَدْعُوُّ أَوَّلًا أَعْظَمُهُمْ إثْمًا؛ لِأَنَّهُ مَتْبُوعٌ فِي الِامْتِنَاعِ كَمَا لَوْ أَجَابَ أَوَّلًا فَإِنَّهُ يَكُونُ أَعْظَمُهُمْ أَجْرًا (فَلَوْ طَلَبَ) الْمُدَّعِي الْأَدَاءَ (مِنْ اثْنَيْنِ) مِنْهُمْ بِأَعْيَانِهِمَا (لَزِمَهُمَا) ذَلِكَ (فِي الْأَصَحِّ) لِئَلَّا يُفْضِيَ إلَى التَّوَاكُلِ، وَالثَّانِي لَا كَالْمُتَحَمِّلِ، وَفَرَّقَ الْأَوَّلَ بِأَنَّهُ هُنَاكَ طَلَبَهُمَا لِتَحَمُّلِ أَمَانَةٍ وَهُنَا لِأَدَائِهَا، وَالْخِلَافُ جَارٍ فِيمَا لَوْ طَلَبَهُ مِنْ وَاحِدٍ أَيْضًا كَمَا نَقَلَهُ فِي الْمَطْلَبِ تَنْبِيهٌ: مَحَلُّ الْخِلَافِ كَمَا قَالَهُ الْإِمَامُ وَأَقَرَّاهُ مَا إذَا لَمْ يَعْلَمْ إبَاءَ الْبَاقِينَ وَإِلَّا فَلَا خِلَافَ فِي اللُّزُومِ، وَقَضِيَّةُ كَلَامِ الرَّوْضَةِ فِيمَا إذَا عُلِمَتْ رَغْبَةُ غَيْرِهِمَا أَنَّهُ لَا خِلَافَ فِي جَوَازِ الِامْتِنَاعِ، نَبَّهَ عَلَيْهِ الزَّرْكَشِيُّ (وَإِنْ لَمْ يَكُنْ) فِي الْقَضِيَّةِ (إلَّا وَاحِدٌ لَزِمَهُ) الْأَدَاءُ (إنْ كَانَ فِيمَا) أَيْ فِي حَقٍّ (يَثْبُتُ بِشَاهِدٍ وَيَمِينٍ) هَذَا إذَا كَانَ الْقَاضِي الْمَطْلُوبُ إلَيْهِ يَرَى بِذَلِكَ كَمَا قَيَّدَهُ الْمَاوَرْدِيُّ، وَقَدْ يُقَالُ: إنَّ هَذَا مَعْلُومٌ مِنْ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ يَثْبُتُ بِشَاهِدٍ وَيَمِينٍ (وَإِلَّا) بِأَنْ لَمْ يَثْبُتْ الْحَقُّ بِذَلِكَ أَوْ كَانَ الْقَاضِي لَا يَرَى ذَلِكَ (فَلَا) يَلْزَمُهُ الْأَدَاءُ إذْ لَا فَائِدَةَ فِيهِ وَلَوْ كَانَ مَعَ الشَّاهِدِ امْرَأَتَانِ فَالْحُكْمُ فِيهِمَا كَالْحُكْمِ فِيمَا ذَكَرَ، قَالَهُ الْمَاوَرْدِيُّ، وَلَمَّا كَانَ مُقَابِلُ الْأَصَحِّ السَّابِقِ مُفَصَّلًا بَيَّنَهُ بِقَوْلِهِ
وَقِيلَ لَا يَلْزَمُ الْأَدَاءُ إلَّا مَنْ تَحَمَّلَ قَصْدًا لَا اتِّفَاقًا،
وَلِوُجُوبِ الْأَدَاءِ شُرُوطٌ: أَنْ يُدْعَى مِنْ مَسَافَةِ الْعَدْوَى، وَقِيلَ دُونَ مَسَافَةِ الْقَصْرِ، وَأَنْ يَكُونَ عَدْلًا فَإِنْ دُعِيَ ذُو فِسْقٍ مُجْمَعٍ عَلَيْهِ، قِيلَ أَوْ مُخْتَلَفٍ فِيهِ لَمْ يَجِبْ،
[مغني المحتاج]
(وَقِيلَ: لَا يَلْزَمُ الْأَدَاءُ إلَّا مَنْ) أَيْ شَاهِدًا (تَحَمَّلَ قَصْدًا لَا اتِّفَاقًا) ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ مِنْهُ الْتِزَامٌ، وَالْأَصَحُّ عَدَمُ الْفَرْقِ؛ لِأَنَّهَا أَمَانَةٌ حَصَلَتْ عِنْدَهُ فَلَزِمَهُ أَدَاؤُهَا وَإِنْ لَمْ يَلْتَزِمْهَا كَثَوْبٍ طَيَّرَتْهُ الرِّيحُ إلَى دَارِهِ.
تَنْبِيهٌ: مَحَلُّ الْخِلَافِ كَمَا قَالَهُ الْأَذْرَعِيُّ: فِيمَا لَا يُقْبَلُ فِيهِ شَهَادَةُ الْحِسْبَةِ كَالْحُقُوقِ الْمَالِيَّةِ دُونَ مَا فِيهِ خَطَرٌ كَمَا لَوْ سَمِعَ مَنْ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ ثُمَّ استفرشها، أَوْ عَفَا عَنْ قِصَاصٍ ثُمَّ طَلَبَهُ فَيَلْزَمُهُ الْأَدَاءُ جَزْمًا وَإِنْ لَمْ يَتَحَمَّلْهُ قَصْدًا.
(وَلِوُجُوبِ الْأَدَاءِ شُرُوطٌ) أَحَدُهَا (أَنْ يُدْعَى) الشَّاهِدُ إلَيْهِ (مِنْ مَسَافَةِ الْعَدْوَى) فَأَقَلَّ وَهِيَ الَّتِي يَتَمَكَّنُ الْمُبَكِّرُ إلَيْهَا مِنْ الرُّجُوعِ إلَى أَهْلِهِ فِي يَوْمِهِ كَمَا مَرَّ لِلْحَاجَةِ إلَى الْإِثْبَاتِ وَتَعَذُّرِهِ، فَلَوْ دُعِيَ مِمَّا فَوْقَهَا لَمْ يَجِبْ لِلضَّرَرِ وَإِمْكَانِ الْإِثْبَاتِ بِالشَّهَادَةِ عَلَى الشَّهَادَةِ.
قَالَ الْأَذْرَعِيُّ: هَذَا إذَا دَعَاهُ الْمُسْتَحِقُّ أَوْ الْحَاكِمُ وَلَيْسَ فِي عَمَلِهِ، فَإِنْ دَعَاهُ الْحَاكِمُ وَهُوَ فِي عَمَلِهِ أَوْ الْإِمَامُ الْأَعْظَمُ فَيُشْبِهُ أَنْ يَجِبَ حُضُورُهُ، وَقَدْ اسْتَحْضَرَ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - الشُّهُودَ مِنْ الْكُوفَةِ إلَى الْمَدِينَةِ، وَرُوِيَ مِنْ الشَّامِ أَيْضًا.
قَالَ شَيْخُنَا: وَمَا قَالَهُ ظَاهِرٌ فِي الْإِمَامِ الْأَعْظَمِ دُونَ غَيْرِهِ ا. هـ. وَلَعَلَّهُ أَخَذَ ذَلِكَ مِنْ قِصَّةِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -، وَلَا دَلِيلَ فِيهِ، إذْ لَيْسَ فِيهَا أَنَّ عُمَرَ أَجْبَرَهُمْ عَلَى الْحُضُورِ، فَالْمُعْتَمَدُ إطْلَاقُ الْأَصْحَابِ، وَمَتَى كَانَ الْقَاضِي فِي الْبَلَدِ فَالْمَسَافَةُ قَرِيبَةٌ كَمَا قَطَعَ بِهِ الشَّيْخَانِ وَغَيْرُهُمَا.
تَنْبِيهٌ: قَوْلُ الْمُصَنِّفِ يُدْعَى يَقْتَضِي أَنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ مِنْ غَيْرِ دُعَاءٍ وَمَحَلُّهُ فِي غَيْرِ شَهَادَةِ الْحِسْبَةِ.
أَمَّا هِيَ فَالظَّاهِرُ كَمَا قَالَ الْأَذْرَعِيُّ وَغَيْرُهُ الْوُجُوبُ مُسَارَعَةً لِلنَّهْيِ عَنْ الْمُنْكَرِ، إذْ هُوَ عَلَى الْفَوْرِ (وَقِيلَ دُونَ مَسَافَةِ الْقَصْرِ) وَهَذَا مَزِيدٌ عَلَى الْأَوَّلِ بِمَا بَيْنَ الْمَسَافَتَيْنِ، فَإِنْ دُعِيَ مِنْ مَسَافَةِ الْقَصْرِ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ الْحُضُورُ لِلْأَدَاءِ لِبُعْدِهَا (وَ) الشَّرْطُ الثَّانِي (أَنْ يَكُونَ) الْمَدْعُوُّ (عَدْلًا، فَإِنْ دُعِيَ ذُو فِسْقٍ مُجْمَعٍ عَلَيْهِ) كَشَارِبِ خَمْرٍ، وَلَا فَرْقَ فِيهِ بَيْنَ الظَّاهِرِ لِلنَّاسِ وَالْخَفِيِّ كَمَا هُوَ قَضِيَّةُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ فِي عَدَمِ الْوُجُوبِ.
قَالَ الْأَذْرَعِيُّ: وَفِي تَحْرِيمِ الْأَدَاءِ مَعَ الْفِسْقِ الْخَفِيِّ نَظَرٌ؛ لِأَنَّهَا شَهَادَةٌ بِحَقٍّ وَإِعَانَةٌ عَلَيْهِ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ، وَلَا إثْمَ عَلَى الْقَاضِي إذَا لَمْ يُقَصِّرْ بَلْ يَتَّجِهُ وُجُوبُ الْأَدَاءِ إذَا كَانَ فِيهِ إنْقَاذُ نَفْسٍ أَوْ عُضْوٍ أَوْ بُضْعٍ.
قَالَ وَبِهِ صَرَّحَ الْمَاوَرْدِيُّ (قِيلَ) (أَوْ) دُعِيَ ذُو فِسْقٍ (مُخْتَلَفٍ فِيهِ) كَشُرْبِ نَبِيذٍ (لَمْ يَجِبْ) عَلَيْهِ الْأَدَاءُ لِمَا فِيهِ مِنْ تَعَرُّضِ نَفْسِهِ مِنْ إسْقَاطِ عَدَالَتِهِ بِمَا لَا يَرَاهُ مُسْقِطًا فِي اعْتِقَادِهِ، وَالْأَصَحُّ الْوُجُوبُ وَإِنْ عُهِدَ مِنْ الْقَاضِي رَدُّ الشَّهَادَةِ بِهِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَتَغَيَّرُ اجْتِهَادُهُ، وَقَضِيَّةُ التَّعْلِيلِ عَدَمُ اللُّزُومِ إذَا كَانَ الْقَاضِي مُقَلِّدًا مَنْ يُفَسِّقُ بِذَلِكَ، وَهُوَ كَمَا قَالَ شَيْخُنَا ظَاهِرٌ.
فَإِنْ قِيلَ: قَدْ يَمْتَنِعُ بِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يُقَلِّدَ غَيْرَ مُقَلَّدِهِ.
أُجِيبَ بِأَنَّ اعْتِبَارَ
وَأَنْ لَا يَكُونَ مَعْذُورًا بِمَرَضٍ وَنَحْوِهِ، فَإِنْ كَانَ أَشْهَدَ عَلَى شَهَادَتِهِ أَوْ بَعَثَ الْقَاضِي مَنْ يَسْمَعُهَا.
[مغني المحتاج]
مِثْلِ هَذَا الْجَوَازِ بَعِيدٌ، وَهَلْ يَجُوزُ لِلْعَدْلِ أَنْ يَشْهَدَ بِبَيْعٍ عِنْدَ مَنْ يَرَى إثْبَاتَ الشُّفْعَةِ لِلْجَارِ وَهُوَ لَا يَرَاهُ أَوَّلًا؟ وَجْهَانِ: أَفْقَهُهُمَا كَمَا قَالَ شَيْخُنَا الْجَوَازُ، وَالْبَيْعُ مِثَالٌ، وَالضَّابِطُ أَنْ يَشْهَدَ بِمَا يَعْلَمُ أَنَّ الْقَاضِيَ يُرَتِّبَ عَلَيْهِ مَا لَا يَعْتَقِدُهُ.
فُرُوعٌ: لَوْ كَانَ مَعَ الْمُجْمَعِ عَلَى فِسْقِهِ عَدْلٌ لَمْ يَلْزَمْهُ الْأَدَاءُ إلَّا فِيمَا يَثْبُتُ بِشَاهِدٍ وَيَمِينٍ، إذْ لَا فَائِدَةَ فِيهِ فِيمَا عَدَاهُ، وَلَوْ امْتَنَعَ الشَّاهِدُ مِنْ الْأَدَاءِ حَيَاءً مِنْ الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ أَوْ غَيْرِهِ عَصَى وَرُدَّتْ شَهَادَتُهُ إلَى أَنْ تَصِحَّ تَوْبَتُهُ، وَلَوْ قَالَ الْمُدَّعِي لِلْقَاضِي: شَاهِدِي مُمْتَنِعٌ مِنْ أَدَاءِ الشَّهَادَةِ لِي عِنَادًا فَأَحْضِرْهُ لِيَشْهَدَ لَمْ يُجِبْهُ إلَى ذَلِكَ: لِأَنَّهُ لَوْ شَهِدَ لَمْ تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ لَهُ؛ لِأَنَّهُ فَاسِقٌ بِالِامْتِنَاعِ بِزَعْمِهِ، بِخِلَافِ مَا لَمْ يَقُلْ عِنَادًا، لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ امْتِنَاعُهُ لِعُذْرٍ شَرْعِيٍّ (وَ) الشَّرْطُ الثَّالِثُ (أَنْ لَا يَكُونَ) الْمَدْعُوُّ (مَعْذُورًا بِمَرَضٍ وَنَحْوِهِ) كَخَوْفِهِ عَلَى مَالِهِ، أَوْ تَعَطُّلِ كَسْبِهِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ إلَّا إنْ بَذَلَ لَهُ قَدْرَ كَسْبِهِ، أَوْ طَلَبَهُ فِي حَرٍّ أَوْ بَرْدٍ شَدِيدٍ وَكَتَخْدِيرِ الْمَرْأَةِ، وَكَذَا كُلُّ عُذْرٍ يَسْقُطُ عَنْهُ بِهِ الْجُمُعَةُ (فَإِنْ كَانَ) الْمَدْعُوُّ مَعْذُورًا لَمْ يَلْزَمْهُ الْأَدَاءُ وَ (أَشْهَدَ عَلَى شَهَادَتِهِ) غَيْرَهُ (أَوْ بَعَثَ الْقَاضِي) إلَيْهِ (مَنْ يَسْمَعُهَا) دَفْعًا لِلْمَشَقَّةِ عَنْهُ.
تَنْبِيهٌ: قَضِيَّةُ حَصْرِهِ الشُّرُوطَ فِي الثَّلَاثَةِ الْمَذْكُورَةِ، عَدَمُ اشْتِرَاطِ كَوْنِ الْمَدْعُوِّ إلَيْهِ قَاضِيًا وَعَدَمُ كَوْنِهِ أَهْلًا لِلْقَضَاءِ وَهُوَ كَذَلِكَ، فَلَوْ دُعِيَ إلَى أَمِيرٍ أَوْ نَحْوِهِ كَوَزِيرٍ وَعَلِمَ حُصُولَ الْحَقِّ بِهِ وَجَبَ عَلَيْهِ الْأَدَاءُ عِنْدَهُ كَمَا فِي زِيَادَةِ الرَّوْضَةِ، وَيَنْبَغِي كَمَا فِي التَّوْضِيحِ حَمْلُهُ عَلَى مَا إذَا عَلِمَ أَنَّ الْحَقَّ لَا يَخْلُصُ إلَّا عِنْدَهُ وَإِلَيْهِ يُرْشِدُ قَوْلُهُمْ: إذَا عَلِمَ أَنَّهُ يَصِلُ بِهِ لِلْحَقِّ، فَقَوْلُ الْمُصَنِّفِ فِي بَابِ الْقَضَاءِ عَلَى الْغَائِبِ أَنَّ مُنْصَبَّ سَمَاعِ الْبَيِّنَةِ مُخْتَصٌّ بِالْقَضَاءِ، وَهُوَ يَقْتَضِي أَنَّهُ لَا يَجِبُ فِي غَيْرِ الْقَاضِي مَحْمُولٌ عَلَى غَيْرِ هَذَا، وَيَجِبُ عَلَيْهِ الْأَدَاءُ أَيْضًا إذَا دُعِيَ إلَى قَاضٍ جَائِرٍ، أَوْ امْتَنَعَتْ فِي الشَّهَادَةِ عَلَى الْأَصَحِّ فِي زِيَادَةِ الرَّوْضَةِ وَمِنْ شُرُوطِ الْوُجُوبِ أَنْ لَا يَكُونَ فِي حَدٍّ لِلَّهِ تَعَالَى، فَإِنْ كَانَ قَالَ الْمُصَنِّفُ: إنْ رَأَى الْمَصْلَحَةَ فِي الشَّهَادَةِ شَهِدُوا وَإِلَّا فَلَا، إلَّا إنْ تَرَتَّبَ عَلَى تَرْكِهَا حَدٌّ عَلَى غَيْرِ الشَّاهِدِ مِثْلُ أَنْ لَا يَكْمُلَ النِّصَابُ إلَّا بِهِ إنَّهُ عَلَيْهِ الْأَدَاءُ كَمَا قَالَهُ الْمَاوَرْدِيُّ قَالَ ابْنُ سُرَاقَةَ: وَرُبَّمَا أَثِمَ الشَّاهِدُ بِالْأَدَاءِ مِثْلُ أَنْ يَشْهَدَ عَلَى مُسْلِمٍ أَنَّهُ قَتَلَ كَافِرًا وَالْحَاكِمُ عِرَاقِيٌّ فَلَا يَجُوزُ لَهُ الْأَدَاءُ لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ قَتْلِ الْمُسْلِمِ بِالْكَافِرِ، وَإِذَا اجْتَمَعَتْ الشُّرُوطُ وَكَانَ فِي صَلَاةٍ أَوْ حَمَّامٍ أَوْ عَلَى طَعَامٍ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ فَلَهُ التَّأْخِيرُ إلَى أَنْ يَفْرَغَ، وَلَوْ رَدَّ قَاضٍ شَهَادَتَهُ لِجُرْحِهِ ثُمَّ دُعِيَ إلَى قَاضٍ آخَرَ لَا إلَيْهِ لَزِمَهُ أَدَاؤُهَا، وَلَوْ دُعِيَ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ لِشَهَادَتَيْنِ بِحَقَّيْنِ، فَإِنْ تَسَاوَيَا تَخَيَّرَ فِي إجَابَةِ مَنْ شَاءَ مِنْ الدَّاعِيَيْنِ، وَإِنْ اخْتَلَفَا قَدَّمَ مَا يَخَافُ فَوْتَهُ، فَإِنْ لَمْ يُخَفْ فَوْتٌ تَخَيَّرَ، قَالَهُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ.
قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: وَيُحْتَمَلُ الْإِقْرَاعُ وَهُوَ أَوْجَهُ.
[فَصْلٌ] تُقْبَلُ الشَّهَادَةُ عَلَى الشَّهَادَةِ فِي غَيْرِ عُقُوبَةٍ، وَفِي عُقُوبَةٍ لِآدَمِيٍّ عَلَى الْمَذْهَبِ،
[مغني المحتاج]
تَتِمَّةٌ: لَيْسَ لِلشَّاهِدِ أَخْذُ رِزْقٍ لِتَحَمُّلِ الشَّهَادَةِ مِنْ الْإِمَامِ أَوْ أَحَدِ الرَّعِيَّةِ.
وَأَمَّا أَخْذُهُ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ فَهُوَ كَالْقَاضِي وَتَقَدَّمَ تَفْصِيلُهُ، وَإِنْ قَالَ ابْنُ الْمُقْرِي لَيْسَ لَهُ الْأَخْذُ مُطْلَقًا، وَقَالَ غَيْرُهُ لَهُ ذَلِكَ بِلَا تَفْصِيلٍ، وَلَهُ بِكُلِّ حَالٍ أَخْذُ أُجْرَةٍ مِنْ الْمَشْهُودِ لَهُ عَلَى التَّحَمُّلِ وَإِنْ تَعَيَّنَ عَلَيْهِ إنْ دُعِيَ لَهُ، فَإِنْ تَحَمَّلَ بِمَكَانِهِ فَلَا أُجْرَةَ لَهُ، وَلَيْسَ لَهُ أَخْذُ أُجْرَةٍ لِلْأَدَاءِ وَإِنْ لَمْ يَتَعَيَّنْ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ فَرْضٌ عَلَيْهِ فَلَا يَسْتَحِقُّ عِوَضًا، وَلِأَنَّهُ كَلَامٌ يَسِيرٌ لَا أُجْرَةَ لِمِثْلِهِ، وَفَارَقَ التَّحَمُّلُ بِأَنَّ الْأَخْذَ لِلْأَدَاءِ يُورِثُ تُهْمَةً قَوِيَّةً مَعَ أَنَّ زَمَنَهُ يَسِيرٌ وَلَا تَفُوتُ بِهِ مَنْفَعَةٌ مُتَقَوَّمَةٌ، بِخِلَافِ زَمَنِ التَّحَمُّلِ إلَّا إنْ دُعِيَ مِنْ مَسَافَةِ عَدْوَى فَأَكْثَرَ فَلَهُ نَفَقَةُ الطَّرِيقِ وَأُجْرَةُ الْمَرْكُوبِ وَإِنْ لَمْ يَرْكَبْ.
نَعَمْ لِمَنْ فِي الْبَلَدِ أَخْذُ الْأُجْرَةِ إنْ احْتَاجَ إلَيْهَا، وَلَهُ صَرْفُ مَا يُعْطِيه لَهُ الْمَشْهُودُ لَهُ إلَى غَيْرِ النَّفَقَةِ وَالْأُجْرَةِ، وَكَذَا مَنْ أَعْطَى شَيْئًا فَقِيرًا لِيَكْسُوَ بِهِ نَفْسَهُ لِلْفَقِيرِ أَنْ يَصْرِفَهُ لِغَيْرِ الْكُسْوَةِ، ثُمَّ إنْ مَشَى الشَّاهِدُ مِنْ بَلَدٍ إلَى بَلَدٍ مَعَ قُدْرَتِهِ عَلَى الرُّكُوبِ، قَدْ تَنْخَرِمُ الْمُرُوءَةُ فَيَظْهَرُ امْتِنَاعُهُ فِيمَنْ هَذَا شَأْنُهُ، قَالَهُ الْإِسْنَوِيُّ.
قَالَ الْأَذْرَعِيُّ: لَا يَتَقَيَّدُ ذَلِكَ بِبَلَدَيْنِ، بَلْ قَدْ يَأْتِي فِي الْبَلَدِ الْوَاحِدِ، فَيُعَدُّ ذَلِكَ خَرْمًا لِلْمُرُوءَةِ إلَّا أَنْ تَدْعُو الْحَاجَةُ إلَيْهِ، أَوْ يَفْعَلَهُ تَوَاضُعًا.
[فَصْلٌ فِي تَحَمُّلِ الشَّهَادَةِ عَلَى الشَّهَادَةِ وَأَدَائِهَا]
[فَصْلٌ] فِي جَوَازِ تَحَمُّلِ الشَّهَادَةِ عَلَى الشَّهَادَةِ وَأَدَائِهَا (تُقْبَلُ الشَّهَادَةُ عَلَى الشَّهَادَةِ) لِعُمُومِ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق: 2] وَلِدُعَاءِ الْحَاجَةِ إلَيْهَا؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ قَدْ يَتَعَذَّرُ، وَلِأَنَّ الشَّهَادَةَ حَقٌّ لَازِمٌ فَيُشْهَدُ عَلَيْهَا كَسَائِرِ الْحُقُوقِ، وَلِأَنَّهَا طَرِيقٌ تُظْهِرُ الْحَقَّ كَالْإِقْرَارِ فَيُشْهَدُ عَلَيْهَا، لَكِنَّهَا إنَّمَا تُقْبَلُ (فِي غَيْرِ عُقُوبَةٍ) لِلَّهِ تَعَالَى وَغَيْرِ إحْصَانٍ كالأقارير وَالْعُقُودِ وَالْفُسُوخِ وَالرَّضَاعِ وَالْوِلَادَةِ وَعُيُوبِ النِّسَاءِ، سَوَاءٌ فِيهِ حَقُّ الْآدَمِيِّ وَحَقِّ اللَّهِ تَعَالَى كَالزَّكَاةِ وَوَقْفِ الْمَسَاجِدِ وَالْجِهَاتِ الْعَامَّةِ وَهِلَالِ رَمَضَانَ لِلصَّوْمِ وَذِي الْحَجَّةِ لِلْحَجِّ (وَفِي) إثْبَاتِ (عُقُوبَةٍ لِآدَمِيٍّ عَلَى الْمَذْهَبِ) كَالْقِصَاصِ وَحَدِّ الْقَذْفِ.
أَمَّا الْعُقُوبَةُ لِلَّهِ تَعَالَى كَالزِّنَا وَشُرْبِ الْخَمْرِ فَلَا يُقْبَلُ فِيهَا الشَّهَادَةُ عَلَى الشَّهَادَةِ عَلَى الْأَظْهَرِ، وَخَرَجَ مِنْهُ قَوْلٌ فِي عُقُوبَةِ الْآدَمِيِّ، وَدُفِعَ التَّخْرِيجُ بِأَنَّ حَقَّ اللَّهِ تَعَالَى مَبْنِيٌّ عَلَى التَّخْفِيفِ.
بِخِلَافِ حَقِّ الْآدَمِيِّ فَلِذَلِكَ عَبَّرَ الْمُصَنِّفُ فِيهِ بِالْمَذْهَبِ.
وَأَمَّا الْإِحْصَانُ فِيمَنْ ثَبَتَ زِنَاهُ فَكَالْحَدِّ فَلَا يُقْبَلُ فِيهِ الشَّهَادَةُ عَلَى الشَّهَادَةِ عَلَى الْأَصَحِّ كَمَا حَكَاهُ الرَّافِعِيُّ عَنْ ابْنِ الْقَاصِّ
تَنْبِيهٌ: يُفْهَمُ مِنْ مَنْعِ ثُبُوتِ إحْصَانِ مَنْ ثَبَتَ زِنَاهُ مَنْعُ ثُبُوتِ بُلُوغِهِ؛؛ لِأَنَّهُ يَئُولُ إلَى الْعُقُوبَةِ، وَكَذَا بَقِيَّةُ مَا يُعْتَبَرُ فِي الْإِحْصَانِ.
قَالَ الْبُلْقِينِيُّ: وَكَذَا لَا تُقْبَلُ الشَّهَادَةُ عَلَى الشَّهَادَةِ بِلِعَانِ الزَّوْجِ إذَا أَنْكَرَتْهُ الْمَرْأَةُ لِمَا يَتَرَتَّبُ عَنْ لِعَانِهِ مِنْ إيجَابِ الْحَدِّ عَلَى الْمَرْأَةِ إذَا لَمْ تُلَاعِنْ، وَكَذَا الشَّهَادَةُ
وَتَحَمُّلِهَا بِأَنْ يَسْتَرْعِيَهُ فَيَقُولُ: أَنَا شَاهِدٌ بِكَذَا، وَأُشْهِدُك أَوْ اشْهَدْ عَلَى شَهَادَتِي، أَوْ يَسْمَعَهُ يَشْهَدُ عِنْدَ قَاضٍ، أَوْ يَقُولُ: أَشْهَدُ أَنَّ لِفُلَانٍ عَلَى فُلَانٍ أَلْفًا عَنْ ثَمَنِ مَبِيعٍ أَوْ غَيْرِهِ، وَفِي هَذَا وَجْهٌ،
[مغني المحتاج]
عَلَى الشَّهَادَةِ بِانْتِقَاضِ عَهْدِ الذِّمِّيِّ لِيُخَيَّرَ الْإِمَامُ فِيهِ بَيْنَ أُمُورٍ فِيهَا الْقَتْلُ، وَالشَّهَادَةُ عَلَى الشَّهَادَةِ عَلَى الْإِمَامِ بِاخْتِيَارِ الْقَتْلِ، وَعَلَى الْحَاكِمِ الَّذِي حَكَمَ بِقَتْلِ مَنْ نَزَلَ عَلَى حُكْمِهِ مِنْ الرِّجَالِ الْمُكَلَّفِينَ، وَعَلَى الْحَاكِمِ بِإِيجَابِ الْحَدِّ عَلَى الزَّانِي.
فَرْعٌ: يَجُوزُ إشْهَادُ الْفَرْعِ عَلَى شَهَادَتِهِ كَمَا يُفْهَمُ مِنْ إطْلَاقِ الْمَتْنِ وَصَرَّحَ بِهِ الصَّيْمَرِيُّ وَغَيْرُهُ (وَتَحَمُّلِهَا) أَيْ الشَّهَادَةِ لَهُ أَسْبَابٌ ثَلَاثَةٌ: السَّبَبُ الْأَوَّلُ مَا ذَكَرَهُ بِقَوْلِهِ (بِأَنْ يَسْتَرْعِيَهُ) الْأَصْلُ - أَيْ يَلْتَمِسَ مِنْهُ رِعَايَةَ الشَّهَادَةِ وَحِفْظِهَا؛ لِأَنَّ الشَّهَادَةَ عَلَى الشَّهَادَةِ نِيَابَةٌ، فَاعْتُبِرَ فِيهَا الْإِذْنُ (فَيَقُولُ) الْأَصْلُ لِلْفَرْعِ (أَنَا شَاهِدٌ بِكَذَا) أَيْ بِأَنَّ لِفُلَانٍ عَلَى فُلَانٍ كَذَا (وَأُشْهِدُك) عَلَى شَهَادَتِي، أَوْ أَشْهَدْتُك عَلَى شَهَادَتِي (أَوْ) يَقُولُ (اشْهَدْ عَلَى شَهَادَتِي) أَوْ إذَا شَهِدْتُ عَلَى شَهَادَتِي فَقَدْ أَذِنْتُ لَك فِي أَنْ تَشْهَدَ بِهِ.
قَالَ فِي أَصْلِ الرَّوْضَةِ: وَلَا يُشْتَرَطُ أَنْ يَقُولَ فِي الِاسْتِرْعَاءِ أُشْهِدُك عَلَى شَهَادَتِي وَعَنْ شَهَادَتِي، لَكِنَّهُ أَتَمُّ، فَقَوْلُهُ: أُشْهِدُك عَلَى شَهَادَتِي تَحْمِيلٌ، وَقَوْلُهُ: وَعَنْ شَهَادَتِي إذْنٌ فِي الْأَدَاءِ كَأَنَّهُ قَالَ: أَدِّهَا عَنِّي.
تَنْبِيهٌ: لَيْسَ اسْتِرْعَاءُ الْأَصْلِ شَرْطٌ كَمَا يُفْهِمُ كَلَامُهُ، بَلْ مَتَى صَحَّ الِاسْتِرْعَاءُ لَمْ يَخْتَصَّ التَّحَمُّلُ بِالْمُسْتَرْعِي، بَلْ لَهُ وَلِمَنْ سَمِعَ ذَلِكَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَى الشَّهَادَةِ الْمَذْكُورَةِ، وَأَفْهَمَ كَلَامُهُ أَنَّهُ يُشْتَرَطُ لَفْظُ الشَّهَادَةِ وَهُوَ كَذَلِكَ، فَلَا يَكْفِي أَعْلَمَك وَأَخْبَرَك بِكَذَا وَنَحْوُهُمَا، كَمَا لَا يَكْفِي فِي أَدَاءِ الشَّهَادَةِ عِنْدَ الْقَاضِي.
السَّبَبُ الثَّانِي مَا ذَكَرَهُ بِقَوْلِهِ (أَوْ) بِأَنْ (يَسْمَعَهُ يَشْهَدُ عِنْدَ قَاضٍ) أَنَّ لِفُلَانٍ عَلَى فُلَانٍ كَذَا فَلَهُ أَنْ يَشْهَدَ عَلَى شَهَادَتِهِ وَإِنْ لَمْ يَسْتَرْعِهِ، كَمَا أَنَّ لِلْقَاضِي ذَلِكَ قَبْلَ الْحُكْمِ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا شَهِدَ عِنْدَ الْقَاضِي بَعْدَ تَحَقُّقِ الْوُجُوبِ.
السَّبَبُ الثَّالِثُ مَا ذَكَرَهُ بِقَوْلِهِ (أَوْ) بِأَنْ يَسْمَعَهُ (يَقُولُ: أَشْهَدُ أَنَّ لِفُلَانٍ عَلَى فُلَانٍ أَلْفًا عَنْ ثَمَنِ مَبِيعٍ أَوْ غَيْرِهِ) كَقَرْضٍ، فَإِذَا بَيَّنَ سَبَبَ الشَّهَادَةِ جَازَ لِمَنْ سَمِعَهُ أَنْ يَشْهَدَ عَلَى شَهَادَتِهِ وَإِنْ لَمْ يَسْتَرْعِهِ؛؛ لِأَنَّ إسْنَادَهُ إلَى السَّبَبِ يَرْفَعُ احْتِمَالَ الْوَعْدِ وَالتَّسَاهُلِ (وَفِي هَذَا) السَّبَبِ الْأَخِيرِ (وَجْهٌ) أَنَّهُ لَا يَكْفِي لِاحْتِمَالِ التَّوَسُّعُ فِيهِ، وَحَكَاهُ الْإِمَامُ عَنْ الْأَكْثَرِينَ وَصَحَّحَهُ الْبُلْقِينِيُّ
تَنْبِيهٌ: كَلَامُهُ يُشْعِرُ بِأَنَّ مَا قَبْلَ الْأَخِيرِ وَهُوَ الشَّهَادَةُ عِنْدَ قَاضٍ لَا خِلَافَ فِيهِ، وَلَيْسَ مُرَادًا بَلْ فِيهِ وَجْهٌ بِعَدَمِ الْكِفَايَةِ أَيْضًا، وَوَرَدَ عَلَى حَصْرِهِ الْأَسْبَابَ فِيمَا ذَكَرَهُ صُوَرٌ: مِنْهَا مَا إذَا سَمِعَهُ يُؤَدِّي عِنْدَ الْمُحَكَّمِ كَمَا قَالَهُ الْقَاضِي وَالْإِمَامُ وَلَمْ يَفْصِلَا بَيْنَ أَنْ يَقُولَ بِجَوَازِ التَّحْكِيمِ أَوْ لَا، وَبِهِ صَرَّحَ الْفُورَانِيُّ وَالْبَغَوِيُّ وَجَرَى عَلَيْهِ الشَّيْخَانِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَشْهَدُ عِنْدَهُ إلَّا وَهُوَ جَازِمٌ بِمَا يَشْهَدُ بِهِ وَيَنْبَغِي كَمَا قَالَ ابْنُ شُهْبَةَ الِاكْتِفَاءُ بِأَدَاءِ الشَّهَادَةِ عِنْدَ أَمِيرٍ أَوْ وَزِيرٍ بِنَاءً عَلَى تَصْحِيحِ الْمُصَنِّفِ
وَلَا يَكْفِي سَمَاعُ قَوْلِهِ لِفُلَانٍ عَلَى فُلَانٍ كَذَا، أَوْ أَشْهَدُ بِكَذَا، أَوْ عِنْدِي شَهَادَةٌ بِكَذَا، وَلِيُبَيِّن الْفَرْعُ عِنْدَ الْأَدَاءِ جِهَةَ التَّحَمُّلِ، فَإِنْ لَمْ يُبَيِّنْ وَوَثِقَ الْقَاضِي بِعِلْمِهِ فَلَا بَأْسَ،
وَلَا يَصِحُّ التَّحَمُّلُ عَلَى شَهَادَةِ مَرْدُودِ الشَّهَادَةِ، وَلَا تَحْمِلُ النِّسْوَةُ.
[مغني المحتاج]
وُجُوبَ أَدَائِهَا عِنْدَهُ عَلَى مَا مَرَّ؛؛ لِأَنَّ الشَّاهِدَ لَا يَقْدَمُ عَلَى ذَلِكَ عِنْدَ الْوَزِيرِ إلَّا وَهُوَ جَازِمٌ بِثُبُوتِ الْمَشْهُودِ بِهِ.
قَالَ الْبُلْقِينِيُّ: وَكَذَلِكَ إذَا شَهِدَ عِنْدَ الْكَبِيرِ الَّذِي دَخَلَ فِي الْقَضِيَّةِ بِغَيْرِ تَحْكِيمٍ، وَيَجُوزُ تَحَمُّلُ الشَّهَادَةِ عَلَى الْمُقِرِّ وَإِنْ لَمْ يَسْتَرْعِهِ وَعَلَى الْحَاكِمِ إذَا قَالَ فِي مَحَلِّ حُكْمِهِ حَكَمْت بِكَذَا وَإِنْ لَمْ يَسْتَرْعِهِ، وَأَلْحَقَ بِهِ الْبَغَوِيّ إقْرَارَهُ بِالْحُكْمِ.
وَمِنْهَا لَوْ كَانَ حَاكِمَا أَوْ مُحَكَّمًا فَشَهِدَا عِنْدَهُ وَلَمْ يَحْكُمْ جَازَ لَهُ أَنْ يَشْهَدَ عَلَى شَهَادَتِهِمَا؛ لِأَنَّهُ إذَا جَازَ لِغَيْرِهِ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْهِمَا بِذَلِكَ فَهُوَ أَوْلَى (وَلَا يَكْفِي) جَزْمًا (سَمَاعُ قَوْلِهِ) أَيْ الْأَصْلِ (لِفُلَانٍ عَلَى فُلَانٍ كَذَا، أَوْ أَشْهَدُ بِكَذَا، أَوْ عِنْدِي شَهَادَةٌ بِكَذَا) وَنَحْوَ ذَلِكَ مِنْ صُوَرِ الشَّهَادَةِ الَّتِي فِي مَعْرِضِ الْإِخْبَارِ؛ لِاحْتِمَالِ أَنْ يُرِيدَ أَنَّ لَهُ عَلَيْهِ ذَلِكَ مِنْ جِهَةِ وَعْدٍ وَعَدَهُ إيَّاهُ، وَيُشِيرُ بِكَلِمَةِ عَلَى إلَى أَنَّ مَكَارِمَ الْأَخْلَاقِ تَقْتَضِي الْوَفَاءَ بِهَا (وَلِيُبَيِّن) الشَّاهِدُ (الْفَرْعُ عِنْدَ الْأَدَاءِ) لِلشَّهَادَةِ (جِهَةَ التَّحَمُّلِ) فَإِنْ اسْتَرْعَاهُ الْأَصْلُ قَالَ: أَشْهَدُ أَنَّ فُلَانًا شَهِدَ أَنَّ لِفُلَانٍ عَلَى فُلَانٍ كَذَا، وأَشْهَدَنِي عَلَى شَهَادَتِهِ وَإِنْ لَمْ يَسْتَرْعِهِ بَيَّنَ أَنَّهُ شَهِدَ عِنْدَ الْقَاضِي أَوْ الْمُحَكَّمِ، أَوْ أَنَّهُ أَسْنَدَ الْمَشْهُودَ بِهِ إلَى سَبَبِهِ لِيَكُونَ مُؤَدِّيًا لَهَا عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي تَحَمَّلَهَا بِهِ فَيَعْرِفُ الْقَاضِي صِحَّتَهَا وَفَسَادَهَا، إذْ الْغَالِبُ عَلَى النَّاسِ الْجَهْلُ بِجِهَةِ التَّحَمُّلِ (فَإِنْ لَمْ يُبَيِّنْ) جِهَةَ التَّحَمُّلِ كَقَوْلِهِ: أَشْهَدُ عَلَى شَهَادَةِ فُلَانٍ بِكَذَا (وَوَثِقَ الْقَاضِي بِعِلْمِهِ) بِمَعْرِفَةِ شَرَائِطِ التَّحَمُّلِ (فَلَا بَأْسَ) بِذَلِكَ لِحُصُولِ الْغَرَضِ بِهِ، وَلَكِنْ يُنْدَبُ أَنْ يَسْأَلَهُ بِأَيِّ سَبَبٍ ثَبَتَ هَذَا الْمَالُ، وَهَلْ أَخْبَرَك بِهِ الْأَصْلُ أَوْ لَا؟ . وَنَازَعَ الْبُلْقِينِيُّ فِي الِاكْتِفَاءِ بِذَلِكَ وَقَالَ: إنَّهُ مُخَالِفٌ لِإِطْلَاقِ الْأَصْحَابِ.
ثُمَّ شَرَعَ الْمُصَنِّفُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِي صِفَةِ شَاهِدِ الْأَصْلِ وَمَا يَطْرَأُ عَلَيْهِ، فَقَالَ (وَلَا يَصِحُّ) (التَّحَمُّلُ عَلَى شَهَادَةِ) شَخْصٍ (مَرْدُودِ الشَّهَادَةِ) بِفِسْقٍ أَوْ غَيْرِهِ كَرِقٍّ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مَقْبُولِ الشَّهَادَةِ.
تَنْبِيهٌ: شَمِلَ إطْلَاقُهُ مَا لَوْ رُدَّتْ شَهَادَتُهُ مُطْلَقًا أَوْ بِالنِّسْبَةِ لِتِلْكَ الْوَاقِعَةِ كَمَا لَوْ شَهِدَ فَرُدَّتْ شَهَادَتُهُ ثُمَّ أَعَادَهَا فَلَا يَصِحُّ تَحَمُّلُهَا وَإِنْ كَانَ كَامِلًا فِي غَيْرِهَا؛ لِأَنَّهُ لَوْ أَعَادَهَا بِنَفْسِهِ لَمْ تُقْبَلْ، وَهُوَ ظَاهِرٌ (وَلَا تَحْمِلُ النِّسْوَةُ) أَيْ لَا تُقْبَلُ 2 شَهَادَتُهُنَّ عَلَى شَهَادَةِ غَيْرِهِنَّ وَإِنْ كَانَتْ الْأُصُولُ أَوْ بَعْضُهُمْ نِسَاءٌ وَكَانَتْ الشَّهَادَةُ فِي وِلَادَةٍ أَوْ رَضَاعٍ أَوْ مَالٍ؛ لِأَنَّ شَهَادَةَ الْفَرْعِ تُثْبِتُ شَهَادَةَ الْأَصْلِ لَا مَا شَهِدَ بِهِ.
تَنْبِيهٌ: لَمْ يُصَرِّحْ فِي الْمُحَرَّرِ بِهَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَقَالَ الْمُصَنِّفُ فِي الدَّقَائِقِ: لَيْسَتْ بِزِيَادَةٍ مَحْضَةٍ فَإِنَّهَا تُفْهَمُ مِنْ قَوْلِ الْمُحَرَّرِ قَبْلَ هَذَا: إنَّ مَا لَيْسَ الْمَقْصُودُ مِنْهُ الْمَالُ وَيَطَّلِعُ عَلَيْهِ الرِّجَالُ غَالِبًا لَا يَثْبُتُ إلَّا بِرَجُلَيْنِ انْتَهَى.
وَلَا يَصِحُّ أَيْضًا تَحَمُّلُ الْخُنْثَى الْمُشْكِلِ، فَإِنْ بَانَتْ ذُكُورَتُهُ صَحَّ
فَإِنْ مَاتَ الْأَصْلُ أَوْ غَابَ أَوْ مَرِضَ لَمْ يَمْنَعْ شَهَادَةَ الْفَرْعِ.
وَإِنْ حَدَثَ رِدَّةٌ أَوْ فِسْقٌ أَوْ عَدَاوَةٌ مَنَعَتْ، وَجُنُونُهُ كَمَوْتِهِ عَلَى الصَّحِيحِ.
وَلَوْ تَحَمَّلَ فَرْعٌ فَاسِقٌ أَوْ عَبْدٌ أَوْ صَبِيٌّ فَأَدَّى وَهُوَ كَامِلٌ قُبِلَتْ.
وَيَكْفِي شَهَادَةُ اثْنَيْنِ عَلَى الشَّاهِدَيْنِ،
[مغني المحتاج]
تَحَمُّلُهُ، وَلَوْ تَحَمَّلَ فَرْعٌ وَاحِدٌ عَنْ أَصْلٍ فِيمَا يَثْبُتُ بِشَاهِدٍ وَيَمِينٍ، فَأَرَادَ ذُو الْحَقِّ أَنْ يَحْلِفَ مَعَ هَذَا الْفَرْعِ لَمْ يَجُزْ؛ لِأَنَّ شَهَادَةَ الْأَصْلِ لَا تَثْبُتُ بِشَاهِدٍ وَيَمِينٍ، وَلَوْ شَهِدَ عَلَى أَصْلٍ وَاحِدٍ فَرْعَانِ فَلَهُ الْحَلِفُ مَعَهُمَا قَالَهُ الْمَاوَرْدِيُّ (فَإِنْ مَاتَ الْأَصْلُ أَوْ) حَدَثَ بِهِ مَانِعٌ لَا يَقْدَحُ كَأَنْ (غَابَ أَوْ مَرِضَ لَمْ يَمْنَعْ) ذَلِكَ (شَهَادَةَ الْفَرْعِ) أَيْ أَدَاءَهَا؛ لِأَنَّهُ مَحَلُّهَا، كَمَا سَيَأْتِي بِشَرْطِهِ وَذُكِرَ هُنَا تَوْطِئَةً لِمَا بَعْدَهُ.
(وَإِنْ) (حَدَثَ) بِالْأَصْلِ مَانِعٌ قَادِحٌ، وَهُوَ (رِدَّةٌ أَوْ فِسْقٌ أَوْ عَدَاوَةٌ) أَوْ نَحْوُ ذَلِكَ (مَنَعَتْ) هَذِهِ الْقَوَادِحُ وَمَا أَشْبَهَهَا شَهَادَةَ الْفَرْعِ؛ لِأَنَّ هَذِهِ الْأُمُورَ لَا تَهْجُمُ دَفْعَةً وَاحِدَةً بَلْ الْفِسْقُ يُورِثُ الرِّيبَةَ فِيمَا تَقَدَّمَ، وَالرِّدَّةُ تُشْعِرُ بِخُبْثٍ فِي الْعَقِيدَةِ، وَالْعَدَاوَةُ بِضَغَائِنَ كَانَتْ مُسْتَكِنَّةً وَلَيْسَ لِمُدَّةِ ذَلِكَ ضَبْطٌ فَيُعْطَفُ إلَى حَالَةِ التَّحَمُّلِ.
تَنْبِيهٌ: لَوْ حَدَثَ الْفِسْقُ أَوْ الرِّدَّةُ بَعْدَ الشَّهَادَةِ وَقَبْلَ الْحُكْمِ امْتَنَعَ الْحُكْمُ، وَهَذَا مِمَّا يُلْغَزُ بِهِ فَيُقَالُ: عَدْلَانِ شَهِدَا بِشَيْءٍ عِنْدَ الْقَاضِي وَقُبِلَتْ شَهَادَتُهُمَا ثُمَّ امْتَنَعَ عَلَيْهِ الْحُكْمُ بِشَهَادَتِهِمَا لِفِسْقِ غَيْرِهِمَا، وَلَا أَثَرَ لِحُدُوثِ ذَلِكَ بَعْدَ الْقَضَاءِ كَذَا فِي الرَّوْضَةِ وَأَصْلِهَا.
قَالَ الْبُلْقِينِيُّ: وَهُوَ مُقَيَّدٌ فِي الْفِسْقِ وَالرِّدَّةِ بِأَنْ لَا يَكُونَ فِي حَدٍّ لِآدَمِيٍّ، أَوْ قِصَاصٍ لَمْ يُسْتَوْفَ، فَإِنْ وُجِدَ بَعْدَ الْحُكْمِ وَقَبْلَ الِاسْتِيفَاءِ لَمْ يُسْتَوْفَ كَالرُّجُوعِ بِخِلَافِ حُدُوثِ الْعَدَاوَةِ بَعْدَ الْحُكْمِ أَوْ قَبْلَهُ بَعْدَ الْأَدَاءِ فَإِنَّهُ لَا يُؤَثِّرُ (وَجُنُونُهُ) أَيْ الْأَصْلُ إذَا كَانَ مُطْبَقًا وَخَرَسُهُ وَعَمَاهُ (كَمَوْتِهِ) فَتُقْبَلُ شَهَادَةُ الْفَرْعِ (عَلَى الصَّحِيحِ) ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَا يُوقِعُ رَيْبَهُ فِي الْمَاضِي وَالثَّانِي يَمْنَعُ كَالْفِسْقِ.
تَنْبِيهٌ: كَالْجُنُونِ الْإِغْمَاءُ إلَّا أَنْ يَكُونَ الْمُغْمَى عَلَيْهِ حَاضِرًا فَلَا يَشْهَدُ الْفَرْعُ بَلْ يُنْتَظَرُ زَوَالُ الْإِغْمَاءِ لِقُرْبِ زَوَالِهِ، قَالَهُ الْإِمَامُ وَأَقَرَّهُ.
قَالَهُ الرَّافِعِيُّ: وَقَضِيَّتُهُ أَنْ يَلْحَقَ بِهِ كُلُّ مَرَضٍ يُتَوَقَّعُ قُرْبُ زَوَالِهِ، قَالَ الْمُصَنِّفُ: وَالصَّوَابُ الْفَرْقُ لِبَقَاءِ أَهْلِيَّةِ الْمَرِيضِ بِخِلَافِ الْمُغْمَى عَلَيْهِ انْتَهَى، وَاعْتَرَضَهُ الْأَذْرَعِيُّ بِأَنَّهُ إذَا انْتَظَرْنَا إفَاقَةَ الْمُغْمَى عَلَيْهِ مَعَ عَدَمِ أَهْلِيَّتِهِ فَانْتِظَارُ الْمَرِيضِ الْأَهْلِ أَوْلَى بِلَا شَكٍّ.
(وَلَوْ) (تَحَمَّلَ فَرْعٌ فَاسِقٌ) أَوْ كَافِرٌ (أَوْ عَبْدٌ أَوْ صَبِيٌّ فَأَدَّى وَهُوَ كَامِلٌ) بِعَدَالَةٍ فِي الْأَوَّلِ، وَإِسْلَامٍ فِي الثَّانِي، وَحُرِّيَّةٍ فِي الثَّالِثِ، وَبُلُوغٍ فِي الرَّابِعِ (قُبِلَتْ) حِينَئِذٍ شَهَادَتُهُ عَلَى الصَّحِيحِ كَالْأَصْلِ إذَا تَحَمَّلَ وَهُوَ نَاقِصٌ ثُمَّ أَدَّى بَعْدَ كَمَالِهِ.
تَنْبِيهٌ: لَا بُدَّ مِنْ عَدَدِ الْفَرْعِ، وَلَوْ كَانَتْ الشَّهَادَةُ مِمَّا يُقْبَلُ فِيهَا الْوَاحِدُ كَهِلَالِ رَمَضَانَ.
(وَيَكْفِي شَهَادَةُ اثْنَيْنِ) فَرْعَيْنِ (عَلَى الشَّاهِدَيْنِ) الْأَصْلِيَّيْنِ كَمَا لَوْ شَهِدَا عَلَى مُقِرَّيْنِ، وَالْمُرَادُ أَنْ يَشْهَدَ كُلٌّ مِنْ الْفَرْعَيْنِ عَلَى كُلٍّ مِنْ الْأَصْلَيْنِ، وَلَا يَكْفِي وَاحِدٌ عَلَى هَذَا وَوَاحِدٌ عَلَى الْآخَرِ
وَفِي قَوْلٍ يُشْتَرَطُ لِكُلِّ رَجُلٍ أَوْ امْرَأَةٍ اثْنَانِ.
وَشَرْطُ قَبُولِهَا تَعَذُّرُ أَوْ تَعَسُّرُ الْأَصِيلِ بِمَوْتٍ أَوْ عَمًى، أَوْ مَرَضٍ يَشُقُّ حُضُورُهُ، أَوْ غَيْبَةٌ لِمَسَافَةِ عَدْوَى، وَقِيلَ قَصْرٍ.
[مغني المحتاج]
قَطْعًا وَإِنْ أَوْهَمَ كَلَامُهُ خِلَافَهُ وَلَا يَكْفِي أَيْضًا أَصْلٌ شَهِدَ مَعَ فَرْعٍ عَلَى الْأَصْلِ الثَّانِي؛ لِأَنَّ مَنْ قَامَ بِأَحَدِ شَطْرَيْ الْبَيِّنَةِ لَا يَقُومُ بِالْآخَرِ وَلَوْ مَعَ غَيْرِهِ.
تَنْبِيهٌ: يَكْفِي شَاهِدَانِ عَلَى رَجُلٍ وَامْرَأَتَيْنِ؛ لِأَنَّهُمَا مَقَامُ رَجُلٍ (وَفِي قَوْلٍ) صَحَّحَهُ جَمْعٌ (يُشْتَرَطُ لِكُلِّ رَجُلٍ أَوْ امْرَأَةٍ) مِنْ الْأُصُولِ (اثْنَانِ) ؛ لِأَنَّ شَهَادَتَهُمَا عَلَى وَاحِدٍ قَائِمَةٌ مَقَامَ شَهَادَتِهِ فَلَا تَقُومُ مَقَامَ شَهَادَةِ غَيْرِهِ.
(وَشَرْطُ) شَهَادَةِ الْفَرْعِ فِي (قَبُولِهَا تَعَذُّرُ أَوْ تَعَسُّرُ الْأَصْلِ بِمَوْتٍ أَوْ عَمًى) لَا تُسْمَعُ مَعَهُ شَهَادَةُ الْأَعْمَى.
وَهَذَانِ مِثَالَانِ لِلتَّعَذُّرِ، وَمِثْلُهُمَا الْجُنُونُ الْمُطْبِقُ وَالْخَرَسُ الَّذِي لَا يُفْهَمُ، فَلَوْ قَالَ كَالْمَوْتِ كَانَ أَوْلَى (أَوْ مَرَضٍ يَشُقُّ حُضُورُهُ) مَشَقَّةً ظَاهِرَةً بِأَنْ يَجُوزَ لِأَجْلِهِ تَرْكُ الْجُمُعَةِ، وَخَوْفٍ مِنْ غَرِيمٍ وَسَائِرِ أَعْذَارِ الْجُمُعَةِ، كَمَا فِي أَصْلِ الرَّوْضَةِ؛ لِأَنَّهَا جُوِّزَتْ لِلْحَاجَةِ.
قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: وَمَا ذُكِرَ مِنْ ضَابِطِ الْمَرَضِ هُنَا نَقَلَهُ فِي أَصْلِ الرَّوْضَةِ عَنْ الْإِمَامِ وَالْغَزَالِيِّ، وَهُوَ بَعِيدٌ نَقْلًا وَعَقْلًا وَبَيَّنَ ذَلِكَ، ثُمَّ قَالَ عَلَى أَنَّ إلْحَاقَهُ سَائِرَ أَعْذَارِ الْجُمُعَةِ بِالْمَرَضِ لَا يُمْكِنُ الْقَوْلُ بِهِ عَلَى الْإِطْلَاقِ، فَإِنْ أَكَلَ مَالَهُ رِيحٌ كَرِيهَةٌ عُذِرَ فِي الْجُمُعَةِ، وَلَا يَقُولُ أَحَدٌ هُنَا بِأَنَّ أَكْلَ شُهُودِ الْأَصْلِ ذَلِكَ يُسَوِّغُ سَمَاعَ الشَّهَادَةِ عَلَى شَهَادَتِهِمْ، وَسَبَقَهُ إلَى ذَلِكَ الْأَذْرَعِيُّ، وَقَدْ يُقَالُ الْمُرَادُ مِنْ ذَلِكَ مَا يَشُقُّ مَعَهُ الْحُضُورُ (أَوْ غَيْبَةٌ لِمَسَافَةِ عَدْوَى.
وَقِيلَ) لِمَسَافَةِ (قَصْرٍ) ؛ لِأَنَّ مَا دُونَهَا فِي حُكْمِ الْبَلَدِ.
تَنْبِيهٌ: قَوْلُهُ لِمَسَافَةِ عَدْوَى نَسَبَ فِيهِ إلَى سَبْقِ الْقَلَمِ، وَصَوَابُهُ فَوْقَ مَسَافَةِ الْعَدْوَى كَمَا هُوَ فِي الْمُحَرَّرِ وَالرَّوْضَةِ وَغَيْرِهِمَا فَإِنَّ الْمُسَوِّغَ لِشَهَادَةِ الْفَرْعِ غَيْبَةُ الْأَصْلِ فَوْقَ مَسَافَةِ الْعَدْوَى.
وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْفَصْلِ قَبْلَهُ أَنَّ مِنْ شُرُوطِ وُجُوبِ الْأَدَاءِ أَنْ يُدْعَى مِنْ مَسَافَةِ الْعَدْوَى، فَكَيْفَ يُقْبَلُ فِيهَا شَهَادَةُ الْفَرْعِ مَعَ وُجُوبِ الْأَدَاءِ عَلَى الْأَصْلِ؟ ، وَلَيْسَ مَا ذُكِرَ هُنَا تَكْرَارًا مَعَ مَا مَرَّ مِنْ أَنَّ مَوْتَ الْأَصْلِ وَغَيْبَتَهُ وَمَرَضَهُ لَا يَمْنَعُ شَهَادَةَ الْفَرْعِ؛ لِأَنَّ ذَاكَ فِي بَيَانِ طَرَيَانِ الْعُذْرِ، وَهَذَا فِي الْمُسَوِّغِ لِلشَّهَادَةِ، وَيُسْتَثْنَى مِنْ شُرُوطِ الْغَيْبَةِ شُهُودُ التَّزْكِيَةِ، فَإِنَّ أَصْحَابَ الْمَسَائِلِ تُقْبَلُ شَهَادَتُهُمْ عِنْدَ الْقَاضِي عَلَى شَهَادَةِ الْمُزَكَّى مَعَ حُضُورِ الْمُزَكِّينَ فِي الْبَلَدِ كَمَا ذَكَرَاهُ فِي فَصْلِ التَّزْكِيَةِ وَتَقَدَّمَ مَا فِيهِ.
وَلَوْ شَهِدَ الْفَرْعُ فِي غَيْبَةِ الْأَصْلِ ثُمَّ حَضَرَ، أَوْ قَالَ: لَا أَعْلَمُ أَنِّي تَحَمَّلْتُ أَوْ نَسِيتُ أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ لَمْ يُحْكَمْ بِهَا لِحُصُولِ الْقُدْرَةِ عَلَى الْأَصْلِ فِي الْأُولَى وَالرِّيبَةِ فِيمَا عَدَاهَا أَوْ بَعْدَ الْحُكْمِ بِهَا لَمْ يُؤَثِّرْ، وَلَوْ كَذَّبَ بِهِ الْأَصْلُ بَعْدَ الْقَضَاءِ لَمْ يُنْقَضْ.
قَالَ ابْنُ الرِّفْعَةِ: وَيَظْهَرُ أَنْ يَجِيءَ تَغْرِيمُهُمْ وَالتَّوَقُّفُ فِي اسْتِيفَاءِ الْعُقُوبَةِ مَا يَأْتِي فِي رُجُوعِ الشُّهُودِ بَعْدَ الْقَضَاءِ.
قَالَ الْأَذْرَعِيُّ: وَهُوَ ظَاهِرٌ إلَّا أَنْ يُثْبِتَ أَنَّهُ كَذَّبَهُ قَبْلَهُ فَيُنْقَضُ.
قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: تَفَقُّهًا إلَّا إنْ ثَبَتَ أَنَّهُ أَشْهَدَهُ فَلَا يُنْقَضُ، وَاسْتَثْنَى الشَّيْخَانِ بَحْثًا مِنْ الْأَعْذَارِ مَا يَعُمُّ الْأَصْلَ وَالْفَرْعَ كَالْمَطَرِ وَالْوَحْلِ الشَّدِيدِ فَلَا تُسْمَعُ مَعَهُ
وَأَنْ يُسَمِّيَ الْأُصُولَ، وَلَا يُشْتَرَطُ أَنْ يُزَكِّيَهُمْ الْفُرُوعُ، فَإِنْ زَكَّوْهُمْ قُبِلَ، وَلَوْ شَهِدُوا عَلَى شَهَادَةِ عَدْلَيْنِ أَوْ عُدُولٍ وَلَمْ يُسَمُّوهُمْ لَمْ يَجُزْ.
[فَصْلٌ] رَجَعُوا عَنْ الشَّهَادَةِ
[مغني المحتاج]
شَهَادَةُ الْفَرْعِ.
قَالَ الْإِسْنَوِيُّ أَخْذًا مِنْ كَلَامِ ابْنِ الرِّفْعَةِ: وَهَذَا بَاطِلٌ، فَإِنَّ مُشَارَكَةَ غَيْرُهُ لَهُ لَا تُخْرِجُهُ عَنْ كَوْنِهِ عُذْرًا فِي حَقِّهِ، فَلَوْ تَجَشَّمَ الْمَشَقَّةَ وَحَضَرَ وَأَدَّى قُبِلَتْ شَهَادَتُهُ اهـ.
وَقَدْ يُجَابُ عَنْ كَلَامِهِمَا بِأَنَّ الْمُرَادَ مِنْ لَا تُسْمَعُ شَهَادَةُ الْفَرْعِ مِنْهُ - أَيْ لَا تَلْزَمُهُ - فَمَنْ تَجَشَّمَ الْمَشَقَّةَ مِنْهُمَا وَحَضَرَ وَأَدَّى قُبِلَتْ، فَإِنَّ الشَّيْخَيْنِ لَا يَمْنَعَانِ ذَلِكَ وَحَيْثُ أَمْكَنَ حَمْلُ الْعِبَارَةِ عَلَى مَعْنًى صَحِيحٍ، وَلَوْ مَعَ الْبُعْدِ كَانَ أَوْلَى مِنْ حَمْلِهِ عَلَى كَوْنِهِ بَاطِلًا خُصُوصًا مَنْ عَظُمَتْ مَرْتَبَتُهُ فِي الْعِلْمِ.
(وَ) يُشْتَرَطُ (أَنْ يُسَمِّيَ الْأُصُولَ) وَإِنْ كَانُوا عُدُولًا لِيَعْرِفَ الْقَاضِي عَدَالَتَهُمْ وَيَتَمَكَّنَ الْخَصْمُ مِنْ الْجُرْحِ إنْ عَرِفَهُ.
تَنْبِيهٌ: شَمِلَ إطْلَاقُ الْمُصَنِّفِ مَا لَوْ كَانَ الْأَصْلُ قَاضِيًا كَمَا لَوْ قَالَ: أَشْهَدَنِي قَاضٍ مِنْ قُضَاةِ مِصْرَ أَوْ الْقَاضِي الَّذِي بِهَا وَلَمْ يُسَمِّهِ، وَلَيْسَ بِهَا سِوَاهُ عَلَى نَفْسِهِ فِي مَجْلِسِ حُكْمِهِ.
قَالَ الْأَذْرَعِيُّ: وَالصَّوَابُ فِي وَقْتِنَا وُجُوبُ تَعْيِينِ الْقَاضِي أَيْضًا لِمَا لَا يَخْفَى (وَلَا يُشْتَرَطُ) فِي شَهَادَةِ الْأُصُولِ (أَنْ يُزَكِّيَهُمْ الْفُرُوعُ) بَلْ لَهُمْ إطْلَاقُ الشَّهَادَةِ وَالْقَاضِي يَبْحَثُ عَنْ عَدَالَةِ الْأُصُولِ، وَلَا يَلْزَمُ الْفَرْعُ أَنْ يَتَعَرَّضَ فِي شَهَادَتِهِ لِصِدْقِ أَصْلِهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَعْرِفُهُ، بِخِلَافِ مَا إذَا حَلَفَ الْمُدَّعِي مَعَ شَاهِدِهِ حَيْثُ يَتَعَرَّضُ لِصِدْقِهِ؛ لِأَنَّهُ يَعْرِفُهُ (فَإِنْ زَكَّوْهُمْ) وَهُمْ أَهْلٌ لِلتَّعْدِيلِ غَيْرُ مُتَّهَمِينَ (قُبِلَ) ذَلِكَ مِنْهُمْ، فَإِنْ قِيلَ: لَوْ شَهِدَ اثْنَانِ فِي وَاقِعَةٍ وَزَكَّى أَحَدُهُمَا الْآخَرَ فَإِنَّهُ لَا يُثْبِتُ عَدَالَةَ الثَّانِي فَهَلَّا كَانَ هُنَا كَذَلِكَ؟ .
أُجِيبَ بِأَنَّ تَزْكِيَةَ الْفُرُوعِ لِلْأُصُولِ مِنْ تَتِمَّةِ شَهَادَتِهِمْ، وَلِذَلِكَ شَرَطَ بَعْضُهُمْ التَّعَرُّضَ لَهَا، وَهُنَاكَ قَامَ الشَّاهِدُ الْمُزَكَّى بِإِحْدَى شَطْرَيْ الشَّهَادَةِ فَلَا يَصِحُّ قِيَامُهُ بِالثَّانِي (وَلَوْ) (شَهِدُوا) أَيْ الْفُرُوعُ (عَلَى شَهَادَةِ عَدْلَيْنِ أَوْ عُدُولٍ) يَذْكُرُونَهُمْ (وَلَمْ يُسَمُّوهُمْ) (لَمْ يَجُزْ) أَيْ لَمْ يَكْفِ؛ لِأَنَّ الْقَاضِيَ قَدْ يَعْرِفُ جُرْحَهُمْ لَوْ سَمَّوْهُمْ، وَلِأَنَّهُ يَسُدُّ بَابَ الْجُرْحِ عَلَى الْخَصْمِ، فَإِنْ قِيلَ: كَانَ يَنْبَغِي ذِكْرُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ عَقِبَ قَوْلِهِ: وَأَنْ يُسَمِّيَ الْأُصُولَ.
أُجِيبَ بِأَنَّهُ إنَّمَا أَخَّرَهَا لِيُفِيدَ أَنَّ تَزْكِيَةَ الْفُرُوعِ لِلْأُصُولِ وَإِنْ جَازَتْ فَلَا بُدَّ مِنْ تَعْيِينِهِمْ بِالِاسْمِ وَلَوْ قَدَّمَهُ لَمْ يَكُنْ صَرِيحًا فِي ذَلِكَ.
.
تَتِمَّةٌ: لَوْ اجْتَمَعَ أَصْلٌ وَفَرْعُ أَصْلٍ آخَرَ قُدِّمَ عَلَيْهِمَا فِي الشَّهَادَةِ كَمَا لَوْ كَانَ مَعَهُ مَاءٌ لَا يَكْفِيهِ يَسْتَعْمِلُهُ ثُمَّ يَتَيَمَّمُ، قَالَ صَاحِبُ الِاسْتِقْصَاءِ.
[فَصْلٌ فِي رُجُوعِ الشُّهُودِ عَنْ شَهَادَتِهِمْ]
[فَصْلٌ] فِي رُجُوعِ الشُّهُودِ عَنْ شَهَادَتِهِمْ.
إذَا (رَجَعُوا عَنْ الشَّهَادَةِ) أَوْ تَوَقَّفُوا فِيهَا بَعْدَ الْأَدَاءِ