مغني المحتاج إلى معرفة معاني ألفاظ المنهاجصفحات 95-134
أهل الأثرالأرشيف العلمي

فَلِأَرْبَعِينَ دَارًا مِنْ كُلِّ جَانِبٍ.

[مغني المحتاج]

جِيرَةٌ وَجِيرَانٌ وَلَا نَظِيرَ لَهُ إلَّا قَاعٌ وَقِيعَةٌ وَقِيعَانٌ (فَلِأَرْبَعِينَ دَارًا مِنْ كُلِّ جَانِبٍ) مِنْ جَوَانِبِ دَارِهِ الْأَرْبَعَةِ كَمَا نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فِي الْأُمِّ، وَهُوَ إمَامٌ عَارِفٌ بِاللُّغَةِ وَكَلَامُهُ فِيهَا حُجَّةٌ، وَيَدُلُّ لَهُ خَبَرُ: «حَقُّ الْجِوَارِ أَرْبَعُونَ دَارًا هَكَذَا وَهَكَذَا وَهَكَذَا وَأَشَارَ قُدَّامًا وَخَلْفًا وَيَمِينًا وَشَمَالًا» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَغَيْرُهُ مُرْسَلًا، وَلَهُ طُرُقٌ تُقَوِّيهِ.
وَقِيلَ: الْجَارُ مَنْ لَاصَقَ دَارِهِ، وَقِيلَ: أَهْلُ الْمَحَلَّةِ الَّتِي هُوَ فِيهَا، وَقِيلَ: الْمُلَاصِقُ وَالْمُقَابِلُ، وَقِيلَ: أَهْلُ الزُّقَاقِ غَيْرِ النَّافِذِ، وَقِيلَ: مَنْ لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ دَرْبٌ يُغْلَقُ، وَقِيلَ: مَنْ يُصَلِّي مَعَهُ فِي الْمَسْجِدِ، وَقِيلَ: قَبِيلَتُهُ، وَقِيلَ: جَمِيعَ أَهْلِ الْبَلَدِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ثُمَّ لا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلا قَلِيلا﴾ [الأحزاب: 60] وَعَلَى الْأَوَّلِ يُصْرَفُ ذَلِكَ الشَّيْءُ لِلْمُسْلِمِ وَالْغَنِيِّ وَضِدِّهِمَا عَلَى عَدَدِ الدُّورِ لَا عَلَى عَدَدِ السُّكَّانِ، وَالْعِبْرَةُ بِالسَّاكِنِ لَا بِالْمِلْكِ، وَتُقَسَّمُ حِصَّةُ كُلِّ دَارٍ عَلَى عَدَدِ سُكَّانِهَا كَمَا بَحَثَهُ السُّبْكِيُّ وَلَوْ رَدَّ بَعْضُ الْجِيرَانِ فَالظَّاهِرُ كَمَا قَالَ الدَّمِيرِيُّ أَنَّهُ يُرَدُّ عَلَى الْبَاقِينَ.
تَنْبِيهٌ: قَضِيَّةُ كَلَامِ الْأَصْحَابِ وُجُوبُ اسْتِيعَابِ الدُّورِ مِنْ الْجَوَانِبِ الْأَرْبَعَةِ، وَهُوَ كَذَلِكَ وَإِنْ قَالَ الْأَذْرَعِيُّ: الْمُتَّجَهُ حَمْلُ كَلَامِهِمْ عَلَى أَنَّ غَايَةَ الْجِوَارِ ذَلِكَ لَا أَنَّهُ يَجِبُ، فَجُمْلَةُ الدُّورِ حِينَئِذٍ مِائَةٌ وَسِتُّونَ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَغَيْرُهُ، وَلَمْ يُصَرِّحْ أَحَدٌ بِأَنَّ الْمَجْمُوعَ أَرْبَعُونَ، فَيَكُونُ مَعْنَى قَوْلِهِ فِي الْحَدِيثِ: هَكَذَا وَهَكَذَا أَنَّ الْأَرْبَعِينَ تُعَدُّ هَكَذَا وَهَكَذَا حَتَّى تَتِمَّ، وَاعْتُرِضَ هَذَا الْعَدَدُ بِأَنَّ دَارَ الْمُوصِي قَدْ تَكُونُ كَبِيرَةً فِي التَّرْبِيعِ فَيُسَامِتُهَا مِنْ كُلِّ جِهَةٍ أَكْثَرُ مِنْ أَرْبَعِينَ دَارًا فَيَزِيدُ الْعَدَدُ.
وَقَدْ تُسَامِتُ دَارَ الْمُوصِي دَارٌ أَنْ يَخْرُجَ مِنْ كُلٍّ مِنْهُمَا شَيْءٌ عَنْهَا فَيَزِيدُ الْعَدَدُ أَيْضًا.
وَرُبَّمَا يُقَالُ: التَّعْبِيرُ بِذَلِكَ جَرَى عَلَى الْغَالِبِ مِنْ أَنَّ كُلَّ جَانِبٍ لَا يَزِيدُ عَلَى ذَلِكَ، فَإِنْ وُجِدَتْ زِيَادَةٌ عَلَى ذَلِكَ اخْتَارَ الْوَارِثُ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ الْقَدْرَ الْمُعْتَبَرَ، فَإِنْ وُجِدَ فِي أَحَدِ الْجَانِبَيْنِ زِيَادَةٌ، وَفِي آخَرَ نَقْصٌ يَنْبَغِي أَنْ يُكَمَّلَ النَّاقِصُ مِنْ الزَّائِدِ، وَيُقَسَّمَ عَلَيْهِمَا، وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الرَّبْعُ كَالدَّارِ الْمُشْتَمِلَةِ عَلَى بُيُوتٍ، وَلَوْ كَانَ لِلْمُوصِي دَارٌ إنْ صُرِفَ إلَى جِيرَانِ أَكْثَرِهِمَا سُكْنَى، فَإِنْ اسْتَوَيَا فَإِلَى جِيرَانِهِمَا، نَقَلَهُ الْأَذْرَعِيُّ عَنْ الْقَاضِي أَبِي الطَّيِّبِ وَالزَّرْكَشِيِّ عَنْ بَعْضِهِمْ، ثُمَّ قَالَ الْأَوَّلُ: وَيَنْبَغِي أَنْ يُصْرَفَ إلَى جِيرَانِ مَنْ كَانَ فِيهَا حَالَتَيْ الْمَوْتِ وَالْوَصِيَّةِ، وَاقْتَصَرَ الثَّانِي عَلَى حَالَةِ الْمَوْتِ.
وَيَظْهَرُ قَوْلُ الْأَوَّلِ إنْ كَانَ فِي وَاحِدَةٍ حَالَتَيْ الْمَوْتِ وَالْوَصِيَّةِ وَإِنْ كَانَ فِي وَاحِدَةٍ حَالَةَ الْوَصِيَّةِ، وَفِي أُخْرَى حَالَةَ الْمَوْتِ، فَالْعِبْرَةُ بِحَالَةِ الْمَوْتِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا فَإِلَى جِيرَانِهِمَا وَالْوَجْهُ كَمَا قَالَ شَيْخُنَا أَنَّ جِيرَانَ الْمَسْجِدِ كَجِيرَانِ الدَّارِ فِيمَا لَوْ أَوْصَى لِجِيرَانِهِ، وَقِيلَ: جَارُهُ مَنْ يَسْمَعُ النِّدَاءَ لِخَبَرِ: «لَا صَلَاةَ لِجَارِ الْمَسْجِدِ إلَّا فِي الْمَسْجِدِ» وَجَارُهُ مَنْ يَسْمَعُ النِّدَاءَ.
وَأُجِيبَ بِأَنَّ مَا فِي الْخَبَرِ خَاصٌّ بِحُكْمِ الصَّلَاةِ بِقَرِينَةِ السِّيَاقِ.

وَالْعُلَمَاءُ أَصْحَابُ عُلُومِ الشَّرْعِ مِنْ تَفْسِيرٍ، وَحَدِيثٍ وَفِقْهٍ،

[مغني المحتاج]

فَائِدَةٌ: رَوَى الْحَافِظُ أَبُو عَمْرٍو فِي تَرْجَمَةِ أَبِي سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيِّ: أَنَّهُ رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: «الْبِرُّ وَالصِّلَةُ وَحُسْنُ الْجِوَارِ عِمَارَةٌ لِلدِّيَارِ وَزِيَادَةٌ فِي الْأَعْمَارِ» .

(وَالْعُلَمَاءُ) فِي الْوَصِيَّةِ هُمْ (أَصْحَابُ عُلُومِ الشَّرْعِ) . قَالَ الدَّمِيرِيُّ: وَمَا سِوَاهَا فِي الدِّينِ حُطَامٌ فَانٍ، وَبَيَّنَهَا الْمُصَنِّفُ بِقَوْلِهِ: (مِنْ) عِلْمِ (التَّفْسِيرِ) وَهُوَ لُغَةً بَيَانُ مَعْنَى اللَّفْظِ الْغَرِيبِ.
وَشَرْعًا مَعْرِفَةُ مَعَانِي الْكِتَابِ الْعَزِيزِ وَمَا أُرِيدَ بِهِ، وَهَذَا بَلَا سَاحِلٍ لَهُ، وَكُلُّ عَالِمٍ يَأْخُذُ مِنْهُ عَلَى قَدْرِهِ وَهُوَ قِسْمَانِ: مَا لَا يُعْرَفُ إلَّا بِتَوْقِيفٍ، وَمَا يُدْرَكُ مِنْ دَلَالَةِ الْأَلْفَاظِ بِوَاسِطَةِ عُلُومٍ أُخَرَ كَاللُّغَةِ وَالْمَعَانِي وَالْبَيَانِ، وَهُوَ شَرْعِيٌّ أَيْضًا لِتَوَقُّفِهِ عَلَى اللَّفْظِ الْمُسْتَفَادِ مِنْ الشَّرْعِ وَوَرَاءَ هَذَيْنِ الْقِسْمَيْنِ فَهْمٌ يُؤْتِيهِ اللَّهُ لِلْعَبْدِ وَهُوَ شَرْعِيٌّ أَيْضًا.
قَالَ الْعِرَاقِيُّ: وَمَنْ عَرَفَ التَّفْسِيرَ دُونَ أَحْكَامِهِ لَا يُصْرَفُ لَهُ شَيْءٌ؛ لِأَنَّهُ كَنَاقِلِ الْحَدِيثِ (وَ) مِنْ عِلْمِ (حَدِيثٍ) وَالْمُرَادُ بِهِ هُنَا مَعْرِفَةُ مَعَانِيهِ وَرِجَالِهِ وَطُرُقِهِ وَصَحِيحِهِ وَسَقِيمِهِ وَعَلِيلِهِ وَمَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ، وَهُوَ مِنْ أَجَلِّ الْعُلُومِ بَعْدَ الْقُرْآنِ، فَالْعَالِمُ بِهِ مِنْ أَجَلِّ الْعُلَمَاءِ، وَلَيْسَ مِنْ عُلَمَائِهِ مَنْ اقْتَصَرَ عَلَى السَّمَاعِ الْمُجَرَّدِ (وَ) مِنْ عِلْمِ (فِقْهٍ) الْمُرَادُ بِهِ هُنَا مَعْرِفَةُ الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ نَصًّا وَاسْتِنْبَاطًا أَيْ: عَرَفَ مِنْ كُلِّ نَوْعٍ مِنْهَا شَيْئًا، قَالَهُ ابْنُ الرِّفْعَةِ، وَالْمُرَادُ مِنْ كُلِّ بَابٍ مِنْ أَبْوَابِ الْفِقْهِ دُونَ مَنْ عَرَفَ طَرَفًا مِنْهُ كَمَنْ عَرَفَ أَحْكَامَ الْحَيْضِ أَوْ الْفَرَائِضِ وَإِنْ سَمَّاهَا الشَّارِعُ نِصْفَ الْعِلْمِ، وَخَرَجَ بِالِاسْتِنْبَاطِ الظَّاهِرِيَّةُ كَمَا قَالَهُ ابْنُ سُرَيْجٍ وَأَفْتَى بِهِ الْقَاضِي الْحُسَيْنُ وَغَيْرُهُ.
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: لَوْ أَوْصَى لِأَعْلَمِ النَّاسِ صُرِفَ لِلْفُقَهَاءِ لِتَعَلُّقِ الْفِقْهِ بِأَكْثَرِ الْعُلُومِ.
وَقَالَ شَارِحُ التَّعْجِيزِ: أَوْلَى النَّاسِ بِالْفِقْهِ فِي الدِّينِ نُورٌ يَقْذِفُ هَيْبَتَهُ فِي الْقَلْبِ أَيْ مَنْ قُذِفَ فِي قَلْبِهِ ذَلِكَ، وَهَذَا الْقَدْرُ قَدْ يَحْصُلُ لِبَعْضِ أَهْلِ الْعِنَايَاتِ مَوْهِبَةً مِنْ اللَّهِ تَعَالَى، وَهُوَ الْمَقْصُودُ الْأَعْظَمُ بِخِلَافِ مَا يَفْهَمُهُ أَكْثَرُ أَهْلِ الزَّمَانِ، فَذَلِكَ صِنَاعَةٌ وَوَصْفُ الْفُقَهَاءِ وَالْمُتَفَقِّهَةِ وَالصُّوفِيَّةِ سَبَقَ بَيَانُهُ فِي الْوَقْفِ.
سُئِلَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ عَنْ مَسْأَلَةٍ فَأَجَابَ فَقِيلَ: إنَّ فُقَهَاءَنَا لَا يَقُولُونَ ذَلِكَ، فَقَالَ: وَهَلْ رَأَيْتُمْ فَقِيهًا قَطُّ؟ الْفَقِيهُ هُوَ الْقَائِمُ لَيْلَهُ، الصَّائِمُ نَهَارَهُ، الزَّاهِدُ فِي الدُّنْيَا الَّذِي لَا يُدَارِي وَلَا يُمَارِي، يَنْشُرُ حِكْمَةَ اللَّهِ، فَإِنْ قُبِلَتْ مِنْهُ حَمِدَ اللَّهَ تَعَالَى وَفَقِهَ عَنْ اللَّهِ أَمْرَهُ وَنَهْيَهُ وَعَلِمَ مَا يُحِبُّهُ وَمَا يَكْرَهُهُ، فَذَلِكَ هُوَ الْعَالِمُ الَّذِي قِيلَ فِيهِ: «مَنْ يُرِدْ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ» فَإِذَا لَمْ يَكُنْ بِهَذِهِ الصِّفَةِ فَهُوَ مِنْ الْمَغْرُورِينَ، وَلَوْ أَوْصَى لِمُفَسِّرٍ وَمُحَدِّثٍ وَفَقِيهٍ فَاجْتَمَعَتْ فِي شَخْصٍ أُعْطِيَ بِأَحَدِهَا كَنَظِيرِهِ الْآتِي فِي قِسْمِ الصَّدَقَاتِ، وَاحْتَرَزَ الْمُصَنِّفُ بِعُلُومِ الشَّرْعِ عَنْ عُلُومِ الْعَقْلِ كَالطِّبِّ وَالْحِسَابِ وَالْمَنْطِقِ، وَمِمَّنْ صَرَّحَ بِعَدَمِ دُخُولِ الْمَنْطِقِ الطَّاوُسِيُّ فِي التَّعْلِيقَةِ، لَكِنْ نُقِلَ عَنْ الْغَزَالِيِّ أَنَّهُ جَعَلَهُ مِنْ عِلْمِ الْكَلَامِ فَلْيَكُنْ عَلَى الْخِلَافِ الْآتِي.
تَنْبِيهٌ: قَضِيَّةُ كَلَامِهِ الْحَصْرُ فِي هَذِهِ الثَّلَاثَةِ وَلَيْسَ مُرَادًا، بَلْ الْعِلْمُ بِأُصُولِ الْفِقْهِ مِثْلُهَا كَمَا قَالَهُ الصَّيْمَرِيُّ وَصَاحِبُ الْبَيَانِ لِابْتِنَاءِ الْفِقْهِ عَلَيْهِ، وَعَدَّ الْغَزَالِيُّ فِي مُقَدِّمَةِ الْمُسْتَصْفَى مِنْ الْعِلْمِ الدِّينِيِّ عِلْمَ الْبَاطِنِ يَعْنِي: عِلْمَ الْقَلْبِ، وَتَطْهِيرَهُ عَنْ الْأَخْلَاقِ الذَّمِيمَةِ، وَاخْتُلِفَ فِي الرَّاسِخِ فِي الْعِلْمِ فَقِيلَ: هُوَ مَنْ بَرَّتْ يَمِينُهُ، وَصَدَقَ لِسَانُهُ، وَاسْتَقَامَ قَلْبُهُ.
وَقِيلَ: هُوَ مَنْ جَمَعَ أَرْبَعَ

لَا مُقْرِئٌ وَأَدِيبٌ وَمُعَبِّرٌ وَطَبِيبٌ، وَكَذَا مُتَكَلِّمٌ عِنْدَ الْأَكْثَرِينَ.

[مغني المحتاج]

خِصَالٍ: التَّقْوَى فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ، وَالتَّوَاضُعَ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ النَّاسِ، وَالزُّهْدَ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الدُّنْيَا، وَالْمُجَاهَدَةَ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ نَفْسِهِ.
وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ الْعَالِمُ بِتَصَارِيفِ الْكَلَامِ، وَمَوَارِدِ الْأَحْكَامِ، وَمَوَاقِعِ الْمَوَاعِظِ؛ لِأَنَّ الرُّسُوخَ الثُّبُوتُ فِي الشَّيْءِ، وَعَطَفَ عَلَى أَصْحَابِ الْمَرْفُوعِ قَوْلَهُ (لَا مُقْرِئٌ وَأَدِيبٌ وَمُعَبِّرٌ وَطَبِيبٌ) وَمُنَجِّمٌ وَحَاسِبٌ وَمُهَنْدِسٌ فَلَيْسُوا مِنْ عُلَمَاءِ الشَّرْعِ؛ لِأَنَّ أَهْلَ الْعُرْفِ لَا يَعُدُّونَهُمْ مِنْهُمْ، وَكَذَا الْعَالِمُ بِاللُّغَةِ وَالصَّرْفِ وَالْمَعَانِي وَالْبَيَانِ وَالْبَدِيعِ وَالْعَرُوضِ وَالْقَوَافِي وَالْمُوسِيقَى وَنَحْوِهَا، قَالَهُ فِي الْمَطْلَبِ تَبَعًا لِابْنِ يُونُسَ، وَالْمُرَادُ بِالْمُقْرِئِ التَّالِي.
أَمَّا الْعَالِمُ بِالرِّوَايَاتِ وَرِجَالِهَا فَكَالْعَالِمِ بِطُرُقِ الْحَدِيث، وَاخْتَارَهُ السُّبْكِيُّ بَعْدَ أَنْ رَدَّهُ مِنْ حَيْثُ الْمَذْهَبُ بِأَنَّ عِلْمَ الْقِرَاءَاتِ يَتَعَلَّقُ بِالْأَلْفَاظِ دُونَ الْمَعَانِي، فَالْعَارِفُ بِهِ لَا يَدْخُلُ فِي اسْمِ الْعُلَمَاءِ، وَبِأَنَّ التَّالِيَ قَارِئٌ لَا مُقْرِئٌ.
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَالْمُرَادُ بِالْأُدَبَاءِ النُّحَاةُ وَاللُّغَوِيُّونَ، وَقَدْ عَدَّ الزَّمَخْشَرِيُّ الْأَدَبَ اثْنَيْ عَشَرَ عِلْمًا، وَالْمُرَادُ بِالْمُعَبِّرِ مُفَسِّرُ الْمَنَامِ، وَالْأَفْصَحُ عَابِرٌ؛ لِأَنَّهُ يُقَالُ: عَبَرْتُ بِالتَّخْفِيفِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ﴾ [يوسف: 43] وَمِنْهُمْ مَنْ أَنْكَرَ التَّشْدِيدَ وَفِي الْحَدِيث: «الرُّؤْيَا لِأَوَّلِ عَابِرٍ» وَالطَّبِيبُ مَنْ يُحْسِنُ عِلْمَ الطِّبِّ (وَكَذَا مُتَكَلِّمٌ) لَيْسَ مِنْهُمْ (عِنْدَ الْأَكْثَرِينَ) لِمَا ذُكِرَ وَنَقَلَهُ الْعَبَّادِيُّ فِي زِيَادَتِهِ عَنْ النَّصِّ، وَقِيلَ يَدْخُلُ، وَبِهِ قَالَ الْمُتَوَلِّي وَمَالَ إلَيْهِ الرَّافِعِيُّ، وَاقْتَضَى كَلَامُهُ أَنَّ الدَّلِيلَ يَقْتَضِي التَّسْوِيَةَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمُحَدِّثِ وَالْمُقْرِئِ فَإِمَّا أَنْ يَتَسَاوَوْا فِي الدُّخُولِ كُلُّهُمْ أَوْ فِي الْخُرُوجِ، وَلِأَجْلِ هَذَا التَّوَقُّفِ عَدَلَ الْمُصَنِّفُ عَنْ الْأَصَحِّ إلَى قَوْلِهِ: عِنْدَ الْأَكْثَرِينَ.
وَقَالَ: السُّبْكِيُّ: إنْ أُرِيدَ بِعِلْمِ الْكَلَامِ الْعِلْمُ بِاَللَّهِ تَعَالَى، وَصِفَاتِهِ وَمَا يَسْتَحِيلُ عَلَيْهِ لِيَرُدَّ عَلَى الْمُبْتَدِعَةِ، وَلِيُمَيِّزَ بَيْنَ الِاعْتِقَادِ الصَّحِيحِ وَالْفَاسِدِ، فَذَاكَ مِنْ أَجَلِّ الْعُلُومِ الشَّرْعِيَّةِ، وَالْعَالِمُ بِهِ مِنْ أَفْضَلِهِمْ، وَقَدْ جَعَلُوهُ فِي كِتَابِ السِّيَرِ مِنْ فُرُوضِ الْكِفَايَاتِ، وَإِنْ أُرِيدَ بِهِ التَّوَغُّلُ فِي شُبَهِهِ، وَالْخَوْضُ فِيهِ عَلَى طَرِيقِ الْفَلْسَفَةِ، وَتَضْيِيعُ الزَّمَانِ فِيهِ، وَالزِّيَادَةُ عَلَى ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ مُبْتَدِعًا وَدَاعِيًا إلَى ضَلَالَةٍ، فَذَاكَ بِاسْمِ الْجَهْلِ أَحَقُّ.
وَأَمَّا الْكَلَامُ فِي الْإِلَهِيَّاتِ عَلَى طَرِيقَةِ الْحُكَمَاءِ فَذَاكَ لَيْسَ مِنْ أُصُولِ الدِّينِ بَلْ أَكْثَرُهُ ضَلَالٌ وَفَلْسَفَةٌ وَاَللَّهُ يَعْصِمُنَا بِمَنِّهِ وَكَرَمِهِ آمِينَ.
اهـ. وَهَذَا هُوَ الْقِسْمُ الَّذِي أَنْكَرَهُ الشَّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -. وَقَالَ: لَأَنْ يَلْقَى الْعَبْدُ رَبَّهُ بِكُلِّ ذَنْبٍ مَا خَلَا الشِّرْكَ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَلْقَاهُ بِعِلْمِ الْكَلَامِ.
قَالَ السُّبْكِيُّ: وَكَذَا الصُّوفِيَّةُ يَنْقَسِمُونَ إلَى هَذَيْنِ الْقِسْمَيْنِ، وَأَطَالَ فِي ذَلِكَ.
ثُمَّ قَالَ فِي آخِرِ كَلَامِهِ: وَمَنْ كَانَ مِنْ هَؤُلَاءِ الصُّوفِيَّةِ الْمُتَأَخِّرِينَ كَابْنِ عَرَبِيٍّ وَابْنِ سَبْعِينَ وَالْقُطْبِ الْقُونَوِيِّ وَالْعَفِيفِ التِّلْمِسَانِيِّ، فَهَؤُلَاءِ ضُلَّالٌ جُهَّالٌ خَارِجُونَ عَنْ طَرِيقِ الْإِسْلَامِ فَضْلًا عَنْ الْعُلَمَاءِ.
وَقَالَ ابْنُ الْمُقْرِي فِي رَوْضِهِ: إنَّ الشَّكَّ فِي كُفْرِ طَائِفَةِ ابْنِ عَرَبِيٍّ كُفْرٌ.
قَالَ شَيْخُنَا: وَهُمْ الَّذِينَ ظَاهِرُ كَلَامِهِمْ عِنْدَ غَيْرِهِمْ الِاتِّحَادُ.
قَالَ: وَالْحَقُّ أَنَّهُمْ مُسْلِمُونَ أَخْيَارٌ وَكَلَامُهُمْ جَارٍ عَلَى اصْطِلَاحِهِمْ كَسَائِرِ الصُّوفِيَّةِ وَهُوَ حَقِيقَةٌ عِنْدَهُمْ فِي مُرَادِهِمْ وَإِنْ افْتَقَرَ عِنْدَ

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

[مغني المحتاج]

غَيْرِهِمْ مِمَّنْ لَوْ اعْتَقَدَ ظَاهِرَهُ عِنْدَهُ كُفْرًا إلَى تَأْوِيلٍ، إذْ اللَّفْظُ الْمُصْطَلَحُ عَلَيْهِ حَقِيقَةٌ فِي مَعْنَاهُ الِاصْطِلَاحِيِّ مَجَازٌ فِي غَيْرِهِ، فَالْمُعْتَقِدُ مِنْهُمْ لِمَعْنَاهُ مُعْتَقِدٌ لِمَعْنًى صَحِيحٍ، وَقَدْ نَصَّ عَلَى وِلَايَةِ ابْنِ عَرَبِيٍّ جَمَاعَةٌ عُلَمَاءُ عَارِفُونَ بِاَللَّهِ تَعَالَى مِنْهُمْ الشَّيْخُ تَاجُ الدِّينِ بْنُ عَطَاءِ اللَّهِ وَالشَّيْخُ عَبْدُ اللَّهِ الْيَافِعِيُّ وَلَا يَقْدَحُ فِيهِ وَفِي طَائِفَتِهِ ظَاهِرُ كَلَامِهِمْ الْمَذْكُورُ عِنْدَ غَيْرِ الصُّوفِيَّةِ لِمَا قُلْنَاهُ، وَلِأَنَّهُ قَدْ يَصْدُرُ عَنْ عَارِفٍ بِاَللَّهِ تَعَالَى إذَا اسْتَغْرَقَ فِي بَحْرِ التَّوْحِيدِ وَالْعِرْفَانِ بِحَيْثُ تَضْمَحِلُّ ذَاتُهُ فِي ذَاتِهِ، وَصِفَاتُهُ فِي صِفَاتِهِ، وَيَغِيبُ عَنْ كُلِّ مَا سِوَاهُ عِبَارَاتٌ تُشْعِرُ بِالْحُلُولِ وَالِاتِّحَادِ لِقُصُورِ الْعِبَارَةِ عَنْ بَيَانِ حَالِهِ الَّذِي تَرَقَّى إلَيْهِ وَلَيْسَتْ فِي شَيْءٍ مِنْهُمَا كَمَا قَالَهُ الْعَلَّامَةُ السَّعْدُ التَّفْتَازَانِيُّ وَغَيْرُهُ.

وَلَوْ أَوْصَى لِلْقُرَّاءِ صُرِفَ لِحُفَّاظِ كُلِّ الْقُرْآنِ فِي الْأَصَحِّ لَا لِمَنْ لَا يَحْفَظُ وَيَقْرَأُ مِنْ الْمُصْحَفِ أَوْ لِلرِّقَابِ صُرِفَ إلَى الْمُكَاتَبِينَ كِتَابَةً صَحِيحَةً؛ لِأَنَّهُ الْمَفْهُومُ عَنْ عُرْفِ الشَّرْعِ فَحُمِلَ عَلَيْهِ، وَأَقَلُّ مَا يُجْزِئُ أَنْ يُدْفَعَ إلَى ثَلَاثَةٍ وَلَوْ لَمْ يَكُنْ فِي الدُّنْيَا مُكَاتَبٌ وُقِفَ الثُّلُثُ لِجَوَازِ أَنْ يُكَاتَبَ رَقِيقٌ، فَإِنْ رَقَّ الْمُكَاتَبُ بَعْدَ أَخْذِهِ مِنْ الْوَصِيَّةِ اُسْتُرِدَّ مِنْهُ الْمَالُ إنْ كَانَ بَاقِيًا فِي يَدِهِ أَوْ يَدِ سَيِّدِهِ أَوْ لِسَبِيلِ اللَّهِ صُرِفَ إلَى الْغُزَاةِ مِنْ أَهْلِ الصَّدَقَاتِ؛ لِأَنَّهُ الْمَفْهُومُ شَرْعًا، وَأَقَلُّ مَنْ يُصْرَفُ إلَيْهِ ثَلَاثَةٌ.

وَقَدْ تَقَدَّمَ آلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي كِتَابِ الزَّكَاةِ، فَلَوْ أَوْصَى لِآلِ غَيْرِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَحَّتْ وَصِيَّتُهُ، وَهَلْ تُحْمَلُ عَلَى الْقَرَابَةِ أَوْ عَلَى اجْتِهَادِ الْحَاكِمِ وَجْهَانِ أَوْجَهُهُمَا كَمَا قَالَ شَيْخِي الْأَوَّلُ، وَأَهْلُ الْبَيْتِ كَالْآلِ لَكِنْ تَدْخُلُ الزَّوْجَةُ فِيهِمْ أَيْضًا، وَلَوْ أَوْصَى لِأَهْلِهِ مِنْ غَيْرِ ذِكْرِ الْبَيْتِ دَخَلَ كُلُّ مَنْ تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ، أَوْ لِآبَائِهِ دَخَلَ أَجْدَادُهُ مِنْ الطَّرَفَيْنِ، أَوْ لِأُمَّهَاتِهِ دَخَلَتْ جَدَّاتُهُ مِنْ الطَّرَفَيْنِ أَيْضًا، وَلَا تَدْخُلُ الْأَخَوَاتُ فِي الْإِخْوَةِ كَعَكْسِهِ، وَالْأَحْمَاءُ آبَاءُ الزَّوْجَةِ، وَكَذَا أَبُو زَوْجَةِ كُلِّ مَحْرَمٍ حم، وَالْمَحَارِمُ يَدْخُلُ فِيهِمْ كُلُّ مَحْرَمٍ بِنَسَبٍ أَوْ رَضَاعٍ أَوْ مُصَاهَرَةٍ.

وَالْوَصِيَّةُ لِلْمَوَالِي كَمَا فِي الْوَقْفِ عَلَيْهِمْ، وَلَا يَدْخُلُ فِيهِمْ الْمُدَبَّرُ وَلَا أُمُّ الْوَلَدِ.

وَلَوْ أَوْصَى لِلْيَتَامَى أَوْ الْأَرَامِلِ أَوْ الْأَيَامَى أَوْ الْعُمْيَانِ أَوْ الْحُجَّاجِ أَوْ الزَّمْنَى أَوْ أَهْلِ السُّجُونِ أَوْ الْغَارِمِينَ أَوْ لِتَكْفِينِ الْمَوْتَى أَوْ لِحَفْرِ قُبُورِهِمْ اُشْتُرِطَ فَقْرُهُمْ وَإِنْ اسْتَبْعَدَهُ الْأَذْرَعِيُّ فِي الْحُجَّاجِ؛ لِأَنَّ الْفُقَرَاءَ مِنْهُمْ هُمْ الْمَقْصُودُونَ بِالْوَصِيَّةِ، ثُمَّ إنْ انْحَصَرُوا وَجَبَ تَعْمِيمُهُمْ وَإِلَّا جَازَ وَالْيَتِيمُ مَنْ مَاتَ أَبُوهُ قَبْلَ بُلُوغِهِ.
قَالَ ابْنُ السِّكِّيتِ: الْيَتِيمُ فِي النَّاسِ مِنْ قِبَلِ الْأَبِ، وَفِي الْبَهَائِمِ مِنْ قِبَلِ الْأُمِّ.
قَالَ ابْنُ خَالَوَيْهِ: وَمِنْ الطَّيْرِ مِنْ قِبَلِهِمَا؛ لِأَنَّهُمَا يَحْضُنَانِهِ وَيَزُقَّانِهِ وَالْأَيِّمُ وَالْأَرْمَلَةُ مَنْ لَا زَوْجَ لَهَا إلَّا أَنَّ الْأَرْمَلَةَ مَنْ بَانَتْ مِنْ زَوْجِهَا بِمَوْتٍ أَوْ بَيْنُونَةٍ، وَالْأَيِّمُ لَا يُشْتَرَطُ فِيهَا تَقَدُّمُ زَوْجٍ، وَيَشْتَرِكَانِ فِي اشْتِرَاطِ الْخُلُوِّ عَنْ الزَّوْجِ حَالًا، وَلَوْ أَوْصَى لِلْأَرَامِلِ أَوْ الْأَبْكَارِ أَوْ الثَّيِّبِ لَمْ يَدْخُلْ فِيهِنَّ الرِّجَالُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ زَوْجَاتٌ؛ لِأَنَّ هَذَا الِاسْمَ فِي الْعُرْفِ لِلنِّسَاءِ، أَوْ لِلْعُزَّابِ صُرِفَ لِلرَّجُلِ الَّذِي لَا زَوْجَةَ لَهُ، وَلَا تَدْخُلُ الْمَرْأَةُ الَّتِي لَا زَوْجَ لَهَا عَلَى أَحَدِ رَأْيَيْنِ يَظْهَرُ تَرْجِيحُهُ وَالْقَانِعُ السَّائِلُ وَالْمُعْتَرُّ مَنْ يَتَعَرَّضُ لِلسُّؤَالِ وَلَا يَسْأَلُ وَسَيَأْتِي زِيَادَةٌ عَلَى ذَلِكَ فِي كِتَابِ الْأُضْحِيَّةِ.
فَائِدَةٌ: النَّاسُ غِلْمَانٌ وَصِبْيَانٌ وَأَطْفَالٌ وَذَرَارِيُّ إلَى الْبُلُوغِ، ثُمَّ هُمْ بَعْدَ الْبُلُوغِ شُبَّانٌ وَفِتْيَانٌ

وَيَدْخُلُ فِي وَصِيَّةِ الْفُقَرَاءِ الْمَسَاكِينُ وَعَكْسُهُ، وَلَوْ جَمَعَهُمَا شُرِّكَ نِصْفَيْنِ، وَأَقَلُّ كُلِّ صِنْفٍ ثَلَاثَةٌ، وَلَهُ التَّفْضِيلُ، أَوْ لِزَيْدٍ وَالْفُقَرَاءِ فَالْمَذْهَبُ أَنَّهُ كَأَحَدِهِمْ فِي جَوَازِ إعْطَائِهِ أَقَلَّ مُتَمَوَّلٍ لَكِنْ لَا يُحْرَمُ.

[مغني المحتاج]

إلَى الثَّلَاثِينَ، ثُمَّ هُمْ بَعْدَهَا كُهُولٌ إلَى الْأَرْبَعِينَ، ثُمَّ هُمْ بَعْدَهَا شُيُوخٌ.

(وَيَدْخُلُ فِي وَصِيَّةِ الْفُقَرَاءِ الْمَسَاكِينُ وَعَكْسُهُ) فَمَا وَصَّى بِهِ لِأَحَدِهِمَا يَجُوزُ دَفْعُهُ لِلْآخَرِ لِوُقُوعِ اسْمِ كُلٍّ مِنْهُمَا عَلَى الْآخَرِ عِنْدَ الِانْفِرَادِ فِي الْعُرْفِ وَلَا يَدْخُلُ الْفَقِيرُ الْمَكْفِيُّ بِنَفَقَةِ قَرِيبٍ أَوْ زَوْجٍ، وَلَا فَقِيرُ غَيْرِ الْمُسْلِمِينَ كَالزَّكَاةِ، وَلَكِنْ يَجُوزُ نَقْلُهَا، وَالْفَرْقُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الزَّكَاةِ أَنَّ الْأَطْمَاعَ لَا تَمْتَدُّ إلَيْهَا امْتِدَادَهَا فِي الزَّكَاةِ، إذْ الزَّكَاةُ مَطْمَعُ نَظَرِ الْفُقَرَاءِ مِنْ حَيْثُ إنَّهَا مُوَظَّبَةٌ دَائِرَةٌ بِخِلَافِ الْوَصِيَّةِ، وَلِهَذَا يَجُوزُ تَقْيِيدُهَا بِفُقَرَاءِ سَائِرِ الْبِلَادِ (وَلَوْ جَمَعَهُمَا) أَيْ الْفُقَرَاءَ وَالْمَسَاكِينَ فِي الْوَصِيَّةِ (شُرِّكَ) بِضَمِّ أَوَّلِهِ الْمُوصَى بِهِ بَيْنَهُمَا (نِصْفَيْنِ) فَيُجْعَلُ نِصْفُهُ لِلْفُقَرَاءِ وَنِصْفُهُ لِلْمَسَاكِينِ، فَلَا يُقْسَمُ ذَلِكَ عَلَى عَدَدِ رُءُوسِهِمْ، وَلَا يَجِبُ اسْتِيعَابُهُمْ، بَلْ يُسْتَحَبُّ عِنْدَ الْإِمْكَانِ (وَأَقَلُّ) مَا يَكْفِي مِنْ (كُلِّ صِنْفٍ) مِنْ الْعُلَمَاءِ وَالْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ (ثَلَاثَةٌ) لِأَنَّهَا أَقَلُّ الْجَمْعِ، بِخِلَافِ بَنِي زَيْدٍ وَبَنِي عَمْرٍو فَإِنَّهُ يُشْتَرَطُ اسْتِيعَابُهُمْ بِأَنْ يُقْسَمَ عَلَى عَدَدِ رُءُوسِهِمْ كَمَا أَفَادَهُ كَلَامُ الرَّوْضَةِ، فَلَوْ دَفَعَ لِاثْنَيْنِ مِنْ الْعُلَمَاءِ أَوْ الْفُقَرَاءِ أَوْ الْمَسَاكِينِ غَرِمَ لِلثَّالِثِ أَقَلَّ مُتَمَوَّلٍ، وَقِيلَ: الثُّلُثُ، وَلَا يَصْرِفُهُ لَهُ بَلْ يُسَلِّمُهُ لِلْقَاضِي، وَيَصْرِفُهُ لَهُ بِنَفْسِهِ أَوْ يَرُدُّهُ إلَيْهِ لِيَدْفَعَهُ هُوَ.
قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: وَقَدْ ذَكَرُوا فَرْعًا، وَهُوَ أَنَّهُ إذَا أَوْصَى لِأَقَارِبِهِ وَلَهُ قَرِيبٌ وَاحِدٌ هَلْ يَكُونُ لَهُ الْكُلُّ أَوْ النِّصْفُ أَوْ الثُّلُثُ خِلَافٌ فَلْيَكُنْ هُنَا نَظِيرُهُ.
اهـ. وَهُوَ ظَاهِرٌ وَالْأَصَحُّ تَرْجِيحُ الْأَوَّلِ كَمَا سَيَأْتِي.
وَيُشْتَرَطُ فِي الْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ الْمُوصَى لَهُمْ أَنْ يَكُونُوا أَحْرَارًا فَلَا مَدْخَلَ لِلْمَمَالِيكِ فِي ذَلِكَ كَمَا نَصَّ عَلَيْهِ (وَلَهُ) أَيْ الْمُوصِي وَالْحَاكِمِ عِنْدَ فَقْدِهِ (التَّفْضِيلُ) بَيْنَ آحَادِ كُلِّ صِنْفٍ بِحَسَبِ الْحَاجَةِ، وَلَا تَجِبُ التَّسْوِيَةُ بَلْ يَتَأَكَّدُ تَفْضِيلُ الْأَشَدِّ حَاجَةً وَعِيَالًا، وَالْأَوْلَى تَقْدِيمُ أَقَارِبِ الْمُوصِي الَّذِينَ لَا يَرِثُونَ ثُمَّ جِيرَانِهِمْ ثُمَّ مَعَارِفِهِ، هَذَا إذَا لَمْ يَكُونُوا مَحْصُورِينَ، فَإِنْ أَوْصَى لِفُقَرَاءِ بَلَدٍ وَهُمْ مَحْصُورُونَ وَجَبَ اسْتِيعَابُهُمْ وَالتَّسْوِيَةُ بَيْنَهُمْ كَتَعْيِينِهِمْ.
وَيُشْتَرَطُ قَبُولُهُمْ بِخِلَافِ الْوَصِيَّةِ الْمُطْلَقَةِ لِلْفُقَرَاءِ، وَلَوْ عَيَّنَ فُقَرَاءَ بَلَدٍ وَلَا فَقِيرَ بِهَا لَمْ تَصِحَّ الْوَصِيَّةُ (أَوْ) وَصَّى (لِزَيْدٍ وَالْفُقَرَاءِ فَالْمَذْهَبُ أَنَّهُ) أَيْ زَيْدًا (كَأَحَدِهِمْ فِي جَوَازِ إعْطَائِهِ أَقَلَّ مُتَمَوَّلٍ) لِأَنَّهُ أَلْحَقَهُ بِهِمْ فِي إضَافَتِهِ، وَذَلِكَ يَقْتَضِي التَّسْوِيَةَ.
فَإِنْ قِيلَ: قَدْ يَكُونُ زَيْدٌ فَقِيرًا فَيَتَنَاوَلَهُ لَفْظُ الْفُقَرَاءِ فَلَا فَائِدَةَ لِذِكْرِهِ.
أُجِيبَ بِأَنَّ لَهُ فَائِدَتَيْنِ: مَنْعَ الْإِخْلَالِ بِهِ، وَعَدَمَ اعْتِبَارِ فَقْرِهِ كَمَا يُشِيرُ إلَيْهِ قَوْلُهُ (لَكِنْ) زَيْدٌ (لَا يُحْرَمُ) بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَإِنْ كَانَ غَنِيًّا كَمَا يُحْرَمُ أَحَدُهُمْ؛ لِعَدَمِ وُجُوبِ اسْتِيعَابِهِمْ كَمَا مَرَّ لِنَصِّهِ عَلَيْهِ.
تَنْبِيهٌ: اُعْتُرِضَ تَعْبِيرُهُ بِالْمَذْهَبِ، فَإِنَّ الْمَسْأَلَةَ فِيهَا سَبْعَةُ أَوْجُهٍ: أَصَحُّهَا مَا جَرَى عَلَيْهِ الْمُصَنِّفُ، وَبَقِيَّةُ الْأَوْجُهِ مَذْكُورَةٌ فِي الْمَبْسُوطَاتِ، وَقَدْ ذَكَرْتُ أَكْثَرَهَا فِي شَرْحِ التَّنْبِيهِ فَلَا نُطِيلُ بِذِكْرِهَا، هَذَا إذَا أَطْلَقَ زَيْدًا، فَإِنْ وَصَفَهُ بِوَصْفِهِمْ، كَأَنْ قَالَ: لِزَيْدٍ الْفَقِيرِ وَالْفُقَرَاءِ وَكَانَ غَنِيًّا أَخَذَ

أَوْ لِجَمْعٍ مُعَيَّنٍ غَيْرِ مُنْحَصِرٍ كَالْعَلَوِيَّةِ صَحَّتْ فِي الْأَظْهَرِ وَلَهُ الِاقْتِصَارُ عَلَى ثَلَاثَةٍ.

أَوْ لِأَقَارِبِ زَيْدٍ دَخَلَ كُلُّ قَرَابَةٍ وَإِنْ بَعُدَ

[مغني المحتاج]

نَصِيبَهُ الْفُقَرَاءُ لَا وَارِثُ الْمُوصِي وَإِنْ كَانَ فَقِيرًا، وَإِنْ وَصَفَهُ بِغَيْرِ وَصْفِهِمْ كَأَنْ قَالَ: لِزَيْدٍ الْكَاتِبِ وَالْفُقَرَاءِ اسْتَحَقَّ زَيْدٌ النِّصْفَ أَوْ وَصَّى لِزَيْدٍ وَجَمَاعَةٍ مَحْصُورِينَ أُعْطِيَ زَيْدٌ النِّصْفَ وَاسْتُوْعِبَ بِالنِّصْفِ الْآخَرِ جَمَاعَتُهُ، أَوْ وَصَّى لِزَيْدٍ بِدِينَارٍ وَلِلْفُقَرَاءِ بِثُلُثِ مَالِهِ لَمْ يُعْطَ أَكْثَرَ مِنْ الدِّينَارِ وَإِنْ كَانَ فَقِيرًا؛ لِأَنَّهُ قَطَعَ اجْتِهَادَ الْمُوصَى بِالتَّقْدِيرِ.

أَوْ وَصَّى لِزَيْدٍ وَجِبْرِيلَ أَوْ لَهُ وَالْحَائِطِ أَوْ الرِّيحِ أَوْ نَحْوِهَا مِمَّا لَا يُوصَفُ بِالْمِلْكِ كَالشَّيْطَانِ أُعْطِيَ زَيْدٌ النِّصْفَ وَبَطَلَتْ الْوَصِيَّةُ فِي الْبَاقِي كَمَا لَوْ أَوْصَى لِابْنِ زَيْدٍ وَابْنِ عَمْرٍو وَلَيْسَ لِعَمْرٍو ابْنٌ، وَلَوْ أَضَافَ الْحَائِطَ كَأَنْ قَالَ: وَعِمَارَةُ حَائِطِ الْمَسْجِدِ، أَوْ حَائِطِ دَارِ زَيْدٍ صَحَّتْ الْوَصِيَّةُ، وَصُرِفَ النِّصْفُ فِي عِمَارَتِهِ، أَوْ وَصَّى لِزَيْدٍ وَالْمَلَائِكَةِ أَوْ الرِّيَاحِ أَوْ الْحِيطَانِ أَوْ نَحْوِهَا أُعْطِيَ أَقَلَّ مُتَمَوَّلٍ كَمَا لَوْ أَوْصَى لِزَيْدٍ وَالْفُقَرَاءِ، وَبَطَلَتْ الْوَصِيَّةُ فِيمَا زَادَ عَلَيْهِ، أَوْ وَصَّى لِزَيْدٍ وَلِلَّهِ فَلِزَيْدٍ النِّصْفُ، وَالْبَاقِي يُصْرَفُ فِي وُجُوهِ الْقُرَبِ؛ لِأَنَّهَا مَصْرِفٌ لِحُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى.

وَلَوْ أَوْصَى بِثُلُثِ مَالِهِ لِلَّهِ تَعَالَى صُرِفَ فِي وُجُوهِ الْبِرِّ عَلَى مَا ذُكِرَ، وَإِنْ لَمْ يَقُلْ: لِلَّهِ تَعَالَى صُرِفَ لِلْمَسَاكِينِ.

وَلَوْ أَوْصَى لِأُمَّهَاتِ أَوْلَادِهِ وَهُنَّ ثَلَاثٌ، وَلِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ جُعِلَ الْمُوصَى بِهِ بَيْنَهُمْ أَثْلَاثًا.

(أَوْ) وَصَّى (لِجَمْعٍ مُعَيَّنٍ غَيْرِ مُنْحَصِرٍ كَالْعَلَوِيَّةِ) وَالْهَاشِمِيَّةِ وَبَنِي تَمِيمٍ (صَحَّتْ) هَذِهِ الْوَصِيَّةُ (فِي الْأَظْهَرِ) كَالْوَصِيَّةِ لِلْفُقَرَاءِ، وَالثَّانِي: الْبُطْلَانُ؛ لِأَنَّ التَّعْمِيمَ يَقْتَضِي الِاسْتِيعَابَ وَهُوَ مُمْتَنِعٌ، بِخِلَافِ الْفُقَرَاءِ فَإِنَّ عُرْفَ الشَّرْعِ خَصَّصَهُ بِثَلَاثَةٍ فَاتُّبِعَ (وَ) عَلَى الْأَوَّلِ (لَهُ الِاقْتِصَارُ عَلَى ثَلَاثَةٍ) كَمَا فِي الْفُقَرَاءِ.
فَائِدَةٌ: مِنْ خَصَائِصِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّ أَوْلَادَ بَنَاتِهِ يُنْسَبُونَ إلَيْهِ، وَهُمْ الْأَشْرَافُ الْمَوْجُودُونَ، وَمِنْهُمْ الْهَاشِمِيُّونَ، وَنَقَلَ شَيْخُ شَيْخِنَا لِشِهَابِ بْنِ حَجَرٍ الْعَسْقَلَانِيِّ فِي كِتَابِهِ " أَبْنَاءِ الْعُمُرَانِ " فِي سَنَةِ ثَلَاثَةٍ وَسَبْعِينَ وَسِتِّمِائَةٍ أَمَرَ السُّلْطَانُ شَعْبَانُ الْأَشْرَافَ أَنْ يَمْتَازُوا عَنْ النَّاسِ بِعَصَائِبَ خُضْرٍ عَلَى الْعَمَائِمِ فَفُعِلَ ذَلِكَ بِمِصْرَ وَالشَّامِ وَغَيْرِهِمَا، وَفِي ذَلِكَ يَقُولُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ جَابِرٍ الْأَنْدَلُسِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: جَعَلُوا لِأَبْنَاءِ الرَّسُولِ عَلَامَةً ... إنَّ الْعَلَامَةَ شَأْنُ مَنْ لَمْ يُشْهَرْ نُورُ النُّبُوَّةِ فِي كَرِيمِ وُجُوهِهِمْ ... يُغْنِي الشَّرِيفَ عَنْ الطِّرَازِ الْأَخْضَرِ.

(أَوْ) وَصَّى بِشَيْءٍ (لِأَقَارِبِ زَيْدٍ) مَثَلًا أَوْ رَحِمِهِ (دَخَلَ كُلُّ قَرَابَةٍ) لَهُ (وَإِنْ بَعُدَ) مُسْلِمًا كَانَ أَوْ كَافِرًا، غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا، حُرًّا أَوْ رَقِيقًا، وَيَكُونُ نَصِيبُهُ لِسَيِّدِهِ وَإِنْ لَمْ أَرَ مَنْ صَرَّحَ بِهِ كَمَا يُؤْخَذُ مِنْ إطْلَاقِهِمْ، وَرُبَّمَا يُؤْخَذُ مِنْ النَّصِّ الْمُتَقَدِّمِ فِي الْفُقَرَاءِ عَدَمُ دُخُولِهِمْ، ثُمَّ رَأَيْتُ النَّاشِرِيَّ بَحَثَ فِي ذَلِكَ، فَقَالَ: هَلْ يَدْخُلُ الْعَبِيدُ فِي الْأَقَارِبِ وَيُصْرَفُ إلَى سَادَاتِهِمْ؟ يَنْبَغِي أَنْ يَدْخُلُوا إذَا لَمْ تَكُنْ السَّادَةُ دَاخِلِينَ لَا إنْ دَخَلُوا؛ لِئَلَّا يَتَكَرَّرَ الصَّرْفُ لِلسَّادَةِ بِأَسْمَائِهِمْ وَأَسْمَاءِ عَبِيدِهِمْ، ثُمَّ تَعَقَّبَهُ الْكَمَالُ بْنُ أَبِي شَرِيفٍ، فَقَالَ: وَقَدْ يَتَوَقَّفُ فِي دُخُولِهِمْ، فَيُقَالُ: يَنْبَغِي دُخُولُهُمْ إنْ لَمْ

إلَّا أَصْلًا وَفَرْعًا فِي الْأَصَحِّ، وَلَا تَدْخُلُ قَرَابَةُ أُمٍّ فِي وَصِيَّةِ الْعَرَبِ فِي الْأَصَحِّ، وَالْعِبْرَةُ بِأَقْرَبِ جَدٍّ يُنْسَبُ إلَيْهِ زَيْدٌ، وَتُعَدُّ أَوْلَادُهُ قَبِيلَةً،

[مغني المحتاج]

يَكُنْ لَهُ أَقَارِبُ أَحْرَارٌ، فَإِنْ كَانَ لَهُ أَقَارِبُ أَحْرَارٌ لَمْ تَدْخُلْ الْعَبِيدُ مَعَهُمْ، إذْ لَا يُقْصَدُونَ بِالْوَصِيَّةِ عَادَةً اهـ. وَالْأَوْجَهُ مَا جَرَى عَلَيْهِ النَّاشِرِيُّ لِقَوْلِهِمْ: أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْوَارِثِ وَغَيْرِهِ؛ لِأَنَّ هَذَا اللَّفْظَ يُذْكَرُ لِإِرَادَةِ جِهَةِ الْقَرَابَةِ، وَالِاسْمُ شَامِلٌ لِلْكُلِّ.
تَنْبِيهٌ: أَفْهَمَ قَوْلُهُ كُلُّ قَرِيبٍ أَنَّهُ يَجِبُ اسْتِيعَابُهُمْ وَهَذَا إذَا انْحَصَرُوا، فَإِنْ لَمْ يَنْحَصِرُوا فَكَالْوَصِيَّةِ لِلْعَلَوِيَّةِ وَلَا يَخْتَصُّ هَذَا بِالْجَمْعِ حَتَّى لَوْ لَمْ يَكُنْ لَهُ سِوَى قَرِيبَيْنِ أَوْ قَرِيبٍ وَاحِدٍ أَخَذَ الْكُلَّ لَا الْقِسْطَ عَلَى الْأَصَحِّ.
فَإِنْ قِيلَ: كَيْفَ يَدْخُلُ الْبَعِيدُ مَعَ أَنَّ أَقَارِبَ جَمْعُ أَقْرَبَ وَهُوَ أَفْعَلُ تَفْضِيلٍ؟ . أُجِيبَ بِأَنَّ التَّسْوِيَةَ ثَابِتَةٌ بِالْعُرْفِ.
وَقَدْ قَالَ - تَعَالَى -: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ﴾ [الشعراء: 214] فَدَخَلَ كُلُّ قَرِيبٍ وَبَعْضُهُمْ أَقْرَبُ مِنْ بَعْضٍ، وَلِظَاهِرِ قَوْله تَعَالَى: ﴿لِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ﴾ [البقرة: 180] وَالْعَطْفُ يَقْتَضِي التَّغَايُرَ، لَكِنْ قِيلَ: إنَّ الْمُرَادَ بِالْأَقْرَبِينَ الْأَوْلَادُ، وَلَمَّا نَزَلَ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ﴾ [الشعراء: 214] كَانَتْ فَاطِمَةُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - مِنْ جُمْلَةِ مَنْ دُعِيَ لِلْإِنْذَارِ (إلَّا أَصْلًا) أَيْ الْأَبَ وَالْأُمَّ فَقَطْ (وَ) إلَّا (فَرْعًا) أَيْ أَوْلَادَ الصُّلْبِ فَقَطْ فَلَا يَدْخُلَانِ فِي الْأَقَارِبِ (فِي الْأَصَحِّ) إذْ لَا يُسَمُّونَ أَقَارِبَ عُرْفًا.
أَمَّا الْأَجْدَادُ وَالْأَحْفَادُ فَيَدْخُلُونَ لِشُمُولِ الِاسْمِ لَهَا.
وَالثَّانِي: يَدْخُلَانِ؛ لِأَنَّهُمَا يَدْخُلَانِ فِي الْوَصِيَّةِ لِأَقْرَبِ الْأَقَارِبِ فَكَيْفَ لَا يَكُونُونَ مِنْ الْأَقَارِبِ؟ . قَالَ السُّبْكِيُّ: وَهَذَا أَظْهَرُ بَحْثًا وَنَقْلًا، وَقِيلَ: لَا يَدْخُلُ أَحَدٌ مِنْ الْأُصُولِ وَالْفُرُوعِ (وَلَا تَدْخُلُ قَرَابَةُ أُمٍّ) فِي الْوَصِيَّةِ لِلْأَقَارِبِ (فِي وَصِيَّةِ الْعَرَبِ فِي الْأَصَحِّ) إذَا كَانَ الْمُوصِي عَرَبِيًّا فَإِنَّهُمْ لَا يَفْتَخِرُونَ بِهَا وَلَا يَعُدُّونَهَا قَرَابَةً.
وَالثَّانِي: يَدْخُلُ فِي وَصِيَّةِ الْعَرَبِ كَالْعَجَمِ، وَقَوَّاهُ فِي الشَّرْحَيْنِ، وَصَحَّحَهُ فِي الرَّوْضَةِ، وَجَرَى عَلَيْهِ ابْنُ الْمُقْرِي فَهُوَ الْمُعْتَمَدُ كَمَا قَالَهُ الزَّرْكَشِيُّ وَغَيْرُهُ، وَمَا وُجِّهَ بِهِ الْأَوَّلُ ضَعِيفٌ فَإِنَّهُ لَا خِلَافَ أَنَّ قَرَابَةَ الْأُمِّ تَدْخُلُ فِي لَفْظِ الرَّحِمِ عِنْدَ الْعَرَبِ وَالْعَجَمِ جَمِيعًا كَمَا صَرَّحَ بِهِ الرَّافِعِيُّ.
قَالَ السُّبْكِيُّ: وَلَا شَكَّ أَنَّ الرَّحِمَ هِيَ قَرَابَةٌ فَقَدْ قَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْقِبْطِ: «إنَّ لَهُمْ ذِمَّةً وَرَحِمًا» لِأَنَّ أُمَّ إسْمَاعِيلَ مِنْهُمْ وَقَدْ افْتَخَرَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِخَالِهِ سَعْدٍ «فَقَالَ: سَعْدٌ خَالِي فَلْيُرِنِي امْرُؤٌ خَالَهُ» حَسَّنَهُ التِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ (وَالْعِبْرَةُ) فِيمَا ذُكِرَ (بِأَقْرَبِ جَدٍّ يُنْسَبُ إلَيْهِ زَيْدٌ، وَتُعَدُّ أَوْلَادُهُ) أَيْ ذَلِكَ الْجَدِّ (قَبِيلَةً) فَيَرْتَقِي فِي بَنِي الْأَعْمَامِ إلَيْهِ وَلَا يُعْتَبَرُ مَنْ فِي دَرَجَتِهِ أَوْ مَنْ فَوْقَهُ فَالْوَصِيَّةُ لِأَقَارِبِ حَسَنِيٍّ لِأَوْلَادِ الْحَسَنِ دُونَ أَوْلَادِ مَنْ فَوْقَهُ وَأَوْلَادِ الْحُسَيْنِ وَالْوَصِيَّةُ لِأَقَارِبِ الشَّافِعِيِّ فِي زَمَانِهِ لِأَوْلَادِ شَافِعٍ، فَتَقْيِيدُ الرَّوْضَةِ بِزَمَنِهِ لَيْسَ بِقَيْدٍ بَلْ يُوهِمُ خِلَافَ الْمُرَادِ؛ لِأَنَّهُ أَقْرَبُ جَدٍّ يُعْرَفُ بِهِ الشَّافِعِيُّ، وَلَا يُصْرَفُ لِمَنْ

وَيَدْخُلُ فِي أَقْرَبِ أَقَارِبِهِ الْأَصْلُ وَالْفَرْعُ، وَالْأَصَحُّ تَقْدِيمُ ابْنٍ عَلَى أَبٍ وَأَخٍ عَلَى جَدٍّ وَلَا يُرَجَّحُ بِذُكُورَةٍ وَوِرَاثَةٍ بَلْ يَسْتَوِي الْأَبُ وَالْأُمُّ وَالِابْنُ وَالْبِنْتِ وَيُقَدَّمُ ابْنُ الْبِنْتِ عَلَى ابْنِ ابْنِ الِابْنِ، وَلَوْ أَوْصَى لِأَقَارِبِ نَفْسِهِ لَمْ تَدْخُلْ وَرَثَتُهُ فِي الْأَصَحِّ.

[مغني المحتاج]

يُنْسَبُ إلَى جَدٍّ بَعْدَ شَافِعٍ كَأَوْلَادِ عَلِيٍّ وَالْعَبَّاسِ أَخَوَيْ شَافِعٍ؛ لِأَنَّهُمْ إنَّمَا يُنْسَبُونَ إلَى الْمُطَّلِبِ، وَلَوْ أَوْصَى لِأَقَارِبِ بَعْضِ أَوْلَادِ الشَّافِعِيِّ فِي هَذَا الْوَقْتِ دَخَلَ فِيهِ أَوْلَادُ الشَّافِعِيِّ دُونَ غَيْرِهِمْ مِنْ أَوْلَادِ شَافِعٍ، وَلَوْلَا ذَلِكَ لَأَدَّى ذَلِكَ إلَى دُخُولِ جَمِيعِ النَّاسِ فَإِنَّ آدَمَ يَجْمَعُهُمْ، وَخَرَجَ بِقَوْلِهِ: يُنْسَبُ إلَيْهِ جَدُّ الْأُمِّ فَإِنَّهُ لَا يُنْسَبُ إلَيْهِ (وَيَدْخُلُ فِي أَقْرَبِ أَقَارِبِهِ) أَيْ الْمُوصِي (الْأَصْلُ) مِنْ أَبٍ وَأُمٍّ (وَالْفَرْعُ) مِنْ ابْنٍ وَبِنْتٍ، كَمَا يَدْخُلُ غَيْرُهُمْ عِنْدَ عَدَمِهِمْ؛ لِأَنَّ أَقْرَبَهُمْ هُوَ الْمُنْفَرِدُ بِزِيَادَةِ الْقَرَابَةِ وَهُمْ كَذَلِكَ وَإِنْ لَمْ يُطْلَقْ عَلَيْهِمْ أَقَارِبُ عُرْفًا، وَالْمُرَادُ دُخُولُهُمْ فِي الْجُمْلَةِ.
وَأَمَّا الِاسْتِوَاءُ وَالتَّقْدِيمُ فَقَدْ نَبَّهَ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ (وَالْأَصَحُّ تَقْدِيمُ ابْنٍ) وَإِنْ سَفَلَ (عَلَى أَبٍ) لِأَنَّهُ أَقْوَى إرْثًا وَتَعْصِيبًا، وَلَوْ عَبَّرَ كَالْحَاوِي الصَّغِيرِ بِالْفَرْعِ لِتَدْخُلَ الْبِنْتُ لَكَانَ أَوْلَى، وَالْمَعْنَى فِيهِ أَنَّ الْفَرْعَ جُزْءُ الْمُوصِي، وَجُزْءُ الشَّيْءِ أَقْرَبُ إلَيْهِ مِنْ أَصْلِهِ فَتَقَدَّمَ الْأَوْلَادُ ثُمَّ أَوْلَادُهُمْ وَإِنْ نَزَلُوا، وَيَسْتَوِي أَوْلَادُ الْبَنِينَ وَأَوْلَادُ الْبَنَاتِ، ثُمَّ الْأَبَوَانِ عَلَى مَنْ فَوْقَهُمَا (وَأَخٍ) مِنْ الْجِهَاتِ الثَّلَاثِ (عَلَى جَدٍّ) مِنْ الْجِهَتَيْنِ لِقُوَّةِ الْبُنُوَّةِ عَلَى جِهَةِ الْأُبُوَّةِ، وَلَيْسَ لَنَا مَوْضِعٌ يُقَدَّمُ فِيهِ الْأَخُ مُطْلَقًا عَلَى الْجَدِّ لِلْأَبِ إلَّا هُنَا وَفِي الْوَلَاءِ لِغَيْرِ الْأَخِ لِلْأُمِّ، لَكِنَّ قَضِيَّةَ التَّعْلِيلِ إخْرَاجُ الْأَخِ لِلْأُمِّ وَلَيْسَ مُرَادًا.
وَالثَّانِي: يُسَوَّى بَيْنَهُمَا فِيهِمَا لِاسْتِوَاءِ الْأَوَّلَيْنِ فِي الرُّتْبَةِ وَالْأَخِيرَيْنِ فِي الدَّرَجَةِ لِإِدْلَائِهِمَا بِالْأَبِ، وَالْخِلَافُ فِي الثَّانِيَةِ قَوْلَانِ كَمَا ذَكَرَ الرَّافِعِيُّ، فَلَوْ عَبَّرَ بِالْأَظْهَرِ كَمَا فِي الرَّوْضَةِ لَكَانَ أَوْلَى، بَلْ الْمُرَجَّحُ فِي الشَّرْحِ الصَّغِيرِ أَنَّ الْخِلَافَ فِي الْأُولَى أَيْضًا قَوْلَانِ، وَالْأَعْمَامُ وَالْعَمَّاتُ وَالْأَخْوَالُ وَالْخَالَاتُ بَعْدَ الْجُدُودَةِ سَوَاءٌ، ثُمَّ أَوْلَادُهُمْ.
قَالَ ابْنُ الرِّفْعَةِ: وَيُقَدَّمُ الْعَمُّ وَالْعَمَّةُ عَلَى أَبِي الْجَدِّ، وَالْخَالُ وَالْخَالَةُ عَلَى جَدِّ الْأُمِّ وَجَدَّتِهَا (وَلَا يُرَجَّحُ بِذُكُورَةٍ وَوِرَاثَةٍ بَلْ يَسْتَوِي الْأَبُ وَالْأُمُّ وَالِابْنُ وَالْبِنْتُ) وَالْأَخُ وَالْأُخْتُ كَمَا يَسْتَوِي الْمُسْلِمُ وَالْكَافِرُ، وَالْأَخُ مِنْ الْأَبِ وَالْأَخُ مِنْ الْأُمِّ سَوَاءٌ.
نَعَمْ يُقَدَّمُ وَلَدُ الْأَبَوَيْنِ مِنْ الْإِخْوَةِ وَالْأَخَوَاتِ وَالْأَعْمَامِ وَالْعَمَّاتِ وَالْأَخْوَالِ وَالْخَالَاتِ وَأَوْلَادِهِمْ عَلَى وَلَدِ أَحَدِهِمَا، وَيُقَدَّمُ أَخٌ لِأَبٍ عَلَى ابْنِ أَخٍ لِأَبَوَيْنِ ثُمَّ هَكَذَا يُقَدَّمُ الْأَقْرَبُ فَالْأَقْرَبُ دَرَجَةً فِي الْجِهَةِ كَيْفَ كَانَ عِنْدَ اتِّحَادِ الْجِهَةِ وَإِلَّا فَالْبَعِيدُ مِنْ الْجِهَةِ الْقَرِيبَةِ يُقَدَّمُ عَلَى الْقَرِيبِ مِنْ الْجِهَةِ الْبَعِيدَةِ كَابْنِ ابْنِ الْأَخِ وَإِنْ سَفَلَ يُقَدَّمُ عَلَى الْعَمِّ (وَيُقَدَّمُ ابْنُ الْبِنْتِ عَلَى ابْنِ ابْنِ الِابْنِ) لِأَنَّهُ أَقْرَبُ مِنْهُ فِي الدَّرَجَةِ، وَتُقَدَّمُ الْجَدَّةُ مِنْ الْجِهَتَيْنِ عَلَى الْجَدَّةِ مِنْ جِهَةٍ كَمَا جَزَمَ بِهِ الْبَغَوِيّ وَالْخُوَارِزْمِيّ فِي الْوَقْفِ وَإِنْ اسْتَوَيَا فِي الْإِرْثِ؛ لِأَنَّ الْمَأْخَذَ ثَمَّ اسْمُ الْجَدَّةِ وَهُنَا مَعْنَى الْأَقْرَبِيَّةِ، وَمُقْتَضَى كَلَامِ أَصْلِ الرَّوْضَةِ التَّسْوِيَةُ بَيْنَ الْبَابَيْنِ (وَلَوْ أَوْصَى لِأَقَارِبِ نَفْسِهِ لَمْ تَدْخُلْ وَرَثَتُهُ فِي الْأَصَحِّ) اعْتِبَارًا بِعُرْفِ الشَّرْعِ لَا بِعُمُومِ اللَّفْظِ؛ وَلِأَنَّ الْوَارِثَ لَا يُوصَى لَهُ غَالِبًا فَيَخْتَصُّ بِالْبَاقِينَ.
وَالثَّانِي: وَهُوَ الْأَقْوَى فِي الشَّرْحِ الصَّغِيرِ يَدْخُلُونَ؛ لِأَنَّ اللَّفْظَ يَتَنَاوَلُهُمْ ثُمَّ يَبْطُلُ نَصِيبُهُمْ، وَيَصِحُّ

فَصْلٌ تَصِحُّ بِمَنَافِعِ عَبْدٍ وَدَارٍ وَغَلَّةِ حَانُوتٍ، وَيَمْلِكُ الْمُوصَى لَهُ مَنْفَعَةَ الْعَبْدِ، وَأَكْسَابَهُ الْمُعْتَادَةَ.

وَكَذَا مَهْرُهَا

[مغني المحتاج]

الْبَاقِي لِغَيْرِ الْوَرَثَةِ، وَإِذَا أَوْصَى لِأَقْرَبِ أَقَارِبِهِ فَالتَّرْتِيبُ كَمَا مَرَّ، لَكِنْ لَوْ كَانَ الْأَقْرَبُ وَارِثًا صُرِفَ الْمُوصَى بِهِ لِلْأَقْرَبِ مِنْ غَيْرِ الْوَارِثِينَ إذَا لَمْ يُجِزْ الْوَارِثُونَ الْوَصِيَّةَ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ إذَا أَوْصَى لِأَقَارِبِ نَفْسِهِ لَمْ تَدْخُلْ وَرَثَتُهُ.

[فَصْلٌ فِي الْأَحْكَامِ الْمَعْنَوِيَّةِ وَبَيَانَ مَا يُفْعَلُ عَنْ الْمَيِّتِ وَمَا يَنْفَعُهُ]

فَصْلٌ فِي الْأَحْكَامِ الْمَعْنَوِيَّةِ، وَهُوَ الْقِسْمُ الثَّانِي، وَذَكَرَ مَعَهُ بَيَانَ مَا يُفْعَلُ عَنْ الْمَيِّتِ، وَمَا يَنْفَعُهُ مُبْتَدِئًا مِنْ ذَلِكَ بِالْقِسْمِ الثَّانِي، فَقَالَ (تَصِحُّ) الْوَصِيَّةُ (بِمَنَافِعِ عَبْدٍ) وَنَحْوِهِ مِنْ الدَّوَابِّ (وَدَارٍ) وَنَحْوِهَا مِنْ الْعَقَارَاتِ (وَ) نَحْوِ (غَلَّةِ حَانُوتٍ) كَثَمَرَةِ بُسْتَانٍ مُؤَقَّتَةٍ وَمُؤَبَّدَةٍ، وَالْإِطْلَاقُ يَقْتَضِي التَّأْبِيدَ؛ لِأَنَّهَا أَمْوَالٌ مُقَابَلَةٌ بِالْأَعْوَاضِ، فَكَانَتْ كَالْأَعْيَانِ، وَضَبَطَ الْإِمَامُ الْمَنَافِعَ بِمَا يُمْلَكُ بِالْإِجَارَةِ، وَغَلَّةِ عُطِفَ عَلَى مَنَافِعَ، وَهُوَ مُشْعِرٌ بِمُغَايَرَتِهَا لَهَا.
قَالَ السُّبْكِيُّ: وَالْمَنَافِعُ وَالْغَلَّةُ مُتَقَارِبَانِ، وَكُلُّ عَيْنٍ فِيهَا مَنْفَعَةٌ فَقَدْ يَحْصُلُ مِنْهَا شَيْءٌ غَيْرُ تِلْكَ الْمَنْفَعَةِ إمَّا بِفِعْلِهِ كَالِاسْتِغْلَالِ أَوْ بِعِوَضٍ عَنْ فِعْلِ غَيْرِهِ، أَوْ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ - تَعَالَى - وَذَلِكَ الشَّيْءُ يُسَمَّى غَلَّةً، فَالْمُوصَى لَهُ بِهِ يَمْلِكُهُ مِنْ غَيْرِ مِلْكِ الْعَيْنِ، وَلِأَنَّ الْمَنْفَعَةَ كَأُجْرَةِ الْعَبْدِ وَالدَّارِ وَالْحَانُوتِ وَكَسْبِ الْعَبْدِ وَمَا يَنْبُتُ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُ غَلَّةٌ تَصِحُّ الْوَصِيَّةُ بِهِ كَمَا تَصِحُّ بِالْمَنْفَعَةِ.
تَنْبِيهٌ: قَدْ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ فِي أَوَّلِ الْبَابِ الْوَصِيَّةَ بِالْمَنَافِعِ، وَإِنَّمَا أَعَادَهَا لِيُرَتِّبَ عَلَيْهَا قَوْلَهُ (وَيَمْلِكُ الْمُوصَى لَهُ مَنْفَعَةَ الْعَبْدِ) الْمُوصَى بِهَا، وَلَيْسَتْ مُجَرَّدَ إبَاحَةٍ خِلَافًا لِأَبِي حَنِيفَةَ، لَنَا أَنَّ الْوَصِيَّةَ بِذَلِكَ تَلْزَمُ بِالْقَبُولِ، بِخِلَافِ الْعَارِيَّةِ فَلَهُ أَنْ يُؤَجِّرَ وَيُعِيرَ وَيُورَثَ عَنْهُ وَيُوصِي بِهَا، وَلِهَذَا عَبَّرَ الْمُصَنِّفُ بِالْمَنْفَعَةِ دُونَ أَنْ يَنْتَفِعَ، فَإِنَّهُ لَوْ قَالَ: أَوْصَيْت لَك بِأَنْ تَنْتَفِعَ بِهِ حَيَاتَكَ أَوْ بِأَنْ تَسْكُنَ هَذِهِ الدَّارَ، أَوْ بِأَنْ يَخْدُمَكَ هَذَا الْعَبْدُ إبَاحَةٌ لَا تَمْلِيكٌ فَلَيْسَ لَهُ الْإِجَارَةُ وَلَا الْإِعَارَةُ فِي أَصَحِّ الْوَجْهَيْنِ وَيُفَارِقُ مَا مَرَّ بِأَنَّهُ هُنَا عَبَّرَ بِالْفِعْلِ وَأَسْنَدَهُ إلَى الْمُخَاطَبِ فَاقْتَضَى قُصُورَهُ عَلَى مُبَاشَرَتِهِ بِخِلَافِهِ ثَمَّ.
تَنْبِيهٌ: إطْلَاقُهُ الْمَنْفَعَةَ يَقْتَضِي عَدَمَ الْفَرْقِ بَيْنَ الْمُؤَبَّدَةِ وَالْمُقَيَّدَةِ وَهُوَ كَذَلِكَ كَمَا قَطَعَا بِهِ فِي بَابِ الْإِجَارَةِ خِلَافًا لِمَا مَشَيْنَا عَلَيْهِ هُنَا مِنْ أَنَّ الْوَصِيَّةَ الْمُؤَقَّتَةِ إبَاحَةٌ فَلَا يُؤَجَّرُ (وَ) يُمَلَّكُ أَيْضًا (أَكْسَابَهُ الْمُعْتَادَةَ) كَاحْتِطَابٍ وَاصْطِيَادٍ وَأُجْرَةِ حِرْفَةٍ وَنَحْوِهَا؛ لِأَنَّهَا إبْدَالُ الْمَنَافِعِ الْمُوصَى بِهَا بِخِلَافِ النَّادِرَةِ كَالْهِبَةِ وَاللُّقَطَةِ؛ لِأَنَّهَا لَا تُقْصَدُ بِالْوَصِيَّةِ.
وَعَنْ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ أَنَّهُ قَالَ: مَا زِلْتُ أَسْتَشْكِلُ مِلْكَ الرَّقَبَةِ دُونَ الْمَنْفَعَةِ وَأَقُولُ: هَذَا إنَّمَا يَنْتَفِعُ وَيَمْلِكُ الْمَنَافِعَ، فَمَا الَّذِي بَقِيَ لِمَالِكِ الرَّقَبَةِ حَتَّى رَأَيْتُ فِي الْمَنَامِ قَائِلًا يَقُولُ: لَوْ ظَهَرَ فِي الْأَرْضِ مَعْدِنٌ مَلَكَهُ مَالِكُ الرَّقَبَةِ دُونَ الْمَنْفَعَةِ اهـ. وَلَهُ أَيْضًا عِتْقُهُ وَبَيْعُهُ مِنْ الْمُوصَى لَهُ.

(وَكَذَا مَهْرُهَا) أَيْ الْأَمَةِ الْمُوصَى بِمَنْفَعَتِهَا

فِي الْأَصَحِّ، لَا وَلَدُهَا فِي الْأَصَحِّ، بَلْ هُوَ كَالْأُمِّ مَنْفَعَتُهُ لَهُ، وَرَقَبَتُهُ لِلْوَارِثِ.

وَلَهُ

[مغني المحتاج]

لِشَخْصٍ إنْ زُوِّجَتْ أَوْ وُطِئَتْ بِشُبْهَةٍ مَثَلًا يَمْلِكُهُ الْمُوصَى لَهُ (فِي الْأَصَحِّ) لِأَنَّهُ مِنْ فَوَائِدِ الرَّقَبَةِ كَالْكَسْبِ، وَهَذَا مَا فِي الرَّوْضَةِ وَأَصْلِهَا عَنْ الْعِرَاقِيِّينَ وَالْبَغَوِيِّ، وَجَزَمَ بِهِ الْأَكْثَرُونَ.
وَالثَّانِي وَهُوَ الْأَشْبَهُ فِي الرَّوْضَةِ وَأَصْلِهَا: أَنَّ مَهْرَهَا لِوَارِثِ الْمُوصِي أَمَّا أَرْشُ الْبَكَارَةِ إذَا لَمْ نَقُلْ بِالِانْدِرَاجِ فَهُوَ لِلْوَارِثِ؛ لِأَنَّهُ بَدَلُ جُزْءٍ مِنْ الْبَدَنِ، وَيَحْرُمُ عَلَى الْوَارِثِ وَطْءُ الْأَمَةِ الْمُوصَى بِمَنْفَعَتِهَا إنْ كَانَتْ مِمَّنْ يَحْبَلُ لِمَا فِيهِ مِنْ خَوْفِ الْهَلَاكِ بِالطَّلْقِ وَالنُّقْصَانِ وَالضَّعْفِ بِالْوِلَادَةِ وَالْحَمْلِ، بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَتْ مِمَّنْ لَا يَحْبَلُ، وَقِيلَ: يَحْرُمُ مُطْلَقًا كَمَا فِي الْمَرْهُونَةِ، وَفُرِّقَ الْأَوَّلُ بِأَنَّ الرَّاهِنَ هُوَ الَّذِي حَجَرَ عَلَى نَفْسِهِ وَبِأَنَّهُ مُتَمَكِّنٌ مِنْ رَفْعِ الْعُلْقَةِ بِأَدَاءِ الدَّيْنِ بِخِلَافِ الْوَارِثِ فِيهِمَا، وَلَا بُدَّ عَلَى الْأَوَّلِ أَنْ لَا يُعَطِّلَ زَمَنَ الْوَطْءِ مَا يَسْتَحِقُّهُ الْمُوصَى لَهُ مِنْ الْمَنْفَعَةِ كَمَا قَالَهُ الْأَذْرَعِيُّ، فَإِنْ وَطِئَ فَأَوْلَدَهَا فَالْوَلَدُ حُرٌّ نَسِيبٌ وَلَا حَدَّ عَلَيْهِ لِلشُّبْهَةِ، وَعَلَيْهِ قِيمَتُهُ، وَيَشْتَرِي بِهَا مِثْلَهُ لِتَكُونَ قُرْبَتُهُ لِلْوَارِثِ وَمَنْفَعَتُهُ لِلْمُوصَى لَهُ كَمَا لَوْ وَلَدَتْهُ رَقِيقًا وَتَصِيرُ أُمُّهُ أُمَّ وَلَدٍ لِلْوَارِثِ تَعْتِقُ بِمَوْتِهِ مَسْلُوبَةَ الْمَنْفَعَةِ، وَيَلْزَمُهُ الْمَهْرُ لِلْمُوصَى لَهُ، وَكَذَا يَحْرُمُ وَطْؤُهَا عَلَى الْمُوصَى لَهُ بِمَنْفَعَتِهَا، فَلَوْ وَطِئَهَا فَالْوَلَدُ حُرٌّ نَسِيبٌ، وَلَا حَدَّ كَمَا جَزَمَ بِهِ فِي أَصْلِ الرَّوْضَةِ هُنَا.
وَقَالَ ابْنُ الرِّفْعَةِ إنَّهُ الصَّحِيحُ، وَالْإِسْنَوِيُّ: إنَّهُ أَوْجَهُ مِمَّا جَزَمَ بِهِ فِي الْوَقْفِ أَنَّهُ يُحَدُّ كَمَا يُحَدُّ الْمَوْقُوفُ عَلَيْهِ.
وَالْفَرْقُ أَنَّ مِلْكَ الْمُوصَى لَهُ بِالْمَنْفَعَةِ أَتَمُّ مِنْ مِلْكِ الْمَوْقُوفِ بِدَلِيلِ أَنَّهَا تُورَثُ عَنْهُ كَمَا مَرَّ وَلَا كَذَلِكَ الْوُقُوفُ عَلَيْهِ.
قَالَ الْأَذْرَعِيُّ: وَهَذَا كُلُّهُ فِيمَا لَوْ أَوْصَى لَهُ بِمَنْفَعَتِهَا أَبَدًا.
أَمَّا لَوْ أَوْصَى لَهُ بِهَا مُدَّةً فَالْوَجْهُ وُجُوبُ الْحَدِّ عَلَيْهِ كَالْمُسْتَأْجِرِ اهـ. وَالْمُعْتَمَدُ كَمَا قَالَ شَيْخِي: أَنَّهُ لَا حَدَّ مُطْلَقًا، وَلَوْ أَحْبَلَهَا الْمُوصَى لَهُ لَمْ يَثْبُتْ اسْتِيلَادُهَا؛ لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُهَا وَعَلَيْهِ قِيمَةُ الْوَلَدِ بِنَاءً عَلَى الْأَصَحِّ الْآتِي مِنْ أَنَّ الْوَلَدَ الْمَمْلُوكَ لَيْسَ كَالْكَسْبِ وَيُشْتَرَى بِهَا رَقِيقٌ، وَيَكُونُ مِثْلَ الْأَمَةِ رَقَبَتُهُ لِلْوَارِثِ وَمَنْفَعَتُهُ لِلْمُوصَى لَهُ، وَقِيلَ: الْقِيمَةُ لِلْوَارِثِ، وَيَجُوزُ تَزْوِيجُ الْمُوصَى بِمَنْفَعَتِهِ وَمَنْ يُزَوِّجُهُ.
قَالَ فِي الْوَسِيطِ: أَمَّا الْعَبْدُ فَيَظْهَرُ اسْتِقْلَالُ الْمُوصَى لَهُ بِهِ؛ لِأَنَّ مَنْعَ الْعَقْدِ لِلتَّضَرُّرِ بِتَعَلُّقِ الْحُقُوقِ بِالْأَكْسَابِ وَهُوَ الْمُتَضَرِّرُ، وَأَمَّا الْأَمَةُ فَيُزَوِّجُهَا الْوَارِثُ عَلَى الْأَصَحِّ لِمِلْكِهِ الرَّقَبَةَ لَكِنْ لَا بُدَّ مِنْ رِضَا الْمُوصَى لَهُ لِمَا فِيهِ مِنْ تَضَرُّرِهِ اهـ. وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ فِي الْأَمَةِ يَأْتِي فِي الْعَبْدِ أَيْضًا فَالْوَجْهُ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ رِضَا الْمُوصَى لَهُ وَالْوَارِثِ فِي الْحَالَيْنِ كَمَا قَالَهُ شَيْخِي (لَا وَلَدُهَا) مِنْ نِكَاحٍ أَوْ زِنًا فَلَا يَمْلِكُهُ الْمُوصَى لَهُ بِمَنْفَعَةِ أُمِّهِ (فِي الْأَصَحِّ، بَلْ هُوَ كَالْأُمِّ مَنْفَعَتُهُ لَهُ وَرَقَبَتُهُ لِلْوَارِثِ) لِأَنَّهُ جُزْءٌ مِنْ الْأُمِّ فَيَجْرِي مَجْرَاهَا.
وَالثَّانِي: يَمْلِكُهُ الْمُوصَى لَهُ كَالْمَوْقُوفَةِ، وَفُرِّقَ الْأَوَّلُ بِأَنَّ الْمِلْكَ فِي الْمَوْقُوفَةِ أَقْوَى بِدَلِيلِ أَنَّهُ يَمْلِكُ الرَّقَبَةَ عَلَى قَوْلٍ فَقَوِيَ الِاسْتِتْبَاعُ بِخِلَافِهِ هُنَا كَذَا قِيلَ، وَهُوَ كَمَا قَالَ شَيْخُنَا مَرْدُودٌ بِأَنَّ الْمُوصَى لَهُ بِالْمَنْفَعَةِ أَبَدًا.
قِيلَ فِيهِ: إنَّهُ يَمْلِكُ الرَّقَبَةَ أَيْضًا حَكَاهُ الْمَاوَرْدِيُّ وَغَيْرُهُ، فَالْأَوْلَى أَنْ يُفَرَّقَ بِأَنَّ الْوَاقِفَ أَخْرَجَ الْعَيْنَ عَنْ مِلْكِهِ بِالْوَقْفِ عَلَى الْأَصَحِّ وَالْمُوصِي لَمْ يُخْرِجْهَا، وَإِنَّمَا أَخْرَجَ الْمَنْفَعَةَ لَكِنَّ الْمَنْفَعَةَ اسْتَتْبَعَتْ الْعَيْنَ عَلَى الْقَوْلِ الْمَذْكُورِ.

(وَلَهُ) أَيْ

إعْتَاقُهُ، وَعَلَيْهِ نَفَقَتُهُ إنْ أَوْصَى بِمَنْفَعَتِهِ مُدَّةً وَكَذَا أَبَدًا فِي الْأَصَحِّ.

وَبَيْعُهُ إنْ لَمْ يُؤَبَّدْ كَالْمُسْتَأْجَرِ، وَإِنْ أَبَّدَ فَالْأَصَحُّ أَنَّهُ يَصِحُّ بَيْعُهُ لِلْمُوصَى لَهُ دُونَ غَيْرِهِ.

[مغني المحتاج]

الْوَارِثِ (إعْتَاقُهُ) أَيْ الْعَبْدِ الْمُوصَى بِمَنْفَعَتِهِ وَلَوْ مُؤَبَّدًا؛ لِأَنَّهُ مَالِكٌ لِرَقَبَتِهِ وَتَبْقَى الْوَصِيَّةُ بِحَالِهَا، وَلَا يَرْجِعُ الْعَتِيقُ عَلَيْهِ بِقِيمَةِ الْمَنْفَعَةِ؛ لِأَنَّهُ مَلَكَ الرَّقَبَةَ مَسْلُوبَةَ الْمَنْفَعَةِ، وَلَا يَصِحُّ أَنْ يُكَاتِبَهُ وَلَا أَنْ يُعْتِقَهُ عَنْ كَفَّارَتِهِ لِعَجْزِهِ عَنْ الْكَسْبِ.
قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ إجْزَاؤُهُ عَنْ النَّذْرِ عَلَى الْخِلَافِ فِي أَنَّهُ يَسْلُكُ بِهِ مَسْلَكَ الْوَاجِبِ أَوْ الْجَائِزِ اهـ. وَيُؤْخَذُ مِنْ تَرْجِيحِ الْمُصَنِّفِ فِي بَابِ النَّذْرِ أَنَّ الْمَعِيبَ يُجْزِئُ أَنَّ هَذَا يُجْزِئُ أَيْضًا، وَلَوْ مَلَكَ هَذَا الْعَتِيقُ رَقِيقًا بِالْإِرْثِ أَوْ الْهِبَةِ أَوْ بِغَيْرِ ذَلِكَ فَازَ بِكَسْبِهِ، وَلَهُ أَنْ يَسْتَعِيرَ نَفْسَهُ مِنْ سَيِّدِهِ قِيَاسًا عَلَى مَا لَوْ أَجَّرَ الْحُرُّ نَفْسُهُ وَسَلَّمَهَا ثُمَّ اسْتَعَارَهَا (وَعَلَيْهِ) أَيْ الْوَارِثِ (نَفَقَتُهُ) وَكِسْوَتُهُ وَفِطْرَتُهُ (إنْ أَوْصَى بِمَنْفَعَتِهِ مُدَّةً) لِأَنَّهُ مَلَكَهُ كَمَا إذَا أَجَّرَهُ (وَكَذَا) إنْ أَوْصَى بِهَا (أَبَدًا فِي الْأَصَحِّ) بِأَنْ يَقُولَ أَبَدًا أَوْ مُدَّةَ حَيَاةِ الْعَبْدِ أَوْ يُطْلِقَ كَمَا مَرَّ، وَهُوَ مُتَمَكِّنٌ مِنْ دَفْعِ الضَّرَرِ عَنْهُ بِإِعْتَاقِهِ.
وَالثَّانِي: أَنَّهَا عَلَى الْمُوصَى لَهُ؛ لِأَنَّهُ مُسْتَوْفِي الْمَنْفَعَةِ فَهُوَ كَالزَّوْجِ، وَعَلَفُ الدَّابَّةِ كَنَفَقَةِ الرَّقِيقِ.
وَأَمَّا سَقْيُ الْبُسْتَانِ الْمُوصَى بِثَمَرِهِ، فَإِنْ تَرَاضَيَا عَلَيْهِ أَوْ تَبَرَّعَ بِهِ أَحَدُهُمَا فَظَاهِرٌ وَلَيْسَ لِلْآخَرِ مَنْعُهُ، وَإِنْ تَنَازَعَا لَمْ يُجْبَرْ وَاحِدٌ مِنْهُمَا، بِخِلَافِ النَّفَقَةِ لِحُرْمَةِ الرُّوحِ.

(وَ) لِلْوَارِثِ (بَيْعُهُ) أَيْ الْمُوصَى بِمَنْفَعَتِهِ لِلْمُوصَى لَهُ قَطْعًا وَلِغَيْرِهِ عَلَى الرَّاجِحِ (إنْ لَمْ يُؤَبَّدْ) الْمُوصَى بِمَنْفَعَتِهِ (كَالْمُسْتَأْجَرِ) وَالْجَامِعُ اسْتِحْقَاقُ الْمَنْفَعَةِ مُدَّةً مُؤَقَّتَةً، وَيُؤْخَذُ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ الْمُدَّةَ لَا بُدَّ أَنْ تَكُونَ مُعَيَّنَةً.
أَمَّا إذَا كَانَتْ مَجْهُولَةً كَحَيَاةِ زَيْدٍ فَيَتَعَيَّنُ الْقَطْعُ بِالْبُطْلَانِ كَمَا فِي الْمَطْلَبِ (وَإِنْ أَبَّدَ) الْمُوصِي الْمَنْفَعَةَ أَوْ كَانَتْ مَجْهُولَةً (فَالْأَصَحُّ أَنَّهُ يَصِحُّ بَيْعُهُ لِلْمُوصَى لَهُ) لِاجْتِمَاعِ الرَّقَبَةِ وَالْمَنْفَعَةِ لَهُ (دُونَ غَيْرِهِ) إذْ لَا فَائِدَةَ لِغَيْرِهِ فِيهِ: أَيْ فَائِدَةٌ ظَاهِرَةٌ تُقْصَدُ بِالْبَيْعِ، وَلَا عِبْرَةَ بِاحْتِمَالِ أَنَّهُ قَدْ يَجِدُ كَنْزًا أَوْ نَحْوَهُ.
وَالثَّانِي: يَصِحُّ مُطْلَقًا لِكَمَالِ الرَّقَبَةِ فِيهِ.
وَالثَّالِثُ: لَا يَصِحُّ مُطْلَقًا لِاسْتِغْرَاقِ الْمَنْفَعَةِ بِحَقِّ الْغَيْرِ - أَيْ فِي الْأُولَى وَلِجَهْلِ الْمُدَّةِ فِي الثَّانِيَةِ، وَعَلَى الْأَوَّلِ لَوْ اجْتَمَعَا عَلَى بَيْعِهِ فَالْقِيَاسُ كَمَا قَالَهُ الزَّرْكَشِيُّ الصِّحَّةُ، وَلَوْ أَرَادَ صَاحِبُ الْمَنْفَعَةِ بَيْعَهَا قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: فَقِيَاسُ مَا سَبَقَ الصِّحَّةُ مِنْ الْوَارِثِ دُونَ غَيْرِهِ، وَجَزَمَ بِهِ الدَّارِمِيُّ، وَالظَّاهِرُ كَمَا قَالَ شَيْخِي الصِّحَّةُ مُطْلَقًا؛ لِأَنَّ عِلَّةَ الْمَنْعِ الْمُتَقَدِّمَةَ لَا تَأْتِي هُنَا، وَسَيَأْتِي تَصْوِيرُ بَيْعِ الْمَنْفَعَةِ.

، وَلَوْ قُتِلَ الْمُوصَى بِمَنْفَعَتِهِ قَتْلًا يُوجِبُ الْقِصَاصَ فَاقْتَصَّ الْوَارِثُ مِنْ قَاتِلِهِ انْتَهَتْ الْوَصِيَّةُ كَمَا لَوْ مَاتَ أَوْ انْهَدَمَتْ الدَّارُ وَبَطَلَتْ مَنْفَعَتُهَا، فَإِنْ وَجَبَ مَالٌ بِعَفْوٍ عَلَى الْقِصَاصِ أَوْ بِجِنَايَةٍ تُوجِبُهُ اشْتَرَى بِهِ مِثْلَ الْمُوصَى بِمَنْفَعَتِهِ، وَلَوْ كَانَتْ الْجِنَايَةُ مِنْ الْوَارِثِ أَوْ الْمُوصَى لَهُ، وَلَوْ قَطَعَ طَرَفَهُ فَالْأَرْشُ لِلْوَارِثِ؛ لِأَنَّ الْمُوصَى بِهِ بَاقٍ مُنْتَفَعٌ بِهِ، وَمَقَادِيرُ الْمَنْفَعَةِ لَا تَنْضَبِطُ، وَلِأَنَّ الْأَرْشَ بَدَلُ بَعْضِ الْعَيْنِ، وَإِنْ جَنَى عَمْدًا اُقْتُصَّ مِنْهُ أَوْ خَطَأً أَوْ شِبْهَ عَمْدٍ أَوْ عَفَا عَلَى مَالٍ تَعَلَّقَ بِرَقَبَتِهِ وَبِيعَ فِي الْجِنَايَةِ إنْ لَمْ يَفْدِيَاهُ، فَإِنْ زَادَ الثَّمَنُ عَلَى الْأَرْشِ اشْتَرَى بِالزَّائِدِ مِثْلَهُ، وَإِنْ فَدَيَاهُ أَوْ أَحَدُهُمَا أَوْ غَيْرُهُمَا عَادَ كَمَا كَانَ، وَإِنْ فَدَى أَحَدُهُمَا نَصِيبَهُ فَقَطْ بِيعَ فِي الْجِنَايَةِ نَصِيبُ الْآخَرِ.
فَإِنْ قِيلَ: إذَا فُدِيَتْ الرَّقَبَةُ كَيْفَ تُبَاعُ الْمَنَافِعُ وَحْدَهَا؟ . أُجِيبَ بِأَنَّ بَيْعَهَا وَحْدَهَا مَعْقُولٌ فَقَدْ قَالُوا بِهِ فِي بَيْعِ

وَأَنَّهُ تُعْتَبَرُ قِيمَةُ الْعَبْدِ كُلُّهَا مِنْ الثُّلُثِ إنْ أَوْصَى بِمَنْفَعَتِهِ أَبَدًا، وَإِنْ أَوْصَى بِهَا مُدَّةً قُوِّمَ بِمَنْفَعَتِهِ ثُمَّ مَسْلُوبَهَا تِلْكَ الْمُدَّةَ، وَيُحْسَبُ النَّاقِصُ مِنْ الثُّلُثِ.

وَتَصِحُّ بِحَجٍّ تَطَوُّعٍ فِي الْأَظْهَرِ.

[مغني المحتاج]

حَقِّ الْبِنَاءِ عَلَى السَّطْحِ وَنَحْوِهِ بِأَنَّهَا تُبَاعُ وَحْدَهَا بِالْإِجَارَةِ (وَ) الْأَصَحُّ أَيْضًا (أَنَّهُ تُعْتَبَرُ قِيمَةُ الْعَبْدِ كُلُّهَا) رَقَبَتُهُ وَمَنْفَعَتُهُ (مِنْ الثُّلُثِ إنْ أَوْصَى بِمَنْفَعَتِهِ أَبَدًا) وَلَوْ بِحَيَاةِ الْمُوصَى لَهُ لِتَفْوِيتِ الْيَدِ كَمَا لَوْ بَاعَ بِثَمَنٍ مُؤَجَّلٍ، وَلِأَنَّ الْمَنْفَعَةَ الْمُؤَبَّدَةَ لَا يُمْكِنُ تَقْوِيمُهَا، وَلِأَنَّ مُدَّةَ عُمْرِهِ غَيْرُ مَعْلُومَةٍ فَتَعَيَّنَ تَقْوِيمُ الرَّقَبَةِ بِمَنَافِعِهَا.
وَيُؤْخَذُ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ الْمُدَّةَ الْمَجْهُولَةَ كَذَلِكَ.
وَالثَّانِي: وَخَرَّجَهُ ابْنُ سُرَيْجٍ: أَنَّهُ يُعْتَبَرُ مَا نَقَصَ مِنْ قِيمَتِهِ، إذْ لَا بُدَّ أَنْ يَبْقَى لَهُ قِيمَةٌ طَمَعًا فِي إعْتَاقِهِ، مِثَالُهُ أَوْصَى بِمَنْفَعَةِ عَبْدٍ قِيمَتُهُ بِمَنَافِعِهِ مِائَةٌ وَبِدُونِهَا عَشَرَةٌ، فَالْمُعْتَبَرُ مِنْ الثُّلُثِ عَلَى الْأَوَّلِ الْمِائَةُ لَا التِّسْعُونَ، فَيُعْتَبَرُ فِي نُفُوذِ الْوَصِيَّةِ أَنْ يَكُونَ لَهُ مِائَتَانِ، وَالْمُعْتَبَرُ عَلَى الثَّانِي تِسْعُونَ فَقَطْ، فَيُشْتَرَطُ أَنْ يَبْقَى لِلْوَرَثَةِ ضِعْفُ التِّسْعِينَ، وَعَلَى الْأَوَّلِ لَوْ أَوْصَى بِرَقَبَتِهِ دُونَ مَنْفَعَتِهِ لَمْ يُحْسَبْ الْعَبْدُ مِنْ الثُّلُثِ لِجَعْلِنَا الرَّقَبَةَ الْخَالِيَةَ عَنْ الْمَنْفَعَةِ كَالتَّالِفَةِ (وَإِنْ أَوْصَى بِهَا) أَيْ مَنْفَعَةِ الْعَبْدِ (مُدَّةً) مَعْلُومَةً (قُوِّمَ بِمَنْفَعَتِهِ ثُمَّ) قُوِّمَ (مَسْلُوبُهَا تِلْكَ الْمُدَّةَ، وَيُحْسَبُ النَّاقِصُ مِنْ الثُّلُثِ) لِأَنَّ الْحَيْلُولَةَ مُعَرَّضَةٌ لِلزَّوَالِ، فَلَوْ قُوِّمَ بِمَنْفَعَتِهِ بِمِائَةٍ وَبِدُونِهَا تِلْكَ الْمُدَّةَ بِثَمَانِينَ فَالْوَصِيَّةُ بِعِشْرِينَ، وَلَوْ أَوْصَى بِبَعْضِ الْمَنْفَعَةِ.
قَالَ ابْنُ الصَّلَاحِ: يَنْبَغِي أَنْ يُقَوَّمَ الْمُوصَى بِهِ دُونَ الْعَيْنِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُوصِ لَهُ بِجَمِيعِ مَنَافِعِهَا، وَلَوْ أَوْصَى لِزَيْدٍ بِمَنْفَعَةِ عَبْدٍ وَلِآخَرَ بِرَقَبَتِهِ فَرَدَّ الْمُوصَى لَهُ بِالْمَنْفَعَةِ الْوَصِيَّةَ عَادَتْ إلَى الْوَارِثِ كَمَا اخْتَارَهُ السُّبْكِيُّ تَنْبِيهٌ: ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ الْعَبْدَ مِثَالًا، فَإِنَّ مَنْفَعَةَ الدَّارِ وَثَمَرَةَ الْبُسْتَانِ كَذَلِكَ.

وَلَوْ انْهَدَمَتْ الدَّارُ الْمُوصَى بِمَنَافِعِهَا فَأَعَادَهَا الْوَارِثُ بِآلَتِهَا عَادَ حَقُّ الْمُوصَى لَهُ كَمَا صَحَّحَهُ الْمُصَنِّفُ، وَلَوْ غُصِبَ الْمُوصَى بِمَنَافِعِهِ فَأُجْرَتُهُ عَنْ مُدَّةِ الْغَصْبِ لِلْمُوصَى لَهُ لَا لِلْوَارِثِ، بِخِلَافِ نَظِيرِهِ فِي الْمُؤَجَّرِ؛ لِأَنَّهَا هُنَا بَدَلُ حَقِّهِ بِخِلَافِهَا ثَمَّ، فَإِنَّ الْإِجَارَةَ تَنْفَسِخُ فِي تِلْكَ الْمُدَّةِ فَتَعُودُ الْمَنَافِعُ إلَى مَالِكِ الرَّقَبَةِ.

(وَتَصِحُّ) الْوَصِيَّةُ (بِحَجٍّ) وَعُمْرَةِ (تَطَوُّعٍ فِي الْأَظْهَرِ) بِنَاءً عَلَى الْأَظْهَرِ مِنْ جَوَازِ النِّيَابَةِ فِيهِ؛ لِأَنَّهَا عِبَادَةٌ تَدْخُلُ النِّيَابَةُ فِي فَرْضِهَا فَتَدْخُلُ فِي نَفْلِهَا كَأَدَاءِ الزَّكَاةِ، فَإِنْ قِيلَ: قَدْ نُقِضَ هَذَا فِي الْمَجْمُوعِ بِالصَّوْمِ فَإِنَّهُ لَا نِيَابَةَ فِي نَفْلِهِ قَطْعًا.
أُجِيبَ بِأَنَّ النِّيَابَةَ تَصِحُّ فِي فَرْضِ الزَّكَاةِ وَفَرْضِ الْحَجِّ فِي الْحَيَاةِ بِشَرْطِهِ وَبَعْدَ الْمَمَاتِ، وَهُوَ الْمُرَادُ فَصَحَّتْ النِّيَابَةُ فِي نَفْلِهِمَا.
وَأَمَّا فَرْضُ الصَّوْمِ فَلَمْ تَصِحَّ النِّيَابَةُ فِيهِ فِي الْحَيَاةِ بِحَالٍ فَلَمْ تَقَعْ الْمُشَابَهَةُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمَا فَلَا يُنْقَضُ بِهِ ذَلِكَ.
فَإِنْ قِيلَ: ذَكَرُوا هُنَا فِي الصَّوْمِ عَنْ الْمَرِيضِ الْمَأْيُوسِ وَجْهَيْنِ مِنْ غَيْرِ تَرْجِيحٍ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: تَشْبِيهًا بِالْحَجِّ، وَقَضِيَّتُهُ الْجَوَازُ فَلَا يَصِحُّ الْجَوَابُ الْمَذْكُورُ.
أُجِيبَ بِأَنَّهُمْ صَرَّحُوا فِي بَابِ الصَّوْمِ بِأَنَّهُ لَا يَصِحُّ الصَّوْمُ عَنْ حَيٍّ بَلَا خِلَافٍ مَعْذُورًا كَانَ أَوْ غَيْرَهُ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ التَّشْبِيهِ الِاتِّحَادُ فِي التَّرْجِيحِ.
.

قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: وَيَجِيءُ الْخِلَافُ فِي حَجِّ الْوَارِثِ أَوْ الْأَجْنَبِيِّ عَمَّنْ مَاتَ وَلَمْ يَجِبْ

وَيُحَجُّ مِنْ بَلَدِهِ أَوْ الْمِيقَاتِ كَمَا قَيَّدَ، وَإِنْ أَطْلَقَ فَمِنْ الْمِيقَاتِ فِي الْأَصَحِّ.

وَحَجَّةُ الْإِسْلَامِ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ، فَإِنْ أَوْصَى بِهَا مِنْ رَأْسِ الْمَالِ أَوْ الثُّلُثِ عُمِلَ بِهِ،

[مغني المحتاج]

عَلَيْهِ الْحَجُّ لِفَقْدِ الِاسْتِطَاعَةِ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَطَعَ بِالصِّحَّةِ؛ لِأَنَّهُ يَقَعُ عَنْ الْوَاجِبِ فِيهَا، وَلِهَذَا لَوْ تَكَلَّفَ فِي الْحَيَاةِ وَقَعَ عَنْ فَرْضِهِ اهـ. وَالْقَطْعُ أَظْهَرُ، وَالثَّانِي: الْمَنْعُ؛ لِأَنَّ الضَّرُورَةَ فِي الْفَرْضِ مُنْتَفِيَةٌ فِي التَّطَوُّعِ، وَعَلَى الْأَوَّلِ تُحْسَبُ مِنْ الثُّلُثِ فَتَبْطُلُ إنْ عَجَزَ الثُّلُثُ أَوْ مَا يَخُصُّ الْحَجَّ مِنْهُ عَنْ أُجْرَةِ الْحَجِّ، وَيَرْجِعُ لِلْوَارِثِ كَمَا قَالَهُ الْقَاضِي حُسَيْنٌ فِي بَابِ الْحَجِّ، وَفَرَّقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَا لَوْ أَوْصَى بِالْعِتْقِ وَلَمْ يَفِ ثُلُثُهُ بِجَمِيعِ ثَمَنِ الرَّقَبَةِ حَيْثُ يَعْتِقُ بِقَدْرِهِ عَلَى وَجْهٍ بِأَنَّ عِتْقَ الْبَعْضِ قُرْبَةٌ كَالْكُلِّ وَالْحَجُّ لَا يَتَبَعَّضُ.

ثُمَّ شَرَعَ فِيمَا يُفْعَلُ عَنْ الْمَيِّتِ فَقَالَ (وَيُحَجُّ) بِضَمِّ أَوَّلِهِ (مِنْ بَلَدِهِ أَوْ الْمِيقَاتِ كَمَا قَيَّدَ) عَمَلًا بِوَصِيَّتِهِ، هَذَا إنْ وَسِعَهُ الثُّلُثُ وَإِلَّا فَمِنْ حَيْثُ أَمْكَنَ، نَصَّ عَلَيْهِ فِي عُيُونِ الْمَسَائِلِ (وَإِنْ) لَمْ يُقَيِّدْ بَلْ (أَطْلَقَ) الْحَجَّ (فَمِنْ الْمِيقَاتِ) يُحَجُّ عَنْهُ (فِي الْأَصَحِّ) حَمْلًا عَلَى أَقَلِّ الدَّرَجَاتِ.
وَالثَّانِي: مِنْ بَلَدِهِ؛ لِأَنَّ الْغَالِبَ التَّجْهِيزُ لِلْحَجِّ مِنْهُ.
وَأَجَابَ الْأَوَّلُ بِأَنَّ هَذَا لَيْسَ بِغَالِبٍ.
تَنْبِيهٌ: هَذَا إذَا قَالَ: حُجُّوا عَنِّي مِنْ ثُلُثٍ، فَإِنْ قَالَ: حُجُّوا عَنِّي بِثُلُثِي فَعَلَ مَا يُمْكِنُ بِهِ ذَلِكَ مِنْ حِجَّتَيْنِ فَأَكْثَرَ، فَإِنْ فَضَلَ مَا لَا يُمْكِنُ أَنْ يُحَجَّ بِهِ كَانَ لِلْوَارِثِ كَمَا مَرَّ.

(وَحَجَّةُ الْإِسْلَامِ) وَإِنْ لَمْ يُوصِ بِهَا تُحْسَبُ عَلَى الْمَشْهُورِ (مِنْ رَأْسِ الْمَالِ) كَسَائِرِ الدُّيُونِ وَأَوْلَى، وَكَذَا كُلُّ وَاجِبٍ بِأَصْلِ الشَّرْعِ كَالْعُمْرَةِ، وَالزَّكَاةِ، وَالْكَفَّارَةِ، سَوَاءٌ أَوْصَى بِهِ فِي الصِّحَّةِ أَمْ فِي الْمَرَضِ، وَحَجَّةُ النَّذْرِ كَحَجَّةِ الْإِسْلَامِ عَلَى الْأَصَحِّ كَذَا قَالَاهُ.
قَالَ ابْنُ الرِّفْعَةِ: وَمَحِلُّهُ إذَا الْتَزَمَهُ فِي الصِّحَّةِ، فَإِنْ الْتَزَمَهُ فِي الْمَرَضِ فَمِنْ الثُّلُثِ قَطْعًا، قَالَهُ الْفُورَانِيُّ وَنَقَلَهُ الْبُلْقِينِيُّ عَنْ الْإِمَامِ وَقَالَ: يَنْبَغِي الْفَتْوَى بِهِ (فَإِنْ أَوْصَى بِهَا مِنْ رَأْسِ الْمَالِ أَوْ) مِنْ (الثُّلُثِ عُمِلَ بِهِ) وَهُوَ فِي الْأُولَى تَأْكِيدٌ؛ لِأَنَّهُ الْمُعْتَبَرُ بِدُونِهَا وَفِي الثَّانِيَةِ قَصَدَ الرِّفْقَ بِالْوَرَثَةِ لِتَوْفِيرِ الثُّلُثَيْنِ فَتُزَاحَمُ الْوَصَايَا، بِخِلَافِ مَا لَوْ أَوْصَى بِعِتْقِ أُمِّ الْوَلَدِ مِنْ الثُّلُثِ فَإِنَّهَا تَعْتِقُ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ؛ لِأَنَّ الِاسْتِيلَادَ إتْلَافٌ فَلَمْ تُؤَثِّرْ فِيهِ الْوَصِيَّةُ، فَإِنْ لَمْ يَفِ الثُّلُثُ بِمَا ذَكَرَ لَمْ يُقَدَّمْ الْحَجُّ بَلْ يُوَزَّعْ عَلَيْهَا وَعَلَى الْحَجِّ بِالْحِصَّةِ وَيُكَمَّلُ الْوَاجِبَ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ كَمَا لَوْ قَالَ: اقْضُوا دَيْنِي مِنْ ثُلُثِي فَلَمْ يَفِ الثُّلُثُ بِهِ، وَحِينَئِذٍ تَدُورُ الْمَسْأَلَةُ لِتَوَقُّفِ مَعْرِفَةِ مَا تَتِمُّ بِهِ عَلَى مَعْرِفَةِ ثُلُثِ الْبَاقِي، وَطَرِيقُ اسْتِخْرَاجِهِ فِيمَا لَوْ أَوْصَى بِحَجَّةِ الْإِسْلَامِ مِنْ الثُّلُثِ وَالْأُجْرَةُ لَهَا مِائَةٌ وَأَوْصَى لِزَيْدٍ بِمِائَةٍ وَالتَّرِكَةُ ثَلَاثُمِائَةٍ أَنْ يُفْرَضَ مَا يَتِمُّ بِهِ الْحَجُّ شَيْئًا يَبْقَى ثَلَاثُمِائَةٍ إلَّا شَيْئًا انْزِعْ مِنْهَا ثُلُثَهَا وَهُوَ مِائَةٌ إلَّا ثُلُثَ شَيْءٍ اقْسِمْهُ بَيْنَ الْحَجِّ وَزَيْدٍ نِصْفَيْنِ، فَنَصِيبُ الْحَجِّ خَمْسُونَ إلَّا سُدُسَ شَيْءٍ فَيُضَمُّ إلَى ذَلِكَ الشَّيْءِ مَبْلَغُ خَمْسِينَ وَخَمْسَةِ أَسْدَاسٍ تَعْدِلُ مِائَةً وَذَلِكَ تَمَامُ الْأُجْرَةِ فَأَسْقِطْ خَمْسِينَ بِخَمْسِينَ يَبْقَى خَمْسَةُ أَسْدَاسِ شَيْءٍ فِي مُقَابَلَةِ خَمْسِينَ، وَإِذَا كَانَ خَمْسَةُ أَسْدَاسِ الشَّيْءِ خَمْسِينَ كَانَ الشَّيْءُ سِتِّينَ فَانْزِعْ السِّتِّينَ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ، ثُمَّ خُذْ ثُلُثَ الْبَاقِي وَهُوَ ثَمَانُونَ اقْسِمْهُ بَيْنَ الْوَصِيَّتَيْنِ يَحْصُلُ لِصَاحِبِ

وَإِنْ أَطْلَقَ الْوَصِيَّةَ بِهَا فَمِنْ رَأْسِ الْمَالِ، وَقِيلَ مِنْ الثُّلُثِ وَيَحُجُّ مِنْ الْمِيقَاتِ.

وَلِلْأَجْنَبِيِّ أَنْ يَحُجَّ عَنْ الْمَيِّتِ بِغَيْرِ إذْنِهِ فِي الْأَصَحِّ.

[مغني المحتاج]

الْوَصِيَّةِ أَرْبَعُونَ وَلِلْحَجِّ أَرْبَعُونَ فَهِيَ مَعَ السِّتِّينَ اللَّاتِي نَزَعْتهَا مِنْ رَأْسِ الْمَالِ تَمَامُ أُجْرَةِ الْحَجِّ (وَإِنْ أَطْلَقَ الْوَصِيَّةَ بِهَا) أَيْ بِحَجَّةِ الْإِسْلَامِ بِأَنْ لَمْ يُقَيِّدْهَا بِرَأْسِ مَالٍ وَلَا ثُلُثٍ (فَمِنْ رَأْسِ الْمَالِ) كَمَا لَوْ لَمْ يُوصِ وَتُحْمَلُ الْوَصِيَّةُ بِهَا عَلَى التَّأْكِيدِ وَالتِّذْكَارِ بِهَا (وَقِيلَ مِنْ الثُّلُثِ) لِأَنَّهُ مَصْرِفُ الْوَصَايَا فَيُحْمَلُ ذِكْرُ الْوَصِيَّةِ عَلَيْهِ، وَقَوْلُهُ (وَيَحُجُّ) عَنْهُ (مِنْ الْمِيقَاتِ) لِبَلَدِهِ مُفَرَّعٌ عَلَى الْقَوْلَيْنِ لَكِنْ عَلَى الْأَوَّلِ جَزْمًا وَعَلَى الثَّانِي عَلَى الْأَصَحِّ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ حَيًّا لَمْ يَلْزَمْهُ سِوَاهُ، وَلَا يَخْرُجُ مِنْ مَالِهِ إلَّا مَا كَانَ مُسْتَحَقًّا عَلَيْهِ، فَإِنْ أَوْصَى أَنْ يَحُجَّ عَنْهُ مِنْ دُوَيْرَةِ أَهْلِهِ اُمْتُثِلَ.
نَعَمْ إنْ أَوْصَى بِذَلِكَ مِنْ الثُّلُثِ وَعَجَزَ عَنْهُ فَمِنْ حَيْثُ أَمْكَنَ.

وَلَوْ قَالَ: أَحِجُّوا عَنِّي زَيْدًا بِخَمْسِينَ دِينَارًا مَثَلًا لَمْ يَجُزْ أَنْ يَنْقُصَ مِنْهَا شَيْءٌ مَعَ خُرُوجِهَا مِنْ الثُّلُثِ وَإِنْ وُجِدَ مَنْ يَحُجُّ بِدُونِهَا، فَإِنْ لَمْ تَخْرُجْ مِنْ الثُّلُثِ فَمِقْدَارُ أُجْرَةِ حَجَّةٍ مِنْ الْمِيقَاتِ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ، وَالزَّائِدُ مُعْتَبَرٌ مِنْ الثُّلُثِ كَسَائِرِ التَّبَرُّعَاتِ.
قَالَ ابْنُ شُهْبَةَ: وَيَنْبَغِي أَنْ يُتَفَطَّنَ لِذَلِكَ فَإِنَّهُ يَقَعُ كَثِيرًا وَإِنْ لَمْ يُعَيِّنْ أَحَدًا فَوُجِدَ مَنْ يَحُجَّ بِأَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ صُرِفَ إلَيْهِ ذَلِكَ الْقَدْرُ إذَا خَرَجَ مِنْ الثُّلُثِ وَكَانَ الْبَاقِي لِلْوَرَثَةِ كَمَا أَفْتَى بِهِ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَقِيلَ: يَجِبُ صَرْفُ الْجَمِيع وَرَجَّحَهُ الْأَذْرَعِيُّ.

وَلَوْ قَالَ: أَحِجُّوا عَنِّي زَيْدًا بِكَذَا وَلَمْ يُعَيِّنْ سَنَةً، فَامْتَنَعَ زَيْدٌ مِنْ حَجِّ عَامِ الْوَصِيَّةِ هَلْ يُؤَخَّرُ الْحَجُّ لِأَجْلِهِ أَوْ يُسْتَأْجَرُ غَيْرُهُ فِي عَامِ الْوَصِيَّةِ وَالْحَجُّ حَجَّةُ الْإِسْلَامِ؟ لَا نَقْلَ فِي ذَلِكَ.
قَالَ الْأَذْرَعِيُّ: وَيَظْهَرُ أَنَّهُ إنْ كَانَ قَدْ تَمَكَّنَ مِنْ الْحَجِّ فِي حَيَاتِهِ وَأَخَّرَ تَهَاوُنًا حَتَّى مَاتَ لَا تُؤَخَّرُ عَنْ عَامِهَا؛ لِأَنَّهُ مَاتَ عَاصِيًا بِالتَّأْخِيرِ عَلَى الْأَصَحِّ، فَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ الْإِحْجَاجُ عَنْهُ عَلَى الْفَوْرِ قَطْعًا وَإِنْ لَمْ يَكُنْ اسْتَقَرَّ عَلَيْهِ فِي حَيَاتِهِ وَلَا تَمَكَّنَ أَخَّرَهُ الْمُعَيَّنُ إلَى الْيَأْسِ مِنْ حَجِّهِ عَنْهُ؛ لِأَنَّهَا كَالتَّطَوُّعِ.
قَالَ: وَفِيهِ احْتِمَالٌ لِمَا فِي التَّأْخِيرِ مِنْ التَّغْرِيرِ اهـ. وَهَذَا أَظْهَرُ، وَلَوْ امْتَنَعَ الْمُعَيَّنُ مِنْ الْحَجِّ عَنْهُ أَحَجَّ غَيْرَهُ بِأُجْرَةِ الْمِثْلِ أَوْ أَقَلَّ إنْ كَانَ الْمُوصَى بِهِ حَجَّةَ الْإِسْلَامِ، وَإِنْ كَانَ تَطَوُّعًا فَهَلْ تَبْطُلُ الْوَصِيَّةُ؟ فِيهِ وَجْهَانِ أَصَحُّهُمَا لَا تَبْطُلُ.

(وَلِلْأَجْنَبِيِّ أَنْ يَحُجَّ) حَجَّةَ الْإِسْلَامِ وَكَذَا عُمْرَتَهُ وَحَجَّةَ النَّذْرِ وَعُمْرَتَهُ (عَنْ الْمَيِّتِ) مِنْ مَالِ نَفْسِهِ وَإِنْ لَمْ تَجِبْ عَلَيْهِ حَجَّةُ الْإِسْلَامِ وَعُمْرَتُهُ قَبْلَ مَوْتِهِ لِعَدَمِ اسْتِطَاعَتِهِ (بِغَيْرِ إذْنِهِ فِي الْأَصَحِّ) كَقَضَاءِ الدَّيْنِ.
وَالثَّانِي: لَا بُدَّ مِنْ إذْنِهِ لِلِافْتِقَارِ إلَى النِّيَّةِ، وَصَحَّحَهُ الْمُصَنِّفُ فِي نَظِيرِهِ مِنْ الصَّوْمِ فِي كِتَابِ الصِّيَامِ، وَفُرِّقَ الْأَوَّلُ بِأَنَّ لِلصَّوْمِ بَدَلًا وَهُوَ الْإِمْدَادُ.
تَنْبِيهٌ: قَوْلُهُ: بِغَيْرِ إذْنِهِ ظَاهِرُهُ إذْنُ الْمَيِّتِ قَبْلَ وَفَاتِهِ، وَهُوَ ظَاهِرٌ إذَا كَانَ إذْنُهُ فِي حَالِ جَوَازِ الِاسْتِنَابَةِ.
وَقَالَ ابْنُ الْمُلَقَّنِ بَعْدَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ بِغَيْرِ إذْنِهِ: أَوْ بِغَيْرِ إذْنِ الْوَارِثِ كَذَا صَوَّرَاهَا فِي الرَّوْضَةِ وَأَصْلِهَا وَهُوَ صَحِيحٌ أَيْضًا فَإِنَّهُ إذَا أَذِنَ الْوَارِثُ صَحَّ قَطْعًا.
قَالَ الْأَذْرَعِيُّ: وَحِينَئِذٍ فَيَنْبَغِي أَنْ يُقَالَ بِغَيْرِ إذْنٍ لِيَشْمَلَ إذْنَهُ وَإِذْنَ الْوَارِثِ وَالْحَاكِمِ حَيْثُ لَا وَارِثَ أَوْ كَانَ الْوَارِثُ الْخَاصُّ طِفْلًا وَنَحْوَهُ.
اهـ. وَإِذَا عَيَّنَ الْمَيِّتُ شَخْصًا تَعَيَّنَ وَارِثًا كَانَ أَوْ غَيْرَهُ، وَقَوْلُهُ: لِلْأَجْنَبِيِّ قَدْ يُفْهِمُ أَنَّ

وَيُؤَدِّي الْوَارِثُ عَنْهُ الْوَاجِبَ الْمَالِيَّ فِي كَفَّارَةٍ مُرَتَّبَةٍ، وَيُطْعِمُ وَيَكْسُو فِي الْمُخَيَّرَةِ، وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ يُعْتِقُ أَيْضًا، وَأَنَّ لَهُ الْأَدَاءَ مِنْ مَالِهِ إذَا لَمْ تَكُنْ تَرِكَةٌ،

[مغني المحتاج]

لِلْقَرِيبِ أَنْ يَحُجَّ عَنْهُ جَزْمًا وَإِنْ لَمْ يَكُنْ وَارِثًا، وَيُؤَيِّدُهُ مَا سَبَقَ فِي الصَّوْمِ عَنْهُ، لَكِنْ قَيَّدَهُ فِي الشَّرْحِ وَالرَّوْضَةِ بِالْوَارِثِ وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ، وَفِي مَعْنَى الْوَارِثِ الْوَصِيُّ كَمَا قَالَهُ الدَّارِمِيُّ وَالسَّيِّدُ.

فَلَوْ كَانَ عَلَى الْعَبْدِ حَجَّةُ نَذْرٍ وَمَاتَ وَلَمْ يُوصِ بِهَا فَوَجْهَانِ، فَإِنْ جَوَّزْنَا فَحَجَّ السَّيِّدُ عَنْهُ أَوْ غَيْرُهُ بِإِذْنِ السَّيِّدِ صَحَّ، أَوْ بِغَيْرِ إذْنِهِ فَوَجْهَانِ حَكَاهُمَا الرُّويَانِيُّ عَنْ وَالِدِهِ وَقَالَ: إنَّهُمَا مَبْنِيَّانِ عَلَى الْوَجْهَيْنِ هُنَا أَمَّا حَجُّ التَّطَوُّعِ فَقَالَ الْعِرَاقِيُّونَ: إنْ لَمْ يُوصِ بِهِ لَمْ يَصِحَّ عَنْهُ، وَنَقَلَ الْمُصَنِّفُ فِي الْمَجْمُوعِ فِي كِتَابِ الْحَجِّ الِاتِّفَاقَ عَلَيْهِ مَعَ حِكَايَتِهِ هُنَا تَبَعًا لِلرَّافِعِيِّ عَنْ السَّرَخْسِيِّ أَنَّ لِلْوَارِثِ الِاسْتِنَابَةَ، وَأَنَّ الْأَجْنَبِيَّ لَا يَسْتَقِلُّ بِهِ عَلَى الْأَصَحِّ، وَمَا ذُكِرَ فِي كِتَابِ الْحَجِّ هُوَ الْمُعْتَمَدُ، وَجَرَى عَلَيْهِ ابْنُ الْمُقْرِي فِي رَوْضِهِ هُنَا، وَعِبَارَتُهُ مَعَ الشَّرْحِ: وَلَوْ حَجَّ عَنْهُ الْوَارِثُ أَوْ الْأَجْنَبِيُّ تَطَوُّعًا بِلَا وَصِيَّةٍ لَمْ يَصِحَّ لِعَدَمِ وُجُوبِهِ عَلَى الْمَيِّتِ، وَفِي كَلَامِ الشَّارِحِ مَا يُوهِمُ اعْتِمَادَ الثَّانِي، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ أَجِيرَ الْمُتَطَوِّعِ عَبْدًا أَوْ صَبِيًّا بِخِلَافِ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ، وَفِي النَّذْرِ خِلَافٌ مَبْنِيٌّ عَلَى مَاذَا يَسْلُكُ بِهِ، وَقَدْ مَرَّ الْكَلَامُ عَلَى ذَلِكَ فِي كِتَابِ الْحَجِّ.

وَيَجُوزُ لِلْأَجْنَبِيِّ أَنْ يُؤَدِّيَ عَنْ الْمَيِّتِ زَكَاةَ الْفِطْرِ وَزَكَاةَ الْمَالِ عَلَى الْأَصَحِّ الْمَنْصُوصِ كَمَا قَالَاهُ فِي الرَّوْضَةِ وَأَصْلِهَا وَهَلْ يُثَابُ الْمَيِّتُ عَلَيْهِ؟ . قَالَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ: إنْ كَانَ قَدْ امْتَنَعَ بَلَا عُذْرٍ لَهُ فِي التَّأْخِيرِ لَمْ يُثَبْ وَإِلَّا أُثِيبَ.

(وَيُؤَدِّي الْوَارِثُ عَنْهُ) أَيْ الْمَيِّتِ مِنْ التَّرِكَةِ (الْوَاجِبَ الْمَالِيَّ) كَعِتْقٍ وَإِطْعَامٍ وَكِسْوَةٍ (فِي كَفَّارَةٍ مُرَتَّبَةٍ) وَهِيَ كَفَّارَةُ وِقَاعِ رَمَضَانَ وَالظِّهَارِ وَالْقَتْلِ وَيَكُونُ الْوَلَاءُ لِلْمَيِّتِ فِي الْعِتْقِ، وَخَرَجَ بِالْمَالِيِّ الْبَدَنِيُّ كَالصَّوْمِ وَقَدْ مَرَّ الْكَلَامُ عَلَيْهِ فِي بَابِهِ (وَيُطْعِمُ وَيَكْسُو) الْوَارِثُ أَيْضًا مِنْ التَّرِكَةِ (فِي) الْكَفَّارَةِ (الْمُخَيَّرَةِ) وَهِيَ كَفَّارَةُ الْيَمِينِ، وَنَذْرُ اللَّجَاجِ وَتَحْرِيمُ عَيْنِ الْأَمَةِ أَوْ الزَّوْجَةِ، وَالْوَاوُ فِي وَيَكْسُو بِمَعْنَى أَوْ (وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ) أَيْ الْوَارِثَ (يُعْتِقُ أَيْضًا) فِي الْمُخَيَّرَةِ كَالْمُرَتَّبَةِ؛ لِأَنَّهُ نَائِبُهُ شَرْعًا فَإِعْتَاقُهُ كَإِعْتَاقِهِ.
وَالثَّانِي: قَالَ: لَا ضَرُورَةَ هُنَا إلَى الْعِتْقِ.
تَنْبِيهٌ: أَطْلَقَ الْمُصَنِّفُ التَّخْيِيرَ هُنَا بَيْنَ الثَّلَاثِ، وَالْوَاجِبُ عَلَيْهِ كَمَا قَالَ الرَّافِعِيُّ فِي كِتَابِ الْأَيْمَانِ أَقَلُّهَا قِيمَةً (وَ) الْأَصَحُّ (أَنَّ لَهُ) أَيْ الْوَارِثِ (الْأَدَاءَ مِنْ مَالِهِ إذَا لَمْ تَكُنْ تَرِكَةٌ) سَوَاءٌ الْعِتْقُ وَغَيْرُهُ كَقَضَاءِ الدَّيْنِ.
وَالثَّانِي: لَا لِبُعْدِ الْعِبَادَةِ عَنْ النِّيَابَةِ.
وَالثَّالِثُ: يُمْنَعُ الْإِعْتَاقُ فَقَطْ لِتَعَذُّرِ إثْبَاتِ الْوَلَاءِ لِلْمَيِّتِ تَنْبِيهٌ: قَوْلُهُ: إذَا لَمْ تَكُنْ تَرِكَةٌ قَدْ يُفْهَمُ مِنْهُ مَنْعُهُ عِنْدَ وُجُودِ التَّرِكَةِ، وَفِي كَلَامِ الرَّافِعِيِّ مَا يُوَافِقُهُ بَحْثًا فَإِنَّهُ قَالَ: يُشْبِهُ أَنَّهُ قَالَ: كَالْأَجْنَبِيِّ وَنَازَعَهُ السُّبْكِيُّ فِيهِ، وَقَالَ: الَّذِي يَظْهَرُ جَوَازُ الْأَدَاءِ مِنْ مَالِهِ مَعَ وُجُودِ تَرِكَتِهِ، قَالَ: ثُمَّ رَأَيْتُ فِي الْبَيَانِ مَا يُوَافِقُهُ، وَقَالَ الْبُلْقِينِيُّ: مَا اقْتَضَاهُ مَفْهُومُ كَلَامِ الْكِتَابِ وَغَيْرُهُ مِنْ الْمَنْعِ عِنْدَ وُجُودِ تَرِكَةٍ بَعِيدٌ مِنْ النَّظَرِ، لِأَنَّ لِلْوَارِثِ إمْسَاكَ التَّرِكَةِ وَقَضَاءَ حَقِّ الْآدَمِيِّ الْمَبْنِيِّ عَلَى الْمُضَايَقَةِ مِنْ غَيْرِهَا فَحَقُّ اللَّهِ - تَعَالَى - أَوْلَى اهـ. وَهُوَ ظَاهِرٌ، وَلَعَلَّ

وَأَنَّهُ يَقَعُ عَنْهُ لَوْ تَبَرَّعَ أَجْنَبِيٌّ بِطَعَامٍ أَوْ كِسْوَةٍ، لَا إعْتَاقٍ فِي الْأَصَحِّ.

وَتَنْفَعُ الْمَيِّتَ صَدَقَةٌ وَدُعَاءٌ مِنْ وَارِثٍ وَأَجْنَبِيٍّ.

[مغني المحتاج]

تَقْيِيدَ الْمُصَنِّفِ لِإِثْبَاتِ الْخِلَافِ لَا لِلْمَنْعِ (وَ) الْأَصَحُّ (أَنَّهُ) أَيْ كُلًّا مِنْ الْإِطْعَامِ وَالْكِسْوَةِ (يَقَعُ عَنْهُ) أَيْ الْمَيِّتِ (لَوْ تَبَرَّعَ أَجْنَبِيٌّ) هُوَ غَيْرُ الْوَارِثِ عَنْهُ (بِطَعَامٍ أَوْ كِسْوَةٍ) كَقَضَاءِ دَيْنِهِ.
وَالثَّانِي: لَا لِبُعْدِ الْعِبَادَةِ عَنْ النِّيَابَةِ (لَا إعْتَاقٍ) تَبَرَّعَ بِهِ أَجْنَبِيٌّ عَنْ الْمَيِّتِ فَلَا يَقَعُ عَنْهُ (فِي الْأَصَحِّ) لِاجْتِمَاعِ بُعْدِ الْعِبَادَةِ عَنْ النِّيَابَةِ وَبُعْدِ الْوَلَاءِ لِلْمَيِّتِ.
وَالثَّانِي: يَقَعُ عَنْهُ كَغَيْرِهِ، وَهَذَا التَّصْحِيحُ فِي الْمُخَيَّرَةِ وَالْمُرَتَّبَةِ أَخْذًا مِنْ الْإِطْلَاقِ، وَلَا يُنَافِي ذَلِكَ كَمَا قَالَ الشَّارِحُ مَا فِي الرَّوْضَةِ كَأَصْلِهَا فِي كِتَابِ الْأَيْمَانِ مِنْ تَصْحِيحِ الْوُقُوعِ فِي الْمُرَتَّبَةِ بِنَاءً عَلَى تَعْلِيلِ الْمَنْعِ فِي الْمُخَيَّرَةِ بِسُهُولَةِ التَّكْفِيرِ بِغَيْرِ إعْتَاقٍ؛ لِأَنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى مَرْجُوحٍ فَالْمُعْتَمَدُ مَا هُنَا وَإِنْ خَالَفَ فِي ذَلِكَ الْإِسْنَوِيُّ وَغَيْرُهُ.

وَلَوْ مَاتَ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ وَلَا تَرِكَةَ فَأَدَّاهُ الْوَارِثُ مِنْ مَالِهِ وَجَبَ عَلَى الْمُسْتَحِقِّ الْقَبُولُ، بِخِلَافِ مَا إذَا تَبَرَّعَ بِهِ أَجْنَبِيٌّ؛ لِأَنَّ الْوَارِثَ قَائِمٌ مَقَامَ مُوَرِّثِهِ.
.

ثُمَّ شَرَعَ فِيمَا يَنْفَعُ الْمَيِّتَ فَقَالَ (وَتَنْفَعُ الْمَيِّتَ صَدَقَةٌ) عَنْهُ، وَوَقْفٌ، وَبِنَاءُ مَسْجِدٍ، وَحَفْرُ بِئْرٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ (وَدُعَاءٌ) لَهُ (مِنْ وَارِثٍ وَأَجْنَبِيٍّ) كَمَا يَنْفَعُهُ مَا فَعَلَهُ مِنْ ذَلِكَ فِي حَيَاتِهِ، وَلِلْإِجْمَاعِ وَالْأَخْبَارِ الصَّحِيحَةِ فِي بَعْضِهَا كَخَبَرِ: «إذَا مَاتَ ابْنُ آدَمَ انْقَطَعَ عَمَلُهُ إلَّا مِنْ ثَلَاثٍ: صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ، أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ، أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ» وَخَبَرِ «سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ: قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّ أُمِّي مَاتَتْ أَفَأَتَصَدَّقُ عَنْهَا؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: أَيُّ الصَّدَقَةِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: سَقْيُ الْمَاءِ» رَوَاهُمَا مُسْلِمٌ وَغَيْرُهُ.
وَرَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. قَالَ: «إنَّ اللَّهَ يَرْفَعُ الدَّرَجَةَ لِلْعَبْدِ فِي الْجَنَّةِ، فَيَقُولُ يَا رَبِّ أَنَّى لِي هَذَا؟ فَيُقَالُ: بِإِسْقَاءِ وَلَدِكَ لَكَ» وَقَالَ - تَعَالَى -: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ﴾ [الحشر: 10] أَثْنَى عَلَيْهِمْ بِالدُّعَاءِ لِلسَّابِقِينَ.
وَأَمَّا قَوْله تَعَالَى: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلإِنْسَانِ إِلا مَا سَعَى﴾ [النجم: 39] فَعَامٌّ مَخْصُوصٌ بِذَلِكَ.
وَقِيلَ: مَنْسُوخٌ بِهِ، وَكَمَا يَنْتَفِعُ الْمَيِّتُ بِذَلِكَ يَنْتَفِعُ بِهِ الْمُتَصَدِّقُ.
وَلَا يَنْقُصُ مِنْ أَجْرِ الْمُتَصَدِّقِ شَيْءٌ؛ وَلِهَذَا يُسْتَحَبُّ لَهُ أَنْ يَنْوِيَ بِصَدَقَتِهِ عَنْ أَبَوَيْهِ.
تَنْبِيهٌ: كَلَامُ الْمُصَنِّفِ قَدْ يُفْهِمُ أَنَّهُ لَا يَنْفَعُهُ ثَوَابٌ غَيْرُ ذَلِكَ كَالصَّلَاةِ عَنْهُ قَضَاءً أَوْ غَيْرِهَا، وَقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ، وَهَا هُوَ الْمَشْهُورُ عِنْدَنَا، وَنَقَلَهُ الْمُصَنِّفُ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ وَالْفَتَاوَى عَنْ الشَّافِعِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَالْأَكْثَرِينَ، وَاسْتَثْنَى صَاحِبُ التَّلْخِيصِ مِنْ الصَّلَاةِ رَكْعَتَيْ الطَّوَافِ، وَقَالَ: يَأْتِي بِهِمَا الْأَجِيرُ عَنْ الْمَحْجُوجِ عَنْهُ تَبَعًا لِلطَّوَافِ وَصَحَّحَاهُ، وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ فِي بَعْضِ فَتَاوِيهِ: لَا يَجُوزُ أَنْ يَجْعَلَ ثَوَابَ الْقِرَاءَةِ لِلْمَيِّتِ؛ لِأَنَّهُ تَصَرَّفَ فِي الثَّوَابِ مِنْ غَيْرِ إذْنِ الشَّارِعِ.
وَحَكَى الْقُرْطُبِيُّ فِي التَّذْكِرَةِ أَنَّهُ رُئِيَ فِي الْمَنَامِ بَعْدَ وَفَاتِهِ فَسُئِلَ عَنْ ذَلِكَ: فَقَالَ: كُنْتُ أَقُولُ ذَلِكَ فِي الدُّنْيَا، وَالْآنَ بَانَ لِي أَنَّ ثَوَابَ الْقِرَاءَةِ يَصِلُ إلَى الْمَيِّتِ.
وَحَكَى الْمُصَنِّفُ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ وَالْأَذْكَارِ وَجْهًا أَنَّ ثَوَابَ الْقِرَاءَةِ يَصِلُ إلَى الْمَيِّتِ كَمَذْهَبِ الْأَئِمَّةِ الثَّلَاثَةِ، وَاخْتَارَهُ جَمَاعَةٌ مِنْ الْأَصْحَابِ مِنْهُمْ ابْنُ الصَّلَاحِ،

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

[مغني المحتاج]

وَالْمُحِبُّ الطَّبَرِيُّ، وَابْنُ أَبِي الدَّمِ، وَصَاحِبُ الذَّخَائِرِ، وَابْنُ أَبِي عَصْرُونٍ، وَعَلَيْهِ عَمَلُ النَّاسِ، وَمَا رَآهُ الْمُسْلِمُونَ حَسَنًا فَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ حَسَنٌ، وَقَالَ السُّبْكِيُّ: وَاَلَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ الْخَبَرُ بِالِاسْتِنْبَاطِ أَنَّ بَعْضَ الْقُرْآنِ إذَا قُصِدَ بِهِ نَفْعُ الْمَيِّتِ وَتَخْفِيفُ مَا هُوَ فِيهِ نَفَعَهُ، إذْ ثَبَتَ أَنَّ الْفَاتِحَةَ لَمَّا قَصَدَ بِهَا الْقَارِئُ نَفْعَ الْمَلْدُوغِ نَفَعَتْهُ، وَأَقَرَّهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِقَوْلِهِ: «وَمَا يُدْرِيكَ أَنَّهَا رُقْيَةٌ» وَإِذَا نَفَعَتْ الْحَيَّ بِالْقَصْدِ كَانَ نَفْعُ الْمَيِّتِ بِهَا أَوْلَى اهـ. وَقَدْ جَوَّزَ الْقَاضِي حُسَيْنٌ الِاسْتِئْجَارَ عَلَى قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ عِنْدَ الْمَيِّتِ، وَقَالَ ابْنُ الصَّلَاحِ، وَيَنْبَغِي أَنْ يَقُولَ: اللَّهُمَّ أَوْصِلْ ثَوَابَ مَا قَرَأْنَا لِفُلَانٍ فَيَجْعَلَهُ دُعَاءً، وَلَا يَخْتَلِفُ فِي ذَلِكَ الْقَرِيبُ وَالْبَعِيدُ، وَيَنْبَغِي الْجَزْمُ بِنَفْعِ هَذَا؛ لِأَنَّهُ إذَا نَفَعَ الدُّعَاءُ وَجَازَ بِمَا لَيْسَ لِلدَّاعِي فَلَأَنْ يَجُوزَ بِمَا لَهُ أَوْلَى، وَهَذَا لَا يَخْتَصُّ بِالْقِرَاءَةِ بَلْ يَجْرِي فِي سَائِرِ الْأَعْمَالِ، وَكَانَ الشَّيْخُ بُرْهَانُ الدِّينِ الْفَزَارِيّ يُنْكِرُ قَوْلَهُمْ: اللَّهُمَّ أَوْصِلْ ثَوَابَ مَا تَلَوْته إلَى فُلَانٍ خَاصَّةً وَإِلَى الْمُسْلِمِينَ عَامَّةً، قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: وَالظَّاهِرُ خِلَافُ مَا قَالَهُ فَإِنَّ الثَّوَابَ قَدْ يَتَفَاوَتُ فَأَعْلَاهُ مَا خَصَّ زَيْدًا، وَأَدْنَاهُ مَا كَانَ عَامًّا، وَاَللَّهُ تَعَالَى يَتَصَرَّفُ فِيمَا يُعْطِيهِ مِنْ الثَّوَابِ بِمَا يَشَاءُ وَقَدْ أَشَارَ الرُّويَانِيُّ فِي أَوَّلِ الْحِلْيَةِ إلَى هَذَا، فَقَالَ: صَلَاةُ اللَّهِ - تَعَالَى - عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَاصَّةً، وَعَلَى النَّبِيِّينَ عَامَّةً اهـ. .

وَأَمَّا ثَوَابُ الْقِرَاءَةِ إلَى سَيِّدِنَا رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَمَنَعَ الشَّيْخُ تَاجُ الدِّينِ الْفَزَارِيّ مِنْهُ وَعَلَّلَهُ بِأَنَّهُ لَا يَتَجَرَّأُ عَلَى الْجَنَابِ الرَّفِيعِ إلَّا بِمَا أَذِنَ فِيهِ، وَلَمْ يَأْذَنْ إلَّا فِي الصَّلَاةِ عَلَيْهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَسُؤَالِ الْوَسِيلَةِ، قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: وَلِهَذَا اخْتَلَفُوا فِي جَوَازِ الدُّعَاءِ لَهُ بِالرَّحْمَةِ، وَإِنْ كَانَتْ بِمَعْنَى الصَّلَاةِ لِمَا فِي الصَّلَاةِ مِنْ مَعْنَى التَّعْظِيمِ بِخِلَافِ الرَّحْمَةِ الْمُجَرَّدَةِ، وَجَوَّزَهُ بَعْضُهُمْ وَاخْتَارَهُ السُّبْكِيُّ وَاحْتَجَّ بِأَنَّ ابْنَ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - كَانَ يَعْتَمِرُ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عُمْرَةً بَعْدَ مَوْتِهِ مِنْ غَيْرِ وَصِيَّةٍ.
وَحَكَى الْغَزَالِيُّ فِي الْإِحْيَاءِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْمُوَفَّقِ وَكَانَ مِنْ طَبَقَةِ الْجُنَيْدِ أَنَّهُ حَجَّ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حِجَجًا، وَعَدَّهَا الْفُقَّاعِيُّ سِتِّينَ حَجَّةً، وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ السَّرَّاجِ النَّيْسَابُورِيِّ أَنَّهُ خَتَمَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَكْثَرَ مِنْ عَشْرَةِ آلَافِ خَتْمَةٍ وَضَحَّى عَنْهُ مِثْلَ ذَلِكَ اهـ. وَلَكِنَّ هَؤُلَاءِ أَئِمَّةٌ مُجْتَهِدُونَ فَإِنَّ مَذْهَبَ الشَّافِعِيِّ أَنَّ التَّضْحِيَةَ عَنْ الْغَيْرِ بِغَيْرِ إذْنِهِ لَا تَجُوزُ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْمُصَنِّفُ فِي بَابِ الْأُضْحِيَّةِ، وَعِبَارَتُهُ هُنَاكَ: وَلَا تَضْحِيَةَ عَنْ الْغَيْرِ بِغَيْرِ إذْنِهِ، وَلَا عَنْ الْمَيِّتِ إذَا لَمْ يُوصِ بِهَا.

وَاعْلَمْ أَنَّهُ قَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ الْمُصَنِّفَ أَسْقَطَ الْقِسْمَ الثَّالِثَ مِنْ أَقْسَامِ الْوَصِيَّةِ وَهُوَ مَا يَتَعَلَّقُ بِالْحِسَابِ، وَلَا بَأْسَ بِذِكْرِ طُرُقٍ مِنْهُ فَنَقُولُ: لَوْ أَوْصَى لِزَيْدٍ بِمِثْلِ نَصِيبِ ابْنِهِ الْحَائِزِ، وَأَجَازَ الْوَصِيَّةَ أُعْطِيَ النِّصْفَ لِاقْتِضَائِهَا أَنْ يَكُونَ لِكُلٍّ مِنْهُمَا نَصِيبٌ، وَأَنْ يَكُونَ النَّصِيبَانِ مِثْلَيْنِ، وَإِنْ رُدَّتْ الْوَصِيَّةُ رُدَّتْ إلَى الثُّلُثِ، وَإِنْ أَوْصَى لَهُ بِنَصِيبٍ كَنَصِيبِ أَحَدِ أَبْنَائِهِ وَلَهُ ابْنَانِ، فَهُوَ كَابْنٍ آخَرَ مَعَهُمْ، فَلَوْ كَانُوا ثَلَاثَةً كَانَتْ الْوَصِيَّةُ بِالرُّبْعِ وَهَكَذَا، وَضَابِطُهُ أَنْ تُصَحِّحَ الْفَرِيضَةَ بِدُونِ الْوَصِيَّةِ، وَتَزِيدَ فِيهَا مِثْلَ نَصِيبِ الْمُوصِي بِمِثْلِ نَصِيبِهِ.

فَإِنْ كَانَ لَهُ بِنْتٌ وَأَوْصَى بِمِثْلِ نَصِيبِهَا فَالْوَصِيَّةُ بِالثُّلُثِ فَإِنَّ الْفَرِيضَةَ مِنْ اثْنَيْنِ لَوْ لَمْ تَكُنْ وَصِيَّةٌ فَيُزَادُ عَلَيْهِمَا سَهْمٌ لِلْمُوصَى لَهُ أَوْ كَانَ بِنْتَانِ فَأَوْصَى بِمِثْلِ نَصِيبِ إحْدَاهُمَا فَالْوَصِيَّةُ بِالرُّبْعِ؛ لِأَنَّ الْفَرِيضَةَ كَانَتْ مِنْ ثَلَاثَةٍ لَوْلَا الْوَصِيَّةُ لِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا سَهْمٌ فَتَزِيدُ لِلْمُوصَى لَهُ سَهْمًا تَبْلُغُ أَرْبَعَةً، وَإِنْ أَوْصَى

فَصْلٌ لَهُ الرُّجُوعُ عَنْ الْوَصِيَّةِ وَعَنْ بَعْضِهَا بِقَوْلِهِ: نَقَضْتُ الْوَصِيَّةَ أَوْ أَبْطَلْتهَا أَوْ رَجَعْتُ فِيهَا أَوْ فَسَخْتُهَا أَوْ هَذَا لِوَارِثِي.

[مغني المحتاج]

بِمِثْلِ نَصِيبِ بِنْتٍ وَلَهُ ثَلَاثُ بَنَاتٍ، فَالْوَصِيَّةُ بِسَهْمَيْنِ مِنْ أَحَدَ عَشَرَ؛ لِأَنَّهَا مِنْ تِسْعَةٍ لَوْلَا الْوَصِيَّةُ فَتَزِيدُهُمَا عَلَى التِّسْعَةِ تَبْلُغُ أَحَدَ عَشَرَ.

وَلَوْ أَوْصَى بِمِثْلِ نَصِيبِ ابْنِهِ وَلَا ابْنٌ لَهُ وَارِثٌ بَطَلَتْ وَصِيَّتُهُ إذْ لَا نَصِيبَ لِلِابْنِ بِخِلَافِ مَا لَوْ أَوْصَى بِمِثْلِ نَصِيبِ ابْنٍ وَلَا ابْنَ لَهُ تَصِحُّ الْوَصِيَّةُ كَمَا فِي الْكَافِي، وَكَأَنَّهُ قَالَ بِمِثْلِ نَصِيبِ ابْنٍ لِي لَوْ كَانَ، وَلَوْ أَوْصَى وَلَهُ ثَلَاثَةُ بَنِينَ بِمِثْلِ نَصِيبِ بِنْتٍ لَوْ كَانَتْ فَالْوَصِيَّةُ بِالثُّمُنِ؛ لِأَنَّهَا مِنْ سَبْعَةٍ، لَوْلَا الْوَصِيَّةُ، وَنَصِيبُ الْبِنْتِ مِنْهَا سَهْمٌ فَتَزِيدُ عَلَى السَّبْعَةِ وَاحِدًا تَبْلُغُ ثَمَانِيَةً.

وَإِنْ أَوْصَى لِزَيْدٍ بِمِثْلِ نَصِيبِ أَحَدِ أَوْلَادِهِ أَوْ وَرَثَتِهِ أُعْطِيَ كَأَقَلِّهِمْ نَصِيبًا؛ لِأَنَّهُ الْمُتَيَقَّنُ فَزِدْ عَلَى مَسْأَلَتِهِمْ لَوْلَا الْوَصِيَّةُ مِثْلَ سَهْمِ أَقَلِّهِمْ، فَلَوْ كَانَ لَهُ ابْنٌ وَبِنْتٌ فَالْوَصِيَّةُ بِالرُّبْعِ فَيُقَسَّمُ الْمَالُ كَمَا يُقَسَّمُ بَيْنَ ابْنٍ وَبِنْتَيْنِ.

وَلَوْ أَوْصَى بِنَصِيبٍ مِنْ مَالِهِ أَوْ بِجُزْءٍ أَوْ حَظٍّ أَوْ قِسْطٍ أَوْ بِشَيْءٍ قَلِيلٍ أَوْ كَثِيرٍ أَوْ عَظِيمٍ أَوْ سَهْمٍ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ رَجَعَ إلَى الْوَارِثِ فِي تَفْسِيرِهِ، وَيُقْبَلُ تَفْسِيرُهُ بِأَقَلَّ مُتَمَوَّلٍ كَمَا فِي الْإِقْرَارِ، فَإِنْ ادَّعَى الْمُوصَى لَهُ زِيَادَةً حَلَفَ الْوَارِثُ أَنَّهُ لَا يَعْلَمُ إرَادَتَهَا، وَلَوْ أَوْصَى بِالثُّلُثِ إلَّا شَيْئًا قُبِلَ تَفْسِيرُهُ بِأَقَلَّ مُتَمَوَّلٍ، وَحُمِلَ الشَّيْءُ الْمُسْتَثْنَى عَلَى الْأَكْثَرِ لِيَقَعَ التَّفْسِيرُ بِالْأَقَلِّ، وَإِنْ قَالَ: أَعْطُوهُ مِنْ وَاحِدٍ إلَى عَشَرَةٍ أَوْ وَاحِدًا فِي عَشَرَةٍ فَكَمَا فِي الْإِقْرَارِ أَوْ أَعْطُوهُ أَكْثَرَ مَالِي أَوْ مُعْظَمَهُ أَوْ عَامَّتَهُ، فَالْوَصِيَّةُ بِمَا فَوْقَ النِّصْفِ؛ لِأَنَّ اللَّفْظَ ظَاهِرٌ فِيهِ، وَإِنْ قَالَ: أَعْطُوهُ زُهَاءَ أَلْفٍ بِضَمِّ الزَّايِ وَالْمَدِّ فَبِمَا فَوْقَ نِصْفِهِ، فَإِنْ قِيلَ: مَعْنَى زُهَاءَ أَلْفٍ لُغَةً قَدْرُهُ فَيَنْبَغِي أَنْ يَلْزَمَهُ أَلْفٌ.
أُجِيبَ بِأَنَّ مَعْنَاهُ قَدْرُهُ تَقْرِيبًا لَا تَحْدِيدًا مِنْ زَهَوْتُهُ بِكَذَا أَيْ حَزَرْتُهُ حَكَاهُ الصَّغَانِيُّ قُلِبَتْ الْوَاوُ هَمْزَةً لِتَطَرُّفِهَا أَثَرَ أَلِفٍ زَائِدَةٍ كَمَا فِي كِسَاءٍ أَوْ أَعْطُوهُ دَرَاهِمَ أَوْ دَنَانِيرَ حُمِلَ عَلَى ثَلَاثَةٍ؛ لِأَنَّهَا أَقَلُّ الْجَمْعِ مِنْ غَالِبِ الْبَلَدِ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ غَالِبُ نَقْدٍ فَسَّرَهُ الْوَارِثُ.
وَفِي هَذَا الْقَدْرِ كِفَايَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ، فَإِنَّ الْحِسَابَ فَنٌّ طَوِيلٌ وَلِذَا جَعَلُوهُ عِلْمًا بِرَأْسِهِ، وَأَفْرَدُوهُ بِالتَّصْنِيفِ فَالْحَوَالَةُ عَلَى مُصَنَّفَاتِهِ.

[فَصْلٌ فِي الرُّجُوعُ عَنْ الْوَصِيَّةِ]

ِ (لَهُ) أَيْ الْمُوصِي (الرُّجُوعُ عَنْ الْوَصِيَّةِ) أَيْ عَنْ التَّبَرُّعِ الْمُتَعَلِّقِ بِالْمَوْتِ بِالْإِجْمَاعِ كَمَا حَكَاهُ الْأُسْتَاذُ أَبُو مَنْصُورٍ، وَلِأَنَّهُ عَطِيَّةٌ لَمْ يَزُلْ عَنْهَا مِلْكُ مُعْطِيهَا فَأَشْبَهَتْ الْهِبَةَ قَبْلَ الْقَبْضِ (وَعَنْ بَعْضِهَا) كَمَنْ أَوْصَى بِشَيْءٍ ثُمَّ رَجَعَ عَنْ بَعْضِهِ، لِمَا رَوَى الْبَيْهَقِيُّ عَنْ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - يُغَيِّرُ الرَّجُلُ مِنْ وَصِيَّتِهِ مَا شَاءَ.
أَمَّا الْمُنْجَزُ فِي الْمَرَضِ فَلَا يَجُوزُ الرُّجُوعُ عَنْهُ، وَإِنْ كَانَ يُعْتَبَرُ مِنْ الثُّلُثِ إلَّا فِيمَا لِفَرْعِهِ كَالْهِبَةِ، وَيَحْصُلُ الرُّجُوعُ بِالْقَوْلِ بِأُمُورٍ مِنْهَا مَا أَشَارَ إلَيْهِ الْمُصَنِّفُ (بِقَوْلِهِ) أَيْ الْمُوصِي: (نَقَضْتُ الْوَصِيَّةَ أَوْ أَبْطَلْتهَا) أَوْ رَفَعْتُهَا أَوْ رَدَدْتُهَا (أَوْ رَجَعْتُ فِيهَا أَوْ فَسَخْتُهَا) أَوْ أَزَلْتُهَا، وَنَحْوَ ذَلِكَ مِنْ الصَّرَائِحِ، وَكَذَا لَوْ قَالَ: هُوَ حَرَامٌ عَلَى الْمُوصَى لَهُ عَلَى الْمَذْهَبِ (أَوْ هَذَا لِوَارِثِي) بَعْدَ مَوْتِي مُشِيرًا إلَى الْمُوصَى بِهِ أَوْ هُوَ مِيرَاثٌ عَنِّي؛

وَبِبَيْعٍ وَإِعْتَاقٍ وَإِصْدَاقٍ وَكَذَا هِبَةٍ أَوْ رَهْنٍ مَعَ قَبْضٍ وَكَذَا دُونَهُ فِي الْأَصَحِّ، وَبِوَصِيَّةٍ بِهَذِهِ التَّصَرُّفَاتِ، وَكَذَا تَوْكِيلٌ فِي بَيْعِهِ وَعَرَضَهُ عَلَيْهِ فِي الْأَصَحِّ.

[مغني المحتاج]

لِأَنَّهُ لَا يَكُونُ لِوَارِثِهِ إلَّا إذَا انْقَطَعَ تَعَلُّقُ الْمُوصَى لَهُ عَنْهُ.
فَإِنْ قِيلَ: يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ بِبُطْلَانِ نِصْفِ الْوَصِيَّةِ حَمْلًا عَلَى التَّشْرِيكِ بَيْنَ الْوَارِثِ وَالْمُوصَى لَهُ كَمَا سَيَأْتِي فِيمَا لَوْ أَوْصَى بِشَيْءٍ لِزَيْدٍ ثُمَّ أَوْصَى بِهِ لِعَمْرٍو أَنَّ الْوَصِيَّةَ الثَّانِيَةَ تَشْرِيكٌ.
أُجِيبَ بِأَنَّهَا إنَّمَا كَانَتْ تَشْرِيكًا ثَمَّ لِمُشَارَكَتِهَا الْأُولَى فِي التَّبَرُّعِ بِخِلَافِ مَا هُنَا الْمُعْتَضِدُ بِقُوَّةِ الْإِرْثِ الثَّابِتِ قَهْرًا وَبِأَنَّ قَوْلَهُ: هَذَا لِوَارِثِي بَعْدَ مَوْتِي مَفْهُومُ صِفَةٍ أَيْ لَا لِغَيْرِهِ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ: هُوَ لِعَمْرٍو بَعْدَ قَوْلِهِ هُوَ لِزَيْدٍ فَمَفْهُومُ لَقَبٍ وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَيْسَ بِحُجَّةٍ، فَلِذَلِكَ قِيلَ فِيهِ بِالتَّشْرِيكِ دُونَ تِلْكَ، وَلَوْ قَالَ: هُوَ تَرِكَتِي لَمْ يَكُنْ رُجُوعًا؛ لِأَنَّ الْوَصِيَّةَ مِنْ التَّرِكَةِ.

، وَلَوْ سُئِلَ عَنْ الْوَصِيَّةِ فَأَنْكَرَهَا قَالَ الرَّافِعِيُّ: فَهُوَ عَلَى مَا مَرَّ فِي جَحْدِ الْوَكَالَةِ - أَيْ فَيُفَرَّقُ فِيهِ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ لِغَرَضٍ فَلَا يَكُونُ رُجُوعًا أَوْ لَا لِغَرَضٍ فَيَكُونُ رُجُوعًا - وَهَذَا هُوَ الْمُعْتَمَدُ، وَوَقَعَ فِي أَصْلِ الرَّوْضَةِ هُنَا أَنَّهُ رُجُوعٌ، وَفِي التَّدْبِيرِ أَنَّهُ لَيْسَ بِرُجُوعٍ، وَيُمْكِنُ حَمْلُ ذَلِكَ عَلَى مَا مَرَّ.

(وَ) يَحْصُلُ الرُّجُوعُ أَيْضًا عَنْ الْوَصِيَّةِ لَا بِصِيغَةِ رُجُوعٍ بَلْ بِتَصَرُّفِ الْمُوصِي فِيهَا (بِبَيْعٍ) وَإِنْ حَصَلَ بَعْدَهُ فَسْخٌ وَلَوْ بِخِيَارِ الْمَجْلِسِ (وَ) نَحْوِ (إعْتَاقٍ وَإِصْدَاقٍ) مِنْ التَّصَرُّفَاتِ النَّاجِزَةِ اللَّازِمَةِ فِي الْحَيَاةِ بِالْإِجْمَاعِ كَمَا نَقَلَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ؛ لِأَنَّهُ يَدُلُّ عَلَى الْإِعْرَاضِ عَنْ الْوَصِيَّةِ، وَتَنْفُذُ هَذِهِ التَّصَرُّفَاتُ، وَلَا تَعُودُ الْوَصِيَّةُ لَوْ عَادَ الْمِلْكُ.
قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: وَلَا يَجِيءُ فِيهِ الْخِلَافُ فِي نَظِيرِهِ مِنْ الْفَلَسِ وَالْهِبَةِ لِلْوَلَدِ؛ لِأَنَّ لِلْبَائِعِ وَالْوَالِدِ حَقًّا لَيْسَ لِلْمُشْتَرِي وَلِلْوَالِدِ إبْطَالُهُ.
وَأَمَّا الْمُوصِي فَلَهُ إبْطَالُ الْوَصِيَّةِ (وَكَذَا هِبَةٍ أَوْ رَهْنٍ مَعَ قَبْضٍ) فِي كُلٍّ مِنْهُمَا رُجُوعٌ جَزْمًا لِزَوَالِ الْمِلْكِ فِي الْأُولَى وَتَعْرِيضِهِ لِلْبَيْعِ فِي الثَّانِيَةِ، وَلَكِنْ فِي الرَّهْنِ وَجْهٌ أَنَّهُ لَيْسَ بِرُجُوعٍ؛ لِأَنَّهُ لَا يُزِيلُ الْمِلْكَ (وَكَذَا دُونَهُ) أَيْ يَكُونُ ذَلِكَ رُجُوعًا مِنْ غَيْرِ قَبْضٍ فِيهِمَا (فِي الْأَصَحِّ) لِأَنَّهُ عُرْضَةٌ لِزَوَالِ الْمِلْكِ، وَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى الْإِعْرَاضِ عَنْ الْوَصِيَّةِ، وَالثَّانِي لَا لِبَقَاءِ مِلْكِهِ.
تَنْبِيهٌ: مَا ذُكِرَ فِي الْهِبَةِ مَحِلُّهُ فِي الصَّحِيحَةِ.
وَأَمَّا الْفَاسِدَةُ فَحَكَى الْمَاوَرْدِيُّ فِيهَا ثَلَاثَةَ أَوْجُهٍ: ثَالِثُهَا: إنْ اتَّصَلَ بِهَا الْقَبْضُ كَانَتْ رُجُوعًا وَإِلَّا فَلَا.
قَالَ فِي الْكِفَايَةِ: وَكَلَامُهُ يُفْهِمُ طَرْدَهُمَا فِي الرَّهْنِ الْفَاسِدِ،.
وَالْأَوْجَهُ كَمَا قَالَ شَيْخُنَا أَنَّهُ رُجُوعٌ فِيهِمَا مُطْلَقًا كَالْعَرْضِ عَلَى مَا يَأْتِي، بَلْ أَوْلَى (وَ) يَحْصُلُ الرُّجُوعُ أَيْضًا (بِوَصِيَّةٍ بِهَذِهِ التَّصَرُّفَاتِ) فِيمَا أَوْصَى بِهِ كَبَيْعٍ وَهِبَةٍ وَمَا عُطِفَ عَلَيْهِمَا لِإِشْعَارِهِ بِالرُّجُوعِ (وَكَذَا تَوْكِيلٌ فِي بَيْعِهِ) أَيْ الْمُوصَى بِهِ (وَعَرْضُهُ عَلَيْهِ) أَوْ عَلَى الرَّهْنِ أَوْ الْهِبَةِ يَكُونُ رُجُوعًا (فِي الْأَصَحِّ) لِأَنَّهُ تَوَسُّلٌ إلَى أَمْرٍ يَحْصُلُ بِهِ الرُّجُوعُ، وَالثَّانِي: يَكُونُ رُجُوعًا فِي النِّصْفِ فَقَطْ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي الرَّوْضَةِ بِالنِّسْبَةِ لِلْوَصِيَّةِ وَالتَّوْكِيلِ لَا مُطْلَقًا كَمَا يُوهِمُهُ إطْلَاقُ الْمَتْنِ فِي الْجَمِيعِ وَالرَّوْضَةُ فِي الْعَرْضِ.

وَلَوْ أَجَّرَ الْمُوصَى بِهِ أَوْ أَعَارَهُ أَوْ اسْتَخْدَمَهُ، أَوْ رَكِبَ الْمَرْكُوبَ، أَوْ لَبِسَ الثَّوْبَ، أَوْ أَذِنَ لِلرَّقِيقِ فِي التِّجَارَةِ، أَوْ كَانَتْ جَارِيَةً فَزَوَّجَهَا أَوْ وَطِئَهَا وَإِنْ أَنْزَلَ، أَوْ عَلَّمَهَا صَنْعَةً أَوْ عَبْدًا فَزَوَّجَهُ، أَوْ عَلَّمَهُ صَنْعَةً أَوْ سُئِلَ عَنْ الْوَصِيَّةِ فَقَالَ: لَا أَدْرِي

وَخَلْطُ حِنْطَةٍ مُعَيَّنَةٍ رُجُوعٌ.

وَلَوْ وَصَّى بِصَاعٍ مِنْ صُبْرَةٍ فَخَلَطَهَا بِأَجْوَدَ مِنْهَا فَرُجُوعٌ أَوْ بِمِثْلِهَا، فَلَا، وَكَذَا بِأَرْدَأَ فِي الْأَصَحِّ.

وَطَحْنُ حِنْطَةٍ وَصَّى بِهَا وَبَذْرُهَا وَعَجْنُ دَقِيقٍ وَغَزْلُ قُطْنٍ وَنَسْجُ غَزْلٍ وَقَطْعُ ثَوْبٍ قَمِيصًا وَبِنَاءٌ وَغِرَاسٌ فِي عَرْصَةٍ رُجُوعٌ.

[مغني المحتاج]

لَمْ يَكُنْ رُجُوعًا؛ لِأَنَّ هَذَا لَا يُنَافِي الْوَصِيَّةَ بَلْ هِيَ إمَّا انْتِفَاعٌ وَلَهُ الْمَنْفَعَةُ وَالرَّقَبَةُ قَبْلَ مَوْتِهِ، وَإِمَّا اسْتِصْلَاحٌ قُصِدَ بِهِ إفَادَةَ الْمُوصَى لَهُ.
تَنْبِيهٌ: هَذَا كُلُّهُ فِي وَصِيَّةٍ بِمُعَيَّنٍ.

، فَإِنْ أَوْصَى بِثُلُثِ مَالِهِ ثُمَّ هَلَكَ أَوْ تَصَرَّفَ فِي جَمِيعِهِ بِبَيْعٍ أَوْ غَيْرِهِ لَمْ يَكُنْ رُجُوعًا؛ لِأَنَّ الثُّلُثَ مُطْلَقٌ لَا يَخْتَصُّ بِمَا مَلَكَهُ وَقْتَ الْوَصِيَّةِ، بَلْ الْعِبْرَةُ بِمَا مَلَكَهُ عِنْدَ الْمَوْتِ زَادَ أَوْ نَقَصَ أَوْ تَبَدَّلَ كَمَا جَزَمَ بِهِ فِي الرَّوْضَةِ وَأَصْلِهَا وَغَيْرِهِمَا.

(وَخَلْطُ حِنْطَةٍ مُعَيَّنَةٍ) وَصَّى بِهَا بِحِنْطَةٍ أُخْرَى (رُجُوعٌ) سَوَاءٌ أَخَلَطَهَا بِمِثْلِهَا أَمْ بِغَيْرِهِ لِتَعَذُّرِ التَّسْلِيمِ بِمَا أَحْدَثَهُ فِي الْعَيْنِ.
تَنْبِيهٌ: الْمُرَادُ بِالْخَلْطِ مَا لَا يُمْكِنُ تَمْيِيزُهُ، فَإِنْ أَمْكَنَ فَلَا رُجُوعَ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي الْكِفَايَةِ وَتَعْلِيلُهُمْ مُصَرَّحٌ بِهِ، وَكَانَ الْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ كَالرَّوْضَةِ: وَخَلَطَهُ - أَيْ الْمُوصِي - لِأَنَّهَا لَوْ اخْتَلَطَتْ بِنَفْسِهَا أَوْ خَلَطَهَا غَيْرُهُ بِغَيْرِ إذْنِهِ لَمْ يُؤَثِّرْ.

وَلَوْ كَانَ الْمُوصَى بِهِ صَاعًا مَثَلًا مِنْ الْحِنْطَةِ بِغَيْرِ تَعْيِينٍ فَحُكْمُهُ مَذْكُورٌ فِي قَوْلِهِ (وَلَوْ وَصَّى بِصَاعٍ مِنْ صُبْرَةٍ) مُعَيَّنَةٍ (فَخَلَطَهَا) الْمُوصِي (بِأَجْوَدَ مِنْهَا فَرُجُوعٌ) لِأَنَّهُ أَحْدَثَ بِالْخَلْطِ زِيَادَةً لَمْ يَرْضَ بِتَسْلِيمِهَا وَلَا يُمْكِنُ بِدُونِهَا، وَاحْتُرِزَ بِخَلْطِهِ عَمَّا لَوْ اخْتَلَطَتْ بِنَفْسِهَا أَوْ خَلَطَهَا أَجْنَبِيٌّ بِغَيْرِ إذْنِهِ فَإِنَّهُ لَا يُؤَثِّرُ (أَوْ بِمِثْلِهَا فَلَا) لِأَنَّهُ لَمْ يُحْدِثْ تَغْيِيرًا (وَكَذَا) لَوْ خَلَطَهَا (بِأَرْدَأَ) مِنْهَا (فِي الْأَصَحِّ) لِأَنَّهُ كَالتَّعْيِيبِ، وَالثَّانِي: رُجُوعٌ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُهُ فَأَشْبَهَ الْخَلْطَ بِالْأَجْوَدِ.

فَإِنْ أَوْصَى بِصَاعٍ مِنْ حِنْطَةٍ وَلَمْ يَصِفْهَا وَلَمْ يُعَيِّنْ الصَّاعَ فَلَا أَثَرَ لِلْخَلْطِ، وَيُعْطِيهِ الْوَارِثُ مَا شَاءَ مِنْ حِنْطَةِ التَّرِكَةِ، فَإِنْ قَالَ: مِنْ مَالِي حَصَّلَهُ الْوَارِثُ، فَإِنْ وَصَفَهَا وَقَالَ: مِنْ حِنْطَتِي الْفُلَانِيَّةِ فَالْوَصْفُ مَرْعِيٌّ، فَإِنْ بَطَلَ بِخَلْطِهِ بَطَلَتْ الْوَصِيَّةُ (وَطَحْنُ حِنْطَةٍ وَصَّى بِهَا وَبَذْرُهَا) بِمُعْجَمَةٍ بِخَطِّهِ أَيْ حِنْطَةٍ وَصَّى بِهَا وَكَذَا يُقَدَّرُ فِي بَقِيَّةِ الْمَعْطُوفَاتِ (وَعَجْنُ دَقِيقٍ) وَخَبْزُ عَجِينٍ وَذَبْحُ شَاةٍ وَإِحْضَانُ بَيْضٍ لِنَحْوِ دَجَاجٍ لِيَتَفَرَّخَ وَدَبْغُ جِلْدٍ وَطَبْخُ لَحْمٍ (وَغَزْلُ قُطْنٍ وَنَسْجُ غَزْلٍ وَقَطْعُ ثَوْبٍ قَمِيصًا) وَصَبْغُهُ أَوْ قِصَارَتُهُ وَجَعْلُ الْخَشَبِ بَابًا (وَبِنَاءٌ وَغِرَاسٌ فِي عَرْصَةٍ رُجُوعٌ) عَنْ الْوَصِيَّةِ لِمَعْنَيَيْنِ: أَحَدُهُمَا: زَوَالُ الِاسْمِ قَبْلَ اسْتِحْقَاقِ الْمُوصَى لَهُ فَكَانَ كَالتَّلَفِ.
وَالثَّانِي: الْإِشْعَارُ بِالْإِعْرَاضِ عَنْ الْوَصِيَّةِ، وَيُعْزَى الْأَوَّلُ مِنْهُمَا إلَى النَّصِّ، وَالثَّانِي: إلَى أَبِي إِسْحَاقَ وَعَلَيْهِمَا يَنْبَنِي مَا لَوْ حَصَلَ ذَلِكَ بِغَيْرِ إذْنِهِ، فَقِيَاسُ الْأَوَّلِ أَنَّهُ رُجُوعٌ وَقِيَاسُ الثَّانِي الْمَنْعُ.
هَذَا وَالْأَوْجَهُ كَمَا قَالَ شَيْخُنَا أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا تَعْلِيلٌ مُسْتَقِلٌّ، فَإِنَّ الْأَصْحَابَ يُعَلِّلُونَ بِكُلٍّ مِنْهُمَا، فَلَوْ طَبَخَ الْمُوصِي اللَّحْمَ أَوْ شَوَاهُ أَوْ جَعَلَهُ وَهُوَ لَا يَفْسُدُ قَدِيدًا، أَوْ جَعَلَ الْخُبْزَ فَتِيتًا، أَوْ حَشَى الْقُطْنَ فِرَاشًا أَوْ جُبَّةً كَانَ رُجُوعًا لِإِشْعَارِ ذَلِكَ بِالصَّرْفِ عَنْ الْوَصِيَّةِ، وَلِأَنَّ الْقَدِيدَ لَا يُسَمَّى لَحْمًا عَلَى الْإِطْلَاقِ، وَإِنَّمَا يُسَمَّى لَحْمَ قَدِيدٍ بِخِلَافِ مَا لَوْ جَفَّفَ رُطَبًا أَوْ قَدَّدَ لَحْمًا قَدْ يَفْسُدُ فَإِنَّهُ لَيْسَ بِرُجُوعٍ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ صَوْنٌ لِلرُّطَبِ وَاللَّحْمِ عَنْ الْفَسَادِ فَلَا يُشْعِرُ بِتَغَيُّرِ الْقَصْدِ.
فَإِنْ قِيلَ:

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

[مغني المحتاج]

خَبْزُ الْعَجِينِ لِلصَّوْنِ عَنْ الْفَسَادِ أَيْضًا مَعَ أَنَّهُ رُجُوعٌ.
أُجِيبَ بِأَنَّ فِيهِ مَعَ صَوْنِهِ تَهْيِئَتَهُ لِلْأَكْلِ بِخِلَافِ مَا هُنَا، وَقِيلَ: إنَّ ذَلِكَ رُجُوعٌ لِزَوَالِ الِاسْمِ، وَبِخِلَافِ مَا لَوْ خَاطَ الثَّوْبَ وَهُوَ مَقْطُوعٌ حِينَ الْوَصِيَّةِ أَوْ غَسَلَهُ أَوْ نَقَلَ الْمُوصَى بِهِ إلَى مَكَان آخَرَ وَلَوْ بَعِيدًا عَنْ مَحِلِّ الْوَصِيَّةِ فَلَا يَكُونُ ذَلِكَ رُجُوعًا، إذْ لَا إشْعَارَ لِكُلٍّ مِنْهَا بِالرُّجُوعِ، وَخَرَجَ بِبِنَاءٍ وَغِرَاسٍ الزَّرْعُ فِي الْعَرْصَةِ فَلَا يَكُونُ رُجُوعًا كَلِبْسِ الثَّوْبِ، نَعَمْ إنْ كَانَ الْمَزْرُوعُ مِمَّا تَبْقَى أُصُولُهُ، فَالْأَقْرَبُ كَمَا قَالَ الْأَذْرَعِيُّ إلَى كَلَامِهِمْ فِي بَيْعِ الْأُصُولِ وَالثِّمَارِ أَنَّهُ كَالْغِرَاسِ؛ لِأَنَّهُ يُرَادُ لِلدَّوَامِ.

، وَلَوْ عَمَّرَ بُسْتَانًا أَوْ أَوْصَى بِهِ لَمْ يَكُنْ رُجُوعًا إلَّا إنْ غَيَّرَ اسْمَهُ كَأَنْ جَعَلَهُ خَانًا أَوْ لَمْ يُغَيِّرْهُ لَكِنْ أَحْدَثَ فِيهِ بَابًا مِنْ عِنْدَهُ فَيَكُونُ رُجُوعًا، وَهَدْمُ الدَّارِ الْمُبْطِلُ لِاسْمِهَا رُجُوعٌ فِي النَّقْضِ مِنْ طُوبٍ وَخَشَبٍ، وَفِي الْعَرْصَةِ أَيْضًا لِظُهُورِ ذَلِكَ فِي الصَّرْفِ عَنْ جِهَةِ الْوَصِيَّةِ، وَانْهِدَامُهَا وَلَوْ بِهَدْمِ غَيْرِهِ يُبْطِلُهَا فِي النَّقْضِ لِبُطْلَانِ الِاسْمِ لَا فِي الْعَرْصَةِ وَالْآسِ إنْ بَقِيَ لِبَقَائِهَا بِحَالِهِمَا، هَذَا إنْ بَطَلَ الِاسْمُ وَإِلَّا بَطَلَ فِي نَقْضِ الْمُنْهَدِمِ مِنْهَا فَقَطْ كَمَا نَقَلَهُ ابْنُ الرِّفْعَةِ عَنْ النَّصِّ وَقَطَعَ الْجُمْهُورُ، وَلَا أَثَرَ لِانْهِدَامِهَا بَعْدَ الْمَوْتِ وَقَبْلَ الْقَبُولِ وَإِنْ زَالَ اسْمُهَا بِذَلِكَ لِاسْتِقْرَارِ الْوَصِيَّةِ بِالْمَوْتِ وَبَقَاءِ اسْمِ الدَّارِ يَوْمَئِذٍ.

فُرُوعٌ: لَوْ أَوْصَى بِمَنْفَعَةِ رَقِيقٍ مَثَلًا سَنَةً ثُمَّ أَجَّرَهُ سَنَةً وَمَاتَ عَقِبَ الْإِجَارَةِ بَطَلَتْ وَصِيَّتُهُ؛ لِأَنَّ الْمُسْتَحَقَّ لِلْمُوصَى لَهُ السَّنَةُ الْأُولَى، فَإِذَا انْصَرَفَتْ إلَى جِهَةٍ أُخْرَى بَطَلَتْ الْوَصِيَّةُ، أَوْ مَاتَ بَعْدَ سِتَّةِ أَشْهُرٍ بَطَلَتْ فِي النَّصِّ الْأَوَّلِ، وَلَوْ حَبَسَ الرَّقِيقَ الْوَارِثُ السَّنَةَ بَلَا عُذْرٍ غَرِمَ لِلْمُوصَى لَهُ الْأُجْرَةَ، وَلَا أَثَرَ لِانْقِضَاءِ مُدَّةِ الْإِجَارَةِ قَبْلَ مَوْتِهِ.

وَلَوْ أَوْصَى بِخِدْمَةِ عَبْدٍ لِشَخْصٍ سَنَةً غَيْرَ مُعَيَّنَةٍ صَحَّ ذَلِكَ وَيُعَيِّنُ الْوَارِثُ ذَلِكَ، قَالَ الْأَذْرَعِيُّ: وَيُشْبِهُ أَنْ يُقَالَ: يُحْمَلُ الْإِطْلَاقُ عَلَى سَنَةٍ مُتَّصِلَةٍ بِمَوْتِهِ لَا سِيَّمَا إذَا كَانَ الْمُوصَى لَهُ مُضْطَرًّا إلَى مَنْ يَخْدُمُهُ لِمَرَضٍ أَوْ زَمَانَةٍ وَعَلِمَ الْمُوصِي وَقَصَدَ إعَانَتَهُ.
وَأَمَّا إحَالَةُ الْأَمْرِ عَلَى تَعْيِينِ الْوَارِثِ فَلَيْسَ بِالْوَاضِحِ قَالَ: لَكِنْ يَشْهَدُ لَهُ قَوْلُ الْقَاضِي: لَوْ أَوْصَى بِثَمَرَةِ هَذَا الْبُسْتَانِ سَنَةً وَلَمْ يُعَيِّنْهَا فَتَعْيِينُهَا إلَى الْوَارِثِ اهـ. وَقَدْ يَدُلُّ لِلْبَحْثِ الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى فَإِنَّ الْوَصِيَّةَ حُمِلَتْ فِيهَا عَلَى السَّنَةِ الْأُولَى، وَقَدْ يُفَرَّقُ بِأَنَّ الْوَصِيَّةَ بِالْمَنَافِعِ تَقْتَضِي تَمْلِيكَهُ بِجَمِيعِ مَنَافِعِهِ فَكَانَ الْمُنَاسِبُ لِذَلِكَ الْحَمْلَ عَلَى السَّنَةِ الْأُولَى، وَهُنَاكَ خَصَّهُ بِنَوْعٍ مِنْهَا وَهُوَ الْخِدْمَةُ، فَجُعِلَتْ الْخِيَرَةُ فِي زَمَنِهِ لِلْوَارِثِ.

وَلَوْ أَوْصَى لِزَيْدٍ بِمِائَةٍ مُعَيَّنَةٍ ثُمَّ بِمِائَةٍ أُخْرَى مُعَيَّنَةٍ اسْتَحَقَّهُمَا وَإِنْ أَطْلَقَهُمَا أَوْ إحْدَاهُمَا فَمِائَةٌ؛ لِأَنَّهَا الْمُتَيَقَّنَةُ الْمَنْفَعَةِ، وَلَوْ أَوْصَى بِمِائَةٍ ثُمَّ خَمْسِينَ فَخَمْسُونَ فَقَطْ؛ لِأَنَّهُ رُبَّمَا قَصَدَ تَقْلِيلَ حَقِّهِ فَيُؤْخَذُ بِالْيَقِينِ، وَإِنْ أَوْصَى بِهِ بِخَمْسِينَ ثُمَّ بِمِائَةٍ فَمِائَةٌ؛ لِأَنَّهَا الْمُتَيَقَّنَةُ، فَلَوْ وَجَدْنَا الْوَصِيَّتَيْنِ وَلَمْ نَعْلَمْ الْمُتَأَخِّرَةَ مِنْهُمَا أُعْطِيَ الْمُتَيَقَّنَ وَهُوَ خَمْسُونَ؛ لِاحْتِمَالِ تَأَخُّرِ الْوَصِيَّةِ بِهَا.

وَلَوْ أَوْصَى لِزَيْدٍ بِمِائَةٍ وَلِعَمْرٍو بِمِائَةٍ ثُمَّ قَالَ لِآخَرَ: أَشْرَكْتُك مَعَهُمَا أُعْطِيَ نِصْفَ مَا بِيَدِهِمَا، وَلَوْ أَوْصَى بِعَيْنٍ لِزَيْدٍ ثُمَّ أَوْصَى بِهَا لِعَمْرٍو لَمْ يَكُنْ رُجُوعًا عَنْ وَصِيَّتِهِ لِاحْتِمَالِ إرَادَةِ التَّشْرِيكِ فَيُشْرَكُ بَيْنَهُمَا كَمَا لَوْ قَالَ دُفْعَةً وَاحِدَةً: أَوْصَيْتُ بِهَا لَكُمَا، لَكِنْ لَوْ رَدَّ أَحَدُهُمَا الْوَصِيَّةَ فِي الْأُولَى كَانَ الْكُلُّ لِلْآخِذِ بِخِلَافِهِ فِي الثَّانِيَةِ فَإِنَّهُ يَكُونُ لَهُ النِّصْفُ فَقَطْ؛ لِأَنَّهُ الَّذِي أَوْجَبَهُ لَهُ الْمُوصِي صَرِيحًا بِخِلَافِهِ فِي الْأُولَى.

وَلَوْ أَوْصَى بِعَيْنٍ لِزَيْدٍ ثُمَّ بِنِصْفِهَا لِعَمْرٍو وَقَبِلَا اقْتَسَمَاهَا أَثْلَاثًا ثُلُثَاهَا لِلْأَوَّلِ

فَصْلٌ يُسَنُّ الْإِيصَاءُ بِقَضَاءِ الدَّيْنِ وَتَنْفِيذِ الْوَصَايَا وَالنَّظَرِ فِي أَمْرِ الْأَطْفَالِ.

[مغني المحتاج]

وَثُلُثُهَا لِلثَّانِي، فَإِنْ رَدَّ الْأَوَّلُ فَنِصْفُهَا لِلثَّانِي، أَوْ الثَّانِي فَكُلُّهَا لِلْأَوَّلِ كَذَا قَالَاهُ، قَالَ فِي الْمُهِمَّاتِ: وَهُوَ غَلَطٌ بَلْ الصَّوَابُ أَنْ يُقَالَ: لِلْأَوَّلِ ثَلَاثَةُ أَرْبَاعِهِ، وَلِلثَّانِي الرُّبْعُ إذْ النِّصْفُ لِلْأَوَّلِ، وَقَدْ شَرَكَهُ مَعَ الثَّانِي فِي النِّصْفِ الْآخَرِ وَاعْتَرَضَهُ الْبُلْقِينِيُّ بِأَنَّ الطَّرِيقَةَ الَّتِي أَشَارَ إلَيْهَا طَرِيقَةٌ ضَعِيفَةٌ وَالصَّوَابُ الْمُعْتَمَدُ الْمَنْقُولُ فِي الْمَذْهَبِ مَا ذَكَرَاهُ عَمَلًا بِطَرِيقِ الْعَوْلِ الَّتِي نَصَّ عَلَيْهَا الشَّافِعِيُّ فِي الْأُمِّ وَاخْتَارَهَا ابْنُ الْحَدَّادِ، وَتَقْرِيرُهَا أَنْ يُقَالَ: مَعَنَا مَالٌ وَنِصْفُ مَالٍ فَنُضِيفُ النِّصْفَ عَلَى الْكُلِّ فَتَكُونُ الْجُمْلَةُ ثَلَاثَةً تُقَسَّمُ عَلَى النِّسْبَةِ فَيَكُونُ لِصَاحِبِ الْمَالِ ثُلُثَاهُ، وَلِصَاحِبِ النِّصْفِ الثُّلُثُ.

وَإِنْ أَوْصَى بِعَبْدٍ لِزَيْدٍ ثُمَّ أَوْصَى بِعِتْقِهِ أَوْ أَوْصَى بِعِتْقِهِ ثُمَّ أَوْصَى بِهِ لِزَيْدٍ كَانَ رُجُوعًا عَنْ الْوَصِيَّةِ الْأُولَى فِي أَحَدِ وَجْهَيْنِ مُقْتَضَى كَلَامِ أَصْلِ الرَّوْضَةِ تَرْجِيحُهُ؛ لِأَنَّ الثَّانِيَةَ لَيْسَتْ مِنْ جِنْسِ الْأُولَى، وَبِهَذَا فَارَقَ مَا لَوْ أَوْصَى بِعَيْنٍ لِزَيْدٍ ثُمَّ أَوْصَى بِهَا لِعَمْرٍو.

وَلَوْ قَالَ: أَوْصَيْت لِزَيْدٍ بِثُلُثِ مَالِي مَثَلًا إلَّا ثُلُثَ مَالِي كَانَ اسْتِثْنَاءً مُسْتَغْرِقًا، وَهَلْ يَلْغُو الِاسْتِثْنَاءُ كَمَا فِي الطَّلَاقِ وَالْإِقْرَارِ وَنَحْوِهِمَا أَوْ يَكُونُ رُجُوعًا عَنْ الْوَصِيَّةِ كَمَا يُؤْخَذُ مِنْ قَوْلِ ابْنِ الرِّفْعَةِ فِي الِاسْتِثْنَاءِ الْمُسْتَغْرِقِ فِي الْإِقْرَارِ، أَنَّ قَوْلَهُ لَهُ عَلَيَّ عَشَرَةٌ إلَّا عَشَرَةً بِمَنْزِلَةِ قَوْلِهِ لَهُ عَلَيَّ عَشَرَةٌ مَا لَهُ عَلَيَّ شَيْءٌ اهـ. فَكَأَنَّهُ قَالَ فِي الْوَصِيَّةِ: أَوْصَيْتُ لَهُ بِكَذَا مَا أَوْصَيْت لَهُ بِشَيْءٍ وَهَذَا رُجُوعٌ، وَظَاهِرُ كَلَامِ الشَّيْخَيْنِ كَأَكْثَرِ الْأَصْحَابِ الْأَوَّلِ، وَصَرَّحَ الْمَارْدِينِيُّ بِتَصْحِيحِ الثَّانِي وَبَرْهَنَ عَلَيْهِ بِأَشْيَاءَ كَثِيرَةٍ فِي كَشْفِ الْغَوَامِضِ وَشَرْحِهِ وَهَذَا هُوَ الَّذِي يَظْهَرُ.

[فَصْلٌ فِي الْوِصَايَةِ]

ِ كَمَا عَبَّرَ بِهَا فِي الْمُحَرَّرِ وَالرَّوْضَةِ، وَعَدَلَ الْمُصَنِّفُ عَنْهَا إلَى التَّعْبِيرِ بِالْإِيصَاءِ؛ لِأَنَّ الْمُبْتَدِئَ قَدْ لَا يَفْهَمُ الْفَرْقَ بَيْنَ الْوَصِيَّةِ وَالْوِصَايَةِ الَّذِي اصْطَلَحَ عَلَيْهِ الْفُقَهَاءُ مِنْ تَخْصِيصِهِمْ الْوَصِيَّةَ بِكَذَا وَالْوِصَايَةَ بِكَذَا كَمَا قَدَّمْتُهُ أَوَّلَ الْبَابِ، فَقَالَ (يُسَنُّ الْإِيصَاءُ بِقَضَاءِ) الْحُقُوقِ مِنْ (الدَّيْنِ) وَرَدِّ الْوَدَائِعِ وَالْعَوَارِيِّ وَغَيْرِهَا (وَ) فِي (تَنْفِيذِ الْوَصَايَا) إنْ كَانَتْ (وَ) فِي (النَّظَرِ فِي أَمْرِ الْأَطْفَالِ) وَنَحْوِهِمْ كَالْمَجَانِينِ وَمَنْ بَلَغَ سَفِيهًا بِالْإِجْمَاعِ وَاتِّبَاعًا لِلسَّلَفِ وَإِنْ كَانَ الْقِيَاسُ مَنْعَهُ لِانْقِطَاعِ سَلْطَنَةِ الْمُوصِي وَوِلَايَتِهِ بِالْمَوْتِ، لَكِنْ قَامَ الدَّلِيلُ عَلَى جَوَازِهِ، فَرَوَى سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ قَالَ: أَوْصَى إلَى الزُّبَيْرِ سَبْعَةٌ مِنْ الصَّحَابَةِ مِنْهُمْ عُثْمَانُ وَالْمِقْدَادُ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ، فَكَانَ يَحْفَظُ أَمْوَالَهُمْ وَيُنْفِقُ عَلَيْهِمْ مِنْ مَالِهِ، وَلَمْ يُعْرَفْ لَهُمْ مُخَالِفٌ.
وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ أَنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ قَدْ أَوْصَى فَكَتَبَ: وَصِيَّتِي إلَى اللَّهِ - تَعَالَى - وَإِلَى الزُّبَيْرِ وَابْنِهِ عَبْدِ اللَّهِ.
بَلْ قَالَ الْأَذْرَعِيُّ: يَظْهَرُ أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى الْآبَاءِ الْوَصِيَّةُ فِي أَمْرِ الْأَطْفَالِ إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُمْ جَدٌّ أَهْلٌ لِلْوِلَايَةِ إلَى ثِقَةٍ كَافٍ وَجِيهٍ إذَا وَجَدَهُ وَغَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّهُ إنْ تَرَكَ الْوَصِيَّةَ اسْتَوْلَى عَلَى مَالِهِ خَائِنٌ مِنْ قَاضٍ أَوْ غَيْرِهِ مِنْ الظَّلَمَةِ، إذْ قَدْ يَجِبُ عَلَيْهِ حِفْظُ مَالِ

وَشَرْطُ الْوَصِيِّ تَكْلِيفٌ وَحُرِّيَّةٌ وَعَدَالَةٌ وَهِدَايَةٌ إلَى التَّصَرُّفِ فِي الْمُوصَى بِهِ

وَإِسْلَامٌ

لَكِنَّ الْأَصَحَّ جَوَازُ وَصِيَّةِ ذِمِّيٍّ إلَى ذِمِّيٍّ.

[مغني المحتاج]

وَلَدِهِ.

عَنْ الضَّيَاعِ.
قَالَ: وَيَصِحُّ الْإِيصَاءُ عَلَى الْحَمْلِ كَمَا اقْتَضَاهُ كَلَامُ الرُّويَانِيِّ وَغَيْرِهِ، وَالْمُرَادُ كَمَا قَالَ شَيْخُنَا الْحَمْلُ الْمَوْجُودُ حَالَةَ الْإِيصَاءِ.

وَيَجِبُ الْإِيصَاءُ فِي رَدِّ مَظَالِمَ وَقَضَاءِ حُقُوقٍ عَجَزَ عَنْهَا فِي الْحَالِ وَلَمْ يَكُنْ بِهَا شُهُودٌ كَمَا مَرَّ مَعَ زِيَادَةٍ أَوَّلَ هَذَا الْكِتَابِ مُسَارَعَةً لِبَرَاءَةِ ذِمَّتِهِ، فَإِنْ لَمْ يُوصِ أَحَدًا بِهَا فَأَمْرُهَا إلَى الْقَاضِي يَنْصِبُ مَنْ يَقُومُ بِهَا، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ فِي الْجَنَائِزِ عَلَى مَا إذَا أَوْصَى لِشَخْصٍ أَنْ يُصَلِّيَ عَلَيْهِ أَوْ أَنْ يَقْرَأَ عَلَى قَبْرِهِ كَذَا هَلْ يَصِحُّ أَوْ لَا؟ .

وَأَرْكَانُ الْوِصَايَةِ أَرْبَعَةٌ: وَصِيٌّ، وَمُوصٍ، وَمُوصًى فِيهِ، وَصِيغَةٌ.
وَقَدْ شَرَعَ فِي بَيَانِ شَرْطِ الْأَوَّلِ فَقَالَ (وَشَرْطُ الْوَصِيِّ) أَيْ الْمُوصَى إلَيْهِ (تَكْلِيفٌ) أَيْ بُلُوغٌ وَعَقْلٌ؛ لِأَنَّ غَيْرَهُ مُوَلًّى عَلَيْهِ فَكَيْفَ يَلِي أَمْرَ غَيْرِهِ، وَالْوَصِيُّ كَمَا فِي الصِّحَاحِ مِنْ أَسْمَاءِ الْأَضْدَادِ يُطْلَقُ عَلَى الَّذِي يُوصِي، وَعَلَى مَنْ يُوصَى إلَيْهِ وَهُوَ الْمُرَادُ هُنَا كَمَا مَرَّ (وَحُرِّيَّةٌ) لِأَنَّ الرَّقِيقَ لَا يَتَصَرَّفُ فِي مَالِ أَبِيهِ فَلَا يَصْلُحُ وَصِيًّا لِغَيْرِهِ وَإِنْ أَذِنَ لَهُ سَيِّدُهُ كَالْمَجْنُونِ، وَلِأَنَّ ذَلِكَ يَسْتَدْعِي فَرَاغًا وَهُوَ مَشْغُولٌ بِخِدْمَةِ سَيِّدِهِ، وَشَمِلَ ذَلِكَ الْقِنَّ وَالْمُبَعَّضَ وَالْمُكَاتَبَ وَالْمُدَبَّرَ.
قَالَ ابْنُ الرِّفْعَةِ: وَمِنْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ يُفْهَمُ مَنْعُ الْإِيصَاءِ لِمَنْ أَجَّرَ نَفْسَهُ فِي عَمَلٍ مُدَّةً لَا يُمْكِنُهُ فِيهَا التَّصَرُّفُ بِالْوِصَايَةِ، وَفِي مُدَبَّرِهِ وَأُمِّ وَلَدِهِ خِلَافٌ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ صِفَاتِ الْوَصِيِّ مَتَى تُعْتَبَرُ وَالْأَصَحُّ عِنْدَ الْمَوْتِ كَمَا سَيَأْتِي فَتَصِحُّ إلَيْهِمَا (وَعَدَالَةٌ) فَلَا تَجُوزُ إلَى فَاسِقٍ بِالْإِجْمَاعِ؛ لِأَنَّهَا وِلَايَةٌ وَائْتِمَانٌ وَتَكْفِي الْعَدَالَةُ الظَّاهِرَةُ كَمَا قَالَهُ الْهَرَوِيُّ فِي أَدَبِ الْقَضَاءِ (وَهِدَايَةٌ إلَى التَّصَرُّفِ فِي الْمُوصَى بِهِ) فَلَا يَصِحُّ إلَى مَنْ لَا يَهْتَدِي إلَيْهِ لِسَفَهٍ أَوْ مَرَضٍ أَوْ هَرَمٍ أَوْ تَغَفُّلٍ، إذْ لَا مَصْلَحَةَ فِي تَوْلِيَةِ مَنْ هَذَا حَالُهُ.

(وَإِسْلَامٌ) فَلَا يَصِحُّ الْإِيصَاءُ مِنْ مُسْلِمٍ إلَى ذِمِّيٍّ إذْ لَا وِلَايَةَ لِكَافِرٍ عَلَى مُسْلِمٍ، وَلِتُهْمَتِهِ قَالَ - تَعَالَى -: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلا﴾ [النساء: 141] [النِّسَاءَ] وَقَالَ - تَعَالَى -: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ﴾ [آل عمران: 118] الْآيَةُ.

(لَكِنَّ الْأَصَحَّ جَوَازُ وَصِيَّةِ ذِمِّيٍّ إلَى ذِمِّيٍّ) فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِأَوْلَادِهِ الْكُفَّارِ بِشَرْطِ كَوْنِهِ عَدْلًا فِي دِينِهِ كَمَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ وَلِيًّا لَهُمْ.
وَالثَّانِي: الْمَنْعُ كَشَهَادَتِهِ.

تَنْبِيهٌ تَصِحُّ وِصَايَةُ الذِّمِّيِّ إلَى الْمُسْلِمِ اتِّفَاقًا كَمَا تَصِحُّ شَهَادَتُهُ عَلَيْهِ وَقَدْ ثَبَتَتْ لَهُ الْوِلَايَةُ عَلَيْهِ فَإِنَّ الْإِمَامَ يَلِي تَزْوِيجَ الذِّمِّيَّاتِ.

وَيُشْتَرَطُ فِي الْوَصِيِّ الِاخْتِيَارُ وَعَدَمُ الْجَهَالَةِ وَالْعَدَاوَةِ الْبَيِّنَةِ لِلْمُوَلَّى عَلَيْهِ، وَاسْتَنْبَطَ الْإِسْنَوِيُّ مِنْ ذَلِكَ كَوْنُ الْوَصِيِّ الذِّمِّيِّ مِنْ مِلَّةِ الْمُوصَى عَلَيْهِ حَتَّى لَا تَصِحَّ وَصِيَّةُ النَّصْرَانِيِّ إلَى الْيَهُودِيِّ أَوْ الْمَجُوسِيِّ وَبِالْعَكْسِ لِلْعَدَاوَةِ، وَرَدَّهُ الْأَذْرَعِيُّ بِأَنَّهُ لَوْ صَحَّ ذَلِكَ لَمَا جَازَتْ وَصِيَّةُ ذِمِّيٍّ إلَى مُسْلِمٍ، وَقَدْ يُرَدُّ كَمَا قَالَ شَيْخُنَا كُلٌّ مِنْهُمَا بِأَنَّ الْمُعْتَبَرَ الْعَدَاوَةُ الدُّنْيَوِيَّةُ لَا الدِّينِيَّةُ.

. قَالَ الْإِسْنَوِيُّ: وَلَوْ أَوْصَى ذِمِّيٌّ إلَى مُسْلِمٍ وَجَعَلَ لَهُ أَنْ يُوصِيَ فَالْمُتَّجَهُ جَوَازُ إيصَائِهِ إلَى ذِمِّيٍّ وَاسْتَبْعَدَهُ الْأَذْرَعِيُّ وَاعْتَرَضَهُ ابْنُ الْعِمَادِ بِأَنَّ الْوَصِيَّ يَلْزَمُهُ النَّظَرُ بِالْمَصْلَحَةِ الرَّاجِحَةِ وَالتَّفْوِيضُ إلَى الْمُسْلِمِ أَرْجَحُ فِي نَظَرِ الشَّرْعِ مِنْ الذِّمِّيِّ اهـ. وَهَذَا هُوَ الظَّاهِرُ، قَالَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ: وَظَاهِرٌ أَنَّهُ لَوْ كَانَ لِمُسْلِمٍ وَلَدٌ بَالِغٌ سَفِيهٌ ذِمِّيٌّ فَلَهُ أَنْ يُوصِيَ عَلَيْهِ ذِمِّيًّا، وَهَذَا

وَلَا يَضُرُّ الْعَمَى فِي الْأَصَحِّ.

وَلَا تُشْتَرَطُ الذُّكُورَةُ، وَأُمُّ الْأَطْفَالِ أَوْلَى مِنْ غَيْرِهَا.

وَيَنْعَزِلُ الْوَصِيُّ بِالْفِسْقِ

وَكَذَا الْقَاضِي فِي الْأَصَحِّ لَا الْإِمَامُ الْأَعْظَمُ.

[مغني المحتاج]

بَحْثٌ مَرْدُودٌ كَمَا يُعْلَمُ مِمَّا مَرَّ، وَكَالذِّمِّيِّ فِيمَا ذُكِرَ الْمُعَاهَدُ وَالْمُسْتَأْمَنُ.

مَسْأَلَةٌ: سُئِلَ عَنْهَا ابْنُ الصَّلَاحِ، وَهِيَ أَمْوَالُ أَيْتَامِ أَهْلِ الذِّمَّةِ إذَا كَانَتْ بِأَيْدِيهِمْ هَلْ عَلَى الْحَاكِمِ الْكَشْفُ عَلَيْهِمْ؟ فَأَجَابَ بِالْمَنْعِ مَا لَمْ يَتَرَافَعُوا إلَيْنَا وَلَمْ يَتَعَلَّقْ بِهَا حَقُّ مُسْلِمٍ.
وَبِهِ جَزَمَ الْمَاوَرْدِيُّ وَالرُّويَانِيُّ، وَتُعْتَبَرُ هَذِهِ الشُّرُوطُ عِنْدَ الْمَوْتِ لَا عِنْدَ الْإِيصَاءِ وَلَا بَيْنَهُمَا؛ لِأَنَّهُ وَقْتُ التَّسَلُّطِ عَلَى الْقَبُولِ حَتَّى لَوْ أَوْصَى إلَى مَنْ خَلَا عَنْ الشُّرُوطِ أَوْ بَعْضِهَا كَصَبِيٍّ وَرَقِيقٍ ثُمَّ اسْتَكْمَلَهَا عِنْدَ الْمَوْتِ صَحَّ.

(وَلَا يَضُرُّ) فِي الْوَصِيِّ (الْعَمَى فِي الْأَصَحِّ) لِأَنَّهُ مُتَمَكِّنٌ مِنْ التَّوْكِيلِ فِيمَا لَا يُتَمَكَّنُ مِنْ مُبَاشَرَتِهِ.
وَالثَّانِي: يَضُرُّ؛ لِأَنَّهُ مُمْتَنِعٌ مِنْ الْمُبَاشَرَةِ بِنَفْسِهِ وَهُمَا كَالْوَجْهَيْنِ فِي وِلَايَةِ النِّكَاحِ.

قَالَ الْأَذْرَعِيُّ: وَالْأَقْرَبُ أَنَّهُ لَا تَجُوزُ الْوَصِيَّةُ لِأَخْرَسَ وَإِنْ فُهِمَتْ إشَارَتُهُ.
قَالَ ابْنُ شُهْبَةَ: وَفِيهِ نَظَرٌ، وَهَذَا النَّظَرُ هُوَ الظَّاهِرُ.

(وَلَا تُشْتَرَطُ الذُّكُورَةُ) بِالْإِجْمَاعِ كَمَا حَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ وَقَدْ أَوْصَى سَيِّدُنَا عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - إلَى ابْنَتِهِ حَفْصَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا -، رَوَاهُ أَبُو دَاوُد (وَأُمُّ الْأَطْفَالِ أَوْلَى مِنْ غَيْرِهَا) مِنْ النِّسَاءِ عِنْدَ اجْتِمَاعِ الشُّرُوطِ السَّابِقَةِ لِوُفُورِ شَفَقَتِهَا وَخُرُوجًا مِنْ خِلَافِ الْإِصْطَخْرِيِّ فَإِنَّهُ يَرَى أَنَّهَا تَلِي بَعْدَ الْأَبِ وَالْجَدِّ، وَكَذَا أَوْلَى مِنْ الرِّجَالِ أَيْضًا لِمَا ذُكِرَ إذَا كَانَ فِيهَا مَا فِيهِمْ مِنْ الْكِفَايَةِ وَالِاسْتِرْبَاحِ وَنَحْوِهِمَا وَإِلَّا فَلَا.
قَالَ الْأَذْرَعِيُّ: وَكَمْ مِنْ مُحِبٍّ مُشْفِقٍ لَا يَقْدِرُ عَلَى تَحْصِيلِ الْأَرْبَاحِ وَالْمَصَالِحِ التَّامَّةِ لِمَنْ يَلِي أَمْرَهُ، وَلِلْقَاضِي أَنْ يُفَوِّضَ أَمْرَ الْأَطْفَالِ إذَا لَمْ يَكُنْ وَصَّى إلَى امْرَأَةٍ فَتَكُونُ قَيِّمَةً، فَإِنْ كَانَتْ أُمُّ الْأَطْفَالِ فَذَاكَ أَوْلَى، قَالَهُ الْغَزَالِيُّ فِي الْبَسِيطِ.

(وَيَنْعَزِلُ الْوَصِيُّ) وَقَيِّمُ الْقَاضِي وَالْأَبُ وَالْجَدُّ بَعْدَ الْوِلَايَةِ (بِالْفِسْقِ) بِتَعَدٍّ فِي الْمَالِ، أَوْ بِسَبَبٍ آخَرَ لِزَوَالِ الشَّرْطِ فَلَا يَحْتَاجُ لِعَزْلِ حَاكِمٍ.
تَنْبِيهٌ: أَفْهَمَ كَلَامُهُ أَنَّ الْوَصِيَّ لَا يَنْعَزِلُ بِاخْتِلَالِ كِفَايَتِهِ وَهُوَ كَذَلِكَ، لَكِنْ بِضَمِّ الْقَاضِي إلَيْهِ مُعَيَّنًا، بَلْ أَفْتَى السُّبْكِيُّ بِأَنَّهُ يَجُوزُ لِلْقَاضِي أَنْ يَضُمَّ إلَى الْوَصِيِّ غَيْرَهُ بِمُجَرَّدِ الرِّيبَةِ مِنْ غَيْرِ ثُبُوتِ خَلَلٍ.
قَالَ: وَلَمْ أَرَهُ مَنْقُولًا، وَكَلَامُ الْأَصْحَابِ يَقْتَضِي الْمَنْعَ، وَفَسَادُ الزَّمَانِ يَقْتَضِي الْجَوَازَ ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ﴾ [البقرة: 220] اهـ. وَالْأَوْجَهُ مَا بَحَثَهُ الْأَذْرَعِيُّ مِنْ أَنَّهُ إنْ قَوِيَتْ الرِّيبَةُ بِقَرَائِنَ ظَاهِرَةٍ ضَمَّ، وَإِلَّا فَلَا، وَإِنْ ضَعُفَ مَنْصُوبُ الْقَاضِي عَزَلَهُ.

(وَكَذَا) يَنْعَزِلُ (الْقَاضِي) بِالْفِسْقِ (فِي الْأَصَحِّ) لِزَوَالِ الْأَهْلِيَّةِ.
وَالثَّانِي: لَا كَالْإِمَامِ، وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ ذَكَرَهَا الْمُصَنِّفُ فِي الْقَضَاءِ وَفَرْضُهَا فِي عَدَمِ نُفُوذِ حُكْمِهِ لَا فِي انْعِزَالِهِ، وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهَا إنْ شَاءَ اللَّهُ - تَعَالَى - مُسْتَوْفًى فِي كِتَابِ الْقَضَاءِ (لَا الْإِمَامُ الْأَعْظَمُ) فَلَا يَنْعَزِلُ بِالْفِسْقِ لِتَعَلُّقِ الْمَصَالِحِ الْكُلِّيَّةِ بِوِلَايَتِهِ.
وَحَكَى الْقَاضِي عِيَاضٌ فِيهِ الْإِجْمَاعَ، وَلِحَدِيثِ: «صَلُّوا خَلْفَ كُلِّ بَرٍّ وَفَاجِرٍ» ، وَقِيلَ: يَنْعَزِلُ وَصَوَّبَهُ فِي الْمَطْلَبِ، وَاقْتَضَى كَلَامُهُ تَفَرُّدَ الرَّافِعِيِّ بِتَرْجِيحِ عَدَمِ الِانْعِزَالِ.

تَنْبِيهٌ: بِالتَّوْبَةِ مِنْ الْفِسْقِ تَعُودُ وِلَايَةُ الْأَبِ وَالْجَدِّ لَا وِلَايَةُ غَيْرِهِمَا؛ لِأَنَّ وِلَايَتَهُمَا شَرْعِيَّةٌ

وَيَصِحُّ الْإِيصَاءُ فِي قَضَاءِ الدُّيُونِ، وَتَنْفُذُ الْوَصِيَّةُ مِنْ كُلِّ حُرٍّ مُكَلَّفٍ.

وَيُشْتَرَطُ فِي أَمْرِ الْأَطْفَالِ مَعَ هَذَا أَنْ يَكُونَ لَهُ وِلَايَةٌ عَلَيْهِمْ، وَلَيْسَ لِوَصِيٍّ إيصَاءٌ فَإِنْ أُذِنَ لَهُ فِيهِ جَازَ لَهُ فِي الْأَظْهَرِ.

[مغني المحتاج]

وَوِلَايَةُ غَيْرِهِمَا مُسْتَفَادَةٌ مِنْ التَّفْوِيضِ، فَإِذَا ارْتَفَعَتْ لَمْ تُعَدَّ إلَّا بِوِلَايَةٍ جَدِيدَةٍ، وَالْجُنُونُ وَالْإِغْمَاءُ كَالْفِسْقِ فِي الِانْعِزَالِ بِهِ، فَلَوْ أَفَاقَ غَيْرُ الْأَصِيلِ وَالْإِمَامُ الْأَعْظَمُ لَمْ تُعَدَّ وِلَايَتُهُ؛ لِأَنَّهُ يَلِي بِالتَّفْوِيضِ كَالْوَكِيلِ، بِخِلَافِ الْأَصِيلِ تَعُودُ وِلَايَتُهُ وَإِنْ انْعَزَلَ؛ لِأَنَّهُ يَلِي بِلَا تَفْوِيضٍ، وَبِخِلَافِ الْإِمَامِ الْأَعْظَمِ كَذَلِكَ لِلْمَصْلَحَةِ الْكُلِّيَّةِ، فَإِنْ أَفَاقَ الْإِمَامُ وَقَدْ وُلِّيَ آخَرُ بَدَلَهُ نَفَذَتْ تَوْلِيَتُهُ إنْ لَمْ يُخَفْ فِتْنَةٌ وَإِلَّا فَلَا فَيُوَلَّى الْأَوَّلُ.
قَالَ الْإِمَامُ: وَلَا شَكَّ أَنَّهُ يَنْعَزِلُ بِالرِّدَّةِ وَلَا تَعُودُ إمَامَتُهُ.

ثُمَّ شَرَعَ فِي بَيَانِ الرُّكْنِ الثَّانِي وَهُوَ الْمُوصِي فَقَالَ (وَيَصِحُّ الْإِيصَاءُ فِي قَضَاءِ الدَّيْنِ، وَتَنْفُذُ الْوَصِيَّةُ مِنْ كُلِّ حُرٍّ مُكَلَّفٍ) مُخْتَارٍ.
قَالَ ابْنُ الرِّفْعَةِ: كَذَا فِي أَكْثَرِ النُّسَخِ تَنْفِيذٌ بِتَحْتَانِيَّةٍ بَيْنَ الْفَاءِ وَالذَّالِ كَمَا فِي الْمُحَرَّرِ وَالرَّوْضَةِ وَأَصْلِهَا، وَفِي خَطِّ الْمُصَنِّفِ تَنْفُذُ بِلَا تَحْتَانِيَّةٍ مَضْمُومُ الْفَاءِ وَالذَّالِ بَعْدَ دَائِرَةٍ أَيْ وَهُوَ مَعْطُوفٌ عَلَى يَصِحُّ، وَيَتَعَلَّقُ بِهِمَا قَوْلُهُ مِنْ إلَخْ فَصَارَ كَلَامُهُ حِينَئِذٍ مُشْتَمِلًا عَلَى مَسْأَلَتَيْنِ: إحْدَاهُمَا صِحَّةُ الْوَصِيَّةِ بِقَضَاءِ الدَّيْنِ، وَالْأُخْرَى نُفُوذُ الْوَصِيَّةِ مِنْ الْحُرِّ الْمُكَلَّفِ وَيَلْزَمُ عَلَى هَذَا كَمَا قَالَ ابْنُ شُهْبَةَ مَحْذُورَاتٌ: إحْدَاهَا: التَّكْرَارُ، فَإِنَّ الْوَصِيَّةَ بِقَضَاءِ الدَّيْنِ تَقَدَّمَ أَوَّلَ الْفَصْلِ أَنَّهَا سُنَّةٌ فَلَا فَائِدَةَ لِلْحُكْمِ ثَانِيًا بِصِحَّتِهَا.
ثَانِيهَا: صَيْرُورَةُ الْكَلَامِ فِي الثَّانِيَةِ غَيْرُ مُرْتَبِطٍ فَإِنَّهُ لَمْ يُذْكَرْ فِي أَيِّ شَيْءٍ تَنْفُذُ.
ثَالِثُهَا: مُخَالَفَةُ أَصْلِهِ أَيْ مِنْ غَيْرِ فَائِدَةٍ تَنْبِيهٌ: كَانَ يَنْبَغِي لِلْمُصَنِّفِ اسْتِثْنَاءُ السَّكْرَانِ مِنْ التَّكْلِيفِ عَلَى رَأْيِهِ، فَإِنَّهُ غَيْرُ مُكَلَّفٍ عِنْدَهُ، وَيَصِحُّ إيصَاؤُهُ وَكَلَامُهُ تَبَعًا لِلرَّافِعِيِّ يُفْهِمُ أَنَّ السَّفِيهَ إذَا صَحَّحْنَا وَصِيَّتَهُ بِالْمَالِ وَهُوَ الْأَصَحُّ أَنَّ لَهُ تَعْيِينَ شَخْصٍ لِتَنْفِيذِهَا.
قَالَ السُّبْكِيُّ: وَلَمْ أَرَ فِيهِ إلَّا مَا اقْتَضَاهُ هَذَا الْكَلَامُ وَهُوَ مُحْتَمَلٌ، وَمَنْعُهُ أَيْضًا مُحْتَمَلٌ فَيَلِيهِ الْحَاكِمُ أَوْ وَلِيُّهُ اهـ. وَيُقَوِّي الِاحْتِمَالَ الثَّانِي قَوْلُ ابْنِ الرِّفْعَةِ: يَنْبَغِي إضَافَةُ الرُّشْدِ إلَى الشَّرْطَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ، وَقَوْلُ الْأَذْرَعِيُّ: الظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ إيصَاءُ الْفَاسِقِ فِيمَا تَرَكَهُ لِوَلَدِهِ مِنْ الْمَالِ فَإِنَّهُ مَسْلُوبُ الْوِلَايَةِ عَلَى الْمَذْهَبِ.

(وَيُشْتَرَطُ) فِي الْمُوصِي (فِي أَمْرِ الْأَطْفَالِ) وَالْمَجَانِينِ، وَكَذَا السُّفَهَاءُ الَّذِينَ بَلَغُوا كَذَلِكَ (مَعَ هَذَا) السَّابِقِ مِنْ حُرِّيَّةٍ وَتَكْلِيفٍ (أَنْ يَكُونَ لَهُ) أَيْ الْمُوصَى (وِلَايَةٌ) مُبْتَدَأَةٌ مِنْ الشَّرْعِ (عَلَيْهِمْ) أَيْ مِنْ ذِكْرٍ لَا بِتَفْوِيضٍ فَتَثْبُتُ الْوِصَايَةُ لِلْأَبِ وَالْجَدِّ وَإِنْ عَلَا، وَيَخْرُجُ الْأَخُ، وَالْعَمُّ، وَالْوَصِيُّ، وَالْقَيِّمُ، وَكَذَا الْأَبُ وَالْجَدُّ إذَا نَصَّبَهُمَا الْحَاكِمُ فِي مَالِ مَنْ طَرَأَ سَفَهُهُ؛ لِأَنَّ وَلِيَّهُ الْحَاكِمُ دُونَهُمَا فِي الْأَصَحِّ، وَتَخْرُجُ الْأُمُّ أَيْضًا عَلَى الْمَذْهَبِ (وَلَيْسَ لِوَصِيٍّ) فِي وَصِيَّةٍ مُطْلَقَةٍ بِأَنْ لَمْ يُؤْذَنْ فِيهَا لِلْوَصِيِّ أَنْ يُوصِيَ (إيصَاءٌ) إلَى غَيْرِهِ، إذْ الْوَلِيُّ لَمْ يَرْضَ بِتَصَرُّفِ الثَّانِي، وَقِيَاسًا عَلَى الْوَكِيلِ (فَإِنْ أُذِنَ لَهُ) بِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ بِخَطِّهِ (فِيهِ) أَيْ الْإِيصَاءِ عَنْ نَفْسِهِ، أَوْ عَنْ الْمُوصِي، أَوْ مُطْلَقًا (جَازَ فِي الْأَظْهَرِ) لَكِنَّهُ فِي الثَّالِثَةِ إنَّمَا يُوصِي عَنْ الْمُوصِي كَمَا اقْتَضَاهُ كَلَامُ الْقَاضِي أَبِي الطَّيِّبِ

وَلَوْ قَالَ: أَوْصَيْت إلَيْك إلَى بُلُوغِ ابْنِي أَوْ قُدُومِ زَيْدٍ فَإِذَا بَلَغَ أَوْ قَدِمَ فَهُوَ الْوَصِيُّ جَازَ.

وَلَا يَجُوزُ نَصْبُ وَصِيٍّ وَالْجَدُّ حَيٌّ بِصِفَةِ الْوِلَايَةِ.

وَلَا الْإِيصَاءُ بِتَزْوِيجِ طِفْلٍ وَبِنْتٍ.

[مغني المحتاج]

وَابْنِ الصَّبَّاغِ وَغَيْرِهِمَا، فَإِذَا قَالَ لَهُ: أَوْصِ بِتَرِكَتِي فُلَانًا أَوْ مَنْ شِئْتَ فَأَوْصَى بِهَا صَحَّ؛ لِأَنَّ لِلْأَبِ أَنْ يُوصِيَ لَهُ فَلَهُ أَنْ يَسْتَنِيبَ فِي الْوِصَايَةِ كَمَا فِي الْوَكَالَةِ، وَلَوْ لَمْ يُضِفْ التَّرِكَةَ إلَى نَفْسِهِ بِأَنْ قَالَ: أَوْصِ مَنْ شِئْتَ فَأَوْصَى شَخْصًا لَمْ يَصِحَّ الْإِيصَاءُ، وَمُقَابِلُ الْأَظْهَرِ لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُوصِيَ بِبُطْلَانِ إذْنِهِ بِالْمَوْتِ.

تَنْبِيهٌ: لَوْ قَالَ لِوَصِيِّهِ: أَوْصَيْت إلَى مَنْ أَوْصَيْت إلَيْهِ إنْ مِتَّ أَنْتَ أَوْ إذَا مِتَّ أَنْتَ فَوَصِيُّك وَصِيٌّ لَمْ يَصِحَّ؛ لِأَنَّ الْمُوصَى إلَيْهِ مَجْهُولٌ، وَإِذَا عَيَّنَ لَهُ الْوَصِيَّ وَمَاتَ مِنْ غَيْرِ إيصَاءٍ كَانَ لِلْحَاكِمِ أَنْ يُنَصِّبَ غَيْرَهُ فِي أَحَدِ وَجْهَيْنِ رَجَّحَهُ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ (وَلَوْ قَالَ: أَوْصَيْت إلَيْك إلَى بُلُوغِ ابْنِي) فُلَانٍ (أَوْ) إلَى (قُدُوم زَيْدٍ) مَثَلًا (فَإِذَا بَلَغَ) ابْنِي (أَوْ قَدِمَ) زَيْدٌ (فَهُوَ الْوَصِيُّ جَازَ) هَذَا الْإِيصَاءُ، وَاغْتُفِرَ فِيهِ التَّأْقِيتُ فِي قَوْلِهِ: إلَى بُلُوغِ ابْنِي أَوْ قُدُومِ زَيْدٍ، وَالتَّعْلِيقُ فِي قَوْلِهِ: فَإِذَا بَلَغَ أَوْ قَدِمَ فَهُوَ الْوَصِيُّ، وَلَوْ أَخَّرَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ وَذَكَرَهَا بَعْدَ قَوْلِهِ: وَيَجُوزُ فِيهِ التَّوْقِيتُ وَالتَّعْلِيقُ كَانَ أَنْسَبَ فَإِنَّهَا مِثَالٌ لَهُمَا.
قَالَ الْأَذْرَعِيُّ: فَلَوْ قَدِمَ زَيْدٌ وَهُوَ غَيْرُ أَهْلٍ فَهَلْ تَبْقَى وِلَايَةُ الْوَصِيِّ، وَيَكُونُ الْمُرَادُ إنْ قَدِمَ أَهْلًا لِذَلِكَ أَوْ لَا، وَتَكُونُ وِلَايَتُهُ مُغَيَّاةً بِذَلِكَ فَتَنْتَقِلُ إلَى الْحَاكِمِ لَمْ أَرَ فِيهِ شَيْئًا، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُفَرَّقَ بَيْنَ الْجَاهِلِ بِالْوَصِيَّةِ إلَى غَيْرِ الْمُتَأَهِّلِ لَهَا وَغَيْرِهِ اهـ. وَالظَّاهِرُ كَمَا قَالَ شَيْخُنَا أَنَّهَا مُغَيَّاةٌ بِذَلِكَ.

وَلِلْأَبِ الْوَصِيَّةُ إلَى غَيْرِ الْجَدِّ فِي حَيَاتِهِ، وَهُوَ بِصِفَةِ الْوِلَايَةِ، وَيَكُونُ أَوْلَى مِنْ الْجَدِّ إلَّا فِي أَمْرِ الْأَطْفَالِ وَنَحْوَهُمْ كَمَا قَالَ (وَلَا يَجُوزُ) لِلْأَبِ عَلَى الصَّحِيحِ (نَصْبُ وَصِيٍّ) عَلَى الْأَطْفَالِ وَنَحْوِهِمْ (وَالْجَدُّ حَيٌّ) حَاضِرٌ (بِصِفَةِ الْوِلَايَةِ) عَلَيْهِمْ؛ لِأَنَّ وِلَايَتَهُ ثَابِتَةٌ شَرْعًا فَلَيْسَ لَهُ نَقْلُ الْوِلَايَةِ عَنْهُ كَوِلَايَةِ التَّزْوِيجِ.
أَمَّا إذَا كَانَ الْجَدُّ غَائِبًا فَقَالَ الزَّرْكَشِيُّ: لَوْ أَرَادَ الْأَبُ الْإِيصَاءَ بِالتَّصَرُّفِ عَلَيْهِمْ إلَى حُضُورِهِ فَقِيَاسُ مَا قَالُوهُ فِي تَعْلِيقِ الْوَصِيَّةِ عَلَى الْبُلُوغِ الْجَوَازُ، وَيَحْتَمِلُ الْمَنْعُ؛ لِأَنَّ الْغَيْبَةَ لَا تَمْنَعُ حَقَّ الْوِلَايَةِ اهـ. وَهَذَا كَمَا قَالَ شَيْخِي هُوَ الظَّاهِرُ.
قَالَ الْبُلْقِينِيُّ: وَلَوْ أَوْصَى إلَى أَجْنَبِيٍّ مَعَ وُجُودِ الْجَدِّ بِصِفَةِ الْوِلَايَةِ ثُمَّ مَاتَ الْجَدُّ أَوْ فَسَقَ أَوْ جُنَّ عِنْدَ الْمَوْتِ صَحَّ.
قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: وَلَوْ أَوْصَى إلَى غَيْرِ الْجَدِّ لِكَوْنِهِ لَيْسَ بِصِفَةِ الْوِلَايَةِ ثُمَّ تَأَهَّلَ عِنْدَ مَوْتِ وَلَدِهِ فَالظَّاهِرُ انْعِزَالُ الْوَصِيِّ اهـ. وَمَا قَالَاهُ ظَاهِرٌ؛ لِأَنَّ الِاعْتِبَارَ بِوُجُودِ ذَلِكَ عِنْدَ الْمَوْتِ كَمَا مَرَّ.
قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْفَرَجِ: لَوْ اسْتَلْحَقَ الْخُنْثَى غَيْرَهُ، وَلَمْ يُصَرِّحْ بِبُنُوَّةِ الظَّهْرِ وَلَا الْبَطْنِ لَحِقَهُ، فَإِذَا حَدَثَ لِلْوَلَدِ أَوْلَادٌ فَأَوْصَى عَلَيْهِمْ أَجْنَبِيًّا مَعَ وُجُودِ وَالِدِهِ الْمُسْتَلْحَقِ صَحَّتْ وَصِيَّتُهُ وَجْهًا وَاحِدًا اهـ أَيْ لِأَنَّهُ لَمْ يَتَحَقَّقْ أَنَّهُ أَبُو أَبٍ.
تَنْبِيهٌ: إذَا لَمْ يُوصِ الْأَبُ أَحَدًا فَالْجَدُّ أَوْلَى مِنْ الْحَاكِمِ بِقَضَاءِ الدُّيُونِ وَأَمْرِ الْأَوْلَادِ وَنَحْوِهِمَا إلَّا فِي تَنْفِيذِ الْوَصَايَا فَالْحَاكِمُ أَوْلَى كَمَا قَالَهُ الْبَغَوِيّ، وَجَرَى عَلَيْهِ ابْنُ الْمُقْرِي.

ثُمَّ شَرَعَ فِي الرُّكْنِ الثَّالِثِ وَهُوَ الْمُوصَى فِيهِ، فَقَالَ: (وَلَا) يَجُوزُ (الْإِيصَاءُ بِتَزْوِيجِ طِفْلٍ وَبِنْتٍ) مَعَ

وَلَفْظُهُ أَوْصَيْتُ إلَيْك أَوْ فَوَّضْتُ وَنَحْوهُمَا، وَيَجُوزُ فِيهِ التَّوْقِيتُ وَالتَّعْلِيقُ.

وَيُشْتَرَطُ بَيَانُ مَا يُوصِي فِيهِ فَإِنْ اقْتَصَرَ عَلَى أَوْصَيْت إلَيْك لَغَا.

وَالْقَبُولُ

[مغني المحتاج]

وُجُودِ الْجَدِّ وَعَدَمِهِ وَعَدَمِ الْأَوْلِيَاءِ، وَاحْتَجَّ الْبَيْهَقِيُّ لَهُ بِحَدِيثِ: «السُّلْطَانُ وَلِيُّ مَنْ لَا وَلِيَّ لَهُ» وَلِأَنَّ الْوَصِيَّ لَا يَتَغَيَّرُ بِدُخُولِ الدَّنِيِّ فِي نَسَبِهِمْ، وَلِأَنَّ الْبَالِغِينَ لَا وِصَايَةَ فِي حَقِّهِمْ، وَالصَّغِيرُ وَالصَّغِيرَةُ لَا يُزَوِّجُهُمَا غَيْرُ الْأَبِ وَالْجَدِّ.
نَعَمْ إنْ بَلَغَ الصَّبِيُّ وَاسْتَمَرَّ نَظَرُ الْوَصِيِّ لِسَفَهٍ اُعْتُبِرَ إذْنُهُ فِي نِكَاحِهِ كَمَا سَيَأْتِي.
قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: وَلَا يَبْعُدُ صِحَّةُ الْإِيصَاءِ بِهِ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ، وَلَا يَجُوزُ فِي مَعْصِيَةٍ كَبِنَاءِ كَنِيسَةِ التَّعَبُّدِ لِعَدَمِ الْإِبَاحَةِ، فَعُلِمَ بِذَلِكَ أَنَّهُ يُشْتَرَطُ فِي الْمُوصَى فِيهِ أَنْ يَكُونَ تَصَرُّفًا مَالِيًّا مُبَاحًا.

ثُمَّ شَرَعَ فِي الرُّكْنِ الرَّابِعِ وَهُوَ الصِّيغَةُ، فَقَالَ (وَلَفْظُهُ) أَيْ الْإِيجَابُ فِي الْإِيصَاءِ مِنْ نَاطِقٍ (أَوْصَيْتُ إلَيْك أَوْ فَوَّضْتُ) إلَيْك (وَنَحْوُهُمَا) كَأَقَمْتُكَ مَقَامِي فِي أَمْرِ أَوْلَادِي بَعْدَ مَوْتِي أَوْ جَعَلْتُكَ وَصِيًّا، وَهَلْ تَنْعَقِدُ الْوِصَايَةُ بِلَفْظِ الْوِلَايَةِ، كَوَلَّيْتُكَ بَعْدَ مَوْتِي كَمَا تَنْعَقِدُ بِأَوْصَيْتُ إلَيْك؟ وَجْهَانِ فِي الشَّرْحِ وَالرَّوْضَةِ بَلَا تَرْجِيحٍ، رَجَّحَ الْأَذْرَعِيُّ مِنْهُمَا الِانْعِقَادَ، وَالظَّاهِرُ كَمَا قَالَ شَيْخُنَا أَنَّهُ كِنَايَةٌ؛ لِأَنَّهُ صَرِيحٌ فِي بَابِهِ وَلَمْ يَجِدْ نَفَاذًا فِي مَوْضُوعِهِ.
أَمَّا الْأَخْرَسُ فَتَكْفِي إشَارَتُهُ الْمُفْهِمَةُ وَكِتَابَتُهُ، وَالنَّاطِقُ إذَا اُعْتُقِلَ لِسَانُهُ وَأَشَارَ بِالْوَصِيَّةِ بِرَأْسِهِ أَوْ بِقَوْلِهِ: نَعَمْ لِقِرَاءَةِ كِتَابِ الْوَصِيَّةِ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ عَاجِزٌ كَالْأَخْرَسِ (وَيَجُوزُ فِيهِ) أَيْ الْإِيصَاءِ (التَّوْقِيتُ) كَأَوْصَيْتُ إلَيْك سَنَةً أَوْ إلَى بُلُوغِ ابْنِي كَمَا مَرَّ (وَالتَّعْلِيقُ) كَإِذَا مِتُّ فَقَدْ أَوْصَيْتُ إلَيْك؛ لِأَنَّ الْوِصَايَةَ تَحْتَمِلُ الْجَهَالَاتِ وَالْأَخْطَارَ فَكَذَا التَّوْقِيتُ وَالتَّعْلِيقُ، وَلِأَنَّ الْإِيصَاءَ كَالْإِمَارَةِ.
وَقَدْ «أَمَّرَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - زَيْدًا عَلَى سَرِيَّةٍ، وَقَالَ: إنْ أُصِيبَ زَيْدٌ فَجَعْفَرٌ وَإِنْ أُصِيبَ جَعْفَرٌ فَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.

(وَيُشْتَرَطُ بَيَانُ مَا يُوصِي فِيهِ) كَقَوْلِهِ: فُلَانٌ وَصِيٌّ فِي قَضَاءِ دَيْنِي وَتَنْفِيذِ وَصِيَّتِي وَالتَّصَرُّفِ فِي مَالِ أَطْفَالِي، وَمَتَى خَصَّصَ وِصَايَتَهُ بِحِفْظٍ وَنَحْوِهِ أَوْ عَمَّمَ اُتُّبِعَ، وَلَوْ اقْتَصَرَ عَلَى قَوْلِهِ: أَوْصَيْت إلَيْك أَوْ أَقَمْتُك مَقَامِي فِي أَمْرِ أَطْفَالِي وَلَمْ يَذْكُرْ التَّصَرُّفَ كَانَ لَهُ التَّصَرُّفُ فِي الْمَالِ وَحِفْظُهُ اعْتِمَادًا عَلَى الْعُرْفِ (فَإِنْ اقْتَصَرَ عَلَى أَوْصَيْت إلَيْك لَغَا) هَذَا الْإِيصَاءُ كَمَا قَالَ: وَكَّلْتُكَ وَلَمْ يُبَيِّنْ مَا وَكَّلَ فِيهِ، وَلِأَنَّهُ لَا عُرْفَ يُحْمَلُ عَلَيْهِ.

(وَ) يُشْتَرَطُ فِي الْإِيصَاءِ (الْقَبُولُ) لِأَنَّهُ عَقْدُ تَصَرُّفٍ فَأَشْبَهَ الْوَكَالَةَ وَالْقَبُولُ عَلَى التَّرَاخِي عَلَى الْأَصَحِّ.
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: مَا لَمْ يَتَعَيَّنْ تَنْفِيذُ الْوَصَايَا وَكَذَا إذَا عَرَضَهَا الْحَاكِمُ عَلَيْهِ عِنْدَ ثُبُوتِهَا عِنْدَهُ كَمَا مَرَّ فِي نَظِيرِهِ مِنْ الْوَكَالَةِ.
تَنْبِيهٌ: قَضِيَّةُ كَلَامِهِ اشْتِرَاطُ الْقَبُولِ لَفْظًا لَكِنَّ مُقْتَضَى مَا فِي الرَّوْضَةِ وَأَصْلِهَا أَنَّهُ يَكْفِي فِيهِ التَّصَرُّفُ، وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ كَمَا يُؤْخَذُ مِنْ التَّشْبِيهِ بِالْوَكَالَةِ، وَتَبْطُلُ بِالرَّدِّ كَأَنْ يَقُولَ: لَا أَقْبَلُ.
وَيُسَنُّ لِمَنْ عَلِمَ مِنْ نَفْسِهِ الْأَمَانَةَ الْقَبُولُ، فَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ مِنْ نَفْسِهِ ذَلِكَ، فَالْأَوْلَى لَهُ أَنْ لَا يَقْبَلَ.
وَنَقَلَ الرَّبِيعُ عَنْ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ قَالَ: لَا يَدْخُلُ فِي الْوَصِيَّةِ إلَّا أَحْمَقُ أَوْ لِصٌّ، فَإِنْ عَلِمَ مِنْ نَفْسِهِ الضَّعْفَ، فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ يَحْرُمُ الْقَبُولُ لِمَا رَوَى مُسْلِمٌ عَنْ أَبِي ذَرٍّ

وَلَا يَصِحُّ فِي حَيَاتِهِ فِي الْأَصَحِّ.

وَلَوْ وَصَّى اثْنَيْنِ لَمْ يَنْفَرِدْ أَحَدُهُمَا إلَّا إنْ صَرَّحَ بِهِ.

وَلِلْمُوصِي وَالْوَصِيِّ الْعَزْلُ مَتَى شَاءَ.

[مغني المحتاج]

«أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ لَهُ: إنِّي أَرَاك ضَعِيفًا، وَإِنِّي أُحِبُّ لَكَ مَا أُحِبُّ لِنَفْسِي، لَا تَتَأَمَّرَنَّ عَلَى اثْنَيْنِ، وَلَا تَلِيَنَّ عَلَى مَالِ يَتِيمٍ» .

(وَلَا يَصِحُّ) قَبُولُ الْإِيصَاءِ وَلَا رَدُّهُ (فِي حَيَاتِهِ) أَيْ الْمُوصِي (فِي الْأَصَحِّ) لِأَنَّهُ لَمْ يَدْخُلْ وَقْتُ التَّصَرُّفِ كَالْوَصِيَّةِ لَهُ بِالْمَالِ، فَلَوْ قَبِلَ فِي حَيَاتِهِ ثُمَّ رَدَّ بَعْدَ وَفَاتِهِ لَغَا أَوْ رَدَّ فِي حَيَاتِهِ ثُمَّ قَبِلَ بَعْدَ وَفَاتِهِ صَحَّ.
وَالثَّانِي: يَصِحُّ الْقَبُولُ، وَالرَّدُّ كَالْوَكَالَةِ.

(وَلَوْ وَصَّى اثْنَيْنِ) وَلَمْ يَجْعَلْ لِكُلٍّ مِنْهُمَا الِانْفِرَادَ بِالتَّصَرُّفِ بَلْ شَرَطَ اجْتِمَاعَهُمَا فِيهِ أَوْ أَطْلَقَ كَأَنْ قَالَ: أَوْصَيْتُ إلَى زَيْدٍ وَعَمْرٍو أَوْ إلَيْكُمَا (لَمْ يَنْفَرِدْ أَحَدُهُمَا) بِالتَّصَرُّفِ عَمَلًا بِالشَّرْطِ فِي الْأَوَّلِ، وَاحْتِيَاطًا فِي الثَّانِي بَلْ لَا بُدَّ مِنْ اجْتِمَاعِهِمَا فِيهِ (إلَّا إنْ صَرَّحَ بِهِ) أَيْ الِانْفِرَادِ كَأَنْ يَقُولَ: أَوْصَيْتُ إلَى كُلٍّ مِنْكُمَا، أَوْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْكُمَا، وَصِيٌّ أَوْ أَنْتُمَا وَصِيَّايَ فَلِكُلٍّ مِنْهُمَا الِانْفِرَادُ بِالتَّصَرُّفِ.
قَالَ الْأَذْرَعِيُّ: وَفِي الْأَخِيرَةِ نَظَرٌ، وَرُدَّ بِأَنَّ التَّثْنِيَةَ فِي حُكْمِ تَكْرِيرِ الْمُفْرَدِ، فَكَأَنَّهُ قَالَ: كُلٌّ مِنْكُمَا وَصِيٌّ، فَإِذَا ضَعُفَ أَحَدُهُمَا عَنْ التَّصَرُّفِ انْفَرَدَ الْآخَرُ كَمَا لَوْ مَاتَ أَوْ جُنَّ، وَلِلْإِمَامِ نَصْبُ مَنْ يُعِينُ الْآخَرَ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِعَدَمِ الِانْفِرَادِ بِالتَّصَرُّفِ تَلَفُّظُهُمَا بِالْعَقْدِ مَعًا، بَلْ الْمُعْتَبَرُ أَنْ يَصْدُرَ عَنْ رَأْيِهِمَا وَإِنْ بَاشَرَهُ أَحَدُهُمَا أَوْ غَيْرُهُمَا بِأَمْرِهِمَا.
تَنْبِيهٌ: مَحِلُّ وُجُوبِ الِاجْتِمَاعِ عِنْدَ عَدَمِ التَّصْرِيحِ بِالِانْفِرَادِ فِي أَمْرِ الْأَطْفَالِ وَأَمْوَالِهِمْ وَتَفْرِقَةِ الْوَصَايَا غَيْرِ الْمُعَيَّنَةِ وَقَضَاءِ دَيْنٍ لَيْسَ فِي التَّرِكَةِ جِنْسُهُ.
أَمَّا رَدُّ الْأَعْيَانِ الْمُسْتَحَقَّةِ كَالْمَغْصُوبِ وَالْوَدَائِعِ وَالْأَعْيَانِ الْمُوصَى بِهَا وَقَضَاءِ دَيْنٍ فِي التَّرِكَةِ جِنْسُهُ فَلِأَحَدِهِمَا الِاسْتِقْلَالُ بِهِ؛ لِأَنَّ لِصَاحِبِ الْحَقِّ أَنْ يَسْتَقِلَّ بِأَخْذِ ذَلِكَ فَلَا يَضُرُّ اسْتِقْلَالُ أَحَدِهِمَا بِهِ.
وَقَضِيَّتُهُ أَنَّهُ يُبَاحُ لَهُ ذَلِكَ، وَأَنَّ الْمَدْفُوعَ يَقَعُ مَوْقِعَهُ، وَهُوَ كَذَلِكَ وَإِنْ تَوَقَّفَ الشَّيْخَانِ فِي جَوَازِ الْإِقْدَامِ، وَيَرِدُ عَلَى إطْلَاقِ الْمُصَنِّفِ مَا لَوْ اخْتَلَفَا فِي حِفْظِ الْمَالِ الْمُنْقَسِمِ فَإِنَّهُ يُقَسَّمُ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ، فَإِنْ تَنَازَعَا فِي تَعْيِينِ النِّصْفِ الْمَحْفُوظِ أُقْرِعَ بَيْنَهُمَا عَلَى الْأَصَحِّ فِي الرَّوْضَةِ، وَإِذَا تَعَيَّنَ اجْتِمَاعُهُمَا عَلَى التَّصَرُّفِ وَاسْتَقَلَّ أَحَدُهُمَا بِهِ لَمْ يَصِحَّ تَصَرُّفُهُ وَضَمِنَ مَا أَنْفَقَ عَلَى الْأَوْلَادِ أَوْ غَيْرِهِمْ، وَعَلَى الْحَاكِمِ نَصْبُ آخَرَ إنْ مَاتَ أَحَدُهُمَا أَوْ جُنَّ أَوْ فَسَقَ أَوْ غَابَ أَوْ لَمْ يَقْبَلْ الْوِصَايَةَ لِيَتَصَرَّفَ مَعَ الْمَوْجُودِ، وَلَيْسَ لَهُ جَعْلُ الْآخَرِ مُسْتَقِلًّا فِي التَّصَرُّفِ؛ لِأَنَّ الْمُوصِي لَمْ يَرْضَ بِرَأْيِهِ وَحْدَهُ، وَلَوْ مَاتَا مَثَلًا جَمِيعًا لَزِمَ الْحَاكِمَ نَصْبُ اثْنَيْنِ مَكَانَهُمَا، وَلَوْ جَعَلَ الْمُوصِي عَلَى الْوَصِيَّيْنِ مُشْرِفًا لَمْ يَتَصَرَّفَا إلَّا بِمُرَاجَعَتِهِ.
قَالَ الْأَذْرَعِيُّ: وَمَحِلُّهُ فِيمَا يَحْتَاجُ إلَى نَظَرٍ، لَا كَشِرَاءِ الْخُبْزِ وَالْبَقْلِ.
قَالَ فِي الْكِفَايَةِ: وَلَيْسَ لِلْمُشْرِفِ التَّصَرُّفُ، ذَكَرَهُ فِي الْبَحْرِ.

(وَ) عَقْدُ الْإِيصَاءِ جَائِزٌ مِنْ الطَّرَفَيْنِ، وَحِينَئِذٍ (لِلْمُوصِي وَالْوَصِيِّ الْعَزْلُ مَتَى شَاءَ) كَالْوَكَالَةِ، هَذَا إنْ لَمْ تَتَعَيَّنْ عَلَيْهِ الْوَصِيَّةُ وَلَمْ يَغْلِبْ

وَإِذَا بَلَغَ الطِّفْلُ وَنَازَعَهُ فِي الْإِنْفَاقِ عَلَيْهِ صَدَقَ الْوَصِيُّ، أَوْ فِي دَفْعٍ إلَيْهِ بَعْدَ الْبُلُوغِ صُدِّقَ الْوَلَدُ.

[مغني المحتاج]

عَلَى ظَنِّهِ تَلَفُ الْمَالِ بِاسْتِيلَاءِ ظَالِمٍ مِنْ قَاضٍ وَغَيْرِهِ وَإِلَّا فَلَيْسَ لَهُ ذَلِكَ، وَلَا يَنْفُذُ عَزْلُهُ كَمَا بَحَثَهُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ.
قَالَ الْإِسْنَوِيُّ: وَعَلَى هَذَا لَوْ لَمْ يَقْبَلْ هَلْ يَلْزَمُهُ الْقَبُولُ؟ فِيهِ نَظَرٌ يَحْتَمِلُ اللُّزُومُ لِقُدْرَتِهِ عَلَى دَفْعِ الظَّالِمِ بِذَلِكَ، وَيَحْتَمِلُ خِلَافُهُ اهـ. وَالْأَوْجَهُ - كَمَا قَالَ شَيْخُنَا - الْأَوَّلُ إنْ تَعَيَّنَ طَرِيقًا فِي الدَّفْعِ.
قَالَ الْأَذْرَعِيُّ: وَلَوْ غَلَبَ عَلَى ظَنِّ الْمُوصِي أَنَّ عَزْلَهُ لِوَصِيِّهِ مُضَيِّعٌ لِمَا عَلَيْهِ مِنْ الْحُقُوقِ أَوْ لِأَمْوَالِ أَوْلَادِهِ بِاسْتِيلَاءِ ظَالِمٍ أَوْ لِخُلُوِّ النَّاحِيَةِ عَنْ قَاضٍ أَمِينٍ فَيَظْهَرُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ عَزْلُهُ اهـ. وَهُوَ حَسَنٌ.
تَنْبِيهٌ: تَسَمَّحَ الْمُصَنِّفُ فِي إطْلَاقِ الْعَزْلِ بِالنِّسْبَةِ لِلْمُوصِي فَإِنَّ الْعَزْلَ فَرْعُ الْوِلَايَةِ، وَلَا وِلَايَةَ قَبْلَ مَوْتِ الْمُوصِي، فَالْأَوْلَى التَّعْبِيرُ بِالرُّجُوعِ كَمَا فِي الرَّوْضَةِ وَأَصْلِهَا.

(وَإِذَا بَلَغَ الطِّفْلُ) رَشِيدًا وَكَمَلَ غَيْرُهُ (وَنَازَعَهُ) أَيْ الْوَصِيُّ أَوْ نَحْوُهُ كَالْأَبِ (فِي الْإِنْفَاقِ عَلَيْهِ) أَوْ عَلَى مَمُونِهِ (صَدَقَ الْوَصِيُّ) وَنَحْوُهُ بِيَمِينِهِ فِي اللَّائِقِ بِالْحَالِ لِأَنَّهُ أَمِينٌ، وَقَدْ تَشُقُّ عَلَيْهِ إقَامَةُ الْبَيِّنَةِ، فَإِنْ ادَّعَى زِيَادَةً عَلَى النَّفَقَةِ اللَّائِقَةِ صُدِّقَ الْوَلَدُ قَطْعًا (أَوْ) نَازَعَهُ (فِي دَفْعِ) الْمَالِ (إلَيْهِ بَعْدَ الْبُلُوغِ) وَالرُّشْدِ لِلطِّفْلِ وَالْكَمَالِ لِغَيْرِهِ، أَوْ فِي تَارِيخِ مَوْتِ الْأَبِ (صُدِّقَ الْوَلَدُ) بِيَمِينِهِ عَلَى الصَّحِيحِ الْمَنْصُوصِ لِمَفْهُومِ قَوْله تَعَالَى: ﴿فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ﴾ [النساء: 6] وَلِأَنَّهُ لَا يَعْسُرُ إقَامَةُ الْبَيِّنَةِ عَلَيْهِ.
فَإِنْ قِيلَ: هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ تَقَدَّمَتْ فِي الْوَكَالَةِ فَهِيَ مُكَرَّرَةٌ؟ . أُجِيبَ بِأَنَّ تِلْكَ فِي الْقَيِّمِ الْمَنْصُوبِ مِنْ جِهَةِ الْقَاضِي فَإِنَّ عِبَارَتَهُ هُنَاكَ: وَقَيِّمُ الْيَتِيمِ إلَخْ، وَهَذِهِ فِي الْوَصِيِّ لَا فِي قَيِّمِ الْيَتِيمِ، لَكِنَّ تَخْصِيصَهُ الْوَصِيَّ بِالذِّكْرِ يُوهِمُ أَنَّ الْأَبَ وَالْجَدَّ لَيْسَا كَذَلِكَ، وَلَيْسَ مُرَادًا، بَلْ هُمَا كَالْوَصِيِّ كَمَا تَقَرَّرَ.
خَاتِمَةٌ: لِلْوَصِيِّ أَنْ يُوَكِّلَ فِيمَا لَمْ تَجْرِ الْعَادَةُ بِمُبَاشَرَتِهِ لِمِثْلِهِ كَالْوَكِيلِ، قِيلَ: يَجُوزُ مُطْلَقًا، وَجَرَى عَلَيْهِ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ كَالْأَذْرَعِيِّ، وَلَا يُخَالِطُ الطِّفْلَ بِالْمَالِ إلَّا فِي الْمَأْكُولِ كَالدَّقِيقِ وَاللَّحْمِ لِلطَّبْخِ وَنَحْوِهِ مِمَّا لَا بُدَّ مِنْهُ لِلْإِرْفَاقِ، وَعَلَيْهِ حُمِلَ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ﴾ [البقرة: 220] الْآيَةَ، وَلَا يَسْتَقِلُّ بِقِسْمَةِ مُشْتَرَكٍ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ؛ وَلِأَنَّ الْقِسْمَةَ إنْ كَانَتْ بَيْعًا فَلَيْسَ لَهُ تَوَلِّي الطَّرَفَيْنِ أَوْ إقْرَارًا فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَقْبِضَ مِنْ نَفْسِهِ لِنَفْسِهِ، وَلَوْ بَاعَ لَهُ شَيْئًا حَالًّا لَمْ يَلْزَمْهُ الْإِشْهَادُ فِيهِ بِخِلَافِ الْمُؤَجَّلِ، وَلَوْ فَسَقَ الْوَلِيُّ قَبْلَ انْقِضَاءِ الْخِيَارِ لَمْ يَبْطُلْ الْبَيْعُ فِي أَحَدِ وَجْهَيْنِ رَجَّحَهُ الْأَذْرَعِيُّ، وَلَوْ قَالَ: أَوْصَيْت إلَى اللَّهِ وَإِلَى زَيْدٍ حُمِلَ ذِكْرُ اسْمِ اللَّهِ - تَعَالَى - عَلَى التَّبَرُّكِ، وَإِنْ خَافَ الْوَصِيُّ عَلَى الْمَالِ مِنْ اسْتِيلَاءِ ظَالِمٍ فَلَهُ تَخْلِيصُهُ بِشَيْءٍ مِنْهُ: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ﴾ [البقرة: 220] . قَالَ الْأَذْرَعِيُّ: وَمِنْ هَذَا مَا لَوْ عَلِمَ أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَبْذُلْ شَيْئًا لِقَاضِي سُوءٍ لَانْتَزَعَ مِنْهُ الْمَالَ وَسَلَّمَهُ لِبَعْضِ خَوَنَتِهِ وَأَدَّى ذَلِكَ إلَى اسْتِئْصَالِهِ، وَيَجِبُ أَنْ يَتَحَرَّى فِي أَقَلِّ مَا يُمْكِنُ أَنْ يَرْضَى بِهِ الظَّالِمُ، وَالظَّاهِرُ تَصْدِيقُهُ إذَا نَازَعَهُ الْمَحْجُورُ عَلَيْهِ بَعْدَ رُشْدِهِ فِي

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

[مغني المحتاج]

بَذْلِ ذَلِكَ، وَإِنْ لَمْ تَدُلَّ الْقَرَائِنُ عَلَيْهِ.
قَالَ: وَيَقْرُبُ مِنْ هَذَا قَوْلُ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ: يَجُوزُ تَعْيِيبُ مَالِ الْيَتِيمِ أَوْ السَّفِيهِ أَوْ الْمَجْنُونِ لِحِفْظِهِ إذَا خِيفَ عَلَيْهِ الْغَصْبُ كَمَا فِي قِصَّةِ الْخَضِرِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -، وَإِذَا كَانَ النَّاظِرُ فِي أَمْرِ الطِّفْلِ أَجْنَبِيًّا فَلَهُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ مَالِ الطِّفْلِ قَدْرَ أُجْرَةِ عَمَلِهِ، فَإِنْ كَانَتْ لَا تَكْفِيهِ أَخَذَ قَدْرَ كِفَايَتِهِ بِشَرْطِ الضَّمَانِ، وَإِنْ كَانَ أَبًا أَوْ جَدًّا أَوْ أُمًّا بِحُكْمِ الْوَصِيَّةِ لَهَا وَكَانَ فَقِيرًا فَنَفَقَتُهُ عَلَى الطِّفْلِ، وَلَهُ أَنْ يُنْفِقَ عَلَى نَفْسِهِ بِالْمَعْرُوفِ وَلَا يَحْتَاجُ إلَى إذْنِ حَاكِمٍ كَمَا قَالَهُ ابْنُ الصَّلَاحِ.

كِتَابُ الْوَدِيعَةِ

[مغني المحتاج]

[كِتَابُ الْوَدِيعَةِ]

ِ هِيَ فَعِيلَةٌ، مِنْ وَدَعَ إذَا تَرَكَ، وَمِنْهُ «قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: لَيَنْتَهِيَنَّ أَقْوَامٌ عَنْ وَدْعِ الْجُمُعَاتِ وَالْجَمَاعَاتِ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
وَفِي النَّسَائِيّ: «دَعُوا الْحَبَشَةَ مَا وَدَعُوكُمْ وَاتْرُكُوا التُّرْكَ مَا تَرَكُوكُمْ» وَجَمْعُهَا وَدَائِعُ.
قَالَ الشَّاعِرُ: إذَا أَنْتَ لَا تَبْرَحُ تُؤَدِّي أَمَانَةً ... وَتَحْمِلُ أُخْرَى أَثْقَلَتْكَ الْوَدَائِعُ وَهِيَ لُغَةً: الشَّيْءُ الْمَوْضُوعُ عِنْدَ غَيْرِ صَاحِبٍ لِلْحِفْظِ.
وَشَرْعًا: تُقَالُ عَلَى الْإِيدَاعِ، وَعَلَى الْعَيْنِ الْمُودَعَةُ، مِنْ وَدَعَ الشَّيْءَ يَدَعُ إذَا سَكَنَ؛ لِأَنَّهَا سَاكِنَةٌ عِنْدَ الْمُودَعِ، وَقِيلَ: مِنْ قَوْلِهِمْ: فُلَانٌ فِي دَعَةٍ: أَيْ رَاحَةٍ؛ لِأَنَّهَا فِي رَاحَةِ الْمُودَعِ وَمُرَاعَاتِهِ وَحِفْظِهِ.
قَالَ الشَّاعِرُ: اسْتَوْدَعَ الْعِلْمَ قِرْطَاسًا فَضَيَّعَهُ ... وَبِئْسَ مُسْتَوْدَعُ الْعِلْمِ الْقَرَاطِيسُ وَالْأَصَحُّ أَنَّهَا عَقْدٌ، فَحَقِيقَتُهَا شَرْعًا: تَوْكِيلٌ فِي حِفْظِ مَمْلُوكٍ أَوْ مُحْتَرَمٍ مُخْتَصٍّ عَلَى وَجْهٍ مَخْصُوصٍ، فَدَخَلَ فِي ذَلِكَ صِحَّةُ إيدَاعِ الْخَمْرِ الْمُحْتَرَمَةِ، وَجِلْدِ مَيْتَةٍ يَطْهُرُ بِالدِّبَاغِ، وَزِبْلٍ، وَكَلْبٍ مُعَلَّمٍ وَخَرَجَ بِمُخْتَصٍّ: مَا لَا اخْتِصَاصَ فِيهِ كَالْكَلْبِ الَّذِي لَا يُقْتَنَى، وَبِتَوْكِيلِ الْعَيْنِ فِي يَدِ مُلْتَقِطٍ، وَثَوْبٍ طَيَّرَتْهُ رِيحٌ وَنَحْوِهِ، لِأَنَّهُ مَالٌ ضَائِعٌ مُغَايِرٌ لِحُكْمِ الْوَدِيعَةِ.
وَالْأَصْلُ فِيهَا قَبْلَ

مَنْ عَجَزَ عَنْ حِفْظِهَا حَرُمَ عَلَيْهِ قَبُولُهَا، وَمَنْ قَدَرَ وَلَمْ يَثِقْ بِأَمَانَتِهِ كُرِهَ، فَإِنْ وَثِقَ اُسْتُحِبَّ.

[مغني المحتاج]

الْإِجْمَاعِ قَوْله تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ [النساء: 58] ، فَهِيَ وَإِنْ نَزَلَتْ فِي رَدِّ مِفْتَاحِ الْكَعْبَةِ إلَى عُثْمَانَ بْنِ طَلْحَةَ فَهِيَ عَامَّةٌ فِي جَمِيعِ الْأَمَانَاتِ.
قَالَ الْوَاحِدِيُّ: أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ الْآيَةَ نَزَلَتْ بِسَبَبِ مِفْتَاحِ الْكَعْبَةِ، وَلَمْ يَنْزِلْ فِي جَوْفِ الْكَعْبَةِ آيَةٌ سِوَاهَا، وقَوْله تَعَالَى: ﴿فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ﴾ [البقرة: 283] ، وَخَبَرُ: «أَدِّ الْأَمَانَةَ إلَى مَنْ ائْتَمَنَكَ وَلَا تَخُنْ مَنْ خَانَكَ» رَوَاهُ الْحَاكِمُ، وَقَالَ: عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ، وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ عَنْ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّهُ قَالَ وَهُوَ يَخْطُبُ لِلنَّاسِ: " لَا يُعْجِبَنَّكُمْ مِنْ الرَّجُلِ طَنْطَنَتُهُ، وَلَكِنْ مَنْ أَدَّى الْأَمَانَةَ وَكَفَّ عَنْ أَعْرَاضِ النَّاس، فَهُوَ الرَّجُلُ " وَلِأَنَّ بِالنَّاسِ حَاجَةً بَلْ ضَرُورَةً إلَيْهَا.

وَلَكِنْ (مَنْ عَجَزَ عَنْ حِفْظِهَا حَرُمَ عَلَيْهِ قَبُولُهَا) لِأَنَّهُ يُعَرِّضُهَا لِلتَّلَفِ، قَالَ ابْنُ الرِّفْعَةِ: وَمَحِلُّهُ إذَا لَمْ يَعْلَمْ الْمَالِكُ بِحَالِهِ وَإِلَّا فَلَا تَحْرِيمَ.
وَقَوْلُ الزَّرْكَشِيّ: فِي ذَلِكَ نَظَرٌ، وَالْوَجْهُ تَحْرِيمُهُ عَلَيْهِمَا، أَمَّا عَلَى الْمَالِكِ فَلِإِضَاعَتِهِ مَالَهُ، وَأَمَّا عَلَى الْمُودِعِ فَلِإِعَانَتِهِ عَلَى ذَلِكَ مَمْنُوعٌ؛ لِأَنَّ الشَّخْصَ إذَا عَلِمَ أَنَّ غَيْرَهُ يَأْخُذُ مَالَهُ لِيُنْفِقَهُ أَوْ يُعْطِيَهُ لِغَيْرِهِ لَا يَحْرُمُ عَلَيْهِ وَلَا عَلَى الْآخِذِ إذَا عَلِمَ رِضَاهُ بِذَلِكَ.
وَالْإِيدَاعُ صَحِيحٌ مَعَ الْحُرْمَةِ، وَأَثَرُ التَّحْرِيمِ مَقْصُورٌ عَلَى الْآثِمِ، لَكِنْ لَوْ كَانَ الْمُودِعُ وَكِيلًا أَوْ وَلِيَّ يَتِيمٍ حَيْثُ يَجُوزُ لَهُ الْإِيدَاعُ فَهِيَ مَضْمُونَةٌ بِمُجَرَّدِ الْأَخْذِ قَطْعًا (وَمَنْ قَدَرَ) عَلَى حِفْظِهَا وَهُوَ فِي الْحَالِ أَمِينٌ (وَ) لَكِنْ (لَمْ يَثِقْ بِأَمَانَتِهِ) بَلْ خَافَ الْخِيَانَةَ مِنْ نَفْسِهِ فِي الْمُسْتَقْبَلِ (كُرِهَ) لَهُ قَبُولُهَا وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ خَشْيَةَ الْخِيَانَةِ فِيهَا.
قَالَ ابْنُ الرِّفْعَةِ: وَيَظْهَرُ أَنَّ هَذَا إذَا لَمْ يَعْلَمْ الْمَالِكُ الْحَالَ، وَإِلَّا فَلَا تَحْرِيمَ وَلَا كَرَاهَةَ وَفِيهِ مَا مَرَّ.
تَنْبِيهٌ: جَزْمُهُ بِالْكَرَاهَةِ لَا يُطَابِقُ كَلَامَ الْمُحَرَّرِ، فَإِنَّهُ قَالَ: لَا يَنْبَغِي أَنْ يُقْبَلَ وَمُخَالِفٌ لِمَا فِي الرَّوْضَةِ وَأَصْلِهَا مِنْ حِكَايَةِ وَجْهَيْنِ بِالْحُرْمَةِ وَالْكَرَاهَةِ بَلَا تَرْجِيحٍ.
قَالَ الْأَذْرَعِيُّ: وَبِالتَّحْرِيمِ أَجَابَ الْمَاوَرْدِيُّ، وَصَاحِبُ الْمُهَذَّبِ، وَالرُّويَانِيُّ وَغَيْرُهُمْ، وَهُوَ الْمُخْتَارُ.
قَالَ: وَلَكِنَّ مَحِلَّ الْوَجْهَيْنِ فِيمَا إذَا أَوْدَعَ مُطْلَقَ التَّصَرُّفِ مَالَ نَفْسِهِ وَإِلَّا فَيَحْرُمُ قَبُولُهَا مِنْهُ جَزْمًا (فَإِنْ) قَدَرَ عَلَى حِفْظِهَا، وَ (وَثِقَ) بِأَمَانَةِ نَفْسِهِ فِيهَا (اُسْتُحِبَّ) لَهُ قَبُولُهَا؛ لِأَنَّهُ مِنْ التَّعَاوُنِ الْمَأْمُورِ بِهِ، هَذَا إذَا لَمْ يَتَعَيَّنْ عَلَيْهِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ ثَمَّ غَيْرُهُ وَجَبَ عَلَيْهِ كَأَدَاءِ الشَّهَادَةِ لَكِنْ بِالْأُجْرَةِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى أَصْلِ الْقَبُولِ كَمَا بَيَّنَهُ السَّرَخْسِيُّ دُونَ إتْلَافِ مَنْفَعَتِهِ وَمَنْفَعَةِ حِرْزِهِ فِي الْحِفْظِ بَلَا عِوَضٍ، وَقَضِيَّتُهُ أَنَّ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ أُجْرَةَ الْحِفْظِ كَمَا يَأْخُذَ أُجْرَةَ الْحِرْزِ، وَمَنَعَهُ الْفَارِقِيُّ وَابْنُ أَبِي عَصْرُونٍ؛ لِأَنَّهُ صَارَ وَاجِبًا عَلَيْهِ فَأَشْبَهَ سَائِرَ الْوَاجِبَاتِ وَالْمُعْتَمَدُ الْأَوَّلُ كَمَا هُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْأَصْحَابِ، وَقَدْ تُؤْخَذُ الْأُجْرَةُ عَلَى الْوَاجِبِ كَمَا فِي سَقْيِ اللِّبَأِ.

وَأَرْكَانُ الْوَدِيعَةِ بِمَعْنَى الْإِيدَاعِ أَرْبَعَةٌ: وَدِيعَةٌ بِمَعْنَى الْعَيْنِ الْمُودَعَةِ، وَمُودِعٌ، وَوَدِيعٌ، وَصِيغَةٌ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى شَرْطِ الرُّكْنِ الْأَوَّلِ وَهُوَ الْوَدِيعَةُ، ثُمَّ شَرَعَ فِي شَرْطِ الرُّكْنِ الثَّانِي وَالثَّالِثِ وَهُمَا الْعَاقِدَانِ.
فَقَالَ:

وَشَرْطُهُمَا شَرْطُ مُوَكِّلٍ وَوَكِيلٍ.

وَيُشْتَرَطُ صِيغَةُ الْمُودِعِ كَاسْتَوْدَعْتُكَ هَذَا أَوْ اسْتَحْفَظْتُكَ أَوْ أَنَبْتُكَ فِي حِفْظِهِ.

وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ الْقَبُولُ لَفْظًا وَيَكْفِي الْقَبْضُ

[مغني المحتاج]

(وَشَرْطُهُمَا شَرْطُ مُوَكَّلٍ وَوَكِيلٍ) لِأَنَّهَا اسْتِنَابَةٌ فِي الْحِفْظِ فَمَنْ صَحَّتْ وَكَالَتُهُ صَحَّ إيدَاعُهُ، وَمَنْ صَحَّ تَوْكِيلُهُ صَحَّ دَفْعُ الْوَدِيعَةِ إلَيْهِ فَخَرَجَ اسْتِيدَاعُ مُحْرِمٍ صَيْدًا أَوْ كَافِرٍ مُصْحَفًا وَنَحْوُهُ.

ثُمَّ شَرَعَ فِي بَيَانِ الرُّكْنِ الرَّابِعِ وَهُوَ الصِّيغَةُ فَقَالَ (وَيُشْتَرَطُ صِيغَةُ الْمُودِعِ) النَّاطِقِ بِاللَّفْظِ، وَهِيَ إمَّا صَرِيحٌ (كَاسْتَوْدَعْتُكَ هَذَا) أَوْ أَوْدَعْتُكَ أَوْ هُوَ وَدِيعَةٌ عِنْدَك (أَوْ اسْتَحْفَظْتُكَ أَوْ أَنَبْتُكَ فِي حِفْظِهِ) أَوْ احْفَظْهُ.
وَإِمَّا كِنَايَةٌ وَتَنْعَقِدُ بِهَا مَعَ النِّيَّةِ كَخُذْهُ أَوْ مَعَ الْقَرِينَةِ كَخُذْهُ أَمَانَةً، أَمَّا الْأَخْرَسُ فَتَكْفِي إشَارَتُهُ الْمُفْهِمَةُ، وَلَوْ عَلَّقَهَا كَأَنْ قَالَ: إذَا جَاءَ رَأْسُ الشَّهْرِ فَقَدْ أَوْدَعْتُك هَذَا لَمْ يَصِحَّ كَالْوَكَالَةِ كَمَا بَحَثَهُ فِي أَصْلِ الرَّوْضَةِ، وَجَرَى عَلَيْهِ ابْنُ الْمُقْرِي وَقَطَعَ الرُّويَانِيُّ بِالصِّحَّةِ، وَعَلَى الْأَوَّلِ يَصِحُّ الْحِفْظُ بَعْدَ وُجُودِ الشَّرْطِ كَمَا يَصِحُّ التَّصَرُّفُ فِي الْوَكَالَةِ حِينَئِذٍ، فَفَائِدَةُ الْبُطْلَانِ سُقُوطُ الْمُسَمَّى إنْ كَانَ، وَالرُّجُوعُ إلَى أُجْرَةِ الْمِثْلِ.

تَنْبِيهٌ: ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ وَغَيْرِهِ أَنَّهُ لَوْ دَخَلَ شَخْصٌ الْحَمَّامَ وَلَمْ يَسْتَحْفِظْ الْحَمَّامِيَّ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ الْحِفْظُ وَهُوَ كَذَلِكَ، فَلَوْ ضَاعَتْ لَمْ يَضْمَنْهَا وَإِنْ نَامَ أَوْ قَامَ مِنْ مَكَانَهُ، وَلَا نَائِبَ لَهُ، فَإِنْ اسْتَحْفَظَهُ وَقَبِلَ مِنْهُ لَزِمَهُ حِفْظُهَا.
وَعَنْ الْقَاضِي حُسَيْنٍ أَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ حِفْظُهَا مُطْلَقًا لِلْعَادَةِ.

(وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ) فِي الْوَدِيعِ (الْقَبُولُ) لِلْوَدِيعَةِ (لَفْظًا وَيَكْفِي الْقَبْضُ) لَهَا كَمَا فِي الْوَكَالَةِ بَلْ أَوْلَى عَقَارًا كَانَتْ أَوْ مَنْقُولًا، فَإِذَا قَبَضَهَا تَمَّتْ الْوَدِيعَةُ، وَظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ، أَنَّهُ لَا بُدَّ فِي الْمَنْقُولِ مِنْ النَّقْلِ، وَلَكِنَّ الَّذِي قَالَ الْبَغَوِيّ أَنَّهُ لَوْ قَالَ: هَذَا وَدِيعَتِي عِنْدَك أَوْ احْفَظْهُ، فَقَالَ: قَبِلْتُ أَوْ ضَعْهُ مَوْضِعَهُ كَانَ إيدَاعًا كَمَا لَوْ قَبَضَهُ بِيَدِهِ.
وَصَحَّحَهُ الرَّافِعِيُّ فِي الشَّرْحِ الصَّغِيرِ، وَنَقَلَ الْأَذْرَعِيُّ عَنْ فَتَاوَى الْقَفَّالِ مَا يُوَافِقُهُ وَهَذَا هُوَ الظَّاهِرُ، وَإِنْ قَالَ الْمُتَوَلِّي لَا حَتَّى يَقْبِضَهُ، وَالثَّانِي: يُشْتَرَطُ الْقَبُولُ لَفْظًا، وَالثَّالِثُ: يُفَرَّقُ بَيْنَ صِيغَةِ الْأَمْرِ كَمَا فِي الْوَكَالَةِ وَعَلَى عَدَمِ اشْتِرَاطِ الْقَبُولِ يُشْتَرَطُ عَدَمُ الرَّدِّ كَمَا قَالَ الْبَغَوِيّ، قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ وَغَيْرُهُ: وَلَا تَفْتَقِرُ الْوَدِيعَةُ إلَى عِلْمِ الْوَدِيعِ بِمَا فِيهَا بِخِلَافِ اللُّقَطَةِ لِمَا يَلْزَمُهُ مِنْ تَعْرِيفِهَا، فَإِنْ لَمْ يُوجِبْ الْمَالِكُ لَهُ بَلْ وَضَعَ مَالَهُ بَيْنَ يَدَيْهِ سَوَاءٌ أَقَالَ لَهُ قَبْلَ ذَلِكَ: أُرِيدَ أَنْ أُودِعَك أَمْ لَا، أَوْ أَوْجَبَ لَهُ وَوَضَعَهُ بَيْنَ يَدَيْهِ وَرَدَّ لَمْ يَصِحَّ، فَإِنْ ذَهَبَ وَتَرَكَهَا لَمْ يَضْمَنْ وَإِنْ أَثِمَ بِهِ بِأَنْ كَانَ ذَهَابُهُ بَعْدَ غَيْبَةِ الْمَالِكِ، وَإِنْ قَبَضَهَا صَارَ ضَامِنًا إلَّا إنْ كَانَتْ مُعَرَّضَةً لِلضَّيَاعِ فَقَبَضَهَا حَسِبَهُ صَوْنًا لَهَا عَنْ الضَّيَاعِ فَلَا يَضْمَنُ، وَذَهَابُ الْوَدِيعِ مَعَ تَرْكِ الْوَدِيعَةِ وَالْمَالِكُ حَاضِرٌ كَرَدِّهَا.
تَنْبِيهٌ: قَضِيَّةُ كَلَامِ الشَّيْخَيْنِ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ لَفْظِ ائْتِمَانٍ مِنْ الْمُودِعِ النَّاطِقِ، قَالَ الْأَذْرَعِيُّ: وَلَمْ يَبْعُدْ أَنْ يُقَالَ: الشَّرْطُ وُجُودُ اللَّفْظِ مِنْ أَحَدِ الْجَانِبَيْنِ وَالْفِعْلِ مِنْ الْآخَرِ لِلْعِلْمِ بِحُصُولِ الْمَقْصُودِ بِذَلِكَ، فَلَوْ قَالَ الْوَدِيعُ: أَوْدِعْنِيهِ مَثَلًا فَدَفَعَهُ لَهُ سَاكِتًا كَفَى كَالْعَارِيَّةِ، وَعَلَيْهِ فَالشَّرْطُ اللَّفْظُ مِنْ أَحَدِهِمَا، وَهُوَ حَسَنٌ، وَلَوْ قَالَ لَهُ: خُذْ هَذَا يَوْمًا وَدِيعَةً وَيَوْمًا غَيْرَ وَدِيعَةٍ فَوَدِيعَةٌ أَبَدًا أَوْ

وَلَوْ أَوْدَعَهُ صَبِيٌّ أَوْ مَجْنُونٌ مَالًا لَمْ يَقْبَلْهُ فَإِنْ قَبِلَ ضَمِنَ.

وَلَوْ أَوْدَعَ صَبِيًّا مَالًا فَتَلِفَ عِنْدَهُ لَمْ يَضْمَنْ، وَإِنْ أَتْلَفَهُ ضَمِنَ فِي الْأَصَحِّ.

وَالْمَحْجُورُ عَلَيْهِ بِسَفَهٍ كَصَبِيٍّ

وَتَرْتَفِعُ بِمَوْتِ الْمُودِعِ أَوْ

[مغني المحتاج]

خُذْهُ يَوْمًا وَدِيعَةً وَيَوْمًا عَارِيَّةً فَوَدِيعَةٌ فِي الْيَوْمِ الْأَوَّلِ وَعَارِيَّةٌ فِي الْيَوْمِ الثَّانِي، وَلَمْ يُعِدَّ بَعْدَ يَوْمِ الْعَارِيَّةِ وَدِيعَةً وَلَا عَارِيَّةً بَلْ تَصِيرُ يَدُهُ يَدَ ضَمَانٍ.
قَالَ الزَّرْكَشِيُّ، فَلَوْ عَكَسَ الْأُولَى فَقَالَ: خُذْهُ يَوْمًا غَيْرَ وَدِيعَةٍ وَيَوْمًا وَدِيعَةً، فَالْقِيَاسُ أَنَّهَا أَمَانَةٌ؛ لِأَنَّهُ أَخَذَهَا بِإِذْنِ الْمَالِكِ وَلَيْسَتْ عَقْدَ وَدِيعَةٍ، وَإِنْ عَكَسَ الثَّانِيَةَ فَالْقِيَاسُ أَنَّهَا فِي الْيَوْمِ الْأَوَّلِ عَارِيَّةٌ وَفِي الثَّانِي أَمَانَةٌ.

(وَلَوْ أَوْدَعَهُ صَبِيٌّ أَوْ مَجْنُونٌ مَالًا لَمْ يَقْبَلْهُ) لِأَنَّ إيدَاعَهُ كَالْعَدَمِ لِعَدَمِ أَهْلِيَّتِهِ (فَإِنْ قَبِلَ) الْمَالَ وَقَبَضَهُ (ضَمِنَ) لِعَدَمِ الْإِذْنِ الْمُعْتَبَرِ كَالْغَاصِبِ، وَلِهَذَا التَّعْلِيلِ لَا يُقَالُ: صَحِيحُ الْوَدِيعَةِ لَا ضَمَانَ فِيهِ فَكَذَا فَاسِدُهَا.
قَالَ السُّبْكِيُّ: وَلَا يُحْتَاجُ أَنْ يُقَالَ هُوَ بَاطِلٌ، وَيُفَرَّقُ بَيْنَ الْفَاسِدِ وَالْبَاطِلِ وَلَا يَبْرَأُ إلَّا بِالرَّدِّ إلَى وَلِيِّهِ.
تَنْبِيهٌ: اُسْتُثْنِيَ مِنْ تَضْمِينِهِ مَا لَوْ خِيفَ هَلَاكُهُ فَأَخَذَهُ حِسْبَةً صَوْنًا لَهُ فَإِنَّهُ لَا يَضْمَنُهُ، وَمَا لَوْ أَتْلَفَ الصَّبِيُّ وَدِيعَةَ نَفْسِهِ بِلَا تَسْلِيطٍ مِنْ الْوَدِيعِ فَإِنَّهُ يَبْرَأُ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الرَّافِعِيُّ فِي الْجِرَاحِ قُبَيْلَ الْفَصْلِ الثَّانِي فِي الْمُمَاثَلَةِ.

وَلَوْ أَوْدَعَهُ عَبْدٌ بِغَيْرِ إذْنِ سَيِّدِهِ لَمْ يَبْرَأْ إلَّا بِالرَّدِّ إلَى سَيِّدِهِ.

(وَلَوْ أَوْدَعَ صَبِيًّا) أَوْ مَجْنُونًا (مَالًا فَتَلِفَ عِنْدَهُ) وَلَوْ بِتَفْرِيطٍ (لَمْ يَضْمَنْ) كُلٌّ مِنْهُمَا مَا تَلِفَ عِنْدَهُ إذْ لَيْسَ عَلَيْهِ حِفْظُهُ فَهُوَ كَمَا لَوْ تَرَكَهُ عِنْدَ بَالِغٍ مِنْ غَيْرِ اسْتِحْفَاظٍ (وَإِنْ أَتْلَفَهُ ضَمِنَ) مَا أَتْلَفَهُ (فِي الْأَصَحِّ) لِعَدَمِ تَسْلِيطِهِ عَلَيْهِ، وَالثَّانِي: لَا كَمَا لَوْ بَاعَهُ شَيْئًا وَسَلَّمَهُ إلَيْهِ.
وَأَجَابَ الْأَوَّلُ بِأَنَّ الْبَائِعَ أَذِنَ فِي الِاسْتِهْلَاكِ بِخِلَافِ الْإِيدَاعِ.
تَنْبِيهٌ: الْمُرَجَّحُ فِي الرَّوْضَةِ كَأَصْلِهَا أَنَّ الْخِلَافَ قَوْلَانِ.

(وَالْمَحْجُورُ عَلَيْهِ بِسَفَهٍ) فِي إيدَاعِهِ وَالْإِيدَاعِ عِنْدَهُ وَالْأَخْذِ مِنْهُ وَعَدَمِ تَضْمِينِهِ بِالتَّلَفِ عِنْدَهُ وَتَضْمِينِهِ بِإِتْلَافِهِ (كَصَبِيٍّ) فِيمَا ذُكِرَ.
تَنْبِيهٌ: قَضِيَّةُ تَقْيِيدِهِ بِالْحَجْرِ أَنَّ السَّفِيهَ إذَا لَمْ يُحْجَرْ عَلَيْهِ بِخِلَافِهِ.
قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: وَيُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ عَلَى الْخِلَافِ فِي سَائِرِ تَصَرُّفَاتِهِ، وَلَوْ أَوْدَعَ عِنْدَ رَقِيقٍ بِغَيْرِ إذْنِ سَيِّدِهِ فَتَلِفَ عِنْدَهُ مَا أَوْدَعَهُ لَمْ يَضْمَنْهُ كَذَا أَطْلَقَاهُ، وَقَيَّدَهُ الْجُرْجَانِيِّ بِعَدَمِ التَّفْرِيطِ.
قَالَ: وَلَا يُفَارِقُ الرَّقِيقُ الصَّبِيَّ إلَّا فِي هَذِهِ الْحَالَةِ فَإِنَّ الصَّبِيَّ لَا يَضْمَنُ وَلَوْ فَرَّطَ، وَأَوْرَدَ عَلَى حَصْرِهِ أَنَّ الصَّبِيَّ لَا يُودَعُ عِنْدَهُ أَصْلًا وَيُودَعُ عِنْدَ الرَّقِيقِ بِإِذْنِ سَيِّدِهِ، وَكَلَامُهُمَا مَحْمُولٌ عَلَى مَا قُيِّدَ بِهِ، وَوَلَدُ الْوَدِيعَةِ وَدِيعَةٌ كَأُمِّهِ بِنَاءً عَلَى أَنَّهَا عَقْدٌ.
وَقِيلَ: إنَّهَا أَمَانَةٌ شَرْعِيَّةٌ، فَإِنْ قِيلَ: لَا فَائِدَةَ لِهَذَا الْخِلَافِ.
. أُجِيبَ بِأَنَّ لَهُ فَائِدَةً، وَهِيَ أَنَّ الْعَيْنَ عَلَى الْأَوَّلِ إنَّمَا يَجِبُ رَدُّهَا بَعْدَ الطَّلَبِ، وَيَجِبُ رَدُّهَا عَلَى الثَّانِي حَالًا.

تَنْبِيهٌ: أَحْكَامُ الْوَدِيعَةِ ثَلَاثَةٌ الْأَوَّلُ الْجَوَازُ، وَالثَّانِي: الْأَمَانَةُ، وَالثَّالِثُ: الرَّدُّ، وَقَدْ شَرَعَ فِي الْحُكْمِ الْأَوَّلِ، فَقَالَ: (وَتَرْتَفِعُ) الْوَدِيعَةُ أَيْ يَنْتَهِي حُكْمُهَا (بِمَوْتِ الْمُودِعِ) بِكَسْرِ الدَّالِ (أَوْ

الْمُودَعِ وَجُنُونِهِ وَإِغْمَائِهِ، وَلَهُمَا الِاسْتِرْدَادُ وَالرَّدُّ كُلَّ وَقْتٍ.

وَأَصْلُهَا الْأَمَانَةُ

وَقَدْ تَصِيرُ مَضْمُونَةً بِعَوَارِضَ: مِنْهَا أَنْ يُودِعَ غَيْرَهُ بِلَا إذْنٍ وَلَا عُذْرٍ، فَيَضْمَنُ.

وَقِيلَ إنْ أَوْدَعَ الْقَاضِيَ

[مغني المحتاج]

الْمُودَعِ) بِفَتْحِهَا وَحَجْرِ سَفَهٍ عَلَيْهِ (وَجُنُونِهِ وَإِغْمَائِهِ) وَبِعَزْلِ الْوَدِيعِ نَفْسَهُ، وَبِالْجُحُودِ الْمُضَمَّنِ، وَبِالْإِقْرَارِ بِهَا لِآخَرَ، وَبِنَقْلِ الْمَالِكِ الْمِلْكَ فِيهَا بِبَيْعٍ وَنَحْوِهِ وَنَحْوِ ذَلِكَ كَالْوَكَالَةِ، وَيَجِبُ عَلَى الْوَدِيعِ الرَّدُّ إلَى الْوَلِيِّ فِي مَسْأَلَةِ الْجُنُونِ، وَإِلَى الْوَارِثِ فِي مَسْأَلَةِ الْمَوْتِ وَإِلَّا فَيَضْمَنُ لِزَوَالِ الِائْتِمَانِ وَلَوْ وَكَّلَ الْمَالِكُ الْوَدِيعَ فِي إجَارَتِهَا فَأَجَّرَهَا وَانْقَضَتْ مُدَّةُ الْإِجَارَةِ عَادَتْ وَدِيعَةً عِنْدَ عَامَّةِ الْأَصْحَابِ (وَلَهُمَا الِاسْتِرْدَادُ وَالرَّدُّ) أَيْ لِلْمُودِعِ بِكَسْرِ الدَّالِ الِاسْتِرْدَادُ، وَلِلْمُودَعِ بِفَتْحِهَا الرَّدُّ (كُلَّ وَقْتٍ) لِأَنَّ لِكُلٍّ مِنْهُمَا الْأَمْرَيْنِ كَمَا تُوهِمُهُ عِبَارَةُ الْمُصَنِّفِ وَعِبَارَةُ الْمُحَرَّرِ، وَلِلْمُودَعِ أَنْ يَسْتَرِدَّ مَتَى شَاءَ، وَلِلْمُودَعِ الرَّدُّ كَذَلِكَ، فَهِيَ أَوْضَحُ مِنْ عِبَارَةِ الْمُصَنِّفِ.
أَمَّا الْمُودِعُ فَلِأَنَّهُ الْمَالِكُ، وَأَمَّا الْمُودَعُ فَلِأَنَّهُ مُتَبَرِّعٌ بِالْحِفْظِ.
قَالَ ابْنُ النَّقِيبِ: وَيَنْبَغِي أَنْ يُقَيَّدَ جَوَازُ الرَّدِّ لِلْمُودَعِ بِحَالَةٍ لَا يَلْزَمُهُ فِيهَا الْقَبُولُ، وَإِلَّا حَرُمَ الرَّدُّ، فَإِنْ كَانَ بِحَالَةٍ يُنْدَبُ فِيهِ الْقَبُولُ فَالرَّدُّ خِلَافُ الْأَوْلَى إنْ لَمْ يَرْضَ بِهِ الْمَالِكُ.
تَنْبِيهٌ: أَفْرَدَ الْمُصَنِّفُ الضَّمِيرَ أَوَّلًا؛ لِأَنَّ الْعَطْفَ بِأَوْ ثُمَّ ثَنَّاهُ ثَانِيًا.
قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: وَلَا وَجْهَ لِذَلِكَ.

ثُمَّ شَرَعَ فِي الْحُكْمِ الثَّانِي وَهُوَ الْأَمَانَةُ فَقَالَ: (وَأَصْلُهَا الْأَمَانَةُ) أَيْ مَوْضُوعُهَا عَلَى ذَلِكَ يَعْنِي أَنَّ الْأَمَانَةَ لَيْسَتْ فِيهَا تَبَعًا كَالرَّهْنِ بَلْ هِيَ مَقْصُودَةٌ فِيهَا، سَوَاءٌ أَكَانَتْ بِجُعْلٍ أَمْ لَا كَالْوَكَالَةِ، وَلِأَنَّ الْمُودَعَ يَحْفَظُهَا لِلْمَالِكِ فَيَدُهُ كَيَدِهِ، وَلَوْ ضَمِنَ لَرَغِبَ النَّاسُ عَنْ قَبُولِ الْوَدَائِعِ،.

فَلَوْ أَوْدَعَهُ بِشَرْطِ أَنْ تَكُونَ مَضْمُونَةً عَلَيْهِ أَوْ أَنَّهُ إذَا تَعَدَّى فِيهَا لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ لَمْ يَصِحَّ فِيهِمَا.
تَنْبِيهٌ: قَضِيَّةُ إطْلَاقِهِمْ أَنَّهُ لَا فَرْقَ فِي عَدَمِ الضَّمَانِ بَيْنَ الصَّحِيحَةِ وَالْفَاسِدَةِ، وَهُوَ كَذَلِكَ كَمَا هُوَ مُقْتَضَى الْقَاعِدَةِ قَالَ فِي الْكَافِي.

وَلَوْ أَوْدَعَهُ بَهِيمَةً وَأَذِنَ لَهُ فِي رُكُوبِهَا أَوْ ثَوْبًا وَأَذِنَ لَهُ فِي لُبْسِهِ فَهُوَ إيدَاعٌ فَاسِدٌ؛ لِأَنَّهُ شَرَطَ فِيهِ مَا يُنَافِي مُقْتَضَاهُ، فَلَوْ رَكِبَ أَوْ لَبِسَ صَارَتْ عَارِيَّةً فَاسِدَةً، فَإِذَا تَلِفَ قَبْلَ الرُّكُوبِ وَالِاسْتِعْمَالِ لَمْ يَضْمَنْ كَمَا فِي صَحِيحِ الْإِيدَاعِ، أَوْ بَعْدَهُ ضَمِنَ كَمَا فِي صَحِيحِ الْعَارِيَّةِ.

(وَقَدْ تَصِيرُ) الْوَدِيعَةُ (مَضْمُونَةً) عَلَى الْوَدِيعِ بِالتَّقْصِيرِ فِيهَا، وَلَهُ أَسْبَابٌ عَبَّرَ عَنْهَا الْمُصَنِّفُ (بِعَوَارِضَ: مِنْهَا أَنْ يُودِعَ غَيْرَهُ) وَلَوْ وَلَدَهُ أَوْ زَوْجَتَهُ أَوْ عَبْدَهُ أَوْ قَاضِيًا (بِلَا إذْنٍ) مِنْ الْمُودِعِ (وَلَا عُذْرٍ) لَهُ (فَيَضْمَنُ) لِأَنَّ الْمُودِعَ لَمْ يَرْضَ بِأَمَانَةِ غَيْرِهِ وَلَا يَدِهِ.
نَعَمْ اسْتَثْنَى السُّبْكِيُّ مَا لَوْ طَالَتْ غَيْبَةُ الْمَالِكِ أَيْ وَتَضْجَرُ مِنْ الْحِفْظِ كَمَا فِي التَّتِمَّةِ فَأَوْدَعَهَا الْوَدِيعُ الْقَاضِيَ.
تَنْبِيهٌ: قَوْلُ الْمُصَنَّفِ فَيَضْمَنُ أَيْ صَارَ طَرِيقًا فِي الضَّمَانِ؛ لِأَنَّ لِلْمَالِكِ أَنْ يُضَمِّنَ مَنْ شَاءَ مِنْ الْأَوَّلِ أَوْ الثَّانِي، فَإِنْ ضَمِنَ الثَّانِي وَهُوَ جَاهِلٌ بِالْحَالِ رَجَعَ عَلَى الْأَوَّلِ بِخِلَافِ الْعَالِمِ؛ لِأَنَّهُ غَاصِبٌ لَا مُودَعٌ.
أَمَّا إذَا أَوْدَعَهَا لِعُذْرٍ كَمَرَضٍ أَوْ سَفَرٍ فَإِنَّهُ لَا يَضْمَنُ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ سَفَرِ الضَّرُورَةِ وَغَيْرِهِ عَلَى الصَّحِيحِ.
نَعَمْ قَالَ الْأَذْرَعِيُّ: يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ مُبَاحًا.

(وَقِيلَ إنْ أَوْدَعَ الْقَاضِيَ) الْأَمِينَ

لَمْ يَضْمَنْ، وَإِذَا لَمْ يُزِلْ يَدَهُ عَنْهَا جَازَتْ الِاسْتِعَانَةُ بِمَنْ يَحْمِلُهَا إلَى الْحِرْزِ أَوْ يَضَعُهَا فِي خِزَانَةٍ مُشْتَرَكَةٍ.

وَإِذَا أَرَادَ سَفَرًا فَلْيَرُدَّ إلَى الْمَالِكِ أَوْ وَكِيلِهِ فَإِنْ فَقَدَهُمَا فَالْقَاضِي فَإِنْ فَقَدَهُ فَأَمِينٌ.

فَإِنْ دَفَنَهَا بِمَوْضِعٍ

[مغني المحتاج]

(لَمْ يَضْمَنْ) لِأَنَّ أَمَانَةَ الْقَاضِي أَظْهَرُ مِنْ أَمَانَتِهِ (وَإِذَا لَمْ يُزِلْ) بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَكَسْرِ ثَانِيهِ (يَدَهُ) وَلَا نَظَرَهُ (عَنْهَا جَازَتْ الِاسْتِعَانَةُ بِمَنْ يَحْمِلُهَا) مَعَهُ وَلَوْ أَجْنَبِيًّا (إلَى الْحِرْزِ أَوْ يَضَعُهَا فِي خِزَانَةٍ) بِكَسْرِ الْخَاءِ بِخَطِّهِ مَوْضِعٌ يُخْزَنُ فِيهِ (مُشْتَرَكَةٍ) بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْغَيْرِ كَالْعَارِيَّةِ لِجَرَيَانِ الْعَادَةِ بِذَلِكَ كَمَا لَوْ اسْتَعَانَ فِي سَقْيِ الْبَهِيمَةِ وَعَلْفِهَا، فَإِنْ كَانَتْ بِمَخْزَنِهِ فَخَرَجَ لِحَاجَتِهِ وَاسْتَحْفَظَ عَلَيْهَا ثِقَةً يَخْتَصُّ بِهِ وَهُوَ يُلَاحِظُهَا فِي عَوْدَاتِهِ لَمْ يَضْمَنْ، وَإِذَا قَطَعَ نَظَرَهُ عَنْهَا وَلَمْ يُلَاحِظْهَا فَكَذَلِكَ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْفُورَانِيُّ وَقَالَ: إنَّهُ الَّذِي يُشْعِرُ بِهِ فَحْوَى كَلَامِ الْأَئِمَّةِ.
قَالَ السُّبْكِيُّ: وَالْمُتَّبَعُ فِي ذَلِكَ الْعُرْفُ، فَالْمُلُوكُ وَالْأُمَرَاءُ أَمْوَالُهُمْ فِي خَزَائِنِهِمْ بِأَيْدِي خُزَّانٍ لَهُمْ، وَالْعُرْفُ قَاضٍ بِأَنَّهَا فِي أَيْدِيهِمْ، وَإِنْ كَانَتْ فِي غَيْرِ مَسْكَنِهِ وَلَمْ يُلَاحِظْهَا ضَمِنَ لِتَقْصِيرِهِ.
أَمَّا إذَا اسْتَحْفَظَ غَيْرَ ثِقَةٍ أَوْ مَنْ لَا يَخْتَصُّ بِهِ فَعَلَيْهِ الضَّمَانُ.

(وَإِذَا أَرَادَ) الْوَدِيعُ (سَفَرًا) وَلَوْ قَصِيرًا وَقَدْ أَخَذَ الْوَدِيعَةَ حَضَرًا (فَلْيَرُدَّ) هَا (إلَى الْمَالِكِ أَوْ وَكِيلِهِ) مُطْلَقًا أَوْ وَكِيلِهِ فِي اسْتِرْدَادِ هَذِهِ خَاصَّةً لِيَخْرُجَ مِنْ الْعُهْدَةِ، فَإِنْ دَفَعَ لِغَيْرِهِ ضَمِنَ فِي الْأَجْنَبِيِّ قَطْعًا، وَفِي الْقَاضِي عَلَى الْأَصَحِّ؛ لِأَنَّهُ لَا وِلَايَةَ لِلْحَاكِمِ عَلَيْهِ تَنْبِيهٌ: لَا يَخْفَى أَنَّ لَهُ دَفْعَهَا إلَى وَلِيِّ الْمَحْجُورِ عَلَيْهِ لِجُنُونٍ أَوْ سَفَهٍ طَرَأَ؛ لِأَنَّهُ قَائِمٌ مَقَامَهُ (فَإِنْ فَقَدَهُمَا) أَيْ الْمَالِكُ وَوَكِيلُهُ لِغَيْبَةٍ أَيْ لِمَسَافَةِ قَصْرٍ كَمَا بَحَثَهُ ابْنُ الرِّفْعَةِ أَخْذًا مِنْ كَلَامِهِمْ فِي عَدْلِ الرَّاهِنِ (فَالْقَاضِي) أَيْ يَرُدُّهَا إلَيْهِ أَيْ إذَا كَانَ أَمِينًا كَمَا نَقَلَهُ الْأَذْرَعِيُّ عَنْ تَصْرِيحِ الْأَصْحَابِ، وَيَلْزَمُهُ الْقَبُولُ فِي الْأَصَحِّ وَإِنْ كَانَ سَفَرُهُ لَا لِحَاجَةٍ؛ لِأَنَّهُ نَائِبُ الْغَائِبِينَ، وَكَذَا الْإِشْهَادُ عَلَى نَفْسِهِ بِقَبْضِهَا كَمَا قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ.
قَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ: وَإِنَّمَا يَحْمِلُهَا إلَى الْحَاكِمِ بَعْدَ أَنْ يُعَرِّفَهُ الْحَالَ وَيَأْذَنَ لَهُ، فَلَوْ حَمَلَهَا ابْتِدَاءً قَبْلَ أَنْ يُعَرِّفَهُ ضَمِنَ، وَلَا شَكَّ أَنَّهُ لَوْ أَمَرَهُ الْقَاضِي بِدَفْعِهَا إلَى أَمِينٍ كَفَى كَمَا قَالَ الزَّرْكَشِيُّ، وَلَا يَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ أَنْ يَتَسَلَّمَهَا بِنَفْسِهِ، وَلَوْ كَانَ الْمَالِكُ مَحْبُوسًا بِالْبَلَدِ وَتَعَذَّرَ الْوُصُولُ إلَيْهِ فَكَالْغَائِبِ كَمَا قَالَهُ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ، وَيُقَاسُ بِالْحَبْسِ التَّوَارِي وَنَحْوُهُ، وَبِالْمَالِكِ عِنْدَ فَقْدِهِ وَكِيلَهُ، وَلَا يَلْزَمُ الْقَاضِيَ قَبُولُ الدَّيْنِ مِمَّنْ هُوَ عَلَيْهِ وَلَا الْمَغْصُوبِ مِنْ غَاصِبِهِ لِلْغَائِبِ فِيهِمَا؛ لِأَنَّ بَقَاءَ كُلٍّ مِنْهُمَا أَحْفَظُ لِمَالِكِهِ؛ لِأَنَّهُ يَبْقَى مَضْمُونًا لَهُ، وَلِأَنَّ الدَّيْنَ فِي الذِّمَّةِ لَا يَتَعَرَّضُ لِلتَّلَفِ، وَإِذَا تَعَيَّنَ تَعَرَّضَ لَهُ، وَلِأَنَّ مَنْ فِي يَدِهِ الْعَيْنُ يَثْقُلُ عَلَيْهِ حِفْظُهَا (فَإِنْ فَقَدَهُ) أَيْ الْقَاضِيَ، أَوْ كَانَ غَيْرَ أَمِينٍ (فَأَمِينٌ) يَرُدُّهَا إلَيْهِ يَأْتَمِنُهُ الْمُودِعُ وَغَيْرُهُ لِئَلَّا يَتَضَرَّرَ بِتَأْخِيرِ السَّفَرِ، وَيَجِبُ عَلَيْهِ الْإِشْهَادُ فِي أَحَدِ وَجْهَيْنِ رَجَّحَهُ ابْنُ الْمُلَقَّنِ، فَإِنَّ الْأَمِينَ قَدْ يُنْكِرُ، فَإِنْ تَرَكَ هَذَا التَّرْتِيبَ ضَمِنَ لِعُدُولِهِ عَنْ الْوَاجِبِ عَلَيْهِ.
تَنْبِيهٌ: قَضِيَّةُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ أَنَّهُ لَا رُتْبَةَ فِي الْأَشْخَاصِ بَعْدَ الْأَمِينِ وَهُوَ كَذَلِكَ، وَأَغْرَبَ فِي الْكَافِي فَقَالَ: فَإِنْ لَمْ يَجِدْهُ وَسَلَّمَهَا إلَى فَاسِقٍ لَا يَصِيرُ ضَامِنًا فِي الْأَصَحِّ.

(فَإِنْ دَفَنَهَا بِمَوْضِعٍ)

وَسَافَرَ ضَمِنَ فَإِنْ أَعْلَمَ بِهَا أَمِينًا يَسْكُنُ الْمَوْضِعِ لَمْ يَضْمَنْ فِي الْأَصَحِّ.

وَلَوْ سَافَرَ بِهَا ضَمِنَ إلَّا إذَا وَقَعَ حَرِيقٌ أَوْ غَارَةٌ وَعَجَزَ عَمَّنْ يَدْفَعُهَا إلَيْهِ كَمَا سَبَقَ، وَالْحَرِيقُ وَالْغَارَةُ فِي الْبُقْعَةِ وَإِشْرَافُ الْحِرْزِ عَلَى الْخَرَابِ أَعْذَارٌ كَالسَّفَرِ.

[مغني المحتاج]

وَلَوْ حِرْزًا (وَسَافَرَ ضَمِنَ) هَا لِأَنَّهُ عَرَّضَهَا لِلْأَخْذِ، هَذَا إذَا لَمْ يَعْلَمْ بِهَا مَنْ ذَكَرَهُ فِي قَوْلِهِ: (فَإِنْ أَعْلَمَ بِهَا أَمِينًا) يَجُوزُ الْإِيدَاعُ عِنْدَهُ كَمَا فِي الرَّوْضَةِ (يَسْكُنُ الْمَوْضِعِ) الَّذِي دُفِنَتْ فِيهِ، وَهُوَ حِرْزُ مِثْلِهَا (لَمْ يَضْمَنْ فِي الْأَصَحِّ) لِأَنَّ مَا فِي الْمَوْضِعِ فِي يَدِ سَاكِنِهِ فَكَأَنَّهُ أَوْدَعَهُ إيَّاهَا فَشَرْطُهُ فَقْدُ الْقَاضِي الْأَمِينِ، وَقَدْ عُلِمَ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ الْمُرَادَ الدَّفْعُ إلَى الْقَاضِي، أَوْ إعْلَامُهُ بِهِ، أَوْ الدَّفْعُ إلَى الْأَمِينِ، أَوْ إعْلَامُهُ بِهِ.
وَالثَّانِي: يَضْمَنُ؛ لِأَنَّ هَذَا إعْلَامٌ لَا إيدَاعٌ لِعَدَمِ التَّسْلِيمِ، فَإِنْ أَعْلَمَ أَمِينًا لَا يَجُوزُ الْإِيدَاعُ عِنْدَهُ ضَمِنَ كَمَا فِي الرَّوْضَةِ، وَهَذَا الْإِعْلَامُ لَيْسَ بِإِشْهَادٍ عَلَى الْأَصَحِّ، بَلْ ائْتِمَانٌ حَتَّى تَكْفِيَ فِيهِ امْرَأَةٌ.
تَنْبِيهٌ: قَوْلُهُ: أَعْلَمَ بِهَا يُشْعِرُ أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ رُؤْيَةُ الْأَمِينِ لَهَا وَبِهِ صَرَّحَ الْمَاوَرْدِيُّ، وَقَوْلُهُ: يَسْكُنُ لَيْسَ بِقَيْدٍ، فَإِنَّ مُرَاقَبَةَ الْحَارِسِ لَهَا كَالسُّكْنَى.
وَخَرَجَ بِقَوْلِي: وَهُوَ حِرْزٌ مِثْلُهَا مَا لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ، فَإِنَّهُ يَضْمَنُهَا جَزْمًا، وَإِنْ أَعْلَمَ بِهَا غَيْرَهُ كَمَا قَالَهُ الْمَاوَرْدِيُّ، وَمِنْ عَوَارِضِ الضَّمَانِ السَّفَرُ كَمَا قَالَ:.

(وَلَوْ سَافَرَ بِهَا) مِنْ حَضَرٍ (ضَمِنَ) وَإِنْ كَانَ الطَّرِيقُ آمِنًا وَتَلِفَتْ بِسَبَبٍ آخَرَ كَتَقْصِيرِهِ بِالسَّفَرِ الَّذِي حِرْزُهُ دُونَ حِرْزِ الْحَضَرِ، أَمَّا لَوْ أَوْدَعَهَا الْمَالِكُ مُسَافِرًا فَسَافَرَ بِهَا أَوْ مُنْتَجِعًا فَانْتَجَعَ بِهَا فَلَا ضَمَانَ لِرِضَا الْمَالِكِ بِهِ، وَلَهُ إذَا قَدِمَ مِنْ سَفَرِهِ أَنْ يُسَافِرَ بِهَا ثَانِيًا لِرِضَا الْمَالِكِ بِهِ ابْتِدَاءً إلَّا إذَا دَلَّتْ قَرِينَةٌ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ إحْرَازُهَا بِالْبَلَدِ فَيَمْتَنِعُ ذَلِكَ كَمَا ذَكَرَهُ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ، ثُمَّ اسْتَثْنَى مِنْ الضَّمَانِ بِالسَّفَرِ قَوْلَهُ: (إلَّا إذَا) أَرَادَ سَفَرًا، وَ (وَقَعَ حَرِيقٌ) أَوْ نَهْبٌ (أَوْ غَارَةٌ وَعَجَزَ) عِنْدَ ذَلِكَ (عَمَّنْ يَدْفَعُهَا إلَيْهِ كَمَا) أَيْ بِالتَّرْتِيبِ الَّذِي (سَبَقَ) فَلَا يَضْمَنُ لِقِيَامِ الْعُذْرِ، بَلْ يَلْزَمُهُ السَّفَرُ بِهَا فِي حَالَةِ الْخَوْفِ عَلَيْهَا، فَإِنْ لَمْ يُسَافِرْ بِهَا كَانَ مُضَيِّعًا لَهَا.
قَالَ الشَّيْخَانِ وَيَجُوزُ أَنْ يُقَالَ: إنْ كَانَ احْتِمَالُ الْهَلَاكِ فِي الْحَضَرِ أَقْرَبَ مِنْهُ فِي السَّفَرِ فَلَهُ السَّفَرُ بِهَا، وَنَقَلَ الْأَذْرَعِيُّ عَنْ الدَّارِمِيِّ مَا يُؤَيِّدُهُ وَهُوَ حَسَنٌ.
تَنْبِيهٌ: مُقْتَضَى كَلَامِ الْمُصَنِّفِ أَنَّهُ لَا بُدَّ فِي نَفْيِ الضَّمَانِ مِنْ اجْتِمَاعِ الْأَمْرَيْنِ: الْعُذْرُ الْمَذْكُورُ، وَالْعَجْزُ عَمَّنْ يَدْفَعُهَا إلَيْهِ، وَلَيْسَ مُرَادًا بَلْ الْعَجْزُ كَافٍ، فَلَوْ سَافَرَ بِهَا عِنْدَ الْعَجْزِ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ مِنْ حَرِيقٍ وَنَحْوِهِ لَمْ يَضْمَنْ عَلَى الْأَصَحِّ لِئَلَّا يَنْقَطِعَ عَنْ مَصَالِحِهِ وَتَنْفِرَ النَّاسُ عَنْ قَبُولِ الْوَدَائِعِ، فَإِنْ حَدَثَ لَهُ فِي الطَّرِيقِ خَوْفٌ أَقَامَ بِهَا، فَإِنْ هَجَمَ عَلَيْهِ قُطَّاعُ الطَّرِيقِ فَطَرَحَهَا بِمَضْيَعَةٍ لِيَحْفَظَهَا فَضَاعَتْ ضَمِنَ، وَكَذَا لَوْ دَفَنَهَا خَوْفًا مِنْهُمْ عِنْدَ إقْبَالِهِمْ، ثُمَّ أَضَلَّ مَوْضِعَهَا كَمَا قَالَهُ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ إذْ كَانَ مِنْ حَقِّهِ أَنْ يَصْبِرَ حَتَّى تُؤْخَذَ مِنْهُ فَتَصِيرَ مَضْمُونَةً عَلَى آخِذِهَا (وَالْحَرِيقُ وَالْغَارَةُ فِي الْبُقْعَةِ وَإِشْرَافُ الْحِرْزِ عَلَى الْخَرَابِ) وَلَمْ يَجِدْ حِرْزًا هُنَاكَ يَنْقِلُهَا إلَيْهِ وَنَحْوُ ذَلِكَ مِنْ سَائِرِ الْأَعْذَارِ (أَعْذَارٌ كَالسَّفَرِ) فِي جَوَازِ الْإِيدَاعِ عِنْدَ غَيْرِهِ مِنْ غَيْرِ ضَمَانٍ عَلَيْهِ.

وَإِذَا مَرِضَ مَرَضًا مَخُوفًا فَلْيَرُدَّهَا إلَى الْمَالِكِ أَوْ وَكِيلِهِ، وَإِلَّا فَالْحَاكِمِ أَوْ إلَى أَمِينٍ أَوْ يُوصِي بِهَا، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ ضَمِنَ، إلَّا إذَا لَمْ يَتَمَكَّنْ بِأَنْ مَاتَ فَجْأَةً.

[مغني المحتاج]

تَنْبِيهٌ: الْغَارَةُ لُغَةٌ قَلِيلَةٌ وَالْأَفْصَحُ الْإِغَارَةُ.

وَمِنْ عَوَارِضِ الضَّمَانِ تَرْكُ الْإِيصَاءِ كَمَا يُعْلَمُ مِنْ قَوْلِهِ: (وَإِذَا مَرِضَ مَرَضًا مَخُوفًا فَلْيَرُدَّهَا إلَى الْمَالِكِ أَوْ وَكِيلِهِ) الْمُطْلَقِ أَوْ فِي قَبْضِهَا.
قَالَ الْأَذْرَعِيُّ: وَالظَّاهِرُ أَنَّ كُلَّ حَالَةٍ تُعْتَبَرُ فِيهَا الْوَصِيَّةُ مِنْ الثُّلُثِ كَمَا سَبَقَ كَالْمَرَضِ الْمَخُوفِ فِيمَا هَاهُنَا اهـ. وَفِي الشَّرْحِ وَالرَّوْضَةِ هُنَا: وَفِي مَعْنَى الْمَرَضِ هُنَا الْحَبْسُ لِيُقْتَلَ، وَقَدْ مَرَّ فِي الْوَصِيَّةِ أَنَّ الْحَبْسَ لِلْقَتْلِ لَيْسَ بِمَخُوفٍ، وَتَقَدَّمَ الْفَرْقُ هُنَاكَ بَيْنَ الْبَابَيْنِ فَلْيُرَاجَعْ (وَإِلَّا) بِأَنْ لَمْ يُمْكِنْهُ رَدُّهَا إلَى أَحَدِهِمَا (فَالْحَاكِمِ) الْأَمِينِ يَرُدُّهَا إلَيْهِ إنْ وَجَدَهُ أَوْ يُوصِي بِهَا إلَيْهِ (أَوْ) يَرُدُّهَا إنْ لَمْ يَجِدْ الْحَاكِمَ إلَى (أَمِينٍ أَوْ يُوصِي بِهَا) إلَيْهِ كَمَا لَوْ أَرَادَ سَفَرًا.
تَنْبِيهٌ: قَضِيَّةُ كَلَامِهِ لَوْلَا مَا قَدَّرْتُهُ التَّخْيِيرُ بَيْنَ الْأُمُورِ الثَّلَاثَةِ، وَلَيْسَ مُرَادًا، وَحَاصِلُ ذَلِكَ أَنَّهُ مُخَيَّرٌ عِنْدَ الْقُدْرَةِ عَلَى الْحَاكِمِ بَيْنَ الدَّفْعِ إلَيْهِ وَالْوَصِيَّةِ لَهُ، وَعِنْدَ الْعَجْزِ بَيْنَ الدَّفْعِ لِأَمِينٍ وَالْوَصِيَّةِ لَهُ، وَلَعَلَّهُ إنَّمَا أَطْلَقَ اسْتِغْنَاءً بِمَا قَدَّمَهُ فِي أَنَّهُ لَا يُودِعُهَا عِنْدَ أَمِينٍ إلَّا عِنْدَ فَقْدِ الْقَاضِي، وَالْمُرَادُ بِالْوَصِيَّةِ الْإِعْلَامُ بِهَا وَوَصْفُهَا بِمَا يُمَيِّزُهَا أَوْ يُشِيرُ لِعَيْنِهَا مِنْ غَيْرِ أَنْ يُخْرِجَهَا مِنْ يَدِهِ وَيَأْمُرَ بِالرَّدِّ إنْ مَاتَ وَلَا بُدَّ مَعَ ذَلِكَ مِنْ الْإِشْهَادِ كَمَا فِي الرَّافِعِيِّ عَنْ الْغَزَالِيِّ وَأَسْقَطَهُ مِنْ الرَّوْضَةِ وَجَزَمَ بِهِ فِي الْكِفَايَةِ، فَإِنْ اقْتَصَرَ عَلَى عِنْدِي وَدِيعَةٌ فَكَمَا لَوْ لَمْ يُوصِ، فَإِنْ ذَكَرَ الْجِنْسَ، فَقَالَ: عِنْدِي ثَوْبٌ لِفُلَانٍ ضَمِنَ إنْ وُجِدَ فِي تَرِكَتِهِ أَثْوَابٌ لِتَقْصِيرِهِ فِي الْبَيَانِ وَإِنْ وُجِدَ ثَوْبٌ وَاحِدٌ ضَمِنَ أَيْضًا فِي الْأَصَحِّ، وَلَا يَدْفَعُ إلَيْهِ الثَّوْبَ الْمَوْجُودَ، وَقِيلَ: يَتَعَيَّنُ الثَّوْبُ الْمَوْجُودُ (فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ) شَيْئًا مِمَّا ذُكِرَ فِي مَحِلِّهِ (ضَمِنَ) لِتَقْصِيرِهِ، فَإِنَّهُ عَرَّضَهَا لِلْفَوَاتِ؛ لِأَنَّ الْوَارِثَ يَعْتَمِدُ يَدَهُ وَيَدْعُهَا لِنَفْسِهِ، وَكَذَا لَوْ أَوْصَى إلَى فَاسِقٍ أَوْ أَوْدَعَهُ.
تَنْبِيهٌ: مَحِلُّ الضَّمَانِ بِغَيْرِ إيصَاءٍ وَإِيدَاعٍ إذَا تَلِفَتْ الْوَدِيعَةُ بَعْدَ الْمَوْتِ لَا قَبْلَهُ عَلَى مَا صَرَّحَ بِهِ الْإِمَامُ وَمَالَ إلَيْهِ السُّبْكِيُّ؛ لِأَنَّ الْمَوْتَ كَالسَّفَرِ فَلَا يَتَحَقَّقُ الضَّمَانُ إلَّا بِهِ وَهَذَا هُوَ الْمُعْتَمَدُ.
وَقَالَ الْإِسْنَوِيُّ: إنَّهُ بِمُجَرَّدِ الْمَرَضِ يَصِيرُ ضَامِنًا لَهَا حَتَّى لَوْ تَلِفَتْ بِآفَةٍ فِي مَرَضِهِ أَوْ بَعْدَ صِحَّتِهِ ضَمِنَهَا كَسَائِرِ أَسْبَابِ التَّقْصِيرَاتِ، وَمَحِلُّهُ أَيْضًا فِي غَيْرِ الْقَاضِي.
أَمَّا الْقَاضِي إذَا مَاتَ وَلَمْ يُوجَدْ مَالُ الْيَتِيمِ فِي تَرِكَتِهِ فَلَا يَضْمَنُهُ، وَإِنْ لَمْ يُوصِ بِهِ؛ لِأَنَّهُ أَمِينُ الشَّرْعِ بِخِلَافِ سَائِرِ الْأُمَنَاءِ وَلِعُمُومِ وِلَايَتِهِ قَالَهُ ابْنُ الصَّلَاحِ.
قَالَ: وَإِنَّمَا يَضْمَنُ إذَا فَرَّطَ.
قَالَ السُّبْكِيُّ: وَهَذَا تَصْرِيحٌ مِنْهُ بِأَنَّ عَدَمَ إيصَائِهِ لَيْسَ تَفْرِيطًا وَإِنْ مَاتَ عَنْ مَرَضٍ، وَهُوَ الْوَجْهُ، وَظَاهِرٌ أَنَّ الْكَلَامَ فِي الْقَاضِي الْأَمِينِ، وَنُقِلَ التَّصْرِيحُ بِهِ عَنْ الْمَاوَرْدِيُّ.
أَمَّا غَيْرُهُ فَيَضْمَنُ قَطْعًا، وَالضَّمَانُ فِيمَا ذُكِرَ ضَمَانُ التَّعَدِّي بِتَرْكِ الْمَأْمُورِ لَا ضَمَانُ الْعَقْدِ كَمَا اقْتَضَاهُ كَلَامُ الرَّافِعِيِّ (إلَّا إذَا لَمْ يَتَمَكَّنْ بِأَنْ) أَيْ كَأَنْ (مَاتَ فَجْأَةً) أَوْ قُتِلَ غِيلَةً فَلَا يَضْمَنُ لِعَدَمِ تَقْصِيرِهِ.
تَنْبِيهٌ: هَذَا الِاسْتِثْنَاءُ مُنْقَطِعٌ فَإِنَّهُ لَمْ يَدْخُلْ فِي قَوْلِهِ: وَإِذَا مَرِضَ مَرَضًا مَخُوفًا.

وَلَوْ لَمْ يُوصِ

وَمِنْهَا إذَا نَقَلَهَا مِنْ مَحَلَّةٍ أَوْ دَارٍ إلَى أُخْرَى دُونَهَا فِي الْحِرْزِ ضَمِنَ وَإِلَّا فَلَا.

وَمِنْهَا أَنْ لَا يَدْفَعَ مُتْلَفَاتِهَا.

فَلَوْ أَوْدَعَهُ دَابَّةً فَتَرَكَ عَلْفَهَا ضَمِنَ،

[مغني المحتاج]

فَادَّعَى صَاحِبُهَا أَنَّهُ قَصَّرَ، وَقَالَ الْوَارِثُ: لَعَلَّهَا تَلِفَتْ قَبْلَ أَنْ يُنْسَبَ إلَى تَقْصِيرٍ، فَالظَّاهِرُ كَمَا قَالَ الْإِمَامُ وَأَقَرَّاهُ بَرَاءَةُ ذِمَّتِهِ.
قَالَ الْإِسْنَوِيُّ: وَهَذَا إنَّمَا قَالَهُ الْإِمَامُ عِنْدَ جَزْمِ الْوَارِثِ بِالتَّلَفِ، فَأَمَّا عِنْدَ ذِكْرِهِ لَهُ احْتِمَالًا فَإِنَّهُ صَحَّحَ الضَّمَانَ اهـ. لَكِنَّ شَيْخُنَا جَعَلَ هَذَا مِنْ الْجَزْمِ وَصَوَّرَ عَدَمَ الْجَزْمِ بِقَوْلِهِ: بِأَنْ قَالَ: عَرَفْتُ الْإِيدَاعَ لَكِنْ لَمْ أَدْرِ كَيْفَ كَانَ الْأَمْرُ، وَأَنَا أُجَوِّزُ أَنَّهَا تَلِفَتْ عَلَى حُكْمِ الْأَمَانَةِ فَلَمْ يُوصِ بِهَا لِذَلِكَ فَيَضْمَنُهَا لِأَنَّهُ لَمْ يَدَّعِ مُسْقِطًا، وَصَحَّحَ السُّبْكِيُّ أَنَّهُ لَا يُقْبَلُ قَوْلُهُمْ فِي دَعْوَى التَّلَفِ وَالرَّدِّ إلَّا بِبَيِّنَةٍ، وَسَائِرِ الْأُمَنَاءُ كَالْمُودَعِ فِي هَذَا الْحُكْمِ، وَقَدْ أَفْتَى ابْنُ الصَّلَاحِ بِأَنَّ الْعَامِلَ إذَا مَاتَ وَلَمْ يُوجَدْ مَالُ الْقِرَاضِ بِعَيْنِهِ فِي يَدِهِ ضَمِنَ، وَهُوَ أَوْلَى بِالتَّضْمِينِ مِنْ الْمُودَعِ؛ لِأَنَّ الْوَدِيعَةَ لَيْسَ لَهُ التَّصَرُّفُ فِيهَا بِخِلَافِ الْقِرَاضِ.

(وَمِنْهَا) أَيْ عَوَارِضِ الضَّمَانِ (إذَا نَقَلَهَا مِنْ مَحَلَّةٍ) إلَى مَحَلَّةٍ أُخْرَى (أَوْ) مِنْ (دَارٍ) إلَى دَارٍ أُخْرَى (دُونَهَا فِي الْحِرْزِ) وَلَوْ كَانَ حِرْزٌ مِثْلُهَا (ضَمِنَ) لِأَنَّهُ عَرَّضَهَا لِلتَّلَفِ، سَوَاءٌ أَنْهَاهُ عَنْ النَّقْلِ أَمْ عَيَّنَ لَهُ تِلْكَ الْمَحَلَّةِ أَمْ أَطْلَقَ، بَعِيدَتَيْنِ كَانَتَا أَمْ قَرِيبَتَيْنِ لَا سَفَرَ بَيْنَهُمَا وَلَا خَوْفَ كَمَا يُؤْخَذُ ذَلِكَ مِنْ إطْلَاقِ الْمُصَنِّفِ، لَكِنْ يُسْتَثْنَى مِنْ إطْلَاقِهِ مَا لَوْ نَقَلَهَا بِظَنِّ الْمِلْكِ فَلَا يَضْمَنُ كَمَا قَالَهُ فِي الْكِفَايَةِ بِخِلَافِ مَا لَوْ انْتَفَعَ بِهَا ظَانًّا أَنَّهَا مِلْكُهُ فَتَلِفَتْ، فَإِنَّهُ يَضْمَنُ كَمَا نَقَلَاهُ فِي أَوَّلِ بَابِ الْغَصْبِ عَنْ الْإِمَامِ وَأَقَرَّاهُ (وَإِلَّا) بِأَنْ تَسَاوَيَا فِي الْحِرْزِ أَوْ كَانَ الْمَنْقُولُ إلَيْهِ أَحْرَزَ (فَلَا) يَضْمَنُ لِعَدَمِ تَفْرِيطِهِ، وَخَرَجَ بِدَارٍ مَا لَوْ نَقَلَهَا مِنْ بَيْتٍ إلَى آخَرَ فِي دَارٍ وَاحِدَةٍ أَوْ خَانٍ وَاحِدٍ فَلَا ضَمَانَ، وَإِنْ كَانَ الْأَوَّلُ أَحْرَزَ كَمَا قَالَهُ الْبَغَوِيّ، وَنَقْلُهَا مِنْ كِيسٍ أَوْ صُنْدُوقٍ إلَى آخَرَ إنْ كَانَ ذَلِكَ لِلْمُودَعِ فَحُكْمُهُ كَالْبَيْتِ فِي النَّقْلِ، وَإِنْ كَانَ لِلْمَالِكِ فَتَصَرُّفُهُ فِيهَا بِالنَّقْلِ الْمُجَرَّدِ لَيْسَ بِمُضَمَّنٍ إلَّا إنْ فُضَّ الْخَتْمُ، أَوْ فُتِحَ الْقُفْلُ فَيَضْمَنُ فِي الْأَصَحِّ.

تَنْبِيهٌ: يُسْتَثْنَى مِنْ عَدَمِ الضَّمَانِ مَسَائِلُ: مِنْهَا لَوْ نَقَلَهَا وَالطَّرِيقُ مَخُوفٌ، وَمِنْهَا مَا لَوْ نَهَاهُ الْمَالِكُ عَنْ النَّقْلِ وَنَقَلَ بَلَا ضَرُورَةٍ، وَمِنْهَا لَوْ تَلِفَتْ بِسَبَبِ النَّقْلِ كَانْهِدَامِ الدَّارِ الْمَنْقُولِ إلَيْهَا.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: وَالسَّرِقَةُ مِنْ الْمَنْقُولِ إلَيْهِ كَالِانْهِدَامِ قَالَهُ الْبَغَوِيّ وَالْمُتَوَلِّي، وَمِنْهَا مَا لَوْ كَانَ الْحِرْزُ الْمَنْقُولُ مِنْهُ لِمَالِكِ الْوَدِيعَةِ مِلْكًا أَوْ إجَارَةً أَوْ إعَارَةً، وَإِنْ كَانَ الْمَنْقُولُ إلَيْهِ أَحْرَزَ إذَا لَمْ يَخَفْ الْهَلَاكَ فَإِنَّهُ يَضْمَنُ فِي هَذِهِ الْمَسَائِلِ كُلِّهَا.

(وَمِنْهَا) أَيْ عَوَارِضِ الضَّمَانِ (أَنْ لَا يَدْفَعَ مُتْلَفَاتِهَا) لِوُجُوبِ الدَّفْعِ عَلَيْهِ مَعَ الْقُدْرَةِ لِأَنَّهُ مِنْ حِفْظِهَا.
تَنْبِيهٌ: يُسْتَثْنَى مِنْ ذَلِكَ مَا لَوْ وَقَعَ فِي خِزَانَةِ الْوَدِيعِ حَرِيقٌ فَبَادَرَ لِنَقْلِ أَمْتِعَتِهِ فَاحْتَرَقَتْ الْوَدِيعَةُ لَمْ يَضْمَنْ، كَمَا لَوْ لَمْ يَكُنْ فِيهَا إلَّا وَدَائِعُ فَبَادَرَ لِنَقْلِ بَعْضِهَا فَاحْتَرَقَ مَا تَأَخَّرَ نَقْلُهُ كَمَا نَقَلَهُ فِي الرَّوْضَةِ كَأَصْلِهَا آخِرَ الْبَابِ عَنْ فَتَاوَى الْقَفَّالِ.

(فَلَوْ أَوْدَعَهُ دَابَّةً فَتَرَكَ عَلْفَهَا) بِإِسْكَانِ اللَّامِ عَلَى الْمَصْدَرِ أَوْ سَقْيَهَا مُدَّةً يَمُوتُ فِيهَا بِتَرْكِ ذَلِكَ (ضَمِنَ) هَا وَإِنْ لَمْ تَمُتْ كَمَا صَرَّحَ بِهِ

فَإِنْ نَهَاهُ عَنْهُ فَلَا عَلَى الصَّحِيحِ، وَإِنْ أَعْطَاهُ الْمَالِكُ عَلَفًا عَلَفَهَا مِنْهُ، وَإِلَّا فَيُرَاجِعُهُ أَوْ وَكِيلُهُ، فَإِنْ فُقِدَا فَالْحَاكِمُ، وَلَوْ بَعَثَهَا مَعَ مَنْ يَسْقِيهَا لَمْ يَضْمَنْ فِي الْأَصَحِّ.

[مغني المحتاج]

فِي الرَّوْضَةِ كَأَصْلِهَا، وَنَقَلَهُ الْمُصَنِّفُ فِي نُكَتِهِ عَنْ الْبَغَوِيِّ، سَوَاءٌ أَمَرَهُ الْمَالِكُ بِعَلْفِهَا وَسَقْيِهَا أَمْ سَكَتَ لِتَعَدِّيهِ، فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ ذَلِكَ لِحَقِّ اللَّهِ - تَعَالَى - وَبِهِ يَحْصُلُ الْحِفْظُ الَّذِي الْتَزَمَهُ بِقَبُولِهَا، وَتَخْتَلِفُ الْمُدَّةُ بِاخْتِلَافِ الْحَيَوَانَاتِ وَالْمَرْجِعُ إلَى أَهْلِ الْخِبْرَةِ بِهَا، فَإِنْ مَاتَتْ دُونَ الْمُدَّةِ لَمْ يَضْمَنْهَا إلَّا إذَا كَانَ بِهَا جُوعٌ أَوْ عَطَشٌ سَابِقٌ وَعَلِمَهُ فَيَضْمَنُهَا كَمَا هُوَ قَضِيَّةُ كَلَامِ الرَّوْضَةِ وَأَصْلِهَا، وَقِيلَ: يَضْمَنُ الْقِسْطَ، وَرَجَّحَهُ ابْنُ الْمُقْرِي؛ لِأَنَّهَا تَلِفَتْ بِالْأَمْرَيْنِ، وَيُؤَيِّدُ الْأَوَّلَ مَا لَوْ جَوَّعَ إنْسَانًا وَبِهِ جُوعٌ سَابِقٌ وَمَنَعَهُ الطَّعَامَ أَوْ الشَّرَابَ مَعَ عِلْمِهِ بِالْحَالِ فَإِنَّهُ يَضْمَنُ الْجَمِيعَ (فَإِنْ نَهَاهُ عَنْهُ) أَيْ عَنْ الطَّعَامِ أَوْ الشَّرَابِ فَمَاتَ بِسَبَبِ تَرْكِ ذَلِكَ (فَلَا) يَضْمَنُ (عَلَى الصَّحِيحِ) لِلْإِذْنِ فِي إتْلَافِهِ فَهُوَ كَمَا قَالَ: اُقْتُلْ دَابَّتِي فَقَتَلَهَا.
وَالثَّانِي: يَضْمَنُ إذْ لَا حُكْمَ لِنَهْيِهِ عَمَّا أَوْجَبَهُ الشَّرْعُ تَنْبِيهٌ: لَوْ كَانَتْ الدَّابَّةُ مِلْكًا لِغَيْرِهِ كَأَنْ أَوْدَعَ الْوَلِيُّ حَيَوَانَ مَحْجُورِهِ.
قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: فَيُشْبِهُ أَنَّ نَهْيَهُ كَالْعَدَمِ وَسَبَقَهُ إلَيْهِ الْأَذْرَعِيُّ وَقَيَّدَهُ بِعِلْمِ الْوَدِيعِ بِالْحَالِ أَيْ لِقَرَارِ الضَّمَانِ وَإِلَّا فَيَضْمَنُ مُطْلَقًا، وَهَذَا ظَاهِرٌ، وَالْخِلَافُ الْمَذْكُورُ فِي الْمَتْنِ فِي التَّضْمِينِ وَعَدَمِهِ كَمَا ذُكِرَ.
أَمَّا التَّأْثِيمُ فَلَا خِلَافَ فِيهِ لِحُرْمَةِ الرُّوحِ، فَعَلَيْهِ أَنْ يَأْتِيَ الْحَاكِمَ لِيُجْبِرَ الْمَالِكَ عَلَى عَلْفِهَا وَسَقْيِهَا إنْ كَانَ حَاضِرًا، أَوْ يَأْذَنَ لَهُ فِي النَّفَقَةِ لِيَرْجِعَ عَلَيْهِ إنْ كَانَ غَائِبًا، هَذَا إذَا نَهَاهُ لَا لِعِلَّةٍ، فَإِنْ كَانَ كَقُولَنْجِ أَوْ تُخْمَةٍ لَزِمَهُ امْتِثَالُ نَهْيِهِ، فَلَوْ خَالَفَ وَفَعَلَ قَبْلَ زَوَالِ الْعِلَّةِ ضَمِنَ كَذَا أَطْلَقَاهُ.
قَالَ ابْنُ شُهْبَةَ: وَيَنْبَغِي أَنْ يُقَيَّدَ الضَّمَانُ بِمَا إذَا عَلِمَ بِعِلَّتِهَا (وَإِنْ أَعْطَاهُ الْمَالِكُ عَلَفًا) بِفَتْحِ اللَّامِ اسْمٌ لِلْمَأْكُولِ وَلَمْ يَنْهَهُ (عَلَفَهَا) فِي الْأَصَحِّ، وَيَجُوزُ عَلْفُهَا (مِنْهُ، وَإِلَّا فَيُرَاجِعُهُ أَوْ وَكِيلُهُ) لِيَسْتَرِدَّهَا أَوْ يُعْطِيَ عَلَفَهَا أَوْ يَعْلِفَهَا (فَإِنْ فُقِدَا) بِالتَّثْنِيَةِ بِخَطِّهِ أَيْ الْمَالِكِ أَوْ وَكِيلِهِ (فَالْحَاكِمُ) يُرَاجِعُهُ لِيَقْتَرِضَ عَلَى الْمَالِكِ أَوْ يُؤَجِّرَهَا، وَيَصْرِفَ الْأُجْرَةَ فِي مُؤْنَتِهَا أَوْ يَبِيعَ جُزْءًا مِنْهَا أَوْ جَمِيعَهَا إنْ رَآهُ.
قَالَ الْإِمَامُ: وَالْقَدْرُ الَّذِي يَعْلِفُهَا عَلَى الْمَالِكِ هُوَ الَّذِي يَصُونُهَا عَنْ التَّلَفِ وَالتَّعْيِيبِ لَا مَا يَحْصُلُ بِهِ السِّمَنُ، فَإِنْ فَقَدَ الْحَاكِمَ تَعَاطَى ذَلِكَ بِنَفْسِهِ وَأَشْهَدَ لِيَرْجِعَ، فَإِنْ لَمْ يُشْهِدْ لَمْ يَرْجِعْ فِي أَحَدِ وَجْهَيْنِ هُوَ الْمُعْتَمَدُ كَمَا هُوَ هَرَبُ الْجَمَّالِ.
نَعَمْ لَوْ كَانَتْ رَاعِيَةً.
قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: فَالظَّاهِرُ وُجُوبُ تَسْرِيحِهَا مَعَ ثِقَةٍ، فَلَوْ أَنْفَقَ عَلَيْهَا لَمْ يَرْجِعْ أَيْ إذَا لَمْ يَتَعَذَّرْ عَلَيْهِ مَنْ يُسَرِّحُهَا مَعَهُ وَإِلَّا فَيَرْجِعُ (وَلَوْ بَعَثَهَا) أَيْ الدَّابَّةَ (مَعَ مَنْ) أَيْ أَمِينٍ (يَسْقِيهَا) أَوْ يَعْلِفُهَا حَيْثُ يَجُوزُ إخْرَاجُهَا لِذَلِكَ (لَمْ يَضْمَنْ فِي الْأَصَحِّ) لِجَرَيَانِ الْعَادَةِ بِذَلِكَ، وَالثَّانِي: يَضْمَنُ لِإِخْرَاجِهَا مِنْ حِرْزِهَا عَلَى يَدِ مَنْ لَمْ يَأْتَمِنْهُ الْمَالِكُ تَنْبِيهٌ: مَحِلُّ الْخِلَافِ إذَا كَانَ الْمَبْعُوثُ مَعَهُ أَمِينًا كَمَا مَرَّ وَلَا خَوْفَ، وَالْوَدِيعُ لَا يُخْرِجُ دَوَابَّهُ لِلسَّقْيِ أَوْ كَوْنُهُ لَا يَسْقِي وَعَادَتُهُ سَقْيُ دَوَابِّهِ فَمَعَ غَيْرِ الْأَمِينِ وَالْخَوْفِ يَضْمَنُ قَطْعًا، وَمَعَ إخْرَاجِ دَوَابِّهِ لِلسَّقْيِ أَوْ كَوْنِهِ لَا يَسْقِي دَوَابَّهُ بِنَفْسِهِ لَا يَضْمَنُ قَطْعًا، وَقَوْلُ الْمُصَنِّفِ دَابَّةٌ قَدْ يُفْهِمُ أَنَّهُ لَوْ

فصول الكتاب · 11 فصل · 627 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول مغني المحتاج إلى معرفة معاني ألفاظ المنهاج · 627 صفحة
المقدمة
بَابُ صَلَاةِ الْمُسَافِرِ
بَابُ صَلَاةِ الْكُسُوفَيْنِ
بَابُ زَكَاةِ النَّقْدِبَابُ زَكَاةِ الْمَعْدِن وَالرِّكَازِ وَالتِّجَارَةِ
بَاب زَكَاةِ الْفِطْرِ
كتاب البيع
بَابُ الضَّمَانِ
بَابُ مَا يَحْرُمُ مِنْ النِّكَاحِ
بَابُ نِكَاحِ الْمُشْرِكِ
بَابُ قَاطِعِ الطَّرِيقِ
جارٍ التحميل