مغني المحتاج إلى معرفة معاني ألفاظ المنهاجصفحات 445-484
أهل الأثرالأرشيف العلمي

يَدَيْهِ، ثُمَّ لِلْهَوِيِّ بِلَا رَفْعٍ وَسَجَدَ كَسَجْدَةِ الصَّلَاةِ وَرَفَعَ مُكَبِّرًا وَسَلَّمَ، وَتَكْبِيرَةُ الْإِحْرَامِ شَرْطٌ عَلَى الصَّحِيحِ، وَكَذَا السَّلَامُ فِي الْأَظْهَرِ

وَتُشْتَرَطُ شُرُوطُ الصَّلَاةِ، وَمَنْ سَجَدَ فِيهَا كَبَّرَ لِلْهَوِيِّ وَلِلرَّفْعِ، وَلَا يَرْفَعُ يَدَيْهِ.
قُلْت: وَلَا يَجْلِسُ لِلِاسْتِرَاحَةِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ: وَيَقُولُ

[مغني المحتاج]

يَدَيْهِ) نَدْبًا كَمَا مَرَّ فِي تَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ (ثُمَّ) كَبَّرَ نَدْبًا (لِلْهَوِيِّ) لِلسُّجُودِ (بِلَا رَفْعٍ) لِيَدَيْهِ (وَسَجَدَ) سَجْدَةً (كَسَجْدَةِ الصَّلَاةِ) فِي الْأَرْكَانِ وَالشُّرُوطِ وَالسُّنَنِ (وَرَفَعَ) رَأْسَهُ مِنْ السُّجُودِ بِلَا رَفْعِ يَدَيْهِ (مُكَبِّرًا) نَدْبًا (وَسَلَّمَ) وُجُوبًا بَعْدَ الْقُعُودِ كَالصَّلَاةِ وَلَا يُشْتَرَطُ التَّشَهُّدُ فِي الْأَصَحِّ، بَلْ الْأَصَحُّ فِي زِيَادَةِ الرَّوْضَةِ أَنَّهُ لَا يُسْتَحَبُّ.
وَقِيلَ: يَتَشَهَّدُ أَيْضًا.
وَقِيلَ: وَهُوَ الْمَنْصُوصُ فِي الْبُوَيْطِيِّ: إنَّهُ لَا يَتَشَهَّدُ وَلَا يُسَلِّمُ كَمَا لَا يُسَلِّمُ مِنْهُ فِي الصَّلَاةِ وَلَا يُسْتَحَبُّ أَنْ يَقُومَ ثُمَّ يُكَبِّرَ عَلَى الْأَصْوَبِ فِي الرَّوْضَةِ، وَالْأَصَحُّ فِي الْمَجْمُوعِ لِعَدَمِ ثُبُوتِ شَيْءٍ فِيهِ (وَتَكْبِيرَةُ الْإِحْرَامِ) مَعَ النِّيَّةِ كَمَا مَرَّ (شَرْطٌ) فِيهَا (عَلَى الصَّحِيحِ) وَفِي الرَّوْضَةِ الْأَصَحُّ، وَالْمُرَادُ بِالشَّرْطِ هُنَا مَا لَا بُدَّ مِنْهُ؛ لِأَنَّ النِّيَّةَ وَتَكْبِيرَةَ الْإِحْرَامِ وَالسَّلَامَ كَمَا سَيَأْتِي أَرْكَانٌ.
وَالثَّانِي: أَنَّهَا سُنَّةٌ وَهُوَ الْمَنْصُوصُ وَصَحَّحَهُ الْغَزَالِيُّ (وَكَذَا السَّلَامُ) شَرْطٌ فِيهَا (فِي الْأَظْهَرِ) قِيَاسًا عَلَى التَّحَرُّمِ.
وَالثَّالِثُ: لَا يُشْتَرَطُ كَمَا لَا يُشْتَرَطُ ذَلِكَ إذَا سَجَدَ فِي الصَّلَاةِ، وَمَدْرَكُ الْخِلَافِ فِي هَذِهِ الثَّلَاثَةِ أَنَّ هَذِهِ السَّجْدَةَ هَلْ تُلْحَقُ بِالصَّلَاةِ فَتُشْتَرَطُ، أَوْ لَا فَلَا؟ .

(وَتُشْتَرَطُ شُرُوطُ الصَّلَاةِ) قَطْعًا كَالِاسْتِقْبَالِ وَالسِّتْرِ وَالطَّهَارَةِ وَالْكَفِّ عَنْ مُفْسِدَاتِ الصَّلَاةِ كَالْأَكْلِ وَدُخُولِ وَقْتِ السُّجُودِ.
قَالَ فِي الْمَجْمُوعِ: بِأَنْ يَكُونَ قَدْ قَرَأَ الْآيَةَ أَوْ سَمِعَهَا، وَقَضِيَّتُهُ أَنَّ سَمَاعَ الْآيَةِ بِكَمَالِهَا شَرْطٌ كَالْقِرَاءَةِ وَهُوَ كَذَلِكَ حَتَّى لَا يَكْفِيَ كَلِمَةُ السَّجْدَةِ وَنَحْوُهَا، فَلَوْ سَجَدَ قَبْلَ الِانْتِهَاءِ إلَى آخِرِ السَّجْدَةِ وَلَوْ بِحَرْفٍ وَاحِدٍ لَمْ يَجُزْ (وَمَنْ سَجَدَ فِيهَا) أَيْ الصَّلَاةِ (كَبَّرَ لِلْهَوِيِّ) لِلسُّجُودِ (وَلِلرَّفْعِ) مِنْهُ نَدْبًا (وَلَا يَرْفَعُ يَدَيْهِ) فِيهِمَا، أَيْ لَا يُسَنُّ لَهُ ذَلِكَ كَمَنْ سَجَدَ فِي صُلْبِ الصَّلَاةِ وَنَوَى وُجُوبًا، لِأَنَّ نِيَّةَ الصَّلَاةِ لَمْ تَشْمَلْهَا كَمَا صَرَّحُوا بِذَلِكَ فِي تَرْكِ السَّجَدَاتِ فَقَالُوا: لَوْ تَرَكَ سَجْدَةً سَهْوًا ثُمَّ سَجَدَ لِلتِّلَاوَةِ لَا تَكْفِي عَنْهَا؛ لِأَنَّ نِيَّةَ الصَّلَاةِ لَمْ تَشْمَلْهَا بِخِلَافِ مَا لَوْ تَرَكَ الْجُلُوسَ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ وَجَلَسَ لِلِاسْتِرَاحَةِ فَإِنَّهُ يَكْفِي؛ لِأَنَّ نِيَّةَ الصَّلَاةِ شَمِلَتْهُ فَهِيَ كَسُجُودِ السَّهْوِ، كَذَا قِيلَ.
وَالْأَوْجَهُ قَوْلُ ابْنِ الرِّفْعَةِ: وَلَا يَجِبُ عَلَى الْمُصَلِّي نِيَّتُهَا اتِّفَاقًا، لِأَنَّ نِيَّةَ الصَّلَاةِ تَنْسَحِبُ عَلَيْهَا بِوَاسِطَةٍ، وَبِهَذَا يُفَرَّقُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ سُجُودِ السَّهْوِ.
اهـ. وَلَا يُنَافِي ذَلِكَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ قَوْلِهِمْ: إنَّ نِيَّةَ الصَّلَاةِ لَمْ تَشْمَلْهَا: أَيْ بِلَا وَاسِطَةٍ، وَالسُّنَّةُ الَّتِي تَقُومُ مَقَامَ الْوَاجِبِ مَا شَمِلَتْهُ النِّيَّةُ بِلَا وَاسِطَةٍ كَمَا مَثَّلُوا بِهِ، وَقَوْلُ الْمُصَنِّفِ وَلِلرَّفْعِ مَزِيدٌ عَلَى الْمُحَرَّرِ، وَصَرَّحَ بِهِ فِي الْمُحَرَّرِ فِي غَيْرِ الصَّلَاةِ (قُلْت: وَلَا يَجْلِسُ لِلِاسْتِرَاحَةِ) بَعْدَهَا (وَاَللَّهُ أَعْلَمُ) أَيْ لَا يُسَنُّ لَهُ ذَلِكَ لِعَدَمِ وُرُودِهِ بَلْ يُكْرَهُ تَنْزِيهًا وَلَا تَبْطُلُ بِهِ صَلَاتُهُ كَمَا مَرَّتْ الْإِشَارَةُ إلَيْهِ، وَيَجِبُ أَنْ يَقُومَ مِنْهَا ثُمَّ يَرْكَعَ، فَلَوْ قَامَ رَاكِعًا لَمْ يَصِحَّ؛ لِأَنَّ الْهُوِيَّ مِنْ الْقِيَامِ وَاجِبٌ كَمَا مَرَّ، وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَقْرَأَ قَبْلَ رُكُوعِهِ فِي قِيَامِهِ مِنْ سُجُودِهِ شَيْئًا مِنْ الْقُرْآنِ (وَيَقُولُ) فِيهَا دَاخِلَ

سَجَدَ وَجْهِي لِلَّذِي خَلَقَهُ وَصَوَّرَهُ، وَشَقَّ سَمْعَهُ، وَبَصَرَهُ بِحَوْلِهِ وَقُوَّتِهِ.

وَلَوْ كَرَّرَ آيَةً فِي مَجْلِسَيْنِ سَجَدَ لِكُلٍّ وَكَذَا الْمَجْلِسُ فِي الْأَصَحِّ، وَرَكْعَةٌ كَمَجْلِسٍ، وَرَكْعَتَانِ كَمَجْلِسَيْنِ، فَإِنْ لَمْ يَسْجُدْ وَطَالَ الْفَصْلُ لَمْ يَسْجُدْ.

[مغني المحتاج]

الصَّلَاةِ وَخَارِجَهَا «سَجَدَ وَجْهِي لِلَّذِي خَلَقَهُ وَصَوَّرَهُ وَشَقَّ سَمْعَهُ وَبَصَرَهُ بِحَوْلِهِ وَقُوَّتِهِ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ» ، وَيَقُولُ: «اللَّهُمَّ اُكْتُبْ لِي بِهَا عِنْدَك أَجْرًا، وَاجْعَلْهَا لِي عِنْدَك ذُخْرًا، وَضَعْ عَنِّي بِهَا وِزْرًا، وَاقْبَلْهَا مِنِّي كَمَا قَبِلْتَهَا مِنْ عَبْدِكَ دَاوُد» ، رَوَاهُمَا الْحَاكِمُ وَصَحَّحَهُمَا وَيُنْدَبُ كَمَا فِي الْمَجْمُوعِ عَنْ الشَّافِعِيِّ أَنْ يَقُولَ: سُبْحَانَ رَبِّنَا إنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا.
قَالَ فِي الرَّوْضَةِ: وَلَوْ قَالَ مَا يَقُولُهُ فِي سُجُودِهِ جَازَ: أَيْ كَفَى، وَلَوْ عَبَّرَ بِهِ كَانَ أَوْلَى قَالَ الْمُتَوَلِّي وَغَيْرُهُ: وَيُسَنُّ أَنْ يَدْعُوَ بَعْدَ التَّسْبِيحِ، وَفِي الْإِحْيَاءِ: يَدْعُو فِي سُجُودِهِ بِمَا يَلِيقُ بِالْآيَةِ فَيَقُولُ فِي سَجْدَةِ الْإِسْرَاءِ: اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي مِنْ الْبَاكِينَ إلَيْك وَالْخَاشِعِينَ لَك، وَفِي سَجْدَةِ الم السَّجْدَةِ: اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي مِنْ السَّاجِدِينَ لِوَجْهِك الْمُسَبِّحِينَ بِحَمْدِك، وَأَعُوذُ بِك أَنْ أَكُونَ مِنْ الْمُسْتَكْبِرِينَ عَنْ أَمْرِك وَعَلَى أَوْلِيَائِك.

(وَلَوْ كَرَّرَ آيَةً) فِيهَا سَجْدَةُ تِلَاوَةٍ: أَيْ آتَى بِهَا مَرَّتَيْنِ مَثَلًا خَارِجَ الصَّلَاةِ (فِي مَجْلِسَيْنِ سَجَدَ لِكُلٍّ) مِنْ الْمَرَّتَيْنِ عَقِبَهَا لِتَجَدُّدِ السَّبَبِ بَعْدَ تَوْفِيَةِ الْحُكْمِ الْأَوَّلِ (وَكَذَا الْمَجْلِسُ فِي الْأَصَحِّ) لِمَا مَرَّ، وَالثَّانِي تَكْفِيهِ السَّجْدَةُ الْأُولَى عَنْ الْمَرَّةِ الثَّانِيَةِ كَمَا لَوْ كَرَّرَهَا قَبْلَ أَنْ يَسْجُدَ لِلْأُولَى.
وَالثَّالِثُ: إنْ طَالَ الْفَصْلُ سَجَدَ لِكُلِّ مَرَّةٍ وَإِلَّا كَفَاهُ سَجْدَةٌ عَنْهُمَا قَالَ فِي الْعُدَّةِ وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى لَا أَنَّهُ قَالَ إنَّ الْفَتْوَى عَلَى الثَّانِي كَمَا قَالَهُ الْمُصَنِّفُ فِي الْمَجْمُوعِ بَلْ نُسِبَ فِي ذَلِكَ إلَى السَّهْوِ، وَقَدْ عُلِمَ مِمَّا تَقَرَّرَ أَنَّ مَحَلَّ الْخِلَافِ إذَا سَجَدَ لِلْأُولَى ثُمَّ كَرَّرَ الْآيَةَ فَيَسْجُدُ ثَانِيًا.
أَمَّا لَوْ كَرَّرَهَا قَبْلَ السُّجُودِ فَإِنَّهُ يَقْتَصِرُ عَلَى سَجْدَةٍ وَاحِدَةٍ قَطْعًا (وَرَكْعَةٌ كَمَجْلِسٍ) وَإِنْ طَالَتْ (وَرَكْعَتَانِ كَمَجْلِسَيْنِ) وَإِنْ قَصُرَتَا فَيَسْجُدُ فِيهِمَا، وَلَوْ قَرَأَ آيَةً خَارِجَ الصَّلَاةِ وَسَجَدَ لَهَا ثُمَّ أَعَادَهَا فِي الصَّلَاةِ أَوْ عَكَسَ سَجَدَ ثَانِيًا (فَإِنْ لَمْ يَسْجُدْ) مَنْ طُلِبَ مِنْهُ السُّجُودُ عَقِبَ فَرَاغِ آيَةِ السَّجْدَةِ (وَطَالَ الْفَصْلُ) عُرْفًا وَلَوْ بِعُذْرٍ (لَمْ يَسْجُدْ) أَدَاءً لِأَنَّهُ مِنْ تَوَابِعِ الْقِرَاءَةِ.
وَلَا قَضَاءَ لِأَنَّهُ ذُو سَبَبٍ عَارِضٍ كَالْكُسُوفِ، فَإِنْ قَصُرَ الْفَصْلُ سَجَدَ، وَكَذَا سَجْدَةُ الشُّكْرِ كَمَا قَالَ شَيْخُنَا إنَّهُ الْأَوْجَهُ، فَإِنْ كَانَ الْقَارِئُ أَوْ الْمُسْتَمِعُ أَوْ السَّامِعُ أَوْ مَنْ يَسْجُدُ شُكْرًا مُحْدِثًا فَتَطَهَّرَ عَنْ قُرْبٍ سَجَدَ وَإِلَّا فَلَا، وَلَا تُسْتَحَبُّ الْقِرَاءَةُ لِآيَةِ سَجْدَةٍ أَوْ أَكْثَرَ بِقَصْدِ السُّجُودِ، بَلْ تُكْرَهُ الْقِرَاءَةُ بِقَصْدِهِ فِي الصَّلَاةِ، وَمَنَعَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ مِنْ ذَلِكَ، وَأَفْتَى بِبُطْلَانِ الصَّلَاةِ وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ، وَمَحَلُّ الْخِلَافِ فِي غَيْرِ صَلَاةِ صُبْحِ الْجُمُعَةِ، أَمَّا فِيهَا لِقِرَاءَةِ سَجْدَةِ ﴿الم﴾ [السجدة: 1] ﴿تَنْزِيلُ﴾ [السجدة: 2] فَإِنَّهَا لَا تَبْطُلُ كَمَا قَالَهُ الْبُلْقِينِيُّ، وَأَفْتَى بِهِ شَيْخِي؛ لِأَنَّ قِرَاءَةَ السَّجْدَةِ فِيهَا مَسْنُونَةٌ، وَلَوْ قَرَأَ آيَةَ سَجْدَةٍ لِيَسْجُدَ فِي الْأَوْقَاتِ الْمَكْرُوهَةِ حَرُمَ عَلَيْهِ السُّجُودُ، وَسَوَاءٌ قَرَأَ فِي أَوْقَاتِ الْكَرَاهَةِ أَمْ قَبْلَهَا، وَإِنْ كَانَ فِي صَلَاةٍ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ بِالسُّجُودِ كَمَا أَفْتَى بِهِ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ، وَفِي الرَّوْضَةِ وَالْمَجْمُوعِ لَوْ أَرَادَ أَنْ يَقْرَأَ آيَةَ سَجْدَةٍ أَوْ آيَتَيْنِ فِيهِمَا سَجْدَةٌ لِيَسْجُدَ فَلَمْ أَرَ فِيهِ نَقْلًا عِنْدَنَا، وَفِي كَرَاهَتِهِ خِلَافٌ لِلسَّلَفِ، وَمُقْتَضَى

وَسَجْدَةُ الشُّكْرِ لَا تَدْخُلُ الصَّلَاةَ، وَتُسَنُّ لِهُجُومِ نِعْمَةٍ، أَوْ انْدِفَاعِ نِقْمَةٍ، أَوْ رُؤْيَةِ مُبْتَلًى، أَوْ عَاصٍ.
وَيُظْهِرُهَا لِلْعَاصِي لَا لِلْمُبْتَلَى.

[مغني المحتاج]

مَذْهَبِنَا أَنَّهُ إنْ كَانَ فِي غَيْرِ وَقْتِ الْكَرَاهَةِ وَفِي غَيْرِ الصَّلَاةِ لَمْ يُكْرَهْ، وَإِلَّا فَفِي كَرَاهَتِهِ الْوَجْهَانِ فِيمَنْ دَخَلَ الْمَسْجِدَ فِي وَقْتِ الْكَرَاهَةِ لَا لِغَرَضٍ سِوَى التَّحِيَّةِ، وَهَذَا إذَا لَمْ يَتَعَلَّقْ بِالْقِرَاءَةِ غَرَضٌ سِوَى السُّجُودِ، وَإِلَّا فَلَا كَرَاهَةَ مُطْلَقًا قَطْعًا.
اهـ.

ثُمَّ شَرَعَ فِي السَّجْدَةِ الثَّالِثَةِ فَقَالَ (وَسَجْدَةُ الشُّكْرِ لَا تَدْخُلُ الصَّلَاةَ) لِأَنَّ سَبَبَهَا لَيْسَ لَهُ تَعَلُّقٌ بِالصَّلَاةِ، فَلَوْ سَجَدَهَا فِيهَا عَامِدًا عَالِمًا بِالتَّحْرِيمِ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ (وَتُسَنُّ لِهُجُومِ) أَيْ حُدُوثِ (نِعْمَةٍ) كَحُدُوثِ وَلَدٍ أَوْ جَاهٍ أَوْ مَالٍ أَوْ قُدُومِ غَائِبٍ أَوْ نَصْرٍ عَلَى عَدُوٍّ (أَوْ انْدِفَاعِ نِقْمَةٍ) كَنَجَاةٍ مِنْ حَرِيقٍ أَوْ غَرَقٍ لِمَا رَوَى أَبُو دَاوُد وَغَيْرُهُ «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ إذَا جَاءَهُ أَمْرٌ يَسُرُّهُ خَرَّ سَاجِدًا» وَرَوَى أَبُو دَاوُد بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: سَأَلْتُ رَبِّي وَشَفَعْتُ لِأُمَّتِي فَأَعْطَانِي ثُلُثَ أُمَّتِي فَسَجَدْت شُكْرًا لِرَبِّي، ثُمَّ رَفَعْتُ رَأْسِي فَسَأَلْتُ رَبِّي فَأَعْطَانِي ثُلُثَ أُمَّتِي، فَسَجَدْت شُكْرًا لِرَبِّي ثُمَّ رَفَعْتُ رَأْسِي فَسَأَلْتُ رَبِّي فَأَعْطَانِي الثُّلُثَ الْآخَرَ، فَسَجَدْتُ شُكْرًا لِرَبِّي» . وَخَرَجَ بِالْحُدُوثِ الِاسْتِمْرَارُ كَالْعَافِيَةِ وَالْإِسْلَامِ وَالْغِنَى عَنْ النَّاسِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يُؤَدِّي إلَى اسْتِغْرَاقِ الْعُمُرِ فِي السُّجُودِ، وَقَيَّدَ فِي التَّنْبِيهِ وَالْمُهَذَّبِ، وَنَقَلَهُ الْمُصَنِّفُ فِي شَرْحِهِ عَنْ الشَّافِعِيِّ وَالْأَصْحَابِ النِّعْمَةَ وَالنِّقْمَةَ بِكَوْنِهِمَا ظَاهِرَتَيْنِ لِيُخْرِجَ الْبَاطِنَتَيْنِ كَالْمَعْرِفَةِ وَسَتْرِ الْمَسَاوِئِ، وَقَيَّدَهُمَا فِي أَصْلِ الرَّوْضَةِ وَفِي الْمُحَرَّرِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق: 3] أَيْ يَدْرِي قَالَ فِي الْمُهِمَّاتِ: وَفِيهِ نَظَرٌ، وَإِطْلَاقُ الْأَصْحَابِ يَقْتَضِي عَدَمَ الْفَرْقِ بَيْنَ أَنْ يَتَسَبَّبَ فِيهِ وَأَنْ لَا، وَلِهَذَا لَمْ يَذْكُرْهُ فِي الْمَجْمُوعِ.
اهـ. وَهَذَا أَوْجَهُ؛ وَلِهَذَا أَسْقَطَهُ ابْنُ الْمُقْرِي مِنْ أَصْلِهِ (أَوْ رُؤْيَةِ مُبْتَلًى) فِي بَدَنِهِ أَوْ غَيْرِهِ لِلِاتِّبَاعِ.
رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ وَشُكْرِ اللَّهِ عَلَى سَلَامَتِهِ (أَوْ) رُؤْيَةِ (عَاصٍ) يَجْهَرُ بِمَعْصِيَتِهِ كَمَا نَقَلَهُ فِي الْكِفَايَةِ عَنْ الْأَصْحَابِ وَيَفْسُقُ بِهَا كَمَا نَقَلَهُ الْوَلِيُّ الْعِرَاقِيُّ عَنْ الْحَاوِي؛ لِأَنَّ الْمُصِيبَةَ فِي الدِّينِ أَشَدُّ مِنْهُمَا فِي الدُّنْيَا.
قَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «اللَّهُمَّ لَا تَجْعَلْ مُصِيبَتَنَا فِي دِينِنَا» فَعِنْدَ رُؤْيَةِ الْكَافِرِ أَوْلَى، وَلَوْ حَضَرَ الْمُبْتَلَى أَوْ الْعَاصِي فِي ظُلْمَةٍ أَوْ عِنْدَ أَعْمَى، أَوْ سَمِعَ صَوْتَهُمَا سَامِعٌ وَلَمْ يَحْضُرَا، فَالْمُتَّجَهُ كَمَا قَالَ فِي الْمُهِمَّاتِ اسْتِحْبَابُهَا أَيْضًا (وَيُظْهِرُهَا) أَيْ السَّجْدَةَ (لِلْعَاصِي) الْمُتَجَاهِرِ بِمَعْصِيَتِهِ الَّتِي يَفْسُقُ بِهَا إنْ لَمْ يَخَفْ ضَرَرَهُ تَعْيِيرًا لَهُ لَعَلَّهُ يَتُوبُ، بِخِلَافِ مَنْ لَمْ يَتَجَاهَرْ بِمَعْصِيَتِهِ أَوْ لَمْ يَفْسُقْ بِهَا بِأَنْ كَانَتْ صَغِيرَةً وَلَمْ يُصِرَّ عَلَيْهَا فَلَا يَسْجُدُ لِرُؤْيَتِهِ، أَوْ خَافَ مِنْهُ ضَرَرًا فَلَا يُظْهِرُهَا لَهُ، بَلْ يُخْفِيهَا كَمَا فِي الْمَجْمُوعِ، وَفِي مَعْنَى الْفَاسِقِ: الْكَافِرُ، وَبِهِ صَرَّحَ الرُّويَانِيُّ فِي الْبَحْرِ بَلْ هُوَ أَوْلَى بِذَلِكَ (لَا لِلْمُبْتَلَى) لِئَلَّا يَنْكَسِرَ قَلْبُهُ.
نَعَمْ إنْ كَانَ غَيْرَ مَعْذُورٍ كَمَقْطُوعٍ فِي سَرِقَةٍ أَظْهَرَهَا لَهُ، قَالَهُ

وَهِيَ كَسَجْدَةِ التِّلَاوَةِ.
وَالْأَصَحُّ جَوَازُهُمَا عَلَى الرَّاحِلَةِ لِلْمُسَافِرِ.
فَإِنْ سَجَدَ لِتِلَاوَةِ صَلَاةٍ جَازَ عَلَيْهَا قَطْعًا.

[مغني المحتاج]

الْقَاضِي وَالْفُورَانِيُّ وَغَيْرُهُمَا، وَقَيَّدَهُ فِي الْمُهِمَّاتِ بِمَا إذَا لَمْ يَعْلَمْ تَوْبَتَهُ وَإِلَّا فَيُسِرُّهَا وَيُظْهِرُهَا أَيْضًا لِحُصُولِ نِعْمَةٍ أَوْ انْدِفَاعِ نِقْمَةٍ كَمَا فِي الْمَجْمُوعِ.
قَالَ ابْنُ يُونُسَ: وَعِنْدِي أَنَّهُ لَا يُظْهِرُهَا لِتَجَدُّدِ ثَرْوَةٍ بِحَضْرَةِ فَقِيرٍ لِئَلَّا يَنْكَسِرَ قَلْبُهُ.
قَالَ فِي الْمُهِمَّاتِ: وَهُوَ حَسَنٌ.

فَرْعٌ هَلْ يُظْهِرُهَا لِلْفَاسِقِ الْمُجَاهِرِ الْمُبْتَلَى فِي بَدَنِهِ بِمَا هُوَ مَعْذُورٌ فِيهِ يُحْتَمَلُ الْإِظْهَارُ لِأَنَّهُ أَحَقُّ بِالزَّجْرِ، وَالْإِخْفَاءُ؛ لِئَلَّا يَفْهَمَ أَنَّهُ عَلَى الِابْتِلَاءِ فَيَنْكَسِرَ قَلْبُهُ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ يُظْهِرُ وَيُبَيِّنُ السَّبَبَ وَهُوَ الْفِسْقُ وَهَذَا هُوَ الظَّاهِرُ، وَإِنْ قَالَ الْوَلِيُّ الْعِرَاقِيُّ: لَمْ أَرَ فِيهِ نَقْلًا، وَلَوْ شَارَكَهُ فِي ذَلِكَ الْبَلَاءِ أَوْ الْعِصْيَانِ فَهَلْ يَسْجُدُ؟ قَالَ الْوَلِيُّ الْعِرَاقِيُّ: لَمْ أَرَ مَنْ تَعَرَّضَ لَهُ، وَظَاهِرُ إطْلَاقِهِمْ يَقْتَضِي السُّجُودَ، وَالْمَعْنَى يَقْتَضِي عَدَمَهُ، فَقَدْ يُسْتَثْنَى حِينَئِذٍ.
اهـ. وَالْأَوْلَى أَنْ يُقَالَ: إنْ كَانَ ذَلِكَ الْبَلَاءُ مِنْ غَيْرِ نَوْعِ بَلَائِهِ أَوْ مِنْهُ وَهُوَ زَائِدٌ، أَوْ كَانَ ذَلِكَ الْفِسْقُ مِنْ غَيْرِ نَوْعِ فِسْقِهِ أَوْ مِنْهُ وَهُوَ أَزْيَدُ سَجَدَ وَإِلَّا فَلَا (وَهِيَ) أَيْ سَجْدَةُ الشُّكْرِ (كَسَجْدَةِ التِّلَاوَةِ) خَارِجَ الصَّلَاةِ كَيْفِيَّتِهَا وَشَرَائِطِهَا كَمَا قَالَ فِي الْمُحَرَّرِ لِمَا مَرَّ فِي تِلْكَ، وَمَرَّ أَنَّهَا لَا تُقْضَى كَسَجْدَةِ التِّلَاوَةِ (وَالْأَصَحُّ جَوَازُهُمَا) أَيْ السَّجْدَتَيْنِ خَارِجَ الصَّلَاةِ (عَلَى الرَّاحِلَةِ لِلْمُسَافِرِ) بِالْإِيمَاءِ لِمَشَقَّةِ النُّزُولِ، وَخَالَفَ الْجِنَازَةَ عَلَى الرَّاجِحِ، وَإِنْ كَانَ فِي إقَامَةِ كُلٍّ عَلَيْهَا إبْطَالُ رُكْنِهِ الْأَعْظَمِ، وَهُوَ تَمْكِينُ الْجَبْهَةِ مِنْ مَوْضِعِ السُّجُودِ وَالْقِيَامُ فِي الْجِنَازَةِ؛ لِأَنَّ الْجِنَازَةَ تَنْدُرُ فَلَا يَشُقُّ النُّزُولُ لَهَا، وَلِأَنَّ حُرْمَةَ الْمَيِّتِ تَقْتَضِي النُّزُولَ.
وَالثَّانِي لَا يَجُوزُ لِفَوَاتِ أَعْظَمِ أَرْكَانِهَا: وَهُوَ الْتِصَاقُ الْجَبْهَةِ مِنْ مَوْضِعِ السُّجُودِ، أَمَّا لَوْ كَانَ فِي مَرْقَدٍ وَأَتَمَّ سُجُودَهُ فَإِنَّهُ يَجُوزُ بِلَا خِلَافٍ، وَالْمَاشِي يَسْجُدُ عَلَى الْأَرْضِ (فَإِنْ سَجَدَ لِتِلَاوَةِ صَلَاةٍ جَازَ) الْإِيمَاءُ (عَلَيْهَا) أَيْ الرَّاحِلَةِ (قَطْعًا) تَبَعًا لِلنَّافِلَةِ كَسُجُودِ السَّهْوِ، وَخَرَجَ بِسُجُودِ التِّلَاوَةِ سُجُودُ الشُّكْرِ فَإِنَّهُ لَا يُفْعَلُ فِي الصَّلَاةِ كَمَا مَرَّ.
خَاتِمَةٌ: يُسَنُّ مَعَ سَجْدَةِ الشُّكْرِ كَمَا فِي الْمَجْمُوعِ الصَّدَقَةُ وَالصَّلَاةُ لِلشُّكْرِ.
وَقَالَ الْخُوَارِزْمِيُّ: لَوْ أَقَامَ التَّصَدُّقَ أَوْ صَلَاةَ رَكْعَتَيْنِ مَقَامَ السُّجُودِ كَانَ حَسَنًا، وَلَوْ قَرَأَ آيَةَ سَجْدَةٍ فِي الصَّلَاةِ لِيَسْجُدَ بِهَا لِلشُّكْرِ لَمْ يَجُزْ، وَتَبْطُلُ صَلَاتُهُ بِسُجُودِهِ كَمَا لَوْ دَخَلَ الْمَسْجِدَ فِي وَقْتِ النَّهْيِ لِيُصَلِّيَ التَّحِيَّةَ، وَتَبْطُلُ أَيْضًا لَوْ قَصَدَ بِهَا التِّلَاوَةَ وَالشُّكْرَ تَغْلِيبًا لِلْمُبْطِلِ، بِخِلَافِ مَا لَوْ قَصَدَ الْقِرَاءَةَ وَالرَّدَّ عَلَى الْإِمَامِ، لِأَنَّ فِي الرَّدِّ مَصْلَحَةً لِلصَّلَاةِ.
وَلِهَذَا قِيلَ: لَا تَبْطُلُ، لَوْ قَصَدَ الرَّدَّ فَقَطْ، وَلَوْ تَقَرَّبَ إلَى اللَّهِ بِسَجْدَةٍ مِنْ غَيْرِ سَبَبٍ حَرُمَ وَلَوْ بَعْدَ صَلَاةٍ كَمَا يَحْرُمُ بِرُكُوعٍ مُفْرَدٍ وَنَحْوِهِ لِأَنَّهُ بِدْعَةٌ، وَكُلُّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ إلَّا مَا اُسْتُثْنِيَ، وَمِمَّا يَحْرُمُ مَا يَفْعَلُهُ كَثِيرٌ مِنْ الْجَهَلَةِ مِنْ السُّجُودِ بَيْنَ يَدَيْ الْمَشَايِخِ وَلَوْ إلَى الْقِبْلَةِ أَوْ قَصَدَهُ لِلَّهِ تَعَالَى.
وَفِي بَعْضِ صُوَرِهِ مَا يَقْتَضِي الْكُفْرَ، عَافَانَا اللَّهُ تَعَالَى مِنْ ذَلِكَ.

بَابٌ صَلَاةُ النَّفْلِ قِسْمَانِ: قِسْمٌ لَا يُسَنُّ جَمَاعَةً،

[مغني المحتاج]

[بَابٌ صَلَاةِ النَّفْلِ]

بَابٌ فِي صَلَاةِ النَّفْلِ وَهُوَ لُغَةً: الزِّيَادَةُ، وَاصْطِلَاحًا: مَا عَدَا الْفَرَائِضَ، سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأَنَّهُ زَائِدٌ عَلَى مَا فَرَضَهُ اللَّهُ تَعَالَى، وَيُرَادِفُ النَّفَلَ السُّنَّةُ وَالْمَنْدُوبُ وَالْمُسْتَحَبُّ وَالْمُرَغَّبُ فِيهِ وَالْحَسَنُ، هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ.
وَقَالَ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ: غَيْرُ الْفَرْضِ ثَلَاثَةٌ: تَطَوُّعٌ، وَهُوَ مَا لَمْ يَرِدْ فِيهِ نَقْلٌ بِخُصُوصِهِ، بَلْ يُنْشِئُهُ الْإِنْسَانُ ابْتِدَاءً، وَسُنَّةٌ وَهِيَ مَا وَاظَبَ عَلَيْهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَمُسْتَحَبٌّ وَهُوَ مَا فَعَلَهُ أَحْيَانًا، أَوْ أَمَرَ بِهِ وَلَمْ يَفْعَلْهُ، وَلَمْ يَتَعَرَّضُوا لِلْبَقِيَّةِ لِعُمُومِهَا لِلثَّلَاثَةِ مَعَ أَنَّهُ لَا خِلَافَ فِي الْمَعْنَى، فَإِنَّ بَعْضَ الْمَسْنُونَاتِ آكَدُ مِنْ بَعْضٍ قَطْعًا، وَإِنَّمَا الْخِلَافُ فِي الِاسْمِ، وَأَفْضَلُ عِبَادَاتِ الْبَدَنِ بَعْدَ الْإِسْلَامِ الصَّلَاةُ لِخَبَرِ الصَّحِيحَيْنِ «أَيُّ الْأَعْمَالِ أَفْضَلُ؟ فَقَالَ: الصَّلَاةُ لِوَقْتِهَا» . وَقِيلَ: الصَّوْمُ لِخَبَرِ الصَّحِيحَيْنِ «قَالَ اللَّهُ: كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ لَهُ إلَّا الصَّوْمَ فَإِنَّهُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ» . وَقِيلَ: إنْ كَانَ بِمَكَّةَ فَالصَّلَاةُ، أَوْ بِالْمَدِينَةِ فَالصَّوْمُ، وَرُدَّ ذَلِكَ بِأَنَّ الصَّلَاةَ تَجْمَعُ مَا فِي سَائِرِ الْعِبَادَاتِ، وَتَزِيدُ عَلَيْهَا بِوُجُوبِ الِاسْتِقْبَالِ، وَمَنْعِ الْكَلَامِ وَالْمَشْيِ وَغَيْرِهِمَا، وَلِأَنَّهَا لَا تَسْقُطُ بِحَالٍ، وَيُقْتَلُ تَارِكُهَا بِخِلَافِ غَيْرِهَا.
وَقَالَ الْقَاضِي: الْحَجُّ أَفْضَلُ.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي عَصْرُونٍ: الْجِهَادُ أَفْضَلُ.
وَقَالَ فِي الْإِحْيَاءِ: الْعِبَادَاتُ تَخْتَلِفُ أَفْضَلِيَّتُهَا بِاخْتِلَافِ أَحْوَالِهَا وَفَاعِلهَا.
قَالَ فِي الْمَجْمُوعِ: وَالْخِلَافُ فِي الْإِكْثَارِ مِنْ أَحَدِهِمَا مَعَ الِاقْتِصَارِ عَلَى الْآكَدِ مِنْ الْآخَرِ، وَإِلَّا فَصَوْمُ يَوْمٍ أَفْضَلُ مِنْ رَكْعَتَيْنِ بِلَا شَكٍّ، وَخَرَجَ بِإِضَافَةِ الْعِبَادَاتِ إلَى الْبَدَنِ أَمْرَانِ: أَحَدُهُمَا: عِبَادَةُ الْقَلْبِ كَالْإِيمَانِ وَالْمَعْرِفَةِ وَالصَّبْرِ وَالرِّضَا وَالْخَوْفِ وَالرَّجَاءِ، وَأَفْضَلُهَا الْإِيمَانُ وَهِيَ أَفْضَلُ مِنْ الْعِبَادَاتِ الْبَدَنِيَّةِ.
وَالثَّانِي: الْعِبَادَاتُ الْمَالِيَّةُ.
قَالَ الْفَارِقِيُّ: إنَّهَا أَفْضَلُ مِنْ الْعِبَادَاتِ الْبَدَنِيَّةِ لِتَعَدِّي النَّفْعِ بِهَا، وَالْأَوْلَى كَمَا قَالَهُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: إنْ كَانَتْ مَصْلَحَةُ الْقَاصِرِ أَرْجَحَ فَهُوَ أَرْجَحُ، أَوْ الْمُتَعَدِّي فَهُوَ أَرْجَحُ، وَإِذَا كَانَتْ الصَّلَاةُ أَفْضَلَ الْعِبَادَاتِ كَمَا مَرَّ، فَفَرْضُهَا أَفْضَلُ الْفُرُوضِ وَتَطَوُّعُهَا أَفْضَلُ التَّطَوُّعِ، وَلَا يَرِدُ حِفْظُهُ غَيْرَ الْفَاتِحَةِ مِنْ الْقُرْآنِ وَلَا الِاشْتِغَالُ بِالْعِلْمِ حَيْثُ نَصَّ الشَّافِعِيُّ عَلَى أَنَّهُ أَفْضَلُ مِنْ صَلَاةِ التَّطَوُّعِ، لِأَنَّهُمَا فَرْضَا كِفَايَةٍ، وَهُوَ يَنْقَسِمُ إلَى قِسْمَيْنِ كَمَا قَالَ (صَلَاةُ النَّفْلِ قِسْمَانِ: قِسْمٌ لَا يُسَنُّ جَمَاعَةً) بِالنَّصْبِ عَلَى التَّمْيِيزِ الْمُحَوَّلِ عَنْ نَائِبِ الْفَاعِلِ: أَيْ لَا تُسَنُّ فِيهِ

فَمِنْهُ الرَّوَاتِبُ مَعَ الْفَرَائِضِ وَهِيَ: رَكْعَتَانِ قَبْلَ الصُّبْحِ، وَرَكْعَتَانِ قَبْلَ الظُّهْرِ، وَكَذَا بَعْدَهَا وَبَعْدَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ.
وَقِيلَ لَا رَاتِبَ لِلْعِشَاءِ.
وَقِيلَ أَرْبَعٌ قَبْلَ الظُّهْرِ، وَقِيلَ وَأَرْبَعٌ بَعْدَهَا.
وَقِيلَ وَأَرْبَعٌ قَبْلَ الْعَصْرِ، وَالْجَمِيعُ سُنَّةٌ، وَإِنَّمَا الْخِلَافُ فِي الرَّاتِبِ الْمُؤَكَّدِ.
وَرَكْعَتَانِ خَفِيفَتَانِ قَبْلَ الْمَغْرِبِ.
قُلْت: هُمَا سُنَّةٌ عَلَى الصَّحِيحِ، فَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ الْأَمْرُ بِهِمَا

[مغني المحتاج]

الْجَمَاعَةُ لِمُوَاظَبَتِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى فِعْلِهِ فُرَادَى لَا عَلَى الْحَالِ، وَإِلَّا لَكَانَ مَعْنَاهُ نَفْيَ السُّنَّةِ عَنْهُ حَالَ كَوْنِهِ فِي جَمَاعَةٍ وَلَيْسَ مُرَادًا، وَبِهَذَا التَّقْدِيرِ يَنْدَفِعُ مَا قِيلَ إنَّهُ لَوْ قَالَ: يُسَنُّ فُرَادَى كَانَ أَحْسَنَ، فَإِنَّ السُّنَّةَ أَنْ لَا يَكُونَ فِي جَمَاعَةٍ وَإِنْ جَازَ بِالْجَمَاعَةِ بِلَا كَرَاهَةٍ «لِاقْتِدَاءِ ابْنِ عَبَّاسٍ بِالنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي بَيْتِ خَالَتِهِ مَيْمُونَةَ فِي التَّهَجُّدِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (فَمِنْهُ الرَّوَاتِبُ) وَهِيَ عَلَى الْمَشْهُورِ الَّتِي (مَعَ الْفَرَائِضِ) . وَقِيلَ: هِيَ مَا لَهُ وَقْتٌ، وَالْحِكْمَةُ فِيهَا تَكْمِيلُ مَا نَقَصَ مِنْ الْفَرَائِضِ بِنَقْصِ نَحْوِ خُشُوعٍ كَتَرْكِ تَدَبُّرِ قِرَاءَةٍ (وَهِيَ رَكْعَتَانِ قَبْلَ الصُّبْحِ، وَرَكْعَتَانِ قَبْلَ الظُّهْرِ، وَكَذَا بَعْدَهَا وَبَعْدَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ) لِخَبَرِ الصَّحِيحَيْنِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ «صَلَّيْتُ مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَكْعَتَيْنِ قَبْلَ الظُّهْرِ، وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَهَا، وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْمَغْرِبِ، وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْعِشَاءِ، وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْجُمُعَةِ» وَفِي بَعْضِ طُرُقِهِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ وَحَدَّثَتْنِي أُخْتِي حَفْصَةُ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ بَعْدَمَا يَطْلُعُ الْفَجْرُ» (وَقِيلَ لَا رَاتِبَ لِلْعِشَاءِ) لِأَنَّ الرَّكْعَتَيْنِ بَعْدَهَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَا مِنْ صَلَاةِ اللَّيْلِ (وَقِيلَ) مِنْ الرَّوَاتِبِ «أَرْبَعٌ قَبْلَ الظُّهْرِ» لِلِاتِّبَاعِ.
رَوَاهُ مُسْلِمٌ (وَقِيلَ وَأَرْبَعٌ بَعْدَهَا) لِحَدِيثِ «مَنْ حَافَظَ عَلَى أَرْبَعِ رَكَعَاتٍ قَبْلَ الظُّهْرِ، وَأَرْبَعٍ بَعْدَهَا حَرَّمَهُ اللَّهُ عَلَى النَّارِ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ (وَقِيلَ وَأَرْبَعٌ قَبْلَ الْعَصْرِ) لِخَبَرِ ابْنِ عُمَرَ «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: رَحِمَ اللَّهُ امْرَأً صَلَّى قَبْلَ الْعَصْرِ أَرْبَعًا» رَوَاهُ ابْنَا خُزَيْمَةَ وَحِبَّانَ وَصَحَّحَاهُ (وَالْجَمِيعُ سُنَّةٌ) رَاتِبَةٌ قَطْعًا لِوُرُودِ ذَلِكَ فِي الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ، وَلَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ الْمُجْمِعِ بِالْمُزْدَلِفَةِ وَغَيْرِهِ، وَمَا نُقِلَ عَنْ النَّصِّ مِنْ أَنَّ السُّنَّةَ لِلْجَامِعِ بِمُزْدَلِفَةَ تَرْكُ التَّنَفُّلِ لَهُ بَعْدَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ مَحْمُولٌ كَمَا قَالَاهُ عَلَى النَّافِلَةِ الْمُطْلَقَةِ (وَإِنَّمَا الْخِلَافُ فِي الرَّاتِبِ الْمُؤَكَّدِ) مِنْ حَيْثُ التَّأْكِيدُ، فَعَلَى الْوَجْهِ الْأَخِيرِ الْجَمِيعُ مُؤَكَّدٌ، وَعَلَى الرَّاجِحِ: الْمُؤَكَّدُ الْعَشْرُ الْأُوَلُ فَقَطْ لِمُوَاظَبَتِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَيْهَا دُونَ غَيْرِهَا (وَ) قِيلَ مِنْ الرَّوَاتِبِ غَيْرِ الْمُؤَكَّدَةِ (رَكْعَتَانِ خَفِيفَتَانِ قَبْلَ الْمَغْرِبِ) لِمَا سَيَأْتِي (قُلْت: هُمَا سُنَّةٌ عَلَى الصَّحِيحِ، فَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ الْأَمْرُ بِهِمَا) وَلَفْظُهُ «صَلُّوا قَبْلَ صَلَاةِ الْمَغْرِبِ» . قَالَ فِي الثَّالِثَةِ لِمَنْ شَاءَ كَرَاهَةَ أَنْ يَتَّخِذَهَا النَّاسُ

وَبَعْدَ الْجُمُعَةِ أَرْبَعٌ.
وَقَبْلَهَا مَا قَبْلَ الظُّهْرِ.
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

وَمِنْهُ الْوِتْرُ، وَأَقَلُّهُ رَكْعَةٌ،

[مغني المحتاج]

سُنَّةً: أَيْ طَرِيقَةً لَازِمَةً، وَلَيْسَ فِي رِوَايَتِهِ التَّصْرِيحُ بِالْأَمْرِ بِرَكْعَتَيْنِ.
نَعَمْ فِي سُنَنِ أَبِي دَاوُد «صَلُّوا قَبْلَ الْمَغْرِبِ رَكْعَتَيْنِ» وَفِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ " أَنَّ كِبَارَ الصَّحَابَةِ كَانُوا يَبْتَدِرُونَ السَّوَارِيَ لَهُمَا: أَيْ لِلرَّكْعَتَيْنِ إذَا أَذَّنَ الْمَغْرِبُ " وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ " حَتَّى إنَّ الرَّجُلَ الْغَرِيبَ لَيَدْخُلُ الْمَسْجِدَ فَيَحْسَبُ الصَّلَاةَ قَدْ صُلِّيَتْ ". وَالثَّانِي: أَنَّهُمَا لَيْسَتَا بِسُنَّةٍ لِقَوْلِ ابْنِ عُمَرَ: مَا رَأَيْتُ أَحَدًا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُصَلِّيهِمَا.
وَأَجَابَ عَنْهُ الْبَيْهَقِيُّ وَغَيْرُهُ بِأَنَّهُ نَافٍ، وَغَيْرُهُ مُثْبِتٌ خُصُوصًا مَنْ أَثْبَتَ أَكْثَرُ عَدَدًا مِمَّنْ نَفَى.
قَالَ بَعْضُهُمْ: وَفِي الْجَوَابِ نَظَرٌ لِأَنَّهُ نَفْيٌ مَحْصُورٌ، وَفِي النَّظَرِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّهُ ادَّعَى عَدَمَ الرُّؤْيَةِ وَلَا يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِ رُؤْيَتِهِ أَنْ لَا يَكُونَ غَيْرُهُ رَأَى، وَالْمَفْهُومُ مِنْ عِبَارَةِ الْمُصَنِّفِ أَنَّهُمَا عِنْدَ مَنْ اسْتَحَبَّهُمَا لَيْسَتَا مِنْ الرَّوَاتِبِ لِأَنَّهُ أَخَّرَهُمَا عَنْ تَمَامِ الْكَلَامِ فِي الرَّوَاتِبِ.
قَالَ الْوَلِيُّ الْعِرَاقِيُّ: وَقَدْ يُقَالُ عَطْفُهُمَا عَلَى أَمْثِلَةِ الرَّوَاتِبِ يُفْهِمُ أَنَّهُمَا مِنْهُمَا قَالَ فِي الْمَجْمُوعِ: وَاسْتِحْبَابهمَا قَبْلَ شُرُوعِ الْمُؤَذِّنِ فِي الْإِقَامَةِ، فَإِنْ شَرَعَ فِيهَا كُرِهَ الشُّرُوعُ فِي غَيْرِ الْمَكْتُوبَةِ وَالْمُتَّجَهُ كَمَا قَالَ الْإِسْنَوِيُّ تَقْدِيمُ الْإِجَابَةِ عَلَيْهِمَا، وَلَوْ أَدَّى الِاشْتِغَالُ بِهِمَا إلَى عَدَمِ إدْرَاكِ فَضِيلَةِ التَّحَرُّمِ فَالْقِيَاسُ كَمَا قَالَ الْإِسْنَوِيُّ تَأْخِيرُهُمَا إلَى مَا بَعْدَ الْمَغْرِبِ.
وَفِي الْمَجْمُوعِ اسْتِحْبَابُ رَكْعَتَيْنِ قَبْلَ الْعِشَاءِ لِخَبَرِ «بَيْنَ كُلِّ أَذَانَيْنِ صَلَاةٌ» . وَالْمُرَادُ الْأَذَانُ وَالْإِقَامَةُ، وَنَقَلَهُ الْمَاوَرْدِيُّ عَنْ الْبُوَيْطِيِّ (وَبَعْدَ الْجُمُعَةِ أَرْبَعٌ) رَكْعَتَانِ مُؤَكَّدَتَانِ وَرَكْعَتَانِ غَيْرُ مُؤَكَّدَتَيْنِ كَمَا فِي الظُّهْرِ لِخَبَرِ مُسْلِمٍ «إذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ الْجُمُعَةَ فَلْيُصَلِّ بَعْدَهَا أَرْبَعًا» (وَقَبْلَهَا مَا قَبْلَ الظُّهْرِ) أَيْ رَكْعَتَانِ مُؤَكَّدَتَانِ وَرَكْعَتَانِ غَيْرُ مُؤَكَّدَتَيْنِ (وَاَللَّهُ أَعْلَمُ) لِخَبَرِ التِّرْمِذِيِّ " أَنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ كَانَ يُصَلِّي قَبْلَ الْجُمُعَةِ أَرْبَعًا وَبَعْدَهَا أَرْبَعًا " وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ تَوْقِيفٌ وَمَا قَرَّرْت بِهِ عِبَارَتُهُ هُوَ مَا صَرَّحَ بِهِ فِي التَّحْقِيقِ وَإِنْ كَانَ مُقْتَضَى عِبَارَتِهِ أَنَّ الْجُمُعَةَ مُخَالِفَةٌ لِلظُّهْرِ فِيمَا بَعْدَهَا، وَلَوْ قَالَ: وَالْجُمُعَةُ كَالظُّهْرِ فِي الرَّوَاتِبِ قَبْلَهَا وَبَعْدَهَا لَكَانَ أَوْلَى.

(وَمِنْهُ) أَيْ الْقِسْمِ الَّذِي لَا يُسَنُّ جَمَاعَةً (الْوِتْرُ) بِكَسْرِ الْوَاوِ وَفَتْحِهَا وَلَيْسَ بِوَاجِبٍ.
أَمَّا كَوْنُهُ مَطْلُوبًا فَبِالْإِجْمَاعِ، وَلِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «يَا أَهْلَ الْقُرْآنِ أَوْتِرُوا فَإِنَّ اللَّهُ وِتْرٌ يُحِبُّ الْوِتْرَ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ فَإِنْ قِيلَ: هَذَا أَمْرٌ وَظَاهِرُهُ الْوُجُوبُ كَمَا يَقُولُ بِهِ أَبُو حَنِيفَةَ.
أُجِيبَ بِأَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى التَّأْكِيدِ لِحَدِيثِ الْأَعْرَابِيِّ «هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهَا؟ قَالَ: لَا إلَّا أَنْ تَطَّوَّعَ» وَلِخَبَرِ الصَّحِيحَيْنِ فِي حَدِيثِ مُعَاذٍ «إنَّ اللَّهَ افْتَرَضَ عَلَيْكُمْ خَمْسَ صَلَوَاتٍ فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ» وَهُوَ قِسْمٌ مِنْ الرَّوَاتِبِ كَمَا فِي الرَّوْضَةِ كَأَصْلِهَا، وَظَاهِرُ عِبَارَةِ الْمُحَرَّرِ وَإِنْ كَانَ ظَاهِرُ عِبَارَةِ الْمُصَنِّفِ أَنَّهُ قَسِيمٌ لَهَا، فَلَوْ عَبَّرَ بِقَوْلِهِ وَمِنْهَا لِيَعُودَ الضَّمِيرُ عَلَى الرَّوَاتِبِ لَكَانَ أَوْلَى (وَأَقَلُّهُ رَكْعَةٌ) لِخَبَرِ مُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ وَابْنِ عَبَّاسٍ «الْوِتْرُ رَكْعَةٌ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ» . وَفِي الْكِفَايَةِ عَنْ أَبِي الطَّيِّبِ أَنَّهُ يُكْرَهُ الْإِيتَارُ بِرَكْعَةٍ،

وَأَكْثَرُهُ إحْدَى عَشْرَةَ.
وَقِيلَ ثَلَاثَ عَشْرَةَ.
وَلِمَنْ زَادَ عَلَى رَكْعَةٍ الْفَصْلُ وَهُوَ أَفْضَلُ وَالْوَصْلُ بِتَشَهُّدٍ أَوْ تَشَهُّدَيْنِ فِي الْآخِرَتَيْنِ.

[مغني المحتاج]

وَفِيهِ وَقْفَةٌ إذْ لَا نَهْيَ.
وَقَدْ رَوَى أَبُو دَاوُد وَغَيْرُهُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي أَيُّوبَ «مَنْ أَحَبَّ أَنْ يُوتِرَ بِوَاحِدَةٍ فَلْيَفْعَلْ» . وَفِي صَحِيحِ ابْنِ حِبَّانَ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَوْتَرَ بِوَاحِدَةٍ» وَأَدْنَى الْكَمَالِ ثَلَاثٌ، وَأَكْمَلُ مِنْهُ خَمْسٌ، ثُمَّ سَبْعٌ، ثُمَّ تِسْعٌ، ثُمَّ إحْدَى عَشْرَةَ وَهِيَ أَكْثَرُهُ كَمَا قَالَ (وَأَكْثَرُهُ إحْدَى عَشْرَةَ) لِلْأَخْبَارِ الصَّحِيحَةِ: مِنْهَا خَبَرُ عَائِشَةَ «مَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَزِيدُ فِي رَمَضَانَ وَلَا غَيْرِهِ عَلَى إحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً» فَلَا تَصِحُّ الزِّيَادَةُ عَلَيْهَا كَسَائِرِ الرَّوَاتِبِ، فَإِنْ أَحْرَمَ بِالْجَمِيعِ دُفْعَةً وَاحِدَةً لَمْ يَصِحَّ وَإِنْ سَلَّمَ مِنْ كُلِّ رَكْعَتَيْنِ صَحَّ غَيْرَ الْإِحْرَامِ.
السَّادِسُ: فَلَا يَصِحُّ وِتْرًا، ثُمَّ إنْ عَلِمَ الْمَنْعَ وَتَعَمَّدَ فَالْقِيَاسُ الْبُطْلَانُ وَإِلَّا وَقَعَ نَفْلًا كَإِحْرَامِهِ بِالصَّلَاةِ قَبْلَ وَقْتِهَا غَالِطًا (وَقِيلَ) أَكْثَرُهُ (ثَلَاثَ عَشْرَةَ) رَكْعَةً لِأَخْبَارٍ صَحِيحَةٍ تَأَوَّلَهَا الْأَكْثَرُونَ بِأَنَّ مِنْ ذَلِكَ رَكْعَتَيْنِ سُنَّةَ الْعِشَاءِ.
قَالَ الْمُصَنِّفُ: وَهُوَ تَأْوِيلٌ ضَعِيفٌ مُبَاعِدٌ لِلْأَخْبَارِ، قَالَ السُّبْكِيُّ: وَأَنَا أَقْطَعُ بِحِلِّ الْإِيتَارِ بِذَلِكَ وَصِحَّتِهِ، وَلَكِنْ أُحِبُّ الِاقْتِصَارَ عَلَى إحْدَى عَشْرَةَ فَأَقَلَّ لِأَنَّهُ غَالِبُ أَحْوَالِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَيُسَنُّ لِمَنْ أَوْتَرَ بِثَلَاثٍ أَنْ يَقْرَأَ بَعْدَ الْفَاتِحَةِ فِي الْأُولَى " الْأَعْلَى "، وَفِي الثَّانِيَةِ " الْكَافِرُونَ ". وَفِي الثَّالِثَةِ " الْإِخْلَاصَ "، ثُمَّ " الْفَلَقَ "، ثُمَّ " النَّاسَ " مَرَّةً مَرَّةً، وَيَنْبَغِي أَنَّ الثَّلَاثَةَ الْأَخِيرَةَ فِيمَا إذَا زَادَ عَلَى الثَّلَاثَةِ إنْ قَرَأَ فِيهَا ذَلِكَ (وَلِمَنْ زَادَ عَلَى رَكْعَةٍ) فِي الْوِتْرِ (الْفَصْلُ) بَيْنَ الرَّكَعَاتِ بِالسَّلَامِ فَيَنْوِي رَكْعَتَيْنِ مَثَلًا مِنْ الْوِتْرِ لِمَا رَوَى ابْنُ حِبَّانَ «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَفْصِلُ بَيْنَ الشَّفْعِ وَالْوِتْرِ» (وَهُوَ أَفْضَلُ) مِنْ الْوَصْلِ الْآتِي؛ لِأَنَّ أَحَادِيثَهُ أَكْثَرُ كَمَا قَالَهُ فِي الْمَجْمُوعِ، وَلِأَنَّهُ أَكْثَرُ عَمَلًا لِزِيَادَتِهِ عَلَيْهِ بِالسَّلَامِ وَغَيْرِهِ.
وَقِيلَ: الْوَصْلُ أَفْضَلُ خُرُوجًا مِنْ خِلَافِ أَبِي حَنِيفَةَ فَإِنَّهُ لَا يُصَحِّحُ الْفَصْلَ، وَالْقَائِلُونَ بِالْأَوَّلِ قَالُوا: إنَّمَا يُرَاعِي الشَّافِعِيُّ الْخِلَافَ إذَا لَمْ يُؤَدِّ إلَى مَحْظُورٍ أَوْ مَكْرُوهٍ، وَهَذَا مِنْهُ، فَإِنَّ الْوَصْلَ فِيمَا إذَا أَوْتَرَ بِثَلَاثٍ مَكْرُوهٌ كَمَا جَزَمَ بِهِ ابْنُ خَيْرَانَ.
وَقَالَ الْقَفَّالُ: لَا يَصِحُّ وَصْلُهَا، وَبِهِ أَفْتَى الْقَاضِي حُسَيْنٌ لِخَبَرِ «لَا تُوتِرُوا بِثَلَاثٍ وَلَا تُشَبِّهُوا الْوِتْرَ بِصَلَاةِ الْمَغْرِبِ» وَقِيلَ الْفَصْلُ أَفْضَلُ لِلْمُنْفَرِدِ دُونَ الْإِمَامِ إذْ قَدْ يَقْتَدِي بِهِ حَنَفِيٌّ، وَعَكَسَهُ الرُّويَانِيُّ لِئَلَّا يُتَوَهَّمَ خَلَلٌ فِيمَا صَارَ إلَيْهِ الشَّافِعِيُّ مَعَ أَنَّهُ ثَابِتٌ، وَهَذَا كُلُّهُ فِي الْإِتْيَانِ بِثَلَاثٍ، فَإِنْ زَادَ فَالْفَصْلُ أَفْضَلُ قَطْعًا كَمَا جَزَمَ بِهِ فِي التَّحْقِيقِ، وَثَلَاثٌ فَأَكْثَرُ مَوْصُولَةٌ أَفْضَلُ مِنْ رَكْعَةٍ فَرْدَةٍ لَا شَيْءَ قَبْلَهَا (وَ) لِمَنْ زَادَ عَلَى رَكْعَةٍ (الْوَصْلُ بِتَشَهُّدٍ) فِي الْأَخِيرَةِ (أَوْ تَشَهُّدَيْنِ فِي الْآخِرَتَيْنِ) لِلِاتِّبَاعِ رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَلَيْسَ لَهُ غَيْرُ ذَلِكَ، فَلَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَتَشَهَّدَ فِي غَيْرِهِمَا فَقَطْ أَوْ مَعَهُمَا أَوْ مَعَ أَحَدِهِمَا؛ لِأَنَّهُ خِلَافُ الْمَنْقُولِ مِنْ فِعْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقَدْ تُفْهِمُ عِبَارَتُهُ اسْتِوَاءَ التَّشَهُّدِ وَالتَّشَهُّدَيْنِ فِي الْفَضِيلَةِ وَهُوَ وَجْهٌ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: إنَّهُ

وَوَقْتُهُ بَيْنَ صَلَاةِ الْعِشَاءِ، وَطُلُوعِ الْفَجْرِ.
وَقِيلَ شَرْطُ الْإِيتَارِ بِرَكْعَةٍ سَبْقُ نَفْلٍ بَعْدَ الْعِشَاءِ، وَيُسَنُّ جَعْلُهُ آخِرَ صَلَاةِ اللَّيْلِ.
فَإِنْ أَوْتَرَ ثُمَّ تَهَجَّدَ لَمْ يُعِدْهُ.
وَقِيلَ يَشْفَعُهُ بِرَكْعَةٍ ثُمَّ يُعِيدُهُ.

[مغني المحتاج]

مُقْتَضَى كَلَامِ كَثِيرِينَ وَلَكِنَّ الْأَصَحَّ كَمَا فِي التَّحْقِيقِ أَنَّ الْوَصْلَ بِتَشَهُّدٍ أَفْضَلُ مِنْهُ بِتَشَهُّدَيْنِ فَرْقًا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمَغْرِبِ، وَلِلنَّهْيِ عَنْ تَشْبِيهِ الْوِتْرِ بِالْمَغْرِبِ فِي الْخَبَرِ السَّابِقِ (وَوَقْتُهُ بَيْنَ صَلَاةِ الْعِشَاءِ وَطُلُوعِ الْفَجْرِ) الثَّانِي لِنَقْلِ الْخَلَفِ عَنْ السَّلَفِ.
وَرَوَى أَبُو دَاوُد وَغَيْرُهُ خَبَرَ «إنَّ اللَّهَ أَمَدَّكُمْ بِصَلَاةٍ هِيَ خَيْرٌ لَكُمْ مِنْ حُمْرِ النَّعَمِ، وَهِيَ الْوِتْرُ فَجَعَلَهَا لَكُمْ مِنْ الْعِشَاءِ إلَى طُلُوعِ الْفَجْرِ» وَقَالَ الْمَحَامِلِيُّ: وَقْتُهُ الْمُخْتَارُ إلَى نِصْفِ اللَّيْلِ، وَالْبَاقِي وَقْتُ جَوَازٍ وَهُوَ مَحْمُولٌ كَمَا قَالَهُ الْبُلْقِينِيُّ عَلَى مَنْ لَمْ يُرِدْ التَّهَجُّدَ كَمَا يُعْلَمُ مِمَّا سَيَأْتِي.
وَقَضِيَّةُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ أَنَّهُ لَوْ جَمَعَ الْعِشَاءَ مَعَ الْمَغْرِبِ جَمْعَ تَقْدِيمٍ كَانَ لَهُ أَنْ يُوتِرَ وَإِنْ لَمْ يَدْخُلْ وَقْتُ الْعِشَاءِ وَهُوَ كَذَلِكَ (وَقِيلَ شَرْطُ الْإِيتَارِ بِرَكْعَةٍ سَبْقُ نَفْلٍ بَعْدَ الْعِشَاءِ) مِنْ سُنَنِهَا أَوْ غَيْرِهَا بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْوِتْرَ يُوتِرُ النَّفَلَ قَبْلَهُ، وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ بَلْ يَكْفِي كَوْنُهُ وِتْرًا فِي نَفْسِهِ أَوْ وِتْرًا لِمَا قَبْلَهُ فَرْضًا كَانَ أَوْ سُنَّةً (وَيُسَنُّ جَعْلُهُ آخِرَ صَلَاةِ اللَّيْلِ) وَلَوْ نَامَ قَبْلَهُ لِخَبَرِ الشَّيْخَيْنِ «اجْعَلُوا آخِرَ صَلَاتِكُمْ مِنْ اللَّيْلِ وِتْرًا» فَإِنْ كَانَ لَهُ تَهَجُّدٌ أَخَّرَ الْوِتْرَ إلَى أَنْ يَتَهَجَّدَ وَإِلَّا أَوْتَرَ بَعْدَ فَرِيضَةِ الْعِشَاءِ وَرَاتِبَتِهَا هَذَا مَا فِي الرَّوْضَةِ كَأَصْلِهَا، وَقَيَّدَهُ فِي الْمَجْمُوعِ بِمَا إذَا لَمْ يَثِقْ بِيَقَظَتِهِ آخِرَ اللَّيْلِ وَإِلَّا فَتَأْخِيرُهُ أَفْضَلُ لِخَبَرِ مُسْلِمٍ «مَنْ خَافَ أَنْ لَا يَقُومَ آخِرَ اللَّيْلِ فَلْيُوتِرْ أَوَّلَهُ، وَمَنْ طَمِعَ أَنْ يَقُومَ آخِرَهُ فَلْيُوتِرْ آخِرَ اللَّيْلِ، فَإِنَّ صَلَاةَ آخِرِ اللَّيْلِ مَشْهُودَةٌ» وَذَلِكَ أَفْضَلُ، وَعَلَيْهِ يُحْمَلُ خَبَرُهُ أَيْضًا «بَادِرُوا الصُّبْحَ بِالْوِتْرِ» وَأَمَّا خَبَرُ أَبِي هُرَيْرَةَ «أَوْصَانِي خَلِيلِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِثَلَاثٍ: صِيَامِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ، وَرَكْعَتَيْ الضُّحَى، وَأَنْ أُوتِرَ قَبْلَ أَنْ أَنَامَ» فَمَحْمُولٌ عَلَى مَنْ لَمْ يَثِقْ بِيَقَظَتِهِ آخِرَ اللَّيْلِ جَمْعًا بَيْنَ الْأَخْبَارِ.
قَالَ بَعْضُهُمْ: وَيُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلَى النَّوْمَةِ الثَّانِيَةِ آخِرَ اللَّيْلِ الْمَأْخُوذَةِ مِنْ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أَفْضَلُ الْقِيَامِ قِيَامُ دَاوُد: كَانَ يَنَامُ نِصْفَ اللَّيْلِ وَيَقُومُ ثُلُثَهُ وَيَنَامُ سُدُسَهُ» (فَإِنْ أَوْتَرَ ثُمَّ تَهَجَّدَ) وَكَذَا إنْ لَمْ يَتَهَجَّدْ (لَمْ يُعِدْهُ) أَيْ الْوِتْرَ ثَانِيًا: أَيْ لَا يُسَنُّ لَهُ إعَادَتُهُ لِخَبَرِ «لَا وِتْرَانِ فِي لَيْلَةٍ» وَالْأَصْلُ فِي الصَّلَاةِ إذَا لَمْ تَكُنْ مَطْلُوبَةً عَدَمُ الِانْعِقَادِ فَلَوْ أَوْتَرَ ثَانِيًا لَمْ يَصِحَّ وِتْرُهُ (وَقِيلَ يَشْفَعُهُ بِرَكْعَةٍ) أَيْ يُصَلِّي رَكْعَةً حَتَّى يَصِيرَ وِتْرُهُ شَفْعًا ثُمَّ يَتَهَجَّدَ مَا شَاءَ (ثُمَّ يُعِيدُهُ) كَمَا فَعَلَ ذَلِكَ ابْنُ عُمَرَ وَغَيْرُهُ لِيَقَعَ الْوِتْرُ آخِرَ صَلَاتِهِ، وَيُسَمَّى

وَيُنْدَبُ الْقُنُوتُ آخِرَ وِتْرِهِ فِي النِّصْفِ الثَّانِي مِنْ رَمَضَانَ، وَقِيلَ كُلَّ السَّنَةِ، وَهُوَ كَقُنُوتِ الصُّبْحِ، وَيَقُولُ قَبْلَهُ: اللَّهُمَّ إنَّا نَسْتَعِينُك وَنَسْتَغْفِرُك إلَى آخِرِهِ.

[مغني المحتاج]

هَذَا نَقْضَ الْوِتْرِ، وَفِي الْإِحْيَاءِ صِحَّةُ النَّهْيِ عَنْ نَقْضِ الْوِتْرِ، وَالْوِتْرُ نَفْسُهُ تَهَجُّدٌ إنْ فُعِلَ بَعْدَ نَوْمٍ وَإِلَّا فَوِتْرٌ لَا تَهَجُّدٌ، وَعَلَى هَذَا يُحْمَلُ مَا وَقَعَ لِلشَّيْخَيْنِ مِنْ تَغَايُرِهِمَا، وَلَا يُكْرَهُ التَّهَجُّدُ بَعْدَ الْوِتْرِ، لَكِنْ لَا يُسْتَحَبُّ تَعَمُّدُهُ، وَإِذَا أَوْتَرَ ثُمَّ بَدَا لَهُ أَنْ يُصَلِّيَ قَبْلَ أَنْ يَنَامَ فَلْيُؤَخِّرْ قَلِيلًا، نَصَّ عَلَيْهِ فِي الْبُوَيْطِيِّ.
وَقَالَ فِي اللُّبَابِ: يُسَنُّ أَنْ يُصَلِّيَ رَكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْوِتْرِ قَاعِدًا مُتَرَبِّعًا يَقْرَأُ فِي الْأُولَى بَعْدَ الْفَاتِحَةِ ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ﴾ [الزلزلة: 1] . وَفِي الثَّانِيَةِ: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ [الكافرون: 1] ، فَإِذَا رَكَعَ وَضَعَ يَدَيْهِ عَلَى الْأَرْضِ وَيُثْنِي رِجْلَيْهِ، وَجَزَمَ بِذَلِكَ الطَّبَرِيُّ أَيْضًا وَأَنْكَرَ فِي الْمَجْمُوعِ عَلَى مَنْ اعْتَقَدَ سُنِّيَّةَ ذَلِكَ وَقَالَ: إنَّهُ مِنْ الْبِدَعِ الْمُنْكَرَةِ.
وَقَالَ فِي الْعُبَابِ: وَيُنْدَبُ أَنْ لَا يَتَنَفَّلَ بَعْدَ وِتْرِهِ، وَصَلَاتُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَكْعَتَيْنِ بَعْدَهُ جَالِسًا لِبَيَانِ الْجَوَازِ.
اهـ.

(وَيُنْدَبُ الْقُنُوتُ آخِرَ وِتْرِهِ) بِثَلَاثٍ أَوْ أَكْثَرَ، وَكَذَا لَوْ أَوْتَرَ بِرَكْعَةٍ وَإِنْ أَفْهَمَ كَلَامُ الْمُصَنِّفِ خِلَافَهُ (فِي النِّصْفِ الثَّانِي مِنْ رَمَضَانَ) رَوَى أَبُو دَاوُد أَنَّ أُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ قَنَتَ فِيهِ لَمَّا جَمَعَ عُمَرُ النَّاسَ عَلَيْهِ فَصَلَّى بِهِمْ، أَيْ صَلَاةَ التَّرَاوِيحِ (وَقِيلَ) يَقْنُتُ فِيهِ فِي (كُلِّ السَّنَةِ) لِإِطْلَاقِ مَا مَرَّ فِي قُنُوتِ الصُّبْحِ وَاخْتَارَهُ الْمُصَنِّفُ فِي بَعْضِ كُتُبِهِ، وَعَلَى الْأَوَّلِ لَوْ قَنَتَ فِيهِ فِي غَيْرِ النِّصْفِ وَلَمْ يَطُلْ بِهِ الِاعْتِدَالُ كُرِهَ وَسَجَدَ لِلسَّهْوِ، وَإِنْ طَالَ بِهِ الِاعْتِدَالُ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ إنْ كَانَ عَامِدًا عَالِمًا بِالتَّحْرِيمِ، وَإِلَّا لَمْ تَبْطُلْ وَيَسْجُدْ لِلسَّهْوِ (وَهُوَ كَقُنُوتِ الصُّبْحِ) فِي لَفْظِهِ وَمَحَلِّهِ وَالْجَهْرِ بِهِ، وَاقْتِضَاءِ السُّجُودِ بِتَرْكِهِ كَمَا مَرَّتْ الْإِشَارَةُ إلَيْهِ، وَصَرَّحَ بِهِ فِي الْمُحَرَّرِ وَغَيْرِ ذَلِكَ.
وَقِيلَ: يَقْنُتُ فِي الْوِتْرِ قَبْلَ الرُّكُوعِ لِيَحْصُلَ الْفَرْقُ بَيْنَ الْفَرْضِ وَالنَّفَلِ، وَيُسَنُّ أَنْ يَقْتَصِرَ عَلَيْهِ إمَامُ غَيْرِ مَحْصُورِينَ رَضُوا بِالتَّطْوِيلِ (وَيَقُولُ) غَيْرُهُ (قَبْلَهُ: اللَّهُمَّ إنَّا نَسْتَعِينُك وَنَسْتَغْفِرُك إلَى آخِرِهِ) أَيْ وَنَسْتَهْدِيك، وَنُؤْمِنُ بِك، وَنَتَوَكَّلُ عَلَيْك وَنُثْنِي عَلَيْك الْخَيْرَ كُلَّهُ، نَشْكُرُك وَلَا نَكْفُرُك، وَنَخْلَعُ وَنَتْرُكُ مَنْ يَفْجُرُك: اللَّهُمَّ إيَّاكَ نَعْبُدُ، وَلَك نُصَلِّي وَنَسْجُدُ، وَإِلَيْك نَسْعَى، وَنَحْفِدُ بِالدَّالِ الْمُهْمَلَةِ: أَيْ نُسْرِعُ، نَرْجُو رَحْمَتَك وَنَخْشَى عَذَابَك، إنَّ عَذَابَك الْجِدَّ بِكَسْرِ الْجِيمِ: أَيْ الْحَقُّ بِالْكُفَّارِ مُلْحِقٌ بِكَسْرِ الْحَاءِ عَلَى الْمَشْهُورِ: أَيْ لَاحِقٌ بِهِمْ، فَهُوَ كَأَنْبَتَ الزَّرْعُ بِمَعْنَى نَبَتَ، وَيَجُوزُ فَتْحُهَا لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَلْحَقَهُ بِهِمْ: اللَّهُمَّ عَذِّبْ كَفَرَةَ أَهْلِ الْكِتَابِ الَّذِينَ يَصُدُّونَ: أَيْ يَمْنَعُونَ عَنْ سَبِيلِكَ وَيُكَذِّبُونَ رُسُلَكَ وَيُقَاتِلُونَ أَوْلِيَاءَك: أَيْ أَنْصَارَك، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ، وَالْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ، وَأَصْلِحْ ذَاتَ بَيْنِهِمْ: أَيْ أُمُورَهُمْ وَمُوَاصَلَاتِهِمْ، وَأَلِّفْ: أَيْ اجْمَعْ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ، وَاجْعَلْ فِي قُلُوبِهِمْ الْإِيمَانَ وَالْحِكْمَةَ، وَهِيَ كُلُّ مَا مَنَعَ الْقَبِيحَ، وَثَبِّتْهُمْ عَلَى مِلَّةِ رَسُولِكَ، وَأَوْزِعْهُمْ: أَيْ أَلْهِمْهُمْ أَنْ يُوفُوا بِعَهْدِك الَّذِي عَاهَدْتَهُمْ عَلَيْهِ، وَانْصُرْهُمْ عَلَى عَدُوِّك وَعَدُوِّهِمْ إلَهَ الْحَقِّ وَاجْعَلْنَا مِنْهُمْ.
قَالَ فِي الرَّوْضَةِ: وَيَنْبَغِي أَنْ يَقُولَ اللَّهُمَّ عَذِّبْ الْكَفَرَةَ لِيَعُمَّ كُلَّ كَافِرٍ، وَمَا قَالَهُ ابْنُ الْقَاصِّ وَاسْتَحْسَنَهُ الرُّويَانِيُّ، مِنْ أَنَّهُ يَزِيدُ فِي الْقُنُوتِ: رَبَّنَا لَا

قُلْت: الْأَصَحُّ بَعْدَهُ.
وَأَنَّ الْجَمَاعَةَ تُنْدَبُ فِي الْوِتْرِ عَقِبَ التَّرَاوِيحِ جَمَاعَةً، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

وَمِنْهُ الضُّحَى، وَأَقَلُّهَا رَكْعَتَانِ، وَأَكْثَرُهَا اثْنَتَا عَشْرَةَ.

[مغني المحتاج]

تُؤَاخِذْنَا إلَى آخِرِ السُّورَةِ، ضَعَّفَهُ فِي الْمَجْمُوعِ بِأَنَّ الْمَشْهُورَ كَرَاهَةُ الْقِرَاءَةِ فِي غَيْرِ الْقِيَامِ.
(قُلْت: الْأَصَحُّ) أَنْ يَقُولَ ذَلِكَ (بَعْدَهُ) أَيْ بَعْدَ قُنُوتِ الصُّبْحِ لِأَنَّهُ ثَابِتٌ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْوِتْرِ فَكَانَ تَقْدِيمُهُ أَوْلَى، فَإِنْ اقْتَصَرَ عَلَى أَحَدِهِمَا فَقُنُوتُ الصُّبْحِ أَفْضَلُ لِمَا ذُكِرَ (وَأَنَّ الْجَمَاعَةَ تُنْدَبُ فِي الْوِتْرِ) فِي جَمِيعِ رَمَضَانَ سَوَاءٌ أَصُلِّيَتْ التَّرَاوِيحُ أَمْ لَا صُلِّيَتْ، فُرَادَى أَمْ لَا، وَسَوَاءٌ صَلَاةٌ عَقِبَهَا أَمْ لَا، فَقَوْلُهُ (عَقِبَ التَّرَاوِيحِ جَمَاعَةً وَاَللَّهُ أَعْلَمُ) لَيْسَ بِقَيْدٍ بَلْ هُوَ جَرْيٌ عَلَى الْغَالِبِ فَلَا مَفْهُومَ لَهُ، وَيُسَنُّ أَنْ يَقُولَ بَعْدَ الْوِتْرِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ: «سُبْحَانَ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ.
وَجَاءَ فِي رِوَايَةِ أَحْمَدَ وَالنَّسَائِيِّ «أَنَّهُ كَانَ يَرْفَعُ صَوْتَهُ بِالثَّالِثَةِ وَأَنَّهُ يَقُولَ بَعْدَهُ أَيْضًا: اللَّهُمَّ إنِّي أَعُوذُ بِرِضَاك مِنْ سَخَطِك، وَبِمُعَافَاتِك مِنْ عُقُوبَتِك، وَأَعُوذُ بِك مِنْك لَا أُحْصِي ثَنَاءً عَلَيْك أَنْتَ كَمَا أَثْنَيْتَ عَلَى نَفْسِكَ» .

(وَمِنْهُ) أَيْ وَمِنْ الْقِسْمِ الَّذِي لَا يُسَنُّ جَمَاعَةً (الضُّحَى وَأَقَلُّهَا رَكْعَتَانِ) لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ السَّابِقِ وَلِخَبَرِ مُسْلِمٍ «يُصْبِحُ عَلَى كُلِّ سُلَامَى مِنْ أَحَدِكُمْ صَدَقَةٌ، وَيُجْزِئُ عَنْ ذَلِكَ رَكْعَتَانِ يُصَلِّيهِمَا مِنْ الضُّحَى» وَأَدْنَى الْكَمَالِ أَرْبَعٌ وَأَكْمَلُ مِنْهُ سِتٌّ وَاخْتُلِفَ فِي أَكْثَرِهَا، فَقَالَ الْمُصَنِّفُ هُنَا (وَأَكْثَرُهَا اثْنَتَا عَشْرَةَ) رَكْعَةً لِخَبَرِ أَبِي دَاوُد.
قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إنْ صَلَّيْتَ الضُّحَى رَكْعَتَيْنِ لَمْ تُكْتَبْ مِنْ الْغَافِلِينَ، أَوْ أَرْبَعًا كُتِبْتَ مِنْ الْمُحْسِنِينَ، أَوْ سِتًّا كُتِبْتَ مِنْ الْقَانِتِينَ، أَوْ ثَمَانِيَةً كُتِبْتَ مِنْ الْفَائِزِينَ، أَوْ عَشْرًا لَمْ يُكْتَبْ عَلَيْك ذَلِكَ الْيَوْمَ ذَنْبٌ، أَوْ ثِنْتَيْ عَشْرَةَ بَنَى اللَّهُ لَك بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ» رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ وَقَالَ فِي إسْنَادِهِ نَظَرٌ، وَضَعَّفَهُ فِي الْمَجْمُوعِ.
وَقَالَ فِي الرَّوْضَةِ: أَفْضَلُهَا ثَمَانٍ، وَأَكْثَرُهَا ثِنْتَا عَشْرَةَ.
وَنُقِلَ فِي الْمَجْمُوعِ عَنْ الْأَكْثَرِينَ أَنَّ أَكْثَرَهَا ثَمَانٍ، وَصَحَّحَهُ فِي التَّحْقِيقِ: وَهَذَا هُوَ الْمُعْتَمَدُ كَمَا جَرَى عَلَيْهِ ابْنُ الْمُقْرِي.
وَقَالَ الْإِسْنَوِيُّ بَعْدَ نَقْلِهِ مَا مَرَّ فَظَهَرَ أَنَّ مَا فِي الرَّوْضَةِ وَالْمِنْهَاجِ ضَعِيفٌ مُخَالِفٌ لِمَا عَلَيْهِ الْأَكْثَرُونَ اهـ. وَقَالَتْ أُمُّ هَانِئٍ «صَلَّى النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سُبْحَةَ الضُّحَى ثَمَانِ رَكَعَاتٍ يُسَلِّمُ مِنْ كُلِّ رَكْعَتَيْنِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد بِإِسْنَادٍ عَلَى شَرْطِ الْبُخَارِيِّ كَمَا قَالَهُ فِي الْمَجْمُوعِ.
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْهَا قَرِيبٌ مِنْهُ.
وَالسُّبْحَةُ بِضَمِّ السِّينِ: الصَّلَاةُ، وَيُسَنُّ أَنْ يُسَلِّمَ مِنْ كُلِّ رَكْعَتَيْنِ كَمَا قَالَهُ الْقَمُولِيُّ، وَيَنْوِيَ رَكْعَتَيْنِ مِنْ الضُّحَى، وَوَقْتُهَا مِنْ ارْتِفَاعِ الشَّمْسِ إلَى

وَتَحِيَّةُ الْمَسْجِدِ رَكْعَتَانِ.
وَتَحْصُلُ بِفَرْضٍ أَوْ نَفْلٍ آخَرَ لَا بِرَكْعَةٍ عَلَى الصَّحِيحِ.
قُلْت: وَكَذَا الْجِنَازَةُ.
وَسَجْدَةُ التِّلَاوَةِ وَالشُّكْرِ وَتَتَكَرَّرُ بِتَكَرُّرِ الدُّخُولِ عَلَى قُرْبٍ فِي الْأَصَحِّ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

[مغني المحتاج]

الزَّوَالِ كَمَا جَزَمَ بِهِ الرَّافِعِيُّ فِي الشَّرْحَيْنِ وَالْمُصَنِّفُ فِي التَّحْقِيقِ وَالْمَجْمُوعِ، وَوَقَعَ فِي زِيَادَةِ الرَّوْضَةِ أَنَّ الْأَصْحَابَ قَالُوا: يَدْخُلُ وَقْتُهَا بِالطُّلُوعِ، وَأَنَّ التَّأْخِيرَ إلَى الِارْتِفَاعِ مُسْتَحَبٌّ، وَنُسِبَ إلَى أَنَّهُ سَبْقُ قَلَمٍ، وَالِاخْتِيَارُ فِعْلُهَا عِنْدَ مُضِيِّ رُبْعِ النَّهَارِ، لِخَبَرِ مُسْلِمٍ «وَصَلَاةُ الْأَوَّابِينَ حِينَ تَرْمَضُ الْفِصَالُ» بِفَتْحِ الْمِيمِ: أَيْ تَبْرُكُ مِنْ شِدَّةِ الْحَرِّ فِي خِفَافِهَا، وَلِئَلَّا يَخْلُوَ كُلُّ رُبْعٍ مِنْ النَّهَارِ عَنْ عِبَادَةٍ.

(وَ) مِنْهُ (تَحِيَّةُ الْمَسْجِدِ) لِدَاخِلِهِ غَيْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، وَهِيَ (رَكْعَتَانِ) قَبْلَ الْجُلُوسِ لِكُلِّ دُخُولٍ، وَلَوْ تَقَارَبَ مَا بَيْنَ الدُّخُولَاتِ أَوْ دَخَلَ مِنْ مَسْجِدٍ إلَى آخَرَ وَهُمَا مُتَلَاصِقَانِ لِخَبَرِ الصَّحِيحَيْنِ «إذَا دَخَلَ أَحَدُكُمْ الْمَسْجِدَ فَلَا يَجْلِسْ حَتَّى يُصَلِّيَ رَكْعَتَيْنِ» وَمِنْ ثَمَّ يُكْرَهُ لَهُ أَنْ يَجْلِسَ مِنْ غَيْرِ تَحِيَّةٍ بِلَا عُذْرٍ.
وَظَاهِرُ كَلَامِهِ كَغَيْرِهِ أَنَّهُ لَا فَرْقَ فِي سَنِّهَا بَيْنَ مُرِيدِ الْجُلُوسِ وَغَيْرِهِ، وَلَا بَيْنَ الْمُتَطَهِّرِ وَغَيْرِهِ إذَا تَطَهَّرَ فِي الْمَسْجِدِ، لَكِنْ قَيَّدَهُ الشَّيْخُ نَصْرٌ بِمُرِيدِ الْجُلُوسِ، وَيُؤَيِّدُهُ الْخَبَرُ الْمَذْكُورُ.
قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: لَكِنْ الظَّاهِرُ أَنَّ التَّقْيِيدَ بِذَلِكَ خَرَجَ مَخْرَجَ الْغَالِبِ، وَهَذَا هُوَ الظَّاهِرُ، فَإِنَّ الْأَمْرَ بِذَلِكَ مُعَلَّقٌ عَلَى مُطْلَقِ الدُّخُولِ تَعْظِيمًا لِلْبُقْعَةِ، وَإِقَامَةً لِلشِّعَارِ كَمَا يُسَنُّ لِدَاخِلِ مَكَّةَ الْإِحْرَامُ سَوَاءٌ أَرَادَ الْإِقَامَةَ بِهَا أَمْ لَا.
قَالَ فِي الْمَجْمُوعِ: وَتَجُوزُ الزِّيَادَةُ عَلَى رَكْعَتَيْنِ إذَا أَتَى بِسَلَامٍ وَاحِدٍ، وَتَكُونُ كُلُّهَا تَحِيَّةً لِاشْتِمَالِهَا عَلَى الرَّكْعَتَيْنِ.
قَالَ فِي الْمُهِمَّاتِ: فَإِنْ فَصَلَ فَمُقْتَضَى كَلَامِهِ الْمَنْعُ، وَالْجَوَازُ مُحْتَمَلٌ.
اهـ. . وَالْمَنْعُ أَظْهَرُ (وَتَحْصُلُ بِفَرْضٍ أَوْ نَفْلٍ آخَرَ) وَإِنْ لَمْ تَنْوِ لِأَنَّ الْقَصْدَ بِهَا أَنْ لَا يُنْتَهَكَ الْمَسْجِدُ بِلَا صَلَاةٍ، بِخِلَافِ غُسْلِ الْجُمُعَةِ أَوْ الْعِيدِ بِنِيَّةِ الْجَنَابَةِ لِأَنَّهُ مَقْصُودٌ، وَيَحْصُلُ فَضْلُهَا أَيْضًا وَإِنْ لَمْ تُنْوَ كَمَا صَرَّحَ بِهِ ابْنُ الْوَرْدِيِّ فِي بَهْجَتِهِ، وَإِنْ خَالَفَ بَعْضُهُمْ فِي ذَلِكَ (لَا بِرَكْعَةٍ) أَيْ لَا تَحْصُلُ بِهَا التَّحِيَّةُ (عَلَى الصَّحِيحِ) لِلْحَدِيثِ الْمَارِّ (قُلْت: وَكَذَا الْجِنَازَةُ وَسَجْدَةُ التِّلَاوَةِ، وَ) سَجْدَةُ (الشُّكْرِ) فَلَا تَحْصُلُ التَّحِيَّةُ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ عَلَى الصَّحِيحِ لِلْخَبَرِ السَّابِقِ.
وَالثَّانِي: تَحْصُلُ بِوَاحِدَةٍ مِنْ هَذِهِ الْأَرْبَعِ لِحُصُولِ الْإِكْرَامِ بِهَا الْمَقْصُودِ مِنْ الْخَبَرِ (وَتَتَكَرَّرُ) التَّحِيَّةُ.
أَيْ طَلَبُهَا (بِتَكَرُّرِ الدُّخُولِ عَلَى قُرْبٍ فِي الْأَصَحِّ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ) لِوُجُودِ الْمُقْتَضِي كَالْبُعْدِ.
وَالثَّانِي: لَا لِلْمَشَقَّةِ، وَتَفُوتُ بِجُلُوسِهِ قَبْلَ فِعْلِهَا وَإِنْ قَصُرَ الْفَصْلُ إلَّا إنْ جَلَسَ سَهْوًا، وَقَصُرَ الْفَصْلُ كَمَا جَزَمَ بِهِ فِي التَّحْقِيقِ، وَتَفُوتُ بِطُولِ الْوُقُوفِ كَمَا أَفْتَى بِهِ شَيْخِي، وَلَوْ أَحْرَمَ بِهَا قَائِمًا ثُمَّ أَرَادَ الْقُعُودَ لِإِتْمَامِهَا فَالْقِيَاسُ عَدَمُ الْمَنْعِ، وَلَوْ دَخَلَ زَحْفًا فَالْقِيَاسُ أَنَّهُ مَأْمُورٌ بِالتَّحِيَّةِ.
أَمَّا إذَا دَخَلَ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ فَلَا تُسَنُّ لَهُ؛ لِأَنَّهُ يَبْدَأُ بِالطَّوَافِ، وَكَذَا لَوْ دَخَلَ الْمَسْجِدَ وَقَدْ أُقِيمَتْ الصَّلَاةُ أَوْ قَرُبَ إقَامَتُهَا بِحَيْثُ لَوْ اشْتَغَلَ بِالتَّحِيَّةِ فَاتَتْهُ تَكْبِيرَةُ الْإِحْرَامِ، أَوْ دَخَلَ بَعْدَ فَرَاغِ الْخَطِيبِ مِنْ خُطْبَةِ الْجُمُعَةِ أَوْ وَهُوَ فِي آخِرِهَا قَالَهُ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ، وَرُبَّمَا يُدَّعَى دُخُولُ هَاتَيْنِ الصُّورَتَيْنِ فِي قَوْلِهِمْ: أَوْ قُرْبَ إقَامَتِهَا إلَخْ، أَوْ دَخَلَ الْخَطِيبُ الْمَسْجِدَ وَقَدْ

وَيَدْخُلُ وَقْتُ الرَّوَاتِبِ قَبْلَ الْفَرْضِ بِدُخُولِ وَقْتِ الْفَرْضِ وَبَعْدَهُ بِفِعْلِهِ، وَيَخْرُجُ النَّوْعَانِ بِخُرُوجِ وَقْتِ الْفَرْضِ.

وَلَوْ فَاتَ النَّفَلُ الْمُؤَقَّتُ نُدِبَ قَضَاؤُهُ فِي الْأَظْهَرِ.

[مغني المحتاج]

حَانَتْ الْخُطْبَةُ عَلَى الْأَصَحِّ مِنْ زَوَائِدِ الرَّوْضَةِ فِي بَابِ الْجُمُعَةِ وَإِنْ اعْتَرَضَهُ فِي الْمُهِمَّاتِ، أَوْ دَخَلَ وَالْإِمَامُ فِي مَكْتُوبَةٍ، أَوْ خَافَ فَوْتَ سُنَّةٍ رَاتِبَةٍ كَمَا فِي الرَّوْنَقِ، وَيُكْرَهُ أَنْ يَدْخُلَ الْمَسْجِدَ بِغَيْرِ وُضُوءٍ، فَإِنْ دَخَلَ فَلْيَقُلْ: سُبْحَانَ اللَّهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ وَلَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَاَللَّهُ أَكْبَرُ فَإِنَّهَا تَعْدِلُ رَكْعَتَيْنِ فِي الْفَضْلِ، وَفِي أَذْكَارِ الْمُصَنِّفِ.
قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: مَنْ دَخَلَ الْمَسْجِدَ فَلَمْ يَتَمَكَّنْ مِنْ صَلَاةِ التَّحِيَّةِ لِحَدِيثٍ أَوْ شُغْلٍ أَوْ نَحْوِهِ فَيُسْتَحَبَّ لَهُ أَنْ يَقُولَ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ سُبْحَانَ اللَّهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ وَلَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَاَللَّهُ أَكْبَرُ، قَالَ وَلَا بَأْسَ بِهِ، زَادَ ابْنُ الرِّفْعَةِ وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاَللَّهِ.
فَائِدَةٌ: إنَّمَا اُسْتُحِبَّ الْإِتْيَانُ بِهَذِهِ الْكَلِمَاتِ الْأَرْبَعِ لِأَنَّهَا صَلَاةُ سَائِرِ الْخَلِيقَةِ مِنْ غَيْرِ الْآدَمِيِّ مِنْ الْحَيَوَانَاتِ وَالْجَمَادَاتِ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ [الإسراء: 44] أَيْ بِهَذِهِ الْأَرْبَعِ وَهِيَ الْكَلِمَاتُ الطَّيِّبَاتُ.
وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ وَالْقَرْضُ الْحَسَنُ وَالذِّكْرُ الْكَثِيرُ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ [البقرة: 245] وَفِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الأنفال: 45] .

فَرْعٌ قَالَ الْإِسْنَوِيُّ التَّحِيَّاتُ أَرْبَعٌ: تَحِيَّةُ الْمَسْجِدِ بِالصَّلَاةِ، وَالْبَيْتِ بِالطَّوَافِ، وَالْحَرَامِ بِالْإِحْرَامِ، وَمِنًى بِالرَّمْيِ وَزِيدَ عَلَيْهِ تَحِيَّةُ عَرَفَةَ بِالْوُقُوفِ، وَتَحِيَّةُ لِقَاءِ الْمُسْلِمِ بِالسَّلَامِ، وَالْخُطْبَةِ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْخَطِيبِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ كَمَا مَرَّ فَتَكُونُ التَّحِيَّةُ هُنَا بِالْخُطْبَةِ كَمَا فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ بِالطَّوَافِ (وَيَدْخُلُ وَقْتُ الرَّوَاتِبِ) الَّتِي (قَبْلَ الْفَرْضِ بِدُخُولِ وَقْتِ الْفَرْضِ، وَ) وَقْتِ الَّتِي (بَعْدَهُ) وَلَوْ وِتْرًا (بِفِعْلِهِ، وَيَخْرُجُ النَّوْعَانِ) أَيْ وَقْتُ الَّذِي قَبْلَهُ وَاَلَّذِي بَعْدَهُ (بِخُرُوجِ وَقْتِ الْفَرْضِ) لِأَنَّهُمَا تَابِعَانِ لَهُ، فَفِعْلُ الْقَبَلِيَّةِ بَعْدَهُ أَدَاءٌ لَكِنَّ الِاخْتِيَارَ أَنْ لَا تُؤَخَّرَ عَنْهُ إلَّا لِمَنْ حَضَرَ وَالصَّلَاةُ تُقَامُ أَوْ نَحْوِهِ مِمَّا سَيَأْتِي، وَفِعْلُ الْبَعْدِيَّةِ قَبْلَهُ لَا تَنْعَقِدُ وَإِنْ كَانَتْ الصَّلَاةُ مَقْضِيَّةً فِي أَحَدِ وَجْهَيْنِ وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ؛ لِأَنَّ الْقَضَاءَ يَحْكِي الْأَدَاءَ، وَقَضِيَّةُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ وُقُوعُ الرَّاتِبَةِ قَرِيبًا مِنْ فِعْلِ الْفَرِيضَةِ وَهُوَ كَذَلِكَ وَإِنْ حُكِيَ عَنْ الشَّامِلِ خِلَافُهُ، وَيُسَنُّ فِعْلُ السُّنَنِ الرَّاتِبَةِ فِي السَّفَرِ، سَوَاءٌ أَقَصَرَ أَمْ أَتَمَّ لَكِنَّهَا فِي الْحَضَرِ آكَدُ، وَسَيَأْتِي فِي الشَّهَادَاتِ أَنَّ مَنْ وَاظَبَ عَلَى تَرْكِ الرَّاتِبَةِ رُدَّتْ شَهَادَتُهُ.

(وَلَوْ فَاتَ النَّفَلُ الْمُؤَقَّتُ) سُنَّتْ الْجَمَاعَةُ فِيهِ كَصَلَاةِ الْعِيدِ أَوْ لَا كَصَلَاةِ الضُّحَى (نُدِبَ قَضَاؤُهُ فِي الْأَظْهَرِ) لِحَدِيثِ الصَّحِيحَيْنِ «مَنْ نَامَ عَنْ صَلَاةٍ أَوْ نَسِيَهَا فَلْيُصَلِّهَا إذَا ذَكَرَهَا» «وَلِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَضَى رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ لَمَّا نَامَ فِي الْوَادِي عَنْ صَلَاةِ الصُّبْحِ إلَى أَنْ طَلَعَتْ الشَّمْسُ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ.
وَفِي مُسْلِمٍ نَحْوُهُ «وَقَضَى رَكْعَتَيْ سُنَّةِ الظُّهْرِ الْمُتَأَخِّرَةِ بَعْدَ الْعَصْرِ» رَوَاهُ الشَّيْخَانِ، وَلِأَنَّهَا صَلَاةٌ مُؤَقَّتَةٌ فَقُضِيَتْ كَالْفَرَائِضِ، وَسَوَاءٌ السَّفَرُ وَالْحَضَرُ كَمَا صَرَّحَ بِهِ ابْنُ الْمُقْرِي.
وَالثَّانِي: لَا يَقْضِي كَغَيْرِ الْمُؤَقَّتِ.
وَالثَّالِثُ: إنْ لَمْ يَتْبَعْ غَيْرَهُ كَالضُّحَى قَضَى لِشَبَهِهِ بِالْفَرْضِ فِي الِاسْتِقْلَالِ وَإِنْ تَبِعَ غَيْرَهُ كَالرَّوَاتِبِ فَلَا.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

[مغني المحتاج]

تَنْبِيهٌ: قَضِيَّةُ كَلَامِهِ أَنَّ الْمُؤَقَّتَ أَبَدًا وَهُوَ الْأَظْهَرُ، وَالثَّانِي يَقْضِي فَائِتَةَ النَّهَارِ مَا لَمْ تَغْرُبْ شَمْسُهُ وَفَائِتَةَ اللَّيْلِ مَا لَمْ يَطْلُعْ فَجْرُهُ، وَالثَّالِثُ: يَقْضِي مَا لَمْ يُصَلِّ الْفَرْضَ الَّذِي بَعْدَهُ، وَخَرَجَ بِالْمُؤَقَّتِ مَا لَهُ سَبَبٌ كَالتَّحِيَّةِ وَالْكُسُوفِ فَإِنَّهُ لَا مَدْخَلَ لِلْقَضَاءِ فِيهِ.
نَعَمْ لَوْ ابْتَدَأَ نَفْلًا مُطْلَقًا ثُمَّ قَطَعَهُ نُدِبَ لَهُ قَضَاؤُهُ كَمَا ذَكَرَهُ فِي صَوْمِ التَّطَوُّعِ، وَكَذَا لَوْ فَاتَهُ وِرْدٌ فَإِنَّهُ يُنْدَبُ لَهُ قَضَاؤُهُ كَمَا قَالَهُ الْأَذْرَعِيُّ.

تَتِمَّةٌ: بَقِيَ مِنْ هَذَا الْقِسْمِ صَلَوَاتٌ لَمْ يَذْكُرْهَا.
مِنْهَا صَلَاةُ التَّسْبِيحِ، وَهِيَ أَرْبَعُ رَكَعَاتٍ يَقُولُ فِيهَا ثَلَاثَمِائَةِ مَرَّةٍ: سُبْحَانَ اللَّهِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ وَلَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ، وَاَللَّهُ أَكْبَرُ، بَعْدَ التَّحَرُّمِ وَقَبْلَ الْقِرَاءَةِ خَمْسَ عَشْرَةَ، وَبَعْدَ الْقِرَاءَةِ وَقَبْلَ الرُّكُوعِ عَشْرًا، وَفِي الرُّكُوعِ عَشْرًا، وَكَذَلِكَ فِي الرَّفْعِ مِنْهُ وَفِي السُّجُودِ وَالرَّفْعِ مِنْهُ وَالسُّجُودِ الثَّانِي، فَهَذِهِ خَمْسٌ وَسَبْعُونَ فِي أَرْبَعٍ بِثَلَاثِمِائَةٍ، وَهِيَ سُنَّةٌ حَسَنَةٌ، وَحَدِيثُهَا فِي أَبِي دَاوُد وَالْمُسْتَدْرَكِ وَصَحِيحِ ابْنِ حِبَّانَ، وَلَهُ طُرُقٌ يَعْضُدُ بَعْضُهَا بَعْضًا فَيُعْمَلُ بِهِ، لَا سِيَّمَا فِي الْعِبَادَاتِ، وَوَهِمَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فَعَدَّهُ فِي الْمَوْضُوعَاتِ فَقَدْ عَلَّمَهَا النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِلْعَبَّاسِ كَمَا رَوَاهُ ابْنُهُ عَبْدُ اللَّهِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -، وَفِي صَحِيحِ ابْنِ خُزَيْمَةَ «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ لِلْعَبَّاسِ إنْ اسْتَطَعْتَ أَنْ تُصَلِّيَهَا فِي كُلِّ يَوْمٍ مَرَّةً فَافْعَلْ، فَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَفِي كُلِّ جُمُعَةٍ مَرَّةً فَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَفِي كُلِّ شَهْرٍ مَرَّةً، فَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَفِي كُلِّ سَنَةٍ مَرَّةً، فَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَفِي عُمُرِكَ مَرَّةً» وَفِي مُعْجَمِ الطَّبَرَانِيِّ «فَلَوْ كَانَتْ ذُنُوبُكَ مِثْلَ زَبَدِ الْبَحْرِ أَوْ رَمْلِ عَالِجٍ غَفَرَ اللَّهُ لَكَ» . قَالَ الْمُصَنِّفُ فِي أَذْكَارِهِ عَنْ ابْنِ الْمُبَارَكِ.
فَإِنْ صَلَّاهَا لَيْلًا فَالْأَحَبُّ إلَيَّ أَنْ يُسَلِّمَ مِنْ كُلِّ رَكْعَتَيْنِ، وَإِنْ صَلَّاهَا نَهَارًا فَإِنْ شَاءَ سَلَّمَ وَإِنْ شَاءَ لَمْ يُسَلِّمْ، وَمَا تَقَرَّرَ مِنْ أَنَّهَا سُنَّةٌ هُوَ الْمُعْتَمَدُ كَمَا صَرَّحَ بِهِ ابْنُ الصَّلَاحِ وَغَيْرُهُ، وَإِنْ قَالَ فِي الْمَجْمُوعِ بَعْدَ نَقْلِ اسْتِحْبَابِهَا عَنْ جَمْعٍ: وَفِي هَذَا الِاسْتِحْبَابِ نَظَرٌ لِأَنَّ حَدِيثَهَا ضَعِيفٌ، وَفِيهَا تَغْيِيرٌ لِنَظْمِ صَلَاتِهَا الْمَعْرُوفِ، فَيَنْبَغِي أَنْ لَا تُفْعَلَ.

وَمِنْهَا صَلَاةُ الْأَوَّابِينَ، وَتُسَمَّى صَلَاةَ الْغَفْلَةِ لِغَفْلَةِ النَّاسِ عَنْهَا بِسَبَبِ عَشَاءٍ أَوْ نَوْمٍ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ، وَهِيَ عِشْرُونَ رَكْعَةً بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ لِحَدِيثِ التِّرْمِذِيِّ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «مَنْ صَلَّى سِتَّ رَكَعَاتٍ بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ كُتِبَ لَهُ عِبَادَةُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً» وَقَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: «كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُصَلِّيهَا وَيَقُولُ هَذِهِ صَلَاةُ الْأَوَّابِينَ» . وَيُؤْخَذُ مِنْهُ وَمِنْ خَبَرِ الْحَاكِمِ السَّابِقِ أَنَّ صَلَاةَ الْأَوَّابِينَ مُشْتَرَكَةٌ بَيْنَ هَذِهِ وَصَلَاةِ الضُّحَى.
وَمِنْهَا رَكْعَتَا الْإِحْرَامِ، وَرَكْعَتَا الطَّوَافِ، وَرَكْعَتَا الْوُضُوءِ وَرَكْعَتَا الِاسْتِخَارَةِ.
رَوَى التِّرْمِذِيُّ «مِنْ سَعَادَةِ ابْنِ آدَمَ اسْتِخَارَةُ اللَّهِ تَعَالَى فِي كُلِّ أُمُورِهِ وَمِنْ شَقَاوَتِهِ تَرْكُ اسْتِخَارَةِ اللَّهِ فِي كُلِّ أُمُورِهِ» . وَرَوَى ابْنُ السُّنِّيِّ عَنْ أَنَسٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «إذَا هَمَمْتَ بِأَمْرٍ فَاسْتَخِرْ اللَّهَ فِيهِ سَبْعَ مَرَّاتٍ ثُمَّ اُنْظُرْ إلَى الَّذِي سَبَقَ قَلْبُكَ فَإِنَّ الْخَيْرَ فِيهِ» وَرَكْعَتَا الْحَاجَةِ، وَرَكْعَتَا التَّوْبَةِ، وَرَكْعَتَانِ عِنْدَ الْخُرُوجِ مِنْ الْمَنْزِلِ، وَعِنْدَ دُخُولِهِ، وَعِنْدَ الْخُرُوجِ مِنْ مَسْجِدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَعِنْدَ دُخُولِ أَرْضٍ لَمْ يُعْبَدْ اللَّهُ فِيهَا كَدَارِ الشِّرْكِ، وَعِنْدَ مُرُورِهِ بِأَرْضٍ لَمْ يَمُرَّ بِهَا

وَقِسْمٌ يُسَنُّ جَمَاعَةً كَالْعِيدِ وَالْكُسُوفِ وَالِاسْتِسْقَاءِ، وَهُوَ أَفْضَلُ مِمَّا لَا يُسَنُّ جَمَاعَةً، لَكِنْ الْأَصَحُّ تَفْضِيلُ الرَّاتِبَةِ عَلَى التَّرَاوِيحِ.

[مغني المحتاج]

قَطُّ.
وَمِنْهَا رَكْعَتَانِ عَقِبَ الْخُرُوجِ مِنْ الْحَمَّامِ.
وَمِنْهَا رَكْعَتَانِ فِي الْمَسْجِدِ إذَا قَدِمَ مِنْ سَفَرِهِ.
وَمِنْهَا رَكْعَتَانِ عِنْدَ الْقَتْلِ إنْ أَمْكَنَهُ.
وَمِنْهَا رَكْعَتَانِ إذَا عَقَدَ عَلَى امْرَأَةٍ وَزُفَّتْ إلَيْهِ، إذْ يُسَنُّ لِكُلٍّ مِنْهُمَا قَبْلَ الْوِقَاعِ أَنْ يُصَلِّيَ رَكْعَتَيْنِ، وَأَدِلَّةُ هَذِهِ السُّنَنِ مَشْهُورَةٌ فَلَا نُطِيلُ بِذِكْرِهَا.
قَالَ فِي الْمَجْمُوعِ: وَمِنْ الْبِدَعِ الْمَذْمُومَةِ صَلَاةُ الرَّغَائِبِ ثِنْتَا عَشْرَةَ رَكْعَةً بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ لَيْلَةَ أَوَّلِ جُمُعَةِ رَجَبٍ، وَصَلَاةُ لَيْلَةِ نِصْفِ شَعْبَانَ مِائَةُ رَكْعَةٍ وَلَا يَغْتَرُّ بِمَنْ ذَكَرَهُمَا، وَأَفْضَلُ هَذَا الْقِسْمِ الْوِتْرُ وَرَكْعَتَا الْفَجْرِ، وَهُمَا أَفْضَلُ مِنْ رَكْعَتَيْنِ فِي جَوْفِ اللَّيْلِ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «أَفْضَلُ الصَّلَاةِ بَعْدَ الْفَرِيضَةِ صَلَاةُ اللَّيْلِ» فَمَحْمُولٌ عَلَى النَّفْلِ الْمُطْلَقِ ثُمَّ بَاقِي رَوَاتِبِ الْفَرَائِضِ، ثُمَّ الضُّحَى، ثُمَّ مَا يَتَعَلَّقُ بِفِعْلٍ غَيْرَ سُنَّةِ الْوُضُوءِ، كَرَكْعَتَيْ الطَّوَافِ وَالْإِحْرَامِ وَالتَّحِيَّةِ، وَهَذِهِ الثَّلَاثَةُ فِي الْأَفْضَلِيَّةِ سَوَاءٌ كَمَا صُرِّحَ بِهِ مِنْ الْمَجْمُوعِ، ثُمَّ سُنَّةُ الْوُضُوءِ، ثُمَّ النَّفَلُ الْمُطْلَقُ، وَالْمُرَادُ مِنْ التَّفْضِيلِ مُقَابِلُ الْجِنْسِ بِالْجِنْسِ، وَلَا بُعْدَ أَنْ يَجْعَلَ الشَّرْعُ الْعَدَدَ الْقَلِيلَ أَفْضَلَ مِنْ الْعَدَدِ الْكَثِيرِ مَعَ اتِّحَادِ النَّوْعِ، دَلِيلُهُ الْقَصْرُ فِي السَّفَرِ، فَمَعَ اخْتِلَافِهِ أَوْلَى، ذَكَرَهُ ابْنُ الرِّفْعَةِ.

(وَقِسْمٌ) مِنْ النَّفْلِ (يُسَنُّ جَمَاعَةً) أَيْ تُسَنُّ الْجَمَاعَةُ فِيهِ، إذْ فِعْلُهُ مُسْتَحَبٌّ مُطْلَقًا صَلَّى جَمَاعَةً أَوْ لَا (كَالْعِيدِ وَالْكُسُوفِ وَالِاسْتِسْقَاءِ) لِمَا سَيَأْتِي فِي أَبْوَابِهَا (وَهُوَ) أَيْ هَذَا الْقِسْمُ (أَفْضَلُ مِمَّا لَا يُسَنُّ جَمَاعَةً) لِأَنَّ مَشْرُوعِيَّةَ الْجَمَاعَةِ فِيهِ تَدُلُّ عَلَى تَأَكُّدِ أَمْرِهِ، وَالْمُرَادُ جِنْسُ هَذِهِ الصَّلَاةِ مَعَ جِنْسِ الْأُخْرَى مِنْ غَيْرِ نَظَرٍ إلَى عَدَدٍ مَخْصُوصٍ كَمَا يُؤْخَذُ مِمَّا مَرَّ (لَكِنْ الْأَصَحُّ تَفْضِيلُ الرَّاتِبَةِ) لِلْفَرَائِضِ (عَلَى التَّرَاوِيحِ) لِمُوَاظَبَتِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى الرَّاتِبَةِ لَا التَّرَاوِيحِ كَمَا قَالَهُ الرَّافِعِيُّ.
وَالثَّانِي تَفْضِيلُ التَّرَاوِيحِ عَلَى الرَّاتِبَةِ لِسَنِّ الْجَمَاعَةِ فِيهَا، وَمَحَلُّ الْخِلَافِ إذَا قُلْنَا: تُسَنُّ الْجَمَاعَةُ فِي التَّرَاوِيحِ وَإِلَّا فَالرَّاتِبَةُ أَفْضَلُ مِنْهَا قَطْعًا، وَأَفْضَلُ هَذَا الْقِسْمِ الْعِيدَانِ، وَقَضِيَّةُ كَلَامِهِمْ تَسَاوِي الْعِيدَيْنِ فِي الْفَضِيلَةِ، وَبِهِ صَرَّحَ ابْنُ الْمُقْرِي فِي شَرْحِ إرْشَادِهِ.
وَعَنْ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ أَنَّهُ عِيدُ الْفِطْرِ وَكَأَنَّهُ أَخَذَهُ مِنْ تَفْضِيلِهِمْ تَكْبِيرَهُ عَلَى تَكْبِيرِ الْأَضْحَى.
وَعَنْ بَعْضِ السَّلَفِ: أَنَّ مَنْ صَلَّى عِيدَ الْفِطْرِ فَكَأَنَّمَا حَجَّ، وَمَنْ صَلَّى عِيدَ الْأَضْحَى فَكَأَنَّمَا اعْتَمَرَ.
قَالَ فِي الْخَادِمِ: لَكِنَّ الْأَرْجَحَ فِي النَّظَرِ تَرْجِيحُ عِيدِ الْأَضْحَى لِأَنَّهُ فِي شَهْرٍ حَرَامٍ، وَفِيهِ نُسُكَانِ: الْحَجُّ وَالْأُضْحِيَّةُ، وَقِيلَ إنَّ عَشْرَهُ أَفْضَلُ مِنْ الْعَشْرِ الْأَخِيرِ مِنْ رَمَضَانَ اهـ. وَرُوِيَ «إنَّ أَعْظَمَ الْأَيَّامِ عِنْدَ اللَّهِ يَوْمُ النَّحْرِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، فَصَلَاتُهُ أَفْضَلُ مِنْ صَلَاةِ الْفِطْرِ، وَتَكْبِيرُ الْفِطْرِ أَفْضَلُ مِنْ تَكْبِيرِهِ، ثُمَّ بَعْدَ الْعِيدَيْنِ فِي الْفَضِيلَةِ كُسُوفُ الشَّمْسِ، ثُمَّ خُسُوفُ الْقَمَرِ، ثُمَّ الِاسْتِسْقَاءُ، ثُمَّ التَّرَاوِيحُ.
وَقَدْ اتَّفَقُوا عَلَى سُنِّيَّتِهَا وَعَلَى

وَأَنَّ الْجَمَاعَةَ تُسَنُّ فِي التَّرَاوِيحِ

[مغني المحتاج]

أَنَّهَا الْمُرَادُ مِنْ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «مَنْ قَامَ رَمَضَانَ إيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَقَوْلُهُ: إيمَانًا: أَيْ تَصْدِيقًا بِأَنَّهُ حَقٌّ مُعْتَقِدًا فَضِيلَتَهُ، وَاحْتِسَابًا: أَيْ إخْلَاصًا، وَالْمَعْرُوفُ أَنَّ الْغُفْرَانَ مُخْتَصٌّ بِالصَّغَائِرِ.
.

وَاخْتَلَفُوا فِي أَنَّ الْأَفْضَلَ صَلَاتُهَا مُنْفَرِدًا أَوْ فِي جَمَاعَةٍ، وَلِذَلِكَ قَالَ الْمُصَنِّفُ (وَ) الْأَصَحُّ (أَنَّ الْجَمَاعَةَ تُسَنُّ فِي التَّرَاوِيحِ) لِخَبَرِ الصَّحِيحَيْنِ عَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا - «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَّاهَا لَيَالِيَ فَصَلَّوْهَا مَعَهُ، ثُمَّ تَأَخَّرَ وَصَلَّاهَا فِي بَيْتِهِ بَاقِيَ الشَّهْرِ وَقَالَ: خَشِيتُ أَنْ تُفْرَضَ عَلَيْكُمْ فَتَعْجِزُوا عَنْهَا» وَرَوَى ابْنَا خُزَيْمَةَ وَحِبَّانَ عَنْ جَابِرٍ قَالَ «صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي رَمَضَانَ ثَمَانِ رَكَعَاتٍ ثُمَّ أَوْتَرَ، فَلَمَّا كَانَتْ اللَّيْلَةُ الْقَابِلَةُ اجْتَمَعْنَا فِي الْمَسْجِدِ وَرَجَوْنَا أَنْ يَخْرُجَ إلَيْنَا حَتَّى أَصْبَحْنَا» الْحَدِيثَ، وَكَانَ جَابِرٌ إنَّمَا حَضَرَ فِي اللَّيْلَةِ الثَّالِثَةِ وَالرَّابِعَةِ.
وَلِأَنَّ عُمَرَ جَمَعَ النَّاسَ عَلَى قِيَامِ شَهْرِ رَمَضَانَ: الرِّجَالَ عَلَى أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، وَالنِّسَاءَ عَلَى سُلَيْمَانَ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ، رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ وَكَانَ قَدْ انْقَطَعَ النَّاسُ عَنْ فِعْلِهَا جَمَاعَةً فِي الْمَسْجِدِ إلَى زَمَنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -، وَإِنَّمَا صَلَّاهَا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَعْدَ ذَلِكَ فُرَادَى خَشْيَةَ الِافْتِرَاضِ كَمَا مَرَّ، وَقَدْ زَالَ ذَلِكَ الْمَعْنَى.
فَإِنْ قِيلَ: كَيْفَ يَقُولُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «خَشِيتُ أَنْ تُفْرَضَ عَلَيْكُمْ» مَعَ قَوْلِهِ فِي حَدِيثِ الْإِسْرَاءِ «هُنَّ خَمْسٌ وَهُنَّ خَمْسُونَ» ﴿مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ﴾ [ق: 29] فَكَيْفَ يَقَعُ الْخَوْفُ مِنْ الزِّيَادَةِ؟ . أُجِيبَ بِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ الْمَخُوفُ افْتِرَاضَ قِيَامِ اللَّيْلِ بِمَعْنَى جَعْلِ التَّهَجُّدِ فِي الْمَسْجِدِ جَمَاعَةً شَرْطًا فِي صِحَّةِ التَّنَفُّلِ بِاللَّيْلِ، وَيُومِئُ إلَيْهِ قَوْلُهُ فِي حَدِيثِ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ «خَشِيت أَنْ تُكْتَبَ عَلَيْكُمْ وَلَوْ كُتِبَ عَلَيْكُمْ مَا قُمْتُمْ بِهِ فَصَلُّوا أَيُّهَا النَّاسُ فِي بُيُوتِكُمْ» فَمَنَعَهُمْ مِنْ التَّجْمِيعِ فِي الْمَسْجِدِ إشْفَاقًا عَلَيْهِمْ مِنْ اشْتِرَاطِهِ وَأَمِنَ مَعَ إذْنِهِ فِي الْمُوَاظَبَةِ عَلَى ذَلِكَ فِي بُيُوتِهِمْ مِنْ افْتِرَاضِهِ عَلَيْهِمْ، أَوْ يَكُونُ الْمَخُوفُ افْتِرَاضَ قِيَامِ اللَّيْلِ عَلَى الْكِفَايَةِ لَا عَلَى الْأَعْيَانِ فَلَا يَكُونُ ذَلِكَ زَائِدًا عَلَى الْخَمْسِ، أَوْ يَكُونُ الْمَخُوفُ افْتِرَاضَ قِيَامِ رَمَضَانَ خَاصَّةً لِأَنَّ ذَلِكَ كَانَ فِي رَمَضَانَ.
وَعَلَى هَذَا يَرْتَفِعُ الْإِشْكَالُ؛ لِأَنَّ قِيَامَ رَمَضَانَ لَا يَتَكَرَّرُ كُلَّ يَوْمٍ فِي السَّنَةِ، فَلَا يَكُونُ ذَلِكَ قَدْرًا زَائِدًا عَلَى الْخَمْسِ، وَهِيَ عِشْرُونَ رَكْعَةً بِعَشْرِ تَسْلِيمَاتٍ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ مِنْ رَمَضَانَ لِمَا رَوَى الْبَيْهَقِيُّ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ أَنَّهُمْ كَانُوا يَقُومُونَ عَلَى عَهْدِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - فِي شَهْرِ رَمَضَانَ بِعِشْرِينَ رَكْعَةً.
وَرَوَى مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّإِ بِثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ وَجَمَعَ الْبَيْهَقِيُّ بَيْنَهُمَا بِأَنَّهُمْ كَانُوا يُوتِرُونَ بِثَلَاثٍ.
وَمَا رُوِيَ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «صَلَّى بِهِمْ عِشْرِينَ رَكْعَةً» كَمَا قَالَهُ الرَّافِعِيُّ ضَعَّفَهُ الْبَيْهَقِيُّ، وَسُمِّيَتْ كُلُّ أَرْبَعٍ مِنْهَا تَرْوِيحَةً لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَتَرَوَّحُونَ عَقِبَهَا: أَيْ يَسْتَرِيحُونَ.
قَالَ الْحَلِيمِيُّ وَالسِّرُّ فِي كَوْنِهَا عِشْرِينَ لِأَنَّ الرَّوَاتِبَ: أَيْ

وَلَا حَصْرَ لِلنَّفْلِ الْمُطْلَقِ فَإِنْ أَحْرَمَ بِأَكْثَرَ مِنْ رَكْعَةٍ فَلَهُ التَّشَهُّدُ فِي كُلِّ رَكْعَتَيْنِ وَفِي كُلِّ رَكْعَةٍ.
قُلْت: الصَّحِيحُ مَنْعُهُ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَإِذَا

[مغني المحتاج]

الْمُؤَكَّدَةَ فِي غَيْرِ رَمَضَانَ عَشْرُ رَكَعَاتٍ فَضُوعِفَتْ لِأَنَّهُ وَقْتُ جِدٍّ وَتَشْمِيرٍ اهـ. وَلِأَهْلِ الْمَدِينَةِ الشَّرِيفَةِ فِعْلُهَا سِتًّا وَثَلَاثِينَ؛ لِأَنَّ الْعِشْرِينَ خَمْسُ تَرْوِيحَاتٍ، فَكَانَ أَهْلُ مَكَّةَ يَطُوفُونَ بَيْنَ كُلِّ تَرْوِيحَتَيْنِ سَبْعَةَ أَشْوَاطٍ، فَجَعَلَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ بَدَلَ كُلِّ أُسْبُوعٍ تَرْوِيحَةً لِيُسَاوُوهُمْ.
قَالَ الشَّيْخَانِ وَلَا يَجُوزُ ذَلِكَ لِغَيْرِهِمْ؛ لِأَنَّ لِأَهْلِهَا شَرَفًا بِهِجْرَتِهِ وَبِدَفْنِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهَذَا هُوَ الْمُعْتَمَدُ خِلَافًا لِلْحَلِيمِيِّ وَمَنْ تَبِعَهُ، وَفِعْلُهَا بِالْقُرْآنِ فِي جَمِيعِ الشَّهْرِ أَفْضَلُ مِنْ تَكْرِيرِ سُورَةِ الْإِخْلَاصِ، وَوَقْتُهَا مَا بَيْنَ صَلَاةِ الْعِشَاءِ وَلَوْ تَقْدِيمًا وَطُلُوعِ الْفَجْرِ الثَّانِي.
قَالَ فِي الرَّوْضَةِ وَلَا تَصِحُّ بِنِيَّةٍ مُطْلَقَةٍ بَلْ يَنْوِي رَكْعَتَيْنِ مِنْ التَّرَاوِيحِ أَوْ مِنْ قِيَامِ رَمَضَانَ، وَلَوْ صَلَّى أَرْبَعًا بِتَسْلِيمَةٍ لَمْ تَصِحَّ لِأَنَّهُ خِلَافُ الْمَشْرُوعِ بِخِلَافِ سُنَّةِ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ كَمَا أَفْتَى بِهِ الْمُصَنِّفُ، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ التَّرَاوِيحَ لِمَشْرُوعِيَّةِ الْجَمَاعَةِ فِيهَا أَشْبَهَتْ الْفَرَائِضَ فَلَا تَغَيُّرَ عَمَّا وَرَدَتْ، وَأَخَذَ شَيْخِي مِنْ هَذَا أَنَّهُ لَوْ أَخَّرَ سُنَّةَ الظُّهْرِ الَّتِي قَبْلَهَا وَصَلَّاهَا بَعْدَهَا كَانَ لَهُ أَنْ يَجْمَعَهَا مَعَ سُنَّتِهِ الَّتِي بَعْدَهَا بِنِيَّةٍ وَاحِدَةٍ.

(وَلَا حَصْرَ لِلنَّفْلِ الْمُطْلَقِ) وَهُوَ مَا لَا يَتَقَيَّدُ بِوَقْتٍ وَلَا سَبَبَ أَيْ لَا حَصْرَ لِعَدَدِهِ وَلَا لِعَدَدِ رَكَعَاتِهِ.
«قَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِأَبِي ذَرٍّ الصَّلَاةُ خَيْرُ مَوْضُوعٍ اسْتَكْثِرْ أَوْ أَقِلَّ» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ.
وَرُوِيَ أَنَّ رَبِيعَةَ بْنَ كَعْبٍ قَالَ «كُنْت أَخْدُمُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَقُومُ لَهُ فِي حَوَائِجِهِ نَهَارِي أَجْمَعَ، فَإِذَا صَلَّى عِشَاءَ الْآخِرَةِ أَجْلِسُ بِبَابِهِ إذَا دَخَلَ بَيْتَهُ لَعَلَّهُ يَحْدُثُ لَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَاجَةٌ حَتَّى تَغْلِبَنِي عَيْنِي فَأَرْقُدَ، فَقَالَ لِي يَوْمًا: يَا رَبِيعَةُ سَلْنِي، فَقُلْتُ: أَنْظُرُ فِي أَمْرِي ثُمَّ أُعْلِمُك، قَالَ: فَفَكَّرْت فِي نَفْسِي وَعَلِمْت أَنَّ الدُّنْيَا زَائِلَةٌ وَمُنْقَطِعَةٌ وَأَنَّ لِي فِيهَا رِزْقًا يَأْتِينِي، فَقُلْت يَا رَسُولَ اللَّهِ: أَسْأَلُك أَنْ تَشْفَعَ لِي أَنْ يُعْتِقَنِي اللَّهُ مِنْ النَّارِ وَأَنْ أَكُونَ رَفِيقَكَ فِي الْجَنَّةِ، فَقَالَ: مَنْ أَمَرَكَ بِهَذَا يَا رَبِيعَةُ؟ . قُلْت: مَا أَمَرَنِي بِهِ أَحَدٌ، فَصَمَتَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - طَوِيلًا، ثُمَّ قَالَ: إنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ فَأَعِنِّي عَلَى نَفْسِكَ بِكَثْرَةِ السُّجُودِ» فَلَهُ أَنْ يُحْرِمَ بِرَكْعَةٍ وَبِمِائَةِ رَكْعَةٍ (فَإِنْ أَحْرَمَ بِأَكْثَرَ مِنْ رَكْعَةٍ فَلَهُ التَّشَهُّدُ فِي) آخِرِ صَلَاتِهِ، لِأَنَّهُ لَوْ اقْتَصَرَ عَلَيْهِ فِي الْفَرِيضَةِ جَازَ، وَفِي (كُلِّ رَكْعَتَيْنِ) وَفِي كُلِّ ثَلَاثٍ وَفِي كُلِّ أَرْبَعٍ أَوْ أَكْثَرَ كَمَا فِي التَّحْقِيقِ وَالْمَجْمُوعِ، لِأَنَّ ذَلِكَ مَعْهُودٌ فِي الْفَرَائِضِ فِي الْجُمْلَةِ (وَفِي كُلِّ رَكْعَةٍ) لِأَنَّ لَهُ أَنْ يُصَلِّيَ رَكْعَةً فَرْدَةً وَيَتَحَلَّلَ عَنْهَا كَمَا مَرَّ، وَإِذَا جَازَ لَهُ ذَلِكَ جَازَ الْقِيَامُ إلَى الْأُخْرَى (قُلْت: الصَّحِيحُ مَنْعُهُ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ) لِأَنَّهُ اخْتِرَاعُ صُورَةٍ فِي الصَّلَاةِ لَمْ تُعْهَدْ، وَإِذَا صَلَّى بِتَشَهُّدٍ وَاحِدٍ قَرَأَ السُّورَةَ فِي الرَّكَعَاتِ كُلِّهَا، وَإِنْ صَلَّى بِتَشَهُّدَيْنِ فَأَكْثَرَ قَرَأَ فِي الرَّكَعَاتِ الَّتِي قَبْلَ التَّشَهُّدِ الْأَوَّلِ، وَالتَّشَهُّدُ آخِرَ الصَّلَاةِ رُكْنٌ كَسَائِرِ التَّشَهُّدَاتِ الْأَخِيرَةِ، وَلَوْ أَحْرَمَ مُطْلَقًا لَمْ يُكْرَهْ لَهُ الِاقْتِصَارُ عَلَى رَكْعَةٍ فِي أَحَدِ وَجْهَيْنِ يَظْهَرُ تَرْجِيحُهُ، بَلْ قَالَ فِي الْمَطْلَبِ الَّذِي يَظْهَرُ اسْتِحْبَابُهُ خُرُوجًا مِنْ خِلَافِ بَعْضِ أَصْحَابِنَا وَإِنْ لَمْ يَخْرُجْ مِنْ خِلَافِ أَبِي حَنِيفَةَ مِنْ أَنَّهُ يَلْزَمُهُ بِالشُّرُوعِ رَكْعَتَانِ (وَإِذَا

نَوَى عَدَدًا فَلَهُ أَنْ يَزِيدَ وَيَنْقُصَ بِشَرْطِ تَغْيِيرِ النِّيَّةِ قَبْلَهُمَا وَإِلَّا فَتَبْطُلُ.

فَلَوْ نَوَى رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ قَامَ إلَى ثَالِثَةٍ سَهْوًا فَالْأَصَحُّ أَنَّهُ يَقْعُدُ ثُمَّ يَقُومُ لِلزِّيَادَةِ إنْ شَاءَ.
قُلْت: نَفْلُ اللَّيْلِ أَفْضَلُ، وَأَوْسَطُهُ أَفْضَلُ، ثُمَّ آخِرُهُ.

وَأَنْ يُسَلِّمَ مِنْ كُلِّ رَكْعَتَيْنِ،

[مغني المحتاج]

نَوَى) قَدْرًا فِي النَّفْلِ الْمُطْلَقِ (عَدَدًا) أَوْ رَكْعَةً (فَلَهُ أَنْ يَزِيدَ) عَلَى مَا نَوَاهُ (وَ) أَنْ (يَنْقُصَ) عَنْهُ فِي غَيْرِ الرَّكْعَةِ كَمَا هُوَ مَعْلُومٌ، وَلَعَلَّ هَذَا هُوَ الْحَامِلُ لِلْمُصَنِّفِ، عَلَى التَّعْبِيرِ بِالْعَدَدِ إذْ الرَّكْعَةُ لَا تَدْخُلُ فِي كَلَامِهِ، لِأَنَّ الْوَاحِدَةُ لَا تُسَمَّى عَدَدًا إذْ الْعَدَدُ عِنْدَ جُمْهُورِ الْحُسَّابِ مَا سَاوَى نِصْفَ مَجْمُوعِ حَاشِيَتَيْهِ الْقَرِيبَتَيْنِ أَوْ الْبَعِيدَتَيْنِ عَلَى السَّوَاءِ.
نَعَمْ الْعَدَدُ عِنْدَ النُّحَاةِ مَا وُضِعَ لِكَمِّيَّةِ الشَّيْءِ فَالْوَاحِدُ عِنْدَهُمْ عَدَدٌ فَيَدْخُلُ فِيهِ الرَّكْعَةُ، وَإِنَّمَا يَجُوزُ لَهُ ذَلِكَ (بِشَرْطِ تَغْيِيرِ النِّيَّةِ قَبْلَهُمَا) أَيْ الزِّيَادَةِ وَالنُّقْصَانِ إذْ لَا حَصْرَ لِلنَّفْلِ الْمُطْلَقِ كَمَا مَرَّ.
نَعَمْ الْمُتَيَمِّمُ إذَا رَأَى الْمَاءَ فِي أَثْنَاءِ عَدَدٍ نَوَاهُ لَيْسَ لَهُ زِيَادَةٌ كَمَا عُلِمَ فِي بَابِ التَّيَمُّمِ (وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يُغَيِّرْ النِّيَّةَ قَبْلَهُمَا (فَتَبْطُلُ) الصَّلَاةُ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّ الزِّيَادَةَ الَّتِي أَتَى بِهَا لَمْ تَشْمَلْهَا نِيَّتُهُ.

(فَلَوْ نَوَى رَكْعَتَيْنِ) مَثَلًا (ثُمَّ قَامَ إلَى) رَكْعَةٍ (ثَالِثَةٍ سَهْوًا) ثُمَّ تَذَكَّرَ (فَالْأَصَحُّ أَنَّهُ يَقْعُدُ ثُمَّ يَقُومُ لِلزِّيَادَةِ إنْ شَاءَ) الزِّيَادَةَ ثُمَّ يَسْجُدُ لِلسَّهْوِ فِي آخِرِ صَلَاتِهِ لِزِيَادَةِ الْقِيَامِ، وَالثَّانِي لَا يَحْتَاجُ إلَى الْقُعُودِ فِي إرَادَةِ الزِّيَادَةِ، بَلْ يَمْضِي فِيهَا كَمَا لَوْ نَوَاهَا قَبْلَ الْقِيَامِ، وَإِنْ لَمْ يَشَأْ الزِّيَادَةَ قَعَدَ وَتَشَهَّدَ وَسَجَدَ لِلسَّهْوِ وَسَلَّمَ.
أَمَّا النَّفَلُ غَيْرُ الْمُطْلَقِ كَالْوِتْرِ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَزِيدَ أَوْ يَنْقُصَ عَمَّا نَوَاهُ (قُلْت: نَفْلُ اللَّيْلِ) أَيْ صَلَاةِ النَّفْلِ الْمُطْلَقِ فِيهِ (أَفْضَلُ) مِنْ صَلَاةِ النَّفْلِ الْمُطْلَقِ فِي النَّهَارِ لِخَبَرِ مُسْلِمٍ «أَفْضَلُ الصَّلَاةِ بَعْدَ الْفَرِيضَةِ صَلَاةُ اللَّيْلِ» وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ «إنَّ فِي اللَّيْلِ لَسَاعَةً لَا يُوَافِقُهَا رَجُلٌ مُسْلِمٌ يَسْأَلُ اللَّهَ تَعَالَى خَيْرًا مِنْ أَمْرِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ إلَّا أَعْطَاهُ إيَّاهُ وَذَلِكَ كُلَّ لَيْلَةٍ» وَلِأَنَّ اللَّيْلَ مَحَلُّ الْغَفْلَةِ، وَإِنَّمَا قَيَّدْت النَّفَلَ بِالْمُطْلَقِ تَبَعًا لِلشَّارِحِ.
مَعَ أَنَّ مُقْتَضَى الْحَدِيثِ وَالْمَعْنَى تَفْضِيلُ رَوَاتِبِ اللَّيْلِ عَلَى رَوَاتِبِ النَّهَارِ لِتَفْضِيلِهِمْ رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ عَلَى مَا عَدَا الْوِتْرَ (وَأَوْسَطُهُ أَفْضَلُ) مِنْ طَرَفَيْهِ إذَا قَسَّمَهُ أَثْلَاثًا لِأَنَّ الْغَفْلَةَ فِيهِ أَكْثَرُ وَالْعِبَادَةَ فِيهِ أَثْقَلُ، فَإِنْ أَرَادَ الْقِيَامَ فِي ثُلُثٍ مَا فَالْأَفْضَلُ السُّدُسُ الرَّابِعُ وَالْخَامِسُ لِحَدِيثِ الصَّحِيحَيْنِ «أَحَبُّ الصَّلَاةِ إلَى اللَّهِ تَعَالَى صَلَاةُ دَاوُد كَانَ يَنَامُ نِصْفَ اللَّيْلِ وَيَقُومُ ثُلُثَهُ وَيَنَامُ سُدُسَهُ» (ثُمَّ آخِرُهُ) أَفْضَلُ مِنْ أَوَّلِهِ إنْ قَسَّمَهُ نِصْفَيْنِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَبِالأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [الذاريات: 18] وَلِخَبَرِ الشَّيْخَيْنِ «يَنْزِلُ رَبُّنَا تَبَارَكَ وَتَعَالَى أَيْ يَنْزِلُ أَمْرُهُ إلَى سَمَاءِ الدُّنْيَا حِينَ يَبْقَى ثُلُثُ اللَّيْلِ الْأَخِيرِ فَيَقُولُ: مَنْ يَدْعُونِي فَأَسْتَجِيبَ لَهُ، وَمَنْ يَسْأَلُنِي فَأُعْطِيَهُ وَمَنْ يَسْتَغْفِرُنِي فَأَغْفِرَ لَهُ» .

(وَ) يُسْتَحَبُّ فِي النَّفْلِ الْمُطْلَقِ (أَنْ يُسَلِّمَ مِنْ كُلِّ رَكْعَتَيْنِ) لَيْلًا كَانَ أَوْ نَهَارًا نَوَاهُمَا أَوْ أَطْلَقَ لِحَدِيثِ الصَّحِيحَيْنِ «صَلَاةُ اللَّيْلِ مَثْنَى مَثْنَى» وَفِي السُّنَنِ الْأَرْبَعَةِ «صَلَاةُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ مَثْنَى مَثْنَى» وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ وَغَيْرُهُ.
وَالْمُرَادُ بِمَثْنَى مَثْنَى أَنْ يُسَلِّمَ مِنْ كُلِّ رَكْعَتَيْنِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُقَالُ فِي الظُّهْرِ مَثَلًا مَثْنَى مَثْنَى.
أَمَّا التَّنَفُّلُ بِالْأَوْتَارِ فَلَا يُسْتَحَبُّ (وَيُسَنُّ التَّهَجُّدُ)

وَيُسَنُّ التَّهَجُّدُ، وَيُكْرَهُ قِيَامُ كُلِّ اللَّيْلِ دَائِمًا.

وَتَخْصِيصُ لَيْلَةِ الْجُمُعَةِ بِقِيَامٍ،

[مغني المحتاج]

لِمُوَاظَبَتِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَيْهِ وَلِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ﴾ [الإسراء: 79] وقَوْله تَعَالَى: ﴿كَانُوا قَلِيلا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ﴾ [الذاريات: 17] وَهُوَ لُغَةً دَفْعُ النَّوْمِ بِالتَّكَلُّفِ: وَالْهُجُودُ النَّوْمُ.
يُقَالُ هَجَدَ إذَا نَامَ، وَتَهَجَّدَ: إذَا أَزَالَ النَّوْمَ بِالتَّكَلُّفِ، وَاصْطِلَاحًا صَلَاةُ التَّطَوُّعِ فِي اللَّيْلِ بَعْدَ النَّوْمِ كَمَا قَالَهُ الْقَاضِي حُسَيْنٌ، سُمِّيَ بِذَلِكَ لِمَا فِيهِ مِنْ تَرْكِ النَّوْمِ، فَهُوَ مِنْ بَابِ قَصْرِ الْعَامِّ عَلَى بَعْضِ أَفْرَادِهِ، وَيُسَنُّ لِلْمُتَهَجِّدِ الْقَيْلُولَةُ، وَهُوَ النَّوْمُ قَبْلَ الزَّوَالِ، وَهُوَ بِمَنْزِلَةِ السُّحُورِ لِلصَّائِمِ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «اسْتَعِينُوا بِالْقَيْلُولَةِ عَلَى قِيَامِ اللَّيْلِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَابْنُ مَاجَهْ.
فَائِدَةٌ: ذَكَرَ أَبُو الْوَلِيدِ النَّيْسَابُورِيُّ أَنَّ الْمُتَهَجِّدَ يَشْفَعُ فِي أَهْلِ بَيْتِهِ، وَرُوِيَ أَنَّ الْجُنَيْدَ رُئِيَ فِي النَّوْمِ، فَقِيلَ لَهُ مَا فَعَلَ اللَّهُ بِكَ؟ فَقَالَ: طَاحَتْ تِلْكَ الْإِشَارَاتُ، وَغَابَتْ تِلْكَ الْعِبَارَاتُ، وَفَنِيَتْ تِلْكَ الْعُلُومُ، وَنَفِدَتْ تِلْكَ الرُّسُومُ، وَمَا نَفَعَنَا إلَّا رَكَعَاتٌ كُنَّا نَرْكَعُهَا عِنْدَ السَّحَرِ (وَيُكْرَهُ) قِيَامٌ بِلَيْلٍ يَضُرُّ، وَمِنْ ذَلِكَ (قِيَامُ كُلِّ اللَّيْلِ دَائِمًا) «لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ أَلَمْ أُخْبَرْ أَنَّك تَصُومُ النَّهَارَ وَتَقُومُ اللَّيْلَ؟ فَقَالَ بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَالَ: لَا تَفْعَلْ صُمْ وَأَفْطِرْ وَقُمْ وَنَمْ فَإِنَّ لِجَسَدِك عَلَيْك حَقًّا» إلَى آخِرِ الْحَدِيثِ رَوَاهُ الشَّيْخَانِ، وَلِأَنَّهُ يَضُرُّ الْبَدَنَ إذْ لَا يُمْكِنُهُ نَوْمُ النَّهَارِ لِمَا فِيهِ مِنْ تَفْوِيتِ مَصَالِحِهِ الدِّينِيَّةِ وَالدُّنْيَوِيَّةِ، وَبِذَلِكَ فَارَقَ عَدَمَ كَرَاهَةِ صَوْمِ الدَّهْرِ غَيْرَ أَيَّامِ النَّهْيِ إذْ يُمْكِنُهُ أَنْ يَسْتَوْفِيَ بِاللَّيْلِ مَا فَاتَهُ مِنْ أَكْلِ النَّهَارِ، وَبِمَا قَرَّرْته سَقَطَ مَا قِيلَ إنَّ التَّقْيِيدَ بِكُلِّ اللَّيْلِ ظَاهِرَةُ انْتِفَاءِ الْكَرَاهَةِ بِتَرْكِ مَا بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ وَفِيهِ نَظَرٌ، وَالْمُتَّجَهُ تَعَلُّقُهَا بِالْقَدْرِ الْمُضِرِّ وَلَوْ بَعْضَ اللَّيْلِ، وَكَلَامُ الْمَجْمُوعِ يَقْتَضِيهِ اهـ. أَمَّا مَنْ لَا يَضُرُّهُ ذَلِكَ فَلَا يُكْرَهُ فِي حَقِّهِ.
وَقَالَ الْمُحِبُّ الطَّبَرِيُّ: إنْ لَمْ يَجِدْ بِذَلِكَ مَشَقَّةً اُسْتُحِبَّ لَهُ لَا سِيَّمَا الْمُتَلَذِّذُ بِمُنَاجَاةِ اللَّهِ تَعَالَى، وَإِنْ وَجَدَ نُظِرَ إنْ خَشِيَ مِنْهَا مَحْذُورًا كُرِهَ وَإِلَّا فَلَا، وَرِفْقُهُ بِنَفْسِهِ أَوْلَى، وَاحْتُرِزَ بِقَوْلِهِ دَائِمًا عَنْ إحْيَاءِ بَعْضِ اللَّيَالِي كَالْعَشْرِ الْأَخِيرِ مِنْ رَمَضَانَ وَلَيْلَتَيْ الْعِيدِ، فَيُنْدَبُ إحْيَاؤُهُمَا كَمَا سَيَأْتِي لِلِاتِّبَاعِ.

(وَ) يُكْرَهُ (تَخْصِيصُ لَيْلَةِ الْجُمُعَةِ بِقِيَامٍ) بِصَلَاةٍ لِخَبَرِ مُسْلِمٍ «لَا تَخُصُّوا لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ مِنْ بَيْنِ اللَّيَالِي» أَمَّا إحْيَاؤُهَا بِغَيْرِ صَلَاةٍ فَلَا يُكْرَهُ كَمَا قَالَهُ شَيْخِي خُصُوصًا بِالصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَإِنَّ ذَلِكَ مَطْلُوبٌ فِيهَا، وَظَاهِرُ الْحَدِيثِ وَكَلَامِ

وَتَرْكُ تَهَجُّدٍ اعْتَادَهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

[مغني المحتاج]

الْمُصَنِّفِ يُفْهِمُ أَنَّهُ لَا يُكْرَهُ إحْيَاؤُهَا مَضْمُومَةً إلَى مَا قَبْلَهَا أَوْ بَعْدَهَا وَهُوَ نَظِيرُ مَا ذَكَرُوهُ فِي صَوْمِ يَوْمِهَا وَهُوَ كَذَلِكَ، وَحُمِلَ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُ الْإِحْيَاءِ: يُسْتَحَبُّ إحْيَاؤُهَا، وَظَاهِرُ تَخْصِيصِهِمْ لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ أَنَّهُ لَا يُكْرَهُ تَخْصِيصُ غَيْرِهَا وَهُوَ كَذَلِكَ، وَإِنْ قَالَ الْأَذْرَعِيُّ فِيهِ وَقْفَةٌ (وَ) يُكْرَهُ (تَرْكُ تَهَجُّدٍ اعْتَادَهُ) بِلَا عُذْرٍ (وَاَللَّهُ أَعْلَمُ) «لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ يَا عَبْدَ اللَّهِ لَا تَكُنْ مِثْلَ فُلَانٍ كَانَ يَقُومُ اللَّيْلَ ثُمَّ تَرَكَهُ» رَوَاهُ الشَّيْخَانِ.
قَالَ فِي الْمَجْمُوعِ: وَيَنْبَغِي أَنْ لَا يُخِلَّ بِصَلَاةِ اللَّيْلِ وَإِنْ قَلَّتْ.
خَاتِمَةٌ: يُسَنُّ أَنْ يَفْصِلَ بَيْنَ سُنَّةِ الْفَجْرِ وَالْفَرِيضَةِ بِاضْطِجَاعٍ عَلَى يَمِينِهِ لِلِاتِّبَاعِ فَإِنْ لَمْ يَفْصِلْ بِاضْطِجَاعٍ فَبِحَدِيثٍ أَوْ تَحَوُّلٍ مِنْ مَكَان أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ، وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ أَنَّهُ مُخَيَّرٌ فِي ذَلِكَ وَإِنْ كَانَ الِاضْطِجَاعُ أَفْضَلَ، وَإِنْ اخْتَارَ فِي الْمَجْمُوعِ أَنَّهُ لَا يَكْفِي غَيْرُ الِاضْطِجَاعِ إلَّا عِنْدَ الْعُذْرِ، وَأَنْ يَقْرَأَ فِي أُولَى رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ وَالْمَغْرِبِ وَالِاسْتِخَارَةِ وَتَحِيَّةِ الْمَسْجِدِ - ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ [الكافرون: 1]- وَفِي الثَّانِيَةِ " الْإِخْلَاصَ "، أَوْ يَقْرَأَ فِي سُنَّةِ الصُّبْحِ فِي الْأُولَى " قُولُوا آمَنَّا بِاَللَّهِ "، وَفِي الثَّانِيَةِ " قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا "، وَأَنْ يُوقِظَ مَنْ يَطْمَعُ فِي تَهَجُّدِهِ لِيَتَهَجَّدَ فَاسْتِحْبَابُ إيقَاظِ النَّائِمِ لِلرَّاتِبَةِ أَوْلَى.
قَالَ تَعَالَى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ [المائدة: 2] وَقَالَتْ عَائِشَةُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا - «كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُصَلِّي صَلَاتَهُ مِنْ اللَّيْلِ وَأَنَا مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ يَدَيْهِ فَإِذَا بَقِيَ الْوِتْرُ أَيْقَظَنِي فَأُوتِرُ» هَذَا إنْ لَمْ يَخَفْ ضَرَرًا وَإِلَّا فَلَا يُسْتَحَبُّ ذَلِكَ بَلْ يَحْرُمُ.
قَالَ فِي الْمَجْمُوعِ وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَنْوِيَ الشَّخْصُ الْقِيَامَ عِنْدَ النَّوْمِ، وَأَنْ يَمْسَحَ الْمُسْتَيْقِظُ النَّوْمَ عَنْ وَجْهِهِ، وَأَنْ يَنْظُرَ إلَى السَّمَاءِ وَأَنْ يَقْرَأَ ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [البقرة: 164] إلَى آخِرِهَا، وَأَنْ يَفْتَتِحَ تَهَجُّدَهُ بِرَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ، وَالسُّنَّةُ أَنْ يَتَوَسَّطَ فِي نَوَافِلِ اللَّيْلِ الْمُطْلَقَةِ بَيْنَ الْجَهْرِ وَالْإِسْرَارِ، وَإِطَالَةُ الْقِيَامِ فِيهَا أَفْضَلُ مِنْ تَكْثِير عَدَدِ الرَّكَعَاتِ، وَأَنْ يَنَامَ مَنْ نَعَسَ فِي صَلَاتِهِ حَتَّى يَذْهَبَ نَوْمُهُ وَلَا يُعْتَادُ مِنْهُ غَيْرُ مَا يُظَنُّ إدَامَتُهُ عَلَيْهِ، وَيَتَأَكَّدُ إكْثَارُ الدُّعَاءِ وَالِاسْتِغْفَارِ فِي جَمِيعِ سَاعَاتِ اللَّيْلِ، وَفِي النِّصْفِ الْأَخِيرِ آكَدُ، وَعِنْدَ السَّحَرِ أَفْضَلُ.

كِتَابُ صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ هِيَ فِي الْفَرَائِضِ غَيْرَ الْجُمُعَةِ سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ، وَقِيلَ فَرْضُ كِفَايَةٍ لِلرِّجَالِ،

[مغني المحتاج]

[كِتَابُ صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ]

ِ الْأَصْلُ فِيهَا قَبْلَ الْإِجْمَاعِ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ﴾ [النساء: 102] ، أَمَرَ بِهَا فِي الْخَوْفِ فَفِي الْأَمْنِ أَوْلَى، وَالْأَخْبَارُ كَخَبَرِ الصَّحِيحَيْنِ «صَلَاةُ الْجَمَاعَةِ أَفْضَلُ مِنْ صَلَاةِ الْفَذِّ بِسَبْعٍ وَعِشْرِينَ دَرَجَةً» وَفِي رِوَايَةٍ بِخَمْسٍ وَعِشْرِينَ دَرَجَةً قَالَ فِي الْمَجْمُوعِ: وَلَا مُنَافَاةَ لِأَنَّ الْقَلِيلَ لَا يَنْفِي الْكَثِيرَ، أَوْ أَنَّهُ أَخْبَرَ أَوَّلًا بِالْقَلِيلِ ثُمَّ أَعْلَمَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِزِيَادَةِ الْفَضْلِ فَأَخْبَرَ بِهَا، أَوْ أَنَّ ذَلِكَ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ أَحْوَالِ الْمُصَلِّينَ، وَمَكَثَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مُدَّةَ مُقَامِهِ بِمَكَّةَ ثَلَاثَ عَشْرَةَ سَنَةً يُصَلِّي بِغَيْرِ جَمَاعَةٍ؛ لِأَنَّ الصَّحَابَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ - كَانُوا مَقْهُورِينَ يُصَلُّونَ فِي بُيُوتِهِمْ، فَلَمَّا هَاجَرَ إلَى الْمَدِينَةِ أَقَامَ الْجَمَاعَةَ وَوَاظَبَ عَلَيْهَا وَانْعَقَدَ الْإِجْمَاعُ عَلَيْهَا، وَفِي الْإِحْيَاءِ عَنْ أَبِي سُلَيْمَانَ الدَّارَانِيِّ أَنَّهُ قَالَ: لَا يُفَوِّتُ أَحَدٌ صَلَاةَ الْجَمَاعَةِ إلَّا بِذَنْبٍ أَذْنَبَهُ قَالَ: وَكَانَ السَّلَفُ يُعَزُّونَ أَنْفُسَهُمْ ثَلَاثَ أَيَّامٍ إذَا فَاتَتْهُمْ التَّكْبِيرَةُ الْأُولَى وَسَبْعَةَ أَيَّامٍ إذَا فَاتَتْهُمْ الْجَمَاعَةُ، وَأَقَلُّهَا إمَامٌ وَمَأْمُومٌ، وَسَيَأْتِي مَا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ فِي مَسْأَلَةِ الْإِعَادَةِ، وَذُكِرَ فِي الْمَجْمُوعِ فِي بَابِ هَيْئَةِ الْجُمُعَةِ أَنَّ مَنْ صَلَّى فِي عَشَرَةِ آلَافٍ لَهُ سَبْعٌ وَعِشْرُونَ دَرَجَةً، وَمَنْ صَلَّى مَعَ اثْنَيْنِ لَهُ ذَلِكَ لَكِنْ دَرَجَاتُ الْأَوَّلِ أَكْمَلُ (هِيَ) أَيْ الْجَمَاعَةُ (فِي الْفَرَائِضِ) أَيْ الْمَكْتُوبَاتِ (غَيْرَ الْجُمُعَةِ سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ) وَلَوْ لِلنِّسَاءِ لِلْأَحَادِيثِ السَّالِفَةِ.
وَأَمَّا الْجُمُعَةُ فَالْجَمَاعَةُ فِيهَا فَرْضُ عَيْنٍ كَمَا سَيَأْتِي فِي بَابِهَا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَقَوْلُ غَيْرَ بِالنَّصْبِ بِمَعْنَى إلَّا أُعْرِبَتْ إعْرَابَ الْمُسْتَثْنَى وَأُضِيفَتْ إلَيْهِ كَمَا هُوَ مَذْكُورٌ فِي عِلْمِ النَّحْوِ (وَقِيلَ) هِيَ (فَرْضُ كِفَايَةٍ لِلرِّجَالِ) لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «مَا مِنْ ثَلَاثَةٍ فِي قَرْيَةٍ وَلَا بَدْوٍ لَا تُقَامُ فِيهِمْ الْجَمَاعَةُ إلَّا اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمْ الشَّيْطَانُ» أَيْ غَلَبَ «فَعَلَيْكَ بِالْجَمَاعَةِ فَإِنَّمَا يَأْكُلُ الذِّئْبُ مِنْ الْغَنَمِ الْقَاصِيَةِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ

فَتَجِبُ بِحَيْثُ يَظْهَرُ الشِّعَارُ فِي الْقَرْيَةِ، فَإِنْ امْتَنَعُوا كُلُّهُمْ قُوتِلُوا.

وَلَا يَتَأَكَّدُ النَّدْبُ لِلنِّسَاءِ تَأَكُّدَهُ لِلرِّجَالِ فِي الْأَصَحِّ.
قُلْت: الْأَصَحُّ الْمَنْصُوصُ إنَّهَا فَرْضُ كِفَايَةٍ، وَقِيلَ فَرْضُ عَيْنٍ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

وَفِي الْمَسْجِدِ لِغَيْرِ الْمَرْأَةِ أَفْضَلُ،

[مغني المحتاج]

وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ وَالْحَاكِمُ (فَتَجِبُ بِحَيْثُ يَظْهَرُ الشِّعَارُ) أَيْ شِعَارُ الْجَمَاعَةِ بِإِقَامَتِهَا بِمَحَلٍّ (فِي الْقَرْيَةِ) الصَّغِيرَةِ وَفِي الْكَبِيرَةِ وَالْبَلَدِ بِمَحَالَّ يَظْهَرُ بِهَا الشِّعَارُ وَيَسْقُطُ الطَّلَبُ بِطَائِفَةٍ، وَإِنْ قُلْت فَلَوْ أَطْبَقُوا عَلَى إقَامَتِهَا فِي الْبُيُوتِ وَلَمْ يَظْهَرْ بِهَا شِعَارٌ لَمْ يَسْقُطْ الْفَرْضُ (فَإِنْ امْتَنَعُوا كُلُّهُمْ) مِنْ إقَامَتِهَا عَلَى مَا ذُكِرَ (قُوتِلُوا) أَيْ قَاتَلَهُمْ الْإِمَامُ أَوْ نَائِبُهُ دُونَ آحَادِ النَّاسِ، وَهَكَذَا لَوْ تَرَكَهَا أَهْلُ مَحَلَّةٍ فِي الْقَرْيَةِ الْكَبِيرَةِ أَوْ الْبَلَدِ، وَعَلَى السُّنَّةِ لَا يُقَاتَلُونَ عَلَى الْأَصَحِّ.

(وَلَا يَتَأَكَّدُ النَّدْبُ لِلنِّسَاءِ تَأَكُّدَهُ لِلرِّجَالِ فِي الْأَصَحِّ) لِمَزِيَّتِهِمْ عَلَيْهِنَّ.
قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ﴾ [البقرة: 228] ، وَالثَّانِي نَعَمْ لِعُمُومِ الْأَدِلَّةِ فَيُكْرَهُ تَرْكُهَا لِلرِّجَالِ دُونَ النِّسَاءِ عَلَى الْأَوَّلِ، وَلَيْسَتْ فِي حَقِّهِنَّ فَرْضًا جَزْمًا (قُلْت: الْأَصَحُّ الْمَنْصُوصُ أَنَّهَا فَرْضُ كِفَايَةٍ) لِرِجَالٍ أَحْرَارٍ مُقِيمِينَ لَا عُرَاةٍ فِي أَدَاءِ مَكْتُوبَةٍ لِخَبَرِ أَبِي دَاوُد وَالنَّسَائِيَّ السَّابِقِ فَلَا تَجِبُ عَلَى النِّسَاءِ كَمَا مَرَّ، وَمِثْلُهُنَّ الْخَنَاثَى وَلَا عَلَى مَنْ فِيهِ رِقٌّ لِاشْتِغَالِهِمْ بِخِدْمَةِ السَّادَةِ، وَلَا عَلَى الْمُسَافِرِينَ كَمَا جَزَمَ بِهِ فِي التَّحْقِيقِ، وَإِنْ نَقَلَ السُّبْكِيُّ وَغَيْرُهُ عَنْ نَصِّ الْأُمِّ أَنَّهَا تَجِبُ عَلَيْهِمْ أَيْضًا، وَلَا عَلَى الْعُرَاةِ بَلْ هِيَ وَالِانْفِرَادُ فِي حَقِّهِمْ سَوَاءٌ إلَّا أَنْ يَكُونُوا عُمْيًا أَوْ فِي ظُلْمَةٍ فَتُسْتَحَبَّ لَهُمْ، وَلَا فِي مَقْضِيَّةٍ خَلْفَ مَقْضِيَّةٍ مِنْ نَوْعِهَا بَلْ تُسَنُّ.
أَمَّا مَقْضِيَّةٌ خَلْفَ مُؤَدَّاةٍ أَوْ بِالْعَكْسِ أَوْ خَلْفَ مَقْضِيَّةٍ لَيْسَتْ مِنْ نَوْعِهَا فَلَا تُسَنُّ وَلَا فِي مَنْذُورَةٍ بَلْ وَلَا تُسَنُّ وَلَيْسَتْ الْجَمَاعَةُ فَرْضَ عَيْنٍ لِخَبَرِ الصَّحِيحَيْنِ السَّابِقِ أَوَّلَ الْبَابِ فَإِنَّ الْمُفَاضَلَةَ تَقْتَضِي جَوَازَ الِانْفِرَادِ، وَأَهْلُ الْبَوَادِي السَّاكِنِينَ بِهَا كَغَيْرِهِمْ بِخِلَافِ النَّاجِعِينَ لِرَعْيٍ وَنَحْوِهِ (وَقِيلَ) هِيَ (فَرْضُ عَيْنٍ) عِنْدَ اجْتِمَاعِ هَذِهِ الشُّرُوطِ، وَلَيْسَتْ بِشَرْطٍ فِي صِحَّةِ الصَّلَاةِ كَمَا فِي الْمَجْمُوعِ (وَاَللَّهُ أَعْلَمُ) لِحَدِيثِ «لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ آمُرَ بِالصَّلَاةِ فَتُقَامَ ثُمَّ آمُرَ رَجُلًا فَيُصَلِّيَ بِالنَّاسِ، ثُمَّ أَنْطَلِقَ مَعِي بِرِجَالٍ مَعَهُمْ حُزَمٌ مِنْ حَطَبٍ إلَى قَوْمٍ لَا يَشْهَدُونَ الصَّلَاةَ فَأُحَرِّقَ عَلَيْهِمْ بُيُوتَهُمْ بِالنَّارِ» رَوَاهُ الشَّيْخَانِ.
وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ بِدَلِيلِ السِّيَاقِ وَرَدَ فِي قَوْمٍ مُنَافِقِينَ يَتَخَلَّفُونَ عَنْ الْجَمَاعَةِ وَلَا يُصَلُّونَ، وَبِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يُحَرِّقْهُمْ وَإِنَّمَا هَمَّ بِتَحْرِيقِهِمْ.
فَإِنْ قُلْت: لَوْ لَمْ يَجُزْ تَحْرِيقُهُمْ لَمَا هَمَّ بِهِ.
أُجِيبَ بِلَعَلَّهُ هَمَّ بِالِاجْتِهَادِ ثُمَّ نَزَلَ وَحْيٌ بِالْمَنْعِ أَوْ تَغَيَّرَ الِاجْتِهَادُ ذَكَرَهُ فِي الْمَجْمُوعِ، وَبِمَا تَقَرَّرَ عُلِمَ مَا فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ مِنْ الْإِجْحَافِ.

(وَ) الْجَمَاعَةُ (فِي الْمَسْجِدِ لِغَيْرِ الْمَرْأَةِ) وَمِثْلُهَا الْخُنْثَى (أَفْضَلُ) مِنْهَا فِي غَيْرِ الْمَسْجِدِ كَالْبَيْتِ، وَجَمَاعَةُ الْمَرْأَةِ وَالْخُنْثَى فِي الْبَيْتِ أَفْضَلُ مِنْهَا فِي الْمَسْجِدِ لِخَبَرِ الصَّحِيحَيْنِ «صَلُّوا أَيُّهَا النَّاسُ فِي بُيُوتِكُمْ فَإِنَّ أَفْضَلَ الصَّلَاةِ صَلَاةُ الْمَرْءِ فِي بَيْتِهِ إلَّا الْمَكْتُوبَةَ» أَيْ فَهِيَ فِي الْمَسْجِدِ أَفْضَلُ، لِأَنَّ الْمَسْجِدَ مُشْتَمِلٌ عَلَى

وَمَا كَثُرَ جَمْعُهُ أَفْضَلُ إلَّا لِبِدْعَةِ

[مغني المحتاج]

الشَّرَفِ وَالطَّهَارَةِ وَإِظْهَارِ الشَّعَائِرِ وَكَثْرَةِ الْجَمَاعَةِ، وَقَالَ: «لَا تَمْنَعُوا نِسَاءَكُمْ الْمَسَاجِدَ، وَبُيُوتُهُنَّ خَيْرٌ لَهُنَّ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ، وَمِثْلُ النِّسَاءِ الْخَنَاثَى، وَيُكْرَهُ لِذَوَاتِ الْهَيْئَاتِ حُضُورُ الْمَسْجِدِ مَعَ الرِّجَالِ، وَيُكْرَهُ لِلزَّوْجِ وَالسَّيِّدِ وَالْوَلِيِّ تَمْكِينُهُنَّ مِنْهُ لِمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا - لَوْ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَأَى مَا أَحْدَثَ النِّسَاءُ لَمَنَعَهُنَّ الْمَسْجِدَ كَمَا مُنِعَتْ نِسَاءُ بَنِي إسْرَائِيلَ وَلِخَوْفِ الْفِتْنَةِ.
أَمَّا غَيْرُهُنَّ فَلَا يُكْرَهُ لَهُنَّ ذَلِكَ وَيُنْدَبُ لِمَنْ ذُكِرَ إذَا اسْتَأْذَنَّهُ أَنْ يَأْذَنَ لَهُنَّ إذَا أَمِنَ الْمَفْسَدَةَ لِخَبَرِ مُسْلِمٍ «إذَا اسْتَأْذَنَتْكُمْ نِسَاؤُكُمْ بِاللَّيْلِ إلَى الْمَسْجِدِ فَأْذَنُوا لَهُنَّ» فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ زَوْجٌ أَوْ سَيِّدٌ أَوْ وَلِيٌّ وَوُجِدَتْ شُرُوطُ الْحُضُورِ حَرُمَ الْمَنْعُ.
قَالَ فِي الْمَجْمُوعِ: قَالَ الشَّافِعِيُّ وَالْأَصْحَابُ: وَيُؤْمَرُ الصَّبِيُّ بِحُضُورِ الْمَسَاجِدِ وَجَمَاعَاتِ الصَّلَاةِ لِيَعْتَادَهَا، وَتَحْصُلُ فَضِيلَةُ الْجَمَاعَةِ لِلشَّخْصِ بِصَلَاتِهِ فِي بَيْتِهِ أَوْ نَحْوِهِ بِزَوْجَةٍ أَوْ وَلَدٍ أَوْ رَقِيقٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ، وَأَقَلُّهَا اثْنَانِ كَمَا مَرَّ (وَمَا كَثُرَ جَمْعُهُ) مِنْ الْمَسَاجِدِ كَمَا قَالَهُ الْمَاوَرْدِيُّ (أَفْضَلُ) مِمَّا قَلَّ جَمْعُهُ مِنْهَا، وَكَذَا مَا كَثُرَ جَمْعُهُ مِنْ الْبُيُوتِ أَفْضَلُ مِمَّا قَلَّ جَمْعُهُ مِنْهَا - أَيْ فَالصَّلَاةُ فِي الْجَمَاعَةِ الْكَثِيرَةِ أَفْضَلُ مِنْ الصَّلَاةِ فِي الْجَمَاعَةِ الْقَلِيلَةِ فِيمَا ذُكِرَ.
قَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «صَلَاةُ الرَّجُلِ مَعَ الرَّجُلِ أَزْكَى مِنْ صَلَاتِهِ وَحْدَهُ وَصَلَاتُهُ مَعَ الرَّجُلَيْنِ أَزْكَى مِنْ صَلَاتِهِ مَعَ الرَّجُلِ وَمَا كَانَ أَكْثَرَ فَهُوَ أَحَبُّ إلَى اللَّهِ تَعَالَى» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَغَيْرُهُ وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ وَغَيْرُهُ، وَقَضِيَّةُ كَلَامِ الْمَاوَرْدِيُّ أَنَّ قَلِيلَ الْجَمْعِ فِي الْمَسْجِدِ أَفْضَلُ مِنْ كَثِيرِهِ فِي الْبَيْتِ وَهُوَ كَذَلِكَ، وَإِنْ نَازَعَ فِي ذَلِكَ الْأَذْرَعِيُّ بِالْقَاعِدَةِ الْمَشْهُورَةِ وَهِيَ أَنَّ الْمُحَافَظَةَ عَلَى الْفَضِيلَةِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِالْعِبَادَةِ أَوْلَى مِنْ الْمُحَافَظَةِ عَلَى الْفَضِيلَةِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِمَكَانِهَا، لِأَنَّ أَصْلَ الْجَمَاعَةِ وُجِدَ فِي الْمَوْضِعَيْنِ وَامْتَازَتْ هَذِهِ بِالْمَسْجِدِ فَمَحَلُّ الْقَاعِدَةِ الْمَذْكُورَةِ مَا لَمْ تُشَارِكْهَا الْأُخْرَى كَأَنْ يُصَلِّيَ فِي الْبَيْتِ جَمَاعَةً وَفِي الْمَسْجِدِ مُنْفَرِدًا.
نَعَمْ لَوْ كَانَ إذَا ذَهَبَ إلَى الْمَسْجِدِ وَتَرَكَ أَهْلَ بَيْتِهِ لَصَلَّوْا فُرَادَى أَوْ لَتَهَاوَنُوا أَوْ بَعْضُهُمْ فِي الصَّلَاةِ، أَوْ لَوْ صَلَّى فِي بَيْتِهِ لَصَلَّى جَمَاعَةً وَإِذَا صَلَّى فِي الْمَسْجِدِ صَلَّى وَحْدَهُ فَصَلَاتُهُ فِي بَيْتِهِ أَفْضَلُ، وَالصَّلَاةُ فِي الْمَسَاجِدِ الثَّلَاثَةِ وَإِنْ قَلَّتْ الْجَمَاعَةُ فِيهَا أَفْضَلُ مِنْهَا فِي غَيْرِهَا وَإِنْ كَثُرَتْ، بَلْ قَالَ الْمُتَوَلِّي: الِانْفِرَادُ فِيهَا أَفْضَلُ مِنْ الْجَمَاعَةِ فِي غَيْرِهَا.
قَالَ الْأَذْرَعِيُّ، وَتُنَازِعُ فِيهِ الْقَاعِدَةُ السَّابِقَةُ، وَرُبَّمَا يُقَالُ الْقَاعِدَةُ الْمَذْكُورَةُ أَغْلَبِيَّةٌ، وَأَفْتَى الْغَزَالِيُّ أَنَّهُ لَوْ كَانَ إذَا صَلَّى مُفْرَدًا خَشَعَ وَلَوْ صَلَّى فِي جَمَاعَةٍ لَمْ يَخْشَعْ فَالِانْفِرَادُ أَفْضَلُ، وَتَبِعَهُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ.
قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: وَالْمُخْتَارُ بَلْ الصَّوَابُ خِلَافُ مَا قَالَاهُ وَهُوَ كَمَا قَالَ (إلَّا لِبِدْعَةِ

إمَامِهِ أَوْ تَعَطُّلِ مَسْجِدٍ قَرِيبٍ لِغَيْبَتِهِ.

وَإِدْرَاكُ تَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ فَضِيلَةٌ وَإِنَّمَا تَحْصُلُ بِالِاشْتِغَالِ بِالتَّحَرُّمِ عَقِبَ تَحَرُّمِ إمَامِهِ، وَقِيلَ بِإِدْرَاكِ بَعْضِ الْقِيَامِ،

[مغني المحتاج]

إمَامِهِ) كَمُعْتَزِلِيٍّ وَقَدَرِيٍّ وَرَافِضِيٍّ، أَوْ كَانَ فَاسِقًا غَيْرَ مُبْتَدِعٍ أَوْ كَانَ لَا يَعْتَقِدُ وُجُوبَ بَعْضِ الْأَرْكَانِ أَوْ الشُّرُوطِ مِنْ حَنَفِيٍّ أَوْ غَيْرِهِ (أَوْ تَعَطَّلَ مَسْجِدٌ قَرِيبٌ) أَوْ بَعِيدٌ (لِغَيْبَتِهِ) عَنْهُ لِكَوْنِهِ إمَامَهُ أَوْ يَحْضُرُ النَّاسُ بِحُضُورِهِ فَقَلِيلُ الْجَمْعِ أَفْضَلُ مِنْ كَثِيرِهِ فِي ذَلِكَ، بَلْ الِانْفِرَادُ كَذَلِكَ فِي الْأَوْلَى كَمَا قَالَهُ الرُّويَانِيُّ، وَنَقَلَهُ فِي أَصْلِ الرَّوْضَةِ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيِّ، لَكِنْ فِي مَسْأَلَةِ الْحَنَفِيِّ فَقَطْ وَمِثْلُهَا الْبَقِيَّةُ بَلْ أَوْلَى، لَكِنْ قَالَ السُّبْكِيُّ كَلَامُهُمْ يُشْعِرُ بِأَنَّ الصَّلَاةَ مَعَ هَؤُلَاءِ أَفْضَلُ مِنْ الِانْفِرَادِ، وَبِهِ جَزَمَ الدَّمِيرِيُّ وَاعْتَمَدَهُ شَيْخِي، وَلِتَكْثِيرِ الْجَمَاعَاتِ فِي الْمَسَاجِدِ فِي الثَّانِيَةِ فِي الْمَتْنِ، وَيُؤْخَذُ مِنْ هَذَا التَّعْلِيلِ أَنَّهُ لَا فَرْقَ فِي الْمَسْجِدِ بَيْنَ الْقَرِيبِ وَالْبَعِيدِ كَمَا زِدْتُهُ وَنَبَّهَ عَلَيْهِ شَيْخُنَا، وَيُسْتَثْنَى أَيْضًا صُوَرٌ قَلِيلُ الْجَمْعِ فِيهَا أَوْلَى مِنْهَا مَا لَوْ كَانَ قَلِيلُ الْجَمْعِ يُبَادِرُ إمَامُهُ بِالصَّلَاةِ فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ الْمَحْبُوبِ فَإِنَّ الصَّلَاةَ مَعَهُ أَوَّلَ الْوَقْتِ أَوْلَى كَمَا قَالَهُ فِي الْمَجْمُوعِ، وَمِنْهَا مَا لَوْ كَانَ الْإِمَامُ سَرِيعَ الْقِرَاءَةِ وَالْمَأْمُومُ بَطِيئَهَا لَا يُدْرِكُ مَعَهُ الْفَاتِحَةَ، قَالَ الْغَزَالِيُّ: فَالْأَوْلَى أَنْ يُصَلِّيَ خَلْفَ إمَامٍ بَطِيءِ الْقِرَاءَةِ، وَمِنْهَا مَا لَوْ كَانَ قَلِيلُ الْجَمْعِ لَيْسَ فِي أَرْضِهِ شُبْهَةٌ، وَكَثِيرُ الْجَمْعِ بِخِلَافِهِ لِاسْتِيلَاءِ ظَالِمٍ عَلَيْهِ فَالسَّالِمُ مِنْ ذَلِكَ أَوْلَى، فَإِنْ اسْتَوَى الْمَسْجِدَانِ فِي الْجَمَاعَةِ فَالْأَقْرَبُ مَسَافَةً لِحُرْمَةِ الْجِوَارِ، ثُمَّ مَا انْتَفَتْ فِيهِ الشُّبْهَةُ عَنْ مَالِ بَانِيهِ وَوَاقِفِهِ ثُمَّ يَتَخَيَّرُ.
نَعَمْ إنْ سَمِعَ النِّدَاءَ مُتَرَتِّبًا فَيَنْبَغِي كَمَا قَالَ الْأَذْرَعِيُّ أَنْ يَكُونَ ذَهَابُهُ إلَى الْأَوَّلِ أَفْضَلَ؛ لِأَنَّ مُؤَذِّنَهُ دَعَاهُ أَوَّلًا.

(وَإِدْرَاكُ تَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ) مَعَ الْإِمَامِ (فَضِيلَةٌ) لِحَدِيثٍ رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ عَنْ أَنَسٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «مَنْ صَلَّى لِلَّهِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا فِي جَمَاعَةٍ يُدْرِكُ التَّكْبِيرَةَ الْأُولَى كُتِبَ لَهُ بَرَاءَتَانِ: بَرَاءَةٌ مِنْ النَّارِ وَبَرَاءَةٌ مِنْ النِّفَاقِ» وَهَذَا الْحَدِيثُ مُنْقَطِعٌ لَكِنَّهُ مِنْ الْفَضَائِلِ فَيُتَسَامَحُ فِيهِ، وَرُوِيَ «لِكُلِّ شَيْءٍ صَفْوَةٌ وَصَفْوَةُ الصَّلَاةِ التَّكْبِيرَةُ الْأُولَى فَحَافِظُوا عَلَيْهَا» رَوَاهُ الْبَزَّارُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَأَبِي الدَّرْدَاءِ مَرْفُوعًا (وَإِنَّمَا تَحْصُلُ بِالِاشْتِغَالِ بِالتَّحَرُّمِ عَقِبَ تَحَرُّمِ إمَامِهِ) مَعَ حُضُورِهِ تَكْبِيرَةَ إحْرَامِهِ لِحَدِيثِ الشَّيْخَيْنِ «إنَّمَا جُعِلَ الْإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ فَإِذَا كَبَّرَ فَكَبِّرُوا» وَالْفَاءُ لِلتَّعْقِيبِ فَإِبْطَاؤُهُ بِالْمُتَابَعَةِ - لِوَسْوَسَةٍ غَيْرِ ظَاهِرَةٍ كَمَا فِي الْمَجْمُوعِ - عُذْرٌ بِخِلَافِ مَا لَوْ أَبْطَأَ لِغَيْرِ وَسْوَسَةٍ وَلَوْ لِمَصْلَحَةِ الصَّلَاةِ كَالطَّهَارَةِ أَوْ لَمْ يَحْضُرْ تَكْبِيرَةَ إحْرَامِ إمَامِهِ، أَوْ لِوَسْوَسَةٍ ظَاهِرَةٍ، وَهَذَا مُوَافِقٌ لِقَوْلِهِمْ: إنَّ الْوَسْوَسَةَ فِي الْقِرَاءَةِ غَيْرُ عُذْرٍ فِي التَّخَلُّفِ بِتَمَامِ رُكْنَيْنِ فِعْلِيَّيْنِ لِطُولِ زَمَنِهِمَا (وَقِيلَ) تَحْصُلُ (بِإِدْرَاكِ بَعْضِ الْقِيَامِ) لِأَنَّهُ مَحَلُّ التَّكْبِيرَةِ الْأُولَى (وَقِيلَ) تَحْصُلُ (بِإِدْرَاكِ بَعْضِ الْقِيَامِ) لِأَنَّهُ مَحَلُّ

وَقِيلَ بِأَوَّلِ رُكُوعٍ، وَالصَّحِيحُ إدْرَاكُ الْجَمَاعَةِ مَا لَمْ يُسَلِّمْ

وَلْيُخَفِّفْ الْإِمَامُ مَعَ فِعْلِ الْأَبْعَاضِ وَالْهَيْئَاتِ إلَّا أَنْ يَرْضَى بِتَطْوِيلِهِ مَحْصُورُونَ.

[مغني المحتاج]

التَّكْبِيرَةِ الْأُولَى (وَقِيلَ بِأَوَّلِ رُكُوعٍ) لِأَنَّ حُكْمَهُ حُكْمُ قِيَامِهَا بِدَلِيلِ إدْرَاكِ الرَّكْعَةِ بِإِدْرَاكِهِ مَعَ الْإِمَامِ، وَهَذَانِ الْوَجْهَانِ فِيمَنْ لَمْ يَحْضُرْ إحْرَامَ الْإِمَامِ، فَأَمَّا مَنْ حَضَرَهُ وَأَخَّرَ فَقَدْ فَاتَتْهُ فَضِيلَةُ التَّكْبِيرَةِ وَإِنْ أَدْرَكَ الرَّكْعَةَ، حَكَاهُ فِي زِيَادَةِ الرَّوْضَةِ عَنْ الْبَسِيطِ وَأَقَرَّهُ وَلَوْ خَافَ فَوْتَ التَّكْبِيرَةِ لَوْ لَمْ يُسْرِعْ لَمْ يُنْدَبْ لَهُ الْإِسْرَاعُ، بَلْ يَمْشِي بِسَكِينَةٍ كَمَا لَوْ لَمْ يَخَفْ فَوْتَهَا لِخَبَرِ الصَّحِيحَيْنِ «إذَا أُقِيمَتْ الصَّلَاةُ فَلَا تَأْتُوهَا وَأَنْتُمْ تَسْعَوْنَ وَأْتُوهَا تَمْشُونَ وَعَلَيْكُمْ السَّكِينَةُ وَالْوَقَارُ فَمَا أَدْرَكْتُمْ فَصَلُّوا وَمَا فَاتَكُمْ فَأَتِمُّوا» نَعَمْ لَوْ ضَاقَ الْوَقْتُ وَخَشِيَ فَوَاتَهُ فَلْيُسْرِعْ كَمَا لَوْ خَشِيَ فَوْتَ الْجُمُعَةِ، وَكَذَا لَوْ امْتَدَّ الْوَقْتُ وَكَانَتْ لَا تَقُومُ إلَّا بِهِ وَلَوْ لَمْ يُسْرِعْ لَتَعَطَّلَتْ.
قَالَهُ الْأَذْرَعِيُّ: أَمَّا لَوْ خَافَ فَوَاتَ الْجَمَاعَةِ فَالْمَنْقُولُ كَمَا فِي الْمَجْمُوعِ وَغَيْرِهِ أَنَّهُ لَا يُسْرِعُ وَإِنْ كَانَتْ قَضِيَّةُ كَلَامِ الرَّافِعِيِّ وَغَيْرِهِ أَنَّهُ يُسْرِعُ (وَالصَّحِيحُ إدْرَاكُ) فَضِيلَةِ (الْجَمَاعَةِ مَا لَمْ يُسَلِّمْ) الْإِمَامُ وَإِنْ لَمْ يَقْعُدْ مَعَهُ بِأَنْ انْتَهَى سَلَامُهُ عَقِبَ تَحَرُّمِهِ وَإِنْ بَدَأَ بِالسَّلَامِ قَبْلَهُ كَمَا صَرَّحَ بِهِ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ لِإِدْرَاكِهِ رُكْنًا مَعَهُ لَكِنَّهُ دُونَ فَضْلِ مَنْ يُدْرِكُهَا مِنْ أَوَّلِهَا، وَلِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يُدْرِكْ فَضْلَهَا بِذَلِكَ لَمُنِعَ مِنْ الِاقْتِدَاءِ لِأَنَّهُ يَكُونُ حِينَئِذٍ زِيَادَةً بِلَا فَائِدَةٍ، وَلَا يَخْفَى أَنَّ مَحَلَّ ذَلِكَ كَمَا قَالَ الزَّرْكَشِيُّ فِي غَيْرِ الْجُمُعَةِ فَإِنَّهَا لَا تُدْرَكُ إلَّا بِرَكْعَةٍ كَمَا سَيَأْتِي.
أَمَّا إذَا سَلَّمَ مَعَ تَحَرُّمِهِ بِأَنْ انْتَهَى تَحَرُّمُ الْمَأْمُومِ مَعَ انْتِهَاءِ سَلَامِ الْإِمَامِ فَلَا تَحْصُلُ لَهُ الْجَمَاعَةُ بَلْ تَنْعَقِدُ صَلَاتُهُ فُرَادَى كَمَا يُؤْخَذُ مِنْ كَلَامِ الْإِسْنَوِيِّ.

فَرْعٌ دَخَلَ جَمَاعَةٌ الْمَسْجِدَ وَالْإِمَامُ فِي التَّشَهُّدِ الْأَخِيرِ فَعِنْدَ الْقَاضِي حُسَيْنٍ يُسْتَحَبُّ لَهُمْ الِاقْتِدَاءُ بِهِ وَلَا يُؤَخِّرُونَ الصَّلَاةَ جَمَاعَةً ثَانِيَةً، وَجَزَمَ الْمُتَوَلِّي بِخِلَافِهِ، وَكَلَامُ الْقَاضِي فِي مَوْضِعٍ آخَرَ يُوَافِقُهُ وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ، بَلْ الْأَفْضَلُ لِلشَّخْصِ إذَا سُبِقَ بِبَعْضِ الصَّلَاةِ فِي الْجَمَاعَةِ، وَرَجَا جَمَاعَةً أُخْرَى يُدْرِكُ مَعَهَا الصَّلَاةَ جَمِيعهَا فِي الْوَقْتِ التَّأْخِيرُ لِيُدْرِكَهَا بِتَمَامِهَا مَعَهَا، وَهَذَا إذَا اقْتَصَرَ عَلَى صَلَاةٍ وَاحِدَةٍ وَإِلَّا فَالْأَفْضَلُ أَنْ يُصَلِّيَهَا مَعَ هَؤُلَاءِ ثُمَّ يُعِيدَهَا مَعَ الْآخَرِينَ (وَلْيُخَفِّفْ الْإِمَامُ) نَدْبًا الصَّلَاةَ (مَعَ فِعْلِ الْأَبْعَاضِ وَالْهَيْئَاتِ) أَيْ السُّنَنِ غَيْرِ الْأَبْعَاضِ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إذَا أَمَّ أَحَدُكُمْ النَّاسَ فَلْيُخَفِّفْ فَإِنَّ فِيهِمْ الْكَبِيرَ وَالصَّغِيرَ وَالضَّعِيفَ وَذَا الْحَاجَةِ وَإِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ لِنَفْسِهِ فَلْيُطِلْ مَا شَاءَ» رَوَاهُ الشَّيْخَانِ.
قَالَ فِي الْمَجْمُوعِ نَقْلًا عَنْ الشَّافِعِيِّ وَالْأَصْحَابِ بِأَنْ يُخَفِّفَ الْقِرَاءَةَ وَالْأَذْكَارَ بِحَيْثُ لَا يَقْتَصِرُ عَلَى الْأَقَلِّ، وَلَا يَسْتَوْفِي الْأَكْمَلَ الْمُسْتَحَبَّ لِلْمُنْفَرِدِ مِنْ طِوَالِ الْمُفَصَّلِ وَأَوْسَاطِهِ وَأَذْكَارِ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ، وَيُكْرَهُ التَّطْوِيلُ كَمَا نَصَّ عَلَيْهِ فِي الْأُمِّ (إلَّا أَنْ يَرْضَى بِتَطْوِيلِهِ مَحْصُورُونَ) أَيْ لَا يُصَلِّي وَرَاءَهُ غَيْرُهُمْ وَهُمْ أَحْرَارٌ غَيْرُ أُجَرَاءَ إجَارَةَ عَيْنٍ فَيُسَنُّ

وَيُكْرَهُ التَّطْوِيلُ لِيَلْحَقَ آخَرُونَ، وَلَوْ أَحَسَّ فِي الرُّكُوعِ أَوْ التَّشَهُّدِ الْأَخِيرِ بِدَاخِلٍ لَمْ يُكْرَهْ انْتِظَارُهُ فِي الْأَظْهَرِ إنْ لَمْ يُبَالِغْ فِيهِ وَلَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ الدَّاخِلِينَ.
قُلْت:

[مغني المحتاج]

لَهُ التَّطْوِيلُ كَمَا فِي الْمَجْمُوعِ عَنْ جَمَاعَةٍ، وَعَلَيْهِ يُحْمَلُ مَا وَقَعَ مِنْ فِعْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي بَعْضِ الْأَوْقَاتِ وَاسْتِحْبَابُ التَّطْوِيلِ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ لَا يُفْهَمُ مِنْ عِبَارَةِ الْمُصَنِّفِ لِأَنَّهَا تَصْدُقُ بِاسْتِوَاءِ الطَّرَفَيْنِ فَإِنْ جَهِلَ حَالَهُمْ أَوْ اخْتَلَفُوا لَمْ يُطَوِّلْ.
قَالَ ابْنُ الصَّلَاحِ إلَّا إنْ قَلَّ مَنْ لَمْ يَرْضَ كَوَاحِدٍ أَوْ اثْنَيْنِ وَنَحْوِهِمَا لِمَرَضٍ وَنَحْوِهِ، فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ مَرَّةً أَوْ نَحْوَهَا خَفَّفَ، وَإِنْ كَثُرَ حُضُورُهُ طَوَّلَ مُرَاعَاةً لِحَقِّ الرَّاضِينَ وَلَا يُفَوِّتُ حَقَّهُمْ لِهَذَا الْفَرْدِ الْمُلَازِمِ.
قَالَ فِي الْمَجْمُوعِ: وَهُوَ حَسَنٌ مُتَعَيِّنٌ.
قَالَ الْأَذْرَعِيُّ تَبَعًا لِلسُّبْكِيِّ، وَفِيهِ نَظَرٌ لِتَخْفِيفِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِبُكَاءِ الصَّبِيِّ، وَلِإِنْكَارِهِ عَلَى مُعَاذٍ التَّطْوِيلَ لَمَّا شَكَاهُ الرَّجُلُ الْوَاحِدُ، وَرُدَّ النَّظَرُ بِأَنَّ قَضِيَّةَ بُكَاءِ الصَّبِيِّ وَقَضِيَّةَ مُعَاذٍ لَمْ يَكْثُرَا فَلَا يُنَافِي ذَلِكَ كَلَامَ ابْنِ الصَّلَاحِ، نَبَّهَ عَلَى ذَلِكَ الْغَزِّيُّ.
أَمَّا الْأَرِقَّاءُ وَالْأُجَرَاءُ إجَارَةَ عَيْنٍ فَلَا عِبْرَةَ بِرِضَاهُمْ بِالتَّطْوِيلِ إذْ لَيْسَ لَهُمْ التَّطْوِيلُ عَلَى قَدْرِ صَلَاتِهِمْ مُنْفَرِدِينَ بِغَيْرِ إذْنٍ فِيهِ مِنْ أَرْبَابِ الْحُقُوقِ، نَبَّهَ عَلَى ذَلِكَ الْأَذْرَعِيُّ.
تَنْبِيهٌ: قَوْلُهُ إلَّا أَنْ يَرْضَى بِتَطْوِيلِهِ مَحْصُورُونَ يُفْهِمُ أَنَّهُ مَتَى رَضِيَ مَحْصُورُونَ وَإِنْ كَانُوا بَعْضَ الْقَوْمِ أَنَّهُ يُنْدَبُ التَّطْوِيلُ وَلَيْسَ مُرَادًا، وَلِذَا قُلْت: لَا يُصَلِّي وَرَاءَهُ غَيْرُهُمْ.

(وَيُكْرَهُ التَّطْوِيلُ لِيَلْحَقَ آخَرُونَ) سَوَاءٌ كَانَ عَادَتُهُمْ الْحُضُورَ أَمْ لَا، أَوْ رَجُلٌ شَرِيفٌ كَمَا فِي الْمُحَرَّرِ وَغَيْرِهِ لِلْإِضْرَارِ بِالْحَاضِرِينَ وَلِتَقْصِيرِ الْمُتَأَخِّرِينَ، وَلِأَنَّ فِي عَدَمِ انْتِظَارِهِمْ حَثًّا لَهُمْ عَلَى الْمُبَادَرَةِ إلَى فَضِيلَةِ تَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ، وَلَا يُشْكِلُ ذَلِكَ بِتَصْرِيحِهِمْ بِاسْتِحْبَابِ تَطْوِيلِ الرَّكْعَةِ الْأُولَى عَلَى الثَّانِيَةِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ إنَّمَا هُوَ فِي تَطْوِيلٍ زَائِدٍ عَلَى هَيْئَاتِ الصَّلَاةِ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ تَطْوِيلَ الْأُولَى عَلَى الثَّانِيَةِ مِنْ هَيْئَاتِهَا فَلَوْ لَمْ يَدْخُلْ الْإِمَامُ فِي الصَّلَاةِ، وَقَدْ جَاءَ وَقْتُ الدُّخُولِ وَحَضَرَ بَعْضُ الْقَوْمِ وَرَجَوْا زِيَادَةً نُدِبَ لَهُ أَنْ يُعَجِّلَ وَلَا يَنْتَظِرَهُمْ لِأَنَّ الصَّلَاةَ أَوَّلَ الْوَقْتِ بِجَمَاعَةٍ قَلِيلَةٍ أَفْضَلُ مِنْهَا آخِرَهُ بِجَمَاعَةٍ كَثِيرَةٍ.
قَالَهُ فِي الْمَجْمُوعِ، وَالْمُرَادُ بِآخِرِهِ بَعْدَ الْأَوَّلِ لِأَنَّهُ يُحَصِّلُ فَضِيلَةَ أَوَّلِ الْوَقْتِ، وَقَدْ مَرَّتْ الْإِشَارَةُ إلَى ذَلِكَ عِنْدَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ: وَمَا كَثُرَ جَمْعُهُ أَفْضَلُ.
قَالَ: فَلَوْ أُقِيمَتْ الصَّلَاةُ.
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: لَمْ يَحِلَّ لِلْإِمَامِ أَنْ يَنْتَظِرَ مَنْ لَمْ يَحْضُرْ، وَلَا يَخْتَلِفُ الْمَذْهَبُ فِيهِ أَيْ لَا يَحِلُّ حَلًّا مُسْتَوِيَ الطَّرَفَيْنِ، بَلْ يُكْرَهُ كَرَاهَةَ تَنْزِيهٍ، نَبَّهَ عَلَى ذَلِكَ شَيْخِي (وَلَوْ أَحَسَّ فِي الرُّكُوعِ) غَيْرِ الثَّانِي مِنْ صَلَاةِ الْخُسُوفِ (أَوْ التَّشَهُّدِ الْأَخِيرِ بِدَاخِلٍ) مَحَلَّ الصَّلَاةِ يَأْتَمُّ بِهِ (لَمْ يُكْرَهْ) لَهُ (انْتِظَارُهُ) بَلْ يُبَاحُ (فِي الْأَظْهَرِ) مِنْ أَقْوَالٍ أَرْبَعَةٍ مُلَفَّقَةٍ مِنْ طُرُقٍ ثَمَانِيَةٍ (إنْ لَمْ يُبَالِغْ فِيهِ) أَيْ فِي الِانْتِظَارِ بِأَنْ يُطَوِّلَهُ تَطْوِيلًا لَوْ وُزِّعَ عَلَى جَمِيعِ الصَّلَاةِ لَظَهَرَ أَثَرُهُ.
نَقَلَهُ الرَّافِعِيُّ عَنْ الْإِمَامِ وَأَقَرَّهُ (وَلَمْ يَفْرُقْ) بِضَمِّ الرَّاءِ (بَيْنَ الدَّاخِلِينَ) بِانْتِظَارِ بَعْضِهِمْ لِصَدَاقَةٍ أَوْ شَرَفٍ أَوْ سِيَادَةٍ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ دُونَ بَعْضٍ بَلْ يُسَوِّي بَيْنَهُمْ فِي الِانْتِظَارِ لِلَّهِ تَعَالَى لَا لِلتَّوَدُّدِ إلَيْهِمْ وَاسْتِمَالَةِ قُلُوبِهِمْ (قُلْت:

الْمَذْهَبُ اسْتِحْبَابُ انْتِظَارِهِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ، وَلَا يَنْتَظِرُ فِي غَيْرِهِمَا.

وَيُسَنُّ لِلْمُصَلِّي وَحْدَهُ وَكَذَا جَمَاعَةً فِي الْأَصَحِّ إعَادَتُهَا مَعَ جَمَاعَةٍ يُدْرِكُهَا،

[مغني المحتاج]

الْمَذْهَبُ اسْتِحْبَابُ انْتِظَارِهِ) بِالشُّرُوطِ الْمَذْكُورَةِ وَهُوَ الْقَوْلُ الثَّانِي (وَاَللَّهُ أَعْلَمُ) إعَانَةً لَهُمْ عَلَى إدْرَاكِ الرَّكْعَةِ فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى وَفَضْلِ الْجَمَاعَةِ فِي الثَّانِيَةِ، وَالْقَوْلُ الثَّالِثُ: إنَّهُ مَكْرُوهٌ كَمَا لَوْ طَوَّلَ أَوْ فَرَّقَ.
وَالْقَوْلُ الرَّابِعُ: إنَّهُ مُبْطِلٌ لِلصَّلَاةِ مُطْلَقًا (وَلَا يَنْتَظِرُ فِي غَيْرِهِمَا) أَيْ الرُّكُوعِ وَالتَّشَهُّدِ الْأَخِيرِ مِنْ قِيَامٍ وَغَيْرِهِ.
أَمَّا إذَا أَحَسَّ بِخَارِجٍ عَنْ مَحَلِّ الصَّلَاةِ، أَوْ لَمْ يَكُنْ انْتِظَارُهُ لِلَّهِ تَعَالَى، أَوْ بَالَغَ فِي الِانْتِظَارِ، أَوْ فَرَّقَ بَيْنَ الدَّاخِلِينَ، أَوْ انْتَظَرَهُ فِي غَيْرِ الرُّكُوعِ وَالتَّشَهُّدِ كَأَنْ انْتَظَرَهُ فِي الرُّكُوعِ الثَّانِي مِنْ صَلَاةِ الْخَوْفِ فَلَا يُسْتَحَبُّ قَطْعًا بَلْ يُكْرَهُ الِانْتِظَارُ فِي غَيْرِ الرُّكُوعِ وَالتَّشَهُّدِ الْأَخِيرِ.
وَأَمَّا إذَا خَالَفَ فِي غَيْرِ ذَلِكَ فَهُوَ خِلَافُ الْأَوْلَى لَا مَكْرُوهٌ.
نَبَّهَ عَلَى ذَلِكَ شَيْخِي.
وَنَقْلُهُ فِي الْكِفَايَةِ الِاتِّفَاقَ عَلَى بُطْلَانِهَا إذَا قَصَدَ غَيْرَ وَجْهِ اللَّهِ تَعَالَى، وَعَلَّلَهُ بِالتَّشْرِيكِ مَرْدُودٌ بِأَنَّهُ سَبْقُ قَلَمٍ، وَيُسْتَثْنَى مِنْ اسْتِحْبَابِ الِانْتِظَارِ صُوَرٌ مِنْهَا مَا إذَا خَشِيَ خُرُوجَ الْوَقْتِ بِالِانْتِظَارِ، وَمِنْهَا مَا إذَا كَانَ الدَّاخِلُ لَا يَعْتَقِدُ إدْرَاكَ الرَّكْعَةِ أَوْ فَضِيلَةَ الْجَمَاعَةِ بِإِدْرَاكِ مَا ذُكِرَ إذْ لَا فَائِدَةَ فِي الِانْتِظَارِ، وَمِنْهَا مَا إذَا كَانَ الدَّاخِلُ يَعْتَادُ الْبُطْءَ وَتَأْخِيرَ التَّحَرُّمِ إلَى الرُّكُوعِ، وَمِنْهَا مَا إذَا كَانَتْ صَلَاةُ الْمَأْمُومِ يَجِبُ عَلَيْهِ إعَادَتُهَا كَفَاقِدِ الطَّهُورَيْنِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ صَلَاةَ الْمُحْدِثِ فِي جَمَاعَةٍ كَلَا جَمَاعَةٍ، وَالْمُتَّجَهُ فِي هَذِهِ اسْتِحْبَابُ انْتِظَارِهِ؛ لِأَنَّ الرَّكْعَةَ تُحْسَبُ عَنْ الْمَأْمُومِ فِي إسْقَاطِ حُرْمَةِ الْوَقْتِ.
فَرْعٌ وَجَدَ مُصَلِّيًا جَالِسًا وَشَكَّ هَلْ هُوَ فِي التَّشَهُّدِ أَوْ الْقِيَامِ لِعَجْزِهِ فَهَلْ لَهُ أَنْ يَقْتَدِيَ بِهِ أَوْ لَا؟ وَكَذَا لَوْ رَآهُ فِي وَقْتِ الْكُسُوفِ وَشَكَّ فِي أَنَّهُ كُسُوفٌ أَوْ غَيْرُهُ؟ قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: الْمُتَّجَهُ عَدَمُ الصِّحَّةِ.
تَنْبِيهٌ: الضَّمِيرُ فِي قَوْلِ الْمُصَنِّفِ وَلَوْ أَحَسَّ يَعُودُ عَلَى الْإِمَامِ لِتَقَدُّمِ ذِكْرِهِ، وَيُحْتَمَلُ عَوْدُهُ عَلَى الْمُصَلِّي لِلْعِلْمِ بِهِ لِيَشْمَلَ الْمُنْفَرِدَ بَلْ هُوَ أَوْلَى بِالِانْتِظَارِ مِنْ الْإِمَامِ لِاحْتِيَاجِهِ إلَى تَحْصِيلِ الْجَمَاعَةِ، وَلَمْ يَنُصُّوا عَلَى حُكْمِهِ، وَيَنْبَغِي أَنْ لَا يُشْتَرَطَ فِيهِ عَدَمُ التَّطْوِيلِ إذْ لَيْسَ وَرَاءَهُ مَنْ يَتَضَرَّرُ بِتَطْوِيلِهِ، وَقَوْلُهُ أَحَسَّ هِيَ اللُّغَةُ الْمَشْهُورَةُ.
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ﴾ [مريم: 98] ، وَفِي لُغَةٍ غَرِيبَةٍ بِلَا هَمْزٍ.

(وَيُسَنُّ لِلْمُصَلِّي) صَلَاةً مَكْتُوبَةً مُؤَدَّاةً (وَحْدَهُ، وَكَذَا جَمَاعَةً فِي الْأَصَحِّ إعَادَتُهَا) مَرَّةً فَقَطْ (مَعَ جَمَاعَةٍ يُدْرِكُهَا) فِي الْوَقْتِ، وَلَوْ كَانَ الْوَقْتُ وَقْتَ كَرَاهَةٍ أَوْ كَانَ إمَامُ الثَّانِيَةِ مَفْضُولًا لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «صَلَّى الصُّبْحَ فَرَأَى رَجُلَيْنِ لَمْ يُصَلِّيَا مَعَهُ، فَقَالَ: مَا مَنَعَكُمَا أَنْ تُصَلِّيَا مَعَنَا؟ قَالَا: صَلَّيْنَا فِي رِحَالِنَا.
فَقَالَ: إذَا صَلَّيْتُمَا فِي رِحَالِكُمَا ثُمَّ أَتَيْتُمَا مَسْجِدَ جَمَاعَةٍ فَصَلِّيَاهَا مَعَهُمْ فَإِنَّهَا لَكُمَا نَافِلَةٌ» «وَقَالَ: وَقَدْ جَاءَ بَعْدَ صَلَاتِهِ الْعَصْرَ رَجُلٌ إلَى الْمَسْجِدِ فَقَالَ: مَنْ يَتَصَدَّقُ عَلَى هَذَا فَيُصَلِّيَ مَعَهُ فَصَلَّى مَعَهُ رَجُلٌ»

وَفَرْضُهُ الْأُولَى فِي الْجَدِيدِ،

[مغني المحتاج]

رَوَاهُمَا التِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُمَا.
وَقَوْلُهُ: صَلَّيْتُمَا يَصْدُقُ بِالِانْفِرَادِ وَالْجَمَاعَةِ وَمُقَابِلُ الْأَصَحِّ يَقْصُرُهُ عَلَى الِانْفِرَادِ نَظَرًا إلَى أَنَّ الْمُصَلِّيَ فِي جَمَاعَةٍ حَصَّلَ فَضِيلَةَ الْجَمَاعَةِ فَلَا مَعْنَى لِلْإِعَادَةِ بِخِلَافِ الْمُنْفَرِدِ وَجَوَابُهُ مَنْعُ ذَلِكَ.
تَنْبِيهٌ قَوْلُ الْمُصَنِّفِ مَعَ جَمَاعَةٍ يُفْهِمُ أَنَّهُ لَا يُسْتَحَبُّ أَنْ يُعِيدَهَا مَعَ مُنْفَرِدٍ، وَلَيْسَ مُرَادًا، بَلْ يُسْتَحَبُّ إعَادَتُهَا مَعَهُ جَزْمًا وَلَوْ كَانَ صَلَّى أَوَّلًا فِي جَمَاعَةٍ، وَقَدْ يُسْتَحَبُّ إعَادَتُهَا مُنْفَرِدًا فِيمَا لَوْ تَلَبَّسَ بِفَرْضِ الْوَقْتِ ثُمَّ تَذَكَّرَ أَنَّ عَلَيْهِ فَائِتَةً فَإِنَّهُ يُتِمُّ صَلَاتَهُ ثُمَّ يُصَلِّي الْفَائِتَةَ، وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يُعِيدَ الْحَاضِرَةَ كَمَا قَالَ الْقَاضِي حُسَيْنٌ، وَخَرَجَ بِالْمَكْتُوبَةِ الْمَنْذُورَةُ إذْ لَا تُسَنُّ فِيهَا الْجَمَاعَةُ كَمَا مَرَّ، وَصَلَاةُ الْجِنَازَةِ إذْ لَا يُتَنَفَّلُ بِهَا كَمَا سَيَأْتِي، وَالنَّافِلَةُ الَّتِي لَا تُسَنُّ الْجَمَاعَةُ فِيهَا.
أَمَّا مَا تُسَنُّ فِيهَا فَالْقِيَاسُ كَمَا فِي الْمُهِمَّاتِ أَنَّهَا كَالْفَرْضِ فِي سَنِّ الْإِعَادَةِ، وَأَمَّا صَلَاةُ الْجُمُعَةِ فَلَا تُعَادُ لِأَنَّهَا لَا تُقَامُ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرَى فَإِنْ فُرِضَ الْجَوَازُ لِعُسْرِ الِاجْتِمَاعِ فَالْقِيَاسُ كَمَا فِي الْمُهِمَّاتِ أَنَّهَا كَغَيْرِهَا، وَكَذَا لَوْ صَلَّى بِمَكَانٍ ثُمَّ سَافَرَ إلَى مَكَانٍ آخَرَ فَوَجَدَهُمْ يُصَلُّونَهَا كَانَ الْحُكْمُ كَذَلِكَ، وَمَحَلُّ سَنِّ الْإِعَادَةِ لِمَنْ لَوْ اقْتَصَرَ عَلَيْهَا لَأَجْزَأَتْهُ بِخِلَافِ الْمُتَيَمِّمِ لِبَرْدٍ أَوْ لِفَقْدِ مَاءٍ بِمَحَلٍّ يَغْلِبُ فِيهِ وُجُودُ الْمَاءِ، وَاسْتَثْنَى الْأَذْرَعِيُّ مَسْأَلَتَيْنِ أَيْضًا: إحْدَاهُمَا: مَا إذَا كَانَ الِانْفِرَادُ لَهُ أَفْضَلَ كَالْعَارِي.
الثَّانِيَةُ: مَا لَوْ صَلَّى مَعْذُورٌ الظُّهْرَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ ثُمَّ أَدْرَكَ مَعْذُورِينَ يُصَلُّونَ الظُّهْرَ.
قَالَ: فَيُحْتَمَلُ أَنْ لَا يُعِيدَ اهـ. وَالْأَوْلَى فِي هَذِهِ الْإِعَادَةُ وَإِنَّمَا تُسْتَحَبُّ إذَا كَانَ الْإِمَامُ مِمَّنْ لَا يُكْرَهُ الِاقْتِدَاءُ بِهِ، وَمَا تَقَرَّرَ مِنْ أَنَّ الْإِعَادَةَ لَا تُسْتَحَبُّ إلَّا مَرَّةً وَاحِدَةً هُوَ مَا أَشَارَ إلَيْهِ الْإِمَامُ، وَقُوَّةُ كَلَامِ غَيْرِهِ تُرْشِدُ إلَيْهِ، وَنَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ فِي مُخْتَصَرِ الْمُزَنِيِّ وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ خِلَافًا لِبَعْضِ الْمُتَأَخِّرِينَ.
قَالَ فِي الْمُهِمَّاتِ وَتَصْوِيرُهُمْ بِأَنَّ الْإِعَادَةَ إنَّمَا تُسَنُّ إذَا حَضَرَ فِي الثَّانِيَةِ مَنْ لَمْ يَحْضُرْ فِي الْأُولَى، وَهُوَ ظَاهِرٌ، وَإِلَّا لَزِمَ اسْتِغْرَاقُ ذَلِكَ الْوَقْتِ اهـ. وَقَضِيَّةُ كَلَامِ الْمَجْمُوعِ وَغَيْرِهِ عَدَمُ اعْتِبَارِ مَا ذُكِرَ، وَيَنْتَفِي اللَّازِمُ بِمَا مَرَّ عَنْ الْإِمَامِ.
تَنْبِيهٌ مُرَادُ الْمُصَنِّفِ بِالْإِعَادَةِ الْإِعَادَةُ اللُّغَوِيَّةُ لَا الِاصْطِلَاحِيَّةُ، وَهِيَ الَّتِي سَبَقَتْ بِأَدَاءٍ مُخْتَلٍّ، وَمَحَلُّ اسْتِحْبَابِ الْإِعَادَةِ إذَا كَانَ الْوَقْتُ بَاقِيًا فَأَمَّا بَعْدَ فَوَاتِهِ فَلَا تُسَنُّ قَطْعًا.
قَالَهُ صَاحِبُ الْمُعِينِ تَبَعًا لِصَاحِبِ الْمُذَاكَرَةِ (وَفَرْضُهُ) فِي الصُّورَتَيْنِ (الْأُولَى فِي الْجَدِيدِ) لِلْحَدِيثِ السَّابِقِ وَلِسُقُوطِ الْخِطَابِ بِهَا، وَالْقَدِيمِ وَنَصَّ عَلَيْهِ فِي الْإِمْلَاءِ أَيْضًا أَنَّ الْفَرْضَ إحْدَاهُمَا وَيَحْتَسِبُ اللَّهُ تَعَالَى مَا شَاءَ مِنْهُمَا، وَقِيلَ الْفَرْضُ كِلَاهُمَا، وَالْأُولَى مُسْقِطَةٌ لِلْحَرَجِ لَا مَانِعَةٌ مِنْ وُقُوعِ الثَّانِيَةِ فَرْضًا كَصَلَاةِ الْجِنَازَةِ إذَا صَلَّتْ طَائِفَةٌ سَقَطَ الْحَرَجُ عَنْ الْبَاقِينَ، فَإِذَا صَلَّتْ طَائِفَةٌ أُخْرَى وَقَعَتْ فَرْضًا أَيْضًا، وَكَذَا فُرُوضُ الْكِفَايَاتِ كُلُّهَا، وَقِيلَ الْفَرْضُ أَكْمَلُهَا، وَإِنَّمَا يَكُونُ فَرْضُهُ الْأُولَى إذَا

وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ يَنْوِي بِالثَّانِيَةِ الْفَرْضَ.

وَلَا رُخْصَةَ فِي تَرْكِهَا، وَإِنْ قُلْنَا سُنَّةٌ إلَّا بِعُذْرٍ عَامٍّ كَمَطَرٍ

[مغني المحتاج]

أَغْنَتْ عَنْ الْقَضَاءِ وَإِلَّا فَفَرْضُهُ الثَّانِيَةُ الْمُغْنِيَةُ عَنْهُ عَلَى الْمَذْهَبِ (وَالْأَصَحُّ) عَلَى الْجَدِيدِ (أَنَّهُ يَنْوِي بِالثَّانِيَةِ الْفَرْضَ) لِيَحْصُلَ لَهُ ثَوَابُ الْجَمَاعَةِ فِي فَرْضِ وَقْتِهِ حَتَّى يَكُونَ كَمَنْ صَلَّاهَا أَوَّلًا فِي جَمَاعَةٍ، وَاسْتَشْكَلَهُ الْإِمَامُ بِأَنَّهُ كَيْفَ يَنْوِي الْفَرْضِيَّةَ مَعَ الْقَطْعِ بِأَنَّ الثَّانِيَةَ لَيْسَتْ فَرْضًا.
قَالَ بَلْ الْوَجْهُ أَنَّهُ يَنْوِي الظُّهْرَ أَوْ الْعَصْرَ وَلَا يَتَعَرَّضُ لِلْفَرْضِيَّةِ وَيَكُونُ ظُهْرُهُ نَفْلًا كَظُهْرِ الصَّبِيِّ.
وَأَجَابَ عَنْهُ السُّبْكِيُّ بِأَنَّ الْمُرَادَ أَنَّهُ يَنْوِي إعَادَةَ الصَّلَاةِ الْمَفْرُوضَةِ حَتَّى لَا تَكُونَ نَفْلًا مُبْتَدَأً لَا إعَادَتَهَا فَرْضًا، وَقَالَ الرَّازِيّ: يَنْوِي مَا هُوَ فَرْضٌ عَلَى الْمُكَلَّفِ لَا الْفَرْضَ عَلَيْهِ كَمَا فِي صَلَاةِ الصَّبِيِّ، وَرَجَّحَ فِي الرَّوْضَةِ مَا اخْتَارَهُ الْإِمَامُ، وَجَمَعَ شَيْخِي بَيْنَ مَا فِي الْكِتَابِ وَمَا فِي الرَّوْضَةِ بِأَنَّ مَا فِي الْكِتَابِ إنَّمَا هُوَ لِأَجْلِ مَحَلِّ الْخِلَافِ، وَهُوَ هَلْ فَرْضُهُ الْأُولَى أَوْ الثَّانِيَةُ؟ أَوْ يَحْتَسِبُ اللَّهُ مَا شَاءَ مِنْهُمَا، وَمَا فِي الرَّوْضَةِ عَلَى الْقَوْلِ الصَّحِيحِ، وَهُوَ أَنَّ فَرْضَهُ الْأُولَى وَالثَّانِيَةُ نَفْلٌ فَلَا يُشْتَرَطُ فِيهِمَا نِيَّةُ الْفَرْضِيَّةِ، وَهَذَا جَمْعٌ حَسَنٌ.
قَالَ فِي الرَّوْضَةِ: وَيُسْتَحَبُّ لِمَنْ صَلَّى إذَا رَأَى مَنْ يُصَلِّي تِلْكَ الْفَرِيضَةَ وَحْدَهُ أَنْ يُصَلِّيَهَا مَعَهُ لِيَحْصُلَ لَهُ فَضِيلَةُ الْجَمَاعَةِ، وَهَذَا اسْتَدَلَّ عَلَيْهِ فِي الْمَجْمُوعِ بِحَدِيثِ التِّرْمِذِيِّ السَّابِقِ قَالَ الْمُصَنِّفُ فِي شَرْحِ الْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ فِيهِ اسْتِحْبَابُ إعَادَةِ الصَّلَاةِ فِي جَمَاعَةِ لِمَنْ صَلَّاهَا فِي جَمَاعَةٍ، وَإِنْ كَانَتْ الثَّانِيَةُ أَقَلَّ مِنْ الْأُولَى، وَأَنَّهُ يُسْتَحَبُّ الشَّفَاعَةُ إلَى مَنْ يُصَلِّي مَعَ الْحَاضِرِ مِمَّنْ لَهُ عُذْرٌ فِي عَدَمِ الصَّلَاةِ مَعَهُ وَأَنَّ الْجَمَاعَةَ تَحْصُلُ بِإِمَامٍ وَمَأْمُومٍ، وَأَنَّ الْمَسْجِدَ الْمَطْرُوقَ لَا يُكْرَهُ فِيهِ جَمَاعَةٌ بَعْدَ جَمَاعَةٍ، وَلَوْ تَذَكَّرَ عَلَى الْجَدِيدِ خَلَلًا فِي الْأُولَى وَجَبَتْ الْإِعَادَةُ كَمَا نَقَلَهُ الْمُصَنِّفُ فِي رُءُوسِ الْمَسَائِلِ عَنْ الْقَاضِي أَبِي الطَّيِّبِ وَأَقَرَّهُ مُعَلِّلًا بِأَنَّ الثَّانِيَةَ تَطَوُّعٌ مَحْضٌ وَمَا أَفْتَى بِهِ الْغَزَالِيُّ وَتَرَجَّاهُ السُّبْكِيُّ مِنْ عَدَمِ وُجُوبِ الْإِعَادَةِ يُحْمَلُ عَلَى أَنَّ الْفَرْضَ إحْدَاهُمَا لَا بِعَيْنِهَا.

(وَلَا رُخْصَةَ فِي تَرْكِهَا) أَيْ الْجَمَاعَةِ (وَإِنْ قُلْنَا) هِيَ (سُنَّةٌ) لِتَأَكُّدِهَا (إلَّا بِعُذْرٍ) لِخَبَرِ «مَنْ سَمِعَ النِّدَاءَ فَلَمْ يَأْتِهِ فَلَا صَلَاةَ لَهُ أَيْ كَامِلَةً إلَّا مِنْ عُذْرٍ» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ وَالْحَاكِمُ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ.
فَإِنْ قِيلَ السُّنَّةُ يَجُوزُ تَرْكُهَا مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ، فَكَيْفَ يُقَالُ لَا رُخْصَةَ فِي تَرْكِهَا، وَإِنْ قُلْنَا: سُنَّةٌ إلَّا بِعُذْرٍ؟ . أُجِيبَ بِأَنَّ الْقَصْدَ تَهْوِينُ أَمْرِ الْجَمَاعَةِ مَعَ الْعُذْرِ، وَلِذَلِكَ فَوَائِدُ مِنْهَا أَنَّا إذَا قُلْنَا سُنَّةٌ قُوتِلَ تَارِكُهَا عَلَى وَجْهٍ لَا يَأْتِي مَعَ الْعُذْرِ بَلْ لَا يُقَاتَلُ قَطْعًا، وَمِنْهَا أَنَّهُ لَا تُرَدُّ شَهَادَةُ الْمُدَاوِمِ عَلَى تَرْكِهَا لِعُذْرٍ بِخِلَافِ الْمُدَاوِمِ عَلَى تَرْكِهَا بِغَيْرِ عُذْرٍ، وَمِنْهَا أَنَّ الْإِمَامَ إذَا أَمَرَ النَّاسَ بِالْجَمَاعَةِ وَجَبَتْ إلَّا عِنْدَ قِيَامِ الرُّخْصَةِ فَلَا يَجِبُ عَلَيْهِمْ طَاعَتُهُ لِقِيَامِ الْعُذْرِ.
وَالرُّخْصَةُ بِسُكُونِ الْخَاءِ، وَيَجُوزُ ضَمُّهَا، لُغَةً: التَّيْسِيرُ وَالتَّسْهِيلُ، وَاصْطِلَاحًا: الْحُكْمُ الثَّابِتُ عَلَى خِلَافِ الدَّلِيلِ بِعُذْرٍ (عَامٍّ كَمَطَرٍ) أَوْ ثَلْجٍ يَبُلُّ الثَّوْبَ لَيْلًا كَانَ أَوْ نَهَارًا لِمَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ عَنْ ابْنِ أَبِي الْمَلِيحِ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: «كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - زَمَنَ الْحُدَيْبِيَةِ فَأَصَابَنَا مَطَرٌ لَمْ يَبُلَّ أَسْفَلَ نِعَالِنَا فَنَادَى مُنَادِي رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلُّوا فِي رِحَالِكُمْ» ،

أَوْ رِيحٍ عَاصِفٍ بِاللَّيْلِ، وَكَذَا وَحَلٌّ شَدِيدٌ عَلَى الصَّحِيحِ، أَوْ خَاصٍّ كَمَرَضٍ وَحَرٍّ وَبَرْدٍ شَدِيدَيْنِ،

[مغني المحتاج]

وَيُشْتَرَطُ حُصُولُ مَشَقَّةٍ بِالْخُرُوجِ مَعَ الْمَطَرِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الرَّافِعِيُّ فِي الْكَلَامِ عَلَى الْمَرَضِ فَلَا يُعْذَرُ بِالْخَفِيفِ وَلَا بِالشَّدِيدِ إذَا كَانَ يَمْشِي فِي كِنٍّ، وَلَوْ تَقَطَّرَ الْمَطَرُ مِنْ سُقُوفِ الْأَسْوَاقِ كَانَ عُذْرًا فِي الْجُمُعَةِ وَالْجَمَاعَاتِ لِأَنَّ الْغَالِبَ فِيهِ النَّجَاسَةُ كَمَا فِي الْكِفَايَةِ عَنْ الْقَاضِي حُسَيْنٍ (أَوْ رِيحٍ عَاصِفٍ) أَيْ شَدِيدٍ (بِاللَّيْلِ) لِمَا رُوِيَ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - «أَذَّنَ بِالصَّلَاةِ فِي لَيْلَةٍ ذَاتِ بَرْدٍ وَرِيحٍ، فَقَالَ: أَلَا صَلُّوا فِي الرِّحَالِ، ثُمَّ قَالَ: إنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَأْمُرُ الْمُؤَذِّنَ إذَا كَانَتْ لَيْلَةٌ ذَاتُ بَرْدٍ وَمَطَرٍ: أَلَا صَلُّوا فِي رِحَالِكُمْ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَفِي رِوَايَةٍ «كَانَ يَأْمُرُ مُنَادِيَهُ فِي اللَّيْلَةِ الْمُمْطِرَةِ وَاللَّيْلَةِ الْبَارِدَةِ ذَاتِ الرِّيحِ أَنْ يَقُولَ: أَلَا صَلُّوا فِي رِحَالِكُمْ» رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ، وَلِعِظَمِ الْمَشَقَّةِ فِيهِ، وَقَضِيَّةُ هَذَا أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ تَكُونَ بَارِدَةً أَمْ لَا، وَعَبَّرَ فِي الْمُهَذَّبِ بِالْبَارِدَةِ، وَجَمَعَ الْمَاوَرْدِيُّ بَيْنَهُمَا.
قَالَ فِي الْمُهِمَّاتِ: وَالظَّاهِرُ أَنَّ الرِّيحَ الشَّدِيدَةَ وَحْدَهَا عُذْرٌ بِاللَّيْلِ، وَإِنَّمَا عَبَّرَ مَنْ عَبَّرَ بِالْبَارِدَةِ لِكَوْنِهِ الْغَالِبَ، وَقَدْ صَرَّحَ بِاخْتِيَارِهِ الطَّبَرِيُّ فِي شَرْحِ التَّنْبِيهِ، فَقَالَ: الْمُخْتَارُ أَنَّ كُلًّا مِنْ الظُّلْمَةِ وَالْبَرْدِ وَالرِّيحِ الشَّدِيدَةِ عُذْرٌ بِاللَّيْلِ اهـ. وَهَذَا هُوَ الظَّاهِرُ، وَخَرَجَ بِذَلِكَ الرِّيحُ الْخَفِيفَةُ لَيْلًا وَالشَّدِيدَةُ نَهَارًا.
نَعَمْ الْمُتَّجَهُ كَمَا قَالَ الْإِسْنَوِيُّ أَنَّ وَقْتَ الصُّبْحِ؛ كَاللَّيْلِ لِأَنَّ الْمَشَقَّةَ فِيهِ أَشَدُّ مِنْهَا فِي الْمَغْرِبِ وَالرِّيحُ مُؤَنَّثَةٌ (وَكَذَا وَحَلٌ) بِفَتْحِ الْحَاءِ (شَدِيدٌ عَلَى الصَّحِيحِ) لَيْلًا كَانَ أَوْ نَهَارًا لِأَنَّهُ أَشَقُّ مِنْ الْمَطَرِ بِخِلَافِ الْخَفِيفِ مِنْهُ.
وَالشَّدِيدُ هُوَ الَّذِي لَا يُؤْمَنُ مَعَهُ التَّلْوِيثُ كَمَا جَزَمَ بِهِ فِي الْكِفَايَةِ.
لَكِنْ تُرِكَ فِي الْمَجْمُوعِ وَالتَّحْقِيقِ التَّقْيِيدُ بِالشَّدِيدِ وَمُقْتَضَاهُ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْخَفِيفِ.
قَالَ الْأَذْرَعِيُّ: وَهُوَ الصَّحِيحُ وَالْأَحَادِيثُ دَالَّةٌ عَلَيْهِ، وَجَرَى عَلَى التَّقْيِيدِ ابْنُ الْمُقْرِي فِي رَوْضِهِ تَبَعًا لِأَصْلِهِ وَيَنْبَغِي اعْتِمَادُهُ.
فَإِنْ قِيلَ: حَدِيثُ ابْنِ حِبَّانَ الْمُتَقَدِّمُ أَصَابَهُمْ مَطَرٌ لَمْ يَبُلَّ أَسْفَلَ نِعَالِهِمْ وَنَادَى مُنَادِي رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - " صَلُّوا فِي رِحَالِكُمْ "؟ . أُجِيبَ بِأَنَّ النِّدَاءَ فِي الْحَدِيثِ كَانَ لِلْمَطَرِ كَمَا مَرَّ، وَالْكَلَامُ فِي الْوَحَلِ بِلَا مَطَرٍ (أَوْ خَاصٍّ كَمَرَضٍ) يَشُقُّ الْمَشْيُ مَعَهُ كَمَشَقَّةِ الْمَشْيِ فِي الْمَطَرِ وَإِنْ لَمْ يَبْلُغْ حَدًّا يُسْقِطُ الْقِيَامَ فِي الْفَرِيضَةِ كَمَا نَقَلَهُ الرَّافِعِيُّ عَنْ الْإِمَامِ وَأَقَرَّهُ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الرَّوْضَةِ لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَمَّا مَرِضَ تَرَكَ الصَّلَاةَ بِالنَّاسِ أَيَّامًا كَثِيرَةً» . أَمَّا الْخَفِيفُ كَوَجَعِ ضِرْسٍ وَصُدَاعٍ يَسِيرٍ وَحُمَّى خَفِيفَةٍ فَلَيْسَ بِعُذْرٍ (وَحَرٍّ وَبَرْدٍ شَدِيدَيْنِ) لِأَنَّ الْمَشَقَّةَ فِيهِمَا كَالْمَشَقَّةِ فِي الْمَطَرِ، وَإِطْلَاقُهُ كَأَصْلِهِ يَقْتَضِي أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ.
لَكِنْ اقْتَصَرَ فِي الرَّوْضَةِ فِي شِدَّةِ الْحَرِّ عَلَى الظُّهْرِ، وَكَذَا أَصْلُهَا فِي أَوَّلِ كَلَامِهِ.
لَكِنْ كَلَامُهُ بَعْدُ يَقْتَضِي عَدَمَ التَّقْيِيدِ بِهِ وَهَذَا هُوَ الظَّاهِرُ.
قَالَ الْأَذْرَعِيُّ: وَصَرَّحَ بِهِ بَعْضُهُمْ فَقَالَ: لَيْلًا أَوْ نَهَارًا اهـ. وَذَكَرَهُ هُنَا كَالْمُحَرَّرِ مِنْ الْخَاصِّ، وَفِي الرَّوْضَةِ كَالشَّرْحِ مِنْ الْعَامِّ وَجَمَعَ

وَجُوعٍ وَعَطَشٍ ظَاهِرَيْنِ، وَمُدَافَعَةِ حَدَثٍ، وَخَوْفِ ظَالِمٍ عَلَى نَفْسٍ أَوْ مَالٍ، وَمُلَازَمَةِ غَرِيمٍ مُعْسِرٍ، وَـ

[مغني المحتاج]

بَيْنَ الْكَلَامَيْنِ بِأَنَّهُمَا إنْ أَحَسَّ بِهِمَا ضَعِيفُ الْخِلْقَةِ دُونَ قَوِيِّهَا فَهُمَا مِنْ الْخَاصِّ، وَإِنْ أَحَسَّ بِهِمَا قَوِيُّهَا فَهُمَا مِنْ الْعَامِّ إذْ يُحِسُّ بِهِمَا ضَعِيفُهَا مِنْ بَابِ أَوْلَى وَمِنْ الْخَاصِّ شِدَّةُ النُّعَاسِ وَلَوْ فِي انْتِظَارِ الْجَمَاعَةِ، وَمِنْ الْعَامِّ السَّمُومُ، وَهُوَ بِفَتْحِ السِّينِ الرِّيحُ الْحَارَّةُ، وَالزَّلْزَلَةُ وَهِيَ بِفَتْحِ الزَّايِ تَحْرِيكُ الْأَرْضِ لِمَشَقَّةِ الْحَرَكَةِ فِيهِمَا لَيْلًا كَانَ أَوْ نَهَارًا (وَجُوعٍ وَعَطَشٍ ظَاهِرَيْنِ) قَالَ فِي الرَّوْضَةِ: وَالْمَطْعُومُ حَاضِرٌ.
قَالَ ابْنُ الرِّفْعَةِ تَبَعًا لِابْنِ يُونُسَ: أَوْ لَيْسَ بِحَاضِرٍ أَيْ وَقَرُبَ حُضُورُهُ، وَنَفْسُهُ تَتُوقُ بِالْمُثَنَّاةِ أَيْ تَشْتَاقُ إلَيْهِ لِخَبَرِ الصَّحِيحَيْنِ «إذَا وُضِعَ عَشَاءُ أَحَدِكُمْ وَأُقِيمَتْ الصَّلَاةُ فَابْدَءُوا بِالْعَشَاءِ وَلَا يَعْجَلَنَّ حَتَّى يَفْرُغَ مِنْهُ» وَقَوْلِ الْمُهِمَّاتِ: الظَّاهِرُ الِاكْتِفَاءُ بِالتَّوَقَانِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ بِهِ جُوعٌ وَلَا عَطَشٌ، فَإِنَّ كَثِيرًا مِنْ الْفَوَاكِهِ وَالْمَشَارِبِ اللَّذِيذَةِ تَتُوقُ النَّفْسُ إلَيْهَا عِنْدَ حُضُورِهَا بِلَا جُوعٍ وَعَطَشٍ قَالَ شَيْخُنَا: مَرْدُودٌ بِأَنَّهُ يَبْعُدُ مُفَارَقَتُهُمَا لِلتَّوَقَانِ إذْ التَّوَقَانُ إلَى الشَّيْءِ الِاشْتِيَاقُ إلَيْهِ لَا الشَّوْقُ، فَشَهْوَةُ النَّفْسِ لِهَذِهِ الْمَذْكُورَاتِ بِدُونِهِمَا لَا تُسَمَّى تَوَقَانًا، وَإِنَّمَا تُسَمَّاهُ إذَا كَانَتْ بِهِمَا بَلْ بِشِدَّتِهِمَا (وَمُدَافَعَةِ حَدَثٍ) مِنْ بَوْلٍ أَوْ غَائِطٍ أَوْ رِيحٍ لِخَبَرِ مُسْلِمٍ «لَا صَلَاةَ بِحَضْرَةِ طَعَامٍ وَلَا وَهُوَ يُدَافِعُهُ الْأَخْبَثَانِ» فَيَتَخَلَّفُ عَنْ الْجَمَاعَةِ نَدْبًا لِيَتَفَرَّغَ عَنْ الْحَدَثِ وَيَكْسِرَ شَهْوَتَهُ فِي الْجُوعِ بِأَنْ يَأْكُلَ لُقَيْمَاتٍ يَكْسِرُ بِهَا سَوْرَتَهُ.
لَكِنْ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ وَغَيْرِهِ تَصْوِيبُ إكْمَالِ حَاجَتِهِ مِنْ الْأَكْلِ قَالَ: وَمَا تَأَوَّلَهُ بَعْضُ أَصْحَابِنَا مِنْ أَنَّهُ يَأْكُلُ لُقَمًا تَكْسِرُ سَوْرَةَ الْجُوعِ فَلَيْسَ بِصَحِيحٍ، فَلَوْ خَشِيَ بِتَخَلُّفِهِ فَوَاتَ الْوَقْتِ صَلَّى وُجُوبًا مُدَافِعًا وَجَائِعًا وَعَطْشَانَ وَلَا كَرَاهَةَ لِحُرْمَةِ الْوَقْتِ (وَخَوْفِ ظَالِمٍ عَلَى) مَعْصُومٍ مِنْ (نَفْسٍ) أَوْ عُضْوٍ أَوْ مَنْفَعَةٍ (أَوْ مَالٍ) أَوْ عَرَضٍ أَوْ حَقٍّ أَوْ لِمَنْ يَلْزَمُهُ الذَّبُّ عَنْهُ حَتَّى عَلَى خُبْزِهِ فِي التَّنُّورِ وَطَبِيخِهِ فِي الْقِدْرِ عَلَى النَّارِ وَلَا مُتَعَهِّدَ يَخْلُفُهُ.
قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: وَهَذَا إذَا لَمْ يَقْصِدْ بِذَلِكَ إسْقَاطَ الْجَمَاعَةِ وَإِلَّا فَلَيْسَ بِعُذْرٍ، وَلَوْ وَقَعَ ذَلِكَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ حَرُمَ عَلَيْهِ كَالسَّفَرِ يَوْمَهَا إذَا قَصَدَ إسْقَاطَهَا وَلَمْ يُمْكِنْهُ فِي طَرِيقِهِ، وَكَذَا التَّحِيَّةُ إذَا دَخَلَ الْمَسْجِدَ بِقَصْدِهَا فِي وَقْتِ الْكَرَاهَةِ.
أَمَّا خَوْفُهُ مِمَّنْ يُطَالِبُهُ بِحَقٍّ هُوَ ظَالِمٌ فِي مَنْعِهِ فَلَيْسَ بِعُذْرٍ، بَلْ عَلَيْهِ الْحُضُورُ وَتَوْفِيَةُ الْحَقِّ (وَ) خَوْفِ (مُلَازَمَةِ) أَوْ حَبْسِ (غَرِيمِ مُعْسِرٍ) بِإِضَافَةِ غَرِيمِ إلَى مُعْسِرٍ، وَالْمُرَادُ مُلَازَمَةُ غَرِيمِهِ وَهُوَ مُعْسِرٌ، وَفُهِمَ هَذَا مِنْ عِبَارَتِهِ كَمَا قَالَ الْوَلِيُّ الْعِرَاقِيُّ قَلِقٌ، وَمَحَلُّ هَذَا إذَا عَسُرَ عَلَيْهِ إثْبَاتُ إعْسَارِهِ وَإِلَّا لَمْ يُعْذَرْ كَمَا قَالَهُ فِي الْبَسِيطِ، وَلَوْ كَانَ الْحَاكِمُ لَا يَسْمَعُ الْبَيِّنَةَ إلَّا بَعْدَ الْحَبْسِ فَوُجُودُهَا كَالْعَدَمِ هَذَا إذَا لَمْ يَقْبَلْ قَوْلَهُ فِي الْإِعْسَارِ.
أَمَّا إذَا قَبِلَ كَأَنْ لَزِمَهُ الدَّيْنُ لَا فِي مُقَابَلَةِ مَالٍ كَصَدَاقِ الزَّوْجَةِ فَإِنَّهُ لَا يُعْذَرُ، وَكَذَا إذَا ادَّعَى الْإِعْسَارَ وَعَلِمَ الْمُدَّعِي بِإِعْسَارِهِ وَطَلَبَ يَمِينَهُ عَلَى عَدَمِ عِلْمِهِ فَرَدَّ عَلَيْهِ الْيَمِينَ، فَالْمُتَّجَهُ أَنَّهُ لَا يَكُونُ عُذْرًا، وَالْغَرِيمُ مَأْخُوذٌ مِنْ الْغَرَامِ وَهُوَ الدَّوَامُ.
قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا﴾ [الفرقان: 65] فَأَطْلَقُوهُ هُنَا لِدَوَامِ الطَّلَبِ، وَيُطْلَقُ لُغَةً عَلَى الْمَدِينِ وَالدَّائِنِ وَهُوَ الْمُرَادُ هُنَا (وَ)

عُقُوبَةٍ يُرْجَى تَرْكُهَا، إنْ تَغَيَّبَ أَيَّامًا، وَعُرْيٍ وَتَأَهُّبٍ لِسَفَرٍ مَعَ رُفْقَةٍ تَرْحَلُ، وَأَكْلِ ذِي رِيحٍ كَرِيهٍ،

[مغني المحتاج]

خَوْفِ (عُقُوبَةٍ) كَتَعْزِيرٍ لِلَّهِ تَعَالَى أَوْ لِآدَمِيٍّ وَقَوَدٍ وَحَدِّ قَذْفٍ مِمَّا يَقْبَلُ الْعَفْوَ.
(يُرْجَى تَرْكُهَا إنْ تَغَيَّبَ أَيَّامًا) يَسْكُنُ فِيهَا غَيْظُ الْمُسْتَحِقِّ بِخِلَافِ مَا لَا يَقْبَلُهُ كَحَدِّ الزِّنَا، وَكَذَا مَا يَقْبَلُ إذَا لَمْ يُرْجَ التَّرْكُ لَوْ تَغَيَّبَ، وَقَدْ خَرَجَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ يُرْجَى تَرْكُهَا.
وَاسْتَشْكَلَ الْإِمَامُ جَوَازَ التَّغَيُّبِ لِمَنْ عَلَيْهِ قِصَاصٌ، فَإِنَّ مُوجِبَهُ كَبِيرَةٌ، وَالتَّخْفِيفُ يُنَافِيهِ.
وَأَجَابَ بِأَنَّ الْعَفْوَ مَنْدُوبٌ إلَيْهِ وَالتَّغَيُّبَ طَرِيقُهُ.
قَالَ الْأَذْرَعِيُّ: وَالْإِشْكَالُ أَقْوَى.
تَنْبِيهٌ قَالَ بَعْضُهُمْ: يُسْتَفَادُ مِنْ تَقْيِيدِ الشَّيْخَيْنِ رَجَاءَ الْعَفْوِ بِتَغَيُّبِهِ أَيَّامًا أَنَّ الْقِصَاصَ لَوْ كَانَ لِصَبِيٍّ لَمْ يَجُزْ التَّغَيُّبُ؛ لِأَنَّ الْعَفْوَ إنَّمَا يَكُونُ بَعْدَ الْبُلُوغِ، فَيُؤَدِّي إلَى أَنْ يَتْرُكَ الْجُمُعَةَ سِنِينَ.
وَقَالَ الْأَذْرَعِيُّ: قَوْلُهُمَا أَيَّامًا لَمْ أَرَهُ إلَّا فِي كَلَامِهِمَا، وَالشَّافِعِيُّ وَالْأَصْحَابُ أَطْلَقُوا، وَيَظْهَرُ الضَّبْطُ بِأَنَّهُ مَا دَامَ يَرْجُو الْعَفْوَ يَجُوزُ لَهُ التَّغَيُّبُ، فَإِنْ يَئِسَ أَوْ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ عَدَمُ الْعَفْوِ حَرُمَ التَّغَيُّبُ اهـ. وَهَذَا هُوَ الظَّاهِرُ، وَبِذَلِكَ تَرَكَ ابْنُ الْمُقْرِي هَذَا التَّقْيِيدَ (وَعُرْيٍ) وَإِنْ وَجَدَ مَا يَسْتُرُ عَوْرَتَهُ؛ لِأَنَّ عَلَيْهِ مَشَقَّةً فِي خُرُوجِهِ بِغَيْرِ لِبَاسٍ يَلِيقُ بِهِ.
كَذَا عَلَّلَهُ فِي الْمَجْمُوعِ، وَيُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّ مَنْ اعْتَادَ الْخُرُوجَ مَعَ سَتْرِ الْعَوْرَةِ فَقَطْ أَنَّهُ لَا يَكُونُ مَعْذُورًا عِنْدَ فَقْدِ الزَّائِدِ عَلَيْهِ وَهُوَ كَذَلِكَ، وَأَنَّ مَنْ وَجَدَ مَا لَا يَلِيقُ بِهِ كَالْقَبَاءِ لِلْفَقِيهِ كَالْمَعْدُومِ.
قَالَ فِي الْمُهِمَّاتِ: وَبِهِ صَرَّحَ بَعْضُهُمْ (وَتَأَهُّبٍ لِسَفَرٍ) مُبَاحٍ يُرِيدُهُ (مَعَ رُفْقَةٍ تَرْحَلُ) وَيَخَافُ مِنْ التَّخَلُّفِ لِلْجَمَاعَةِ عَلَى نَفْسِهِ أَوْ مَالِهِ أَوْ يَسْتَوْحِشُ فَقَطْ لِلْمَشَقَّةِ فِي التَّخَلُّفِ عَنْهُمْ (وَأَكْلُ ذِي رِيحٍ كَرِيهٍ) كَبَصَلٍ أَوْ فُجْلٍ أَوْ ثُومٍ أَوْ كُرَّاثٍ نِيءٍ لِخَبَرِ الصَّحِيحَيْنِ «مَنْ أَكَلَ بَصَلًا أَوْ ثُومًا أَوْ كُرَّاثًا فَلَا يَقْرَبَنَّ مَسْجِدَنَا وَفِي رِوَايَةٍ الْمَسَاجِدَ، فَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ تَتَأَذَّى مِمَّا يَتَأَذَّى مِنْهُ بَنُو آدَمَ» زَادَ الْبُخَارِيُّ.
قَالَ جَابِرٌ: مَا أَرَاهُ إلَّا نِيئَهُ، وَزَادَ الطَّبَرَانِيُّ أَوْ فُجْلًا.
هَذَا إنْ تَعَسَّرَ زَوَالُ رِيحِهِ بِغَسْلٍ وَمُعَالَجَةٍ بِخِلَافِ مَا إذَا لَمْ يَتَعَسَّرْ أَمَّا الْمَطْبُوخُ فَلَا يُعْذَرُ بِهِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي الْمُحَرَّرِ لِزَوَالِ رِيحِهِ، وَكَأَنَّ الْمُصَنِّفَ اسْتَغْنَى عَنْ التَّصْرِيحِ بِهِ بِقَوْلِهِ كَرِيهٍ وَلَوْ ذَكَرَهُ لَكَانَ أَوْضَحَ وَأَحْسَنَ إذْ لَا بُدَّ فِيهِ مِنْ رَائِحَةٍ كَرِيهَةٍ لَكِنَّهَا اُغْتُفِرَتْ لِقِلَّتِهَا، وَيُؤْخَذُ مِمَّا ذُكِرَ أَنَّهُ يُعْذَرُ بِالْبَخَرِ وَالصُّنَانِ الْمُسْتَحْكِمِ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى قَالَهُ فِي الْمُهِمَّاتِ، وَتُوُقِّفَ فِي الْجُذَامِ وَالْبَرَصِ وَالْمُتَّجَهُ كَمَا قَالَ الزَّرْكَشِيُّ أَنَّهُ يُعْذَرُ بِهِمَا؛ لِأَنَّ التَّأَذِّي بِهِمَا أَشَدُّ مِنْهُ بِأَكْلِ الثُّومِ وَنَحْوِهِ، قَالَ: وَقَدْ نَقَلَ الْقَاضِي عِيَاضٌ عَنْ الْعُلَمَاءِ أَنَّ الْمَجْذُومَ وَالْأَبْرَصَ يُمْنَعَانِ مِنْ الْمَسْجِدِ وَمِنْ صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ وَمِنْ اخْتِلَاطِهِمَا بِالنَّاسِ، وَدُخُولُ الْمَسْجِدِ لِلَّذِي أَكَلَ مَا سَبَقَ مَكْرُوهٌ كَمَا فِي آخِرِ شُرُوطِ الصَّلَاةِ مِنْ الرَّوْضَةِ خِلَافًا لِمَا صَرَّحَ بِهِ ابْنُ الْمُنْذِرِ وَأَشَارَ إلَيْهِ غَيْرُهُ مِنْ التَّحْرِيمِ، وَصَرَّحَ ابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ بِأَنَّ الْمَعْذُورَ بِأَكْلِ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ لِلتَّدَاوِي يُعْذَرُ فِي الْحُضُورِ وَإِطْلَاقُ الْحَدِيثِ، وَكَلَامُ الْأَصْحَابِ يَقْتَضِي أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْمَعْذُورِ وَغَيْرِهِ، وَالْمَعْنَى

وَحُضُورِ قَرِيبٍ مُحْتَضِرٍ أَوْ مَرِيضٍ بِلَا مُتَعَهِّدٍ، أَوْ يَأْنَسُ بِهِ.

[مغني المحتاج]

وَهُوَ التَّأَذِّي يَدُلُّ عَلَيْهِ، وَهَذَا هُوَ الظَّاهِرُ (وَحُضُورِ) نَحْوِ (قَرِيبٍ) كَزَوْجَةٍ وَرَقِيقٍ وَصَدِيقٍ وَصِهْرٍ (مُحْتَضَرٍ) أَيْ حَضَرَهُ الْمَوْتُ وَإِنْ كَانَ لَهُ مُتَعَهِّدٌ لِمَا رَوَى الْبُخَارِيُّ عَنْ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - أَنَّهُ تَرَكَ الْجُمُعَةَ وَحَضَرَ عِنْدَ قَرِيبِهِ سَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ أَحَدِ الْعَشَرَةِ لَمَّا أُخْبِرَ أَنَّ الْمَوْتَ قَدْ نَزَلَ بِهِ وَلِأَنَّهُ يَتَأَلَّمُ بِغَيْبَتِهِ عَنْهُ أَكْثَرَ مِمَّا يَتَأَلَّمُ بِذَهَابِ الْمَالِ.
وَأَلْحَقَ الْمُحِبُّ الطَّبَرِيُّ بِمَنْ ذُكِرَ الْأُسْتَاذَ.
وَقَالَ الْإِسْنَوِيُّ: وَيَتَّجِهُ إلْحَاقُ الْعَتِيقِ وَالْمُعْتِقِ بِهِمْ أَيْضًا (أَوْ) حُضُورِ (مَرِيضٍ بِلَا مُتَعَهِّدٍ) لَهُ لِئَلَّا يَضِيعَ سَوَاءٌ أَكَانَ قَرِيبًا أَمْ أَجْنَبِيًّا إذَا خَافَ هَلَاكَهُ إنْ غَابَ عَنْهُ، وَكَذَا لَوْ خَافَ عَلَيْهِ ضَرَرًا ظَاهِرًا عَلَى الْأَصَحِّ (أَوْ يَأْنَسُ) الْقَرِيبُ أَوْ نَحْوُهُ كَمَا فِي الْمُحَرَّرِ (بِهِ) وَإِنْ اقْتَضَتْ عِبَارَتُهُ أَنَّ الْأُنْسَ عُذْرٌ فِي الْقَرِيبِ وَالْأَجْنَبِيِّ، وَلَوْ قَالَ: وَحُضُورُ قَرِيبٍ مُحْتَضَرٍ أَوْ كَانَ يَأْنَسُ بِهِ أَوْ مَرِيضٍ بِلَا مُتَعَهِّدٍ لَكَانَ أَوْلَى، وَقَالَ الشَّارِحُ: إنَّ قَوْلَهُ أَوْ مَرِيضٍ عَطْفٌ عَلَى مُحْتَضَرٍ فَيَفُوتُ الْأَجْنَبِيُّ الَّذِي لَا مُتَعَهِّدَ لَهُ مَعَ أَنَّهُ يُعْذَرُ لِأَجْلِهِ، وَلَوْ كَانَ الْمُتَعَهِّدُ مُشْتَغِلًا بِشِرَاءِ الْأَدْوِيَةِ مَثَلًا عَنْ الْخِدْمَةِ، فَكَمَا لَوْ لَمْ يَكُنْ مُتَعَهِّدٌ.
تَتِمَّةٌ: بَقِيَ مِنْ الْأَعْذَارِ السِّمَنُ الْمُفْرِطُ كَمَا ذَكَرَهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ، وَرَوَى فِيهِ خَبَرًا، وَكَوْنُهُ مِنْهَا كَمَا نُقِلَ عَنْ الذَّخَائِرِ، وَزِفَافُ زَوْجَةٍ فِي الصَّلَوَاتِ اللَّيْلِيَّةِ كَمَا سَيَأْتِي إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فِي الْقَسْمِ، وَغَلَبَةُ النُّعَاسِ وَالنَّوْمِ إنْ انْتَظَرَ الْجَمَاعَةَ وَالْبَحْثُ عَنْ ضَالَّةٍ يَرْجُوهَا، وَالسَّعْيُ فِي اسْتِرْدَادِ مَغْصُوبٍ لَهُ أَوْ لِغَيْرِهِ.
قَالَ الْإِسْنَوِيُّ: وَإِنَّمَا يَتَّجِهُ جَعْلُ هَذِهِ الْأُمُورِ أَعْذَارًا لِمَنْ لَا يَتَأَتَّى لَهُ إقَامَةُ الْجَمَاعَةِ فِي بَيْتِهِ وَإِلَّا لَمْ يَسْقُطْ عَنْهُ طَلَبُهَا لِكَرَاهَةِ الِانْفِرَادِ لِلرَّجُلِ.
وَإِنْ قُلْنَا إنَّهَا سُنَّةٌ.
قَالَ فِي الْمَجْمُوعِ: وَمَعْنَى كَوْنِهَا أَعْذَارًا سُقُوطُ الْإِثْمِ عَلَى قَوْلِ الْفَرْضِ، وَالْكَرَاهَةِ عَلَى قَوْلِ السُّنَّةِ، لَا حُصُولُ فَضْلِهَا، وَيُوَافِقُهُ جَوَابُ الْجُمْهُورِ عَنْ خَبَرِ مُسْلِمٍ «سَأَلَ أَعْمَى النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يُرَخِّصَ لَهُ فِي الصَّلَاةِ فِي بَيْتِهِ لِكَوْنِهِ لَا قَائِدَ لَهُ فَرَخَّصَ لَهُ، فَلَمَّا وَلَّى دَعَاهُ، فَقَالَ: هَلْ تَسْمَعُ النِّدَاءَ؟ فَقَالَ: نَعَمْ، قَالَ: فَأَجِبْ» بِأَنَّهُ سَأَلَ هَلْ لَهُ رُخْصَةٌ فِي الصَّلَاةِ بِبَيْتِهِ مُنْفَرِدًا تُلْحِقُهُ بِفَضِيلَةِ مَنْ صَلَّى جَمَاعَةً؟ فَقِيلَ لَا، وَجَزَمَ الرُّويَانِيُّ بِأَنَّهُ يَكُونُ مُحَصِّلًا لِلْجَمَاعَةِ إذَا صَلَّى مُنْفَرِدًا وَكَانَ قَصْدُهُ الْجَمَاعَةَ لَوْلَا الْعُذْرُ، وَنَقَلَهُ فِي الْكِفَايَةِ وَأَقَرَّهُ فِي الْبَحْرِ عَنْ الْقَفَّالِ وَارْتَضَاهُ وَجَزَمَ بِهِ الْمَاوَرْدِيُّ وَالْغَزَالِيُّ، وَيَدُلُّ لَهُ خَبَرُ أَبِي مُوسَى «إذَا مَرِضَ الْعَبْدُ أَوْ سَافَرَ كُتِبَ لَهُ مِنْ الْعَمَلِ مَا كَانَ يَعْمَلُهُ صَحِيحًا مُقِيمًا» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَقَالَ الْإِسْنَوِيُّ وَمَا فِي الْمَجْمُوعِ مِنْ عَدَمِ حُصُولِ فَضْلِهَا مَرْدُودٌ سَبَبُهُ الذُّهُولُ كَمَا سَبَقَ نَقْلًا وَاسْتِدْلَالًا، وَحَمَلَ بَعْضُهُمْ كَلَامَ الْمَجْمُوعِ عَلَى مُتَعَاطِي السَّبَبِ كَأَكْلِ بَصَلٍ وَثُومٍ، وَكَلَامَ هَؤُلَاءِ عَلَى غَيْرِهِ كَمَطَرٍ وَمَرَضٍ وَجَعَلَ حُصُولَهَا كَحُصُولِهَا لِمَنْ حَضَرَهَا لَا مِنْ كُلِّ وَجْهٍ، بَلْ فِي أَصْلِهَا لِئَلَّا يُنَافِيَهُ خَبَرُ الْأَعْمَى وَهُوَ جَمْعٌ حَسَنٌ.

فَصْلٌ لَا يَصِحُّ اقْتِدَاؤُهُ بِمَنْ يَعْلَمُ بُطْلَانَ صَلَاتِهِ أَوْ يَعْتَقِدُهُ كَمُجْتَهِدَيْنِ اخْتَلَفَا فِي الْقِبْلَةِ أَوْ إنَاءَيْنِ

فَإِنْ تَعَدَّدَ الطَّاهِرُ فَالْأَصَحُّ الصِّحَّةُ مَا لَمْ يَتَعَيَّنْ إنَاءُ الْإِمَامِ لِلنَّجَاسَةِ، فَإِنْ ظَنَّ طَهَارَةَ إنَاءِ غَيْرِهِ اقْتَدَى بِهِ قَطْعًا، فَلَوْ اشْتَبَهَ خَمْسَةٌ فِيهَا نَجَسٌ عَلَى خَمْسَةٍ فَظَنَّ كُلٌّ طَهَارَةَ إنَاءٍ فَتَوَضَّأَ بِهِ وَأَمَّ كُلٌّ فِي صَلَاةٍ فَفِي الْأَصَحِّ يُعِيدُونَ الْعِشَاءَ إلَّا إمَامَهَا فَيُعِيدُ الْمَغْرِبَ.

وَلَوْ اقْتَدَى شَافِعِيٌّ بِحَنَفِيٍّ مَسَّ فَرْجَهُ أَوْ

[مغني المحتاج]

[فَصْلٌ فِي صِفَاتِ الْأَئِمَّةِ]

(فَصْلٌ) فِي صِفَاتِ الْأَئِمَّةِ (لَا يَصِحُّ اقْتِدَاؤُهُ بِمَنْ يَعْلَمُ بُطْلَانَ صَلَاتِهِ) كَمَنْ عَلِمَ بِكُفْرِهِ أَوْ حَدَثِهِ أَوْ نَجَاسَةِ ثَوْبِهِ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي صَلَاةٍ، فَكَيْفَ يَقْتَدِي بِهِ (أَوْ يَعْتَقِدُهُ) أَيْ بُطْلَانَهَا مِنْ حَيْثُ الِاجْتِهَادُ فِي غَيْرِ اخْتِلَافِ الْمَذَاهِبِ فِي الْفُرُوعِ.
أَمَّا الِاجْتِهَادُ فِي الْفُرُوعِ فَسَيَأْتِي، وَالْمُرَادُ بِالِاعْتِقَادِ هُنَا أَنْ يَظُنَّهُ ظَنًّا غَالِبًا كَمَا يُفْهَمُ مِنْ الْمِثَالِ لَا الْمُصْطَلَحُ عَلَيْهِ عِنْدَ الْأُصُولِيِّينَ، وَهُوَ الْجَزْمُ الْمُطَابِقُ لِدَلِيلٍ (كَمُجْتَهِدَيْنِ اخْتَلَفَا فِي الْقِبْلَةِ أَوْ) فِي (إنَاءَيْنِ) مِنْ الْمَاءِ طَاهِرٍ وَنَجَسٍ بِأَنْ أَدَّى اجْتِهَادُ أَحَدِهِمَا إلَى غَيْرِ مَا أَدَّى إلَيْهِ اجْتِهَادُ الْآخَرِ فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ وَتَوَضَّأَ كُلٌّ مِنْ إنَائِهِ فِي الثَّانِيَةِ فَلَيْسَ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنْ يَقْتَدِيَ بِالْآخَرِ فِي كُلٍّ مِنْ الْمَسْأَلَتَيْنِ لِاعْتِقَادِهِ بُطْلَانَ صَلَاتِهِ.

(فَإِنْ تَعَدَّدَ الطَّاهِرُ) مِنْ الْآنِيَةِ كَأَنْ كَانَتْ الْأَوَانِي ثَلَاثَةً وَالطَّاهِرُ مِنْهَا اثْنَانِ وَالْمُجْتَهِدُونَ ثَلَاثَةٌ وَظَنَّ كُلٌّ مِنْهُمْ طَهَارَةَ إنَائِهِ فَقَطْ (فَالْأَصَحُّ الصِّحَّةُ) أَيْ صِحَّةُ اقْتِدَاءِ بَعْضِهِمْ بِبَعْضٍ (مَا لَمْ يَتَعَيَّنْ إنَاءُ الْإِمَامِ لِلنَّجَاسَةِ) فَيَصِحُّ الِاقْتِدَاءُ فِي مِثَالِنَا لِكُلٍّ مِنْهُمْ بِوَاحِدٍ فَقَطْ لِتَعَيُّنِ الْإِنَاءِ الثَّالِثِ لِلنَّجَاسَةِ فِي حَقِّهِ (فَإِنْ ظَنَّ) وَاحِدٌ بِاجْتِهَادِهِ (طَهَارَةَ إنَاءِ غَيْرِهِ اقْتَدَى بِهِ) جَوَازًا (قَطْعًا) أَوْ نَجَاسَةً لَمْ يَقْتَدِ بِهِ قَطْعًا كَمَا فِي حَقِّ نَفْسِهِ (فَلَوْ اشْتَبَهَ خَمْسَةٌ) مِنْ الْآنِيَةِ (فِيهَا نَجِسٌ عَلَى خَمْسَةٍ) مِنْ أُنَاسٍ (فَظَنَّ كُلٌّ) مِنْهُمْ (طَهَارَةَ إنَاءٍ) مِنْهَا (فَتَوَضَّأَ بِهِ) وَلَمْ يَظُنَّ شَيْئًا فِي الْأَوَائِلِ الْأَرْبَعَةِ (وَأَمَّ كُلٌّ) مِنْهُمْ (فِي صَلَاةٍ) مِنْ الْخَمْسِ الْبَاقِينَ مُبْتَدِئِينَ بِالصُّبْحِ (فَفِي) الْوَجْهِ (الْأَصَحِّ) السَّابِقِ فِي الْمَسْأَلَةِ قَبْلَهَا (يُعِيدُونَ الْعِشَاءَ) لِتَعَيُّنِ النَّجَاسَةِ فِي إنَاءِ إمَامِهَا بِزَعْمِهِمْ (إلَّا إمَامَهَا فَيُعِيدُ الْمَغْرِبَ) لِتَعَيُّنِ إمَامِهَا لِلنَّجَاسَةِ فِي حَقِّهِ.
وَضَابِطُ ذَلِكَ أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ يُعِيدُ مَا كَانَ مَأْمُومًا فِيهِ آخِرًا، وَالْوَجْهُ الثَّانِي: يُعِيدُ كُلٌّ مِنْهُمْ مَا صَلَّاهُ مَأْمُومًا، وَهُوَ أَرْبَعُ صَلَوَاتٍ لِعَدَمِ صِحَّةِ الِاقْتِدَاءِ لِمَا تَقَدَّمَ، وَلَوْ كَانَ فِي الْخَمْسَةِ إنَاءَانِ نَجِسَانِ صَحَّ اقْتِدَاءُ كُلٍّ مِنْهُمْ بِاثْنَيْنِ فَقَطْ، أَوْ النَّجِسُ مِنْهَا ثَلَاثَةٌ فَبِوَاحِدٍ فَقَطْ، وَبِذَلِكَ عُلِمَ أَنَّ مَنْ كَانَ تَأَخَّرَ مِنْهُمْ تَعَيَّنَ الِاقْتِدَاءُ بِهِ لِلْبُطْلَانِ كَمَا عُلِمَ مِنْ الضَّابِطِ الْمُتَقَدِّمِ، وَلَوْ كَانَ النَّجِسُ أَرْبَعَةً امْتَنَعَ الِاقْتِدَاءُ بَيْنَهُمْ، وَلَوْ سُمِعَ صَوْتُ حَدَثٍ بَيْنَ جَمَاعَةٍ وَأَنْكَرَ كُلٌّ مِنْهُمْ وُقُوعَهُ مِنْهُ فَعَلَى مَا ذُكِرَ فِي الْأَوَانِي.
ثُمَّ شَرَعَ فِي اخْتِلَافِ الْمَذَاهِبِ فِي الْفُرُوعِ.

فَقَالَ (وَلَوْ اقْتَدَى شَافِعِيٌّ بِحَنَفِيٍّ) فَعَلَ مُبْطِلًا عِنْدَنَا دُونَهُ كَأَنْ (مَسَّ فَرْجَهُ) أَوْ تَرَكَ الطُّمَأْنِينَةَ أَوْ الْبَسْمَلَةَ أَوْ الْفَاتِحَةَ أَوْ بَعْضَهَا (أَوْ) عِنْدَهُ

افْتَصَدَ فَالْأَصَحُّ الصِّحَّةُ فِي الْفَصْدِ دُونَ الْمَسِّ اعْتِبَارًا بِنِيَّةِ الْمُقْتَدِي.

وَلَا تَصِحُّ قُدْوَةٌ بِمُقْتَدٍ.

[مغني المحتاج]

دُونَنَا كَأَنْ (افْتَصَدَ فَالْأَصَحُّ الصِّحَّةُ) أَيْ صِحَّةُ الِاقْتِدَاءِ (فِي الْفَصْدِ دُونَ الْمَسِّ) وَنَحْوِهِ مِمَّا تَقَدَّمَ (اعْتِبَارًا بِنِيَّةِ) أَيْ اعْتِقَادِ (الْمُقْتَدِي) لِأَنَّهُ مُحْدِثٌ عِنْدَهُ بِالْمَسِّ دُونَ الْفَصْدِ، وَالثَّانِي عَكْسُ ذَلِكَ اعْتِبَارًا بِاعْتِقَادِ الْمُقْتَدَى بِهِ؛ لِأَنَّهُ يَرَى أَنَّهُ مُتَلَاعِبٌ فِي الْفَصْدِ وَنَحْوِهِ فَلَا يَقَعُ مِنْهُ نِيَّةٌ صَحِيحَةٌ، وَحِينَئِذٍ فَلَا يُتَصَوَّرُ جَزْمُ الْمَأْمُومِ بِالنِّيَّةِ، وَلَوْ حَافَظَ الْمُخَالِفُ فِي الْفُرُوعِ كَحَنَفِيٍّ عَلَى وَاجِبَاتِ الطَّهَارَةِ وَالصَّلَاةِ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ صَحَّ اقْتِدَاؤُهُ بِهِ، وَكَذَا لَوْ شَكَّ فِي إتْيَانِهِ بِهَا تَحْسِينًا لِلظَّنِّ بِهِ فِي أَنَّهُ يُرَاعِي الْخِلَافَ، وَلَا يَضُرُّ عَدَمُ اعْتِقَادِهِ الْوُجُوبَ وَإِنَّمَا ضَرَّ فِي الْإِمَامِ الْمُوَافِقِ لِعِلْمِ الْمَأْمُومِ بِبُطْلَانِهَا عِنْدَهُمَا.
وَقَالَ الْحَلِيمِيُّ: إنْ اقْتَدَى بِوَلِيِّ الْأَمْرِ أَوْ نَائِبِهِ صَحَّ مَعَ تَرْكِهِ الْوَاجِبَاتِ عِنْدَنَا لِمَا فِي الْمُفَارَقَةِ مِنْ الْفِتْنَةِ وَاسْتَحْسَنَاهُ بَعْدَ نَقْلِهِمَا عَنْ تَصْحِيحِ الْأَكْثَرِينَ، وَقَطَعَ جَمَاعَةٌ بِعَدَمِ الصِّحَّةِ وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ، وَمَا اسْتَحْسَنَاهُ مُخَالِفٌ لِنَظَائِرِهِ كَصِحَّةِ الْجُمُعَةِ السَّابِقَةِ وَإِنْ كَانَ السُّلْطَانُ مَعَ الْأُخْرَى، وَلَوْ تَرَكَ إمَامُهُ الْحَنَفِيُّ الْقُنُوتَ فِي صَلَاةِ الصُّبْحِ لِاعْتِقَادِهِ عَدَمَ سُنِّيَّتِهِ وَأَمْكَنَهُ هُوَ أَنْ يَقْنُتَ وَيُدْرِكَهُ فِي السَّجْدَةِ الْأُولَى نُدِبَ لَهُ أَنْ يَقْنُتَ وَإِلَّا تَابَعَهُ وَسَجَدَ لِلسَّهْوِ اعْتِبَارًا بِاعْتِقَادِهِ وَلَهُ فِرَاقُهُ لِيَقْنُتَ، وَقَضِيَّةُ كَلَامِ ابْنِ الْمُقْرِي كَأَصْلِهِ أَنَّهُ إذَا قَنَتَ لَا يَسْجُدُ وَهُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ الْعِبْرَةَ بِاعْتِقَادِ الْإِمَامِ، وَالْأَصَحُّ أَنَّ الْعِبْرَةَ بِاعْتِقَادِ الْمَأْمُومِ فَيَسْجُدُ كَمَا لَوْ كَانَ إمَامُهُ شَافِعِيًّا فَتَرَكَهُ.

وَلَوْ تَرَكَ شَافِعِيٌّ الْقُنُوتَ وَخَلْفَهُ حَنَفِيٌّ فَسَجَدَ الشَّافِعِيُّ لِلسَّهْوِ تَابَعَهُ الْحَنَفِيُّ، وَلَوْ تَرَكَ السُّجُودَ لَمْ يَسْجُدْ اعْتِبَارًا بِاعْتِقَادِهِ، وَلَوْ اقْتَدَى شَافِعِيٌّ بِمَنْ يَرَى تَطْوِيلَ الِاعْتِدَالِ فَطَوَّلَهُ لَمْ يُوَافِقْهُ بَلْ يَسْجُدُ وَيَنْتَظِرُهُ سَاجِدًا كَمَا يَنْتَظِرُهُ قَائِمًا إذَا سَجَدَ فِي سَجْدَةِ (ص) ، وَإِنْ اقْتَضَى كَلَامُ الْقَفَّالِ أَنَّهُ يَنْتَظِرُهُ فِي الِاعْتِدَالِ، وَكَلَامُ شَيْخِنَا جَوَازَ كُلٍّ مِنْ الْأَمْرَيْنِ، وَتَقَدَّمَ الْفَرْقُ هُنَاكَ بَيْنَ مِثْلِ ذَلِكَ وَبَيْنَ الْمَسِّ، وَهُوَ أَنَّ مَا يُبْطِلُ عَمْدُهُ وَسَهْوُهُ لَا يَنْتَظِرُهُ فِيهِ، وَمَا أَبْطَلَ عَمْدُهُ دُونَ سَهْوِهِ جَازَ انْتِظَارُهُ، وَيَأْتِي مِثْلُ هَذَا فِي نَظِيرِهِ مِنْ الْجُلُوسِ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ.
فَإِنْ قِيلَ: قَدْ صَرَّحُوا فِي بَابِ الْجَمْعِ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ بِأَنَّهُ لَوْ نَوَى مُسَافِرَانِ شَافِعِيٌّ وَحَنَفِيٌّ إقَامَةَ أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ بِمَوْضِعٍ انْقَطَعَ بِوُصُولِهِمَا سَفَرُ الشَّافِعِيِّ دُونَ الْحَنَفِيِّ وَجَازَ لَهُ بِكُرْهٍ أَنْ يَقْتَدِيَ بِهِ مَعَ اعْتِقَادِ بُطْلَانِ صَلَاةِ الْقَاصِرِ فِي الْإِقَامَةِ؟ . أُجِيبَ بِأَنَّ كَلَامَهُمْ هُنَا فِي تَرْكِ وَاجِبٍ لَا يُجَوِّزُهُ الشَّافِعِيُّ مُطْلَقًا بِخِلَافِهِ ثَمَّ فَإِنَّهُ يُجَوِّزُ الْقَصْرَ فِي الْجُمْلَةِ، وَالْمُعْتَمَدُ مَا قَالَهُ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَغَيْرُهُ أَنَّ صُورَةَ ذَلِكَ إذَا لَمْ يَعْلَمْ أَنَّهُ نَوَى الْقَصْرَ، فَإِنْ عَلِمَ أَنَّهُ نَوَاهُ فَمُقْتَضَى الْمَذْهَبِ أَنَّهُ لَا تَصِحُّ صَلَاتُهُ خَلْفَهُ كَمُجْتَهِدَيْنِ اخْتَلَفَا فِي الْقِبْلَةِ فَصَلَّى أَحَدُهُمَا خَلْفَ الْآخَرِ.
تَنْبِيهٌ: اعْتِبَارُ نِيَّةِ الْمُقْتَدِي مِنْ زِيَادَةِ الْمُصَنِّفِ عَلَى الْمُحَرَّرِ، وَلَوْ قَالَ اعْتِبَارًا بِاعْتِقَادِ الْمُقْتَدِي كَمَا قَدَّرْتُهُ لَكَانَ أَوْلَى إذْ لَا مَعْنَى لِلنِّيَّةِ هُنَا.
قَالَ ابْنُ النَّقِيبِ إلَّا أَنْ يُرَادَ جَزْمُهَا وَعَدَمُهُ (وَلَا تَصِحُّ قُدْوَةٌ بِمُقْتَدٍ) فِي حَالِ قُدْوَتِهِ لِأَنَّهُ تَابِعٌ لِغَيْرِهِ يَلْحَقُهُ سَهْوُهُ، وَمِنْ شَأْنِ الْإِمَامِ

وَلَا بِمَنْ تَلْزَمُهُ إعَادَةٌ كَمُقِيمٍ تَيَمَّمَ، وَلَا قَارِئٍ بِأُمِّيٍّ فِي الْجَدِيدِ، وَهُوَ مَنْ يُخِلُّ بِحَرْفٍ أَوْ تَشْدِيدَةٍ مِنْ الْفَاتِحَةِ،

[مغني المحتاج]

الِاسْتِقْلَالُ، وَأَنْ يَتَحَمَّلَ هُوَ سَهْوَ غَيْرِهِ فَلَا يَجْتَمِعَانِ، وَهَذَا إجْمَاعٌ، وَمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ أَنَّ النَّاسَ اقْتَدُوا بِأَبِي بَكْرٍ خَلْفَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُمْ كَانُوا مُقْتَدِينَ بِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَبُو بَكْرٍ يُسْمِعُهُمْ التَّكْبِيرَ كَمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ أَيْضًا.
وَقَدْ رَوَى الْبَيْهَقِيُّ وَغَيْرُهُ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «صَلَّى فِي مَرَضِ وَفَاتِهِ خَلْفَ أَبِي بَكْرٍ» قَالَ فِي الْمَجْمُوعِ إنْ صَحَّ هَذَا كَانَ ذَلِكَ مَرَّتَيْنِ كَمَا.
أَجَابَ بِهِ الشَّافِعِيُّ وَالْأَصْحَابُ.
أَمَّا الِاقْتِدَاءُ بِهِ بَعْدَ انْقِضَاءِ الْقُدْوَةِ فَسَيَأْتِي حُكْمُهُ فِي آخِرِ الْبَابِ، وَلَا بِمَنْ تَوَهَّمَهُ أَوْ ظَنَّهُ مَأْمُومًا كَأَنْ وَجَدَ رَجُلَيْنِ يُصَلِّيَانِ جَمَاعَةً وَتَرَدَّدَ فِي أَيِّهِمَا الْإِمَامُ، وَمَحَلُّهُ كَمَا قَالَ الزَّرْكَشِيُّ مَا إذَا هَجَمَ، فَإِنْ اجْتَهَدَ فِي أَيِّهِمَا الْإِمَامُ وَاقْتَدَى بِمَنْ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّهُ الْإِمَامُ، فَيَنْبَغِي أَنْ يَصِحَّ كَمَا يُصَلِّي بِالِاجْتِهَادِ فِي الْقِبْلَةِ وَالثَّوْبِ وَالْأَوَانِي، وَإِنْ اعْتَقَدَ كُلٌّ مِنْ الْمُصَلِّيَيْنِ أَنَّهُ إمَامٌ صَحَّتْ صَلَاتُهُمَا، إذْ لَا مُقْتَضَى لِلْبُطْلَانِ أَوْ أَنَّهُ مَأْمُومٌ بَطَلَتْ صَلَاتُهُمَا لِأَنَّ كُلًّا مُقْتَدٍ بِمَنْ يَقْصِدُ الِاقْتِدَاءَ بِهِ، وَكَذَا لَوْ شَكَّ فَمَنْ شَكَّ وَلَوْ بَعْدَ السَّلَامِ كَمَا فِي الْمَجْمُوعِ أَنَّهُ إمَامٌ أَوْ مَأْمُومٌ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ لِشَكِّهِ فِي أَنَّهُ تَابِعٌ أَوْ مَتْبُوعٌ، فَلَوْ شَكَّ أَحَدُهُمَا وَظَنَّ الْآخَرُ صَحَّتْ لِلظَّانِّ أَنَّهُ إمَامٌ دُونَ الْآخَرِ، وَهَذَا مِنْ الْمَوَاضِعِ الَّتِي فَرَّقُوا فِيهَا بَيْنَ الظَّنِّ وَالشَّكِّ، وَالْبُطْلَانُ بِمُجَرَّدِ الشَّكِّ إنَّمَا يَأْتِي كَمَا قَالَ ابْنُ الرِّفْعَةِ عَلَى طَرِيقِ الْعِرَاقِيِّينَ.
أَمَّا عَلَى طَرِيقِ الْمَرَاوِزَةِ فَفِيهِ التَّفْصِيلُ فِي الشَّكِّ فِي النِّيَّةِ، وَقَدْ مَرَّ بَيَانُهُ فِي بَابِ صِفَةِ الصَّلَاةِ.

(وَلَا) قُدْوَةٌ (بِمَنْ تَلْزَمُهُ إعَادَةٌ كَمُقِيمٍ تَيَمَّمَ) لِفَقْدِ الْمَاءِ، وَلَا مَنْ عَلَى بَدَنِهِ نَجَاسَةٌ يَخَافُ مِنْ غَسْلِهَا، وَمُحْدِثٍ صَلَّى عَلَى حَسَبِ حَالِهِ لَا كَرَاهَةَ أَوْ لِفَقْدِ الطَّهُورَيْنِ، وَلَوْ كَانَ الْمُقْتَدِي مِثْلَهُ لِعَدَمِ الِاعْتِدَادِ بِصَلَاتِهِ كَالْفَاسِدَةِ.
فَإِنْ قِيلَ: لَمْ يَأْمُرْ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَنْ صَلَّى خَلْفَ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ بِالْإِعَادَةِ حَيْثُ صَلَّى بِالتَّيَمُّمِ لِلْبَرْدِ؟ . أُجِيبَ بِأَنَّ عَدَمَ الْأَمْرِ لَا يَقْتَضِي عَدَمَ وُجُوبِ الْقَضَاءِ؛ لِأَنَّهُ عَلَى التَّرَاخِي، وَتَأْخِيرُ الْبَيَانِ لِوَقْتِ الْحَاجَةِ جَائِزٌ، وَلِجَوَازِ أَنَّهُمْ كَانُوا عَالِمِينَ أَوْ أَنَّهُمْ كَانُوا قَدْ قَضَوْا (وَلَا) قُدْوَةُ (قَارِئٍ بِأُمِّيٍّ فِي الْجَدِيدِ) وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ لِأَنَّهُ بِصَدَدِ أَنْ يَتَحَمَّلَ الْقِرَاءَةَ عَنْ الْمَأْمُومِ الْمَسْبُوقِ، فَإِذَا لَمْ يُحْسِنْهَا لَمْ يَصْلُحْ لِلتَّحَمُّلِ، وَالْقَدِيمُ يَصِحُّ اقْتِدَاؤُهُ بِهِ فِي السِّرِّيَّةِ دُونَ الْجَهْرِيَّةِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْمَأْمُومَ لَا يَقْرَأُ فِي الْجَهْرِيَّةِ بَلْ يَتَحَمَّلُ الْإِمَامُ عَنْهُ فِيهَا وَهُوَ الْقَدِيمُ، وَذَهَبَ الْمُزَنِيّ إلَى صِحَّةِ الِاقْتِدَاءِ بِهِ سِرِّيَّةً كَانَتْ أَوْ جَهْرِيَّةً، وَمَحَلُّ الْخِلَافِ فِيمَنْ لَمْ يُطَاوِعْهُ لِسَانُهُ أَوْ طَاوَعَهُ وَلَمْ يَمْضِ زَمَنٌ يُمْكِنُ فِيهِ التَّعَلُّمُ وَإِلَّا فَلَا يَصِحُّ الِاقْتِدَاءُ بِهِ قَطْعًا.
تَنْبِيهٌ: قَوْلُهُ: فِي الْجَدِيدِ يَعُودُ إلَى اقْتِدَاءِ الْقَارِئِ بِالْأُمِّيِّ لَا إلَى مَا قَبْلَهُ، وَالْأُمِّيُّ نِسْبَةٌ إلَى الْأُمِّ كَأَنَّهُ عَلَى الْحَالَةِ الَّتِي وَلَدَتْهُ أُمُّهُ عَلَيْهَا، وَأَصْلُهُ لُغَةً لِمَنْ لَا يَكْتُبُ، اسْتَعْمَلَهُ الْفُقَهَاءُ مَجَازًا فِي قَوْلِهِمْ (وَهُوَ مَنْ يُخِلُّ بِحَرْفٍ) ظَاهِرٍ بِأَنْ عَجَزَ عَنْ إخْرَاجِهِ مِنْ مَخْرَجِهِ (أَوْ تَشْدِيدَةٍ مِنْ الْفَاتِحَةِ) لِرَخَاوَةِ لِسَانِهِ وَهَذَا تَفْسِيرُ الْأُمِّيِّ، وَنَبَّهَ بِذَلِكَ عَلَى أَنَّ مَنْ لَمْ يُحْسِنْهَا بِطَرِيقِ الْأَوْلَى، وَلَوْ أَحْسَنَ أَصْلَ التَّشْدِيدِ وَتَعَذَّرَتْ عَلَيْهِ الْمُبَالَغَةُ صَحَّ الِاقْتِدَاءُ بِهِ مَعَ الْكَرَاهَةِ كَمَا فِي الْكِفَايَةِ عَنْ

وَمِنْهُ أَرَتُّ يُدْغِمُ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ، وَأَلْثَغُ يُبْدِلُ حَرْفًا بِحَرْفٍ، وَتَصِحُّ بِمِثْلِهِ، وَتُكْرَهُ بِالتَّمْتَامِ وَالْفَأْفَاءِ

[مغني المحتاج]

الْقَاضِي، وَمَنْ يُحْسِنُ سَبْعَ آيَاتٍ مِنْ غَيْرِ الْفَاتِحَةِ مَعَ مَنْ لَمْ يُحْسِنْ إلَّا الذِّكْرَ كَالْقَارِئِ مَعَ الْأُمِّيِّ قَالَهُ فِي الْمَجْمُوعِ، وَكَذَا اقْتِدَاءُ حَافِظِ النِّصْفِ الْأَوَّلِ بِحَافِظِ النِّصْفِ الثَّانِي وَعَكْسُهُ؛ لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا يُحْسِنُ شَيْئًا لَا يُحْسِنُهُ الْآخَرُ (وَمِنْهُ) أَيْ الْأُمِّيِّ (أَرَتُّ) وَهُوَ بِمُثَنَّاةٍ مُشَدَّدَةٍ مَنْ (يُدْغِمُ) بِإِبْدَالٍ كَمَا قَالَهُ الْإِسْنَوِيُّ (فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ) أَيْ الْإِدْغَامِ كَقَارِئِ الْمُسْتَقِيمَ بِتَاءٍ أَوْ سِينٍ مُشَدَّدَةٍ أَمَّا الْإِدْغَامُ بِلَا إبْدَالٍ كَتَشْدِيدِ اللَّامِ أَوْ الْكَافِ مِنْ مَالِكِ فَإِنَّهُ لَا يَضُرُّ (وَ) مِنْهُ (أَلْثَغُ) وَهُوَ بِمُثَلَّثَةٍ مَنْ (يُبْدِلُ حَرْفًا بِحَرْفٍ) كَأَنْ يَأْتِيَ بِالْمُثَلَّثَةِ مَوْضِعَ السِّينِ أَوْ بِالْغَيْنِ مَوْضِعَ الرَّاءِ، فَيَقُولَ الْمُثْتَقِيمَ، وَغَيْغِ الْمَغْضُوبِ، وَالْإِدْغَامُ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ الْمُبْطِلِ يَسْتَلْزِمُ الْإِبْدَالَ كَمَا سَبَقَ إلَّا أَنَّهُ إبْدَالٌ خَاصٌّ، فَكُلُّ أَرَتَّ أَلْثَغُ وَلَا عَكْسَ، فَلَوْ كَانَتْ لُثْغَتُهُ يَسِيرَةً بِأَنْ يَأْتِيَ بِالْحَرْفِ غَيْرِ صَافٍ لَمْ يُؤَثِّرْ.
(وَتَصِحُّ) قُدْوَةُ أُمِّيٍّ (بِمِثْلِهِ) إنْ اتَّفَقَا عَجْزًا كَحَافِظِ النِّصْفِ الْأَوَّلِ مِنْ الْفَاتِحَةِ بِحَافِظِهِ، وَكَأَرَتَّ بِأَرَتَّ، وَأَلْثَغَ بِأَلْثَغَ فِي كَلِمَةٍ لِاسْتِوَائِهِمَا نُقْصَانًا كَالْمَرْأَتَيْنِ، وَلَا يُشْكِلُ بِمَنْعِ فَاقِدِ الطَّهُورَيْنِ وَنَحْوِهِ بِمِثْلِهِ لِوُجُوبِ الْقَضَاءِ ثَمَّ بِخِلَافِ هُنَا، وَالْعِبْرَةُ بِالِاتِّفَاقِ وَالِاخْتِلَافِ بِالْحَرْفِ الْمَعْجُوزِ عَنْهُ، فَلَوْ أَبْدَلَ أَحَدُهُمَا السِّينَ تَاءً وَالْآخَرُ زَايًا كَانَا مُتَّفِقَيْنِ، بِخِلَافِ مَا إذَا اخْتَلَفَا فِي كَلِمَتَيْنِ فَلَا تَصِحُّ قُدْوَةُ أَحَدِهِمَا بِالْآخَرِ، وَلَا أَرَتَّ بِأَلْثَغَ وَعَكْسُهُ؛ لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا فِي ذَلِكَ يُحْسِنُ مَا لَا يُحْسِنُهُ الْآخَرُ، وَلَوْ عَجَزَ إمَامُهُ فِي أَثْنَاءِ الصَّلَاةِ عَنْ الْقِرَاءَةِ لِخَرَسٍ فَارَقَهُ بِخِلَافِ عَجْزِهِ عَنْ الْقِيَامِ لِصِحَّةِ اقْتِدَاءِ الْقَائِمِ بِالْقَاعِدِ، بِخِلَافِ اقْتِدَاءِ الْقَارِئِ بِالْأَخْرَسِ قَالَهُ الْبَغَوِيّ فِي فَتَاوِيهِ وَلَوْ لَمْ يَعْلَمْ بِحُدُوثِ الْخَرَسِ حَتَّى فَرَغَ مِنْ الصَّلَاةِ أَعَادَ لِأَنَّ حُدُوثَ الْخَرَسِ نَادِرٌ بِخِلَافِ حُدُوثِ الْحَدَثِ، وَتَصِحُّ الصَّلَاةُ خَلْفَ الْمَجْهُولِ قِرَاءَتُهُ أَوْ إسْلَامُهُ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ الْإِسْلَامُ وَالظَّاهِرُ مِنْ حَالِ الْمُسْلِمِ الْمُصَلِّي أَنْ يُحْسِنَ الْقِرَاءَةَ، فَإِنْ أَسَرَّ هَذَا فِي جَهْرِيَّةٍ أَعَادَهَا الْمَأْمُومُ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ لَوْ كَانَ قَارِئًا لَجَهَرَ، وَيَلْزَمُهُ الْبَحْثُ عَنْ حَالِهِ كَمَا نَقَلَهُ الْإِمَامُ عَنْ أَئِمَّتنَا؛ لِأَنَّ إسْرَارَ الْقِرَاءَةِ فِي الْجَهْرِيَّةِ يُخَيَّلُ أَنَّهُ لَوْ كَانَ يُحْسِنُهَا لَجَهَرَ بِهَا فَإِنْ قَالَ بَعْدَ سَلَامِهِ مِنْ الْجَهْرِيَّةِ: نَسِيت الْجَهْرَ أَوْ تَعَمَّدْتُ لِجَوَازِهِ أَيْ وَجَهِلَ الْمَأْمُومُ وُجُوبَ الْإِعَادَةِ كَمَا قَالَهُ السُّبْكِيُّ لَمْ تَلْزَمْهُ الْإِعَادَةُ بَلْ تُسْتَحَبُّ كَمَا جَهِلَ مِنْ إمَامِهِ الَّذِي لَهُ حَالَتَا جُنُونٍ وَإِفَاقَةٍ وَإِسْلَامٍ وَرِدَّةٍ وَقْتَ جُنُونِهِ أَوْ رِدَّتِهِ فَإِنَّهُ لَا تَلْزَمُهُ الْإِعَادَةُ بَلْ تُسْتَحَبُّ.
أَمَّا فِي السِّرِّيَّةِ فَلَا إعَادَةَ عَلَيْهِ عَمَلًا بِالظَّاهِرِ وَلَا يَلْزَمُهُ الْبَحْثُ عَنْ حَالِهِ كَمَا لَا يَلْزَمُهُ الْبَحْثُ عَنْ طَهَارَةِ الْإِمَامِ نَقَلَهُ ابْنُ الرِّفْعَةِ عَنْ الْأَصْحَابِ.
(وَتُكْرَهُ) الْقُدْوَةُ (بِالتَّمْتَامِ) وَهُوَ مَنْ يُكَرِّرُ التَّاءَ، وَفِي الصِّحَاحِ وَغَيْرِهِ أَنَّهُ التَّأْتَاءُ وَهُوَ الْقِيَاسُ (وَالْفَأْفَاءِ) وَهُوَ بِهَمْزَتَيْنِ وَمَدٍّ فِي آخِرِهِ: مَنْ يُكَرِّرُ الْفَاءَ.
قَالَ فِي الْبَيَانِ: وَكَذَا مَنْ يُكَرِّرُ الْوَاوَ.
قَالَ فِي الْمُهِمَّاتِ: وَكَذَا فِي تَكْرِيرِ سَائِرِ الْحُرُوفِ لِلتَّطْوِيلِ وَنَفْرَةِ الطَّبْعِ عِنْدَ سَمَاعِ ذَلِكَ، لِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: الِاخْتِيَارُ فِي الْإِمَامِ أَنْ يَكُونَ فَصِيحَ اللِّسَانِ، حَسَنَ الْبَيَانِ، مُرَتِّلًا لِلْقُرْآنِ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ فِي الْفَاتِحَةِ أَوْ

وَاللَّاحِنِ، فَإِنْ غَيَّرَ مَعْنًى كَأَنْعَمْت بِضَمٍّ أَوْ كَسْرٍ أَبْطَلَ صَلَاةَ مَنْ أَمْكَنَهُ التَّعَلُّمُ فَإِنْ عَجَزَ لِسَانُهُ أَوْ لَمْ يَمْضِ زَمَنُ إمْكَانِ تَعَلُّمِهِ فَإِنْ كَانَ فِي الْفَاتِحَةِ فَكَأُمِّيٍّ وَإِلَّا فَتَصِحُّ صَلَاتُهُ وَالْقُدْوَةُ بِهِ.

وَلَا تَصِحُّ قُدْوَةُ رَجُلٍ وَلَا خُنْثَى بِامْرَأَةٍ وَلَا خُنْثَى.

[مغني المحتاج]

غَيْرِهَا، إذْ لَا فَاءَ فِيهَا وَجَازَ الِاقْتِدَاءُ بِهِمْ مَعَ زِيَادَتِهِمْ لِعُذْرِهِمْ فِيهَا (وَ) كَذَا (اللَّاحِنُ) بِمَا لَا يُغَيِّرُ الْمَعْنَى كَضَمِّ هَاءِ لِلَّهِ تُكْرَهُ الْقُدْوَةُ بِهِ لِأَنَّ مَدْلُولَ اللَّفْظِ بَاقٍ، وَإِنْ كَانَ تَعَاطِيهِ مَعَ التَّعَمُّدِ حَرَامًا وَضَمِّ صَادِ الصِّرَاطِ وَهَمْزَةِ اهْدِنَا وَنَحْوِهِ كَاللَّحْنِ الَّذِي لَا يُغَيِّرُ الْمَعْنَى وَإِنْ لَمْ تُسَمِّهِ النُّحَاةُ لَحْنًا (فَإِنْ) لَحَنَ لَحْنًا (غَيَّرَ مَعْنًى كَأَنْعَمْت بِضَمٍّ أَوْ كَسْرٍ) أَوْ أَبْطَلَ الْمَعْنَى كَالْمُسْتَقِينَ كَمَا فِي الْمُحَرَّرِ وَحَذَفَهُ الْمُصَنِّفُ لِأَنَّهُ يُؤْخَذُ مِنْ التَّغْيِيرِ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى وَلِأَنَّهُ يَدْخُلُ فِي الْأَلْثَغِ (أَبْطَلَ صَلَاةَ مَنْ أَمْكَنَهُ التَّعَلُّمُ) وَلَمْ يَتَعَلَّمْ وَبَقِيَ مِنْ الْوَقْتِ مَا يَسَعُ التَّعْلِيمَ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِقُرْآنٍ.
أَمَّا إذَا ضَاقَ الْوَقْتُ عَنْهُ فَإِنَّهُ يُصَلِّي وَيَقْضِي وَلَا يَجُوزُ الِاقْتِدَاءُ بِهِ قَالَهُ فِي الْمُحَرَّرِ وَأَهْمَلَهُ الْمُصَنِّفُ؛ وَظَاهِرُ كَلَامِ الشَّيْخَيْنِ يَقْتَضِي أَنَّهُ لَا فَرْقَ فِي الْبُطْلَانِ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ فِي الْفَاتِحَةِ أَوْ فِي غَيْرِهَا وَهُوَ كَذَلِكَ فِي الْقَادِرِ الْعَامِدِ الْعَالِمِ بِالتَّحْرِيمِ.
أَمَّا مَعَ النِّسْيَانِ أَوْ الْجَهْلِ فَإِنْ كَانَ فِي الْفَاتِحَةِ فَيَضُرُّ لِأَنَّهَا رُكْنٌ، نَعَمْ إنْ تَفَطَّنَ لِلصَّوَابِ قَبْلَ السَّلَامِ فَإِنَّهُ يُعِيدُ وَلَا تَبْطُلُ صَلَاتُهُ.
وَأَمَّا مَعَ الْعَجْزِ فَهُوَ مَا ذَكَرَهُ بِقَوْلِهِ (فَإِنْ عَجَزَ لِسَانُهُ أَوْ لَمْ يَمْضِ زَمَنُ إمْكَانِ تَعَلُّمِهِ) مِنْ إسْلَامِ الْكَافِرِ كَمَا قَالَهُ الْبَغَوِيّ وَغَيْرُهُ وَكَذَا مِنْ تَمْيِيزِ الْمُسْلِمِ كَمَا بَحَثَهُ الْإِسْنَوِيُّ لِكَوْنِ الْأَرْكَانِ وَالشُّرُوطِ لَا فَرْقَ فِيهَا بَيْنَ الْبَالِغِ وَالصَّبِيِّ الْمُمَيِّزِ (فَإِنْ كَانَ فِي الْفَاتِحَةِ فَكَأُمِّيٍّ) وَقَدْ مَرَّ حُكْمُهُ، وَإِنْ كَانَ فِي غَيْرِ الْفَاتِحَةِ فَهُوَ مَا ذَكَرَهُ بِقَوْلِهِ (وَإِلَّا) بِأَنْ كَانَ فِي غَيْرِ الْفَاتِحَةِ كَمَا إذَا قَرَأَ بِجَرِّ اللَّامِ فِي قَوْلِهِ ﴿أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ﴾ [التوبة: 3] [التَّوْبَةَ] (فَتَصِحُّ صَلَاتُهُ وَالْقُدْوَةُ بِهِ) إذَا كَانَ عَاجِزًا أَوْ جَاهِلًا لَمْ يَمْضِ زَمَنُ إمْكَانِ تَعَلُّمِهِ أَوْ نَاسِيًا لِأَنَّ الْكَلَامَ الْيَسِيرَ بِهَذِهِ الشُّرُوطِ لَا يَقْدَحُ فِي الصَّلَاةِ.
قَالَ الْإِمَامُ: وَلَوْ قِيلَ: لَيْسَ لِهَذَا اللَّاحِنِ قِرَاءَةُ غَيْرِ الْفَاتِحَةِ مِمَّا يَلْحَنُ فِيهِ لَمْ يَكُنْ بَعِيدًا لِأَنَّهُ يَتَكَلَّمُ بِمَا لَيْسَ بِقُرْآنٍ بِلَا ضَرُورَةٍ وَاخْتَارَهُ السُّبْكِيُّ، وَقَالَ إنَّ مُقْتَضَاهُ الْبُطْلَانُ فِي الْقَادِرِ وَالْعَاجِزِ.

(وَلَا تَصِحُّ قُدْوَةُ) ذَكَرٍ (رَجُلٍ) أَوْ صَبِيٍّ مُمَيِّزٍ (وَلَا خُنْثَى بِأُ) نْثَى (امْرَأَةٍ) أَوْ صَبِيَّةٍ مُمَيِّزَةٍ (وَلَا خُنْثَى) مُشْكِلٍ، لِأَنَّ الْأُنْثَى نَاقِصَةٌ عَنْ الرَّجُلِ، وَالْخُنْثَى الْمَأْمُومُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ رَجُلًا ذَكَرًا وَالْإِمَامُ أُنْثَى.
وَقَدْ قَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَنْ يُفْلِحَ قَوْمٌ وَلَّوْا أَمْرَهُمْ امْرَأَةً» (1) رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
وَرَوَى ابْنُ مَاجَهْ «لَا تَؤُمَّنَّ امْرَأَةٌ رَجُلًا» (2) وَيَصِحُّ اقْتِدَاءُ خُنْثَى بَانَتْ أُنُوثَتُهُ بِامْرَأَةٍ وَرَجُلٍ، وَرَجُلٍ بِخُنْثَى بَانَتْ ذُكُورَتُهُ مَعَ الْكَرَاهَةِ قَالَهُ الْمَاوَرْدِيُّ قَالَ الْأَذْرَعِيُّ: وَمَحَلُّهَا إذَا كَانَ الظُّهُورُ بِأَمَارَةٍ غَيْرِ قَطْعِيَّةٍ، وَتَصِحُّ قُدْوَةُ الْمَرْأَةِ بِالْمَرْأَةِ وَبِالْخُنْثَى كَمَا تَصِحُّ قُدْوَةُ الرَّجُلِ وَغَيْرِهِ بِالرَّجُلِ فَيَتَلَخَّصُ مِنْ ذَلِكَ تِسْعُ صُوَرٍ خَمْسَةٌ صَحِيحَةٌ، وَهِيَ قُدْوَةُ رَجُلٍ بِرَجُلٍ، خُنْثَى بِرَجُلٍ، امْرَأَةٍ بِرَجُلٍ، امْرَأَةٍ بِخُنْثَى، امْرَأَةٍ بِامْرَأَةٍ.

وَتَصِحُّ لِلْمُتَوَضِّئِ بِالْمُتَيَمِّمِ، وَبِمَاسِحِ الْخُفِّ، وَلِلْقَائِمِ بِالْقَاعِدِ، وَالْمُضْطَجِعِ.

وَلِلْكَامِلِ بِالصَّبِيِّ وَالْعَبْدِ.

وَالْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ سَوَاءٌ عَلَى النَّصِّ.

[مغني المحتاج]

وَأَرْبَعٌ بَاطِلَةٌ، وَهِيَ قُدْوَةُ رَجُلٍ بِخُنْثَى، رَجُلٍ بِامْرَأَةٍ، خُنْثَى بِخُنْثَى، خُنْثَى بِامْرَأَةٍ.

(وَتَصِحُّ) الْقُدْوَةُ (لِلْمُتَوَضِّئِ بِالْمُتَيَمِّمِ) الَّذِي لَا إعَادَةَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ أَتَى عَنْ طَهَارَتِهِ بِبَدَلٍ مُغْنٍ عَنْ الْإِعَادَةِ (وَبِمَاسِحِ الْخُفِّ) لِأَنَّ صَلَاتَهُ مُغْنِيَةٌ عَنْ الْإِعَادَةِ (وَلِلْقَائِمِ بِالْقَاعِدِ وَالْمُضْطَجِعِ) لِمَا رَوَى الْبُخَارِيُّ عَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا - أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «صَلَّى فِي مَرَضِ مَوْتِهِ قَاعِدًا وَأَبُو بَكْرٍ وَالنَّاسُ قِيَامًا» . قَالَ الْبَيْهَقِيُّ: وَكَانَ ذَلِكَ يَوْمَ السَّبْتِ أَوْ الْأَحَدِ، وَتُوُفِّيَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ضُحَى يَوْمِ الِاثْنَيْنِ فَكَانَ نَاسِخًا لِمَا رَوَاهُ الشَّيْخَانِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَعَائِشَةَ «إنَّمَا جُعِلَ الْإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ إلَى أَنْ قَالَ وَإِذَا صَلَّى جَالِسًا فَصَلُّوا جُلُوسًا أَجْمَعِينَ» وَيُقَاسَ الْمُضْطَجِعُ وَلَوْ كَانَ مُومِيًا كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْمُتَوَلِّي عَلَى الْقَاعِدِ فَقُدْوَةُ الْقَاعِدِ وَالْمُضْطَجِعِ بِهِ أَوْلَى، وَالْمُسْتَلْقِي كَالْمُضْطَجِعِ فِيمَا ذَكَرَ.

(وَ) تَصِحُّ الْقُدْوَةُ (لِلْكَامِلِ) وَهُوَ الْبَالِغُ الْحُرُّ (بِالصَّبِيِّ) الْمُمَيِّزِ لِلِاعْتِدَادِ بِصَلَاتِهِ، «وَلِأَنَّ عَمْرَو بْنَ سَلِمَةَ بِكَسْرِ اللَّامِ كَانَ يَؤُمُّ قَوْمَهُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ ابْنُ سِتٍّ أَوْ سَبْعٍ» ، رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
وَلَكِنَّ الْبَالِغَ أَوْلَى مِنْ الصَّبِيِّ وَإِنْ كَانَ الصَّبِيُّ أَقْرَأَ أَوْ أَفْقَهَ لِلْإِجْمَاعِ عَلَى صِحَّةِ الِاقْتِدَاءِ بِهِ بِخِلَافِ الصَّبِيِّ، وَقَدْ نَصَّ فِي الْبُوَيْطِيِّ عَلَى كَرَاهَةِ الِاقْتِدَاءِ بِالصَّبِيِّ (وَالْعَبْدِ) أَيْ يَصِحُّ اقْتِدَاءُ الْكَامِلِ بِهِ لِأَنَّهُ مِنْ أَهْلِ الْفَرْضِ وَلِأَنَّ ذَكْوَانَ مَوْلَى عَائِشَةَ كَانَ يَؤُمُّهَا، رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ لَكِنَّ الْحُرَّ وَإِنْ كَانَ أَعْمَى كَمَا قَالَهُ الْمَاوَرْدِيُّ أَوْلَى مِنْهُ؛ لِأَنَّ ابْنَ خَيْرَانَ قَالَ بِكَرَاهَةِ الِاقْتِدَاءِ بِهِ، وَالْعَبْدُ الْبَالِغُ أَوْلَى مِنْ الْحُرِّ الصَّبِيِّ، وَفِي الْعَبْدِ الْفَقِيهِ وَالْحُرِّ غَيْرِ الْفَقِيهِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ أَصَحُّهَا أَنَّهُمَا سَوَاءٌ وَإِنْ كَانُوا صَحَّحُوا فِي الصَّلَاةِ عَلَى الْجِنَازَةِ تَقْدِيمَ الْحُرِّ؛ لِأَنَّ الْقَصْدَ مِنْهَا الشَّفَاعَةُ وَالدُّعَاءُ، وَالْحُرُّ بِهِمَا أَلْيَقُ، الظَّاهِرُ أَنَّ الْمُبَعَّضَ أَوْلَى مِنْ كَامِلِ الرِّقِّ وَأَنَّ مَنْ زَادَتْ حُرِّيَّتُهُ مِنْ الْمُبَعَّضِينَ أَوْلَى مِمَّنْ نَقَصَتْ مِنْهُ.
تَنْبِيهٌ: لَوْ حَذَفَ الْمُصَنِّفُ الْوَاوَ مِنْ قَوْلِهِ، " وَالْعَبْدِ " لَكَانَ أَوْلَى لِيُسْتَفَادَ مِنْهُ صِحَّةُ قُدْوَةِ الْكَامِلِ بِالصَّبِيِّ الْعَبْدِ بِالْمَنْطُوقِ وَبِالصَّبِيِّ الْحُرِّ، وَبِالْعَبْدِ الْكَامِلِ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى.

(وَالْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ) فِي الْإِمَامَةِ (سَوَاءٌ عَلَى النَّصِّ) فِي الْأُمِّ لِتَعَارُضِ فَضِيلَتِهِمَا؛ لِأَنَّ الْأَعْمَى لَا يَنْظُرُ مَا يَشْغَلُهُ فَهُوَ أَخْشَعُ، وَالْبَصِيرُ يَنْظُرُ الْخَبَثَ فَهُوَ أَحْفَظُ لِتَجَنُّبِهِ.
قَالَ الْأَذْرَعِيُّ: هَذَا إذَا كَانَ الْأَعْمَى لَا يَبْتَذِلُ، أَمَّا إذَا ابْتَذَلَ: أَيْ تَرَكَ الصِّيَانَةَ عَنْ الْمُسْتَقْذَرَاتِ كَأَنْ لَبِسَ ثِيَابَ الْبِذْلَةِ كَانَ الْبَصِيرُ أَوْلَى مِنْهُ، وَتَبِعَهُ ابْنُ الْمُقْرِي عَلَى ذَلِكَ.
قَالَ شَيْخُنَا: وَهَذَا لَا حَاجَةَ إلَيْهِ، بَلْ ذِكْرُهُ يُوهِمُ خِلَافَ الْمُرَادِ، لِأَنَّهُ مَعْلُومٌ مِمَّا يَأْتِي فِي نَظَافَةِ الثَّوْبِ وَالْبَدَنِ، وَلَا يَخْتَصُّ ذَلِكَ بِالْأَعْمَى، بَلْ لَوْ ابْتَذَلَ الْبَصِيرُ كَانَ الْأَعْمَى أَوْلَى مِنْهُ.
وَقِيلَ: الْأَعْمَى أَوْلَى مُرَاعَاةً لِلْمَعْنَى الْأَوَّلِ.
وَقِيلَ: الْبَصِيرُ أَوْلَى لِلْمَعْنَى الثَّانِي.
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَإِمَامَةُ الْحُرِّ الْأَعْمَى أَفْضَلُ مِنْ إمَامَةِ الْعَبْدِ الْبَصِيرَ، وَالْأَصَمُّ كَالْأَعْمَى فِيمَا ذَكَرَ: كَمَا قَالَهُ ابْنُ يُونُسَ.

وَتُكْرَهُ إمَامَةُ الْأَقْلَفِ بَعْدَ بُلُوغِهِ لَا قَبْلَهُ كَمَا قَالَهُ ابْنُ الصَّبَّاغِ

وَالْأَصَحُّ صِحَّةُ قُدْوَةِ السَّلِيمِ بِالسَّلِسِ، وَالطَّاهِرِ بِالْمُسْتَحَاضَةِ غَيْرِ الْمُتَحَيِّرَةِ.

وَلَوْ بَانَ إمَامُهُ امْرَأَةً، أَوْ كَافِرًا مُعْلِنًا، قِيلَ أَوْ مُخْفِيًا وَجَبَتْ الْإِعَادَةُ.

لَا جُنُبًا، وَذَا نَجَاسَةٍ خَفِيَّةٍ.
قُلْت الْأَصَحُّ الْمَنْصُوصُ هُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ: إنَّ مُخْفِيَ الْكُفْرِ هُنَا كَمُعْلِنِهِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

[مغني المحتاج]

(وَالْأَصَحُّ صِحَّةُ قُدْوَةِ السَّلِيمِ بِالسَّلِسِ) بِكَسْرِ اللَّامِ: أَيْ سَلِسِ الْبَوْلِ (وَالطَّاهِرِ بِالْمُسْتَحَاضَةِ غَيْرِ الْمُتَحَيِّرَةِ) وَالْمُسْتَنْجِي بِالْمُسْتَجْمِرِ وَالْمَسْتُورِ بِالْعَارِي وَنَحْوِ ذَلِكَ كَمَنْ بِهِ جُرْحٌ سَائِلٌ، أَوْ عَلَى ثَوْبِهِ نَجَاسَةٌ مَعْفُوٌّ عَنْهَا لِصِحَّةِ صَلَاتِهِمْ مِنْ غَيْرِ إعَادَةٍ، وَالثَّانِي لَا تَصِحُّ لِوُجُودِ النَّجَاسَةِ، وَإِنَّمَا صَحَّحْنَا صَلَاتَهُمْ لِلضَّرُورَةِ، وَلَا ضَرُورَةَ لِلِاقْتِدَاءِ بِهِمْ، أَمَّا الْمُتَحَيِّرَةُ فَلَا تَصِحُّ قُدْوَةُ غَيْرِهَا بِهَا وَلَوْ مُتَحَيِّرَةً لِوُجُوبِ الْإِعَادَةِ عَلَيْهَا عَلَى مَا مَرَّ فِي الْحَيْضِ مِنْ الْخِلَافِ فِي وُجُوبِ الْقَضَاءِ عَلَيْهَا.

(وَلَوْ بَانَ) لِلْمَأْمُومِ (إمَامُهُ) عَلَى خِلَافِ مَا ظَنَّهُ كَأَنْ عَلِمَهُ بَعْدَ فَرَاغِ الْقُدْوَةِ (امْرَأَةً) أَوْ خُنْثَى أَوْ مَجْنُونًا (أَوْ كَافِرًا مُعْلِنًا) بِكُفْرِهِ كَذِمِّيٍّ (قِيلَ أَوْ مُخْفِيًا) كُفْرَهُ كَزِنْدِيقٍ (وَجَبَتْ الْإِعَادَةُ) لِأَنَّ عَلَى الْأُنُوثَةِ وَالْكَافِرِ الْمُعْلِنِ وَمَا ذُكِرَ مَعَهُمَا أَمَارَةً ظَاهِرَةً، إذْ تَمْتَازُ الْمَرْأَةُ بِالصَّوْتِ وَالْهَيْئَةِ وَغَيْرِهِمَا.
وَمِثْلُهَا الْخُنْثَى لِأَنَّ أَمْرَهُ مُنْتَشِرٌ، وَكَذَا الْمَجْنُونُ: وَيُعْرَفُ مُعْلِنُ الْكُفْرِ بِالْغِيَارِ وَغَيْرِهِ، فَالْمُقْتَدِي بِهِمْ مُقَصِّرٌ بِتَرْكِ الْبَحْثِ عَنْهُمْ، بِخِلَافِ مُخْفِي الْكُفْرِ فَإِنَّهُ لَا اطِّلَاعَ عَلَيْهِ، فَلَا تَجِبُ الْإِعَادَةُ فِيهِ فِي الْأَصَحِّ وَسَيَأْتِي تَصْحِيحُ مُقَابِلِهِ، وَلَوْ بَانَ إمَامُهُ قَادِرًا عَلَى الْقِيَامِ فَالْمَنْقُولُ عَنْ الصَّيْمَرِيِّ وَغَيْرِهِ الصِّحَّةُ، وَهُوَ قَضِيَّةُ قَوْلِ الرَّوْضِ كَأَصْلِهِ فِي خُطْبَةِ الْجُمُعَةِ لَوْ خَطَبَ جَالِسًا وَبَانَ قَادِرًا فَكَمَنْ بَانَ جُنُبًا، لَكِنَّهُ صَرَّحَ هُنَا بِأَنَّهُ كَالْأُمِّيِّ فَيَتَبَيَّنُ عَدَمُ الصِّحَّةِ: وَهَذَا هُوَ الْمُعْتَمَدُ كَمَا قَالَهُ شَيْخِي، وَفَرَّقَ بَيْنَ الْخُطْبَةِ وَبَيْنَ مَا هُنَا بِأَنَّهُ يُغْتَفَرُ فِي الشَّرْطِ مَا لَا يُغْتَفَرُ فِي الْمَشْرُوطِ.

(لَا) إنْ بَانَ إمَامُهُ (جُنُبًا) أَوْ مُحْدِثًا كَمَا فُهِمَ بِالْأَوْلَى.
وَذَكَرَهُ فِي الْمُحَرَّرِ (وَذَا نَجَاسَةٍ خَفِيَّةٍ) فِي ثَوْبِهِ أَوْ بَدَنِهِ فَلَا تَجِبُ إعَادَةُ الْمُؤْتَمِّ بِهِ لِانْتِفَاءِ التَّقْصِيرِ اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ فِي الْجُمُعَةِ فَفِيهِ تَفْصِيلٌ يَأْتِي فِي مَوْضِعِهِ، بِخِلَافِ الظَّاهِرَةِ فَتَجِبُ فِيهَا الْإِعَادَةُ لِتَقْصِيرِ الْمُقْتَدِي فِي هَذِهِ الْحَالَةِ، هَذَا مَا جَرَى عَلَيْهِ الرُّويَانِيُّ وَغَيْرُهُ.
وَحَمَلَ فِي الْمَجْمُوعِ وَفِي تَصْحِيحِهِ كَلَامَ التَّنْبِيهِ عَلَيْهِ وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ، وَإِنْ صَحَّحَ فِي التَّحْقِيقِ التَّسْوِيَةَ بَيْنَ الْخَفِيَّةِ وَالظَّاهِرَةِ فِي عَدَمِ وُجُوبِ الْإِعَادَةِ.
وَقَالَ الْإِسْنَوِيُّ: إنَّهُ الصَّحِيحُ الْمَشْهُورُ، وَالْأَحْسَنُ فِي ضَبْطِ الْخَفِيَّةِ.
وَالظَّاهِرُ مَا ذَكَرَهُ صَاحِبُ الْأَنْوَارِ وَهُوَ أَنَّ الظَّاهِرَةَ مَا تَكُونُ بِحَيْثُ لَوْ تَأَمَّلَهَا الْمَأْمُومُ لَرَآهَا، وَالْخَفِيَّةُ بِخِلَافِهَا.
وَقَضِيَّةُ ذَلِكَ كَمَا قَالَ الْأَذْرَعِيُّ: الْفَرْقُ بَيْنَ الْمُقْتَدِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرِ حَتَّى لَا يَجِبَ الْقَضَاءُ عَلَى الْأَعْمَى مُطْلَقًا وَهُوَ كَذَلِكَ، وَلَوْ عَلِمَ أَنَّ إمَامَهُ مُحْدِثٌ أَوْ ذُو نَجَاسَةٍ خَفِيَّةٍ ثُمَّ اقْتَدَى بِهِ نَاسِيًا وَلَمْ يُحْتَمَلْ أَنَّهُ تَطَهَّرَ وَجَبَتْ الْإِعَادَةُ (قُلْت: الْأَصَحُّ الْمَنْصُوصُ هُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ: إنَّ مُخْفِيَ الْكُفْرِ هُنَا كَمُعْلِنِهِ) وَإِنْ قَالَ فِي الرَّوْضَةِ: إنَّ الْأَقْوَى دَلِيلًا أَنَّ الْقَضَاءَ لَا يَجِبُ (وَاَللَّهُ أَعْلَمُ) بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْعِلَّةَ الصَّحِيحَةَ هِيَ عَدَمُ أَهْلِيَّتِهِ لِلْإِمَامَةِ، فَتَجِبُ إعَادَةُ الْمُؤْتَمِّ بِهِ لِنَقْصِهِ بِالْكُفْرِ، بِخِلَافِ الْمُحْدِثِ وَنَحْوِهِ لَا نَقْصَ فِيهِ بِالْحَدَثِ.

وَلَوْ اقْتَدَى بِشَخْصٍ فَبَانَ مُرْتَدًّا، أَوْ أَنَّهُ تَرَكَ تَكْبِيرَةَ

فصول الكتاب · 11 فصل · 627 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول مغني المحتاج إلى معرفة معاني ألفاظ المنهاج · 627 صفحة
المقدمة
بَابُ صَلَاةِ الْمُسَافِرِ
بَابُ صَلَاةِ الْكُسُوفَيْنِ
بَابُ زَكَاةِ النَّقْدِبَابُ زَكَاةِ الْمَعْدِن وَالرِّكَازِ وَالتِّجَارَةِ
بَاب زَكَاةِ الْفِطْرِ
كتاب البيع
بَابُ الضَّمَانِ
بَابُ مَا يَحْرُمُ مِنْ النِّكَاحِ
بَابُ نِكَاحِ الْمُشْرِكِ
بَابُ قَاطِعِ الطَّرِيقِ
جارٍ التحميل