كشف ما ألقاه إبليس من البهرج والتلبيس على قلب داود بن جرجيسمقدمة المؤلف...
أهل الأثرالأرشيف العلمي

بسم الله الرحمن الرحيم وبه ثقتي وعليه اعتمادي1الحمد لله معزّ التوحيد بنصره، ومذلّ الشرك بقهره، ومصرّف الأحوال بأمره، الذي أظهر دينه على الدين كله. أحمده على إعزازه لأوليائه، وخفضه لأعدائه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة من طهر بالإخلاص قلبه، وأرضى بالمعادات فيه والمولاة ربه، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله؛ رافع الشك، وخافض الشرك، ومانع الكذب والإفك اللهم صلّ على محمدالنبي الكريم والرسول الصادق الأمين، وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.2
وبعد: فإنه قد بلغني أنه قد ورد على بعض الإخوان مكاتبة من داود بن جرجيس مملوءة بالكذب والتلبيس، ولا ريب أنه مما أوحاه الشيطان وزخرفه إبليس، فاعجب لاتفاق الاسمين وزناً؛ وموافقته له في كل حركة وسكون، فالأول منهما مكسور، والثاني ساكن، والثالث مكسور، والرابع ساكن، والخامس متحرك بالضمة، وفي هذا بعضُ حروف هذا، وهي الياء والسين، كالاشتقاق الأكبر، فحصل بين الاسمين من الاشتقاق ما لا يخفى، فأعجب لذلك يا مننظر فيه.

وأما المشابهة في المعنى فقد سود القرطاس بضروب من الوسواس، إذا تأمله الموحد الأريب، سليم الطوية صحيح الروية، وجد أقواله كلها تدور على جحود التوحيد، ومصادرة1محكمات القرآن المجيد كذباً وتأويلاً، وتحريفاً وتبديلاً، كما قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّاً شَيَاطِينَ الْأِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ.
وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ﴾2الآية3؛ فمن الواجب على من عرف الحق بدليله أن يسعى فيما يبطل دعواه، ويهدم ما أسسه من الزيغ وبناه، ويبين ما فيه من المكابرة وما أتى به من المماحلة تعمداً ومجاهرة (فيما يناقض حكم الله في قوله تعالى)4﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاه﴾.
فأما قوله: إنه على معتقد الإمام أحمد وشيخ الإسلام وابن القيم: فهذا أول ما أبداه من الكذب والتمويه.
فأيم الله لقد خالف هؤلاء الأئمة (ومن قبلهم ومن بعدهم من أمثالهم فيما اعتقدوه من الإخلاص والتوحيد، الذي بعث الله به رسله وأنزل به كتبه، فلقد صرح هؤلاء الأئمة)5وغيرهم بالإنكار والبراءة ممن يدعو مع الله غيره، أو يستغيث به، أو يتوسل [به]6في الرغبات والرهبات من الغائبين والأموات.
في كل كتاب كتبه هؤلاء وألفوه، وفي كل ما

ردوا به كل صاحب بدعة وصنفوه، كما سأذكر بعضه إن شاء الله تعالى في هذا الجواب.
فأما الإمام أحمد –رحمه الله – فهو إمام السنة، ومن أجل حفاظ الأمة، وفقهاء الأئمة فله "المسند"1الذي جمع فيه من الأحاديث في أصول الدين والأحكام/ ما لم يجتمع في غيره، ونقل المفسرون وغيرهم عنه من أدلة التوحيد ما يكفي ويشفي طالب الحق، فلو ذهبنا نسوق الأحاديث التي رواها بالأسانيد2في هذا المعنى، كحديث ابن مسعود: "من مات3وهو يدعو لله نداً دخل النار"4، وكحديث جابر: " من لقي الله لا يشرك به شيئاً دخل الجنة، ومن لقيه يشرك به شيئاً دخل النار"5،ونحو هذه الأحاديث التي يستدل بها أهل التوحيد6في محل النزاع، لطال الجواب.
وله التصانيف الشهيرة في بيان السنة، وما عليه سلف الأمة من الصحابة والتابعين، وبيان ما خالفوا فيه أهل الأهواء والبدع، فمن استقرأ ما في مصنفاته -رحمه الله تعالى7- عرف منها ما هو الحق، وأنه عدو من ألحد في دين الله

وخرج عن الصراط المستقيم، الذي بعث الله به رسله وأنبيائه؛ ورد على الزنادقة، وغيرهم ممن ابتدع في دين الله.
(وقد نص الإمام أحمد على أنه لا يجوز الاستعاذة1بالمخلوق، وأن ذلك شرك بالله)2، وقد استدل الإمام أحمد –رحمه الله تعالى3– بحديث خولة بنت حكيم4أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "من نزل منزلاً فقال أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق لم يضره شيء حتى يرحل5من منزله ذلك".6
على أن كلام الله ليس بمخلوق إذ لو كان مخلوقاً لما جاز الاستعاذة به؛ لأن الاستعاذة بالمخلوق شرك، وهذا العراقي المبهرج الكذاب يجادل بقوله إن الاستغاثة بغير الله ليست بشرك، فإن الكل عبادة.7
وهذه الاعتقادات في الأموات إنما حديت بعد الإمام أحمد ومن في طبقته من أهل الحديث والفقهاء والمفسرين وأما شيخ الإسلام ابن تيمية –رحمه الله – فأقامه الله سبحانه في زمانه بتحقيق التوحيد بأنواعه الثلاثة؛ كما أقام الإمام أحمد –رحمه الله تعالى8– في زمانه بذلك من توحيد الصفات، فبين هذا

الشيخ رحمه الله1نوعي التوحيد بأتم بيان: توحيد المعرفة والإثبات، وتوحيد الطلب والقصد، ورد على من عارض أدلة التوحيد بشبهة أو تحريف، فهذه كتبه موجودة، وكلها متفقة على هذا المعنى، كالاقتضاء والمنهاج2، وكتاب العقل النقل.
وكتاب الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان، ورده على ابن الأخنائي ودره على السبكي في مسألة الزيارة، ورده على ابن البكري في مسألة الاستغاثة، وسيأتيك جمل منه إن شاء الله تعالى، وكلامه في أصول الدين مطرد في جميع كتُبه لا اختلاف فيه بحمد الله.
فمما نقل عنه أصحابه –رحمه الله –كصاحب الفروع، وكذلك من بعده من الحنابلة المصنفين في مذهب أحمد، كصاحب الإنصاف والتنقيح، وكذا من بعده من المصنفين، كصاحب الإقناع والمنتهى، وقد نقل هؤلاء وغيرهم في باب حكم المرتد عن شيخ الإسلام أحمد بن تيمية –رحمه الله – أنه قال: (من جعل بينه وبين الله وسائط يدعوهم ويسألهم ويتوكل عليهم كفر إجماعاً؛ وهذا هو مذهب أحمد عند أصحابه كلهم)3، وسيأتي كلامه هذا في مسألة الوسائط إن شاء الله تعالى.
فصار اعتماد الحنابلة وغيرهم من أهل السنة على اعتقاد ما ذكره4شيخ الإسلام –رحمه الله –من الإجماع – [مستنده ما ستذكره في الآيات المحكمات إن شاء الله]-5، لأنه هو الذي اتفقت عليه دعوة الرسل من أولهم إلى آخرهم

وهو الذي خلق الله تعالى1الخلق لأجله، وهو نفي الشرك في العبادة بأن لا يُصرف شيء من أنواعها2لغير الله كائناً من كان، وهو الذي دل عليه القرآن من أوله إلى آخره، ولم ينقل عن أحد من سلف الأمة وأئمتها أنه أجاز دعوة الأموات والغائبين والاستغاثة3والاستشفاع/بهم، وقد تواتر النهي عن ذلك في الآيات المحكمات كما سنذكر بعض ذلك إن شاء الله تعالى.
وبما ذكرناه من الإجماع، وما دل عليه الكتاب والسنة من قصر العبادة بجميع أنواعها على الله تعالى، وأن من صرف منها شيئاً لغير الله فاستغاث بغيره من الأموات والغائبين4فهو كافر، يبين أن هذا العراقي قد خالف الكتاب والسنة والإجماع-، ومن المحال أن يوجد عن سلف الأئمة وأئمتها ما يخالف هذا الإجماع5-، وخالف العلماء من أهل السنة من كل مذهب؛ فما أبعده عن هذا الدين الذي أجمعوا عليه كما قال الشاعر: سارت مشرقة وسرت مغربا... شتان بين مشرق ومغرب ويكفيك في تقرير6ما ذكروه عن شيخ الإسلام من الإجماع، وأنه هو الحق الذي يجب اعتقاده، والدين الذي يدان الله به ما استند إليه من محكم القرآن، كقوله تعالى: ﴿فَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِين﴾7،

وقال: ﴿وَلا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنْفَعُكَ وَلا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذاً مِنَ الظَّالِمِينَ﴾1والمخاطب بهذا سيد المرسلين، وهو لجميع الأمة.
وانظر إلى ما ترتب على دعوة غير الله من الوعيد الشديد، والخبر الأكيد، والآيات في هذا المعنى لا تكاد تحصى إلا بعد الاستقراء والاستقصاء، ويأتيك لهاتين الآيتين نظائر من محكم القرآن في ضمن كلام العلماء.
قال شيخ الإسلام رحمه الله2في "الرسالة السنية"3: (فإذا كان على عهد النبي صلى الله عليه وسلم ممن انتسب إلى الإسلام من مرق منه مع عبادته العظيمة فليعلم أن المنتسب إلى الإسلام والسنة قد يمرق من الإسلام لأسباب، منها الغلو في بعض المشايخ، بل الغلو في علي بن أبي طالب، بل الغلو في المسيح عليه السلام، وكل من غلا في نبي أو رجل صالح، وجعل فيه نوعاً من الآلهية، مثل أن يقول: يا سيدي فلان4انصرني وأغثني وارزقني، أو أنا في حسبك، ونحو هذه الأقوال، فكل هذا شرك وضلال يستتاب صاحبهفإن تاب وإلا قتل، فإن الله تعالى إنما أرسل الرسل وأنزل الكتاب ليُعبد وحدهلا شريك له ولا يدعى معه إله آخر، والذين يدعون مع الله إلهاً آخر، مثل المسيح والملائكة والأصنام لم يكونوا يعتقدون أنها تخلق الخلائق وتنزل المطر وتنبت النبات، وإنما كانوا يعبدونهم، أو يعبدون قبورهم5أو يعبدون

من النهي عن2أن يدعى أحد من دون3الله وبيَّن رحمه الله تعالى كيفية الدعاءالذي لا يجوز4أن يصلح منه شيء لغير الله؛ وأنه نوعان، وفيه بيان الشرك الذي نهت عنه الرسل، ومنه الاستشفاع بالشفعاء؛ كما هو بين في الآيتين المذكورتين، فهذا الكلام بحمد الله يقضي ويأتي على جميع ما ذكره هذا العراقي من الاستشفاع/ بالأموات ونحوهم بالفساد، بل بالبطلان. ويبطل ما افتراه على شيخ الإسلام رحمه الله.5
قال شيخ الإسلام: (وكل دعاء عبادة مستلزم لدعاء المسألة، وكل دعاء مسألة متضمن لدعاء العبادة، قال الله تعالى: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِين﴾6، وقال: ﴿قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ

أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ. بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ وَتَنْسَوْنَ مَا تُشْرِكُون﴾.1
وقال تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُو مَعَ اللَّهِ أَحَدا﴾2، قلت: و"أحداً" نكرة في سياق النهي وهي تعم كل مدعو من دون الله. وقال تعالى: ﴿لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ﴾ إلى قوله: ﴿وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلال﴾.3
قال ابن القيم –رحمه الله تعالى- على قوله تعالى: ﴿لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ﴾ : (والله سبحانه صاحب دعوة الحق في ذاته وصفاته وإن لم يوجب لداعيه بها ثواباً، فإنه يستحقها لذاته، فهو أهل أن يعبد وحده ويدعى وحده ويقصد ويشكر ويحمد ويحب ويرجى ويخاف ويتوكل عليه ويستعان به ويصمد إليه فتكون الدعوة الآلهية الحق له وحده، ومن قام بقلبه بهذا معرفة وذوقاً وحالاً صح له مقام التبتل والتجريد المحض، وقد فسر السلف دعوة الحق بالتوحيد، والإخلاص فيه، والصدق، ومرادهم هذا المعنى، فقال علي رضي الله عنه: "دعوة الحق" التوحيد، وقال ابن عباس: "شهادة أن لا إله إلا الله"، وقبل الدعاء بالإخلاص والدعاء الخالص لا يكون إلا لله، ودعوة الحق دعوة الآلهية، وحقوقها، وتجديدها، وإخلاصها).4
انتهى من "المدارج".
ومن ذلك قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَمَّا جَاءَنِيَ الْبَيِّنَاتُ مِنْ

رَبِّي وَأُمِرْتُ أَنْ أُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِين﴾12فتضمنت هذه الآية حقيقة دين الإسلام وهو إخلاص نوعي التوحيد لله وحده3كالآيات قبلها، وأمثال هذا في القرآن في دعاء المسألة أكثر من أن تحصى، وهو يتضمن دعاء العبادة؛ لأن السائل أخلص سؤاله لله، وذلك من أفضل العبادات، وكذلك الذاكر لله4، والتالي لكتابه. ونحوه طالب من الله في المعنى، فتكون داعياً عابداً.5
وللعلامة ابن القيم مثل ذلك.
فلم يبق بعد لهذا المشرك حجة يحتج بها على جواز شركه بدعائه غير الله واستغاثته بغيره6من أي7وجه كان، وهذا أيضاً يأتي داعياً على جميع ما ذكره هذا العراقي بالمنع والبطلان.
وقال8–رحمه الله تعالى-: وذكر زيارة القبور الشرعية- ثم قال: (وأما الزيارة البدعية فمن جنس زيارة النصارى المشركين.
مقصودها الإشراك بالميت، مثل طلب الحوائج منه والتمسح بقبره وتقبيله، والسجود له

ونحو ذلك، وهذا ونحوه لم يأمر الله به ولا رسوله، ولا استحبه أحد من أئمة المسلمين ولا كان أحد من السلف يفعله لا عند قبر النبي صلى الله عليه وسلم ولا عند قبر غيره، بل أجدبوا واستسقوا، ولم يكونوا يأتون عند النبي صلى الله عليه وسلم يدعون عنده لا في ذلك الوقت ولا غيره، بل ثبت في "الصحيح": "أنهم لما أجدبوا في خلافة عُمر رضي الله عنه استسقوا بالعباس، فقال عمر: اللهم إنا كنا إذا أجدبنا توسلنا إليك بنبينا فتسقينا، وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا فيسقون"1، وكانوا في حياته يتوسلون إلى الله2بدعائه وشفاعته، فلما مات صلى الله عليه وسلم بقوا يتوسلون بدعاء العباس، ولم يكونوا يقسمون على الله بأحد من خلقه؛ لا نبي ولا غيره؛ ولا يسألون ميتاً ولا غائباً ولا يستعينون بميت3ولا غائب، سواء كان نبياً أو غير نبي.
وهذا لأن جماع الدين أن لا يعبد إلا الله، وأن لا يعبد إلا بما شرع لا يعبد بالبدع، كما قال الفضيل بن عياض في قوله4عز وجل: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ

أَحْسَنُ عَمَلا﴾1، قال أخلصه وأصوبه قالوا: يا أبا علي، ما أخلصه وأصوبه؟ قال: إن العمل إذا كان خالصاً ولم يكن صواباً لم يقبل.
وإذا كان صواباً ولم يكن خالصاً لم يقبل، حتى يكون خالصاً صواباً.
فالخالص أن يكون لله.
والصواب أن يكون على السنة) انتهى.
/فتأمله يكشف عنك شبهات الشرك إن شاء الله.
وقال –رحمه الله تعالى- وذكر أهل الخلوات من الصوفية قال2: (وهذه الخلوات قد يقصد أصحابها الأماكن التي ليس فيها أذان ولا إقامة؛ ولا مسجد يصلي فيه الصلوات الخمس (3وأما غير المساجد3)3مثل الكهوف والغيران والمقابر، ومثل المواضع التي يقال إن بها أثر نبي أو رجل صالح؛ [ولهذا]4يحصل لهم في هذه المواضع أحوال شيطانية، يظنون أنها كرامات رحمانية.
فمنهم من يرى أن صاحب القبر قد جاء إليه، ويقول له: أنا5فلان؛ أو ربما قال له: نحن إذا وضعنا في القبر خرجنا، والشياطين تتصور بصورة الإنس في اليقظة والمنام، وقد تأتي لمن لا يعرف6فتقول: أنا الشيخ فلان، أو العالم فلان، وربما قال: أنا أبو بكر أو عمر، وربما أتى في اليقظة دون المنام7

فقال: أنا المسيح، أو أنا موسى1، وقد جرى من ذلك أنواع أعرفها؛ وثم من يصدق بأن الأنبياء يأتون في اليقظة في صورهم2، وثم شيوخ لهم زهد وعلم ودين يصدقون بمثل هذا، ومن هؤلاء من يظن أن النبي [صلى الله عليه وسلم]3يخرج من قبره في صورته فيتكلم، وفيهم4من يظن أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج من الحجرة وكلَّمهم فجعلوا هذا من كراماته، وفيهم من يعتقد أنه سأل المقبور فأجابه، وبعضهم كان يحكي أنه إذا أشكل عليه حديث جاء إلى الحجرة النبوية ودخل فسأل النبي صلى الله عليه وسلم فأجابه، وآخر من أهل المغرب5حصل له مثل ذلك، وجعل هذامن كراماته) (6قلت: وهذه الأمور التي ذكرها عنهم شيخ الإسلام وهي أحوال شيطانية هي التي أوقعت عباد القبور في عبادتها، وصرف خالص العبادة إليها وقد ردَّه العلماء من أهل السنة6).6 قال ابن عبد البر لمن ظن ذلك: (ويحك ترى هذا أفضل من السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار؟ فهل من هؤلاء من سأل النبي صلى الله عليه وسلم [بعدالموت]7فأجابه؟ وقد تنازع الصحابة في أشياء، فهلا سألوه فأجابهم وهذه ابنته فاطمة تنازع في ميراثه؛ فهلا سألته فأجابها) انتهى.

فأنكر العلماء رحمهم الله ما حدث في هذه الأمة من البدع والضلالات التي اغتر بها أكثر الجهال، ولو تتبعنا ما في كتب شيخ الإسلام في معنى ما ذكرنا لاحتمل كثرة من الأوراق1تفضي إلى التطويل، والمقصود ذكر ما تقوم به الحجة على من أشرك مع الله غيره في عبادته.
وأما صاحبه العلامة محمد2بن القيم رحمه الله3فأكثر مصنفاته في أصول الدين؛ وما بعث الله4به المرسلين.
قال في "إغاثة اللهفان"5: (والمقصود أن الشرك لما كان أظلم الظلم وأقبح القبائح كان أبغض الأشياء إلى الله، وأشدها مقتاً لديه وأخبر أنه لا يغفره، وأن أهله نجس، ومنعهم من قربان حرمه، وحرم ذبائحهم ومناكحهم، وقطع المولاة بينهم وبين المؤمنين؛ وجعلهم أعداء له سبحانه ولملائكته ورسله وللمؤمنين، وأباح لأهل التوحيد أموالهم ونساءهم وأبناءهم6، وأن يتخذوهم عبيداً، وهذا لأن الشرك هضم لحق الربوبية، وتنقص لعظمة الإلهية، وسواء ظن برب العالمين، كما قال تعالى: ﴿وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ عَلَيْهِمْ/ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيراً﴾7فلم يجمع على أحد من الوعيد والعقوبة

ما جمع على أهل الشرك1، فإنهم ظنوا به ظن السوء حتى أشركوا به، ولو أحسنوا به الظن لوحّدوه حق توحيده؛ ولهذا أخبر سبحانه أنهم ما قدروه حق قدره في ثلاثة مواضع من كتابه2، وكيف يقدره حق قدره من جعل له عدلاً ونداً يحبه ويخافه ويرجوه، ويذل له ويخضع له.3
قال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ﴾4، وقال5: ﴿ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾6أي: يجعلون له عدلاً في العبادة والمحبة والتعظيم، وهذه هي التسوية التي أثبتها المشركون بين الله وبين آلهتهم، وعرفوا وهم في النار أنها كانت ضلالاً وباطلاً يقولون7لآلهتهم وهي في النار: ﴿تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ.
إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِين﴾8ومعلوم أنهم ما ساووهم به في الذات والصفات والأفعال، ولا قالوا: أن آلهتهم خلقت السموات والأرض، وإنما ساووهم به بمحبتهم لها وتعظيمهم وعبادتهم إياها كما ترى عليه أكثر9أهل الشرك ممن ينتسب إلى الإسلام، ومن العجب

أنهم ينسبون أهل التوحيد إلى التنقص بالمشايخ والأنبياء والصالحين، وما ذنبهم إلا أن قالوا إنهم عبيد لا يملكون لأنفسهم ولا لغيرهم ضراً ولا نفعاً، ولا موتاً ولا حياتاً ولا نشوراً؛ وأنهم1لا يشفعون لعابديهم أبداً، بل حرم الله شفاعتهم لهم، ولا يشفعون لأهل التوحيد إلا بعد إذن الله لهم في الشفاعة فليس لهم من الأمر شيء؛ بل الأمر كله لله، والشفاعة كلها له سبحانه، والولاية له، فليس لخلقه من دونه ولي ولا شفيع.
فالمشرك إما أن يظن أن2الله سبحانه يحتاج إلى من يدبر أمر العالم معه من وزير أو ظهير3، أو عوين4، وهذا أعظم التنقص لمن هو غني عن كل ما سواه بذاته، وكل ما سواه فقير إليه بذاته.
(5 وأما أن يظن أن الله سبحانه إنما تتم قدرته بقدرة الشريك5).5 وإما أن يظن أنه لا يعلم حتى يعلمه الواسطة، أولا يرحم حتى يجعله الواسطة يرحم؛ أو لا يكفي وحده؛ أو لا يفعل ما يريد العبد حتى يشفع عنده الواسطة، كما يشفع المخلوق عند المخلوق، فيحتاج أن يقبل شفاعته لحاجته إلى الشافع، وانتفاعه به، وتكثر به من القلة، وتعززه به من الذلة، أو لا يجيب دعاء عباده حتى يسألوا الواسطة أن يرفع تلك الحاجة إليه كما هو حال ملوك الدنيا، وهذا أصل شرك الخلق، أو يظن أنه لا يسمع دعاءه6لبعده عنهم حتى

يرفع الوسائط إليه ذلك.
أو يظن أن للمخلوق عليه حقّاً، فهو يقسم عليه بحق ذلك المخلوق عليه، ويتوسل إليه بذلك المخلوق، كما يتوسل الناس إلى الأكابر والملوك بمن يعز عليهم، ولا يمكنهم مخالفته1، وكل ذلك تنقص للربوبية، وهضم لحقها، ولو لم يكن فيه إلا نقص محبة الله، وخوفه، ورجائه، والتوكل عليه، والإنابة إليه، من قلب المشرك بسبب قسمة ذلك بينه سبحانه، وبين من أشرك به، فيضعف أو يضمحل ذلك التعظيم والمحبة والخوف والرجاء بسبب صرف أكثره/ أو بعضه إلى من عبده من دون الله.
فالشرك ملزوم لتنقص الرب سبحانه والتنقص لازم له ضرورة، شاء المشرك أم أبى ولهذا اقتضى حمده سبحانه وكمال ربوبيته أن لا يغفره2، وأن يخلد صاحبه3في العذاب الأليم، ويجعله أشقى البرية، فلا تجد مشركاً قط إلا وهو متنقص لله سبحانه، وإن زعم أنه معظم له بذلك) انتهى.
هذا ما قرره العلامة ابن القيم في "إغاثة اللهفان"، وذكر في "المدارج"4وغيره من كتبه ما هو مثل ذلك أو أبسط.
فماذا بعد الحق إلا الضلال، وما أحسن ما قال –رحمه الله تعالى5- في "الكافية الشافعية"6:

والعلم يدخل قلب كل موفق... من غير بواب ولا استئذان ويرده المحروم من خذلانه... لا تشقنا اللهم بالخذلان ولكن هذا العراقي1اعتاد لهذه الأمور الشركية التي يجادل عنها، ونشأ عليها، وتمكنت من قلبه فلم يعرف غيرها، كما قال الشاعر: أتاني هواها قبل أن أعرف الهوى... فصادف قلباً خالياً فتمكنا فيأتي2بأدلة يزعم أنها له وهي عليه.
من ذلك: استدلاله على جواز دعاء الأموات والغائبين بقول سليمان عليه السلام3: ﴿أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِين﴾.4
فهذا حجة عليه لا له، فإن سليمان عليه السلام ملك نبي5يأمر رعيته بما يقدرون عليه، وهكذا حال الأنبياء6والملوك وغيره، خصوصاً إذا كان مما يحبه الله ويرضاه7، فهذا مما أوجبه الله تعالى على الراعي لرعيته أن يأمرهم بما ينفعهم وما يتعدى نفعه إلى غيرهم.
والرسل عليهم الصلاة والسلام يأمرون الأمم بما أمرهم الله تعالى به، وأوجبه عليهم، وينهونهم عما حرم الله تعالى عليهم من الشرك فما دونه، (9 فهذا8الرجل دعى بما علمه الله، والله سبحانه هو المستجيب دعوته9)9فأين

هذا من دعاء الأموات والغائبين وسؤالهم ما لا يقدر عليه إلا الله.
من قضاء الحاجات، وتفريج الكربات، وإغاثة اللهفات؟ وقد أخبر الله تعالى أن استجابتهم للداعي ممتنعة؛ لأنهم يسألونهم ما لا يجوز أن يسأل إلا من الله القريب المجيب الذي أمر عباده بدعائه والرغبة إليه، ووعدهم على ذلك الاستجابة، كما قال تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُم﴾1فرغبة هذا المشرك في دعاء الميت أو الغائب الذي أخبر تعالى أنه لا يستجيب له؛ وأنه غافل عن دعائه، وأنه لا يرضى بذلك منه، بل يبرأ إلى الله مما فعل، ويعاديه عليه، كما دلت على ذلك الآيات المحكمات، فما خيبة من رغب عن سؤال الحي القيوم الذي لا يعزب عنه مثقال ذرة في السموات ولا في الأرض إلى سؤال ميت أو غائب لا يسمع ولا يستجيب (2ولا قدرة له2).2 ولم يشرع لنا تعالى أن نتوسل بذات أحد من خلقه، بل أرشدنا إلى أعظم الوسائل إليه3، وهو أسماؤه الحسنى.
قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُون﴾4وأما سؤال الحي الحاضر أن يدعو لأخيه المسلم فليس من هذا الباب، لأن الله تعالى أقدره على الدعاء، وأرشد العباد إلى أن يدعو بعضهم لبعض (5كما ورد في دعاء الغائب لأخيه الغائب5)5؛ لأن الله تعالى أقدره عليه، وهذا من جنس أن

يعطيه مما أعطاه الله من المال ما ينتفع به لقدرته على ذلك، فهذا من باب الإحسان من بعض المسلمين لبعض.
وأما أهل الشرك1بالله فدهاهم عدم/ الفرقان2بين ما شرعه الله وما لم يشرعه من دعاء من لا يسمع، ولا يضر ولا ينفع، وقد بيَّن الله3تعالى ذلك في كتابه بياناً4مفصلاً، وأنكر على من اتخذ من دون الله شفعاء، وبين أن هذا هو الشرك الذي لا يغفره5الله6، كما قال تعالى: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ

شُفَعَاء﴾، إلى قوله: ﴿قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعا﴾.1
وقال: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ إلى قوله: ﴿سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُون﴾.2
فسبحان من حال بين قلوب المشركين عن فهم القرآن؛ حتى صار هدهد سليمان أعرف منهم بالشرك، وهو السجود للشمس، وأنكره على من فعله.
فقال: ﴿وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُم﴾3فأنكر الشرك بالله في العبادة وهو طير من جنس الطيور، وبيّن أن الشيطان صدهم عن السبيل، وأنهم ليسوا على هدى، ولا ريب أن السجود نوع من أنواع العبادة كالدعاء ونحوه، وقد ذكرها تعالى في كتابه وتعبد عباده بها وهي أنواع كثيرة، ومن أعظمها الدعاء سماه الله عبادة في مواضع من كتابه، كما في السنن من حديث النعمان بن بشير بأسانيد صحيحة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال "الدعاء4هو العبادة" ثم قرأ قوله تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ

إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِين﴾1قال ابن الجزري2في تفسير3الحصن الحصين: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي﴾ أي عن4دعائي وصرح به غيره من المفسرين – (6كأبي جعفر بن جرير65)6- وغيرهم.
وقال تعالى: ﴿وَقَالَ مُوسَى رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً وَأَمْوَالاً فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾7بحذف الياء أي يا ربنا، ومعناها أدعو وهو العامل للنصب في المضاف، ثم قال في آخر الآية ﴿قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا﴾8، فعلم يقيناً أن المراد بقوله ﴿دَعْوَتُكُمَا﴾ قول موسى ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً وَأَمْوَالاً فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ وموسى يدعو وهارون يؤمن، وهذا هو حقيقة الدعاء في الكتاب والسنة واللغة والعرف والاستعمال مطّرد9، وهذا في القرآن أكثر من أن يحصى.

وقال عن الخليل عليه السلام (1 في دعوته لأبيه وقومه1)1﴿وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّه﴾ إلى قوله: ﴿فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّه﴾2فسمى دعاءهم لغيره عبادة فما عرفوا من الشرك ما عرف هدهد سليمان؛ فإنه أنكر الشرك وهؤلاء قبلوه واتخذوه ديناً، ومعلوم أن الدعاء والاستغاثة كالسجود وأعظم، وقد تقرر3بالكتاب والسنة أنه عبادة، فجحد هذا العراقي ما كان معلوماً من الدين بالضرورة مكابرة وعناداً.
وقد تقدم لشيخ الإسلام ابن تيمية، والعلامة ابن القيم أن الدعاء نوعان لا تخرج العبادة4عنهما: دعاء مسألة ودعاء عبادة، فدعاء المسألة يتضمن دعاء العبادة، ودعاء العبادة يستلزم دعاء المسألة.5
وهذا العراقي6جهل هذه العلوم النافعة، فصار في ظلمة الجهل، فلم يعرف المعروف من المنكر، ولا عرف الحق من الباطل، فما وجدنا عنده إلا الخبط والعناد، والمرء عدو ما جهل.
وفي هذه القصة ما ذكره الله تعالى7عن بلقيس لما جاءت سليمان عرفت من التوحيد ودعوة الرسل ما/ أوجب أن قالت: ﴿رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِين﴾8ولم تقل: أسلمت لسليمان، بل

قالت: ﴿وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ﴾.
عرفت دعوة الرسل بشواهد الأحوال، وأن الإسلام هو إخلاص الوجه والقلب وجميع الأعمال لله تعالى لا يصلح أن يقصد بشيء1منها أحد دون الله عز وجل، كما قال تعالى: ﴿لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ﴾، إلى قوله: ﴿وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلالٍ﴾.2
(4 وقال تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُو مَعَ اللَّهِ أَحَدا﴾34).4 فتأمل ما ذكر الله تعالى5في كتابه في الدعاء، والتشديد في صرفه لغيره، واختصاصه به تعالى خلقه وقد قال تعالى: ﴿مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيّاً مُرْشِدا﴾ نعوذ بالله من صرف القلوب عن الحق إلى الباطل كما هو حال هذا المماحل6المعاند المجادل.

فصول الكتاب · 25 فصل · 382 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول كشف ما ألقاه إبليس من البهرج والتلبيس على قلب داود بن جرجيس · 382 صفحة
مقدمة الكتابمقدمةتحقيق نسبة الكتاب إلى المؤلفتحقيق اسم الكتابطبعات الكتاب...أمثلة السقطأمثلة التحريفأمثلة الزيادةوصف النسخ الخطيةمنهجي في التحقيقترجمة1موجزة للشيخ عبد الرحمن رحمه اللهابن جرجيس، وموقف أئمة الدعوة السلفية منهنماذج مصورة من النسخ الخطيةمقدمة المؤلف...فصل1وقد بين الله تعالى في كتابه حقيقة الإسلام الذي تصلح به القلوب والأعمال. قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِيناً مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِن﴾.2 وفي "المسند" عن أبي قزعة الباهلي عن حكيم بن معاوية عن أبيه3أنه قال: والله يا رسول ما أتيتك إلا بعد ما حلفت عدد أصابعي هذه أن4لا أتيك فبالذي بعثك بالحق ما بعثك به؟ قال: "الإسلام"، قال: وما الإسلام؟ قال: "أن تسلم قلبك وتوجه وجهك إلى الله وأن تصلي الصلوات المكتوبة وتؤدي الزكاة المفروضة".5 وقال تعالى6: ﴿وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَفصل1وقد أنكر الله تعالى2في محكم كتابه على من دعا الأنبياء والصالحين والملائكة. فقال تعالى3: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلا تَحْوِيلاً، أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورا﴾.4 نزلت هذه الآيات فيمن يدعو المسيح وأمه والعزير والملائكة، وأئمة التفسير5ذكروا ذلك في معنى هذه الآية الكريمة. فانظر إلى هذا التهديد والوعيد في حق من دعا الملائكة والأنبياء والصالحين؛ وأخبر تعالى أنهم لا يملكون كشف الضر عمن دعاهم، ولاتحويله، وأخبر تعالى أن أولئك الذين يدعونهم من الأنبياء والصالحين يبتغونإلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب، وأعظم الوسائل (6 التي تقرب إلى الله6)6إخلاص العبادة لله تعالى، وتجريد التوحيد، ومخالفة ما كان يفعله المشركون من دعوةغير الله.فصل1في بيان أمور من الشرك الأكبر – (2يشبه ما قدمناه2)2- الذي وقع فيه من وقع من هذه الأمة. قال العلامة ابن القيم3رحمه الله:فصل1وقال شيخ الإسلام أيضاً: (ومن المحرمات العكوف عند قبر، والمجاورة عنده، وسدانته، وتعليق الستور عليه، كأنه بيت الله الكعبة، وقد بيّنا أن نفس بناء المسجد عليه منهي عنه باتفاق الأمة، محرم بدلالة السنة، فكيف إذا ضم إلى ذلك المجاورة في ذلك المسجد، والعكوف فيه، كأنه المسجد الحرام؟ بل عند بعضهم العكوف فيه أحب من العكوف في المسجد الحرام، إذ من الناس من يتخذ من دون الله أنداداً يحبونهم كحب الله، والذين آمنوا أشد حباً لله، بل حرمة ذلك المسجد المبني على القبر الذي حرمه الله ورسوله، أعظم عند المقابريين من بيوت الله التي2أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه، وقد أسست على تقوى من الله ورضوان.
فصل1ثم ذكر –رحمه الله –2تتبع آثار الأنبياء، وما ذهب إليه أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه من النهي عن ذلك، وذكر أنه قطع الشجرة التي بويع تحتها النبي صلى الله عليه وسلم. وذكر عن محمد بن وضاح قال: كان مالك وغيره من علماء المدينة يكرهون إتيان تلك المساجد، وتلك الآثار التي بالمدنية، ما عدا قباء وأحداً، ولأن ذلك يشبه الصلاة عند المقابر، إذ هو ذريعة إلى اتخاذها أعياداً، وإلى التشبه بأهل الكتاب.
فصل1وقال شيخ الإسلام2–رحمه الله تعالى-:
فصل1وقد كان شيخ الإسلام تقي الدين أحمد بن تيمية –رحمه الله -، لما قدم مصر فوجد الكثير قد جهل ما بعث الله به رسله وأنزل به كتبه: من دين الإسلام الذي رضيه لعباده، واتفقت عليه دعوة الرسل من أولهم إلى آخرهم.
خاتمةتتمةفهرس الأحاديثفهرس الموضوعات
جارٍ التحميل