فصل1ثم ذكر –رحمه الله –2تتبع آثار الأنبياء، وما ذهب إليه أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه من النهي عن ذلك، وذكر أنه قطع الشجرة التي بويع تحتها النبي صلى الله عليه وسلم. وذكر عن محمد بن وضاح قال: كان مالك وغيره من علماء المدينة يكرهون إتيان تلك المساجد، وتلك الآثار التي بالمدنية، ما عدا قباء وأحداً، ولأن ذلك يشبه الصلاة عند المقابر، إذ هو ذريعة إلى اتخاذها أعياداً، وإلى التشبه بأهل الكتاب.
بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ. إِنْ أَنْتَ إِلَّا نَذِيرٌ. إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيراً وَنَذِيراً وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلا فِيهَا نَذِيرٌ. وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالزُّبُرِ وَبِالْكِتَابِ الْمُنِيرِ﴾.1
وقد بيَّن الله تعالى في كتابه هذا الشرك الذي انتحله هؤلاء المشركون بياناً شافياً، وقد تقدم في الآيات المحكمات ما يبينه ويوضحه، وما يترتب على فعله من التهديد، والوعيد الشديد وتكفير2من فعله، فأخذ هؤلاء ما زخرفوه من الترهات والخيالات والشبهات، بدلاً عن الآيات المحكمات، وصريح السنة وصحيحها، فلا محال أبين من هذا المحال؛ ولا ضلال أبعد من هذا الضلال، ألم يسمعوا إلى قول الله تعالى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ. وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِين﴾.3
وقوله4تعالى: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ.
إِنْ تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِير﴾.5
وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ لا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكَافِرُون﴾1، وقد تقدمت هذه الآيات وبعض نظائرها من الآيات المحكمات.
وقد عرفت أن كل داع قد أقبل قلبه2على المدعو، ووجه وجهه إليه، ورغب إليه ورجاه، وأحبه مع الله، وتوكل عليه، وخضع له وأناب إليه؛ وغير ذلك، وكل هذا عبادة لا تصلح إلا للحي القيوم، الذي لا تأخذه سنة ولا نوم، له ما في السموات وما في الأرض، لا يعزب عنه مثقال ذرة في السموات ولا في /الأرض، ولا أصغر من ذلك ولا أكبر إلا في كتاب مبين.
وسبحان الله! أين ذهبت عقول3المشركين عن عبادة الذي خلقهم ورزقهم؛ ويحييهم ويميتهم، ويتصرف فيهم بمشيئته وإرادته؟ ولا نفع ولا ضر إلا بمشيئته وقدرته4وحكمته5، وقد قال الله6تعالى: ﴿أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُقُ أَفَلا تَذَكَّرُون﴾7، وقال8: ﴿وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَخْلُقُونَ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ.
أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ.
إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ قُلُوبُهُمْ مُنْكِرَةٌ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُون﴾.9
ثم أخبر تعالى أن العلة التي صرفتهم عن قبول الحق، الإنكار والاستكبار، فأخذوا الضلال عوضاً عن الهدى، وقد أنذرهم نبيهم صلى الله عليه وسلم غاية الإنذار، كما قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا مُنْذِرٌ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ.
رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ.
قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ.
أَنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ﴾1، وقال تعالى: ﴿فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاغُ وَاللَّهُ بَصِيرٌ ِالْعِبَادِ﴾2، وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَدْعُو رَبِّي وَلا أُشْرِكُ بِهِ أَحَداً. قُلْ إِنِّي لا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرّاً وَلا رَشَداً. قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَداً. إِلَّا بَلاغاً مِنَ اللَّهِ وَرِسَالاتِهِ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً﴾.3
فسبحان الله! كيف جاز في عقول هؤلاء أن يتقربوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالشرك الذي بعثه الله بإنكاره، والإنذار عنه، وعداوة من فعله4، وأصر عليه، وقتاله، وإباحة دمه وماله؟ كما دلت عليه هذه الآيات المحكمات ونظائرها.
قال الله5تعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّه﴾6والفتنة: الشرك بالله في العبادة، كما قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحا
وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدا﴾.1
والعجب أن كثيراً من هؤلاء لم يفهموا من هذه الآية إلا الشرك الأصغر، كيسير الرياء، وهذا من فساد العقول، والجهل بمضمون الدال والمدلول.
(4 والشرك بأرباب القبور والغائبين هو الشرك الأكبر المخرج عن الإسلام، و [هو]2شرك مشركي قريش والعرب، بل هو في أواخر هذه الأمة، فلا ينفع معه صلاة ولا عمل، وقد قال تعالى في حق المشركين: ﴿ثُمَّ قِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تُشْرِكُونَ.
مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالُوا ضَلُّوا عَنَّا﴾3الآية، فكفرهم تعالى بالشرك بالدعاء الذي جحده كذباً على الله4).4 وتأمل قوله: ﴿يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ فلا تصلح الإلهية إلا له وحده. و"الإله" هو الذي تألهه القلوب بأي نوع كان من أنواع العبادة كما تقدم، فمن صرف من العبادة شيئاً لغير الله، كالدعاء ونحوه فقد ألهه بالعبادة، واتخذه إلهاً من دون الله، ولا يختلف كلام أهل اللغة وأهل السنة سلفاً وخلفاً عن هذا المعنى.5
وقد تقدم في هذا الجواب نحو6مما ذكرناه هنا، ولو ذهبنا نذكر جميع الأدلة على هذا الأصل العظيم لاحتمل عدة أجزاء، والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم.
/ومن أعظم أسباب1الوقوع في الشرك: استصحاب العوائد وإلفها، وكثرة من ضل عن الحق إما جهلاً وإما عناداً، وبهذه الأسباب ونحوها كثر اللبس الذي نهى الله تعالى عنه اليهود في قوله: ﴿وَلا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾2ذكره تعالى في أول سورة البقرة تحذيراً لهذه الأمة أن يشابهوا أهل الكتاب فيما ذمهم تعالى به، ونهاهم عنه. وقد عمت البلوى بذلك، ولم يستندوا فيه إلا إلى خيالات شيطانية، كما قال تعالى: ﴿وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لا يَهْتَدُون﴾.3
قال العلامة ابن القيم4–رحمه الله تعالى –لما ذكر سبب عبادة الأصنام التي صورها قوم نوح على صور الصالحين قال: (وما زال الشيطان يوحي إلى عباد القبور ويلقي إليهم أن البناء والعكوف عليها من محبة أهل القبور من الأنبياء والصالحين، وأن الدعاء عندها مستجاب، ثم ينقلهم من هذه المرتبة إلى الدعاء بهم5، والأقسام بهم6على الله، فإن شأن الله أعظم من أن يقسم عليه، أو يسأل بأحد من خلقه، فإذا تقرر ذلك عندهم نقلهم منه إلى دعائه وعبادته، وسؤاله الشفاعة، واتخاذ قبره وثناً تعلق عليه القناديل والستور، ويطاف به، ويستلم ويقبل، ويحج إليه، ويذبح
عنده، فإذا تقرر ذلك عندهم نقلهم منه إلى دعاء الناس إلى عبادته، واتخاذه عيداً ومنسكاً1، ورأوا أن ذلك أنفع لهم في دنياهم وأخراهم.
وكل2هذا مما قد علم بالاضطرار من دين الإسلام أنه مضاد لما بعث الله به رسوله صلى الله عليه وسلم، من تجريد التوحيد، وأن لا يعبد إلا الله.
فإذا تقرر ذلك عندهم نقلهم منه إلى أن من نهى عن ذلك فقد تنقص أهل الرتب العالية، وحطهم عن منزلتهم، وزعم أنه لا حرمة لهم ولا قدر، وغضب المشركون، وأشمأزت قلوبهم، كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُون﴾3وسرى ذلك في نفوس كثير من الجهال والطغام، وكثير ممن ينتسب إلى العلم والدين، حتى عادوا أهل التوحيد، ورموهم بالعظائم، ونفروا الناس عنهم، ووالوا أهل الشرك وعظموهم، وزعموا أنهم أولياء الله وأنصار دينه ورسوله، ويأبى الله ذلك: ﴿وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُون﴾4انتهى كلامه-رحمه الله تعالى- (5 وقد تقدم، وقد كرره في مواضع فأتبعناه، وهو كلام/ عظيم مطابق لما يقع من المشركين في كل زمان ومكان 5).5 وليتأمل ما ذكره العلماء –رحمهم الله تعالى6- في قوله تعالى7: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ إلى قوله: ﴿وَلا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ
أَذِنَ لَهُ حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِير﴾.1
قال ابن عطية2في هذه الآية: (في الكلام حذف دل عليه الظاهر، كأنه قال: ولا هم شفعاء كما تزعمون أنتم، بل عبدة3مسلمون أبدا، يعنى منقادون).
وقال أبو حيان4: (وبهذا المعنى من ذكر الملائكة في صدر الآية تتسق هذه الآية على الأولى، ومن لم يشعر أن الملائكة مشار إليهم من أول قوله: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُم﴾ لم5تتصل له هذه الآية بما قبلها).
وقال مقاتل بن حيان6في قوله تعالى: ﴿قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ﴾7الآية.
قال: (فسألهم النبي صلى الله عليه وسلم فسكتوا أي: لأنهم يعتقدون ذلك فيها، وإنما كانوا يدعونها على معنى أنها وسائط، وشفعاء عند الله، لا أنهم8يكشفون الضر ويجيبون دعاء المضطر، فهم يعلمون أن ذلك لله وحده، كما قال تعالى: ﴿ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ.
ثُمَّ إِذَا كَشَفَ الضُّرَّ عَنْكُمْ إِذَا فَرِيقٌ
مِنْكُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ﴾.1
انتهى.2
ولا عجب من وقوع الكثير من الناس في الجهل بالتوحيد، ووقوعهم في الشرك الأكبر الذي لا يغفره الله، مع انتسابهم إلى الإسلام، وقراءتهم القرآن، وانتسابهم إلى شريعة الإسلام، فقد روى الإمام أحمد وابن ماجه عن زياد بن لبيد-رضي الله عنه-قال: ذكر النبي صلى الله عليه وسلم شيئاً فقال: "ذلك عند أوان ذهاب العلم" قلت: يا رسول الله وكيف يذهب ونحن نقرأ القرآن ونقرؤه أبناءنا، ويقرؤه أبنائنا3، أبناءهم؟، قال: "ثكلتك أمك يا زياد، إن كنت لأراك من أفقه رجل في المدينة، أوليس هذه4اليهود والنصارى يقرأون التوراة والإنجيل لا يعملون بشيء مما فيها؟ ".5 وعن علي –رضي الله عنه-قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يوشك أن يأتي على الناس زمان لا يبقى من الإسلام إلا اسمه، ولا يبقى من القرآن إلا رسمه،
مساجدهم1عامرة، وهي يومئذٍ2خراب من الهدى، علماؤهم أشر من تحت أديم السماء [من]3عندهم تخرج الفتنة، وفيهم تعود"4أخرجه البيهقي في "شعب الإيمان".
قلت: وقد ظهر الشرك والبدع في هذه الأمة بعد القرون المفضلة، بظهور الدول بالمشرق والمغرب، / كالأزارقة، وبني بويه، والقرامطة، ونبي عبيد القداح، والإسماعيلية ونحوها، فاشتدت غربة الإسلام، وصار أهل السنة غرباء كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: "بدأ الإسلام غريباً وسيعود غريباً كما بدأ، فطوبى للغرباء الذين يصلحون إذا فسد الناس أو يصلحون ما أفسد الناس"5، وقد تقدم
هذا، وأعيد لئلا ينسى كنظائره، فإن الحق يحلو مع التكرار والبيان.
وقد أشار إلى ما وقع في هذه الأمة من مصداق هذا الحدث كثير من العلماء، قديماً وحديثاً، فمن ذلك ما ذكره يحيى بن يوسف1الصرصري قال:
نُح وابكِ، والمعروف أقفر رسمه... والمنكر استعلى وآثر وسمه1لم يبق إلا بدعة فتانة... بهوى مضل مستطير سمه هذا الذي2وعد النبي المصطفى... بظهوره وعداً توثق3حتمه هذا لعمر إلهك الزمن الذي... تبدو جهالته ويرفع علمه ذهب النصيح لربه ونبيه... وإمامه نصحاً تحقق عزمه لم يبق إلا حاكم هو مرتش... أو عالم تخشى4الرعية ظلمه والصالحون على الذهاب تتابعوا... فكأنهم عقد تناثر نظمه لم يبق إلا راغب، هو مظهر... للزهد، والدنيا الدنية همه لولا بقايا سنة ورجالها... لم يبق نهج5واضح نأتمه (8 وقد قال العلامة ابن القيم –رحمه الله تعالى6-: وأي اغتراب7فوق غربتنا التي لها أضحت الأعداء فينا تحكم8قال شيخ الإسلام ابن تيمية –رحمه الله تعالى-في "الاقتضاء" أيضاً: "ولم يكن أحد من السلف يأتي إلى قبر نبي أو9غير نبي لأجل الدعاء
[له]1، ولا كان الصحابة يقصدون الدعاء عند قبر النبي صلى الله عليه وسلم، ولا عند قبر غيره من الأنبياء، وإنما كانوا يصلون عليهم ويسلمون على النبي صلى الله عليه وسلم وعلى صاحبيه، فاتفق الأئمة على أنه إذا دُعي2في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم أنه لا يستقبل قبره.
وتنازعوا عند السلام عليه، فقال مالك وأحمد وغيريهما: يستقبل قبره ويسلم عليه، وهو الذي ذكره أصحاب3الشافعي، وقال مالك –فيما ذكره إسماعيل بن إسحاق في "المسبوط" والقاضي عياض وغيريهما-: لا أرى أن يقف عند قبر النبي صلى الله عليه وسلم، ولكن يسلم/ ويمضي، وقال في "المبسوط": (لا بأس لمن قدم من سفر، أو خرج أن يقف على النبي صلى الله عليه وسلم (4 ويصلي ويسلم على النبي صلى الله عليه وسلم4)4، ويدعو له ولأبي بكر وعمر، فقيل له: إن ناساً من أهل المدينة يفعلون ذلك في اليوم مرة أو أكثر، فيسلمون ويدعون ساعة، فقال: لم يبلغني [هذا]5عن أحد من أهل الفقه6ببلدنا، ولم يبلغني عن أول هذه الأمة وصدرها أنهم كانوا يفعلون ذلك، إلا من جاء من سفر أو أراده).
قال: (وقد تقدم من الآثار عن السلف ما يوافق هذا من أنهم إنما كانوا يستحبون عند قبر7النبي صلى الله عليه وسلم ما هو من جنس الدعاء له، كالصلاة والسلام، ويكرهون قصده للدعاء والوقوف عنده، وليس في أئمة المسلمين من استحب
للمرء أن يستقبل قبره1ويدعو.
وهذا الذي ذكرناه عن مالك والسلف يبين2ضعف ما ينقله المحرفون عن مالك ونحوه، مما يخالف ذلك مما هو خلاف مذهبه المعروف بنقل الثقات من أصحابه، وهو نص على أنه لا يقف عند قبره للدعاء مطلقاً، ولم يذكر أحد من الأئمة أن أحداً منهم استحب أن يسأل أحداً3بعد الموت، وإنما يعرف ذلك في حكاية ذكرها طائفة من متأخري الفقهاء عن أعرابي أنه أتى قبر النبي صلى الله عليه وسلم وقال: يا خير من دفنت بالقاع أعظمه... فطاب من طيبهن القاع والأكم نفسي الفداء لقبر أنت ساكنه... فيه العفاف وفيه الجود والكرم فاحتجوا بهذا الحكاية التي لم4يثبت بها حكم شرعي، لا سيما في مثل هذا الأمر الذي لو كان مشروعاً لكان الصحابة والتابعون أعلم به وأعمل.5
وذكر أن معاوية [رضي الله عنه]1استسقى بيزيد بن الأسود2، قال: ولم يذكر عن أحد من الصحابة أنه أتى إلى قبر نبي ولا غيره يستسقي عنده ولا به، وفي سنن أبي داود عن أبي هريرة (رضي الله عنه)3[عن النبي صلى الله عليه وسلم]4أنه قال: "ما من رجل يسلم علىَّ إلا رد الله عليَّ روحي حتى أرد عليه السلام"5، وفي
"سنن النسائي" وغيره عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: "إن الله وكل بقبري ملائكة يبلغوني عن أمتي السلام/ والصلاة على"1فما أمر الله به ورسوله وشرعه لنا عند زيارة قبور2الأنبياء والصالحين هو من جنس المشروع عند جنائزهم، كما أن المقصود بالصلاة على الميت الدعاء له.
والمقصود3بزيارة قبره الدعاء له، كما ثبت في الصحيح والسنن والمسند أنه صلى الله عليه وسلم "كان يعلم أصحابه إذا زاروا القبور [أن يقولوا]4: السلام
عليكم1دار قوم مؤمنين، وإنا إن شاء الله بكم للاحقون2، ويرحم الله المستقدمين منا ومنكم والمستأخرين. نسأل الله لنا ولكم العافية. اللهم لا تحرمنا أجرهم ولا تفتنا بعدهم، واغفر لنا ولهم".3
وأما أن يقصد بالزيارة سؤال الميت والأقسام على الله به أو استجابة4الدعاء عند تلك البقعة، فهذا لم يكن من فعل أحد من سلف الأمة، لا الصحابة ولا التابعين لهم بإحسان، ولم يوجد في عصرهم من يستشفع بالأموات ويتوسل بهم، وإنما الثابت عنهم ترك ذلك، كما فعل عمر ومعاوية رضي الله عنهما، فإنهم عدلوا في التوسل إلى دعاء الأحياء5، لحضورهم وقدرتهم على الدعاء؛ لأنهم في دار العمل، وأما الأموات فانتقلوا عنها، وقد فارقت أرواحهم، [وأجسامهم]6تحت الثرى، وأرواحهم في الرفيق الأعلى.
فسبحان الله، والله أكبر فكيف جاز في عقول من جعل الله له عقلاً أن يعدل عن سؤال7القريب المستجيب- وقد وعد من سأله الإجابة، وهو القادر على كل شيء، العليم8بكل شيء، لا يخفى عليه شيء من أقوال خلقه
وأعمالهم وإرادتهم – إلى ميت غائب1لا يسمع ولا ينفع ولا يضر ولا يعطي ولا يمنع، في تلك الحال؟ ولا ريب أن هذا من أبطل الباطل عقلاً، ونقلاً، وفطرة، وقد قال الله2تعالى محتجاً بصفاته-التي دلت على كماله تعالى – على3أنه تعالى هو المدعو وحده المعبود4وحده، فقال تعالى: ﴿هُوَ الْحَيُّ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ5فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِين﴾6فأمر تعالى بإخلاص الدعاء له وأنه المستحق له دون كل ما سواه.