كشف ما ألقاه إبليس من البهرج والتلبيس على قلب داود بن جرجيسصفحات 141-181
أهل الأثرالأرشيف العلمي

فصل1ثم ذكر –رحمه الله –2تتبع آثار الأنبياء، وما ذهب إليه أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه من النهي عن ذلك، وذكر أنه قطع الشجرة التي بويع تحتها النبي صلى الله عليه وسلم. وذكر عن محمد بن وضاح قال: كان مالك وغيره من علماء المدينة يكرهون إتيان تلك المساجد، وتلك الآثار التي بالمدنية، ما عدا قباء وأحداً، ولأن ذلك يشبه الصلاة عند المقابر، إذ هو ذريعة إلى اتخاذها أعياداً، وإلى التشبه بأهل الكتاب.

صفحات 141-181

وما فعله ابن عمر لم يوافقه عليه أحد من الصحابة، فلم ينقل عن الخلفاء الراشدين، ولا غيرهم من المهاجرين والأنصار، أنه كان يتحرى قصد الأمكنة التي نزلها النبي صلى الله عليه وسلم.
والصواب مع جمهور الصحابة؛ لأن متابعة النبي صلى الله عليه وسلم تكون بطاعة أمره، وتكون في فعله بأن يفعل مثل ما فعل على الوجه الذي فعله، فإذا قصد العبادة في مكان كان قصد العبادة فيه متابعة له، كقصد المشاعر والمساجد، وأما إذا نزل في مكان3بحكم الاتفاق، لكونه صادف وقت النزول أو غير ذلك فهذا لم ينقل عن غير ابن عمر من الصحابة، بل كان أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وسائر السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار يذهبون من المدينة إلى مكة

حجاجاً وعماراً أو مسافرين، ولم ينقل عن أحد منهم أنه تحرى الصلاة في مصليات النبي صلى الله عليه وسلم.
ومعلوم أن هذا لو كان عندهم مستحباً لكانوا إليه أسبق، فإنهم أعلم الناس بسنته، واتبع لها من غيرهم، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: "عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة"1، وتحري هذا ليس من سنة الخلفاء الراشدين، بل هو مما2ابتدع، وقول الصحابي إذا خالفه نظيره ليس بحجة.
فكيف إذا انفرد3به عن جماهير الصحابة؟

وأيضاً فإن تحري الصلاة فيها ذريعة إلى اتخاذها مساجد، والتشبه بأهل الكتاب مما نهينا عن التشبه بهم فيه، وذلك ذريعة إلى الشرك بالله، والشارع قد حسم هذه المادة بالنهي عن الصلاة عند طلوع الشمس وعند غروبها، وبالنهي عن اتخاذ القبور مساجد.
ثم ذلك يفضي إلى ما أفضت إليه مفاسد القبور، فإنه يقال: إن هذا مقام نبي، أو قبر نبي1أو ولي، بخبر لا يعرف قائله، أو بمنام لا تعرف حقيقته2، ثم يترتب على ذلك اتخاذه مسجداً3، فيصير وثناً يعبد من دون الله تعالى. شرك مبني على إفك" انتهى ما نقلته عن اقتضاء الصراط المستقيم.4
وفي هذا القدر المنقول عن شيخ الإسلام كفاية، لأنه واف في5المقصود، ويكشف ما يلبس به كل مصدود، ولا يرده إلا من استحوذ عليه الشيطان، وأنساه ذكر الرحمن، وصد عن معرفة/ الإسلام والإيمان، كما قال تعالى: ﴿سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِهَا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ

الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآياتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ﴾.1
فلله الحمد على بيان الحق، وإزاحة الكذب عن الصدق، حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، غير مكفي ولا مودع ولا مستغني عنه ربنا.2
وأما العلامة ابن القيم – رحمه الله –3فله في بيان التوحيد وتحقيقه، وكشف ما ينافيه أو يضعفه فصول كثيرة في مصنفاته، فتذكر من كلامه البعض على نحو ما ذكرنا من كلام شيخه.
قال –رحمه الله تعالى- في كتابه"الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة"4: (فصل5عظيم النفع جليل القدر، ينتفع به من عرف نوعي: التوحيد القولي العلمي، الخبري، والتوحيد القصدي، الإرادي، العملي، كما دل على الأول سورة: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَد﴾6، وعلى الثاني سورة: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُون﴾7، وكذلك دل على الأول قوله: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا﴾8الآية، وعلى الثاني: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُم﴾9الآية، ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ بهاتين السورتين في سنة

الفجر1، وسنة المغرب2، ويقرأ بهما في ركعتي الطواف3، ويقرأ بالآيتين في سنة الفجر4؛ لتضمنهما التوحيد العلمي والعملي.
والتوحيد العلمي أساسه: إثبات الكمال للرب تعالى؛ ومباينته لخلقه، وتنزيهه عن العيوب والنقائص والتمثيل.
والتوحيد العملي أساسه: تجريد القصد بالحب، والخوف، والرجاء، والتوكل، والإنابة، والاستعانة، والاستغاثة، والعبودية بالقلب، واللسان، والجوارح لله وحده.
فمدار ما بعث الله به رسله، وأنزل به كتبه على هذين التوحيدين، وأقرب الخلق إلى الله أقومهم بهما علماً وعملاً؛ ولهذا كانت الرسل صلوات الله وسلامه عليهم أقرب الخلق إلى الله، وأقربهم إليه وسيلة أولو العزم، وأقربهم الخليلان، وخاتمهم سيد ولد آدم وأكرمهم على الله؛ لكمال عبوديته وتوحيده لله.5

فهذا الأصلان هما قطب رحى القرآن، وعليهما مداره، وبيانهما من أهم الأمور، والله سبحانه بينهما غاية البيان بالطرق العقلية والنقلية1، والفطرية والنظرية، والأمثال المضروبة، ونوّع سبحانه الطرق بإثباتهما أكمل التنويع، بحيث صارت معرفة القلوب الصحيحة، الفطر السليمة لهما بمنزلة رؤية الأعين المبصرة التي لا آفة بها2للشمس، والقمر، والنجوم، والأرض، والسماء، فذلك للبصيرة بمنزلة هذه3للبصر، فإن سُلِّط4التأويل على التوحيد الخيري العلمي كان تسليطه على التوحيد العملي القصدي5أسهل، وانمحت رسوم التوحيد، وقامت معالم التعطيل والشرك.
ولهذا كان الشرك والتعطيل متلازمين لا ينفك أحدهما عن صاحبه، وإمام المعطلين المشركين فرعون، فهو إمام كل معطل ومشرك إلى6يوم القيامة، كما أن إمام الموحدين إبراهيم ومحمد عليهما السلام7إلى يوم القيامة"انتهى.
فأعجب لهذين الإمامين رحمهما الله تعالى8: تشابهت قلوبهما في العلم والإيمان، وألسنتهما في بيان الحق وإيضاحه، وكشف ما لبس به الملبسون، واعتمده المشركون، من المنامات والحكايات، التي اغتر بها

الجاهلون، وضل بها الأكثرون./ وبما بينَّاه –رحمهما الله-وأوضحاه يتبين به1الفرقان2بين أهل الشرك وأهل الإيمان، وبه يبطل كل ما زعمه هذا المماحل الفتان من أكاذيبه التي صادم بها الإيمان والقرآن، وجحود3ما بعث الله به المرسلين من توحيد رب العالمين، وما أنزله في كتابه المبين من قواطع الحجج والبراهين، التي دحضت حجج المشركين والمبطلين كما قال تعالى: ﴿وَلا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرا﴾.4
فلقد ترامى بهذا العراقي5ما خامره من داء الشرك العضال، حتى هام في كل واد من البهرج والمحال، وأطنب في المماحلة وسيء المقال، حتى زعم أن عنده كثير من الأدلة على جواز أنواع الشرك والضلال، وهيهات هيهات.
إذ لا صواب ولا هدى إلا فيما نطقت به السنة والكتاب، الذي أنزله الله هدى لأولي الأبصار والألباب؛ تنزيل من حكيم حميد.
فالدعاء الذي ينازع6فيه المبطلون وفيه يلحدون؛ وبه يشركون: هو من أشرف أنواع العبادة إذا قصر على الله الذي لا يستحقه أحد سواه، وقد قال تعالى: ﴿لَهُ دَعْوَةُ الْحَق﴾7، فهي له وحده ليس لغيره منها ولا مثقال ذرة،

ومدلولها الطلب والسؤال، كما دل عليه قوله: ﴿وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ إِلَّا كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلالٍ﴾.1
فأنكر تعالى2على من صرف شيئاً من الدعوة3لغيره، وأنه يكون بذلك كافراً، وهو نص في دعاء المسألة بدليل قوله: ﴿لا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ﴾4، وقد قال تعالى: ﴿قُلْ أَنَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنْفَعُنَا وَلا يَضُرُّنَا وَنُرَدُّ عَلَى أَعْقَابِنَا بَعْدَ إِذْ هَدَانَا اللَّهُ كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ فِي الْأَرْضِ حَيْرَانَ لَهُ أَصْحَابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى ائْتِنَا﴾ إلى قوله: ﴿وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِين﴾5، تبين بهذه الآية ونظائرها أن كل مدعو من دون الله لا ينفع داعيه ولا يضره، وأن دعوة من يدعي من دونه تنافي الإسلام، لأن أساسه التوحيد والإخلاص، وهذا الشرك ينافيه.
وقد وقع في هذه الأمة من هذا الشرك الذي بيّنه الله تعالى، وبيّن ضلال من فعله ما لا يخفى على من له أدنى بصيرة، ومعرفة بالإسلام والإيمان، والناصح لنفسه لا يغتر بما زخرفه المشركون، ولبِّس به الملحدون.
قال تعالى: ﴿قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّه﴾ الآية6،

فما أوضحها من آية في بيان أن جل شرك1المشركين إنما هو بدعاء من أشركوا مع الله في العبادة.
قال2العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى3: "فالخطاب من الله تعالى في كتابه هو حجة على أجل4وجوه الحجاج5، وأسبقها إلى القلوب، وأعظمها ملاءمة للعقول، وأبعدها عن6الشكوك والشبه، في أوجز لفظ، وأبينه، وأعذبه، وأحسنه، وأشرفه، وأدله على المراد؛ كقوله تعالى فيما حاج به عباده من إقامة التوحيد وبطلان الشرك، وقطع أسبابه، وحسم مواده كلها: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ، وَلا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَه﴾.7
فتأمل كيف أخذت هذه الآية8إلى المشركين مجامع الطرق التي دخلوا منها إلى الشرك، وسد بها عليهم أحكم سد وأبلغه، فإن العابد إنما يتعلق بالمعبود لما يرجوا من نفعه، وإلا فلو لم يرج منه منفعة لم يتعلق به قلبه9،

وحينئذ1فلابد/ أن يكون المعبود مالكاً للأسباب التي يقع بها عبَّاده2، أو شريكاً لمالكها، أو ظهيراً أو وزيراً معاوناً3، أو وجيهاً ذا حرمة وقدر يشفع4عنده، فإذا انتفت هذه الأمور الأربعة من كل وجه، وبطلت5، انتفت أسباب الشرك، وانقطعت مواده.
فنفى سبحانه عن آلهتهم ملك مثقال ذرة في السموات والأرض، وقد يقول المشرك: هي شريكة المالك الحق فنفى شركتها6له، فيقول المشرك: قد يكون ظهيراً، ووزيراً ومعاوناً، فقال: ﴿وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ﴾7فلم يبق إلا الشفاعة، فنفاها عن آلهتهم وأخبر أنه لا يشفع عنده أحد إلا بإذنه، وهو الذي يأذن للشافع، وإن لم يأذن له لم يتقدم بالشفاعة بين يديه، (8 كما يكون لأحد المخلوقين 8)8فإن المشفوع عنده9يحتاج إلى الشافع، ومعونته له، فيقبل شفاعته وإن لم يأذن له فيها، وأما من كل ما سواه فقير إليه بذاته، وهو الغني بذاته عن كل ما سواه، فإن الآلهة التي كانوا يثبتونها معه سبحانه كانوا يعترفون أنها عبيده ومماليكه ومحتاجة إليه، فلو كانوا آلهة كما يقولون [لعبدوه و]10

تقربوا إليه وحده دون غيره، فكيف يعبدونهم [من]1دونه؟ وقد أفصح سبحانه بهذا بعينه بقوله: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَه﴾2، أي: هؤلاء الذين تعبدونهم من دوني هم عبيدي، كما أنتم عبيدي يرجون رحمتي كما أنتم ترجون رحمتي، ويخافون عذابي كما تخافون أنتم عذابي فلماذا تعبدونهم من دوني؟ ومن ذلك قوله تعالى: ﴿هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِه﴾3فلله4ما أحلى هذا الكلام، وأوجزه وأدله على بطلان الشرك، فإنهم إن زعموا أن آلهتهم خلقت شيئاً مع الله طولبوا بأن يروه إياه؛ وإن اعترفوا بأنها أعجز وأضعف وأقل من ذلك كانت إلهيتها باطلاً ومحالاً.
وقال تعالى: ﴿قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ قُلْ أَفَاتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ لا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ نَفْعاً وَلا ضَرّا﴾5الآية.
فاحتج على تفرده بالإلهية بتفرده بالخلق، وعلى بطلان إلهية ما سواه بعجزهم عن الخلق، وعلى أنه واحد بأنه6قهار والقهر التام يستلزم الوحدة، فإن الشركة تنافي تمام القهر.
قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَاباً وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَه﴾ إلى قوله: ﴿مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ

إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيز﴾.1فتأمل هذا المثل الذي أمر الناس كلهم باستماعه، فمن لم يسمعه فقد عصى أمره، كيف تضمن إبطال الشرك وأسبابه بأصح برهان، في أوجز عبارة وأحسنها وأجلاها، وأسجل2على جميع آلهة المشركين أنهم لو اجتمعوا كلهم في صعيد واحد، وساعد بعضهم بعضاً وعاونه بأبلغ المعاونة لعجزوا عن خلق ذباب واحد، ثم بيَّن ضعفهم وعجزهم3عن استنقاذ ما يسلبهم4الذباب إياه5، فأي إله أضعف من هذا الإله المطلوب ومن عابده الطالب نفعه6، فهل قدر القوي العزيز حق قدره من أشرك معه آلهة هذا شأنها؟ فأقام سبحانه/ حجة التوحيد؛ وبيّن إفك أهل الشرك والإلحاد بأعذب الألفاظ وأحسنها، لم يستكرهها غموض، ولم يشنها7تطويل، ولم يعيبها تعقيد، ولم تزر بها8زيادة ولا تنقيص، بل بلغت في الحسن والفصاحة والإيجاز ما لا يتوهم متوهم ولا يظن ظان أن يكون أبلغ في معناها منها، وتحتها من المعنى الجليل القدر، العظيم الشرف9، البالغ في النفع ما هو أجل من الألفاظ) انتهى من "الصواعق المرسلة".

وقال1–رحمه الله تعالى-: (والشرك تشبيه للمخلوق بالخالق2تعالى3وتقدس في خصائص الإلهية، من ملك الضر والنفع والعطاء والمنع، الذي يوجب تعلق الدعاء والخوف والرجاء والتوكل وأنواع العبادة كلها بالله تعالى وحده، فمن علق ذلك بمخلوق فقد شبهه بالخالق، وجعل من لا يملك لنفسه ضراً ولا نفعاً ولا موتاً4ولا حياة ولا نشوراً شبيهاً بمن له الخلق كله، وبيده الخير كله، وإليه يرجع الأمر كله، فأزمّة الأمور كلها بيده سبحانه، ومرجعها إليه، فما شاء كان؛ وما لم يشأ لم يكن، ولا مانع لما أعطى، ولا معطي لما منع، الذي إذا فتح للناس رحمة فلا ممسك لها، وما يمسك فلا مرسل له من بعده وهو العزيز الحكيم، فأقبح التشبيه تشبيه العاجز الفقير بالذات، بالقادر الغني بالذات.
ومن خصائص الإلهية الكمال المطلق من جميع الوجوه الذي لا نقص فيه بوجه من الوجوه5، وذلك يوجب أن تكون العبادة كلها له وحده، والتعظيم، والإجلال، والخشية، والدعاء، والرجاء، والإنابة، والتوكل، والتوبة، والاستغفار، وغاية الحب مع غاية الذل كل ذلك يجب عقلاً وشرعاً وفطرة أن تكون لله وحده، ويمتنع عقلاً وشرعاً وفطرة أن يكون لغيره، فمن فعل ذلك بغيره فقد شبه ذلك6الغير بمن لا شبيه له، ولا مثل له ولاند له، وذلك

أقبح التشبيه وأبطله، فلهذه الأمور وغيرها أخبر سبحانه أنه لا يغفره، مع أنه كتب على نفسه الرحمة).
هذا معنى كلام العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى.
وأما ما يزعمه هذا العراقي من أن طلب الشفاعة من النبي صلى الله عليه وسلم بعد وفاته مجمع عليه.
فالجواب1أن نقول2: الله أكبر!، ما أعظمها من فرية على الله، وعلى كتابه، وعلى رسوله صلى الله عليه وسلم، وعلى السلف، وأئمة الدين، فانظر إلى هذه الجرأة العظيمة جعل ما أجمع عليه الرسل، والكتب، والسلف، والمسلمون من تحريم دعوة غير الله والنهي عنها، واتخاذ الشفعاء جعل ذلك المحرم الذي هو دين أهل الجاهلية مجمعاً عليه، ووضع الشرك موضع التوحيد، والباطل موضع الحق، نعوذ بالله من زيغ القلوب، ومسخ العقول، فإن هذا لا يقوله إلا من زاغ قلبه، ومسخ عقله.
كيف ينسب الأمة إلى الإجماع على ما نفاه الكتاب والسنة، من الشرك الذي هو دين المشركين؟ وقد أخبر الله عنهم بأنهم اتخذوا الشفعاء في مواضع من كتابه، وأنكر ذلك عليهم غاية الإنكار، قال تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ [وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ] ﴾3الآية، وقوله: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾4الآية.

وقد حذر الله الأمة عن هذا الشرك، وبلغهم نبيهم ما أنزل عليه في ذلك الشرك، وحذرهم منه غاية التحذير في حق كل أحد كائناً من كان، وهو يناقض الدين الذي اختاره1لنفسه، وهو إخلاص العبادة بجميع أنواعها لله تعالى2، وبعث به رسوله صلى الله عليه وسلم، وأنزله في كتابه، ودعى رسول الله صلى الله عليه وسلم الأمة إليه، وأخبرهم أنه هو دينه، وجاهدهم عليه، وأجمع عليه سلف الأمة، وأئمتها، ومن تبعهم من أهل السنة والجماعة، فإنهم أجمعوا على ما أنزله3الله تعالى في كتابه، واختاره لنفسه، وبعث به نبيه، قال الله4تعالى: ﴿أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِص﴾5، وقال6تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ [مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّين] ﴾7الآية، وقال تعالى: ﴿قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصاً لَهُ دِينِي﴾8، ونهى فيما أنزل في كتابه عن اتخاذ الشفعاء، والنبي صلى الله عليه وسلم هو المبلغ عن الله وحيه [وقد نهاه عن دعوة غيره في مواضع كثيرة من القرآن]9، ونهى10عما نهى الله عنه، فهو يدعو الأمة إلى تركه، ويدعو إلى ما شرعه الله لأنبيائه11ورسله من الإخلاص، وأخبر أنه لا ينتفع إلا من تخلى عن الشفعاء رأساً.

فالإجماع إنما هو على ما يحبه الله ورسوله، ويأمر به من دينه، والنهي عما نهى عنه من دين المشركين من أهل الجاهلية، ومن قبلهم من مشركي العرب، كما1ورد عن مشركي قوم نوح أنهم قالوا: ما عظم أولنا هؤلاء إلا وهم يرجون شفاعتهم عند الله.
وقد أبلغ تعالى في كتابه في البيان بقوله في حق نبيه صلى الله عليه وسلم: ﴿قُلْ إِنِّي2لا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرّاً وَلا رَشَدا﴾ إلى قوله: ﴿إِلَّا بَلاغاً مِنَ اللَّهِ وَرِسَالاتِه﴾3، وقال: ﴿قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلا ضَرّا﴾4الآية، وقال تعالى5: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَدْعُو رَبِّي وَلا أُشْرِكُ بِهِ أَحَدا﴾6الآية.
فيقال لمدعي الإجماع: صحح لنا القول بجوازه عن واحد من سلف الأمة وأئمتها، ومن المحال أن يجد ذلك، والقرآن ينادي بالنهي عنه، وتكفير من فعله وظلمه وضلاله.
فسبحان الله! كيف ينسب هذا العراقي، وأمثاله إلى النبي صلى الله عليه وسلم أن يرضى في حقه ما7ينافي ما اختاره الله لنفسه من الإخلاص، فقد افترى على الله وعلى رسوله صلى الله عليه وسلم، وبدل دينه الذي بعث به الأنبياء والمرسلين، واختار لنفسه دين المشركين مع الكذب والزور والإفك والفجور.

وما ذكره من هذا الإجماع باطل من وجوه: الأول: أن الله نهى نبيه صلى الله عليه وسلم أن يدعو أحداً من دونه، ووجّه الخطاب إليه بالنهي عن هذا الأمر في مواضع من كتابه، تعظيماً لهذا المنهى عنه، وأمر نبيه صلى الله عليه وسلم أن يبلغه أمته، فقال1: ﴿قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَمَّا جَاءَنِيَ الْبَيِّنَاتُ مِنْ رَبِّي وَأُمِرْتُ أَنْ أُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِين﴾2وهذا عام يتناول كل مدعو، حتى الأنبياء والملائكة والصالحين، كما قال تعالى:/ ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلا تَحْوِيلا﴾.3
اتفق المفسرون والأئمة أن هذه الآية نزلت فيمن يدعو الأنبياء والصالحين والملائكة، فانظر إلى هذا التهديد والوعيد الشديد فيمن يدعو مع الله غيره من الأنبياء والملائكة والصالحين، فمن المحال أن يرضى رسول الله صلى الله عليه وسلم بفعل ما نهاه الله4عنه: من دعوة غير الله، فمن5ادعى ذلك فقد افترى على الله، وعلى رسوله بما لم ينزل الله به سلطاناً.
ومن المحال أيضاً في حق من بلغه القرآن من سلف الأمة وأئمتها أن يرضى أن تقلب حقيقة الدين التي أحقها الله تعالى6في كتابه: من تحريم الشرك به7بدعوة الأموات والغائبين، وتعلق القلوب في خصائص الإلهية بغير

رب العالمين، وهذا هو الباطل المحض، والاجتراء على الله وعلى كتابه وعلى رسوله صلى الله عليه وسلم.
سبحان الله! كيف يخفي هذا على من سمعه؟ وكيف تخفى حال من وضعه هذا1الوضع وبدل دين الله، وأقام الشرك مقام التوحيد، والتوحيد مقام الشرك؟.
وهذا القول ينبئك عن فساد ما سوّد به2القرطاس، من وسواس الخناس، الذي يوسوس3في صدور الناس.
وهذا4الذي ادعاه هذا العراقي هو عين المحادة لله ولرسوله وللمؤمنين،

ولا ريب أن مدلول الدعاء هو السؤال والطلب، كما دل على ذلك الكتاب والسنة واللغة والفطرة والعقول وإن جحد ذلك من جحده، وقد أمر الله تعالى عباده بسؤاله فقال: ﴿وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِه﴾1، وقال صلى الله عليه وسلم لابن عباس: "إذا سألت فسأل الله".2
وقد قصر صلى الله عليه وسلم ابن عمه في سؤاله على ربه تعالى، ولا ريب أن ذلك من أنواع العبادة التي لا يصلح أن يصرف منها شيء لغير الله كائناً من كان، والدعاء هو العبادة في كتاب الله، وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، شاء المشرك أم أبى.
الوجه الثاني: أن ابن عباس رضي الله عنهما وغيره من الصحابة، حتى من هو أفضل منه من الخلفاء الراشدين، ومن في طبقة ابن عباس كابن عمر وغيره، ومن دونهم: لم يعهد عن أحد منهم أنه أتى إلى قبر النبي صلى الله عليه وسلم يقول: "يا رسول الله3اشفع لي أو أسألك الشفاعة"، ولو كان خيراً سبقوا إليه، ولما أجدبوا خرج عمر فاستسقى بالعباس عم النبي صلى الله عليه وسلم، وجعله إماماً يدعو ويؤمنون فقال: "اللهم إنا كنا إذا أجدبنا نتوسل إليك بنبينا فتسقينا وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فأسقنا فيسقون".4
فسبحان الله! كيف يجوز على أفضل الصحابة بعد أبي بكر أن يعدل عن

النبي صلى الله عليه وسلم في التوسل في حال الحاجة والضرورة إلى عمه العباس (1وهو يجوز في حقه صلى الله عليه وسلم هذا محال1).1 هذا والسابقون الأولون متوافرون، لم ينكر ذلك على عمر أحد منهم2، ولو كان التوسل بالنبي صلى الله عليه وسلم بعد وفاته عندهم جائزاً لما جاز على عمر والسابقين الأولين أن يعدلوا عنه إلى العباس.
والميت قد غاب عن الدنيا وأهلها، وأفضى إلى الذي بيده ملكوت السموات والأرض، وفي سؤال الميت تنزيل له منزلة علام الغيوب الذي يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، وفيه تشبيه المخلوق بالخالق في خصائص الآلهية، وهي تجريد القصد، والإرادة، والطلب، والنية لله وحده، كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾3وهي "لا إله إلا الله".
وقال تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِيناً مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً﴾4"والحنيف" هو المقبل على الله المعرض عن كل ما سواه.
والمقصود أن من أقبل على غير الله بقلبه ووجهه/ ولسانه وسائر5جوارحه رغبة ورهبة إليه، فقد أعرض لذلك القصد والإرادة، وقد قال تعالى:

﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي [وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، لا شَرِيكَ لَهُ]1﴾ فإن كانت الصلاة الشرعية هي مدلول الآية، فقد تضمنت نوعي الدعاء: دعاء المسألة، ودعاء العبادة، فالصلاة لا تصلح إلا باجتماعهما فيها، ومعلوم أن ما اشتملت عليه الصلاة الشرعية فهو عبادة، تعبد الله به العباد، وكذلك قوله: ﴿وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي﴾2فما أبقت هذه الآية في العبد نصيباً لغير الله في كل ما يحبه (3الله من عبده ويرضاه3).3 وقد تقرر هذا التبيان من محكم [القرآن]4فيما أسلفته في أول الجواب، ولله الحمد والمنة، وبه الحول والقوة.
ولا ريب أن اتخاذ الشفعاء والتوجه إليهم بالقلب واللسان ينافي إسلام القلب والوجه لله [وحده]5، وقد قال تعالى: ﴿وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلا شَفِيعٌ﴾.6
أخبر الله تعالى أن النذارة بالقرآن لا ينتفع بها إلا من تخلى عن الشفعاء في دار العمل، وعلق رغبته ورهبته وسؤاله وطلبه بمن له الملك كله، وله الحمد كله، وبيده الخير كله؛ وإليه يرجع الأمر كله، وهذا هو الذي دعا إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي تحقيقه وتقريره من الآيات ما لا يحصى.
فمن تدبر القرآن والسنة عرف أن النبي صلى الله عليه وسلم حَمى حِمى التوحيد، وأبطل وسائل الشرك، كما في حديث عبادة بن الصامت رضي الله عنه الذي رواه

الطبراني وغيره1أنهم لما قال بعض الصحابة لبعض: قوموا بنا نستغيث برسول الله صلى الله عليه وسلم من هذا المنافق، قال صلى الله عليه وسلم: "إنه لا يستغاث بي وإنما يستغاث بالله"2فهذا في حال حياته3صلى الله عليه وسلم نهاهم سداً للذريعة، وأن لا يجعلوا

استغاثتهم بأحد دون الله عز وجل.
وقال: "لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم، إنما أنا عبد، فقولوا: عبد الله ورسوله"1، وقال: "اللهم لا تجعل قبري وثناً يعبد".2
ويأتي من زيادة البيان في هذا المقام من كلام السلف والعلماء ما يكفي طالب الحق ﴿وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَمَا لَهُ مِنْ نُور﴾.3
الوجه الثالث4: أن النبي صلى الله عليه وسلم في حال نزول الموت به قال: "اللهم الرفيق الأعلى"5، ومن كان في الرفيق الأعلى فقد غاب عن الدنيا

وأهلها1، كما قال تعالى في حق المسيح ابن مريم: ﴿وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيد﴾2، فأخبر عليه السلام أنه لما كان بين أظهرهم كان شهيداً عليهم؛ فلما غاب عنهم كان الشهيد هو الله، الذي لا يعزب عنه مثقال ذرة في السموات ولا في الأرض، فكيف ينزّل الغائب منزلة من لا يخفى عليه شيء في الأرض3ولا في السماء؟.
الوجه الرابع: أن النبي صلى الله عليه وسلم علَّم أمته كل خير يعلمه لهم، وحذرهم4عن كل شر يعلمه لهم، كما في حديث سلمان: "علمكم نبيكم كل شيء حتى الخراءة؟ قال: أجل"5الحديث، والخراءة آداب التخلي.
وعلمهم نبيهم كيفية الصلاة عليه والسلام6، لما فيه من أداء حقه عليهم ونفعه لهم، ولو كان الاستشفاع به بعد وفاته ينفعهم ويجوز منهم لما ترك تعليمهم ذلك وإرشادهم إليه، فلما لم يفعل ذلك علم أنه مما لا يجوز منهم، كما دل عليه ما تقدمت الإشارة إليه/ من آيات الشفاعة، وأن الله أنكر على المشركين اتخاذهم الشفعاء، بسؤال الشفاعة، وطلبها منهم، وأخبر أنها منتفية في حق من طلبها من غير الله، وبيَّن أن ذلك شرك نزه7تعالى نفسه عنه،

سبحان الله عما يشركون، وهذا الحكم عام لا تخصيص فيه لأحد أصلاً.
فتأمل هذه الأوجه يتبين لك خطأ هذا العراقي المغرور، وأنه عكس الإجماع، كما قد تبين من حاله، والإجماع الصحيح هو ما ذكره شيخ الإسلام -رحمه الله تعالى- وتلقاه1عنه الفقهاء في كتبهم، فإنه قال: "من جعل بينه وبين الله وسائط يدعوهم ويسألهم ويتوكل عليهم كفر إجماعا" وقد تقدم.2
(4 وتأمل قول الله تعالى: ﴿وَإِذَا رَأى الَّذِينَ أَشْرَكُوا شُرَكَاءَهُمْ قَالُوا رَبَّنَا هَؤُلاءِ شُرَكَاؤُنَا الَّذِينَ كُنَّا نَدْعُو مِنْ دُونِكَ فَأَلْقَوْا إِلَيْهِمُ الْقَوْلَ إِنَّكُمْ لَكَاذِبُونَ، وَأَلْقَوْا إِلَى اللَّهِ يَوْمَئِذٍ السَّلَمَ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُون﴾3، ونظائر هذه الآية كثير، ويدركها من تدبر 4).4 فمن تأمل أحوال الصحابة رضي الله عنهم والتابعين والأمة عرف أن هذا هو الإجماع الصحيح، المستند إلى ما لا يحصى من أدلة الكتاب والسنة، ولو ذكرنا مستند هذا الإجماع من الكتاب والسنة لطال الجواب، وقد تقدم الكثير من ذلك: ﴿فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾5والحق عليه نور وله ظهور، والباطل عليه ظلمة ودثور.
فتدبر قوله تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُو مَعَ اللَّهِ أَحَدا﴾6،

وقوله: ﴿لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْء﴾1فإن قوله: ﴿لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ﴾ يفيد الحصر؛ أي: فدعوة الحق له لا لغيره، فدعوة غيره ليست من الحق في شيء، وقوله: ﴿وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ﴾، فهذا الاسم لا يستعمل إلا في حق من يعقل، كما هو معروف عند النحاة، وقوله: ﴿لا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْء﴾، فيه دليل على أن المراد دعاء المسألة، فأخبر سبحانه أنهم لو دعوهم فإجابتهم لهم فيما سألوهم ممتنعة منتفية بالكلية، وقوله: ﴿إِلَّا كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلال﴾2؛ لأنهم لم يجدوا مما طلبوه وأمَّلوه منهم شيئاً، وبيَّن تعالى أن دعوة غيره كفر وضلال.
وهذه الآية وأمثالها تقطع كل من دعا غير الله، من ميت أو غائب ولهذا أعدت الاستدلال بها، فإن أصل دين الإسلام أن لا يعبد إلا الله، وأن لا يعبد إلا بما شرع، لا بالأهواء والبدع، وليس في الصحابة والتابعين وأتباعهم والأئمة من أجاز أن يسأل ميت أو غائب من دون الله؛ لأنه لا قدرة له على شيء من أمر الدنيا، ولا من أمر الآخرة، مع غفلتهم وعدم استجابتهم لمن دعاهم، وكراهتهم لذلك، وقد تقدم التصريح بذلك في الآيات المحكمات، ولم ينقل عن أحد من علماء الصحابة والتابعين والأئمة أنه استغاث بنبي أو غيره، أو استشفع به بعد وفاته، ولما أعتقد أناس في أمير المؤمنين علي بن أبي طالب الألهية، كاعتقاد كثير من هؤلاء في أرباب القبور خد الأخاديد وأضرمها

بالنار1وقال: لما رأيت الأمر أمراً منكرا... أججت ناري، ودعوت قنبرا وهذا هو الشرك الأكبر، وهو أعظم ذنب عصى الله به، وهو الذي بعث الله [به]2رسله بإنكاره، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ/ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾3، والآيات في هذا المعنى كثيرة جداً. وقد تقدم قول الإمام مالك وغيره: (إن الطاغوت ما عبد من دون الله). وقد حده العلامة ابن القيم بحد جامع مانع، فقال: (الطاغوت: ما تجاوز به العبد حده: من معبود، أو متبوع، أو مطاع).4
فلا ذنب أعظم من أن يعتقد أحد أنه إذا دعا ميتاً أو غائباً أو استشفع به أنه يشفع له، وقد أبطل الله هذا الزعم الكاذب في الآيات المحكمات وفي الآيات التي ذكر فيها الشفاعة، وبيَّن تعالى الشفاعة المثبتة، ونفى كل شفاعة فيها شرك تُطلب من غيره، كما تقدم من أنه شرك ينافي الإخلاص هو دينه الذي لا يرضى من أحد ديناً سواه، كما قال تعالى: ﴿فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ، أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾.5
ولا ريب أن الاستشفاع بالأموات يتضمن أنواعاً من العبادة سؤال غير الله، وإنزال الحوائج به من دون الله، ورجائه، والرغبة إليه، والإقبال عليه بالقلب

والوجه والجوارح واللسان، وهذا هو الشرك الذي لا يغفره الله.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية –رحمه الله تعالى- في مسألة الوسائط: وقد سئل عن رجل قال: لا بد لنا من واسطة بيننا وبين الله تعالى.
فأجاب: (الحمد لله رب العالمين إن1أراد أنه لا بد لنا من واسطة تبلغنا أمر الله، فهذا حق، فإن الخلق لا يعلمون ما يحبه الله ويرضاه، وما أمر به ونهى عنه2، ولا يعرفون ما يستحقه من أسمائه الحسنى وصفاته العلى3، وأمثال ذلك إلا بالرسل الذين أرسلهم الله إلى عباده).
-إلى أن قال-: (وإن أراد بالواسطة: أنه لابد من واسطة يتخذه4العباد بينهم وبين الله5في جلب المنافع، ودفع المضار، يسألونه ويرجونه6، فهذا من أعظم الشرك الذي كفَّر الله به المشركين، حيث اتخذوا من دون الله أولياء وشفعاء يجتلبون بهم المنافع، ويستدفعون7بهم المضار.
لكن الشفاعة لمن أذن8الله له فيها.
قال الله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ

مِنْ وَلِيٍّ وَلا شَفِيعٍ أَفَلا تَتَذَكَّرُون﴾1، وقال تعالى: ﴿وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلا شَفِيع﴾2، وذكر قول الله تعالى3﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلا تَحْوِيلاً، أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ﴾4وقد تقدم.
فبيَّن الله لهم أن الملائكة والأنبياء لا يملكون كشف الضر عنهم ولا تحويله، وأنهم يتقربون إليه بما يحبه ويرضاه5، ويرجون رحمته، ويخافون عذابه، وقال تعالى: ﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَاداً لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ، وَلا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَاباً أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾6فبين سبحانه أن اتخاذ الملائكة والنبيين أرباباً كفر، فمن جعل الملائكة والأنبياء وسائط يدعوهم، ويسألهم جلب المنافع، وسد الفاقات7، وتفريج الكربات، فهو كافر بإجماع المسلمين) انتهى.8
قلت: فتفطن لقوله –رحمه الله تعالى-: (يدعوهم ويسألهم).

وقال ابن إسحاق: حدثني محمد بن أبي محمد1قال: حدثني سعيد بن جبير أو عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: اجتمعت نصارى نجران وأحبار يهود/ عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فتنازعوا عنده، فقالت الأحبار: ما كان إبراهيم إلا يهودياً.
وقالت النصارى: ما كان إلا نصرانيّاً، فأنزل الله فيهم: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ وَمَا أُنْزِلَتِ التَّوْرَاةُ وَالْأِنْجِيلُ إِلَّا مِنْ بَعْدِهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ إلى قوله: ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيّاً وَلا نَصْرَانِيّاً وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفاً مُسْلِماً وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾2، فقال رجل من الأحبار: أتريد منا يا محمد أن نعبدك كما تعبد النصارى عيسى3ابن مريم؟ وقال رجل من نصارى نجران: وذلك تريد منا يا محمد وإليه تدعونا؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "معاذ الله أن أعبد غير الله أو آمر بعبادة غيره ما بذلك بعثني ولا أمرني".
فأنزل الله في ذلك: ﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ﴾ إلى قوله: ﴿وَلا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَاباً أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾4انتهى ما رواه ابن إسحاق.5
وذكر شيخ الإسلام أيضاً- بعد كلامه الذي سبق – في6مشايخ العلم

[والدين]1، جعلهم الله وسائط بين الرسول وبين2أمته3، يبلغون عنه، ويقتدون به فمن جعلهم وسائط بين الرسول وبين4أمته5في البلاغ عنه فقد أصاب؛ وهم إذا اجتمعوا فاجتماعهم حجة قاطعة، لا يجتمعون على ضلالة، وإن تنازعوا في شيء ردوه إلى الله والرسول، إذ الواحد منهم ليس بمعصوم على الإطلاق، بل كل أحد6يؤخذ من قوله ويترك إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: "العلماء ورثة الأنبياء، وإن الأنبياء لم يورثوا ديناراً ولا درهماً، وإنما ورثوا العلم.
فمن أخذه أخذ بحظ وافر".7

وأما جعل الوسائط بين الله وبين خلقه، كالحجاب الذين بين الملك ورعيته، بحيث يكونون هم يرفعون إلى الله حوائج خلقه، بمعنى أن الخلق يسألونهم، وهم يسألون الله، كما أن الوسائط عند الملوك يسألون حوائج الناس لقربهم منهم، والناس يسألونهم أدباً منهم أن يباشروا سؤال الملك، أو أن طلبهم من الوسائط أنفع لهم من طلبهم من الملك؛ لكونهم أقرب إلى الملك من الطالب، فمن أثبتهم وسائط على هذا الوجه فهو كافر مشرك، يجب أن يستتاب فإن تاب وإلا قتل، وهؤلاء شبهوا1الخالق بالمخلوق، وجعلوا لله

أنداداً، وفي القرآن من الرد على هؤلاء ما لا تتسع له هذه الفتوى) -إلى أن قال- رحمه الله تعالى-: (والمشركون يتخذون شفعاء من جنس ما يعهدونه من الشفاعة عند المخلوقين، قال الله تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الْأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾1، (3وقال تعالى عن صاحب يس: ﴿وَمَا لِيَ لا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ، أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ لا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئاً وَلا يُنْقِذُونِ، إِنِّي إِذاً لَفِي ضَلالٍ مُبِين﴾23)3، وقال4تعالى: ﴿فَلَوْلا نَصَرَهُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ قُرْبَاناً آلِهَةً بَلْ ضَلُّوا عَنْهُمْ وَذَلِكَ إِفْكُهُمْ وَمَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾5-إلى أن قال: (وقد6قال تعالى: ﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَاداً لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ، وَلا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلائِكَةَ/ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَاباً أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾7، فبيَّن سبحانه أن اتخاذ الملائكة والنبيين أرباباً كفر، فمن جعل الملائكة والأنبياء8وسائط يدعوهم، ويسألهم

جلب المنافع، ودفع المضار، وسد الفاقات، وتفريج الكربات، فهو كافر بإجماع المسلمين، ومن ذلك اتخاذهم شفعاء).1
وقد تقدم ما يدل على ذلك صريحاً، ويأتي هذا الكلام عنه-رحمه الله- مبسوطاً. وذكر قول الله تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ، وَلا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَه﴾.2
ثم قال رحمه الله تعالى: (نفى الله عما سواه كل ما يتعلق به3المشركون، فنفى أن يكون لغيره ملك أو قسط منه، أو يكون عوناً لله، ولم يبق إلا الشفاعة فبين أنها لا تنفع إلا لمن أذن له الرب، كما قال تعالى4: ﴿وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾5فهذه الشفاعة التي يظنها المشركون هي منتفية يوم القيامة، كما نفاها القرآن، وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم: "أنه يأتي فيسجد لربه ويحمده" لا يبدأ بالشفاعة أولاً، ثم يقال له:

"ارفع رأسك، وقل يسمع، وسل تعطه، واشفع تشفع"1، وقال له أبو هريرة2: من أسعد الناس بشفاعتك؟ قال: " من قال لا إله إلا الله خالصاً من قلبه"3، فتلك الشفاعة لأهل الإخلاص بإذن الله، ولا تكون لمن أشرك بالله.
وحقيقته4: أن الله سبحانه هو الذي يتفضل على أهل الإخلاص، فيغفر لهم بواسطة دعاء من أذن له أن يشفع ليكرمه، وينال المقام المحمود، فالشفاعة التي نفاها القرآن: ما كان فيها شرك، ولهذا أثبت الشفاعة بإذنه في مواضع، وقد بين5النبي صلى الله عليه وسلم أنها لا تكون إلا لأهل التوحيد والإخلاص)6انتهى كلامه رحمه الله تعالى.
وقال العلامة ابن القيم –رحمه الله تعالى-في معنى حديث أبي هريرة: (تأمل هذا الحديث، كيف جعل أعظم الأسباب التي تنال شفاعته: تجريد التوحيد عكس ما عند المشركين: أن الشفاعة تنال باتخاذهم شفعاء، وعباداتهم ومولاتهم، فقلب النبي صلى الله عليه وسلم ما في زعمهم الكاذب، وأخبر أن سبب

الشفاعة تجريد التوحيد، فحينئذ1يأذن الله للشافع أن يشفع، ومن جهل المشرك: اعتقاده أن من اتخذ وليّاً، أو شفيعاً أنه يشفع له، وينفعه عند الله، كما يكون خواص الملوك والولاة تنفع من والاهم، ولم يعلموا أنه لا يشفع عنده أحد إلا بإذنه، ولا يأذن في الشفاعة إلا لمن رضي قوله وعمله، كما قال تعالى في الفصل الأول: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِ﴾.2
وفي الفصل الثاني: ﴿وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾.3
وبقي فصل ثالث، وهو أنه لا يرضى من القول والعمل إلا التوحيد واتباع رسوله4صلى الله عليه وسلم فهذه ثلاثة فصول تقطع شجرة الشرك من قلب من دعاها وعقلها). انتهى.5
قلت: وهذا الذي ذكره شيخ الإسلام، وابن القيم –رحمهما الله تعالى- هو الذي أجمع عليه أهل الحق سلفاً وخلفاً، كما قال تعالى: ﴿فَلَوْلا نَصَرَهُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ قُرْبَاناً آلِهَةً بَلْ ضَلُّوا عَنْهُمْ وَذَلِكَ إِفْكُهُمْ وَمَا كَانُوا يَفْتَرُون﴾6وقد7تقدم لشيخ الإسلام أن هذا مجمع عليه.
فلا يلتفت إلى ما أحدثه المشركون، وزخرفوه/ من الأكاذيب والأباطيل، وإن اعتمدها من زاغ قلبه عن الهدى، وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:

"بدأ1الإسلام غريباً وسيعود غريباً كما بدأ"2، وصح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: "لتتبعن سنن من كان قبلكم حذو القذّة بالقذّة، حتى لو دخلوا جحر ضبّ لدخلتموه" قالوا: يا رسول الله اليهود والنصارى؟ "قال: فمن".3
وقد ذكر تعالى ما وقع من اليهود والنصارى من التغيير للحق والتبديل؛ كما قال تعالى: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرائيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُون﴾4الآية، وقال تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ. اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهاً وَاحِداً لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُون﴾.5
وقد جرى في طوائف من هذه الأمة ما جرى من أهل الكتاب من الشرك بالأخبار والرهبان، وغيرهم من الأموات والغائبين ما لا يخفى على من له بصيرة يعقل بها ما ذكره الله تعالى في كتابه، وما حدث في الأمة من مشابهة اليهود

والنصارى من الشرك والتبديل والتحريف، وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم في عدة أحاديث أنه قال: "لعنة الله على اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد" يحذر ما صنعوا1".2 وقد ذكر شيخ الإسلام –رحمه الله تعالى-طرفاً مما شابه فيه أهل الكتاب كثيراً من هذه الأمة، وما شابهوا فيه أعداء الرسل من الأمم، فإنه قال3: (وما زال المشركون يسفهون الأنبياء، ويصفونهم بالجنون والضلال، كقوم نوح وعاد وثمود، وهكذا تجد من فيه شبه4بهم، إذا رأى من يدعو إلى توحيد الله، وإخلاص الدين له؛ وأن لا يعبد الإنسان إلا الله، ولا يتوكل إلا عليه: استهزؤا ذلك لما عندهم من الشرك، وكثير من هؤلاء يخربون المساجد5، فتجد المسجد الذي بني للصلوات الخمس معطلاً مخرباً، والمشهد6الذي بني على الميت عليه الستور والزينة والرخام، والنذور تغدو/ وتروح إليه، فهل هذا إلا لاستخافهم7بالله، وباياته، ورسوله، وتعظيمهم للشرك؟

فإنهم اعتقدوا أن دعاء الميت الذي بني له المشهد أنفع لهم1من دعاء الله والاستغاثة به في البيت الذي بني لله عز وجل، وإذا2كان لهذا وقف، ولهذا وقف، كان وقف الشرك أعظم عندهم منه3؛ مضاهاة لمشركي العرب الذين ذكر الله حالهم في قوله: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ نَصِيباً فَقَالُوا هَذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَذَا لِشُرَكَائِنَا فَمَا كَانَ لِشُرَكَائِهِمْ فَلا يَصِلُ إِلَى اللَّهِ وَمَا كَانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلَى شُرَكَائِهِمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُون﴾.4
يجعلون لله زرعاً وماشية ولآلهتهم زرعاً وماشية، فإذا أصيب نصيب آلهتهم أخذوا من نصيب الله فوضعوه فيه، وقالوا: الله غني وآلهتنا فقراء5، وهكذا هذه الوقوف والنذور التي تبذل عندهم للمشاهد هي عندهم أعظم6مما يبذل عندهم للمساجد ولعمارة المساجد، وهؤلاء إذا قصد أحدهم القبر الذي يعظمه بكى عنده، وخضع ويدعو ويتضرع، ويحصل له من الرقة والعبودية وحضور القلب ما لا يحصل مثله في الصلوات الخمس والجمعة7وقراءة القرآن، فهل هذا8إلا من حال المشركين المبتدعين، لا من حال الموحدين المخلصين المتبعين لكتاب الله9وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم

ومن هؤلاء: من إذا كانوا في السماع1فأذن المؤذن قالوا: نحن في شيء أفضل مما دعانا إليه، والذين يجعلون دعاء الموتى من الأنبياء والملائكة2والشيوخ أفضل من دعاء الله أنواعاً متعددة.
ومنهم من يحكي أنواعاً من الحكايات: حكاية أن بعض المريدين استغاث بالله فلم يغثه، واستغاث بشيخه فأغاثه، وحكاية أن بعض المأسورين في بلاد العدو دعا الله فلم يخرجه، ودعا بعض المشايخ الموتى فجاء فأخرجه إلى بلاد الإسلام، وحكاية أن بعض الشيوخ قال لمريده: إذا كانت لك حاجة إلى الله3؛ فتعال فقف4إلى قبري5، وتوسل إلى الله بي، وآخر قال: قبر فلان هو الترياق المجرب، فهؤلاء وأشباههم يرجحون/ هذه الأدعية على أدعية المخلصين لله مضاهاة لسائر المشركين).
قلت: وهذا مما شابهت فيه هذه الأمة من قبلهم من أهل الكتاب والمشركين، ويأتي في كلام شيخ الإسلام كثير من هذا الضرب، مما اختلقه المشركون من هذه الأمة أسوة بأمثالهم6ممن ألحد في الدين، واتبع غير سبيل المؤمنين، ومن كذب على الله وافترى ونبذ الكتاب وراء ظهره واجتراء، وقد قال الله عز وجل: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ.
وَلا الظُّلُمَاتُ وَلا النُّورُ.
وَلا الظِّلُّ وَلا الْحَرُورُ.
وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاءُ وَلا الْأَمْوَاتُ إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ وَمَا أَنْتَ

فصول الكتاب · 25 فصل · 382 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول كشف ما ألقاه إبليس من البهرج والتلبيس على قلب داود بن جرجيس · 382 صفحة
مقدمة الكتابمقدمةتحقيق نسبة الكتاب إلى المؤلفتحقيق اسم الكتابطبعات الكتاب...أمثلة السقطأمثلة التحريفأمثلة الزيادةوصف النسخ الخطيةمنهجي في التحقيقترجمة1موجزة للشيخ عبد الرحمن رحمه اللهابن جرجيس، وموقف أئمة الدعوة السلفية منهنماذج مصورة من النسخ الخطيةمقدمة المؤلف...فصل1وقد بين الله تعالى في كتابه حقيقة الإسلام الذي تصلح به القلوب والأعمال. قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِيناً مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِن﴾.2 وفي "المسند" عن أبي قزعة الباهلي عن حكيم بن معاوية عن أبيه3أنه قال: والله يا رسول ما أتيتك إلا بعد ما حلفت عدد أصابعي هذه أن4لا أتيك فبالذي بعثك بالحق ما بعثك به؟ قال: "الإسلام"، قال: وما الإسلام؟ قال: "أن تسلم قلبك وتوجه وجهك إلى الله وأن تصلي الصلوات المكتوبة وتؤدي الزكاة المفروضة".5 وقال تعالى6: ﴿وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَفصل1وقد أنكر الله تعالى2في محكم كتابه على من دعا الأنبياء والصالحين والملائكة. فقال تعالى3: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلا تَحْوِيلاً، أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورا﴾.4 نزلت هذه الآيات فيمن يدعو المسيح وأمه والعزير والملائكة، وأئمة التفسير5ذكروا ذلك في معنى هذه الآية الكريمة. فانظر إلى هذا التهديد والوعيد في حق من دعا الملائكة والأنبياء والصالحين؛ وأخبر تعالى أنهم لا يملكون كشف الضر عمن دعاهم، ولاتحويله، وأخبر تعالى أن أولئك الذين يدعونهم من الأنبياء والصالحين يبتغونإلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب، وأعظم الوسائل (6 التي تقرب إلى الله6)6إخلاص العبادة لله تعالى، وتجريد التوحيد، ومخالفة ما كان يفعله المشركون من دعوةغير الله.فصل1في بيان أمور من الشرك الأكبر – (2يشبه ما قدمناه2)2- الذي وقع فيه من وقع من هذه الأمة. قال العلامة ابن القيم3رحمه الله:فصل1وقال شيخ الإسلام أيضاً: (ومن المحرمات العكوف عند قبر، والمجاورة عنده، وسدانته، وتعليق الستور عليه، كأنه بيت الله الكعبة، وقد بيّنا أن نفس بناء المسجد عليه منهي عنه باتفاق الأمة، محرم بدلالة السنة، فكيف إذا ضم إلى ذلك المجاورة في ذلك المسجد، والعكوف فيه، كأنه المسجد الحرام؟ بل عند بعضهم العكوف فيه أحب من العكوف في المسجد الحرام، إذ من الناس من يتخذ من دون الله أنداداً يحبونهم كحب الله، والذين آمنوا أشد حباً لله، بل حرمة ذلك المسجد المبني على القبر الذي حرمه الله ورسوله، أعظم عند المقابريين من بيوت الله التي2أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه، وقد أسست على تقوى من الله ورضوان.
فصل1ثم ذكر –رحمه الله –2تتبع آثار الأنبياء، وما ذهب إليه أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه من النهي عن ذلك، وذكر أنه قطع الشجرة التي بويع تحتها النبي صلى الله عليه وسلم. وذكر عن محمد بن وضاح قال: كان مالك وغيره من علماء المدينة يكرهون إتيان تلك المساجد، وتلك الآثار التي بالمدنية، ما عدا قباء وأحداً، ولأن ذلك يشبه الصلاة عند المقابر، إذ هو ذريعة إلى اتخاذها أعياداً، وإلى التشبه بأهل الكتاب.
فصل1وقال شيخ الإسلام2–رحمه الله تعالى-:
فصل1وقد كان شيخ الإسلام تقي الدين أحمد بن تيمية –رحمه الله -، لما قدم مصر فوجد الكثير قد جهل ما بعث الله به رسله وأنزل به كتبه: من دين الإسلام الذي رضيه لعباده، واتفقت عليه دعوة الرسل من أولهم إلى آخرهم.
خاتمةتتمةفهرس الأحاديثفهرس الموضوعات
جارٍ التحميل