كشف ما ألقاه إبليس من البهرج والتلبيس على قلب داود بن جرجيسصفحات 199-239
أهل الأثرالأرشيف العلمي

(ولم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم حديث واحد في زيارة قبر مخصوص، ولا روى في ذلك لأهل الصحيح ولا السنن والأئمة المصنفين في المسند3، وإنما روى ذلك من جمع الموضوع وغيره.
وأجل حديث وري في ذلك ما رواه الدارقطني –وهو ضعيف باتفاق أهل العلم-بل الأحاديث المروية في زيارة قبره كقوله: "من زارني وزار أبي الخليل في عام واحد ضمنت له على الله4الجنة"5، /"ومن زارني بعد مماتي فكأنما

زارني في حياتي"1، "ومن حج ولم يزرني فقد جفاني"2، ونحو هذه الأحاديث كلها مكذوبة موضوعة، ولكن النبي صلى الله عليه وسلم رخص زيارة القبور مطلقا، بعد أن كان قد نهى عنها3لتذكر الآخرة؛ والدعاء للميت أو للأموات والاستغفار لهم، فهذا هو المشروع، وهو سبب الإذن في زيارة القبور، لا لدعائهم4والاستشفاع بهم.
فإن هذا لم يشرعه الله ولا رسوله [صلى الله عليه وسلم]5، بل نهى عنه وحرمه؛ كما تقدم في الآيات المحكمات، فبدل الذين ظلموا قولاً غير الذي قيل لهم، فإن أهل6القبور لا ينفعون ولا يضرون، ولا يسمعون ولا يستجيبون بنص القرآن

العزيز، الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، تنزيل من حكيم حميد. وقال جل ذكره: ﴿قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُون﴾.1
وقال أيضاً2شيخ الإسلام –رحمه الله تعالى-: (فمن جعل الملائكة والأنبياء وسائط يدعوهم، ويتوكل عليهم، ويسألهم جلب المنافع ودفع المضار، فهو كافر بإجماع المسلمين، فإن الله جعل الرسل صلوات الله وسلامه عليهم وسائط في تبليغ أمره ونهيه، ووعده ووعيده، فليس لأحد طريق إلى الله3إلا بمتابعة الرسول بفعل ما أمر وترك ما حذر، وأما إجابة الدعوات، وتفريج الكربات، فهذا لله وحده لا يشركه فيه أحد؛ ولهذا فرق سبحانه وتعالى في كتابه بين ما فيه حق للرسول وبين ما هو لله وحده4، كما في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُون﴾.5
فبيَّن سبحانه ما يستحقه الرسول من الطاعة، فإنه من يطع الرسول فقد أطاع الله، وأما الخشية والتقوى فجعل ذلك لله وحده، وكذلك قوله تعالى6:

﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَا آتَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إِنَّا إِلَى اللَّهِ رَاغِبُونَ﴾1، فجعل الإيتاء لله وللرسول، وأما التوكل والرغبة فله2وحده، كما في قوله تعالى3: ﴿وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ﴾ ولم يقل: ورسوله وقال: ﴿ِنَّا إِلَى اللَّهِ رَاغِبُونَ﴾ ولم يقل: وإلى رسوله، وذلك موافق لقوله تعالى: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ.
وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَب﴾4فالعبادة والخشية والتوكل والدعاء والرجاء/ والخوف لله وحده لا يشركه فيه أحد، وأما الطاعة والمحبة والإضاء فعلينا أن نطيع الله ورسوله، ونحب الله ورسوله، ونرضى الله ورسوله؛ لأن طاعته طاعة لله5؛ ورضاه إرضاء لله6، وحبه من حب الله.
والله سبحانه لم يجعل أحداً من الأنبياء والمؤمنين واسطة في شيء من الربوبية والإلهية.
قال تعالى7: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِه﴾8، وقال تعالى9: ﴿وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾10، وقال تعالى11: ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئاً إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ

وَيَرْضَى﴾1، وقال تعالى2: ﴿وَلا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَاباً أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾3فبيَّن سبحانه أن اتخاذ الملائكة والنبيين أرباباً كفر).
وقال –رحمه الله تعالى-4: (والأعمال الدينية لا يجوز أن تتخذ سبباً إلا أن تكون مشروعة، فإن العبادات مبناها على التوقيف، فلا يجوز للإنسان أن5يشرك بالله فيدعو غيره، وإن ظن أن6ذلك سبب لحصول بعض أغراضه، وكذلك لا يعبد الله بالبدع والمخالفة للشريعة؛ وإن ظن ذلك، فإن الشياطين قد تعين الإنسان على بعض مقاصده إذا أشرك.
فما أمر الله به فمصلحته راجحة، وما نهى عنه فمفسدته راجحة.
والمقصود هنا: أن من أثبت وسائط بين الله وبين خلقه، كالوسائط التي تكون بين الملوك والرعية فهو مشرك، بل هذا دين المشركين عباد الأوثان، وهو من الشرك الذي أنكره الله تعالى على النصارى حيث قال: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهاً وَاحِداً لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُون﴾.7

ثم ذكر-رحمه الله تعالى-نحو ما تقدم من قوله: "فإن الله تعالى1جعل الرسل صلوات الله وسلامه عليهم وسائط في تبليغ أمره ونهيه ووعده ووعيده، وليس لأحد طريق إلى الله إلا بمتابعة الرسول للخاصة أو العامة فهو كافر بالله ورسوله، مثل من زعم أن من خواص الأولياء والعلماء والفلاسفة وأهل الكلام والملوك من له طريق إلى الله غير متابعة الرسول [صلى الله عليه وسلم]2، ويذكرون في ذلك من الأحاديث المفتراة ما هو من أعظم الكفر والكذب، كقول بعضهم: أن الرسول صلى الله عليه وسلم استأذن على أهل الصفة فقالوا: اذهب إلى من أنت رسول إليه، وقال بعضهم إنهم/ (4 لما3أصبحوا4ليلة المعراج؛ فأخبروه بالسر الذي ناجاه الله به، وأن الله أعلمهم بذلك بدون إعلام الرسول، وقال بعضهم: أنهم قاتلوا في بعض الغزوات مع الكفار، وقالوا من كان الله معه كنا معه، وأمثال هذه الأمور5التي هي من أعظم الكفر والكذب.
ومثال احتجاج بعضهم في قصة الخضر وموسى عليهما السلام على أن من الأولياء من يستغني عن محمد صلى الله عليه وسلم كما استغنى6الخضر عن موسى، ومثل قول بعضهم: أن خاتم الأولياء له إلى الله طريق يستغني به عن خاتم

الأنبياء، وأمثال هذه الأمور التي كثرت في كثير من المنتسبين إلى الزهد والفقه والتصوف والكلام، وكفر هؤلاء قد تكون من جنس كفر [اليهود]1والنصارى وقد تكون أعظم، وقد تكون أخف بحسب أحوالهم).
قلت: والمقصود بما ذكرنا عن شيخ الإسلام رحمه الله تعالى2: بيان ما وقع في الأمة مما يناقض ما جاءت به الرسل، من توحيد العبادة الذي أرسلوا به ودعوا الناس إليه.
وقال –رحمه الله-3في كتاب الاستغاثة4في الرد على ابن البكري قال: (وسؤال الله بالميت، والأقسام على الله به، واستحباب5الدعاء عند تلك البقعة لم يكن هذا من فعل أحد من سلف الأمة لا الصحابة ولا التابعين له بإحسان، وإنما حدث بعد ذلك. وقد استفاض عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: "لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد يحذر ما فعلوا. قالت عائشة رضي الله عنها: ولولا ذلك لأبرز قبره، ولكن كره أن يتخذ مسجداً".6
وفي "الصحيح"أنه ذكر له كنيسة بأرض الحبشة وذكر له حسنها وتصاوير فيها فقال: "أولئك إذا مات فيهم الرجل الصالح بنوا على قبره مسجداً وصوروا

فيه تلك الصور (1)، أولئك شرار الخلق عند الله يوم القيامة" (2) (3وهذا في الصحيح3) (3) وفي "صحيح مسلم"عن جندب بن عبد الله، قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل أن يموت بخمس وهو يقول: "إني أبرأ إلى الله أن يكون لي منكم خليل، فإن الله قد اتخذني خليلاً كما اتخذ إبراهيم خليلا.
ولو كنت متخذاً من أمتي خليلاً لاتخذت أبابكر خليلاً.
ألا وإن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد، فإني أنهاكم عن ذلك" (4). وفي "السنن"عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: "لا تتخذوا قبري عيداً؛ وصلوا علي حيثما (5) كنتم، فإن صلاتكم تبلغني" (6). (1) في "م" و"ش": "التصاوير" وهو تحريف والمثبت هو موافق للصحيحين.
(2) أخرجه البخاري في الصلاة باب هلي تنبش قبور مشركي الجاهلية (ح/427)، ومسلم في المساجد باب النهي عن بناء المساجد على القبور (ح/528) من حديث عائشة –رضي الله عنها, (3) ما بين القوسين سقطت من (المطبوعة).
(4) أخرجه مسلم في المساجد باب النهي عن بناء المساجد على القبور (ح/532). (5) في "م" و"ش": "حيث".
(6) أخرجه الإمام أحمد في "مسنده": (2/367)، وأبو داود في "المناسك" باب زيارة القبور (ح/2042)، عن أبي هريرة وفي إسناده عبد الله بن نافع الصائغ، قال الحافظ في "التقريب ": "ثقة صحيح الكتاب في حفظه لين".
وقال شيخ الإسلام بعد أن ذكر الحديث: "هذا إسناد حسن فإن رواته كلهم ثقات مشاهير لكن عبد الله بن نافع الصائغ الفقيه المدني صاحب مالك فيه لين لا يقدح في حديثه قال يحيى بن معين: هو ثقة وحسبك بابن معين موثقاً.
وقال أبو زرعة: لا بأس به.
وقال أبو حاتم الرازي: ليس بالحافظ وهو لين تعرف حفظه وتنكر فإن هذه العبارات تنزل حديثه من مرتبة الصحيح إلى مرتبة الحسن إذ لا خلاف في عدالته وفقهه وأن الغالب عليه الضبط لكن قد يغلط أحياناً ثم هذا الحديث مما يعرف من حفظه ليس مما ينكر لأنه سنة مدنية" انظر "اقتضاء الصراط المستقيم": (654-655). وقال ابن الهادي في "الصارم المنكي"ص 414 "حديث حسن جيد الإسناد وله شواهد كثيرة يرتقي بها إلى درجة الصحة.
قلت: ومن شواهد الحديث: * حديث علي بن الحسين: أخرجه البخاري في "التاريخ الكبير": (2/186)، وإسماعيل القاضي في فضل الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم (20)، وأبو يعلى (1/245)، والضياء في "المختارة" كما في "الاقتضاء" ص 298، و"الرد على الإخنائي" ص 92 عن علي بن الحسين عن أبيه عن جده وفيه قصة.
قال شيخ الإسلام في "الرد على الإخنائي" ص 92: "وهذا الحديث مما خرجه الحافظ أبو عبد الله محمد بن عبد الواحد المقدسي فيما اختاره من الأحاديث الجياد المختارة الزائدة على ما في الصحيحين، وهو أعلى مرتبة من تصحيح الحاكم، وهو قريب من تصحيح الترمذي وأبي حاتم البستي ونحوهما..". * حديث الحسن بن علي: أخرجه أبو يعلى كما في "جلاء الأفهام": (ص 41و 42)، وفي سنده عبد الله بن نافع مولى ابن عمر، وهو ضعيف، وموسى بن محمد بن حبان وقد تركه أبو زرعة "الجرح والتعديل": (4/161). تنبيه: وقع في "الميزان": "ابن جيّان"، وفي "اللسان": "بن حسان" وكلاهما خطأ فليتنبه.
* حديث الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب: أخرجه إسماعيل القاضي في فضل الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم (30)، وسعيد ابن منصور كما في "الاقتضاء "ص 299، و"الرد على الأخنائي"ص 93، وزاد في آخره: "ما أنتم ومن بالأندلس إلا سواء"، وابن أبي شيبة (3/345)، وفيه قصة عن الحسن بن الحسن مرسلاً.
* أبي سعيد مولى المهري: أخرجه سيعد بن منصور كما في "الرد على الأخنائي"ص 93، و"الاقتضاء" ص 656 فقال: حدثنا حيان بن علي حدثني محمد بن عجلان عن أبي سعيد المهدي مرسلاً، وأبو سعيد هذا قد وثقه ابن حبان فقط، وقال ابن حجر في "التقريب": "مقبول".

وفي "الموطأ" وغيره عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال:/ "اللهم لا تجعل قبري وثناً يعبد، اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد".1
وفي "المسند" و"صحيح أبي حاتم" عن ابن مسعود عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: "إن من شرار الناس من تدركهم الساعة وهم أحياء والذين يتخذون القبور مساجد".2
ومعنى هذه الأحاديث متواتر عنه صلى الله عليه وسلم بأبي هو وأمي، وكذلك عن الصحابة.
وهذا الذي نهى عنه من اتخاذ القبور مساجد، مفارق لما أمر به وشرعه، من السلام على الموتى والدعاء لهم، فالزيادة المشروعة من جنس الصلاة على

الجنازة، والزيارة المبتدعة من جنس الأول.
فإن نهيه عن اتخاذ القبور مساجد يتضمن النهي عن بناء المساجد عليها وعن قصد الصلاة عندها، وكلاهما منهي عنه باتفاق العلماء، فإنهم قد نهوا عن بناء المساجد على القبور، بل صرحوا بتحريم ذلك كما دل عليه النص.
واتفقوا أيضاً على أنه لا يشرع قصد الصلاة والدعاء عند القبور، ولم يقل أحد من أئمة المسلمين: أن الصلاة والدعاء عندها أفضل منه في المساجد الخالية، بل هو مكروه باتفاقهم.
والفقهاء قد ذكروا في تعليل كراهة1الصلاة في المقبرة علتين: إحداهما2: نجاسة التراب؛ لاختلاطه بصديد الموتى، وقد ثبت في "الصحيح" أن مسجد النبي صلى الله عليه وسلم كان حائطاً لبني النجار، وكان فيه قبور من قبور المشركين، ونخل وخرب، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بالنخيل فقطعت، وبالخرب فسويت، وبالقبور فنبشت، وجعل النخل في صف القبلة3، فلو كان تراب قبور المشركين نجساً لأمر بنقل ذلك التراب، فإنه لابد أن يختلط بغيره.
والعلة الثانية: ما في ذلك من مشابهة الكفار بالصلاة عند القبور4؛ لما يفضي إليه من الشرك، وهذه العلة صحيحة باتفاقهم.

والمعللون بالأولى-كالشافعي وغيره- عللوا بهذه أيضاً، وكرهوا ذلك لما فيه من الفتنة، وكذلك الأئمة من أصحاب أحمد ومالك –كأبي بكر الأثرم وغيره-وعللوا بهذه الثانية أيضاً.
وقد قال الله1تعالى: ﴿وَقَالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ [وَلا تَذَرُنَّ وَدّاً وَلا سُوَاعاً وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْراً.
وَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيراً وَلا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا ضَلالا]23، ذكر ابن عباس وغيره من السلف أن هذه أسماء قوم صالحين كانوا في قوم نوح، فلما ماتوا عكفوا على قبورهم وصورا تماثيلهم، ثم طال عليهم الأمد فعبدوهم، وقد ذكر هذا البخاري في "صحيحه"4، وأهل التفسير، كابن جرير5وغيره من المفسرين.
ويبين صحة هذه العلة أنه صلى الله عليه وسلم: "لعن من يتخذ6قبور الأنبياء مساجد"7، ومعلوم أن قبور الأنبياء لا تنبش، ولا يكون ترابها نجساً، وقال صلى الله عليه وسلم عن نفسه: "اللهم لا تجعل قبري (10وثناً يعبد".8
وقال صلى الله عليه وسلم: "لا تجعلوا قبري عيداً"9، 10)10فمعلوم أن نهيه [عن]11ذلك من جنس نهيه عن الصلاة عند

طلوع الشمس، وعند غروبها، لأن الكفار يسجدون للشمس حينئذ، فسد الذريعة وحسم المادة، (1لئلا يصلى1)1في هذه الساعة2، وإن كان3المصلى لا يصلي إلا لله تعالى، ولا يدعو إلا الله، وكذلك نهيه4عن اتخاذ القبور مساجد، وإن كان المصلي عندها لا يصلي إلا لله، ولا يدعو إلا الله لئلا يفضي ذلك إلى دعائها5، والصلاة عندها6، وكلا الأمرين وقع، فإن من الناس من يسجد7للشمس وغيرها من الكواكب، ويدعو [لها بأنواع]8الأدعية والتسبيحات، ويلبس لها من اللباس والخواتم ما يظن مناسبتها لها في زعمه، وهذا من أعظم أسباب الشرك الذي ضل به كثير من الأوليين والآخرين، وصنف فيه بعض المشهورين كتاباً سماه "السر المكتوم في السحر ومخاطبة النجوم" على مذهب المشركين من الهند والصائبين والمشركين من العرب وغيرهم، مثل طمطم الهندي، وملك شاه البابلي، وابن9وحشية، وأبي معشر البلخي، وثابت بن قرة، وأمثالهم ممن دخل في الشرك، وآمن بالجبت والطاغوت، كما قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ

بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ﴾ إلى قوله: ﴿وَمَنْ يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيرا﴾1، وقد قال غير واحد من السلف2: الجبت السحر، والطاغوت الأوثان، وبعضهم قال: الشيطان، وكلاهما حق.
وهؤلاء يجمعون بين الجبت الذي هو السحر، والشرك الذي هو عبادة الطاغوت، كما يجمعون بين السحر ودعوة الكواكب، وهذا مما يعلم بالاضطرار من دين الإسلام –بل هو3دين جميع الرسل-أنه شرك محرم، بل هو من أعظم أنواع الشرك الذي بعثت الرسل بالنهي عنه، ومخاطبة إبراهيم الخليل لقومه كانت في نحو هذا الشرك، كما4قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِين﴾ إلى قوله: ﴿إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيم﴾.5
فإن إبراهيم عليه السلام سلك السبيل؛ لأن قومه كانوا يتخذون الكواكب أرباباً يدعونها ويسألونها، ولم يكونوا هو ولا أحد من العقلاء يعتقدون أن كوكباً من الكواكب خلق السموات والأرض، وإنما كانوا يدعونها من دون الله على مذهب هؤلاء المشركين؛ ولهذا قال الخليل عليه السلام: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ.
أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ.
فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾6، وقال:

﴿إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ.
إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِين﴾1، والخليل-صلوات الله وسلامه عليه- أنكر شركهم بالكواكب العلوية، / وشركهم بالأوثان التي هي تماثيل وطلاسم لتلك، أو هي تماثيل لمن مات من الأنبياء والصالحين وغيرهم، وكسر الأصنام [كما]2قال تعالى3[عنه]4: ﴿فَجَعَلَهُمْ جُذَاذاً [إِلَّا كَبِيراً لَهُمْ لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ]5﴾.6 والمقصود هنا أن الشرك واقع كثيراً، وكذلك بأهل القبور من دعائهم والتضرع إليهم، والرغبة إليهم، ونحو ذلك.
فإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن الصلاة التي تتضمن الدعاء لله وحده خالصاً عند القبور؛ لئلا يفضي ذلك إلى نوع7من الشرك بهم، فكيف إذا وجد8ما هو نوع شرك من الرغبة: سواء طلب منهم قضاء الحاجات، وتفريج الكربات، أو طلب منهم أن يطلبوا ذلك من الله؟ بل لو أقسم على الله ببعض خلقه من الأنبياء والملائكة وغيرهم لنهي عن ذلك، ولو9لم يكن عند قبره، كما لا يقسم بمخلوق مطلقاً، وهذا القسم منهي عنه غير منعقد باتفاق الأئمة، وهل هو نهي تحريم أو تنزيه؟ أصحهما أنه تحريم.

ولم يتنازع العلماء إلا في الحلف بالنبي صلى الله عليه وسلم خاصة، فإن فيه قولين في مذهب أحمد، لكن القول الذي عليه الجمهور جمهور الأئمة، كمالك والشافعي وأبي حنيفة وغيرهم أنه لا تنعقد اليمين بمخلوق البتة، ولا يقسم بمخلوق البتة وهذا هو الصواب، واتفقوا على أن الله يسأل ويقسم عليه بأسمائه وصفاته، كالأدعية المعروفة، كما1في السنن " اللهم إني أسألك بأن لك الحمد لا إله إلا أنت، أنت [الله]2المنان بديع السموات والأرض، يا ذا الجلال والإكرام"3، وفي الحديث الآخر: "اللهم إني أسألك بأنك أنت الله (4 لا إله إلا أنت4)4الأحد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد"5ونحو ذلك، فهذه الأدعية ونحوها مشروعة باتفاق العلماء.
وفي الحديث الذي رواه أهل السنن "الدعاء هو العبادة"، ثم قرأ قوله تعالى6: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُم﴾7، وقال تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيب﴾8الآية، وقد روي أن بعض الصحابة قال: "يا رسول الله، ربنا قريب فنناجيه، أم بعيد فنناديه؟ فأنزل الله هذه الآية"9، فمن

استجاب لربه بامتثال أمره ونهيه حصل مقصوده من الدعاء وأجيب دعاؤه.
والمقصود هنا أن دعاء الله قد يكون عبادة لله يثاب العبد عليه في الآخرة مع ما يحصل له في الدنيا، وقد يكون دعاء مسألة تقضى به حاجته1، ثم2قد يثاب عليه إذا كان مما يحبه الله، وقد لا يحصل له إلا تلك الحاجة، فالوسيلة التي أمر الله بابتغائها تعم الوسيلة في عبادته وفي مسألته، وقول عمر –رضي الله عنه-: "إنا كنا إذا أجدبنا توسلنا إليك بنينا فتسقينا، وإنا نتوسل إليك بعم نبينا"3معناه (4نتوسل بدعائه وشفاعته وسؤاله، ونحن نتوسل إليك بدعاء عمه وشفاعته 4)4ليس المراد نقسم عليك به، أو ما يجري هذا المجرى، مما يفعل بعد موته، وفي مغيبته، كما يقول5بعض6الناس: أسألك بجاه فلان عندك، ويقولون: إنا نتوسل إلى الله بأنبيائه وأوليائه7، ويروون حديثاً موضوعاً "إذا سألتم الله فسألوه بجاهي، فإن جاهي عند الله عريض"8، فإنه لو كان هذا هو

التوسل الذي كان الصحابة يفعلونه، -كما ذكر عمر رضي الله عنه-لفعلوا ذلك بعد موته، ولم يعدلوا عنه إلى العباس، فعلم أن ذلك التوسل الذي ذكروه هو مما يفعل بالأحياء دون الأموات، وهو التوسل بدعائهم وشفاعتهم، فإن الحي يطلب منه ذلك، والميت لا يطلب منه شيء لا دعاء ولا غيره.
وكذلك حديث الأعمى1، فإنه طلب2من النبي صلى الله عليه وسلم أن يدعو له، فعلمه النبي صلى الله عليه وسلم دعاء أمره فيه أن يسأل الله قبول شفاعة نبيه، فهذا يدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم شفع فيه، وأن قوله: "إنا [كنا]3نتوسل إليك بنبينا"4، فلفظ التوجه والتوسل في الحديث بمعنى واحد، ثم قال: "يا محمد إني أتوجه بك إلى ربي بحاجتي ليقضيها، اللهم شفعه في"5، فطلب من الله أن يشفع فيه

نبيه، وقوله: "يا محمد" هذا وأمثاله نداء يطلب به استحضار المنادى في القلب، كما يقول المصلي: "السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته" والإنسان يفعل مثل هذا يخاطب من يتصوره في نفسه، وإن لم يكن في الخارج من يسمع الخطاب.
فلفظ التوسل بالشخص فيه إجمال واشتراك، غلط بسببه من لم يفهم مقصود الصحابة: يراد به التسبب [به]1لكونه داعياً وشافعاً مثلاً، أو لكون2الداعي محباً له، مطيعاً لأمره مقتدياً به، فيكون التسبب إما بمحبة السائل له واتباعه له، وإما بدعاء الوسيلة وشفاعته، ويراد به الأقسام به والتوسل بذاته، فلا يكون التوسل لا شيء منه، ولا شيء من السائل، بل ذاته3، أو مجرد الأقسام به على الله، فهذا الثاني هو الذي كرهوه ونهوا عنه.
ومن الأول حديث الثلاثة الذين –آووا إلى الغار، وهو في الصحيحين وغيرهما، فإن الصخرة انطبقت عليهم، فقالوا: "ليدع كل رجل منكم بأفضل عمله"4وذكر الحديث، فهؤلاء دعوا الله سبحانه5بصالح الأعمال، لأن

الأعمال الصالحة هي أعظم ما يتوسل به [العبد]1إلى الله تعالى، ويتوجه به إليه ويسأله به، لأنه وعد أن يستجيب للذين آمنوا وعملوا الصالحات، ويزيدهم من فضله: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُم﴾2، وهؤلاء دعوه بعبادته، وفعل ما أمر به من العمل الصالح، وهذا كما قال المؤمنون: ﴿رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِياً يُنَادِي لِلْإِيمَانِ﴾3إلى قولهِ: ﴿إِنَّكَ لا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾.4
فسؤال الله والتوسل إليه بامتثال أمره واجتناب نهيه، وفعل ما يحبه من العبودية والطاعة هو5من جنس فعل ذلك، رجاء لرحمة الله، وخوفاً من عذابه، وسؤال الله بأسمائه وصفاته، ونحو ذلك يكون من باب التسبب.
والمقصود هنا أنه إذا كان / السلف والأئمة قالوا في سؤاله بالمخلوق ما قد ذكرنا6، [فكيف]7بسؤال8المخلوق الميت، سواء سأل أن يسأل الله، أو يسأل قضاء الحاجة، ونحو ذلك؟ مما يفعله بعض الناس إما عند قبر الميت، وإما عند غيبته، وصاحب الشريعة صلى الله عليه وسلم حسم المادة، وسد الذريعة بلعنه من يتخذ قبور الأنبياء والصالحين مساجد، وأن لا يصلى عندها –وإن كان9

لا يسأل إلا الله – وحذر أمته ذلك، فكيف إذا وقع نفس المحذور من الشرك وأسباب الشرك؟ فتبين1أن أحداً من السلف لم يفعل2ذلك.3
قلت: وقد تقرر بما تقدم أن سؤال الميت والغائب والاستشفاع به إلى الله أنه هو دين المشركين من العرب ومن قبلهم، فإن4الله تعالى بعث رسله إلا به، وتقرر ذلك في آيات الشفاعة وما في معناها من الآيات وما فيها من سيد المرسلين: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَدْعُو رَبِّي وَلا أُشْرِكُ بِهِ أَحَداً.
(5 قُلْ إِنِّي لا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرّاً وَلا رَشَداً5).5 قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَداً. إِلَّا بَلاغاً مِنَ اللَّهِ وَرِسَالاتِهِ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدا﴾.6
فتأمل ما في هذه الآيات، وما رتب سبحانه على مخالفة الرسول صلى الله عليه وسلم فيما وعد إليه، وبلغه عن الله من توحيده، بالوعيد بالنار والخلود فيها، والقرآن كله من أوله إلى آخره يقرر هذه الدعوة، ويرشد إليها، وينهى عن كل ما ينافيها من قول أو فعل أو اعتقاد، ويحذرهم نفسه وينذرهم بأسه.

وقد قال الله1تعالى في وصف القرآن المجيد: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ كِتَابٌ مُبِينٌ يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيم﴾2*)، وقال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الْأِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُوراً نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ.
صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ أَلا إِلَى اللَّهِ تَصِير الْأُمُور﴾3، وقد صح عنه4صلى الله عليه وسلم بالإسناد المتصل الصحيح أنه قال: "لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم إنما أنا عبد فقولوا عبد الله ورسوله".5
قال ابن الأثير6وغيره في معناه: (أي: لا تمدحوني فتغلوا في مدحي كما غلت النصارى في عيسى7عليه السلام، فادعوا فيه الآلهية، إنما أنا عبد، فصفوني بذلك (8كما وصفني ربي8)8"فقولوا: عبد الله ورسوله"، فأبى المشركون أن يقبلوا ما أمرهم به9، وأن10يتركوا ما نهاهم عنه، وناقضوه أعظم مناقضة،

* ما بين النجمتين سقط من: (المطبوعة) .","سورة الشورى، الآيتان: 52و 53.","في \"م\" و\"ش\": عن النبي صلى الله عليه وسلم\".","تقدم تخريجه.","انظر كلاماً له حول هذا في \"جامع الأصول\": (4/514و 11/479) و \"النهاية في غريب الحديث\": (3/123) .","زاد في \"ش\": \"ابن مريم\".","ما بين القوسين سقط من: \"ش\".","في (الأصل) : \"بهم\"، والمثبت من: \"م\" و\"ش\".","سقطت من \"م\" و\"ش\": \"وأن\"."]">

وشاقوا (1الله ورسوله1)1أعظم مشاقة، (2 وأتوا بما هو أعظم من ذلك من الشرك الذي لا يغفره الله2).2 وذلك أن الشيطان أظهر لهم التوحيد والإخلاص الذي بعث الله به رسله في قالب التنقص للنبي صلى الله عليه وسلم، وأظهر لهم ما نهاهم النبي صلى الله عليه وسلم عنه في قالب محبته وتعظيمه.
وتأمل3ما أمر به النبي صلى الله عليه وسلم وما نهى عنه تَعْلَمُ4يقيناً أن هؤلاء5المتنقصون الناقصون أفرطوا في تعظيمه بارتكاب ما نهى الله عنه6في كتابه، في مواضع7لا يمكن حصرها، من8دعوة غيره خصوصاً وعموماً، ثم أن هؤلاء فرَّطوا في متابعة النبي صلى الله عليه وسلم، فلا9أخذوا بقوله/ وفعله، بل ولا رضوا بحكمه وأمره، ولا سلموا له، وهذا الذي تركوه هو الذي يحصل به تعظيم الرسول صلى الله عليه وسلم، فيُعظَّم أمره ويقبل، ويُعظَّم نهيه ويترك، ويكون هو المتبع والمطاع، ويدعو إلى دينه الذي دعا إليه من إخلاص العبادة لله وحده، وينصره بنصرة ما بعث به من الحق، ويواليه بالمتابعة والاقتداء بهديه، ويعادي من خالفه بارتكاب ما نهى عنه.

وأنت ترى ما وقع اليوم وقبله من كثير الجهال، من الإفراط والتفريط، فقال1صلى الله عليه وسلم: "إياكم والغلو فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو"2، وهذا الحديث قد رواه الإمام أحمد، والترمذي3، وابن ماجه بالأسانيد المتصلة عن ابن عباس.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية4: (وهذا عام في جميع أنواع الغلو بالاعتقادات والأعمال، ثم إنه علله بما يقتضي مجانبة هدى من كان قبلنا، إبعاداً عن الوقوع فيما هلكوا به، وأن5المشارك لهم في بعض هديهم يخاف عليه من الهلاك) انتهى.

قلت: وقد حذر النبي صلى الله عليه وسلم الأمة أعظم تحذير من الغلو وأسبابه الموصلة إلى الشرك بالله، فقال صلى الله عليه وسلم فيما رواه البخاري ومسلم وغيرهما من المحدثين في كتبهم1، بأسانيد صحيحة عن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها "أن أم سلمة ذكرت لرسول الله صلى الله عليه وسلم كنيسة رأتها بأرض الحبشة وما فيها من الصور، فقال: "أولئك إذا مات فيهم الرجل الصالح بنوا على قبره مسجداً، وصوروا فيه تلك الصور، أولئك شرار الخلق عند الله"2وهذا يقتضي تحريم بناء المساجد على القبور.
يحقق ذلك أنه صلى الله عليه وسلم لعن من فعل ذلك.
قال شيخ الإسلام3: (وهذه العلة التي لأجلها نهى الشارع صلى الله عليه وسلم عن اتخاذ المساجد على القبور، هي التي أوقعت كثيراً من الأمم إما في الشرك الأكبر أو فيما دونه من الشرك، فإن النفوس قد أشركت بتماثيل الصالحين، وتماثيل يزعمون أنها طلاسم الكواكب ونحو ذلك، فإن الشرك بقبر الرجل الذي يعتقد صلاحه أقرب إلى النفوس من الشرك بخشبة أو حجر4، ولهذا تجد أهل الشرك يتضرعون عندها، ويخشون ويخضعون، ويعبدون بقلوبهم عبادة لا يفعلونها في بيوت الله ولا وقت السحر، ومنهم من يسجد لها، وأكثرهم يرجون من بركة الصلاة عندها والدعاء ما لا يرجون في المساجد، فلأجل هذه المفسدة حسم النبي صلى الله عليه وسلم مادتها، (5 حتى نهى5)5عن الصلاة في المقبرة مطلقاً، / وإن لم يقصد المصلى بركة البقعة بصلاته، كما يقصد في صلاته بركة المساجد، كما

نهى عن الصلاة وقت طلوع الشمس وغروبها، لأنها أوقات يقصد المشركون فيها الصلاة للشمس، فنهى أمته عن الصلاة حينئذ، وإن لم يقصد ما قصده المشركون، سداً للذريعة.
وأما إذا قصد الرجل الصلاة عند القبور متبركاً بالصلاة في تلك البقعة، فهذا عين المحادة لله ورسوله1، والمخالفة لدينه، وابتداع2دين لم يأذن الله به.
فإن المسلمين قد أجمعوا على ما علموه بالاضطرار من دين رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الصلاة عند القبور منهي عنها؛ وأنه لعن من اتخذها مساجد.
فمن أعظم المحدثات وأسباب الشرك: الصلاة عندها واتخاذها مساجد، وبناء المساجد عليها، وقد تواترت النصوص عن النبي صلى الله عليه وسلم بالنهي عن ذلك، والتغليظ فيه، وقد صرح عامة الطوائف بالنهي عن بناء المساجد عليها، متابعة منهم للسنة الصحيحة الصريحة، وصرح أصحاب أحمد وغيرهم من أصحاب مالك والشافعي بتحريم ذلك).
قلت: والأحاديث الصحيحة تدل على ذلك بلا ريب، كما في "الصحيحين"عن عائشة رضي الله عنها قالت: "لما نُزل برسول الله صلى الله عليه وسلم طفق يطرح خميصة له على وجهه، فإذا اغتم بها كشفها"، فقال-وهو كذلك- "لعنة3الله على اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد.
يحذر ما فعلوا".4

ومن المعلوم أن اللعنة إنما تقع على من فعل ذلك الاتخاذ؛ لأنه من فعل اليهود والنصارى، فمن فعل فعلهم وقع به ما وقع بهم؛ لأنه من أعظم الذرائع الموصلة إلى الشرك، وهذا الذي لعن النبي صلى الله عليه وسلم (1 اليهود والنصارى1)1على فعله قد وقع من كثير من هذه الأمة بعد القرون المفضلة.
قال القرطبي في معنى هذا الحديث: (وكل ذلك لقطع الذريعة2المؤدية إلى عبادة من فيها، كما كان السبب في عبادة الأصنام.
قال: ولهذا بالغ المسلمون في سد الذريعة في قبر النبي صلى الله عليه وسلم، ثم خافوا أن يتخذ قبره قبلة، إذ كان مستقبل المصلين، فتصور الصلاة إليه بصورة العبادة، فنبوا جدارين من ركني القبر الشماليين، وحرفوهما حتى التقيا على زاوية مثلثة من ناحية الشمال، حتى لا يتمكن أحد من استقبال قبره).
وفي "الصحيح"3عن ابن عباس رضي الله عنه4في قول5الله تعالى: ﴿وَقَالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلا تَذَرُنَّ وَدّاً وَلا سُوَاعا﴾6الآية، قال: "هذه أسماء رجال صالحين من قوم نوح، فلما هلكوا/ أوحى الشيطان إلى قومهم أن انصبوا إلى مجالسهم التي كانوا يجلسون عليها أنصاباً، وسموها بأسمائهم: ففعلوا ولم تُعْبد، حتى إذا هلك أولئك، ونسخ7العلم عبدت".8

وقال العلامة ابن القيم1رحمه الله تعالى: "وما زال الشيطان يوحي إلى عباد القبور، ويلقي إليهم أن البناء والعكوف عليها من محبة أصحاب القبور من الأنبياء والصالحين، وأن الدعاء عندها مستجاب، ثم ينقلهم من هذه المرتبة إلى الدعاء به، والإقسام على الله به، فإن شأن الله أعظم من أن يقسم عليه2، أو يسأل بأحد من خلقه.
فإذا تقرر ذلك عندهم نقلهم منه إلى دعائه وعبادته وسؤاله الشفاعة من دون الله، واتخاذ قبره وثناً تعلق عليه الستور والقناديل، ويطاف به، ويستلم ويقبل، ويحج إليه، ويذبح عنده، فإذا تقرر ذلك عندهم نقلهم منه إلى دعاء الناس إلى عبادته، واتخاذه3عيداً ومنسكاً، ورأوا أن ذلك أنفع لهم في دنياهم وأخراهم.
وكل هذا مما قد4علم بالاضطرار من دين الإسلام أنه مضاد لما بعث الله به رسوله صلى الله عليه وسلم: من تجريد التوحيد، وأن لا يعبد إلا الله، فإذا تقرر ذلك عندهم نقلهم منه إلى أن من نهى عن ذلك فقد تنقص أهل الرتب العالية، وحطهم عن منزلتهم، وزعم أن لا حرمة لهم ولا قدر، وغضب المشركون، واشمأزت قلوبهم، كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾5، وسرى ذلك في نفوس كثير من الجهال والطغام، وكثير ممن ينتسب إلى العلم والدين، حتى عادوا

أهل التوحيد، ورموهم بالعظائم، ونفروا الناس عنهم، ووالوا أهل الشرك وعظموهم، وزعموا أنهم أولياء الله وأنصار دينه ورسوله، ويأبى الله ذلك، وما كانوا أولياءه، إن أولياؤه إلا المتقون"انتهى.
وقد تقدم وأعيد ليستحضر.
قال شيخ الإسلام1رحمه الله تعالى2: (والذي يجري عند المشاهد من جنس ما يجري عند الأصنام، وقد ثبت في الطرق المتعددة أن ما يشرك به من دون الله من3صنم ووثن، أو قبر قد يكون عنده شياطين تضل من أشرك به، وأن تلك الشياطين [لا]4يقضون بعض أغراضهم، وإنما يقضونها إذا حصل منه الشرك والمعاصي، ومنهم من يأمر الداعي أن يسجد له؛ وقد/ ينهاه عما أمره5الله به من التوحيد والإخلاص والصلوات الخمس وقراءة القرآن، ونحو ذلك، وقد وقع في هذا النوع كثير من الشيوخ الذين لهم نصيب من الدين والزهاد والعبادة، ولعدم6علمهم بحقيقة الدين الذي بعث الله به رسله طمعت فيهم الشياطين، حتى أوقعوهم فيما يخالف الكتاب والسنة، وقد جرى لغير واحد من أصحابنا المشايخ يستغيث بأحدهم بعض أصحابه7، فيرى8الشيخ جاء في اليقظة حتى قضى ذلك المطلوب، وإنما هي شياطين تتمثل للذين يدعون غير الله، فالكافر للكافر،

والفاجر للفاجر، والجاهل للجاهل).
وقال رحمه الله1: (وقد حدثني بعض الثقات عن هذا الشخص2–يعني ابن البكري الذي جوز في كتابه الاستغاثة بالرسول صلى الله عليه وسلم في كل ما يستغاث بالله- إلى أنه كان يقول: النبي صلى الله عليه وسلم علم مفاتيح الغيب التي قال فيها النبي صلى الله عليه وسلم: "خمس لا يعلمهن3إلا الله: إن الله عنده علم الساعة، وينزل الغيث، ويعلم ما في الأرحام، وما تدري نفس ماذا تكسب غداً، وما تدري نفس بأي أرض تموت [إن الله عليم خبير] "4، ذكر5عنه أنه قال: علمها بعد أن أخبره أنه لا

يعلمها إلا الله.
وأخر من جنسه يباشر التدريس وينسب إلى الفتيا، كان يقول: إن النبي صلى الله عليه وسلم يعلم ما يعلمه الله، ويقدر على ما يقدر الله عليه، وأن هذا السر انتقل بعده إلى الحسن، ثم انتقل في ذرية الحسن إلى الشيخ أبي الحسن الشاذلي، وقالوا: هذا مقام القطب الغوث الفرد الجامع).
قلت: وهذا الذي ذكر1شيخ الإسلام هو مضمون أبيات البردة التي نصرها داود وأمثاله، ممن استحسن الشرك بالله، وأجاز أن يُدعى مع الله غيره، ويستغاث بغيره، ولا ريب أن المفتتن بهذه الفتن الشركية كثير في هذه الأزمنة وقبلها، فسلكوا سنن من كان قبلهم من المفتونين الذين نقلنا عن شيخ الإسلام رحمه الله2بعض ما جرى منهم، نعوذ بالله من فتنة المحيا والممات ومن فتنة المسيح الدجال. فما أكثر من فتن في هذه الأزمنة وقبلها بمثل فتنة المسيح الدجال، بما غرتهم به الشياطين من الإنس والجن، الذين قال الله تعالى فيهم: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّاً شَيَاطِينَ الْأِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ/ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ. وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوا مَا هُمْ مُقْتَرِفُون﴾.3
وقال رحمه الله تعالى4: (وما زال المشركون يسفهون الأنبياء، ويصفونهم بالجنون والضلال والسفاهة، كما قال قوم نوح لنوح، وعاد لهود عليهما

السلام: ﴿قَالُوا أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَه﴾1فأعظم ما سفهوه لأجله، وأنكروه هو التوحيد، [وهكذا]2تجد من عليه شبه من هؤلاء إذا رأى من يدعو إلى توحيد الله، وإخلاص الدين لله3، وأن لا يعبد الإنسان [إلا الله]4ولا يتوكل إلا عليه، استهزؤا بذلك، لما عندهم من الشرك، وأنهم5اعتقدوا أن دعاء الميت الذي بني له المشهد والاستغاثة به أنفع لهم من دعاء الله والاستغاثة به في البيت الذي نبي لله عز وجل، ففضلوا البيت الذي بني لدعاء الميت.
وإذا كان لهذا وقف ولهذا وقف كان وقف الشرك أعظم عندهم منه6، مضاهاة لمشركي العرب الذين ذكر الله حالهم في قوله تعالى: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ نَصِيباً فَقَالُوا هَذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَذَا لِشُرَكَائِنَا فَمَا كَانَ لِشُرَكَائِهِمْ فَلا يَصِلُ إِلَى اللَّهِ وَمَا كَانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلَى شُرَكَائِهِمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾.7
وهكذا هذه النذور والوقوف التي تبذل عندهم للمشاهد أعظم مما تبذل عندهم للمساجد، ولعمَّار8المساجد، والجهاد في سبيل الله، وهؤلاء إذا قصد أحدهم القبر الذي يعظمه يبكي عنده ويخضع9، ويدعو ويتضرع،

ويحصل له من الرقة والتواضع والتذلل والعبودية وحضور القلب ما لا يحصل مثله في الصلوات الخمس والجمعة وقيام الليل وقراءة القرآن، فهل هذا إلا من حال المشركين المبتدعين لا الموحدين المخلصين، المتبعين لكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم).
إلى أن قال رحمه الله تعالى1: (والذين يجعلون دعاء الموتى من الأنبياء والأئمة والشيوخ أفضل من دعاء الله؛ أنواع متعددة، منهم من تقدم.
ومنهم من يحكي أنواعاً من الحكايات كحكاية2أن بعض المأسورين في بلاد العدو دعا الله فلم يخرجه؛ ودعا بعض المشايخ الموتى فأخرجه إلى بلاد الإسلام.
ومن هؤلاء من إذا نزلت به شدة لا يدعو إلا شيخه، ولا يذكر إلا اسمه قد لهج به كما يلهج الصبي بذكر أمه.
فإذا كان دعاء الموتى3مثل الأنبياء والصالحين يتضمن هذا/ الاستهزاء بالله وآياته ورسوله، فأي الفريقين أحق بالاستهزاء بالله وآياته ورسوله4: من كان يأمر بدعاء الموتى والاستغاثة بهم مع ما يترتب على ذلك من الاستهزاء بالله وآياته ورسوله5، أو من6كان يأمر بدعاء الله وحده لا شريك له، كما أمر

بطاعته1، ويوجب طاعة الرسول ومتابعته في كل ما جاء؟).
إلى أن قال: (وأما أولئك الضلال أشباه المشركين النصارى، فعمدتهم أحاديث2ضعيفة، أو موضوعة، أو منقولة3عمن لا يحتج بقوله، إما أن تكون كذباً عليه؛ وإما أن يكون غلطاً منه؛ إذ هي نقل غير مصدق عن قائل غير معصوم، وإن عصموا بشيء مما ثبت عن رسول الله [صلى الله عليه وسلم]4، حرفوا الكلم عن مواضعه، وتمسكوا بمشابهه، وتركوا محكمه، كما يفعله5النصارى، وكما فعل هذا الضال أخذ لفظ الاستغاثة، وهي تنقسم إلى الاستغاثة بالحي والميت، والاستغاثة بالحي تكون فيما6يقدر عليه وما لا يقدر عليه، فجعل حكم ذلك7واحداً، ولم يكفه حتى جعل السؤال بالشخص من مسمى الاستغاثة8

أيضاً، ولم يكفه (1 ذلك حتى1)1جعل الطالب منه إنما يطلب2من الله لا منه، فالمستغيث به مستغيث بالله، ثم جعل الاستغاثة بكل ميت من نبي وصالح3جائزة.
فدخل عليه الخطأ4من وجوه: منها: أنه جعل المتوسل به بعد موته في دعاء الله مستغيثاً به، وهذا لا يعرف في لغة أحد من الأمم، لا حقيقة ولا مجازاً، مع دعواه الإجماع على ذلك، فإن5المستغاث هو المسئول المطلوب منه لا المسئول به.
الثاني: ظنه أن توسل الصحابة [به]6في حياته كان توسلاً بذاته، لا بدعائه وشفاعته، فيكون التوسل به بعد موته كذلك، وهذا غلط.
الثالث: أنه أدرج السؤال أيضاً في الاستغاثة به7، وهذا صحيح جائز في حياته، وهو قد سوى8في ذلك بين محياه ومماته، وهذا أصاب في لفظ الاستغاثة، لكنه9أخطأ في التسوية بين المحيا والممات، وهذا ما علمته ينقل عن أحد من العلماء، لكنه موجود في كلام بعض الناس، مثل10الشيخ

يحيى الصرصري، ففي شعره قطعة منه، والشيخ محمد بن النعمان له كتاب "المستغيث بالنبي صلى الله عليه وسلم في اليقظة والمنام" وهؤلاء ليسوا من العلماء العالمين بمدارك الأحكام، الذين1يؤخذ بقولهم في شرائع الإسلام، ومعرفة الحلال والحرام، وليس/ لهم دليل شرعي، ولا نقل عن عالم مرضي، بل عادة جروا عليها، وكان بعض الشيوخ الذين أعرفهم ولهم فضل وعلم وزهد إذا نزل به أمر، خطا إلى الشيخ2عبد القادر خطوات معدودة، واستغاث به، وهذا يفعله كثير من الناس؛ ولهذا لما نبه من نبه3[من]4فضلائهم تنبهوا، وعلموا أن ما كانوا عليه ليس من دين الإسلام، بل مشابهة لعباد الأصنام).
قلت5: وهذه الطريقة التي سلكها هذا، هي طريقة أهل البدع –كداود بن جرجيس – الذين يجمعون بين الجهل والظلم، فيبتدعون بدعة6مخالفة للكتاب والسنة وإجماع الصحابة، ويكفرون من خالفهم من بدعتهم، كالخوارج المارقين، لكن الخوارج كفروا الصحابة بالذنوب، وهؤلاء كفروا أهل الإسلام بالإخلاص والتجريد، كما قال العلامة ابن القيم (7-رحمه الله-7)7في الخوارج: ولهم نصوص قصروا في فهمها... فأُتوا من التقصير في العرفان

وخصومنا قد كفرونا بالذي... هو غاية التوحيد والإيمان1إلى أن قال: (وهو قد احتج بحديث الأعمى الذي قال: "اللهم أني أتوجه إليك بنبينا2محمد نبي الرحمة"3، وهذا الحديث لا حجة فيه لوجهين: أحدهما: أنه ليس استغاثة، بل توجهاً به.
الثاني: أنه إنما توجه بدعائه وشفاعته، فإنه طلب من النبي صلى الله عليه وسلم الدعاء، وقال في آخر دعائه "اللهم فشفعه في"، فعلم أنه شفع له، فتوسل بشفاعته لا بذاته، كما كان الصحابة يتوسلون بدعائه في الاستسقاء، وكما توسلوا بدعاء العباس بعد مماته، وكذلك في أول الحديث أنه طلب من النبي صلى الله عليه وسلم أن يدعو له.
فدل الحديث على أن النبي صلى الله عليه وسلم شفع له4ودعا له، وأن النبي صلى الله عليه وسلم أمره بأن5يدعو الله، وأن يسأله6قبول شفاعته النبي صلى الله عليه وسلم.
وقوله: "يا محمد إني أتوجه بك إلى ربي في حاجاتي هذه لتقضي"7خطاب لحاضر8في قلبه، كما نقول في صلاتنا؛ "السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته"، وكما يستحضر الإنسان في قلبه من يحبه أويبغضه ويخاطبه، وهذا كثير.

وما ذكره1من توسل آدم، وحكاية المنصور، فجوابهما2من وجهين: أحدهما: أن هذا لا أصل له، ولا تقوم به حجة، ولا إسناد لذلك.3
الثاني: لو دل على التوسل بذاته فلا يدل على الاستغاثة.
وأما اشتكاء البعير [إليه]4، فهذا كاشتكاء الآدمي إليه، وقد قلنا إنه إذا طلب منه مما يليق بمنصبه فهذا لا نزاع فيه، والاستغاثة به في حياته فيما يقدر عليه لا ينازع5فيها أحد، ولكن هذا أخذ لفظ الاستغاثة ومعناها العام، فجعل

يتشبث به1، / ولكن النهي2عاد3إلى شيئين: إلى الاستغاثة به بعد الموت، وإلى أن يطلب منه ما لا يقدر عليه إلا الله تعالى.
وأما قول4هؤلاء الجهال: فيستلزم الردة عن الدين، والكفر برب العالمين، ولا ريب أن أصل قول هؤلاء هو من باب الإشراك بالله، الذي هو الكفر، الذي لا يغفره الله؛ فإن الله سبحانه يقول في كتابه: ﴿وَقَالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلا تَذَرُنَّ وَدّاً وَلا سُوَاعاً وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْراً. وَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيراً﴾.5
وقد قال غير واحد من السلف: إن هذه أسماء قوم صالحين كانوا في قوم نوح، فلما ماتوا عكفوا على قبورهم، ثم صوروا تماثيلهم، ثم عبدوهم6، وقد ذكروا ذلك بعبارات متقاربة في كتب الحديث والتفسير، وقصص الأنبياء، كما ذكره البخاري في صحيحه وجماعة من أهل الحديث، وقد تقدم7في كلام شيخ الإسلام أيضاً، فأعدناه لعظيم فائدته.
(وقد أمر الله نبيه أن يقول: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً﴾8، فيقول أهل الضلال: هذا يقوله في نفسه، وأما نحن فليس لنا أن

نقول هو بشر، بل نقول كما قال فلان وفلان، ومن زعم أن محمداً بشر كله فقد كفر، وهذا يقوله طائفة منهم، وهو يشبه قول النصارى في المسيح، ونحن نعلم بالضرورة أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يشرع لأحد أن يدعو أحداً من الأموات لا الأنبياء ولا الصالحين، ولا غيرهم، لا بلفظ الاستغاثة ولا بغيرها، كما أنه لم يشرع لأمته السجود لميت1ونحو ذلك، بل نعلم أنه نهى عن هذه الأمور كلها، وأن ذلك من الشرك الذي حرمه الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، ولكن لغلبة الجهل، وقلة العلم بآثار الرسالة في كثير من المتأخرين لم يمكن تكفيرهم بذلك حتى يبين لهم ما جاء به الرسول مما يخالفها).2
إلى أن قال3رحمه الله تعالى: (وهؤلاء يدعون الميت أو الغائب4، يقول أحدهم: بك أستغيث، بك أستجير، أغثنا، أجرنا، ويقول: أنت تعلم ذنوبي، ومنهم من يقول للميت: اغفر لي وارحمني وتب علي، ونحو ذلك، ومن لم يقل ذلك من عقلائهم فإنه يقول: أشكو إليك عدوي، أشكو إليك ظهور البدع أو جدب الناس، أو غير ذلك5، فيشكو إليه ما حصل من ضرر/ في الدين والدنيا، ومقصوده بالشكوى أن يشكيه، فيزيل ذلك الضرر، وقد يقول مع ذلك للميت: أنت تعلم ما فعلته من الذنوب، فيجعل الميت، أو الحي، أو الغائب عالماً بذنوب العباد وجزئياتهم التي يمتنع أن يعلمها بشر، حي أو

ميت، ثم منهم من يطلق سؤاله إليه والشكوى ظاناً أنه يقضي حاجته، كما يخاطب ربه بناء على أنه يمكن ذلك بطريق من الطرق، وأنه وسيلة وسبب، وإن كان السائل لا يعلم وجود ذلك.
وعقلاؤهم يقولون: مقصودها أن يسأل الله لنا، ويشفع لنا، ويظنون أنهم إذا سألوه بعد موته أن يسأل الله لهم، فإنه يسأل ويشفع، كما يسأل ويشفع1، وكما تسأله الصحابة الاستسقاء وغيره، وكما يشفع يوم القيامة إذا سئل الشفاعة، ولا يعلمون أن سؤال الميت والغائب غير مشروع البتة، ولم يفعله أحد من الصحابة، بل عدلوا عن سؤاله وطلب الدعاء منه إلى سؤال غيره وطلب الدعاء منه، وأن الرسول صلى الله عليه وسلم2وسائر الأنبياء والصالحين وغيرهم لا يطلب3من أحدهم بعد موته من الأمور ما كان يطلب منه في حياته والله أعلم) انتهى كلام الشيخ رحمه الله تعالى.4
وقال الحافظ محمد بن أحمد بن عبد الهادي الحافظ5رحمه الله تعالى: (ومن جعل زيارة الميت من جنس زيارة الفقير للغني، لينال من بره وإحسانه، فقد أتى بما هو من أعظم الباطل المتضمن لقلب الحقيقة والشريعة، ولو كان ذلك مقصود الزيارة لشرع [من]6دعاء الميت، والتضرع

فصول الكتاب · 25 فصل · 382 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول كشف ما ألقاه إبليس من البهرج والتلبيس على قلب داود بن جرجيس · 382 صفحة
مقدمة الكتابمقدمةتحقيق نسبة الكتاب إلى المؤلفتحقيق اسم الكتابطبعات الكتاب...أمثلة السقطأمثلة التحريفأمثلة الزيادةوصف النسخ الخطيةمنهجي في التحقيقترجمة1موجزة للشيخ عبد الرحمن رحمه اللهابن جرجيس، وموقف أئمة الدعوة السلفية منهنماذج مصورة من النسخ الخطيةمقدمة المؤلف...فصل1وقد بين الله تعالى في كتابه حقيقة الإسلام الذي تصلح به القلوب والأعمال. قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِيناً مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِن﴾.2 وفي "المسند" عن أبي قزعة الباهلي عن حكيم بن معاوية عن أبيه3أنه قال: والله يا رسول ما أتيتك إلا بعد ما حلفت عدد أصابعي هذه أن4لا أتيك فبالذي بعثك بالحق ما بعثك به؟ قال: "الإسلام"، قال: وما الإسلام؟ قال: "أن تسلم قلبك وتوجه وجهك إلى الله وأن تصلي الصلوات المكتوبة وتؤدي الزكاة المفروضة".5 وقال تعالى6: ﴿وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَفصل1وقد أنكر الله تعالى2في محكم كتابه على من دعا الأنبياء والصالحين والملائكة. فقال تعالى3: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلا تَحْوِيلاً، أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورا﴾.4 نزلت هذه الآيات فيمن يدعو المسيح وأمه والعزير والملائكة، وأئمة التفسير5ذكروا ذلك في معنى هذه الآية الكريمة. فانظر إلى هذا التهديد والوعيد في حق من دعا الملائكة والأنبياء والصالحين؛ وأخبر تعالى أنهم لا يملكون كشف الضر عمن دعاهم، ولاتحويله، وأخبر تعالى أن أولئك الذين يدعونهم من الأنبياء والصالحين يبتغونإلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب، وأعظم الوسائل (6 التي تقرب إلى الله6)6إخلاص العبادة لله تعالى، وتجريد التوحيد، ومخالفة ما كان يفعله المشركون من دعوةغير الله.فصل1في بيان أمور من الشرك الأكبر – (2يشبه ما قدمناه2)2- الذي وقع فيه من وقع من هذه الأمة. قال العلامة ابن القيم3رحمه الله:فصل1وقال شيخ الإسلام أيضاً: (ومن المحرمات العكوف عند قبر، والمجاورة عنده، وسدانته، وتعليق الستور عليه، كأنه بيت الله الكعبة، وقد بيّنا أن نفس بناء المسجد عليه منهي عنه باتفاق الأمة، محرم بدلالة السنة، فكيف إذا ضم إلى ذلك المجاورة في ذلك المسجد، والعكوف فيه، كأنه المسجد الحرام؟ بل عند بعضهم العكوف فيه أحب من العكوف في المسجد الحرام، إذ من الناس من يتخذ من دون الله أنداداً يحبونهم كحب الله، والذين آمنوا أشد حباً لله، بل حرمة ذلك المسجد المبني على القبر الذي حرمه الله ورسوله، أعظم عند المقابريين من بيوت الله التي2أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه، وقد أسست على تقوى من الله ورضوان.
فصل1ثم ذكر –رحمه الله –2تتبع آثار الأنبياء، وما ذهب إليه أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه من النهي عن ذلك، وذكر أنه قطع الشجرة التي بويع تحتها النبي صلى الله عليه وسلم. وذكر عن محمد بن وضاح قال: كان مالك وغيره من علماء المدينة يكرهون إتيان تلك المساجد، وتلك الآثار التي بالمدنية، ما عدا قباء وأحداً، ولأن ذلك يشبه الصلاة عند المقابر، إذ هو ذريعة إلى اتخاذها أعياداً، وإلى التشبه بأهل الكتاب.
فصل1وقال شيخ الإسلام2–رحمه الله تعالى-:
فصل1وقد كان شيخ الإسلام تقي الدين أحمد بن تيمية –رحمه الله -، لما قدم مصر فوجد الكثير قد جهل ما بعث الله به رسله وأنزل به كتبه: من دين الإسلام الذي رضيه لعباده، واتفقت عليه دعوة الرسل من أولهم إلى آخرهم.
خاتمةتتمةفهرس الأحاديثفهرس الموضوعات
جارٍ التحميل