فصل1وقد كان شيخ الإسلام تقي الدين أحمد بن تيمية –رحمه الله -، لما قدم مصر فوجد الكثير قد جهل ما بعث الله به رسله وأنزل به كتبه: من دين الإسلام الذي رضيه لعباده، واتفقت عليه دعوة الرسل من أولهم إلى آخرهم.
(3 [فبيَّن]2ما وقع فيها من البدع3)3، فبيَّن –رحمه الله –لمن حضره4ما جهله أكثر الناس من وجوب إخلاص العبادة بجميع أنواعها لله تعالى، وبيَّن ذلك بالأدلة5من الكتاب والسنة، وما عليه سلف الأمة وأئمتها: من تجريد العبادة لله تعالى، وترك عبادة ما يعبد من دونه، ونهاهم عن دعوة الأموات والغائبين، وأخبرهم أن هذا هو الشرك الأكبر الذي لا يغفره الله، فعارضه ابن البكري المصري على حسب ما اعتاده من هذا الشرك وجهله بأنواع6التوحيد، /وكتب في المعارضة كثيراً من الشبهات الفاسدة الباطلة، وقلب الحقائق، مع سوء الفهم، وعدم العلم، فهجم على دين الإسلام فيما أبداه من الشبهات والضلالات.
وأخذها شيخ الإسلام ابن تيمية –رحمه الله –1فأجاب عنها بصريح المنقول وصحيح المعقول، فردها رداً شافياً بالأدلة والبراهين، فصار علماً لأهل التوحيد، وحجة على أهل الشرك والتنديد.
فرأيت هذا العراقي – الذي نحن بصدد الرد عليه- قد تلقى كثيراً من تلك الشبهات والخيالات والأباطيل والترهات، فرأيت أن أكتب في آخر الرد جملاً من كلام شيخ الإسلام –رحمه الله تعالى2-وإن كان فيه نوع تكرار، مع ما قدمناه له، فإنه يشتمل على مزيد فائدة، فإن الحاجة إليه ماسة، والمنفعة به عظيمة، والمكرر أحلى؛ لما فيه من الرد على كل ملحد ومبطل ومعاند، فرحم الله ذلك الشيخ، فلقد صارت كتبه سلاحاً للموحدين، وحجة على جميع المبطلين.
قال رحمه الله تعالى3: (الوجه الخامس: أن يقال: نحن لا ننازع في إثبات ما أثبته الله من الأسباب والحكم، لكن من هو الذي جعل الاستغاثة بالمخلوق ودعاءه سبباً في الأمور التي لا يقدر عليها إلا الله؟ ومَن الذي قال: إنك إذا استغثت بميت أو غائب من البشر، بنبي أو غير نبي، كان ذلك سبباً في حصول الرزق والنصر والهدى، وغير ذلك مما لا يقدر عليه إلا الله تعالى4؟ ومَن الذي شرع ذلك وأمر به؟ ومَن الذي فعل ذلك من الأنبياء والصحابة والتابعين لهم بإحسان؟
فإن المقام يحتاج إلى مقدمتين: إحداهما1: أن هذه أسباب لحصول المطالب التي لا يقدر عليها إلاالله.
والثانية: أن هذه الأسباب مشروعة، لا يحرم فعلها، فإنه ليس كل ما كان سبباً كونيّاً يجوز تعاطيه، فإن [قتل]2المسافر قد يكون سفره3سبباً لأخذ ماله، وكلاهما-أي المقدمتين – محرم، والدخول في دين النصارى قد يكون سبباً لمال يعطونه وهو محرم، وشهادة الزور قد تكون سبباً لمال4يؤخذ من المشهود له، وهو حرام، كثير من الفواحش والظلم قد يكون سبباً لنيل مطالب وهو محرم،/ والسحر والكهانة سبب في بعض المطالب وهو محرم، وكذلك الشرك كدعوة الكواكب والشياطين، وعبادة البشر، قد يكون سبباً لبعض المطالب وهو محرم.
فإن الله تعالى حرم من الأسباب ما كانت5مفسدته راجحة على مصلحته، كالخمر والميسر6، وإن كان يحصل به بعض الأغراض أحياناً.
وهذا المقام مما يظهر به ضلال هؤلاء المشركين خلقاً وأمراً، فإنهم مطالبون بالأدلة الشرعية على أن الله شرع لخلقه أن يسألوا ميتاً أو غائباً، أو يستغيثوا به، سواء كان ذلك عند قبره، أو لم يكن عند قبره، وهم لا يقدرون
على ذلك، بل نقول: في الوجه السادس: سؤال الميت والغائب: نبيّاً كان أو غيره: من المحرمات المنكرة باتفاق أئمة المسلمين، لم يأمر الله تعالى به ولا رسوله1، ولا فعله أحد من الصحابة ولا التابعين لهم بإحسان، ولا استحبه أحد من أئمة المسلمين، وهذا [مما]2يعلم بالاضطرار من دين المسلمين3، فإن أحداً منهم ما كان يقول إذا نزلت به شدة، أو عرضت له حاجة لميت: يا سيدي فلان أنا في حسبك، أو اقض حاجتي، كما يقول هؤلاء المشركون لمن يدعونهم من الموتى والغائبين، ولا أحد من الصحابة استغاث بالنبي صلى الله عليه وسلم بعد موته، ولا بغيره من الأنبياء، لا عند4قبورهم، ولا إذا5بعدوا عنها، بل ولا أقسموا بمخلوق على الله أصلاً، ولا كانوا يقصدون الدعاء عند قبور الأنبياء، ولا قبور6غير الأنبياء، ولا الصلاة عندها، وقد كره العلماء كمالك وغيره أن يقف الرجل عند قبر النبي صلى الله عليه وسلم يدعو لنفسه، وذكروا أن هذا من البدع التي لم7يفعلها السلف.
وأما ما يروى عن بعضهم أنه قال: قبر معروف الترياق المجرب، وقول بعضهم: فلان يدعي عند قبره، وقول بعض الشيوخ: إذا كانت لك حاجة إلى
الله فاستغث بي، أو قال: استغث عند قبري، ونحو ذلك، فإن هذا قد وقع عند1كثير من المتأخرين وأتباعهم، وكثير من هؤلاء إذا استغاث بالشيخ رأى صورته، وربما قضى بعض حاجته، فيظن أنه الشيخ نفسه، أو أنه ملك تصور /على صورته، وأن هذا من كراماته، ولا يعلم2أن هذا من جنس ما يفعله3الشياطين بعباد الأوثان، بحيث تتراءى4أحياناً لمن يعبدونها، تخاطبهم ببعض الأمور الغائبة، وتقضي لهم بعض الطلبات؛ ولكن هذه الأمور كلها بدع محدثة في الإسلام بعد القرون الثلاثة المفضلة، وكذلك المساجد المبنية على القبور التي تسمى المشاهد محدثة في الإسلام، والسفر إليها محدث5في الإسلام، لم يكن6شيء من ذلك في القرون الثلاثة المفضلة، بل ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد، يحذّر ما فعلوا"7قالت عائشة: "ولولا ذلك أبرز قبره، ولكن كره أن يتخذ مسجداً"، وثبت في الصحيح عنه أنه قال، قبل أن يموت بخمس: "إن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد، فإني أنهاكم عن ذلك".8
وقد تقدم في الجواب أن عمر بن الخطاب –رضي الله عنه1-: "لما أجدبوا استسقى بالعباس، وقال: اللهم إنا كنا إذا أجدبنا نتوسل إليك بنبينا فتسقينا، وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا فيسقون"2فلم يذهبوا إلى القبور، ولا توسلوا بميت ولا غائب، وتوسلوا بالعباس كما كانوا يتوسلون بالنبي صلى الله عليه وسلم، وكان توسلهم به توسلهم بدعائه، كالإمام مع المأموم، وهذا تعذر بموته.
فأما قول القائل، عند ميت من الأنبياء والصالحين: اللهم إني أسألك بفلان، [أو بجاه فلان]3أو بحرمة فلان، فهذا لم ينقل عن النبي صلى الله عليه وسلم، ولا عن أصحابه، ولا4عن التابعين، وقد نص غير واحد من العلماء أنه لا يجوز، ونقل بعضهم جوازه.
قلت: لكن بغير مستند، فكيف يقول5القائل للميت: إني أستغيث بك، أو أستجير بك، أو أنا في حسبك، أو أسأل لي الله، ونحو ذلك.
فتبين أن هذا ليس من الأسباب المشروعة، لو قدر أن له تأثيراً، فكيف إذا لم يكن له تأثير صالح، بل مفسدته راجحة على مصلحته: كأمثال6من دعا غير الله؟ وذلك أن من الناس الذين يستغيثون بغائب أو ميت من تتمثل7لهم
الشياطين، وربما كانت [على]1صورة الغائب، وربما كلمته، وربما قضت /له أحياناً بعض حوائجه، كما تفعل شياطين الأصنام، وهذا مما جرى لغير واحد، فينبغي أن يعرف هذا.
ومن هؤلاء من يؤذي الميت بسؤاله إياه أعظم مما يؤذيه لو كان حياً، وربما قضيت2حاجته مع ذم تلحقه، كما كان الرجل يسأل النبي صلى الله عليه وسلم أحياناً فيعطيه، ويقول: "إن أحدكم يسألني المسألة فيخرج بها يتأبطها ناراً"3، وقال
صلى الله عليه وسلم: "لا تتخذوا قبري عيداً"1، وقال: "اللهم لا تجعل قبري وثناً يعبد، اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد"2الحديث.
قال غير واحد من السلف في قول الله3: ﴿وَقَالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلا تَذَرُنَّ وَدّاً وَلا سُوَاعا﴾4الآية "هؤلاء كانوا قوماً صالحين في قوم نوح، فلما ماتوا عكفوا على قبورهم ثم صوروا تماثيلهم، ثم طال عليهم الأمد فعبدوهم"5؛ ولهذا لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم الذين يتخذون قبور الأنبياء [والصالحين]6مساجد.
وهذا مما تقدم في أول الجواب، والمكرر أحلى.
إلى أن قال رحمه الله تعالى7: الوجه الثاني: أن يقال: التحقيق في هذا الباب إن8كان المنفى لا يصلح، لمخلوق فذكره الأنبياء والملائكة على سبيل تحقيق النفي العام، فهذا من أحسن الكلام، كما يقال: لا يجوز العبادة إلا لله تعالى، لا لملك مقرب، ولا لنبي مرسل، فينبه9بنفيها عن الأعلى عن انتفائها عمن هو10دونهم بطريق الأولى
وكذلك إذا كان المخصوص بالذكر ممن1قد حصل فيه غلو، كما يقال: ليس في الصحابة معصوم لا علي ولا غيره، وليس في النبيين إله لا المسيح ولا غيره، فهذا حسن2، ومنه قوله تعالى3: ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئاً إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى﴾4(6 تنبيهاً بذلك [على]5أن من دونهم أولى أن لا تغني شفاعتهم شيئاً6)6﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّه﴾ إلى قوله: ﴿سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾.7
وقال تعالى: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلا تَقُولُوا ثَلاثَةٌ انْتَهُوا خَيْراً لَكُمْ إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلاً.
لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْداً لِلَّهِ وَلا الْمَلائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ﴾8الآية.
/
(2 فإنه لما كان الكلام في إثبات توحيد الله تعالى، والنهي عن1الغلو في الدين فيه تشبيه المخلوق بالخالق قال: ﴿لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْداً لِلَّهِ وَلا الْمَلائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ﴾ 2)2، وأبلغ من هذا قوله تعالى3: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً إِنْ أَرَادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعا﴾4فخص المسيح وأمه بالذكر5؛ لأن المسيح وأمه اتخذا إلهين فكان التخصيص بالذكر؛ لنفي الشرك والغلو الذي وقع في المسيح وأمه، ولم يكن ذلك من باب التنقيص للمسيح وأمه.
وقال تعالى: ﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَاداً لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ إلى قوله: ﴿وَلا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَاباً أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾6فتخصيص الأنبياء والملائكة7بالذكر تنبيه على من دونهم.
ومنه قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَداً سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ﴾ إلى قوله: ﴿وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ.
وَمَنْ يَقُلْ
مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِنْ دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِين﴾1فذكر هذا الوعيد في الملائكة تنبيهاً على أن دعوى الإلهية لا تجوز لأحد من المخلوقين، لا ملك ولا غيره، وأنه لو قدر وقوع ذلك من ملك من الملائكة لكان جزاؤه جهنم، فكيف من دونهم؟ وهذا التخصيص لإفراد الله بالإلهية.
ومنه قوله تعالى: ﴿وَمِنْ آبَائِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَإِخْوَانِهِمْ وَاجْتَبَيْنَاهُمْ وَهَدَيْنَاهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ.
ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾2، والأنبياء معصومون من الشرك، لكن3المقصود بيان أن الشرك لو صدر من أفضل الخلق لأحبط عمله، فكيف بغيره؟ وكذلك قوله لنبيه صلى الله عليه وسلم: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِين﴾4مع أن الشرك منه5ممتنع، لكن بيَّن بذلك أنه إذا قدر وجوده كان مستلزماً لحبوط عمل6المشرك وخسرانه/ كائناً من كان، وخوطب بذلك أفضل الخلق لبيان عظم [هذا]7الذنب، لا لحط قدر المخاطب، كما قال تعالى: ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ. لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ. ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِين﴾.8
ليبيِّن أنه ينتقم ممن يكذب بالرسالة كائناً من كان، وأنه لو قدر أنه
غيَّر الرسالة لا نتقم منه، وهذا باب واسع.
فمن1غلا في طائفة من الناس، فإنه يذكر له من هو أعلى منه، ويبين أنه لا يجوز هذا الغلو فيه، فكيف يجوز الغلو في الأدنى، كما قال بعض الشيعة لبعض شيوخ أهل2السنة: نقول إن مولانا أمير المؤمنين علياً كان معصوماً، فقال: أبو بكر وعمر: عندنا أفضل منه، وما كانا معصومين.
وكما يقال لمن يعظم شيخه أو أميره، بأنه يطاع في كل شيء، وأنه لا ينبغي مخالفته: أبو بكر الصديق3أفضل منه، وقد قال: "أطيعوني ما أطعت الله، فإذا عصيت الله فلا طاعة لي عليكم، إنما أنا متبع ولست مبتدع، فإن أحسنت فأعينوني وإن زغت فقوموني"4.5 وكما إذا ظن الغالي أن الصالحين لا يؤذيهم عدوهم، لاعتقاده أن ذلك نقص فيهم، وأنهم قادرون على دفع كل أذى؛ فيقال: أفضل الخلق محمد صلى الله عليه وسلم قد أوذي وعودي، وقد جرح يوم أحد، وذلك كرامة له من الله تعالى6، ليعظم أجره، ويزيده رفعة بالصبر على الأذى.
وكذلك لو حلف بشيخه، فقيل له: لا تحلف بغير الله، فمن حلف بغير الله فقد أشرك.
وكذلك إذا اعتقد معتقد في شيخه أنه يشفع1لمريديه، أو أنه راية في الآخرة يدخل تحتها مريده الجنة، فيقال: [له]2: المرسلون أفضل منه؛ وسيد ولد آدم صلى الله عليه وسلم إذا جاء يشفع يسجد بين يدي الله، ويحمد ربه بمحامد فيقال له: "ارفع رأسك؛ وقل يسمع؛ وسل تعطه؛ واشفع تشفع، فيقول: يا رب أمتي، فيحد لي حداً، فأدخلهم الجنة"3فهو صلى الله عليه وسلم لا يشفع إلا بعد أن يؤذن له، بل يبدأ بالسجود لله والثناء عليه، ثم إذا أذن له في الشفاعة وشفع حد له حداً، يدخلهم الجنة.4
فليست الشفاعة مطلقة في حقه؛ ولا يشفع إلا بإذن الله، فكيف يكون الشيخ إذا5كانت له شفاعة؟ وكذلك إذا / قيل عن بعض الشيوخ: إن قبره ترياق مجرب، فيقال له: إذا كانت قبور الأنبياء –عليهم السلام-ليست ترياقاً مجرباً؛ فكيف تكون قبور الشيوخ ترياقاً مجرباً؟.
وكذلك إذا قيل: إن الشيخ الميت يستسقى عند قبره، ويقسم به على الله؛ ويعَّرف عنده عشية عرفة ونحو ذلك.
قيل له: إذا كان النبي صلى الله عليه وسلم سيد الخلق لم يستق الصحابة –رضوان الله عليهم-عند قبره، ولا أقسموا به على الله؛ ولا عرَّفوا عند قبره فكيف بغيره؟
وكذلك إذا قيل: إنه يسجد لقبر الشيخ أو يستلم ويقبل1، قيل له: إذا كان قبر النبي صلى الله عليه وسلم لا يسجد ولا يقبل باتفاق الأئمة، فكيف بقبر غيره؟.
[وكذلك إذا قيل: الموضع الذي كان الشيخ يصلي فيه لا يصلى فيه]2احتراماً له قيل له: إذا كان الصحابة –رضي الله عنهم-لم يصلوا في الموضع الذي كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي فيه، فكيف لا يصلى في موضع مصلى غيره؛ وهو أحق بالاحترام من كل أحد؟ وكذلك إذا قيل: إن الشيخ الميت يدعى، ويسأل، ويستغاث به، قيل: إذا كان الأنبياء بعد موتهم لا يدعون، ولا يسئلون؛ ولا يستغاث بهم؛ فكيف بمن دونهم؟ وإذا قيل: يطلب من الشيخ كل شيء.
قيل: ما لا يقدر عليه إلا الله، لا يطلب من الأنبياء، فكيف يطلب ممن دونهم؟ وقد ثبت في صحيح البخاري عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا ألفين3أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته بعير له رُغاء؛ فيقول: يا رسول الله أغثني، فأقول: قد أبلغتك، لا أملك لك من الله شيئاً4-الحديث" فقد أخبر أنه يستغيث به أهل الغلول يوم القيامة فلا يغيثه، بل يقول: "لا أملك لكم من الله شيئاً" كما قال: "يا فاطمة بنت محمد لا أغني عنك من الله شيئاً، يا صفة
عم رسول الله لا أغني عنك من الله شيئاً، يا عباس عم رسول الله لا أغني عنك من الله شيئاً.1
وحينئذ2فإذا قدر أن سائلاً3سأل: هل يستغاث بميت من الأنبياء والصالحين؟ فقيل [له]4: لا تستغيث بأحد منهم، لا نبي ولا غيره، أو قيل: لا يستغاث بالنبي صلى الله عليه وسلم، فكيف بمن دونه5؟، أو قيل: أفضل الخلق لا يستغاث به، ونحو ذلك من/ العبارات التي يفهم منها6عموم النفي7؛ وأنه8ذكر الأفضل تحقيقاً9للعموم: كان هذا من أحسن الكلام، كما تقدم.
كما إذا قيل: لا يسجد لقبر؛ ولا يتمسح به ولا يقبل؛ ولا يتخذ وثناً يعبد ونحو ذلك.
وكذلك لو كان الخطاب ابتداء في سياق التوحيد، ونفى خصائص الرب
عن العبد، وقيل: ما لا يقدر عليه إلا الله1لا يطلب إلا منه، لا من نبي ولا غيره، وقيل: ما لا يستغاث فيها إلا بالله، لا يستغاث فيه بنبي ولا غيره: كان حسناً.
فالاستغاثة المنفية نوعان: أحدهما: الاستغاثة بالمخلوق فيما لا يقدر عليه إلا الخالق.
وليس لأحد أن يسأل غير الله ما لا يقدر2عليه إلا الله لا نبي ولا غيره، وليس لأحد أن يسأل غير الله أو يستغيث به في شيء من الأشياء، سواء كان نبياً أو غيره، وإذا كان كذلك، فكثير مما وقع هو من هذا الباب. وأما قوله: فمن خص الرسول والملائكة بنفي خاص، يفهم منه طرح رتبهم، وعدم صلاحيتهم للأسباب [فقد نقصهم بعبارته].3
فيقال له: قولك: "خصهم بنفي خاص يفهم منه طرح رتبتهم وعدم صلاحيتهم للأسباب"لفظ مجمل، أتريد صلاحيتهم للأسباب التي أثبتها الله لهم، مثل عدم صلاحية الملائكة للنزول بالوحي والعذاب، وعدم صلاحية الرسول لتبليغ4رسالات الله، ونحو ذلك، مما أثبته الله لهم، أو عدم صلاحيتهم لما اختص الرب5تبارك وتعالى به، مثل أن يطلب منهم الأمور التي لا يقدر عليها غيره، وعدم صلاحيتهم لكونهم يُسألون ويُدعون بعد
موتهم، أو يطلب منه كل ما يطلب من الله؟ فإن عنيت الأول1فقائله أعظم جرماً [من]2أن يقال: تنقصهم بعبارته3، إذ قد يكون كافراً؛ مثل أن يتضمن نفيه مثل جحد رسالة الرسول، أو جحد ما يدخل في الإيمان، من الإيمان بالملائكة، ولكن ما نحن فيه ليس من هذا الباب.
وإن أردت الثاني، فليس في نفي خصائص الربوبية عن المخلوق نقص له يجيب تنزيهه عنه، فضلاً عن أن يجب نفيه [عنه]4فمن قال: لا إله إلا الله، لم يكن قد تنقص5الملائكة والأنبياء بنفي الإلهية عنهم، ومن قال: إن الأنبياء والملائكة ليسوا أرباباً ولا آلهةً، ولا يُعبدون ولا يُطلب منهم ما لا يقدر عليه إلا الله، كان قد نفى عنهم ما يختص به الرب تبارك وتعالى [ولم ينف عنهم الأسباب].6
قلت7: وهذا النفي هو الذي خلقوا له، وهو دينهم الذي كانوا عليه وهو الذي يرضيهم من أتباعهم، وهو كمال في حقهم كما قال تعالى: ﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَاداً لِي مِنْ دُونِ اللَّه﴾8
الآية ونظائرها.1
[قال شيخ الإسلام]2: وإنما3يكون نافياً للأسباب إذا قال: لا شفاعة لهم، أو قال: إنه لا يتوسل/ إلى الله بالإيمان بهم ومحبتهم وطاعتهم، ولا يتوسل إليه بدعائهم4، فهذا باطل، بل كفر.
وأما من قال: إنه لا يطلب منه ما لا يقدر عليه إلا الله، أو قال: [إنه]5لا يسأل بعد موته كما كان يسأل في حياته، فهذا قد أصاب، ومن قال: إنه لا يقسم على الله بمخلوق، ولا يتوسل [بميت، ولا يسأل]6بذات مخلوق، فإن الصحابة إنما توسلوا بدعائه وشفاعته، ولما مات لم يتوسلوا بذاته، إذ لم ينقل عن أحد من السلف أنه توسل إلى الله بميت في دعائه، ولا أقسم على الله به.7
قال أبو حنيفة وأبو يوسف وغيرهما: أنه لا يجوز أن يقال: أسألك بحق الأنبياء.
وكذلك قال أبو محمد بن عبد السلام: إنه لا يقسم عليه بحق الأنبياء، وتوقف في نبينا لظنه أن في ذلك خبراً يخصه8، وليس كذلك.
وقد تنازع العلماء في القسم به1، هل تنعقد به اليمين؟ على قولين: أشهرهما: أنه لا تنعقد2به، وهو مذهب مالك والشافعي وأبي حنيفة، وأحد القولين في مذهب أحمد.
والثاني: تنعقد اليمين به، وهي الرواية الأخرى عن أحمد، اختارها طائفة من أصحابه.
والصواب، ما عليه الجمهور من أنه لا تنعقد اليمين3بمخلوق لا النبي صلى الله عليه وسلم، ولا غيره.
ولكن لم يسم أحد من الأمم هذا استغاثة، فإن الاستغاثة [به]4طلب منه لا طلب به، وهذا اعتقد جواز هذا بالإجماع5، وسماه استغاثة، فلزم جواز الاستغاثة به بعد موته بالإجماع، فجوز أن يتوسل به في كل شيء.
ثم إنه لم يجعل هذا وحده معنى الاستغاثة، بل جعل الاستغاثة الطلب منه أيضاً فكان لا يميز بين هذا المعنى وهذا المعنى، بل يجوز عنده أن يستغاث به في كل ما يستغاث الله6فيه، على معنى أنه وسيلة من وسائل الله في طلب الغوث، وهذا ثابت عنده للصالحين، ولو كان هذا حقاً لم يقل النبي صلى الله عليه وسلم: "إنه لا يستغاث بي وإنما يستغاث بالله عز وجل"7
فدخل عليه الخطأ من وجوه: منها: أنه جعل المتوسل1به بعد موته بالدعاء مستغيثاً، وهذا لا يعرف في لغة أحد من الأمم، [لا]2حقيقة ولا مجازاً، مع دعواه الإجماع على ذلك، فالمستغاث3به هو المسئول المطلوب منه، [لا]4المسئول به.
والثاني: ظنه أن توسل الصحابة به5في حياته كان توسلاً بذاته، لا بدعائه وشفاعته، فيكون التوسل به بعد موته كذلك، وهذا غلط.6
الثالث: أنه أدرج سؤاله أيضاً في الاستغاثة به، وهذا صحيح جائز في حياته، وقد سوى في ذلك بين محياه ومماته، فأخطأ في التسوية بين المحيا والممات، وهذا ما علمته ينقل عن أحد من العلماء7، لكنه موجود في كلام بعض الناس، مثل الشيخ يحيى الصرصري في شعره قطعة منه، ومحمد بن النعمان كان له كتاب "المستغيثين بالنبي صلى الله عليه وسلم في اليقظة والمنام".
/وهؤلاء ليسوا من أهل العلم العالمين بمدارك الأحكام، الذين يؤخذ بقولهم في شرائع الإسلام، ومعرفة الحلال والحرام، وليس معهم8دليل شرعي
ولا نقل عن إمام1مرضي؛ بل عادة2جروا عليها، كما جرت عادة3كثير4من الناس أن يستغيث بشيخه في الشدائد ويدعوه، وهؤلاء ليس لهم مستند شرعي من كتاب أوسنة، أو قول من الصحابة والأئمة، وليس عندهم إلا قول طائفة من الشيوخ: إذا كانت لكم حاجة فاستغيثوا بي، وتعالوا إلى قبري، ونحو ذلك مما فيه تصويب5لأصحابه بالاستغاثة به حياً وميتاً، وإن كان له نوع من العلم والعبادة.
فليس معهم بذلك حديث يروى، ولا نقل عن صحابي6ولا تابعي، ولا قول عن إمام مرضي؛ ولهذا لما نُبه من نبه من فضلائهم تنبهوا، وعلموا أن ما هم عليه ليس من دين الإسلام، بل هو مشابهة لعباد الأصنام.
لكن هؤلاء كلهم ليس فيهم من يعُدّ7نفي هذا، والنهي عنه، كفر إلا مثل هذا الأحمق الضال الذي حاق به وبيل النكال، فإنه من غلاة أهل البدع الذين يبتدعون القول، ويكفرون من خالفهم فيه، كالخوارج، والروافض، والجهمية، فإن هذا القول الذي قاله لم يوافقه عليه أحد من المسلمين الأولين والآخرين8، وما علمت عالماً نازع في أن الاستغاثة بالنبي9وغيره من
المخلوقين لا تجوز.
وهذه الطريقة التي سلكها هذا وأمثاله هي طريقة أهل البدع، الذين يجمعون بين الجهل والظلم، فيبتدعون1بدعة مخالفة للكتاب والسنة وإجماع الصحابة، ويكفرون من خالفهم في بدعتهم2، كالحلولية، والمعطلة في الذات والصفات، يكَفَّر كثير منهم من خالفهم، والذين يقولون ليس كلامه إلا معنى واحداً قائماً بذاته: ومعنى التوراة والإنجيل واحد، والقرآن العزيز ليس هو كلامه؛ بل كلام جبريل وغيره، فمنهم من يكفر من خالفه، ونظائر هذا متعددة.
وأما أئمة السنة والجماعة وأهل العلم والإيمان فيهم العلم والعدل والرحمة، فيعلمون الحق الذي3يكونون به موافقين للسنة، / سالمين من البدعة، ويعدلون على من خرج منها ولو ظلمهم، كما قال تعالى: ﴿كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾4ويرحمون الخلق، ويريدون لهم الخير والهدى والعلم، لا يقصدون الشر لهم ابتداء بل إذا5عاقبوهم، وبينوا خطأهم، وجلهم، وظلمهم كان قصدهم بذلك بيان الحق ورحمة الخلق، والأمر بالمعروف
والنهي عن المنكر، وأن يكون الدين1كله لله، وأن تكون2كلمة الله هي العليا.
وقوله: إن الاستغاثة به بعد موته ثابتة ثبوتها في حياته؛ لأنه عند الله في مزيد دائم لا ينقص جاهه.
فيقال3: إذا كان معنى الاستغاثة هو الطلب منه، فما الدليل [على]4أن الطلب منه شيئاً كالطلب منه حياً؟ وعُلُوُّ درجته بعد الموت لا يقتضي أن يسأل، كما لا يقتضي أن يستفتى، ولا يمكن أحداً أن يذكر دليلاً شرعياً على أن سؤال الموتى من الأنبياء والصالحين وغيرهم مشروع5، بل الأدلة الدالة على تحريم ذلك كثيرة، كما لا يجوز دعاء الملائكة وإن [كان]6الله وكّلهم بأعمال يعملونها؛ لما في ذلك من الشرك.
وهو يحتج بحديث الأعمى الذي قال: "اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبيك محمد7نبي الرحمة".
وهذا الحديث لا حجة فيه لوجهين: أحدهما: أنه ليس هو استغاثة به8بل توجه به.
والثاني: أنه1إنما توجه بدعائه وشفاعته، فإنه طلب من النبي صلى الله عليه وسلم الدعاء، وقال في آخره "اللهم فشفعه في"فعلم أنه يشفع2له، فتوسل بشفاعته لا بذاته، كما كان الصحابة يتوسلون بدعائه في الاستسقاء، وكما توسلوا بدعاء العباس بعد مماته.
وهذا المحتج به بنى حجته على مقدمتين فاسدتين: على أنهم توسلوا3بذاته، وأن ذلك يسمى استغاثة به4، فلزم من ذلك5جواز ذلك بعد موته، وفساد إحدى المقدمتين يبطل كلامه6، فكيف إذا بطلتا؟ وما ذكره من توسل آدم وحكاية المنصور، /فجوابها من وجهين: أحدهما: أن هذا لا أصل له، ولا تقوم به حجة، ولا إسناد لذلك.
والثاني: أنه7لو دل لدل8على التوسل بذاته، لا على الاستغاثة به.
وأما فتح الكوة لينزل المطر، فهذا9أيضاً باطل، كما تقدم التنبيه عليه، ومع هذا فليس من هذا، وكذلك استسقاؤهم بدعائه ليس من هذا الباب.
وأما اشتكاء البعير إليه، فهذا كاشتكاء الآدمي إليه10، وما زال الناس
يستغيثون به في حياته كما يستغيثون به يوم القيامة، وقد قلنا أنه إذا طلب منه ما يليق بمنصبه فهذا لا نزاع فيه، والطلب منه في حياته والاستغاثة به في حياته فيما يقدر عليه لم يُنازع فيه، فما ذكره لا يدل على مورد1النزاع.
وأما قوله: ولم يجعل الله لأحد تنقيص الرسل، وأجمع السلف والخلف على وجوب2تعظيمهم في الاعتقاد والأقوال3والأفعال.
فيقال: هذا حق لكنه كما قال علي بن أبي طالب [رضي الله عنه]4: (كلمة حق أريد بها باطل).5
وهو أن من سألهم ما لا يقدرون عليه أحياء وأمواتاً، فقد آذاهم واعتدى عليهم، فهو مستحق للعقوبة التي يستحقها مثله، بل من سألهم ما لا يريدون فعله حتى فعلوا6ما يكرهونه فهو مستحق للذم والمقت.
ومن ابتدع في دينهم ما لم يأذن به الله وما يخالف ما جاءوا به، لزم أن يكون دينهم ناقصاً، وأنهم أتوا بالباطل، وهذا مناقض بلا ريب لما يجب من الإيمان بهم وتعزيرهم وتوقيرهم، ومن خالف ما جاءوا به من توحيد الله، وإفراده بالدعاء، فهو من أعظم المخالفين لهم اعتقاداً وقولاً وعملاً.
فإن أعظم ما دعوا إليه التوحيد، فالمخالف له7من أعظم الناس مخالفة
لهم، وقد بينا "بالصارم1المسلول"أن التوحيد والإيمان بالرسل متلازما، وكل أمة لا تصدق الرسل فلا تكون إلا مشركة، وكل مشرك فإنه مكذب للرسل، فمن دخل فيه نوع من الشرك الذي نهت عنه الرسل فإنه مناقض لهم، مخالف لموجب رسالاتهم.2
وإن3كان كذلك فما قال هذا المفتري وأمثاله هو بدعة لم تشرعها الرسل، لو لم يرد ما يتضمن4النهي عنها، فكيف إذا علم أنه نهى عنها؟ أما/ المقام الأول: فإنه لا يمكن أحداً أن يقول إن النبي صلى الله عليه وسلم شرع لأمته أن يستغيثوا بميت ولا غيره، لا في5جلب منفعة، ولا دفع مضرة6، لا بهذا7اللفظ ولا بمعناه، فلا شرع لهم أن يدعوا ميتاً ولا يسألوه، ولا يدعو به8، ولاأن9يستجيروا به ولا يدعوه؛ لا رغبة ولا رهبة10، ولا يقول أحد لميت: أنا في حسبك، أو أنا في جوارك، أو أنا أريد أن تفعل كذا وكذا، ولا أن يخطو إلى قبر ميت خطوات، وأن يتوجه إلى جهة قبره ويسأله، كما يفعل كثير من11
النصارى وأشباه النصارى، من ضلال1هذه الأمة، بكثير من شيوخهم وغير شيوخهم، ولا يشرع لأحد أن يقول لميت: سل لي الله أو ادع لي، ولا يشرع لهم أن يشكوا إلى ميت، فيقول أحدهم مشتكياً إليه: عليَّ دين، أو آذاني فلان، أو2قد نزل بي العدو، أو أنا مريض، أو أنا خائف ونحو ذلك من الشكاوي؛ سواء كان هذا السائل عند قبر الميت، أو كان بعيداً منه، وسواء كان الميت نبياً أو غيره، بل ولا يشرع لأمته إذا كان لأحد3حاجة أن يقصد قبر نبي أو صالح فيدعو لنفسه، ظاناً أن الدعاء عند قبره يجاب، ولا يشرع4لأمته أن يتوسلوا إلى الله بذات نبي أصلاً، بل ولا بذات حي، إلا أن يكون مما أمر الله به من الإيمان به وطاعته أو بدعاء المتوسِّلِ وشفاعته، فأما إذا5لم يكن المتوسل يتوسل بما أمر الله به، ولا بدعاء الداعي له، فليس هناك وسيلة شرعها الله ورسوله، فإذا كان النبي6والرجل الصالح له7عند الله من الجاه، والقدر، والحرمة، ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، فهذا لا ينتفع المتوسل به إلا بأحد وجهين: إما أن يتوسل المتوسل بما أمر الله به من الإيمان به، ومحبته8، وطاعته، وموالاته، والصلاة عليه والسلام، ونحو ذلك: فهذه هي الوسيلة التي أمر الله
بها في قوله: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ﴾1فالوسيلة تجمعها طاعة الرسول، فكل وسيلة طاعة، وكل طاعة للرسول وسيلة: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾2، ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ/ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقاً﴾.3
والوجه الثاني: أن يدعو له الرسول، فهذه أيضاً مما يتوسل به إلى الله تعالى فإن دعاءه وشفاعته4عند الله من أعظم الوسائل.
فأما إذا لم يتوسل العبد بفعل واجب أو مستحب، ولا الرسول دعا له، فليس في عظم قدر الرسول ما ينفعه، ولكن بعض الناس الذين دخلوا في دين الصابئين والمشركين ظنوا أن شفاعة الرسول لأمته لا يحتاج إلى دعاء منه، بل الرحمة التي تفيض على الرسول تفيض على المُسْتَشِفعِ، من غير شعور من الرسول، ولا دعاء منه، ومثلوا ذلك بانعكاس شعاع الشمس إذا (5 وقع على جسم صقيل ثم انعكس على غيره فإن5)5الشمس إذا وضعت على ماء، أو مرآة، وانعكس شعاعها على حائط أو غيره، حصل النور في الموضع الثاني بواسطة الشعاع المنعكس على المرآة.
قالوا: فهكذا6: الرحمة تفيض على النفوس الفاضلة، كنفوس الأنبياء والصالحين، ثم تفيض بتوسطهم على
نفوس المتعلقين بهم، وكما أن انعكاس الشعاع يحتاج إلى المحاذاة، فكذلك الفيض لابد فيه من وتوجه الإنسان إلى النفوس الفاضلة.
وجعل هؤلاء الفائدة في زيارة القبور من هذا الوجه، وقالو: إن1الأرواح المفارقة تجتمع هي والأرواح الزائرة فيقوى تأثيرهما.2
وهذه المعاني ذكرها طائفة من الفلاسفة ومن أخذ عنهم، كابن سينا وأبي حامد وغيرهم.
وهذه الأحوال هي من أصول الشرك وعبادة الأصنام، وهي من [المقاييس الفاسدة]3وهي من أقوال من قال: إن الدعاء إنما تأثيره بكون النفس تتصرف في العالم4، لا بكون الله هو يجيب الداعي، وهي مبنية على أن الله ليس بفاعل مختار؛ يحدث الحوادث بمشيئته واختياره.
وقول هذا المفتري وأمثاله يجر5إلى مثل هذا، لكنهم لا يعرفون أصل قولهم ولوازمه، إتباع لشيوخ لهم6نوع من علم ودين، وليس لهم خبرة بما جاء به الرسول.
وعندهم تعظيم الأنبياء والصالحين من جنس تعظيم النصارى والمشركين، يعظمونهم تعظيم ربوبية، من جهة ما يرجونه في حصول
مطالبهم، لا يعظمونهم/ لكونهم رسل الله الذين أمرَ1بطاعتهم، فيجب أن يطاعوا فيما أمروا به، (3 وأن يقتدي بهم فيما يشرع التأسي فيه بهم، بل هم2يعرضون عن بعض طاعتهم، والتأسي بهم3)3، ويقبلون على نوع من دعائهم، وسؤالهم والإشراك بهم، وهؤلاء بالنصارى أشبه منهم بالصابئة4الفلاسفة، لكن الجميع فيهم شرك.
وهذا الضال وأمثاله يجعلون الأنبياء والصالحين من جنس الذين يظنون أن النفع والضر يحصل لهم بتوسطهم، كما يجعل الشعاع والحرارة بتوسط الشمس.
ونحن نقول: إن كل ما شرعه الله ورسوله فهو من أعظم الوسائل إلى الله، لكن دعاؤهم بعد الموت لم يشرعه الله ورسوله، فليس من الوسائل، كذلك سؤال أحدهم ما لا يقدر عليه إلا الله، وأن لا يعبد إلا بما شرع، وما ذكره هؤلاء يتضمن عبادة غير الله.
المقام الثاني: أن يقال هذا مما نهت عنه الرسل، فقد ثبت في الصحاح أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن اتخاذ القبور مساجد وقال: "لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد يحذر ما فعلوا"5، وقال: "لا تجلسوا على القبور ولا تصلوا إليها".6
فلو كان الدعاء عند القبور أجوب منه في غير تلك البقعة؛ لكان قصدها للدعاء1عندها مشروعاً لم ينه أن يتخذ مسجداً، فإن اتخاذ القبور مساجد يدخل فيه الصلاة وغيرها، ويدخل فيه بناء المساجد [عليها]2، وكلاهما منهي عنه، بل محرم كما صرح به غير واحد من العلماء، فإن النبي صلى الله عليه وسلم لعن من فعل ذلك تحذيراً، وهذا يقتضي توكيد التحريم، فإن الدعاء في الصلاة أجوب منه في غيرها، كالدعاء في دبرها، / كما جاءت به السنة في الأدعية الشرعية فإنها مشروعة في آخر الصلاة، كذلك الدعاء عقب الصلاة، وأفضل الدعاء دعاء3يوم عرفة، وإنما يكون بعد صلاة الظهر والعصر، والوقوف بمزدلفة ودعاؤها بعد صلاة الفجر، والطواف يجري مجري الصلاة، ولهذا يستحب الدعاء في آخره، كما كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول بين الركنين ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ [النَّارِ] ﴾4، والطواف
تحية المسجد الحرام1، وأما منى فعبادتها رمي الجمار، ولهذا يرجمونها يوم النحر ثم ينحرون، فليس بمنى2صلاة عيد، بل رمي جمرة العقبة لهم كصلاة العيد لغيرهم، وسائر الجمرات ترمى بعد الزوال، قبل صلاة الظهر، وفي السنن عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "إنما جعل السعي بين الصفا والمروة ورمي الجمار لإقامة ذكر الله"3فلما كان هذا4من شعائر الصلاة والطواف كان كالدعاء عندها مشروعاً؛ كما ثبت في الصحيح أنه صلى الله عليه وسلم: "كان يدعو بين الجمرتين بقدر5سورة البقرة".6
ففي الجملة: أحق البقاع بذكر الله فيها المساجد التي يصلى فيها، والمشاعر التي [شرع الله]1فيها الذكر، وأمر أن يكون الدين خالصاً له، كما قال تعالى2: ﴿قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِيناً قِيَماً مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ.
قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.
لا شَرِيكَ لَه﴾3فإذا كانت4الصلاة والذكر لله وحده لم يكن ذلك مشروعاً عند قبر، كما لا يذبح للميت ولا عند قبره، بل نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن5العقر6، وكره العلماء الأكل من تلك الذبيحة، فإنها شبه ما ذبح لغير الله.
فلو كانت مقابر الأنبياء والصالحين مما يستحب الدعاء عندها، لكانت إما من المساجد، وإما من المشاعر [التي]7يحج إليها، وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن هذا وهذا، بل لعن الذين يتخذون القبور مساجد، وقال في الحديث الذي
رواه أبو داود وغيره: "لا تتخذوا قبري عيداً وصلوا علي حيث كنتم1، فإن صلاتكم/ تبلغني"2فنهى أن نتخذ3قبره عيداً، والعيد اسم للوقت والمكان4الذي يعتاد الاجتماع5فيه.
وقد ثبت عن عمر بن الخطاب [رضي الله عنه]6أنه: "رأى رجالاً ينتابون مكاناً يصلون فيه فقال7: ما هذا؟ قالوا مكان صلى فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: أتريدون أن تتخذوا آثار أنبيائكم مساجد؟ إنما هلك من كان قبلكم بهذا، من أدركته الصلاة فيه8فليصل وإلا فليمض"9فقد نهاهم عن اتخاذ آثار أنبيائهم مساجد.10
وأما نقل عن ابن11عمر أنه كان يتحرى النزول في مكان النبي صلى الله عليه وسلم12،
فهذا أمر انفرد به ابن عمر –رضي الله عنه-1، والخلفاء الراشدون2من الأكابر والسابقين الأولين من المهاجرين والأنصار لم يكونوا يفعلون ذلك، وهم أفضل من ابن عمر وأعظم اتباعاً للنبي صلى الله عليه وسلم ولو كان هذا مستحباً لفعله هؤلاء.
وأيضاً فلما فتح المسلمون تستر وجدوا فيه قبر3دانيال، وكان أهل البلد يستسقون به، فكتب في ذلك أبو موسى إلى عمر بن الخطاب، فكتب إليه: "أن احفر بالنهار ثلاثة عشر قبراً وادفنه بالليل في واحد منهما؛ لئلا يفتن4به الناس فيستسقون به".5
فهذه كانت سنة الصحابة رضوان الله عليهم.
ولهذا لم يكن في زمن الصحابة والتابعين لهم بإحسان6، على وجه الأرض في ديار الإسلام مسجد7على قبر؛ ولا مشهد يزار، لا في الحجاز، ولا في اليمن، ولا الشام، ولا مصر، والعراق، ولا خراسان.
وقد ذكر مالك –رحمه الله8– أن وقوف الناس للدعاء عند قبر النبي صلى الله عليه وسلم بدعة لم يفعلها الصحابة والتابعون، وقال: "لا يصلح آخر هذه الأمة إلا ما أصلح أولها".
وأما دعاء الميت، وسؤاله بلفظ الاستغاثة وغيرها، فهذا مما نهى عنه القرآن، قال تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلا تَحْوِيلاً. أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُوراً﴾.1
وفي/ التفسير الصحيح عن مجاهد ﴿يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ﴾ قال: "عيسى ابن مريم وعزير والملائكة".2
وكذلك عن إبراهيم قال: كان ابن عباس يقول في قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ﴾ "هو عزير والمسيح والشمس والقمر".
وكذلك رواه شعبة عن السدي عن أبي صالح عن ابن عباس قال: "عيسى وأمه والعزير في هذه الآية" ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ﴾.
وروى قتادة عن عبد الله بن معبد الزماني عن ابن3مسعود قال: "كان قبائل من العرب يعبدون صنفاً من الملائكة يقال لهم الجن يقولون: هم بنات الله، فأنزل الله تبارك وتعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ﴾.
وفي رواية الزماني عن عبد الله بن عتبة بن مسعود عن عبد الله قال: "نزلت
في نفر من العرب كانوا يعبدون نفراً من الجن، فاسلم الجنيون1، والأنس الذين كانوا يعبدونهم لا يشعرون بإسلامهم، فنزلت: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ﴾.
وكذلك قال ابن وهب عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم قال2: الذين يدعون الملائكة تبتغي إلى ربها الوسيلة أيهم أقرب، ويرجون رحمته ويخافون عذابه إن عذاب ربك كان محذوراً.
قال: "وهؤلاء3الذين عبدوا الملائكة من المشركين".
وكذلك ذكر4العوفي في تفسيره عن ابن عباس قال: "يقولون: نعبد الملائكة والمسيح وعزيراً".
وثبت أيضاً في الصحيح للبخاري5عن ابن مسعود قال: "كان ناس يعبدون قوماً من الجن.
فأسلم الجن، وبقي الأنس على كفرهم، فأنزل الله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ﴾ يعني الجن" وهذا معروف عن ابن مسعود من غير وجه.
وهذه الأقوال كلها حق، فإن الآية تعم كل من كان معبوده عابداً لله؛ سواء كان من الملائكة، أو من6الجن، أو [من]7البشر.
والسلف –رض الله عنهم- في تفسيرهم يذكرون جنس المراد بالآية على نوع التمثيل، كما/ يقول الترجمان لمن سأله عن الخبز فيريه رغيفاً، فيقول: هذا، فالإشارة إلى نوع لا إلى عينه.
فالآية خطاب لمن دعا من دون الله مدعواً، وذلك المدعو يبتغي إلى ربهالوسيلة ويرجو رحمته، ويخاف عذابه، وهذا1موجود في الملائكة والجن والإنس.
والاستغاثة هي طلب كشف الشدة، فكل من دعا ميتاً أو غائباً من الأنبياء والصالحين، أو دعا الملائكة، أو دعا الجن، فقد دعا م لا يغيثه، وقد قال2تعالى: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْأِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقا﴾.3
وقد نص الأئمة، كأحمد وغيره على4أنه لا يجوز الاستعاذة5بمخلوق، وهذا مما استدلوا به على أن كلام الله غير مخلوق، قالوا لأنه ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه استعاذ بكلمات الله التامات، من غضبه، وعقابه، [وشر عباده]، ومن همزات الشياطين، وأن يحضرون".6
وقال1: "أعوذ بكلمات الله التامات، التي لا يجاوزهن برٌّ ولا فاجر، من شر ما خلق، وذرأ وبرأ، ومن شر ما ينزل من السماء، وما يعرج فيها، ومن شر ما يلج في الأرض، وما يخرج منها، ومن شر فتن2الليل والنهار، ومن شر كل طارق يطرق3إلا طارقاً يطرق بخير يارحمن4".
قالوا: والاستعاذة لا تجوز بالمخلوق، وقول القائل: "أعوذ بالله" معناه أستجير بالله، فإذا لم يجز أن يستعاذ بمخلوق؛ لا نبي ولا غيره، فإنه لا يجوز أن يقال أنت خير معاذ1يستعاذ به، بطريق الأولى والأحرى2، كقول القائل لمن مات من الأنبياء وغيرهم: بك استجير من كذا، وكذا كقوله: بك أستعين، وقوله: بك أستغيث في معنى ذلك إذا كان مطلوبه منع الشدة أو رفعها، والمستعيذ بطلب منع المستعاذ منه أو رفعه، فإذا كان مخوفاً طلب منعه؛ كقوله: أعوذ بالله من عذاب جهنم ومن عذاب القبر، وإذا كان حاضراً طلب رفعه، كما في الحديث الصحيح: "أعوذ بعزة الله وقدرته من شر ما أجد وأحاذر"3فتعوَّذ من شر الموجود، وشر المحاذر.
والداعي يطلب حصول4أحد شيئين: إما حصول منفعة، أو دفع مضرة، فالاستعاذة5والاستجارة والاستغاثة /كلها من نوع الطلب والدعاء.
ومما يبين حكمة الشريعة وعظم قدرتها، وأنها كما قيل: "سفينة نوح من