فصل1وقد كان شيخ الإسلام تقي الدين أحمد بن تيمية –رحمه الله -، لما قدم مصر فوجد الكثير قد جهل ما بعث الله به رسله وأنزل به كتبه: من دين الإسلام الذي رضيه لعباده، واتفقت عليه دعوة الرسل من أولهم إلى آخرهم.
ركبها1نجا ومن تخلف عنها غرق" إن الذين خرجوا عن المشروع، زين لهم الشيطان أعمالهم، حتى خرجوا إلى الشرك.
وطائفة من هؤلاء يصلون إلى الميت، ويدعو أحدهم الميت ويقول: اغفر لي وارحمني.
ومنهم من يستقبل2القبر، ويصلي إليه، مستدبر3الكعبة، ويقول: القبر قبلة الخاصة والكعبة4قبلة العامة، وجمهور هؤلاء المشركين يجدون عند5عبادة القبور من الرقة، والخشوع، والدعاء، وحضور القلب ما لا يجده أحدهم في مساجد الله التي أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه، وآخرون يحجون إلى القبور.
وطائفة صنفوا كتباً وسموها "مناسك حج المشاهد"، كما صنف محمد بن النعمان الملقب بالمفيد، أحد شيوخ الإمامية كتاباً في ذلك، وذكر فيه من الحكايات المكذوبة عن أهل البيت ما لا يخفى كذبه على من له معرفة بالنقل، وآخرون يسافرون إلى قبور المشايخ، وإن لم يسموا6ذلك منسكاً وحجاً، والمعنى واحد.
ومن هؤلاء من يقول: حق النبي الذي تحج إليه المطايا، فيجعل الحج إلى النبي لا إلى بيت الله عز وجل.
وكثير من هؤلاء أعظم قصده من الحج قصده قبر النبي صلى الله عليه وسلم لا حج البيت).
وذكر –رحمه الله-كثيراً من هؤلاء ما هو من جنس ما تقدم، وأعظم –إلى أن قال1: (ومنهم من يجعل السفر إلى المشهد والقبر الذي يعظمه أفضل من الحج، ويقول أحد المريدين للآخر وقد حج سبع حجج إلى بيت الله العتيق: أتبيعني زيارة قبر الشيخ بالحجج السبع؟ فشاور الشيخ؛ فقال: لو بعت لكنت مغلوباً.
ومنهم من يقول: من طاف بقبر الشيخ سبعاً كان حجة، وذكر عن أمثال هؤلاء كثيراً من هذا الضرب).
ثم قال: (وهؤلاء وأمثالهم صلاتهم ونسكهم لغير الله رب العالمين، فليسوا على ملة إبراهيم إمام الحنفاء، وليسوا من عمار مساجد2الله الذين قال الله فيهم: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّه﴾3[فعمار مساجد الله لا يخشون إلا الله]4، وعمار مساجد المقابر يخشون غير الله، ويرجون غير الله.
وآخرون قد جعلوا الميت بمنزلة الإله، والشيخ الحي المتعلق به كالنبي، فمن الميت يطلب قضاء5الحاجات، وتفريج الكربات، وأما الحي فالحلال
ما أحله، والحرام ما حرمه، وكانوا في أنفسهم/ قد عزلوا الله عن أن يتخذوه إلهاً، وعزلوا نبيه محمد صلى الله عليه وسلم عن أن يتخذه رسولاً.
وقد يجيء الحديث العهد بالإسلام، أو التابع لهم الحسنُ الظنِّ بهم، أو غيره1يطلب من الشيخ الميت إما2دفع ظلم ملك يريد أن يظلمه، أو غير ذلك، فيدخل ذلك السادن فيقول: قد قلت للشيخ، والشيخ يقول للنبي، والنبي يقول لله، والله قد بعث رسولاً للسلطان3فلان، فهل هذا إلا دين المشركين والنصارى؟ وفيه من الكذب والجهل ما لا يستجيزه كل مشرك ونصراني، ولا يروج عليه.
ويأكلون من النذور وما يؤتى به إلى قبورهم ما يدخلون به في معنى قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيراً مِنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّه﴾4والله تعالى لم يذكر في كتابه المشاهد، بل ذكر المساجد، قال تعالى: ﴿قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّين﴾5، قال تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ شَاهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ﴾ إلى قوله: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِين﴾.6
لم1يذكر بيوت الشرك؛ كبيوت الأصنام والمشاهد، ولا ذكر بيوت النار، ولا ذكر بيوت الصائبة المشركين، كالذي يسمونه هيكل العلة الأولى، هيكل العقل، هيكل النفس، (2 هيكل زحل2)2، هيكل المشترى، هيكل المريخ، هيكل الشمس، هيكل عطارد، هيكل الزهرة، هيكل القمر، فإن هذه البيوت ليس في أهلها مؤمن، ولم يكن في أهلها عبادة أمر الله بها، وفي الصحيح عنه صلى الله عليه وسلم: أنه لم ذكر له كنيسة بأرض الحبشة، وذكر حسنها، وتصاوير فيها3، فقال: "أولئك4إذا مات فيهم الرجل الصالح بنوا على قبره مسجداً، وصوروا5فيه تلك الصور، أولئك شرار الخلق عند الله يوم القيامة".6
وفي الصحيح عن أبي الهيَّاج الأسدي قال: قال لي7علي بن أبي طالب رضي الله عنه: "ألا أبعثك8على ما بعثني عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ أمرني أن لا أدع قبراً مشرفاً إلا سويته9، ولا تمثالاً إلا طمسته".10
إلى أن قال1: (الوجه الرابع أن يقال: الغلاة المشركون هم في الحقيقة بخسوا الرسل ما يستحقونه من التعظيم؛ دون الأمة الوسط أهل التوحيد، المتبعين لشريعة/الرسل.
وبيان ذلك بأمور: منها أنهم يقولون: إن النصارى يعظمون المسيح، وكذلك الغالية في علي، أو الأئمة2أو الشيوخ أو غيرهم، وهم في الحقيقة متنقصون لهم، فإن المسيح عليه السلام أمرهم بعبادة الله وحده لا شريك له، وأخبرهم أنه عبد الله؛ فهم إذا اتبعوه كان له من الأجر مثل أجورهم؛ من غير أن ينقص من أجورهم شيء، كما في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "من دعا إلى هدى كان له3من الأجر مثل أجور من تبعه، من غير أن ينقص4من أجورهم شيء"5وإذا غلوا فيه، واتخذوه ربّاً انقطع6العمل الصالح الذي كان يحصل بالتوحيد والطاعة، وحصل لهم مع ذلك عذاب أليم.
وأما أهل الاستقامة1، فهم إذا وحدوا الله وعبدوه2، كما شرعته لهم3الرسل، وأطاعوهم صاروا أولياء الله مستحقين لثوابه، وحصل للرسول الذي دعاهم مثل أجورهم، وكان في هذا من التعظيم للرسول4ما ليس في طريق الغلاة.
الثاني: أن الغلاة يحرمون ثواب الدعاء لمن كانوا يعبدونه من الأنبياء والصالحين، فيشغلهم عن الدعاء لهم، فيحرمون ثواب ذلك.
الثالث: أن أهل5التوحيد والسنة يصدقون الرسل فيما أخبروا، ويطيعونهم فيما أمروا، ويحفظون ما قالوا، ويفهمونه ويعملون به، وينفون عنه تحريف الغالين وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين، ويجاهدون من خالفهم، تقرباً إلى الله، وطلباً للجزاء من الله لا منهم، وأهل الجهل والغلو لا يميزون بين ما أمروا به ونهوا عنه، ولا بين ما صح عنهم، ولا ما كذب عليهم6، ولا يفهمون حقيقة مرادهم، ولا يتحرون طاعتهم بل هم جهال لما أتوا به، معظمون لأغراضهم، فالسدنة الذين هم7عند القبور ونحوهم: غرضهم تعظيم أنفسهم عند الناس؛ وأخذ أموالهم بهم، فأي الفريقين أشد تعظيماً؟ أولئك أو هؤلاء؟
حتى إن بعض أصحابنا لما بلغه أني أنهي1عن ذلك صار عنده شبهة، قال لبعض أصحابنا شراً: أنا2جربت إجابة الدعاء عند قبر3بالقرافة، فقال له ذلك الرجل: أنا أذهب معك إليه، لأعرف قبر من هو، فذهبنا إليه فوجدا مكتوباً عليه: / عبد علي، فعلموا أنه إما رافضي، وإما إسماعيلي، وكان بالبلد جماعة كثيرون يظنون في العبيديين أنهم أولياء الله صالحون.
وكم من مشهد يعظمه الناس وهو كذب، بل يقال أنه قبر كافر، كالمشهد الذي بسفح جبل لبنان، فإن أهل المعرفة يقولون إنه قبر بعض العمالقة، وكذلك4مشهد الحسين في القاهرة، وقبر أبي بن كعب بدمشق، اتفق العلماء أنه كذب.
وكثير من المشاهد عندها5شياطين تضل بسببها من تضل، ومنهم من يرى في المنام شخصاً يظن أنه المقبور، ويكون ذلك شيطاناً تصور بصورته، أو بغير صورته، كالشياطين الذين [يكونون6بالأصنام، وكالشياطين الذين]7، يتمثلون لمن يستغيث بالأصنام والموتى والغائبين).
وذكر –رحمه الله تعالى-من هذا الضرب-إلى أن قال: (والمقصود أن هؤلاء بهم الأمر أن يسووا بين الأنبياء والكفار،
ويطلبون من هذا ما يطلبون من هذا، فأي الفريقين أشد تعظيماً للأنبياء1، هؤلاء [أو]2من يوجب تعظيمهم باتباع شريعتهم، ويفرق بين الحق الذي جاؤا به وبين غيره، ولا ينزل أحداً منزلتهم، ولا يشبه بهم من ليس منهم، ولا يبتدع في الدين ما لم يأذن به الله، فإن المبتدع من شرع ديناً لم يأذن به الله؛ لا من أمر بما أمر الله به ونهى عن ما نهى الله عنه.
ومن أعظم المبتدعين من جوز أن يستغاث بالمخلوق الحي والميت في كل ما يستغاث فيه الله عز وجل، بل [من]3جوز أن يسأل الميت، ويدعى على أي وجه كان، بل من حمل ألفاظ الاستغاثة بالنبي صلى الله عليه وسلم على التوسل، وجعل توسل الصحابة به4هو توسلهم بذاته، أو الأقسام به على الله تعالى.
ومن أعظم المبتدعين من جعل التوحيد كفراً والشرك إيماناً، وكفر من هو5أحق بالإيمان من طائفته، ونفى الكفر عن طائفته الذين هم أحق بالكفر ممن كفروه).
/إلى أن قال: (الثالث: أن قول المجيب؛ ليس هو قوله وحده، بل هو قول جميع أئمة الدين، وعلماء المسلمين، فليس في6علماء المسلمين من يقول: إنه يستغاث بمخلوق في كل ما يستغاث الله به، ولا من يقول إن الميت يستغاث
به، وما علمت إلى ساعتي هذه أحداً من علماء المسلمين الذين يستحقون الإفتاء نازع في هذا، وأما الشيوخ الذين يسألون الميت فهؤلاء ليس فيهم أحد ممن يرجع المسلمون إلى فتياه، فلهذا قال بعض السلف: لا تنظر إلى عمل الفقيه، ولكن اسأله يصدقك).
ثم قال رحمه الله تعالى1: (فإذا قيل لا يعبد إلا الله، لا الأنبياء ولا غيرهم، ونحو ذلك، كان ذلك2تعظيماً للرسول صلى الله عليه وسلم، وتبيينا3أنه لا أحد أرفع منه من الخلق، وخصائص الرب عز وجل منتفية عنه؛ فعن غيره بطريق الأولى، كقوله تعالى: ﴿وَلا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَاباً أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُون﴾.4
وقوله تعالى5: ﴿لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْداً لِلَّه﴾.6
وقوله: ﴿مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُل﴾7فإن الحاجة داعية إلى ذكر8المسيح، لوقوع النزاع9فيه.
فلو1تنازع اثنان: هل يخص النبي (2صلى الله عليه وسلم2)2بالحلف3به دون سائر الأنبياء؟ فقال أحدهما4: لا يحلف به؛ لم يكن هذا تنقصاً، بل هذا قول الجمهور، وهو الصواب.
وكذلك إذا تنازع اثنان، [هل يخص]5الاستغاثة به، أو بالإقسام على الله به بعد موته، فقال أحدهما: لا يستغاث، ولا يقسم به، فليس هذا6من خصائصه، لكان من هذا الباب.
قال أبو يزيد7: استغاثة المخلوق بالمخلوق، كاستغاثة الغريق بالغريق، (8 وما قاله أبو يزيد رحمه الله تعالى8)8تلقاه الناس بالقبول، وقاله بعده أبو عبد الله القرشي، قال: استغاثة المخلوق بالمخلوق، كاستغاثة المسجون بالمسجون، وهذا كقول النبي صلى الله عليه وسلم لابن عباس: "إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله"9، وقوله لطائفة من أصحابه10: "لا تسألوا الناس
شيئاً"1ومنه قوله تعالى: ﴿وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَب﴾2، / ومنه قول3النبي صلى الله عليه وسلم في وصف السبعين ألفاً: "هم الذين لا يسترقون ولا يكتوون ولا يتطيرون"4، فالاسترقاء طلب الرقية من المخلوق.
وقد تقدم أن دعواه أن الميت هو عين المنفي في كلام الله ورسوله خطأ، بل ما نفاه الرب عن غيره لم يثبته له، والمنفي عن المخلوق ما اختص الرب به.
والمقصود أن كثيراً من الضالين الجاهلين، يستغيثون بمن يحسنون به الظن من الأموات والغائبين، في كل ما يستغاث الله فيه، ولا يتصور أن هؤلاء يسألونهم مطالبهم كلها5، ولا أكثرها6، بل غاية ما يطلبونه منهم من جنس تحصيل المنافع ودفع المضار لا يحصل، بل قد يحصل بعض المطالب، كما يحصل لعباد الأصنام، والكواكب، وغيرهم من المشركين، ويكون [ما]7يخبرون به ويفعلونه شبهة للمشركين، كما أن ما يخبر به الكاهن ونحوه، فإنه يصدق في واحدة ويكذب في مائة.
فهذا القول الذي يقوله هذا هو1مطابق لأحوال هؤلاء المشركين الضالين، وهذا ليس يقوله مسلم، ولا عاقل يتصور ما يقول، بل هو من جنس قول النصارى: دعاء المسيح دعاء الله2؛ لكن أولئك يقولون باعتبار الحلول والاتحاد، وأما بدون هذا فهو كلام غير معقول، فإن الله تعالى أمر أن يدعى هو ويسأل هو، ولم يجعل دعاء أحد المخلوقين دعاء له؛ بل قد نهى الله عن دعائه، ولو كان هذا حقاً لكان من دعى3الملائكة والأنبياء دعى4الله5، فلا يكون شركاً) قلت: فيلزم على6هذا أن من سجد للشمس يكون ساجداً لله، ويلزم على هذا أيضاً أن كل مشرك بعبادة غير الله عابداً لله، واللازم باطل، فيبطل الملزوم.7
(والله قد جعلهم مشركين، قال تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلا تَحْوِيلاً.
أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ﴾8الآية.
فإن هؤلاء الضالين جعلوا الصالحين مع الله سبحانه كالوكيل مع موكله، فإذا طلب من الوكيل الدعاء1كانت المطالبة للموكل في المعنى، لكن هذا ليس من أقوال الموحدين، بل هو من أعظم شرك الملحدين، والرسول صلى الله عليه وسلم لم يضمن للخلق أن يرزقهم، ويحاسبهم، ولا يجيب2/ دعاءهم، بل أخبر أن3هذا كله لله وحده.
قال تعالى: ﴿فَإِنَّمَا4عَلَيْكَ الْبَلاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَاب﴾.5
وقال تعالى6: ﴿قُلْ لا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَي﴾.7
وقال تعالى: ﴿قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلا ضَرّاً8إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾.9
وقال تعالى10: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَا آتَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إِنَّا إِلَى اللَّهِ رَاغِبُون﴾.11
فبين تعالى أن التحسب بالله وحده، والرغبة إلى الله وحده، وأما1الإيتاء فلله وللرسول؛ لأن الحلال ما حلله الرسول، والحرام ما حرمه الرسول، كما قال تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾.2
فالله تعالى قد جعل الرسول مبلغاً كلامه الذي هو أمره ونهيه، ووعده ووعيده، وهؤلاء يجعلون الرسل3والمشايخ يدبرون العالم، بالخلق، والرزق، وقضاء الحاجات، وتفريج الكربات، بل النصارى تقول هذا في المسيح وحده، لشبهة الاتحاد والحلول؛ ولهذا لم يقولوا هذا في إبراهيم وموسى وغيرهم من الرسل، مع أنهم في غاية الجهل في ذلك، فإن الآيات التي بعث بها موسى أعظم).
إلى أن قال رحمه الله تعالى4: (فما الدليل على جواز السؤال لله بذوات5المخلوقين مطلقاً، أو بعد6موتهم؟، ومن قال هذا من الصحابة، والتابعين لهم بإحسان؟ والصحابة إنما كانوا يتوسلون بدعائه وشفاعته؛ ولهذا توسلوا بعده بالعباس، ولو كان التوسل بذاته ممكناً بعد موته لم يعدلوا إلى العباس، والأعمى إنما توجه بدعائه وشفاعته، وكذلك الناس يوم القيامة يستغيثون به ليشفع لهم إلى الله، فهم يتوسلون بشفاعته؛ أما بمجرد الذات بعد الممات فلا
دليل عليه، ولا قاله أحد من السلف، بل المنقول عنهم يناقض ذلك، وقد نص غير واحد من العلماء أن هذا لا يجوز، وإن نقل عن بعضهم جوازه، وقد قال تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُول﴾.1
وإن أراد بقوله: لا يكون وسيلة، أي: لا يكون الإيمان به، ومحبته، وطاعته، وموالاته، واتباع سنته، والمجاهدة في دينه ونحو ذلك وسيلة إلى الله تعالى، فهذا لم ينفه أحد، ونفى الاستغاثة به2لا ينفي هذه/الوسائل.
قوله: وهذا نفي لوصف من أوصاف الكمال الثابتة له صلى الله عليه وسلم.
فيقال له: لا نسلم أن هذا النفي لشيء من صفات الكمال، [بل]3ولا نفي لشيء موجود، بل هو نفي لشيء منتف في نفس الأمر.
ويقال أيضاً: ليس كل4من نفى وصفاً من أوصاف الكمال يكون كافراً، وقد قال ابن عباس وطائفة: إنه رأى ربه، ونفى ذلك آخرون من الصحابة وغيرهم، بل نفس المعراج قال الجمهور: إنه كان ببدنه، وآخرون من السلف والخلف قالوا: إنه كان بروحه فقط، وقال أكثر المنتسبين إلى السنة: إن الأنبياء أفضل من الملائكة، وآخرون قالوا: الملائكة أو بعضهم أفضل من الأنبياء إلى غير ذلك.
وقال بعض الغلاة: إنه كان يعلم علم الله؛ ويقدر قدرته، وكفر المسلمين من قال ذلك.
وهذا باب واسع، فما زال المسلمون يتنازعون في شيء من إثبات صفات
الكمال، ولا يقول المثبت للنافي: إنك كفرت، فإن الكمال الثابت ليس محدوداً يعلمه الناس كلهم، والكمال المطلق الذي لا غاية فوقه لله تبارك وتعالى، وقد ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أن قال: "كمل من الرجال كثير"1وهؤلاء الكاملون بعضهم أكمل من بعض.
فإذا قال قائل: إذا كان الرسول الذي هو أفضل الخلق لا يضر ولا ينفع، فكيف بمن دونه؟، ونحو ذلك، فهذا مثل2قوله: لا يضر ولا ينفع3إلا الله، وهو نظير أن يقال: الرسول لا يستغاث به وإنما يستغاث بالله، والمراد به4بعد وفاته؛ كما قال تعالى: ﴿قُلْ إِنِّي لا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرّاً وَلا رَشَداً.
قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَداً.
إِلَّا بَلاغاً مِنَ اللَّهِ وَرِسَالاتِه﴾5، فأخبر أنه لا يملك من الله لا ضرهم ولا رشدهم.:وقال تعالى: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾6، وقد ثبت في الصحيحين أنه قال: "يا فاطمة بنت محمد لا أغني عنك من الله شيئاً، يا صفية عمة رسول الله لا أغني عنك من الله شيئاً"7، فهذا تخصيص له بنفي ذلك، وهو الصادق
ومن صدَّق الرسول فيما1قاله فهو مؤمن ليس بكافر.
فإذا قال قائل: الرسول (3 لا يغني عن بنته23)3، ولا عمه، ولا عمته من الله /شيئاً، فكيف بمن دونهم؟، فهذا من أحسن الكلام وأصدقه.
وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم في دبر كل صلاة يقول4: "اللهم لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد"5وكان يقول في رقيته: "أذهب البأس رب الناس، واشف أنت الشافي لا شفاء إلا شفاؤك".6
وما يظنه المشركون7، والغلاة من النصارى، وأشباههم أن الأنبياء والصالحين بعد موتهم، أو في حياتهم ينزلون المطر، ويدفعون العدو، ويشفون المرضى، ونحو ذلك من الحوادث، فهذا8معلوم البطلان، وهو شرك عظيم، كما تقدم بيانه بالأدلة والبراهين، وقد قال تعالى: ﴿وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ
تَكُنْ تَعْلَمُ﴾1، وقال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الْأِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُوراً نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا﴾2، وقال تعالى: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِين﴾3، وقال تعالى: ﴿وَوَجَدَكَ ضَالاً فَهَدَى﴾4فهذا المعنى ليس بكفر، بل هو صحيح.
(6 وقد يكون في سياق أن الله هو المختص بكمال السمع والعلم، وأن غيره لا يبلغ مبلغه5وهذا أيضاً صحيح6)6؛ ولهذا يقول المسلم لا ينفعني ولا يضرني إلا الله، ويقول: لا يعلم ما في نفسي إلا الله، ولا يسمع كلام العباد إلا الله، وأدلة هذا في القرآن كثيرة7، كقوله: ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاء﴾.8
فإذا كان هذا9يدَّعي أن ما يدل على تجريد التوحيد من هذه الألفاظ سوء عبارة في حق النبي صلى الله عليه وسلم، وأن ذلك كفر، فسوء العبارة في حق الله أعظم
كفراً، كقولهم: إنه يستغاث بالمخلوق في كل ما يستغاث فيه بالخالق1، فهذا يشعر أنه جعل المخلوق ندّاً للخالق، وما يفهم الشرك كان من سوء2العبارة، فيجب أن يكون كفراً يلزم هذا القائل، وقد قال رجل للنبي صلى الله عليه وسلم: "ما شاء الله وشئت، قال: "أجعلتني لله ندّاً، بل ما شاء الله وحده"3، وقال: "من حلف بغير الله فقد أشرك"4، ومثل هذا كثير كقوله تعالى: ﴿وَلا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنْفَعُكَ وَلا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذاً مِنَ الظَّالِمِينَ﴾5، فمن جعل الرسول6صلى الله عليه وسلم يطلب منه الناس ما يطلبونه من الله، فقد عصى الله ورسوله، وآذى الرسول، وأساء في حقه، وسلط عليه العامة على اختلاف أغراضهم: هذا يطلب منه الولد؛ وهذا يطلب [منه]7/ جارية حسنة؛ وهذا يشتكي إليه8ظهور البدع، فنزلوا المخلوق منزلة الخالق، وطلبوا منه من جلب المنافع ودفع
المضار ما لا يقدر عليه إلا الله.
فمن سلط الناس على الرسول صلى الله عليه وسلم يطلبون هذا كله منه، فهو من أعظم الناس إساءة إليه.
ثم إنه إذا كان الكلام في توحيد الرب، ونفى خصائصه عما سواه لم يجز أن يقال: هذا سوء عبارة في حق من دون الله من الأنبياء والملائكة؛ فإن المقام أجل من ذلك، وكل ما سوى الله يتلاشى عند تجريد توحيده1، والنبي صلى الله عليه وسلم كان من أعظم الناس تقريراً لهذا، كما في الصحيحين من حديث الإفك: "لما نزلت براءة عائشة من السماء أخبرها النبي صلى الله عليه وسلم بذلك، فقالت لها أمها: قومي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم.
فقالت: والله لا أقوم إليه، ولا أحمد إلا الله الذي أنزل براءتي"2، وفي رواية: "نحمد الله ولا نحمدك"3، فأقرها4النبي صلى الله عليه وسلم على هذا الكلام الذي نفت به أن يحمد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأن لا يحمد إلا الله؛ ولم
يقل أحد هذا سوء أدب عليه وسوء الأدب عليه كفر.
قال البيهقي: حدثنا أبو عبد الله1الحافظ- وساق السند إلى حبان2صاحب ابن المبارك-قلت لعبد الله بن المبارك: قول عائشة: "بحمد الله لا بحمدك، إني لأستعظم هذا القول، فقال عبد الله: ولت الحمد3أهله"، وكذلك الحديث الذي رواه الإمام أحمد عن الأسود بن سريع أن النبي صلى الله عليه وسلم أُتي بأسير فقال: "اللهم إني أتوب إليك، ولا أتوب إلى محمد"، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "عرف الحق لأهله".4
وأيما أبلغ؟ قول عائشة: "لا أحمد الرسول ولا أحمد إلا الله"، وقول5الأسير: "أتوب إلى الله لا إلى محمد"، وقول القائل: لا يستغاث بالرسول بل
بالله تعالى، أو1ما يُدْعى2الرسول وإنما يُدعى الله تعالى3، ونحو ذلك؟ وهذا الرجل لا تمييز له في أقوال الناس، وبيان حقها من باطلها، ولا له معرفة بطرق الاستدلال فلا ذاكر4لكلام منقول، ولا مبين لمعنى مقبول5، ولا أثر منقول.6
العلم شيئان: إما نقل مصدق، وإما بحث محقق، وما سوى ذلك فهذيان مسروق، وكثير من كلام هؤلاء فهو7من الهذيان، وما يوجد فيه من نقل فمنه ما لا يميز صحيحه من فاسده، وفيه ما لا ينقله على وجهه، ومنه ما لا /يضعه8في غير موضعه، ولا يحقق جنس الأدلة حتى يميز بين ما يدل وما لا يدل، ولهذا كان أصول الفقه مقصودها معرفة الأدلة الشرعية، وقد قيل إن ما يفسد الناس نصف متكلم؛ ونصف فقيه، ونصف نحوي، ونصف طبيب، هذا يفسد الأديان9، وهذا يفسد البلدان، وهذا يفسد اللسان، وهذا يفسد الأبدان، لاسيما إذا خاض هذا في المسألة التي لم يسبقه إليها عالم، ولا هي من مسائل النزاع بين العلماء، فيختار أحد القولين؛ بل يهجم على ما يخالف دين الإسلام بالضرورة.
وقد علم بالضرورة أنه لم يشرع لأمته أن يدعوا أحداً من الأموات، لا الأنبياء، ولا الصالحين ولا غيرهم، لا بلفظ1الاستغاثة، ولا بلفظ2الاستعانة ولا بغيرها، كما أنه لم يشرع لأمته السجود لميت، ولا إلى ميت ونحو ذلك، بل نعلم أنه نهى عن كل هذه الأمور، وأن ذلك من الشرك الذي حرمه الله ورسوله، لكن لغلبة الجهل، وقلة العلم بآثار الرسالة في كثير من المتأخرين لم يمكن تكفيرهم بذلك، (3 حتى يبين لهم ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم3)3ولهذا ما بينت هذه المسألة قط لم يعرف أصل الإسلام إلا تفطن، وقال: هذا أصل دين الإسلام. وكان بعض الأكابر العارفين يقول: هذا أعظم من بينته لنا، لعلمه أن هذا أصل الدين، وكان هذا وأمثاله في ناحية أخرى، يدعون الأموات ويسألونهم، ويستجيرون بهم ويتضرعون إليهم، فيدعونهم دعاء المضطر، راجين قضاء حاجاتهم بدعائه أو بالدعاء به).4
وهذا هو الشرك الأكبر الذي لا يغفره الله، وهو الظلم المذكور في قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْم﴾.5
قالوا: "يا رسول الله، وأينا لم يظلم نفسه؟ قال: إنما هو الشرك، ألم تسمعوا إلى قول العبد الصالح: إن الشرك لظلم عظيم"6وهذا الذنب العظيم الذي هو أعظم ذنب عصى الله به،
فمن فعله ولم يتب منه ارتفع الأمن والاهتداء في حقه؛ فلم يبق له أمن ولا اهتداء، وقد تظافرت نصوص الكتاب والسنة على النهي عنه، والوعيد عليه1بالنار.
وقد تقدم من الأدلة على ذلك ما يكفي ويشفي لمن أراد الله هدايته، ومن لم يجعل الله له نوراً فما له من نور.
ولنختم الجواب بآيتين عظيمتين: الأولى: قوله تعالى2: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَاباً وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئاً لا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوب مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيز﴾.3
حقيق على كل عبد أن يستمع/ لهذا المثل؛ ويتدبره حق تدبره، فإنه يقطع مواد الشرك من قبله.
وذلك أن المعبود أقل درجاته أن يقدر على إيجاد ما ينفع عابده وإعدام ما يضره، والآلهة التي يعبدها المشركون من دون الله لا4تقدر على خلق ذباب، ولو اجتمعوا5كلهم على خلقه، فكيف ما هو أكبر منه؟ ولا يقدرون
على الانتصار من الذباب إذا سلبهم شيئاً مما عليهم من طيب ونحوه، فلا هم قادرون على خلق الذباب الذي هو من أضعف الحيوان ولا على الانتصار منه، واسترجاع ما سبلهم.
فلا أعجز من هذه الآلهة، ولا أضعف منها، فكيف يستحسن عاقل عبادتها من دون الله؟ وهذا المثل من أبلغ ما أنزل الله سبحانه وتعالى1في بطلان الشرك، وتجهيل أهله، وتقبيح عقولهم؛ وأن الشيطان قد تلاعب بهم مثل2تلاعب الصبيان بالكرة.
كيف أعطوا الإلهية التي من بعض لوازم القدرة على جميع المقدورات، والإحاطة بجميع المعلومات، والغني عن جميع المخلوقات؟ وأن يعمدوا3إلى الرب في جميع الحاجات، وتفريج الكربات، وإغاثة اللهفات، وإجابة الدعوات؟ فأعطوها صوراً وتماثيل تمتنع عليها القدرة على أقل مخلوقات الإله الحق، وأذلها، وأصغرها، وأحقرها، ولو اجتمعوا على الذباب، وتعاونوا عليه لدل ذلك على عجزهم، وانتفاء آلهتهم، ثم سوى بين العابد والمعبود في الضعف والعجز، بقوله: ﴿ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوب﴾4قيل: الطالب العابد، والمطلوب المعبود، فهو عاجز متعلق بعاجز.
فمن جعل هذا إلهاً مع القوي العزيز؛ فما قدره حق قدره، ولا عرفه حق معرفته، ولا عظمه حق تعظيمه)5انتهى.
وتأمل قول الله تعالى: ﴿وَإِذَا رَأى الَّذِينَ أَشْرَكُوا شُرَكَاءَهُمْ قَالُوا رَبَّنَا هَؤُلاءِ شُرَكَاؤُنَا الَّذِينَ كُنَّا نَدْعُو مِنْ دُونِكَ فَأَلْقَوْا إِلَيْهِمُ الْقَوْلَ إِنَّكُمْ لَكَاذِبُونَ.
وَأَلْقَوْا إِلَى اللَّهِ يَوْمَئِذٍ السَّلَمَ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُون﴾1، فرجع الأمر يوم القيامة إلى أن كل معبود ينكر عبادة من عبده، ويكذبه فيما قصده.
فرحم الله هذا الشيخ فلقد أتى بما يشفي العليل، ويروي الغليل، ويهدي ببيانه وكشفه إلى سواء السبيل.