فصل1وقد بين الله تعالى في كتابه حقيقة الإسلام الذي تصلح به القلوب والأعمال. قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِيناً مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِن﴾.2 وفي "المسند" عن أبي قزعة الباهلي عن حكيم بن معاوية عن أبيه3أنه قال: والله يا رسول ما أتيتك إلا بعد ما حلفت عدد أصابعي هذه أن4لا أتيك فبالذي بعثك بالحق ما بعثك به؟ قال: "الإسلام"، قال: وما الإسلام؟ قال: "أن تسلم قلبك وتوجه وجهك إلى الله وأن تصلي الصلوات المكتوبة وتؤدي الزكاة المفروضة".5 وقال تعالى6: ﴿وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ
بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾1لا إله إلا الله، وإسلام الوجه هو إخلاص القول2والعمل لله وحده لا شريك له باطناً وظاهراً.
قال أبو جعفر بن جرير3في قوله تعالى: ﴿فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ﴾ :4(أي: انقدت لله وحده بلساني وقلبي وجميع5جوارحي، وإنما خص الوجه6؛ لأنه أكرم جوارح ابن آدم7فإذا خضع وجهه لله8فقد خضع له الذي هو دونه في الكرامة من جوارح بدنه) انتهى.
وأنت ترى هذا العراقي الجاهل يدعو الناس بشبهاته وضلالاته إلى أن يقصدوا بدعائهم واستغاثتهم عبداً من عباد الله، وذلك العبد يدعو الأمة إلى أن يخلصوا أعمالهم لله ويسلموا له قلوبهم وجوارحهم، رغبة إليه ورهبة منه ومحبة له، وهذا هو التوحيد الذي9دعت إليه الرسل ونزلت به الكتب.
ثم إن هذا الجاهل يقول: (إن هذا الطلب والسؤال الذي يصرف لغير الله، ليس بدعاء بل هو نداء).
فكابر المعقول والمنقول، وقد سمى الله تعالى السؤال والطلب دعاء في
كثير من1الآيات كما قال تعالى: ﴿ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيّا﴾ إلى قوله: ﴿وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيّاً﴾2، (5 وقال تعالى3: ﴿هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّه﴾45)5سمى النداء دعاء لأن مدلولهما واحد، من باب الترادف على معنى واحد، وهذا ظاهر جلي لمن تدبر6، وعلى كل حال فتسميته نداء لا يخرج عن كونه عبادة كما تقدم.
قال الله7تعالى: ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً﴾8فعطف النداء على الدعاء عطف مرادف، وقد تقدم أن الدعاء هو العبادة9، وفي حديث أنس الذي في السنن "الدعاء مخ العبادة"10، وقد قصر الله تعالى العبادة على نفسه، كما قال تعالى في فاتحة الكتاب:
﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِين﴾1، وفي الحديث المتفق عليه: "فإن حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً"2، فالعبادة بجميع أنواعها مادق منها وجل حق الله تعالى على عبادهن لا يصلح منها شيء لغيره كائناً من كان، فمن صرف من العبادة شيئاً لغير الله فقد جعله شريكاً لله في حقه.
وذلك ينافي التوحيد الذي دلت عليه الآيات المحكمات.
ومما3يوضح ترادف النداء والدعاء، وأنهما بمعنى واحد: ما أخبر الله تعالى عن نوح4عليه السلام بقوله تعالى5: ﴿وَنُوحاً إِذْ نَادَى مِنْ قَبْلُ فَاسْتَجَبْنَا لَه﴾6فأخلص القصد لله بندائه فاستجاب الله له، وقال في الآية
الأخرى: ﴿فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِر﴾1فسماه تعالى دعاء.2
ولا ريب أن الدعاء يجتمع فيه من أنواع العبادة ما لا يجتمع في غيره من أنواع العبادات، والنداء كذلك3، كتوجه الوجه والقلب واللسان للمدعو، تذللا له4وخضوعاً/ واستكانة ورغبة، وهذا هو العبادة؛ لأن أصل العبادة وأساسها أن يخضع غاية الخضوع والتذلل للمعبود، ولا بد مع ذلك من المحبة، وأنت ترى ما يفعله المشركون من إقبالهم على الأموات بسؤالهم ما لا قدرة لهم عليه، وتجد عندهم من الخضوع والتذلل وإسلام الوجه والقلب والجوارح لسؤال صاحب القبر ما لا يوجد مثله5في المساجد، وهذا لا يخفى على من عرف حال هؤلاء المشركين مع من كانوا6يقصدون7لإغاثة لهفاتهم وتفريج كرباتهم، فيقع منهم من الشرك بالله ما يجل عن الوصف (8 فعبدوا غير الله بالقول والاعتقاد، وأقبلوا عليه بقلوبهم وألستنهم وجوارحهم، وهذا الواقع لا يقدر أحد أن يجحده، فقد عمت به البلوى في الأمصار، وأكثر الأقطار والله أعلم8).8 وأما قول9هذا الجاهل العراقي: (وكذلك المسلمون يذكرون أن طلبتهم
من غير الله إنما هي من باب التسبب).
فالجواب: أن نسبة الطلب من غير الله إلى المسلمين من أمحل المحال، وأبطل الباطل، فإن المسلم لا يطلب من غير الله ما لا يقدر عليه1، فإن من طلب وسأل حاجته من ميت أو غائب، فقد فارق الإسلام؛ لأن الشرك ينافي الإسلام؛ لما تقدم من أن2الإسلام هو إسلام الوجه، والقلب، واللسان، والأركان لله وحده دون من3سواه.
فالمسلم (4 مخلص يخلص دعاءه لله، والمشرك يصرف جل الدعاء والعبادة أو بعضه لغير الله4).4 وقد عرفت مما تقدم أن الدعاء هو العبادة، وقد نهى سبحانه وتعالى5نبيه صلى الله عليه وسلم أن يدعو غيره، فقال: ﴿وَلا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنْفَعُكَ وَلا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذاً مِنَ الظَّالِمِينَ﴾6، وهذا خرج مخرج الخصوص وهو عام لجميع الأمة، وكذلك قوله تعالى: ﴿فَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِين﴾7، وقال تعالى: ﴿وَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ لا إِلَهَ إِلَّا هُو﴾8فظهر
من هذه الآيات1أن الدعاء تأله للمدعو، فإن المألوه هو المعبود والعابد آله2له3، ومصدره الآله4والآلهة، وقرأ5ابن عباس رضي الله عنهما: ﴿ويذرك وإلهتك﴾ بكسر الهمزة وفتح اللام قال: "لأن فرعون يُعْبد ولا يَعْبدُ".6
وفي هذه الآيات التي ذكرنا هنا وقبلُ ما يبين أن الله تعالى زجر الأمة وأبلغ في الزجر والوعيد لمن دعا معه غيره، (7 وبين أنه شرك والاستغاثة دعاء ويختص بالمضطر7).7 وقول هذا العراقي الجاهل المماحل: (أن طلبتهم من غير الله إنما هي من باب السبب).
فيقال: هذا من باب التلبيس والتمويه على الجهال، وهذا من مصائد الشيطان ووحيه، معارضة لما دلت عليه الآيات المحكمات من بيان الشرك والوعيد عليه، فإذا اعتقد المشرك أن هذا من باب التسبب فليس كل ما اعتقده [هو]8أو غيره سبباً يكون مشروعاً، يجوز فعله، وقد قال الخليل عليه السلام: ﴿إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَاناً مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضاً وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَاصِرِين﴾.9
وقال1تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّه﴾ إلى قوله ﴿وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ﴾2، قال المفسرون: "الأسباب"هي الوصل التي كانت بينهم في الدنيا، وقال تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الْأِنْسِ وَقَالَ أَوْلِيَاؤُهُمْ مِنَ الْأِنْسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنَا قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيم﴾3وما تضمنته هذه الآيات هي أسباب لأهل الإشراك يعتقدون أنها سبب في حصول مطلوبهم، ودفع مرهوبهم، فخانتهم هذه الأسباب أحوج ما كانوا إليها؛/لأنها شرك وضلال، وهي من مصائد الشيطان التي صاد بها قلوب الجهال، فمن أطاع الشيطان ندم ومن عصاه سلم، وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب.
وأعظم الأسباب النافعة الجالبة لرضى الله، المنجية من عقابه وعذابه: إخلاص العبادة لله تعالى بجميع أنواعها؛ والاستعانة على ذلك، والعمل بطاعته والتباعد عن معصيته.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية4رحمه الله تعالى: (والتوكل والاستعانة للعبد؛ لأنه هو الوسيلة؛ والطريق الذي به ينال مقصوده، ومطلوبه من العبادة؛ فالاستعانة كالدعاء والمسألة).
فإذا عرفت بصحيح المنقول، وصريح المعقول أن الدعاء عبادة، وأن مدلوله السؤال، والطلب فمن صرف من هذه العبادات شيئاً لغير الله فقد أشرك
مع الله غيره في عبادته كائناً من كان، لعموم النهي عن دعوة غير الله في القرآن كله من أوله إلى آخره، فمن ادعى أنه يصرف منه شيء لأحد سوى الله، فقد صادم الكتاب والسنة، وخالف ما اجتمعت عليه دعوة الرسل من أولهم إلى آخرهم فيما دعوا إليه أممهم بقولهم: ﴿أن اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُه﴾.1ومما يدل على أن السؤال والطلب عبادة: ما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "من لم يسأل الله يغضب عليه"2، وقال: "الدعاء سلاح المؤمن وعماد الدين
ونور السموات والأرض"1، وعماد الدين بلا ريب، لا يشك في هذا من له أدنى مسكة من عقل، والأدلة على هذا أكثر من أن تحصى.2
وأما3قول هذا العراقي: (إن أهل السنة لا يكفرون المعتزلة).
فالجواب4: أولاً أن يقال: الكلام معك في أصل الإسلام الذي هو توحيد الله تعالى بالعبادة، الذي أرسل الله تعالى5به رسله، وأنزل6كتبه في بيانه والدعوة إليه، والنهي عما ينافيه من الشرك بالله، وهو الذي أهلك الله الأمم لما لم يقبلوا ما جاءت به الرسل من هذا7التوحيد، وأبو إلا أن يجعلوا لله8شريكاً في العبادة فأهلكوا بعذاب الاستئصال، وأما هذه الأمة فمن لم يقبل التوحيد الذي بعث الله به رسوله محمد صلى الله عليه وسلم فإن دماءهم وأموالهم حلال،
وكذلك سبي نسائهم وذراريهم، فمن أنكر هذا التوحيد أو شك فيه من مشرك أو منافق كفر بإجماع المسلمين كما ذكره شيخ الإسلام –رحمه الله1- في مواضع2).2 وأما البدع التي حدثت في هذه الأمة، فإن سببها أن أهلها أخطأوا في فهم الكتاب والسنة في بعض الأصول، وصاروا هم وأهل السنة في طرفي نقيض لخفاء الأدلة عليهم، وعدم التوفيق بينها3في محل النزاع، كما جرى من الخوارج، كما قال العلامة ابن القيم –رحمه الله- تعالى فيهم.4
ولهم نصوص قصروا في فهمها... فأتوا من التقصير في العرفان وخصومنا قد كفرونا بالذي... هو غاية التوحيد والإيمان فكلامنا5مع هذا العراقي في أصل الدين الذي لا يصلح قول ولا عمل إلا به، وبضده تفسد الأقوال والأعمال.
وأما قول الجهمية والمعتزلة فهو إلحاد في أسماء الله وصفاته، فاختلفوا في القَدْر نفياً وإثباتاً (6 وجحدوا معنى الأسماء والصفات التي دلت عليه6)6، وأهل السنة كفّروا/ كل داعية إلى هذه البدع ونحوها، وقد ذكر ابن القيم- رحمه الله تعالى- قول أهل السنة فيهم فإنه قال7:
ولقد تقلد كفرهم خمسون في... عشر من العلماء في البلدان إلى أن قال: أهل العناد فأهل كفر1ظاهر... والجاهلون2فإنهم نوعان متمكنون من الهدى والعلم بـ... بالأسباب ذات السير والإمكان لكن إلى أرض الجهالة أخلدوا... واستسهلوا التقليد كالعميان لم يبذلوا المقدور في إدراكهم... للحق تهوينا بهذا الشان وهم الأولى لا شك في تفسيقهم... والكفر فيه عندنا قولان وأما قوله3: (إن أهل الكرامات حالهم في الممات كحالهم في الحياة).
فهذا يبطله ما ذكره الله تعالى بقوله: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاءُ وَلا الْأَمْوَاتُ إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُور﴾4فلم يجعلهم تعالى5سواء، بل فرق بين الأحياء والأموات، وشبه بهم ما لم ينتفع بسماع الهدى.
وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَخْلُقُونَ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ.
أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُون﴾6وليست هذه الآية في الأصنام كما يزعمه من لم يتدبر؛ لأن الأصنام لا يحلها الموت من الأخشاب، والأحجار ولا شعور لها، وقد قال تعالى: ﴿وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُون﴾7، فهذه الآية فيمن.
يموت ويبعث (1 من أهل الكرامات والمعجزات وغيرهم1)1، كما لا يخفى على من تدبرها، وتأمل قوله تعالى: ﴿وَمَا يَشْعُرُونَ [أَيَّانَ يُبْعَثُون]2﴾، وهذا إنما يستعمل فيمن يعقل، كما لا يخفى على من له معرفة باللغة العربية.3
فالحمد لله على ظهور الحجة وبيان المحجة.
وحقيقة أمر4هذا العراقي مصادمة ما في القرآن من النهي عن دعوة غير الله، والقرآن ينهى عن دعوة كل ما سوى5الله، وهذا يقول: (يجوز6أو يستحب أن يُدْعى، أو يستغاث7مع الله غيره).
(9 فليس8عنده إلا تشكيك، وتخمش، وتغيير على التوحيد، ونصرة للشرك والتنديد9).9 ولا يخفى أن جُلَّ10شرك المشركين في حق من عبدوه مع الله إنما هو بدعائه وسؤاله قضاء حاجاتهم، وتفريج كرباتهم، فإن أردت أيها الموحد-وفقك الله للتمسك بدين الإسلام- حقيقة ما اشتملت11عليه أوراق هذا
العراقي1طول ما طول، وبهرج ما بهرج، لكن2حقيقة ما فيها: الخروج عن الصراط المستقيم إلى سبيل الشيطان الرجيم، واتباع غير سبيل المرسلين3والمؤمنين، وإيماناً بالجبت والطاغوت، والجهل بالتوحيد وجحوده، والكفر به، والإيمان بالشرك بالله، ونصرته، والدعوة إليه، ومسبة أهل التوحيد، وتحريف الكلم عن مواضعه، ومصادمة أدلة الكتاب والسنة، وتقليب الحقائق بجعله الحق باطلاً والباطل حقاً، وتكثير الكذب على العلماء، ونسبتهم4إلى ما هم بريئون منه، منكرون له، وملأ أوراقه بالمخرقة5والبهرجة، والتخليط والتخبيط، والسفسطة والمغالطات، والتمويه على الجهال وغير ذلك.
وحقيقة أمرهم: أنهم شبهوا الأنبياء والصالحين بالأصنام من حيث اتخاذهم لهم شركاء لله في العبادة، وذلك غاية المسبة لهم، فعظموا الأنبياء والصالحين من حيث أهانوهم6، وفعلوا معهم من الشرك بهم ما دعوا الأمم إلى تركه، وهذا ظاهر لمن تدبر أدلة القرآن الذي أنزله الله تعالى/ نوراً وشفاءًا لما في الصدور، ولا يمكن أن يعارض بالبهرجة والمغالطات، ولا يفعل ذلك إلا من أعمى الله قلبه، وأذهب عقله، فإن العاقل من يفعل الخير، ويترك
الشر1، وهذا الرجل صار معكوس العقل، يقبل الشرك ويرضاه؛ ويترك الخير ويأباه كما هو حال الكثير من هذه الأمة وقبلها، كما قال تعالى: ﴿سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِهَا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآياتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ﴾2، وقال تعالى: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُون﴾.3
وأنت ترى هذا العراقي ينصب العداوة لكل من آمن بالله، ودعا إلى توحيده وهو عدو كل موحد ونصير4كل5ملحد، وهؤلاء هم6أعداء الرسل في كل زمان ومكان، كما قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّاً شَيَاطِينَ الْأِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوا مَا هُمْ مُقْتَرِفُون﴾7والبصير إذا نظر في أوراق هذا العراقي علم أن ما ذكره الله تعالى في هذه الآيات8لا يعدوه – بل هذه حالة وأمثاله وهم كثيرون لا كثرهم الله فكم صرفوا
ضعفاء العقول عن الإيمان، وعن أدلة القرآن1–وذلك أنه يحاول بشبهاته وترَّهاته أن يجعل الميت أو الغائب شفيعاً يسأله ويقصده، ويرغب إليه بالدعاء والاستغاثة2، والتذلل والخضوع له بما لا يصلح إلا لله تعالى3، وقد أخبر4تعالى5أن اتخاذ الشفعاء من دين المشركين، كما قال تعالى: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعَاء﴾ إلى قوله: ﴿قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعاً لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾6، والشفاعة كذلك لا يملكها غيره، ولا تحصل إلا بشروط7إذن الله للشافع رحمة8للمشفوع له، وكرامة للشافع، ولا يقع الإذن إلا في حق من رضي الله دينه وهم أهل التوحيد والإخلاص، الذين لم يتخذوا من دونه شفيعاً [والمدعو لا يشفع لمن دعاه، كما دلَّ عليه الآيات المحكمات]9، كما قال تعالى: ﴿وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلا شَفِيعٌ﴾10
فسبحان الله أين ذهب عقول هؤلاء الغلاة المشركين عن هذه الآيات المحكمات البينات؟ وقد أخبر تعالى1أن اتخاذ الشفعاء هو دين أهل الشرك بالله من عبدة الأوثان، كما قال تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّه﴾ إلى قوله: ﴿سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُون﴾2فأخبر أنه شرك ونزه نفسه عنه، وأخبر أن قولهم: ﴿هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّه﴾3يمنع حصول/ الشفاعة لهم بطلبها من غير من يملكها، وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾4فأخبر تعالى أنهم تولوهم من دون الله بالعبادة؛ وأنهم إنما أرادوا بذلك أن يقربوهم5إلى الله بشفاعتهم لهمن فأخبر تعالى أن هذا هو الكفر بالله، بقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّار﴾6و "كفار" صيغة مبالغة أبلغ من كافر.
وهذا الذي ذكره الله تعالى7عن المشركين هو الواقع من كثير من هذه الأمة في حق أرباب القبور، جهلاً منهم بحقيقة الشرك؛ حتى إن ذلك قد وقع من كثير ممن ينتسب إلى العلم، وذلك ينافي الإخلاص في العبادة الذي هو
دينه الذي بعث الله1به رسله وأنزل به كتبه، كما قال تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّين أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِص﴾2فالإخلاص هو دينه الذي لا يقبل ديناً سواه.
وهو الذي أمر الله به نبيه صلى الله عليه وسلم كما قال تعالى: ﴿قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّين﴾3والدين هو العبادة، لا اختلاف4بين علماء التفسير وغيرهم في ذلك، وقال تعالى: ﴿هُوَ الْحَيُّ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّين، الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾5، وقال تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاء﴾6، والآيات في هذا المعنى كثيرة جدّاً، كقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِين﴾.7
وقد تقرر في كلام العلماء، بل8في الآيات والأحاديث أن الدعاء صلاة، وهو كذلك لغة وعرفاً، والصلاة الشرعية قد اشتملت على نوعي الدعاء؛ دعاء المسألة ودعاء العبادة، وقد تقدم في كلام شيخ الإسلام وابن القيم –رحمهما9الله تعالى-إن دعاء المسألة يتضمن دعاء العبادة، ودعاء العبادة يستلزم دعاء
المسألة، وقد اشتملت الصلاة الشرعية على النوعين فلا تصح إلا بهما، وكلاهما عبادة لا يصلح منها شيء لغير الله، فلا يجوز أن يدعى غير الله، كما لا يجوز أن يتقرب بالنسك إلى غيره فمن صرف من ذلك شيئاً لغير الله فقد خرج من دين الله الذي شرعه وأمر به، وبلغه عنه رسوله1صلى الله عليه وسلم؛ وجاهد من تركه، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم لابن عباس: "وإذا سألت فاسأل الله وإذا استعنت فاستعن بالله"2، فلو كان سؤال غير الله جائزاً لما قصر ابن عمه عبد الله بن عباس على سؤال الله وحده دون غيره، بل أمره بتوحيد السؤال والاستعانة،
وقصر ذلك على الله، وذلك في فاتحة الكتاب: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِين﴾1، أي: إياك نعبد لا غيرك، وإياك نستعين لا بغيرك، ولا يخفى أن تقديم المعمول يفيد الحصر، فاشتملت هاتان الكلمتان على نوعي التوحيد؛ توحيد الإلهية، وهو الغاية وهو فعل العبد ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِين﴾ هو الوسيلة والمعين هو الله وحده.
فالاستعانة بغيره فيما لا يقدر عليه إلا الله شرك في الإلهية والربوبية، وقوله: ﴿وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، لا شَرِيكَ لَهُ﴾2، أي: في ذلك كله.
قال العماد ابن كثير في تفسيره3: (أي قصدي ونيتي وعزمي).
قلت: فتناول هذه الآية أعمال العبد باطنها وظاهرها، وإن ذلك كله لله وحده لا يستحق غيره منه4قليلاً ولا كثيراً.
قال الله5تعالى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً رَجُلاً فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلاً سَلَماً لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلاً الْحَمْدُ لِلَّه﴾.6
قال العماد ابن كثير7–رحمه الله – في تفسيره: ﴿مُتَشَاكِسُونَ﴾، أي: متنازعون8في ذلك العبد المشترك بينهم، ﴿وَرَجُلاً سَلَماً9لِرَجُلٍ﴾ خالصاً
لرجل لا يملكه أحد غيره، ﴿هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلاً﴾ أي: لا يستوي هذا وهذا؛ /كذلك لا يستوي المشرك الذي يعبد آلهة مع الله والمؤمن المخلص الذي لا يعبد إلا الله وحده لا شريك له، فأين هذا من هذا؟ قال ابن عباس ومجاهد وغير واحد: (هذه الآية ضربت مثلاً للمشركين والمخلصين1، ولما كان هذا المثل ظاهراً بيناً جلياً قال: ﴿الْحَمْدُ لِلَّه﴾، أي: على إقامة الحجة عليهم ﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُون﴾ أي: فلهذا يشركون بالله).