فصل1وقد أنكر الله تعالى2في محكم كتابه على من دعا الأنبياء والصالحين والملائكة. فقال تعالى3: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلا تَحْوِيلاً، أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورا﴾.4 نزلت هذه الآيات فيمن يدعو المسيح وأمه والعزير والملائكة، وأئمة التفسير5ذكروا ذلك في معنى هذه الآية الكريمة. فانظر إلى هذا التهديد والوعيد في حق من دعا الملائكة والأنبياء والصالحين؛ وأخبر تعالى أنهم لا يملكون كشف الضر عمن دعاهم، ولاتحويله، وأخبر تعالى أن أولئك الذين يدعونهم من الأنبياء والصالحين يبتغونإلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب، وأعظم الوسائل (6 التي تقرب إلى الله6)6إخلاص العبادة لله تعالى، وتجريد التوحيد، ومخالفة ما كان يفعله المشركون من دعوةغير الله.
ومما يتوسل به إلى الله تعالى ذكر1أسماؤه وصفاته، كما قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾2، وقد علم النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه3أن يتوسلوا إلى الله في دعائهم بحمده والإخلاص له، كما في الحديث الصحيح: "اللهم إني أسألك بأن لك الحمد لا إله إلا أنت المنان بديع السموات والأرض يا ذا الجلال والإكرام"4، وحديث "اللهم إني أسألك بأني أشهد5أنك أنت الله لا إله إلا أنت الأحد والصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد"6
وأمثال هذا في الأحاديث كثير.
وأما ما ادعاه المنحرفون عن الإيمان م أن الوسيلة هي1التوسل إلى الله تعالى بذوات2الأنبياء والصالحين، فهذا باطل يناقض ما ذكره الله تعالى في أول الآية: من تهديد من دعاهم، وإنكاره عليهم دعوتهم، وقد تقدم ما يدل على3أن هذا الدعاء4هو بعينه دين المشركين والمتخذين الشفعاء يسألونهم أن يشفعوا لهم عند الله، ويقربوهم إليه زلفى، والقرآن كله من أوله إلى آخره يبطل هذه الوسيلة ويبين أنها شرك وكفر، كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ لا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكَافِرُون﴾5، وقوله: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَة﴾6الآية7، وقوله: ﴿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِير﴾ إلى قوله: ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُم﴾.8
فتظاهرت الآيات والأحاديث على أن هذه الوسيلة التي يدعيها أولئك الضلال؛ من التعلق بالأموات والغائبين برغبة أو رهبة1أن هذا هو2الشرك الأكبر الذي لا يغفره الله تعالى3، كما تقدم ذلك صريحاً في كلام العلماء، والاستدلال على ذلك بهذه الآيات ونظائرها.
وهؤلاء الجهلة4الضلال قلبوا الحقائق، ودعوا الخلق إلى أن يجعلوا لله أنداداً يصرفون لهم من العبادة ما لا يستحقه إلا الله تعالى، فخالفوا الرسل والكتب، فأنكروا5[التوحيد]6الذي تضمنته دعوة الرسل والكتب، ودلت عليه كلمة الإخلاص لا إله إلا الله7، وأجازوا الشرك الذي هو أعظم المنكرات، واتفقت الرسل/ والكتب على إنكاره والنهي عنه، والتحذير منه ومن عقوباته، وهذا بين واضح لمن ألهمه الله رشده، ووقاه شر نفسه، وأحياالله قلبه.
وليس عند هذا العراقي –وأمثاله من المشركين8– ما يدفع حجج الله وبيّناته، حاش وكلا.
وغاية ما يستدل به: إما حديث مختلق مفترى، والأحاديث لا يقبل منها
إلا ما رواه العلماء من أهل الحديث بالأسانيد المتصلة وليس فيها من يتهم بالكذب، [أو النسيان]1، أو غير ذلك من العلل التي ذكرها المحدثون.
(2 وعلى كل حال فالحديث لا يخالف ما صرح به القرآن من النهي عن الشرك قليله وكثيره، وهو الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد 2).2 وقد صنف بعضهم في الموضوعات، وأفردها بالتصنيف؛ لئلا يغتر بها جاهل، ومما بهرج به ما ينسبه إلى بعض العلماء، وهو إما أن يكون كذباً عليهم، أو أنه أخطأ والخطأ جائز عليه3؛ ولهذا ورد في كلام بعض الصحابة التحذير من زلة الحكيم، (6 وفي الحديث "إنما أخاف على أمتي الأئمة المضلين4، وهذا يدل على أنه قد يوجد في الأمة من هو كذلك، بل قد وجد في كلام كثير جهلاً منهم، وقال ابن عباس رضي الله عنهما 6)56كلٌّ يؤخذ من قوله ويترك إلا الرسول صلى الله عليه وسلمن فإن الله تعالى عصمه وأخبر أنه لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى، وأيضاً فكل هذه الحكايات منقطعة لا يجوز الاحتجاج
بها، ولو لم تعارض نصوص الكتاب والسنة، فكيف إذا عارضت أصل1الإسلام الذي أكمله الله تعالى في كتابه، وعلى لسان رسوله صلى الله عليه وسلم؟ فلا تجد حكاية من الحكايات إلا وهي منقطعة، والناقل مجهول الحال أو متهم بالكذب2، وبكل وجه اعتبرته يفسد به الاستدلال.
فلا يروج ما لبس به هذا العراقي إلا على جاهل لا بصيرة له في معرفة الحق من الباطل.
ولا خلاف بين العلماء –رحمهم الله تعالى- أن أدلة الشرع المتفق عليها ثلاثة: آية محكمة، أو حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم يرويه العلماء بالأسانيد المتصلة، ويحتجون به على محل النزاع، والثالث: الإجماع، وهو إجماع الصحابة والتابعين وأئمة المسلمين من المجتهدين.
وأما القياس: ففي الاستدلال به نزاع بين العلماء، ومن قال منهم: إنه دليل، فلقبوله شروط مذكورة في كتب العلماء من الأصوليين وغيرهم (3 فإن خالف نصاً، أو ظاهراً فسد اعتباره بالإجماع 3)3، فإذا كانت هذه الحكايات التي يذكرها هذا العراقي لا يدل عليها نص كتاب ولا سنة ولا قياس، ولا أجمع عليها من يعتد بإجماعه ممن ذكرنا، ومع هذا فقد صادمت الأدلة كلها، فإذا كان الأمر كذلك –كما لا يخفى – علم يقيناً أنها من وحي الشياطين4، وتلبيس الجاهلين المنحرفين عن الحق المبين.
وقد ذكر شيخ الإسلام –رحمه الله تعالى- حكايات ذكر أنه1اغتر2بها عباد القبور، وأجاب عن ذلك بم يكفي ويشفي، وسنذكر إن شاء الله3تعالى في هذا الجواب بعض ذلك.
وقال العلامة ابن القيم4–رحمه الله تعالى-: (والمقصود أن الشيطان بلطف كيده يحسن الدعاء عند القبور، وأنه أرجح منه في المسجد، ثم يدعوه إلى درجة أخرى من الدعاء عنده إلى الدعاء به والإقسام به على الله تعالىن ثم ينقله إلى دعاء الميت نفسه من دون الله، ثم ينقله إلى أن يتخذ قبره معتكفاً، / ويوقد عليه القناديل، ويضع عليه الستور، ويعبده بالسجود له والطواف، والتقبيل والاستلام، والحج إليه، والذبح له5، ثم ينقله إلى دعاء الناس إلى عبادته، واتخاذه معبوداً، ثم إلى الإنكار على من أنكر شيئاً من هذه المفاسد، والحكم عليه بالضلال البعيد.
وأعظم الفتنة بالأنصاب فتنة أصحاب القبور، وهي أصل فتنة عباد الأصنام، كما ذكره السلف من الصحابة والتابعين.
فمن أعظم كيد الشيطان: أنه ينصب لأهل الشرك قبراً معظماً معبوداً، ثم يوحي إلى أوليائه أن من نهى عن عبادته واتخاذه وثناً فقد تنقصه وهضمه، فيسعى الجاهلون والمشركون في قتله وعقوبته ويكفرونه، وما ذنبه إلا أنه يأمر
بما أمر الله به ورسوله من توحيده، وينهى الله عنه ورسوله من اتخاذ القبور أوثاناً وأعياداً وإيقاد السرج عليها وبناء القباب، وغير ذلك مما تقدمت الإشارة إليه من فنون الشرك الذي كان يفعله المشركون مع أرباب القبور.
فقد علم بالاضطرار من دين الإسلام أنه مضاد لما بعث الله به رسله من تجريد التوحيد، فإذا نهى الموحد عن الشرك بالأموات [والغائبين]1إشمأزت قلوبهم؛ وقالوا: قد تنقص أهل الرتب العالية؛ وزعم أنهم لا حرمة لهم ولا قدر، ويسري2ذلك في نفوس الجهال والطغام وكثير ممن ينتسب إلى العلم والدين، حتى عادوا أهل التوحيد ورموهم بالعظائم؛ ونفروا الناس عنهم ووالوا أهل الشرك وعظموهم وزعموا أنهم أولياء الله وأنصار دينه ويأبى الله ورسوله ذلك، وما كانوا أولياؤه إن أولياؤه إلا المتقون3الداعون إلى توحيده على بصيرة، لا لابسوا ثياب الزور الذين يصدون الناس4عن سبيل الله، ويبغونها عوجا، وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا.
ولا تحسب أيها المنعم عليه باتباع صراط المستقيم أن النهي عن اتخاذ القبور مساجد وأعياداً5، وإيقاد السرج عليها، والسفر إليها ودعائها، والنذر لها واستلامها وتقبيلها، وتعفير الوجوه في عرصاتها ونحو ذلك: غضّمن قدر أصحابها، كما يحسبه أهل الإشراك والضلال، بل ذلك من إكرامهم
ومتابعتهم فيما يحبونه، وتجنب ما يكرهونه، بل أنت والله وليهم ومحبهم، وناصر طريقتهم وسنتهم، وعلى هديهم ومنهاجهم، وهؤلاء المشركون من أعصى الناس لهم، وأبعدهم من هديهم، كالنصارى مع المسيح والروافض مع علي، فأهل الحق أولى بأهل الحق من أهل الباطل، والمؤمنون والمؤمنات بعضهم ألياء بعض، والمنافقون والمنافقات بعضهم من بعض.
فاعلم أن القلوب إذا اشتغلت بالبدع أعرضت عن السنن، فتجد أكثر هؤلاء العاكفين على القبور معرضين عن طريقة من فيها وسنته، مشتغلين بقبره عما دعا إليه وأمره به.
فتعظيم الأنبياء والصالحين ومحبتهم إنما هي باتباع ما دعوا إليه من العلم النافع، والعمل/ الصالح، واقتفاء آثارهم وسلوك طريقهم، دون عبادة قبورهم والعكوف عليها، وقد أرسلوا إلى أممهم بالنهي عن ذلك، فنهوا عنه أشد النهي، فكيف يتقرب إليهم بما قد حرموه ونهوا عنه، ونصبوا العداوة لمن فعلهن وتبرأوا منه؟ وإنما اشتغل كثير من الناس بكثير من أنواع العبادة المبتدعة التي حرمها الله ورسوله لإعراضهم عن المشروع؛ وإن قاموا بالصورة الظاهرة، فقد حرموا المقصود منه، ومن أصغى إلى كلام الله ورسوله بقلبه وتدبره1بكليته، وحدّث2نفسه باقتباس الهدى والعلم منه، أغناه عن البدع، والآراء، والتخرصات، والشطحات، والخيالات، التي هي وساوس النفوس وتخيلاتها)
انتهى (2كلام العلامة –رحمه الله1–وهو يحكي ما وقع في هذه الأمة من الشرك العظيم كما لا يخفى على ذوي البصاير2).2 ومما يقرر ما قدمناه –من أن مدلول الدعاء هو السؤال والطلب رغبة أو رهبة3أو مجموعهما –ما ذكره البخاري رحمه الله تعالى وغيره من المحدثين والمفسرين فإنه قال في صحيحه: كتاب الدعوات، باب4قول الله تعالى: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِين﴾5ولكل6نبي دعوة مستجابة.
حدثنا إسماعيل قال: حدثني مالك عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة رضي الله عنه7أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لكل نبي دعوة8بها، وأريد أن أختبأ دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة"9زاد مسلم" وهي10نائلة إن شاء الله تعالى من مات من أمتي لا يشرك بالله شيئاً"11وذكر –رحمه الله-12
أحاديث في هذا المعنى كغيره من المحدثين والمصنفين في الأذكار والدعوات؛ مما لا يقدر مبطل على دفعه ومنعه، وبالله التوفيق وهو حسبنا ونعم الوكيل.