كشف ما ألقاه إبليس من البهرج والتلبيس على قلب داود بن جرجيسصفحات 240-267
أهل الأثرالأرشيف العلمي

إليه، وسؤاله ما يناسب هذا المطلوب، ولكن هذا يناقض ما دعا إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم من التوحيد، وتجريده مناقضة ظاهرة، ولا ينبغي الاقتصار على ذلك بأنه بدعة، بل فتح لباب الشرك، وتوسل1بأقرب وسيلة إلى الشرك".
قلت: ولا ريب أن هذا الذي ذكره هذا الإمام مطابق لحال داود، فإنه قلب الحقائق، وفتح باب الشرك والأكبر.
ثم قال الحافظ-رحمه الله -2: (وهذا أصل عبادة الأصنام كما قال ابن عباس –رضي الله عنهما – في قوله تعالى3: ﴿وَقَالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلا تَذَرُنَّ وَدّاً وَلا سُوَاعاً4وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْراً﴾5قال هؤلاء كانوا قوماً صالحين في قوم نوح؛ فلما ماتوا عكفوا على قبورهم ثم صوروا تماثيلهم، فلما طال عليهم الأمد عبدوهم6، فهؤلاء لما قصدوا الانتفاع بالموتى قادهم ذلك إلى عبادة الأصنام.
يوضحه: أن الذين تكلموا في زيارة الموتى من أهل الشرك صرحوا بأن القصد انتفاع الزائر بالمزور، وقالوا: من /تمام الزيارة أن يعلق همته وروحه بالميت وقبره، فإذا فاض على روح7الميت من العلويات الأنوار فاض منها على روح الزائر بواسطة ذلك التعلق والتوجه إلى الميت، كما ينعكس النور

على الجسم المقابل للجسم الشفاف1، بواسطة مقابلته-وهذا من زخرف ابن سينا لعنه الله، فما أعظم هذا من فرية وضلال وإلحاد ومحال –وهذا المعنى بعينه ذكره عباد الأصنام في زيارة القبور، وتلقاه عنهم من تلقاه ممن لم يحط علماً بالشرك وأسبابه ووسائله.
ومن هنا يظهر نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن تعظيم القبور، واتخاذ المساجد عليها، ولعنه فاعل ذلك، وإخباره بشدة غضب الله2، ونهيه عن الصلاة إليها، ونهيه عن اتخاذ قبره عيداً، وسؤاله ربه أن لا يجعل قبره وثناً يعبد، فهذا نهيه عن تعظيم القبور، وذلك تعليمه وإرشاده3للزائر أن يقصد نفع الميت والدعاء له والإحسان إليه، لا الدعاء به ولا الدعاء عنده) انتهى كلامه رحمه الله تعالى.
وهذا الذي ذكره عن المشركين هو قول ابن سينا تلقاه عنه4من تلقاه، وكلام العلماء في ذلك أكثر مما ذكرنا عن بعضهم بأضعاف.
وما ذكرنا هنا ففيه5ما يكفي المستفيد الذي قصده تمييز الحق من الباطل، وأما من قصده الشقاق والعناد فلا حيلة فيه.
واعلم أن هذا المعترض لو نوقش على جميع ما يقع في كلامه من الدعاوي والخلل لطال الجواب، ولكن التنبيه على بعض ذلك كاف لمن له أدنى فهم، أو عنده أدنى علم.

قال العلامة ابن القيم1رحمه الله تعالى2في "الكافية الشافية في الانتصار للفرقة الناجية"3: يا من له عقل ونور قد غدا... يمشي به في الناس كل زمان لكننا قلنا مقالة صارخ... في كل وقت بينكم بأذان الرب رب، والرسول فعبده... حقا.
وليس لنا إله ثان4فلذاك لم نعبده مثل عبادة الر... حمن، فعل المشرك النصراني كلا ولم نغلُ الغلو كما نهى... عنه الرسول مخافة الكفران لله حق لا يكون لغيره... ولعبده حق، هما حقان لا تجعلوا الحقين حقاً واحداً... من غير تمييز ولا فرقان /فالحج للرحمن دون رسوله... وكذا الصلاة وذبح ذا القربان وكذا، السجود، ونذرنا، ويميننا... وكذا متاب العبد من عصيان5وكذا التوكل والإنابة والتقى... وكذا الرجاء، وخشية الرحمن وكذا العبادة واستغاثتنا به... إياك نعبد، ذان توحيدان وعليهما قام الوجود بأسره... دنيا وأخرى حبذا الركنان وكذلك6التسبيح والتكبير والتـ... ـهليل حق إلهنا الديان لكنما التعزير والتوقير... حق للرسول بمقتضى القرآن

والحب والتصديق والإيمان لا... يختص؛ بل حقان مشتركان هذي تفاصيل الحقوق ثلاثة... لا تجملوها يا أولي العدوان حق الإله: عبادة بالأمر، لا... بهوى1النفوس، فذاك للشيطان من غير إشراك به شيئاً هما... سبب النجاة؛ فحبذا السببان ورسوله فهو المطاع، وقوله الـ... مقبول، إذا هو صاحب البرهان والأمر منه الحتم لا تخيير فـ... ـيه عند ذي عقل وذي إيمان فهو المطاع وأمره العالي على... أمر الورى وأوامر2السلطان وهو المقدم في محبتنا على... الأهلين والأزواج والولدان وعلى العباد جميعهم، حتى على... النفس التي قد ضمها الجنبان ونظير هذا قول أعداء المسيح... من النصارى عابدي الصلبان أنا تنقصنا المسيح بقولنا... عبد، وذلك3غاية النقصان لو قلتموا: ولد إله خالق... وفيتموه حقه.
بوزان وكذاك أشباه النصارى من4غـ... ـلوا في دينهم بالجهل والطغيان صاروا مُعادين الرسول ودينه... في صورة الأحباب والإخوان وانظر إلى تبديلهم توحيده... بالشرك والتوحيد5بالكفران وانظر إلى تجريده التوحيد من... أسباب كل الشرك بالرحمن واجمع مقالتهم وما قد قاله... واستدع بالنقاد والوزان

عقل1وفطرتك السليمة ثم زن... هذا وذا2لا تطغ في الميزان /فهناك تعلم أي حزبينا هو الـ... متنقص3المنقوص ذو العدوان4رامي البرىء بدائه ومصابه... فعل المباهت أوقح الحيوان كمعير للناس5بالزَّغل الذي... هو ضربه، فاعجب لذا البهتان والله ما قال الشيوخ وقال ألا... كنتمو معهم بلا كتمان والله أغلاط الشيوخ لديكم... عين الصواب ومقتضى البرهان تباً لكم ماذا التنقص بعد ذا؟... لو تعرفون العدل بالنقصان والله ما يرضيه جعلكم له... تُرساً لشرككم وللعدوان وكذاك جعلكم المشايخ جنة... لخلافه والعقصد ذو تبيان والله ما عظمتوه طاعة... ومحبة يا فرقة العصيان أني؟ وجهلكم به وبدينه... وخلافكم للوحي: معلومان [والله أمركم عجيب معجب... ضدان فيكم ليس يتفقان]6تقديم7آراء الرجال عليه مع... هذا الغلو، فيكف يجتمعان؟

كفرتم من جرد التوحيد... جهلاً منكم بحقائق الإيمان لكنكم تجردتم لنصر الشرك والـ... ـبدع المضلة في رضى الشيطان والله لو يُرضى الرسول دعاءنا... إياه بادرنا إلى الإذعان (والله لو يرضى الرسول دعاءنا... كنا نخر له على الأذقان)1والله ما يرضيه منا غير إخـ... ـلاص وتحكيم لذا القرآن ولقي نهى ذا الخلق عن إطرائه... فعل النصارى عابدي الصلبان ولقد نهانا2أن نصيّر قبره... عيداً حذار الشرك بالرحمن ودعا بأن لا يجعل القبر الذي... قد ضمنه وثناً من الأوثان فأجاب رب الرحمن دعاءه... وأحاطه بثلاثة الجدران حتى اغتدت أرجاؤه بدعائه... باللعن يصرخ فيهم بأذان ولقد غدا عند الوفاة مصرحاً... في عزة وحماية وصيان وعنى3الأولى جعلوا القبور مساجداً... وهم اليهود وعابدوا الصلبان والله لولا ذاك أبرز قبره... لكنهم حجبوه بالحيطان قصدوا إلى تسنيم حجرته... ليمتنع السجود له على الأذقان /قصدوا موافقة الرسول وقصده... التجريد للتوحيد للرحمن يا فرقة جهلت نصوص نبيهم... وقصوده وحقيقة الإيمان فسطوا على أتباعه وجنوده... بالبغي والعدوان والبهتان لا تعجلوا وتبينوا وتثبتوا... فمصابكم ما فيه من جبران قلنا الذي قال الأئمة قبلنا... وبه النصوص أتت على التبيان

القصد حج البيت وهو فريضة الر... حمن واجبة على الأعيان ورحالنا شدت إليه من بقا... ع الأرض قاضيها كذاك1الدان من لم يزر بيت الآله فما له... من حجة سهم ولا سهمان وكذا نشد2رحالنا للمسجد... النبوي خير مساجد البلدان من بعد مكة أو على ألا... طلاق؛ فيه الخلف منذ زمان وصلاتنا في بألف في سواه... ما خلا ذا الحجر والأركان وكذا صلاة في قبا فكعمرة... في أجرها والفضل للمنان ثم ذكر –رحمه الله3– الزيارة الشرعية التي4تقدمت في كلام شيخه شيخ الإسلام ابن تيمية –رضي الله عنهما5وأرضاهما- والله سبحانه وتعالى أعلم.
فإذا تأمل الناصح لنفسه الطالب لتمييز6الحق من الباطل، وعرف ذلك مما تقدم من الآيات المحكمات، وما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم، وما قرره العلماء المحققون، في بيان توحيد العبادة، وما ينافيه من الشرك بالله، فليعلم أن هذا المجادل المماحل أتى فيما كتبه7وأتعب نفسه فيه، ضروباً8من لبس الحق بالباطل، وإيقاع المغرورين في الشرك الأكبر الذي يطلبه وهو يحاوله

قال1بعض السلف في قوله تعال: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِه﴾2قال: السبل: البدع والشبهات ذكره مجاهد وغيره، وقد قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآنِ لِيَذَّكَّرُوا وَمَا يَزِيدُهُمْ إِلَّا نُفُورا﴾.3
وليعلم أن هذا العراقي سود الأوراق، بأمور حاول بها4الصدف عن الدين/ الذي بعث الله به الأنبياء والمرسلين، وثبت وتقرر في كتاب الله العزيز الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد: من الأمر بعبادة الله وحده لا شريك له، والنهي عن عبادة ما سواه وضرب الأمثال في ذلك.
فاشتمل ما سوده في معارضته5للحق على أمور: منها: أنه أكثر6السباب، والكذب والافتراء على المسلمين من أهل نجد، ونسب إليهم أموراً كثيرة؛ قد اختلقها هو وأمثاله تنفيراً منهم7للجهال عما كانوا يدعون إليه من توحيد تعالى، وإخلاص العبادة له.
وتأييداً لما انتحله هو وغيره من الأمور الشركية التي أظهر الدعوة إليها في تسويده، وأتى فيها بضروب من المحال، وقلب المعاني، وصرف اللفظ عن

مدلوله الذي وضع له، وهذا [هو]1الأمر الثاني.
فإن ساعد القدر تتبعت ما افتراه بالنقض والأبطال.
ومنها: أنه ينقل عن بعض العلماء، وينسب إليهم نقيض ما كانوا يعتقدونه، فيكثر الكذب عليهم، وينسبهم إلى خلاف ما هم عليه من الحق الذي قرروه في كتبهم، وأعلنوا به على رؤوس الأشهاد.
[الأمر]2الرابع: أنه ينقل أموراً عن بعض من يجوز عليه الخطأ من أهل العلم، لم يثبت عنهم ما نسبه إليهم، فلو قدر ثبوته فليسوا ممن تقوم بأقوالهم الحجة، وعلى كل حال فلا حجة فيه، لمصادمته الوحيين، كما قال ابن عباس رضي الله عنهما: "ما من أحد إلا ويؤخذ3من قوله ويترك إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم".
وقال الإمام أحمد رحمه الله تعالى4: (عجبت لقوم عرفوا الإسناد وصحته يذهبون إلى رأي سفيان، والله5يقول: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيم﴾6أتدري: ما الفتنة؟ الفتنة: الشرك، لعله إذا رد بعض قوله أن يقع في قلبه شيء من الزيغ فيهلك).
فإذا كان هذا في حق سفيان الثوري، وهو من أئمة المسلمين ومن أتباع التابعين، فأقوال من بعده ممن لا يشق غباره، أولى بأن يؤخذ بقوله7، ويترك

فما وافق أدلة الكتاب والسنة أخذ وقبل، وما خالف الكتاب والسنة رد على قائله.
ولا خلاف بين العلماء من المجتهدين/ أن القياس –وهو من الأدلة عند جمهور العلماء- إذا خالف نصّاً، أو ظاهراً من كتاب أو سنة، ترك وفسد اعتباره، فكيف ما خالف جميع أدلة الكتاب والسنة في الأصل الذي بعث الله به رسله، وأنزل به كتبه، وخالف الفطر1السليمة، والعقول الصحيحة، من تسوية المخلوق بالخالق، والمربوب بالرب، والإله بالمألوه، والعابد بالمعبود؟ فإنها مصيبة ما أعظمها، فإنا لله وإنا راجعون. وخالف صريح الكتاب العزيز الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه، ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد؛ كما تقدم من الآيات المحكمات.2
والأمر الخامس: أنه يأتي ببعض أحاديث لا يعرف لها صحة؛ ولبست في دواوين أهل الإسلام، ولم يذكر له سند3حتى يكشف عنه، ويحتمل أن تكون مما وضعه الواضعون، وقد صنف العلماء كتباً في الموضوعات.
وعلى كل حال فما ناقض أدلة الكتاب والسنة، فلا يجوز الأخذ به، بل يجب تركه وعدم الالتفات إليه.
ولا خلاف بين العلماء أن المتشابه يرد إلى المحكم، وإن كان صحيحاً، فكيف إذا كان ضعيفاً أو موضوعاً، فلا يجوز الاحتجاج به في معارضة ما ثبت

به الكتاب1والسنة.
ومن أصول أهل العلم التي لا يمكن أحد أن ينازع فيها: أنه إذا تعارض دليلان، وصار أحدهما أصح من الآخر أخذ بالصحيح وترك ما دونه، كما إذا تعارض الصحيح والحسن فكيف إذا عارض الصحيح، الضعيف، والمنقطع، أو الموضوع، أو المعضل2، أو الحكايات المكذوبة، والهفوات المنسوبةإلى من لا تقوم بقوله حُجة؟ فيتعين3الأخذ بالصحيح عند جميع العلماء.
وهذا الذي يورده هذا المماحل قد عارض القرآن كله من أوله إلى آخره، وعارض ما في الصحاح والسنن والمسانيد: من تقرير الإخلاص والتوحيد، وإبطال الوسائل والوسائط4بين رب العالمين وعباده، فإنه تعالى أرشدهم إلى أعظم ما يتوسلون به إليه في رغبتهم ورهبتهم، كما قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾5، وقال: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَب﴾6، فأخبر أن الملائكة والأنبياء والصالحين الذين يدعوهم من يدعوهم إنما كانت وسيلتهم إلى الله في طلب7قربهم منه ورجاءه وخوفه إنما هو بالإخلاص/ له8والتوحيد، كما قرره أئمة التفسير من السلف

والخلف، وهو أصل الدين: أن لا يُعْبَد إلا الله، بأي نوع1من أنواع العبادة، ولا يعبد2الله إلا بما شرع؛ لا بالأهواء والشبهات والخيالات والباطلة، التي تعب فيها من تعب ممن خرج عن الصراط المستقيم.
وهذا العراقي إنما ساق [هذه]3الأمور التي أكثر فيها الكذب، وقلب الحقائق، ليتوصل بها إلى أن يُعْبد مع الله غيره، من ميت أو غائب، لا ينفع ولا يضر، ولا يسمع الداعي، ولا يستجيب، غافلاً عمن دعاه ورغب إليه ورجاه، نعوذ بالله من زيغ القلوب وعقوبات الذنوب.
وقد أرشدنا الله تعالى في كتابه إلى ما يجب علينا من حق نبيه صلى الله عليه وسلم، من محبته واتباعه، وتعظيم أمره ونهيه، والصلاة عليه في نفس الصلاة، وبعد الأذان، وعند ذكره، وأن نسأل4له الوسيلة والفضيلة التي لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله، وإكثار الصلاة عليه والتسليم عند كل حديث يرفع إليه، فهذه هي أسباب حصول شفاعته يوم القيامة صلوات الله وسلامه عليه، وعلى إخوانه من الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وأصحابه، والتابعين5، وعنا معهم بعفوك وكرمك وإحسانك يا أرحم الراحمين.
فلا تتعب ذهنك بهذيان الملحدين، فإنها عند من عرفها من وسواس الشياطين، وخيالات6المبطلين؛ وإذا طلع فجر الهدى، وأشرقت أنوار النبوة

فعساكر تلك الخيالات والوساوس في أول المنهزمين؛ والله متم نوره ولو كره الكافرون.
وبهذه الأمور التي ذكرناها عنه ينسخ العلم؛ ويغلب الجهل، كما ذكره1البخاري في صحيحه عن قوم نوح2، أنهم لما صوروا صور الصالحين بما أوحاه الشيطان إليهم من قولهم3: "لو صورناهم كان أشوق لنا إلى العبادة.
قال: فلما هلك أولئك، ونسخ العلم عبدت"4فما أشبه الليلة بالبارحة، فلو تتبعنا ما في القرآن من أوله إلى آخره من الأمر بإخلاص الدعاء لله وحده، والنهي عن دعاء غيره الذي هو مخ العبادة، لاحتمل عدة أوراق كثيرة، ولو تكلمنا على الآيات بتفسير السلف لها والأئمة، لاحتمل مجلداً ضخماً.
فسبحان من طبع على قلوب أعدائه بحكمته وعدله5، وهدى إلى دينه- الذي خلق الخلق/ لأجله –من شاء من عباده برحمته وفضله.
وقد تقدم من6الآيات المحكمات، والأحاديث الصحيحة ما يبين الحق، ويبين ما ينافيه من الباطل، ولكنه كما قال القائل: لقد أسمعت7لو ناديت حيا... ولكن لا حياة لمن تنادي فلو ناراً8نفخت بها أضاءت... ولكن أنت9تنفخ في رماد

ونذكر طرفاً من كلام العلماء بأن مدلول الدعاء هو السؤال والطلب.
قال الحافظ ابن حجر –رحمه الله تعالى-في شرح البخاري، في أول كتاب الدعوات1من الصحيح: (الدعوات بفتح المهملتين، جمع دعوة بفتح أوله، وهي المسألة الواحدة، والدعاء والطلب2، والدعاء إلى الشيء الحث إلى3فعله، دعوت4فلاناً سألته، ويطلق أيضاً5على العبادة. ويطلق الدعاء على التسمية، كقوله تعالى: ﴿لا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضاً﴾.6
وقال الشيخ أبو القاسم القشيري في شرح الأسماء الحسنى ما ملخصه: منها العبادة: ﴿وَلا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنْفَعُكَ وَلا يَضُرُّك﴾.7
ومنها الاستغاثة: ﴿وَادْعُوا شُهَدَاءَكُم﴾.8
ومنها السؤال: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُم﴾.9

ومنها: ﴿دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُم﴾.1
ومنها النداء: ﴿يَوْمَ يَدْعُوكُمْ﴾.2
ومنها: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَن﴾.3
قوله وقول الله تعالى: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُم﴾ وهذه الآية ظاهرة على ترجيح الدعاء على التفويض.
وقال طائفة: الأفضل ترك الدعاء والاستسلام للقضاء.
وأجاب الجمهور: على أن الدعاء من أعظم العبادة، فهو كما في الحديث "الحج عرفة"4، أي: معظمه وركنه الأكبر، ويؤيده: ما أخرجه الترمذي من حديث أنس رفعه: "الدعاء مخ العبادة".5

وقد تواترت الآثار عن النبي صلى الله عليه وسلم بالترغيب في الدعاء، والحث عليه، كحديث أبي هريرة1رفعه: "ليس2شيء أكرم على الله من الدعاء"3أخرجه الترمذي، وابن ماجه، وصححه ابن حبان، والحاكم، وحديث: "من لم يسأل الله يغضب عليه"4أخرجه أحمد، والبخاري في الأدب المفرد، وابن ماجه، والبزار، كلهم من رواية أبي صالح الخوزي5) انتهى.
وقال6شيخ الإسلام ابن تيمية7: (ولفظ الإسلام يتضمن الاستسلام والانقياد، ويتضمن من قوله تعالى8: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ/ مَثَلاً رَجُلاً فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلاً سَلَماً

لِرَجُلٍ﴾1فلابد في الإسلام من الاستسلام لله وحده، وترك الاستسلام لما سواه، وهذا حقيقة قولنا: "لا إله إلا الله" فمن استسلم لله ولغيره، فهو مشرك، والله لا يغفر أن يشرك به، ومن لم يستسلم فهو مستكبر2عن عبادته، وقد قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِين﴾.3
إلى أن قال4: (ولم يشرع الله لنبي من الأنبياء أن يعبد غير الله البتة.
قال تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيه﴾5(6فأمر الرسل أن يقيموا الدين ولا يتفرقوا فيه6).6 وقال تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ.
مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ.
مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعاً كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُون﴾7، فأهل الإشراك متفرقون، وأهل الإخلاص متفرقون، [وقد]8قال تعالى: ﴿وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ.
إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾9فأهل الرحمة متفقون مجتمعون، والمشركون فرقوا

دينهم وكانوا شيعاً؛ ولهذا تجد ما أحدث من الشرك والبدع بتفرق أهله).
إلى أن قال1: (وأهل التوحيد يعبدون الله في بيوته التي أذن2أن ترفع ويذكر فيها اسمه، مع أنه قد3جعلت له الأرض مسجداً وطهوراً، والله عز وجل هو معبودهم، إياه يعبدون، وعليه يتوكلون، وله يخشون4ويرجون، وبه يستغيثون ويستعينون، وله يدعون ويسألون، فإن خرجوا إلى المساجد كانوا مبتغين فيها5فضلاً من الله6ورضواناً، كما قال تعالى في نعتهم: ﴿تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانا﴾7، وكذلك إذا سافروا إلى المساجد الثلاثة، لاسيما المسجد الحرام الذي أمروا بالحج إليه، فهم يؤمون بيته يبتغون8فضلاً من ربهم9ورضواناً، لا يرغبون إلى غيره، ولا يرجون سواه ولا يخافون إلا إياه.
وقد زين الشيطان لكثير من الناس سوء عملهم10، واستزلهم11عن12

إخلاص الدين لله؛ إلى نوع من الشرك1، فيقصدون بالسفر والزيارة رجاء غير الله2والرغبة إليه، ويشدون الرحال/ إلى قبر3نبي، أو صاحب، أو صالح4، داعين له راغبين إليه، ومنهم من يظن أن المقصود من الحج هو هذا، فلا يستشعر إلا قصد المخلوق المقبور، ومنهم من يرى أن ذلك أنفع له من الحج إلى البيت، ومن جهالهم من يتوهم أن زيارة القبر واجبة، ومنهم من يسأل المقبور الميت كما يسأل الحي الذي لا يموت.
يقول: يا سيدي فلان اغفر لي، وارحمني، وتب عليَّ، وانصرني على فلان، وأنا في حسبك أو جوارك.
وقد ينذرون أولادهم للقبور، ويسيبون لهم السوايب من البقر وغيرها، كما كان المشركون يسيبون لطواغيتهم.
قال الله تعالى: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلا سَائِبَةٍ وَلا وَصِيلَةٍ وَلا حَامٍ وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَأَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُون﴾.5انتهى.
فإذا جوز هؤلاء-كالعراقي وأمثاله-الاستغاثة بالنبي صلى الله عليه وسلم بعد وفاته، (6 وخالفوا نهيه الصريح الصحيح 6)6، وخالفوا ما كان عليه الخلفاء الراشدون والسابقون الأولون، فليعلم أن في ذلك من المفاسد العظيمة، وفتح باب7

الشرك من كل أحد، ومع كل أحد1، كما هو الواقع الموجود، فصاروا لا يفرقون بين الصالح والطالح في اعتقاد الربوبية والإلهية2، كما كان3يفعله4بعض الناس بمصر والشام والعراق، مع ما كانوا يعبدونه من دون الله، كفعل أهل مصر مع أحمد البدوي ونحوه، وقد صح عنه أنه لا يصلي، ويبول في المسجد، ولا يتطهر، ذكر ذلك السخاوي عن أبي حيان مشاهدة منه لذلك، وقد افتتن أهل مصر به وبأمثاله من الأموات، فاعتقدوا فيه أن يفك الأسير إذا دعاه، وهو في أيدي الكفار، وينجي من أشفى على الغرق في البحار، ويطفئ الحريف إذا أضطرمت فيه النار، وينادونه من مكان بعيد، وهم لا يعتقدون أن حيّاً من الفضلاء فيهم يسمع ويبصر، [يسمع من]5ينادونه6من فرسخ فأقل، فصار هذا الميت المدفون في قعر7الأرض الذي تقطعت أوصاله، وصار8في اعتقادهم أنه يسمع مناديه من البحور، ومن هو عنه بمسافة شهور، كما كان أهل العراق يعتقدون ذلك في عبد القادر وغيره.
وهل هذا إلا لاعتقادهم أنه يعلم الغيب، ويضر وينفع، ويقدر على ما لا يقدر عليه إلا الله (9 وقد كانوا 9)9يفعلون في مولد البدوي من عظائم الشرك

والفساد/ما يطول تعداده؛ أنه1يتحمل عن الزناة واللوطية في مولده ذنوبهم، بمعنى أنه يكفرها عنهم (2 وقد كان2)2بعضهم يسجد على باب حضرته.
(3 وقد كان3)3بعض المؤذنين بالقاهرة إذا فرغ من الأذان ينادي بأعلى صوته قائلا: يا أبو4فراج، يعنون بهذه الكنية أن يفرج الكربات، ولا يخفى ما بين القاهرة وقبره من البعد، فإنه كان5في قرية في غربي مصر اسمها طنطا، وهذا وأمثاله تفرع عن [دعوى]6من جوز7أنه يستغاث بنبي أو صالح.
ومن ذلك ما يفعله8أهل الشام عند قبر9ابن عربي الاتحادي صاحب الفصوص10الذي يقول في فصوصه: (وكنت امرءا من جند إبليس فارتمى... بي الدهر حتى صار11إبليس من جندي) وهو إمام الاتحادية، فيعتقد12فيه بعض أهل الشام مثل ما كان13

يعتقده أهل مصر في أحمد البدوي على مثل ما ذكرناه عنهم.
وكذلك ما كان1يفعله أهل العراق، والمغرب، والسواحل، من البناء على قبر عبد القادر الجيلاني، وبناء المشاهد لعبادة عبد القادر، كالمشهد الذي في أقصى المغرب، وينادونه من2مسافة أشهر؛ بل سنة لتفريج كرباتهم، وإغاثة لهفاتهم، ويعتقدون أنه من تلك المسافة يسمع داعيه، ويجيب مناديه.
يقول قائلهم: إنه يسمع ومع سماعه ينفع، وهو لما كان حياً يسمع ويبصر، لم يعتقد أحد فيه أنه يسمع من ناداه من وراء جدار، ثم بعد موته صار منهم ما صار، وهل هذا3إلا لاعتقادهم أنه يعلم الغيب، ويقدر على ما لا يقدر عليه إلا الله؟ فلو جاز في حق عبد القادر لجاز في حق من هو أفضل منه بإضعاف، من الخلفاء الراشدين، والسابقين والأولين، (6 والأئمة المهتدين4أن يدعي من تلك المسافة، ويستجيب، لكن الله تعالى5صان أولياءه6)6، وخيار أهل الإيمان أن يفعل معه مثل هذا، فأين هذا من اعتقاد من اعتقد في أمير المؤمنين علي بن أبي طالب الإلهية، فخدَّ لهم الأخاديد، وألقى فيها من الحطب، وأضرم فيها النار فقذفهم فيها.7

قال1ابن عباس: "إنهم يقتلون بالسيف"، وفعله أمير المؤمنين لشدة غيرته على التوحيد، وشدة إنكاره للشرك والتنديد.
وهذا الذي يفعله هؤلاء مع من2ذكرنا إنما هو من تأله القلوب بهم، وشدة اعتقادهم فيهم، وصرف خصائص الربوبية والإلهية لهم.
وعبد القادر –رحمه الله –لا شك أنه3له فضل ودين، وهو/حنبلي المذهب، وأكثر أصحاب الإمام أحمد أفضل منه في العلم، وكذلك الإمام أحمد، ومن في طبقته من أئمة المحدثين والفقهاء أفضل من عبد القادر بالاتفاق، فلو جازت هذه الأمور في حق عبد القادر لجاز أن تفعل في [حق]4أحد من هؤلاء، بل وفي حق من هو أفضل من الكل، كأعيان التابعين ومن قبلهم من5الصحابة كالخلفاء الراشدين.
وعبد القادر من سائر أهل مذهبه، وله كتاب "الغنية" في مذهب أحمد، وله زهد وعبادة، وليس أفضل من الفضيل6بن عياض، وبشر الحافي والجنيد، بل أهل العلم يعلمون أن هؤلاء أفضل منه، فهو فاضل بالنسبة إلى من دونه، مفضول بالنسبة إلى من ذكرنا من الأئمة قبله، وإن كان يذكر له كرامات الله أعلم بصحة ذلك، وما آفة الأخبار إلا رواتها، فإن صح منها شيء فكرامات الصحابة أعظم، كما وقع لعمر وعلي وغيرهما، فلم يعبدوا لأجل ما وقع لهم من الكرامات.

والكرامة فعل الله تعالى، وليست فعلاً لمن وقعت له، ومن أحين مناقب عبد القادر أن إبليس تراءى له في غمامة فقال: أنا ربك وقد أبحت لك المحارم، فقال له1: اخسأ أنت إبليس، إن الله لا يأمر بالفحشاء، أو قال2: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَن﴾3فرحم الله عبد القادر، فلقد كان لا يرضى بما (4 قد كانوا 4)4يفعلونه معه، ولا بمثل قطرة منه.
وأعظم المحارم التي ينكرها ما كان يفعل اليوم وقبله عند ضريحه من الشرك الذي لا يغفره الله، فإنه أعظم ذنب عصى الله5به، لا يرتاب في هذا مؤمن.6
وهذا الذي ذكرناه على سبيل التمثيل، وإلا فبناء المساجد، والمشاهد على القبور وعبادتها، قد عمت به7البلوى في كثير، وقد8لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم من فعل ذلك، كما صح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: "لعنة الله على اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد يحذر ما فعلوا"9، وقال لأم سلمة لما ذكرت له كنيسة رأتها10بأرض الحبشة، وما فيها من الصور قال: "أولئك إذا مات فيهم

الرجل الصالح أو العبد الصالح1بنوا على قبره مسجداً، وصوروا فيه تلك الصور، أولئك شرار الخلق عند الله يوم القيامة".2
فما أعظم ما وقع من الشرك في كثير من هذه الأمة، فقد ربا على شرك أهل الجاهلية، فإن أولئك أقروا بتوحيد الربوبية/ وجحدوا توحيد الإلهية، وهؤلاء صرفوا خصائص الربوبية لغير الله، فالله المستعان.
وهذا باب دخل فيه أهل الشرك ما فتحه لهم من ينتسب إلى العلم بحكايات تحكي لا تقوم بها حجة ولا عليها تعويل، وغايتها التحريف التبديل والتهويل والتضليل، وصدف الجهال عن سواء السبيل، حتى وقع الشرك في هذه الأمة جيلاً فجيل، فجادل به من جادل وما حل به من3ماحل، كما4يعلمه الله من هؤلاء الملحدين وأمثالهم.
فإن هؤلاء المجادلين الجاحدين المبين قد ما حلوا بقلب الحقائق، حتى جعلوا ما تنزه الله عنه من اتخاذ الشفاء والشركاء [هضماً]5من حق الرسل والأنبياء؛ وهو هضم لربوبية6الله، وسلب لإلهيته7، وسواء ظن به، وقد نزه نفسه عن ذلك في الآيات المحكمات التي أنزلها8على رسوله الصادق

المصدوق؛ ودعا الأمة إلى أن يؤمنوا بها ويقبلوها.
فمن ذلك قوله تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ﴾1إلى قوله: ﴿سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُون﴾2، فنزه نفسه تعالى عن هذا الشرك المقتضى لوضع حقه تعالى3في غير محله، ومسبتهم4له بهذا الشرك.5
ولا ريب أن متخذي الشفعاء إنما كانوا يطلبونهم6ويسألونهم أن يشفعوا لهم، كما كان يفعله المشركون مع الأموات والغائبين، فهذا الطلب والسؤال والقصد والإرادة، من توجيه الوجه والقلب إلى غير الله تعالى رجاء لهذا الغير ورغبة إليه (7شرك عظيم 7)7، قال تعالى: ﴿فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَن﴾8، وقال تعالى: ﴿بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾9الآية فإسلام الوجه10ينفي الشرك بنوعيه11، والإحسان ينفي البدع في الدين

كلها، وقد قال أمام الحنفاء (1 في قوله1)1: ﴿إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ. إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفاً وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾.2
فتبين بهذه الآية أن توجيه الوجه3والقلب [إلى]4الله دون من سواه.5
قال في "الشرح الكبير"لعبد الرحمن بن أبي عمر رحمه6الله تعالى: (الإخلاص عمل القلب وهو أن يقصد بعمله الله7دون غيره) انتهى.8
وقال شيخ الإسلام: (الإخلاص/ محبة الله، وإرادة وجهه، وقد تقرر في الجواب أن الشفاعة التي أثبتها الله في كتابه بإذنه ورضاه إنما تقع لأهل الإخلاص خاصة، فمن طلبها من ميت أو غائب فقد وقع في الشرك الذي لا لا يغفره الله، وحرم نفسه الشفاعة بطلبها ممن لا يملكها، وإعراضه عن طلبها ممن يملكها9سبحانه وتعالى عما يشركون).
وهذا العراقي من جهله وضلاله يدعي أن هذا الشرك (*مجمع على جوازه.
قلت: بل الإجماع منعقد على أنه الشرك الذي لا يغفره الله إلا بالتوبة منه10، ومستند هذا الإجماع الآيات المحكمات، وما فيها من التصريح

بتحريمه*)1كما2في الصحيحين وغيرهما أن النبي صلى الله عليه وسلم [كان]3يقول في دبر كل صلاة: "لا إله إلا الله ولا نعبد إلا إياه له النعمة، وله الفضل، وله الثناء الحسن، لا إله إلا الله مخلصين له الدين ولو كره الكافرون"4فإخلاص العبادة له هو الدين5الذي بعث الله به رسله، وأنزل به كتبه، وأمر به عباده، كما قال تعالى: ﴿فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ. أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾.6
ثم ذكر تعالى ما ينافي الإخلاص من شرك المشركين، فقال7: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾8وهذه السورة كلها كأمثالها من القرآن، فيها بيان الإخلاص والأمر به؛ وبيان ما ينافيه من الشرك في العبادة والنهي عنه، وتغليظ أمره، وحبوطه للأعمال، فتدبر وتذكر وتفكر، والله المستعان وعليه التكلان، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

* ما بين القوسين سقط من: (المطبوعة) .","في (الأصل) : وفي \"الصحيحين\"، والمثبت من: \"م\" و\"ش\".هكذا في جميع النسخ، والحديث إنما هو في صحيح مسلم فقط وسيأتي بيان ذلك.","ما بين المعقوفتين من إضافتي، ليستقيم الكلام.","أخرجه مسلم في المساجد باب استحباب الذكر بعد الصلاة: (1/415و 416)(ح/594) .","سقطت \"الدين\" من\" (المطبوعة) .","سورة الزمر، الآيتان: 2و 3.","في \"ش\" زيادة: \"تعالى\".","سورة الزمر، الآية: 3."]">
فصول الكتاب · 25 فصل · 382 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول كشف ما ألقاه إبليس من البهرج والتلبيس على قلب داود بن جرجيس · 382 صفحة
مقدمة الكتابمقدمةتحقيق نسبة الكتاب إلى المؤلفتحقيق اسم الكتابطبعات الكتاب...أمثلة السقطأمثلة التحريفأمثلة الزيادةوصف النسخ الخطيةمنهجي في التحقيقترجمة1موجزة للشيخ عبد الرحمن رحمه اللهابن جرجيس، وموقف أئمة الدعوة السلفية منهنماذج مصورة من النسخ الخطيةمقدمة المؤلف...فصل1وقد بين الله تعالى في كتابه حقيقة الإسلام الذي تصلح به القلوب والأعمال. قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِيناً مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِن﴾.2 وفي "المسند" عن أبي قزعة الباهلي عن حكيم بن معاوية عن أبيه3أنه قال: والله يا رسول ما أتيتك إلا بعد ما حلفت عدد أصابعي هذه أن4لا أتيك فبالذي بعثك بالحق ما بعثك به؟ قال: "الإسلام"، قال: وما الإسلام؟ قال: "أن تسلم قلبك وتوجه وجهك إلى الله وأن تصلي الصلوات المكتوبة وتؤدي الزكاة المفروضة".5 وقال تعالى6: ﴿وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَفصل1وقد أنكر الله تعالى2في محكم كتابه على من دعا الأنبياء والصالحين والملائكة. فقال تعالى3: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلا تَحْوِيلاً، أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورا﴾.4 نزلت هذه الآيات فيمن يدعو المسيح وأمه والعزير والملائكة، وأئمة التفسير5ذكروا ذلك في معنى هذه الآية الكريمة. فانظر إلى هذا التهديد والوعيد في حق من دعا الملائكة والأنبياء والصالحين؛ وأخبر تعالى أنهم لا يملكون كشف الضر عمن دعاهم، ولاتحويله، وأخبر تعالى أن أولئك الذين يدعونهم من الأنبياء والصالحين يبتغونإلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب، وأعظم الوسائل (6 التي تقرب إلى الله6)6إخلاص العبادة لله تعالى، وتجريد التوحيد، ومخالفة ما كان يفعله المشركون من دعوةغير الله.فصل1في بيان أمور من الشرك الأكبر – (2يشبه ما قدمناه2)2- الذي وقع فيه من وقع من هذه الأمة. قال العلامة ابن القيم3رحمه الله:فصل1وقال شيخ الإسلام أيضاً: (ومن المحرمات العكوف عند قبر، والمجاورة عنده، وسدانته، وتعليق الستور عليه، كأنه بيت الله الكعبة، وقد بيّنا أن نفس بناء المسجد عليه منهي عنه باتفاق الأمة، محرم بدلالة السنة، فكيف إذا ضم إلى ذلك المجاورة في ذلك المسجد، والعكوف فيه، كأنه المسجد الحرام؟ بل عند بعضهم العكوف فيه أحب من العكوف في المسجد الحرام، إذ من الناس من يتخذ من دون الله أنداداً يحبونهم كحب الله، والذين آمنوا أشد حباً لله، بل حرمة ذلك المسجد المبني على القبر الذي حرمه الله ورسوله، أعظم عند المقابريين من بيوت الله التي2أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه، وقد أسست على تقوى من الله ورضوان.
فصل1ثم ذكر –رحمه الله –2تتبع آثار الأنبياء، وما ذهب إليه أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه من النهي عن ذلك، وذكر أنه قطع الشجرة التي بويع تحتها النبي صلى الله عليه وسلم. وذكر عن محمد بن وضاح قال: كان مالك وغيره من علماء المدينة يكرهون إتيان تلك المساجد، وتلك الآثار التي بالمدنية، ما عدا قباء وأحداً، ولأن ذلك يشبه الصلاة عند المقابر، إذ هو ذريعة إلى اتخاذها أعياداً، وإلى التشبه بأهل الكتاب.
فصل1وقال شيخ الإسلام2–رحمه الله تعالى-:
فصل1وقد كان شيخ الإسلام تقي الدين أحمد بن تيمية –رحمه الله -، لما قدم مصر فوجد الكثير قد جهل ما بعث الله به رسله وأنزل به كتبه: من دين الإسلام الذي رضيه لعباده، واتفقت عليه دعوة الرسل من أولهم إلى آخرهم.
خاتمةتتمةفهرس الأحاديثفهرس الموضوعات
جارٍ التحميل