تقدم في كلام شيخ الإسلام رحمه الله تعالى ما يكفي ويشفي في الرد على من غلا في الدين، وأشرك مع الله في ربوبيته وإلهيته، ونزَّل1المخلوق منزلة الخالق، والعبد منزلة المعبود، والمربوب منزلة الرب العظيم، الذي له الأمر كله، وله الحمد كله، وله الملك كله، وبيده الخير كله، وإليه يرجع الأمر كله، فعظم هؤلاء المشركون2المخلوق بما نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يعظم به أحد غير الله، وسد الذرائع الموصلة إلى هذا الشرك بقوله صلى الله عليه وسلم لمن/ قال له: "أنت سيدنا، وابن سيدنا، وخيرنا، وابن خيرنا" قال: "قولوا بقولكم، أو بعض قولكم، ولا يستجرينكم الشيطان، أنا محمد عبد الله ورسوله، ما أحب أن ترفعوني فوق منزلتي التي3أنزلني الله"4، وقال: "لا تطروني كما أطرت
النصارى ابن مريم؛ إنما أنا عبد، فقولوا: عبد الله ورسوله"1، وقال: "إنه لا يستغاث بي، وإنما يستغاث بالله عز وجل"2وأمثال هذا في السنة كثير.
وكان صلى الله عليه وسلم أعظم الناس3عبودية لله، وخضوعاً، وتذللا، ومحبة، وكلما كان العبد أعظم محبة لله4، وعبودية، وتذللاً فهو إلى سنة النبي صلى الله عليه وسلم أقرب، وبالعمل بالسنة أكمل.
فأبي هؤلاء المشركون الناقصون المنقوصون إلا الوقوع في الغلو الذي أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم أنه وقع في النصارى، ونهى عنه أمته بقوله: "إياكم والغلو، فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو" (1). فصار في هؤلاء المجادلين في الدين شبه من النصارى في الغلو الذي نهى الله عنه أهل الكتاب بقوله: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّه﴾ (2) [الآيات] (3). وقوله تعالى (4) : ﴿مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلانِ الطَّعَامَ﴾ إلى قوله: ﴿قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرّاً وَلا نَفْعاً وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيم﴾ (5). وهذا في سياق النهي عن عبادة المسيح وأمه عليهما السلام، كما في قوله تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلا تَحْوِيلاً﴾ (6)، وقد تقدم في (7) هذا أن المعني (8) بهذا عيسى، وأمه، والعزير، والملائكة.
(1) سبق تخريجه.
(2) سورة النساء، الآية: 171وفي هامش (الأصل) زيادة قوله تعالى: ﴿وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلا تَقُولُوا ثَلاثَةٌ انْتَهُوا... ﴾ الآية.
(3) ما بين المعقوفتين إضافة من: "م" و"ش".
(4) سقطت "تعالى": من "م" و"ش".
(5) سورة المائدة، الآيتان: 75و 76، وسقطت: "قل"من النسخة (الأصل).
(6) سورة الإسراء، الآية: 56.
(7) في "ش": "أن هذا".
(8) في "م": "المعين".
ومقام الربوبية1والإلهية لله وحده لا يشركه فيه أحد من خلقه، وكل هذا هو الذي2دعت إليه الرسل، وأنزلت به الكتب.
ومعلوم أن الدعاء والاستغاثة من أعظم العبادات؛ ولا يجادل فيها إلا مماحل مكابر معاند.
إذا عرفت ذلك فاعلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "بدأ الإسلام غريباً3، وسيعود غربياً كما بدأ، فطوبي للغرباء الذين يصلحون إذا فسد الناس"4، وهم طائفة من ثلاث وسبعين كلها في النار إلا واحدة، كما في الحديث، وستفترف هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة5، وتقدم الحديث من أوله، وهم أهل السنة والجماعة وقال صلى الله عليه وسلم في حديث ثوبان: "وحتى تعبد فئام من أمتي الأوثان".6
وقد ذكر العلماء –رحمهم/ الله1– أن2غربة الإسلام استحكمت في القرن السادس وما بعده، حتى آل الأمر إلى أن ناساً3ممن يشار إليهم بالعلم والفهم، قد وضعوا تصانيف في جواز الشرك في العباد، وغلطوا في مسمى التوحيد، وظنوا أن الغاية في التوحيد هو ما أقر به مشركوا قريش والعرب ومن بعدهم، كلهم أقروا بهذا التوحيد الذي (4 هو توحيد الربوبية الذي4)4ظن من ظن أنه هو الغاية في التوحيد.
إذا تبين أن الإسلام عاد غريباً كما بدأ، كما أخبر به الصادق المصدوق صلوات الله وسلامه عليه، قلنا جواب ما تقدم عما5أدعاه6هذا العراقي من الإجماع على7الاستشفاع بالأموات والغائبين.
فنقول: نعم8أجمع على هذا الشرك، وما هو أعظم منه، الهمج الرعاع، أتباع9كل ناعق، يميلون مع كل ريح10، لم يستضيئوا بنور العلم
ولم يلجؤا إلى ركن وثيق، كما أخبر عنهم أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه1فيما رواه عنه كميل بن زياد وشبههم بالأنعام السائمة.
فليس إجماع هؤلاء حجة، وليسوا من أهل الإجماع الذي يحتج به في الأحكام؛ لمخالفتهم2ما جاءت به الرسل من توحيد الله، وما بُعث3به خاتم النبيين محمداً صلى الله عليه وسلم من النهي من الشرك، وقتال أهله واستحلال دمائهم وأموالهم، (7 وخالفهم أتباع الرسل فعرفوا ما جهلوه4من التوحيد، وأنكروا ما وقعوا فيه من الشرك، وهم الفرقة الناجية، والطائفة التي لا تزال على الحق ظاهرة5، وما أجتمع6عليه7)7[سلف]8[هذه]9الأمة وأئمتها من إنكار الشرك، ومعادات أهله، وقتالهم، فإجماع الرسل، وأتباعهم من سلف الأمة وأئمتها هو الإجماع الصحيح، وما خالفه فباطل لا يلتفت إليه، ولا يحتج به ولو لم يخالف هذا الإجماع الذي ادعاه هذا المفتري إلا مصادمة الوحيين، ومخالفته لما جاءت به الرسل من دين الله لكفى به بطلاناً.
ويبطل أيضاً- (ما ادعاه من الإجماع)10-ببقاء الفرقة الناجية التي أخبر
النبي صلى الله عليه وسلم أنها لا تزال على الحق إلى قيام الساعة1، فهم أتباع الرسل، وإجماعهم هو الحجة أيضاً وإن كانوا هو الأقلون عدداً، فهم الأعظمون قدراً2عند الله؛ وأما الهمج الرعاع الذين اشتدت بهم غربة الإسلام، الذين وقع فيهم من الشرك ما وقع3، وإن كانوا الأكثر4عدداً فهم الأقلون قدراً عند الله؛ لظهور الشرك فيهم والبدع؛ كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: "فطوبى للغرباء5/الذين يصلحون إذا فسد الناس"6، فسماهم غرباء لقلتهم، وقلة أتباعهم على الحق، كثرة معاديهم، كما قال الشاطبي.7
وهذا زمان الصبر من لك بالتي... كقبض على جمر؟ فتنجو من البلاء فكم من جاهل اغتر بما عليه الهمج الرعاع، وظن أن كثرتهم تدل على صحة ما كانوا عليه من الشرك والبدع على اختلاف آرائهم ومذاهبهم، فالاحتجاج بهم، والاقتداء بهم يشبه ما ذكره الله تعالى8عن المشركين بقولهم: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُون﴾9الآيتين.
فما احتج به المشركون من أعداء الرسل، احتج به هؤلاء على ما أحدثه الجاهلون، فما أشبه الليلة بالبارحة، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: "لتتبعن سنن من كان قبلكم حذو القُذّة بالقذة حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه"1، وفي رواية: "شبراً بشبر وذراعاً بذراع"، وفي رواية: " [حتى]2لو كان فيهم من أتى3أمه علانية، لكان في أمتي من يفعل ذلك"4فوقع ما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم،
وصار علماً من أعلام نبوته صلى الله عليه وسلم فإنه قال: "افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة؛ وافترقت النصارى على ثنتين وسبعين فرقة، وستفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة، كلها في النار إلا واحدة".
قالوا من1هي يا رسول الله؟ قال: "ما كان على مثل ما أنا عليه اليوم وأصحابي".2
وفي3الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "إنما هلك من كان
قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم".1
وهذا الذي ذكره هذا العراقي من أن الاستشفاع بالأموات مجمع عليه، ليس في شريعة أحد من الأنبياء جوازه، وأما شريعة النبي صلى الله عليه وسلم ففي الكتاب وفي السنة1من النهي عن ذلك، وأنه هو الشرك الذي كان يفعله أهل الجاهلية ومن قبلهم من الأمم المكذبة للرسل.
ومما يدل على فساد هذا الإجماع الذي حكاه ما رواه الدارمي في مسنده: قال حدثنا سعيد2بن منصور حدثنا أبو عوانة عن بيان هو [ابن]3بشر الأحمسي عن قيس عن مرداس الأسلمي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يذهب الصالحون أسلافاً؛ ويبقى حثالة كحثالة الشعير".4
وقد أخبر العلماء –رحمهم الله تعالى-كالصرصري- كما تقدم في شعره، وغيره من العلماء أن ذلك وقع في زمنهم، وهم كانوا في القرن السادس قبله وبعده: إن الصالحين مضوا، وذهبوا، وبقيت الحثالة التي اشتدت بها غربة الإسلام؛ وعاد المعروف منكراً، والمنكر معروفاً، والسنة بدعة، والبدعة سنة، نشأ على هذا الصغير؛ وهدم عليه الكبير؛ وهؤلاء هم الذين ذكر/ العراقي إجماعهم، وبهم اشتدت غربة الإسلام.
وبهذا يحصل الجواب عما ذكره هذا العراقي: أن فلاناً وفلاناً شرحوا البردة، وهؤلاء كلهم ليسوا من أهل العلم، ولا من أهل السنة، وإن كان لهم درايات5في علم المعقول، فليسوا من أهله.
وقد أخطأ في هذا الأمر أناس لهم ذكاء ومصنفات، ظهر فيها خطؤهم، كالفخر الرازي، وأبي معشر البلخي، وابن الأخنائي، وابن البكري، والمفيد (2 محمد ابن النعمان ذكره1شيخ الإسلام2)2، وقبلهم الغزالي وغيره من أكثر المتكلمين، كأبي بكر الباقلاني وإمام الحرمين والآمدي، وغيرهم من المتكلمين.
وقد اشتدت بهم غربة الإسلام لإعراضهم عن الوحيين، كما لا يخفى على من عرف أحوالهم، وما ذكروه في مصنفاتهم، وخالفوا أهل السنة في توحيد الأسماء والصفات، وأيضاً فإذا كان (3الخطاء في أمر3)3التوحيد الذي بعث الله به رسله، وأنزل به كتبه قد أخطأ في معرفته من هو أفضل من هؤلاء المتأخرين، الذين هم حثالة الحثالة، فكيف يحتج بهم؟ وقد قال ابن عباس: "كل يؤخذ من قوله ويترك إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم"، وقال الأئمة كذلك، فلا حجة في قول أحد ولا فعله ممن يجوز عليه الخطأ، فكيف إذا تبين خطأه، ومخالفته للكتاب والسنة في هذا الأصل العظيم؟.
فمن تتبع ما ذكره هذا العراقي لم يجد فيه كلمة تقوم بها حجة، بل ما ذكره مردود بصريح القرآن والسنة وما عليه سلف الأمة وأئمتها، وكل من خالف الكتاب والسنة وإجماع السلف الصالح-وهم الذين إجماعهم حجة –فقوله مردود عليه في أي مسألة كانت، فكيف إذا كان في أصل دين الإسلام الذي بعث الله به المرسلين؛ وأظهر براهينه في كتابه المبين، وبينه رسول الله صلى الله عليه وسلم، الصادق الأمين.
فما أشبه هذا المجادل المماحل بمن قال الله فيهم: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ مَا هُمْ بِبَالِغِيهِ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾1، وقال تعالى: ﴿فَقَدْ جَاءَكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَّبَ بِآياتِ اللَّهِ وَصَدَفَ عَنْهَا سَنَجْزِي الَّذِينَ يَصْدِفُونَ عَنْ آيَاتِنَا سُوءَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُوا يَصْدِفُونَ﴾.2
فيا خيبة من أعرض عن كتاب الله وسنة رسوله، واتبع الأغلوطات والشطحات.