قال أبو جعفر بن جرير –رحمه الله تعالى- في تفسير قوله الله1تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ﴾2قال: (وهذا الذي وصاكم به ربكم أيها الناس في هاتين الآيتين، من قوله ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ﴾3وأمركم بالوفاء به هو صراطه/يعني طريقه، ودينه الذي ارتضاه لعباده مستقيماً، يعني قويماً لا اعوجاج به عن الحق ﴿فَاتَّبِعُوهُ﴾ يقول4: فأعملوا به.
واجعلوه لأنفسكم منهجاً5تسلكونه ﴿وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُل﴾ يعني لا تسلكوا طريقاً سواه، ولا تركبوا منهاجاً6غيره، ولا تتبعوا ديناً خلافه: من اليهودية والنصرانية والمجوسية، وعبادة الأوثان، وغير ذلك من الملل7، فإنها بدع وضلالات ﴿فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِه﴾ [يقول]8: فتشتت بكم إن اتبعتم السبل المحدثة، التي ليست لله بسبل9، ولا طرق ولا أديان.
﴿عَنْ سَبِيلِه﴾ يعني: طريقه، ودينه الذي شرعه لكم، وارتضاه1، وهو الإسلام الذي وصى به الأنبياء، وأمر به2الأمم قبلكم ﴿ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِه﴾ يقول تعالى ذكره: هذا الذي وصاكم به ربكم [من قوله: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً] فَاتَّبِعُوهُ3وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُل﴾ [وصاكم به]4﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ يقول: لتتقوا الله في أنفسكم فلا تهلكوها، وتحذروا5ربكم فيها.
فلا تسخطوه [عليها]6، فتحل بكم نقمته وعذابه.
وذكر عن مجاهد: أن السبل هي البدع والشهوات، وذكره7عن ابن أبي نجيح، وعن ابن عباس: "ولا تتبعوا8الضلالات".
ثم قال: حدثنا المثنى9حدثنا10الحماني11قال: حدثنا حماد عن عاصم عن أبي وائل عن عبد الله، يعني ابن مسعود قال: "خط لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم خطا، فقال: "هذا سبيل الله"؛ ثم خط عن يمين ذلك الخط وعن شماله خطوطاً فقال: "هذه سبل على كل سبيل منها شيطان يدعو إليها"، ثم قرأ هذه
الآية: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِه﴾.1
وذكر بالإسناد عن ابن زيد قال: "سبيله: الإسلام، وصراطه الإسلام، نهاهم2أن يتبعوا السبل سواه، فتفرق بكم عن سبيله عن الإسلام".
وبسنده أن رجلاً قال لابن مسعود: ما الصراط المستقيم؟ قال: "تركنا محمد صلى الله عليه وسلم في3أدناه وطرفه في الجنة؛ وعن يمينه جوادّ، وعن يساره جوادّ، وثَم رجال يدعون من مَرّ بهم، فمن أخذ في تلك الجواد انتهت به إلى النار، ومن أخذ على الصراط انتهى به إلى الجنة، ثم قرأ ابن مسعود: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً﴾ الآية) انتهى.4
فتأمل هذه الآيات، وما دلت عليه، وما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم من اتباع السبل، والخروج بها عن الصراط المستقيم.
ومن تدبر أحوال الأمة بعد القرون الثلاثة علم أن السبل تفرقت بالأكثر5من هذه الأمة وتشعبت بهم، حتى6إن منها ما وقع في القرن الأول والثاني والثالث، لكن7الإسلام في هذه الثلاثة أظهر؛ وأهل السنة والجماعة فيها
/أكثر؛ وهم للبدعة1أنكر، ولأهلها أهجر، كبدعة الخوارج والرافضة والجهمية، يعرف ذلك من له اطلاع على ما ذكره أهل السير والتاريخ وغيرهم من أهل الحديث والتفسير.
فإذا كانت مبادئ هذه الأمور قد وقعت في القرن الثلاثة، ففي ما بعدها أعظم، كما دل عليه قوله صلى الله عليه وسلم: "خير القرون قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم إنها تخلف من بعدهم خلوف يقولون ما لا يفعلون، ويفعلون ما لا يؤمرون"2الحديث، والواقع يشهد لذلك، كما في حديث أنس: "لا يأتي
على الناس1زمان إلا والذي بعده شر منه، حتى تلقوا ربكم سمعته من نبيكم صلى الله عليه وسلم".2
وقد علم ما آلت إليه3تلك السبل بكثير من الأمة، حتى عاد المعروف منكراً؛ والمنكر معروفاً، فنشأ4على ذلك الصغير، وهرم عليه الكبير.
وقد حفظ الله على الأمة دين نبيها محمد5صلى الله عليه وسلم، وشرعه الذي بُعث6به، بطائفة الحق، كما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال بعد إخباره بما يقع من الأمة: "ولا تزال طائفة من أمتي على الحق منصورة، لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم7حتى يأتي أمر الله، وهم على ذلك".8
فأخبر صلى الله عليه وسلم أن الحق لا يزال1في طائفة من ثلاثة وسبعين فرقة، كلها من هذه الأمة، وكل هذه الفرق قد وجدت، كما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم فيما صح عنه من طرق معروفة، وكلها في النار إلا فرقة أهل السنة؛ وهي الفرقة الناجية، وذلك علم2من أعلام نبوته صلى الله عليه وسلم، كما ترى ذلك في أكثر من ينتسب إلى الإسلام، وقد خرجوا من الإسلام رأساً، كما قال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب –رضي الله عنه- في هذا الضرب: "اتباع كل ناعق يميلون مع كل ريح3-وفي لفظ مع كل صاح – لم يستضيئوا بنور العلم، ولم يلجؤا إلى ركن وثيق"4أي من صاح بهم ودعاهم تبعوه، سواء دعاهم إلى هدى أو ضلال، فإنهم لا علم لهم بالذي يدعون إليه أحق هو أم باطل؟ فهم مستجيبون5، وهؤلاء من أضر الخلق على الأديان، فإنهم الأكثرون عدداً الأقلون عند الله قدراً، وهم حطب كل فتنة؛ بهم توقد ويشب ضرامها، فإنها تعتزلها أولوا الدين ويتولاها الهمج الرعاع.
قال6ابن القيم رحمه الله تعالى: (فما سلم من الأمة إلا من سلم له دينه، وقوى إيمانه ويقينه، من المتمسكين بالكتاب والسنة، المتبعين7للحق، الداعين إليه، وهم الأقلون
عدداً الأعظمون عند الله قدراً، فمن1كان كذلك فما أعطى أحد نعمة/ أعظم مما أعطى، فلا سلامة للعبد إلا بالعلم، والعمل به2، وهو معرفة الهدى بدليله).
نسأل الله3الثبات والاستقامة على الإيمان الذي هو مركب الأمان، وعلى الإسلام الذي هو مركب السلامة، وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب.4
ولا يخفى أنه قد حدث في أواخر القرون المفضلة دول شرعوا في5الدين ما لم يأذن به الله وألحدوا، وبدلوا التوحيد بالشرك، والسنة بالبدعة. فمنها دولة الروافض في المشرق، ودولة القرامطة، ودولة بني عبيد القداح في مصر والمغرب وظهرت فيها الإسماعيلية والنصيرية.6
وكل هذه الدول أظهروا من الشرك ما لا يخفى على من عرف أحوالهم، كما بيَّن ذلك أهل السير والتاريخ7، من علماء المسلمين، وظهرت فيها الفلاسفة، وألقوا من الشبهات ما تلقوه عن الصائبة والمشركين، فاشتدت غربة الإسلام بما أظهره هؤلاء من البدع والشرك.
وأما أهل الكلام ممن ينتسب إلى السنة، فاختلفت أقوالهم، وتشتت آراؤهم وصنفوا كتب الكلام، وفيها من الانحراف عن التوحيد ما لا يخفى على من له معرفة بالسنة، فاستحكمت الغربة، وبنيت المساجد على القبور، وحدث من البدع والشرك1بأهل القبور2ما لا يخفى على من له عقل ودين، واتخذوا ذلك ديناً وقربة، وزعم أكثر هؤلاء أن الغلو في الأنبياء والصالحين وعبادتهم هو الدين الذي يحبه الله ويرضاه، واشتد تكفيرهم3على من دعاهم إلى عبادة الله وحده لا شريك له، وترك ما كانوا عليه من الشرك الذي لا يغفره الله.
كل4العداوة قد5ترجى مودتها... إلا عداوة من عاداك في الدين وقد تقدم أن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر أن هذه الأمة تأخذ مأخذ القرون6قبلها، شبراً بشبرٍ، وذراعاً بذراع، وأخبر أنهم فارس والروم، وفي حديث آخر: "لتتبعن سنن من كان قبلكم، حذو القذة بالقذة7، حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه" قالوا: يا رسول الله، اليهود والنصارى؟ قال: "فمن".
وقد وقع ما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم مما قدمنا الإشارة إليه وأعظم، وقد أخبر
علماء [أهل]1السنة من المتقدمين والمتوسطين أن هذه الأمور التي أخبر بها الصادق المصدوق قد وقعت في تلك القرون المتقدمة، وقد قال عبد الله بن المبارك رحمه الله تعالى: وهل أفسد الدين إلا الملو... ك وأحبار سوء ورهبانها وباعوا النفوس ولم يربحوا... /ولم يغل في البيع أثمانها لقد رتع القوم في جيفة... يبين2لذي العقل3إنتانها وفي حديث علي بن أبي طالب المتقدم ما يشير إلى ذلك.4
وفي الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قيل له5: "أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: "نعم، إذا كثر الخبث".6
وقد تقدم من7كلام شيخ الإسلام –رحمه الله تعالى-8في حقيقة الشفاعة، ونرجع إلى ما ذكره مبسوطاً من9كتاب الإيمان فإنه قال: "قال تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ
فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ.
وَلا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَه﴾1، فنفى عما سواه كل ما يتعلق به المشركون.
فنفى أن يكون لغيره ملك، أو قسط من2الملك، أو يكون عوناً لله، ولم يبق إلا الشفاعة، فبيَّن أنها لا تنفع إلا لمن أذن له الرب، كما قال تعالى3: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾4، وقال عن الملائكة: ﴿وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾5،وقال: ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئاً إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى﴾6فهذه الشفاعة التي يظنها المشركون هي منتفية يوم القيامة كما نفاها القرآن.
وأما ما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم أنه يكون، فأخبر أنه: "يأتي فيسجد لربه ويحمده"7لا يبدأ بالشفاعة أولاً، فإذا سجد حمد ربه بمحامد يفتحها عليه، [ثم]8يقال له: أي محمد، ارفع رأسك، وقل يسمع وسل تعطه، واشفع تشفع، فيقول: أي رب أمتي فيحد له حداً، فيدخلهم الجنة"، وكذلك في الثانية، وكذلك في الثالثة، وقال له9أبو هريرة: "من أسعد الناس بشفاعتك؛ يوم القيامة؟ قال: "من قال لا إله إلا الله خالصاً من قلبه" فتلك الشفاعة هي لأهل
التوحيد والإخلاص1، بإذن الله ليست لمن أشرك بالله ولا تكون إلا بإذن الله.
وحقيقته: أن الله هو الذي يتفضل على أهل الإخلاص، فيغفر لهم بواسطة دعاء2الشافع الذي أذن له أن يشفع؛ ليكرمه وينال المقام المحمود الذي يغبطه به3الأولون والآخرون صلى الله عليه وسلم، كما كان في الدنيا يستسقى لهم، ويدعو لهم، وتلك شفاعة منه لهم، فكان الله يجيب دعاءه وشفاعته.
وإذا كان كذلك فالظلم/ ثلاثة أنواع، فالظلم الذي هو شرك لا شفاعة فيه، وظلم الناس بعضهم بعضاً لابد فيه من إعطاء المظلوم حقه، لا يسقط حق المظلوم لا بشفاعة ولا بغيرها، ولكن قد يعطى4المظلوم من5الظالم، كما قد يغفر الظال6نفسه بالشفاعة.
فالظالم المطلق ما له من شفيع مطاع، وأما الموحد فلم يكن ظالماً مطلقاً، بل هو موحد مع ظلمه لنفسه، وهذا إنما نفعه في الحقيقة إخلاصه لله، فبه7صار من أهل الشفاعة.
ومقصود القرآن بنفي الشفاعة8: نفي الشرك، وهو أن أحداً لا يعبد إلا الله، ولا يدعو ولا يسأل غيره، ولا يتوكل على غيره؛ لا في شفاعة ولا غيرها، فليس لأحد أن يتوكل على أحد في أن يرزقه، وإن كان الله يأتيه برزقه بأسباب
يتوكل على غير الله في أن يغفر له، ويرحمه في الآخرة، وإن كان الله يغفر له، ويرحمه بأسباب من شفاعة وغيرها.
فالشفاعة1التي نفاها القرآن مطلقاً2: ما كان فيها شرك (4 وتلك منفية مطلقاً، ولهذا أثبت الشفاعة بإذنه في مواضع34)4وتلك قد بين الرسول صلى الله عليه وسلم أنها لا تكون إلا لأهل التوحيد والإخلاص، فهي من التوحيد، ومستحقها أهل التوحيد".
إلى أن قال –رحمه الله –5في قوله تعالى: ﴿إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِين﴾6: (لم7يريدوا بهم أنهم جعلوهم مساوين لله من كل وجه، فإن هذا لم يقله أحد من بني آدم؛ ولا نقل عن قوم من المكذبين، وكذلك مشركوا العرب كانوا متفقين على أن أربابهم لم تشارك الله في خلق السموات والأرض، بل كانوا مقرين بأن الله وحده خلق السموات والأرض وما بينهما، كما أخبر الله عنهم بذلك8في غير9آية، كقوله10[تعالى]11: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ
السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ.1
اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيم﴾.2
وقال: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ.
الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْداً وَجَعَلَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلاً لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُون﴾3الآيات.
وقال تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ.
بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ وَتَنْسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ﴾4وكذلك قوله: ﴿آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ.5
أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ6مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَا كَانَ/ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ.
أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَاراً وَجَعَلَ خِلالَهَا أَنْهَاراً وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزاً أَإِلَهٌ مَعَ اللَّه﴾7وهذا استفهام إنكار، وهم مقرون بأنه لم8يفعل هذا إله أخر مع الله.
ومن قال من المفسرين إن المراد: هل مع الله إله آخر، فقد غلط، فإنهم كانوا يجعلون مع الله آلهة أخرى، كما قال تعالى: ﴿أَإِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللَّهِ
آلِهَةً أُخْرَى قُلْ لا أَشْهَدُ﴾.1
وقال تعالى: ﴿فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ﴾.2
وقال تعالى عنهم: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهاً وَاحِداً إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَاب﴾.3
وكانوا مقرين4بأن آلهتهم لم تشارك5الله في خلق السموات والأرض؛ ولا خلق شيء بل كانوا يتخذونهم شفعاء ووسائط كما قال تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ6اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ7وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾8وقال [عن]9صاحب يس: ﴿وَمَا لِيَ لا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ.
أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ لا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئاً وَلا يُنْقِذُونِ﴾10، وقال تعالى11: ﴿وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلا شَفِيعٌ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُون﴾12، وقال: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ مَا لَكُمْ مِنْ
دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا شَفِيعٍ أَفَلا تَتَذَكَّرُونَ؟﴾1) انتهى كلامه رحمه الله تعالى.
وقد أتى على كشف كل شبهة يوردها مبطل، فيما ينافي التوحيد والإخلاص، كما قال تعالى: ﴿أَقِمْ2وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ.
وَلا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنْفَعُكَ وَلا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذاً مِنَ الظَّالِمِينَ.
وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ.
قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ.وَاتَّبِعْ3مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَاصْبِرْ/ حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ﴾.4
وبهذه الآيات العظيمة حصل الختام، فلله الحمد لا نحصي يناء عليه والله أسأل أن يجعل ما كتبناه من هذا الرد وغيره خالصاً لوجهه الكريم، موجباً للفوز بجنات النعيم، (5 وصلى الله على سيدنا المرسلين، وإمام المتقين، وعلى آله وصحبه أجمعين وسلم تسليماً كثيراً.5