أهل الأثرالأرشيف العلمي

الجزء: 2

بطاقة الكتاب وفهرس الموضوعات

الكتاب: إغاثة اللهفان في مصايد الشيطان

[آثار الإمام ابن قيم الجوزية وما لحقها من أعمال (٢٥)]

المؤلف: أبو عبد الله محمد بن أبي بكر بن أيوب ابن قيم الجوزية (٦٩١ - ٧٥١)

حققه: محمد عزير شمس

خرج أحاديثه: مصطفى بن سعيد إيتيم

راجعه: سليمان بن عبد الله العمير - محمد أجمل الإصلاحي

الناشر: دار عطاءات العلم (الرياض) - دار ابن حزم (بيروت)

الطبعة: الثالثة , ١٤٤٠ هـ - ٢٠١٩ م (الأولى لدار ابن حزم)

عدد الأجزاء: ٢ (متسلسلة الترقيم)

قدمه للشاملة: مؤسسة «عطاءات العلم» , جزاهم الله خيرا

[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

صفحة المؤلف: []

فصل

وللحيل التي يتخلص بها من مكر غيره والغدر به أمثلة:

المثال الأول: إن استأجر منه أرضا أو بستانا أو دارا سنين، ثم لا يأمن مكره إذا صلحت الأرض والبستان، بنوع من أنواع المكر والغدر، ولو لم يكن إلا بأن يدعي أن أجرة المثل في هذه الحال أكثر مما سمى.

فالحيلة في أمنه من ذلك: أن يسمي لكل سنة أجرا معلوما، ويجعل أجرة السنين المتأخرة معظم الأجرة، وأقلها للسنين الأول، فلا يسهل عليه المكر به بعد ذلك.

وعكسه: إذا خاف المؤجر مكر المستأجر وغدره في المستقبل، جعل معظم الأجرة في السنين الأول، وأقلها في الأواخر.

المثال الثاني: أن يخاف المؤجر غيبة المستأجر، فلا يتمكن من مطالبة امرأته بالأجرة ولا من إخراجها؛ لأنها في أيديهم.

فالحيلة في أمنه من ذلك: أن يؤجرها رب الدار من المرأة، فإن دخل عليه تعذر مطالبتها بالأجرة؛ ضمن الزوج الأجرة، أو أخذ بها رهنا، فإن كان قد آجر من الزوج، وخاف غيبته، أشهد على إقرار المرأة أن الدار له، وأنها في يدها بحكم إجارة الزوج إلى مدة كذا وكذا، وإن كفل المرأة وقت العقد أنها ترد إليه الدار عند انقضاء المدة نفعه ذلك.

الجزء: 2 - الصفحة: 667

المثال الثالث: أن يخاف المستأجر أن يزاد عليه في الأجرة، ويفسخ عقده، إما بكون المؤجرة وقفا عند من يرى ذلك، أو يتحيل عليه، حتى يبطل عقده.

فالحيلة في أمنه وتخلصه: أن يسمي للأجرة أكثر مما اتفقا عليه، ثم يصارفه عليه بقدر المسمى ويدفعه إليه، ويشهد عليه أنه قبض المسمى الذي وقع عليه العقد، فإذا مكر به وطلب فسخ عقده بما قبضه من المسمى طالبه بما وقع عليه العقد، هذا إذا تعذر عليه رفع تلك الإجارة إلى حاكم يحكم بلزومها، وعدم فسخها للزيادة.

المثال الثالث: أن يخاف غيبة المستأجر أن يزاد عليه في الأجرة أو يفسخ العقد

، فيأبى [٨٧ أ] المالك ويفسخ العقد، ويرجع عليه بالأجرة.

فالحيلة في تخلصه: أن يضمن المؤجر درك العين المستأجرة، وإن ضمن من يخاف منه الاستحقاق ومطالبته كان أقوى.

المثال الخامس: أن يخاف فلس المستأجر، ولم يجد من يضمنه الأجرة.

فالحيلة في فسخه: أن يشهد عليه في العقد أنه متى تعذر عليه القيام بأجرة شهر أو سنة فله الفسخ، ويصح هذا الشرط ولو لم يشرط ذلك؛ فإنه يملك الفسخ عند تعذر قبض أجرة ذلك الشهر، أو السنة، ويكون حدوث الفلس عيبا في الذمة، يتمكن به من الفسخ، كما يكون حدوث العيب في العين المستأجرة مسوغا للفسخ.

الجزء: 2 - الصفحة: 668

وهذا ظاهر إذا سمى لكل شهر أو سنة قسطا معلوما، ولا يعين مقدار المدة، بل يقول: آجرتك كل سنة بكذا، أو: كل شهر بكذا، تقوم لي بالأجرة في أول الشهر أو السنة، فإن أفلس قبل مضي شيء من المدة ملك المؤجر الفسخ، وإن أفلس بعد مضي شيء منها فهل يملك الفسخ؟ على وجهين:

أحدهما: لا يملكه؛ لأن مضي بعضها كتلف بعض المبيع، وهو يمنع الرجوع.

والثاني: يملكه، وهو قول القاضي، وهو الصحيح؛ لأن المنافع إنما تملك شيئا فشيئا، بخلاف الأعيان، فإنها تملك في آن واحد، فيتعذر (^١) تجدد العقد عند تجدد المنافع.

المثال السادس: إذا خاف المستأجر أن تنهدم الدار، فيعمرها، فلا يحتسب عليه المؤجر بما أنفق.

فالحيلة في ذلك: أن يقول وقت العقد: وأذن المؤجر للمستأجر أن يعمر ما تحتاج الدار إلى عمارته من أجرتها، ويقدر لذلك قدرا معلوما، فيقول مثلا: بمئة فما دونها، أو يقول: من عشرة إلى مئة، فإن لم يفعل ذلك واحتاجت إلى عمارة لا يتم الانتفاع إلا بها، فأشهد على ذلك وعلى ما أنفق عليها، وأنه غير متبرع به، وحسب له من الأجرة.

وكذلك إذا استأجر منه دابة، واحتاجت إلى علف، وخاف أن لا يحتسب له به المؤجر، فعل مثل ذلك.

فإن قال: أذنت لك أن تنفق على الدار أو الدابة ما تحتاج إليه، فادعى

(^١) م: «فيقدر».
والمثبت من باقي النسخ.

الجزء: 2 - الصفحة: 669

قدرا وأنكره المؤجر، فالقول قول المؤجر.

والحيلة في قبول قول المستأجر: أن يسلف رب الدار ما يعلم أنها تحتاج إليه من العمارة، ويشهد عليه بقبضه من الأجرة، ثم يدفعها إليه، ويوكله أن ينفق منه على الدار أو الدابة ما تحتاج إليه، فالقول حينئذ قوله؛ لأنه أمين.

فإن خاف المؤجر أن يستهلك المستأجر المال الذي قبضه، ويقول: إنه تلف، وهو أمانة، فلا يلزمني ضمانه؛ فالحيلة في أمنه من ذلك: أن يقرضه إياه، ويجعله في ذمته، ثم يوكله أن ينفق على العين ما تحتاج إليه من ذلك.

المثال السابع: إذا آجره دابة، أو دارا مدة معلومة، وخاف أن يحبسها عنه بعد انقضاء المدة، فطريق التخلص من ذلك: أن يقول: فإذا انقضت المدة فأجرتها بعدها لكل يوم دينار، أو نحوه، فلا يسهل عليه حبسها بعد انقضاء المدة.

المثال الثامن: إذا كان له عليه دين، فقال: اشتر له به كذا، ففعل، لم يبرأ من الدين بذلك؛ لأنه لا يكون مبرئا لنفسه من دين الغير بفعله.

فطريق التخلص: أن يشهد على إقرار رب الدين أن من عليه الدين بريء منه بعد شرائه لمستحقه كذا وكذا.

والقياس أنه يبرأ بالشراء، وإن لم يفعل ذلك؛ لأنه بتوكيله له قد أقامه مقام نفسه، كما قام مقامه في التصرف قام مقامه في الإبراء، فهو لم يبرأ بفعل نفسه لنفسه، وإنما برئ بفعله لموكله القائم مقام فعل الموكل.

المثال التاسع: إذا أراد أن يستأجر إلى مكان بأجرة [٨٧ ب] معلومة، فإن

الجزء: 2 - الصفحة: 670

لم يبلغه وأقام دونه، فالأجرة كذا وكذا، فقالوا: لا يصح العقد؛ لأنا لا نعلم على أي المسافتين وقع العقد؟

قالوا: والحيلة في تصحيحه: أن يسمي للمكان الأقرب أجرة، ثم يسمي منه إلى المكان الأبعد أجرة أخرى، فيقول مثلا: آجرتك إلى الرملة بمئة، ومن الرملة إلى مصر بمئة، لكن لا يأمن المستأجر مطالبة المؤجر له بالأجرة إلى المكان الأقصى، ويكون قد أقام في المكان الأقرب.

فالحيلة في تخلصه: أن يشترط عليه الخيار في العقد الثاني إن شاء أمضاه، وإن شاء فسخه.

ويصح اشتراط الخيار في عقد الإجارة، إذا كانت على مدة لا تلي العقد.

والقياس يقتضي صحة الإجارة على أنه إن وصل إلى مكان كذا وكذا فالأجرة مئة، وإن وصل إلى مكان كذا وكذا فالأجرة مئتان، ولا غرر في ذلك، ولا جهالة.

وكذا إذا قال: إن خطت هذا الثوب روميا؛ فلك درهم، وإن خطته فارسيا؛ فلك نصف درهم؛ فإن العمل إنما يقع على وجه واحد.

وكذلك قطع المسافة، فإنه إما أن يقطع القريبة أو البعيدة، فلا يشبه هذا قوله: بعتكه بعشرة نقدا، أو عشرين نسيئة؛ فإنه إذا أخذه لا يدري بأي الثمنين أخذ، فيقع التنازع، ولا سبيل لنا إلى العلم بالمعين منهما، بخلاف عقد الإجارة؛ فإن استيفاء المعقود عليه لا يقع إلا معينا، فيجب أجره (^١).

(^١) بعدها في ح زيادة «عمله».

الجزء: 2 - الصفحة: 671

المثال العاشر: إذا زرع أرضه، ثم أراد أن يؤجرها، والزرع قائم، لم يجز؛ لتعذر انتفاع المستأجر بالأرض.

وطريق تصحيحها: أن يبيعه الزرع، ثم يؤجره الأرض، فإن أحب بقاء الزرع على ملكه قدر لكماله مدة معينة، ثم آجره الأرض بعد تلك المدة إجارة مضافة.

فإن خاف أن يفسخ عليه العقد حاكم يرى بطلان هذه الإجارة، فالحيلة: أن يبيعه الزرع، ثم يؤجره الأرض، فإذا تم العقد اشترى منه الزرع، فعاد الزرع إلى ملكه، وصحت الإجارة.

المثال الحادي عشر: إذا أراد أن يؤجره الأرض على أن خراجها على المستأجر لم يصح؛ لأن الخراج تابع لرقبة الأرض، فهو على مالكها، لا على المنتفع بها من مستأجر، أو مستعير.

وطريق الجواز: أن يؤجره إياها بأجرة زائدة على أجرة مثلها، بقدر خراجها، ثم يشهد عليه أنه قد أذن للمستأجر أن يدفع من أجرة الأرض في الخراج كل سنة كذا وكذا.

وكذلك لو استأجر دابة على أن يكون علفها على المستأجر لم يصح.

وطريق الحيلة: أن يستأجرها بشيء مسمى، ثم يقدر له ما تحتاج إليه الدابة، ويوكله في إنفاقه عليها.

والقياس يقتضي صحة العقد بدون ذلك، فإنا نصحح استئجار الأجير بطعامه وكسوته، كما آجر موسى عليه السلام نفسه بعفة فرجه وشبع بطنه، فكذلك يجوز إجارة الدابة بعلفها، وكما يجوز أن يكون علفها جميع الأجرة يجوز أن يكون بعض الأجرة، والبعض الآخر شيء مسمى.

الجزء: 2 - الصفحة: 672

المثال الثاني عشر: لا تجوز إجارة الأشجار؛ لأن المقصود منها الفواكه، وذلك بمنزلة بيعها قبل بدوها.

قالوا: والحيلة في جوازه: أن يؤجره الأرض، ويساقيه على الشجر بجزء معلوم.

قال شيخ الإسلام: وهذا لا يحتاج إليه، بل الصواب جواز (^١) إجارة الشجر، كما فعل عمر بن الخطاب رضي الله عنه بحديقة أسيد بن حضير، فإنه آجرها سنين (^٢)، وقضى بها دينه (^٣).

قال: وإجارة الشجر لأجل (^٤) ثمرها بمنزلة إجارة الأرض لمغلها؛ فإن المستأجر يقوم على الشجر بالسقي والإصلاح والزيار (^٥) في الكرم، حتى تحصل الثمرة، كما يقوم على الأرض بالحرث والسقي والبذر، حتى يحصل

(^١) «جواز» ساقطة من م. (^٢) م: «سنتين».
(^٣) رواه ابن أبي شيبة (٥/ ١٤) عن أبي أسامة عن هشام بن عروة عن سعد مولى عمر أن أسيد بن حضير مات وعليه دين، فباع عمر ثمرة أرضه سنتين.
ورواه بن السكن ــ كما في الإصابة (١/ ٨٣) ــ وابن عساكر في تاريخ دمشق (٩/ ٩٤) من طريقين عن هشام بن عروة عن أبيه قال: لما مات أسيد باع عمر ماله ثلاث سنين فوفى بها دينه، وقال: لا أترك بني أخي عالة، فرد الأرض وباع ثمرها.
هذا لفظ ابن السكن، ولفظ ابن عساكر: أربع سنين.
ورواه ابن سعد في الطبقات (٣/ ٦٠٦) من طريق عبد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر، وفيه أنه باعها أربع سنين.
(^٤) في بعض النسخ: «لأخذ».
(^٥) كل ما كان صلاحا لشيء وعصمة له.

الجزء: 2 - الصفحة: 673

[٨٨ أ] المغل، فثمرة الشجر تجرى مجرى مغل الأرض (^١).

فإن قيل: الفرق بين المسألتين: أن المغل من البذر، وهو ملك المستأجر، والمعقود عليه: الانتفاع بإيداعه في الأرض، وسقيه، والقيام عليه، بخلاف استئجار الشجر؛ فإن الثمرة من الشجر، وهي ملك المؤجر.

فالجواب من وجوه:

أحدها: أن هذا لا تأثير له في صحة العقد وبطلانه، وإنما هو فرق عديم التأثير.

الثاني: أن هذا يبطل باستئجار الأرض لكلئها وعشبها الذي ينبته الله سبحانه وتعالى، بدون بذر (^٢) من المستأجر، فهو نظير ثمرة الشجر.

الثالث: أن الثمرة إنما حصلت بالسقي والخدمة، والقيام على الشجرة، فهي متولدة من عمل المستأجر، ومن الشجرة، فللمستأجر سعي (^٣) وعمل في حصولها.

الرابع: أن تولد الزرع ليس من البذر وحده، بل من البذر، والتراب، والماء، والهواء؛ فحصول الزرع من التراب الذي هو ملك المؤجر كحصول الثمرة من الشجر، والبذر في الأرض قائم مقام السقي للشجر، فهذا أودع في أرض المؤجر عينا جامدة، وهذا أودع في شجره عينا مائعة، ثم حصلت الثمرة من أصل هذا، وماء المستأجر وعمله، كما حصل العمل من أرض

(^١) في ش بعدها زيادة: «بالحرث والسقي».
(^٢) ح: «عناية».
(^٣) ح: «سقي».

الجزء: 2 - الصفحة: 674

هذا، وبذر المستأجر وعمله.

وهذا من أصح قياس على وجه الأرض.

وبه يتبين أن الصحابة رضي الله عنهم أفقه الأمة وأعلمهم بالمعاني المؤثرة في الأحكام، ولم ينكر أحد من الصحابة على عمر، فهو إجماع منهم.

ثم إن هذه الحيلة التي ذكرها هؤلاء تتعذر غالبا إذا كان البستان ليتيم أو وقفا؛ فإن المؤجر ليس له أن يحابي في المساقاة حينئذ.

ولا يخلص من ذلك محاباة المستحق في إجارة الأرض؛ فإنه إذا أربحه في عقد لم يجز له أن يخسره في عقد آخر.

ولا يخلص من ذلك اشتراط عقد في عقد، بأن يقول: إنما أساقيك على جزء من ألف جزء، وبشرط أن أوجرك الأرض بكذا وكذا، فإن هذا لا يصح.

فعلى ما فعله الصحابة وهو مقتضى القياس الصحيح لا يحتاج إلى هذه الحيلة، وبالله التوفيق.

المثال الثالث عشر: إذا اشترى دارا أو أرضا، وخاف أن تخرج وقفا أو مستحقة

؛ فتؤخذ منه هي وأجرتها.

فالحيلة: أن يضمن البائع أو غيره درك المبيع، وأنه ضامن لما غرمه المشتري من ذلك، ويصح ضمان الدرك، حتى عند من يبطل ضمان المجهول، وضمان ما لم يجب، للحاجة إلى ذلك.

فإن ضمن من يخاف استحقاقه كان أقوى.

الجزء: 2 - الصفحة: 675

فإن خاف أن يظهر استحقاق على وارثه بعد موته ضمن الدرك ورثة البائع، أو ورثة من يخاف استحقاقه إن أمكنه.

فإن كان على ثقة أنه متى استحق عليه المبيع رجع بثمنه، ولكن يغرم قيمة (^١) المنفعة، وهي أجرة المثل لمدة استيلائه على العين.

وهذا قول ضعيف جدا؛ فإن المشتري إنما دخل على أن يستوفى المنفعة بلا عوض، والعوض الذي بذله في مقابلة العين لا للانتفاع، فإلزامه بالأجرة إلزام بما لم يلزمه، وكذلك نقول في المستعير: إذا استحقت العين لم يلزمه عوض المنفعة؛ لأنه إنما دخل على أن ينتفع مجانا بلا عوض، بخلاف المستأجر فإنه التزم الانتفاع بالعوض، ولكن لا يلزمه إلا المسمى الذي دخل عليه.

وكذلك

الأمة المشتراة إذا وطئها، ثم استحقت لم يلزمه المهر

؛ لأنه دخل على أن يطأها مجانا، بخلاف الزوج، فإنه دخل على أن الوطء في مقابلة المهر، ولكن لا يلزمه إذا استحقت إلا المسمى.

وعلى هذا فليس للمستحق أن يطالب المغرور؛ لأنه معذور غير ملتزم للضمان، وهو محسن غير ظالم، فما عليه من سبيل، وهذا هو الصواب، فإن طالبه على القول [٨٨ ب] الآخر رجع على من غره بما لم يلتزم ضمانه خاصة، ولا يرجع عليه بما التزم غرامته.

فإذا غرم المودع أو المتهب قيمة العين والمنفعة رجع على الغار بهما، وإذا غرم المستأجر ذلك رجع بقيمة العين، دون قيمة المنفعة، إلا أنه يرجع

(^١) في الأصل: «فيه».

الجزء: 2 - الصفحة: 676

بالزائد على المسمى، حيث لم يلتزم ضمانه، وإذا ضمن وهو مشتر أو مستعير قيمة العين والمنفعة رجع بقيمة المنفعة، دون قيمة العين، لكنه يرجع بما زاد على الثمن المسمى.

والمقصود: أن هذا المشتري متى خاف أن يطالب بقيمة المنفعة إذا استحق عليه المبيع؛ فالحيلة في تخلصه من ذلك: أن يستأجر منه الدار أو الأرض سنين معلومة بأجرة مسماة، ثم يشتريها منه بعد ذلك، ويشهد عليه أنه أقبضه الأجرة، فمتى استحقت العين، وطولب بعوض المنفعة طالب هو المؤجر بما قبضه من الأجرة، لما ظهرت الإجارة باطلة.

المثال الرابع عشر: إذا وكله أن يتزوج له امرأة معينة أو يشتري له جارية معينة، ثم خاف الموكل أن تعجب وكيله فيتزوجها، أو يشتريها لنفسه، فطريق التخلص من ذلك في الجارية أن يقول له: ومتى اشتريتها لنفسك فهي حرة، ويصح هذا التعليق والعتق.

وأما الزوجة: فمن صحح هذا التعليق فيها كمالك وأبي حنيفة نفعه، وأما على قول الشافعي وأحمد فإنه لا ينفعه.

فطريق التخلص: أن يشهد عليه أنها لا تحل له، وأن بينهما سببا يقتضي تحريمها عليه، وأنه متى نكحها كان نكاحه باطلا.

فإن أراد الوكيل أن يتزوجها أو يشتريها لنفسه، ولا يأثم فيما بينه وبين الله، فالحيلة: أن يعزل نفسه عن الوكالة، ثم يعقد عليها لنفسه، ولو عقد عليها لنفسه كان ذلك عزلا لنفسه عن الوكالة.

فإن خاف أن لا يتم له ذلك، بأن يرفعه إلى حاكم حنفي يرى أنه لا يملك الوكيل عزل نفسه في غيبة الموكل، فأراد التخلص من ذلك فالطريق

الجزء: 2 - الصفحة: 677

في ذلك: أن يشتريها لنفسه بغير جنس ما أذن له فيه، فإنه إذا اشتراها لنفسه بجنس ما أذن له فيه يضمن ذلك عزل نفسه في غيبة موكله، وهو ممتنع، فإذا اشتراها بغير الجنس حصل الشراء له، ولم يكن ذلك عزلا لنفسه.

المثال الخامس عشر: إذا وكله في بيع جارية، ووكله آخر في شرائها

، فإن قلنا: الوكيل يتولى طرفي العقد جاز أن يكون بائعا مشتريا لهما.

وإن منعنا ذلك فالطريق: أن يبيعها لمن يستوثق منه أن يشتريها منه، ثم يشتريها لموكله، فإن خاف أن لا يفي له المشتري الذي يستوثق (^١) منه، فالحيلة: أن يبيعه إياها بشرط الخيار، فإن وفى له بالبيع وإلا كان متمكنا من الفسخ.

المثال السادس عشر: لا يملك خلع ابنته بصداقها، فإن ظهرت المصلحة في ذلك لها فالطريق: أن يتملكه عليها، ثم يخلعها من زوجها به، فيكون قد اختلعها بماله.

والصحيح: أنه لا يحتاج إلى ذلك، بل إذا ظهرت المصلحة في افتدائها من الزوج بصداقها جاز ذلك، وكان بمنزلة افتدائها من الأسر بمالها، وربما كان هذا خيرا لها.

المثال السابع عشر: إذا وكله أن يشتري له متاعا فاشتراه، ثم أراد أن يبعث به إليه، فخاف أن يهلك، فيضمنه الوكيل، فطريق التخلص من ذلك: أن يستأذن الوكيل أن يعمل في ذلك برأيه، ويفوض إليه ذلك، فإذا أذن له فبعث به فتلف لم يضمنه.

(^١) في الأصل: «يوثق».

الجزء: 2 - الصفحة: 678

المثال الثامن عشر: إذا أراد أن يسلم وعنده خمر أو خنازير، وأراد أن لا يتلف عليه، فالحيلة: أن يبيعها لكافر قبل الإسلام، ثم يسلم، وتكون له المطالبة بالثمن، سواء أسلم المشتري أو بقي [٨٩ أ] على كفره.

نص على هذا أحمد في مجوسي باع مجوسيا خمرا، ثم أسلما، يأخذ الثمن الذي (^١) قد وجب له يوم باعه.

المثال التاسع عشر: إذا كان له عصير، فخاف أن يتخمر، فلا يجوز له بعد ذلك أن يتخذه خلا، فالحيلة: أن يلقي فيه أولا ما يمنع تخمره، فإن لم يفعل حتى تخمر وجب عليه إراقته، ولم يجز له حبسه حتى يتخلل، فإن فعل لم يطهر ولم يبح؛ لأن حبسه معصية، وعوده خلا نعمة، فلا يستباح بالمعصية.

المثال العشرون: إذا كان له على رجل دين مؤجل، وأراد رب الدين السفر، وخاف أن يتوى (^٢) ماله، أو احتاج إليه، ولا يمكنه المطالبة قبل الحلول، فأراد أن يضع عن الغريم البعض، ويعجل باقيه، فقد اختلف السلف والخلف في هذه المسألة:

فأجازها ابن عباس، وحرمها ابن عمر.

وعن أحمد فيها روايتان، أشهرهما عنه: المنع، وهي اختيار جمهور أصحابه.

والثانية: الجواز، حكاها ابن أبي موسى، وهي اختيار شيخنا.

(^١) «الذي» زيادة من ت. (^٢) في الأصل: «يفوت»، والمثبت من النسخ الأخرى.

الجزء: 2 - الصفحة: 679

وحكى ابن عبد البر في «الاستذكار» (^١) ذلك عن الشافعي قولا.

وأصحابه لا يكادون يعرفون هذا القول، ولا يحكونه!

وأظن أن هذا إن صح عن الشافعي فإنما هو فيما إذا جرى ذلك بغير شرط، بل لو عجل له بعض دينه وذلك جائز، فأبرأه من الباقي، حتى لو كان قد شرط ذلك قبل الوضع والتعجيل، ثم فعلاه بناء على الشرط المتقدم، صح عنده؛ لأن الشرط المؤثر في مذهبه: هو الشرط المقارن، لا السابق.

وقد صرح بذلك بعض أصحابه، والباقون قالوا: لو فعل ذلك من غير شرط جاز، ومرادهم الشرط المقارن.

وأما مالك فإنه لا يجوزه مع الشرط، ولا دونه، سدا للذريعة.

وأما أحمد فيجوزه في دين الكتابة، وفى غيره عنه روايتان.

واحتج المانعون بالآثار والمعنى.

أما الآثار: ففي «سنن البيهقي» (^٢) عن المقداد بن الأسود، قال: أسلفت رجلا مئة دينار، ثم خرج سهمي في بعث بعثه رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم -، فقلت له: عجل تسعين دينارا، وأحط عشرة دنانير، فقال: نعم.
فذكرت (^٣) ذلك لرسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم -؟ فقال: «أكلت ربا مقداد! وأطعمته».

وفي سنده ضعف.

(^١) (٢٠/ ٢٦٢). (^٢) رواه البيهقي في الكبرى (٦/ ٢٨)، وقال: «في إسناده ضعف».
(^٣) في الأصل: «فذكر».

الجزء: 2 - الصفحة: 680

وصح عن ابن عمر (^١): أنه قد سئل عن الرجل يكون له الدين على رجل إلى أجل، فيضع عنه صاحبه، ويعجل له الأجر، فكره ذلك ابن عمر، ونهى عنه.

وصح عن أبي المنهال (^٢)، أنه سأل ابن عمر رضي الله عنهما، فقال: لرجل علي دين، فقال لي: عجل لي لأضع عنك، قال: فنهاني عنه، وقال: نهى أمير المؤمنين يعنى عمر أن يبيع العين بالدين.

وقال أبو صالح مولى السفاح واسمه عبيد: بعت بزا من أهل السوق إلى أجل، ثم أردت الخروج إلى الكوفة، فعرضوا علي أن أضع عنهم، وينقدوني، فسألت عن ذلك زيد بن ثابت، فقال: لا آمرك أن تأكل هذا ولا تؤكله.
رواه مالك في «الموطأ» (^٣).

وأما المعنى: فإنه إذا تعجل البعض وأسقط الباقي فقد باع الأجل بالقدر الذي أسقطه، وذلك عين الربا، كما لو باع الأجل بالقدر الذي يريده، إذا حل عليه الدين، فقال: زدني في الدين وأزيدك في المدة، فأي فرق بين أن تقول: حط من الأجل، وأحط من الدين، أو تقول: زد في الأجل، وأزيد في الدين؟

(^١) رواه مالك (١٣٥٢) عن عثمان بن حفص عن ابن شهاب عن سالم بن عبد الله عن أبيه، ومن طريق مالك رواه الطحاوي في شرح المشكل (١١/ ٦١)، والبيهقي في الكبرى (٦/ ٢٨). ورواه بعضهم من طريق ميسرة عن ابن عمر.
(^٢) رواه عبد الرزاق (٨/ ٧٢) والبيهقي في الكبرى (٦/ ٢٨) عن ابن عيينة عن عمرو بن دينار عن أبي المنهال به.
(^٣) الموطأ (١٣٥١)، ورواه أيضا عبد الرزاق (٨/ ٧١)، ومن طريق مالك رواه الطحاوي في شرح المشكل (١١/ ٦١، ٦٢) والبيهقي في الكبرى (٦/ ٢٨).

الجزء: 2 - الصفحة: 681

قال زيد بن أسلم: كان ربا الجاهلية: أن يكون للرجل على الرجل الحق إلى أجل، فإذا حل الحق قال له غريمه: أتقضي أم تربي؟ فإن قضاه أخذه، وإلا زاده في حقه، وأخر عنه في الأجل، رواه مالك (^١).

وهذا الربا مجمع [٨٩ ب] على تحريمه وبطلانه، وتحريمه معلوم من دين الإسلام، كما يعلم تحريم الزنى، واللواط، والسرقة.

قالوا: فنقص الأجل في مقابلة نقص العوض كزيادته في مقابلة زيادته، فكما أن هذا ربا، فكذلك الآخر.

قال المبيحون: صح عن ابن عباس (^٢) رضي الله عنهما: أنه كان لا يرى بأسا أن يقول: أعجل لك وتضع عني، وهو الذي روى أن رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - لما أمر بإخراج بني النضير من المدينة جاءه ناس منهم، فقالوا: يا رسول الله! إنك أمرت بإخراجهم، ولهم على الناس ديون لم تحل، فقال النبي - صلى الله عليه وآله وسلم -: «ضعوا وتعجلوا».

(^١) رواه مالك (١٣٥٣) عنه، ومن طريق مالك رواه البيهقي في الكبرى (٥/ ٢٧٥). ورواه الطبري في تفسيره (٧٨٢٦) من طريق ابن وهب عن ابن زيد عن أبيه قال: «إنما كان الربا في الجاهلية في التضعيف وفي السن»، ثم بين ذلك.
(^٢) رواه عبد الرزاق (٨/ ٧٢)، والطحاوي في شرح المشكل (١١/ ٦١)، والبيهقي في الكبرى (٦/ ٢٨) من طريقين عن عمرو بن دينار عن ابن عباس.
ورواه عبد الرزاق (٨/ ٧٢) عن معمر عن ابن طاوس عن أبيه عن ابن عباس.
ورواه عبد الرزاق (٨/ ٤٢٩) وابن أبي شيبة (٤/ ٤٧١) ــ ومن طريقه البيهقي (١٠/ ٣٣٥) ــ من طريق جابر الجعفي عن عطاء عن ابن عباس في الرجل يقول لمكاتبه: عجل لي وأضع عنك: لا بأس به، وعزاه البوصيري في الإتحاف (٥/ ٤٦١) للحاكم.

الجزء: 2 - الصفحة: 682

قال أبو عبد الله الحاكم (^١): «هو صحيح الإسناد».

قلت: هو على شرط «السنن».
وقد ضعفه البيهقي.
وإسناده ثقات، وإنما ضعف بمسلم بن خالد الزنجي، وهو ثقة فقيه، روى عنه الشافعي واحتج به.

وقال البيهقي (^٢): «باب من عجل له أدنى من حقه قبل محله، فوضع عنه، طيبة به أنفسهما».

وكأن مراده أن هذا وقع بغير شرط، بل هذا عجل، وهذا وضع، ولا محذور في ذلك.

قالوا: وهذا ضد الربا؛ فإن ذلك يتضمن الزيادة في الأجل والدين، وذلك إضرار محض بالغريم، ومسألتنا تتضمن براءة ذمة الغريم من الدين، وانتفاع صاحبه بما يتعجله، فكلاهما حصل له الانتفاع من غير ضرر، خلاف الربا المجمع عليه؛ فإن ضرره لاحق بالمدين، ونفعه مختص برب الدين، فهذا ضد الربا صورة ومعنى.

(^١) رواه الطحاوي في شرح المشكل (٤٢٧٧)، والطبراني في الأوسط (٨١٧، ٦٧٥٥)، والحاكم (٢٣٢٥)، والبيهقي في الكبرى (٦/ ٢٨)، وخلاصة ما أعل به الإرسال والاضطراب وضعف راويه وجهالة آخر، فرجح أبو حاتم إرساله كما في العلل (١١٣٤)، وضعفه العقيلي (٣/ ٢٥١)، والدارقطني (٣/ ٤٦)، وابن القطان في بيان الوهم والإيهام (٣/ ١٣٢)، والذهبي، وقال ابن كثير في البداية (٤/ ٨٧): «في صحته نظر»، وقال الهيثمي في المجمع (٤/ ٢٣٤): «فيه مسلم بن خالد وهو ضعيف وقد وثق»، ومع ذلك قال المصنف في أحكام أهل الذمة (١/ ٣٩٦): «إسناده حسن، ليس فيه إلا مسلم بن خالد، وحديثه لا ينحط عن رتبة الحسن».
(^٢) السنن الكبرى (٦/ ٢٧).

الجزء: 2 - الصفحة: 683

قالوا: ولأن مقابلة الأجل (^١) بالزيادة في الربا ذريعة إلى أعظم الضرر، وهو أن يصير الدرهم الواحد ألوفا مؤلفة، فتشتغل الذمة بغير فائدة، وفي «ضع وتعجل» تتخلص ذمة هذا من الدين، وينتفع ذاك بالتعجيل له.

قالوا: والشارع له تطلع إلى براءة الذمم من الديون، وسمى الغريم المدين: أسيرا، ففي براءة ذمته تخليص له من الأسر، وهذا ضد شغلها بالزيادة مع الصبر.

وهذا لازم لمن قال: يجوز ذلك في دين الكتابة، وهو قول أحمد، وأبي حنيفة؛ فإن المكاتب مع سيده كالأجنبي في باب المعاملات، ولهذا لا يجوز أن يبيعه درهما بدرهمين، ولا يبايعه بالربا، فإذا جاز له أن يتعجل بعض كتابته، ويضع عنه باقيها، لما له في ذلك من مصلحة تعجيل العتق، وبراءة ذمته من الدين، لم يمنع ذلك في غيره من الديون.

ولو ذهب ذاهب إلى التفصيل في المسألة، وقال: لا يجوز في دين القرض، إذا قلنا بلزوم تأجيله، ويجوز في ثمن المبيع والأجرة، وعوض الخلع، والصداق: لكان له وجه؛ فإنه في القرض يجب رد المثل، فإذا عجل له وأسقط باقيه خرج عن موجب العقد، وكان قد أقرضه مئة، فوفاه تسعين بلا منفعة حصلت للمقرض، بل اختص المقترض بالمنفعة، فهو كالمربي سواء في اختصاصه بالمنفعة دون الآخر.

وأما في البيع والإجارة فإنهما يملكان فسخ العقد، وجعل العوض حالا أنقص مما كان، وهذا هو حقيقة الوضع والتعجيل، لكن تحيلا عليه، والعبرة في

(^١) في الأصل: «الأصل».

الجزء: 2 - الصفحة: 684

العقود بمقاصدها لا بصورها، فإن كان الوضع والتعجيل (^١) مفسدة فالاحتيال عليه لا يزيل مفسدته، وإن لم يكن مفسدة لم يحتج إلى الاحتيال عليه.

ف

تلخص في المسألة أربعة مذاهب:

المنع مطلقا، بشرط وبدونه، في دين الكتابة وغيره، كقول مالك.

وجوازه في دين الكتابة دون غيره، كالمشهور من مذهب أحمد، وأبي حنيفة.

وجوازه في الموضعين، كقول ابن عباس، وأحمد في الرواية الأخرى.

وجوازه بلا شرط، وامتناعه مع الشرط المقارن، كقول أصحاب [٩٠ أ] الشافعي، والله أعلم.

المثال الحادي والعشرون: إذا كان له عليه ألف درهم، فصالحه منها على مئة درهم يؤديها إليه في شهر كذا من سنة كذا، فإن لم يفعل فعليه مئتان:

فقال القاضي أبو يعلى: هو جائز، وقد أبطله قوم آخرون.

والحيلة في جوازه على مذهب الجميع: أن يعجل رب المال حط ثمان مئة بتا، ثم يصالح عن (^٢) المطلوب من المئتين الباقيتين على مئة، يؤديها إليه في شهر كذا، على أنه إن أخرها عن هذا الوقت فلا صلح بينهما.

المثال الثاني والعشرون: إذا كاتب عبده على ألف يؤديها إليه في سنتين، فإن لم يفعل فعليه ألف أخرى فهي كتابة فاسدة، ذكره القاضي؛ لأنه علق إيجاب المال بخطر، ولا يجوز ذلك.

(^١) «والتعجيل» ساقطة من م. (^٢) «عن» ساقطة من الأصل.

الجزء: 2 - الصفحة: 685

والحيلة في جوازه: أن يكاتبه على ألفي درهم، ثم يصالحه منها على ألف درهم يؤديها إليه في سنتين، فإن لم يفعل فلا صلح بينهما، فيكون قد علق الفسخ بخطر، فيجوز، وتكون كالمسألة التي قبلها.

المثال الثالث والعشرون: إذا كان له عليه دين حال، فصالحه على تأجيله، أو تأجيل بعضه، لم يلزم التأجيل، فإن الحال لا يتأجل.

والصحيح: أنه يتأجل، كما يتأجل بدل القرض.

وإن كان النزاع في الصورتين، فمذهب أهل المدينة في ذلك هو الراجح.

وطريق الحيلة في صحة التأجيل ولزومه: أن يشهد على إقرار صاحب الدين أنه لا يستحق المطالبة به قبل الأجل الذي اتفقا عليه، وأنه متى طالب به قبله فقد طالب بما لا يستحق، فإذا فعل هذا أمن رجوعه في التأجيل.

المثال الرابع والعشرون: إذا اشترى من رجل دارا بألف، فجاء الشفيع يطلب الشفعة، فصالحه المشتري على نصف الدار بنصف الثمن، جاز ذلك؛ لأن الشفيع صالح على بعض حقه، كما لو صالح من ألف على خمس مئة.

فإن صالحه على بيت من الدار بعينه بحصته من الثمن، يقوم البيت ثم تخرج حصته من الثمن، جاز أيضا؛ لأن حصته معلومة في أثناء الحال، فلا يضر كونها مجهولة حالة الصلح، كما إذا اشترى شقصا وسيفا، فللشفيع أن يأخذ الشقص بحصته من الثمن، وإن كانت مجهولة حال العقد؛ لأن مآلها إلى العلم.

وقال القاضي وغيره من أصحابنا: لا يجوز؛ لأنه صالحه على شيء مجهول.

الجزء: 2 - الصفحة: 686

ثم قال: والحيلة في تصحيح ذلك: أن يشتري الشفيع هذا البيت من المشتري بثمن مسمى، ثم يسلم الشفيع للمشتري ما بقي من الدار، وشراء الشفيع لهذا البيت تسليم للشفعة، ومساومته بالبيت تسليم للشفعة.

فإن أراد الشفيع شراء البيت المعين وبقاءه على شفعته في الباقي،

فالحيلة أن لا يبدأ بالمساومة، بل يصبر حتى يبتدئ المشتري، فيقول: هذا البيت أخذته بكذا وكذا، فيقول الشفيع: قد استوجبته بما أخذته به، ولا يكون مسلما للشفعة في باقي الدار، وليس في هذه الحيلة إبطال حق غيره، وإنما فيها التوصل إلى حقه.

المثال الخامس والعشرون: يجوز تعليق الوكالة على الشرط، كما يجوز تعليق الولاية والإمارة على الشرط، وقد صح عن النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - تعليق الإمارة بالشرط (^١)، وهي وكالة وتفويض وتولية، ولا محذور في تعليق الوكالة بالشرط البتة.

والحيلة في تصحيحها: أن ينجز الوكالة، ويعلق الإذن في التصرف بالشرط؛ وهذا في الحقيقة تعليق لها نفسها بالشرط؛ فإن مقصود الوكالة صحة التصرف ونفوذه، والتوكل وسيلة [٩٠ ب] وطريق إلى ذلك، فإذا لم يمتنع تعليق المقصود بالشرط؛ فالوسيلة أولى بالجواز.

المثال السادس والعشرون: يجوز تعليق الإبراء بالشرط ويصح، وفعله الإمام أحمد، وقال أصحابنا: لا يصح.

(^١) يشير إلى ما قاله النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - عن تأمير زيد بن حارثة، وقد أخرجه البخاري (٤٢٦١) عن ابن عمر.

الجزء: 2 - الصفحة: 687

قالوا: فإذا قال: إن مت فأنت في حل مما لي عليك، فإن علق ذلك بموت نفسه صح؛ لأنه وصية.

وإن علقه بموت من عليه الدين لم يصح؛ لأنه تعليق للبراءة بالشرط، ولا يصح، كما لا يصح تعليق الهبة.

فيقال أولا: الحكم في الأصل غير ثابت بالنص، ولا بالإجماع، فما الدليل على بطلان تعليق الهبة بالشرط؟ وقد صح عن النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - أنه علق الهبة بالشرط في حديث جابر (^١)،قال: «لو قد جاء مال البحرين لأعطيتك هكذا، ثم هكذا، ثم هكذا» ثلاث حثيات، وأنجز له الصديق رضي الله عنه لما جاء مال البحرين بعد وفاة النبي - صلى الله عليه وآله وسلم -.

فإن قيل: كان ذلك وعدا.

قلنا: نعم، والهبة المعلقة بالشرط وعد، وكذلك فعل النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - لما بعث إلى النجاشي بهدية من مسك، وقال لأم سلمة: «إني قد أهديت إلى النجاشي حلة وأواقي من مسك، ولا أرى النجاشي إلا قد مات، ولا أرى هديتي إلا مردودة، فإن ردت علي فهي لك»، وذكر الحديث.
رواه أحمد (^٢).

(^١) أخرجه البخاري (٣١٦٤)، ومسلم (٢٣١٤). (^٢) مسند أحمد (٦/ ٤٠٤) من حديث أم كلثوم، ورواه أيضا ابن سعد في الطبقات (٨/ ٩٥)، وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (٣٤٥٩)، وابن المنذر في الأوسط (٨٩٥)، والطحاوي في شرح المشكل (٣٢٣)، والطبراني في الكبير (٢٥/ ٨١)، والبيهقي في الكبرى (٦/ ٢٦)، وغيرهم، وفي إسناده اختلاف، وصححه الحاكم (٢٧٦٦)، فتعقبه الذهبي بقوله: «منكر، ومسلم الزنجي ضعيف»، وصححه ابن حبان (٥١١٤) من حديث أم كلثوم عن أم سلمة، قال الهيثمي في المجمع (٤/ ٢٦٢): «فيه مسلم بن خالد الزنجي، وثقه ابن معين وغيره وضعفه جماعة، وأم موسى بن عقبة لم أعرفها، وبقية رجاله رجال الصحيح»، وحسن إسناده ابن حجر في الفتح (٥/ ٢٢٢)، وضعفه الألباني في الإرواء (١٦٢٠).

الجزء: 2 - الصفحة: 688

فالصحيح: صحة تعليق الهبة بالشرط عملا بهذين الحديثين.

وأيضا فالوصية تمليك، وهي في الحقيقة تعليق للتمليك بالموت، فإنه إذا قال: إن مت من مرضي هذا فقد أوصيت لفلان بكذا، فهذا تمليك معلق بالموت.

وكذلك الصحيح: صحة تعليق الوقف بالشرط، نص عليه في رواية الميموني في تعليقه بالموت.

وسائر التعليق في معناه، ولا فرق البتة، ولهذا طرده أبو الخطاب، وقال: لا يصح تعليقه بالموت.

والصواب طرد النص، وأنه يصح تعليقه بالموت وغيره، وهو أحد الوجهين في مذهب أحمد، وهو مذهب مالك، ولا يعرف عن أحمد نص على عدم صحته، وإنما عدم الصحة قول القاضي وأصحابه.

وفى المسألة وجه ثالث: أنه يصح تعليقه بشرط الموت، دون غيره من الشروط، وهذا اختيار الشيخ موفق الدين، وفرق بأن تعليقه بالموت وصية، والوصية أوسع من التصرف في الحياة، بدليل الوصية بالمجهول والمعدوم، والحمل.

والصحيح: الصحة مطلقا، ولو كان تعليقه بالموت وصية لامتنع على الوارث، ولا خلاف أنه يصح تعليقه بالشرط بالنسبة إلى البطون، بطنا بعد

الجزء: 2 - الصفحة: 689

بطن، وأن كونه وقفا على البطن الثاني مشروط بانقضاء الأول، وقد قال تعالى: ﴿ياأيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود﴾ [المائدة: ١]، وقال - صلى الله عليه وآله وسلم -: «المسلمون عند شروطهم» (^١).

والقياس الصحيح يقتضي صحة تعليقه؛ فإنه أشبه بالعتق منه بالتمليك، ولهذا لا يشترط فيه القبول إذا كان على جهة اتفاقا.

وكذلك إذا كان على آدمي معين، في أقوى الوجهين، وما ذاك إلا لشبهه بالعتق.

والمقصود: أن تعليق الإبراء بالشرط أولى من ذلك كله، فمنعه مخالف لموجب الدليل والمذهب.

ويقال ثانيا: لا يلزم من بطلان تعليق الهبة بطلان تعليق الإبراء، بل

(^١) علقه مجزوما به البخاري في كتاب الإجارة، باب: أجر السمسرة، ووصله أبو داود (٣٥٩٦)، والطحاوي في شرح المعاني (٥٤٠٨)، وابن عدي في الكامل (٦/ ٦٨)، والدارقطني (٣/ ٢٧)، والحاكم (٢٣٠٩)، والبيهقي في الكبرى (٦/ ٧٩، ١٦٦، ٢٤٩)، وغيرهم من حديث أبي هريرة، وصححه ابن الجارود (٦٣٧، ١٠٠١)، وابن قدامة في الكافي (٢/ ٢١٣)، وابن دقيق العيد في الإلمام (١٠٤٤)، قال النووي في المجموع (٩/ ٣٧٦): «إسناده حسن أو صحيح»، وقال ابن تيمية كما في المجموع (٢٩/ ١٤٧): «أسانيده وإن كان الواحد منها ضعيفا فاجتماعها من طرق يشد بعضها بعضا»، وصححه المصنف في الفروسية (ص ١٦٤)، وحسنه ابن كثير في إرشاد الفقيه (٢/ ٥٤)، وقال ابن حجر في التغليق (٣/ ٢٨١): «روي من حديث أبي هريرة وعمرو بن عوف وأنس بن مالك ورافع بن خديج وعبد الله بن عمر وغيرهم، وكلها فيها مقال، لكن حديث أبي هريرة أمثلها»، وصححه الألباني في الإرواء (١٣٠٣)، وقد أبعد من بالغ وزعم أنه مكذوب.

الجزء: 2 - الصفحة: 690

القياس الصحيح يقتضي صحة تعليقه؛ لأنه إسقاط محض، ولهذا لا يفتقر إلى قبول المبرئ ولا رضاه، فهو بالعتق والطلاق أشبه منه بالتمليك.

وعلى هذا: فيستغنى بالصحة في ذلك كله عن الحيلة.

فإن احتاج إلى التعليق، وخاف أن ينقض عليه، [٩١ أ] فالحيلة أن يقول: لا شيء لي عليه بعد هذا الشهر، أو العام، أو لا شيء لي عليه عند قدوم زيد، أو كل دعوى أدعيها عليه بعد شهر كذا، أو عام كذا، أو عند قدوم زيد بسبب كذا، أو من دين كذا: فهي دعوى باطلة، أو يقول: كل دعوى أدعيها في تركته بعد موته من دين كذا أو عن كذا: فهي دعوى باطلة.

وعلى ما قررناه: لا يحتاج إلى شيء من ذلك.

المثال السابع والعشرون: إذا أعسر الزوج بنفقة المرأة ملكت الفسخ، فإن تحملها عنه غيره لم يسقط ملكها للفسخ؛ لأن عليها في ذلك منة، كما إذا أراد قضاء دين عن الغير، فامتنع ربه من قبوله لم يجبر على ذلك.

وطريق الحيلة في إبطال حقها من الفسخ: أن يحيلها بما وجب لها عليه من النفقة على ذلك الغير، فتصح الحوالة، وتلزم على أصلنا، إذا كان المحال عليه غنيا.

وطريق صحة الحوالة: أن يقر ذلك الغير للزوج بقدر معين لنفقتها سنة أو شهرا، أو نحو ذلك، ثم يحيلها الزوج عليه، فإن لم يمكنه الإجبار على القبول لعدم من يرى ذلك، وكل الزوج الملتزم لنفقتها في (^١) الإنفاق عليها، والزوج مخير بين أن ينفق عليها بنفسه، أو بوكيله.

(^١) «في» ساقطة من م.

الجزء: 2 - الصفحة: 691

وهكذا العمل في مسألة أداء الدين عن الغريم سواء.

المثال الثامن والعشرون: إذا خاف المضارب أن يضمنه المالك بسبب من الأسباب التي لا يملكها بعقد المضاربة، فخلط المال بغيره، أو اشترى به بأكثر من رأس المال، والاستدانة على مال المضاربة، أو دفعه إلى غيره مضاربة أو إبضاعا، أو إيداعه، أو السفر به.

فطريق التخلص من ضمانه في هذا كله: أن يشهد على رب المال أنه قال له: اعمل برأيك، أو ما تراه مصلحة.

المثال التاسع والعشرون: إذا كان لكل من الرجلين عروض، وأرادا أن يشتركا فيها شركة عنان، ففي ذلك روايتان:

إحداهما: تصح الشركة، وتقوم العروض عند العقد، ويكون قيمتها هو رأس المال، فيقسم الربح على حسبه، أو على ما شرطاه.

وإذا أرادا الفسخ رجع كل منهما إلى قيمة عروضه، واقتسما الربح على ما شرطاه.

وهذا القول هو الصحيح.

والرواية الثانية: لا تصح إلا على النقدين؛ لأنهما إذا تفاسخا الشركة، وأراد كل واحد منهما الرجوع إلى رأس ماله، ويقتسما (^١) الربح؛ لم يعلم ما مقدار رأس مال كل منهما إلا بالتقويم، وقد تزيد قيمة العروض وتنقص قبل العمل، فلا يستقر رأس المال.

(^١) كذا بحذف النون.

الجزء: 2 - الصفحة: 692

وأيضا فمقتضى عقد الشركة: أن لا ينفرد أحد الشريكين بربح مال الآخر، وهذه الشركة تفضي إلى ذلك؛ لأنه قد تزيد قيمة عرض أحدهما، ولا تزيد قيمة عرض الآخر، فيشاركه من لم تزد قيمة عرضه، وهذا إنما يصح في المتقومات، كالرقيق، والحيوان، ونحوهما.
فأما المثليات فإن ذلك منتف فيها، ولهذا كان الصحيح عند من منع الشركة بالعروض جوازها بالمثليات.

والصحيح: الجواز في الموضعين؛ لأن مبنى عقد الشركة على العدل من الجانبين، وكل من الشريكين متردد بين الربح والخسران، فهما في هذا الجواز مستويان.

فتجويز ربح أحدهما دون الآخر في مقابلة عكسه، فقد استويا في رجاء الغنم وخوف الغرم، وهذا هو العدل، كالمضاربة، فإنه يجوز أن يربحا، وأن يخسرا، وكذلك المساقاة والمزارعة.

وطريق الحيلة في تصحيح هذه المشاركة عند من لا يجوزها بالعروض: أن يبيع كل منهما بعض عرضه ببعض عرض صاحبه، فإذا كان عرض [٩١ ب] أحدهما يساوى خمسة آلاف، وعرض الآخر يساوي ألفا، فيشتري صاحب العرض الذي قيمته خمسة آلاف من صاحبه خمسة أسداس عرضه الذي يساوي ألفا بسدس عرضه الذي يساوي خمسة آلاف، فإذا فعلا ذلك صارا شريكين، فيصير للذي يساوي متاعه ألفا سدس جميع المتاع، وللآخر خمسة أسداسه، أو يبيع كل منهما صاحبه بعض عرضه بثمن مسمى، ثم يتقابضا فيصير مشتركا بينهما، ثم يأذن كل واحد منهما لصاحبه في التصرف، فما حصل من الربح يكون بينهما على ما شرطاه عند أحمد، وعلى قدر رؤوس أموالهما عند الشافعي، والخسران على قدر المال اتفاقا.

الجزء: 2 - الصفحة: 693

المثال الثلاثون: إذا تزوجها على أن لا يخرجها من دارها أو بلدها، أو لا يتزوج عليها، ولا يتسرى عليها، فالنكاح صحيح، والشرط لازم.

هذا إجماع الصحابة رضي الله عنهم أجمعين؛ فإنه صح عن عمر (^١)، وسعد (^٢)، ومعاوية (^٣)، ولا مخالف لهم من الصحابة، وإليه ذهب عامة التابعين، وقال به أحمد.

وخالف في ذلك الثلاثة، فأبطلوا الشرط، ولم يوجبوا الوفاء به.

فإذا احتاجت المرأة إلى ذلك، ولم يكن عندها حاكم يرى صحة ذلك ولزومه، فالحيلة لها في حصول مقصودها: أن تمتنع من الإذن، إلا أن تشترط بعد العقد أنه إن سافر بها، أو نقلها من دارها، أو تزوج عليها فهي طالق، أو لها الخيار في المقام معه، أو الفسخ، فإن لم تثق به أن يفعل ذلك فإنها تطلب مهرا كثيرا جدا إن لم يفعل، وتطلب ما دونه إن فعل، فإن شرط

(^١) علقه البخاري عن عمر مجزوما به في كتابي الشروط والنكاح، باب: الشروط في المهر، وباب: الشروط في النكاح، وهو موصول عند عبد الرزاق (٦/ ٢٢٧، ٢٢٨)، وسعيد بن منصور (٦٦٢، ٦٦٣، ٦٨٠)، وابن أبي شيبة (٣/ ٤٩٩، ٤/ ٤٥١)، والبيهقي في الكبرى (٧/ ٢٤٩)، وابن عبد البر في التمهيد (١٨/ ١٦٨)، وغيرهم، وصححه الألباني في الإرواء (١٨٩٣). (^٢) رواه ابن أبي الدنيا في المحتضرين (٢٥٦) وفي غيره من طريق ابن المبارك عن داود بن قيس عن أمه عن سعد، وفيه قصة، ومن طريق ابن أبي الدنيا رواه ابن عبد البر في التمهيد (١٨/ ١٦٨ ــ ١٦٩) وابن عساكر في تاريخ دمشق (٢٠/ ٣٥٠). (^٣) روى عبد الرزاق (٦/ ٢٢٨)، وسعيد بن منصور (٦٦٤)، وابن أبي شيبة (٣/ ٤٩٩)، وابن حزم في المحلى (٩/ ٥١٧) من طريق سعيد بن منصور، وغيرهم عن أبي عبيدة عن عبد الله بن مسعود قال: أتي معاوية في امرأة شرط لها زوجها أن لها دارها، فسأل عمرو بن العاص فقال: أرى أن يفي لها بشرطها.

الجزء: 2 - الصفحة: 694

لها ذلك رضيت بالمهر الأدنى، وإن لم يشرط ذلك طالبته بالأعلى، وجعلته حالا ولها أن تمنع نفسها حتى تقبضه، أو يشرط لها ما سألته.

فإن قيل: فعلى أي المهرين يقع العقد؟

قيل: يقع على المهر الزائد؛ لتتمكن من إلزامه بالشرط.

فإن خاف أن يشرط لها ما طلبت، ويستقر عليه المهر الزائد، فالحيلة: أن يشهد عليها أنها لا تستحق عليه بعد الاشتراط شيئا من المبلغ الزائد على الصداق الأدنى، وأنها متى ادعت به فدعواها باطلة، فيستوثق منها بذلك، ويكتب هو والشرط.

ولها أن تطالب بالصداق الزائد، إذا لم يف لها بالشرط؛ لأنها لم ترض بأن يكون الأدنى مهرا إلا في مقابلة منفعة أخرى تسلم لها، وهي المقام في دارها، أو بلدها، أو يكون الزوج لها وحدها، وهذا جار مجرى بعض صداقها، فإذا فاتها فلها المطالبة بالمهر الأعلى.

المثال الحادي والثلاثون: إذا زوج ابنته بعبده صح النكاح، فإن حضره الموت فخاف هو أو المرأة أن ترث جزءا منه، فينفسخ النكاح:

فالحيلة في بقائه: أن يبيع العبد من أجنبي، فإن شاء قبض ثمنه، وإن شاء جعله دينا في ذمته، يكون حكمه حكم سائر ديونه، فإذا ورثت نصيبها من ثمنه لم ينفسخ نكاحها.
وإن باع العبد من أجنبي قبل العقد، ثم زوجه الابنة أمن هذا المحذور أيضا.

وكذلك إذا أراد أن يزوج أمته بابنه، وخاف أن يموت، فترث زوجته، فينفسخ النكاح، باعها من أجنبي، ثم زوجها الابن، أو يبيعها من الأجنبي بعد العقد.

الجزء: 2 - الصفحة: 695

المثال الثاني والثلاثون: إذا أحاله بدينه، وخاف المحال أن يتوى ماله عند المحال عليه، وأراد التوثق لماله:

فالحيلة في ذلك أن يقول: لا تحلني بالمال، لكن وكلني في المطالبة به، واجعل ما أقبضه في ذمتي قرضا، فيبرآن جميعا بالمقاصة.

فإن خاف المحيل أن يهلك المال في يد الوكيل قبل اقتراضه، فيرجع عليه بالدين:

فالحيلة له: أن يقول [٩٢ أ] للمحال عليه: اضمن عني هذا الدين لهذا الطالب، فيضمنه، فإذا قبضه قبضه لنفسه، فإن امتنع المحال عليه من الضمان احتال الطالب عليه؛ على أنه إن لم يوفه حقه إلى وقت كذا وكذا فالمحيل ضامن لهذا المال، ويصح تعليق الضمان بالشرط، فإن وفاه المحال عليه، وإلا رجع إلى المحيل، وآخذه بالمال.

المثال الثالث والثلاثون: إذا كان له دين على أحد، فرهنه به عبدا، فخاف أن يموت العبد، فيحاكمه إلى من يرى سقوط الدين بتلف الرهان:

فالحيلة في تخليصه من هذا المحذور: أن يشتري العبد منه بدينه، ولا يقبض العبد، فإن وفاه دينه أقاله في البيع، وإن لم يوفه الدين طالبه بالتسليم، وإن تلف العبد كان من ضمان البائع، ورجع المشتري إلى دينه الذي هو ثمنه.

المثال الرابع والثلاثون: إذا كان له عليه دين، فرهنه به رهنا، ثم خاف أن يستحق الرهن فتبطل الوثيقة:

فالحيلة فيه: أن يضمن دينه لمن يخاف منه استحقاق الرهن، فإذا

الجزء: 2 - الصفحة: 696

استحقه عليه طالبه بالمال، أو يضمنه درك الرهن، أو يشهد عليه أنه لا حق له فيه، ومتى ادعى فيه حقا فدعواه باطلة.

المثال الخامس والثلاثون: إذا كان له عليه مئة دينار، خمسون منها بوثيقة، وخمسون بغير وثيقة، وجحده الغريم القدر الذي بغير وثيقة:

فالحيلة له في تخليص ماله: أن يوكل رجلا غريبا بقبض المال الذي بالوثيقة، ويشهد على وكالته علانية، ثم يشهد شهودا آخرين: أنه قد عزله عن الوكالة، ثم يطالب الوكيل المطلوب بذلك المال، ويثبت شهود وكالته، فإذا قبض الخمسين دينارا دفعها إلى مستحقها وغاب، ثم يطالبه المستحق بالخمسين، فإن قال: دفعتها إلى وكيلك أقام البينة أنه كان قد عزله عن الوكالة، فيلزمه الحاكم بالمال، ويقول له: اتبع القابض، فخذ مالك منه.

فإن كان الغريم حذرا لم يدفع إلى الوكيل شيئا خشية مثل هذا، ويقول: لا أدفع إليك إلا بحضرة الموكل وإقراره أنك وكيله، فتبطل هذه الحيلة.

المثال السادس والثلاثون: إذا حضره الموت، ولبعض ورثته عليه دين، وأراد تخليص ذمته، فإن أقر له به لم يصح إقراره، وإن وصى له به كانت وصية لوارث.

فالحيلة في خلاصه: أن يواطئه على أن يأتي بمن يثق به، فيقر له بذلك الدين، فإذا قبضه أوصله إلى مستحقه، فإن خاف الأجنبي أن يلزمه الحاكم أن يحلف (^١) أن هذا الدين واجب لك على الميت، ولم تبرئه منه، ولا من شيء منه، لم يجز له أن يحلف على ذلك، وانتقلنا إلى حيلة أخرى، وهي أن

(^١) «أن يحلف» ساقطة من م.

الجزء: 2 - الصفحة: 697

يقول له المريض: بع دارك أو عبدك من وارثي، بالمال الذي له علي فيفعل، فإذا ألزمته اليمين بعد هذا حلف على أمر صحيح، فإن لم يكن له ما يبيعه إياه وهب له الوارث عبدا أو أمة، فقبضه، ثم باعه من الوارث بالدين الذي على الميت.

المثال السابع والثلاثون: إذا نكح أمة، حيث يجوز له نكاح الإماء، وخاف أن يسترق سيدها ولده:

فالحيلة في ذلك: أن يسأل سيد الأمة أن يقول: كل ولد تلده منك فهو حر، فإذا قال هذا فما ولدته منه فهم أحرار.

المثال الثامن والثلاثون: إذا قال لامرأته: إن سألتني الخلع فأنت طالق ثلاثا إن لم أخلعك، وقالت المرأة: كل مملوك لها حر، إن لم أسألك الخلع اليوم.

فسئل أبو حنيفة عنها، فقال للمرأة: سليه الخلع، فقالت: أسألك أن تخلعني، فقال للزوج: قل: خلعتك على ألف درهم، فقال ذلك، فقال أبو حنيفة للمرأة: قولي: لا أقبل، فقالت: لا أقبل، فقال أبو حنيفة: [٩٢ ب] قومي مع زوجك، فقد بر كل منكما في يمينه.

المثال التاسع والثلاثون: سئل أبو حنيفة عن أخوين تزوجا أختين، فزفت امرأة كل واحد منهما إلى الآخر، فوطئها، ولم يعلموا بذلك حتى أصبحوا، فقيل له: ما الحيلة في ذلك؟ فقال: أكل منهما راض بالتي دخل بها؟ قالا: نعم، فقال: ليطلق كل واحد منهما امرأته طلقة، ففعلا، فقال: ليتزوج كل منهما المرأة التي وطئها، فطابت أنفسهما.

الجزء: 2 - الصفحة: 698

المثال الأربعون: إذا كان لرجل على رجل مال، وللذي عليه المال عقار، فأراد أن يجعل عقاره في يد غريمه يستغله، ويقبض غلته من دينه، جاز ذلك؛ لأنه توكيل له فيه، فإن خاف الغريم أن يعزله صاحب العقار عن الوكالة:

فالحيلة: أن يسترهنه منه ويستديم (^١) قبضه، ثم يأذن له في قبض أجرته من دينه، ولو لم يأذن له فله أن يقبضها قصاصا.

وله حيلة أخرى: أن يستأجره منه بمقدار دينه، فما وجب له عليه من الأجرة سقط من دينه بقدره قصاصا.

المثال الحادي والأربعون: إذا كان له جارية، فأراد وطأها، وخاف أن تحبل منه، فتصير أم ولد، لا يمكنه بيعها:

فالحيلة: أن يبيعها لأبيه، أو أخيه، أو أخته، فإذا ملكها سأله أن يزوجه إياها فيطأها بالنكاح، ويكون ولده منها حرا يعتقون على البائع بالرحم، وهذا إذا كان ممن يجوز له نكاح الإماء، بأن لا يكون تحته حرة عند أبي حنيفة، أو يكون خائفا للعنت، عادما لطول حرة عند الجمهور.

المثال الثاني والأربعون: إذا بانت منه امرأته بينونة صغرى، وأراد أن يجدد نكاحها، فخاف إن أعلمها لم تتزوج به؛ فله في ذلك حيل:

إحداها: أن يقول: قد حلفت بيمين، ثم استفتيت، فقيل لي: جدد نكاحك، فإن كانت قد بانت منك عاد النكاح، وإلا لم يضرك، فإن كان لها ولي جدد نكاحها، وإلا فالحاكم أو نائبه.

(^١) في م: «يستدين».
والمثبت من بقية النسخ.

الجزء: 2 - الصفحة: 699

ومنها: أن يظهر أنه يريد سفرا، وأنه يريد أن يجعل لها شيئا من ماله، وأن الاحتياط أن يجعله صداقا بعقد يظهره.

ومنها: أن يظهر مرضا، وأنه يريد أن يقر لها بمال، أو يوصي لها به، وأن ذلك لا يتم، والأحوط أن يظهر عقد نكاح، وجعل ذلك صداقا فيه.

فإن قيل: إذا بانت منه ملكت نفسها، ولم يصح نكاحها إلا برضاها، ولعلها لو علمت الحال لم ترض بالنكاح الثاني.

قيل: رضاها بتجديد النكاح (^١) للغرض (^٢) الذي يريده يتضمن رضاها بالنكاح، وهي لو هزلت بالإذن صح إذنها، وصح النكاح، مع أنها لم تقصده، كما لو هزل الزوج بالقبول صح نكاحه، وهاهنا قد قصدت بقاء النكاح، ورضيت به، فهو أولى بالصحة.

فإن قيل: فالرجل قاصد إلى النكاح، والمرأة غير قاصدة له.

قيل: بل قصدت إلى تجديد نكاح يتم به غرضها، فلم تخرج بذلك عن القصد والرضا.

ولو قال رجل لرجل هزلا ومزاحا: زوجني ابنتك على مئة درهم، أو قال: زوجني موليتك، وهي تسمع، فقال له مزاحا وهزلا قد زوجتكها، انعقد النكاح، وحل له وطؤها، لحديث أبي هريرة الذي رواه أهل «السنن» (^٣)، عن

(^١) في بقية النسخ: «العقد».
(^٢) ث: «للعوض».
(^٣) رواه أبو داود (٢١٩٦)، والترمذي (١١٨٤)، وابن ماجه (٢٠٣٩)، والطحاوي في شرح المعاني (٤٢٩٧ ــ ٤٢٩٩)، والدارقطني (٣/ ٢٥٦، ٢٥٧، ٤/ ١٨، ١٩)، والبيهقي في الكبرى (٧/ ٣٤٠)، وغيرهم من طريق عبد الرحمن بن حبيب عن عطاء بن أبي رباح عن ابن ماهك عن أبي هريرة، قال الترمذي: «حسن غريب»، وصححه ابن الجارود (٧١٢)، والحاكم (٢٨٠٠)، وابن دقيق العيد في الإلمام (١٣٣٤)، قال الذهبي: «عبد الرحمن بن حبيب فيه لين»، وضعف إسناده ابن الملقن في البدر المنير (٨/ ٨٢)، وحسنه بشواهده الألباني في الإرواء (١٨٢٦). وفي الباب عن عبادة بن الصامت وفضالة بن عبيد وأبي ذر وأبي الدرداء وعن الحسن مرسلا.
وقد أبعد من بالغ وزعم أنه مكذوب.

الجزء: 2 - الصفحة: 700

النبي - صلى الله عليه وآله وسلم -: «ثلاث جدهن جد، وهزلهن جد: النكاح، والطلاق، والرجعة».

المثال الثالث والأربعون: إذا كان الرجل حسن التصرف في ماله، غير مبذر له، فرفع إلى الحاكم، وشهد أنه مبذر، فخاف أن يحجر عليه، فقال: إن حجرت علي فعبيدي أحرار، ومالي صدقة على المساكين، لم يملك القاضي أن يحجر عليه بعد ذلك؛ لأنه إنما يحجر عليه صيانة [٩٣ أ] لماله، وفى الحجر عليه إتلاف ماله، فهو يعود على مقصود الحجر بالإبطال.

المثال الرابع والأربعون: يصح الصلح عندنا وعند أبي حنيفة ومالك على الإنكار، فإذا ادعى عليه شيئا فأنكره، ثم صالحه على بعضه جاز.

والشافعي لا يصحح هذا الصلح؛ لأنه لم يثبت عنده شيء، فبأي طريق يأخذ ما صالحه عليه؟ بخلاف الصلح على الإقرار، فإنه إذا أقر له بالدين أو العين، فصالحه على بعضه، كان قد وهبه، أو أبرأه من البعض الآخر.

والجمهور يقولون: قد دل الكتاب والسنة والقياس على صحة هذا الصلح؛ فإن الله سبحانه وتعالى ندب إلى الإصلاح بين الناس، وأخبر أن الصلح خير، وقال: ﴿إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم﴾ [الحجرات: ١٠]،

الجزء: 2 - الصفحة: 701

وقال النبي - صلى الله عليه وآله وسلم -: «الصلح بين المسلمين (^١) جائز، إلا صلحا أحل حراما أو حرم حلالا» (^٢).

وأما القياس: فإن المدعى عليه يفتدي مطالبته باليمين وإقامة البينة وتوابع ذلك بشيء من ماله يبذله، ليتخلص من الدعوى ولوازمها، وذلك غرض صحيح، مقصود عند العقلاء، وغاية ما يقدر أن يكون المدعي كاذبا، فهو يتخلص من تحليفه له، وتعريضه للنكول، فيقضى عليه به، أو ترد اليمين، بل عند الخرقي: لا يصح الصلح إلا على الإنكار، ولا يصح مع الإقرار، قال: لأنه يكون هضما للحق.

فإذا صالحه مع الإنكار، فخاف أن يرفعه إلى حاكم يبطل الصلح فالحيلة في تخليصه من ذلك: أن يصالح أجنبي عن المنكر على مال، ويقر الأجنبي لهذا المدعي بما ادعاه على غريمه، ثم يصالحه من دعواه على مال،

(^١) في بعض النسخ: «الناس».
(^٢) رواه أحمد (٢/ ٣٦٦)، وأبو داود (٣٥٩٦) واللفظ له، وابن عدي في الكامل (٦/ ٦٨)، والدارقطني (٣/ ٢٧)، والحاكم (٢٣٠٩، ٧٠٥٨)، والبيهقي في الكبرى (٦/ ٦٣، ٦٤)، وغيرهم عن كثير بن زيد عن الوليد بن رباح عن أبي هريرة، وصححه ابن الجارود (٦٣٨، ١٠٠١)، وابن حبان (٥٠٩١)، وابن دقيق في الإلمام (١٠٤٢)، قال الذهبي: «كثير ضعفه النسائي ومشاه غيره»، وحسن إسناده ابن كثير في إرشاد الفقيه (٢/ ٥٤)، وصححه الألباني في الإرواء (١٣٠٣). ورواه الدارقطني (٣/ ٢٧) عن عبد الله بن الحسين عن عفان عن حماد بن زيد عن ثابت عن أبي رافع عن أبي هريرة، وصححه الحاكم (٢٣١٣)، وتبعه ابن دقيق العيد (١٠٤١)، وتعقبه الذهبي بقول ابن حبان في عبد الله: «يسرق الحديث»، وبمثل ذلك أعله ابن القيم في التهذيب (٩/ ٣٧٤)، وابن الملقن في البدر المنير (٦/ ٦٨٦)، وابن حجر في التغليق (٣/ ٢٨٢). وفي الباب عن عمرو بن عوف.

الجزء: 2 - الصفحة: 702

ولا يفتقر إلى إذن المدعى عليه (^١)، ولا وكالته له، إن كان المدعى دينا؛ لأنه يقول: إن كان كاذبا فقد استنقذته من هذه الدعوى، وذلك بمنزلة فكاك الأسير، وإن كان صادقا فقد قضيت عنه بعض دينه، وأبرأه المدعي من باقيه، وذلك لا يفتقر إلى إذنه.

وإن كان المدعى عينا لم يصح حتى يقول: قد وكلني المنكر؛ لأنه يقول: قد اشتريت له هذه العين المدعاة بالمال الذي أصالحك عليه، فإن لم يعترف أنه وكله، لم يصح.

فإن لم يعترف بوكالته فطريق الصحة: أن يصالح الأجنبي لنفسه، فيكون بمنزلة شراء العين المغصوبة، فإن اعترف بها للمدعي باطنا صار هو الخصم فيها، وإن لم يعترف بها له لم يسعه أن يخاصم فيها المدعى عليه، ويكون اعترافه له بها ظاهرا حيلة على تصحيح الصلح.

وعلى هذا: فإن كان المدعى دارا خلفها الميت لابنه وامرأته، فادعاها رجل، فصالحاه من دعواه على مال، فإن كان صلحا على الإنكار فالمال بينهما على ثمانية أسهم: على المرأة الثمن، وعلى الابن سبعة أثمان، وإن كان على الإقرار فالمال بينهما نصفان، والدار لهما نصفان.

فإذا أراد لزوم الصلح على الإنكار (^٢) صالح عنهما أجنبي على الإقرار، فلزم الصلح، وكان المال بينهما على سبعة أثمان، وكذلك الدار؛ فإنهما لم يقرا له بالدار، وإقرار الأجنبي لا يلزمهما حكمه.

(^١) «عليه» ساقطة من م. (^٢) «على الإنكار» ساقطة من الأصل.

الجزء: 2 - الصفحة: 703

المثال الخامس والأربعون: إذا ادعى عليه أرضا في يده، أو دارا، أو بستانا، فصالحه على عشرة أذرع أو أقل أو أكثر جاز، وكذلك لو صالحه على عشرة أذرع من أرض أو دار أخرى جاز؛ لأنه يقول: قد أخذت بعض حقي وأسقطت البعض.

فإن خاف أن يرفعه إلى حاكم حنفي، لا يرى جواز ذلك بناء على أنه لا يجوز بيع ذراع، ولا عشرة من أرض أو دار؛ فطريق الجواز: أن يذرع الدار التي صالحه على هذا القدر منها، ثم ينسبه إلى المجموع، فما أخرجته النسبة أوقع عقد الصلح عليه، ويصح [٩٣ ب] ذلك ويلزم.

المثال السادس والأربعون: إذا أوصى لرجل بخدمة عبده مدة معينة أو ما عاش جاز ذلك، فإذا أراد الوارث أن يشتري من الموصي له خدمة العبد لم يصح؛ لأن حق الموصي له إنما هو في المنافع، وبيع المنافع لا يجوز.

والحيلة في الجواز: أن يصالحه الوارث من وصيته على مال معين، فيجوز ذلك.

وكذلك لو أوصى له بحمل شاته، أو أمته، أو بما يحمل شجره عاما، فإذا أراد الوارث شراءه منه لم يصح، وله أن يصالحه عليه؛ فإن الصلح وإن كان فيه شائبة من البيع فهو أوسع منه.

المثال السابع والأربعون: لو شجه رجل، فعفا المشجوج عن الشجة، وما يحدث منها، ثم مات منها، لم يلزم الشاج شيء، ولو قال: عفوت عن هذه الجراحة، أو الشجة، ولم يقل: وما يحدث منها، فكذلك في إحدى الروايتين.

الجزء: 2 - الصفحة: 704

وفى الأخرى: يضمن بقسطها من الدية.

ولو قال: عفوت عن هذه الجناية، فلا شيء له في السراية، رواية واحدة.

وعند أبي حنيفة: له المطالبة بالدية في ذلك كله، إلا إذا قال: عفوت عنها، وعما يحدث منها.

فالحيلة في تخلص المعفو عنه: أن يشهد على المجني عليه: أنه عفا عن هذه الجناية أو الشجة وما يحدث منها، فيتخلص عند الجميع.

المثال الثامن والأربعون: إذا مات وترك زوجة وورثة، فأرادت الزوجة أن يصالحها الورثة على حقها، نظرنا في التركة، وفى الذي وقع عليه الصلح.

فإن كان في التركة أثمان ذهب وفضة (^١)، فصالحتهم على شيء من الأثمان لم يصح، لإفضائه إلى الربا؛ لأن صلحها بيع نصيبها منهم.

وإن صالحتهم على عرض أو عقار، أو كان في التركة دراهم، فصالحتهم بدنانير، أو بالعكس جاز، ولا تضر جهالة حقها؛ لأن عقد الصلح أوسع من البيع كما تقدم.

فإن كان في التركة ديون لم يصح الصلح؛ لأن بيع الدين من غير الذي هو في ذمته لا يصح، ويحتمل أن يقول بصحته، كما يصح عن المجهول، وإن لم يصح بيعه (^٢).

(^١) م، ش: «أثمانا ذهبا وفضة».
والمثبت من باقي النسخ.
(^٢) ح، ظ، ت: «بنفسه».

الجزء: 2 - الصفحة: 705

فالحيلة في صلحها عن الدين أيضا: أن يعجل لها حصتها من الدين، يقرضها الورثة ذلك، وتوكلهم باقتضائه، ثم تصالحهم من الأعيان على ما اتفقوا عليه؛ لأنهم إذا أقرضوها حصتها (^١) من الدين، ثم وكلتهم بقبض حصتها من الدين، فإذا قبضوا حصتها من الدين فقد حصل في أيديهم من مالها من جنس ما لهم عليها فيتقاصان، ويكون عقد الصلح قد وقع عن العروض والمتاع خاصة.

فإن لم تطب أنفسهم أن يقرضوها قدر حصتها من الدين، وأحبت تعجيل الصلح، صالحتهم من حقها من المتاع والعروض، دون الديون، وكلما قبض من الدين شيء أخذت حقها منه، فإن تعسر ذلك، وشق عليها، وأحبت الخلاص، حابوها في الصلح من الأعيان بأكثر من حقها منها، وأقرت أن الدين حق للورثة دونها، من ثمن متاع باعه الميت لهم.

فإن أرادوا قسمة الدين في الذمم فالمشهور: أنه لا يصح؛ لأن الذمم لا تتكافأ.

وفيه رواية أخرى: تجوز قسمته، وهي الصحيحة، فإنه قد تكون مصلحة الورثة والغرماء في ذلك، وتفاوت الذمم لا يمنع القسمة؛ فإن التفاوت في المحل، والمقسوم واحد متماثل، وإن اختلفت محاله.

وإذا كان الغرماء كلهم موسرين أو معسرين، أو بعضهم موسرا، وبعضهم معسرا، فأخذ كل من الورثة موسرا ومعسرا، كان هذا عدلا غير ممتنع، وقد تراضوا به، ولا وجه لبطلانه، وبالله التوفيق.

(^١) في الأصل: «حقها».

الجزء: 2 - الصفحة: 706

المثال التاسع والأربعون: إذا كان لرجل على رجل دين، [٩٤ أ] فقال: تصدق به عني، ففعل، لم يبرأ، وكانت الصدقة عن المخرج ودينه باق، قاله أصحابنا؛ لأنه لم يتعين، ولأنه لا يكون مبرئا لنفسه بفعله.

قالوا: وطريق الصحة أن يقول: تصدق عنى بكذا بقدر دينه، ويكون ذلك اقتراضا منه، فإذا فعل ثبت له في ذمته ذلك القدر، وعليه له مثله، فيتقاصان.

وكذلك لو قال له: ضارب بالمال الذي عليك والربح بيننا، لم يصح.

والحيلة في صحته أن يقول: أذنت لك في دفعه إلى ابنك، أو زوجتك وديعة، ثم وكلتك في أخذه والمضاربة به.

والظاهر: أنه لا يحتاج إلى شيء من ذلك، ويكفي قبضه من نفسه لرب المال، وإذا تصدق عنه بالذي قال كان على الأمر، هذا هو الصحيح، وهو تخريج لبعض أصحابنا ولا حاجة به إلى هذه الحيلة، فإذا عينه بالنية تعين، وكان قابضا من نفسه لموكله، وأي محذور في ذلك؟

المثال الخمسون: يجوز استئجار الأجير بطعامه وكسوته عندنا، وكذلك الدابة بعلفها وكذلك المرضعة، وهو مذهب مالك.

وقال الشافعي: لا يجوز فيهما.

وجوزه أبو حنيفة في الظئر خاصة.

فإذا عقد الإجارة كذلك، ثم خاف أن يرفعه إلى حاكم يرى بطلانها، فيلزمه بأجرة مثله:

فالحيلة في تصحيح ذلك: أن يستأجره بنقد معلوم، يكون بقدر الطعام

الجزء: 2 - الصفحة: 707

والكسوة، ثم يشهد عليه أنه وكله في إنفاق ذلك على نفسه وكسوته، وكذلك في الدابة.

المثال الحادي والخمسون: يجوز للمستأجر أن يؤجر ما استأجره للمؤجر، كما يجوز لغيره.

وأبو حنيفة يبطل هذه الإجارة.

فالحيلة في لزومها: أن يؤجر ذلك لأجنبي غير المؤجر، ثم يؤجره إياه الأجنبي.

المثال الثاني والخمسون: إذا كفل اثنان واحدا، فسلمه أحدهما، برئ الآخر، كما لو ضمنا دينا، فقضاه أحدهما، فإن خاف أن يرفعه إلى حاكم لا يرى ذلك، ويلزم الآخر بتسليمه:

فالحيلة في خلاصه: أن يكفلا بهذا المكفول به، على أنه إذا دفعه أحدهما فهما جميعا بريئان، أو يشهدا عليهما أن كل واحد منهما وكيل صاحبه في دفع المكفول به إلى الطالب، والتبرؤ إليه منه، فيبرآن على قول الجميع.

المثال الثالث والخمسون: يصح ضمان المجهول، وضمان ما لم يجب عندنا، كما يصح ضمان الدرك، فإذا قال: ما أعطيت لفلان فأنا ضامن له صح ولزمه.

وقال الشافعي: لا يصح.

فالحيلة في صحته لئلا يبطل ذلك حاكم يرى بطلانه: أن يقول: ما أعطيت لفلان من درهم إلى ألف؛ فأنا ضامن له.

الجزء: 2 - الصفحة: 708

فإن ضمنه اثنان وأطلقا جاز، واستويا في الغرم، فإن ضمناه على أن على أحدهما الثلث، وعلى الآخر الثلثين، جاز ذلك؛ لأن المال إنما يجب على كل منها بالتزامه، فإذا التزماه على هذا الوجه صح.

فإن أراد أحد الضامنين أن يضمن الآخر ما لزمه من هذا الضمان، فيصير ضامنا، جاز ذلك أيضا؛ لأن المال قد ثبت في ذمة كل واحد منهما، فإذا ضمنه أحدهما جاز، كما يجوز في الأصل.

المثال الرابع والخمسون: إذا اشترك رجلان شركة عنان، فسافر (^١) أحدهما بالمال بإذن شريكه، فخاف أن يموت المقيم، فيشتري بالمال بعد موته متاعا، فيضمن؛ لأنه قد انتقل إلى الورثة، وبطلت الشركة.

فالحيلة في تخلصه من ذلك: أن يشهد على شريكه المقيم أن حصته في المال الذي بينه وبينه لولده الصغار، وقد أوصى إلى شريكه بالتصرف فيه، وأمره أن يشتري لهما (^٢) ما أحب في حياته وبعد وفاته، فإن كان [٩٤ ب] ولده كبارا أشهد على نفسه أن هذا المال لهم، ثم يأمر ولده الكبار هذا الشريك أن يعمل لهم في مالهم هذا بما يرى، ويشتري لهم ما أحب.

المثال الخامس والخمسون: إذا كان لرجلين على امرأة ألف درهم مثلا، فتزوجها أحدهما على نصيبه في المال الذي عليها، صح النكاح، وبرئت ذمة المرأة من ذلك القدر، ولم يلزم الزوج أن يضمن لصاحبه شيئا منه؛ لأنه لم يقبض شيئا من نصيبه، ولم يحصل في ضمانه، فجرى مجرى إبرائها له منه.

(^١) م: «فأقر».
والمثبت من باقي النسخ.
(^٢) الأصل: «لها».

الجزء: 2 - الصفحة: 709

وبعض الفقهاء يضمنه نصيب شريكه من المهر، ويجعله كالمقبوض؛ لأنه عاوض عليه بالبضع، فهو كما لو اشترى منها به سلعة، فإنها تكون بينهما، وهاهنا تعذرت مشاركته في البضع، فيشاركه في بدله، وهو المهر، فكأنها وفته نصيبه من الدين.

وطريق الحيلة في تخلصه من ذلك: أن يهب لها نصيبه مما عليها، ثم يتزوجها بعد ذلك على خمس مئة في ذمته، ثم تهب له المرأة ما لها عليه من الصداق؛ فإن أحد الشريكين إذا وهب نصيبه من المال المشترك لا يضمن لشريكه شيئا؛ لأنه متبرع.

فإن خاف أن يهبها أو يبرئها فتغدر به، ولا تتزوج به:

فالحيلة له (^١): أن يشهد على إقرارها أنه يستحق عليها ذلك المبلغ مادامت أجنبية منه، وأنه لا يستحق على زوجته فلانة شيئا من ذلك المال.

وأكثر ما فيه: أنه يسميها زوجة قبل العقد، فإذا تم العقد برئت من الدين.

فإن خاف أن لا تبرئه من الصداق، وتطالبه به، ويسقط حقه من المال الذي عليها:

فالحيلة له: أن يشهد عليها في العقد: أنه برئ إليها من الصداق، وأنها لا تستحق المطالبة به.

المثال السادس والخمسون: إذا أراد أن يشتري جارية، وعرض له آخر يريد شراءها، فاستحلف أحدهما صاحبه: أنه إن اشتراها فهي بينه وبينه نصفين، فأراد أن يشتريها وتكون له، تأول في يمينه: أنه إن اشتراها بنفسه

(^١) «له» ساقطة من الأصل، م.

الجزء: 2 - الصفحة: 710

فهي بينه وبينه، فإذا وكل من يشتريها له كانت له وحده.

فإن استحلفه أنه إن ملكها فهو شريكه فيها، بطلت هذه الحيلة، فله أن يأمر من يثق به أن يشتريها لنفسه، ويؤدي عنه الثمن، ثم يزوجه إياها، فإذا أراد بيعها استبرأها، ثم أمر ذلك الرجل أن يبيعها ويرجع ثمنها إليه.

المثال السابع والخمسون: إذا كان بينهما عرض من العروض، فاشتراه منهما أجنبي بمائة درهم، وقبضه، ثم إن المشتري أراد أن يصالح أحدهما من جميع الثمن على بعضه، على أن يضمن له الدرك من شريكه، حتى يخلصه منه، أو يرد عليه جميع الثمن الذي وقع العقد عليه.

فقال القاضي: لا يجوز ذلك؛ لأن الضمان لما كان على شريكه إنما يجب بقبضه المال، وذلك لم يوجد، فلا يكون مضمونا عليه.

فالحيلة للمشتري: أن يكون بريئا، وإن أدركه درك من شريكه، رجع به على الذي صالحه أن يحط الشريك المصالح عن المشتري نصيبه كله من الثمن، ثم يدفع المشتري إليه نصيب صاحبه، قضاء له (^١) على أنه ضامن لما أدركه من شريكه، حتى يخلصه منه، أو يرد عليه ما قبضه منه، ويبرئه هو من نصيبه؛ لأنه إذا أبرأه من نصيبه لم يبق من الدين إلا نصيب صاحبه، فإذا قبضه كان مضمونا عليه؛ لأنه قبض دين الغير بغير أمره.

المثال الثامن والخمسون: إذا كان عبد بين شريكين موسرين، فأراد كل منهما عتق نصيبه، وأن لا يغرم لشريكه شيئا:

فالحيلة: أن يوكلا رجلا فيعتقه عنهما، ويكون [٩٥ أ] ولاؤه بينهما.

(^١) ح، ت: «فصالحه».

الجزء: 2 - الصفحة: 711

المثال التاسع والخمسون: إذا سأله عبده أن يزوجه أمته فحلف أن لا يفعل، ثم بدا له في تزويجه:

فالحيلة: أن يبيع العبد والأمة لمن يثق به، ثم يزوجه المشتري، فإذا تم العقد أقاله في البيع.

ولا بأس بمثل هذه الحيلة، فإنها لا تتضمن إبطال حق، ولا تحليل محرم، وذلك غير ممتنع على أصلنا؛ لأن الصفة وهي عقد النكاح قد وجدت في حال زوال ملكه، فلا يتعلق بها حنث، ولا يحنث أيضا باستدامة التزويج بعد ملكهما؛ لأن التزويج عبارة عن العقد، وقد انقضى، وإنما بقي حكمه.

ولهذا لو حلف: لا يتزوج، فاستدام التزويج، لم يحنث، وهذا بخلاف ما إذا حلف على عبده: أنه لا يدخل الدار، فباعه، ودخلها، ثم ملكه، فإن دخلها حنث؛ لأنه ابتدأ الدخول واليمين باقية، ولو دخلها في حال زوال ملكه، ثم ملكه وهو داخل فيها حنث؛ لأن الدخول عبارة عن الكون، وذلك موجود بعد الملك الثاني، فيحنث به، كما لو كان موجودا في الملك الأول.

وقد قال أحمد في رواية مهنا في رجل قال لامرأته: أنت طالق إن رهنت كذا وكذا، فإذا هي قد رهنته قبل يمينه، فقال: أخاف أن يكون حنث.

قال القاضي: وهذا محمول على أنه قال: إن كنت رهنته، وهذا تأويل منه لكلام أحمد.

وظاهر كلامه: أنه جعل استدامة الرهن بمنزلة ابتدائه، كالدخول.

المثال الستون: إذا كان له عليه مال، فمرض المستحق، وأراد أن يبرئه منه، وهو يخرج من ثلثه، فخاف أن يكتم الورثة ماله، ويقولوا: لم يدع إلا

الجزء: 2 - الصفحة: 712

الدين الذي على هذا.

فالحيلة في خلاصه: أن يخرج المريض من ماله بقدر الدين الذي على غريمه، فيملكه إياه، ثم يستوفيه منه، ويشهد على ذلك، وكذلك إذا أراد المريض أن يعتق عبدا، وله مال، يخرج من ثلثه، ويملكه ماله، فخاف أن يقول الورثة: لم يدع (^١) الميت شيئا غير هذا العبد:

فالحيلة: أن يملكه (^٢) من رجل يثق به، ويقبض الثمن، فيهبه للمشتري ثم يعتقه المشتري.

فإن كان على الميت دين، وله وفاء وفضل يخرج العبد من ثلثه، فخاف المريض أن يغيب الورثة ماله، ثم يقولوا: أعتق العبد ولا مال له غيره، فلا يجوز له ما صنع من ذلك:

فالحيلة فيه: أن يبيع العبد من نفسه، ويقبض الثمن منه، بمحضر من الشهود، ثم يهب المريض للعبد ما قبض منه في السر، فيأمن حينئذ من اعتراض الورثة، فإن لم يكن للعبد مال يشتري به نفسه وهبه السيد مالا في السر، وأقبضه إياه، فيشتري به العبد نفسه من سيده.

فإن لم يرد السيد عتقه، وأراد بيعه من بعض ورثته بمال للوارث على المريض، ليست له به بينة:

فالحيلة في ذلك: أن يقبض وارثه ماله عليه في السر، ثم يبيعه العبد ويشهد له على ذلك، ويقبض الثمن بمحضر من الشهود، فيتخلص من

(^١) في م: «يخلف».
(^٢) م: «يبيع المريض العبد».

الجزء: 2 - الصفحة: 713

اعتراض الورثة.

المثال الحادي والستون: إذا أوصى إلى رجل، فخاف أن لا يقبل، فقال: إن لم يقبل ففلان وصيي، صح ذلك بسنة رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - الصحيحة الصريحة التي لا تجوز مخالفتها، حيث علق الإمارة بالشرط (^١)، فتعليق الوصية أولى؛ لأنه يستفيد بالإمارة أكثر مما يستفيد بالوصية.

وبعض الفقهاء يبطل ذلك.

فالحيلة في ذلك: أن يشهد المريض أنهما جميعا وصياه، فإن لم يقبل أحدهما، وقبل الآخر، فالذي قبل منهما وصي وحده، فإن قبلا [٩٥ ب] جميعا فلكل واحد منهما أن ينفرد بالتصرف عن صاحبه؛ لأنه رضي بتصرف كل واحد منهما، قاله القاضي.

فإن خاف أن يمنع ذلك من لا يرى انفراد أحدهما بالتصرف، ويقول: قد شرك بينهما، وجعلهما بمنزلة وصي واحد:

فالحيلة في الجواز: أن يقول: أو صيت إليهما على الاجتماع والانفراد.

المثال الثاني والستون: إذا تصرف الوصي، وباع واشترى، وأنفق على اليتيم، فللحاكم أن يحاسبه ويسأله عن وجوه ذلك، ولا يمنعه من محاسبته كونه أمينا؛ فإن النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - حاسب عماله، كما ثبت في «صحيح البخاري» (^٢): أنه بعث ابن اللتبية عاملا على الصدقة، فلما جاء حاسبه.

(^١) تقدم تخريجه.
(^٢) برقم (٧١٩٧) عن أبي حميد الساعدي.

الجزء: 2 - الصفحة: 714

فإن أراد الوصي أن يتخلص من ذلك، فالحيلة له: أن يجعل غيره هو الذي يتولى بيع التركة، وقبض الدين والإنفاق، ولا يشهد على نفسه بوصول شيء من ذلك إليه، فإذا سأله الحاكم قال: لم يصل إلي شيء من التركة، ولا تصرفت فيها، فإن كانت التركة قد بيعت بأمره وقبض ثمنها بأمره، وصرف بأمره، فحلفه الحاكم إنه لم يقبض، ولم يوكل من قبض وتصرف وأنفق، فإن كان محسنا قد وضع التركة موضعها ولم يخن، وسعه أن يتأول في يمينه، وإن كان ظالما؛ لم ينفعه تأويله.

المثال الثالث والستون: يصح وقف الإنسان على نفسه، على أصح الروايتين، ويجوز اشتراط النظر لنفسه، ويجوز أن يستثني الإنفاق منه على نفسه ما عاش، أو على أهله، وغيرنا ينازعنا في ذلك، فإذا خاف من حاكم يبطل الوقف على هذا الوجه:

فالحيلة له: أن يملكه لولده أو زوجته، أو أجنبي يقفه عليه، ويشترط له النظر فيه، وأن تقدم على غيره من الموقوف عليهم بغلته، أو بالإنفاق عليه، فيصح حينئذ، ولا يبقى للاعتراض عليه سبيل.

المثال الرابع والستون: إذا اشترى جارية وقبضها، فوجد بها عيبا، ولم يكن نقد ثمنها، فأراد ردها، فصالحه البائع على أن يأخذ البائع الجارية بأقل من الثمن الذي اشتراها به.

فقال القاضي: لا يجوز ذلك؛ لأن هذا في الصلح بمعنى البيع، وبيع المبيع من بائعه بأقل من ثمنه لا يجوز؛ لأنه ذريعة إلى الربا، وهو كمسألة العينة، فإن كان قد حدث بالجارية عيب عند المشتري جاز ذلك؛ لأن مقدار الحط يكون بإزاء العيب الذي حدث عند المشتري، فلا يؤدي إلى مسألة العينة.

الجزء: 2 - الصفحة: 715

والحيلة في جواز ذلك، في الصورة الأولى على وجه لا يشبه العينة: أن يخرج الجارية من ملكه، فيبيعها لرجل بالثمن الذي يأخذها به البائع، فيصالح الذي في يده الجارية البائع على أن يقبلها بدون الثمن الذي وقع عليه العقد، ويجعل هذا الثمن الذي يأخذ به الجارية قضاء عن مشتري الجارية؛ لأن المشتري الثاني متى صالح البائع، على أن يقبل الجارية بدون الثمن الذي اشتريت به، فهو عقد جرى بينهما مبتدا، من غير بناء أحد العقدين على الآخر، فإذا اشتراها البائع من هذا الثاني حصل ثمنها في ذمته له، وله هو على المشتري الأول ثمنها، فإذا طالبه البائع بالثمن أحاله على المشتري الأول، فيتقاصان.

المثال الخامس والستون: الضمان لا يبرئ ذمة المضمون عنه بمجرده، حيا كان المضمون عنه أو ميتا.

وفيه رواية أخرى: أنه يبرئ ذمة الميت دون الحي، وهو مذهب [٩٦ أ] أبي حنيفة.

وفيه قول ثالث: أنه يبرئ ذمة الحي والميت، كالحوالة، وهو مذهب داود.

فإذا أراد الضامن أن يكون ضمانه مبرئا لذمة المضمون عنه،

فالحيلة في ذلك أن يقول: لا أضمن دينه إلا بشرط أن تبرئه منه، فمتى أبرأته منه فأنا ضامن له.

ويصح تعليق الضمان بالشرط في أقوى الوجهين، فإذا أبرأه صحت البراءة، ولزم الدين الضامن وحده.

الجزء: 2 - الصفحة: 716

فإن خاف رب الدين أن يرفعه إلى حاكم لا يرى صحة الضمان المعلق، فيبطل دينه من ذمة الأصيل بالإبراء، ولا يثبت له في ذمة الضامن:

فالحيلة: أن يكتب ضمانه ضمانا مطلقا، ويشهد عليه به من غير شرط، بعد إقراره ببراءة الأصل، فيحصل مقصودهما.

المثال السادس والستون: الحوالة تنقل الحق من ذمة المحيل إلى ذمة المحال عليه، فلا يملك مطالبة المحيل بعد ذلك إلا في صورة واحدة، وهي: أن يشترط ملاءة المحال عليه فيتبين مفلسا.

وعند أبي حنيفة: إذا توى المال على المحال عليه، بأن جحده حقه، وحلف عليه، أو مات مفلسا، رجع على المحيل.

وعند مالك: إن ظن ملاءته، فبان مفلسا، رجع، وإن طرأ عليه الفلس لم يكن له الرجوع.

فإذا أراد صاحب الحق التوثق لنفسه، وأنه إن توى ماله على المحال عليه رجع على المحيل:

فالحيلة له في ذلك: أن يحتال حوالة قبض، لا حوالة استيفاء، فيقول للمحيل: أحلني على غريمك أن أقبض لك ما عليه من الدين، فيجيبه إلى ذلك، فما قبضه منه كان على ملك المحيل، فيأذن له في استيفائه.

فإن خاف المحيل أن يهلك هذا المال في يد القابض، ولا يغرمه، لأنه وكيل في قبضه:

فالحيلة أن يقول له: ما قبضته فهو قرض في ذمتك، فيثبت في ذمته نظير ما له عليه، فيتقاصان.

الجزء: 2 - الصفحة: 717

فالحوالة ثلاثة أنواع: حوالة قبض محض، فهي وكالة، وحوالة استيفاء، وهي التي تنقل الحق، وحوالة إقراض:

فالأولى: لا تثبت المقبوض في ذمة المحال، والثانية: تجعل حقه في ذمة المحال عليه، والثالثة: تثبت المأخوذ في ذمته بحكم الاقتراض.

المثال السابع والستون: إذا ضمن الدين ضامن فلمستحقه مطالبة أيهما شاء.

وعن مالك روايتان، إحداهما: كذلك، والثانية: أنه ليس له مطالبة الضامن إلا إذا تعذر مطالبة الأصل.

فإن أراد الضامن أن يضمن على هذا الوجه، فالحيلة أن يقول: إن تعذر مالك قبله فأنا ضامن له.

ويصح تعليق الضمان على الشرط على الأصح.

فإن أراد أن يصحح ذلك على كل قول، ويأمن رفعه إلى من يرى بطلان ذلك:

فالحيلة فيه: أن يقول: ضمنت ما يتوى لك على فلان، أو يعجز عن أدائه، فيصح ذلك، ولا يتمكن من مطالبته إلا إذا توى المال على الأصل، أو عجز عنه.

المثال الثامن والستون: إذا بذت عليه امرأته، فقال: الطلاق يلزمني منك؛ لا تقولين لي شيئا؛ إلا قلت لك مثله، فقالت: أنت طالق ثلاثا:

فقال بعضهم: يقول لها: أنت طالق ثلاثا بفتح التاء، ولا تطلق؛ لأن الخطاب لا يصلح لها.

الجزء: 2 - الصفحة: 718

وهذا ضعيف جدا؛ لأن قوله: أنت طالق؛ إما أن يعنيها به، أو يعني غيرها، فإن لم يعنها لم يكن قد قال لها مثل ما قالت، بل يكون القول لغيرها، فلا يبر به؛ وإن عناها به طلقت للمواجهة، وفتح التاء لا يمنع صحة الخطاب، والمعنى: أنت أيها الشخص أو الإنسان!

ثم يقول هذا القائل إذا قالت له: فعل الله بك كذا، فقال لها: فعل الله بك وفتح الكاف، هل يكون بارا في يمينه بذلك؟

فإن قال: لا يبر، لزمه مثله في الطلاق.

وإن قال: يبر، كان قائلا لها ذلك، فيكون مطلقا لها.

وأجود من هذا: [٩٦ ب] أن يكون قوله على التراخي، ما لم يقيده بالفور، بلفظه أو نيته.

وقالت طائفة: يقول لها: أنت طالق ثلاثا، إن لم أفعل كذا وكذا، وإن فعلت، لما لا تقدر هي عليه، فيكون قد قال لها مثل ما قالت، وزاد عليه.

وفى هذا ضعف لا يخفى؛ لأن هذه الزيادة تنقص الكلام، فهي زيادة في اللفظ ونقصان في المعنى، فإنه إذا علق الطلاق بشرط خرج من التنجيز إلى التعليق، وصار كله كلاما واحدا، وهي لم تعلق كلامها، وإنما نجزته، فالمماثلة تقتضي تنجيزا مثله.

وأجود من هذا كله أن يقال: لا يدخل هذا الكلام الذي صدر منها في يمينه؛ لأنه لم يرده قطعا، ولا خطر بباله، فيمينه لم يتناوله، فهو غير محلوف عليه بلا شك، واللفظ العام يختص بالنية والعرف، والعرف في مثل هذا لا يدخل فيه قولها له ذلك، والأيمان يرجع فيها إلى العرف والنية والسبب،

الجزء: 2 - الصفحة: 719

وهذا مطرد ظاهر على أصول مالك وأحمد، في اعتبارهم عرف الحالف ونيته وسبب يمينه، والله أعلم.

المثال التاسع والستون: يجوز أن يستأجر الشاة والبقرة ونحوهما مدة معلومة للبنها، ويجوز أن يستأجرها لذلك بعلفها وبدراهم مسماة، والعلف عليه، هذا مذهب مالك، وخالفه الباقون.

وقوله هو الصحيح، واختاره شيخنا رحمه الله؛ لأن الحاجة تدعو إليه، ولأنه كاستئجار الظئر للبنها مدة، ولأن اللبن وإن كان عينا فهو كالمنافع في استخلافه وحدوثه شيئا بعد شيء، ولأن إجارة الأرض لما ينبت فيها من الكلأ والشوك (^١) جائزة، وهو عين، ولأن اللبن حصل بعلفه وخدمته، فهو كحصول المغل ببذره وخدمته، ولا فرق بينهما، فإن تولد اللبن من العلف كتولد المغل من البذر، فهذا من أصح القياس.

وأيضا فإنه يجوز أن يقفها، فينتفع الموقوف عليها بلبنها، وحق الواقف إنما هو في منفعة الموقوف مع بقاء عينه.

وأيضا فإنه يجوز أن يمنحها غيره مدة معلومة لأجل لبنها، وهي باقية على ملك المانح، فتجري منيحتها مجرى إعارتها، والعارية إباحة المنافع، فإذا كان اللبن يجري مجرى المنفعة في الوقف والعارية جرى مجراها في الإجارة.

وأيضا فإن الله سبحانه وتعالى قال: ﴿فإن أرضعن لكم فآتوهن أجورهن﴾ [الطلاق: ٦]، فسمى ما تأخذه المرضعة في مقابلة اللبن أجرا، ولم يسمها ثمنا.

(^١) «والشوك» ساقطة من م. والمثبت من ح، ت.

الجزء: 2 - الصفحة: 720

وأيضا فيجوز أن يستأجر بئرا مدة معلومة لمائها، والماء لم يحصل بعمله، فلأن يجوز استئجار الشاة للبنها الحاصل بعلفه والقيام عليها أولى.

وأيضا فإنه يجوز أن يستأجر بركة يعشش فيها السمك لأجله، فهذا أولى بالجواز؛ لأنه معلوم بالعرف، وهو حاصل بعلفه والقيام على الحيوان.

وقياس المنع على تحريم بيع اللبن في الضرع قياس فاسد؛ فإن ذلك بيع مجهول لا يعرف قدره، وما يتحصل منه، وهو بيع معدوم، فلا يجوز، والإجارة أوسع من البيع ولهذا يجوز على المنافع المعدومة المستخلفة شيئا بعد شيء، فاللبن في ذلك كالمنفعة سواء، وإن كان عينا، فهذا القول هو الصحيح.

فإن خاف أن يرفعه إلى حاكم يبطل هذا العقد:

فالحيلة في لزومه: أن يؤجره الحيوان مدة بدراهم مسماة، ثم يأذن له في علفه بها، ويبيحه اللبن.

وهذه الحيلة تتأتى في إجارة البقرة، والناقة، والجاموس؛ إذ يمكن الحرث عليها وركوبها، وأما الشاة فلا يراد منها إلا الدر والنسل، فلا تتهيأ الإجارة على منفعتها:

فالطريق في ذلك: أن يستأجرها لرضاع سخلة له مدة معلومة، ويوكله في النفقة عليها بأجرتها، أو ببعضها، ويبيحه اللبن.

المثال [٩٧ أ] السبعون: إذا دفع إليه ثوبه، وقال: بعه بعشرة، فما زاد فلك:

الجزء: 2 - الصفحة: 721

فنص أحمد على صحته، تبعا لعبد الله بن عباس رضي الله عنهما (^١)، ووافقه إسحاق، ومنعه أكثرهم.

ووجه الخلاف: أن في هذا العقد شائبة الوكالة والإجارة والمضاربة، فمن رجح جانب الوكالة صحح العقد، ومن رجح جانب الإجارة أو المضاربة أبطله؛ لأن الأجرة والربح الذي جعل له مجهول.

والصحيح الجواز؛ لأن العشرة تجري مجرى رأس المال في المضاربة، وما زاد فهو كالربح، فإذا جعله كله له كان بمنزلة الإبضاع، إذا دفع إليه مالا يضارب به، وقال: ما ربحت فهو لك، فليس العقد من باب الإجارات، بل هو بالمشاركات أشبه.

فإن خاف أن يرفعه إلى حاكم يرى بطلانه:

فالحيلة في ذلك: أن يقول: وكلتك في بيعه بعشرة، فإن بعته بأكثر فلا حق لى في الزيادة، فيصح هذا، وتكون الزيادة للوكيل.

المثال الحادي والسبعون: قال الإمام أحمد رضي الله عنه في رواية مهنا: لا بأس أن يحصد الزرع ويصرم النخل بسدس ما يخرج منه، وهو أحب إلي من المقاطعة.

يعني: أن يقاطعه على كيل معين، أو دراهم أو عروض.

(^١) علقه البخاري عنه بصيغة الجزم في كتاب الإجارة: باب أجر السمسرة.
ووصله عبد الرزاق (٨/ ٢٣٤) وأبو عبيد في غريب الحديث (٤/ ٢٣٢) ــ ومن طريقه البيهقي في السنن الكبرى (٦/ ١٢١) ــ وابن أبي شيبة (٤/ ٣٠٢) عن هشيم حدثنا عمرو بن دينار عن عطاء عن ابن عباس.

الجزء: 2 - الصفحة: 722

ولذلك نص في رواية الأثرم وغيره، في رجل دفع دابته إلى آخر ليعمل عليها، وما رزق الله بينهما نصفين: أن ذلك جائز.

وقال أحمد أيضا: لا بأس بالثوب يدفع بالثلث والربع، لحديث جابر رضي الله عنه: أن النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - أعطى خيبر على الشطر (^١).

ونقل عنه أبو داود فيمن يعطي فرسه على النصف من الغنيمة: أرجو أن لا يكون به بأس.

وقال في رواية إسحاق بن إبراهيم: إذا كان على النصف والربع؛ فهو جائز.

ونقل عنه أحمد بن سعيد، فيمن دفع عبده إلى رجل ليكتسب عليه، ويكون له ثلث الكسب، أو ربعه: أنه جائز.

ونقل عنه حرب فيمن دفع ثوبا إلى خياط ليفصله قمصانا ويبيعها، وله نصف ربحها بحق عمله، فهو جائز.

ونص في رجل دفع غزله إلى رجل ينسجه ثوبا بثلث ثمنه أو ربعه: أنه جائز.

وقال في «المغني» (^٢): وعلى قياس قول أحمد يجوز أن يعطى الطحان أقفزة معلومة يطحنها بقفيز دقيق منها.

وحكي عن ابن عقيل المنع منه، واحتج بأن رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - نهى عن قفيز الطحان (^٣).

(^١) أخرجه البخاري (٢٣٢٩)، ومسلم (٢٥٥١) عن ابن عمر.
(^٢) المغني (٧/ ١١٨). (^٣) رواه أبو يعلى (١٠٢٤)، والطحاوي في شرح المشكل (٢/ ١٨٧)، والدارقطني (٣/ ٤٧) ــ ومن طريقه البيهقي في الكبرى (٥/ ٣٣٩) ــ عن الثوري عن هشام أبي كليب عن ابن أبي نعم عن أبي سعيد الخدري قال: نهي عن قفيز الطحان، وفي إسناده اختلاف، فقيل: عن عطاء بن السائب عن ابن أبي نعم عن بعض أصحاب النبي -صلى الله عليه وآله وسلم-، وقيل: عن عطاء عن ابن أبي نعم مرسلا، وقيل: عن عطاء عن بعض أصحاب النبي -صلى الله عليه وآله وسلم-، وضعفه ابن قدامة في المغني (٥/ ١١٩)، وقال ابن تيمية كما في المجموع (٣٠/ ١١٣): «هذا الحديث باطل لا أصل له ... ليس من كلام النبي -صلى الله عليه وآله وسلم-، وإنما هو من كلام بعض العراقيين»، وقال الذهبي في الميزان (٧/ ٩٠): «هذا منكر، وراويه لا يعرف»، وقال ابن القيم فيما يأتي: «لا يصح»، وقال البوصيري في إتحاف الخيرة (٣/ ٣٣٠): «مداره على عبد الرحمن الإفريقي وهو ضعيف»، وقال ابن حجر في الدراية (٢/ ١٩٠): «في إسناده ضعف»، وحسنه بعضهم، وصححه الألباني في الإرواء (١٤٧٦).

الجزء: 2 - الصفحة: 723

قال الشيخ (^١) وهذا الحديث لا نعرفه، ولا يثبت عندنا صحته.
وقياس قول أحمد: جوازه، لما ذكرنا عنه من المسائل.

وكذلك لو دفع شبكته إلى صياد ليصيد بها، والسمك بينهما نصفين.

قال في «المغني» (^٢): فقياس قول أحمد صحة ذلك، والسمك بينهما شركة.

وقال ابن عقيل: السمك للصائد، ولصاحب الشبكة أجرة مثلها.

ولو كان له على رجل مال، فقال لرجل: اقبضه منه، ولك ربعه، أو ثلثه، أو قال: إن قبضته (^٣) منه فلك منه الربع أو الثلث، فهو جائز.

(^١) أي ابن قدامة في المغني (٧/ ١١٨). (^٢) (٧/ ١١٨). (^٣) ت، ظ: «أو ما اقتصته».

الجزء: 2 - الصفحة: 724

وكذلك لو غصبت منه عين، فقال لرجل: خلصها لي، ولك نصفها، جاز أيضا.

ولو غرق متاعه في البحر، فقال لرجل: ما خلصته منه فلك نصفه أو ربعه، جاز.

ولو أبق عبده، فقال لرجل أو قال: من رده علي فله فيه نصفه أو ربعه، أو شردت دابته، فقال ذلك؛ صح ذلك كله.

قلت: وكذلك يجوز أن يقول له: انفض لي هذا الزيتون بالسدس، أو الربع، أو اعصره بالثلث أو الربع، أو اكسر هذا الحطب بالربع، أو اخبز هذا العجين بالربع، وما أشبه ذلك، فكل هذا جائز على نصوصه وأصوله، وهو أحب إليه من المقاطعة في بعض الصور.

ولم يجز الشافعي وأبو حنيفة شيئا من ذلك.

وأما مالك فقال أصحابه عنه: إذا قال: احصد زرعي ولك نصفه فذلك جائز، وإن قال: احصد اليوم، فما حصدت فلك نصفه، لم يجز عند ابن القاسم.

[٩٧ ب] وفى «العتبية»: أنه يجوز.

فإن قال: القط زيتوني، فما لقطت فلك نصفه، فهو جائز عند ابن القاسم، وروى سحنون أنه لا يجوز.

ولو قال: انفض زيتوني، فما نقضت فلك نصفه، لم يجز عند ابن القاسم، وأجازه عبد الملك بن حبيب.

الجزء: 2 - الصفحة: 725

فإن قال: اقبض لي المئة دينار التي على فلان، ولك عشرها، جاز عند ابن القاسم وابن وهب، وعند أشهب: لا يجوز.

فلو قال: اقبض ديني الذي على فلان، ولك من كل عشرة واحد، ولم يبين قدر الدين، لم يجز عند ابن وهب، وأجازه ابن القاسم وأصبغ.

والذين منعوا الجواز في ذلك جعلوه إجارة، والأجر فيها مجهول.

والصحيح: أن هذا ليس من باب الإجارات، بل من باب المشاركات، وقد نص أحمد على ذلك.

فاحتج على جواز دفع الثوب بالثلث والربع بحديث خيبر (^١)، وقد دلت السنة على جواز ذلك، كما في «المسند» و«السنن» (^٢) عن رويفع بن ثابت، قال: إن كان أحدنا في زمن رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - ليأخذ نضو أخيه على أن له النصف مما يغنم ولنا النصف، وإن كان أحدنا ليطير له النصل والريش وللآخر القدح.

وأصل هذا كله: أن النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - دفع أرض خيبر إلى اليهود، يعملونها بشطر ما يخرج منها من ثمر أو زرع.

(^١) تقدم تخريجه.
(^٢) مسند أحمد (٤/ ١٠٨)، سنن أبي داود (٣٦)، ورواه أيضا ابن عبد الحكم في فتوح مصر (ص ٧٢، ٣٠٧)، والطبراني في الكبير (٥/ ٢٨)، والخطابي في غريب الحديث (٢/ ١٦٩) والبيهقي في الكبرى (١/ ١١٠) كلاهما من طريق أبي داود، وفي إسناده اختلاف، وحسنه النووي في المجموع (٢/ ١١٦)، وصحح متنه ابن مفلح في الآداب الشرعية (٣/ ١٤١)، وهو في صحيح سنن أبي داود (٢٧).

الجزء: 2 - الصفحة: 726

وأجمع المسلمون على جواز المضاربة، وأنها دفع ماله لمن يعمل عليه بجزء من ربحه، فكل عين تنمي فائدتها من العمل عليها جاز لصاحبها دفعها لمن يعمل بجزء من ربحها.

فهذا محض القياس، وموجب الأدلة، وليس مع المانعين حجة سوى ظنهم أن هذا من باب الإجارات بعوض مجهول، وبهذا أبطلوا المساقاة والمزارعة.

واستثنى قوم بعض صورها، وقالوا: المضاربة على خلاف القياس، لظنهم أنها إجارة بعوض لا يعلم قدره.

وأحمد رحمه الله عنده هذا الباب كله أطيب وأحل من المؤاجرة؛ لأنه في الإجارة يحصل المؤجر على سلامة العوض قطعا، والمستأجر متردد بين سلامة العوض وهلاكه، فهو على خطر.

وقاعدة العدل في المعاوضات: أن يستوي المتعاقدان في الرجاء والخوف، وهذا حاصل في المزارعة، والمساقاة، والمضاربة، وسائر هذه الصور الملحقة بذلك؛ فإن المنفعة إن سلمت سلمت لهما، وإن تلفت تلفت عليهما، وهذا من أحسن العدل.

واحتج المتأخرون من المانعين بحديث أبي سعيد الذي رواه الدارقطني (^١): نهي عن قفيز الطحان، وهذا الحديث لا يصح.

وسمعت شيخ الإسلام رحمه الله يقول: «هو موضوع» (^٢).

(^١) سنن الدارقطني (٣/ ٤٧). وقد تقدم تخريجه.
(^٢) وحكم عليه بالوضع في منهاج السنة (٧/ ٣١١).

الجزء: 2 - الصفحة: 727

وحمله بعض أصحابنا على أن المنهي عنه طحن الصبرة لا يعلم كيلها بقفيز منها؛ لأن ما عداه مجهول، فهو كبيعها إلا قفيزا منها، فأما إذا كانت معلومة القفزان، فقال: اطحن هذه العشرة بقفيز منها صح حبا ودقيقا: أما إذا كان حبا فقد استأجره على طحن تسعة أقفزة بقفيز حنطة، وأما إذا كان دقيقا فقد شاركه في ذلك على أن العشر للعامل وتسعة الأعشار للآخر، فيصير شريكه بالجزء المسمى.

فإن قيل: فالشركة عندكم لا تصح بالعروض.

قيل: بل أصح الروايتين صحتها.

وإن قلنا بالرواية الأخرى فإلحاق هذه بالمساقاة والمزارعة أولى منها بإلحاقها بالمضاربة على العروض؛ لأن المضاربة بالعروض تتضمن التجارة والتصرف في رقبة المال بإبداله بغيره، بخلاف هذا.

فإن قيل: دفع حبه إلى من يطحنه بجزء منه مطحونا، أو غزله إلى من ينسجه بجزء منه منسوجا، يتضمن محذورين:

أحدهما: أن يكون طحن قدر الأجرة ونسجه مستحقا على العامل بحكم الإجارة، ومستحقا له بحكم كونه أجرة، وذلك [٩٨ أ] تناقض؛ فإن كونه مستحقا عليه يقتضي مطالبة المستأجر به، وكونه مستحقا له يقتضي مطالبته للمؤجر به.

الثاني: أن يكون بعض المعقود عليه هو العوض نفسه، وذلك ممتنع.

قيل: إنما نشأ هذا من ظن كونه إجارة، وقد بينا أنه مشاركة لا إجارة، ولو سلم أنه من باب المؤاجرة فلا تناقض في ذلك؛ فإن جهة الاستحقاق مختلفة، فإنه يستحق له بغير الجهة التي يستحق بها عليه، فأي محذور في ذلك؟

الجزء: 2 - الصفحة: 728

وأما كون بعض المعقود عليه يكون عوضا: فهو إنما عقد على عمله فالمعقود عليه العمل، والنفع بجزء من العين، وهذا أمر متصور شرعا وحسا.

فظهر أن صحة هذا الباب هي مقتضى النص والقياس، وبالله التوفيق.

وعلى هذا: فلا يحتاج إلى حيلة لتصحيح ذلك إلا إذا خيف غدر أحدهما، وإبطاله للعقد، والرجوع إلى أجرة المثل.

فالحيلة في التخلص من ذلك: أن يدفع إليه ربع الغزل والحب أو نصفه، ويقول: انسج لي باقيه بهذا القدر، فيصيران شريكين في الغزل والحب، فإذا تشاركا فيه بعد ذلك صح، وكان بينهما على قدر ما شرطاه.

والعجب أن المانعين جوزوا ذلك على هذا الوجه، وجعلوه مشاركة لا مؤاجرة، فهلا أجازوه من أصله كذلك؟ وهل الاعتبار في العقود إلا بمقاصدها وحقائقها، دون صورها وألفاظها؟ وبالله التوفيق.

المثال الثاني والسبعون: إذا كان لرجل على رجل دين، فتوارى عن غريمه، وله هو دين على آخر، فأراد الغريم أن يقبض دينه من الدين الذي له على ذلك، لم يكن له ذلك إلا بحوالة أو وكالة، وقد توارى عنه غريمه، فتعذر عليه الحوالة والوكالة.

فالحيلة له في اقتضاء دينه من ذلك: أن يوكله، فيقول: وكلتك في اقتضاء ديني الذي على فلان، وبالخصومة فيه، ووكلتك أن تجعل ما له عليك قصاصا مما لي عليه، وأجزت أمرك في ذلك، فيقبل الوكيل، ويشهد عليه شهودا، ثم يشهد الوكيل أولئك الشهود، أو غيرهم: أن فلانا وكلني

الجزء: 2 - الصفحة: 729

بقبض ما له على فلان، وأن أجعله قصاصا بما لفلان علي، وأجاز أمري في ذلك، وقد قبلت من فلان ما جعل إلي من ذلك، واشهدوا أن قد جعلت الألف درهم التي لفلان علي قصاصا بالألف التي لفلان موكلي عليه، فتصير الألف قصاصا، ويتحول ما كان للرجل المتواري على هذا الوكيل: للرجل الذي وكله.

المثال الثالث والسبعون: إذا كان لرجل على رجل مال، فغاب الذي عليه المال، وأراد الرجل أن يثبت ما له عليه، حتى يحكم الحاكم عليه وهو غائب، جاز للحاكم أن يحكم عليه في حال غيبته مع بقائه على حجته، في أصح المذهبين، وهو قول أحمد في الصحيح عنه، ومالك، والشافعي.

وعند أبي حنيفة: لا يجوز الحكم على الغائب.

فإذا لم يكن في الناحية إلا حاكم يرى هذا القول، ويخشى صاحب الحق من ضياع حقه:

فالحيلة: أن يجيء رجل، فيضمن لهذا الرجل الذي له المال جميع ما له على الرجل الغائب، ويسميه وينسبه، ويشهد على ذلك، ثم يقدمه إلى القاضي، فيقر الضامن بالضمان، ويقول: قد ضمنت له ما له على فلان بن فلان، ولا أدري كم له عليه؟ ولا أدري: له عليه مال أم لا؟ فإن القاضي يكلف المضمون له أن يحضر بينته على ذلك بما له على فلان، فإذا أحضر البينة؛ قبلها القاضي بمحضر من هذا الضمين، وحكم على الغائب، وعلى هذا الضامن بالمال بموجب ضمانه، ويجعل القاضي هذا الضمين بالمال خصما على الغائب؛ لأنه قد ضمن ما عليه.

الجزء: 2 - الصفحة: 730

ولا يجوز الحكم على هذا الضمين حتى يحكم على المضمون عنه، ثم يحكم بذلك على الضمين؛ لأنه فرعه، فما لم يثبت المال على الأصل لا يثبت على الفرع.

[٩٨ ب] المثال الرابع والسبعون: إذا غصبه متاعا له، ويقول له في السر: بعنيه، ويجحده في العلانية، ويريد تخليص ماله منه.

فالحيلة له: أن يبيعه ممن يثق به، ويشهد له على ذلك بينة عادلة، ثم يبيعه بعد ذلك من الغاصب، ويكون بين البيعين من المدة ما يعرفه الشهود، ليوقتوا بذلك عند الأداء، فإذا أشهد للغاصب بالبيع في الوقت المعين جاء الذي باع منه المغصوب قبله ببينته، فيحكم له لسبق بينته، فيرجع الغاصب على المغصوب منه بالثمن الذي دفعه إليه، ويسلم العين للمغصوب منه.

وكذلك لو أقر بها المغصوب منه لرجل يثق به، ثم باعها بعد ذلك للغاصب، ثم جاء المقر له، فأقام بينة على الإقرار السابق.

فإن قيل: فلو خاف الغاصب من هذه الحيلة، وقال للمغصوب منه: لست أبتاع منك هذه السلعة خشية هذا الصنيع، ولكن آمر من يبتاعها منك لي، فأراد المغصوب منه حيلة يرجع إليه بها سلعته:

فالحيلة: أن يبيعها أولا ممن يثق به، ولا يكتب في كتاب التبايع قبضه، ثم يبيعها بعد ذلك من الرجل الذي يريد شراءها للغاصب، ويكتب في هذا الشراء الثاني قبض المشتري، فإنه إذا أقر وكيل الغاصب بقبض العين من المغصوب منه، ثم جاء الرجل الذي كتب له المغصوب منه الشراء، كان أولى بها من وكيل الغاصب؛ لأن وقت شرائه أقدم، وإقراره بقبضها وتسليمها إلى الرجل المشتري لها أولا أولى، ويرجع وكيل الغاصب على

الجزء: 2 - الصفحة: 731

المغصوب منه بالثمن الذي دفعه إليه.

المثال الخامس والسبعون: إذا أقرضه مالا وأجله لزم تأجيله على أصح المذهبين

، وهو مذهب مالك، وقول في مذهب أحمد.

والمنصوص عنه: أنه لا يتأجل، كما هو قول الشافعي، وأبي حنيفة.

ويدل على التأجيل قوله تعالى: ﴿أوفوا بالعقود﴾ [المائدة: ١]، وقوله تعالى: ﴿ياأيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون (٢) كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون﴾ [الصف: ٢، ٣]، وقوله: ﴿وأوفوا بالعهد إن العهد كان مسئولا﴾ [الإسراء: ٣٤]، وقوله - صلى الله عليه وآله وسلم -: «المسلمون عند شروطهم» (^١)، وقوله: «آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا عاهد غدر، وإذا وعد أخلف» (^٢)، وقوله: «ينصب لكل غادر لواء عند استه يوم القيامة بقدر غدرته» (^٣)، وقوله: «لا تغدروا» (^٤)، وقوله: «إن الغدر لا يصلح» (^٥)، وقوله في صفة المنافق: «إذا وعد أخلف»، وإخلاف الوعد مما فطر الله العباد على ذمه واستقباحه، وما رآه المؤمنون قبيحا فهو عند الله قبيح.

(^١) تقدم تخريجه.
(^٢) أخرجه البخاري (٣٣)، ومسلم (٥٩) عن أبي هريرة.
(^٣) أخرجه البخاري (٧١١)، ومسلم (١٧٣٥) عن ابن عمر.
(^٤) أخرجه مسلم (١٧٣١) عن بريدة.
(^٥) لم أقف عليه بهذا اللفظ، وروى الطبري في تاريخه (٢/ ١٢٤ - ١٢٥) من طريق محمد بن إسحاق عن الزهري عن عروة بن الزبير عن المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم، فذكر قصة الحديبية، وفيها قوله -صلى الله عليه وآله وسلم- لأبي بصير: «ولا يصلح لنا في ديننا الغدر».
وانظر: السيرة النبوية لابن هشام (٤/ ٢٩٢).

الجزء: 2 - الصفحة: 732

وعلى هذا: فلا حاجة إلى التحيل على لزوم التأجيل.

وعلى القول الأخر: قد يحتاج إلى حيلة يلزم بها التأجيل.

فالحيلة فيه: أن يحيل المستقرض صاحب المال بماله إلى سنة أو نحوها، بقدر مدة التأجيل، فيكون المال على المحال عليه إلى ذلك الأجل، ولا يكون للطالب ولا لورثته على المستقرض سبيل، ولا على المحال عليه إلى الأجل؛ فإن الحوالة تنقل الحق.

ولو أحال المحال عليه صاحب المال على رجل آخر إلى ذلك الأجل جازت الحوالة، فإن مات المحال عليه الأول لم يكن لصاحب المال على تركته سبيل، ولا على المحال عليه الثاني.

المثال السادس والسبعون: إذا رهنه دارا أو سلعة على دين، وليس عنده من يشهد له على قدر الدين ويكتبه، فالقول قول المرتهن في قدره، ما لم يدع أكثر من قيمته، هذا قول مالك.

وقال الشافعي، وأبو حنيفة، وأحمد: القول قول الراهن.

وقول مالك هو الراجح، وهو اختيار شيخنا رحمه الله؛ لأن الله سبحانه جعل الرهن بدلا من الكتاب، يشهد بقدر الحق، والشهود التي تشهد به، وقائما مقامه، فلو لم يقبل قول المرتهن في ذلك بطلت التوثقة من الرهن، وادعى المرتهن أنه رهن على أقل شيء، فلم يكن في الرهن فائدة، والله سبحانه [٩٩ أ] قد قال في آية المداينة التي أرشد بها عباده إلى حفظ حقوق بعضهم على بعض خشية ضياعها بالجحود أو النسيان، فأرشدهم إلى حفظها بالكتاب، وأكد ذلك بأن أمرهم بكتابة الدين، وأمر الكاتب أن يكتب، ثم أكد ذلك بأن نهاه أن يأبى أن يكتب، ثم أعاد الأمر بأن يكتب مرة أخرى،

الجزء: 2 - الصفحة: 733

وأمر من عليه الحق أن يملل، ويتقي ربه، ولا يبخس من الحق شيئا، فإن تعذر إملاؤه لسفهه، أو صغره، أو جنونه، أو عدم استطاعته، فوليه مأمور بالإملاء عنه.

وأرشدهم إلى حفظها باستشهاد شهيدين من الرجال، أو رجل وامرأتين، فأمرهم بالحفظ بالنصاب التام، الذي لا يحتاج صاحب الحق معه إلى يمين، ونهى الشهود أن يأبوا إذا دعوا إلى إقامة الشهادة.

ثم أكد ذلك عليهم بنهيهم أن يمتنعوا من كتابة الحقير والجليل من الحقوق سآمة ومللا.

وأخبر أن ذلك أعدل عنده، وأقوم للشهادة، فيتذكرها الشاهد إذا عاين خطه، فيقيمها، وفى ذلك تنبيه على أن له أن يقيمها إذا رأى خطه وتيقنه، وإلا لم يكن للتعليل بقوله: ﴿وأقوم للشهادة﴾ [البقرة: ٢٨٢] فائدة.

وأخبر أن ذلك أقرب إلى اليقين، وعدم الريب، ثم رفع عنهم الجناح بترك الكتابة إذا كان بيعا حاضرا فيه التقابض من الجانبين، يأمن به كل واحد من المتبايعين من جحود الآخر ونسيانه.

ثم أمرهم مع ذلك بالإشهاد إذا تبايعوا، خشية الجحود وغدر كل واحد منهما بصاحبه، فإذا أشهدا على التبايع أمنا ذلك.

ثم نهى الكاتب والشهيد عن أن يضارا، إما بأن يمتنعا من الكتابة والشهادة تحملا وأداء، أو أن يطلبا على ذلك جعلا يضر بصاحب الحق، أو يكتم الشاهد بعض الشهادة، أو يؤخرا الكتابة والشهادة تأخيرا يضر بصاحب الحق، أو يمطلا، ونحو ذلك.

الجزء: 2 - الصفحة: 734

أو هو نهي لصاحب الحق أن يضار الكاتب والشهيد، بأن يشغلهما عن ضرورتهما وحوائجهما، أو يكلفهما من ذلك ما يشق عليهما.

ثم أخبر أن ذلك فسوق بفاعله.

فهذا كله عند القدرة على الكتاب والشهود.

ثم ذكر ما يحفظ به الحقوق عند عدم القدرة على الكتاب والشهود وهو السفر في الغالب، فقال: ﴿وإن كنتم على سفر ولم تجدوا كاتبا فرهان مقبوضة﴾ [البقرة: ٢٨٣].

فدل ذلك دلالة بينة أن الرهن قائمة مقام الكتاب والشهود، شاهدة مخبرة بالحق، كما يخبر به الكتاب والشهود.

وهذا والله أعلم سر تقييد الرهن بالسفر؛ لأنه حال يتعذر فيها الكتاب الذي ينطق بالحق غالبا، فقام الرهن مقامه، وناب منابه، وأكد ذلك بكونه مقبوضا للمرتهن، حتى لا يتمكن الراهن من جحده.

فلا أحسن من هذه النصيحة، وهذا الإرشاد والتعليم، الذي لو أخذ به الناس لم يضع في الأكثر حق أحد، ولم يتمكن المبطل من الجحود والنسيان.

فهذا حكمه سبحانه المتضمن لمصالح العباد في معاشهم ومعادهم.

والمقصود: أنه لو لم يقبل قول المرتهن على الراهن في قدر الدين لم يكن وثيقة ولا حافظا لدينه، ولا بدلا من الكتاب والشهود؛ فإن الراهن يتمكن من أخذه منه، ويقول: إنما رهنته منه على ثمن درهم ونحوه، ومن يجعل القول قول الراهن فإنه يصدقه على ذلك، ويقبل قوله في رهن الربع، والصيغة على هذا القدر.

الجزء: 2 - الصفحة: 735

فالذي نعتقده وندين الله به هو قول أهل المدينة.

فإذا أراد الرجل حفظ حقه، وخاف أن يقع التحاكم عند حاكم لا يرى هذا المذهب؛ فالحيلة في قبول قوله: أن (^١) يسترهنه المرتهن على قيمته، ويدفع إليه ما اتفقا عليه، ويشهد الراهن أن الباقي من قيمته أمانة عنده، أو قرض في ذمته [٩٩ ب] يطالبه به متى شاء، فيتمكن كل واحد منهما من أخذ حقه، ويأمن ظلم الآخر له، والله أعلم.

المثال السابع والسبعون: إذا كان لرجل على رجل ألف درهم، وفي يده رهن بالألف، وطالب صاحب الدين الغريم بالألف، وقدمه إلى الحاكم، وقال: لي على هذا ألف درهم، وخاف أن يقول: وله عندي رهن بالألف وهو كذا وكذا، فيقول الغريم: ما له علي هذه الألف التي يدعيها، ولا شيء منها، وهذا الذي ادعى أنه لي رهن في يده هو لي كما قال، ولكنه ليس برهن، بل وديعة، أو عارية، فيأخذه منه، ويبطل حقه:

فالحيلة في أمنه من ذلك: أن يدعي بالألف، فيسأل الحاكم المطلوب عن المال، فإما أن يقر به، وإما أن ينكره، فإن أقر به وادعى أن له رهنا لزمه المال ودفع الرهن إلى صاحبه، أو بيع في وفائه، وإن أنكره وقال: ليس له علي شيء، ولي عنده تلك العين إما الدار وإما الدابة، فليقل صاحب الحق للقاضي: سله عن هذا الذي يدعي علي: على أي وجه هو عندي؟ أعارية، أم غصب، أم وديعة، أم رهن؟ فإن ادعى أنه في يده على غير وجه الرهن حلف على إبطال دعواه، وكان صادقا، وإن ادعى أنه في يده على وجه الرهن، قال للقاضي: سله على كم هو رهن؟ إن أقر بقدر الحق أقر له بالعين، وطالب

(^١) «أن» ساقطة من م.

الجزء: 2 - الصفحة: 736

بحقه، وإن جحد بعضه حلف على نفي ما ادعاه، وكان صادقا.

المثال الثامن والسبعون: إذا باعه سلعة ولم يقبضه إياها، أو آجره دارا ولم يتسلمها، أو زوجه ابنته ولم يسلمها إليه، ثم ادعى عليه بالثمن، أو الأجرة، أو المهر، فخاف إن أنكره أن يستحلفه، أو يقيم عليه البينة بجريان هذه العقود، وإن أقر لزمه ما ادعى عليه به:

فالحيلة في تخلصه أن يقول في الجواب: إن ادعيت هذا المبلغ من ثمن مبيع لم أقبضه، أو إجارة دار لم تسلمها إلي، أو نكاح امرأة لم تسلمها إلي، أو كانت المرأة هي التي ادعت، فقال: إن ادعيت هذا المبلغ من مهر أو كسوة أو نفقة من نكاح لم تسلمي إلي نفسك فيه، ولم تمكنيني من استيفاء المعقود عليه، فأنا مقر به، وإن كان غير ذلك فلا أقر به (^١)، وهذا جواب صحيح يتخلص به.

فإن قيل: فهذا تعليق للإقرار بالشرط، والإقرار لا يصح تعليقه، كما لو قال: إن شاء الله أو إن شاء زيد فله علي ألف.

قيل: بل يصح تعليق الإقرار بالشرط في الجملة، كقوله: إذا جاء رأس الشهر فله علي ألف؛ فهذا إقرار صحيح، ولا يلزمه قبل مجيء الشهر، وكذا لو قال: إن شهد فلان علي بما ادعاه صدقته، صح التعليق، فإذا شهد به عليه فلان كان مقرا به، ولا فرق بين تقديم الشرط وتأخيره، كما في تعليق الطلاق والعتاق والخلع.

وفيه وجه آخر: أنه إن أخر الشرط لم ينفعه، وكان إقرارا ناجزا، وهذا

(^١) «به» ساقطة من م.

الجزء: 2 - الصفحة: 737

ضعيف جدا؛ فإن الكلام بآخره، ولو بطل الشرط الملحق به لبطل الاستثناء والبدل والصفة؛ فإن ذلك يغير الكلام، ويخرجه من العموم إلى الخصوص، والشرط يخرجه من الإطلاق إلى التقييد، فهو أولى بالصحة.

وقد جاء تأخير الشرط في القرآن فيما هو أبلغ من الإقرار، كقوله تعالى حاكيا عن نبيه شعيب عليه السلام أنه قال لقومه: ﴿قد افترينا على الله كذبا إن عدنا في ملتكم﴾ [الأعراف: ٨٩].

وقد وافق صاحب هذا الوجه على أنه إذا قال: له علي ألف درهم إذا جاء رأس الشهر أنه يصح، وجها واحدا، وهذا يبطل تعليله بأن إلحاق الشرط بعد الخبر كالرجوع عن الإقرار.

وعلى هذا فلو قال: له علي ألف مؤجلة صح الإقرار، ولزمه الألف مؤجلا.

وقيل: [١٠٠ أ] القول قول خصمه في حلوله، وشبهة هذا: أنه مقر بالدين مدع لحلوله.
وهذا ظاهر البطلان؛ فإنه إنما أقر به على هذه الصفة، فلا يجوز إلزامه به مطلقا، كما لو وصفها بنقد غير النقد الغالب، أو استثنى منها شيئا.

وكذا لو قال: له علي ألف من ثمن مبيع لم أقبضه، أو أجرة عن دار لم أتسلمها، أو قال: هلك قبل التمكن من قبضه، على أصح الوجهين؛ لأنه إنما أقر به على هذه الصفة، فلا يجوز إلزامه به مطلقا.

وكذا لو قال: كان له علي ألف فقضيته، لم يلزمه؛ لأنه إنما أقر به في الماضي، لا في الآن، هذا منصوص أحمد، وليس الكلام بمتناقض في نفسه، فيكون بمنزلة قوله: له علي ألف لا يلزمني، والفرق بين الكلامين أظهر من

الجزء: 2 - الصفحة: 738

أن يحتاج إلى بيان.

وعن أحمد رواية أخرى: أنه مقر بالحق مدع لقضائه، فلا يقبل منه إلا ببينة، وهذا قول الأئمة الثلاثة.

وعنه رواية ثالثة: أن هذا ليس بجواب صحيح، فيطالب برد الجواب.

وعلى هذا فإذا قال: له علي ألف قضيته إياه، ففيه ثلاث روايات منصوصات:

إحداهن: أنه غير مقر، كما لو قال: كان له علي.

والثانية: أنه مقر مدع للقضاء، فلا يقبل منه إلا ببينة.

والثالثة: أنه لا يسمع منه دعوى القضاء، ولو أقام به بينة، بل يكون مكذبا لها.

وعلى هذا إذا قال: كان له علي، ولم يزد على هذا، فهو مقر.

وخرج أنه غير مقر من نصه، على أنه إذا قال: كان له علي وقضيته، أنه غير مقر.

وهو تخريج في غاية الصحة؛ فإن أحمد لم يجعله غير مقر من قوله: وقضيته؛ فإن هذا دعوى منه للقضاء، وإنما جعله كذلك من جهة أنه أخبر عن الماضي لا عن الحال، فلا يلزم بكونه في ذمته في الحال، وهو لم يقر به.

والمقصود: أن المدعى عليه إذا كان مظلوما فالحيلة في تخلصه أن يقول: إن ادعيت كذا من جهة كذا وكذا فأنا غير مقر به، وإن ادعيته من جهة كذا وكذا فأنا مقر به: كان جوابا صحيحا، ولم يكن مقرا على الإطلاق.

الجزء: 2 - الصفحة: 739

المثال التاسع والسبعون: قال أصحابنا: لا يملك البائع حبس المبيع على قبض ثمنه، بل يجبر على تسليمه إلى المشتري، ثم إن كان الثمن معينا فتشاحنا في المبتدئ بالتسليم، جعل بينهما عدل يقبض منهما، ويسلم إليهما، وإن كان دينا أجبر البائع على التسليم، ثم يجبر المشتري على دفع الثمن، فإن كان ماله غائبا عن المجلس حجر عليه في ماله كله، حتى يسلم الثمن، وإن كان غائبا عن البلد فوق مسافة القصر ثبت للبائع الفسخ، وإن كان دونها فهل يحجر عليه، أو يثبت للبائع الفسخ؟ على وجهين، وإن كان المشتري معسرا فللبائع الفسخ والرجوع في عين ماله، هذا منصوص أحمد والشافعي.

وللشافعية وجه: أن تباع السلعة، ويقضى دينه من ثمنها، فإن فضل له فضل أخذه، وإن فضل عليه شيء استقر في ذمته.

والصحيح: أن البائع يملك حبس السلعة على الثمن، حتى يقبضه، هذا هو موجب العدل، وإلا ففي تمكين المشتري من القبض قبل الإقباض إضرار بالبائع؛ فإنه قد يتلف المبيع بأن يكون طعاما أو شرابا فيستهلكه، ويتعذر أو يتعسر عليه (^١) مطالبته بالثمن، فيضر به ولا يزول ضرره إلا بحبس المبيع على ثمنه.

وعلى هذا لو دفع الثمن إلا درهما منه، فله حبس المبيع كله على باقي الثمن، كما نقول في الرهن.

وفيه قول آخر: أنه يملك أن يتسلم من المبيع بقدر ما دفع من الثمن؛

(^١) «عليه» ساقطة من م.

الجزء: 2 - الصفحة: 740

لأن كل جزء من المبيع في مقابلة كل جزء من أجزاء الثمن، فإذا سلم بعض الثمن ملك تسلم ما يقابله.

والفرق بينه وبين الرهن: أن الرهن ليس بعوض [١٠٠ ب] من الدين، وإنما هو وثيقة، فملك حبسه إلى أن يستوفي جميع الدين، والأول هو الصحيح؛ لأنه إنما رضي بإخراج المبيع من ملكه إذا سلم له جميع الثمن، ولم يرض بإخراجه ولا إخراج شيء منه ببعض الثمن.

فإذا خاف البائع أن يجبر على التسليم، ثم يحال على تقاضي المشتري؛ فالحيلة له في الأمن من ذلك: أن يبيعه العين بشرط أن يرتهنها على ثمنها، ويجوز شرط الرهن والضمين في عقد البيع، ويصح رهنه قبل قبضه على ثمنه في أصح الوجهين، كما يصح رهنه قبل القبض بدين آخر غير ثمنه، ومن غير البائع، بل رهنه على ثمنه أولى؛ فإنه يملك حبسه على الثمن بدون الرهن كما تقدم، فلأن يصح حبسه على الثمن رهنا أولى وأحرى.

وأيضا فإذا جاز التصرف فيه بالرهن من الأجنبي قبل القبض، فجوازه من البائع أولى، ولأن المشتري يملك من التصرف مع البائع قبل القبض بالإقالة وغيرها ما لا يملكه مع الأجنبي، ومن منع رهنه على ثمنه قبل قبضه لزمه أن يمنع رهنه على غير الثمن، أو من الأجنبي.

فإن قيل: الفرق بينهما: أنه قبل القبض عرضة للتلف، فيكون من ضمان البائع، وكونه رهنا يقتضى أن يكون من ضمان راهنه، فيتنافى الأمران، حيث يكون مضمونا له ومضمونا عليه من جهة واحدة، وهذا بخلاف رهنه من أجنبي قبل القبض؛ فإنه يكون مضمونا عليه للأجنبي ومضمونا له من البائع، ولا تنافي بين أن يكون مضمونا له لشخص، ومضمونا عليه لغيره، كالعين المؤجرة إذا

الجزء: 2 - الصفحة: 741

أجرها المستأجر صارت المنافع مضمونة عليه للمستأجر الثاني، ومضمونة له من المؤجر الأول، وكذلك الثمار إذا بدا صلاحها جاز للمشتري بيعها، وهي مضمونة له على البائع الأول، ومضمونة عليه للمشتري الثاني.

قيل: هذا هو الفرق الذي بني عليه هذا القول بالمنع (^١)، ولكن يقال: أي محذور في ذلك، وأن يكون مضمونا له وعليه؟

وقولكم: إن ذلك من جهة واحدة، ليس كذلك؛ فإنه مضمون له من جهة كونه مشتريا، فهو من ضمان البائع حتى يمكنه من قبضه، ومضمونا عليه من جهة كونه راهنا، فإذا تلف تلف من ضمانه، حتى لو اتحدت الجهة لم يكن في ذلك محذور، بحيث يكون مضمونا له وعليه من جهة واحدة، كما قلتم: إنه يجوز للمستأجر إجارة ما استأجره لمؤجره، فتكون المنافع مضمونة عليه وله، فأي محذور في ذلك؟

فإن قيل: فإذا تلف هذا الرهن، فمن ضمان من يكون؟ فالبائع يقول للمشتري: يتلف من ضمانك؛ لأنه رهن، والمشتري يقول: يتلف من ضمانك؛ لأنه مبيع لم يقبض، وليس أحدهما بترجيح جانبه أولى من الآخر.

قيل: بل يكون تلفه من ضمان البائع؛ لأن ضمانه أسبق من ضمان الراهن؛ لأنه لما باعه كان من ضمانه حتى يسلمه، فحبسه على ثمنه لا يسقط عنه ضمانه، كما لو حبسه من غير ارتهان، فارتهانه إياه لم يسقط عنه ما لزمه بعقد البيع من التسليم؛ فإنه إنما احتاط لنفسه بعقد الرهن، والراهن لم يتعوض عن الرهن بدين يكون الرهن في مقابلته، فإذا تلف كان قد انتفع بالدين الذي أخذه في مقابلة الرهن.

(^١) في جميع النسخ: «المسح».

الجزء: 2 - الصفحة: 742

فإن أراد

الحيلة في تصحيح الرهن والوثيقة

، وأن لا يعرضه للبطلان؛ فالحيلة له: أن يقبضه من البائع، ثم يرهنه إياه على ثمنه بعد قبضه، فيصح الرهن، ولا يتوالى هناك ضمانان، فإذا تلف بعد ذلك تلف من ضمان المشتري، ولا يسقط الثمن عنه، فإن خاف البائع أن يغيب المشتري، أو يؤخر فكاك الرهن، كتب كتابا وأشهد فيه شهودا، [١٠١ أ] أنه إن مضى وقت كذا وكذا، ولم يفتك الرهن، فقد أذن له في بيعه وقبض دينه من ثمنه، وما بقي منه فهو أمانة في يده.

فإن خاف أن يبطل هذه الوكالة من يرى أنه لا يصح تعليقها بالشرط، كتب في الكتاب: أنه قد وكله الآن، ويعلق تصرفه فيه بالبيع بمجيء الوقت، فيعلق التصرف، وينجز التوكيل.

فإن خاف أن يعزله الموكل فلا ينفذ تصرفه فيه، فالحيلة له: أن يوكله وكالة دورية عند من يرى ذلك، فيقول: وكلما عزلته فقد وكلته، وإن شاء أن يقول: وكلته وكالة لا تقبل العزل، وإن شاء أن يقول: على أني متى عزلته فلا حق لي عنده ولا دعوى، وما أدعيه عليه من جهة كذا وكذا فدعوى باطلة، والله أعلم.

المثال الثمانون: إذا ادعت عليه المرأة أنه لم ينفق عليها، ولم يكسها مدة مقامها معه أو سنين كثيرة، والحس والعرف يكذبها، لم يحل للحاكم أن يسمع دعواها، ولا يطالبه برد الجواب؛ فإن الدعوى إذا ردها الحس والعادة المعلومة كانت كاذبة.

وفى «الصحيح» (^١) عنه - صلى الله عليه وآله وسلم -: «من ادعى دعوى كاذبة ليتكثر بها لم يزده الله بها إلا قلة».

(^١) مسلم (١١٠) عن ثابت بن الضحاك.

الجزء: 2 - الصفحة: 743

وفى «الصحيح» (^١) أيضا عنه - صلى الله عليه وآله وسلم -: «من ادعى ما ليس له فليس منا، وليتبوأ مقعده من النار».

فلا يجوز لأحد حاكم ولا غيره أن يساعد من ادعى ما يشهد الحس والعرف والعادة أنه ليس له، وأن دعواه كاذبة، ففي سماع دعواه وإحضار المدعى عليه وإحلافه أعظم مساعدة ومعاونة على ما يكذبه الحس والعادة.

ثم كيف يسع الحاكم أن يقبل قول المرأة إنها هي التي كانت تنفق على نفسها، وتكسو نفسها هذه المدة كلها، مع شهادة العرف والعادة المطردة بكذبها؛ ولا يقبل قول الزوج إنه هو الذي كان ينفق عليها ويكسوها، مع شهادة العرف والعادة له، ومشاهدة الجيران وغيرهم له: أنه كل وقت يدخل إلى بيته الطعام والشراب والفاكهة، وغير ذلك؟ فكيف يكذب من معه مثل هذه الشهادة، ويقبل قول من يكذب دعواه ذلك؟

وكيف يمكن الزوج أن يتخلص من مثل هذا البلاء الطويل، والخطب الجليل، إلا بأن يشهد كل يوم بكرة وعشية شاهدي عدل على الإنفاق وعلى الكسوة، أو يفرض لها كل شهر دراهم معلومة، يقبضها إياها بإشهاد؟

ثم إما أن يمكنها أن تخرج من بيته كل وقت تشتري لها ما يقوم بمصالحها، أو يتصدى هو لخدمتها وشراء حوائجها، فيكون هو المعاشر (^٢) الأسير المملوك (^٣)، وهي المالكة الحاكمة عليه.

(^١) مسلم (٦١) عن أبي ذر.
(^٢) في بقية النسخ: «العاني».
(^٣) في أكثر النسخ: «المالك».
والمثبت من ح.

الجزء: 2 - الصفحة: 744

وكل هذا ضد ما قصده الشارع من النكاح من الألفة والمودة والمعاشرة بالمعروف؛ فإن هذه المعاشرة من أنكر المعاشرة، وأبعدها من المعروف.

ثم من العجب: أنها إذا ادعت الكسوة والنفقة لمدة مقامها عنده، فقال الزوج للحاكم: سلها من أين كانت تأكل وتشرب وتلبس؟ فيقول الحاكم: لا يلزمها ذلك.

فيا لله العجب! إذا كانت غير معروفة بالدخول والخروج، ولا يمكن الزوج أحدا يدخل عليها، وهي في منزله عدد سنين، تأكل، وتشرب، وتلبس، كيف لا يسألها الحاكم: من الذي كان يقوم لك بذلك؟ ومتى سأله الزوج سؤالها وجب عليه ذلك، فمتى تركه كان تاركا للحق.

فإن سمت أجنبيا غير الزوج؛ كلفها الحاكم البينة على ذلك، وإن قالت: أنا الذي كنت أطعم نفسي وأكسوها في هذه المدة كلها كان كذبها معلوما، ولم يقبل قولها، فإن النفقة والكسوة واجبان على الزوج، وهي تدعي أنها هي التي قامت عنه بهذا الواجب وأدته من مالها، وهو يدعي أنه هو الذي فعل [١٠١ ب] هذا الواجب، وقام به، وأسقطه عن نفسه، ومعه الظاهر والأصل.

أما الظاهر: فلا يمكن عاقلا أن يكابر فيه، بل هو ظاهر ظهورا قريبا من القطع، بل يقطع به في حق أكثر الناس.

وأما الأصل: فهو أيضا من جانب الزوج؛ فإنهما قد اتفقا على القيام بواجب حقها، وهي تضيف ذلك إلى نفسها، أو إلى أجنبي، وهو يدعى أنه هو الذي قام بهذا الواجب، فقد اتفقا على وصول النفقة والكسوة إليها، وهي تقول: كان ذلك بطريق البدل والنيابة عنك، وهو يقول: لم يكن بطريق النيابة، بل بطريق الأصالة.

الجزء: 2 - الصفحة: 745

وهذا بخلاف ما إذا لم يعلم وصول الحق إلى مستحقه كالديون والأعيان المضمونة؛ فإن قبول قول المنكر متوجه، ومعه الأصل.

ونظيره: أن يعترف بقضاء الدين ووصوله إليه، ثم ينكر أن يكون وصل إليه من جهة من عليه الدين، فيقول: وصل إلي الدين الذي لي، لكن ليس من جهتك، بل غيرك أداه عنك، فهل يقبل قوله هاهنا أحد، ويقال: الأصل بقاء الدين في ذمته؟

وهذا نظير مسألة الإنفاق سواء بسواء؛ فإنها مقرة بوصول النفقة إليها، ولو أنكرتها لكذبها الحس، ومدعية أن وصول ذلك إلي لم يكن من جهتك، فدعواها تخالف الأصل والظاهر جميعا، ولهذا لا يقبلها مالك، وفقهاء أهل المدينة، وقولهم هو الصواب والحق الذي ندين الله به، ولا نعتقد سواه.

وأي قبيح أعظم من دعوى امرأة على الزوج ترك النفقة والكسوة ستين سنة أو أكثر، وهي لا تدخل ولا تخرج، ولا يمكنها تعيش عيش الملائكة، فيطالب الزوج بنفقة جميع المدة التي ادعت ترك الإنفاق فيها، وقد تستغرق جميع ماله وداره وثيابه ودوابه، فيؤخذ ذلك كله منه، ويحبس على الباقي، ويجعل دينا مستقرا في ذمته، تطالبه به متى شاءت، وهي تعلم كذب دعواها، ووليها يعلم ذلك، وجيرانها، والله، وملائكته، والذي يساعدها ويخاصم عنها؟

ولما علم فقهاء العراق كأبي حنيفة وأصحابه ما في ذلك من الشر والفساد والضرر الذي لا تأتى به شريعة، أسقطوا النفقة والكسوة عن الزوج بمضي الزمان، فلم يسمعوا دعوى المرأة بذلك، كما يقوله منازعوهم في نفقة القريب، فنفسوا الخناق عن الأزواج بهذا القول، وأشموهم رائحة الحياة،

الجزء: 2 - الصفحة: 746

ونفسوا عنهم بعض الكرب.

ولقد أقام رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - بعد أن أرسله الله تعالى إلى الناس ثلاث عشرة سنة بمكة، وعشرا بالمدينة، فما ألزم زوجا قط بنفقة وكسوة ماضية، ولا ادعتها عنده امرأة، وكذلك خلفاؤه الراشدون من بعده، وكذلك عصر الصحابة جميعهم، وعصر التابعين، ولا حبس على عهده وعهد أصحابه وتابعيهم رجل واحد على ذلك، ولا على صداق امرأته، مع صيانة نسائهم، ولزومهن بيوتهن، وعدم تبرجهن وتزينهن وخروجهن في الأسواق والطرقات، والأزواج في الحبوس، وهن مسيبات يخرجن ويذهبن حيث أردن.

فوالله لو رأى هذا رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - لشق عليه غاية المشقة، ولعظم عليه وعز عليه، ولكان إلى دفعه وإنكاره أسرع منه إلى غيره.

وبالجملة فالدعوى إذا كانت مما تردها العادة والعرف والظاهر، لم يجز سماعها.

ومن هاهنا قال أصحاب مالك: إذا كان رجل حائزا لدار، متصرفا فيها مدة السنين الطويلة، بالبناء والهدم، والإجارة والعمارة، وينسبها إلى نفسه، ويضيفها إلى ملكه، وإنسان حاضر يراه ويشاهد أفعاله فيها طول هذه المدة، وهو مع ذلك [١٠٢ أ] لا يعارضه فيها، ولا يذكر أن له فيها حقا، ولا مانع يمنعه من مطالبته من خوف سلطان، أو نحو ذلك من الضرر المانع من المطالبة بالحقوق، ولا بينه وبين المتصرف في الدار قرابة، ولا شركة في ميراث، وما أشبه ذلك مما يتسامح به القرابات وذوو الصهر بينهم في إضافة أحدهم أموال الشركة إلى نفسه، بل كان عريا عن ذلك كله، ثم جاء بعد طول هذه

الجزء: 2 - الصفحة: 747

المدة يدعيها لنفسه، ويزعم أنها له، ويريد أن يقيم بينة بذلك: فدعواه غير مسموعة أصلا، فضلا عن بينة، وتقر الدار بيد حائزها.

قالوا: لأن كل دعوى ينفيها العرف وتكذبها العادة فإنها مرفوضة، غير مسموعة، قال تعالى: ﴿وأمر بالعرف﴾ [الأعراف: ١٩٩]، وأوجبت الشريعة الرجوع إليه عند الاختلاف في الدعاوى وغيرها.

قلت: ومما يدل على ذلك: أن الظن المستفاد من هذا الظاهر أقوى بكثير من الظن المستفاد من شاهدين، أو شاهد ويمين، أو مجرد النكول، أو الرد.

وأيضا فإن البينة على المدعي، والبينة هي كل ما يبين الحق، والعرف والعادة والظاهر القوي الذي إن لم يقطع به فهو أقرب إلى القطع يدل على صدق الزوج، وكذب المرأة في إمساكها عن كسوتها والإنفاق عليها مدة سنين متطاولة، ولا يدخل عليها أحد، ولا هي ممن تخرج تشتري لها ما تأكل وتشرب وتلبس.

فالشريعة جاءت بما يعرف لا بما ينكر، وقد أخبر الله سبحانه أن للزوجة مثل الذي عليها بالمعروف، وليس من المعروف إلزام الزوج بنفقة ستين سنة وكسوتها.

واجتياح ماله كله، وسلبه نعمة الله عليه، وجعله مسكينا ذا متربة، وجعله أسيرا لها: ينافي ما ادعت به، بل هذا من أنكر المنكر، ومما يراه المسلمون بل وغير المسلمين قبيحا.

وأيضا فالرجل له ولاية الإنفاق على زوجته، كما له ولاية حبسها ومنعها

الجزء: 2 - الصفحة: 748

من الخروج من بيته، فالشارع جعل إليه ذلك، وأمره أن يقوم على المرأة، ولا يؤتيها ماله، بل يرزقها ويكسوها فيه، وجعلها الله سبحانه في ذلك بمنزلة الصغير والمجنون مع وليه، كما قال تعالى: ﴿ولا تؤتوا السفهاء أموالكم التي جعل الله لكم قياما وارزقوهم فيها واكسوهم﴾ [النساء: ٥]، قال ابن عباس (^١) رضي الله عنهما: لا تعمد إلى مالك الذي خولك الله، وجعله لك معيشة، فتعطيه امرأتك وبنيك؛ فيكونوا هم الذين يقومون عليك في كسوتهم ورزقهم ومؤنتهم.

فالسفهاء هم النساء والصبيان، وقد جعل الله سبحانه الأزواج قوامين عليهم، كما جعل ولي الطفل قواما عليه، والقوام على غيره أمير عليه، ومن قبل قول الزوجة أو الطفل بعد البلوغ في عدم إيصال النفقة إليهما فقد جعلهما قوامين على الأزواج والأولياء، ولو لم يقبل قول الزوج لم يكن قواما على المرأة؛ فإن المرأة إذا كانت غريما مقبول القول دون الزوج، كانت هي القوامة.

وبالجملة فللرجل على امرأته ولاية، حتى في مالها، فإن له أن يمنعها من التبرع به؛ لأنه إنما بذل لها المهر لمالها ونفسها، فليس لها أن تتصرف في ذلك بما يمنع الزوج من كمال استمتاعه، وقد سوى النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - بين نفقة الزوجات، ونفقة المماليك، وجعل المرأة عانية عند الزوج، والعاني: هو الأسير، وهو نوع من الرق، فقال في المرأة: «تطعمها مما تأكل، وتكسوها

(^١) رواه الطبري (٨٥٦٠)، وابن أبي حاتم (٤٧٩١، ٤٧٩٣) من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس بنحوه، وعزاه في الدر المنثور (٢/ ٤٣٢) لابن المنذر.

الجزء: 2 - الصفحة: 749

مما تلبس» (^١)، وكذلك قال في الرقيق سواء (^٢)، فهو أمين على نفقة امرأته ورقيقه وأولاده، بحكم قيامه عليهم، ولم يوجب الله سبحانه على الأزواج تمليك النساء طعاما وإداما، ولا دراهم أصلا، وإنما أوجب إطعامهن [١٠٢ ب] وكسوتهن بالمعروف، وإيجاب التمليك مما لم يدل عليه كتاب، ولا سنة، ولا إجماع.

وكذلك فرض النفقة وتقديرها بدراهم: لا أصل له في كتاب، ولا سنة، ولا قول صحابي، ولا تابع، ولا أحد من الأئمة الأربعة.

فإن الناس لهم قولان: منهم من يرى تقديرها بالحب كالشافعي، ومنهم من يردها إلى العرف وهم الجمهور، ولا يعرف عن أحد من السلف والأئمة تقديرها بالدراهم البتة.

ثم إن فيه إيجاب المعاوضة على الواجب لها بغير رضا الزوج، ومن

(^١) رواه البيهقي في الشعب (٧/ ٣٧٧) من حديث ابن عمر رضي الله عنهما به إلا أنه قال: «مما تكتسي».
وروى أحمد (٤/ ٤٤٦، ٤٤٧، ٥/ ٣)، وأبو داود (٢١٤٤، ٢١٤٥، ٢١٤٦)، والنسائي في الكبرى (٩١٥١، ٩١٧١، ١١١٠٤، ١١٤٣١)، وابن ماجه (١٨٥٠)، وغيرهم من حديث معاوية بن حيدة رضي الله عنه بمعناه، وفي إسناده اختلاف، وصححه ابن حبان (١٢٦٨)، والدارقطني في العلل كما في التلخيص الحبير (٤/ ١٧)، والحاكم (٢٧٦٤)، وحسنه النووي في رياض الصالحين (٢٧٥)، والعراقي في المغني (١٥١٧)، وابن حجر في تغليق التعليق (٤/ ٤٣١)، وصححه ابن دقيق العيد في الإلمام (١٢٧٧)، وابن الملقن في البدر المنير (٨/ ٢٩٠)، وهو مخرج في الإرواء (٢٠٣٣). (^٢) أخرجه البخاري (٣٠)، ومسلم ٠١٦٦١) عن أبي ذر.

الجزء: 2 - الصفحة: 750

غير (^١) اعتبار كون الدراهم قيمة الواجب لها من الحب، أو الواجب بالعرف، ففرض الدراهم مخالف لهذا وهذا، ولأقوال جميع السلف والأئمة، وفيه من الفساد ما لا يحصيه إلا الله؛ فإنه إن مكن المرأة تخرج كل وقت تشتري لها طعاما وإداما، دخل على الزوج والزوجة من الشر والفساد ما يشهد به العيان، وإن منعها من الخروج أضر بها وبالزوج، وجعله كالأجير والأسير معها.

وبالجملة، فمبنى الحكم في الدعاوى على غلبة الظن المستفاد من براءة الأصل تارة، ومن الإقرار تارة، ومن البينة تارة، ومن النكول مع يمين الطالب المردودة، أو بدونها، وهذا كله مما يبين الحق ظاهرا؛ فهو بينة، وتخصيص البينة بالشهود عرف خاص، وإلا فالبينة اسم لما يبين الحق، فمن كان ظن الصدق من جانبه أقوى كان بالحكم أولى، ولهذا قدمنا جانب المدعى عليه، حيث لا بينة، ولا إقرار، ولا نكول، ولا شاهد حال، استنادا إلى الظن المستفاد من البراءة الأصلية.

فإن كان في جانب المدعي بينة شرعية قدم؛ لقوة الظن في جانبه بالبينة.

وكذلك إذا كان في جانبه قرينة ظاهرة كاللوث قدم جانبه.

وكذلك قدم جانبه في اللعان إذا نكلت المرأة؛ فإنها ترجم بأيمانه، لقوة الظن في جانبه بإقدامه على اللعان، مع نكول المرأة عن دفع الحد والعار عنها باليمين.

وقد أجمع الناس على جواز وطء المرأة التي تزف إلى الزوج ليلة

(^١) م: «تحيز».

الجزء: 2 - الصفحة: 751

العرس، وإن لم يكن رآها، ولا وصفت له، من غير اشتراط شاهدي عدل يشهدان أنها هي امرأته التي وقع عليها العقد، اكتفاء بالظن الغالب، بل بالقطع المستفاد من شاهد الحال.

وكذلك يجوز الأكل من الهدي المنحور إذا كان بالفلاة، ولا أحد عنده، اكتفاء بشاهد الحال.

وكذلك درج السلف والخلف على جواز أكل الفقير مما يدفعه إليه الصبي ويخرجه من البيت من كسرة ونحوها، اعتمادا على شاهد الحال.

وكذلك يكتفى بشاهد الحال في بيع المحقرات بالمعاطاة، وهو عمل الأمة قديما وحديثا.

واكتفى الشارع بسكوت البكر في الاستئذان، وجعله دليلا على رضاها (^١)، اكتفاء بشاهد الحال.

واكتفت الأمة في الاعتماد على المعاملات، والهدايا، والتبرعات، بكونها بيد الباذل؛ لأن دلالتها على ملكه تورث ظنا ظاهرا.

واكتفت بمعاملة مجهول الحرية والرشد، وإقراره، وأكل طعامه، وقبول هديته، وإباحة الدخول إلى منزله، اعتمادا على شاهد الحال، والظن الغالب.

واكتفى الشارع بقول الخارص الواحد في محل الظن والخرص (^٢)، نظرا إلى الظن المستفاد من خرصه.

(^١) كما في حديث عائشة الذي أخرجه البخاري (٦٩٧١). وفي الباب عن غيرها.
(^٢) أخرجه أبو داود (٣٤١٠)، وابن ماجه (١٨٢٠) عن ابن عباس.

الجزء: 2 - الصفحة: 752

واكتفت الأمة بقول المقومين فيما دق وجل، اعتمادا على الظن المستفاد من تقويمهم.

وقد اكتفى الشارع بتقويم اثنين في جزاء الصيد، واكتفى بواحد في الخرص، واكتفى بواحد في رؤية هلال رمضان.

واكتفت الأمة بقول القاسم وحده، أو بقول اثنين، وكذلك القائف، أو القائفين، واكتفت بقول المؤذن الواحد.

وقد اكتفى كثير من الفقهاء بانتساب [١٠٣ أ] الصغير، وميل طبعه إلى من ادعاه من رجلين أو أكثر، اعتمادا على الظن المستفاد من ميل طبعه، وهو من أضعف الظنون، ولذلك كان في آخر رتب الإلحاق عندهم، عند عدم القائف.

وكذلك الاعتماد في وجوب دفع اللقطة أو جوازه على الظن المستفاد من وصف الواصف لها.

وكذلك الاعتماد على أمارات الطهارة، والنجاسة، والقبلة، والاعتماد على قول الكيال والوزان، وقال كثير من الفقهاء بحبس المدعى عليه بشهادة المستورين إلى أن يعدلا؛ إذ الغالب من المستورين العدالة.

فاستجازوا عقوبة الرجل المسلم بمثل هذا الظن.

وقالوا: نسمع الشهادة على المقر بالإقرار، من غير اشتراط ذكر الشاهدين أهلية المقر حال إقراره؛ اعتمادا على ظن الرشد والاختيار.

وقالوا: إذا كان الجدار حائلا بين الطريق وبين ملك المدعي، أو بين ملكه وبين موات، اختص به المدعي؛ لأن الظاهر أن الطريق والموات لا يحاط عليهما.

الجزء: 2 - الصفحة: 753

وقالوا: لو كان بين الملكين جدار متصل بأبنية أحد الملكين اتصالا بدواخل وترصيف، اختص به صاحب الترصيف؛ لقوة الظن من جانبه؛ إذ معه دلالتان، إحداهما: الاتصال، والثانية: التداخل والترصيف، فلو تداخل من أحد طرفيه في ملك أحدهما، ومن الطرف الآخر في الملك الأخر اشتركا فيه؛ لتساويهما في الدلالتين.

وقالوا: إن الأبواب المشرعة في الدروب غير النافذة دالة على الاشتراك في الدرب إلى حد كل باب منها، فيكون الأول شريكا من أول الدرب إلى بابه، والثاني شريكا إلى بابه، والذي في آخر الدرب شريك من أول الدرب إلى بابه، قولا واحدا، وإلى آخر الدرب على الصحيح وعلى كل؛ بناء على الظن المستفاد من الاستطراق، وأنه بحق.

وقالوا: إن الأجنحة المطلة على ملك الجار وعلى الدروب غير النافذة، أنها ملك لأصحابها؛ اعتمادا على غلبة الظن بذلك، وأنها وضعت باستحقاق.

وكذلك القنوات والجداول الجارية في ملك الغير دالة على اختصاصها بأرباب المياه؛ بناء على الظن المستفاد من ذلك، وأن صورها دالة على أنها وضعت باستحقاق.

ومن ذلك: دلالة الأيدي على الاستحقاق، اعتمادا على الظن الغالب، مع القطع بكثرة وضع الأيدي عدوانا وظلما، ولا سيما ما اطردت العادة بإجارته وخروجه عن يد مالكه إلى يد مستأجره، كالأراضي، والدواب، والحوانيت، والرباع، والحمامات، وأن الغالب فيها الخروج عن يد مالكها، وقد اعتبرتم اليد، وقد استشكل كثير من فضلاء أصحابكم هذا، واعترف بأن

الجزء: 2 - الصفحة: 754

جوابه مشكل جدا، ولما كان الظن المستفاد من الشهود أقوى من الظن المستفاد من هذه الوجوه قدم عليها.

ولما كان الظن المستفاد من الإقرار أقوى من الظن المستفاد من الشهود، قدم الإقرار عليها.

ولذلك اكتفى كثير من الفقهاء بالمرة الواحدة في الإقرار بالزنى والسرقة، لهذه القوة.

قالوا: لأن وازع المقر طبعي، ووازع الشهود شرعي، والوازع الطبعي أقوى من الوازع الشرعى.

وكذلك يقبل الإقرار من المسلم، والكافر، والبر، والفاجر؛ لقيام الوازع الطبعي.

ولما كان الوازع عن الكذب على نفسه مخصوصا بالمقر كان إقراره حجة قاصرة عليه وعلى من يتلقى عنه؛ لكونه فرعه.

ولما كان الوازع الشرعي عاما بالنسبة [١٠٣ ب] إلى جميع الناس كان حجة عامة؛ فإن خوف الله يزع الشاهد عن الكذب في حق كل أحد، وكان قوله حجة عامة لكل أحد.

ولما كان وازع الكذب مختصا بالمقر قصر عليه، فهو خاص قوي، والشهادة عامة ضعيفة بالنسبة إلى الإقرار، قوية بالنسبة إلى الأيدي، وإلى ما ذكرناه من الدلالات.

ومعلوم أن الظنون لا تقع إلا بالأسباب، تثيرها وتحركها.
فمن أسبابها: الاستصحاب، واطراد العادة، أو كثرة وقوعها، أو قول الشاهد، أو شاهد الحال.

الجزء: 2 - الصفحة: 755

ولا يقع في الظنون تعارض، وإنما يقع في أسبابها وعلاماتها.
فإذا تعارضت أسباب الظنون: فإن حصل الشك لم يحكم بشيء، وإن وجد الظن في أحد الطرفين حكم به، والحكم للراجح؛ لأن مرجوحية مقابله تدل على ضعفه.

فإذا تعارض سببا ظن وكان كل منهما مكذبا للآخر تساقطا، كتعارض البينتين والأمارتين.
وإن لم يكن كل واحد منهما مكذبا للآخر عمل بهما على حسب الإمكان، كدابة عليها راكبان، وعبد ممسك بيديه اثنان، ودار فيها ساكنان، وخشبة لها حاملان، وجدار متصل بملكين، ونظائر هذا.

فإن كان أحدهما أرجح من الآخر عمل بالراجح، كالشاهد مع البراءة الأصلية ومع اليد، يقدم عليهما لرجحانه.

ولما كانت اليد لها مراتب في القوة والضعف، وكان اللابس لثيابه، وعمامته، وخفه، ومنطقته، ونعله، أقوى من يد الجالس على البساط، والراكب على الدابة، ويد الراكب أقوى من يد السائق والقائد، ويد الساكن للدار أضعف من تلك الأيدي، ويد من هو داخل الحمام والخان أضعف من هذا كله، قدم أقوى الأيدي على أضعفها.

فلو كان في الدار اثنان، وتنازعا فيها، وفى لباسهما الذي عليهما، جعلت الدار بينهما؛ لاستوائهما في اليد، وكان القول قول كل منهما في لباسه المختص به؛ لقوة يده بالقرب والاتصال.

ولو تنازع الراكب والسائق والقائد قدمت يد الراكب، وكذلك قال الجمهور.

الجزء: 2 - الصفحة: 756

وإذا تنازع الزوجان في متاع البيت، أو الصانعان في حانوت، كان القول قول من يدعي منهما ما يصلح له وحده؛ لغلبة الظن القريب من القطع باختصاصه به.

وكذلك لو رأينا رجلا شريفا حاسر الرأس، وأمامه داعر على رأسه عمامة، وبيده عمامة لا تليق به، وهو هارب، فتقديم يده على الظن المستفاد من كونها يدا عادية مما يقطع ببطلانه.

وكذلك فقيه له كتب في داره، وامرأته غير معروفة بشيء من ذلك البتة، فتقديم يدها على شاهد حال الفقيه في غاية البعد.

وأين الظن المستفاد من هذا وأمثاله إلى الظن المستفاد من النكول، ومن الظن المستفاد من اليد؟ بل أين ذاك الظن من الظن المستفاد من الشاهد واليمين؟

ومن الممتنع أن يرتب الشارع الأحكام على هذه الظنون، ولا يرتبها على الظنون التي هي أقوى منها بمراتب كثيرة، بل تكاد تقرب من القطع، كما أنه من المحال أن يحرم التأفيف للوالدين، ويبيح شتمهما وضربهما.

وهل تقديم قول المدعى في القسامة إلا اعتمادا على الظن الواجب باللوث؟ وقدم هذا الظن على ظن البراءة الأصلية لقوته.

وقد حكى الله سبحانه في كتابه عن الشاهد الذي شهد من أهل امرأة العزيز، وحكم بالقرائن الظاهرة على براءة يوسف عليه السلام، وكذب المرأة، بقوله: ﴿إن كان قميصه قد من قبل فصدقت وهو من الكاذبين (٢٦) وإن كان قميصه قد من دبر فكذبت وهو من الصادقين (٢٧) فلما رأى قميصه قد

الجزء: 2 - الصفحة: 757

من دبر [١٠٤ أ] قال إنه من كيدكن إن كيدكن عظيم﴾ [يوسف: ٢٦ ــ ٢٨]، وسمى الله سبحانه ذلك آية، وهي أبلغ من البينة، فقال: ﴿ثم بدا لهم من بعد ما رأوا الآيات ليسجننه حتى حين﴾ [يوسف: ٣٥]، وحكى الله سبحانه ذلك مقررا له غير منكر، وذلك يدل على رضاه به.

ومن هذا: حكم نبي الله سليمان بن داود عليهما السلام بالولد الذي تنازع فيه المرأتان، فقضى به داود للكبرى، فخرجتا على سليمان، فقصتا عليه القصة، فقال سليمان عليه السلام: ائتوني بالسكين أشقه بينكما، فقالت الصغرى: لا تفعل يا نبي الله، هو ابنها، فقضى به للصغرى (^١)، ولم يكن سليمان ليفعل، ولكن أوهمهما ذلك، فطابت نفس الكبرى بذلك؛ استرواحا منها إلى راحة التأسي والتسلي بذهاب ابن الأخرى كما ذهب ابنها، ولم يطب قلب الصغرى بذلك، بل أدركتها شفقة الأم ورحمتها، فناشدته أن لا يفعل؛ استرواحا إلى بقاء الولد، ومشاهدته حيا، وإن اتصل إلى الأخرى.

وتأمل حكم سليمان به للصغرى وقد أقرت به للكبرى تجد تحته: أن الإقرار إذا ظهرت أمارات كذبه وبطلانه لم يلتفت إليه، ولم يحكم به على المقر، وكان وجوده كعدمه.
وهذا هو الحق الذي لا يجوز الحكم بغيره.

وكذلك إذا غلط المقر، أو أخطأ، أو نسي، أو أقر بما لا يعرف مضمونه، لم يؤاخذ بذلك الإقرار، ولم يحكم به عليه، كما لو أقر مكرها.

والله تعالى رفع المؤاخذة بلغو اليمين؛ لكون الحالف لم يقصد موجبها، وأخبر أنه إنما يؤاخذ بكسب القلب، والغالط والمخطئ والناسي

(^١) أخرجه مسلم (١٧٢٠) عن أبي هريرة.

الجزء: 2 - الصفحة: 758

والجاهل والمكره لم يكسب قلبه ما أقر به أو حلف عليه، فلا يؤاخذ به.

والمقصود: أن الزوج المظلوم المدعى عليه دعوى كاذبة ظالمة بأنه ترك النفقة والكسوة تلك السنين كلها، أو مدة مقامها عنده، إذا تبين كذب المرأة في دعواها لم يجز للحاكم سماعها، فضلا عن مطالبته برد الجواب.

فله طرق في التخلص من هذه الدعوى:

أحدها هذا: أن يقول: كيف يسوغ سماع دعوى تكذبها العادة والعرف ومشاهدة الجيران؟

الثاني: أن يقول للحاكم: سلها من كان ينفق عليها، ويكسوها في هذه المدة؟

فإن ادعت أن غيره كان يؤدي ذلك عنه لم يسمع دعواها، وإن كانت الدعوى لذلك الغير، ولا يقبل قولها على الزوج إن غيره قام بهذا الواجب عنه، وهذا مما لا خفاء به، ولا إشكال فيه.

وإن قالت: أنا كنت أنفق على نفسي، قال الزوج: سلها هل كانت هي التي كانت تدخل وتخرج تشتري الطعام والإدام؟

فإن قالت: نعم، ظهر كذبها، ولاسيما إن كانت من ذوات الشرف والأقدار.

وإن قالت: كنت أوكل غيري في ذلك، ألزمت ببيانه، وإلا ظهر كذبها وظلمها وعدوانها، وكانت معاونتها على ذلك معاونة على الإثم والعدوان.

فإن أعوز الزوج حاكم عالم متحر للحق لا تأخذه فيه لومة لائم، فليعدل إلى التحيل بالخلاص بما يبطل دعواها الكاذبة، إما بأن يجحد استحقاقها

الجزء: 2 - الصفحة: 759

لما ادعت به، ولا يعدل إلى الجواب المفصل، فتحتاج هي إلى إقامة البينة على سبب الاستحقاق، وقد يتعذر أو يتعسر عليها ذلك.

فإن أحضرت الصداق وأقامت البينة، فإن كانت لم تنتقل معه إلى داره جحد تسليمها إليه، والقول قوله إذا لم تكن معه في منزله.

فإن كانت قد انتقلت معه إلى منزله، وادعى نشوزها تلك المدة، وأمكنه إقامة البينة بذلك، سقطت نفقتها في مدة النشوز، وإن لم يمكنه إقامة البينة، وادعى عدم تمكينها له من الوطء، وادعت أنها مكنته فالقول قوله؛ لأن الأصل عدم التمكين، وهذا غير دعواه النشوز؛ فإن النشوز هو العصيان، والأصل عدمه، وهذا إنكار لاستيفاء حقه، والأصل عدمه فتأمله.

فإن كان له منها ولد لم يمكنه هذا الإنكار.

ومتى أحس بالشر والمكر احتال بأن يخبئ شاهدي عدل، بحيث يسمعان كلامها [١٠٤ ب]، ولا تراهما، ثم يدفع إليها مالا، أو ترضى به، ويتلطف بها، ثم يقول: أريد أن يجعل كل منا صاحبه في حل حتى تطيب أنفسنا، ولعل الموت يأتي بغتة، ونحو ذلك من الكلام.

وإن أمكنه أن يستنطقها بأنها لا تستحق عليه إلى ذلك الوقت نفقة، ولا كسوة، وأنه يرضيها من الآن، ويدفع إليها ما ترضى به، كان أقوى، ثم يأخذ خط الشاهدين بذلك، ويكتمه منها، فإن أعجله الأمر عن ذلك، وأمكنه المبادرة برفعها إلى حاكم مالكي أو حنفي، بادر إلى ذلك.

وبالجملة، فالحازم من يستعد لحيلهن، ويعد لها حيلا يتخلص بها منها، وهذا لا بأس به، ولا إثم فيه، ولا في تعليمه؛ فإن فيه تخليص المظلوم، وإغاثة الملهوف، وإخزاء الظالم المعتدي، والله الموفق للصواب.

الجزء: 2 - الصفحة: 760

وإنما أطلنا الكلام في هذا المثال لشدة حاجة الناس إلى ذلك، ولعموم البلوى، وكثرة الفجور، وانتشار الضرر بتمكين المرأة من هذه الدعوى، أو سماعها، وجعل القول قولها، وفى ذلك كفاية، وإلا فهي تحتمل أكثر من ذلك.

فصل

والمقصود بهذه الأمثلة وأضعافها مما لم نذكره: أن الله سبحانه أغنانا بما شرعه لنا من الحنيفية السمحة، وما يسره من الدين على لسان رسوله - صلى الله عليه وآله وسلم -، وسهله للأمة: عن الدخول في الآصار والأغلال، وعن ارتكاب طرق المكر والخداع والاحتيال، كما أغنانا عن كل باطل ومحرم وضار، بما هو أنفع لنا منه من الحق، والمباح النافع.

فأغنانا بأعياد الإسلام: عن أعياد الكفار والمشركين من أهل الكتاب، والمجوس، والصابئين، وعبدة الأصنام.

وأغنانا بوجوه التجارات، والمكاسب الحلال: عن الربا والميسر والقمار.

وأغنانا بنكاح ما طاب لنا من النساء مثنى وثلاث ورباع، والتسري بما شئنا من الإماء: عن الزنى والفواحش.

وأغنانا بأنواع الأشربة اللذيذة، النافعة للقلب والبدن: عن الأشربة الخبيثة المسكرة، المذهبة للعقل والدين.

وأغنانا بأنواع الملابس الفاخرة من الكتان، والقطن، والصوف: عن الملابس المحرمة من الحرير، والذهب.

الجزء: 2 - الصفحة: 761

وأغنانا عن سماع الأبيات وقرآن الشيطان: بسماع الآيات وكلام الرحمن.

وأغنانا عن الاستقسام بالأزلام طلبا لما هو خير وأنفع لنا: باستخارته التي هي توحيد، وتفويض، واستعانة، وتوكل.

وأغنانا عن طلب التنافس في الدنيا وعاجلها: بما أحبه (^١) لنا وندبنا إليه من التنافس في الآخرة، وما أعد لنا فيها، وأباح الحسد في ذلك، وأغنانا به عن الحسد على الدنيا وشهواتها.

وأغنانا بالفرح بفضله ورحمته وهما القرآن والإيمان: عن الفرح بما يجمعه أهل الدنيا من المتاع والعقار والأثمان، فقال تعالى: ﴿قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا هو خير مما يجمعون﴾ [يونس: ٥٨].

وأغنانا بالتكبر على أعداء الله تعالى، وإظهار الفخر والخيلاء لهم: عن التكبر على أولياء الله تعالى، والفخر والخيلاء عليهم، فقال - صلى الله عليه وآله وسلم - لمن رآه يتبختر بين الصفين: «إنها لمشية يبغضها الله إلا في مثل هذا الموطن» (^٢).

(^١) ح، ظ، ت: «أباحه».
(^٢) رواه البخاري في التاريخ الكبير (٣/ ١٥٤) والطبراني في الكبير (٧/ ١٠٤) من طريق خالد بن سليمان بن عبد الله بن خالد بن سماك بن خرشة عن أبيه عن جده، قال الهيثمي في المجمع (٦/ ١٥٧): «فيه من لم أعرفه».
ورواه ابن إسحاق (٤/ ١٣ سيرة ابن هشام) ــ ومن طريقه الطبري في تاريخه (٢/ ٦٣ - ٦٤) ــ عن جعفر بن عبد الله بن أسلم عن رجل من الأنصار من بني سلمة به مرفوعا.
ورواه البيهقي في الدلائل (٣/ ٢٣٣، ٢٣٤) والخطيب في المتفق والمفترق من طريق ابن إسحاق عن جعفر بن عبد الله بن أسلم عن معاوية بن معبد بن كعب به مرسلا، ومعاوية بن معبد لا يعرف.

الجزء: 2 - الصفحة: 762

وأغنانا بالفروسية الإيمانية، والشجاعة الإسلامية التي تأثيرها في الغضب على أعدائه ونصرة دينه: عن الفروسية الشيطانية، التي يبعث عليها الهوى وحمية الجاهلية.

وأغنانا بالخلوة الشرعية حال الاعتكاف: عن الخلوة البدعية التي يترك لها الحج والجهاد والجمعة والجماعة.

وكذلك أغنانا بالطرق الشرعية: عن طرق أهل المكر والاحتيال.

فلا تشتد حاجة الأمة إلى شيء إلا وفيما جاء به الرسول - صلى الله عليه وآله وسلم - ما يقتضي إباحته (^١) وتوسعته، بحيث لا يحوجهم فيه إلى مكر واحتيال، ولا يلزمهم الآصار والأغلال، فلا هذا من دينه ولا هذا.

كما أغنانا بالبراهين والآيات التي أرشد إليها القرآن: عن الطرق المتكلفة المتعسفة المعقدة، التي باطلها أضعاف [١٠٥ أ] حقها، من الطرق الكلامية التي الصحيح منها: «كلحم جمل غث، على رأس جبل وعر، لا سهل فيرتقى، ولا سمين فينتقل» (^٢).

ونحن نعلم علما لا نشك فيه أن الحيل التي تتضمن تحليل ما حرمه الله تعالى، وإسقاط ما أوجبه، لو كانت جائزة لسنها الله سبحانه، وندب إليها؛ لما فيها من التوسعة والفرج للمكروب، والإغاثة للملهوف، كما ندب إلى الإصلاح بين الخصمين.

وقد قال المبعوث بالحنيفية السمحة - صلى الله عليه وآله وسلم -: «ما تركت من شيء يقربكم

(^١) في الأصل: «حاجته».
(^٢) جزء من حديث أم زرع الذي أخرجه البخاري (٥١٨٩)، ومسلم (٢٤٤٨) عن عائشة.

الجزء: 2 - الصفحة: 763

إلى الجنة إلا وقد حدثتكم به، ولا تركت من شيء يبعدكم عن النار إلا وقد حدثتكم به» (^١).
«تركتكم على البيضاء، ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها بعدي إلا هالك» (^٢).

فهلا ندب النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - إلى الحيل، وحض عليها، كما حض على إصلاح ذات البين؟

بل لم يزل يحذر من الخداع، والمكر، والنفاق، ومشابهة أهل الكتاب باستحلال محارمه بأدنى الحيل.

ولو كان مقصود الشارع إباحة تلك المحرمات، التي رتب عليها أنواع الذم والعقوبات، وسد الذرائع الموصلة إليها، لم يحرمها ابتداء، ولا رتب عليها (^٣) العقوبة، ولا سد الذرائع إليها، ولكان ترك أبوابها مفتحة أسهل من المبالغة في غلقها وسدها، ثم يفتح لها أنواع الحيل، حتى ينقب المحتال

(^١) ذكره بهذا اللفظ ابن تيمية كما في المجموع (٥/ ١٥٦، ٦/ ٣٦٨، ٢٧/ ٣٧٢) وصححه (١١/ ٦٢٢)، ورواه ابن أبي شيبة (٧/ ٧٩)، وابن راهويه كما في إتحاف الخيرة (٢٧٢٢)، وهناد في الزهد (٤٩٤)، والبيهقي في الشعب (٧/ ٢٩٩)، والبغوي في شرح السنة (٤١١١، ٤١١٣)، وغيرهم من حديث ابن مسعود رضي الله عنه بنحوه، وفي إسناده اختلاف، وقال البوصيري وابن حجر في المطالب العالية (٥/ ٥٧٦): «فيه انقطاع»، ورواه الحاكم (٢١٣٦) من طريق سعيد بن أبي أمية الثقفي عن يونس بن بكير عن ابن مسعود، وهو في السلسلة الصحيحة (٢٨٦٦). وفي الباب عن أبي ذر وعن المطلب بن حنطب وعمران صاحب معمر.
(^٢) هو جزء من حديث العرباض بن سارية رضي الله عنه في موعظة النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- البليغة، وقد تقدم تخريجه.
وفي الباب عن أبي الدرداء رضي الله عنه.
(^٣) «عليها» ساقطة من م.

الجزء: 2 - الصفحة: 764

عليها من كل ناحية، فهذا مما يصان عنه الشرائع، فضلا عن أكملها شريعة وأفضلها دينا.

وقد قدمنا أن الضرر والمفاسد الحاصلة من تلك المحرمات لا يزول بالاحتيال والنقب عليها، بل تقوى وتشتد مفاسدها.

فصل

إذا عرف هذا فالطرق التي تتضمن نفع المسلمين، والذب عن الدين، ونصر المظلومين، وإغاثة الملهوفين، ومعارضة المحتالين بالباطل ليدحضوا به الحق: من أنفع الطرق، وأجلها علما وعملا وتعليما.

فيجوز للرجل أن يظهر قولا أو فعلا مقصوده به مقصود صالح، وإن ظن الناس أنه قصد به غير ما قصد به، إذا كان فيه مصلحة دينية، مثل دفع ظلم عن نفسه، أو عن مسلم، أو معاهد، أو نصرة حق، أو إبطال باطل من حيلة محرمة أو غيرها، أو دفع الكفار عن المسلمين، أو التوصل إلى تنفيذ أمر الله تعالى ورسوله.
فكل هذه طرق جائزة، أو مستحبة، أو واجبة.

وإنما المحرم أن يقصد بالعقود الشرعية غير ما شرعت له، فيصير مخادعا لله.
فهذا مخادع لله ورسوله، وذاك مخادع للكفار والفجار والظلمة، وأرباب المكر والاحتيال، فبين هذا الخداع وذاك الخداع من الفرق كما بين البر والإثم، والعدل والظلم، والطاعة والمعصية.

فأين من قصده إظهار دين الله تعالى، ونصر المظلوم، وكسر الظالم، إلى من قصده ضد ذلك؟

إذا عرف هذا فنقول: الحيل أقسام:

الجزء: 2 - الصفحة: 765

أحدها: الطرق الخفية التي يتوصل بها إلى ما هو محرم في نفسه، فمتى كان المقصود بها محرما في نفسه فهي حرام باتفاق المسلمين، وصاحبها فاجر ظالم آثم.

وذلك كالتحيل على هلاك النفوس، وأخذ الأموال المعصومة، وفساد ذات البين، وحيل الشياطين على إغواء بني آدم، وحيل المخادعين بالباطل على إدحاض الحق، وإظهار الباطل في الخصومات الدينية والدنيوية، فكل ما هو محرم في نفسه فالتوصل إليه محرم بالطرق الظاهرة والخفية، بل التوصل إليه بالطرق الخفية أعظم إثما، وأكبر عقوبة؛ فإن أذى المخادع وشره يصل إلى المظلوم من حيث لا يشعر، ولا يمكنه الاحتراز عنه، ولهذا قطع السارق دون المنتهب والمختلس.

ومن هذا: رأى مالك ومن وافقه أن القاتل غيلة يقتل، وإن قتل من لا يكافئه؛ لمفسدة فعله، وعدم إمكان التحرز منه.

ومن هذا: رأى عبد الله بن الزبير رضي الله عنه قطع يد الزغلي (^١)؛ لعظم ضرره على الأموال، وعدم إمكان التحرز منه، فهو أولى بالقطع من السارق، وقوله قوي جدا.

(^١) لم أقف عليه بهذا النص، والزغلي هو الغاش، فلعله يقصد ما رواه ابن أبي شيبة (٥/ ٥١٩) وابن حزم في المحلى (١١/ ٣٢١) عن سعيد بن ميناء قال: كان عبد الله بن الزبير يلي صدقة الزبير، وكانت في بيت لا يدخله أحد غيره وغير جارية له، ففقد شيئا من المال، فقال للجارية: ما كان يدخل هذا البيت غيري وغيرك، فمن أخذ هذا المال؟ فأقرت الجارية، فقال لي: يا سعيد، انطلق بها فاقطع يدها؛ فإن المال لو كان لي لم يكن عليها قطع.

الجزء: 2 - الصفحة: 766

[١٠٥ ب] ومن هذا: رأى الأمام أحمد قطع يد جاحد العارية؛ لأنه لا يمكن الاحتراز منه، بخلاف جاحد الوديعة، فإنه هو الذي ائتمنه.

والعمدة في ذلك: على السنة الصحيحة التي لا معارض لها.

والقصد أن التوصل إلى الحرام حرام، سواء توصل إليه بحيلة خفية أو بأمر ظاهر، وهذا النوع من الحيل ينقسم قسمين:

أحدهما: ما يظهر فيه أن مقصود صاحبه الشر والظلم، كحيل اللصوص، والظلمة، والخونة.

و

وهذا النوع من الحيل إما أن يظهر مقصود صاحبه من الشر، كاللصوص والظلمة، أو لا يظهر مثل إقرار المريض لوارث إضرارا بالورثة ونحوه

، بل يظهر المحتال أن قصده الخير، ومقصوده الظلم والبغي، مثل إقرار المريض لوارث لا شيء له عنده، قصدا لتخصيصه بالمقر به، أو إقراره بوارث وهو غير وارث، إضرارا بالورثة.

وهذا حرام باتفاق الأمة، وتعليمه لمن يفعله حرام، والشهادة عليه حرام، إذا علم الشاهد صورة الحال، والحكم بموجب ذلك حكم باطل حرام، يأثم به الحاكم باتفاق المسلمين، إذا علم صورة الحال، فهذه الحيلة في نفسها محرمة لأنها كذب وزور، والمقصود بها محرم لكونه ظلما وعدوانا.

ولكن لما أمكن أن يكون صدقا، اختلف العلماء في إقرار المريض لوارث، هل هو باطل سدا للذريعة، وردا للإقرار الذي صادف حق الورثة فيما هو متهم فيه؛ لأنه شهادة على نفسه فيما تعلق به حقهم، فيرد للتهمة، كالشهادة على غيره؟ أو هو مقبول إحسانا للظن بالمقر، ولا سيما عند الخاتمة؟

الجزء: 2 - الصفحة: 767

ومن هذا الباب: احتيال المرأة على فسخ نكاح الزوج، مع إمساكه بالمعروف، بإنكارها الإذن للولي، أو إساءة عشرة الزوج، ونحو ذلك.

واحتيال البائع على فسخ البيع بدعواه أنه كان محجورا عليه.

واحتيال المشتري على الفسخ بأنه لم ير المبيع.

واحتيال المؤجر على المستأجر في فسخ الإجارة، أو احتيال المستأجر عليه بأنه استأجر ما لم يره.

واحتيال الراهن على المرتهن في فسخ الرهن بأن يظهر أنه آجره قبل الرهن، أو كان رهنه عند زوجته، أو أمته (^١)، ونحو ذلك.

فهذا النوع لا يستريب أحد أنه من كبائر الإثم، وهو من أقبح المحرمات، وهو بمنزلة لحم خنزير، من جهة أنه (^٢) في نفسه معصية؛ لتضمنه الكذب والزور، ومن جهة تضمنه إبطال الحق، وإثبات الباطل.

القسم الثالث (^٣): ما هو مباح في نفسه، لكن بقصد المحرم صار حراما، كالسفر لقطع الطريق، ونحو ذلك، فهاهنا المقصود حرام، والوسيلة في نفسها غير محرمة، لكن لما توسل بها إلى الحرام صارت حراما.

القسم الرابع: أن يقصد بالحيلة أخذ حق، أو دفع باطل، لكن يكون الطريق إلى حصول ذلك محرمة، مثل أن يكون له على رجل حق فيجحده، فيقيم شاهدين لا يعرفان غريمه ولم يرياه، يشهدان له بما ادعاه، فهذا محرم أيضا، وهو عند الله تعالى عظيم؛ لأن الشاهدين يشهدان بالزور، وشهادة

(^١) في بعض النسخ: «ابنه».
(^٢) في الأصل وبقية النسخ: «ميت حرام أنه».
وهو تحريف لا معنى له.
(^٣) لم يذكر المؤلف القسم الثاني.
ولكن جعل القسم الأول قسمين، فقام مقامه.

الجزء: 2 - الصفحة: 768

الزور من الكبائر، وقد حملهما على ذلك.

وكذلك لو كان له عند رجل دين، فيجحده إياه، وله عنده وديعة، فجحد الوديعة، وحلف أنه لم يودعه.

أو كان له على رجل دين لا بينة له به، ودين آخر به بينة، لكنه اقتضاه منه، فيدعي هذا الدين، ويقيم به بينة، وينكر الاستيفاء.

أو يكون قد اشترى منه شيئا، فظهر به عيب تلف المبيع به، فادعى عليه بثمنه، فأنكر أصل العقد، وأنه لم يشتر منه شيئا.

أو تزوج امرأة، فأنفق عليها مدة طويلة، فادعت عليه أنه لم ينفق عليها شيئا، فجحد نكاحها بالكلية.

فهذا حرام أيضا؛ لأنه كذب، ولاسيما إن حلف عليه، ولكن لو تأول في يمينه لم يكن به بأس، فإنه مظلوم.

فإن قيل: فما تقولون لو عامله معاملة ربا، فقبض رأس ماله، ثم ادعى عليه بالزيادة المحرمة، هل يسوغ له أن ينكر المعاملة أو يحلف عليها؟

قيل: يسوغ له الحلف على عدم استحقاقها، وأن دعواها دعوى باطلة، فلو لم يقبل منه الحاكم هذا الجواب ساغ له التأويل في [١٠٦ أ] اليمين؛ لأنه مظلوم، ولا يسوغ له الإنكار والحلف من غير تأويل؛ لأنه كذب صريح، فليس له أن يقابل الفجور بمثله، كما أنه ليس له أن يكذب على من كذب عليه، أو يقذف من قذفه، أو يفجر بزوجة من فجر بزوجته، أو بابن من فجر بابنه.

فإن قيل: فما تقولون في مسألة الظفر؟ هل هي من هذا الباب، أو من القصاص المباح؟

الجزء: 2 - الصفحة: 769

قيل: قد اختلف الفقهاء فيها على خمسة أقوال:

أحدها: أنها من هذا الباب، وأنه ليس له أن يخون من خانه، ولا يجحد من جحده، ولا يغصب من غصبه، وهذا ظاهر مذهب أحمد ومالك.

والثاني: يجوز له أن يستوفي قدر حقه إذا ظفر بماله، سواء ظفر بجنسه أو غير جنسه، وفى غير الجنس يدفعه إلى الحاكم يبيعه، ويستوفي ثمنه منه، وهذا قول أصحاب الشافعي.

والثالث: يجوز له أن يستوفي قدر حقه إذا ظفر بجنس ماله، وليس له أن يأخذ من غير الجنس، وهذا قول أصحاب أبي حنيفة.

والرابع: أنه إن كان عليه دين لغيره لم يكن له الأخذ، وإن لم يكن عليه دين فله الأخذ، وهذا إحدى الروايتين عن مالك.

والخامس: أنه إن كان سبب الحق ظاهرا كالنكاح، والقرابة، وحق الضيف، جاز للمستحق الأخذ بقدر حقه، كما أذن فيه النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - لهند أن تأخذ من مال أبي سفيان ما يكفيها ويكفي بنيها (^١)، وكما أذن لمن نزل بقوم ولم يضيفوه أن يعقبهم في مالهم بمثل قراه، كما في «الصحيحين» (^٢) عن عقبة بن عامر، قال: قلت للنبي: إنك تبعثنا، فننزل بقوم لا يقرونا، فما ترى؟ فقال لنا: «إن نزلتم بقوم، فأمروا لكم بما ينبغي للضيف، فاقبلوا، وإن لم يفعلوا فخذوا منهم حق الضيف الذي ينبغي لهم».

(^١) أخرجه البخاري (٢٤٦٠)، ومسلم (١٧١٤) عن عائشة.
(^٢) أخرجه البخاري (٢٤٦١)، ومسلم (١٧٢٧).

الجزء: 2 - الصفحة: 770

وفي «المسند» (^١) من حديث المقدام أبي كريمة، أنه سمع النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - يقول: «من نزل بقوم فعليهم أن يقروه، فإن لم يقروه فله أن يعقبهم بمثل قراه».

وفي «المسند» لأحمد (^٢) أيضا من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم -: «أيما ضيف نزل بقوم، فأصبح الضيف محروما، فله أن يأخذ بقدر قراه، ولا حرج عليه».

وإن كان سبب الحق خفيا، بحيث يتهم بالأخذ، وينسب إلى الخيانة ظاهرا، لم يكن له الأخذ وتعريض نفسه للتهمة والخيانة، وإن كان في الباطن آخذا حقه، كما أنه ليس له أن يتعرض للتهمة التي تسلط الناس على عرضه، وإن ادعى أنه محق غير متهم.

(^١) مسند أحمد (٤/ ١٣٠)، ورواه أيضا أبو داود (٣٨٠٦، ٤٦٠٦)، والطحاوي في شرح المعاني (٦١٥٥) وفي شرح المشكل (٧/ ٢٤٨)، والطبراني في الكبير (٢٠/ ٢٨٢، ٢٨٣) وفي مسند الشاميين (١٠٦١، ١٠٦٣، ١٨٨١)، والدارقطني (٤/ ٢٨٧)، والبيهقي في الكبرى (٩/ ٣٣٢)، وغيرهم من طرق عن عبد الرحمن بن أبي عوف الجرشي عن المقدام به، وورد من طريق الشعبي وسعيد بن المهاجر وأبي يحيى سليم بن عامر الكلاعي عن المقدام بمعناه، وهو في السلسلة الصحيحة (٢٨٧٠). (^٢) مسند أحمد (٢/ ٣٨٠) من طريق معاوية بن صالح عن أبي طلحة نعيم بن زياد عن أبي هريرة، وبهذا الإسناد رواه الطحاوي في شرح المعاني (٦١٥٣، ٦١٥٤) وفي شرح المشكل (٧/ ٢٤٨، ٢٤٩)، وصححه الحاكم (٧١٧٨)، وقال المنذري في الترغيب (٣/ ٢٥١) والهيثمي في المجمع (٨/ ٣٢١): «رجاله ثقات»، وهو في السلسلة الصحيحة (٦٤٠).

الجزء: 2 - الصفحة: 771

وهذا القول أصح الأقوال وأسدها، وأوفقها لقواعد الشريعة وأصولها، وبه تجتمع الأحاديث.

فإنه قد روى أبو داود في «سننه» (^١) من حديث يوسف بن ماهك، قال: كنت أكتب لفلان نفقة أيتام كان وليهم، فغالطوه بألف درهم، فأداها إليهم، فأدركت له من أموالهم مثلها، فقلت: اقبض الألف الذي ذهبوا به منك، قال: لا، حدثني أبي، أنه سمع رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - يقول: «أد الأمانة إلى من ائتمنك، ولا تخن من خانك».

وهذا وإن كان في حكم المنقطع فإن له شاهدا من وجه آخر، وهو حديث طلق بن غنام (^٢).
أخبرنا شريك، وقيس، عن أبي حصين، عن أبي

(^١) سنن أبي داود (٣٥٣٦)، ورواه أيضا أحمد (٣/ ٤١٤)، والدولابي في الكنى (٣٥٩)، والبيهقي في الكبرى (١٠/ ٢٧٠) من طريق أبي داود وقال: «هذا الحديث في حكم المنقطع؛ حيث لم يذكر يوسف بن ماهك اسم من حدثه، ولا اسم من حدث عنه من حدثه»، وقال ابن السكن كما في البدر المنير (٧/ ٣٠٠): «روي من أوجه ثابتة».
(^٢) رواه الدارمي (٢٥٩٧)، وأبو داود (٣٥٣٧)، والترمذي (١٢٦٤)، والطحاوي في شرح المشكل (٥/ ٩١، ٩٢)، والطبراني في الأوسط (٣٥٩٥)، والدارقطني (٣/ ٣٥)، والبيهقي (١٠/ ٢٧١) وقال: «قيس ضعيف، وشريك لم يحتج به أكثر أهل العلم بالحديث، وإنما ذكره مسلم في الشواهد»، ونقل عن الشافعي قوله: «ليس بثابت عند أهل الحديث»، ونقل عن أحمد أنه قال: «هذا حديث باطل، لا أعرفه عن النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- من وجه صحيح»، واستنكره أبو حاتم كما في العلل (١/ ٣٧٥)، وضعفه ابن حزم في المحلى (٨/ ١٨٢)، وابن الجوزي في العلل المتناهية (٢/ ٥٩٣)، وابن القطان في بيان الوهم والإيهام (١٣١٤)، وقال الترمذي: «حسن غريب»، وصححه الحاكم (٢٢٩٦)، وابن دقيق العيد في الإلمام (١٠٦٠)، وقواه الذهبي في تلخيص العلل (٥٨١)، والسخاوي في المقاصد الحسنة (ص ٧٦)، والشوكاني في النيل (٦/ ٢٩)، وهو في السلسلة الصحيحة (٤٢٣). وفي الإرواء (١٥٤٤).

الجزء: 2 - الصفحة: 772

صالح، عن أبي هريرة رضي الله عنه، أن النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - قال: «أد الأمانة إلى من ائتمنك، ولا تخن من خانك».

وقيس هو ابن الربيع، وشريك ثقة، وقد قوي حديثه بمتابعة قيس له، وإن كان فيه ضعف.

وله شاهد آخر من حديث أيوب بن سويد، عن ابن شوذب عن أبي التياح، عن أنس رضي الله عنه، عن النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - نحوه (^١).

وأيوب بن سويد وإن كان فيه ضعف، فحديثه يصلح للاستشهاد به.

وله شاهد آخر وإن كان فيه ضعف، فهو يقوى بانضمام هذه الأحاديث إليه: رواه يحيى بن أيوب (^٢)، [١٠٦ ب] عن إسحاق بن أسيد، عن أبي حفص

(^١) رواه الطبراني في الصغير (٤٧٥) وفي مسند الشاميين (١٢٨٤)، وابن عدي في الكامل (١/ ٣٦٢)، والدارقطني (٣/ ٣٥)، والحاكم (٢٢٩٧)، وأبو نعيم في الحلية (٦/ ١٣٢)، والقضاعي في مسند الشهاب (٧٤٣)، والبيهقي في الكبرى (١٠/ ٢٧١) وقال: «أيوب بن سويد ضعيف»، وقال ابن عدي: «هو منكر بهذا الإسناد»، وضعفه ابن الجوزي في العلل المتناهية (٢/ ٥٩٣). ورواه الطبراني في الكبير (١/ ٢٦١) ــ ومن طريقه الضياء في المختارة (٢٧٣٨) ــ من طريق ضمرة عن ابن شوذب به، قال الهيثمي في المجمع (٤/ ٢٥٦): «رجال الكبير ثقات»، فإن كانت هذه الطريق محفوظة فهي عاضدة للطريق السابق والله أعلم.
(^٢) رواه الطبراني في الكبير (٨/ ١٢٧) وفي مسند الشاميين (٣٤١٤) بدون القصة، قال البيهقي في الكبرى (١٠/ ٢٧١): «هذا ضعيف؛ لأن مكحولا لم يسمع من أبي أمامة شيئا، وأبو حفص الدمشقي هذا مجهول»، وقال الهيثمي في المجمع (٤/ ٢٥٦): «فيه يحيى بن عثمان بن صالح المصري، قال ابن أبي حاتم: تكلموا فيه»، وضعفه ابن حجر في التلخيص الحبير (٣/ ٢١٣).

الجزء: 2 - الصفحة: 773

الدمشقي، عن مكحول: أن رجلا قال لأبي أمامة الباهلي: الرجل أستودعه الوديعة، أو يكون لي عليه دين، فيجحدني، ثم يستودعني، أو يكون له عندي الشيء، فيجحدني، ثم يستودعني، أفأجحده؟ فقال: لا، سمعت رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - يقول: «أد الأمانة إلى من ائتمنك، ولا تخن من خانك».

وله شاهد آخر مرسل (^١): قال يحيى بن أيوب: عن ابن جريج، عن الحسن، عن النبي - صلى الله عليه وآله وسلم -: «أد الأمانة إلى من ائتمنك، ولا تخن من خانك».

وله شاهد آخر، وهو ما رواه الترمذي (^٢) من حديث مالك بن نضلة، قال: قلت: يا رسول الله! الرجل أمر به، فلا يقريني، ولا يضيفني، فيمر بي، أجزيه؟ قال: «لا، اقره».

(^١) لم أقف عليه من هذه الطريق، ورواه عبد الرزاق في تفسيره (٢/ ٣٦١، ٣٦٢) عن هشام، وابن أبي شيبة (٤/ ٥٣٩) من طريق الربيع، والطبري في تفسيره (٩٨٥٠) من طريق قتادة، وابن حزم في المحلى (٨/ ١٨١) من طريق المبارك بن فضالة، أربعتهم عن الحسن مرسلا.
ورواه البيهقي في معرفة السنن (٧/ ٤٨٤) من طريق يحيى بن أيوب عن ابن جريج عن زياد بن أبي الحسن عن النبي -صلى الله عليه وآله وسلم-، كذا هو في المطبوع.
وفي الباب أيضا عن أبي بن كعب رضي الله عنه.
(^٢) سنن الترمذي (٢٠٠٦)، ورواه أيضا الطيالسي (١٣٠٤)، وعبد الرزاق (١١/ ٢٦٩)، وأحمد (٣/ ٤٧٣، ٤/ ١٣٧)، وهناد في الزهد (١٠٥٩)، والحربي في إكرام الضيف (٤٤ - ٤٨)، والطبراني في الكبير (١٩/ ٢٧٦ - ٢٧٩، ٢٨٢)، وأبو نعيم في الحلية (٧/ ١٣٥٤)، والبيهقي في الكبرى (١٠/ ١٠)، وغيرهم، وصححه ابن حبان (٣٤١٠، ٥٤١٦)، والحاكم (٧٣٦٤)، وابن حجر في الأمالي المطلقة (ص ٣١).

الجزء: 2 - الصفحة: 774

قال الترمذي: «هذا الحديث حسن صحيح».

وله شاهد آخر، وهو ما رواه أبو داود (^١)، من حديث بشير (^٢) بن الخصاصية، قال: قلت: يا رسول الله! إن أهل الصدقة يعتدون علينا، أفنكتم من أموالنا بقدر ما يعتدون علينا؟ فقال: «لا».

وله شاهد آخر من حديث بشير هذا أيضا، قلت: يا رسول الله! إن لنا جيرانا، لا يدعون لنا شاذة ولا فاذة إلا أخذوها، فإذا قدرنا لهم على شيء أنأخذه؟ فقال: «أد الأمانة إلى من ائتمنك، ولا تخن من خانك».

ذكره شيخنا رحمه الله في كتاب «إبطال التحليل» (^٣).

فهذه الآثار مع تعدد طرقها واختلاف مخارجها يشد بعضها بعضا، ولا

(^١) سنن أبي داود (١٥٨٩) من طريق عبد الرزاق عن معمر عن أيوب عن رجل يقال له: ديسم عن بشير به، وبهذا الإسناد رواه أحمد (٥/ ٨٣)، والبيهقي في الكبرى (٤/ ١٠٤)، وهو في مصنف عبد الرزاق (٤/ ١٥)، وحسن إسناده ابن مفلح في الفروع (٤/ ٣٢٧)، لكن ديسم لا يدرى من هو.
وأعل بالوقف، فرواه أحمد (٥/ ٨٣) وأبو داود (١٥٨٨) من طريق حماد بن زيد عن أيوب به فلم يرفعه، وقد ضعفه ابن القطان في بيان الوهم والإيهام (٢٢٩٦)، والألباني في ضعيف سنن أبي داود (٢٧٧). (^٢) في بعض النسخ: «بشر»، وهو تصحيف.
(^٣) ذكره بهذا اللفظ ابن تيمية في «بيان الدليل» (ص ١٩٥) وفي المجموع (٣٠/ ٣٧٢)، وعزاه للمسند، ولم أقف عليه فيه ولا في غيره، والذي في المسند (٥/ ٨٣) من طريق حماد عن أيوب عن ديسم قال: قلنا لبشير بن الخصاصية: إن لنا جيرة من بني تميم لا تشذ لنا قاصية إلا ذهبوا بها، وإنها تخفى لنا من أموالهم أشياء، أفنأخذها؟ قال: لا.
وضعفه ابن حزم في المحلى (٨/ ١٨٢).

الجزء: 2 - الصفحة: 775

يشبه الأخذ فيها الأخذ في الموضعين اللذين أباح رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - فيهما الأخذ؛ لظهور سبب الحق، فلا ينسب الآخذ إلى الخيانة، ولا يتطرق إليه تهمة، ولتعسر الشكوى في ذلك إلى الحاكم، وإثبات الحق والمطالبة به.

والذين جوزوه يقولون: إذا أخذ قدر حقه من غير زيادة لم يكن ذلك خيانة؛ فإن الخيانة أخذ ما لا يحل له أخذه.

وهذا ضعيف جدا؛ فإنه يبطل فائدة الحديث فإنه قال: «ولا تخن من خانك»، فجعل مقابلته له خيانة، ونهاه عنها، فالحديث نص بعد صحته.

فإن قيل: فهلا جعلتموه مستوفيا لحقه بنفسه إذ عجز عن استيفائه بالحاكم، كالمغصوب ماله، إذا رآه في يد الغاصب، وقدر على أخذه منه قهرا، فهل تقولون: إنه لا يحل له أخذ عين ماله، وهو يشاهده في يد الظالم المعتدي، ولا يحل له إخراجه من داره وأرضه؟

وكذلك إذا غصب زوجته، وحال بينه وبينها، وعقد عليها ظاهرا، بحيث لا يتهم، فهل يحرم على الزوج الأول انتزاع زوجته منه خشية التهمة؟

وهذا لا تقولونه أنتم، ولا أحد من أهل العلم.

ولهذا قال الشافعي (^١) وقد ذكر حديث هند (^٢): «وإذا دلت السنة وإجماع كثير من أهل العلم على أن يأخذ الرجل حقه لنفسه سرا، فقد دل أن ذلك ليس بخيانة.
الخيانة أخذ ما لا يحل له أخذه».

فالجواب: أنا نقول: يجوز له أن يستوفي قدر حقه، لكن بطريق مباح،

(^١) في كتاب الأم (٦/ ٢٧٠). (^٢) تقدم تخريجه.

الجزء: 2 - الصفحة: 776

فأما بخيانة وطريق محرمة فلا.

وقولكم: ليس ذلك بخيانة، قلنا: بل هو خيانة حقيقة، ولغة، وشرعا، وقد سماه رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - خيانة، وغايتها أنها خيانة مقابلة ومقاصة، لا خيانة ابتداء، فيكون كل واحد منهما مسيئا إلى الآخر ظالما له، فإن تساوت الخيانتان قدرا وصفة فقد يتساقط إثمهما والمطالبة في الآخرة، أو يكون لكل منهما على الآخر مثل ما للآخر عليه، وإن بقي لأحدهما فضل رجع به، فهذا في أحكام الثواب والعقاب.

وأما في أحكام الدنيا فليس كذلك؛ لأن الأحكام فيها مرتبة على الظواهر، وأما السرائر فإلى الله، ولهذا قال النبي - صلى الله عليه وآله وسلم -: «إنكم تختصمون إلي، وإنما أنا بشر، أقضي بنحو مما أسمع، ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض، فمن قضيت له بشيء من حق أخيه فلا يأخذه؛ فإنما أقطع له قطعة من النار» (^١).

فأخبر - صلى الله عليه وآله وسلم - أنه يحكم بينهم [١٠٧ أ] بالظاهر، وأعلم المبطل في نفس الأمر: أن حكمه لا يحل له أخذ ما يحكم له به، وأنه مع حكمه له به فإنما يقطع له قطعة من النار، فإذا كان الحق مع هذا الخصم في الظاهر وجب على الحاكم أن يحكم له به، ويقره بيده، وإن كانت يدا عادية ظالمة عند الله تعالى، فكيف يسوغ لخصمه أن يحكم لنفسه، ويستوفي لنفسه بطريق محرمة باطلة، لا يحكم بمثلها الحاكم، وإن كان محقا في نفس الأمر؟

وليس هذا بمنزلة من رأى عين ماله أو أمته أو زوجته بيد غاصب ظالم،

(^١) أخرجه البخاري (٧١٦٩)، ومسلم (١٧١٣) عن أم سلمة.

الجزء: 2 - الصفحة: 777

فخلصها منه قهرا، فإنه قد تعين حقه في هذه العين، بخلاف صاحب الدين، فإن حقه لم يتعين في تلك العين التي يريد أن يستوفي منها، ولأنه لا يتكتم بذلك، ولا يستخفي به، كما يفعل الخائن، بل يكابر صاحب اليد العادية ويغالبه، ويستعين عليه بالناس، فلا ينسب إلى خيانة، والأول متكتم مستخف، متصور بصورة خائن وسارق، فإلحاق أحدهما بالآخر باطل، والله أعلم.

فصل

القسم الخامس من الحيل: أن يقصد حل ما حرمه الشارع، أو سقوط ما أوجبه، بأن يأتي بسبب نصبه الشارع سببا إلى أمر مباح مقصود، فيجعله المحتال المخادع سببا إلى أمر محرم مقصود اجتنابه.

فهذه هي الحيل المحرمة التي ذمها السلف، وحرموا فعلها وتعليمها.

وهذا حرام من وجهين: من جهة غايته، ومن جهة سببه:

أما غايته: فإن المقصود به إباحة ما حرمه الله ورسوله، وإسقاط ما أوجبه.

وأما من جهة سببه: فإنه اتخذ آيات الله هزوا، وقصد بالسبب ما لم يشرع لأجله، ولا قصده به الشارع، بل قصد ضده، فقد ضاد الشارع في الغاية، والحكمة، والسبب جميعا.

وقد يكون أصحاب القسم الأول من الحيل أحسن حالا من كثير من أصحاب هذا القسم؛ فإنهم يقولون: إن ما نفعله حرام وإثم ومعصية، ونحن أصحاب تحيل بالباطل، عصاة لله ورسوله، مخالفون لدينه.

الجزء: 2 - الصفحة: 778

وكثير من هؤلاء يجعلون هذا القسم من الدين الذي جاءت به الشريعة، وأن الشارع جوز لهم التحيل بالطرق المتنوعة على إباحة ما حرمه، وإسقاط ما أوجبه.

فأين حال هؤلاء من حال أولئك؟

ثم إن هذا النوع من الحيل يتضمن نسبة الشارع إلى العبث، وشرع ما لا فائدة فيه إلا زيادة الكلفة والعناء؛ فإن حقيقة الأمر عند أرباب الحيل الباطلة: أن تصير العقود الشرعية عبثا لا فائدة فيها؛ فإنها لا يقصد بها المحتال مقاصدها التي شرعت لها، بل لا غرض له في مقاصدها وحقائقها البتة، وإنما غرضه التوصل بها إلى ما هو ممنوع منه، فجعلها سترة وجنة يتستر بها من ارتكاب ما نهي عنه صرفا، فأخرجه في قالب الشرع.

كما أخرجت الجهمية التعطيل: في قالب التنزيه.

وأخرج المنافقون النفاق: في قالب الإحسان والتوفيق والعقل المعيشي.

وأخرج الظلمة الفجرة الظلم والعدوان: في قالب السياسة، وعقوبة الجناة.

وأخرج المكاسون أكل المكوس: في قالب إعانة المجاهدين، وسد الثغور، وعمارة الحصون.

وأخرج الروافض الإلحاد والكفر، والقدح في سادات الصحابة وحزب رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم -، وأوليائه وأنصاره: في قالب محبة أهل البيت، والتعصب لهم، وموالاتهم.

الجزء: 2 - الصفحة: 779

وأخرجت المباحية وفسقة المنتسبين إلى الفقر والتصوف بدعهم وشطحهم: في قالب الفقر، والزهد، والأحوال، والمعارف، ومحبة الله، ونحو ذلك.

وأخرجت الاتحادية أعظم الكفر [١٠٧ ب] والإلحاد: في قالب التوحيد، وأن الوجود واحد لا اثنان، وهو الله وحده، فليس هاهنا وجودان: خالق ومخلوق، ولا رب وعبد، بل الوجود كله واحد، وهو حقيقة الرب.

وأخرجت القدرية إنكار عموم قدرة الله تعالى على جميع الموجودات أفعالها وأعيانها: في قالب العدل، وقالوا: لو كان الرب قادرا على أفعال عباده لزم أن يكون ظالما لهم، فأخرجوا تكذيبهم بالقدر: في قالب العدل (^١).

وأخرجت الجهمية جحدهم لصفات كماله سبحانه: في قالب التوحيد، وقالوا: لو كان له سبحانه سمع وبصر، وقدرة، وحياة، وإرادة، وكلام يقوم به، لم يكن واحدا، وكان آلهة متعددة.

وأخرجت الفسقة والذين يتبعون الشهوات الفسوق والمعاصي: في قالب الرجاء وحسن الظن بالله تعالى، وعدم إساءة الظن بعفوه، وقالوا: تجنب المعاصي والشهوات إزراء بعفو الله تعالى، وإساءة للظن به، ونسبة له إلى خلاف الجود والكرم والعفو.

وأخرجت الخوارج قتال الأئمة، والخروج عليهم بالسيف: في قالب الأمر بالمعروف، والنهى عن المنكر.

(^١) م: «القدر».

الجزء: 2 - الصفحة: 780

وأخرج أرباب البدع جميعهم بدعهم: في قوالب متنوعة، بحسب تلك البدع.

وأخرج المشركون شركهم: في قالب التعظيم لله، وأنه أجل من أن يتقرب إليه بغير وسائط وشفعاء وآلهة تقربهم إليه.

فكل صاحب باطل لا يتمكن من ترويج باطله إلا بإخراجه في قالب حق.

والمقصود: أن أهل المكر والحيل المحرمة يخرجون الباطل في القوالب الشرعية، ويأتون بصور العقود، دون حقائقها ومقاصدها.

فصل

وهذا القسم من أقسام الحيل أنواع:

أحدها: الاحتيال لحل ما هو حرام في الحال، كالحيل الربوية، وحيلة التحليل.

الثاني: الاحتيال على حل ما انعقد سبب تحريمه، فهو صائر إلى التحريم ولا بد، كما إذا علق طلاقها بشرط محقق، تعليقا يقع به، ثم أراد منع وقوع الطلاق عند الشرط، فخالعها خلع الحيلة، حتى بانت، ثم تزوجها بعد ذلك.

الثالث: الاحتيال على إسقاط ما هو واجب في الحال، كالاحتيال على إسقاط الإنفاق الواجب عليه، وأداء الدين الواجب، بأن يملك ماله لزوجته أو ولده، فيصير معسرا، فلا يجب عليه الإنفاق والأداء، وكمن يدخل عليه رمضان ولا يريد صومه، فسافر ولا غرض له سوى الفطر، ونحو ذلك.

الجزء: 2 - الصفحة: 781

الرابع: الاحتيال على إسقاط ما انعقد سبب وجوبه ولم يجب، لكنه صائر إلى الوجوب، فيحتال حتى يمتنع الوجوب، كالاحتيال على إسقاط الزكاة، بتمليكه ماله قبل مضي الحول لبعض أهله، ثم استرجاعه بعد ذلك، وهذا النوع ضربان:

أحدهما: إسقاط حق الله تعالى بعد وجوبه، أو انعقاد سببه.

والثاني: إسقاط حق المسلم بعد وجوبه، أو انعقاد سببه، كالاحتيال على إسقاط الشفعة التي شرعت دفعا للضرر عن الشريك، قبل وجوبها أو بعده.

الخامس: الاحتيال على أخذ حقه أو بعضه أو بدله بخيانة، كما تقدم، وله صور كثيرة:

منها: أن يجحده دينه، كما جحده.

ومنها: أن يخونه في وديعته، كما خانه.

ومنها: أن يغشه في بيع معيب كما غشه هو في بيع معيب.

ومنها: أن يسرق ماله كما سرق ماله.

ومنها: أن يستعمله بأجرة دون أجرة مثله ظلما وعدوانا، أو غرورا وخداعا، أو غبنا، فيقدر المستأجر له على مال، فيأخذ تمام أجرته.

وهذا النوع يستعمله كثيرا أرباب الديوان، ونظار الوقوف، والعمال، وجباة الفيء والخراج والجزية والصدقة، وأمثالهم، فإن كان المال مشتركا بين المسلمين؛ رتعوا وربعوا، ورأى أحدهم أن من الغبن أن يفوته شيء منه، ويرى إن عدل أن له نصف ذلك المال، ويسعى في السدس تكملة الثلثين،

الجزء: 2 - الصفحة: 782

كما قيل في بعضهم (^١): [١٠٨ أ]

له نصف بيت المال فرض مقرر ... وفي سدس التكميل يسعى ليخلصا

من القوم من لم يثنهم عن مرادهم ... عقوبة سلطان بسوط ولا عصا

فصل

وقد عرف بما ذكرنا الفرق بين الحيل التي تخلص من الظلم والبغي والعدوان، والحيل التي يحتال بها على إباحة الحرام وإسقاط الواجبات، وإن جمعهما اسم الحيلة والوسيلة.

وعرف بذلك أن العينة لا تخلص من الحرام، وإنما يتوسل بها إليه، وهو المقصود الذي اتفقا عليه، ويعلمه الله تعالى من نفوسهما، وهما يعلمانه، ومن شاهدهما يعلمه.

وكذلك تمليك ماله لولده عند قرب الحول فرارا من الزكاة، لا يخلص من الإثم، بل يغمسه فيه؛ لأنه قصد إلى إسقاط فرض قد انعقد سببه.

ولكن عذر من جوز ذلك: أنه لم يسقط الواجب، وإنما أسقط الوجوب، وفرق بين الأمرين؛ فإن له أن يمنع الوجوب، وليس له أن يمنع الواجب.

وهكذا القول في التحيل على إسقاط الشفعة قبل البيع؛ فإنه يمنع وجوب الاستحقاق، ولا يمنع الحق الذي وجب بالبيع، فذلك لا يجوز، وهو نظير منع الزكاة بعد وجوبها، فذلك لا يجوز بحيلة ولا غيرها.

وكذلك التحيل على منع وجوب الجمعة عليه، بأن يسكن في مكان لا

(^١) لم أجد البيتين فيما بين يدي من المصادر.

الجزء: 2 - الصفحة: 783

يبلغه النداء، أولا يمكنه الذهاب منه إلى الجمعة، والرجوع في يومه، أو السفر قبل دخول وقتها، ولا يجوز له التحيل على تركها بعد وجوبها عليه.

وكذلك التحيل على منع وجوب الإنفاق على القريب، بأن لا يكتسب مالا يجب فيه الإنفاق، ولا يجوز له التحيل على إسقاط ما وجب من ذلك.

فهذا سر الفرق اعتمده أصحاب الحيل.

وأما المانعون فيجيبون عن ذلك بأن هذا لو أجدى على المتحيلين لم يعاقب الله سبحانه وتعالى أصحاب الجنة، الذين عزموا على صرامها ليلا لئلا يحضرهم المساكين، فهؤلاء قصدوا دفع الوجوب بعد انعقاد سببه، وهو نظير التحيل لإسقاط الزكاة بعد ثبوت سببها.

وبأن هذا يبطل حكمة الإيجاب؛ فإن الله سبحانه إنما أوجبها في أموال الأغنياء طهرة لهم وزكاة، ورحمة للمساكين، وسدا لفاقتهم، فالتحيل على منع وجوبها يعود على ذلك كله بالإبطال.

وبأن الشارع لو جوز التحيل على منع الإيجاب بعد انعقاد سببه لم يكن في الإيجاب فائدة؛ إذ ما من أحد إلا ويمكنه التحيل بأدنى حيلة على الدفع، فيكون الإيجاب عديم الفائدة؛ فإنه إذا أوجبه وجوز إسقاطه بعد انعقاد سبب الإيجاب عاد ذلك بنقض ما قصده.

وبأنه إذا انعقد سبب الوجوب فقد تعلق الوجوب بالمكلف، فلا يمكنه الشارع من قطع هذا التعلق، ولاسيما إذا شارف وقت الوجوب وحضر، حتى كأنه داخل فيه، كما إذا بقي من الحول يوم أو ساعة فالإسقاط هاهنا في حكم الإسقاط بعد الحول سواء، ومفسدته كمفسدته؛ فإن المصلحة الفائتة بالمنع بعد تلك الساعة كالمفسدة الحاصلة بالتسبب إلى المنع قبلها من كل وجه.

الجزء: 2 - الصفحة: 784

وبأن الحكم بعد انعقاد سببه كالثابت الذي قد صح ووجد.

وبأن الوجوب قد تحقق بانعقاد سببه، وإنما جوز له التأخير إلى تمام الحول توسعة عليه، ولهذا يجوز له أداء الواجب قبل الحول، ويكون واقعا موقعه.

ولأن الفرار من الإيجاب إنما يقصد به الفرار من أداء الواجب، وأن يسقط ما فرضه الله عليه عند مضي الحول، وليس هذا كمن يترك اكتساب المال الذي يجب فيه الزكاة فرارا من وجوبها عليه، أو ترك بيع الشقص فرارا من أخذ الشفيع له، أو يترك التزوج فرارا من وجوب الإنفاق، [١٠٨ ب] ونحو ذلك؛ فإن هذا لم ينعقد في حقه السبب، بل ترك ما يفضي إلى الإيجاب، ولم يتسبب إليه، وهذا تحيل بعد السبب على إسقاط ما تعلق به من أداء الواجب، واحتال على قطع سببه بعد ثبوتها.

وأيضا فإن قطع سببية السبب تغيير لحكم الله، وإسقاط للسببية بالتحيل، وليس ذلك للمكلف؛ فإن الله سبحانه هو الذي جعل هذا سببا بحكمه وحكمته، فليس له أن يبطل هذا الجعل بالحيلة والمخادعة، وهذا بخلاف ما إذا وهبه ظاهرا وباطنا أو أنفقه، فإنه لم يحتل بإظهار أمر وإبطان خلافه على منع الإيجاب، وأداء الواجب.

وأيضا فإنه إذا احتال على منع الإيجاب تضمن ذلك تحيله على منع أداء الواجب، ومعلوم أن منعه أداء الواجب فقط أيسر من تحيله على الآمرين جميعا.

وأيضا فإنه لا يصح فراره من الوجوب مع إتيانه لسببه؛ فإن الفار من الشيء فار من أسبابه، وهذا أحرص شيء على الملك الذي هو سبب وجوب

الجزء: 2 - الصفحة: 785

الحق عليه، ومن حرصه عليه: تحيل على ترك الإخراج حرصا وشحا، فهو فار من أداء الواجب، ظانا أنه يفر من وجوبه عليه، والأول حاصل له دون الثاني.

ونكتة الفرق: من جهة الوسيلة والمقصود؛ فإن المحتال على المحرمات وإسقاط الواجبات مقصوده فاسد، ووسيلته باطلة؛ فإنه توسل بالشيء إلى غير مقصوده، وتوسل به إلى مقصود محرم.

فإن الله سبحانه إنما جعل النكاح وسيلة إلى المودة والرحمة، والمصاهرة والنسل، وغض البصر، وحفظ الفرج، والتمتع، والإيواء، وغير ذلك من مقاصد النكاح، والمحلل لم يتوسل به إلى شيء من ذلك، بل إلى تحليل ما حرمه الله تعالى؛ فإنه سبحانه حرمها على المطلق ثلاثا عقوبة له، فتوسل هذا بنكاحها إلى تحليلها له، ولم يتوسل به إلى ما شرع له، فكان القصد محرما، والوسيلة باطلة.

وكذلك شرع الله البيع وسيلة إلى انتفاع المشتري بالعين، والبائع بالثمن، فتوسل به المرابي إلى محض الربا، وأتى به لغير مقصوده؛ فإنه لا غرض له في تملك تلك العين، ولا الانتفاع بها، وإنما غرضه الربا، فتوصل إليه بالبيع.

وكذلك شرع سبحانه الأخذ بالشفعة دفعا للضرر عن الشريك، فتوسل المبطل لها بإظهار الصرف الذي لا حقيقة له إلى إبطالها، فكانت وسيلة باطلة، ومقصوده محرما.

وكذلك الزكاة فرضها رحمة منه للمساكين، وطهرة للأغنياء، فتوسل المسقط لها إلى إبطال هذا المقصود بإظهار عقد لا حقيقة له من بيع أو هبة.

الجزء: 2 - الصفحة: 786

وكذلك القرض شرع الله سبحانه فيه العدل، وأن لا يزداد على مثل ما أقرض، فإذا احتال المقرض على الزيادة فقد احتال على مقصود محرم بطريق باطلة.

وكذلك بيع الثمر قبل بدو صلاحها باطل؛ لما يفضي إليه من أكل المال بالباطل، فإذا احتال عليه بأن شرط القطع ثم تركه حتى يكمل، كان قد احتال على مقصود محرم بشرط غير مقصود، بل قد علم المتعاقدان وغيرهما أنه لا يقطعه، ولا سيما إن كان مما لا ينتفع به قبل الصلاح بوجه، كالتوت والفرسك، وغيرهما، فاشتراط قطعه خداع محض.

وكذلك سائر الحيل التي تعود على مقصود الشارع وشرعه بالنقض والإبطال؛ غاياتها محرمة، ووسائلها باطلة لا حقيقة لها.

وكذلك الفدية والخلع التي شرعها الله ليخلص كل واحد من الزوجين من الآخر إذا وقع الشقاق بينهما، فجعلوه حيلة للحنث في اليمين، وبقاء النكاح، والله سبحانه إنما شرعه لقطع النكاح، حيث يكون قطعه مصلحة لهما.

وبهذا يتبين لك الفرق بين الحيل التي يتوصل بها إلى تنفيذ أمر الله سبحانه تعالى ورسوله وإقامة دينه [١٠٩ أ]، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، ونصر المحق، وكسر المبطل؛ والحيل التي يتوصل بها إلى خلاف ذلك.

فتحصيل المقاصد المشروعة بالطرق التي جعلت موصلة إليها شيء، وتحصيل المقاصد الفاسدة بالطرق التي شرعت لغيرها شيء آخر.

الجزء: 2 - الصفحة: 787

فالفرق بين النوعين ثابت من جهة الوسيلة والمقصود اللذين هما: المحتال به والمحتال عليه.

فالطرق الموصلة إلى الحلال المشروع: هي الطرق التي لا خداع في وسائلها، ولا تحريم في مقاصدها، وبالله التوفيق.

فصل

وأما قولكم: إن من حلف بطلاق زوجته: ليشربن هذا الخمر، أو ليقتلن هذا الرجل أو نحو ذلك، كان في الحيلة تخليصه من هذه المفسدة، ومن مفسدة وقوع الطلاق.

فيقال: نعم والله قد شرع الله له ما يتخلص به، ولخلاصه طرق عديدة، فلا تتعين الحيلة التي هي خداع ومكر لتخليصه، بل هاهنا طرق عدة، قد سلك كل طريق منها طائفة من الفقهاء، من سلف الأمة وخلفها:

الطريق الأولى: طريقة من قال: لا تنعقد هذه اليمين بحال ولا يجب فيها شيء (^١)، سواء كانت بصيغة الحلف، كقوله: الطلاق يلزمني لأفعلن، أو بصيغة التعليق المقصود، كقوله: إن طلعت الشمس، أو: إن حضت، أو إن جاء رأس الشهر، فأنت طالق، أو التعليق المقصود به من اليمين الحض والمنع، والتصديق والتكذيب، كقوله: إن لم أفعل كذا، أو: إن فعلت كذا فامرأتي طالق.
وهذا اختيار أجل أصحاب الشافعي الذين جالسوه أو من هو من أجلهم: أبي عبد الرحمن، وهو من أجل أصحاب الوجوه المنتسبين إلى الشافعي، وهذا مذهب أكثر أهل الظاهر.

(^١) في بقية النسخ: «يحنث فيها بشيء».

الجزء: 2 - الصفحة: 788

فعندهم: أن الطلاق لا يقبل التعليق، كالنكاح، ولم يرد مخالفو هؤلاء عليهم بحجة تشفي.

الطريق الثانية: طريق من يقول: لا يقع الطلاق المحلوف به، ولا العتق المحلوف به، ويلزمه كفارة اليمين إذا حنث، وهذا مذهب ابن عمر، وابن عباس، وأبي هريرة، وعائشة، وزينب بنت أم سلمة، وحفصة، رضي الله عنهم أجمعين، في الحلف بالعتق الذي هو قربة إلى الله تعالى، بل من أحب القرب إلى الله، ويسري في ملك الغير، فما يقول هؤلاء في الحلف بالطلاق الذي هو أبغض الحلال إلى الله تعالى، وأحب الأشياء إلى الشيطان؟

والسائل لهؤلاء الصحابة إنما كان امرأة، حلفت بأن كل مملوك لها حر إن لم تفرق بين عبدها وبين امرأته، فقالوا لها: كفري عن يمينك، وخلي بين الرجل وبين امرأته (^١).

وهؤلاء الصحابة أفقه في دين الله، وأعلم من أن يفتوا بالكفارة في الحلف بالعتق ويرونه يمينا، ولا يرون الحلف بالطلاق يمينا، ويلزمون

(^١) هذه المرأة هي ليلى بنت العجماء، ومولاها الذي أرادت أن تفرق بينه وبين امرأته هو أبو رافع، وقد روى عبد الرزاق (٨/ ٤٨٦، ٤٨٧) والأثرم ــ كما في فتاوى ابن تيمية (٣٣/ ١٨٨، ٣٥/ ٢٥٥، ٣٣٨) ــ جواب ابن عمر وحفصة وزينب بنت أم سلمة عن مسألتها، وروى البيهقي في الكبرى (١٠/ ٦٦) جوابهم وجواب ابن عباس وأم سلمة وعائشة، وروى الدارقطني (٤/ ١٦٣، ١٦٤) جوابهم جميعا إلا زينب، واستنكر ابن عبد البر في الاستذكار (٥/ ٢١١) الرواية التي فيها سؤالها أم سلمة وقال: «إنما هي زينب بنت أم سلمة»، ولم أقف على سؤالها أبا هريرة إلا ما ذكره ابن عبد البر في الاستذكار (٥/ ١٨٢) وعزاه لعبد الرزاق.
وقصة ليلى هذه صححها ابن حزم في المحلى (٨/ ٨)، وابن القيم في إعلام الموقعين (٣/ ٥٥).

الجزء: 2 - الصفحة: 789

الحانث بوقوعه؛ فإنه لا يجد فقيه شم رائحة العلم بين البابين والتعليقين فرقا بوجه من الوجوه.

وإنما لم يأخذ به أحمد؛ لأنه لم يصح عنده إلا من طريق سليمان التيمي، واعتقد أنه تفرد به، وقد تابعه عليه محمد بن عبد الله الأنصاري، وأشعث الحمراني، ولهذا لما ثبت عند أبي ثور قال به، وظن الإجماع في الحلف بالطلاق على لزومه، فلم يقل به.

الطريق الثالثة: طريق من يقول: ليس الحلف بالطلاق شيئا، وهذا صحيح عن طاوس، وعكرمة.

أما طاوس (^١) فقال عبد الرزاق: أخبرنا معمر، عن ابن جريج، عن ابن طاوس، عن أبيه: أنه كان لا يرى الحلف بالطلاق شيئا.

وقد رد بعض المتعصبين لتقليدهم ومذاهبهم هذا النقل، بأن عبد الرزاق ذكره في (باب يمين المكره)، فحمله على الحلف بالطلاق مكرها.

وهذا فاسد، فإن الحجة ليست في الترجمة، [١٠٩ ب] وإنما الاعتبار بما يروى في أثناء الترجمة، ولا سيما المتقدمين كابن أبي شيبة، وعبد الرزاق، ووكيع وغيرهم؛ فإنهم يذكرون في أثناء التراجم آثارا لا تطابق الترجمة، وإن كان لها بها نوع تعلق، وهذا في كتبهم لمن تأمله أكثر وأشهر من أن يخفى، وهو في «صحيح البخاري» وغيره، وفى كتب الفقهاء، وسائر المصنفين.

(^١) رواه عبد الرزاق (٦/ ٤٠٦) عن ابن جريج قال: أخبرني ابن طاوس عن أبيه أنه كان يقول: الحلف بالطلاق باطل ليس بشيء، قلت: أكان يراه يمينا؟ قال: لا أدري.
ليس فيه ذكر معمر، وصححه ابن تيمية كما في المجموع (٣٣/ ١٢٧).

الجزء: 2 - الصفحة: 790

ثم لو فهم عبد الرزاق هذا، وأنه في يمين المكره، لم تكن الحجة في فهمه، بل الأخذ بروايته، وأي فائدة في تخصيص الحلف بالطلاق بذلك؟ بل كل مكره حلف بأي يمين كانت فيمينه ليست بشيء.

أما عكرمة (^١) فقال سنيد بن داود في «تفسيره»: حدثنا عباد بن عباد المهلبي، عن عاصم الأحول، عن عكرمة، في رجل قال لغلامه: إن لم أجلدك مئة سوط فامرأتي طالق؟ قال: لا يجلد غلامه، ولا يطلق امرأته، هذا من خطوات الشيطان.

فإذا ضممت هذا الأثر إلى أثر ابن طاوس عن أبيه، إلى أثر ابن عباس فيمن قالت لمملوكها: إن لم أفرق بينك وبين امرأتك فكل مملوك لي حر، إلى الآثار المستفيضة عن ابن عباس في الحلف بتحريم الزوجة أنها يمين يكفرها: تبين لك ما كان عليه ابن عباس وأصحابه في هذا الباب.

فإذا ضممت ذلك إلى آثار الصحابة في الحلف بالتعليقات كالحج، والصوم، والصدقة، والهدي، والمشي إلى مكة حافيا، ونحو ذلك أنها أيمان مكفرة، تبين لك حقيقة ما كان عليه الصحابة في ذلك.

فإذا ضممت ذلك إلى القياس الصحيح الذي يستوي فيه حكم الأصل والفرع، تبين لك توافق القياس وهذه الآثار.

فإذا ارتفعت درجة أخرى، ووزنت ذلك بالنصوص من القرآن والسنة، تبين لك الراجح من المرجوح.

(^١) ذكره بهذا الإسناد الذهبي في سير أعلام النبلاء (٥/ ٣٦)، وقال: «هذا واضح في أن عكرمة كان يرى أن اليمين بالطلاق في الغضب من نزغات الشيطان، فلا يقع بذلك طلاق».

الجزء: 2 - الصفحة: 791

ومع هذا كله، فلا يدا لك بمقاومة السلطان، ومن يقول: حكمت وثبت عندي.
فالله المستعان!

الطريق الرابعة: طريق من يفرق بين أن يحلف على فعل امرأته أو فعل نفسه، أو على غير الزوجة، فيقول: إن قال لامرأته: إن خرجت من الدار، أو كلمت رجلا، أو فعلت كذا، فأنت طالق؛ فلا يقع عليه الطلاق بفعلها ذلك، وإن حلف على فعل نفسه، أو غير امرأته، وحنث، لزمه الطلاق.

وهذا قول أفقه أصحاب مالك على الإطلاق، وهو أشهب بن عبد العزيز، ومحله من الفقه والعلم غير خاف.

ومأخذ هذا: أن المرأة إذا فعلت هذا لتطلق نفسها لم يقع به الطلاق، معاقبة لها بنقيض قصدها، وهذا جار على أصول مالك، وأحمد، ومن وافقهما في معاقبة الفار من التوريث والزكاة وقاتل مورثه، والموصي له، ومن دبره، بنقيض قصده.

وهذا هو الفقه، لاسيما وهو لم يرد طلاقها، إنما أراد حضها أو منعها، وأن لا تتعرض لما يؤذيه، فكيف يكون فعلها سببا لأعظم أذاه؟ وهو لم يملكها ذلك بالتوكيل والخيار، ولا ملكها الله إياه بالفسخ، فكيف تكون الفرقة إليها، إن شاءت أقامت معه، وإن شاءت فارقته بمجرد حضها ومنعها؟ وأي شيء أحسن من هذا الفقه، وأطرد على قواعد الشريعة؟

فصول الكتاب · 55 فصل
فصول إغاثة اللهفان في مصايد الشيطان
مقدمة الكتابالمقدمةمقدمة التحقيقالباب الأول في انقسام القلوب إلى صحيح وسقيم وميتالباب الثاني في ذكر حقيقة مرض القلبالباب الثالث في انقسام أدوية أمراض القلب إلى قسمين: طبعية وشرعيةالباب الرابع في أن حياة القلب وإشراقه مادة كل خير فيه وموته وظلمته مادة كل شر فيهالباب الخامس في أن حياة القلب وصحته لا تحصل إلا بأن يكون مدركا للحق مريدا له، مؤثرا له على غيرهالباب السادس أنه لا سعادة للقلب ولا لذة ولا نعيم ولا صلاح إلا بأن يكون إلهه وفاطره وحده هو معبوده وغاية مطلوبه، وأحب إليه من كل ما سواهالباب السابع في أن القرآن متضمن لأدوية القلب وعلاجه من جميع أمراضهالباب الثامن في زكاة القلبالباب التاسع في طهارة القلب من أدرانه ونجاساتهالباب العاشر: في علامات مرض القلب وصحتهالباب الثاني عشر في علاج مرض القلب بالشيطانالباب الثالث عشر في مكايد الشيطان التي يكيد بها ابن آدمالمقدمةمذهب أشهب المالكي: أنه لا يقع عليه الطلاق بفعلها ويقع عليه بفعل غيرهاالتزام التطليق لا يوجب وقوع الطلاقبطلان الاحتجاج بحديث بلال على جواز بيع العينة ومثله إذا قال: بع هذا القطن واشتر بثمنه ثياب قطن ونحو ذلكفصل وأما استدلالكم بالمعاريض على جواز الحيل«ليس بكاذب من أصلح بين الناس ، فكذب فيه» (^٢)؟الملائكة إنما تنفذ أمر الله الواحد القهارالله المدبر أمرا وإذنا ومشيئة. والملائكة المدبرات مباشرة وامتثالافصل: أصل المحبة المحمودة: هي محبة الله وحده المتضمنة لعبادته دون ما سواهدعوة ذي النون لم يدع بها مسلم في شيء إلا استجيب لهقد قيل: إن فساد القصد من فساد العلمالمحبة مع الله: أصل الشركتبديل الدين من اتباع الأقوال الخاطئة والظنون الكاذبة، والأهواء الغالبةإذا شغف القلب بمحبة غير الله كان فيه من التعبد له بقدر ذلكسلطان الشيطان على الذين يتولونه من الغاوين أتباع الهوى والشهواتأصل الغي من الحب لغير اللهالعشق أعظم مما بالمجانينقول قوم نوح: ﴿أنؤمن لك واتبعك الأرذلون﴾قرن الله الفتنة بالصبر في سورة الفرقان وفي سورة النملفصل: الفتنة نوعان: فتنة الشبهات وفتنة الشهواتأصل كل فتنة تقديم الرأي على الشرع وتقديم الهوى على العقلالبصائر: جمع بصيرة، وهى فعيلة بمعنى مفعلةقوله: ﴿وآتينا ثمود الناقة مبصرة﴾ ومعناهااتصال الهدى بالرحمة في حق المؤمنينوسع ربنا كل شيء رحمة وعلماقوله في سورة الأحزاب: ﴿ولما رأى المؤمنون الأحزاب قالوا هذا ما وعدنا الله ورسوله﴾قول الله تعالى: ﴿قل لن ينفعكم الفرار إن فررتم من الموت أو القتل. . .﴾محبة المخلوق إذا لم تكن لله فهي عذاب للمحب ووبالفصل فى بيان كيد الشيطان لنفسه، قبل كيده للأبوينكانت قريش وجميع العرب تعظم اللات ويسمون تيم اللاتالمشبه الله بغيره إن قصد التعظيم لم يكن تعظيما(من) لا تدخل إلا على مفعول لا مفعول دونهمن الصابئة من يوافق المسلمين في صوم رمضان واستقبال الكعبة والحج وغير ذلكالحكمة التي جاءت بها الرسلأرسطو معطل مشرك جاحد للنبواتالنصير الطوسي وزير هولاكو نصير الشرك والكفرثم كان لهم مجمع عاشر:وأما تلاعبه بهم في صلاتهم فمن وجوه:هم أبدا يعتقدون الصواب والحق مع من يشدد ويضيقأعز ما صادفه الإسلام من هذه الأمة: يهود خيبر، والمدينة
إغاثة اللهفان في مصايد الشيطان
تأليف ابن القيم
تقدّمك في الكتاب: المقدمة — 16 من 55
جارٍ التحميل