تبديل الدين من اتباع الأقوال الخاطئة والظنون الكاذبة، والأهواء الغالبة
، فإذا كان مختارا راضيا لم يكن بذلك بأس، فكأن المحرم عنده من ذلك إنما
(^١) «قولا» ساقطة من م. (^٢) «على» ساقطة من م.
الجزء: 2 - الصفحة: 873
هو الظلم والعدوان بإكراه المفعول به.
قال شيخنا رحمه الله: وحكى لي من أثق به أن بعض هؤلاء أخذ على هذه الفاحشة، فحكم عليه بالحد، فقال: والله هو ارتضى بذلك، وما أكرهته ولا غصبته، فكيف أعاقب؟ فقال نصير المشركين وكان حاضرا: هذا حكم محمد بن عبد الله! وليس لهؤلاء ذنب!
ومن هؤلاء من يعتقد أن العشق إذا بلغ بالعاشق إلى حد يخاف معه التلف، أبيح له وطء معشوقه للضرورة، وحفظ النفس، كما يباح له الدم والميتة ولحم الخنزير في المخمصة.
وقد يبيح هؤلاء شرب الخمر على وجه التدواي وحفظ الصحة، إذا سلم من معرة السكر.
ولا ريب أن الكفر والفسوق والمعاصي درجات، كما أن الإيمان والعمل الصالح درجات، كما قال تعالى: ﴿هم درجات عند الله والله بصير بما يعملون﴾ [آل عمران: ١٦٣]، وقال: ﴿ولكل درجات مما عملوا وما ربك بغافل عما يعملون﴾ [الأنعام: ١٣٢]، وقال: ﴿إنما النسيء زيادة في الكفر﴾ [التوبة: ٣٧]، وقال: ﴿وإذا ما أنزلت سورة فمنهم من يقول أيكم زادته هذه إيمانا فأما الذين آمنوا فزادتهم إيمانا وهم يستبشرون (١٢٤) وأما الذين في قلوبهم مرض فزادتهم [١٢٤ ب] رجسا إلى رجسهم﴾ [التوبة: ١٢٤، ١٢٥]، ونظائره في القرآن كثيرة.
ومن أخف هؤلاء جرما: من يرتكب ذلك معتقدا تحريمه، وأنه إذا قضى حاجته قال: أستغفر الله!
الجزء: 2 - الصفحة: 874
فكأن ما كان لم يكن! فقد تلاعب الشيطان بأكثر هذا الخلق، كتلاعب الصبيان بالكرة، وأخرج لهم أنواع الكفر والفسوق والعصيان في كل قالب.
وبالجملة فمراتب الفاحشة متفاوتة بحسب مفاسدها:
فالمتخذ خدنا من النساء، والمتخذة خدنا من الرجال: أقل شرا من المسافح والمسافحة مع كل أحد.
والمستخفي بما يرتكبه أقل إثما من المجاهر المستعلن.
والكاتم له أقل إثما من المخبر به، المحدث للناس به، فهذا بعيد من عافية الله تعالى وعفوه، كما قال النبي - صلى الله عليه وآله وسلم -: «كل أمتي معافى إلا المجاهرين، وإن من المجاهرة أن يستر الله تعالى عليه، ثم يصبح يكشف ستر الله عنه، يقول: يا فلان! فعلت البارحة كذا وكذا، فيبيت ربه يستره، ويصبح يكشف ستر الله عن نفسه» (^١) أو كما قال.
وفي الحديث الآخر عنه - صلى الله عليه وآله وسلم -: «من ابتلي من هذه القاذورات بشيء فليستتر بستر الله، فإنه من يبد لنا صفحته نقم عليه كتاب الله» (^٢).
(^١) أخرجه البخاري (٦٠٦٩)، ومسلم (٢٩٩٠) عن أبي هريرة.
(^٢) رواه الطحاوي في شرح المشكل (٩١) والعقيلي في الضعفاء (٢/ ٢٤٨) والبيهقي في الكبرى (٨/ ٣٣٠) من طرق عن يحيى بن سعيد عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر بنحوه مرفوعا، وروي عن عبد الله بن دينار مرسلا، قال الدارقطني في العلل (١٢/ ٣٨٦): «هو أشبهها بالصواب»، وصححه ابن السكن كما في البدر المنير (٨/ ٦١٩) وليس فيه الشطر الأخير، والحاكم (٧٦١٥، ٨١٥٨)، وحسن إسناده الذهبي في المهذب (١٣٧٢٠)، والعراقي في المغني (٢٩٨٣)، وزكريا الأنصاري في أسنى المطالب (٤/ ١٣١)، والهيتمي في الزواجر (٢/ ٧٦٢)، والشربيني في مغني المحتاج (٤/ ١٥٠)، وهو في السلسلة الصحيحة (٦٦٣). وروي عن غير عبد الله بن دينار مرسلا، وفي الباب عن أبي هريرة رضي الله عنه.
الجزء: 2 - الصفحة: 875
وفي الحديث الآخر: «إن الخطيئة إذا أخفيت لا تضر إلا صاحبها، ولكن إذا أعلنت فلم تنكر ضرت العامة» (^١).
وكذلك الزنى بالمرأة التي لا زوج لها أيسر إثما من الزنى بذات الزوج، لما فيه من ظلم الزوج والعدوان عليه، وإفساد فراشه عليه، وقد يكون إثم هذا أعظم من إثم مجرد الزنى أو دونه.
والزنا بحليلة الجار أعظم من الزنى ببعيدة الدار، لما اقترن بذلك من أذى الجار، وعدم حفظ وصية الله تعالى ورسوله به.
وكذلك الزنى بامرأة الغازي في سبيل الله أعظم إثما عند الله من الزنى بغيرها، ولهذا «يقام له يوم القيامة، ويقال له: خذ من حسناته ما شئت» (^٢).
وكما تختلف درجاته بحسب المزني بها، فكذلك تتفاوت درجاته بحسب الزمان والمكان والأحوال، وبحسب الفاعل، فالزنى في رمضان ليلا أو نهارا أعظم إثما منه في غيره، وكذلك في البقاع الشريفة المفضلة هو أعظم إثما منه فيما سواها.
(^١) رواه ابن أبي الدنيا في العقوبات (٤٠) والطبراني في الأوسط (٤٧٧٠) من طريق مروان بن سالم عن الأوزاعي عن يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة عن أبي هريرة مرفوعا، قال الهيثمي في المجمع (٧/ ٥٢٨): «فيه مروان بن سالم الغفاري وهو متروك»، وحكم عليه الألباني بالوضع في السلسلة الضعيفة (١٦١٢). ورواه ابن المبارك في الزهد (١٣٥٠) وغيره عن الأوزاعي عن بلال بن سعد قوله.
(^٢) أخرجه مسلم (١٨٩٧) عن بريدة بن الحصيب.
الجزء: 2 - الصفحة: 876
وأما تفاوته بحسب الفاعل: فالزنى من الحر أقبح منه من العبد، ولهذا كان حده على النصف من حده، ومن المحصن أقبح منه من البكر، ومن الشيخ أقبح منه من الشاب، ولهذا كان أحد الثلاثة الذين لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم: الشيخ الزاني (^١)، ومن العالم أقبح منه من الجاهل، لعلمه بقبحه وما يترتب عليه، وإقدامه على بصيرة، ومن القادر على الاستغناء عنه أقبح من الفقير العاجز.
فصل
ومما ينبغي أن يعلم: أنه قد يقترن بالأيسر إثما ما يجعله أعظم إثما مما هو فوقه.
مثاله: أنه قد يقترن بالفاحشة من العشق الذي يوجب اشتغال القلب بالمعشوق، وتألهه له وتعظيمه، والخضوع له، والذل له، وتقديم طاعته وما يأمر به على طاعة الله تعالى ورسوله وأمره، فيقترن بمحبة خدنه وتعظيمه، وموالاة من يواليه، ومعاداة من يعاديه، ومحبة ما يحبه، وكراهة ما يكرهه، ما قد يكون أعظم ضررا على صاحبه من مجرد ركوب الفاحشة.
فإن المحبوبات لغير الله قد أثبت الشارع فيها اسم التعبد، كقوله - صلى الله عليه وآله وسلم - في الصحيح: «تعس عبد الدينار، تعس عبد الدراهم، تعس عبد القطيفة، [١٢٥ أ] تعس عبد الخميصة، تعس وانتكس، وإذا شيك فلا انتقش، إن أعطي رضي، وإن منع سخط».
رواه البخاري (^٢).
(^١) كما في حديث أبي هريرة الذي أخرجه مسلم (١٠٧). (^٢) برقم (٢٨٨٦، ٢٨٨٧) عن أبي هريرة.
الجزء: 2 - الصفحة: 877
فسمى هؤلاء الذين إن أعطوا رضوا وإن منعوا سخطوا عبيدا لهذه الأشياء، لانتهاء محبتهم ورضاهم ورغبتهم إليها.
فإذا شغف الإنسان بمحبة صورة لغير الله، بحيث يرضيه وصوله إليها وظفره بها، ويسخطه فوات ذلك، كان فيه من التعبد لها بقدر ذلك.
ولهذا يجعلون الحب مراتب: أوله العلاقة، ثم الصبابة، ثم الغرام، ثم العشق، وآخر ذلك: التتيم، وهو التعبد للمعشوق، فيصير العاشق عبدا لمعشوقه.
والله سبحانه إنما حكى عشق الصور في القرآن عن المشركين:
فحكاه عن امرأة العزيز، وكانت مشركة على دين زوجها، وكانوا مشركين، وحكاه عن اللوطية، وكانوا مشركين، فقال تعالى في قصتهم: ﴿لعمرك إنهم لفي سكرتهم يعمهون﴾ [الحجر: ٧٢].
وأخبر سبحانه أنه يصرفه عن أهل الإخلاص، فقال: ﴿كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء إنه من عبادنا المخلصين﴾ [يوسف: ٢٤].
وقال عن عدوه إبليس إنه قال: ﴿قال فبعزتك لأغوينهم أجمعين (٨٢) إلا عبادك منهم المخلصين﴾ (^١) [ص: ٨٢، ٨٣]، وقال تعالى: ﴿إن عبادي ليس لك عليهم سلطان إلا من اتبعك من الغاوين﴾ [الحجر: ٤٢]، والغاوي ضد الراشد، و