بطلان الاحتجاج بحديث بلال على جواز بيع العينة ومثله إذا قال: بع هذا القطن واشتر بثمنه ثياب قطن ونحو ذلك
(^٢)، ومتى تواطآ على
(^١) م: «فعل ملك العوضين».
والمثبت من بقية النسخ.
(^٢) رواه أحمد (٢/ ٤٣٢، ٤٧٥، ٥٠٣)، والترمذي (١٢٣١)، والنسائي (٤٦٣٢)، وأبو يعلى (٦١٢٤)، والبيهقي في الكبرى (٥/ ٣٤٣)، وغيرهم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، قال الترمذي: «حديث حسن صحيح»، وصححه ابن الجارود (٦٠٠)، وابن حبان (٤٩٧٣)، وابن عبد البر في التمهيد (٢٤/ ٣٨٨)، والبغوي في شرح السنة (٢١١١)، وابن العربي في العارضة (٣/ ١٩١)، والنووي في المجموع (٩/ ٣٤١)، وابن دقيق العيد في الإلمام (٩٥٨)، وابن الملقن في البدر المنير (٦/ ٤٩٦)، وحسنه الألباني في الإرواء (٥/ ١٤٩)، وهو في السلسلة الصحيحة (٢٣٢٦). وفي الباب عن ابن عمر وعبد الله بن عمرو وابن مسعود رضي الله عنهم.
الجزء: 2 - الصفحة: 809
أن يبيعه بالثمن، ثم يبتاع به منه، فهو بيعتان في بيعة، فلا يكون داخلا في الحديث؛ إذ المنهي عنه لا يتناوله المأذون فيه.
يبين ذلك:
الوجه الخامس: وهو أنه - صلى الله عليه وآله وسلم - قال: «بع الجمع بالدراهم، ثم ابتع بالدراهم جنيبا»، وهذا يقتضي بيعا ينشئه ويبتدئه بعد انقضاء البيع الأول، ومتى واطأه من أول الأمر على أن أبيعك وأبتاع منك فقد اتفقا على العقدين معا، فلا يكون داخلا في حديث الإذن، بل في حديث النهى.
الوجه السادس: أنه لو فرض أن في الحديث عموما لفظيا فهو مخصوص بصور لا تعد؛ فإن كل بيع فاسد فهو غير داخل فيه، فتضعف دلالته، وتخص منه الصورة التي ذكرناها بالأدلة التي هي نصوص، أو كالنصوص؛ فإخراجها من العموم أسهل الأشياء وبالله التوفيق.
فصل
وقد تبين بهذا بطلان الاستدلال على جواز الحيل الباطلة، بقوله تعالى: ﴿إلا أن تكون تجارة حاضرة تديرونها بينكم﴾ [البقرة: ٢٨٢]، وأن هذا يتناول صورة العينة وغيرها؛ فإن المتبايعين يديران السلعة بينهما.
الجزء: 2 - الصفحة: 810
فإن الله سبحانه قسم البياعات المقصودة التي شرعها لعباده، ونصبها إقامة لمصالحهم في معاشهم ومعادهم: إلى بيوع مؤجلة وبيوع حالة، ثم أمرهم أن يستوثقوا في البيوع المؤجلة بالكتاب والشهود، وإن عدموا ذلك في السفر استوثقوا بالرهن؛ حفظا لأموالهم، وتخلصا من بطلان الحقوق بجحود أو نسيان، ثم أخبرهم أنه لا حرج عليهم في ترك ذلك في البيوع الحالة؛ لأمنهم فيها [١١٣ ب] مفسدة التجاحد والنسيان.
والمراد بالتجارة الدائرة: البياعات التي تقع غالبا بين الناس.
ولم يفهم أحد من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - ولا من التابعين، ولا تابعيهم، ولا أهل التفسير، ولا أئمة الفقهاء منها: المعاملة الدائرة بالربا بين المترابيين، بل فهموا تحريمها من نصوص تحريم الربا، ولا ريب أن دخولها في تلك النصوص أظهر من دخولها في هذه الآية.
ومما يدل عليه: أن هذه المعاملة الدائرة بينهما بالربا لا تكون في الغالب إلا مع أجل، بأن يبتاع منه سلعة بثمن حال، ثم يبيعها إياه بأكثر منه إلى أجل، وذلك في الغالب مما يطلب عليه الشهود والكتاب، خشية الجحود، والله سبحانه قال: ﴿إلا أن تكون تجارة حاضرة تديرونها بينكم فليس عليكم جناح ألا تكتبوها﴾، فاستثنى هذا من قوله: ﴿ياأيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه﴾ [البقرة: ٢٨٢].
وهذه المعاملة الربوية قد اتفقا فيها على التداين إلى أجل مسمى، واتفقا فيها على المئة بمئة وثلاثين ونحو ذلك، فأين هي من التجارة الحاضرة، التي يعرف الناس الفرق فيها بين التجارة والربا؟
الجزء: 2 - الصفحة: 811
فالتجارة في كلام الله ورسوله، ولغة العرب، وعرف الناس، إنما تنصرف إلى البياعات المقصودة التي يقصد فيها الثمن والمثمن، وأما ما تواطآ فيه على الربا المحض، ثم أظهرا بيعا غير مقصود لهما البتة، يتوسلان به إلى أن يعطيه مئة حالة بمئة وعشرين مؤجلة، فهذا ليس من التجارة المأذون فيها، بل من الربا المنهي عنه، والله أعلم.