الله المدبر أمرا وإذنا ومشيئة. والملائكة المدبرات مباشرة وامتثالا
، لهم وله شأن آخر، فإنهم موكلون بتخليقه، ونقله من طور إلى طور، وتصويره، وحفظه في أطباق الظلمات الثلاث، وكتابة رزقه، وعمله، وأجله، وشقاوته، وسعادته، وملازمته في جميع أحواله، وإحصاء أقواله وأفعاله، وحفظه في حياته، وقبض روحه عند وفاته، [١٢٠ أ] وعرضها على خالقه وفاطره، وهم الموكلون بعذابه ونعيمه في البرزخ وبعد البعث، وهم الموكلون بعمل آلات العذاب، وهم المثبتون للعبد المؤمن بإذن الله، والمعلمون له ما ينفعه، والمقاتلون الذابون عنه، وأولياؤه في الدنيا والآخرة، وهم الذين يرونه في منامه ما يخافه ليحذره، وما يحبه ليقوى قلبه، ويزداد شكرا، وهم الذين يعدونه بالخير ويدعونه إليه، وينهونه عن الشر ويحذرونه منه.
فهم أولياؤه، وأنصاره، وحفظته، ومعلموه، وناصحوه، والداعون له، والمستغفرون له، وهم الذين يصلون عليه مادام في طاعة ربه، ويصلون عليه
الجزء: 2 - الصفحة: 848
مادام يعلم الناس الخير، ويبشرونه بكرامة الله تعالى في منامه، وعند موته، ويوم بعثه، وهم الذين يزهدونه في الدنيا، ويرغبونه في الآخرة، وهم الذين يذكرونه إذا نسي، وينشطونه إذا كسل، ويثبتونه إذا جزع، وهم الذين يسعون في مصالح دنياه وآخرته.
فهم رسل الله في خلقه وأمره، وسفراؤه بينه وبين عباده، تتنزل بالأمر من عنده في أقطار العالم، وتصعد إليه بالأمر، قد أطت بهم السماوات، وحق لها أن تئط، ما فيها موضع أربع أصابع إلا وملك قائم، أو راكع، أو ساجد، ويدخل البيت المعمور كل يوم منهم سبعون ألف ملك، لا يعودون إليه آخر ما عليهم.
والقرآن مملوء بذكر الملائكة، وأصنافهم، وأعمالهم، ومراتبهم، كقوله: ﴿وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك قال إني أعلم ما لا تعلمون (٣٠) وعلم آدم الأسماء كلها ثم عرضهم على الملائكة فقال أنبئوني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين (٣١) قالوا سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم (٣٢) قال ياآدم أنبئهم بأسمائهم فلما أنبأهم بأسمائهم قال ألم أقل لكم إني أعلم غيب السماوات والأرض وأعلم ما تبدون وما كنتم تكتمون (٣٣) وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم ...﴾ إلى آخر القصة [البقرة: ٣٠ - ٣٤]، وقوله: ﴿تنزل الملائكة والروح فيها بإذن ربهم﴾ [القدر: ٤]، وما بين هاتين السورتين في سور القرآن، بل لا تخلو سورة من سور القرآن عن ذكر الملائكة صريحا، أو تلويحا وإشارة.
الجزء: 2 - الصفحة: 849
وأما ذكرهم في الأحاديث النبوية على صاحبها أفضل الصلاة والسلام، فأكثر وأشهر من أن تذكر.
ولهذا كان الإيمان بالملائكة عليهم السلام أحد الأصول الخمسة التي هي أركان الإيمان، وهي: الإيمان بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر.
فلنرجع إلى المقصود، وهو أن حركات العالم العلوي والسفلي بالملائكة.
فالحركات الإرادية كلها تابعة للإرادة التي تحرك المريد إلى فعل ما يفعله.
والحركة الطبعية سببها ما في المتحرك من الميل والطلب بكماله وانتهائه، كحركة النار، وحركة النبات، وحركة الرياح، وكذلك حركة الجسم الثقيل إلى أسفل، فإنه بطبعه يطلب مستقره من المركز، ما لم يعقه عنه عائق.
وأما الحركة القسرية فكحركته بالقسر إلى العلو، فتابعة لإرادة القاسر له، فلم تبق حركة أصلية إلا عن الإرادة والمحبة.
فصل
فإذا عرف ذلك، فالمحبة هي التي تحرك المحب في طلب محبوبه الذي يكمل (^١) بحصوله له، فتحرك محب الرحمن، ومحب القرآن، ومحب العلم والإيمان، ومحب المتاع والأثمان، ومحب الأوثان والصلبان، ومحب النسوان [١٢٠ ب] والمردان، ومحب الأوطان، ومحب الإخوان، فتثير من كل قلب حركة إلى محبوبه من هذه الأشياء، فيتحرك عند
(^١) في النسخ: «التي تكمل».
الجزء: 2 - الصفحة: 850
ذكر محبوبه منها دون غيره، ولهذا تجد محب النسوان والصبيان، ومحب قرآن الشيطان بالأصوات والألحان، لا يتحرك عند سماع العلم وشواهد الإيمان، ولا عند تلاوة القرآن، حتى إذا ذكر له محبوبه اهتز له وربا، وتحرك باطنه وظاهره شوقا إليه، وطربا لذكره.
فكل هذه المحاب باطلة مضمحلة، سوى محبة الله وما والاها من محبة رسوله، وكتابه، ودينه، وأوليائه، فهذه المحبة تدوم، وتدوم ثمرتها ونعيمها بدوام من تعلقت به، وفضلها على سائر المحاب كفضل من تعلقت به على ما سواه، وإذا انقطعت علائق المحبين، وأسباب توادهم ومحابهم، لم تنقطع أسبابها، قال تعالى: ﴿إذ تبرأ الذين اتبعوا من الذين اتبعوا ورأوا العذاب وتقطعت بهم الأسباب﴾ [البقرة: ١٦٦].
قال عطاء، عن ابن عباس (^١) رضي الله عنهما: المودة.
وقال مجاهد (^٢): تواصلهم في الدنيا.
وقال الضحاك (^٣): يعني: تقطعت بهم الأرحام، وتفرقت بهم المنازل في النار.
(^١) رواه الطبري في تفسيره (٢٤٢٣)، وابن أبي حاتم في تفسيره (١٤٩٢)، وصححه الحاكم (٣٠٧٦)، وعزاه في الدر المنثور (١/ ٤٠٢) لعبد بن حميد وابن المنذر، وضعف إسناده ابن حجر في الفتح (١١/ ٣٩٣).
(^٢) رواه سعيد بن منصور في السنن (٢/ ٦٤١)، والطبري في تفسيره (٢٤١٧ - ٢٤١٩، ٢٤٢٢)، وابن أبي حاتم في تفسيره (١٤٩٣)، وأبو نعيم في الحلية (٣/ ٢٨٥)، والخطيب في تاريخه (١٤/ ٨)، وعزاه في الدر المنثور (١/ ٤٠٢) لوكيع وعبد بن حميد.
(^٣) رواه ابن أبي حاتم في تفسيره (١٤٩٥) من طريق جويبر عن الضحاك.
الجزء: 2 - الصفحة: 851
وقال أبو صالح (^١): الأعمال.
والكل حق، فإن الأسباب هي الوصل التي كانت بينهم في الدنيا، تقطعت بهم أحوج ما كانوا إليها.
وأما أسباب الموحدين المخلصين لله فاتصلت بهم، ودام اتصالها بدوام معبودهم ومحبوبهم، فإن السبب تبع لغايته في البقاء والانقطاع.
فصل
إذا تبين هذا، فأصل المحبة المحمودة التي أمر الله تعالى بها، وخلق خلقه لأجلها: هي محبته وحده لا شريك له، المتضمنة لعبادته دون عبادة ما سواه.
فإن