أهل الأثرالأرشيف العلمي

العشق ليس يفيق الدهر صاحبه ... وإنما يصرع المجنون في الحين

فصاحبه أحق بأن يشبه بعابد الوثن، والعاكف على التماثيل، فإن عكوف قلب العاشق على صورة محبوبه وتمثاله يشبه عكوف عابد الصنم على صنمه.

وإذا كان الشيطان يريد أن يوقع العدواة والبغضاء بين المسلمين في الخمر والميسر، ويصدهم بذلك عن ذكر الله وعن الصلاة، فالعدواة والبغضاء والصد الذي يوقعه بالعشق أعظم بكثير.

وجميع المعاصي يجتمع فيها هذان الوصفان، وهما العدواة والبغضاء، والصد عن ذكر الله وعن الصلاة، فإن التحاب والتآلف إنما هو بالإيمان والعمل الصالح، كما قال تعالى: ﴿إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات سيجعل لهم الرحمن ودا﴾ [مريم: ٩٦]، أي: يلقي بينهم المحبة، فيحب بعضهم بعضا، فيتراحمون، ويتعاطفون، بما جعل الله لبعضهم في قلوب بعض من المحبة.

وقال ابن عباس (^١): يحبهم ويحببهم إلى عباده.

(^١) رواه ابن أبي شيبة (٧/ ١٣٧) وهناد في الزهد (٤٧٨) والبيهقي في الزهد (٨١٢) من طريق ابن أبي ليلى عن المنهال عن سعيد بن جبير عن ابن عباس، ورواه ابن أبي الدنيا في الأولياء (٣٢) والطبري في تفسيره (١٨/ ٢٦٢) والبيهقي في الزهد (٨١١) وغيرهم من طريق ابن أبي ليلى عن الحكم عن سعيد بن جبير عن ابن عباس.

الجزء: 2 - الصفحة: 885

قال هرم بن حيان (^١): ما أقبل عبد بقلبه إلى الله عز وجل إلا أقبل الله بقلوب المؤمنين إليه، حتى يرزقه مودتهم ورحمتهم.

وأهل المعاصي والفسوق وإن كان بينهم نوع مودة وتحاب، فإنها تنقلب عداوة وبغضا، وفى الغالب يتعجل لهم ذلك في الدنيا قبل الآخرة، وأما في الآخرة فـ ﴿الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين﴾ [الزخرف: ٦٧].

وقال إمام الحنفاء لقومه: ﴿وقال إنما اتخذتم من دون الله أوثانا مودة بينكم في الحياة الدنيا ثم يوم القيامة يكفر بعضكم ببعض ويلعن بعضكم بعضا ومأواكم النار وما لكم من ناصرين﴾ [العنكبوت: ٢٥].

فالمعاصي كلها توجب ذلك، وتصد عن ذكر الله وعن الصلاة، وذكر ذلك في الخمر والميسر اللذين هما من أواخر المحرمات: تنبيه على ما في غيرهما من ذلك، مما حرم قبلهما، وهو أشد تحريما منهما، فإن ما يوقعه قتل النفوس، وسرقة [١٢٦ ب] الأموال، وارتكاب الفواحش من ذلك، وما يصد به عن ذكر الله وعن الصلاة، أضعاف أضعاف ما يقتضيه الخمر والميسر، والواقع شاهد بذلك.

وكم وقع وهو واقع بين الناس بسبب عشق الصور: من العداوة

(^١) رواه أحمد في الزهد (ص ٢٣٢) والطبري في تفسيره (١٨/ ٢٦٢) عن قتادة قال: ذكر لنا أن هرم بن حيان كان يقول ... وذكره، ورواه البيهقي في الزهد (٧٩٩) عن قتادة عن هرم بن حيان.

الجزء: 2 - الصفحة: 886

والبغضاء، وزوال الألفة والمحبة، وانقلابها عداوة.

وأما صده عن ذكر الله، فقلب العاشق ليس فيه موضع لغير معشوقه، كما قيل:

ما في الفؤاد لغير حبك موضع ... كلا ولا أحد سواك يحله (^١)

وأما صده عن الصلاة، فهو إن لم يصد عن صورتها وأعمالها الظاهرة فإنه يصد عن حقيقتها ومقاصدها الباطنة.

فصل

ومما يبين أن هذه الفواحش أصلها المحبة لغير الله تعالى، سواء كان المطلوب المشاهدة أو المباشرة أو غير ذلك: أنها في المشركين أكثر منها في المخلصين، ويوجد فيهم منها ما لا يوجد مثله في المخلصين.

قال تعالى: ﴿يابني آدم لا يفتننكم الشيطان كما أخرج أبويكم من الجنة ينزع عنهما لباسهما ليريهما سوآتهما إنه يراكم هو وقبيله من حيث لا ترونهم إنا جعلنا الشياطين أولياء للذين لا يؤمنون (٢٧) وإذا فعلوا فاحشة قالوا وجدنا عليها آباءنا والله أمرنا بها قل إن الله لا يأمر بالفحشاء أتقولون على الله ما لا تعلمون﴾ [الأعراف: ٢٧ - ٢٩]، ﴿قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغي بغير الحق وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون﴾ [الأعراف: ٣٣].

فأخبر سبحانه أنه جعل الشياطين أولياء للذين لا يؤمنون، وهو قوله:

(^١) لم أجد البيت فيما بين يدي من المصادر.

الجزء: 2 - الصفحة: 887

﴿أفتتخذونه وذريته أولياء من دوني وهم لكم عدو بئس للظالمين بدلا﴾ [الكهف: ٥٠]، وقال تعالى في الشيطان: ﴿إنما سلطانه على الذين يتولونه والذين هم به مشركون﴾ [النحل: ١٠٠]، وأخبر عنه أنه أقسم بعزة ربه أنه يغوي عباده أجمعين، واستثنى أهل الإخلاص منهم.

وأخبر سبحانه عن أولياء الشيطان أنهم إذا فعلوا فاحشة احتجوا بتقليد أسلافهم، وزعموا أن الله سبحانه أمرهم بها، فاتبعوا الظن الكاذب والهوى الباطل.

قال شيخنا رحمه الله: وفى هذا الوصف نصيب كبير لكثير من المنتسبين إلى القبلة: من الصوفية، والعباد، والأمراء، والأجناد، والمتفلسفة، والمتكلمين، والعامة، وغيرهم، يستحلون من الفواحش ما حرمه الله ورسوله، ظانين أن الله أباحه، أو تقليدا لأسلافهم، وأصله العشق الذي يبغضه الله، فكثير منهم يجعله دينا، ويرى أنه يتقرب به إلى الله، إما لزعمه أنه يزكي النفس ويهذبها، وإما لزعمه أنه يجمع بذلك قلبه على آدمي، ثم ينتقل إلى عبادة الله وحده، وإما لزعمه أن الصور الجميلة مظاهر الحق ومشاهده، ويسميها مظاهر الجمال الأحدي، وإما لاعتقاده حلول الرب فيها أو اتحاده بها.

ولهذا تجد بين نساك هؤلاء وفقرائهم وأمرائهم وأصحابهم توافقا وتآلفا على اتخاذ أنداد من دون الله، يحبونهم كحب الله، إما تدينا، وإما شهوة، وإما جمعا بين الأمرين، ولهذا يتآلفون ويجتمعون على السماع الشيطاني، الذي يهيج الحب المشترك، فيهيج من كل قلب ما فيه من الحب.

الجزء: 2 - الصفحة: 888

وسبب ذلك: خلو القلب مما خلق له من عبادة الله تعالى، التي تجمع محبته، وتعظيمه، والخضوع، والذل له، والوقوف مع أمره ونهيه [١٢٨ أ] ومحابه ومساخطه، فإذا كان في القلب وجد حلاوة الإيمان وذوق طعمه، فأغناه ذلك عن محبة الأنداد وتألهها، وإذا خلا القلب من ذلك احتاج إلى أن يستبدل به ما يهواه، ويتخذه إلهه، وهذا من تبديل الدين، وتغيير فطرة الله التي فطر عليها عباده.

قال تعالى: ﴿فأقم وجهك للدين حنيفا فطرت الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله﴾ [الروم: ٣٠]، أي: نفس خلق الله لا تبديل له، فلا يخلق الخلق إلا على الفطرة، كما أن خلقه للأعضاء على السلامة من الشق والقطع، ولا تبديل لنفس هذا الخلق، ولكن يقع التغيير في المخلوق بعد خلقه، كما قال النبي - صلى الله عليه وآله وسلم -: «كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه، وينصرانه، ويمجسانه، كما تنتج البيهمة بهيمة جمعاء، هل تحسون فيها من جدعاء؟ حتى تكونوا أنتم تجدعونها» (^١).

فالقلوب مفطورة على محبة إلهها وفاطرها وتألهه، فصرف ذلك التأله والمحبة إلى غيره تغيير للفطرة.

ولما تغيرت فطر الناس بعث الله الرسل بصلاحها، وردها إلى حالتها التي خلقت عليها، فمن استجاب لهم رجع إلى أصل الفطرة، ومن لم يستجب لهم استمر على تغيير الفطرة وفسادها.

(^١) أخرجه البخاري (١٣٨٥)، ومسلم (٢٦٥٨) عن أبي هريرة.

الجزء: 2 - الصفحة: 889

فصل

والفتنة بعشق الصور تنافي أن يكون دين العبد كله لله، بل ينقص من كون دينه لله بحسب ما حصل له من فتنة العشق، وربما أخرجت صاحبه من أن يبقى معه شيء من الدين لله، قال تعالى: ﴿وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله﴾ [الأنفال: ٣٩].

فناقض بين كون الفتنة وبين (^١) كون الدين كله لله فكل منهما يناقض الآخر.

والفتنة قد فسرت بالشرك.

فما حصلت به فتنة القلوب، فهو إما شرك، وإما من أسباب الشرك.

وهى جنس تحته أنواع من الشبهات والشهوات.

وفتنة الذين اتخذوا من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله: من أعظم الفتن.

ومنه فتنة أصحاب العجل، كما قال تعالى لموسى: ﴿فإنا قد فتنا قومك من بعدك وأضلهم السامري﴾ [طه: ٨٥].

وكذلك فتنة العشق من أعظم الفتن، قال تعالى: ﴿ومنهم من يقول ائذن لي ولا تفتني ألا في الفتنة سقطوا﴾ [التوبة: ٤٩]، نزلت في الجد بن قيس، لما غزا رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - تبوك قال له: «هل لك يا جد في جلاد بني الأصفر، تتخذ منهم السراري والوصفاء؟»، فقال جد: ائذن لي في القعود

(^١) م: «وهي»، وهو تحريف.

الجزء: 2 - الصفحة: 890

عنك، فقد عرف قومي أني مغرم بالنساء، وإني أخشى إن رأيت بنات الأصفر أن لا أصبر عنهن! فأنزل الله تعالى هذه الآية (^١).

قال ابن زيد (^٢): يريد: لا تفتني بصباحة وجوههن.

وقال أبو العالية (^٣): لا تعرضني للفتنة.

وقوله تعالى: ﴿ألا في الفتنة سقطوا﴾ [التوبة: ٤٩]، قال قتادة (^٤): ما سقط فيه من الفتنة بتخلفه عن رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - والرغبة بنفسه عنه أعظم.

فالفتنة التي فر منها بزعمه هي فتنة محبة النساء، وعدم صبره عنهن، والفتنة التي وقع فيها هي فتنة الشرك والكفر في الدنيا، والعذاب في الآخرة.

ولفظ الفتنة في كتاب الله تعالى يراد بها الامتحان الذي لم يفتتن صاحبه، بل خلص من الافتتان، ويراد بها الامتحان الذي حصل معه افتتان:

(^١) رواه ابن أبي حاتم في تفسيره (٩٦٠٠) عن جابر بن عبد الله بنحوه.
ورواه الطبراني في الكبير (٢/ ٢٧٥، ١٢/ ١٢٢)، والأوسط (٥٦٠٤)، عن ابن عباس.
وروي من أوجه متعددة مرسلا.
وانظر: السلسلة الصحيحة (٢٩٨٨). (^٢) لم أقف عليه.
ونقله القرطبي (٨/ ١٥٨) عن محمد بن إسحاق.
(^٣) ذكره الواحدي في البسيط (١٠/ ٤٧٨). (^٤) لم أقف عليه من كلام قتادة، وروى البيهقي في الدلائل (٥/ ٢١٣،٢١٤) ــ ومن طريقه ابن عساكر في تاريخ دمشق (٢/ ٣٢،٣٣) ــ من طريق ابن إسحاق عن عاصم بن عمر بن قتادة وعبد الله بن أبي بكر بن حزم ... فذكرا قصة الجد بن قيس، ثم قالا: فأنزل الله عز وجل: ﴿ومنهم من يقول ائذن لي ولا تفتني ألا في الفتنة سقطوا﴾، يقول: ما وقع فيه من الفتنة بتخلفه عن رسول الله ورغبته بنفسه عن نفسه أعظم مما يخاف من فتنة نساء بني الأصفر.
وانظر تفسير الطبري (١١/ ٤٩٢).

الجزء: 2 - الصفحة: 891

فمن الأول: قوله تعالى لموسى عليه السلام: ﴿وفتناك فتونا﴾ [طه: ٤٠].

ومن الثاني: قوله تعالى: ﴿وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة﴾ [الأنفال: ٣٩]، وقوله: ﴿ألا في الفتنة سقطوا﴾ [التوبة: ٤٩].

ويطلق على ما يتناول الأمرين، كقوله تعالى: ﴿الم (١) أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون (٢) ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين﴾ [العنكبوت: ١ - ٣]، ومنه قول موسى: ﴿إن هي إلا فتنتك تضل بها [١٢٧ أ] من تشاء وتهدي من تشاء﴾ [الأعراف: ١٥٥]، أي: امتحانك وابتلاؤك، أضل بها من وقع فيها، وهدي من نجا منها.

وتطلق الفتنة على أعم من ذلك، كقوله تعالى: ﴿إنما أموالكم وأولادكم فتنة﴾ [التغابن: ١٥].

قال مقاتل (^١): أي: بلاء وشغل عن الآخرة.

قال ابن عباس (^٢): فلا تطيعوهم في معصية الله تعالى.

وقال الزجاج (^٣): أعلمهم الله عز وجل أن الأموال والأولاد مما يفتنون به.

وهذا عام في جميع الأولاد، فإن الإنسان مفتون بولده، لأنه ربما عصى

(^١) أقوال المفسرين والتعليق عليها إلى قوله: «مضلات الفتن» مأخوذة من البسيط للواحدي (٢١/ ٤٨٧ ــ ٤٨٨) وقول مقاتل في تفسيره (٣/ ٣٧٠). (^٢) انظر: تفسير الرازي (٣٠/ ٢٥). (^٣) معاني القرآن (٥/ ١٨٢).

الجزء: 2 - الصفحة: 892

الله تعالى بسببه، وتناول الحرام لأجله، ووقع في العظائم، إلا من عصمه الله تعالى.

ويشهد لهذا ما روي أن النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - كان يخطب، فجاء الحسن والحسين، وعليهما قميصان أحمران يعثران، فنزل النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - إليهما، فأخذهما فوضعهما في حجره على المنبر، وقال: «صدق الله: ﴿إنما أموالكم وأولادكم فتنة﴾، رأيت هذين الصبيين فلم أصبر عنهما» (^١).

وقال ابن مسعود (^٢): لا يقولن أحدكم: اللهم إني أعوذ بك من الفتنة، فإنه ليس أحد منكم إلا وهو مشتمل على فتنة، لأن الله تعالى يقول: ﴿إنما أموالكم وأولادكم فتنة﴾، فأيكم استعاذ فليستعذ بالله تعالى من مضلات الفتن.

(^١) رواه ابن أبي شيبة (٦/ ٣٧٩)، وأحمد (٥/ ٣٥٤)، وأبو داود (١١١١)، والترمذي (٣٧٧٤)، والنسائي (١٤١٣، ١٥٨٥)، وابن ماجه (٣٦٠٠)، وغيرهم من طريق الحسين بن واقد عن عبد الله بن بريدة عن أبيه، قال الترمذي: «حديث حسن غريب، إنما نعرفه من حديث الحسين بن واقد»، وصححه ابن خزيمة (١٤٥٦، ١٨٠١)، وابن حبان (٦٠٣٨، ٦٠٣٩)، والحاكم (١٠٥٩، ٧٣٩٦)، والنووي في الخلاصة (٢/ ٨٠٤)، وابن عبد الهادي في التنقيح (١٢٩٥)، وهو في صحيح سنن أبي داود (١٠١٦). (^٢) رواه الطبري في تفسيره (١٥٩١٢، ١٥٩٣٤)، وابن أبي حاتم في تفسيره (٨٩٨٤)، والطبراني في الكبير (٩/ ١٨٩)، وعزاه في الدر المنثور (٤/ ٥٠، ٨/ ١٨٥) لأبي الشيخ وابن المنذر، قال الهيثمي في المجمع (٧/ ٤٤٩): «إسناده منقطع، وفيه المسعودي وقد اختلط».

الجزء: 2 - الصفحة: 893

ومنه قوله تعالى: ﴿وجعلنا بعضكم لبعض فتنة﴾ [الفرقان: ٢٠]، وهذا عام في جميع الخلق، امتحن بعضهم ببعض:

فامتحن الرسل بالمرسل إليهم ودعوتهم إلى الحق، والصبر على أذاهم، وتحمل المشاق في تبليغهم رسالات ربهم.

وامتحن المرسل إليهم بالرسل، وهل يطيعونهم، وينصرونهم، ويصدقونهم؟ أم يكفرون بهم، ويردون عليهم، ويقاتلونهم؟

وامتحن العلماء بالجهال، يعلمونهم، وينصحونهم، ويصبرون على تعليمهم، ونصحهم، وإرشادهم، ولوازم ذلك.

وامتحن الجهال بالعلماء، هل يطيعونهم، ويهتدون بهم؟

وامتحن الملوك بالرعية، والرعية بالملوك.

وامتحن الأغنياء بالفقراء، والفقراء بالأغنياء.

وامتحن الضعفاء بالأقوياء، والأقوياء بالضعفاء.

والسادة بالأتباع، والأتباع بالسادة.

وامتحن المالك بمملوكه، ومملوكه به.

وامتحن الرجل بامرأته، وامرأته به.

وامتحن الرجال بالنساء، والنساء بالرجال.

والمؤمنين بالكفار، والكفار بالمؤمنين.

وامتحن الآمرين بالمعروف بمن يأمرونهم، وامتحن المأمورين بهم.

ولذلك كان فقراء المؤمنين وضعفاؤهم من أتباع الرسل فتنة لأغنيائهم ورؤسائهم، امتنعوا من الإيمان بعد معرفتهم بصدق الرسل، وقالوا: ﴿لو كان

الجزء: 2 - الصفحة: 894

خيرا ما سبقونا إليه﴾ [الأحقاف: ١١] هؤلاء، وقالوا لنوح: ﴿أنؤمن لك واتبعك الأرذلون﴾ [الشعراء: ١١١].

قال تعالى: ﴿وكذلك فتنا بعضهم ببعض ليقولوا أهؤلاء من الله عليهم من بيننا﴾ [الأنعام: ٥٣]، فإذا رأى الشريف الرئيس المسكين الذليل قد سبقه إلى الإيمان ومتابعة الرسول حمي وأنف أن يسلم فيكون مثله، وقال: أسلم فأكون أنا وهذا الوضيع على حد سواء!

قال الزجاج (^١): كان الرجل الشريف ربما أراد الإسلام، فيمتنع منه لئلا يقال: أسلم قبله من هو دونه، فيقيم على كفره، لئلا يكون للمسلم السابقة عليه في الفضل.

ومن كون بعض الناس لبعضهم فتنة أن الفقير يقول: لم لم أكن مثل الغني؟ ويقول الضعيف: هلا كنت مثل القوي؟ ويقول المبتلى: هلا كنت مثل المعافى؟ وقال الكفار: ﴿لن نؤمن حتى نؤتى مثل ما أوتي رسل الله﴾ [الأنعام: ١٢٤].

قال مقاتل (^٢): نزلت في

فصول الكتاب · 55 فصل
إغاثة اللهفان في مصايد الشيطان
تأليف ابن القيم
تقدّمك في الكتاب: العشق أعظم مما بالمجانين — 32 من 55
فصول إغاثة اللهفان في مصايد الشيطان
مقدمة الكتابالمقدمةمقدمة التحقيقالباب الأول في انقسام القلوب إلى صحيح وسقيم وميتالباب الثاني في ذكر حقيقة مرض القلبالباب الثالث في انقسام أدوية أمراض القلب إلى قسمين: طبعية وشرعيةالباب الرابع في أن حياة القلب وإشراقه مادة كل خير فيه وموته وظلمته مادة كل شر فيهالباب الخامس في أن حياة القلب وصحته لا تحصل إلا بأن يكون مدركا للحق مريدا له، مؤثرا له على غيرهالباب السادس أنه لا سعادة للقلب ولا لذة ولا نعيم ولا صلاح إلا بأن يكون إلهه وفاطره وحده هو معبوده وغاية مطلوبه، وأحب إليه من كل ما سواهالباب السابع في أن القرآن متضمن لأدوية القلب وعلاجه من جميع أمراضهالباب الثامن في زكاة القلبالباب التاسع في طهارة القلب من أدرانه ونجاساتهالباب العاشر: في علامات مرض القلب وصحتهالباب الثاني عشر في علاج مرض القلب بالشيطانالباب الثالث عشر في مكايد الشيطان التي يكيد بها ابن آدمالمقدمةمذهب أشهب المالكي: أنه لا يقع عليه الطلاق بفعلها ويقع عليه بفعل غيرهاالتزام التطليق لا يوجب وقوع الطلاقبطلان الاحتجاج بحديث بلال على جواز بيع العينة ومثله إذا قال: بع هذا القطن واشتر بثمنه ثياب قطن ونحو ذلكفصل وأما استدلالكم بالمعاريض على جواز الحيل«ليس بكاذب من أصلح بين الناس ، فكذب فيه» (^٢)؟الملائكة إنما تنفذ أمر الله الواحد القهارالله المدبر أمرا وإذنا ومشيئة. والملائكة المدبرات مباشرة وامتثالافصل: أصل المحبة المحمودة: هي محبة الله وحده المتضمنة لعبادته دون ما سواهدعوة ذي النون لم يدع بها مسلم في شيء إلا استجيب لهقد قيل: إن فساد القصد من فساد العلمالمحبة مع الله: أصل الشركتبديل الدين من اتباع الأقوال الخاطئة والظنون الكاذبة، والأهواء الغالبةإذا شغف القلب بمحبة غير الله كان فيه من التعبد له بقدر ذلكسلطان الشيطان على الذين يتولونه من الغاوين أتباع الهوى والشهواتأصل الغي من الحب لغير اللهالعشق أعظم مما بالمجانينقول قوم نوح: ﴿أنؤمن لك واتبعك الأرذلون﴾قرن الله الفتنة بالصبر في سورة الفرقان وفي سورة النملفصل: الفتنة نوعان: فتنة الشبهات وفتنة الشهواتأصل كل فتنة تقديم الرأي على الشرع وتقديم الهوى على العقلالبصائر: جمع بصيرة، وهى فعيلة بمعنى مفعلةقوله: ﴿وآتينا ثمود الناقة مبصرة﴾ ومعناهااتصال الهدى بالرحمة في حق المؤمنينوسع ربنا كل شيء رحمة وعلماقوله في سورة الأحزاب: ﴿ولما رأى المؤمنون الأحزاب قالوا هذا ما وعدنا الله ورسوله﴾قول الله تعالى: ﴿قل لن ينفعكم الفرار إن فررتم من الموت أو القتل. . .﴾محبة المخلوق إذا لم تكن لله فهي عذاب للمحب ووبالفصل فى بيان كيد الشيطان لنفسه، قبل كيده للأبوينكانت قريش وجميع العرب تعظم اللات ويسمون تيم اللاتالمشبه الله بغيره إن قصد التعظيم لم يكن تعظيما(من) لا تدخل إلا على مفعول لا مفعول دونهمن الصابئة من يوافق المسلمين في صوم رمضان واستقبال الكعبة والحج وغير ذلكالحكمة التي جاءت بها الرسلأرسطو معطل مشرك جاحد للنبواتالنصير الطوسي وزير هولاكو نصير الشرك والكفرثم كان لهم مجمع عاشر:وأما تلاعبه بهم في صلاتهم فمن وجوه:هم أبدا يعتقدون الصواب والحق مع من يشدد ويضيقأعز ما صادفه الإسلام من هذه الأمة: يهود خيبر، والمدينة
جارٍ التحميل