فتح المجيد شرح كتاب التوحيدصفحات 425-446
أهل الأثرالأرشيف العلمي

باب " ما جاء في السحر"

صفحات 425-446
عن هذه الطبعة
عَلَم
عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ
الكتاب
فتح المجيد شرح كتاب التوحيد
المؤلف
عبد الرحمن بن حسن بن محمد بن عبد الوهاب بن سليمان التميمي (المتوفى: 1285هـ)
المحقق
محمد حامد الفقي
الناشر
مطبعة السنة المحمدية، القاهرة، مصر
الطبعة
السابعة، 1377هـ/1957م [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]

قوله: "وفي رواية: " لا تسبوا الدهر؛ فإن الله هو الدهر ". معنى هذه الرواية: هو ما صرح به في الحديث من قوله: " وأنا الدهر; أقلب الليل والنهار ". يعني أن ما يجري فيه من خير وشر بإرادة الله وتدبيره، بعلم منه تعالى وحكمة، لا يشاركه في ذلك غيره.
ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، فالواجب عند ذلك حمده في الحالتين، وحسن الظن به سبحانه وبحمده، والرجوع إليه بالتوبة والإنابة، كما قال تعالى: ﴿وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ 1. وقال تعالى: ﴿وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ 2. ونسبة الفعل إلى الدهر ومسبته كثيرة، كما في أشعار المولدين، كابن المعتز والمتنبي وغيرهما.
وليس منه وصف السنين بالشدة ونحو ذلك كقوله تعالى: ﴿ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ﴾ 3 الآية.
وقال بعض الشعراء: إن الليالي من الزمان مهولة ... تطوى وتنشر بينها الأعمار فقصارهن مع الهموم طويلة ... وطوالهن مع السرور قصار وقال أبو تمام: أعوام وصل كاد يُنسى طيبها ... ذكري النوى فكأنها أيام ثم انبرت أيام هجر أعقبت ... نحوي أسى فكأنها أعوام ثم انقضت تلك السنون وأهلها ... فكأنها وكأنهم أحلام

بااب: التسمي بقاضي القضاة ونحوه

... باب: "التسمي بقاضي القضاة ونحوه" في الصحيح عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " إن أخنع اسم عند الله رجل تسمى ملك الأملاك، لا مالك إلا الله " 1. قوله: "باب التسمي بقاضي القضاة ونحوه".
ذكر المصنف -رحمه الله- هذه الترجمة إشارة إلى النهي عن التسمي بقاضي القضاة قياسا 1 البخاري: الأدب (6206) , ومسلم: الآداب (2143) , والترمذي: الأدب (2837) , وأبو داود: الأدب (4961) , وأحمد (2/244) .

على ما في حديث الباب؛ لكونه شبهه في المعنى فينهى عنه.
قوله: "في الصحيح عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " إن أخنع اسم عند الله رجل تسمى ملك الأملاك، لا مالك إلا الله " 1. لأن هذا اللفظ إنما يصدق على الله تعالى، فهو ملك الأملاك لا ملك أعظم ولا أكبر منه، مالك الملك ذو الجلال والإكرام.
وكل ملك يؤتيه الله من يشاء من عباده فهو عارية يسرع ردها إلى المعير، وهو الله تعالى، ينزع الملك من ملكه تارة وينزع الملك قال سفيان: " مثل شاهان شاه".
منه تارة2 فيصير لا حقيقة له سوى اسم زال مسماه.
وأما رب العالمين فملكه دائم كامل لا انتهاء له، بيده القسط يخفضه ويرفعه; ويحفظ على عباده أعمالهم بعلمه سبحانه وتعالى، وما تكتبه الحفظة عليهم، فيجازي كل عامل بعمله إن خيرا فخير وإن شرا فشر.
كما ورد في الحديث: " اللهم لك الحمد كله، ولك الملك كله، وبيدك الخير كله، وإليك يرجع الأمر كله، أسألك من الخير كله، وأعوذ بك من الشر كله "3.

قوله: "قال سفيان" يعني ابن عيينة "مثل شاهنشاه1 " عند العجم عبارة عن

ملك الأملاك.
ولهذا مثل به سفيان؛ لأنه عبارة عنه بلغة العجم.

.وفي رواية: " أغيظ رجل على الله يوم القيامة وأخبثه " 1. قوله: " أخنع " يعني أوضع.

قوله: "وفي رواية " أغيظ رجل على الله وأخبثه ". قوله: "أغيظ" من الغيظ وهو مثل الغضب والبغض، فيكون بغيضا إلى الله مغضوبا عليه1.
والله أعلم.
قوله: "وأخبثه" وهو يدل أيضا على أن هذا خبيث عند الله، فاجتمعت في حقه هذه الأمور لتعاظمه في نفسه وتعظيم الناس له بهذه الكلمة التي هي من أعظم التعظيم، فتعظمه في نفسه وتعظيم الناس له بما ليس له بأهل، وضعه عند الله يوم القيامة، فصار أخبت الخلق وأبغضهم إلى الله وأحقرهم؛ لأن الخبيث البغيض عند الله يكون يوم القيامة أحقر الخلق وأخبثهم، لتعاظمه في نفسه على خلق الله بنعم الله.
قوله: "أخنع: يعني أوضع"2 هذا هو معنى "أخنع"، فيفيد ما ذكرنا في معنى "أغيظ" أنه يكون حقيرا بغيضا عند الله.
فيه مسائل: الأولى: النهي عن التسمي بملك الأملاك.
الثانية: إن ما في معناه مثله كما قال سفيان.
الثالثة: التفطن للتغليظ في هذا ونحوه، مع القطع بأن القلب لم يقصد معناه.
الرابعة: التفطن أن هذا لأجل الله سبحانه.
وفيه التحذير من كل ما فيه تعاظم.
كما أخرج أبو داود عن أبي مجلز قال: خرج معاوية رضي الله عنه على ابن الزبير وابن عامر، فقام ابن عامر وجلس ابن الزبير.
فقال معاوية لابن عامر: اجلس; فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " من أحب أن يتمثل له الرجال قياما، فليتبوأ مقعده من النار " 3. وأخرجه الترمذي أيضا، وقال: حسن.
وعن أبي أمامة رضي الله عنه قال: " خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم متكئا على عصا، فقمنا إليه.
فقال: لا تقوموا كما تقوم الأعاجم، يعظم بعضهم بعضا " 4. رواه أبو داود.
قوله: "أغيظ رجل" هذا من الصفات التي تمر كما جاءت، وليس شيء مما ورد في الكتاب والسنة إلا ويجب اتباع الكتاب والسنة في ذلك، وإثباته على وجه يليق بجلال الله وعظمته تعالى، إثباتا بلا تمثيل وتنزيها بلا تعطيل كما تقدم، والباب كله واحد.
وهذا هو قول أهل السنة والجماعة من الصحابة والتابعين فمن بعدهم من الفرق الناجية من الثلاث والسبعين فرقة.
وهذا التفرق والاختلاف إنما حدث في أواخر القرن الثالث وما بعده، كما لا يخفى على من له معرفة بما وقع في الأمة من التفرق والاختلاف والخروج عن الصراط المستقيم، والله المستعان.

باب: " احترام أسماء الله تعالى وتغيير الاسم لأجل ذلك"

عن أبي شريح أنه كان يكنى أبا الحكم.
فقال له النبي صلى الله عليه وسلم " إن الله هو الحَكَم، وإليه الحُكْمُ.
قوله: "باب احترام أسماء الله تعالى وتغيير الاسم لأجل ذلك".
"عن أبي شريح أنه كان يكنى أبا الحكم.
فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: "

إن الله هو الحكم وإليه الحكم، فقال: إن قومي إذا اختلفوا في شيء أتوني فحكمت بينهم فرضي كلا الفريقين.
فقال: ما أحسن هذا! فما لك من الولد؟ قلت: شريح ومسلم وعبد الله.
قال: فمن أكبرهم؟ قلت: شريح.
قال: فأنت أبو شريح " 1. رواه أبو داود وغيره".
قوله: "عن أبي شريح" قال في خلاصة التذهيب: هو أبو شريح الخزاعي اسمه خويلد بن عمرو2 أسلم يوم الفتح، له عشرون حديثا، اتفقا على حديثين وانفرد البخاري بحديث، وروى عنه أبو سعيد المقبري ونافع بن جبير وطائفة.
قال ابن سعد: مات بالمدينة سنة ثمان وستين.
وقال الشارح: اسمه هانئ بن يزيد الكندي قاله الحافظ.
وقيل: الحارث الضبابي قاله المزي.
قوله: "يكنى" الكنية ما صدر بأب أو أم ونحو ذلك واللقب ما ليس كذلك3 كزين العابدين ونحوه.
وقول النبي صلى الله عليه وسلم: " إن الله هو الحكم وإليه الحكم ". فهو سبحانه الحكم في الدنيا والآخرة، يحكم بين خلقه في الدنيا بوحيه الذي أنزل على أنبيائه ورسله، وما من قضية إلا ولله فيها حكم بما أنزل على نبيه من الكتاب والحكمة، وقد يسر الله معرفة أكثر ذلك لأكثر العلماء من هذه الأمة; فإنها لا تجتمع على ضلالة؛ فإن العلماء وإن اختلفوا في بعض الأحكام فلا بد أن يكون المصيب فيهم واحدا، فمن رزقه الله تعالى قوة الفهم، وأعطاه ملكة يقتدر بها على فهم الصواب من أقوال العلماء يسر له ذلك بفضله ومنه عليه وإحسانه إليه، فما أجلها من عطية! فنسأل الله من فضله.
قوله: "وإليه الحكم في الدنيا والآخرة" كما قال تعالى: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ 4. وقال: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً﴾ 5. فالحكم إلى الله هو الحكم إلى كتابه، والحكم إلى رسوله هو الحكم إليه في حياته وإلى سنته بعد وفاته.
6

1 وقد قال صلى الله عليه وسلم لمعاذ لما بعثه إلى اليمن: " بم تحكم؟ قال: بكتاب الله.
قال: فإن لم تجد؟ قال: بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
قال: فإن لم تجد؟ قال: أجتهد رأيي.
فقال: الحمد لله الذي وفق رسول رسول الله إلى ما يرضي رسول الله " 2. فمعاذ من أجل علماء الصحابة بالأحكام ومعرفة الحلال من الحرام، ومعرفة أحكام الكتاب والسنة.
ولهذا ساغ له الاجتهاد إذا لم يجد للقضية حكما في كتاب الله، ولا في سنة رسوله صلى الله عليه وسلم، بخلاف ما يقع اليوم وقبله من أهل التفريط في الأحكام ممن يجهل حكم الله في كتابه وسنة رسوله، فيظن أن الاجتهاد يسوغ له مع الجهل بأحكام الكتاب والسنة وهيهات.
3 فقال: إن قومي إذا اختلفوا في شيء أتوني فحكمت بينهم، فرضي كلا الفريقين.
فقال: ما أحسن هذا! فما لك من الولد؟ قال: شريح، ومسلم، وعبد الله.
قال: فمن أكبرهم؟ قلت: شريح.
قال: فأنت أبو شريح "4 رواه أبو داود وغيره.
وأما يوم القيامة فلا يحكم بين الخلق إلا الله عز وجل إذا نزل لفصل القضاء بين العباد، فيحكم بين خلقه بعلمه، وهو الذي لا يخفى عليه خافية من أعمال خلقه: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْراً عَظِيماً﴾ 5. والحكم يوم القيامة إنما هو بالحسنات والسيئات، فيؤخذ للمظلوم من الظالم من حسناته بقدر ظلامته إن كان له حسنات، وإن لم يكن له حسنات أخذ من سيئات المظلوم، فطرح على سيئات الظالم لا يزيد على هذا مثقال ذرة، ولا ينقص هذا عن حقه بمثقال ذرة.
قوله: "فإن قومي إذا اختلفوا في شيء أتوني فحكمت بينهم فرضي كلا الفريقين فقال: ما أحسن هذا! ". فالمعنى- والله أعلم- أن أبا شريح لما عرف منه قومه أنه صاحب إنصاف وتحر للعدل بينهم ومعرفة ما يرضيهم من الجانبين صار عندهم مرضيا وهذا هو الصلح؛ لأن مداره على الرضى لا على الإلزام.
ولا على الكهان وأهل الكتاب من اليهود والنصارى، ولا على الاستناد إلى أوضاع أهل الجاهلية من أحكام كبرائهم وأسلافهم التي

تخالف حكم الكتاب والسنة، كما قد يقع اليوم كثيرا، كحال الطواغيت الذين لا يلتفتون إلى حكم الله ولا إلى حكم رسوله، وإنما المعتمد عندهم ما حكموا به بأهوائهم وآرائهم.
1 فيه مسائل: الأولى: احترام أسماء الله وصفاته، ولو لم يقصد معناه.
الثانية: تغيير الاسم لأجل ذلك.
الثالثة: اختيار أكبر الأبناء للكنية.
وقد يلتحق بهذا بعض المقلدة لمن لم يسغ تقليده، فيعتمد على قول من قلده ويترك ما هو الصواب الموافق لأصول الكتاب والسنة.
والله المستعان.
وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: " فما لك من الولد؟ قال: شريح، ومسلم، وعبد الله.
قال: فمن أكبرهم؟ قلت: شريح.
قال: فأنت أبو شريح ". فيه تقديم الأكبر في الكنية وغيرها غالبا.
وجاء هذا المعنى في غير ما حديث والله أعلم.

باب: " من هزل بشيء فيه ذكر الله أو القرآن أو الرسول"

وقول الله تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ﴾ 1.
قوله: "باب من هزل بشيء فيه ذكر الله أو القرآن أو الرسول" أي فقد كفر.
1 سورة التوبة آية: 65.

قوله: "وقول الله تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ﴾ . قال العماد ابن كثير -رحمه الله- في تفسيره: قال أبو معشر المدني عن محمد بن كعب القرظي وغيره قالوا: " قال رجل من المنافقين: ما أرى مثل قرائنا هؤلاء؟ أرغبنا بطونا1 وأكذبنا ألسنًا، وأجبننا عند اللقاء، فرفع ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد ارتحل وركب ناقته، فقال: يا رسول الله إنما كنا نخوض ونلعب، ونتحدث حديث الركب نقطع به عنا الطريق، فقال: ﴿أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ﴾ . وإن رجليه ليسفعان2 الحجارة، وما يلتفت إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو متعلق بنِسْعَة ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم "3. عن ابن عمر ومحمد بن كعب، وزيد بن أسلم وقتادة - دخل حديث بعضهم في بعض - أنه قال رجل في غزوة تبوك: "ما رأينا مثل قرائنا هؤلاء أرغب بطونا، ولا أكذب ألسنًا، ولا أجبن عند اللقاء، يعني رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه القراء.
فقال له عوف بن مالك: كذبت، ولكنك منافق، لأخبرن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
فذهب عوف إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ليخبره، فوجد القرآن قد سبقه.
فجاء ذلك الرجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد ارتحل وركب ناقته، فقال: يا رسول الله، إنما كنا نخوض ونتحدث حديث الركب نقطع به عنا الطريق.
قال ابن عمر: كأني أنظر إليه متعلقا بنسعة ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإن الحجارة تنكب رجليه، وهو يقول: إنما كنا نخوض ونلعب.
فيقول له رسول الله صلى الله عليه وسلم: ﴿أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ ل وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ اتَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ ، ما يلتفت إليه وما يزيده عليه ". وقال عبد الله بن وهب: أخبرني هشام بن سعد عن زيد بن أسلم عن عبد الله بن عمر قال: " قال رجل في غزوة تبوك في مجلس: ما رأينا مثل قرائنا هؤلاء أرغب بطونا، ولا أكذب ألسنا، ولا أجبن عند اللقاء.
فقال رجل في المجلس: كذبت، ولكنك منافق، لأخبرن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
فبلغ ذلك رسول الله

صلى الله عليه وسلم ونزل القرآن، قال عبد الله بن عمر: وأنا رأيته متعلقا بحِقْب ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم تنكبه الحجارة، وهو يقول يا رسول الله إنما كنا نخوض ونلعب، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ﴿وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ 1 " 2. وقد رواه الليث عن هشام بن سعد بنحو هذا.
وقال ابن إسحاق: "وقد كان جماعة من المنافقين منهم: وديعة بن ثابت أخو بني أمية بن زيد بن عمرو بن عوف، ورجل من أشجع حليف لبني سلمة يقال له مخشي بن حمير، يشيرون إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو منطلق إلى تبوك، فقال بعضهم لبعض: أتحسبون جلاد بنى الأصفر كقتال العرب بعضهم بعضا؟ والله لكأنا بكم غدا مقرنين في الجبال، إرجافا وترهيبا للمؤمنين.
فقال مخشي بن حمير: والله لوددت أني أقاضي على أن يُضْرَب كل رجل منا مائة جلدة; وأنا نتفلت أن ينزل فينا قرآن لمقالتكم هذه، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما بلغني لعمار بن ياسر: أدرك القوم فإنهم قد احترقوا، فسلهم عما قالوا، فإن أنكروا فقل: بل قلتم: كذا وكذا وكذا، فانطلق إليهم عمار، فقال ذلك لهم، فأتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم يعتذرون إليه.
فقال وديعة بن ثابت - ورسول الله واقف على راحلته- فجعل يقول وهو آخذ بحقها: يا رسول الله إنما كنا نخوض ونلعب.
فقال مخشي بن حمير: يا رسول الله قعد بي اسمي واسم أبي، فكان الذي عناه أي بقوله تعالى: ﴿نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةَ﴾ 3 في هذه الآية: مخشي ابن حمير فسمي عبد الرحمن، وسأل الله أن يقتل شهيدا لا يُعلم بمكانه، فقتل يوم اليمامة فلم يوجد له أثر".
وقال عكرمة في تفسير هذه الآية: "كان رجل ممن إن شاء الله عفا عنه يقول: اللهم إني أسمع آية أنا أعني بها تقشعر منها الجلود، وتجل منها القلوب.
اللهم فاجعل وفاتي قتلا في سبيلك، لا يقول أحد أنا غسلت، أنا كفنت، أنا دفنت.
قال: فأصيب يوم اليمامة، فما أحد من المسلمين إلا وقد وجد غيره".

وقوله: ﴿لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ 1 أي بهذه المقالة التي استهزأتم بها ﴿إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ﴾ أي مخشي بن حمير ﴿نُعَذِّبْ طَائِفَةَ﴾ أي لا يعفى عن جميعكم، ولا بد من عذاب بعضكم ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ﴾ 2 أي بهذه المقالة الفاجرة الخاطئة.
انتهى.
قال شيخ الإسلام: " وقد أمره الله تعالى أن يقول لهم: ﴿قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ 3 وقول من يقول: إنهم كفروا بعد إيمانهم بلسانهم مع كفرهم أولا بقلوبهم لا يصح؛ لأن الإيمان باللسان مع كفر القلب قد قارنه الكفر، فلا يقال: قد كفرتم بعد إيمانكم؛ فإنهم لم يزالوا كافرين في نفس الأمر، وإن أريد أنكم أظهرتم الكفر بعد إظهاركم الإيمان، فهم لم يظهروا للناس إلا لخواصهم، وهم مع خواصهم ما زالوا كذلك، ولا يدل اللفظ على أنهم ما زالوا منافقين".
وقال -رحمه الله- في موضع آخر: فقد أخبر أنهم كفروا بعد إيمانهم مع قولهم: إنما تكلمنا بالكفر من غير اعتقاد له; بل إنما كنا نخوض ونلعب.
وبين أن الاستهزاء بآيات الله كفر.
ولا يكون هذا إلا ممن شرح صدرا بهذا الكلام، ولو كان الإيمان في قلبه لمنعه أن يتكلم بهذا الكلام، والقرآن يبين أن إيمان القلب يستلزم العمل الظاهر بحسبه.
كقوله تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ﴾ 4 - إلى قوله -: ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ 5. فنفى الإيمان عمن تولى عن طاعة الرسول، وأخبر أن المؤمنين إذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم سمعوا وأطاعوا، فبين أن هذا من لوازم الإيمان".
انتهى.
وفيه: بيان أن الإنسان قد يكفر بكلمة يتكلم بها أو عمل يعمل به6 وأشدها خطرا

فيه مسائل: الأولى: وهي العظيمة أن من هزل بهذا إنه كافر.
الثانية: أن هذا هو تفسير الآية فيمن فعل ذلك كائنا من كان.
الثالثة: الفرق بين النميمة وبين النصيحة لله ولرسوله.
الرابعة: الفرق بين العفو الذي يحبه الله وبين الغلظة على أعداء الله.
الخامسة: أن من الاعتذار ما لا ينبغي أن يقبل.
إرادات القلوب.
فهي كالبحر الذي لا ساحل له.
ويفيد الخوف من النفاق الأكبر؛ فإن الله تعالى أثبت لهؤلاء إيمانا قبل أن يقولوا ما قالوه، كما قال ابن أبي مليكة: " أدركت ثلاثين من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كلهم يخاف النفاق على نفسه " 1. نسأل الله السلامة والعفو والعافية في الدنيا والآخرة.

باب: قول الله تعالى: ﴿وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ رَحْمَةً مِنَّا مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ هَذَا لِي وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلَى رَبِّي إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنَى فَلَنُنَبِّئَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِمَ ا عَمِلُوا وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ﴾ 1.
قال مجاهد: " هذا بعملي وأنا محقوق به ". وقال ابن عباس: "يريد من عندي".
وقوله: ﴿قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي﴾ 2.
قال قتادة: " على علم مني بوجوه المكاسب ". قوله: "باب قول الله تعالى: ﴿وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ رَحْمَةً مِنَّا مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ﴾ " الآية.
ذكر المصنف -رحمه الله تعالى- عن ابن عباس وغيره من المفسرين في معنى هذه الآية، وما بعدها ما يكفي في المعنى ويشفي.
قوله: "قال مجاهد: " هذا بعملي وأنا محقوق به ". وقال ابن عباس: " يريد من عندي".
وقوله: ﴿قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي﴾ . قال قتادة: " على علم مني بوجوه المكاسب ". وقال آخرون: " على علم من الله أني له أهل ". وهذا معنى قول مجاهد: أوتيته على شرف".
وليس فيما ذكروه اختلاف وإنما هي أفراد المعنى.
قال العماد ابن كثير -رحمه الله- في معنى قوله تعالى: ﴿إِذَا خَوَّلْنَاهُ نِعْمَةً مِنَّا قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ بَلْ هِيَ فِتْنَةٌ﴾ 3.
" يخبر أن الإنسان في حال الضر يضرع إلى الله تعالى وينيب إليه 1 سورة فصلت آية: 50.
2 سورة القصص آية: 78.
3 سورة الزمر آية: 49.

ويدعوه، ثم إذا خوله نعمة منه طغى وبغى و ﴿قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ﴾ أي لما يعلم الله من استحقاق له، ولولا أني عند الله حظيظ لما خولني هذا1.
قال تعالى: ﴿بَلْ هِيَ فِتْنَةٌ﴾ 2 أي ليس الأمر كما زعم، بل إنما أنعمنا عليه بهذه النعمة لنختبره فيما أنعمنا عليه أيطيع أم يعصي؟ مع علمنا المتقدم بذلك ﴿بَلْ هِيَ فِتْنَةٌ﴾ 3 أي اختبار ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ 4 فلهذا يقولون ما يقولون، ويدعون ما يدعون ﴿قَدْ قَالَهَا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ 5 أي قد قال هذه المقالة وزعم هذا الزعم، وادعى هذه الدعوى كثير ممن سلف من الأمم ﴿فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ 6 أي فما صح قولهم، ولا نفعهم جمعهم، وما كانوا يكسبون.
كما قال تعالى مخبرا عن قارون: ﴿إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْفَرِحِينَوَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَقَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعاً وَلا يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ﴾ 7. وقال تعالى: ﴿وَقَالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالاً وَأَوْلاداً وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ 8". اهـ. "وعن أبي هريرة رضي الله عنه أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إن ثلاثة ... " 9 الحديث.
10

"أخرجاه" أي البخاري ومسلم.
والناقة العشراء- بضم العين وفتح الشين وبالمد- هي الحامل.
قوله: "فأنتج" وفي رواية: "فنتج" معناه تولى نتاجها، والناتج للناقة كالقابلة للمرأة.
فقال: أي شيء أحب إليك؟ قال: لون حسن، وجلد حسن، ويذهب عني الذي قذرني الناس به.
قال: فمسحه فذهب عنه قذره، فأعطي لونا حسنا وجلدا حسنا.
قال: فأي المال أحب إليك؟ قال: الإبل أو البقر- شك إسحاق- فأعطي ناقة عُشَراء، وقال: بارك الله لك فيها.
قال فأتى الأقرع فقال: أي شيء أحب إليك؟ قال: شعر حسن، ويذهب عني الذي قد قذرني الناس به.
فمسحه فذهب عنه، وأعطي شعرا حسنا.
فقال: أي المال أحب إليك؟ قال: البقر أو الإبل.
فأعطي بقرة حاملا.
قال: بارك الله لك فيها.
فأتى الأعمى، فقال: أي شيء أحب إليك؟ قال: أن يرد الله إلي بصري فأبصر به الناس.
فمسحه فرد الله إليه بصره.
قال: فأي المال أحب إليك؟ قال: الغنم.
فأعطي شاة والدا.
فأنتج هذان وولد هذا.
فكان لهذا واد من الإبل، ولهذا واد من البقر، ولهذا واد من الغنم.
قال: ثم إنه أتى الأبرص في صورته وهيئته.
فقال: رجل مسكين قد انقطعت بي الحبال في سفري فلا بلاغ لي اليوم إلا بالله ثم بك، أسألك بالذي أعطاك اللون الحسن والجلد الحسن والمال بعيرا أتبلَّغ به في سفري، فقال: الحقوق كثيرة.
فقال: كأني أعرفك، ألم تكن أبرص قوله: "ولّد هذا" هو بتشديد اللام، أي تولى ولادتها، وهو بمعنى "أنتج" في الناقة، فالمولد والناتج والقابلة بمعنى واحد، لكن هذا للحيوان، وذلك لغيره.
وقوله: "انقطعت بي الحبال" هو بالحاء المهملة والباء الموحدة: هي الأسباب.
قوله: "لا أجهدك" معناه: لا أشق عليك في رد شيء تأخذ، أو تطلب من مالي.
ذكره النووي.
وهذا الحديث عظيم، وفيه معتبر: فإن الأولين جحدا نعمة الله، فما أقرا لله بنعمة، ولا نسبا النعمة إلى المنعم بها، ولا أديا حق الله فيها فحل عليهما السخط.
وأما الأعمى

فاعترف بنعمة الله، ونسبها إلى من أنعم عليه بها، وأدى حق الله فيها، فاستحق الرضا من الله بقيامه بشكر النعمة لما أتى بأركان الشكر الثلاثة التي لا يقوم الشكر إلا بها.
وهي الإقرار بالنعمة ونسبتها إلى المنعم وبذلها فيما يجب.
يقذرك الناس فقيرا، فأعطاك الله عز وجل المال.
فقال: إنما ورثت هذا المال كابرا عن كابر.
فقال: إن كنت كاذبا فصيرك الله إلى ما كنت.
وأتى الأقرع في صورته، فقال له مثل ما قال لهذا، ورد عليه مثل ما رد عليه هذا.
فقال: إن كنت كاذبا فصيرك الله إلى ما كنت.
قال: وأتى الأعمى في صورته، فقال: رجل مسكين وابن سبيل، قد انقطعت بي الحبال في سفري.
فلا بلاغ لي اليوم إلا بالله ثم بك.
أسألك بالذي رد عليك بصرك شاة أتبلغ بها في سفري.
فقال: قد كنت أعمى فرد الله إلي بصري، فخذ ما شئت ودع ما شئت، فوالله لا أجهدك اليوم بشيء أخذته لله.
فقال: أمسك مالك، فإنما ابتُليتم، فقد رضي الله عنك وسخط على صاحبيك " أخرجاه.
فيه مسائل: قال العلامة ابن القيم -رحمه الله-: 1 " أصل الشكر هو الاعتراف بإنعام المنعم على وجه الخضوع له، والذل والمحبة، فمن لم يعرف النعمة بل كان جاهلا بها لم يشكرها، ومن عرفها ولم يعرف المنعم بها لم يشكرها أيضا، ومن عرف النعمة والمنعم لكن جحدها كما يجحد المنكر لنعمة المنعم عليه بها فقد كفرها، ومن عرف النعمة والمنعم بها، وأقر بها ولم يجحدها، ولكن لم يخضع له ولم يحبه ويرض به وعنه، لم يشكره أيضا، ومن عرفها وعرف المنعم بها وأقر بها، وخضع للمنعم بها، وأحبه ورضي به وعنه، واستعملها في محابه وطاعته، فهذا هو الشاكر لها، فلا بد في الشكر من علم القلب، وعمل يتبع العلم، وهو الميل إلى المنعم ومحبته والخضوع له".
قوله: "قذرني الناس" بكراهة رؤيته وقربه منهم.

الأولى: تفسير الآية.
الثانية: ما معنى: "ليقولن هذا لي".
الثالثة: ما معنى قوله: "إنما أوتيته على علم عندي".
الرابعة: ما في هذه القصة العجيبة من العبر العظيمة.

باب: "قول الله تعالى: ﴿فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحاً جَعَلا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾

1. قوله "باب قول الله: ﴿فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحاً جَعَلا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ . قال الإمام أحمد -رحمه الله- في معنى هذه الآية: حدثنا عبد الصمد حدثنا عمر بن إبراهيم حدثنا قتادة عن الحسن عن سمرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " لما ولدت حواء طاف بها إبليس وكان لا يعيش لها ولد فقال: سميِّه عبد الحارث فإنه يعيش، فسمته عبد الحارث فعاش.
وكان ذلك من وحي الشيطان وأمره " 2 3. وهكذا رواه ابن جرير عن محمد بن بشار بندار عن عبد الصمد بن عبد الوارث به.
ورواه الترمذي في تفسير هذه الآية عن محمد بن المثنى عن عبد الصمد به، وقال: هذا حديث حسن غريب، لا نعرفه إلا من حديث عمر بن إبراهيم، ورواه بعضهم عن عبد الصمد ولم يرفعه.
ورواه الحاكم في مستدركه من حديث عبد الصمد مرفوعا، وقال: هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه.
ورواه الإمام أبو محمد ابن أبي حاتم في تفسيره عن أبي زرعة الرازي عن هلال بن فياض عن عمر بن إبراهيم به مرفوعا4.
1 سورة الأعراف آية: 190. 2 ضعيف: أحمد (5/ 11) . والترمذي: كتاب التفسير (3077) باب: ومن سورة الأعراف.
والحاكم (2/ 545) . وابن جرير (15513) . وضعفه الحافظ ابن كثير (2/ 274) . وضعفه الألباني في الضعيفة (342) وراجع تعليق الشيخ أحمد شاكر على تفسير الطبري (13/ 309) . 3 الترمذي: تفسير القرآن (3077) , وأحمد (5/11) . 4 قال الحافظ ابن كثير: والغرض أن هذا الحديث معلول من ثلاثة أوجه: أحدها: أن عمر بن إبراهيم هذا هو البصري.
وقد وثقه ابن معين.
ولكن قال حاتم الرازي: لا يحتج به.
ولكن رواه ابن مردويه من حديث المعتمر عن أبيه عن الحسن عن سمرة مرفوعا.
فالله أعلم.
الثاني: أنه قد روي من قول سمرة نفسه, وليس مرفوعا.
كما قال ابن جرير.
الثالث: أن الحسن نفسه فسر الآية بغير هذا.
فلو كان هذا عنده عن سمرة مرفوعا لما عدل عنه- ثم ساق ابن كثير الروايات عن الحسن بمثل ما روى ابن جرير عنه، ثم قال: هذه أسانيد صحيحة عن الحسن: أنه فسر الآية بذلك; وهو من أحسن التفاسير وأولى ما حملت عليه الآية.
ولو كان هذا الحديث عنده محفوظا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما عدل عنه هو ولا غيره, ولا سيما مع تقواه وورعه.
فهذا يدلك على أنه موقوف على الصحابي, ويحتمل أنه تلقاه عن بعض أهل الكتاب من آمن منهم, مثل كعب أو وهب بن منبه أو غيرهما كما سيأتي بيانه إن شاء الله, إلا أننا برئنا من عهدة المرفوع.
والله أعلم اهـ. وقال الإمام أبو محمد بن حزم في كتاب الملل والنحل: ((وهذا الذي نسبوه إلى آدم من أنه سمى ابنه عبد الحارث خرافة موضوعة مكذوبة من تأليف من لا دين له ولا حياء، لم يصح سندها قط، وإنما نزلت الآية في المشركين على ظاهرها)) . اهـ.

وقال ابن جرير: حدثنا ابن وكيع، حدثنا سهيل بن يوسف عن عمرو عن الحسن ﴿جَعَلا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا﴾ 1 قال: " كان هذا في بعض أهل الملل ولم يكن آدم ". وحدثنا بشر بن معاذ قال: حدثني يزيد، حدثنا سعيد عن قتادة قال: كان الحسن يقول: " هم اليهود والنصارى، رزقهم الله أولادا فهوّدوا ونصّروا ". وهذا إسناد صحيح عن الحسن -رحمه الله-.
قال العماد ابن كثير في تفسيره: وأما الآثار: فقال محمد بن إسحاق عن داود بن الحصين عن عكرمة عن ابن عباس قال: " كانت حواء تلد لآدم -عليه السلام- أولادا فتعبدهم لله وتسميهم عبد الله وعبيد الله ونحو ذلك، فيصيبهم الموت، فأتاهما إبليس فقال: أما إنكما لو تسميانه بغير الذي تسميانه به لعاش، فولدت له رجلا فسماه عبد الحارث، ففيه أنزل الله " ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ الآية.
وقال العوفي عن ابن عباس: " فأتاهما الشيطان فقال: هل تدريان ما يولد لكما؟ أم هل تدريان ما يكون، أبهيمة أم لا؟ وزين لهما الباطل، إنه لغوي مبين; وقد كانت قبل ذلك ولدت ولدين فماتا، فقال لهما الشيطان: إنكما إن لم تسمياه بي لم يخرج سويا، ومات كما مات الأول.
فسميا ولدهما عبد الحارث، فذلك قوله تعالى: " ﴿فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحاً جَعَلا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ . وذكر مثله عن سعيد بن جبير عن ابن عباس.
ورواه ابن أبي حاتم.
وقد تلقى هذا الأثر عن ابن عباس جماعة من أصحابه كمجاهد وعكرمة وسعيد بن جبير، ومن الطبقة الثانية: قتادة والسدي وجماعة من الخلف; ومن المفسرين والمتأخرين جماعات لا يحصون كثرة.

قال العماد ابن كثير: وكأن أصله - والله أعلم - مأخوذ من أهل الكتاب1.
قلت: وهذا بعيد جدا.
قوله: "قال ابن حزم: اتفقوا على تحريم كل اسم معبد لغير الله كعبد عمرو وعبد الكعبة، وما أشبه ذلك، حاشا عبد المطلب".
ابن حزم: هو عالم الأندلس، أبو محمد علي بن أحمد بن سعيد بن حزم القرطبي الظاهري.
صاحب التصانيف، توفي سنة ست وخمسين وأربعمائة.
وله اثنتان وسبعون سنة.
وعبد المطلب هذا: هو جد رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وهو ابن هاشم بن عبد مناف بن قصي بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان، وما فوق عدنان مختلف فيه.
ولا ريب أنهم من ذرية إسماعيل بن إبراهيم الخليل -عليهما السلام-.
حكى -رحمه الله- اتفاق العلماء على تحريم كل ما عبد لغير الله؛ لأنه شرك في الربوبية والإلهية; لأن الخلق كلهم ملك لله وعبيد له، استعبدهم لعبادته وحده، وتوحيده في ربوبيته وإلهيته، فمنهم من عبد الله ووحده في ربوبيته وإلهيته، ومنهم من أشرك به في إلهيته وأقر له بربوبيته وأسمائه وصفاته، وأحكامه القدرية جارية عليهم ولا بد، كما قال تعالى: ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْداً﴾ 2 فهذه هي العبودية العامة.
وأما

العبودية الخاصة فإنها تختص بأهل الإخلاص والطاعة، كما قال تعالى: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ﴾ 1 ونحوها.
قوله: "حاشا عبد المطلب" هذا استثناء من العموم المستفاد من كل، وذلك أن تسميته بهذا الاسم لا محذور فيها؛ لأن أصله من عبودية الرق، وذلك أن المطلب أخو هاشم قدم المدينة، وكان ابن أخيه شيبة هذا قد نشأ في أخواله بني النجار من الخزرج؛ لأن هاشما تزوج فيهم امرأة، فجاءت منه بهذا الابن، فلما شب في أخواله، وبلغ سن التمييز سافر به عمه المطلب إلى مكة بلد أبيه وعشيرته2، فقدم به مكة وهو رديفه، فرآه أهل مكة وقد تغير لونه بالسفر، فحسبوه عبدا للمطلب، فقالوا: هذا عبد المطلب، فعلق به هذا الاسم وركبه، فصار لا يذكر ولا يدعى إلا به3 فلم يبق للأصل معنى مقصود.
وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: " أنا ابن عبد المطلب " 4 5. وقد صار معظما في قريش والعرب، فهو سيد قريش وأشرفهم في جاهليته، وهو الذي حفر زمزم وصارت له السقاية وفي ذريته من بعده.
وعبد الله والد رسول الله صلى الله عليه وسلم أحد بني عبد المطلب، وتوفي في حياة أبيه.
وعن ابن عباس في الآية قال: " لما تغشاها آدم حملت، فأتاهما إبليس.
فقال: إني صاحبكما الذي أخرجتكما من الجنة لتطيعنني أو لأجعلن له قرني أيل، فيخرج من بطنك فيشقه، ولأفعلن ولأفعلن، يخوفهما.
سمياه عبد الحارث.
فأبيا أن يطيعاه، فخرج ميتا.
ثم حملت، فأتاهما فقال مثل قوله، فأبيا أن يطيعاه فخرج ميتا.
ثم حملت فأتاهما فذكر لهما فأدركهما حب الولد، فسمياه عبد الحارث.
فذلك قوله: ﴿جَعَلا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا﴾ ". رواه ابن أبي حاتم.
وله بسند صحيح عن قتادة قال: " شركاء في طاعته، ولم يكن في عبادته ". وله بسند صحيح عن مجاهد في قوله: ﴿لئن آتيتنا صالحا﴾ 6 قال: " أشفقا أن لا يكون إنسانا " وذكر معناه عن الحسن وسعيد وغيرهما.
قال الحافظ صلاح الدين العلائي في كتاب الدرة السنية في مولد خير البرية: " كان سن أبيه عبد الله حين حملت منه آمنة برسول الله صلى الله عليه وسلم نحو ثمانية عشر عاما، ثم ذهب إلى المدينة ليمتار منها تمرا لأهله، فمات بها عند أخواله بني عدي بن النجار، والنبي صلى الله عليه وسلم حملٌ على الصحيح".
انتهى.
قلت: وصار النبي صلى الله عليه وسلم لما أوضعته أمه في كفالة جده عبد المطلب.

قال الحافظ الذهبي: وتوفي أبوه عبد الله وللنبي صلى الله عليه وسلم ثمانية وعشرون شهرا، وقيل أقل من ذلك، وقيل: وهو حمل.
توفي بالمدينة، وكان قد قدمها ليمتار تمرا، وقيل: بل مر بها راجعا من الشام، وعاش خمسة وعشرين سنة.
قال الواقدي: " وذلك أثبت الأقاويل في سنه ووفاته.
وتوفيت أمه آمنة بالأبواء وهي راجعة به صلى الله عليه وسلم إلى مكة من زيارة أخوال أبيه بني عدي بن النجار، وهو يومئذ ابن ست سنين ومائة يوم.
وقيل: ابن أربع سنين.
فلما ماتت أمه حملته أم أيمن مولاته إلى جده، فكان في كفالته إلى أن توفي جده، وللنبي صلى الله عليه وسلم ثمان سنين فأوصى به إلى عمه أبي طالب".
اهـ. قوله: "وعن ابن عباس -رضي الله عنهما- في الآية".
قد قدمنا نظيره عن ابن عباس في المعنى.
قوله: "وله بسند صحيح عن قتادة قال: " شركاء في طاعته ولم يكن في عبادته ". قال شيخنا -رحمه الله-: " إن هذا الشرك في مجرد تسمية، لم يقصدا حقيقته التي يريدها إبليس، وهو محمل حسن يبين أن ما وقع من الأبوين من تسميتهما ابنهما عبد الحارث إنما هو مجرد تسمية لم يقصدا تعبيده لغير الله.
وهذا معنى قول قتادة: شركاء في طاعته ولم يكن في عبادته".

فيه مسائل: الأولى: تحريم كل اسم معبد لغير الله1.
الثانية: تفسير الآية.
الثالثة: أن هذا الشرك في مجرد تسمية لم تقصد حقيقتها.
الرابعة: إن هبة الله للرجل البنت السوية من النعم.
الخامسة: ذكر السلف الفرق بين الشرك في الطاعة والشرك في العبادة.

فصول الكتاب · 8 فصل · 518 صفحة
الانتقال إلى صفحة
الشروح والتعليقات١
جارٍ التحميل