فتح المجيد شرح كتاب التوحيدصفحات 187-204
أهل الأثرالأرشيف العلمي

باب الخوف من الشرك.

صفحات 187-204
عن هذه الطبعة
عَلَم
عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ
الكتاب
فتح المجيد شرح كتاب التوحيد
المؤلف
عبد الرحمن بن حسن بن محمد بن عبد الوهاب بن سليمان التميمي (المتوفى: 1285هـ)
المحقق
محمد حامد الفقي
الناشر
مطبعة السنة المحمدية، القاهرة، مصر
الطبعة
السابعة، 1377هـ/1957م [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]

قوله: "وفيه" أي في صحيح البخاري.
ورواه النسائي.
قوله: "عن ابن عمر" هو عبد الله بن عمر بن الخطاب، صحابي جليل، شهد له رسول الله صلي الله عليه وسلم بالصلاح، مات سنة ثلاث وسبعين في آخرها أو في أول التي تليها.
قوله: "أنه سمع رسول الله" هذا القنوت على هؤلاء بعدما شج وكسرت رباعيته يوم أُحد.
قوله: "اللهم العن فلانا وفلانا" قال أبو السعادات: أصل اللعن الطرد والإبعاد من الله.
ومن الخلق السب والدعاء.
وتقدم كلام شيخ الإسلام - رحمه الله -. قوله: "فلانا وفلانا" يعني صفوان بن أمية، وسهيل بن عمرو، والحارث بن هشام، كما بينه في الرواية الآتية.
وفيه: جواز الدعاء على المشركين بأعيانهم في الصلاة، وأن ذلك لا يضر في الصلاة.
قوله: "بعدما يقول: سمع الله لمن حمده" قال أبو السعادات: أي أجاب حمده وتقبله.
وقال السهيلي: مفعول "سمع" محذوف؛ لأن السمع متعلق بالأقوال والأصوات دون غيرها فاللام تؤذن بمعنى زائد وهو الاستجابة للسمع، فاجتمع في الكلمة الإيجاز والدلالة على الزائد، وهو الاستجابة لمن حمده.
وقال ابن القيم رحمه الله ما معناه: "سمع الله لمن حمده" باللام المتضمنة معنى استجاب له.
ولا حذف وإنما هو مضمن.
قوله: "وربنا لك الحمد" في بعض روايات البخاري بإسقاط الواو.
قال ابن دقيق العيد: كأن إثباتها دال على معنى زائد; لأنه يكون التقدير: ربنا استجب ولك الحمد.
فيشتمل على معنى الدعاء ومعنى الخبر.
قال شيخ الإسلام: والحمد ضد الذم، والحمد يكون على محاسن المحمود مع المحبة له.
كما أن الذم يكون على مساويه مع البغض له.

وكذا قال ابن القيم: وفرق بينه وبين المدح بأن الإخبار عن محاسن الغير إما أن يكون إخبارا مجردا عن حب وإرادة، أو يكون مقرونا بحبه وإرادته.
فإن كان الأول فهو المدح، وإن كان الثاني فهو الحمد.
فالحمد إخبار عن محاسن المحمود مع حبه وإجلاله وتعظيمه.
ولهذا كان خبرا يتضمن الإنشاء بخلاف المدح، فإنه خبر مجرد.
فالقائل إذا قال: "الحمد لله" أو قال: "ربنا ولك الحمد" تضمن كلامه الخبر عن كل ما يحمد عليه تعالى باسم جامع محيط متضمن لكل فرد من أفراد الجملة المحققة والمقدرة، وذلك يستلزم إثبات كل كمال يحمد عليه الرب تعالى، ولهذا لا تصلح هذه اللفظة على هذا الوجه ولا تنبغي إلا لمن هذا شأنه، وهو الحميد المجيد.
وفيه: التصريح بأن الإمام يجمع بين التسميع والتحميد، وهو قول الشافعي وأحمد وخالف في ذلك مالك وأبو حنيفة، وقالا: يقتصر على "سمع الله لمن حمده".
قوله: "وفي رواية: يدعو على صفوان بن أمية، وسهيل بن عمرو، والحارث بن هشام".
وذلك لأنهم رءوس المشركين يوم أحد، هم وأبو سفيان ابن حرب، فما استجيب له صلي الله عليه وسلم فيهم بل أنزل الله: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ﴾ 2 فتاب عليهم فأسلموا وحسن إسلامهم.
وفي كله معنى شهادة أن لا إله إلا الله الذي له الأمر كله، يهدي من يشاء بفضله ورحمته، ويضل من يشاء بعدله وحكمته.
وفي هذا من الحجج والبراهين ما يبين بطلان ما يعتقده عبّاد القبور في الأولياء والصالحين.
بل في الطواغيت من أنهم ينفعون من دعاهم، ويمنعون من لاذ بحماهم.
فسبحان من حال بينهم وبين فهم الكتاب.
وذلك عدله سبحانه، وهو الذي يحول بين المرء وقلبه، وبه الحول والقوة.
قوله: وفيه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلي الله عليه وسلم حين أنزل الله عليه ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ﴾ 3 قال: " قام رسول الله صلي الله عليه وسلم حين أنزل عليه ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ﴾ فقال: يا معشر قريش - أو كلمة نحوها - اشتروا أنفسكم لا أغني عنكم1

من الله شيئا.
يا عباس بن عبد المطلب لا أغني عنك من الله شيئا.
يا صفية عمة رسول الله لا أغني عنك من الله شيئا.
يا فاطمة بنت محمد، سليني من مالي ما شئت، لا أغني عنك من الله شيئا " 1. قوله: "وفيه" أي وفي صحيح البخاري.
قوله: "عن أبي هريرة" اختلف في اسمه.
وصحح النووي أن اسمه عبد الرحمن بن صخر، كما رواه الحاكم في المستدرك عن أبي هريرة قال: "كان اسمي في الجاهلية عبد الرحمن".
وروى الدولابي بإسناده عن أبي هريرة "أن النبي صلي الله عليه وسلم سماه عبد الله".
وهو دَوْسِي من فضلاء الصحابة وحفاظهم، حفظ عن النبي صلي الله عليه وسلم أكثر مما حفظه غيره2 مات سنة سبع أو ثمان أو تسع وخمسين، وهو ابن ثمان وسبعين سنة.
قوله: "قام رسول الله صلي الله عليه وسلم" في الصحيح من رواية ابن عباس: " صعد رسول الله صلي الله عليه وسلم على الصفا ". قوله: "حين أنزل عليه ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ﴾ 3" عشيرة الرجل: هم بنو أبيه الأدنون أو قبيلته؛ لأنهم أحق الناس ببرِّك وإحسانك الديني والدنيوي; كما قال قريش - أو كلمة نحوها - اشتروا أنفسكم، لا أغني عنكم من الله شيئا.
تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ 4. وقد أمره الله تعالى أيضا بالنذارة العامة، كما قال تعالى: ﴿لِتُنْذِرَ قَوْماً مَا أُنْذِرَ آبَاؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ﴾ 5. ﴿وَأَنْذِرِ النَّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ الْعَذَابُ﴾ 6.

قوله: "يا معشر قريش" المعشر الجماعة.
قوله: "أو كلمة نحوها" هو بنصب "كلمة" عطف على ما قبله.
قوله: "اشتروا أنفسكم" أي بتوحيد الله وإخلاص العبادة له وحده لا شريك له وطاعته فيما أمر به، والانتهاء عما نهى عنه.
فإن ذلك هو الذي ينجي من عذاب الله لا الاعتماد على الأنساب والأحساب؛ فإن ذلك غير نافع عند رب الأرباب.
قوله: "لا أغني عنكم من الله شيئا"1 فيه حجة على من تعلق على الأنبياء والصالحين، ورغب إليهم ليشفعوا له وينفعوه، أو يدفعوا عنه؛ فإن ذلك هو الشرك الذي حرمه الله تعالى، وأقام نبيه صلي الله عليه وسلم بالإنذار عنه، كما أخبر تعالى عن المشركين في قوله: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ 2 ﴿هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ 3. فأبطل الله ذلك ونزه نفسه عن هذا الشرك، وسيأتي تقرير هذا المقام إن شاء الله تعالى.
وفي صحيح البخاري: " يا بني عبد مناف لا أغني عنكم من الله شيئا ". قوله: "يا عباس بن عبد المطلب" بنصب "بن" ويجوز في "عباس" الرفع والنصب.
وكذا في قوله: " يا صفية عمة رسول الله، ويا فاطمة بنت محمد ".

قوله: "سليني من مالي ما شئت".
1 بيّن رسول الله صلي الله عليه وسلم أنه لا ينجي من عذاب الله إلا الإيمان والعمل والصالح.
وفيه: أنه لا يجوز أن يسأل العبد إلا ما يقدر عليه من أمور الدنيا.
وأما الرحمة والمغفرة والجنة والنجاة من النار ونحو ذلك من كل ما لا يقدر عليه إلا الله تعالى، فلا يجوز أن يطلب إلا منه تعالى; فإن ما عند الله لا ينال إلا بتجريد التوحيد، والإخلاص له بما شرعه ورضيه لعباده أن يتقربوا إليه به، فإذا كان لا ينفع بنته ولا عمه ولا عمته ولا قرابته إلا ذلك، فغيرهم أولى وأحرى.
وفي قصة عمه أبي طالب معتبر.
فانظر إلى الواقع الآن من كثير من الناس من الالتجاء إلى الأموات والتوجه إليهم بالرغبات والرهبات، وهم عاجزون لا يملكون لأنفسهم ضرا ولا نفعا فضلا عن غيرهم يتبين لك أنهم ليسوا على شيء ﴿إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ 2 أظهر لهم الشيطان الشرك في قالب محبة الصالحين، وكل صالح يبرأ إلى الله من هذا الشرك في الدنيا ويوم يقوم الأشهاد.
ولاريب أن محبة الصالحين إنما تحصل فيه مسائل: الأولى: تفسير الآيتين 3. الثانية: قصة أُحد.
الثالثة: قنوت سيد المرسلين وخلفه سادات الأولياء يؤمّنون في الصلاة.
الرابعة: أن المدعو عليهم كفار.
الخامسة: أنهم فعلوا أشياء ما فعلها غالب الكفار، منها شجّهم نبيهم وحرصهم على قتله.
ومنها: التمثيل بالقتلى مع أنهم بنو عمهم.
السادسة: أنزل الله عليه في ذلك ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ﴾ 4. السابعة: قوله: ﴿أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ﴾ 5 فتاب عليهم فآمنوا.
الثامنة: القنوت في النوازل.
التاسعة: تسمية المدعو عليهم في الصلاة بأسمائهم وأسماء آبائهم.
العاشرة: لعن المعيّن في القنوت.
الحادية عشرة: قصته صلي الله عليه وسلم لما أُنزل عليه: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ 6. الثانية عشرة: جده صلي الله عليه وسلم بحيث فعل ما نُسب بسببه إلى الجنون، وكذلك لو يفعله مسلم الآن.
الثالثة عشرة: قوله للأبعد والأقرب: لا أغني عنك من الله شيئا حتى قال: يا فاطمة بنت محمد لا أغني عنك من الله شيئا.
فإذا صرح وهو سيد المرسلين بأنه لا يغني شيئا عن سيدة نساء العالمين، وآمن الإنسان أنه صلي الله عليه وسلم لا يقول إلا الحق، ثم نظر فيما وقع في قلوب خواص الناس اليوم، تبين له التوحيد وغربة الدين.

بموافقتهم في الدين، ومتابعتهم في طاعة رب العالمين، لا باتخاذهم أندادا من دون الله يحبونهم كحب الله إشراكا بالله، وعبادة لغير الله، وعداوة لله ورسوله والصالحين من عباده، كما قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ 1. قال العلامة ابن القيم - رحمه الله - في هذه الآية بعد كلام سبق: "ثم نفى أن يكون قال لهم غير ما أُمر به وهو محض التوحيد، فقال: ﴿مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ﴾ . ثم أخبر أن شهادته عليهم مدة مقامه فيهم، وأنه بعد الوفاة لا اطلاع له عليهم، وأن الله عز وجل المنفرد بعد الوفاة بالاطلاع عليهم فقال: {وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً مَا دُمْتُ فِيهِمْ

فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ} وصف الله سبحانه بأن شهادته فوق كل شهادة وأعم" اهـ. قلت: ففي هذا بيان أن المشركين خالفوا ما أمر الله به رسله من توحيده الذي هو دينهم الذي اتفقوا عليه، ودعوا الناس إليه، وفارقوهم فيه إلا من آمن، فكيف يقال لمن دان بدينهم، وأطاعهم فيما أمروا به من إخلاص العبادة لله وحده: إنه قد تنقّصهم بهذا التوحيد الذي أطاع به ربه، واتبع فيه رسله - عليهم السلام -، ونزه به ربه عن الشرك الذي هو هضم للربوبية، وتنقّص للإلهية وسوء ظن برب العالمين؟ والمشركون هم أعداء الرسل وخصماؤهم في الدنيا والآخرة، وقد شرعوا لأتباعهم أن يتبرءوا من كل مشرك ويكفروا به، ويبغضوه ويعادوه في ربهم ومعبودهم ﴿قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ 1.

باب: قول الله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِير ُ﴾

1 قوله: باب "قول الله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ 2"3. قوله: ﴿حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ﴾ 4 أي زال الفزع عنها.
قاله ابن عباس وابن عمر وأبو عبد الرحمن السلمي والشعبي والحسن وغيرهم.
وقال ابن جرير: قال بعضهم: الذين فزع عن قلوبهم: الملائكة.
قالوا: وإنما فزّع 1 سورة سبأ آية: 23.
2 سورة سبأ آية: 23.
3 في قرة العيون: وهذه الآيات تقطع عروق الشرك بأمور أربعة: (الأول) أنهم لا يملكون مثقال ذرة مع الله، والذي لا يملك مثقال ذرة في السموات ولا في الأرض لا ينفع ولا يضر, فالله تعالى هو الذي يملكهم ويدبرهم ويتصرف فيهم وحده.
(الثاني) قوله: (وما لهم فيهما من شرك) أي في السموات والأرض, أي وما لهم فيهما من شرك مثقال ذرة من السموات والأرض.
(الثالث) قوله: (وما لهم منهم من ظهير) والظهير: المعين، فليس لله معين من خلقه, بل هو الذي يعينهم على ما ينفعهم لكمال غناه عنهم, وضرورتهم إلى ربهم فيما قل وكثر من أمور دنياهم وأخراهم.
(الرابع) قوله: (ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له) فلا يشفع عنده أحد إلا بإذنه.
وأخبر تعالى أن من اتخذ شفيعا من دونه حرم شفاعة الشفعاء, قال تعالى: (10: 18) (ويعبدون من دون الله ما لا يضرهم ولا ينفعهم ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله قل أتنبئون الله بما لا يعلم في السموات ولا في الأرض سبحانه وتعالى عما يشركون) ؛ لأن اتخاذ الشفعاء شرك لقوله تعالى في حقهم: (سبحانه وتعالى عما يشركون) . والمشرك منفية الشفاعة في حقه كما قال تعالى: (74: 48) (فما تنفعهم شفاعة الشافعين) وقال: (6: 94) (ولقد جئتمونا فرادى كما خلقناكم أول مرة وتركتم ما خولناكم وراء ظهرركم وما نرى معكم شفعاءكم الذين زعمتم أنهم فيكم شركاء لقد تقطع بينكم وضل عنكم ما كنتم تزعمون) ، وذلك أن متخذ الشفيع لا بد أن يرغب إليه ويدعوه ويرجوه ويخافه ويحبه لما يؤمله منه وهذه من أنواع العبادة التي لا يصرف منها شيء لغير الله، وذلك هو الشرك الذي ينافي الإخلاص.
4 سورة سبأ آية: 23.

عن قلوبهم من غشية تصيبهم عند سماعهم كلام الله بالوحي 1. وقال ابن عطية: في الكلام حذف يدل عليه الظاهر.
كأنه قال: ولا هم شفعاء كما تزعمون أنتم، بل هم عبدة مسلمون لله أبدا; يعني منقادون، حتى إذا فزع عن قلوبهم.
والمراد الملائكة على ما اختاره ابن جرير وغيره.
قال ابن كثير: وهو الحق الذي لا مرية فيه; لصحة الأحاديث فيه والآثار.
وقال أبو حيان: تظاهرت الأحاديث عن رسول الله صلي الله عليه وسلم أن قوله: ﴿حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ﴾ 2 إنما هي الملائكة إذا سمعت الوحي إلى جبريل يأمره الله به سمعت كَجرِّ سلسلة الحديد على الصفوان، فتفزع عند ذلك تعظيما وهيبة.
قال: وبهذا المعنى - من ذكر الملائكة في صدر الآية - تتسق هذه الآية على الأولى، ومن لم يشعر أن الملائكة مشار إليهم من أول قوله: " الذين زعمتم " لم تتصل له هذه الآية بما قبلها 3. قوله: " قالوا ماذا قال ربكم " ولم يقولوا ماذا خلق ربنا؟ ولو كان كلام الله مخلوقا لقالوا: ماذا خلق؟.
انتهى من شرح سنن ابن ماجه.
ومثله الحديث: " ماذا قال ربنا يا جبريل؟ ". وأمثال هذا في الكتاب والسنة كثير.
قوله: ﴿قَالُوا الْحَقَّ﴾ أي قال الله الحق.
وذلك لأنهم إذا سمعوا كلام الله صعقوا ثم إذا أفاقوا أخذوا يسألون، فيقولون: ماذا قال ربكم؟ فيقولون: قال الحق.
قوله: ﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ 4 علو القدر وعلو القهر وعلو الذات، فله العلو الكامل من جميع الوجوه، كما قال عبد الله بن المبارك لما قيل له: بما نعرف ربنا؟ قال: "بأنه على عرشه

بائن من خلقه" تمسكا منه بالقرآن لقوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ 1 ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ 2 في سبعة مواضع من القرآن.
قوله: ﴿الْكَبِيرُ﴾ أي الذي لا أكبر منه ولا أعظم منه تبارك وتعالى.
قوله: "في الصحيح عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلي الله عليه وسلم قال: " إذا قضى الله الأمر في السماء ضربت الملائكة بأجنحتها خضعانا لقوله، كأنه سلسلة على صفوان ينفذهم ذلك، حتى إذا فزع عن قلوبهم قالوا: ماذا قال ربكم؟ قالوا: الحق وهو العلي الكبير، فيسمعها مسترق السمع، - ومسترق السمع هكذا بعضه فوق بعض.
" وصفه سفيان بكفه فحرفها وبدد بين أصابعه - فيسمع الكلمة فيلقيها إلى من تحته، ثم يلقيها الآخر إلى من تحته، حتى يلقيها على لسان الساحر أو الكاهن، فربما أدركه الشهاب قبل أن يلقيها، وربما ألقاها قبل أن يدركه، فيكذب معها مائة كذبة، فيقال: أليس قد قال لنا يوم كذا وكذا:؟ كذا وكذا.
فيصدق بتلك الكلمة التي سمعت من السماء".
3 ضربت الملائكة بأجنحتها خضعانا لقوله، كأنه سلسلة على صفوان ينفذهم قوله: "في الصحيح" أي صحيح البخاري 4. قوله: "إذا قضى الله الأمر في السماء" أي إذا تكلم الله بالأمر الذي يوحيه إلى جبريل بما أراده، كما صرح به في الحديث الآتي، وكما روى سعيد بن منصور وأبو داود وابن جرير عن ابن مسعود: " إذا تكلم الله بالوحي سمع أهل السماوات صلصلة كجر السلسلة على الصفوان "5. وروى ابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس قال: " لما أوحى الجبار إلى محمد صلي الله عليه وسلم دعا الرسول من الملائكة ليبعثه بالوحي، فسمعت الملائكة صوت الجبار يتكلم بالوحي.
فلما كشف عن قلوبهم سألوا عما قال الله.
فقالوا: الحق.
وعلموا أن الله لا يقول إلا حقا "6. قوله: "ضربت الملائكة بأجنحتها خضعانا لقوله" أي لقول الله تعالى.
قال الحافظ:

خضعانا بفتحتين من الخضوع.
وفي رواية بضم أوله وسكون ثانيه.
وهو مصدر بمعنى خاضعين.
قوله: "كأنه سلسلة على صفوان" أي كأن الصوت المسموع سلسلة على صفوان وهو الحجر الأملس.
ذلك، حتى إذا فزع عن قلوبهم قالوا: ماذا قال ربكم؟ قالوا: الحق وهو العلي الكبير، فيسمعها مسترق السمع- ومسترق السمع هكذا بعضه فوق بعض وصفه سفيان بكفه، فحرفها وبدد بين أصابعه- فيسمع الكلمة فيلقيها إلى من تحته.
قوله: "ينفذهم ذلك" هو بفتح التحتية وسكون النون وضم الفاء والذال المعجمة "ذلك" أي القول، والضمير في "ينفذهم" للملائكة، أي ينفذ ذلك القول الملائكة أي يخلص ذلك القول ويمضي فيهم حتى يفزعوا منه.
وعند ابن مردويه من حديث ابن عباس: " فلا ينزل على أهل سماء إلا صعقوا ". وعند أبي داود وغيره مرفوعا " إذا تكلم الله بالوحي سمع أهل السماء الدنيا صلصلة كجر السلسلة على الصفا فيصعقون، فلا يزالون كذلك حتى يأتيهم جبريل " الحديث.
قوله: ﴿حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ﴾ 1 تقدم معناه.
قوله: ﴿قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ﴾ 2 أي قالوا: قال الله الحق، علموا أن الله لا يقول إلا الحق.
قوله: "فيسمعها مسترق السمع" أي يسمع الكلمة التي قضاها الله، وهم الشياطين يركب بعضهم بعضا.
وفي صحيح البخاري عن عائشة مرفوعا: " إن الملائكة تنزل في العنان - وهو السحاب - فتذكر الأمر قُضِيَ في السماء، فتسترق الشياطين السمع; فتوحيه إلى الكهان " 3. قوله: "ومسترق السمع هكذا وصفه سفيان بكفه" أي وصف ركوب بعضهم فوق بعض.
وسفيان: هو ابن عيينة أبو محمد الهلالي الكوفي ثم المكي، ثقة حافظ، فقيه إمام حجة، مات سنة ثمان وتسعين ومائة، وله إحدى وتسعون سنة.
ثم يلقيها الآخر إلى من تحته، حتى يلقيها على لسان الساحر أو الكاهن، فربما أدركه الشهاب قبل أن يلقيها، وربما ألقاها قبل أن يُدركه، فيكذب معها مائة كذبة.
فقال: قوله: "فحرّفها" بحاء مهملة وراء مشددة وفاء.
قوله: "وبدّد" أي فرق بين أصابعه.

قوله: "فيسمع الكلمة فيلقيها إلى من تحته" أي يسمع الفوقاني الكلمة فيلقيها إلى آخر تحته، ثم يلقيها إلى من تحته حتى يلقيها على لسان الساحر أو الكاهن.
قوله: "فربما أدركه الشهاب قبل أن يلقيها" الشهاب: هو النجم الذي يرمى به; أي ربما أدرك الشهاب المسترق، وهذا يدل على أن الرمي بالشهب قبل المبعث.
لما روى أحمد وغيره - والسياق له في المسند من طريق معمر -: أنبأنا الزهري عن علي بن الحسين عن ابن عباس قال: " كان رسول الله صلي الله عليه وسلم جالسا في نفر من أصحابه - قال عبد الرزاق: من الأنصار- قال: فرُمي بنجم عظيم فاستنار، قال: ما كنتم تقولون إذا كان مثل هذا في الجاهلية؟ قال: كنا نقول: لعله يولد عظيم أو يموت - قلت للزهري: أكان يرمى بها في الجاهلية؟ قال: نعم، ولكن غلظت حين بعث النبي صلي الله عليه وسلم - قال: فإنها لا يرمى بها لموت أحد ولا لحياته، ولكن - ربنا تبارك - اسمه إذا قضى أمرا سبح حملة العرش، ثم سبح أهل السماء الذين يلونهم ثم الذين يلونهم، حتى يبلغ التسبيح هذه السماء الدنيا.
ثم يستخبر أهل السماء الذين يلون حملة العرش، فيقول الذين يلون حملة العرش لحملة العرش: ماذا قال ربكم؟ فيخبرونهم، ويخبر أهل كل سماء حتى ينتهي الخبر إلى هذه السماء، وتخطف الجن السمع فيرمون; فما جاءوا به على وجهه فهو حق، ولكنهم يقرفون فيه ويزيدون "12 قال عبد الله: قال أبي: قال عبد الرزاق: أليس قد قال لنا يوم كذا وكذا، كذا وكذا؟ فيصدّق بتلك الكلمة التي سُمعت من السماء 3"4. وعن النوّاس بن سمعان رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلي الله عليه وسلم: إذا أراد الله تعالى أن يوحي بالأمر تكلم بالوحي، ويخطف الجن ويرمون ". وفي رواية له: " لكنهم يزيدون فيه ويقرفون وينقصون " 5. قوله: "فيكذب معها مائة كذبة" أي الكاهن أو الساحر.
و"كذبة" بفتح الكاف وسكون الذال المعجمة.
قوله: "فيقال أليس قد قال لنا يوم كذا وكذا: كذا وكذا؟ " هكذا في نسخة بخط12

المصنف، وكالذي في صحيح البخاري سواء.
قال المصنف "وفيه قبول النفوس للباطل; كيف يتعلقون بواحدة ولا يعتبرون بمائة كذبة؟ ". وفيه: أن الشيء إذا كان فيه شيء من الحق فلا يدل على أنه حق كله، فكثيرا ما يلبس أهل الضلال الحق بالباطل ليكون أقبل لباطلهم، قال تعالى: ﴿وَلا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ 1. وفي هذه الأحاديث وما بعدها وما في معناها: إثبات علو الله تعالى على خلقه على ما يليق بجلاله وعظمته، وأنه تعالى لم يزل متكلما إذا شاء بكلام يسمعه الملائكة، وهذا قول أهل السنة قاطبة سلفا وخلفا.
خلافا للأشاعرة والجهمية; ونفاة المعتزلة.
فإياك أن تلتفت إلى ما زخرفه أهل التعطيل، وحسبنا الله ونعم الوكيل.
قوله: "وعن النواس بن سمعان قال: قال رسول الله صلي الله عليه وسلم: " إذا أراد الله تعالى أن يوحي بالأمر تكلم بالوحي أخذت السماوات منه رجفة- أو قال رعدة- شديدة رجفة- أو قال: رعدة- شديدة خوفا من الله عز وجل.
فإذا سمع ذلك أهل السماوات صُعقوا وخرُّوا لله سجدا، فيكون أول من يرفع رأسه جبريل، فيكلمه الله من وحيه بما أراد، ثم يمر جبريل على الملائكة، كلما مر بسماء سأله ملائكتها: ماذا قال ربنا يا جبريل؟ فيقول جبريل: قال: الحق وهو العلي الكبير.
فيقولون كلهم مثل ما قال جبريل، فينتهي جبريل بالوحي إلى حيث أمره الله عز وجل " 23".23

هذا الحديث رواه ابن أبي حاتم بسنده كما ذكره العماد ابن كثير في تفسيره.
النواس بن سمعان: بكسر السين، بن خالد الكلابي، ويقال: الأنصاري صحابي.
ويقال: إن أباه صحابي أيضا.
قوله: "إذا أراد الله أن يوحي بالأمر" إلى آخره.
فيه النص على أن الله تعالى يتكلم بالوحي، وهذا من حجة أهل السنة على النفاة: لم يزل الله متكلما إذا شاء.
قوله: "أخذت السماوات منه رجفة" السماوات مفعول مقدم، والفاعل "رجفة" أي أصاب السماوات من كلامه تعالى رجفة، أي ارتجفت.
وهو صريح في أنها تسمع كلامه تعالى، كما روى ابن أبي حاتم عن عكرمة.
قال: " إذا قضى الله أمرا تكلم - تبارك وتعالى - رجفت السماوات والأرض والجبال، وخرت الملائكة كلهم سجدا خوفا من الله عز وجل.
فإذا سمع ذلك أهل السماوات صُعقوا وخروا سجدا، قوله: "أو قال: رعدة شديدة" شك من الراوي.
هل قال النبي صلي الله عليه وسلم رجفة، أو قال رعدة.
والراء مفتوحة فيهما.
قوله: "خوفا من الله عز وجل" وهذا ظاهر في أن السماوات تخاف الله، بما يجعل

تعالى فيها من الإحساس ومعرفة من خلقها.
وقد أخبر تعالى أن هذه المخلوقات العظيمة تسبحه كما قال تعالى: ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيماً غَفُوراً﴾ 1. وقال تعالى: ﴿تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدّاً﴾ 2. وقال تعالى: ﴿وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ 3 وقد قرر العلامة ابن القيم - رحمه الله - أن هذه المخلوقات تسبح لله وتخشاه حقيقة، مستدلا بهذه الآيات وما في معناها.
وفي البخاري عن ابن مسعود قال: " كنا نسمع تسبيح الطعام وهو يؤكل "4 وفي حديث أبي ذر: " أن النبي صلي الله عليه وسلم أخذ في يده حصيات، فسُمع لهن تسبيح "5 - الحديث وفي الصحيح: قصة حنين الجذع الذي كان يخطب عليه النبي صلي الله عليه وسلم قبل اتخاذ المنبر6.
ومثل هذا كثير.
قوله: "صُعقوا وخروا لله سجدا" الصعوق هو الغشي، ومعه السجود.
فيكون أول من يرفع رأسه جبريل، فيكلمه الله من وحيه بما أراد، ثم يمر جبريل على الملائكة، كلما مر بسماء سأله ملائكتها: ماذا قال ربنا يا جبريل؟ فيقول جبريل: قال: الحق وهو العلي الكبير.
فيقولون كلهم مثل ما قال جبريل، قوله: "فيكون أول من يرفع رأسه جبريل" بنصب "أول" خبر يكون مقدم على اسمها، ويجوز العكس.
ومعنى جبريل: عبد الله; كما روى ابن جبير وغيره عن علي بن الحسين قال: كان اسم جبريل: عبد الله، واسم ميكائيل عُبيد الله; وإسرافيل عبد الرحمن.
وكل شيء رجع إلى "ايل" فهو مُعبّد لله عز وجل.
وفيه فضيلة جبريل - عليه السلام -. كما قال تعالى: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ﴾ 7. قال ابن كثير - رحمه الله تعالى -: إن هذا القرآن لتبليغ رسول كريم.
وقال أبو صالح في الآية8: "جبريل يدخل في سبعين حجابا من نور بغير إذن".

ولأحمد بإسناد صحيح عن ابن مسعود قال: " رأى رسول الله صلي الله عليه وسلم جبريل في صورته وله ستمائة جناح; كل جناح منها قد سد الأفق، يسقط من جناحه من التهاويل والدر والياقوت ما الله به عليم "1. فإذا كان هذا عظم هذه المخلوقات فخالقها أعظم وأجلّ وأكبر.
فكيف يسوّى به غيره في العبادة: دعاء وخوفا ورجاء وتوكلا وغير ذلك من العبادات التي لا يستحقها غيره؟ فانظر إلى حال الملائكة وشدة خوفهم من الله تعالى، وقد قال تعالى: ﴿بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلا يَشْفَعُونَ إِلا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِنْ دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ﴾ 2. فينتهي جبريل بالوحي إلى حيث أمره الله عز وجل.
فيه مسائل: الأولى: تفسير الآية.
الثانية: ما فيها من الحجة على إبطال الشرك، خصوصا ما تعلق على الصالحين، وهي الآية التي قيل: إنها تقطع عروق شجرة الشرك من القلب.
الثالثة: تفسير قوله: ﴿قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ 3. الرابعة: سبب سؤالهم عن ذلك.
الخامسة: أن جبرائيل يجيبهم بعد ذلك بقوله: "قال كذا وكذا".
السادسة: ذكر أن أول من يرفع رأسه جبرائيل.
السابعة: أنه يقول لأهل السماوات كلهم، لأنهم يسألونه.
الثامنة: أن الغشي يعم أهل السماوات كلهم.
التاسعة: ارتجاف السماوات بكلام الله.
العاشرة: أن جبرائيل هو الذي ينتهي بالوحي إلى حيث أمره الله.
الحادية عشرة: ذكر استراق الشياطين.
قوله: "ثم ينتهي جبريل بالوحي إلى حيث أمره الله عز وجل من السماء والأرض"

وهذا تمام الحديث.
والآيات المذكورة في هذا الباب والأحاديث تقرر التوحيد الذي هو مدلول شهادة أن لا إله إلا الله؛ فإن الملك العظيم الذي تُصعق الأملاك من كلامه خوفا منه ومهابة، وترجف منه المخلوقات، الكامل في ذاته وصفاته، وعلمه وقدرته وملكه وعزه، وغناه عن جميع خلقه.
وافتقارهم جميعا إليه، ونفوذ تصرفه وقدره فيهم لعلمه وحكمته، لا يجوز شرعا ولا عقلا أن يجعل له شريك من خلقه في عبادته التي هي حقه عليهم، فكيف يجعل المربوب ربا، والعبد معبودا؟ أين ذهبت عقول المشركين؟ سبحان الله عما يشركون.
وقال تعالى: ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ إِلا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْداً﴾ 1 من أولهم إلى آخرهم تزجرهم عن ذلك الشرك وتنهاهم عن عبادة ما سوى الله.
انتهى من شرح سنن ابن ماجه.

الثانية عشرة: صفة ركوب بعضهم بعضا.
الثالثة عشرة: إرسال الشهاب.
الرابعة عشره: أنه تارة يدركه الشهاب قبل أن يلقيها، وتارة يلقيها في أُذن وليه من الإنس قبل أن يدركه.
الخامسة عشرة: كون الكاهن يصدُق بعض الأحيان.
السادسة عشرة: كونه يكذب معها مائة كذبة.
السابعة عشرة: أنه لم يصدق كذبه إلا بتلك الكلمة التي سُمعت من السماء.
الثامنة عشرة: قبول النفوس للباطل، كيف يتعلقون بواحدة ولا يعتبرون بمائة؟ التاسعة عشرة: كونهم يتلقى بعضهم من بعض تلك الكلمة، ويحفظونها ويستدلون بها.
العشرون: إثبات الصفات خلافا للأشعرية المعطلة.
الحادية والعشرون: أن تلك الرجفة والغشي خوفا من الله عز وجل.
الثانية والعشرون: أنهم يخرون لله سجدا.

فصول الكتاب · 8 فصل · 518 صفحة
الانتقال إلى صفحة
الشروح والتعليقات١
جارٍ التحميل