فتح المجيد شرح كتاب التوحيدصفحات 390-424
أهل الأثرالأرشيف العلمي

باب " ما جاء في السحر"

صفحات 390-424
عن هذه الطبعة
عَلَم
عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ
الكتاب
فتح المجيد شرح كتاب التوحيد
المؤلف
عبد الرحمن بن حسن بن محمد بن عبد الوهاب بن سليمان التميمي (المتوفى: 1285هـ)
المحقق
محمد حامد الفقي
الناشر
مطبعة السنة المحمدية، القاهرة، مصر
الطبعة
السابعة، 1377هـ/1957م [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]

في شعبان سنة تسع من الهجرة، فأسلم وعاش مائة وعشرين سنة.
وفي الحديث دليل على أن طاعة الأحبار والرهبان في معصية الله عبادة لهم من دون الله، ومن الشرك الأكبر الذي لا يغفره الله؛ لقوله تعالى في آخر الآية: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلا لِيَعْبُدُوا إِلَهاً وَاحِداً لا إِلَهَ إِلا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ . ونظير ذلك قوله تعالى: ﴿وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ﴾ 1. وهذا قد وقع فيه كثير من الناس مع من قلدوهم، لعدم اعتبارهم الدليل إذا خالف المقلد، وهو من هذا الشرك.
ومنهم من يغلو في ذلك ويعتقد أن الأخذ بالدليل والحالة هذه يكره، أو يحرم، فعظمت الفتنة.
ويقول: هم أعلم منا بالأدلة، ولا يأخذ بالدليل إلا المجتهد، وربما تفوهوا بذم من يعمل بالدليل، ولا ريب أن هذا من غربة الإسلام كما قال شيخنا -رحمه الله- في المسائل: " فتغيرت الأحوال، وآلت إلى هذه الغاية فصارت عند الأكثر عبادة الرهبان هي أفضل الأعمال، ويسمونها ولاية، وعبادة الأحبار هي العلم والفقه.
ثم تغيرت الحال إلى أن عبد من ليس من الصالحين، وعبد بالمعنى الثاني من هو من الجاهلين".
فيه مسائل: الأولى: تفسير آية النور.
الثانية: تفسير آية براءة.
الثالثة: التنبيه على معنى العبادة التي أنكرها عدي.
الرابعة: تمثيل ابن عباس بأبي بكر وعمر، وتمثيل أحمد بسفيان.
الخامسة: تغير الأحوال إلى هذه الغاية حتى صار عند الأكثر عبادة الرهبان هي أفضل الأعمال وتسمى الولاية، وعبادة الأحبار هي العلم والفقه، ثم تغيرت الحال إلى أن عبد من دون الله من ليس من الصالحين، وعبد بالمعنى الثاني من هو من الجاهلين.
وأما طاعة الأمراء ومتابعتهم فيما يخالف ما شرعه الله ورسوله فقد عمت بها البلوى قديما وحديثا في أكثر الولاة بعد الخلفاء الراشدين وهلم جرا.
وقد قال تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدىً مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ 2. وعن زياد بن حُدير قال: قال لي عمر رضي الله عنه: "هل تعرف ما يهدم الإسلام؟ قلت: لا، قال: يهدمه زلة العالم، وجدال المنافق بالقرآن، وحكم الأئمة المضلين".
رواه الدارمي.
جعلنا الله وإياكم من الذين يهدون بالحق وبه يعدلون.

باب: قول الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا به﴾

باب "قول الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ 1 الآيات.
قال العماد ابن كثير -رحمه الله تعالى-: " والآية ذامة لمن عدل عن الكتاب والسنة وتحاكم إلى ما سواهما من الباطل; وهو المراد بالطاغوت هاهنا".
وتقدم ما ذكره العلامة ابن القيم -رحمه الله- في حده للطاغوت، وأنه كل ما تجاوز به العبد حده من معبود أو متبوع أو مطاع، فكل من حاكم إلى غير كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، فقد حاكم إلى الطاغوت الذي أمر الله تعالى عباده المؤمنين أن يكفروا به; فإن التحاكم ليس إلا إلى كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم ومن كان يحكم بهما، فمن تحاكم إلى غيرهما فقد تجاوز به حده، وخرج عما شرعه الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، وأنزله منزلة لا يستحقها.
وكذلك من عبد شيئا دون الله فإنما عبد الطاغوت، فإن كان المعبود صالحا صارت عبادة العابد له راجعة إلى الشيطان الذي أمره بها، كما قال تعالى: {وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا مَكَانَكُمْ أَنْتُمْ وَشُرَكَاؤُكُمْ فَزَيَّلْنَا بَيْنَهُمْ وَقَالَ شُرَكَاؤُهُمْ مَا كُنْتُمْ إِيَّانَا تَعْبُدُونَ فَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيداً بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ إِنْ كُنَّا عَنْ عِبَادَتِكُمْ لَغَافِلِينَ هُنَالِكَ تَبْلُو كُلُّ نَفْسٍ مَا أَسْلَفَتْ وَرُدُّوا إِلَى اللَّهِ 1 سورة النساء آية: 60.

مَوْلاهُمُ الْحَقِّ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ} 1. وكقوله: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلائِكَةِ أَهَؤُلاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ﴾ 2. وإن كان ممن يدعو إلى عبادة نفسه أو كان شجرا أو حجرا أو قبرا أو غير ذلك، مما يتخذه المشركون أصناما على صور الصالحين والملائكة وغير ذلك، فهي من الطاغوت الذي أمر الله تعالى عباده أن يكفروا بعبادته، ويتبرءوا منه; ومن عبادة كل معبود سوى الله كائنا من كان، وهذا كله من عمل الشيطان وتسويله، فهو الذي دعا إلى كل باطل وزينه لمن فعله; وهذا ينافي التوحيد الذي هو معنى شهادة أن لا إله إلا الله.
فالتوحيد: هو الكفر بكل طاغوت عبده العابدون من دون الله، كما قال تعالى: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَداً حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾ 3. وكل من عبد غير الله فقد جاوز به حده وأعطاه من العبادة ما لا يستحقه.
قال الإمام مالك -رحمه الله-: "الطاغوت ما عُبد من دون الله".
وكذلك من دعا إلى تحكيم غير الله ورسوله فقد ترك ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم ورغب عنه، وجعل لله شريكا في الطاعة، وخالف ما جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما أمره الله تعالى به في قوله: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ﴾ 4. وقوله تعالى: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ 5. فمن خالف ما أمر الله به ورسوله صلى الله عليه وسلم بأن حكم بين الناس بغير ما أنزل الله، أو طلب ذلك اتباعا لما يهواه ويريده، فقد خلع ربقة الإسلام والإيمان من عنقه، وإن زعم أنه مؤمن، فإن الله تعالى أنكر على من أراد ذلك، وأكذبهم في زعمهم الإيمان لما في ضمن قوله: "يزعمون" من نفي إيمانهم؛ فإن "يزعمون" إنما يقال غالبا لمن ادعى دعوى هو فيها كاذب لمخالفته لموجبها وعمله بما ينافيها، يحقق هذا قوله: "وقد أمروا أن يكفروا به"؛ لأن الكفر بالطاغوت ركن التوحيد كما في آية البقرة، فإذا لم يحصل هذا الركن لم يكن موحدا،

والتوحيد هو أساس الإيمان الذي تصلح به جميع الأعمال وتفسد بعدمه؛ كما أن ذلك بين في قوله تعالى: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾ 1 الآية.
وذلك أن التحاكم إلى الطاغوت إيمان به.
وقوله: ﴿وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالاً بَعِيداً﴾ 2 يبين تعالى في هذه الآية وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودا فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جَاءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلا إِحْسَاناً وَتَوْفِيقاً} 3. أن التحاكم إلى الطاغوت مما يأمر به الشيطان ويزينه لمن أطاعه، ويبين أن ذلك مما أضل به الشيطان من أضله; وأكده بالمصدر، ووصفه بالبعد، فدل على أن ذلك من أعظم الضلال وأبعده عن الهدى.
ففي هذه الآية أربعة أمور: الأول: أنه من إرادة الشيطان.
الثاني: أنه ضلال.
الثالث: تأكيده بالمصدر.
الرابع: وصفه بالبعد عن سبيل الحق والهدى.
فسبحان الله ما أعظم هذا القرآن وما أبلغه! وما أدله على أنه كلام رب العالمين، أوحاه إلى رسوله الكريم، وبلغه عبده الصادق الأمين -صلوات الله وسلامه عليه-.
قوله: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودا﴾ . بين تعالى أن هذه صفة المنافقين، وأن من فعل ذلك أو طلبه، وإن زعم أنه مؤمن فإنه في غاية البعد عن الإيمان.
قال العلامة ابن القيم -رحمه الله تعالى-: " هذا دليل على أنه من دُعي إلى تحكيم الكتاب والسنة فأبى أنه من المنافقين".
قوله: ﴿ويَصُدُّونَ﴾ لازم وهو بمعنى يعرضون؛ لأن مصدره "صدودا" فما أكثر من اتصف بهذا الوصف! خصوصا ممن يدعي العلم؛ فإنهم صدوا عما توجبه الأدلة من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم إلى أقوال من يخطئ كثيرا ممن ينتسب إلى الأئمة الأربعة في تقليدهم من لا يجوز تقليده، واعتمادهم على قول من لا يجوز الاعتماد على قوله، ويجعلون

قوله المخالف لنص الكتاب والسنة وقواعد الشريعة هو المعتمد عندهم الذي لا تصح الفتوى إلا به.
فصار المتبع للرسول صلى الله عليه وسلم بين أولئك غريبا، كما تقدم التنبيه على هذا في الباب الذي قبل هذا.
وقوله: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ﴾ 1. فتدبر هذه الآيات وما بعدها يتبين لك ما وقع فيه غالب الناس من الإعراض عن الحق، وترك العمل به في أكثر الوقائع.
والله المستعان.
قوله: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ﴾ 2. قال أبو العالية في الآية: يعني لا تعصوا في الأرض؛ لأن من عصى الله في الأرض أو أمر بمعصية الله فقد أفسد في الأرض؛ لأن صلاح الأرض والسماء إنما هو بطاعة الله ورسوله.
وقد أخبر تعالى عن إخوة يوسف -عليه السلام- في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ﴾ 3 - إلى قوله -: ﴿قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُمْ مَا جِئْنَا لِنُفْسِدَ فِي الْأَرْضِ وَمَا كُنَّا سَارِقِينَ﴾ 4. فدلت الآية على أن كل معصية فساد في الأرض.
ومناسبة الآية للترجمة: أن التحاكم إلى غير الله ورسوله من أعمال المنافقين، وهو من الفساد في الأرض.
وفي الآية: التنبيه على عدم الاغترار بأقوال أهل الأهواء وإن زخرفوها بالدعوى.
وفيها التحذير من الاغترار بالرأي ما لم يقم على صحته دليل من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، فما أكثر من يصدق بالكذب ويكذب بالصدق إذا جاءه! وهذا من الفساد في الأرض ويترتب عليه من الفساد أمور كثيرة، تخرج صاحبها عن الحق وتدخله في الباطل.
نسأل الله العفو والعافية والمعافاة الدائمة في الدين والدنيا والآخرة.
فتدبر تجد ذلك في حال الأكثر إلا من عصمه الله، ومن عليه بقوة داعي الإيمان، وأعطاه عقلا كاملا عند ورود الشهوات، وبصرا نافذا عند ورود الشبهات، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم.
وقوله: ﴿وَلا تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفاً وَطَمَعاً إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ 5 وقوله: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ 6. قوله: ﴿وَلا تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِهَا﴾ 7 قال أبو بكر ابن عياش في

الآية: " إن الله بعث محمدا صلى الله عليه وسلم إلى أهل الأرض وهم في فساد، فأصلحهم الله بمحمد صلى الله عليه وسلم، فمن دعا إلى خلاف ما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم فهو من المفسدين في الأرض".
وقال ابن القيم -رحمه الله-: " قال أكثر المفسرين: لا تفسدوا فيها بالمعاصي والدعاء إلى غير طاعة الله بعد إصلاح الله لها ببعث الرسل، وبيان الشريعة والدعاء إلى طاعة الله؛ فإن عبادة غير الله والدعوة إلى غيره والشرك به هو أعظم فساد في الأرض، بل فساد الأرض في الحقيقة إنما هو بالشرك به ومخالفة أمره، فالشرك والدعوة إلى غير الله وإقامة معبود غيره، ومطاع متبع غير رسول الله صلى الله عليه وسلم، هو أعظم فساد في الأرض، ولا صلاح لها ولا لأهلها إلا أن يكون الله وحده هو المعبود المطاع، والدعوة له لا لغيره، والطاعة والاتباع لرسوله ليس إلا، وغيره إنما تجب طاعته إذا أمر بطاعة الرسول صلى الله عليه وسلم، فإذا أمر بمعصيته وخلاف شريعته فلا سمع ولا طاعة.
ومن تدبر أحوال العالم وجد كل صلاح في الأرض فسببه توحيد الله وعبادته وطاعة رسوله، وكل شر في العالم وفتنة وبلاء وقحط وتسليط عدو وغير ذلك فسببه مخالفة رسوله، والدعوة إلى غير الله ورسوله".
اهـ. ووجه مطابقة هذه الآية للترجمة: أن التحاكم إلى غير الله ورسوله من أعظم ما يفسد الأرض من المعاصي، فلا صلاح لها إلا بتحكيم كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وهو سبيل المؤمنين، كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيراً﴾ 1. قوله: "وقول الله تعالى: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ ". قال ابن كثير -رحمه الله-: " ينكر تعالى على من خرج عن حكم الله تعالى المشتمل على كل خير، الناهي عن كل شر، وعدل إلى ما سواه من الآراء والأهواء والاصطلاحات التي وضعها الرجال بلا مستند من شريعة الله، كما كان أهل الجاهلية يحكمون به من الجهالات

والضلالات كما يحكم به التتار من السياسات المأخوذة عن جنكيز خان، الذي وضع لهم " الياسق"، وهو عبارة عن كتاب أحكام قد اقتبسها من شرائع شتى من اليهودية والنصرانية والملة الإسلامية، وفيها كثير من الأحكام أخذها عن مجرد نظره وهواه.
فصارت في بنيه شرعا يقدمونها على الحكم بالكتاب والسنة، فمن فعل ذلك فهو كافر يجب قتاله حتى يرجع إلى حكم الله ورسوله، فلا يحكم بسواه في قليل ولا كثير".
1 قوله: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ 2 استفهام إنكار، أي لا حكم أحسن من حكمه تعالى.
وهذا من باب استعمال أفعل التفضيل فيما ليس له في الطرف الآخر مشارك، أي ومن أعدل من الله حكما لمن عقل عن الله شرعه، وآمن وأيقن أنه تعالى أحكم الحاكمين، وأرحم بعباده من الوالدة بولدها، العليم بمصالح عباده القادر على كل شيء، الحكيم في أقواله وأفعاله وشرعه وقدره؟ وفي الآية، التحذير من حكم الجاهلية واختياره على حكم الله ورسوله، فمن فعل ذلك فقد أعرض عن الأحسن، وهو الحق، إلى ضده من الباطل.
قوله: "عن عبد الله بن عمرو -رضي الله عنهما-: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعا لما جئت به " 3. قال النووي: " حديث صحيح رويناه في كتاب الحجة بإسناد صحيح".
هذا الحديث رواه الشيخ أبو الفتح نضر بن إبراهيم المقدسي الشافعي في كتاب: "الحجة على تارك المحجة" بإسناد صحيح كما قاله المصنف -رحمه الله- عن النووي.
ورواه الطبراني وأبو بكر بن عاصم، والحافظ أبو نعيم في الأربعين التي شرط لها أن تكون من صحيح

الأخبار، وشاهده في القرآن قوله تعالى: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ 1 الآية.
وقوله: " ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ﴾ 2. وقوله: " ﴿فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ﴾ 3، ونحوه هذه الآيات.
قوله: "لا يؤمن أحدكم" أي لا يكون من أهل كمال الإيمان الواجب الذي وعد الله أهله عليه بدخول الجنة والنجاة من النار.
وقد يكون في درجة أهل الإساءة والمعاصي من أهل الإسلام.
قوله: "حتى يكون هواه تبعا لما جئت به".
"الهوى" بالقصر، أي ما يهواه وتحبه نفسه وتميل إليه، فإن كان الذي تحبه وتميل إليه نفسه ويعمل به تابعا لما جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يخرج عنه إلى ما يخالفه.
فهذه صفة أهل الإيمان المطلق.
وإن كان بخلاف ذلك أو في بعض أحواله أو أكثرها انتفى عنه من الإيمان كماله الواجب، كما في حديث أبي هريرة: " لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن "4 5 يعني أنه بالمعصية ينتفي عنه كمال الإيمان الواجب، وينزل عنه في درجة الإسلام، وينقص إيمانه، فلا يطلق عليه الإيمان إلا بقيد المعصية أو الفسوق.
فيقال: مؤمن عاص، أو يقال: مؤمن بإيمانه فاسق بمعصيته; فيكون معه مطلق الإيمان الذي لا يصح إسلامه إلا به.
6 كما قال تعالى: ﴿فتحرير رقبة مؤمنة﴾ 7. والأدلة على ما عليه سلف الأمة وأئمتها -أن الإيمان: قول وعمل ونية يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، من كتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم-

أكثر من أن تحصر، فمن ذلك قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ 1 أي صلاتكم إلى بيت المقدس قبل تحويل القبلة، وقول النبي صلى الله عليه وسلم لوفد عبد القيس: "آمركم بالإيمان بالله وحده، أتدرون ما الإيمان بالله وحده؟ شهادة أن لا إله إلا الله " 2. الحديث، وهو في الصحيحين والسنن.
والدليل على أن الإيمان يزيد قوله تعالى: ﴿وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَاناً﴾ 2 الآية.
وقوله: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَاناً﴾ 3 الآية.
خلافا لمن قال: إن الإيمان هو القول، وهم المرجئة، وإن قال: من الإيمان هو التصديق كالأشاعرة.
ومن المعلوم عقلا وشرعا أن نية الحق تصديق، والعمل به تصديق، وقول الحق تصديق، وليس مع أهل البدع ما ينافي قول أهل السنة والجماعة ولله الحمد والمنة.
قال الله تعالى: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ﴾ - إلى قوله -: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا﴾ 4. أي فيما عملوا به في هذه الآية من الأعمال الظاهرة والباطنة.
وشاهده في كلام العرب قولهم: حملة صادقة.
وقد سمى الله تعالى الهوى المخالف لما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم إلها، فقال تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾ 5 قال بعض المفسرين: لا يهوى شيئا إلا ركبه.
قال ابن رجب -رحمه الله-: أما معنى الحديث: فهو أن الإنسان لا يكون مؤمنا كامل الإيمان الواجب، حتى تكون محبته تابعة لما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم من الأوامر والنواهي وغيرها.
فيحب ما أمر به ويكره ما نهي عنه، وقد ورد القرآن بمثل هذا المعنى في غير موضع، وذم سبحانه من كره ما أحبه الله أو أحب ما كرهه الله كما قال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ﴾ 6. فالواجب على كل مؤمن أن يحب ما أحبه الله محبة توجب له الإتيان بما أوجب عليه منه، فإن زادت المحبة حتى أتى بما ندب إليه منه كان ذلك فضلا، وأن يكره ما يكرهه الله كراهة توجب له الكف عما حرم عليه منه، فإن زادت الكراهة حتى أوجبت الكف عما كرهه تنزيها كان ذلك فضلا.
فمن أحب الله ورسوله محبة صادقة من قلبه أوجب ذلك له أن يحب بقلبه ما يحب الله ورسوله، ويكره ما يكرهه الله ورسوله، فيرضى ما يرضى به الله ورسوله، ويسخط ما يسخط الله ورسوله، ويعمل بجوارحه بمقتضى هذا الحب والبغض، فإن عمل بجوارحه شيئا يخالف ذلك، بأن ارتكب بعض ما يكرهه الله ورسوله وترك ما يحبه الله ورسوله مع وجوبه والقدرة عليه، دل ذلك على نقص محبته الواجبة،

فعليه أن يتوب من ذلك ويرجع إلى تكميل المحبة الواجبة التي هي ركن العبادة إذا كملت، فجميع المعاصي تنشأ عن تقديم هوى النفس على محبة الله ورسوله.
وقال الشعبي: " كان بين رجل من المنافقين ورجل من اليهود خصومة، فقال اليهودي: نتحاكم إلى محمد، -لأنه عرف أنه لا يأخذ الرشوة-، وقال المنافق: نتحاكم إلى اليهود، لعلمه أنهم يأخذون الرشوة.
فاتفقا أن يأتيا كاهنا في جُهينة فيتحاكما إليه " 1. فنزلت ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ﴾ 2 الآية.
وقد وصف الله المشركين بأتباع الهوى في مواضع من كتابه، فقال تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدىً مِنَ اللَّهِ﴾ 3. وكذلك البدع إنما تنشأ من تقديم الهوى على الشرع.
ولهذا سمي أهلها أهل الأهواء، وكذلك المعاصي إنما تنشأ من تقديم الهوى على محبة الله ومحبة ما يحبه، وكذلك حب الأشخاص: الواجب فيه أن يكون تبعا لما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم، فيجب على المؤمن محبة ما يحبه الله من الملائكة والرسل والأنبياء والصديقين والشهداء والصالحين عموما; ولهذا كان من علامات وجود حلاوة الإيمان: أن يحب المرء لا يحبه إلا لله4 فتحرم موالاة أعداء الله ومن يكرهه الله عموما، وبهذا يكون الدين كله لله.
ومن أحب لله وأبغض لله، وأعطى لله ومنع لله فقد استكمل الإيمان، ومن كان حبه وبغضه وعطاؤه ومنعه لهوى نفسه كان ذلك نقصا في إيمانه الواجب، فتجب التوبة من ذلك.
انتهى ملخصا.
ومناسبة الحديث للترجمة: بيان الفرق بين أهل الإيمان وأهل النفاق والمعاصي في أقوالهم وأفعالهم وإرادتهم.
قوله: "وقال الشعبي".
هو عامر بن شراحيل الكوفي، عالم أهل زمانه; وقيل: " نزلت في رجلين اختصما، فقال أحدهما: نترافع إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وقال الآخر: إلى كعب بن الأشرف.
ثم ترافعا إلى عمر، فذكر له أحدهما القصة، فقال للذي لم يرض برسول الله صلى الله عليه وسلم: أكذلك؟ قال: نعم.
فضربه بالسيف فقتله".
وكان حافظا علامة ذا فنون.
كان يقول: "ما كتبت سوداء في بيضاء"5، وأدرك خلقا كثيرا من الصحابة، وعاش بضعا وثمانين سنة.
قاله الذهبي.

وفيما قاله الشعبي ما يبين أن المنافق يكون أشد كراهة لحكم الله ورسوله من اليهود والنصارى، ويكون أشد عداوة منهم لأهل الإيمان.
كما هو الواقع في هذه الأزمنة وقبلها من إعانة العدو على المسلمين، وحرصهم على إطفاء نور الإسلام والإيمان، ومن تدبر ما في التاريخ وما وقع منهم من الوقائع عرف أن هذا حال المنافقين قديما وحديثا، وقد حذر الله نبيه صلى الله عليه وسلم من طاعتهم والقرب منهم، وحضه على جهادهم في مواضع من كتابه، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾ 1 الآية.
وقي قصة عمر رضي الله عنه وقتله المنافق الذي طلب التحاكم إلى كعب بن الأشرف اليهودي دليل على قتل من أظهر الكفر والنفاق، وكان كعب بن الأشرف هذا شديد العداوة للنبي صلى الله عليه وسلم والأذى له، والإظهار لعداوته فانتقض به عهده، وحل به قتله.
وروى مسلم في صحيحه عن عمر: سمعت جابرا يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " من لكعب بن الأشرف؟ فإنه قد آذى الله ورسوله، قال محمد بن مسلمة: يا رسول الله، أتحب أن أقتله؟ قال: نعم، قال: ائذن لي فلأقلْ، قال: قل، فأتاه فقال له، وذكر ما بينهما وقال: إن هذا الرجل قد أراد صدقة وقد عنّانا.
فلما سمعه قال: وأيضا والله لتملنه، قال: إنا قد اتبعناه الآن، ونكره أن ندعه حتى ننظر إلى أي شيء يصير أمره، قال: وقد أردت أن تسلفني سلفا، قال: فما ترهنني؟ قال: ما تريد؟ قال: ترهنني نساءكم؟ قال: أنت أجمل العرب، أنرهنك نساءنا؟ قال: ترهنوني أولادكم؟ قال: يُسبُّ ابن أحدنا فيقال: رُهن في وسقين من تمر.
ولكن نرهنك اللامة- يعني السلاح- قال: فنعم.
وواعده أن يأتيه بالحارث وأبي عبس ابن جبر وعباد بن بشر.
قال: فجاءوا فدعوه ليلا فنزل إليهم.
-قال سفيان: قال غير عمرو: - قالت له امرأته: إني أسمع صوتا كأنه صوت دم، قال: إنما هذا محمد بن مسلمة ورضيعه وأبو نائلة2؛ إن الكريم لو دعي إلى طعنة ليلا لأجاب.
قال محمد: إني إذا جاء فسوف

أمد يدي إلى رأسه، فإذا استمكنت منه فدونكم، قال: فلما نزل وهو متوشح.
فقالوا: نجد منك ريح الطيب، قال: نعم، تحتي فلانة أعطر نساء العرب، قال: فتأذن لي أن أشم منه؟ قال: نعم.
فشم، فتناول فشم، ثم قال: أتأذن لي أن أعود؟ قال: فاستمكن من رأسه.
ثم قال: دونكم.
قال: فقتلوه " 1. وفي قصة عمر: بيان أن المنافق المغموض بالنفاق إذا أظهر نفاقه قتل، كما في الصحيحين وغيرهما: أن النبي صلى الله عليه وسلم إنما ترك قتل من أظهر نفاقه منهم تأليفا للناس؛ فإنه قال: " لا يتحدث الناس أن محمدا يقتل أصحابه " 2. فصلوات الله وسلامه عليه.

باب: من جحد شيئا من الأسماء والصفات، وقول الله تعالى: ﴿وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ قُلْ هُوَ رَبِّي لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ مَتَابِ﴾

1. قوله: "باب من جحد شيئا من الأسماء والصفات.
وقول الله تعالى: ﴿وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ قُلْ هُوَ رَبِّي لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ مَتَابِ﴾ . سبب نزول هذه الآية معلوم مذكور في كتب التفسير وغيرها.
وهو أن مشركي قريش جحدوا اسم "الرحمن" عنادا.
وقال تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيّاً مَا تَدْعُوا فَلَهُ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ 2.
و"الرحمن" اسمه وصفته، دل هذا الاسم على أن الرحمة وصفه سبحانه، وهي من صفات الكمال; فإذا كان المشركون جحدوا اسما من أسمائه تعالى، وهو من الأسماء التي دلت على كماله سبحانه وبحمده، فجحود معنى هذا الاسم ونحوه من الأسماء يكون كذلك، فإن جهم بن صفوان ومن تبعه يزعمون أنها لا تدل على صفة قائمة بالله تعالى، وتبعهم على ذلك طوائف من المعتزلة والأشاعرة وغيرهم.
فلهذا كفرهم كثيرون من أهل السنة.
قال العلامة ابن القيم -رحمه الله تعالى-: ولقد تقلد كفرهم خمسون في ... عشر من العلماء في البلدان واللالكائي الإمام حكاه عن ... هم بل حكاه قبله الطبراني فإن هؤلاء الجهمية ومن وافقهم على التعطيل جحدوا ما وصف الله به نفسه ووصفه به رسوله 1 سورة الرعد آية: 30.
2 سورة الإسراء آية: 110.

من صفات كماله ونعوت جلاله، وبنوا هذا التعطيل على أصل باطل أصّلوه من عند أنفسهم فقالوا: هذه الصفات هي صفات الأجسام.
فيلزم من إثباتها أن يكون الله جسما، هذا منشأ ضلال عقولهم، لم يفهموا من صفات الله إلا ما فهموه من خصائص صفات المخلوقين، فشبهوا الله في ابتداء آرائهم الفاسدة بخلقه، ثم عطلوه من صفات كماله، وشبهوه بالناقصات والجمادات والمعدومات; فشبهوا أولا وفي صحيح البخاري قال علي: " حدثوا الناس بما يعرفون؛ أتريدون أن يُكَذَّب الله ورسوله؟ " 1. وعطلوا ثانيا، وشبهوه ثالثا بكل ناقص ومعدوم، فتركوا ما دل عليه الكتاب والسنة من إثبات ما وصف الله به نفسه ووصفه به رسوله على ما يليق بجلاله وعظمته.
وهذا هو الذي عليه سلف الأمة وأئمتها؛ فإنهم أثبتوا لله ما أثبته له رسوله صلى الله عليه وسلم إثباتا بلا تمثيل، وتنزيها بلا تعطيل، فإن الكلام في الصفات فرع عن الكلام في الذات يحتذى حذوه، فكما أن هؤلاء المعطلة يثبتون لله ذاتا لا تشبه الذوات، فأهل السنة يقولون ذلك ويثبتون ما وصف الله به نفسه ووصفه به رسوله من صفات كماله ونعوت جلاله، لا تشبه صفاته صفات خلقه; فإنهم آمنوا بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم ولم يتناقضوا، وأولئك المعطلة كفروا بما في الكتاب والسنة من ذلك وتناقضوا.
فبطل قول المعطلين بالعقل والنقل ولله الحمد والمنة، وإجماع أهل السنة من الصحابة والتابعين وتابعيهم وأئمة المسلمين.
وقد صنف العلماء -رحمهم الله تعالى- في الرد على الجهمية والمعطلة والمعتزلة والأشاعرة وغيرهم في إبطال هذه البدع، وما فيها من التناقض والتهافت: كالإمام أحمد -رحمه الله تعالى- في رده المشهور، وكتاب السنة لابنه عبد الله، وصاحب الحيدة عبد العزيز الكتاني في رده على بشر المريسي، وكتاب السنة لأبي عبد الله المروزي، ورد عثمان بن سعيد على الكافر العنيد.
وهو بشر المريسي، وكتاب التوحيد لإمام الأئمة محمد بن خزيمة الشافعي، وكتاب السنة لأبي بكر الخلال، وأبي عثمان الصابوني الشافعي، وشيخ الإسلام الأنصاري، وأبي عمر بن عبد البر النمري، وخلق كثير من أصحاب الأئمة الأربعة وأتباعهم، وأهل الحديث.
ومن متأخريهم: أبو محمد عبد الله بن أحمد بن قدامة، وشيخ الإسلام ابن تيمية وأصحابه وغيرهم -رحمهم الله تعالى-.
فلله الحمد والمنة على بقاء السنة وأهلها مع تفرق الأهواء وتشعب الآراء.
والله أعلم.
قوله: "وفي صحيح البخاري قال علي رضي الله عنه: " حدثوا الناس بما يعرفون؛ أتريدون

أن يُكَذَّب الله ورسوله؟ ". "علي": هو أمير المؤمنين أبو الحسن علي ابن أبي طالب، وأحد الخلفاء الراشدين.
وسبب هذا القول - والله أعلم - ما حدث في خلافته من كثرة إقبال الناس على الحديث، وكثرة القصاص وأهل الوعظ.
فيأتون في قصصهم بأحاديث لا تعرف من هذا القبيل1 فربما استنكرها بعض الناس وردها.
وقد يكون لبعضها أصل أو معنى صحيح، فيقع بعض المفاسد لذلك، فأرشدهم أمير المؤمنين رضي الله عنه إلى أنهم لا يحدثون عامة الناس إلا بما هو معروف ينفع الناس في أصل دينهم وأحكامه، من بيان الحلال من الحرام الذي كلفوا به علما وعملا، دون ما يشغل عن ذلك مما قد يؤدي إلى رد الحق وعدم قبوله فيفضي بهم إلى التكذيب، ولا سيما مع اختلاف الناس في وقته، وكثرة خوضهم وجدلهم.
وقد كان شيخنا المصنف -رحمه الله- لا يحب أن يقرأ على الناس إلا ما ينفعهم في أصل دينهم، وعباداتهم ومعاملاتهم الذي لا غنى لهم عن معرفته، وينهاهم عن القراءة في مثل كتب ابن الجوزي: كالمنعش، والمرعش، والتبصرة؛ لما في ذلك من الإعراض عما هو أوجب وأنفع، وفيها ما الله به أعلم مما لا ينبغي اعتقاده.
والمعصوم من عصمه الله.
وقد كان أمير المؤمنين معاوية ابن أبي سفيان ينهى القصاص عن القصص; لما في قصصهم من الغرائب والتساهل في النقل وغير ذلك; ويقول: " لا يقص إلا أمير أو مأمور " 2. وكل هذا محافظة على لزوم الثبات على الصراط وروى عبد الرزاق عن معمر عن ابن طاوس عن أبيه عن ابن عباس: " أنه

رأى رجلا انتفض لما سمع حديثا عن النبي صلى الله عليه وسلم في الصفات - استنكارا لذلك- فقال: ما فَرَقُ هؤلاء؟ يجدون رِقّة عند مُحكمه، ويهلكون عند متشابهه " 1. انتهى.
المستقيم علما وعملا ونية وقصدا، وترك كل ما كان وسيلة إلى الخروج عنه من البدع ووسائلها، والله الموفق للصواب، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
قوله: "وروى عبد الرزاق عن معمر عن ابن طاوس عن أبيه عن ابن عباس: " أنه رأى رجلا انتفض لما سمع حديثا عن النبي صلى الله عليه وسلم في الصفات استنكارا لذلك، فقال: ما فَرق هؤلاء؟ يجدون رقة عند محكمه، ويهلكون عند متشابهه ". قوله: "وروى عبد الرزاق" هو ابن همام الصنعاني المحدث، محدث اليمن صاحب التصانيف، أكثر الرواية عن معمر بن راشد صاحب الزهري، وهو شيخ عبد الرزاق يروي عنه كثيرا.
ومعمر- بفتح الميمين وسكون العين- أبو عروة ابن أبي عمرو راشد الأزدي الحراني ثم اليماني، أحد الأعلام من أصحاب محمد بن شهاب الزهري يروي عنه كثيرا.
قوله: "عن ابن طاوس" هو عبد الله بن طاوس اليماني.
قال معمر: " كان من أعلم الناس بالعربية".
وقال ابن عيينة: مات سنة اثنتين وثلاثين ومائة.
قوله: "عن أبيه" هو طاوس بن كيسان الجندي -بفتح الجيم والنون- الإمام العلم، قيل: اسمه ذَكوان.
قاله ابن الجوزي.
قلت: وهو من أئمة التفسير ومن أوعية العلم، قال في تهذيب الكمال: عن الوليد الموقري عن الزهري قال: " قدمت على عبد الملك بن مروان فقال: من أين قدمت يا زهري؟ قال: قلت: من مكة، قال: ومن خلفت يسودها وأهلها؟ قلت: عطاء ابن أبي رباح.
قال: فمن العرب أم من الموالي؟ قلت: من الموالي.
قال: فبم سادهم؟ قال: قلت: بالديانة والرواية.
قال: إن أهل الديانة والرواية لينبغي أن يسودوا.
قال: فمن يسود أهل اليمن؟ قلت: طاوس بن كيسان.
قال: فمن العرب أم من الموالي؟ قال: قلت: من الموالي.
قال: فبم سادهم؟ قلت: بما ساد به عطاء.
قال: إنه لينبغي ذلك.
قال: فمن يسود أهل مصر؟ قلت: يزيد بن حبيب.
قال: فمن العرب أم من الموالي؟ قال: قلت: من الموالي.
قال: فمن يسود أهل الشام؟ قلت: مكحول.
قال: فمن العرب أم من الموالي؟ قلت: من الموالي، عبد نوبي أعتقته امرأة من هذيل.
قال: فمن يسود أهل الجزيرة؟ قلت: ميمون بن مهروان.
قال: فمن العرب أم من

الموالي؟ قال: قلت: من الموالي.
قال: فمن يسود أهل خراسان؟ قال: قلت: الضحاك بن مزاحم.
قال: فمن العرب أم من الموالي؟ قال: قلت: من الموالي.
قال: فمن يسود أهل البصرة؟ قال: قلت: الحسن البصري.
قال: فمن العرب أم من الموالي؟ قلت: من الموالي.
قال: ويلك، ومن يسود أهل الكوفة؟ قال: قلت: إبراهيم النخعي.
قال: فمن العرب أم من الموالي؟ قال: قلت: من العرب.
قال: ويلك يا زهري فرجت عني، والله لتسودن الموالي على العرب في هذا البلد حتى يخطب لها على المنابر والعرب تحتها.
قال: قلت: يا أمير المؤمنين، إنما هو دين، مَن حفظه ساد، ومن ضيعه سقط ". قوله: "عن ابن عباس" قد تقدم، وهو حبر الأمة وترجمان القرآن، ودعا له النبي صلى الله عليه وسلم وقال: " اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل " 1. وروى عنه أصحابه أئمة التفسير: كمجاهد، وسعيد بن جبير، وعطاء ابن أبي رباح، وطاوس وغيرهم. قوله: "ما فرق هؤلاء؟ " يستفهم من أصحابه، يشير إلى أناس ممن يحضر مجلسه من عامة الناس، فإذا سمعوا شيئا من محكم القرآن ومعناه حصل معهم فَرق أي خوف، فإذا سمعوا شيئا من أحاديث الصفات انتفضوا كالمنكرين له، فلم يحصل منهم الإيمان الواجب الذي أوجبه الله تعالى على عباده المؤمنين2.
قال الذهبي: حدث وكيع عن إسرائيل بحديث: "إذا جلس الرب على الكرسي" فاقشعر رجل عند وكيع، فغضب وكيع وقال: "أدركنا الأعمش وسفيان يحدثون بهذه الأحاديث ولا ينكرونها".
أخرجه عبد الله بن أحمد في كتاب الرد على الجهمية.
وربما حصل معهم من عدم تلقيه بالقبول ترك ما وجب من الإيمان به، فتشبه حالهم حال من قال الله فيهم: ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ﴾ 3. فلا يسلم من الكفر إلا من عمل بما وجب عليه في ذلك من الإيمان بكتاب الله كله واليقين، كما قال تعالى: {هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ

يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الأَلْبَابِ} 1. فهؤلاء الذين ذكرهم ابن عباس -رضي الله عنهما- تركوا ما وجب عليهم من الإيمان بما لم يعرفوا معناه من القرآن، وهو حق لا يرتاب فيه مؤمن، وبعضهم يفهم منه غير المراد من المعنى الذي أراد الله فيحمله على غير معناه، كما جرى لأهل البدع: كالخوارج والرافضة والقدرية، ونحوهم ممن يتأول بعض آيات القرآن على بدعته.
وقد وقع منهم الابتداع والخروج عن الصراط المستقيم; فإن الواقع من أهل البدع وتحريفهم لمعنى الآيات يبين معنى قول ابن عباس.
وسبب هذه البدع جهل أهلها وقصورهم في الفهم، وعدم أخذ العلوم الشرعية على وجهها، وتلقيها من أهلها العارفين لمعناها الذين وفقهم الله تعالى لمعرفة المراد، والتوفيق بين النصوص، والقطع بأن بعضها لا يخالف بعضا، ورد المتشابه إلى المحكم.
وهذه طريقة أهل السنة والجماعة في كل زمان ومكان، فلله الحمد لا نحصي ثناء عليه.
" ذكر ما ورد عن علماء السلف في المتشابه" قال في الدر المنثور: أخرج الحاكم – وصححه-2 عن ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " كان الكتاب الأول ينزل من باب واحد على حرف واحد، فنزل القرآن من سبعة أبواب على سبعة أحرف: زجر، وأمر، وحلال، وحرام، ومحكم، ومتشابه، وأمثال.
فأحلوا حلاله، وحرموا حرامه، وافعلوا ما أمرتم به، وانتهوا عما نهيتم عنه، واعتبروا بأمثاله واعملوا بمحكمه وآمنوا بمتشابهه، وقولوا آمنا به كل من عند ربنا ". قال: وأخرج عبد بن حميد عن قتادة في قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ﴾ 3 الآية.
قال: طلب القوم التأويل، فأخطأوا التأويل وأصابوا الفتنة، وطلبوا ما تشابه منه فهلكوا بين ذلك.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ﴾ 4 قال: "منهن قوله تعالى: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ﴾ 5 إلى ثلاث آيات، ومنهن " ﴿وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه﴾ 6 إلى آخر الآيات".
وأخرج ابن جرير من طريق أبي مالك عن أبي صالح عن ابن عباس، وعن مُرّة عن ابن مسعود وناس من الصحابة -رضي الله عنهم-: "المحكمات الناسخات التي يعمل بهن، والمتشابهات المنسوخات".

ولما سمعت قريش رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكر " الرحمن " أنكروا ذلك.
فأنزل الله فيهم ﴿وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ﴾ 1. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن إسحاق بن سويد أن يحيى بن يعمر وأبا فاختة تراجعا هذه الآية ﴿هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ 2 فقال أبو فاختة: "هن فواتح السور، منها يستخرج القرآن ﴿الم ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾ منها استخرجت البقرة، و ﴿الم اللَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ﴾ 3 منها استخرجت آل عمران.
وقال يحيى: هن اللاتي فيهن الفرائض، والأمر والنهي والحلال والحرام، والحدود وعماد الدين".
4 وأخرج ابن جرير عن محمد بن جعفر بن الزبير قال: "المحكمات فيهن حجة الرب وعصمة العباد، ودفع الخصوم والباطل، ليس فيه تصريف ولا تحريف عما وضعت عليه.
"وأخر متشابهات" في الصدق، لهن تصريف وتحريف وتأويل، ابتلى الله بهن العباد كما ابتلاهم بالحلال والحرام، لا يصرفن إلى الباطل ولا يحرفن عن الحق".
وأخرج ابن أبي حاتم عن مقاتل بن حيان إنما قال: ﴿هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ ؛ لأنه ليس من أهل دين لا يرضى بهن.
﴿وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾ 5 يعني فيما بلغنا "الم" و "المص" و "المر".
قلت: وليس في هذه الآثار ونحوها ما يشعر بأن أسماء الله تعالى وصفاته من المتشابه، وما قال النفاة من أنها من المتشابه دعوى بلا برهان.
قوله: "ولما سمعت قريش رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكر الرحمن أنكروا ذلك فأنزل الله فيهم ﴿وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ﴾ . روى ابن جرير عن قتادة: ﴿وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ﴾ ذكر لنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم زمن الحديبية حين صالح قريشا كتب "هذا ما صالح عليه محمد رسول الله، فقال مشركو قريش: "6 لئن كنت رسول الله ثم قاتلناك لقد ظلمناك، ولكن أكتب: هذا ما صالح عليه محمد بن عبد الله.
فقال أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله دعنا نقاتلهم.
فقال: لا.
اكتبوا كما يريدون: إني محمد بن عبد الله.
فلما كتب الكاتب "بسم الله فيه مسائل: الأولى: عدم الإيمان بجحد شيء من الأسماء والصفات.
الثانية: تفسير آية الرعد.
الثالثة: ترك التحديث بما لا يفهم السامع.
الرابعة: ذكر العلة أنه يُفضي إلى تكذيب الله ورسوله ولو لم يتعمد المنكر.
الخامسة: كلام ابن عباس لمن استنكر شيئا من ذلك وأنه أهلكه.

الرحمن الر حيم" قالت قريش: أما الرحمن فلا نعرفه.
وكان أهل الجاهلية يكتبون باسمك اللهم.
فقال أصحابه: دعنا نقاتلهم.
قال: لا.
ولكن اكتبوا كما يريدون".
وروي أيضا عن مجاهد قال: قوله: ﴿كَذَلِكَ أَرْسَلْنَاكَ فِي أُمَّةٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهَا أُمَمٌ لِتَتْلُوَ عَلَيْهِمُ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ قُلْ هُوَ رَبِّي لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ مَتَابِ﴾ 1. قال: "هذا ما كاتب عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم قريشا في الحديبية; كتب "بسم الله الرحمن الرحيم" قالوا: لا تكتب الرحمن، لا ندري ما الرحمن؟ لا نكتب إلا باسمك اللهم.
قال الله تعالى: ﴿وهم يكفرون بالرحمن﴾ الآية.
وروي أيضا عن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو ساجدا: يا رحمن يا رحيم، فقال المشركون: هذا يزعم أنه يدعو واحدا وهو يدعو مثنى مثنى، فأنزل الله: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيّاً مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ 2 الآية.

باب: قول الله تعالى: ﴿يعرفون نعمة الله ثم ينكرونها وأكثرهم الكافرون﴾

... باب: قوله تعالى: ﴿يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَهَا وَأَكْثَرُهُمُ الْكَافِرُونَ﴾ 1 قول مجاهد ما معناه: " هو قول الرجل: هذا مالي ورثته عن آبائي".
وقال عون بن عبد الله: " يقولون لولا فلان لم يكن كذا".
وقال قتيبة: " يقولون: هذا بشفاعة آلهتنا".
قوله: "باب قول الله تعالى: ﴿يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَهَا وَأَكْثَرُهُمُ الْكَافِرُونَ﴾ ". ذكر المصنف -رحمه الله- ما ذكر بعض العلماء في معناها.
وقال ابن جرير: فإن أهل التأويل اختلفوا في المعني بالنعمة.
فذكر عن سفيان عن السدي {يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ ثُمَّ 1 سورة النحل آية: 83.

يُنْكِرُونَهَا} . قال: "محمد صلى الله عليه وسلم".
وقال آخرون: بل معنى ذلك أنهم يعرفون أن ما عدد الله تعالى ذكره في هذه السورة من النعم من عند الله، وأن الله هو المنعم عليهم بذلك، ولكنهم ينكرون ذلك، فيزعمون أنهم ورثوه عن آبائهم.
وأخرج عن مجاهد: " "يعرفون نعمة الله ثم ينكرونها".
قال: هي المساكن والأنعام وما يرزقون منها، والسرابيل من الحديد والثياب، تعرف هذا كفار قريش ثم تنكره، بأن تقول: هذا كان لآبائنا فورثونا إياه".
وقال آخرون: معنى ذلك أن الكفار إذا قيل لهم: من رزقكم؟ أقروا بأن الله هو الذي يرزقهم ثم ينكرونه بقولهم: رزقنا ذلك بشفاعة آلهتنا.
وذكر المصنف مثل هذا عن ابن قتيبة، وهو أبو محمد عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدينوري قاضي مصر1 النحوي اللغوي، صاحب المصنفات البديعة المفيدة المحتوية على علوم جمة، اشتغل ببغداد وسمع الحديث على إسحاق بن راهويه وطبقته.
توفي سنة ست وسبعين ومائتين.
وقال أبو العباس -بعد حديث زيد بن خالد الذي فيه أن الله تعالى قال: " أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر " الحديث.
وقد تقدم-: " وهذا كثير في الكتاب والسنة، يذم سبحانه من يضيف إنعامه إلى غيره ويشرك به.
قال بعض السلف: هو كقولهم: كانت الريح طيبة والملاح حاذقا، ونحو ذلك مما هو جار على ألسنة كثير".
وقال آخرون: ما ذكره المصنف "عن عون بن عبد الله بن عتبة بن مسعود الهذلي" أبو عبد الله الكوفي الزاهد عن أبيه وعائشة وابن عباس، وعنه قتادة وأبو الزبير والزهري، وثقه أحمد وابن معين.
قال البخاري: مات بعد العشرين ومائة ﴿يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَهَا﴾ 2 قال: "إنكارهم إياها أن يقول الرجل: لولا فلان ما كان كذا وكذا، ولولا فلان ما أصبت كذا وكذا".
واختار ابن جرير القول الأول، واختار غيره أن الآية تعم ما ذكره العلماء في معناها.
وهو الصواب والله أعلم.
قوله: "قال مجاهد" هو شيخ التفسير: الإمام الرباني، مجاهد بن جبر المكي مولى بني مخزوم.
قال الفضل بن ميمون: سمعت مجاهدا يقول: عرضت المصحف على ابن عباس مرات; أقفه عند كل آية وأسأله فيم نزلت؟ وكيف نزلت؟ وكيف معناها؟ توفي سنة اثنتين ومائة.
وله ثلاث وثمانون سنة -رحمه الله-.

قوله: "وقال أبو العباس" هو شيخ الإسلام أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن تيمية الإمام الجليل -رحمه الله بعد حديث زيد بن خالد- وقد تقدم في باب ما جاء في الاستسقاء بالأنواء.
قال: " وهذا كثير في الكتاب والسنة، يذم سبحانه من يضيف إنعامه إلى غيره ويشرك به.
قال بعض السلف: هو كقولهم: كانت الريح طيبة; والملاح حاذقا.
ونحو ذلك مما هو جار على ألسنة كثير".
اهـ. وكلام شيخ الإسلام يدل على أن حكم هذه الآية عام فيمن نسب النعم إلى غير الله الذي أنعم بها، وأسند أسبابها إلى غيره، كما هو مذكور في كلام المفسرين المذكور بعضه هنا.
قال شيخنا -رحمه الله-: " وفيه اجتماع الضدين في القلب، وتسمية هذا الكلام إنكارا للنعمة".
فيه مسائل: الأولى: تفسير معرفة النعمة وإنكارها.
الثانية: معرفة أن هذا جار على ألسنة كثير.
الثالثة: تسمية هذا الكلام إنكارا للنعمة.
الرابعة: اجتماع الضدين في القلب.

باب: قول الله تعالى: ﴿فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَاداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾

1. قوله: "باب قول الله تعالى: ﴿فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَاداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ ". الند: المثل والنظير.
وجعل الند لله: هو صرف أنواع العباده أو شيء منها لغير الله، 1 سورة البقرة آية: 22.

كحال عبدة الأوثان الذين يعتقدون فيمن دعوه ورجوه أنه ينفعهم ويدفع عنهم، ويشفع لهم.
وهذه الآية في سياق قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ فِرَاشاً وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقاً لَكُمْ فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَاداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ 1. قال العماد ابن كثير -رحمه الله- في تفسيره: قال أبو العالية: لا تجعلوا لله أندادا أي عدلاء شركاء، وهكذا قال الربيع بن أنس وقتادة والسدي وأبو مالك وإسماعيل ابن أبي خالد.
وقال ابن عباس: ﴿فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَاداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ أي لا تشركوا بالله شيئا من الأنداد التي لا تنفع ولا تضر، وأنتم تعلمون أنه ربكم لا رب لكم يرزقكم غيره، وقد علمتم أن الذي يدعوكم الرسول إليه من توحيده هو الحق الذي لا شك فيه.
وكذلك قال قتادة.
وعن قتادة ومجاهد: ﴿فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَاداً﴾ قال: أكفاء من الرجال تطيعونهم في معصية الله.
وقال ابن زيد: الأنداد هي الآلهة التي جعلوها معه وجعلوا لها مثل ما جعلوا له.
وعن ابن عباس ﴿فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَاداً﴾ أشباها، وقال مجاهد: "فلا تجعلوا لله أندادا وأنتم تعلمون".
قال: تعلمون أنه إله واحد في التوراة والإنجيل.
وذكر حديثا في معنى هذه الآية الكريمة، وهو ما في مسند أحمد: عن الحارث الأشعري أن نبي الله صلى الله عليه وسلم قال: " إن الله أمر يحيى بن زكريا -عليه السلام- بخمس كلمات أن يعمل بهن، وأن يأمر بنى إسرائيل أن يعملوا بهن، وأنه كاد أن يبطئ بها.
فقال له عيسى -عليه السلام-: إن الله أمرك بخمس كلمات أن تعمل بهن وتأمر بني إسرائيل أن يعملوا بهن، فإما أن تبلغهن وإما أن أبلغهن.
فقال: يا أخي; إني أخشى إن سبقتني أن أُعذب أو يخسف بي.
قال: فجمع يحيى بن زكريا بني إسرائيل في بيت المقدس، حتى امتلأ المسجد وقُعد على الشرف.
فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: إن الله أمرني بخمس كلمات أن أعمل بهن وآمركم أن تعملوا بهن: أولاهن: أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا، فإن مثل ذلك كمثل رجل اشترى عبدا من خالص ماله بذهب أو ورق; فجعل يعمل ويؤدي غَلّته إلى غير سيده، فأيكم يسره أن يكون عبده كذلك؟ وإن الله خلقكم ورزقكم فاعبدوه ولا تشركوا به شيئا.
وآمركم بالصلاة؛ فإن الله ينصب وجهه لوجه عبده ما لم يلتفت، فإذا صليتم فلا تلتفتوا.
وآمركم بالصيام; فإن مثل ذلك كمثل رجل معه صرة من مسك في عصابة كلهم يجد ريح المسك.
وإن خلوف فم الصائم أطيب عند الله

من ريح المسك.
وآمركم بالصدقة; فإن مثل ذلك كمثل رجل أسره العدو فشدوا يديه إلى عنقه، وقدموه ليضربوا عنقه، فقال لهم: هل لكم أن أفتدي نفسي منكم؟ فجعل يفتدي بالقليل والكثير حتى فك نفسه.
وآمركم بذكر الله كثيرا; فإن مثل ذلك كمثل رجل طلبه العدو سراعا في أثره، فأتى حصنا حصينا فتحصن فيه، وإن العبد أحصن ما يكون من الشيطان إذا كان في ذكر الله.
قال: وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: وأنا آمركم بخمس الله أمرني بهن: الجماعة والسمع والطاعة، والهجرة; والجهاد في سبيل الله؛ فإنه من خرج من الجماعة قيد شبر فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه إلا أن يراجع، ومن دعا بدعوى الجاهلية فهو من جُثى 1 جهنم.
قالوا: يا رسول الله وإن صلى وصام؟ فقال: وإن صلى وصام وزعم أنه مسلم، فادعوا المسلمين بأسمائهم التي سماهم الله عز وجل المسلمين المؤمنين عباد الله" 2. وهذا حديث حسن، والشاهد منه في هذه الآية قوله: "إن الله خلقكم ورزقكم فاعبدوه ولا تشركوا به شيئا".
وهذه الآية دالة على توحيد الله تعالى بالعبادة وحده لا شريك له.
وقد استدل بها كثير من المفسرين على وجود الصانع، وهي دالة على ذلك بطريق الأولى.
والآيات الدالة على هذا المقام في القرآن كثيرة جدا.
وسئل أبو نواس عن ذلك فأنشد: تأمل في نبات الأرض وانظر ... إلى آثار ما صنع المليك عيون من لجين ناظرات ... بأحداق هي الذهب السبيك على قضب الزبرجد شاهدات ... بأن الله ليس له شريك وقال ابن المعتز: فيا عجبا كيف يعصى الإل ... هـ أم كيف يجحده الجاحد؟ وفي كل شيء له آية ... تدل على أنه واحد قوله: "وعن ابن عباس -رضي الله عنهما- في الآية: "الأنداد: هو الشرك، أخفى من دبيب

النمل على صفاة سوداء في ظلمة الليل.
وهو أن تقول: والله وحياتك يا فلان وحياتي.
وتقول: لولا كليبة هذه لأتانا اللصوص.
ولولا البط في الدار لأتانا اللصوص.
وقول الرجل لصاحبه: ما شاء الله وشئت.
وقول الرجل: لولا الله وفلان، لا تجعل فيها فلانا.
هذا كله به شرك".
رواه ابن أبي حاتم" بين ابن عباس -رضي الله عنهما- أن هذا كله من الشرك، وهو الواقع اليوم على ألسن كثير ممن لا يعرف التوحيد ولا الشرك، فتنبه لهذه الأمور؛ فإنها من المنكر العظيم الذي يجب النهي عنه والتغليظ فيه؛ لكونه من أكبر الكبائر.
وهذا من ابن عباس -رضي الله عنهما- شبيه بالأدنى من الشرك على الأعلى.
وعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " من حلف بغير الله فقد كفر، أو أشرك " 1. رواه الترمذي وحسنه، وصححه الحاكم.
وقال ابن مسعود: " لأن أحلف بالله كاذبا أحب إلي من أن أحلف بغيره صادقا " 2. "وعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك " 3. رواه الترمذي وحسنه وصححه الحاكم".
قوله: "فقد كفر أو أشرك" يحتمل لي أن يكون شكا من الراوي، ويحتمل أن تكون أو بمعنى الواو، فيكون قد كفر وأشرك.
ويكون من الكفر الذي هو دون الكفر الأكبر، كما هو من الشرك الأصغر.
وورد مثل هذا عن ابن مسعود بهذا اللفظ.

قوله: "وقال ابن مسعود: " لأن أحلف بالله كاذبا أحب إلي من أن أحلف بغيره صادقا ". ومن المعلوم أن الحلف بالله كاذبا كبيرة من الكبائر، لكن الشرك أكبر من الكبائر، وإن كان أصغر كما تقدم بيان ذلك.
فإذا كان هذا حال الشرك الأصغر فكيف بالشرك الأكبر الموجب للخلود في النار؟ كدعوة غير الله والاستغاثة به، والرغبة إليه، وإنزال حوائجه به; كما هو حال الأكثر من هذه الأمة في هذه الأزمان وما قبلها: من تعظيم القبور، واتخاذها أوثانا، والبناء عليها، واتخاذها مساجد، وبناء المشاهد باسم الميت لعبادة من بنيت باسمه وتعظيمه، والإقبال عليه بالقلوب والأقوال والأعمال.
وقد عظمت البلوى بهذا الشرك الأكبر الذي لا يغفره الله، وتركوا ما دل عليه القرآن العظيم من النهي عن هذا الشرك وما يوصل إليه.
قال الله تعالى: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَوْ كَذَّبَ بِآياتِهِ أُولَئِكَ يَنَالُهُمْ نَصِيبُهُمْ مِنَ الْكِتَابِ حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا يَتَوَفَّوْنَهُمْ قَالُوا أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالُوا ضَلُّوا عَنَّا وَشَهِدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ﴾ 1. كفرهم الله تعالى بدعوتهم من كانوا يدعونه من دونه في دار الدنيا.
وقد قال تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُو مَعَ اللَّهِ أَحَداً﴾ 2. وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَدْعُو رَبِّي وَلا أُشْرِكُ بِهِ أَحَداً قُلْ إِنِّي لا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرّاً وَلا رَشَداً﴾ 3. وهؤلاء المشركون عكسوا الأمر فخالفوا ما بلغ به الأمة وأخبر به عن نفسه صلى الله عليه وسلم، فعاملوه بما نهاهم عنه من الشرك بالله والتعلق على غير الله حتى قال قائلهم: يا أكرم الخلق ما لي من ألوذ به ... سواك عند حلول الحادث العمم إن لم تكن في معادي آخذا بيدي ... فضلا وإلا فقل يا زلة القدم

فإن من جودك الدنيا وضرتها ... ومن علومك علم اللوح والقلم فانظر إلى هذا الجهل العظيم حيث اعتقد أنه لا نجاة له إلا بعياذه ولياذه بغير الله، وانظر إلى هذا الإطراء العظيم الذي تجاوز الحد في الإطراء الذي نهى عنه صلى الله عليه وسلم بقوله: " لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم، إنما أنا عبد فقولوا: عبد الله ورسوله ". رواه مالك وغيره1 2. وقد قال تعالى: ﴿قُلْ لا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ﴾ 3. وعن حذيفة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " لا تقولوا: ما شاء الله وشاء فلان، ولكن قولوا: ما شاء الله ثم شاء فلان " 4 رواه أبو داود بسند صحيح.
وجاء عن إبراهيم النخعي " أنه يكره أعوذ بالله وبك.
ويجوز أن يقول: بالله ثم بك.
قال ويقول: لولا الله ثم فلان، ولا تقولوا: لولا الله وفلان".
فانظر إلى هذه المعارضة العظيمة للكتاب والسنة والمحادة لله ورسوله.
وهذا الذي يقوله هذا الشاعر5 هو الذي في نفوس كثير خصوصا ممن يدعون العلم والمعرفة.
ورأوا قراءة هذه المنظومة ونحوها لذلك وتعظيمها من القربات فإنا لله وإنا إليه راجعون.
قوله: "وعن حذيفة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " لا تقولوا: ما شاء الله وشاء فلان، ولكن قولوا: ما شاء الله، ثم شاء فلان ". رواه أبو داود بسند صحيح".
وذلك لأن المعطوف بالواو يكون مساويا للمعطوف عليه، لكونها إنما وضعت لمطلق الجمع، فلا تقتضي ترتيبا ولا تعقيبا.
وتسوية المخلوق بالخالق شرك إن كان في الأصغر- مثل هذا- فهو أصغر، وإن كان في الأكبر فهو أكبر، كما قال الله تعالى عنهم في الدار الآخرة: ﴿تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ 6 بخلاف المعطوف بثم؛ فإن المعطوف بها يكون متراخيا عن المعطوف عليه بمهملة، فلا محذور لكونه صار تابعا.

قوله: "وعن إبراهيم النخعي "أنه يكره أن يقول الرجل: أعوذ بالله وبك.
ويجوز أن يقول: بالله ثم بك.
قال: ويقول: لولا الله ثم فلان، ولا تقولوا: لولا الله وفلان".
وقد تقدم الفرق بين ما يجوز وما لا يجوز من ذلك.
هذا إنما هو في الحي فيه مسائل: الأولى: تفسير آية البقرة في الأنداد.
الثانية: أن الصحابة يفسرون الآية النازلة في الشرك الأكبر أنها تعم الأصغر.
الثالثة: أن الحلف بغير الله شرك.
الرابعة: أنه إذا حلف بغير الله صادقا فهو أكبر من اليمين الغموس.
الخامسة: الفرق بين الواو وثم في اللفظ.
الحاضر الذي له قدرة وسبب في الشيء.
وهو الذي يجري في حقه مثل ذلك.
وأما في حق الأموات الذين لا إحساس لهم بمن يدعوهم، ولا قدرة لهم على نفع ولا ضر، فلا يقال في حقهم شيء من ذلك.
فلا يجوز التعلق عليه بشيء ما بوجه من الوجوه، والقرآن يبين ذلك وينادي بأنه يجعلهم آلهة إذا سُئلوا شيئا من ذلك، أو رغب إليهم أحد بقوله أو عمله الباطن أو الظاهر، فمن تدبر القرآن ورزق فهمه صار على بصيرة من دينه وبالله التوفيق.
والعلم لا يؤخذ قسرا وإنما يؤخذ بأسباب ذكرها بعضهم في قوله: أخي لن تنال العلم إلا بستة ... سأنبيك عن تفصيلها ببيان ذكاء وحرص واجتهاد وبلغة ... وإرشاد أستاذ وطول زمان وأعظم من هذه الستة من رزقه الله تعالى الفهم والحفظ، وأتعب نفسه في تحصيله فهو الموفق لمن شاء من عباده، كما قال تعالى ﴿وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً﴾ 1. والجهل داء قاتل وشفاؤه ... أمران في التركيب متفقان نص من القرآن أو من سنة ... وطبيب ذاك العالم الرباني والعلم أقسام ثلاث ما لها ... من رابع والحق ذو تبيان علم بأوصاف الإله وفعله ... وكذلك الأسماء للرحمن والأمر والنهي الذي هو دينه ... وجزاؤه يوم المعاد الثاني والكل في القرآن والسنن التي ... جاءت عن المبعوث بالقرآن بسواهما إلا من الهذيان والله ما قال امرؤ متحذلق ...

باب: " ما جاء فيمن لم يقنع بالحلف بالله"

عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " لا تحلفوا بآبائكم.
من حُلف له بالله فليُصَدِّق.
ومن حُلف له بالله فليرض، ومن لم يرض فليس من الله " 1. رواه ابن ماجه بسند حسن.
قوله: "باب ما جاء فيمن لم يقنع بالحلف بالله" "عن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " لا تحلفوا بآبائكم من حُلف بالله فليصدق، ومن حُلف له بالله فليرض، ومن لم يرض فليس من الله ". رواه ابن ماجه بسند حسن".
قوله: "لا تحلفوا بآبائكم" تقدم النهي عن الحلف بغير الله عموما.
قوله: "من حلف بالله فليصدق" هذا مما أوجبه الله على عباده وحضّهم عليه في كتابه.
قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ 2.
وقال: ﴿وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ﴾ 3 وقال: ﴿فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ لَكَانَ خَيْراً لَهُمْ﴾ 4.
وهو حال أهل البر، كما قال تعالى: ﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ﴾ - إلى قوله-: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ 5.
وقوله: " من حُلف له بالله فليرض، ومن لم يرض فليس من الله ". أما إذا لم يكن له بحكم 1 صحيح.
ابن ماجة: كتاب الكفارات (2101) : باب من حلف له بالله فليرض.
وصححه الألباني في الإرواء (2765) وصحيح الجامع (7124) . 2 سورة التوبة آية: 119. 3 سورة الأحزاب آية: 35.
4 سورة محمد آية: 21.
5 سورة البقرة آية: 177.

فيه مسائل: الأولى: النهي عن الحلف بالآباء.
الثانية: الأمر للمحلوف له بالله أن يرضى.
الثالثة: وعيد من لم يرض.
بحكم الشريعة على خصمه إلا اليمين فأحلفه، فلا ريب أنه يجب عليه الرضا.
وأما إذا كان فيما يجري بين الناس مما قد يقع في الاعتذارات من بعضهم لبعض ونحو ذلك، فهذا من حق المسلم على المسلم أن يقبل منه إذا حلف له معتذرا أو متبرئا من تهمة، ومن حقه عليه أن يحسن به الظن إذا لم يتبين خلافه، كما في الأثر عن عمر رضي الله عنه: " ولا تظنن بكلمة خرجت من مسلم شرا وأنت تجد لها في الخير محملا ". وفيه: من التواضع والألفة والمحبة وغير ذلك من المصالح التي يحبها الله ما لا يخفى على من له فهم.
وذلك من أسباب اجتماع القلوب على طاعة الله، ثم إنه يدخل في حسن الخلق الذي هو أثقل ما يوضع في ميزان العبد، كما في الحديث1، وهو من مكارم الأخلاق.
فتأمل أيها الناصح لنفسه ما يصلحك مع الله تعالى: من القيام بحقوقه وحقوق عباده، وإدخال السرور على المسلمين، وترك الانقباض عنهم والترفع عليهم؛ فإن فيه من الضرر ما لا يخطر بالبال ولا يدور بالخيال.
وبسط هذه الأمور وذكر ما ورد فيها مذكور في كتب الأدب وغيرها، فمن رزق ذلك والعمل بما ينبغي العمل به منه وترك ما يجب تركه من ذلك، دل على وفور دينه، وكمال عقله.
والله الموفق والمعين لعبده الضعيف المسكين.
والله أعلم.

باب: "قول "ما شاء الله وشئت"

عن قتيلة " أن يهوديا أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إنكم تشركون.
تقولون: ما شاء الله وشئت، وتقولون: والكعبة.
فأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم إذا أرادوا أن يحلفوا أن يقولوا: ورب الكعبة، وأن يقولوا: ما شاء الله ثم شئت "1. رواه النسائي وصححه.
قوله: "باب قول ما شاء الله وشئت".
"عن قتيلة " أن يهوديا أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إنكم تشركون.
1 صحيح.
النسائي: كتاب الأيمان والنذور (7/ 6) : باب الحلف بالكعبة، وأحمد (6/371) . وصححه الألباني في الصحيحة (136) .

تقولون: ما شاء الله وشئت، وتقولون: والكعبة.
فأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم إذا أرادوا أن يحلفوا أن يقولوا: ورب الكعبة، وأن يقولوا: ما شاء الله ثم شئت ". رواه النسائي وصححه".
قوله: "عن قتيلة" بمثناة مصغرة بنت صيفي الأنصارية صحابية مهاجرة، لها حديث في سنن النسائي، وهو المذكور في الباب.
ورواه عنها عبد الله بن يسار الجعفي.
وفيه: قبول الحق ممن جاء به كائنا من كان.
وفيه: بيان النهي عن الحلف بالكعبة، مع أنها بيت الله التي حجها وقصدها بالحج والعمرة فريضة.
وهذا يبين أن النهي عن الشرك بالله عام لا يصلح منه شيء، لا لملك مقرب ولا نبي مرسل، ولا للكعبة التي هي بيت الله في أرضه.
وأنت ترى ما وقع من الناس اليوم من الحلف بالكعبة وسؤالها ما لا يقدر عليه إلا الله.
ومن المعلوم أن الكعبة لا تضر ولا تنفع.
وإنما شرع الله لعباده الطواف بها والعبادة عندها وجعلها للأمة قبلة، فالطواف بها وله أيضا: عن ابن عباس " أن رجلا قال للنبي صلى الله عليه وسلم: ما شاء الله وشئت.
فقال: أجعلتني لله ندا؟ بل ما شاء الله وحده " 1. مشروع والحلف بها ودعاؤها ممنوع.
فميز أيها المكلف بين ما يشرع وما يمنع، وإن خالفك من خالفك من جهلة الناس الذين هم كالأنعام، بل هم أضل سبيلا.
قوله: "إنكم تشركون.
تقولون: ما شاء الله وشئت".
والعبد وإن كانت له مشيئة فمشيئته تابعة لمشيئة الله، ولا قدرة له على أن يشاء شيئا إلا إذا كان الله قد شاءه، كما قال تعالى: ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ 2. وقوله: ﴿إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلاً وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيماً حَكِيماً﴾ 3. وفي هذه الآيات والأحاديث: الرد على القدرية والمعتزلة، نفاة القدر الذين يثبتون للعبد مشيئة تخالف ما أراده الله تعالى من العبد وشاءه.
وسيأتي ما يبطل قولهم في "باب ما جاء في منكري القدر" إن شاء الله تعالى، وأنهم مجوس هذه الأمة.

وأما أهل السنة والجماعة فتمسكوا بالكتاب والسنة في هذا الباب وغيره.
واعتقدوا أن مشيئة العبد تابعة لمشيئة الله تعالى في كل شيء مما يوافق ما شرعه الله وما يخالفه، من أفعال العباد وأقوالهم.
فالكل بمشيئة الله وإرادته.
فما وافق ما شرعه رضيه وأحبه، وما خالفه كرهه من العبد، كما قال تعالى: ﴿إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ﴾ 1 الآية.
وفيه: بيان أن الحلف بالكعبة شرك، فإن النبى صلى الله عليه وسلم أقر اليهودي على قوله: "إنكم تشركون".
قوله: "وله أيضا عن ابن عباس -رضي الله عنهما-2 " أن رجلا قال للنبي صلى الله عليه وسلم: ما شاء الله وشئت.
قال: أجعلتني لله ندا؟ بل ما شاء الله وحده ". ولابن ماجه عن الطفيل أخي عائشة لأمها قال: " رأيت فيما يرى النائم كأني أتيت على نفر من اليهود، فقلت: من أنتم؟ قالوا: نحن اليهود.
قلت: إنكم لأنتم القوم، لولا أنكم تقولون عزير ابن الله.
قالوا: وإنكم لأنتم هذا يقرر ما تقدم من أن هذا شرك، لوجود التسوية في العطف بالواو.
وقوله: "أجعلتني لله ندا" 3. فيه بيان أن من سوّى العبد بالله ولو في الشرك الأصغر، فقد جعله ندا لله شاء أم أبى، خلافا لما يقوله الجاهلون مما يختص بالله تعالى من عباده، وما يجب النهي عنه من الشرك بنوعيه.
ومن يرد الله به خيرا يفقهه في الدين.
قوله4 "ولابن ماجه عن الطفيل أخي عائشة لأمها قال: " رأيت فيما يرى النائم كأني أتيت على نفر من اليهود فقلت: من أنتم؟ قالوا: نحن اليهود، قلت: إنكم لأنتم القوم، لولا أنكم

تقولون: عزير ابن الله.
قالوا: وإنكم لأنتم القوم، لولا أنكم تقولون: ما شاء الله وشاء محمد.
ثم مررت بنفر من النصارى فقلت: من أنتم؟ قالوا: نحن النصارى.
قلت: إنكم لأنتم القوم، لولا أنكم تقولون: المسيح ابن الله.
قالوا: وإنكم لأنتم القوم، لولا أنكم تقولون: ما شاء الله وشاء محمد.
فلما أصبحت أخبرت بها من أخبرت، ثم أتيت النبي صلى الله عليه وسلم فأخبرته فقال: هل أخبرت به أحدا؟ قلت: نعم.
قال: فحمد الله وأثنى عليه.
ثم قال: أما بعد، فإن طفيلا رأى رؤيا أخبر بها من أخبر منكم، وإنكم قلتم القوم، لولا أنكم تقولون: ما شاء الله وشاء محمد.
ثم مررت بنفر من النصارى فقلت: من أنتم؟ قالوا: نحن النصارى.
قلت: إنكم لأنتم القوم، لولا أنكم تقولون المسيح ابن الله.
قالوا: وإنكم لأنتم القوم، لولا أنكم تقولون: ما شاء الله وشاء محمد.
فلما أصبحت أخبرت بها من أخبرت، ثم أتيت النبي صلى الله عليه وسلم فأخبرته فقال: هل أخبرت بها أحدا؟ قلت: نعم.
قال: فحمد الله وأثنى عليه.
ثم قال: أما بعد، فإن طفيلا رأى رؤيا أخبر بها من أخبر منكم، كلمة كان يمنعني كذا وكذا أن أنهاكم عنها.
فلا تقولوا: ما شاء الله وشاء محمد، ولكن قولوا: ما شاء الله وحده ". قوله: "عن الطفيل أخي عائشة لأمها" هو الطفيل بن عبد الله بن سَخْبرة أخو عائشة لأمها، صحابي له حديث عند ابن ماجه، وهو ما ذكره المصنف في الباب.
وهذه الرؤيا حق أقرها رسول الله صلى الله عليه وسلم وعمل بمقتضاها، فنهاهم أن يقولوا: ما شاء الله وشاء محمد، وأمرهم أن يقولوا: "ما شاء الله وحده".
وهذا الحديث والذي قبله أمرهم فيه أن يقولوا: "ما شاء الله وحده".
ولا ريب أن هذا أكمل في الإخلاص وأبعد عن الشرك من أن يقولوا: "ثم شاء فلان"؛ لأن فيه التصريح بالتوحيد المنافي للتنديد في كل وجه.
فالبصير يختار لنفسه أعلى مراتب الكمال في مقام التوحيد والإخلاص.
قوله: "كان يمنعني كذا وكذا أن أنهاكم عنها" ورد في بعض الطرق: "أنه كان يمنعه

الحياء منهم"1 وبعد هذا الحديث الذي حدثه به الطفيل عن رؤياه خطبهم صلى الله عليه وسلم فنهى عن ذلك نهيا بليغا، فما زال صلى الله عليه وسلم يبلغهم حتى أكمل الله له الدين وأتم له به النعمة، وبلّغ البلاغ المبين، صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وصحبه أجمعين.
وإنكم قلتم كلمة كان يمنعني كذا وكذا أن أنهاكم عنها.
فلا تقولوا: ما شاء الله وشاء محمد، ولكن قولوا: ما شاء الله وحده "2. فيه مسائل: الأولى: معرفة اليهود بالشرك الأصغر.
الثانية: فهم الإنسان إذا كان له هوى.
الثالثة: قوله صلى الله عليه وسلم: "أجعلتني لله ندا " فكيف بمن قال: "ما لي من ألوذ به سواك" والبيتين بعده.
الرابعة: أن هذا ليس من الشرك الأكبر لقوله: "يمنعني كذا وكذا".
الخامسة: أن الرؤيا الصالحة من أقسام الوحي.
السادسة: أنها قد تكون سببا لشرع بعض الأحكام.
وفيه معنى قوله صلى الله عليه وسلم: " الرؤيا الصالحة جزء من ستة وأربعين جزءا من النبوة " 3 4. قلت: وإن كانت رؤيا منام فهي وحي يثبت بها ما يثبت بالوحي أمرا ونهيا.
والله أعلم.

باب: " من سَبَّ الدهر فقد آذى الله"

وقول الله تعالى: ﴿وَقَالُوا مَا هِيَ إِلا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلا الدَّهْرُ وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلا يَظُنُّونَ﴾ 1.
قوله: "باب من سب الدهر فقد آذى الله".
1 سورة الجاثية آية: 24.

وقول الله تعالى: ﴿وَقَالُوا مَا هِيَ إِلا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلا الدَّهْرُ﴾ . قال العماد ابن كثير في تفسيره: يخبر تعالى عن دهرية الكفار، ومن وافقهم من مشركي العرب في إنكار المعاد: ﴿وَقَالُوا مَا هِيَ إِلا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلا الدَّهْرُ﴾ ما ثم إلا هذه الدار، يموت قوم ويعيش آخرون، وما ثم معاد ولا قيامة.
وهذا يقوله مشركو العرب المنكرون للمعاد، ويقوله الفلاسفة الإلهيون منهم، وهم ينكرون البدأة والرجعة.
وتقول الفلاسفة الدهرية الدورية، المنكرون للصانع، المعتقدون أن في كل ستة وثلاثين ألف سنة يعود كل شيء إلى ما كان عليه، وزعموا أن هذا قد تكرر مرات لا تتناهى، فكابروا المعقول وكذبوا المنقول، ولهذا قالوا: ﴿وَمَا يُهْلِكُنَا إِلا الدَّهْرُ﴾ . قال الله تعالى: ﴿وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلا يَظُنُّونَ﴾ أي يتوهمون ويتخيلون.
فأما الحديث الذي أخرجه صاحبا الصحيح وأبو داود والنسائي في الصحيح عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " قال الله تعالى: يؤذيني ابن آدم يسب الدهر وأنا الدهر، أقلب الليل والنهار " 1. من رواية سفيان ابن عيينة عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " يقول الله تعالى: يؤذيني ابن آدم، يسب الدهر وأنا الدهر، بيدي الأمر، أقلب الليل والنهار " 2. وفي رواية: " لا تسبوا الدهر؛ فإني أنا الدهر " 3. وفي رواية: " لا يقل ابن آدم: يا خيبة الدهر؛ فإني أنا الدهر، أرسل الليل والنهار، فإذا شئت قبضتهما " 4 اهـ 5. قال في شرح السنة: حديث متفق على صحته أخرجاه من طريق معمر من أوجه عن أبي هريرة قال: ومعناه أن العرب كان من شأنها ذم الدهر أي سبه عند النوازل؛ لأنهم كانوا ينسبون إليه ما يصيبهم من المصائب والمكاره فيقولون: أصابتهم قوارع الدهر وأبادهم الدهر، فإذا أضافوا إلى الدهر ما نالهم من الشدائد سبوا فاعلها، فكان مرجع سبها إلى الله عز وجل؛

إذ هو الفاعل في الحقيقة للأمور التي يصنعونها، فنهوا عن سب الدهر. اهـ باختصار. وقد أورده ابن جرير بسياق غريب جدا بهذا الطريق1.
قال: "كان أهل الجاهلية يقولون: إنما يهلكنا الليل والنهار، وهو الذي يهلكنا ويميتنا ويحيينا، فقال الله في كتابه: ﴿وَقَالُوا مَا هِيَ إِلا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلا الدَّهْرُ﴾ 2. ويسبون الدهر.
فقال الله عز وجل: " يؤذيني ابن آدم يسب الدهر، وأنا الدهر بيدي الأمر، أقلب الليل والنهار".
وكذا رواه ابن أبي حاتم عن أحمد بن منصور عن سريج بن النعمان عن ابن عيينة مثله.
ثم روى عن يونس عن ابن وهب عن الزهري عن أبي سلمة عن أبي هريرة: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "يقول الله تعالى: يسب ابن آدم الدهر وأنا الدهر، بيدي الليل والنهار " 3. وأخرجه صاحب الصحيح والنسائي من حديث يونس بن يزيد به.
وقال محمد بن إسحاق عن العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: يقول الله عز وجل: " استقرضت عبدي فلم يعطني، ويسبني عبدي، يقول: وادهراه، وأنا الدهر ". قال الشافعي وأبو عبيد وغيرهما من الأئمة في تفسير قوله: " لا تسبوا الدهر؛ فإن الله هو الدهر " 4: كانت العرب في جاهليتها إذا أصابهم شدة أو بلاء أو نكبة قالوا: يا خيبة الدهر، فيسندون تلك الأفعال إلى الدهر ويسبونه، وإنما فاعلها هو الله تعالى.
فكأنما إنما سبوا الله سبحانه؛ لأنه فاعل ذلك في الحقيقة، فلهذا نهى عن سب الدهر بهذا الاعتبار؛ لأن الله هو الدهر الذي يعنونه ويسندون إليه تلك الأفعال.
هذا أحسن ما قيل في تفسيره - وهو المراد - والله أعلم.
وقد غلط ابن حزم ومن نحا نحوه من الظاهرية في عدهم "الدهر" من الأسماء الحسنى أخذا من هذا الحديث.
اهـ. وقد بين معناه في الحديث بقوله: "أقلب الليل والنهار".
وتقليبه: تصرفه تعالى فيه بما يحبه الناس ويكرهونه.
وفي رواية: " لا تسبوا الدهر؛ فإن الله هو الدهر " 5. فيه مسائل: الأولى: النهي عن سب الدهر.
الثانية: تسميته أذى الله.
الثالثة: التأمل في قوله: " فإن الله هو الدهر ". الرابعة: أنه قد يكون سابا ولو لم يقصده بقلبه.
وفي هذا الحديث زيادة لم يذكرها المصنف رحمه الله تعالى، وهي قوله: "بيدي الأمر".

فصول الكتاب · 8 فصل · 518 صفحة
الانتقال إلى صفحة
الشروح والتعليقات١
فصول فتح المجيد شرح كتاب التوحيد · 518 صفحة
مقدمة
باب الخوف من الشرك.
باب الشفاعة
باب " ما جاء في السحر"
باب قول الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ﴾ 1 الآية.باب "لا يقال " السلام على الله"باب " لا يقول عبدي وأَمَتي
باب " لا يرد من سأل بالله
جارٍ التحميل