فتح المجيد شرح كتاب التوحيدصفحات 316-352
أهل الأثرالأرشيف العلمي

باب " ما جاء في السحر"

صفحات 316-352
عن هذه الطبعة
عَلَم
عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ
الكتاب
فتح المجيد شرح كتاب التوحيد
المؤلف
عبد الرحمن بن حسن بن محمد بن عبد الوهاب بن سليمان التميمي (المتوفى: 1285هـ)
المحقق
محمد حامد الفقي
الناشر
مطبعة السنة المحمدية، القاهرة، مصر
الطبعة
السابعة، 1377هـ/1957م [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]

باب: " ما جاء في التنجيم"

قال البخاري في صحيحه: قال قتادة: " خلق الله هذه النجوم لثلاث: زينة للسماء، ورجوما للشياطين، قوله: "باب ما جاء في التنجيم".
قال شيخ الإسلام -رحمه الله-: " التنجيم هو الاستدلال بالأحوال الفلكية على الحوادث الأرضية".
وقال الخطابي: " علم النجوم المنهي عنه هو ما يدعيه أهل التنجيم من علم الكوائن والحوادث التي ستقع في مستقبل الزمان، كأوقات هبوب الرياح ومجيء المطر، وتغير الأسعار; وما في معناها من الأمور التي يزعمون أنها تدرك معرفتها بمسير الكواكب في مجاريها، واجتماعها وافتراقها، يدّعون أن لها تأثيرا في السفليات، وهذا منهم تحكم على الغيب، وتعاط لعلم قد استأثر الله به، ولا يعلم الغيب سواه".
قوله: "قال البخاري في صحيحه: قال قتادة: خلق الله هذه النجوم لثلاث:

زينة للسماء، ورجوما للشياطين; وعلامات يهتدى بها، فمن تأول فيها غير ذلك أخطأ وأضاع نصيبه، وتكلف ما لا علم له به". هذا الأثر علقه البخاري في صحيحه. وأخرجه عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وغيرهم. وأخرجه الخطيب في كتاب النجوم عن قتادة، ولفظه قال: "إنما جعل الله هذه النجوم لثلاث خصال: جعلها زينة للسماء، وجعلها يهتدى بها، وجعلها رجوما للشياطين. فمن تعاطى فيها غير ذلك فقد قال برأيه، وأخطأ حظه وأضاع نصيبه; وتكلف ما لا علم له به، وإن ناسا جهلة بأمر الله قد أحدثوا في هذه النجوم كهانة: من أعرس بنجم كذا وكذا، كان كذا وكذا، ومن سافر بنجم كذا وكذا، كان كذا وكذا. ولعمري ما من نجم إلا يولد به الأحمر والأسود، والطويل والقصير، والحسن والدميم، وما علم هذه النجوم وهذا الدابة وهذا الطائر بشيء من هذا الغيب، ولو أن أحدا علم الغيب لعلمه آدم الذي خلقه الله بيده، وأسجد له ملائكته وعلمه أسماء كل شيء" انتهى1.
فتأمل ما أنكره هذا الإمام مما حدث من المنكرات في عصر التابعين.
وما زال الشر يزداد في كل عصر بعدهم حتى بلغ الغاية في هذه الأعصار، وعمت به البلوى في جميع الأمصار فمقل ومستكثر، وعز في الناس من ينكره، وعظمت المصيبة به في الدين.
فإنا لله وإنا إليه راجعون.
قوله: "خلق الله هذه النجوم لثلاث".
قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُوماً لِلشَّيَاطِينِ﴾ 2. وقال تعالى: ﴿وَعَلامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ﴾ 3. وفيه إشارة إلى أن النجوم في السماء الدنيا، كما روى ابن مردويه عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلي الله عليه وسلم: " أما السماء الدنيا فإن الله خلقها من

دخان، وجعل فيها سراجا وقمرا منيرا، وزينها بمصابيح، وجعلها رجوما للشياطين، وحفظا من كل شيطان رجيم ". قوله: "وعلامات" أي دلالات على الجهات "يهتدى بها" أي يهتدي بها الناس في ذلك.
كما قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ 1 أي لتعرفوا بها جهة قصدكم، وليس المراد أنه يهتدى بها في علم الغيب، كما يعتقده المنجمون، وقد تقدم وجه بطلانه وأنه لا حقيقة له كما قال قتادة: "فمن تأول فيها غير ذلك" أي زعم فيها غير ما ذكر الله في كتابه من هذه الثلاث فقد أخطأ، حيث زعم شيئا ما أنزل الله به من سلطان، وأضاع نصيبه من كل خير؛ لأنه شغل نفسه بما يضره ولا ينفعه.
فإن قيل: المنجم قد يصدق؟ قيل: صدقه كصدق الكاهن، ويصدق في كلمة ويكذب في مائة.
وصدقه ليس عن علم، بل قد يوافق قدرا، فيكون فتنة في حق من صدقه.
وعن ابن عباس -رضي الله عنهما- في قوله: ﴿وَأَلْقَى فِي الأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَأَنْهَاراً وَسُبُلاً لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ وَعَلامَاتٍ﴾ 2. فقوله: "علامات" معطوف على ما تقدم مما ذكره في الأرض، ثم استأنف فقال: ﴿وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ﴾ 3. ذكره ابن جرير عن ابن عباس بمعناه.
وقد جاءت الأحاديث عن النبي صلي الله عليه وسلم بإبطال علم التنجيم، كقوله: 4 " من اقتبس شعبة من النجوم فقد اقتبس شعبة من السحر، زاد ما زاد " 5. وعن رجاء بن حيوة أن النبي صلي الله عليه وسلم قال: " إن مما أخاف على أمتي: التصديق بالنجوم، والتكذيب بالقدر، وحيف الأئمة " رواه عبد بن حميد.
وعن أبي مِحجن مرفوعا: " أخاف على أمتي ثلاثا: حيف الأئمة، وإيمانا بالنجوم، وتكذيبا للقدر " 6. رواه ابن عساكر، وحسنه السيوطي.
وكره قتادة تعلُّم منازل القمر، ولم يُرَخِّص ابن عيينة فيه.
ذكره حرب عنهما.
ورخص في تعلم المنازل أحمد وإسحاق.
وعن أنس رضي الله عنه مرفوعا: " أخاف على أمتي بعدي خصلتين: تكذيبا بالقدر; وإيمانا بالنجوم " 7. رواه أبو يعلي وابن عدي والخطاب في كتاب النجوم، وحسنه السيوطي أيضا.
والأحاديث في ذم التنجيم والتحذير منه كثيرة.

قوله: "وكره قتادة تعلم منازل القمر. ولم يرخص ابن عيينة فيه. ذكره حرب عنهما. ورخص في تعلم المنازل أحمد وإسحاق". قال الخطابي: " أما علم النجوم الذي يدرك من طريق المشاهدة والخبر الذي يعرف به الزوال، وتعلم به جهة القبلة فإنه غير داخل فيما نهى عنه. وذلك أن معرفة رصد الظل ليس شيئا أكثر من أن الظل ما دام متناقصا فالشمس بعد صاعدة نحو وسط السماء من الأفق الشرقي، وإذا أخذ في الزيادة فالشمس هابطة من وسط السماء نحو الأفق الغربي، وهذا علم يصح إدراكه بالمشاهدة، إلا أن أهل هذه الصناعة قد دبروها بما اتخذوه من الآلات التي يستغني الناظر فيها عن مراعاة مدته ومراصدته. وأما ما يستدل به من النجوم على جهة القبلة؛ فإنها كواكب رصدها أهل الخبرة من الأئمة الذين لا نشك في عنايتهم بأمر الدين، ومعرفتهم بها وصدقهم فيما أخبروا به عنها، مثل أن يشاهدها بحضرة الكعبة، ويشاهدها على حال الغيبة عنها، فكان إدراكهم الدلالة منها بالمعاينة، وإدراكنا ذلك بقبول خبرهم؛ إذ كانوا عندنا غير متهمين في دينهم، ولا مقصرين في معرفتهم". انتهى1.
وروى ابن المنذر عن مجاهد أنه كان لا يرى بأسا أن يتعلم الرجل منازل القمر.
وروي عن إبراهيم أنه كان لا يرى بأسا أن يتعلم الرجل من النجوم ما يهتدي به.
قال ابن رجب: " والمأذون في تعلمه التسيير لا علم التأثير؛ فإنه باطل محرم، قليله وكثيره.
وأما علم التسيير فيتعلم ما يحتاج إليه منه للاهتداء، ومعرفة القبلة والطرق جائز عند الجمهور".
قوله: "ذكره حرب عنهما" هو الإمام الحافظ حرب بن إسماعيل أبو محمد الكرماني، الفقيه من جلة أصحاب الإمام أحمد.
روى عن أحمد وإسحاق وابن المديني وابن معين وغيرهم.
وله كتاب المسائل التي سئل عنها الإمام أحمد وغيره، مات سنة ثمانين ومائتين.

وأما إسحاق فهو ابن إبراهيم بن مخلد أبو أيوب الحنظلي النيسابوري، الإمام المعروف بابن راهويه.
روى عن ابن المبارك وأبي أسامة وابن عيينة وطبقتهم.
قال أحمد: إسحاق عندنا إمام من أئمة المسلمين.
روى عنه أحمد والبخاري ومسلم وأبو داود وغيرهم، وروى هو أيضا عن أحمد.
مات سنة تسع وثلاثين ومائتين.
قال: "وعن أبي موسى رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلي الله عليه وسلم: " ثلاثة لا يدخلون الجنة: مدمن الخمر، وقاطع الرحم، ومصدق بالسحر ". رواه أحمد وابن حبان في صحيحه".
هذا الحديث رواه أيضا الطبراني والحاكم وقال: صحيح.
وأقره الذهبي.
وتمامه: " ومن مات وهو يدمن الخمر سقاه الله من نهر الغوطة: نهر يجري من فروج المومسات; يؤذي أهل النار ريح فروجهن ". قوله: "وعن أبي موسى" هو عبد الله بن قيس بن سليم بن حضّار - بفتح المهملة وتشديد الضاد- أبي موسى الأشعري.
صحابي جليل.
مات سنة خمسين.
قوله: " ثلاثة لا يدخلون الجنة ". هذا من نصوص الوعيد التي كره السلف الخمر، ومصدق بالسحر، وقاطع الرحم " 1. رواه أحمد وابن حبان في صحيحه.
فيه مسائل: الأولى: الحكمة في خلق النجوم.
الثانية: الرد على من زعم غير ذلك.
الثالثة: ذكر الخلاف في تعلم المنازل.
الرابعة: الوعيد فيمن صدق بشيء من السحر ولو عرف أنه باطل.
تأويلها.
وقالوا: أمِرُّوها كما جاءت، ومن تأولها فهو على خطر من القول على الله بلا علم.
وأحسن ما يقال: إن كل عمل دون الشرك والكفر المخرج عن ملة الإسلام، فإنه يرجع إلى مشيئة الله، فإن عذّبه فقد استوجب العذاب، وإن غفر له فبفضله وعفوه ورحمته.
قوله: "مدمن الخمر" أي المداوم على شربها.
قوله: "وقاطع الرحم" يعني القرابة كما قال تعالى: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ﴾ 2 الآية.
قوله: "ومصدق بالسحر" أي مطلقا.
ومنه التنجيم; لما تقدم من الحديث.
وهذا وجه مطابقة الحديث للترجمة.

قال الذهبي في الكبائر: " ويدخل فيه تعلم السيميا وعملها، وعقد المرء عن زوجته، ومحبة الزوج لامرأته وبغضها وبغضه، وأشباه ذلك بكلمات مجهولة.
قال: وكثير من الكبائر- بل عامتها إلا الأقل- يجهل خلق من الأمة تحريمه، وما بلغه الزجر فيه; ولا الوعيد عليه".
اهـ.

باب: " ما جاء في الاستسقاء بالأنواء"

وقول الله تعالى: ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾ 1.
قوله: "باب ما جاء في الاستسقاء بالأنواء".
أي من الوعيد، والمراد: نسبة السقيا ومجيء المطر إلى الأنواء.
جمع "نوء" وهي منازل القمر.
قال أبو السعادات: وهي ثمان وعشرون منزلة، ينزل القمر كل ليلة منزلة منها.
ومنه قوله تعالى: ﴿الْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ﴾ 2.
يسقط في الغرب كل ثلاث عشرة ليلة منزلة مع طلوع الفجر، وتطلع أخرى مقابلتها ذلك الوقت من المشرق، فتنقضي جميعها مع انقضاء السنة.
وكانت العرب تزعم أن مع سقوط المنزلة وطلوع رقيبها يكون مطر، وينسبونه إليها، ويقولون: "مطرنا بنوء كذا وكذا".
وإنما سمي نوءا؛ لأنه إذا سقط الساقط منها ناء الطالع بالمشرق، أي نهض وطلع.
قال: "وقوله تعالى: ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾ . روى الإمام أحمد والترمذي"- وحسنه- وابن جرير وابن أبي حاتم والضياء في المختارة عن علي رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلي الله عليه وسلم: " ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ﴾ يقول: شكركم {أَنَّكُمْ 1 سورة الواقعة آية: 82.
2 سورة يس آية: 39.

تُكَذِّبُونَ} تقولون: مطرنا بنوء كذا وكذا: بنجم كذا وكذا " 1. وهذا أولى ما فسرت به الآية. وروي ذلك عن علي وابن عباس وقتادة والضحاك وعطاء الخراساني وغيرهم. وهو قول جمهور المفسرين. وبه يظهر وجه استدلال المصنف -رحمه الله- بالآية. قال ابن القيم -رحمه الله-: أي تجعلون حظكم من هذا الرزق الذي به حياتكم: التكذيب به، يعني القرآن. قال الحسن: تجعلون حظكم ونصيبكم من القرآن أنكم تكذبون. قال: وخسر عبد لا يكون حظه من القرآن إلا التكذيب. قوله: "عن أبي مالك الأشعري رضي الله عنه أن رسول الله صلي الله عليه وسلم قال: " أربع في أمتي من أمر الجاهلية لا يتركونهن: الفخر بالأحساب; والطعن في الأنساب، والاستسقاء بالنجوم; والنياحة ". وقال: " النائحة إذا لم تتب قبل موتها، تقام يوم القيامة وعليها سربال من قطران ودرع من جرب ". رواه مسلم". أبو مالك: اسمه الحارث بن الحارث الشامي. صحابي تفرد عنه بالرواية أبو سلام. وفي الصحابة أبو مالك الأشعري اثنان غير هذا. قوله: "أربع في أمتي من أمر الجاهلية لا يتركونهن" ستفعلها هذه الأمة إما مع العلم بتحريمها أو مع الجهل بذلك، مع كونها من أعمال الجاهلية المذمومة المكروهة المحرمة. والمراد بالجاهلية هنا: ما قبل المبعث، سموا بذلك لفرط جهلهم. وكل ما يخالف ما جاء به الرسول صلي الله عليه وسلم فهو جاهلية، فقد خالفهم رسول الله صلي الله عليه وسلم في كثير من أمورهم أو أكثرها، وذلك يدرك بتدبر القرآن ومعرفة السنة. ولشيخنا -رحمه الله- مصنف لطيف، ذكر فيه ما خالف رسول الله صلي الله عليه وسلم فيه أهل الجاهلية، بلغ مائة وعشرين مسألة2.
قال شيخ الإسلام -رحمه الله تعالى-: " أخبر أن بعض أمر الجاهلية لا يتركه الناس كلهم ذما لمن لم يتركه، وهذا يقتضي أن كل ما كان من أمر الجاهلية وفعلهم فهو مذموم في دين

الإسلام; وإلا لم يكن في إضافة هذه المنكرات إلى الجاهلية ذم لها، الفخر بالأحساب، والطعن في الأنساب، والاستسقاء بالنجوم، ومعلوم أن إضافتها إلى الجاهلية خرج مخرج الذم، وهذا كقوله تعالى: ﴿وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى﴾ 1. فإن في ذلك ذما للتبرج وذما لحال الجاهلية الأولى، وذلك يقتضي المنع من مشابهتهم في الجملة.
قوله: "الفخر بالأنساب" أي التعاظم على الناس بالآباء ومآثرهم; وذلك جهل عظيم، إذ لا كرم إلا بالتقوى، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ 2. وقال تعالى: ﴿وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنَا زُلْفَى إِلا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً فَأُولَئِكَ لَهُمْ جَزَاءُ الضِّعْفِ بِمَا عَمِلُوا وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ آمِنُونَ﴾ 3. ولأبي داود عن أبي هريرة مرفوعا: " إن الله قد أذهب عنكم عُبِّية الجاهلية وفخرها بالآباء، إنما هو مؤمن تقي، أو فاجر شقي، الناس بنو آدم وآدم خلق من تراب، ليدعن رجال فخرهم بأقوام إنما هم فحم من فحم جهنم، أو ليكونن أهون على الله من الجعلان " 4. قوله: "والطعن في الأنساب" أي الوقوع فيها بالعيب والتنقص.
ولما عَيّر أبو ذر رضي الله عنه رجلا بأمه5 قال له النبي صلي الله عليه وسلم: 6 " أعيرته بأمه؟ إنك امرؤ فيك جاهلية ". متفق عليه.
فدل على أن الطعن في الأنساب من عمل الجاهلية; وأن المسلم قد يكون فيه شيء من هذه الخصال المسماة بجاهلية ويهودية ونصرانية، ولا يوجب ذلك كفره ولا فسقه.
قاله شيخ الإسلام رحمه الله.
قوله: "والاستسقاء بالنجوم" أي نسبة المطر إلى النوء وهو سقوط النجم.
كما أخرج الإمام أحمد وابن جرير عن جابر السوائي قال: سمعت رسول الله صلي الله عليه وسلم يقول: " أخاف على أمتي ثلاثا: استسقاء بالنجوم، وحيف السلطان، وتكذيبا بالقدر " 7. فإذا قال قائلهم: مطرنا بنجم كذا أو بنوء كذا.
فلا يخلو إما أن يعتقد أن له تأثيرا في إنزال المطر، فهذا شرك وكفر.
وهو الذي يعتقده أهل الجاهلية كاعتقادهم أن دعاء الميت والغائب يجلب لهم نفعا، أو يدفع عنهم ضرا.
أو أنه يشفع بدعائهم إياه، فهذا هو الشرك الذي بعث

الله رسوله صلي الله عليه وسلم بالنهي عنه وقتال من فعله.
كما قال تعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ﴾ 1. والفتنة الشرك، وإما أن يقول: مطرنا بنوء كذا مثلا، لكن مع اعتقاده أن المؤثر هو الله وحده.
لكنه أجرى العادة بوجود المطر عند سقوط ذلك النجم، والصحيح: أنه يحرم نسبة ذلك إلى النجم ولو على طريق المجاز، فقد صرح ابن مفلح في الفروع: بأنه يحرم قول: "مطرنا بنوء كذا".
وجزم في الإنصاف بتحريمه ولو على طريق المجاز، ولم يذكر خلافا.
وذلك أن القائل لذلك نسب ما هو من فعل الله تعالى الذي لا يقدر عليه غيره إلى خلق مسخر لا ينفع ولا يضر، ولا قدرة له على شيء، فيكون ذلك شركا أصغر.
والله أعلم.
قوله: "والنياحة" أي رفع الصوت بالندب على الميت2؛ لأنها تَسخُّط بقضاء الله، وذلك ينافي الصبر الواجب، وهي من الكبائر لشدة الوعيد والعقوبة.
وقال: " النائحة إذا لم تتب قبل موتها تقام يوم القيامة، وعليها سربال من قطران ودرع من جرب " 3. رواه مسلم.
قوله: "والنائحة إذا لم تتب قبل موتها" فيه تنبيه على أن التوبة تكفر الذنب وإن عظم، هذا مجمع عليه في الجملة، ويكفر أيضا بالحسنات الماحية والمصائب، ودعاء المسلمين بعضهم لبعض، وبالشفاعة بإذن الله، وعفو الله عمن شاء ممن لا يشرك به شيئا.
وفي الحديث عن ابن عمر مرفوعا: " إن الله تعالى يقبل توبة العبد ما لم يغرغر " 4. رواه أحمد والترمذي وابن ماجه وابن حبان.
قوله: "تقام يوم القيامة وعليها سربال من قطران ودرع من جرب" قال القرطبي: السربال واحد السرابيل، وهي الثياب والقُمُص، يعني أنهن يلطخن بالقطران، فيكون لهن كالقمص; حتى يكون اشتعال النار بأجسادهن أعظم، ورائحتهن أنتن، وألمهن بسبب الجرب أشد.
وروي عن ابن عباس: إن القطران هو النحاس المذاب5.

قال: "ولهما1 عن زيد بن خالد قال: " صلى لنا رسول الله صلي الله عليه وسلم صلاة الصبح بالحديبية على إثر سماء كانت من الليل، فلما انصرف أقبل على الناس فقال: أتدرون ماذا قال ربكم؟ قالوا: الله ورسوله أعلم.
قال: قال: أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر، فأما من قال: مطرنا بفضل الله ورحمته، فذلك مؤمن بي كافر بالكوكب، وأما من قال: مطرنا بنوء كذا وكذا، فذلك كافر بي مؤمن بالكوكب " 2". زيد بن خالد الجهني صحابي مشهور، مات سنة ثمان وستين، وقيل: غير ذلك، وله خمس وثمانون سنة. قوله: "صلى لنا رسول الله صلي الله عليه وسلم" أي بنا، فاللام بمعنى الباء. قال الحافظ: وفيه إطلاق ذلك مجازا، وإنما الصلاة لله. قوله: "بالحديبية" بالمهملة المضمومة وتخفيف يائها وتثقل3.
قوله: "على إثر سماء كانت من الليل" بكسر الهمزة وسكون المثلثة على المشهور: وهو ما يعقب الشيء.
قوله: "سماء" أي مطر؛ لأنه ينزل من السحاب، والسماء يطلق على كل ما ارتفع.
قوله: "فلما انصرف" أي من صلاته، أي التفت إلى المأمومين، كما يدل عليه قوله: "أقبل على الناس" ويحتمل أنه أراد السلام.
قوله: "هل تدرون" لفظ استفهام ومعناه التنبيه.
وفي النسائي: " ألم تسمعوا ما قال ربكم الليلة؟ "4. وهذا من الأحاديث القدسية.
وفيه إلقاء العالم على أصحابه المسألة ليختبرهم.
فأما من قال: مطرنا بفضل الله ورحمته، فذلك مؤمن بي كافر بالكوكب، وأما من قوله: "قالوا الله ورسوله أعلم" فيه حسن الأدب للمسئول عما لا يعلم أن يكل العلم إلى

عالمه. وذلك يجب1.
قوله: "أصبح من عبادي" الإضافة هنا للعموم بدليل التقسيم إلى مؤمن وكافر كقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ﴾ 2. قوله: "مؤمن بي وكافر" إذا اعتقد أن للنوء تأثيرا في إنزال المطر فهذا كفر؛ لأنه أشرك في الربوبية، والمشرك كافر.
وإن لم يعتقد ذلك فهو من الشرك الأصغر؛ لأنه نسب نعمة الله إلى غيره، ولأن الله لم يجعل النوء سببا لإنزال المطر فيه، وإنما هو فضل من الله ورحمة يحبسه إذا شاء وينزله إذا شاء.
ودل هذا الحديث على أنه لا يجوز لأحد أن يضيف أفعال الله إلى غيره ولو على سبيل المجاز.
وأيضا الباء تحتمل معاني، وكلها لا تصدق بهذا اللفظ، فليست للسببية ولا للاستعانة، لما عرفت من أن هذا باطل.
ولا تصدق أيضا على أنها للمصاحبة؛ لأن المطر قد يجيء في هذا الوقت وقد لا يجيء فيه، وإنما يجيء المطر في الوقت الذي أراد الله مجيئه فيه برحمته وحكمته وفضله، فكل معنى تحمل عليه الباء في هذا اللفظ المنهي عنه فاسد.
فيظهر على هذا تحريم هذه اللفظة مطلقا لفساد المعنى.
3 وقد تقدم القطع بتحريمه في كلام صاحب الفروع والإنصاف.
قال المصنف -رحمه الله-: "وفيه التفطن للإيمان في هذا الموضع" يشير إلى أنه الإخلاص.
قال: مطرنا بنوء كذا وكذا فذلك كافر بي مؤمن بالكوكب "4. قوله: "فأما من قال: مطرنا بفضل الله ورحمته" فالفضل والرحمة صفتان لله، ومذهب أهل السنة والجماعة: أن ما وصف الله به نفسه ووصفه به رسوله من صفات الذات: كالحياة

والعلم، وصفات الأفعال; كالرحمة التي يرحم بها عباده، كلها صفات لله قائمة بذاته ليست قائمة بغيره، فتفطن لهذا فقد غلط فيه طوائف.
وفي هذا الحديث: إن نعم الله لا يجوز أن تضاف إلا إليه وحده، وهو الذي يحمد عليها، وهذه حال أهل التوحيد.
قوله: "وأما من قال: مطرنا بنوء كذا وكذا" إلى آخره، تقدم ما يتعلق بذلك.
قال المصنف -رحمه الله-: "وفيه التفطن للكفر في هذا الموضع".
يشير إلى أن نسبة النعمة إلى غير الله كفر، ولهذا قطع بعض العلماء بتحريمه، وإن لم يعتقد تأثير النوء بإنزال المطر; فيكون من كفر النعم، لعدم نسبتها إلى الذي أنعم بها، ونسبتها إلى غيره، كما سيأتي في قوله تعالى: ﴿يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَهَ﴾ 1.
قال القرطبي في شرح حديث زيد بن خالد: " وكانت العرب إذا طلع نجم من الشرق، وسقط آخر من المغرب فحدث عند ذلك مطر أو ريح، فمنهم من ينسبه إلى الطالع، ومنهم من ينسبه إلى الغارب نسبة إيجاد واختراع، ويطلقون ذلك القول المذكور في الحديث.
فنهى الشارع عن إطلاق ذلك؛ لئلا يعتقد أحد اعتقادهم ولا يتشبه بهم في نطقهم".
انتهى.
قوله: " فمنهم من ينسبه نسبة إيجاد" يدل على أن بعضهم كان لا يعتقد ذلك، كما قال تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ﴾ 2.
فدل على أن منهم من يعرف ويقر بأن الله هو الذي أوجد المطر، وقد يعتقد هؤلاء أن للنوء فيه شيئا من التأثير، والقرطبي في شرحه لم يصرح أن العرب كلهم يعتقدون ذلك المعتقد الذي ذكره.
فلا اعتراض عليه بالآية للاحتمال المذكور.
ولهما من حديث ابن عباس معناه، وفيه: " قال بعضهم: لقد صدق نوء كذا وكذا.
فأنزل الله هذه الآيات: {فَلا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ

قوله: "ولهما من حديث ابن عباس بمعناه، وفيه: قال بعضهم: "لقد صدق نوء كذا وكذا.
فأنزل الله هذه الآيات ﴿فَلا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ لا يَمَسُّهُ إِلا الْمُطَهَّرُونَ تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ أَفَبِهَذَا الْحَدِيثِ أَنْتُمْ مُدْهِنُونَ وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾ 1. وبلفظه عن ابن عباس قال: "مطر الناس على عهد النبي صلي الله عليه وسلم، فقال النبي صلي الله عليه وسلم: أصبح من الناس شاكر، ومنهم كافر.
قالوا: هذه رحمة الله.
وقال بعضهم: لقد صدق نوء كذا وكذا ". فقال: فنزلت هذه الآية: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ﴾ ". هذا قسم من الله عز وجل يقسم بما يشاء من خلقه على ما شاء.
وجواب القسم ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ﴾ . فتكون "لا" صلة لتأكيد النفي; فتقدير الكلام: ليس الأمر كما زعمتم في القرآن أنه سحر، أو كهانة، بل هو قرآن كريم.
قال ابن جرير: قال بعض أهل العربية: معنى قوله: " ﴿فَلا أُقْسِمُ﴾ فليس الأمر كما تقولون، ثم استؤنف القسم بعد فقيل: أقسم بمواقع النجوم.
قال ابن عباس: يعني نجوم القرآن، فإنه نزل جملة ليلة القدر من السماء العليا إلى السماء الدنيا، ثم نزل مفرقا في السنين بعد2، ثم قرأ ابن عباس هذه الآية.
ومواقعها: نزولها شيئا بعد شيء.
وقال مجاهد: مواقع النجوم: مطالعها ومشارقها.
واختاره ابن جرير.
وعلى هذا فتكون المناسبة بين المقسم به والمقسم عليه- وهو القرآن- من وجوه: أحدها: أن النجوم جعلها الله يهتدى بها في ظلمات البر والبحر، وآيات القرآن يهتدى بها في ظلمات الغي والجهل، فتلك هداية في الظلمات الحسية، والقرآن هداية في الظلمات المعنوية، فجمع بين الهدايتين مع ما في النجوم من الزينة الظاهرة، وفي القرآن من الزينة الباطنة، ومع ما في النجوم من الرجوم للشياطين، وفي القرآن من رجوم شياطين الجن والإنس.
والنجوم آياته المشهودة العيانية، والقرآن آياته المتلوة السمعية، مع ما في مواقعها عند الغروب من العبرة والدلالة على آياته القرآنية ومواقعها عند النزول.
ذكره ابن القيم رحمه الله.
وقوله: ﴿وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ﴾ 3 قال ابن كثير: أي وإن هذا القسم الذي أقسمت به لقسم عظيم لو تعلمون عظمته لعظمتم المقسم به عليه.

وقوله: ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ﴾ 1 هذا هو المقسم عليه، وهو القرآن، أي إنه وحي الله وتنزيله وكلامه، لا كما يقول الكفار: إنه سحر أو كهانة، أو شعر.
بل هو قرآن كريم أي عظيم كثير الخير؛ لأنه كلام الله.
قال ابن القيم -رحمه الله تعالى-: " فوصفه بما يقتضي حسنه وكثرة خيره ومنافعه وجلالته؛ فإن الكريم هو البهي الكثير الخير العظيم; وهو من كل شيء أحسنه وأفضله.
والله سبحانه وتعالى وصف نفسه بالكرم ووصف به كلامه، ووصف به عرشه، ووصف به ما كثر خيره وحسن منظره من النبات وغيره، ولذلك فسر السلف "الكريم" بالحسن.
قال الأزهري: الكريم اسم جامع لما يحمد، والله تعالى كريم جميل الفعال، وإنه لقرآن كريم يحمد لما فيه من الهدى والبيان والعلم والحكمة".
وقوله: ﴿فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ﴾ 2 أي في كتاب معظم محفوظ موقر.
قاله ابن كثير.
وقال ابن القيم -رحمه الله تعالى-: " اختلف المفسرون في هذا; فقيل: هو اللوح المحفوظ، والصحيح أنه الكتاب الذي بأيدي الملائكة، وهو المذكور في قوله: ﴿فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ بِأَيْدِي سَفَرَةٍ كِرَامٍ بَرَرَةٍ﴾ 3. ويدل على أنه الكتاب الذي بأيدي الملائكة قوله: ﴿لا يَمَسُّهُ إِلا الْمُطَهَّرُونَ﴾ 4 فهذا يدل على أنه بأيديهم يمسونه".
لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِين أَفَبِهَذَا الْحَدِيثِ أَنْتُمْ مُدْهِنُونَ} 5. قوله: ﴿لا يَمَسُّهُ إِلا الْمُطَهَّرُونَ﴾ قال ابن عباس -رضي الله عنهما-: "لا يمسه إلا المطهرون.
قال: الكتاب الذي في السماء".
وفي رواية: "لا يمسه إلا المطهرون يعني الملائكة".
وقال قتادة: "لا يمسه عند الله إلا المطهرون".
فأما في الدنيا فإنه يمسه المجوسي النجس والمنافق الرجس".
واختار هذا القول كثيرون، منهم ابن القيم -رحمه الله- ورجحه.
وقال ابن زيد: زعمت قريش أن هذا القرآن تنزلت به الشياطين، فأخبر الله تعالى أنه لا يمسه إلا المطهرون، كما قال تعالى: ﴿وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ وَمَا يَنْبَغِي لَهُمْ وَمَا يَسْتَطِيعُونَ إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ﴾ 6. قال ابن كثير: هذا قول جيد.
وهو لا يخرج عن القول قبله.
وقال البخاري -رحمه الله تعالى- في صحيحه في هذه الآية: "لا يجد طعمه إلا من آمن به".

قال ابن القيم -رحمه الله-: " هذا من إشارة الآية وتنبيهها، وهو أنه لا يلتذ به وبقراءته وفهمه وتدبره إلا من يشهد أنه كلام الله تكلم به حقا، وأنزله على رسوله وحيا، لا ينال معانيه إلا من لم يكن في قلبه حرج منه بوجه من الوجوه".
وقال آخرون: ﴿لا يَمَسُّهُ إِلا الْمُطَهَّرُونَ﴾ أي من الجنابة والحدث.
قالوا: ولفظ الآية خبر معناه الطلب.
قالوا: والمراد بالقرآن هاهنا المصحف.
واحتجوا على ذلك بما رواه مالك في الموطأ عن عبد الله بن محمد ابن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم: إن في الكتاب الذي كتبه رسول الله صلي الله عليه وسلم لعمرو بن حزم: " أن لا يمس القرآن إلا طاهر " 1 2. وقوله: ﴿تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ 3. قال ابن كثير: هذا القرآن منزل من رب العالمين، وليس كما يقولون: إنه سحر أو كهانة أو شعر، بل هو الحق الذي لا مرية فيه; وليس وراءه حق نافع.
وفي هذه الآية: أنه كلام الله تكلم به.
قال ابن القيم -رحمه الله-: ونظيره: ﴿وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي﴾ 4. وقوله: ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ﴾ 5 هو إثبات علو الله تعالى على خلقه؛ فإن النزول والتنزيل الذي تعقله العقول وتعرفه الفطر هو وصول الشيء من أعلى إلى أسفل، ولا يرد عليه قوله: ﴿وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ﴾ 6؛ لأنا نقول: إن الذي أنزلها فوق سماواته.
فأنزلها لنا بأمره.
قال ابن القيم -رحمه الله-: " وذكر التنزيل مضافا إلى ربوبيته للعالمين المستلزمة لملكه لهم وتصرفه فيهم، وحكمه عليهم، وإحسانه إليهم، وإنعامه عليهم، وأن من هذا شأنه مع

الخلق كيف يليق به مع ربوبيته التامة أن يتركهم سدى، ويدعهم هَمَلًا، ويخلقهم عبثا.
لا يأمرهم ولا ينهاهم ولا يثيبهم ولا يعاقبهم؟ فمن أقر بأنه رب العالمين أقر بأن القرآن تنزيله على رسوله.
واستدل بكونه رب العالمين على ثبوت رسالة رسوله وصحة ما جاء به، وهذا الاستدلال أقوى وأشرف من الاستدلال بالمعجزات والخوارق، وإن كانت دلالتها أقرب إلى أذهان عموم الناس.
وذلك إنما تكون لخواص العقلاء".
قوله: ﴿أَفَبِهَذَا الْحَدِيثِ أَنْتُمْ مُدْهِنُونَ﴾ 1. قال مجاهد: " أتريدون أن تمالئوهم فيه وتركنوا إليهم "؟ ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾ 2 3. فيه مسائل: الأولى: تفسير آية الواقعة.
الثانية: ذكر الأربع التي من أمر الجاهلية.
الثالثة: ذكر الكفر في بعضها.
الرابعة: أن من الكفر ما لا يخرج من الملة.
قال ابن القيم -رحمه الله تعالى-: " ثم وبخهم على وضعهم الإدهان في غير موضعه، وأنهم يداهنون فيما حقه أن يصدع به ويعرف به، ويعض عليه بالنواجذ; وتثنى عليه الخناصر; وتعقد عليه القلوب والأفئدة، ويحارب ويسالم لأجله، ولا يلتوى عنه يمنة ولا يسرة; ولا يكون للقلب التفات إلى غيره، ولا محاكمة إلا إليه، ولا مخاصمة إلا به; ولا اهتداء في طرق المطالب العالية إلا بنوره، ولا شفاء إلا به; فهو روح الوجود، وحياة العالم; ومدار السعادة; وقائد الفلاح، وطريق النجاة، وسبيل الرشاد، ونور البصائر.
فكيف تطلب المداهنة بما هذا شأنه، ولم ينزل للمداهنة، وإنما نزل بالحق وللحق، والمداهنة إنما تكون في باطل قوي لا تمكن إزالته، أو في حق ضعيف لا تمكن إقامته، فيحتاج المداهن إلى أن يترك بعض الحق ويلتزم بعض الباطل، فأما الحق الذي قام به كل حق فكيف يداهن به؟ ". قوله: ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾ . تقدم الكلام عليها أول الباب; والله تعالى أعلم.

الخامسة: قوله: " أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر " بسبب نزول النعمة.
السادسة: التفطن للإيمان في هذا الموضع.
السابعة: التفطن للكفر في هذا الموضع.
الثامنة: التفطن لقوله " لقد صدق نوء كذا وكذا".
التاسعة: إخراج العالم للتعليم للمسألة بالاستفهام عنها لقوله: "أتدرون ماذا قال ربكم"؟ العاشرة: وعيد النائحة.

باب: قول الله تعلى: ﴿ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله﴾

... باب "قول الله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ﴾ 1.
قوله: "باب قول الله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ﴾ ". لما كانت محبته سبحانه هي أصل دين الإسلام الذي يدور عليه قطب رحاه، فبكمالها يكمل، وبنقصها ينقص توحيد الإنسان، نبه المصنف على ذلك بهذه الترجمة.
قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَاداً﴾ الآية.
قال في شرح المنازل: " أخبر تعالى أن من أحب من دون الله شيئا كما يحب الله تعالى فهو ممن اتخذ من دون الله أندادا، فهذا ند في المحبة لا في الخلق والربوبية؛ فإن أحدا من أهل الأرض لا يثبت هذا الند، بخلاف ند المحبة؛ فإن أكثر أهل الأرض قد اتخذوا من دون الله أندادا في الحب والتعظيم.
ثم قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبّاً لِلَّهِ﴾ 2.
وفي تقدير الآية قولان: أحدهما: والذين آمنوا أشد حبا لله من أصحاب الأنداد لأندادهم وآلهتهم التي يحبونها ويعظمونها من دون الله.
وروى ابن جرير عن مجاهد في قوله تعالى: ﴿يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ﴾ ؛ مباهاة ومضاهاة للحق بالأنداد.
﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبّاً لِلَّهِ﴾ من الكفار لأوثانهم.
ثم روي عن ابن زيد قال: 1 سورة البقرة آية: 165. 2 سورة البقرة آية: 165.

هؤلاء المشركون أندادهم آلهتهم التي عبدوا مع الله يحبونهم كما يحب الذين آمنوا بالله، والذين آمنوا أشد حبا لله من حبهم آلهتهم".
1 انتهى.
والثاني: والذين آمنوا أشد حبا لله من المشركين بالأنداد لله، فإن محبة المؤمنين خالصة، ومحبة أصحاب الأنداد قد ذهبت أندادهم بقسط منها، والمحبة الخالصة أشد من المشتركة.
والقولان مرتبان على القولين في قوله تعالى: ﴿يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ﴾ 2 فإن فيها قولين أيضا: أحدهما: يحبونهم كما يحبون الله، فيكون قد أثبت لهم محبة الله، ولكنها محبة أشركوا فيها مع الله تعالى أندادهم.
والثاني: أن المعنى يحبون أندادهم كما يحب المؤمنون الله، ثم بين تعالى أن محبة المؤمنين لله أشد من محبة أصحاب الأنداد لأندادهم.
وكان شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- يرجح القول الأول، ويقول: إنما ذموا بأن شرّكوا بين الله وبين أندادهم في المحبة ولم يخلصوها لله كمحبة المؤمنين له، وهذه التسوية المذكورة في قوله تعالى: حكاية عنهم، وهم في النار أنهم يقولون لآلهتهم وأندادهم وهي محضرة معهم في العذاب: ﴿تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ 3. ومعلوم أنهم ما سووهم برب العالمين في الخلق والربوبية4، وإنما سووهم به في المحبة والتعظيم، وهذا أيضا هو العدل المذكور في قوله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ 5 به غيره في العبادة التي هي المحبة والتعظيم.
وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ 6. وهذه تسمى آية المحنة.
قال بعض السلف: ادعى قوم محبة الله فأنزل الله تعالى آية المحنة ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ إشارة إلى دليل المحبة وثمرتها وفائدتها.
فدليلها وعلامتها: اتباع الرسول صلي الله عليه وسلم، وفائدتها وثمرتها: محبة المرسل لكم، فما لم تحصل منكم المتابعة فمحبتكم له غير حاصلة، ومحبته لكم منتفية.
وقال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ

يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ} 1 ذكر لها أربع علامات: إحداها: أنهم أذلة على المؤمنين.
قيل: معناه أرقاء رحماء مشفقين عاطفين عليهم، فلما ضمّن "أذلة" هذا المعنى عداه بأداة "على".
قال عطاء -رحمه الله-: للمؤمنين كالولد لوالده وكالعبد لسيده، وعلى الكافرين كالأسد على فريسته، ﴿أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ 2. العلامة الثالثة3: الجهاد في سبيل الله بالنفس واليد والمال واللسان.
وذلك تحقيق دعوى المحبة.
العلامة الرابعة: أنهم لا تأخذهم في الله لومة لائم.
وهذه علامة صحة المحبة.
فكل محب أخذه اللوم على محبوبه فليس بمحب على الحقيقة.
وقال تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ﴾ 3. فذكر المقامات الثلاثة: الحب.
وهو ابتغاء القرب إليه، والتوسل إليه بالأعمال الصالحة.
والرجاء والخوف يدل على أن ابتغاء الوسيلة أمر زائد على رجاء الرحمة وخوف العذاب، ومن المعلوم قطعا أنه لا يتنافس إلا في قرب من يحب قربه، وحب قربه تبع لمحبة ذاته; بل محبة ذاته أوجبت محبة القرب منه.
وعند الجهمية والمعطلة: ما من ذلك كله شيء فإنه عندهم لا تقرب ذاته من شيء، ولا يقرب من ذاته شيء، ولا يحب، فأنكروا حياة القلوب، ونعيم الأرواح وبهجة النفوس، وقرة العيون وأعلى نعيم الدنيا والآخرة.
ولذلك ضربت قلوبهم بالقسوة وضرب دونهم ودون الله حجاب على معرفته ومحبته; فلا يعرفونه ولا يحبونه ولا يذكرونه إلا عند تعطيل أسمائه وصفاته، فذكرهم أعظم آثامهم وأوزارهم; بل يعاقبون من يذكره بأسمائه وصفاته ونعوت جلاله ويرمونهم بالأدواء التي هم أحق بها وأهلها، وحسب ذي البصيرة وحياة القلب ما يرى على كلامهم من القسوة والمقت والتنفير عن محبة الله تعالى ومعرفته وتوحيده والله المستعان.
وقال -رحمه الله تعالى- أيضا: لا تحد المحبة بحد أوضح منها، فالحدود لا تزيدها إلا خفاء، فحدها وجودها، ولا توصف المحبة بوصف أظهر من المحبة، وإنما يتكلم الناس في أسبابها وموجباتها وعلاماتها وشواهدها وثمراتها وأحكامها.
وأجمع ما قيل في ذلك: ما ذكره أبو بكر الكتاني عن الجنيد.

قال أبو بكر: "جرت مسألة في المحبة بمكة - أعزها الله في أيام الموسم- فتكلم الشيوخ فيها; وكان الجنيد أصغرهم سنا، فقالوا: هات ما عندك يا عراقي، فأطرق رأسه ودمعت عيناه; ثم قال: عبد ذاهب عن نفسه، متصل بذكر ربه، قائم بأداء حقوقه، ناظر إليه بقلبه; أحرق قلبه أنوار هيبته، وصفا شرابه من كأس مودته، وانكشف له الحياء من أستار غيبه، فإن تكلم فبالله، وإن نطق فعن الله، وإن تحرك فبأمر الله; وإن سكن فمع الله، فهو لله وبالله ومع الله.
فبكى الشيوخ وقالوا: ما على هذا مزيد، جبرك الله يا تاج العارفين".
وذكر رحمه الله تعالى: أن الأسباب الجالبة للمحبة عشرة: أحدها: قراءة القرآن بالتدبر والتفهم لمعانيه وما أريد به.
الثاني: التقرب إلى الله تعالى بالنوافل بعد الفرائض.
الثالث: دوام ذكره على كل حال باللسان والقلب والعمل والحال، فنصيبه من المحبة على قدر هذا.
الرابع: إيثار محابه على محابك عند غلبات الهوى.
الخامس: مطالعة القلب لأسمائه وصفاته ومشاهدتها، وتقلبه في رياض هذه المعرفة وميادينها.
السادس: مشاهدة بره وإحسانه ونعمه الظاهرة والباطنة.
السابع: - وهو أعجبها- انكسار القلب بين يديه.
الثامن: الخلوة وقت النزول الإلهي1، وتلاوة كتابه ثم ختم ذلك بالاستغفار والتوبة.
التاسع: مجالسة المحبين الصادقين، والتقاط أطايب ثمرات كلامهم، ولا تتكلم إلا إذا ترجحت مصلحة الكلام وعلمت أن فيه مزيدا لحالك ومنفعة لغيرك.
وقوله: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ﴾ 1. العاشر: مباعدة كل سبب يحول بين القلب وبين الله عز وجل.
فمن هذه الأسباب العشرة وصل المحبون إلى منازل المحبة، ودخلوا على الحبيب.
قوله: "وقول الله تعالى: {قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ 1وذلك إذا مضى ثلثا الليل كما في حديث النزول.

وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ} ". أمر الله نبيه صلي الله عليه وسلم أن يتوعد من أحب أهله وماله وعشيرته وتجارته ومسكنه فآثارها، أو بعضها على فعل ما أوجبه الله عليه من الأعمال التي يحبها الله تعالى ويرضاها، كالهجرة والجهاد ونحو ذلك.
قال العماد ابن كثير -رحمه الله تعالى-: أي إن كانت هذه الأشياء ﴿أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا﴾ أي انتظروا ماذا يحل بكم من عقابه.
روى الإمام أحمد وأبو داود- واللفظ له- من حديث أبي عبد الرحمن السلمي عن عطاء الخراساني عن نافع عن ابن عمر -رضي الله عنهما- قال: سمعت رسول الله صلي الله عليه وسلم يقول: " إذا تبايعتم بالعينة، وأخذتم أذناب البقر، ورضيتم بالزرع، وتركتم الجهاد، سلط الله عليكم ذلا لا ينزعه عنكم حتى تراجعوا دينكم " 1. فلا بد من إيثار ما أحبه الله من عبده وأراده على ما يحبه العبد ويريده، فيحب ما يحبه الله ويبغض ما يبغضه، ويوالي فيه ويعادي فيه، ويتابع رسوله صلي الله عليه وسلم كما تقدم في آية المحنة ونظائرها.
عن أنس أن رسول الله صلي الله عليه وسلم قال: " لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين " 2 أخرجاه.
قوله: "وعن أنس رضي الله عنه أن رسول الله صلي الله عليه وسلم قال: " لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين ". أخرجاه" أي البخاري ومسلم.
قوله: "لا يؤمن أحدكم" أي الإيمان الواجب، والمراد كماله، حتى يكون الرسول أحب إلى العبد من ولده ووالده والناس أجمعين، بل ولا يحصل هذا الكمال إلا بأن يكون الرسول أحب إليه من نفسه، كما في الحديث: " أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: يا رسول الله لأنت أحب إلي من كل شيء إلا من نفسي.
فقال: والذي نفسي بيده حتى أكون أحب إليك من نفسك.
فقال له عمر: فإنك الآن أحب إلي من نفسي.
فقال: الآن يا عمر " 3. رواه البخاري.
فمن قال: إن المنفي هو الكمال، فإن أراد الكمال الواجب الذي يذم تاركه ويعرض

للعقوبة فقد صدق; وإن أراد أن المنفي الكمال المستحب، فهذا لم يقع قط في كلام الله ورسوله صلي الله عليه وسلم.
قاله شيخ الإسلام رحمه الله.
فمن ادعى محبة النبي صلي الله عليه وسلم بدون متابعته وتقديم قوله على قول غيره فقد كذب، كما قال تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ﴾ 1. فنفى الإيمان عمن تولى عن طاعة الرسول صلي الله عليه وسلم، لكن كل مسلم يكون محبا بقدر ما معه من الإسلام، وكل مسلم لا بد أن يكون مؤمنا وإن لم يكن مؤمنا الإيمان المطلق؛ لأن ذلك لا يحصل إلا لخواص المؤمنين.
قال شيخ الإسلام رحمه الله: " وعامة الناس إذا أسلموا بعد كفر، أو ولدوا على الإسلام والتزموا شرائعه، وكانوا من أهل الطاعة لله ورسوله، فهم مسلمون ومعهم إيمان مجمل، لكن دخول حقيقة الإيمان إلى قلوبهم يحصل شيئا فشيئا إن أعطاهم الله ذلك، وإلا فكثير من الناس لا يصلون إلى اليقين ولا إلى الجهاد; ولو شككوا لشكوا، ولو أمروا بالجهاد لما جاهدوا؛ إذ ليس عندهم من علم اليقين ما يدرأ الريب، ولا عندهم من قوة الحب لله ورسوله ما يقدمونه على الأهل والمال، فهؤلاء إن عوفوا من المحنة ماتوا ودخلوا الجنة; وإن ابتلوا بمن يدخل عليهم شبهات توجب ريبهم، فإن لم ينعم الله عليهم بما يزيل الريب وإلا صاروا مرتابين، وانتقلوا إلى نوع من النفاق".
انتهى.
وفي هذا الحديث: أن الأعمال من الإيمان؛ لأن المحبة عمل القلب.
وفيه: أن محبة الرسول واجبة تابعة لمحبة الله لازمة لها؛ فإنها محبة لله ولأجله، تزيد بزيادة محبة الله في قلب المؤمن وتنقص بنقصها، وكل من كان محبا لله فإنما يحب في الله ولأجله كما يحب الإيمان والعمل الصالح.
وهذه المحبة ليس فيها شيء من شوائب الشرك كالاعتماد عليه ورجائه في حصول مرغوب منه أو دفع مرهوب منه.
وما كان فيها ذلك فمحبته مع الله لما فيها من التعلق على غيره والرغبة إليه من دون الله، فبهذا يحصل التمييز بين المحبة في الله ولأجله، التي هي من كمال التوحيد، وبين المحبة مع الله التي هي محبة الأنداد من دون الله، لما يتعلق في قلوب المشركين من الإلهية التي لا تجوز إلا لله وحده.
قوله: "ولهما عنه - أي البخاري ومسلم، عن أنس رضي الله عنه- قال: قال رسول الله صلي الله عليه وسلم: " ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله

أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر بعد إذ أنقذه الله منه كما يكره أن يقذف في النار "1 وفي رواية: " لا يجد أحد حلاوة الإيمان حتى يحب المرء لا يحبه إلا لله " 2 إلخ".
قوله: "ثلاث" أي ثلاث خصال.
قوله: "من كن فيه" أي وجدت فيه تامة.
قوله: "وجد بهن حلاوة الإيمان" الحلاوة هنا هي التي يعبر عنها بالذوق لما يحصل به من لذة القلب ونعيمه وسروره وغذائه، وهي شيء محسوس يجده أهل الإيمان في قلوبهم.
قال السيوطي -رحمه الله- في التوشيح: "وجد حلاوة الإيمان" فيه استعارة تخييلية، شبه رغبة المؤمن في الإيمان بشيء حلو، وأثبت له لازم ذلك الشيء، وأضافه إليه".
وقال النووي: " معنى حلاوة الإيمان استلذاذ الطاعات وتحمل المشاق، وإيثار ذلك على أغراض الدنيا، ومحبة العبد لله بفعل طاعته وترك مخالفته، وكذلك الرسول صلي الله عليه وسلم".
قال يحيى بن معاذ: " حقيقة الحب في الله: أن لا يزيد بالبر ولا ينقص بالجفاء".
قوله: "أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما" يعني بالسوي: ما يحبه الإنسان بطبعه، كمحبة الولد والمال والأزواج ونحوها، فتكون "أحب" هنا على بابها.
وقال الخطابي: " المراد بالمحبة هنا حب الاختيار لا حب الطبع كذا قال.
وأما المحبة الشركية التي قد تقدم بيانها، فقليلها وكثيرها ينافي محبة الله ورسوله".
وفي بعض الأحاديث.
" أحبوا الله بكل قلوبكم " 3. فمن علامات محبة الله ورسوله: أن يحب ما يحبه الله ويكره ما يكرهه الله، ويؤثر مرضاته على ما سواه، ويسعى في وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر بعد إذ أنقذه الله منه كما يكره أن يقذف في النار ". مرضاته ما استطاع; ويبعد عما حرمه الله ويكرهه أشد الكراهة، ويتابع رسوله ويمتثل أمره ويترك نهيه، كما قال تعالى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ 4، فمن آثر أمر غيره على أمره وخالف ما نهى عنه، فذلك عَلَم على عدم محبته لله ورسوله؛ فإن محبة الرسول من لوازم محبة الله، فمن أحب الله وأطاعه أحب الرسول وأطاعه.
ومن لا فلا; كما في آية المحنة ونظائرها.
والله المستعان.
قال شيخ الإسلام -رحمه الله تعالى-: " أخبر النبي صلي الله عليه وسلم أن هذه الثلاث من كُنّ فيه وجد حلاوة الإيمان؛ لأن وجود الحلاوة للشيء يتبع المحبة له.
فمن أحب شيئا

واشتهاه، إذا حصل له مراده؛ فإنه يجد الحلاوة واللذة والسرور بذلك، واللذة أمر يحصل عقيب إدراك الملائم الذي هو المحبوب أو المشتهى.
قال: فحلاوة الإيمان المتضمنة للذة والفرح تتبع كمال محبة العبد لله، وذلك بثلاثة أمور: تكميل هذه المحبة وتفريغها، ودفع ضدها.
فتكميلها أن يكون الله ورسوله أحب إلى العبد مما سواهم؛ فإن محبة الله ورسوله لا يكتفى فيها بأصل الحب، بل لا بد أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما.
قلت: ومحبة الله تعالى تستلزم محبة طاعته؛ فإنه يحب من عبده أن يطيعه.
والمحب يحب ما يحبه محبوبه ولا بد.
ومن لوازم محبة الله أيضا: محبة أهل طاعته، كمحبة أنبيائه ورسله والصالحين من عباده، فمحبة ما يحبه الله ومن يحبه الله من كمال الإيمان، كما في حديث ابن عباس الآتي.
قال: وتفريغها.
أن يحب المرء لا يحبه إلا لله، قال: ودفع ضدها أن يكره ضد الإيمان كما يكره أن يقذف في النار".
انتهى.
قوله: "أحب إليه مما سواهما" فيه جمع ضمير الله تعالى وضمير رسوله صلي الله عليه وسلم، وفيه قولان: وفي رواية: " لا يجد أحد حلاوة الإيمان حتى " 1 إلى آخره.
أحدهما: أنه ثنى الضمير هنا إيماء إلى أن المعتبر هو المجموع المركب من المحبتين، لا كل واحدة؛ فإنها وحدها لاغية.
وأمر بالإفراد في حديث الخطيب2 إشعارا بأن كل واحد من

العصيانين مستقل باستلزام الغواية؛ إذ العطف في تقدير التكرير، والأصل استقلال كل من المعطوفين في الحكم.
الثاني: حمل حديث الخطيب على الأدب والأولى، وهذا هو الجواز.
وجواب ثالث: وهو أن هذا وارد على الأصل، وحديث الخطيب ناقل فيكون أرجح.
قوله: "كما يكره أن يقذف في النار" أي يستوي عنده الأمران.
وفيه رد على الغلاة الذين يتوهمون أن صدور الذنب من العبد نقص في حقه مطلقا وإن تاب منه.
والصواب: أنه إن لم يتب كان نقصا وإن تاب فلا، ولهذا كان المهاجرون والأنصار -رضي الله عنهم- أفضل هذه الأمة، مع كونهم في الأصل كفارا فهداهم الله إلى الإسلام، والإسلام يمحو ما قبله، وكذلك الهجرة.
كما صح الحديث بذلك.
قوله: "وفي رواية: لا يجد أحد" هذه الرواية أخرجها البخاري في الأدب من صحيحه.
ولفظها: " لا يجد أحد حلاوة الإيمان حتى يحب المرء لا يحبه إلا لله، وحتى أن يقذف في النار أحب إليه من أن يرجع إلى الكفر بعد إذ أنقذه الله منه، وحتى يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما " 1 وقد تقدم أن المحبة هنا عبارة عما يجده المؤمن من اللذة والبهجة والسرور والإجلال والهيبة ولوازم ذلك.
قال الشاعر: أهابك إجلالا وما بك قدرة ... عليّ ولكن ملء عين حبيبها قوله: "وعن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: " من أحب في الله، وأبغض في الله، ووالى في الله، وعادى في الله، فإنما تنال ولاية الله بذلك، ولن يجد عبد طعم الإيمان، وإن كثرت صلاته وصومه حتى يكون كذلك، وقد صارت عامة مؤاخاة الناس على أمر الدنيا، وذلك لا يجدي على أهله شيئا ". رواه ابن جرير".
وأخرج ابن أبي شيبة وابن أبي حاتم الجملة الأولى منه فقط.
قوله: "من أحب في الله" أي أحب أهل الإيمان بالله وطاعته من أجل ذلك.
قوله: "وأبغض في الله" أي أبغض من كفر بالله وأشرك به وفسق عن طاعته؛ لأجل ما فعلوه مما يسخط الله وإن كانوا أقرب الناس إليه، كما قال تعالى: ﴿لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ 2 الآية.
قوله: "ووالى في الله" هذا والذي قبله من لوازم محبة العبد لله تعالى، فمن أحب الله تعالى أحب فيه، ووالى أولياءه، وعادى أهل معصيته وأبغضهم، وجاهد أعداءه ونصر أنصاره.
وكلما قويت محبة العبد لله في قلبه قويت هذه الأعمال المترتبة عليها; وبكمالها يكمل توحيد العبد، ويكون ضعفها على قدر ضعف محبة العبد لربه، فمقل ومستكثر ومحروم.
قوله: "فإنما تنال ولاية الله بذلك" أي توليه لعبده.
و "ولاية" بفتح الواو لا غير: أي الأخوة3 والمحبة والنصرة، وبالكسر الإمارة، والمراد هنا الأول.
ولأحمد والطبراني عن النبي صلي الله عليه وسلم قال: ولن يجد عبد طعم الإيمان وإن كثرت صلاته وصومه حتى يكون كذلك، وقد صارت عامة مؤاخاة الناس على أمر الدنيا، وذلك لا يجدي على أهله شيئا ". رواه ابن جرير.

" لا يجد العبد صريح الإيمان حتى يحب لله ويبغض لله، فإذا أحب لله وأبغض لله، فقد استحق الولاية لله " 1. وفي حديث آخر: " أوثق عرى الإيمان الحب في الله، والبغض في الله عز وجل " 2. رواه الطبراني.
قوله: "ولن يجد عبد طعم الإيمان" إلى آخره.
أي لا يحصل له ذوق الإيمان ولذته وسروره، وإن كثرت صلاته وصومه حتى يكون كذلك، أي حتى يحب في الله، ويبغض في الله، ويعادي في الله; ويوالي فيه.
وفي حديث أبي أمامة مرفوعا: " من أحب لله وأبغض لله وأعطى لله ومنع لله فقد استكمل الإيمان " 3. رواه أبو داود.
قوله: "وقد صارت عامة مؤاخاة الناس على أمر الدنيا.
وذلك لا يجدي على أهله شيئا" أي لا ينفعهم بل يضرهم، كما قال تعالى: {الأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ

إِلا الْمُتَّقِينَ} 1. فإذا كانت البلوى قد عمت بهذا في زمن ابن عباس خير القرون، فما زاد الأمر بعد ذلك إلا شدة، حتى وقعت الموالاة على الشرك والبدع والفسوق والعصيان.
وقد وقع ما أخبر به صلي الله عليه وسلم بقوله: وقال ابن عباس في قوله تعالى: ﴿وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأَسْبَابُ﴾ 2 قال: المودة".
فيه مسائل: الأولى: تفسير آية البقرة.
الثانية: تفسير آية براءة.
الثالثة: وجوب محبته صلي الله عليه وسلم على النفس والأهل والمال.
الرابعة: نفي الإيمان لا يدل على الخروج من الإسلام.
الخامسة: أن للإيمان حلاوة قد يجدها الإنسان وقد لا يجدها.
السادسة: أعمال القلب الأربع التي لا تنال ولاية الله إلا بها، ولا يجد أحد طعم الإيمان إلا بها.
السابعة: فهم الصحابي للواقع: أن عامة المؤاخاة على أمر الدنيا.
" بدأ الإسلام غريبا وسيعود غريبا كما بدأ " 3 4. وقد كان الصحابة -رضي الله عنهم- من المهاجرين والأنصار في عهد نبيهم صلي الله عليه وسلم، وعهد أبي بكر وعمر -رضي الله عنهما- يؤثر بعضهم بعضا على نفسه محبة في الله وتقربا إليه.
كما قال تعالى: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ 5. وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: " "لقد رأيتنا على عهد رسول الله صلي الله عليه وسلم، وما منا أحد يرى أنه أحق بديناره ودرهمه من أخيه المسلم" ". رواه ابن ماجه.
قوله: " وقال ابن عباس في قوله تعالى: ﴿وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأَسْبَابُ﴾ قال: "المودة".
هذا الأثر رواه عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وصححه.
قوله: "قال: المودة" أي التي كانت بينهم في الدنيا خانتهم أحوج ما كانوا إليها، وتبرأ بعضهم من بعض; كما قال تعالى: ﴿وَقَالَ إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَاناً مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضاً وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾ 6. قال العلامة ابن القيم في قوله تعالى: ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ﴾ 7 الآيتين: فهؤلاء المتبوعون كانوا على الهدى وأتباعهم ادعوا أنهم على طريقهم ومنهاجهم، وهم مخالفون لهم سالكون غير طريقهم، ويزعمون أن محبتهم لهم تنفعهم مع مخالفتهم، فيتبرءون منهم يوم القيامة؛ فإنهم اتخذوهم أولياء من دون الله، وهذا حال كل من اتخذ من دون الله وأولياء، يوالي لهم، ويعادي لهم، ويرضى لهم، ويغضب لهم؛

فإن أعماله كلها باطلة، يراها يوم القيامة حسرات عليه مع كثرتها وشدة تعبه فيها ونصبه؛ إذ لم يجرد موالاته ومعاداته وحبه وبغضه وانتصاره وإيثاره لله ورسوله، فأبطل الله عز وجل ذلك العمل كله.
وقطع تلك الأسباب، فينقطع يوم القيامة كل سبب وصلة ووسيلة ومودة كانت لغير الله، ولا يبقى إلا السبب الواصل بين العبد وربه، وهو حظه من الهجرة إليه وإلى رسوله وتجريده عبادته لله وحده ولوازمها: من الحب والبغض، والعطاء والمنع، والموالاة والمعاداة، والتقريب والإبعاد، وتجريد متابعة رسول الله صلي الله عليه وسلم تجريدا محضا بريئا من شوائب الالتفات إلى غيره، فضلا عن الشرك بينه وبين غيره; فضلا عن تقديم قول غيره عليه.
فهذا السبب هو الذي لا ينقطع بصاحبه، وهذه هي النسبة التي بين العبد وربه، وهي نسبة العبودية المحضة، وهي آخيته التي يجول ما يجول وإليها مرجعه، ولا تتحقق إلا بتجريده متابعة الرسل صلوات الله وسلامه عليهم، إذ هذه العبودية إنما جاءت على ألسنتهم، وما عرفت إلا بهم ولا سبيل إليها إلا بمتابعتهم.
وقد قال تعالى: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُوراً﴾ 1. فهذه هي الأعمال التي كانت في الدنيا على غير سنة رسله وطريقتهم ولغير وجهه، يجعلها الله هباء منثورا لا ينتفع منها صاحبها بشيء أصلا.
وهذا من أعظم الحسرات على العبد يوم القيامة: أن يرى سعيه ضائعا.
وقد سعد أهل السعي النافع بسعيهم.
انتهى ملخصا.
الثامنة: تفسير: ﴿وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأَسْبَابُ﴾ 2. التاسعة: أن من المشركين من يحب الله حبا شديدا.
العاشرة: الوعيد على من كان الثمانية3 أحب إليه من دينه.
الحادية عشرة: أن من اتخذ ندا تساوي محبته محبة الله فهو الشرك الأكبر.

باب: قول الله تعالى: ﴿إنما ذلكم الشيطان يخوف أولياءه فلا تخافوهم وخافوني إن كنتم مؤمنين﴾

... باب: قول الله تعالى: ﴿إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ 1.
قوله: "باب قول الله تعالى: ﴿إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ ". الخوف من أفضل مقامات الدين وأجلها، وأجمع أنواع العبادة التي يجب إخلاصها لله تعالى.
قال الله تعالى: ﴿وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ﴾ 2.
وقال تعالى: ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ 3.
وقال تعالى: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ 4.
وقال تعالى: ﴿فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ﴾ 5.
وقال تعالى: ﴿فَلا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ﴾ 6.
وأمثال هذه الآيات في القرآن كثير.
والخوف من حيث هو على ثلاثة أقسام: أحدها: خوف السر، وهو أن يخاف من غير الله من وثن أو طاغوت أو يصيبه بما يكره، كما قال تعالى عن قوم هود -عليه السلام- إنهم قالوا له: ﴿إِنْ نَقُولُ إِلا اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ قَالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ مِنْ دُونِهِ فَكِيدُونِ جَمِيعًا ثُمَّ لا تُنْظرُونِ﴾ 7.
وقال تعالى: ﴿وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ﴾ 8.
وهذا هو الواقع من عباد القبور ونحوها من الأوثان يخافونها، ويخوفون بها أهل التوحيد إذا أنكروا عبادتها وأمروا بإخلاص العبادة لله، وهذا ينافي التوحيد.
الثاني: أن يترك الإنسان ما يجب عليه، خوفا من بعض الناس، فهذا محرم، وهو نوع من الشرك بالله المنافي لكمال التوحيد.
وهذا هو سبب نزول هذه الآية.
كما قال تعالى: {الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُوا 1 سورة آل عمران آية: 175. 2 سورة الأنبياء آية: 28.
3 سورة النحل آية: 50.
4 سورة الرحمن آية: 46.
5 سورة النحل آية: 51.
6 سورة المائدة آية: 44.
7 سورة هود آية: 54-55. 8 سورة الزمر آية: 36.

حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ} 1 الآية.
وفي الحديث: " إن الله تعالى يقول للعبد يوم القيامة: ما منعك إذ رأيت المنكر أن لا تغيره؟ فيقول: رب خشية الناس.
فيقول: إياي كنت أحق أن تخشى " 2 3. الثالث: الخوف الطبيعي، وهو الخوف من عدو أو سبع أو غير ذلك.
فهذا لا يذم، كما قال تعالى في قصة موسى -عليه السلام-: ﴿فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفاً يَتَرَقَّبُ﴾ 4 الآية.
ومعنى قوله: ﴿إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ﴾ أي يخوفكم أولياءه ﴿فَلا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ﴾ 5. وهذا نهي من الله تعالى للمؤمنين أن يخافوا غيره، وأمر لهم أن يقصروا خوفهم على الله، فلا يخافون إلا إياه.
وهذا هو الإخلاص الذي أمر الله به عباده ورضيه منهم.
فإذا أخلصوا له الخوف وجميع العبادة أعطاهم ما يرجون، وأمنهم من مخاوف الدنيا والآخرة، كما قال تعالى: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ﴾ 6 الآية.
قال العلامة ابن القيم -رحمه الله تعالى-: " ومن كيد عدو الله: أنه يخوف المؤمنين من جنده وأوليائه؛ لئلا يجاهدوهم، ولا يأمروهم بمعروف، ولا ينهوهم عن منكر.
وأخبر تعالى أن هذا من كيد الشيطان وتخويفه.
ونهانا أن نخافهم.
قال: والمعنى عند جميع المفسرين: يخوفهم بأوليائه.
قال قتادة: يعظمهم في صدوركم.
فكلما قوي وقوله: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلا اللَّهَ فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ﴾ 7. إيمان العبد زال خوف أولياء الشيطان من قلبه، وكلما ضعف إيمانه قوي خوفه منهم.
فدلت هذه الآية على أن إخلاص الخوف من كمال شروط الإيمان".
قوله: "وقول الله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلا اللَّهَ﴾ الآية".

أخبر تعالى أن مساجد الله لا يعمرها إلا أهل الإيمان بالله واليوم الآخر، الذين آمنوا بقلوبهم وعملوا بجوارحهم، وأخلصوا له الخشية دون من سواه، فأثبت لهم عمارة المساجد بعد أن نفاها عن المشركين؛ لأن عمارة المساجد بالطاعة والعمل الصالح، والمشرك وإن عمل فعمله ﴿كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً﴾ 1، أو ﴿كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ﴾ 2. وما كان كذلك فالعدم خير منه، فلا تكون المساجد عامرة إلا بالإيمان الذي معظمه التوحيد مع العمل الصالح الخالص من شوائب الشرك والبدع، وذلك كله داخل في مسمى الإيمان المطلق عند أهل السنة والجماعة.
قوله: ﴿يَخْشَ إِلا اللَّهَ﴾ قال ابن عطية: " يريد خشية التعظيم والعبادة والطاعة، ولا محالة أن الإنسان يخشى المحاذير الدنيوية، وينبغي أن يخشى في ذلك كله قضاء الله وتصريفه".
وقال ابن القيم رحمه الله: " الخوف عبودية القلب، فلا يصلح إلا لله، كالذل والإنابة والمحبة والتوكل والرجاء وغيرها من عبودية القلب".
قوله: ﴿فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ﴾ . قال ابن أبي طلحة عن ابن عباس -رضي الله عنهما-: يقول: " إن أولئك هم المهتدون، وكل " عسى " في القرآن فهي واجبة 3". وفي الحديث: وقوله: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ﴾ 4 الآية.
" إذا رأيتم الرجل يعتاد المسجد فاشهدوا له بالإيمان " 5. قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِر ِ﴾ 6. رواه أحمد والترمذي والحاكم عن أبي سعيد الخدري.
قوله: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ﴾ 7. قال ابن كثير -رحمه الله تعالى-: يقول تعالى مخبرا عن صفات قوم من المكذبين الذين يدّعون الإيمان بألسنتهم، ولم يثبت في قلوبهم: أنهم إذا جاءتهم محنة وفتنة في الدنيا اعتقدوا أنها من نقمة الله بهم، فارتدوا عن الإسلام.
قال ابن عباس -رضي الله عنهما-: "يعني فتنته أن يرتد عن دينه إذا أوذي في الله".

وقال ابن القيم رحمه الله تعالى: " الناس إذا أرسل إليهم الرسل بين أمرين: إما أن يقول أحدهم: آمنا، وإما أن لا يقول ذلك.
بل يستمر على السيئات والكفر، فمن قال: آمنا امتحنه ربه وابتلاه وفتنه.
والفتنة الابتلاء والاختبار، ليتبين الصادق من الكاذب، ومن لم يقل: آمنا.
فلا يحسب أنه يعجز الله ويفوته ويسبقه.
فمن آمن بالرسل وأطاعهم عاداه أعداؤهم وآذوه وابتلي بما يؤلمه، ومن لم يؤمن بهم ولم يطعهم عوقب في الدنيا والآخرة وحصل له ما يؤلمه، وكان هذا الألم أعظم وأدوم من ألم أتباعهم.
فلا بد من حصول الألم لكل نفس آمنت أو رغبت عن الإيمان، لكن المؤمن يحصل له الألم في الدنيا ابتداء ثم تكون له العاقبة في الدنيا والآخرة، والمعرض عن الإيمان تحصل له اللذة ابتداء ثم يصير في الألم الدائم; والإنسان لا بد أن يعيش مع الناس، والناس لهم إرادات وتصورات، فيطلبون منه أن يوافقهم عليها، وإن لم يوافقهم آذوه وعذبوه; وإن وافقهم حصل له العذاب تارة منهم وتارة من غيرهم، كمن عنده دين وتقى حل بين قوم فجار ظلمة لا يتمكنون من فجورهم وظلمهم إلا بموافقته لهم أو سكوته عنهم، فإن وافقهم أو سكت عنهم سلم من شرهم في الابتداء، ثم يتسلطون عليه بالإهانة والأذى أضعاف ما كان يخافه ابتداء لو أنكر عليهم وخالفهم، وإن سلم منهم فلا بد أن يهان ويعاقب على يد غيرهم.
فالحزم كل الحزم بما قالت أم المؤمنين عائشة -رضي الله عنها- لمعاوية رضي الله عنه: " من أرضى الله بسخط الناس كفاه الله مئونة الناس، ومن أرضى الناس بسخط الله لم يغنوا عنه من الله شيئا " 1. فمن هداه الله وألهمه رشده ووقاه شر نفسه امتنع من الموافقة على فعل المحرم وصبر على عداوتهم، ثم تكون له العاقبة في الدنيا والآخرة، كما كانت للرسل وأتباعهم.
ثم أخبر تعالى عن حال الداخل في الإيمان بلا بصيرة، وأنه إذا أوذي في الله جعل فتنة الناس له، وهي أذاهم ونيلهم إياه بالمكروه، وهو الألم الذي لا بد أن ينال الرسل وأتباعهم ممن خالفهم، جعل ذلك في فراره منه وتركه السبب الذي يناله به: كعذاب الله الذي فر منه المؤمنون بالإيمان.
فالمؤمنون لكمال بصيرتهم فروا من ألم عذاب الله إلى الإيمان، وتحملوا ما فيه من

الألم الزائل المفارق عن قرب.
وهذا لضعف بصيرته فر من ألم أعداء الرسل إلى موافقتهم ومتابعتهم، ففر من ألم عذابهم إلى ألم عذاب الله، فجعل ألم فتنة الناس في الفرار منه بمنزلة عذاب الله، وغُبن كل الغبن إذ استجار من الرمضاء بالنار، وفر من ألم ساعة إلى ألم الأبد، وإذا نصر الله جنده وأولياءه قال: إني كنت معكم، والله أعلم بما انطوى عليه صدره من النفاق".
انتهى.
وفي الآية رد على المرجئة والكرامية.
ووجهه: أنه لم ينفع هؤلاء قولهم: آمنا بالله.
مع عدم صبرهم على أذى من عاداهم في الله، فلا ينفع القول والتصديق بدون العمل.
فلا يصدق الإيمان الشرعي على الإنسان إلا باجتماع الثلاثة: التصديق بالقلب وعمله، والقول باللسان، والعمل بالأركان.
وهذا قول أهل السنة والجماعة سلفا وخلفا، والله سبحانه وتعالى أعلم.
وفيه الخوف من مداهنة الخلق في الحق.
والمعصوم من عصمه الله.
قوله: " عن أبي سعيد مرفوعا.
" إن من ضعف اليقين أن ترضي الناس بسخط الله، وأن تحمدهم على رزق الله، وأن تذمهم على ما لم يؤتك الله; إن رزق الله لا يجره حرص حريص، ولا يرده كراهية كاره " 1". هذا الحديث رواه أبو نعيم في الحلية والبيهقي، وأعله بمحمد بن مروان السدي وقال: ضعيف.
وفيه أيضا عطية العوفي: ذكره الذهبي في الضعفاء والمتروكين.
ومعنى الحديث صحيح، وتمامه: " وإن الله بحكمته جعل الروح والفرح في الرضى واليقين، وجعل الهم والحزن في الشك والسخط " 2. قوله: "إن من ضعف اليقين" الضعف بضم ويحرك، ضد القوة، ضعف ككرم ونصر، ضعفا، وضعفة، وضعافية، فهو ضعيف وضعوف وضعفان.
والجمع: ضعاف وضعفاء وضعفة وضعفى، أو الضعَف - بالفتح- في الرأي وبالضم في البدن، فهي ضعيفة وضعوف.
و "اليقين" كمال الإيمان.
قال ابن مسعود: " اليقين الإيمان كله، والصبر نصف الإيمان " رواه أبو نعيم في الحلية، والبيهقي في الزهد من حديثه مرفوعا: قال: ويدخل في ذلك تحقيق الإيمان بالقدر السابق، كما في حديث ابن عباس مرفوعا.
3" فإن

استطعت أن تعمل بالرضى في اليقين فافعل، فإن لم تستطع فإن في الصبر على ما تكره خيرا كثيرا ". وفي رواية " قلت: يا رسول الله كيف أصنع باليقين؟ قال: أن تعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وما أخطأك لم يكن ليصيبك " 1. قوله: "أن ترضي الناس بسخط الله" أي تؤثر رضاهم على رضا الله، وذلك إذا لم يقم بقلبه من إعظام الله وإجلاله وهيبته، ما يمنعه من استجلاب رضا المخلوق بما يجلب له سخط خالقه وربه ومليكه الذي يتصرف في القلوب، ويفرج الكروب ويغفر الذنوب.
وبهذا الاعتبار يدخل في نوع من الشرك؛ لأنه آثر رضا المخلوق على رضا الله، وتقرب إليه بما يسخط الله، ولا يسلم من هذا إلا من سلمه الله، ووفقه لمعرفته ومعرفة ما يجوز على الله من إثبات صفاته على ما يليق بجلاله، وتنزيهه تعالى عن كل ما ينافي كماله، ومعرفة توحيده من ربوبيته وإلهيته وبالله التوفيق.
قوله: "وأن تحمدهم على رزق الله" أي على ما وصل إليك من أيديهم، بأن تضيفه إليهم وتحمدهم عليه.
فإن المتفضل في الحقيقة هو الله وحده الذي قدره لك وأوصله إليك، وإذا أراد أمرا قيّض له أسبابا.
ولا ينافي هذا حديث: " من لا يشكر الناس لا يشكر الله " 23؛ لأن شكرهم إنما هو بالدعاء لهم لكون الله ساقه على أيديهم فتدعو لهم أو تكافئهم; لحديث: " ومن صنع إليكم معروفا فكافئوه، فإن لم تجدوا ما تكافئونه فادعوا له حتى تروا أنكم قد كافأتموه " 4 5. فإضافة الصنيعة إليهم لكونهم صاروا سببا في إيصال المعروف إليك، والذي قدره وساقه هو الله وحده.
قوله: "وأن تذمهم على ما لم يؤتك الله"؛ لأنه لم يقدر لك ما طلبته على أيديهم، فلو قدره لك لساقته المقادير إليك.
فمن علم أن المتفرد بالعطاء والمنع هو الله وحده، وأنه هو الذي يرزق العبد بسبب وبلا سبب، ومن حيث لا يحتسب، لم يمدح مخلوقا على رزق ولم يذمه على منع، ويفوض أمره إلى الله، ويعتمد عليه في أمر دينه ودنياه.
وقد قرر النبي هذا23

المعنى بقوله في الحديث: " إن رزق الله لا يجره حرص حريص، ولا يرده كراهية كاره ". كما قال تعالى: ﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ 1. قال شيخ الإسلام -رحمه الله-: " اليقين يتضمن اليقين في القيام بأمر الله وما وعد الله أهل طاعته، ويتضمن اليقين بقدر الله وخلقه وتدبيره، فإذا أرضيتهم بسخط الله لم تكن موقنا لا بوعده ولا برزقه؛ فإنه إنما يحمل الإنسان على ذلك إما ميل إلى ما في أيديهم، فيترك القيام فيهم بأمر الله لما يرجوه منهم، وإما ضعف تصديقه بما وعد الله أهل طاعته من النصر والتأييد والثواب في الدنيا والآخرة.
فإنك إذا أرضيت الله نصرك ورزقك وكفاك مئونتهم.
وإرضاؤهم بما يسخطه إنما يكون خوفا منهم ورجاء لهم، وذلك من ضعف اليقين.
وإذا لم يقدر لك ما تظن أنهم يفعلونه معك فالأمر في ذلك إلى الله لا لهم.
فإنه ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، فإذا ذممتهم على ما لم يقدّر كان وعن عائشة -رضي الله عنها- أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " من التمس رضا الله بسخط الناس، رضي الله عنه وأرضى عنه الناس، ومن التمس رضى الناس بسخط الله، سخط الله عليه وأسخط عليه الناس " 2 رواه ابن حبان في صحيحه.
ذلك من ضعف يقينك، فلا تخفهم ولا ترجهم ولا تذمهم من جهة نفسك وهواك; ولكن من حمده الله ورسوله منهم فهو المحمود، ومن ذمه الله ورسوله منهم فهو المذموم.
ولما قال بعض وفد بني تميم: "أي محمد أعطني؛ فإن حمدي زَيْن وذَمِّي شَين ". قال النبي صلى الله عليه وسلم " ذاك الله " 3. ودل الحديث على أن الإيمان يزيد وينقص، وأن الأعمال من مسمى الإيمان".
قوله: "وعن عائشة -رضي الله عنها- أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " من التمس رضا الله بسخط الناس، رضي الله عنه وأرضى عنه الناس، ومن التمس رضا الناس بسخط الله، سخط الله عليه وأسخط عليه الناس ". رواه ابن حبان في صحيحه".
هذا الحديث رواه ابن حبان بهذا اللفظ، ورواه الترمذي عن رجل من أهل المدينة قال: "كتب معاوية رضي الله عنه إلى عائشة -رضي الله عنها-: أن اكتبي لي كتابا توصيني فيه، ولا تكثري علي، فكتبت عائشة -رضي الله عنها- إلى معاوية: سلام عليك، أما بعد:

فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " من التمس رضا الله بسخط الناس، كفاه الله مئونة الناس، ومن التمس رضا الناس بسخط الله، وكله الله إلى الناس ". والسلام عليك.
ورواه أبو نعيم في الحلية.
قوله: "من التمس" أي طلب.
فيه مسائل: الأولى: تفسير آية آل عمران.
الثانية: تفسير آية براءة.
الثالثة: تفسير آية العنكبوت.
الرابعة: أن اليقين يضعف ويقوى.
قال شيخ الإسلام: " وكتبت عائشة إلى معاوية، وروي أنها رفعته: " من أرضى الله بسخط الناس، كفاه الله مئونة الناس، ومن أرضى الناس بسخط الله، لم يغنوا عنه من الله شيئا ". هذا لفظ المرفوع.
ولفظ الموقوف: "من أرضى الله بسخط الناس، رضي الله عنه وأرضى عنه الناس، ومن أرضى الناس بسخط الله عاد حامده من الناس له ذاما".
وهذا من أعظم الفقه في الدين؛ فإن من أرضى الله بسخطهم كان قد اتقاه وكان عبده الصالح، والله يتولى الصالحين، والله كاف عبده ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاًوَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ﴾ 1. والله يكفيه مئونة الناس بلا ريب.
وأما كون الناس كلهم يرضون عنه قد لا يحصل ذلك; لكن يرضون عنه إذا سلموا من الأغراض، وإذا تبين لهم العاقبة.
"ومن أرضى الناس بسخط الله لم يغنوا عنه من الله شيئا" كالظالم الذي يعض على يديه.
وأما كون حامده ينقلب ذاما، فهذا يقع كثيرا ويحصل في العاقبة.
فإن العاقبة للتقوى لا تحصل ابتداء عند أهوائهم".
اهـ. وقد أحسن من قال: إذا صح منك الود يا غاية المنى ... فكل الذي فوق التراب تراب قال ابن رجب -رحمه الله-: فمن تحقق أن كل مخلوق فوق التراب فهو تراب، فكيف يقدم

طاعة من هو تراب على طاعة رب الأرباب؟ أم كيف يرضى التراب بسخط الملك الوهاب؟ إن هذا لشيء عجاب.
وفي الحديث: عقوبة من خاف الناس وآثر رضاهم على الله، وأن العقوبة قد تكون في الدين، عياذا بالله من ذلك.
كما قال تعالى: ﴿فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقاً فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكَذِبُونَ﴾ 1. الخامسة: علامة ضعفه.
ومن ذلك هذه الثلاث.
السادسة: أن إخلاص الخوف لله من الفرائض.
السابعة: ذكر ثواب من فعله.
الثامنة: ذكر عقاب من تركه.

باب: قول الله تعالى: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾

1. قوله: "باب قول الله تعالى: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ ". قال أبو السعادات: " يقال: توكل بالأمر.
إذا ضمن القيام به; ووكلت أمري إلى فلان.
إذا اعتمدت عليه; ووكل فلان فلانا إذا استكفاه أمره ثقة بكفايته; أو عجزا عن القيام بأمر نفسه".
اهـ. وأراد المصنف -رحمه الله- بهذه الترجمة بالآية بيان أن التوكل فريضة يجب إخلاصه لله تعالى; فإن تقديم المعمول يفيد الحصر.
أي وعلى الله فتوكلوا لا على غيره، فهو من أجمع أنواع العبادة وأعظمها، لما ينشأ عنه من الأعمال الصالحة، فإنه إذا اعتمد على الله في جميع أموره الدينية والدنيوية، دون كل من سواه صح إخلاصه ومعاملته مع الله تعالى، فهو من أعظم منازل ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ 2.
فلا يحصل كمال التوحيد بأنواعه الثلاثة إلا بكمال التوكل على الله; كما في هذه الآية، وكما قال تعالى: ﴿إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ﴾ 3.
وقوله: ﴿رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلاً﴾ 4.
والآيات في الأمر به كثيرة جدا.
قال الإمام أحمد رحمه الله: "التوكل عمل القلب".
وقال ابن القيم في معنى الآية المترجم بها: فجعل التوكل على الله شرطا في الإيمان فدل على 1 سورة المائدة آية: 23.
2 سورة الفاتحة آية: 5.
3 سورة يونس آية: 84.
4 سورة المزمل آية: 9.

فصول الكتاب · 8 فصل · 518 صفحة
الانتقال إلى صفحة
الشروح والتعليقات١
جارٍ التحميل