باب الخوف من الشرك.
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ
- الكتاب
- فتح المجيد شرح كتاب التوحيد
- المؤلف
- عبد الرحمن بن حسن بن محمد بن عبد الوهاب بن سليمان التميمي (المتوفى: 1285هـ)
- المحقق
- محمد حامد الفقي
- الناشر
- مطبعة السنة المحمدية، القاهرة، مصر
- الطبعة
- السابعة، 1377هـ/1957م [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]
وقول الله عز وجل: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ 1 قال المصنف - رحمه الله تعالى -: "وفيه استعمال المعاريض وحسن خلقه صلي الله عليه وسلم".
قوله: باب "الخوف من الشرك" وقول الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ .
قال ابن كثير: "أخبر تعالى أنه ﴿لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ أي لا يغفر لعبد لقيه وهو مشرك ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ أي من الذنوب لمن يشاء من عباده".
انتهى.
فتبين بهذه الآية أن الشرك أعظم الذنوب؛ لأن الله تعالى أخبر أنه لا يغفره لمن لم يتب منه، وما دونه من الذنوب فهو داخل تحت المشيئة إن شاء غفره لمن لقيه به، وإن شاء عذبه به، وذلك يوجب للعبد شدة الخوف من الشرك الذي هذا شأنه عند الله؛ لأنه أقبح القبيح وأظلم الظلم، وتنقص لرب العالمين، وصرف خالص حقه لغيره، وعدل غيره به؛ كما قال تعالى: ﴿ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ 2، ولأنه مناقض للمقصود بالخلق والأمر، مناف له من كل وجه، وذلك غاية المعاندة لرب العالمين، والاستكبار عن طاعته والذل له، والانقياد لأوامره الذي لا صلاح للعالم إلا بذلك، فمتى خلا منه خرب وقامت القيامة، كما قال صلي الله عليه وسلم: " لا تقوم الساعة حتى لا يقال في الأرض الله الله " 3 رواه مسلم4 ولأن الشرك تشبيه للمخلوق بالخالق تعالى، ومشاركة في خصائص الإلهية: من ملك الضر والنفع، والعطاء والمنع، الذي يوجب تعلق الدعاء والخوف والرجاء والتوكل، وأنواع العبادة كلها بالله وحده، فمن علق ذلك بمخلوق فقد شبهه بالخالق، وجعل من لا يملك لنفسه ضرا ولا موتا ولا حياة ولا نشورا، شبيها بمن له الحمد كله، وله الخلق كله، وله الملك كله، واليه يرجع الأمر كله، وبيده الخير كله، فأزمة الأمور كلها بيده سبحانه ومرجعها إليه، فما شاء كان وما لم يشأ لم يكن.
لا مانع لما أعطى ولا معطي لما منع، الذي إذا فتح للناس رحمة فلا ممسك لها، وما يمسك فلا مرسل له من بعده وهو العزيز الحكيم.
فأقبح التشبيه تشبيه العاجز الفقير بالذات بالقادر الغني بالذات.
ومن خصائص الإلهية: الكمال المطلق من جميع الوجوه، الذي 1 سورة النساء آية: 48.
2 سورة الأنعام آية: 1.
3 مسلم: الإيمان (148) , والترمذي: الفتن (2207) , وأحمد (3/107 ,3/162 ,3/201 ,3/259 ,3/268) .
4 مسلم: كتاب الإيمان (148) (234) : باب ذهاب الإيمان آخر الزمان.
لا نقص فيه بوجه من الوجوه.
وذلك يوجب أن تكون العبادة كلها له وحده، والتعظيم والإجلال، والخشية والدعاء، والرجاء والإنابة; والتوكل والتوبة والاستعانة، وغاية الحب مع غاية الذل.
كل ذلك يجب عقلا وشرعا وفطرة أن يكون لله وحده، ويمتنع عقلا وشرعا وفطرة أن يكون لغيره.
فمن فعل شيئا من ذلك لغيره فقد شبه ذلك الغير بمن لا شبيه له ولا مثيل له، ولا ند له، وذلك أقبح التشبيه وأبطله.
فلهذه الأمور وغيرها أخبر - سبحانه وتعالى - أنه لا يغفره، مع أنه كتب على نفسه الرحمة.
هذا معنى كلام ابن القيم رحمه الله.
وفي الآية رد على الخوارج المكفرين بالذنوب.
وعلى المعتزلة القائلين بأن أصحاب الكبائر يخلدون في النار، وليسوا عندهم بمؤمنين ولا كفار.
ولا يجوز أن يحمل قوله: ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ 1 على التائب؛ فإن التائب من الشرك مغفور له كما قال تعالى: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً﴾ 2 فهنا عمم وأطلق؛ لأن المراد به التائب، وهناك خص وعلق؛ لأن المراد به من لم يتب. هذا ملخص قول شيخ الإسلام3.
قوله: "وقال الخليل عليه السلام: ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الأَصْنَامَ﴾ 4"
الصنم
ما كان منحوتا على صورة، والوثن ما كان موضوعا على غير ذلك.
ذكره الطبري عن مجاهد.
قلت: وقد يسمى الصنم وثنا كما قال الخليل1 - عليه السلام - ﴿إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَاناً وَتَخْلُقُونَ إِفْكاً﴾ 2 الآية ويقال: إن الوثن أعم، وهو قوي، فالأصنام أوثان كما أن القبور أوثان.
قوله: ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الأَصْنَامَ﴾ 3 أي اجعلني وبني في جانب عن عبادة الأصنام، وباعد بيننا وبينها.
وقد استجاب الله تعالى دعاءه، وجعل بنيه أنبياء، وجنبهم عبادة الأصنام، وقد بين ما يوجب الخوف من ذلك بقوله: ﴿رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ﴾ 4 فإنه هو الواقع في كل زمان.
فإذا عرف الإنسان أن كثيرا وقعوا في الشرك الأكبر وضلوا بعبادة الأصنام: أوجب ذلك خوفه من أن يقع فيما وقع فيه الكثير من الشرك الذي لا يغفره الله.
قال إبراهيم التيمي: " من يأمن البلاء بعد إبراهيم؟ " رواه ابن جرير وابن أبي حاتم.
فلا يأمن الوقوع في الشرك إلا من هو جاهل به وبما يخلصه منه: من العلم بالله، وبما بعث به رسوله من توحيده، والنهي عن الشرك به5.
وفي الحديث: " أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر، فسئل عنه فقال: الرياء " 1. قال المصنف: "وفي الحديث: " أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر، فسئل عنه فقال: الرياء" أورد المصنف هذا الحديث مختصرا غير معزو.
وقد رواه الإمام أحمد والطبراني
والبيهقي، وهذا لفظ أحمد: حدثنا يونس حدثنا ليث عن يزيد - يعني ابن الهاد - عن عمرو عن محمود بن لبيد أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم – قال: " إن أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر.
قالوا: وما الشرك الأصغر يا رسول الله؟ قال: الرياء، يقول الله تعالى يوم القيامة إذا جازى الناس بأعمالهم: اذهبوا إلى الذين كنتم تراءون في الدنيا فانظروا هل تجدون عندهم جزاء؟ " 2.
قال المنذري: ومحمود بن لبيد رأى النبي صلي الله عليه وسلم ولم يصح له منه سماع فيما أرى.
وذكر ابن أبي حاتم أن البخاري قال: له صحبة، ورجحه ابن عبد البر والحافظ.
1 أحمد (5/428) ، والطبراني في الكبير (4301) . وصححه الألباني في الصحيحة (951) وصحيح الجامع (1551) .
2 مسند أحمد (5/428 ,5/429) .
وقد رواه الطبراني بأسانيد جيدة عن محمود بن لبيد عن رافع بن خديج.
مات محمود سنة ست وتسعين، وقيل سنة سبع وتسعين.
وله تسع وتسعون سنة.
قوله: "إن أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر" هذا من شفقته صلي الله عليه وسلم بأمته ورحمته ورأفته بهم، فلا خير إلا دلهم عليه وأمرهم به، ولا شر إلا بينه لهم وأخبرهم به ونهاهم عنه; كما قال صلي الله عليه وسلم فيما صح عنه: " ما بعث الله من نبي إلا كان حقا عليه أن يدل أمته على خير ما يعلمه لهم - الحديث1". فإذا كان الشرك الأصغر مخوفا على أصحاب رسول الله صلي الله عليه وسلم مع كمال علمهم وقوة إيمانهم، فكيف لا يخافه وما فوقه من هو دونهم في العلم والإيمان بمراتب؟ خصوصا إذا عرف أن أكثر علماء الأمصار اليوم لا يعرفون من التوحيد إلا ما أقر به المشركون، وما عرفوا معنى الإلهية التي نفتها كلمة الإخلاص عن كل ما سوى الله2.
وعن ابن مسعود رضي الله عنه أن رسول الله صلي الله عليه وسلم قال: " من مات وهو يدعو من دون الله ندا دخل النار " 3 رواه البخاري.
وأخرج أبو يعلى وابن المنذر عن حذيفة بن اليمان عن أبي بكر عن النبي صلي الله عليه وسلم قال: " الشرك أخفى من دبيب النمل.
قال أبو بكر: يا رسول الله، وهل الشرك إلا ما عبد من دون الله أو ما دعي مع الله؟ قال: ثكلتك أمك، الشرك فيكم أخفى من دبيب النمل " الحديث.
وفيه: " أن تقول أعطاني الله وفلان، والند أن يقول الإنسان: لولا فلان
قتلني فلان " اهـ من الدر1.
قال المصنف: وعن ابن مسعود رضي الله عنه أن رسول الله صلي الله عليه وسلم قال: " من مات وهو يدعو من دون الله ندا دخل النار " 2 رواه البخاري 3.
قال ابن القيم - رحمه الله -: "الند الشبيه، يقال: فلان ند فلان، وند يده، أي مثله وشبيهه" اهـ. قال تعالى: ﴿فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَاداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ 4.
ولمسلم عن جابر رضي الله عنه أن رسول الله صلي الله عليه وسلم قال: " من لقي الله لا يشرك به شيئا دخل الجنة، ومن لقيه يشرك به شيئا دخل النار " 5.
قوله: " من مات وهو يدعو من دون الله ندا" أي يجعل لله ندا في العبادة، يدعوه ويسأله ويستغيث به دخل النار.
قال العلامة ابن القيم - رحمه الله -:
والشرك فاحذره فشرك ظاهر ... ذا القسم ليس بقابل الغفران
وهو اتخاذ الند للرحمن أيا ... كان من حجر ومن إنسان
يدعوه، أو يرجوه ثم يخافه ... ويحبه كمحبة الديان
واعلم أن اتخاذ الند على قسمين:
الأول: أن يجعله لله شريكا في أنواع العبادة أو بعضها كما تقدم، وهو شرك أكبر.
والثاني: ما كان من نوع الشرك الأصغر كقول الرجل: ما شاء الله وشئت ولولا الله وأنت.
وكيسير الرياء، فقد ثبت أن النبي صلي الله عليه وسلم لما قال له رجل: " ما شاء الله وشئت، قال: أجعلتني لله ندا؟ بل ما شاء الله وحده " 6رواه أحمد وابن أبي شيبة والبخاري في الأدب المفرد والنسائي وابن ماجه.
وقد تقدم حكمه في باب فضل التوحيد.
وفيه: بيان أن دعوة غير الله فيما لا يقدر عليه إلا الله شرك جلي، كطلب الشفاعة من الأموات؛ فإنها ملك لله تعالى وبيده، ليس بيد غيره منها شيء، وهو الذي يأذن للشفيع أن يشفع فيمن لاقى الله بالإخلاص والتوحيد من أهل الكبائر، كما يأتي تقريره في باب الشفاعة إن شاء الله تعالى.
فيه مسائل:
الأولى: الخوف من الشرك.
الثانية: أن الرياء من الشرك.
الثالثة: أنه من الشرك الأصغر.
الرابعة: أنه أخوف ما يخاف منه على الصالحين.
الخامسة: قرب الجنة والنار.
السادسة: الجمع بين قربهما في حديث واحد.
السابعة: أنه من لقيه لا يشرك به شيئا دخل الجنة.
ومن لقيه يشرك به شيئا دخل النار، ولو كان من أعبد الناس.
الثامنة: المسألة العظيمة سؤال الخليل له ولبنيه وقاية عبادة الأصنام
قال المصنف - رحمه الله تعالى -: "ولمسلم عن جابر أن رسول الله صلي الله عليه وسلم قال: " من لقي الله لا يشرك به شيئا دخل الجنة.
ومن لقيه يشرك به شيئا دخل النار ".
جابر: هو ابن عبد الله بن عمرو بن حرام - بمهملتين - الأنصاري ثم السلمي - بفتحتين - صحابي جليل هو وأبوه، ولأبيه مناقب مشهورة - رضي الله عنهما -1 مات بالمدينة بعد السبعين، وقد كف بصره، وله أربع وتسعون سنة.
قوله: "من لقي الله لا يشرك به شيئا" قال القرطبي: أي لم يتخذ معه شريكا في الإلهية، ولا في الخلق، ولا في العبادة، ومن المعلوم من الشرع المجمع عليه عند أهل السنة: أن من مات على ذلك فلا بد له من دخول الجنة، وإن جرت عليه قبل ذلك أنواع من العذاب والمحنة.
وأن من مات على الشرك لا يدخل الجنة ولا يناله من الله رحمة، ويخلد في النار أبد الآباد، من غير انقطاع عذاب ولا تصرم آماد.
التاسعة: اعتباره بحال الأكثر لقوله: ﴿رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ﴾ 2.
العاشرة: فيه تفسير " لا إله إلا الله" كما ذكره البخاري.
الحادية عشرة: فضيلة من سلم من الشرك.
وقال النووي: أما دخول المشرك النار فهو على عمومه، فيدخلها ويخلد فيها، ولا فرق فيه بين الكتابي اليهودي والنصراني، وبين عبدة الأوثان وسائر الكفرة، ولا فرق عند أهل الحق بين الكافر عنادا وغيره، ولا بين من خالف ملة الإسلام وبين من انتسب إليها ثم
حكم بكفره بجحده وغير ذلك1.
وأما دخول من مات غير مشرك الجنة فهو مقطوع له به.
لكن إن لم يكن صاحب كبيرة مات مصرا عليها دخل الجنة أولا.
وإن كان صاحب كبيرة مات مصرا عليها فهو تحت المشيئة.
فإن عفا الله عنه دخل الجنة أولا، وإلا عذب في النار ثم أخرج من النار وأدخل الجنة.
وقال غيره: اقتصر على نفي الشرك لاستدعائه التوحيد بالاقتضاء، واستدعائه إثبات الرسالة باللزوم؛ إذ من كذب رسل الله فقد كذب الله، ومن كذب الله فهو مشرك، وهو كقولك: من توضأ صحت صلاته.
أي مع سائر الشروط، فالمراد: من مات حال كونه مؤمنا بجميع ما يجب الإيمان به إجمالا في الإجمالي وتفصيلا في التفصيلي2 انتهى.
باب" الدعاء إلى شهادة لا إله إلا الله "
وقول الله تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ 1.
قوله
: "باب الدعاء إلى شهادة أن لا إله إلا الله"
لما ذكر المصنف - رحمه الله - التوحيد وفضله، وما يوجب الخوف من ضده.
نبه بهذه الترجمة على أنه لا ينبغي لمن عرف ذلك أن يقتصر على نفسه، بل يجب عليه أن يدعو إلى الله تعالى بالحكمة والموعظة الحسنة، كما هو سبيل المرسلين وأتباعهم.
كما قال الحسن البصري لما تلا قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ 2 فقال: "هذا حبيب الله، هذا ولي الله، هذا صفوة الله، هذا خيرة الله، هذا أحب أهل الأرض إلى الله، أجاب الله في دعوته، ودعا الناس إلى ما أجاب الله فيه من دعوته، وعمل صالحا في إجابته، وقال: إنني من المسلمين.
هذا خليفة الله" 3.
قال - رحمه الله -: وقوله: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ 4.
قال أبو جعفر ابن جرير: "يقول - تعالى ذكره - لنبيه محمد صلي الله عليه وسلم " قل " يا محمد " هذه " الدعوة التي أدعو إليها، والطريقة التي أنا عليها، من الدعاء إلى توحيد الله، وإخلاص1
العبادة له دون الآلهة والأوثان، والانتهاء إلى طاعته وترك معصيته " سبيلي " طريقتي ودعوتي، "أَدْعُو إِلَى اللَّهِ" تعالى وحده لا شريك له " على بصيرة " بذلك ويقين علم مني به " أنا " ويدعو إليه على بصيرة أيضا من اتبعني وصدقني وآمن بي.
﴿وَسُبْحَانَ اللَّهِ﴾ 1 " يقول له تعالى ذكره: وقل: تنزيها لله تعالى وتعظيما له من أن يكون له شريك في ملكه أو معبود سواه في سلطانه.
﴿وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ 2 يقول: وأنا بريء من أهل الشرك به، لست منهم ولا هم مني".
انتهى.
قال في شرح المنازل: يريد أن تصل باستدلالك إلى أعلى درجات العلم وهي البصيرة التي تكون نسبة المعلوم فيها إلى القلب كنسبة المرئي إلى البصر، وهذه هي الخصيصة التي اختص بها الصحابة عن سائر الأمة، وهي أعلى درجات العلماء.
قال تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ 3 أي أنا وأتباعي على بصيرة.
وقيل: "من اتبعني" عطف على المرفوع في "أدعو" أي أنا أدعو إلى الله على بصيرة، ومن اتبعني كذلك يدعو إلى الله تعالى على بصيرة، وعلى القولين: فالآية تدل على أن اتباعه هم أهل البصائر الداعون إلى الله تعالى، ومن ليس منهم فليس من أتباعه على الحقيقة والموافقة، وإن كان من أتباعه على الانتساب والدعوى.
قال المصنف - رحمه الله -: "فيه مسائل: منها التنبيه على الإخلاص؛ لأن كثيرا ولو دعا إلى الحق فهو يدعو إلى نفسه.
ومنها: أن البصيرة من الفرائض.
ومنها: أن من دلائل حسن التوحيد أنه تنزيه لله تعالى عن المسبة.
ومنها: أن من قبح الشرك كونه مسبة لله تعالى.
ومنها: إبعاد المسلم عن المشركين لا يصير منهم ولو لم يشرك" اهـ.
وقال العلامة ابن القيم - رحمه الله تعالى - في معنى قوله تعالى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ﴾ 4 الآية ذكر سبحانه مراتب الدعوة وجعلها ثلاثة أقسام بحسب حال المدعو: فإنه إما أن يكون طالبا للحق محبا له، مؤثرا له على غيره إذا عرفه، فهذا يدعى بالحكمة، ولا يحتاج إلى موعظة وجدال.
وإما أن يكون مشتغلا بضد الحق.
لكن لو عرفه آثره واتبعه، فهذا يحتاج إلى الموعظة بالترغيب والترهيب.
وإما أن يكون معاندا معارضا، فهذا يجادل بالتي هي أحسن.
فإن رجع وإلا انتقل معه إلى الجدال إن أمكن.
انتهى.
قال: "وعن ابن عباس - رضي الله عنهما -: " أن رسول الله صلي الله عليه وسلم لما بعث
معاذا إلى اليمن قال: إنك تأتي قوما من أهل الكتاب، فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله " - وفي رواية: إلى أن يوحدوا الله - " فإن هم أطاعوك لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة، فإن هم أطاعوك لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم وترد على فقرائهم، فإن هم أطاعوك لذلك فإياك وكرائم أموالهم، واتق دعوة المظلوم، فإنه ليس بينها وبين الله حجاب " أخرجاه1.
قال الحافظ: كان بعث معاذ إلى اليمن سنة عشر، قبل حج النبي صلي الله عليه وسلم، كما ذكره المصنف - يعني البخاري في أواخر المغازي - وقيل: كان ذلك في آخر سنة تسع عند منصرفه صلي الله عليه وسلم من تبوك.
رواه الواقدي بإسناده إلى كعب بن مالك.
وأخرجه ابن سعد في الطبقات عنه، واتفقوا على أنه لم يزل على اليمن إلى أن قدم في خلافة أبي بكر رضي الله عنه، ثم توجه إلى الشام فمات بها.
قال شيخ الإسلام: ومن فضائل معاذ رضي الله عنه أنه صلي الله عليه وسلم بعثه إلى اليمن مبلغا عنه، ومفقها ومعلما وحاكما.
قوله: " إنك تأتي قوما من أهل الكتاب " قال القرطبي: "يعني به اليهود والنصارى، لأنهم كانوا في اليمن أكثر من مشركي العرب أو أغلب، وإنما نبهه على ذلك ليتهيأ لمناظرتهم.
وقال الحافظ: هو كالتوطئة للوصية لجمع همته عليها".
قوله: " فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله " 2 "شهادة" رفع على أنه اسم "يكن" مؤخر.
و "أول" خبرها مقدم.
ويجوز العكس.
قوله: "وفي رواية: إلى أن يوحدوا الله" هذه الرواية ثابتة في كتاب التوحيد من صحيح البخاري.
وأشار المصنف بذكر هذه الرواية إلى التنبيه على معنى "شهادة أن لا إله إلا الله"؛ فإن معناها توحيد الله بالعبادة ونفي عبادة ما سواه.
وفي رواية: " "فليكن أول ما تدعوهم إليه عبادة الله" " وذلك هو الكفر بالطاغوت والإيمان بالله، كما قال تعالى: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لا انْفِصَامَ لَهَا﴾ 1 والعروة الوثقى هي "لا إله إلا الله".
وفي رواية للبخاري فقال: " ادعهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأني رسول الله ".
قلت: لا بد في شهادة أن لا إله إلا الله من سبعة شروط لا تنفع قائلها إلا باجتماعها: أحدها: العلم المنافي للجهل.
الثاني: اليقين المنافي للشك.
الثالث: القبول المنافي للرد.
الرابع: الانقياد المنافي للترك.
الخامس: الإخلاص المنافي
للشرك.
السادس: الصدق المنافي للكذب.
السابع: المحبة المنافية لضدها.
وفيه دليل على أن التوحيد - الذي هو إخلاص العبادة لله وحده لا شريك له وترك عبادة ما سواه - هو أول واجب.
ولهذا كان أول ما دعت إليه الرسل - عليهم السلام - ﴿أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ 1 وقال نوح: ﴿أَلا تَعْبُدُوا إِلاَّ اللَّهَ﴾ 2 وفيه معنى "لا إله إلا الله" مطابقة3.
قال شيخ الإسلام: "وقد علم بالاضطرار من دين الرسول صلي الله عليه وسلم، واتفقت عليه الأمة أن أصل الإسلام وأول ما يؤمر به الخلق: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، فبذلك يصير الكافر مسلما، والعدو وليا، والمباح دمه وماله معصوم الدم والمال.
ثم إن كان ذلك من قلبه فقد دخل في الإيمان وإن قاله بلسانه دون قلبه فهو في ظاهر الإسلام دون باطن الإيمان، قال: وأما إذا لم يتكلم بها مع القدرة فهو كافر باتفاق المسلمين باطنا وظاهرا، عند سلف الأمة وأئمتها وجماهير العلماء" اهـ.
" فإن هم أطاعوك لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة، فإن هم أطاعوك لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم.
قال المصنف - رحمه الله تعالى -: "وفيه أن الإنسان قد يكون عالما1 وهو لا يعرف معنى "لا إله إلا الله" أو يعرفه ولا يعمل به".
قلت: فما أكثر هؤلاء - لا كثرهم الله تعالى -.
قوله: " فإن هم أطاعوك لذلك " أي شهدوا وانقادوا لذلك.
" فأعلمهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات " فيه: أن الصلاة أعظم واجب بعد الشهادتين.
قال النووي ما معناه: أنه يدل على أن المطالبة بالفرائض في الدنيا لا تكون إلا بعد الإسلام.
ولا يلزم من ذلك أن لا يكونوا مخاطبين بها، ويزاد في عذابهم بسببها في الآخرة.
والصحيح أن الكفار مخاطبون بفروع الشريعة المأمور به والمنهي عنه.
وهذا قول الأكثرين.
اهـ.
قوله: " فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم".
2 فيه دليل على أن الزكاة أوجب الأركان بعد الصلوات، وأنها تؤخذ من الأغنياء وتصرف إلى الفقراء، وإنما خص النبي صلي الله عليه وسلم الفقراء؛ لأن حقهم في الزكاة آكد من 1 يعني عالما بعلوم الدنيا; أو عالما حافظا لعلوم الدين ولكنها لا تمس قلبه ولا عقيدته؛ لأنه تعلمها للدنيا وليقال عالم.
فهو محترف العلم، وقد يكون بارعا حاذفا في هذه الحرفة ولكنه لا ينتفع في نفسه بعلمه؛ لأن علمه في ناحية وعقيدته ودينه مع تقليد العوام والجمهور في ناحية أخرى، وهذا حال أكثر العلماء الرسميين اليوم أصلحهم الله.
2 في قرة العيون: فيه أن الزكاة لا تنفع إلا من وحد الله وصلى الصلوات بشروطها وأركانها وواجباتها.
والزكاة قرينة الصلوات في كتاب الله تعالى، ويدل على هذه الجملة قوله تعالى: 5: 98 (وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة وذلك دين القيمة) . فمن أتى بهذه الأمور أتى ببقية الأركان لقوة الداعي إلى ذلك؛ لأن ذلك يقتضي الإتيان بها لزوما.
قال تعالى: 9: 5 (فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم) . قال أنس في الآية: "توبتهم: خلع الأوثان وعبادتهم ربهم وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة".
وعن ابن مسعود مرفوعا: "أمرت بإقام الصلاة وإيتاء الزكاة, ومن لم يزك فلا صلاة له ".
حق بقية الأصناف الثمانية.
وفيه: أن الإمام هو الذي يتولى قبض الزكاة وصرفها: إما بنفسه أو نائبه، فمن امتنع عن أدائها إليه أخذت منه قهرا.
وفي الحديث دليل على أنه يكفي إخراج الزكاة في صنف واحد، كما هو مذهب مالك وأحمد.
وفيه: أنه لا يجوز دفعها إلى غني ولا إلى كافر غير المؤلف، وأن الزكاة واجبة في مال الصبي والمجنون، كما هو قول الجمهور؛ عموم الحديث.
قلت: والفقير إذا أفرد في اللفظ تناول المسكين وبالعكس، كنظائره. كما قرره شيخ الإسلام.
قوله: " إياك وكرائم أموالهم " بنصب "كرائم" على التحذير، وجمع كريمة. قال صاحب المطالع: "هي الجامعة للكمال الممكن في حقها: من غزارة لبن، وجمال صورة، وكثرة لحم وصوف". ذكره النووي "قلت" وهي خيار المال وأنفسه وأكثره ثمنا.
وفيه: أنه يحرم على العامل في الزكاة أخذ كرائم المال، ويحرم على صاحب المال إخراج شرار المال. بل يخرج الوسط، فإن طابت نفسه بالكريمة جاز2.
قوله: " واتق دعوة المظلوم " 3 أي اجعل بينك وبينها وقاية بالعدل وترك الظلم، وهذان الأمران يقيان من رزقهما من جميع الشرور دنيا وأخرى.
وفيه تنبيه على التحذير من جميع أنواع الظلم.1
قوله: "فإنه" أي الشأن " ليس بينها وبين الله حجاب " هذه الجملة مفسرة لضمير الشأن، أي فإنها لا تحجب عن الله فيقبلها.
وفي الحديث أيضا قبول خبر الواحد العدل، ووجوب العمل به.
وبعث الإمام العمال لجباية الزكاة.
وأنه يعظ عماله وولاته، ويأمرهم بتقوى الله تعالى ويعلمهم، وينهاهم عن الظلم ويعرفهم سوء عاقبته.
والتنبيه على التعليم بالتدريج.
قاله المصنف.
قلت: ويبدأ بالأهم فالأهم.
واعلم أنه لم يذكر في الحديث الصوم والحج، فأشكل ذلك على كثير من العلماء.
قال شيخ الإسلام: أجاب بعض الناس: أن بعض الرواة اختصر الحديث وليس كذلك.
فإن هذا طعن في الرواة؛ لأن ذلك إنما يقع في الحديث الواحد; مثل حديث وفد عبد القيس 1 حيث ذكر بعضهم الصيام وبعضهم لم يذكره، فأما الحديثان المنفصلان فليس الأمر فيها كذلك، ولكن عن هذا جوابان:
أحدهما: أن ذلك بحسب نزول الفرائض، وأول ما فرض الله الشهادتين ثم الصلاة.
فإنه أمر بالصلاة في أول أوقات الوحي، ولهذا لم يذكر وجوب الحج، كعامة الأحاديث، إنما جاء في الأحاديث المتأخرة.
الجواب الثاني: أنه كان يذكر في كل مقام ما يناسبه.
فيذكر تارة الفرائض التي يقاتل عليها: كالصلاة والزكاة.
ويذكر تارة الصلاة والصيام لمن لم يكن عليه زكاة، ويذكر تارة الصلاة والزكاة والصوم.
فإما أن يكون قبل فرض الحج; وإما أن يكون المخاطب بذلكض
لا حج عليه.
وأما الصلاة والزكاة فلهما شأن ليس لسائر الفرائض ولهذا ذكر الله تعالى في كتابه القتال عليهما؛ لأنهما عبادتان ظاهرتان بخلاف الصوم، فإنه أمر باطن من جنس الوضوء والاغتسال من الجنابة، ونحو ذلك مما يؤتمن عليه العبد، فإن الإنسان يمكنه أن لا ينوي الصوم وأن يأكل سرا، كما يمكنه أن يكتم حدثه وجنابته، وهو يذاكر في الأعمال الظاهرة التي يقاتل الناس عليها ويصيرون مسلمين بفعلها.
فلهذا علق ذلك بالصلاة والزكاة دون الصوم، وإن كان واجبا كما في آيتي براءة1 نزلت بعد فرض الصيام باتفاق الناس.
وكذلك لما بعث معاذا إلى اليمن لم يذكر في حديثه الصوم؛ لأنه تبع وهو باطن، ولا ذكر الحج؛ لأن وجوبه خاص ليس بعام، ولا يجب في العمر إلا مرة.
انتهى بمعناه 2.
قوله: "أخرجاه" أي البخاري ومسلم، وأخرجه أيضا أحمد وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه.
قال: "ولهما عن سهل بن سعد رضي الله عنه: أن رسول الله صلي الله عليه وسلم قال يوم خيبر: "لأعطين الراية غدا رجلا يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله، يفتح الله على يديه.
فبات الناس يدوكون ليلتهم، أيهم يعطاها.
فلما أصبحوا غدوا على رسول الله صلي الله عليه وسلم كلهم يرجو أن يعطاها، فقال: أين علي ابن أبي طالب؟ فقيل: هو يشتكي عينيه.
قال: فأرسلوا إليه فأتي به، فبصق في عينيه ودعا له، فبرأ كأن لم يكن به وجع،
فأعطاه الراية، قال: انفذ على رسلك حتى تنزل بساحتهم، ثم ادعهم إلى الإسلام، وأخبرهم بما يجب عليهم من حق الله تعالى فيه، فوالله لأن يهدي الله بك رجلا واحدا خير لك من حمر النعم " 1.
"يدوكون" أي يخوضون.
قوله: "عن سهل بن سعد" أي ابن مالك بن خالد الأنصاري الخزرجي الساعدي، أبي العباس صحابي شهير، وأبوه صحابي أيضا، مات سنة ثمان وثمانين وقد جاوز المائة.
قوله: "قال يوم خيبر" وفي الصحيحين عن سلمة بن الأكوع قال:
" كان علي رضي الله عنه قد تخلف عن النبي صلي الله عليه وسلم في خيبر، وكان أرمد، فقال: أنا أتخلف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فخرج علي رضي الله عنه فلحق بالنبي صلي الله عليه وسلم، فلما كان مساء الليلة التي فتحها الله عز وجل في صباحها، قال صلي الله عليه وسلم: لأعطين الراية - أو ليأخذن الراية - غدا رجل يحبه الله ورسوله، أو قال: يحب الله ورسوله، يفتح الله على يديه.
فإذا نحن بعلي وما نرجوه، فقالوا: هذا علي، فأعطاه رسول الله صلي الله عليه وسلم الراية ففتح الله عليه " 2.
قوله: "لأعطين الراية" قال الحافظ: في رواية بريدة: "إني دافع اللواء إلى رجل يحبه الله ورسوله" وقد صرح جماعة من أهل اللغة بترادفها، ولكن روى أحمد والترمذي من حديث ابن عباس: " كانت راية رسول الله صلي الله عليه وسلم سوداء، ولواؤه أبيض "3 ومثله عند الطبراني عن.
الناس يدوكون ليلتهم: أيهم يعطاها. فلما أصبحوا غدوا على رسول الله صلي الله عليه وسلم كلهم
بريدة. وعند ابن عدي عن أبي هريرة وزاد: "مكتوب فيه: لا إله إلا الله محمد رسول الله"4.
قوله: " يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله " فيه فضيلة عظيمة لعلي رضي الله عنه.
قال شيخ الإسلام: ليس هذا الوصف مختصا بعلي ولا بالأئمة؛ فإن الله ورسوله يحب كل مؤمن تقي يحب الله ورسوله، لكن هذا الحديث من أحسن ما يحتج به على النواصب الذين لا يتولونه، أو يكفرونه أو يفسقونه كالخوارج.
لكن هذا الاحتجاج لا يتم على قول الرافضة الذين يجعلون النصوص الدالة على فضائل الصحابة كانت قبل ردتهم، فإن الخوارج تقول في علي مثل ذلك، ولكن هذا باطل؛ فإن الله تعالى ورسوله لا يطلق مثل هذا المدح على من يعلم الله أنه يموت كافرا.
وفيه إثبات صفة المحبة خلاقا للجهمية ومن أخذ عنهم 1.
قوله: " يفتح الله على يديه " صريح في البشارة بحصول الفتح، فهو علم من أعلام النبوة.
قوله: " فبات الناس يدوكون ليلتهم " بنصب "ليلتهم" و "يدوكون" قال المصنف: يخوضون.
أي فيمن يدفعها إليه.
وفيه حرص الصحابة على الخير واهتمامهم به، وعلو مرتبتهم في العلم والإيمان.
قوله: "أيهم" هو برفع "أي" على البناء لإضافتها وحذف صدر صلتها.
قوله: " فلما أصبحوا غدوا على رسول الله صلي الله عليه وسلم كلهم يرجو أن يعطاها ". وفي
يرجو أن يعطاها ". فقال: أين علي ابن أبي طالب؟ فقيل: هو يشتكي عينيه.
رواية أبي هريرة عند مسلم أن عمر قال: " ما أحببت الإمارة إلا يومئذ "2.
قال شيخ الإسلام: إن في ذلك شهادة النبي صلي الله عليه وسلم لعلي بإيمانه باطنا وظاهرا وإثباتا لموالاته لله تعالى ورسوله ووجوب موالاة المؤمنين له، وإذا شهد النبي صلي الله عليه وسلم لمعين بشهادة أو دعا له أحب كثير من الناس أن يكون له مثل تلك الشهادة ومثل ذلك الدعاء، وإن كان النبي يشهد بذلك لخلق كثير ويدعو لخلق كثير، وهذا كالشهادة بالجنة لثابت بن قيس3 وعبد الله بن سلام4 وإن كان شهد بالجنة لآخرين، والشهادة بمحبة الله ورسوله للذي ضرب في الخمر5.
قوله: "فقال أين علي ابن أبي طالب" فيه سؤال الإمام عن رعيته; وتفقد أحوالهم.
قوله: " فقيل هو يشتكي عينيه " أي من الرمد، كما في صحيح مسلم عن سعد ابن أبي وقاص فقال:
" ادعوا لي عليا فأتي به أرمد " 1. الحديث، وفي نسخة صحيحة بخط المصنف: " فقيل: هو يشتكي عينيه، فأرسل إليه " مبني للفاعل، وهو ضمير مستتر في الفعل راجع إلى النبي صلي الله عليه وسلم، ويحتمل أن يكون مبنيا لما لم يسم فاعله. ولمسلم من طريق إياس بن سلمة بن الأكوع عن أبيه قال: " فأرسلني إلى علي فجئت به أقوده أرمد ".
قوله: "فبصق" بفتح الصاد، أي تفل.
قوله: " ودعا له فبرأ" هو بفتح الراء والهمزة، أي عوفي في الحال، عافية كاملة كأن لم يكن به وجع من رمد ولا ضعف بصر.
وعند الطبراني من حديث علي: " فما رمدت ولا صدعت منذ دفع النبي صلي الله عليه وسلم إلي الراية ". وفيه دليل على الشهادتين2.
قوله: "فأعطاه الراية" قال المصنف: "فيه الإيمان بالقدر لحصولها لمن لم يسع; ومنعها عمن سعى".
وفيه: أن فعل الأسباب المباحة أو الواجبة أو المستحبة لا ينافي التوكل.
قوله: " وقال: انفذ على رسلك " بضم الفاء.
أي امض، و "رسلك" بكسر الراء وسكون السين، أي على رفقك من غير عجلة.
و "ساحتهم" فناء أرضهم وهو ما حولها.
وفيه: الأدب عند القتال وترك العجلة والطيش، والأصوات التي لا حاجة إليها.
وفيه: أمر الإمام عماله بالرفق من غير ضعف ولا انتقاض عزيمة; كما يشير إليه قوله: " ثم ادعهم الى الإسلام "1 أي الذي هو معنى شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، وإن شئت قلت الإسلام: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله، وما اقتضته الشهادتان من إخلاص العبادة لله وحده، وإخلاص الطاعة لرسوله صلي الله عليه وسلم.
ومن هنا طابق الحديث الترجمة كما قال تعالى لنبيه ورسوله: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلا نَعْبُدَ إِلا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ 2.
قال شيخ الإسلام - رحمه الله -: والإسلام هو الاستسلام لله، وهو الخضوع له والعبودية له.
كذا قال أهل اللغة.
وقال - رحمه الله تعالى -: ودين الإسلام الذي ارتضاه الله وبعث به رسله: هو الاستسلام له وحده، فأصله في القلب.
والخضوع له وحده بعبادته وحده دون ما سواه.
فمن عبده وعبد معه إلها آخر لم يكن مسلما، ومن استكبر عن عبادته لم يكن مسلما، وفي الأصل: هو من باب العمل، عمل القلب والجوارح.
وأما الإيمان فأصله تصديق القلب وإقراره ومعرفته، فهو من باب قول القلب المتضمن عمل القلب.
انتهى.
فتبين أن أصل الإسلام هو التوحيد ونفي الشرك في العبادة وهو دعوة جميع المرسلين، وهو الاستسلام لله تعالى بالتوحيد، والانقياد له بالطاعة فيما أمرهم به على ألسن رسله; كما قال تعالى عن نوح أول رسول أرسله ﴿أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ﴾ 3.
وأخبرهم بما يجب عليهم من حق الله تعالى فيه،
وفيه: مشروعية الدعوة قبل القتال، لكن إن كانوا قد بلغتهم الدعوة جاز قتالهم ابتداء؛ لأن النبي صلي الله عليه وسلم أغار على بني المصطلق وهم غارون4.
وإن كانوا لم تبلغهم الدعوة
وجبت دعوتهم.
قوله: " وأخبرهم بما يجب عليهم من حق الله تعالى فيه " 12 أي في الإسلام إذا أجابوك12
فوالله لأن يهدي الله بك رجلا واحدا خير لك من حمر النعم " 1. إليه فأخبرهم بما يجب من حقوقه التي لا بد لهم من فعلها: كالصلاة والزكاة، كما في حديث أبي هريرة: " فإذا فعلوا ذلك فقد منعوا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها " 2 ولما قال عمر لأبي بكر في قتاله مانعي الزكاة: " كيف تقاتل النساء وقد قال رسول الله صلي الله عليه وسلم: أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله.
فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها.
قال أبو بكر: فإن الزكاة حق المال، والله لو منعوني عناقا كانوا يؤدونها إلى رسول الله صلي الله عليه وسلم لقاتلتهم على منعها".
وفيه: بعث الإمام الدعاة إلى الله تعالى، كما كان النبي صلي الله عليه وسلم وخلفاؤه الراشدون يفعلون، كما في المسند عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال في خطبته: " ألا إني والله ما أرسل عمالي إليكم ليضربوا أبشاركم ولا ليأخذوا أموالكم.
ولكن أرسلهم إليكم ليعلموكم دينكم وسننكم "3.
قوله: " فوالله لأن يهدي الله بك رجلا واحدا خير لك من حمر النعم " "أن" مصدرية واللام قبلها مفتوحة لأنها لام القسم، و (أن) والفعل بعدها في تأويل مصدر، رفع على الابتداء والخبر (خير) و (حمر) بضم المهملة وسكون الميم، جمع أحمر، و (النعم) بفتح النون والعين المهملة، أي خير لك من الإبل الحمر، وهي أنفس أموال العرب.
فيه مسائل:
الأولى: أن الدعوة إلى الله طريق من اتبع رسول الله صلي الله عليه وسلم.
الثانية: التنبيه على الإخلاص؛ لأن كثيرا لو دعا إلى الحق فهو يدعو إلى نفسه.
1 البخاري: المناقب (3701) , ومسلم: فضائل الصحابة (2406) , وأبو داود: العلم (3661) , وأحمد (5/333) .
(1 و 2) رواهما البخاري ومسلم وغيرهما.
3 إسناده ضعيف: أحمد (1/41) . وقال الهيثمي في المجمع (5/ 211) : "رواه أحمد في حديث طويل وأبو فراس لم أر من جرحه ولا وثقه, وبقية رجاله ثقات " اهـ. وأبو فراس النهدي قال في الميزان (4/ 561) : لا يعرف وفي التقريب (2/462) مقبول.
الثالثة: أن البصيرة من الفرائض.
الرابعة: من دلائل حسن التوحيد: أنه تنزيه الله تعالى عن المسبة.
الخامسة: أن من قبح الشرك كونه مسبة لله.
السادسة: - وهي أهمها - إبعاد المسلم عن المشركين لا يصير منهم، ولو لم يشرك.
السابعة: كون التوحيد أول واجب.
الثامنة: أن يبدأ به قبل كل شيء، حتى الصلاة.
التاسعة: أن معنى " أن يوحدوا الله" لا معنى: شهادة أن لا إله إلا الله.
العاشرة: أن الإنسان قد يكون من أهل الكتاب وهو لا يعرفها، أو يعرفها ولا يعمل بها.
الحادية عشرة: التنبيه على التعليم بالتدريج.
الثانية عشرة: البداءة بالأهم فالأهم.
الثالثة عشرة: مصرف الزكاة.
الرابعة عشرة: كشف العالم الشبهة عن المتعلم.
الخامسة عشرة: النهي عن كرائم الأموال.
السادسة عشرة: اتقاء دعوة المظلوم.
السابعة عشرة: الإخبار بأنها لا تحجب.
مصدرية واللام قبلها مفتوحة لأنها لام القسم.
وأن والفعل بعدها في تأويل مصدر، رفع على الابتداء والخبر "خير".
و "حمر" بضم المهملة وسكون الميم، جمع أحمر.
و "النعم" بفتح النون والعين المهملة، أي خير لك من الإبل الحمر.
وهي أنفس أموال العرب.
الثامنة عشرة: من أدلة التوحيد ما جرى على سيد المرسلين وسادات الأولياء من المشقة والجوع والوباء.
التاسعة عشرة: قوله: " لأعطين الراية" ألخ علم من أعلام النبوة.
العشرون: تفله في عينيه علم من أعلامها أيضا.
الحادية والعشرون: فضيلة علي رضي الله عنه.
الثانية والعشرون: فضل الصحابة في دوكهم تلك الليلة وشغلهم عن بشارة الفتح.
الثالثة والعشرون: الإيمان بالقدر لحصولها لمن لم يسع لها ومنعها عمن سعى.
الرابعة والعشرون: الأدب في قوله: " على رسلك".
الخامسة والعشرون: الدعوة إلى الإسلام قبل القتال.
السادسة والعشرون: أنه مشروع لمن دعوا قبل ذلك وقوتلوا.
السابعة والعشرون: الدعوة بالحكمة لقوله: " أخبرهم بما يجب ".
الثامنة والعشرون: المعرفة بحق الله في الإسلام.
التاسعة والعشرون: ثواب من اهتدى على يديه رجل واحد.
الثلاثون: الحلف على الفتيا
قال النووي: "وتشبيه أمور الآخرة بأمور الدنيا إنما هو للتقريب إلى الأفهام; وإلا فذرة من الآخرة خير من الأرض بأسرها وأمثالها معها".
وفيه: فضيلة من اهتدى على يديه رجل واحد، وجواز الحلف على الخبر والفتيا ولو لم يستحلف.
باب" تفسير التوحيد وشهادة أن لا إله إلا الله"
قوله: "باب تفسير التوحيد وشهادة أن لا إله إلا الله".
قلت: هذا من عطف الدال على المدلول1.
1 في قرة العيون: لأن التوحيد هو معنى هذه الكلمة العظيمة, وذلك يتبين بما ساقه من الآيات والحديث؛ لما فيها من زيادة البيان وكشف ما أشكل من ذلك, وإقامة الحجة على من غلط في معنى "لا إله إلا الله " من أهل الجهل والإلحاد.
فإن قيل: قد تقدم في أول الكتاب من الآيات ما يبين معنى "لا إله إلا الله" وما تضمنته من التوحيد كقوله تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلا تَعْبُدُوا إِلا إِيَّاهُ﴾ 1 وسابقها ولاحقها.
وكذلك ما ذكره في الأبواب بعدها، فما فائدة هذه الترجمة؟.
قيل: هذه الآيات المذكورات في هذا الباب فيها مزيد بيان بخصوصها لمعنى كلمة الإخلاص وما دلت عليه: من توحيد العبادة.
وفيها: الحجة على من تعلق على الأنبياء والصالحين يدعوهم ويسألهم؛ لأن ذلك هو سبب نزول بعض هذه الآيات، كالآية الأولى ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ﴾ 2. أكثر المفسرين على أنها نزلت فيمن يعبد المسيح وأمه، والعزير والملائكة، وقد نهى الله عن ذلك أشد النهي، كما في هذه الآية من التهديد والوعيد على ذلك.
وهذا يدل على أن دعاءهم من دون الله شرك بالله ينافي التوحيد، وينافي شهادة أن لا إله إلا الله؛ فإن التوحيد أن لا يدعى إلا الله وحده.
وكلمة الإخلاص نفت هذا الشرك، لأن دعوة غير الله تأليه وعبادة له.
و"الدعاء مخ العبادة" 3.
وفي هذه الآية: أن المدعو لا يملك لداعيه كشف ضرر ولا تحويله من مكان إلى مكان، ولا من صفة إلى صفة، ولو كاز المدعو نبيا أو ملكا.
وهذا يقرر بطلان دعوة كل مدعو من دون الله كائنا من كان؛ لأن دعوته تجعل داعيه أحوج ما كان إليها؛ لأنه أشرك مع الله من لا ينفعه ولا يضره.
وهذه الآية تقرر التوحيد ومعنى لا إله إلا الله.
وقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ﴾ 45 يبين أن هذا45
أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُوراً} 1.
سبيل الأنبياء والمرسلين ومن تبعهم من المؤمنين.
قال قتادة: " تقربوا إليه بطاعته والعمل بما يرضيه "
وقرأ ابن زيد ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ﴾ 1. قال العماد ابن كثير: "وهذا لا خلاف فيه بين المفسرين".
وذكره عن عدة من أئمة التفسير.
قال العلامة ابن القيم - رحمه الله تعالى -: في هذه الآية ذكر المقامات الثلاث: الحب، وهو ابتغاء التقرب إليه.
والتوسل إليه بالأعمال الصالحة.
والرجاء والخوف.
وهذا هو حقيقة التوحيد وحقيقة دين الإسلام كما في المسند عن بهز بن حكيم عن أبيه عن جده أنه قال للنبي صلي الله عليه وسلم: "والله يا رسول الله ما أتيتك إلا بعدما حلفت عدد أصابعي هذه أن لا آتيك، فبالذي بعثك بالحق ما بعثك به؟ قال: الإسلام.
قال: وما الإسلام؟ قال: أن تسلم قلبك وأن توجه وجهك إلى الله، وأن تصلي الصلوات المكتوبة، وتؤدي الزكاة المفروضة " وأخرج محمد بن نصر المروزي من حديث خالد بن معدان عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلي الله عليه وسلم: " إن للإسلام صوى ومنارا كمنار الطريق2 من ذلك أن تعبد الله ولا تشرك به شيئا، وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة وتصوم رمضان، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر " 3 وهذا معنى قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى وَإِلَى اللَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ﴾
(وقوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ إِلا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ﴾ 1 أي "لا إله إلا الله".
فتدبر كيف عبر الخليل - عليه السلام - عن هذه الكلمة العظيمة بمعناها الذي دلت عليه ووضعت له2 من البراءة من كل ما يعبد من دون الله من المعبودات الموجودة في الخارج: كالكواكب والهياكل والأصنام التي صورها قوم نوح على صور الصالحين: ود وسواع ويغوث ويعوق ونسر، وغيرها من الأوثان والأنداد التي كان يعبدها المشركون بأعيانها.
ولم يستثن من جميع المعبودات إلا الذي فطره، وهو الله وحده لا شريك له، فهذا هو الذي دلت عليه كلمة الإخلاص مطابقة.
كما قال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ﴾ 4. فكل عبادة يقصد بها غير الله: من دعاء وغيره فهي باطلة، وهي الشرك الذي لا يغفره الله، قال تعالى: ﴿ثُمَّ قِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تُشْرِكُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالُوا ضَلُّوا عَنَّا بَلْ لَمْ نَكُنْ نَدْعُوا مِنْ قَبْلُ شَيْئاً كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ الْكَافِرِينَ﴾ 5.
وقوله تعالى: {اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُم وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ3
ابْنَ مَرْيَمَ ْ1} 2 وفي الحديث الصحيح:
أن النبي صلي الله عليه وسلم تلا هذه الآية على عدي بن حاتم الطائي فقال: " يا رسول الله، لسنا نعبدهم.
قال: أليس يحلون لكم ما حرم الله فتحلونه، ويحرمون ما أحل الله فتحرمونه؟ قال: بلى.
قال النبي صلي الله عليه وسلم: فتلك عبادتهم " 34.
فصارت طاعتهم في المعصية عبادة لغير الله وبها اتخذوهم أربابا، كما هو الواقع في هذه الأمة، وهذا من الشرك الأكبر المنافي للتوحيد الذي هو مدلول شهادة لا إله إلا الله.
فتبين بهذه الآية أن كلمة الإخلاص نفت هذا كله لمنافاته لمدلول هذه الكلمة، فأثبتوا ما نفته من الشرك وتركوا ما أثبتته من التوحيد.
وقوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ﴾ 5 فكل من اتخذ ندا لله يدعوه من دون الله، ويرغب إليه ويرجوه لما يؤمله منه من قضاء حاجاته وتفريج كرباته - كحال عباد القبور والطواغيت والأصنام - فلا بد أن يعظموهم ويحبوهم34
لذلك؛ فإنهم أحبوهم مع الله وإن كانوا يحبون الله تعالى1.
ويقولون "لا إله إلا الله" ويصلون ويصومون، فقد أشركوا بالله في المحبة بمحبة غيره وعبادة غيره.
فاتخاذهم الأنداد يحبونهم كحب الله يبطل كل قول يقولونه وكل عمل يعملونه؛ لأن المشرك لا يقبل منه عمل ولا يصح منه.
وهؤلاء وإن قالوا: "لا إله إلا الله" فقد تركوا كل قيد قيدت به هذه الكلمة العظيمة: من العلم بمدلولها؛ لأن المشرك جاهل بمعناها، ومن جهله بمعناها جعل لله شريكا في المحبة وغيرها، وهذا هو الجهل المنافي للعلم بما دلت عليه من الإخلاص، ولم يكن صادقا في قولها؛ لأنه لم ينف ما نفته من الشرك، ولم يثبت ما أثبتته من الإخلاص، وترك اليقين أيضا؛ لأنه لو عرف معناها وما دلت عليه لأنكره أو شك فيه، ولم يقبله وهو الحق، ولم يكفر بما يعبد من دون الله؛ كما في الحديث.
بل آمن بما يعبد من دون الله باتخاذه الند ومحبته له وعبادته إياه من دون الله، كما قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبّاً لِلَّهِ﴾ 2؛ لأنهم أخلصوا له الحب فلم يحبوا إلا إياه، ويحبون من أحب ويخلصون أعمالهم جميعا لله، ويكفرون بما عبد من دون الله.
فبهذا يتبين لمن وفقه الله تعالى لمعرفة الحق وقبوله دلالة هذه الآيات العظيمة على معنى شهادة أن لا إله إلا الله، وعلى التوحيد الذي هو معناها الذي دعا إليه جميع المرسلين.
فتدبر.
قال: وقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ﴾ 1 الآية.
يتبين معنى هذه الآية بذكر ما قبلها، وهو قوله تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلا تَحْوِيلاً﴾ 2.
قال ابن كثير - رحمه الله -: يقول تعالى: " قل " يا محمد3 للمشركين الذين عبدوا غير الله ﴿ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ﴾ من الأصنام والأنداد، وارغبوا إليهم؛ فإنهم لا يملكون كشف الضر عنكم، أي بالكلية " ولا تحويلا " أي ولا أن يحولوه إلى غيركم.
والمعنى: أن الذي يقدر على ذلك هو الله وحده لا شريك له، الذي له الخلق والأمر.
قال العوفي عن ابن عباس في الآية: " كان أهل الشرك يقولون: نعبد الملائكة والمسيح وعزيرا، وهم الذين يدعون.
يعني الملائكة والمسيح وعزيرا ".
وروى البخاري في الآية عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: ناس من الجن كانوا يعبدون فأسلموا.
وفي رواية: " كان ناس من الإنس يعبدون ناسا من الجن فأسلم الجن وتمسك هؤلاء بدينهم "1.
وقول ابن مسعود هذا يدل على أن الوسيلة هي الإسلام، وهو كذلك على كلا القولين.
وقوله: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ إِلا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ 2
وقال السدي عن أبي صالح عن ابن عباس في الآية قال: "عيسى وأمه وعزير".
وقال مغيرة عن إبراهيم: كان ابن عباس يقول في هذه الآية: "هم عيسى وعزير والشمس والقمر".
وقال مجاهد: "عيسى وعزير والملائكة".
وقوله: ﴿وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ﴾ 3 لا تتم العبادة إلا بالخوف والرجاء، فكل داع دعا دعاء عبادة أو استغاثة لا بد له من ذلك: فإما أن يكون خائفا وإما أن يكون راجيا، وإما أن يجتمع فيه الوصفان.
قال شيخ الإسلام - رحمه الله تعالى - في هذه الآية، لما ذكر أقوال المفسرين: "وهذه الأقوال كلها حق؛ فإن الآية تعم من كان معبوده عابدا لله، سواء كان من الملائكة أو من الجن أو من البشر.
والسلف في تفسيرهم يذكرون جنس المراد بالآية على نوع التمثيل، كما يقول الترجمان لمن سأله: ما معنى الخبز؟ فيريه رغيفا.
فيقول: هذا.
فالإشارة إلى نوعه لا إلى عينه، وليس مرادهم بذلك تخصيص نوع من شمول الآية.
فالآية خطاب لكل من دعا من دون الله مدعوا، وذلك المدعو يبتغي إلى الله الوسيلة ويرجو رحمته ويخاف عذابه، فكل من دعا ميتا أو غائبا من الأنبياء والصالحين سواء كان بلفظ الاستغاثة أو غيرها فقد تناولته هذه الآية، كما تتناول من دعا الملائكة والجن; فقد نهى الله تعالى من دعائهم، وبين أنهم لا يملكون كشف الضر عن الداعين ولا تحويله، ولا يرفعونه بالكلية ولا يحولونه من موضع إلى موضع، كتغيير صفته أو قدره، ولهذا قال: ﴿وَلا تَحْوِيلا﴾ فذكر نكرة تعم أنواع التحويل.
فكل من دعا ميتا أو غائبا من الأنبياء والصالحين أو دعا الملائكة، فقد دعا من لا يغيثه ولا يملك كشف الضر عنه ولا تحويله" اهـ.
وفي هذه الآية رد على من يدعو صالحا ويقول: أنا لا أشرك بالله شيئا، الشرك عبادة الأصنام.
قال: وقوله: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ إِلا الَّذِي فَطَرَنِي﴾
الآية.
قال ابن كثير: يقول تعالى مخبرا عن عبده ورسوله وخليله إمام الحنفاء، ووالد من بعث بعده من الأنبياء، الذي تنتسب إليه قريش في نسبها
ومذهبها: أنه تبرأ من أبيه وقومه في عبادتهم الأوثان فقال: ﴿إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ إِلا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ 1 أي هذه الكلمة وهي عبادة الله وحده لا شريك له، وخلع ما سواه من الأوثان، وهي "لا إله إلا الله"2 جعلها في ذريته يقتدي به فيها من هداه الله من ذرية إبراهيم - عليه السلام - ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ أي إليها.
قال عكرمة ومجاهد والضحاك وقتادة والسدي وغيرهم في قوله: ﴿وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ يعني "لا إله إلا الله" لا يزال في ذريته من يقولها.
وروى ابن جرير عن قتادة ﴿إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ إِلا الَّذِي فَطَرَنِي﴾ قال: كانوا يقولون: الله ربنا.
﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ 3 فلم يبرأ من ربه.
رواه عبد بن حميد.
وروى ابن جرير وابن المنذر عن قتادة ﴿وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ 4 قال: " الإخلاص والتوحيد لا يزال في ذريته من يعبد الله ويوحده ". قلت: فتبين أن معنى "لا إله إلا الله " توحيد الله بإخلاص العبادة له والبراءة من كل ما سواه.
قال المصنف - رحمه الله - "وذكر سبحانه أن هذه البراءة وهذه الموالاة، هي شهادة أن لا إله إلا الله".
وفي هذا المعنى يقول العلامة الحافظ ابن القيم - رحمه الله - في الكافية الشافية:
وإذا تولاه امرؤ دون الورى ... طرا تولاه العظيم الشان"
قال: وقوله تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ 5 الآية.
الأحبار: هم العلماء.
والرهبان: هم العباد.
وهذه الآية قد فسرها رسول الله صلي الله عليه وسلم لعدي بن حاتم، وذلك أنه لما جاء مسلما دخل على رسول الله صلي الله عليه وسلم فقرأ عليه هذه الآية.
قال: فقلت:
" إنهم لم يعبدوهم.
فقال: بلى.
إنهم حرموا عليهم
الحلال وحللوا لهم الحرام فاتبعوهم، فذلك عبادتهم إياهم " رواه أحمد والترمذي وحسنه، وعبد بن حميد وابن أبي حاتم والطبراني من طرق1.
قال السدي: استنصحوا الرجال ونبذوا كتاب الله وراء ظهورهم.
ولهذا قال تعالى: ﴿أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا إِلَهاً وَاحِداً لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ 2، فإن " الحلال ما أحله الله، والحرام ما حرمه الله، والدين ما شرعه الله ".
فظهر بهذا أن الآية دلت على أن من أطاع غير الله ورسوله.
وأعرض عن الأخذ بالكتاب والسنة في تحليل ما حرم الله، أو تحريم ما أحله الله، وأطاعه في معصية الله، واتبعه فيما لم يأذن به الله، فقد اتخذه ربا ومعبودا وجعله لله شريكا، وذلك ينافي التوحيد الذي هو دين الله الذي دلت عليه كلمة الإخلاص "لا إله إلا الله"؛ فإن الإله هو المعبود، وقد سمى الله تعالى طاعتهم عبادة لهم، وسماهم أربابا، كما قال تعالى: ﴿وَلا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَاباً﴾ 3 أي شركاء لله تعالى في العبادة ﴿يَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ 4 وهذا هو الشرك.
فكل معبود رب، وكل مطاع ومتبع على غير ما شرعه الله ورسوله فقد اتخذه المطيع المتبع ربا ومعبودا; كما قال تعالى في آية الأنعام: ﴿وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ﴾ 5. وهذا هو وجه مطابقة الآية للترجمة، ويشبه هذه الآية في المعنى قوله تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ 6 والله أعلم.
قال شيخ الإسلام في معنى قوله: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ : "وهؤلاء الذين اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا حيث أطاعوهم في تحليل ما حرم الله وتحريم ما أحل الله، يكونون على وجهين أحدهما: أن يعلموا أنهم بدلوا دين الله فيتبعونهم على هذا التبديل، فيعتقدون تحليل ما حرم الله أو تحريم ما أحل الله؛ اتباعا لرؤسائهم مع علمهم أنهم خالفوا دين الرسل.
فهذا كفر، وقد جعله الله ورسوله شركا، وإن لم يكونوا يصلون لهم ويسجدون لهم.
فكان من اتبع غيره في خلاف الدين مع علمه أنه خلاف للدين، واعتقد ما قاله ذلك دون ما قاله الله ورسوله، مشركا مثل هؤلاء.
الثاني: أن يكون اعتقادهم وإيمانهم بتحريم الحرام وتحليل الحلال ثابتا، لكنهم أطاعوهم في معصية الله; كما يفعل المسلم ما يفعله من المعاصي التي يعتقد أنها معاص، فهؤلاء لهم حكم أمثالهم من أهل الذنوب، كما قد ثبت عن النبي صلي الله عليه وسلم أنه قال: " إنما الطاعة في المعروف " 7.
ثم ذلك المحرم للحلال والمحلل للحرام إن كان مجتهدا قصده اتباع الرسل لكن خفي عليه الحق في نفس الأمر، وقد اتقى الله ما استطاع، فهذا لا يؤاخذه الله بخطئه بل يثيبه على اجتهاده الذي أطاع به ربه.
ولكن من علم أن هذا أخطأ فيما جاء به الرسول ثم اتبعه على خطئه وعدل عن قول الرسول، فهذا له نصيب من هذا الشرك الذي ذمه الله، لا سيما إن اتبع ذلك هواه ونصره باليد واللسان، مع علمه أنه مخالف للرسول، فهذا شرك يستحق صاحبه العقوبة عليه.
ولهذا اتفق العلماء على أنه إذا عرف الحق لا يجوز له تقليد أحد في خلافه، وإنما تنازعوا في جواز التقليد للقادر على الاستدلال.
وإن كان عاجزا عن إظهار الحق الذي يعلمه.
فهذا يكون كمن عرف أن دين الإسلام حق وهو بين النصارى، فإذا فعل ما يقدر عليه من الحق لا يؤاخذ بما عجز عنه، وهؤلاء كالنجاشي وغيره.
وقد أنزل الله في هؤلاء الآيات من كتابه كقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ﴾ 1. وقوله: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ﴾ 2 الآية.
وقوله: ﴿وَمِنْ قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ﴾ 3. وأما إن كان المتبع للمجتهد عاجزا عن معرفة الحق على التقصيل وقد فعل ما يقدر عليه مثله: من الاجتهاد في التقليد، فهذا لا يؤاخذ إن أخطأ كما في القبلة.
وأما من قلد شخصا دون نظيره بمجرد هواه، ونصره بيده ولسانه من غير علم أن معه الحق؟ فهذا من أهل الجاهلية، وإن كان متبوعه مصيبا لم يكن عمله صالحا، وإن كان متبوعه مخطئا كان آثما. كمن قال في القرآن برأيه، فإن أصاب فقد أخطأ، وإن أخطأ فليتبوأ مقعده من النار. وهؤلاء من جنس مانع الزكاة الذي تقدم فيه الوعيد، ومن جنس عبد الدينار والدرهم والقطيفة والخميصة؛ فإن ذلك لما أحب المال منعه من عبادة الله وطاعته وصار عبدا له، وكذلك هؤلاء فيكون فيهم شرك أصغر، ولهم من الوعيد بحسب ذلك. وفي الحديث: "إن يسير الرياء شرك" وهذا مبسوط عند النصوص التي فيها إطلاق الكفر والشرك على كثير من الذنوب"4.
انتهى.
وقال أبو جعفر ابن جرير في معنى قول الله تعالى: ﴿وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَاداً﴾ 5 "أي وتجعلون لمن خلق ذلك أندادا وهم الأكفاء من الرجال تطيعونهم في معاصي الله".
انتهى.
قلت: كما هوالواقع من كثير من عباد القبور.
قال: وقوله ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ﴾ 6 الآية.
قال العماد ابن كثير - رحمه الله -: "يذكر الله حال المشركين به في الدنيا ومآلهم في الدار الآخرة، حيث جعلوا لله أندادا، أي أمثالا ونظراء يعبدونهم معه ويحبونهم كحبه، وهو الله لا إله إلا هو، ولا ضد له ولا ند له، ولا شريك معه.
وفي الصحيحين عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: قلت: " يا رسول الله أي الذنب أعظم؟ قال: أن تجعل لله ندا وهو خلقك " 1.
وقوله: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبّاً لِلَّهِ﴾ 2 ولحبهم لله تعالى وتمام معرفتهم به وتوقيرهم وتوحيدهم لا يشركون به شيئا، بل يعبدونه وحده ويتوكلون عليه، ويلجئون في جميع أمورهم إليه.
ثم توعد تعالى المشركين به، الظالمين لأنفسهم بذلك.
فقال تعالى: ﴿وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً﴾ 3. قال بعضهم: تقدير الكلام: لو عاينوا العذاب لعلموا حينئذ أن القوة لله جميعا، أي أن الحكم له وحده لا شريك له، فإن جميع الأشياء تحت قهره وغلبته وسلطانه ﴿وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ﴾ 4. كما قال تعالى: ﴿فَيَوْمَئِذٍ لا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ وَلا يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ﴾ 5. يقول: لو علموا ما يعانون هناك وما يحل بهم من الأمر الفظيع المنكر الهائل على شركهم وكفرهم لاتنهوا عما هم فيه من الضلال.
ثم أخبر عن كفرهم بأعوانهم وتبرؤ المتبوعين من التابعين.
فقال تعالى: ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا﴾ 6 تبرأت منهم الملائكة الذين كانوا يزعمون أنهم يعبدونهم في الدار الدنيا، فتقول الملائكة7: ﴿تَبَرَّأْنَا إِلَيْكَ مَا كَانُوا إِيَّانَا يَعْبُدُونَ﴾ 8. ويقولون:
﴿سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ﴾ 1. والجن أيضا يتبرأون منهم ويتنصلون من عبادتهم لهم، كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ﴾ 2" انتهى كلامه.
روى ابن جرير عن مجاهد في قوله تعالى: ﴿يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّه﴾ 3 مباهاة ومضاهاة للحق سبحانه بالأنداد ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبّاً لِلَّهِ﴾ 4 من الكفار لأوثانهم.
قال المصنف - رحمه الله تعالى -: "ومن الأمور المبينة لتفسير التوحيد وشهادة أن لا إله إلا الله: آية البقرة في الكفار الذين قال الله تعالى فيهم: ﴿وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ﴾ ذكر أنهم يحبون أندادهم كحب الله.
فدل على أنهم يحبون الله حبا عظيما، فلم يدخلوا في الإسلام، فكيف بمن أحب الند أكبر من حب الله؟ فكيف بمن لم يحب إلا الند وحده؟ " اهـ.
ففي الآية بيان أن من أشرك مع الله تعالى غيره في المحبة فقد جعله شريكا لله في العبادة واتخذه ندا من دون الله، وأن ذلك هو الشرك الذي لا يغفره الله، كما قال تعالى في أولئك: ﴿وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ﴾ 5. وقوله: ﴿وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ﴾ 6 المراد بالظلم هنا الشرك.
كقوله: ﴿وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ 7 كما تقدم.
فمن أحب الله وحده، وأحب فيه وله فهو مخلص، ومن أحبه وأحب معه غيره فهو مشرك; كما قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ فِرَاشاً وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقاً لَكُمْ فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَاداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ 8
قال شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله - ما معناه: فمن رغب إلى غير الله في قضاء حاجة أو تفريج كربة، لزم أن يكون محبا له، ومحبته هي الأصل في ذلك.
انتهى.
فكلمة الإخلاص "لا إله إلا الله" تنفي كل شرك في أي نوع كان من أنواع العبادة، وتثبت العبادة بجميع أفرادها لله تعالى.
وقد تقدم بيان أن "الإله هو المألوه الذي تألهه
القلوب بالمحبة وغيرها من أنواع العبادة" فلا إله إلا الله، نفت ذلك كله عن غير الله، وأثبتته لله وحده.
فهذا هو ما دلت عليه كلمة الإخلاص مطابقة، فلا بد من معرفة معناها واعتقاده وقبوله، والعمل به باطنا وظاهرا والله أعلم.
قال العلامة ابن القيم - رحمه الله تعالى -: "فتوحيد المحبوب أن لا يتعدد محبوبه أي مع الله تعالى بعبادته له، وتوحيد الحب: أن لا يبقى في قلبه بقية حب حتى يبذلها له، فهذا الحب - وإن سمي عشقا - فهو غاية صلاح العبد ونعيمه وقرة عينه، وليس لقلبه صلاح ولا نعيم إلا بأن يكون الله ورسوله أحب إليه من كل ما سواهما، وأن تكون محبته لغير الله تابعة لمحبة الله تعالى، فلا يحب إلا الله، ولا يحب إلا لله، كما في الحديث الصحيح: " ثلاث من كن فيه " 1 الحديث 2. ومحبة رسول الله صلي الله عليه وسلم هي من محبة الله، ومحبة المرء إن كنت لله فهي من محبته، وإن كانت لغير الله فهي منقصة لمحبة الله مضعفة لها، ويصدق هذه المحبة بأن تكون كراهيته لأبغض الأشياء إلى محبوبه - وهو الكفر - بمنزلة كراهيته لإلقائه في النار أو أشد، ولا ريب أن هذا من أعظم المحبة، فإن الإنسان لا يقدم على محبة نفسه وحياته شيئا، فإذا قدم محبة الإيمان بالله على نفسه بحيث لو خير بين الكفر وبين إلقائه في النار لاختار أن يلقى في النار ولا يكفر، كان أحب إليه من نفسه، وهذه المحبة هي فوق ما يجده العشاق المحبون من محبة محبوبيهم، بل لا نظير لهذه المحبة؛ كما لا مثل لمن تعلقت به، وهي محبة تقتضي تقديم المحبوب فيها على النفس والمال والولد.
وتقتضي كمال الذل والخضوع والتعظيم والإجلال والطاعة والانقياد ظاهرا وباطنا.
وهذا لا نظير له في محبة المخلوق، ولو كان المخلوق من كان.
ولهذا من أشرك بين الله وبين غيره في هذه المحبة الخاصة كان مشركا شركا لا يغفره الله؛ كما قال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبّاً لِلَّهِ﴾ 3. والصحيح: أن معنى الآية: أن الذين آمنوا أشد حبا لله من أهل الأنداد لأندادهم.
كما تقدم أن محبة المؤمنين لربهم لا يماثلها محبة مخلوق أصلا، كما لا يماثل محبوبهم غيره.
وكل أذى في محبة غيره فهو نعيم في محبته.
وكل مكروه في محبة غيره فهو قرة عين في محبته.
ومن ضرب لمحبته