باب الشفاعة
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ
- الكتاب
- فتح المجيد شرح كتاب التوحيد
- المؤلف
- عبد الرحمن بن حسن بن محمد بن عبد الوهاب بن سليمان التميمي (المتوفى: 1285هـ)
- المحقق
- محمد حامد الفقي
- الناشر
- مطبعة السنة المحمدية، القاهرة، مصر
- الطبعة
- السابعة، 1377هـ/1957م [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]
1
وقول الله عز وجل: ﴿وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلا شَفِيعٌ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ 2.
وقوله: ﴿قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعاً﴾ 3.
قوله: "باب الشفاعة" أي بيان ما أثبته القرآن منها وما نفاه، وحقيقة ما دل القرآن على إثباته.
1 في قرة العيون: الشفاعة نوعان.
شفاعة منفية في القرآن; وهي الشفاعة للكافر والمشرك.
قال تعالى: (2: 254) (من قبل أن يأتي يوم لا بيع فيه ولا خلة ولا شفاعة) . وقال: (74: 48) (فما تنفعهم شفاعة الشافعين) . وقال: (2: 48) (واتقوا يوما لا تجزي نفس عن نفس شيئا ولا يقبل منها شفاعة ولا يؤخذ منها عدل ولا هم ينصرون) ونحو هذه الآيات كقوله: (10: 18) (ويعبدون من دون الله ما لا يضرهم ولا ينفعهم ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله قل أتنبئون الله بما لا يعلم في السموات ولا في الأرض) . يخبر تعالى أن من اتخذ هؤلاء شفعاء عند الله أنه لا يعلم أنهم يشفعون له بذلك، وما لا يعلمه لا وجود له، فنفى وقوع الشفاعة وأخبر أنها شرك بقوله: (سبحانه وتعالى عما يشركون) . وقال تعالى: (39: 3) (والذين اتخذوا من دونه أولياء ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى إن الله يحكم بينهم فيما هم فيه يختلفون إن الله لا يهدي من هو كاذب كفار) فأبطل شفاعة من اتخذ شفيعا بزعم أنه يقربه إلى الله، وهو يبعده عنه وعن رحمته ومغفرته؛ لأنه جعل الله شريكا يرغب إليه ويرجوه ويتوكل عليه ويحبه كما يحب الله تعالى أو أعظم.
"النوع الثاني" الشفاعة التي أثبتها القرآن وهي خالصة لأهل الإخلاص; وقيدها تعالى بأمرين: الأول: إذنه للشافع أن يشفع كما قال تعالى: (من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه) . وإذنه تعالى لا يصدر إلا إذا رحم عبده الموحد المذنب; فإذا رحمه الله تعالى أذن للشافع أن يشفع له.
الأمر الثاني: رضاه عمن أذن لشافع أن يشفع فيه.
كما قال تعالى: (ولا يشفعون إلا لمن ارتضى) فالإذن بالشفاعة له بعد الرضاء; كما في هذه الآية, وهو سبحانه لا يرضى إلا التوحيد.
2 سورة الأنعام آية: 51.
3 سورة الزمر آية: 44.
قوله: "وقول الله عز وجل ﴿وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا﴾ " المخافة والتحذير منها.
قوله: "به" قال ابن عباس: "بالقرآن" ﴿الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ﴾ "وهم المؤمنون" وعن الفضيل بن عياض: "ليس كل خلقه عاتب، إنما عاتب الذين يعقلون; فقال: ﴿وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ﴾ وهم المؤمنون أصحاب العقول الواعية".
قوله: ﴿لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلا شَفِيعٌ﴾ قال الزجاج: موضع "ليس" نصب على الحال، كأنه قال: متخلين من كل ولي وشفيع.
والعامل فيه "يخافون".
قوله: ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ أي فيعملون في هذه الدار عملا ينجيهم الله به من عذاب يوم القيامة 1.
وقوله: ﴿قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعاً﴾ 23.
وقبلها ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لا يَمْلِكُونَ شَيْئاً وَلا يَعْقِلُونَ﴾ 4. وهذه كقوله تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ 5. فبين تعالى في هذه الآيات وأمثالها أن وقوع الشفاعة على هذا الوجه منتف وممتنع، وأن اتخاذهم شفعاء شرك; يتنزه الرب تعالى عنه.
وقد قال تعالى: ﴿فَلَوْلا نَصَرَهُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ قُرْبَاناً آلِهَةً بَلْ ضَلُّوا عَنْهُمْ وَذَلِكَ إِفْكُهُمْ وَمَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ 6. فبين تعالى أن دعواهم أنهم يشفعون لهم بتأليههم، أن ذلك منهم إفك وافتراء.23
وقوله تعالى: ﴿قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعاً﴾ 1 أي هو مالكها، فليس لمن تُطلب منه شيء منها، وإنما تطلب ممن يملكها دون كل من سواه؛ لأن ذلك عبادة وتأليه لا يصلح إلا لله.
قال البيضاوي: لعله رد لما عسى أن يجيبوا به، وهو أن الشفعاء أشخاص مقربون.
وقوله تعالى: ﴿لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ 2 تقرير لبطلان اتخاذ الشفعاء من دونه، لأنه مالك الملك، فاندرج في ذلك ملك الشفاعة، فإذا كان هو مالكها بطل أن تطلب ممن لا يملكها3 ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلا بِإِذْنِهِ﴾ ﴿وَلا يَشْفَعُونَ إِلا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ 4.
قال ابن جرير: نزلت لما قال الكفار: ما نعبد أوثاننا5 هذه إلا ليقربونا إلى الله زلفى.
قال الله تعالى: ﴿لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ 6.
قال: "وقوله ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ " قد تبين مما تقدم من الآيات أن الشفاعة التي نفاها القرآن هي التي تطلب من غير الله.
وفي هذه الآية بيان أن الشفاعة إنما تقع في الدار الآخرة بإذنه، كما قال تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ لا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلاً﴾ 7، فبين أنها لا تقع لأحد إلا بشرطين: إذن الرب تعالى للشافع أن يشفع; ورضاه عن المأذون بالشفاعة فيه، وهو تعالى لا يرضى من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة إلا ما أريد به وجهه، ولقي العبد به ربه مخلصا غير شاك في ذلك، كما دل على ذلك الحديث الصحيح.
8 وسيأتي ذلك مقررا أيضا في كلام شيخ الإسلام رحمه الله.
وقوله: ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئاً إِلا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى﴾ 1.
وقوله: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ وَلا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ 2.
وقوله: ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئاً إِلا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى﴾ ". قال ابن كثير - رحمه الله -: ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئاً إِلا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى﴾ . كقوله: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ 3. ﴿وَلا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ 4. فإذا كان هذا في حق الملائكة المقربين 5، فكيف ترجون أيها الجاهلون شفاعة هذه الأنداد عند الله; وهو لم يشرع عبادتها ولا أذن فيها، بل قد نهى عنها على ألسنة جميع رسله; وأنزل بالنهي عن ذلك جميع كتبه؟
قال: "وقوله تعالى" ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ وَلا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ .
قال ابن القيم - رحمه الله تعالى - في الكلام على هذه الآيات: "وقد قطع الله الأسباب التي يتعلق بها المشركون جميعها.
فالمشرك إنما يتخذ معبوده لما يحصل له من النفع، والنفع لا يكون إلا ممن فيه خصلة من هذه الأربع: إما مالك لما يريده عابده منه، فإن لم يكن مالكا كان
شريكا للمالك، فإن لم يكن شريكا له كان معينا له وظهيرا، فإن لم يكن معينا ولا ظهيرا كان شفيعا عنده.
فنفى الله سبحانه المراتب الأربع نفيا مرتبا; متنقلا من الأعلى إلى الأدنى; فنفى الملك والشركة والمظاهرة والشفاعة التي يطلبها المشرك، وأثبت شفاعة لا نصيب فيها لمشرك، وهي الشفاعة بإذنه.
فكفى بهذه الآية نورا وبرهانا وتجريدا للتوحيد، وقطعا لأصول الشرك ومواده لمن عقلها.
والقرآن مملوء من أمثالها ونظائرها، ولكن أكثر الناس لا يشعرون بدخول الواقع تحته وتضمنه له، ويظنونها في نوع وقوم قد خَلوا من قبل ولم يُعقبوا وارثا، فهذا هو الذي يحول بين القلب وبين فهم القرآن.
ولعمر الله; إن كان أولئك قد خلوا فقد ورثهم من هو مثلهم أو شر منهم أو دونهم، وتناول القرآن لهم كتناوله لأولئك.
ثم قال: ومن أنواعه- أي الشرك- طلب الحوائج من الموتى والاستغاثة بهم، وهذا أصل شرك العالم.
فإن الميت قد انقطع عمله وهو لا يملك لنفسه نفعا ولا ضرا، فضلا عمن استغاث به وسأله أن يشفع له إلى الله.
وهذا من جهله بالشافع والمشفوع عنده؛ فإنه لا يقدر أن يشفع له عند الله إلا بإذنه، والله لم يجعل استغاثته وسؤاله سببا لإذنه، وإنما السبب كمال التوحيد، فجاء هذا المشرك بسبب يمنع الإذن، وهو بمنزلة من استعان في حاجته بما يمنع حصولها، وهذه حالة كل مشرك، فجمعوا بين الشرك بالمعبود وتغيير دينه، ومعاداة أهل التوحيد، ونسبة أهله إلى التنقص بالأموات، وهم قد تنقصوا الخالق بالشرك، وأولياءه الموحدين بذمهم وعيبهم ومعاداتهم، وتنقصوا من أشركوا به غاية التنقص; إذ ظنوا أنهم راضون منهم بهذا، وأنهم أمروهم به، وأنهم يوالونهم عليه، وهؤلاء هم أعداء الرسل في كل زمان ومكان، وما أكثر المستجيبين لهم! وما نجى من شرك هذا الشرك الأكبر إلا من جَرّد توحيده لله، وعادى المشركين في الله، وتقرب بمقتهم إلى الله، واتخذ الله وحده وليه وإلهه ومعبوده، فجرد حبه لله وخوفه لله، ورجاءه لله، وذله لله، وتوكله على الله، واستعانته بالله، والتجاءه إلى الله، واستغاثته بالله، وقصده لله، متبعا لأمره متطلبا لمرضاته، إذا سأل سأل الله، وإذا استعان استعان بالله، وإذا عمل عمل لله.
فهو لله وبالله ومع الله.
انتهى كلامه رحمه الله تعالى".
وهذا الذي ذكره هذا الإمام في معنى الآية هو حقيقة دين الإسلام، كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِيناً مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلاً﴾ 1.
قال أبو العباس: "نفى الله عما سواه كل ما يتعلق به المشركون، فنفى أن يكون لغيره مِلْك أو قسط منه، أو يكون عونا لله، ولم يبق إلا الشفاعة.
فبيّن أنها لا تنفع إلا لمن أذن له الرب، كما قال: ﴿وَلا يَشْفَعُونَ إِلا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ 1، فهذه الشفاعة التي يظنها المشركون هي منتفية يوم القيامة كما نفاها القرآن، وأخبر النبي صلي الله عليه وسلم أنه "يأتي فيسجد لربه ويحمده لا يبدأ بالشفاعة أولا.
ثم يقال له " ارفع رأسك وقُلْ يُسَمعْ وسَلْ تُعْطَ، واشفع تشفع " 2.
قوله: "قال أبو العباس" هذه كنية شيخ الإسلام أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن تيمية الحراني إمام المسلمين رحمه الله.
"نفى الله عما سواه كل ما يتعلق به المشركون، فنفى أن يكون لغيره ملك أو قسط منه; أو يكون عونا لله.
فلم يبق إلا الشفاعة.
فبين أنها لا تنفع إلا لمن أذن له الرب; كما قال تعالى: ﴿وَلا يَشْفَعُونَ إِلا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ 2. فهذه الشفاعة التي يظنها المشركون هي منتفية يوم القيامة كما نفاها القرآن، وأخبر النبي صلي الله عليه وسلم: " أنه يأتي فيسجد لربه ويحمده، لا يبدأ بالشفاعة أولا.
ثم يقال له: ارفع رأسك وقل يسمع، وسل تعطه، واشفع تشفع " وقال له أبو هريرة: " من أسعد الناس بشفاعتك؟ قال: من قال لا إله إلا الله خالصا من قلبه " 3 فتلك الشفاعة لأهل الإخلاص بإذن الله، ولا تكون لمن أشرك بالله، وحقيقتها: أن الله - سبحانه وتعالى - هو الذي يتفضل على أهل الإخلاص، فيغفر لهم بواسطة دعاء من أذن له أن يشفع ليكرمه وينال المقام المحمود.
فالشفاعة التي نفاها القرآن ما كان فيها شرك، ولهذا أثبت الشفاعة بإذنه في مواضع، وقد بين النبي صلي الله عليه وسلم أنها لا تكون إلا لأهل التوحيد والإخلاص " انتهى".
وقال أبو هريرة: " من أسعد الناس بشفاعتك؟ قال: من قال لا إله إلا الله خالصا من قلبه " 4 فتلك الشفاعة لأهل الإخلاص بإذن الله، ولا تكون لمن أشرك بالله.
وحقيقته: أن الله سبحانه هو الذي يتفضل على أهل الإخلاص فيغفر لهم بواسطة دعاء من أذن له أن يشفع ليكرمه وينال المقام المحمود.
فالشفاعة التي نفاها القرآن ما كان فيها شرك، ولهذا أثبت الشفاعة بإذنه في مواضع.
وقد بين النبي صلي الله عليه وسلم أنها لا تكون إلا لأهل التوحيد والإخلاص".
اهـ كلامه.
قوله: "وقال أبو هريرة" إلى آخره.
هذا الحديث رواه البخاري والنسائي عن أبي هريرة، ورواه أحمد وصححه ابن حبان وفيه: " وشفاعتي لمن قال لا إله إلا الله مخلصا، يصدق قلبه
لسانه; ولسانه قلبه " 1 وشاهده في صحيح مسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلي الله عليه وسلم:
" لكل نبي دعوة مستجابة، فتعجل كل نبي دعوته، وإني اختبأت دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة.
فهي نائلة إن شاء الله من مات لا يشرك بالله شيئا " 2.
وقد ساق المصنف - رحمه الله - كلام شيخ الإسلام هنا، فقام مقام الشرح والتفسير لما في هذا الباب من الآيات، وهو كاف واف بتحقيق مع الإيجاز.
والله أعلم.
وقد عرّف الإخلاص بتعريف حسن فقال: "الإخلاص محبة الله وحده وإرادة وجهه".
اهـ.
وقال ابن القيم - رحمه الله - في معنى حديث أبي هريرة: "تأمل هذا الحديث كيف جعل أعظم الأسباب التي تُنال بها شفاعته تجريد التوحيد، عكس ما عند المشركين أن الشفاعة تنال باتخاذهم شفعاء وعبادتهم وموالاتهم، فقلب النبي صلي الله عليه وسلم ما في زعمهم الكاذب، وأخبر أن سبب الشفاعة تجريد التوحيد، فحينئذ يأذن الله للشافع أن يشفع.
ومن جهل المشرك اعتقاده أن من اتخذه وليا أو شفيعا أنه يشفع له وينفعه عند الله،
كما يكون خواص الولاة والملوك تنفع من والاهم، ولم يعلموا أنه لا يشفع عنده أحد إلا بإذنه في الشفاعة،
ولا يأذن في الشفاعة إلا لمن رضي قوله وعمله، كما قال في الفصل الأول: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلا بِإِذْنِهِ﴾ 1. وفي الفصل الثاني: ﴿وَلا يَشْفَعُونَ إِلا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ 2 وبقي فصل ثالث، وهو أنه لا يرضى من القول والعمل إلا توحيده واتباع رسوله صلي الله عليه وسلم.
فهذه ثلاثة فصول تقطع شجرة الشرك من قلب مَن عقلها ووعاها".
اهـ.
وذكر أيضا - رحمه الله تعالى - أن الشفاعة ستة أنواع:
"الأول" الشفاعة الكبرى التي يتأخر عنها أولو العزم - عليهم الصلاة والسلام - حتى تنتهي إليه صلي الله عليه وسلم فيقول: " أنا لها"، وذلك حين يرغب الخلائق إلى الأنبياء ليشفعوا لهم إلى ربهم حتى يريحهم من مقامهم في الموقف.
وهذه شفاعة يختص بها لا يشركه فيها أحد 3.
"الثاني" شفاعته لأهل الجنة في دخولها.
وقد ذكرها أبو هريرة في حديثه الطويل المتفق عليه.
"الثالث" شفاعته لقوم من العصاة من أمته قد استوجبوا النار بذنوبهم; فيشفع لهم أن لا يدخلوها.
"الرابع" شفاعته في العصاة من أهل التوحيد الذين يدخلون النار بذنوبهم.
والأحاديث بها متواترة عن النبي صلي الله عليه وسلم.
وقد أجمع عليها الصحابة وأهل السنة قاطبة، وبدّعوا من أنكرها، وصاحوا به من كل جانب ونادوا عليه بالضلال.
"الخامس" شفاعته لقوم من أهل الجنة في زيادة ثوابهم ورفعة درجاتهم، وهذه مما لم ينازع فيها أحد.
وكلها مختصة بأهل الإخلاص الذين لم يتخذوا من دون الله وليا ولا شفيعا، كما قال تعالى: ﴿وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلا شَفِيعٌ﴾ 4.
فيه مسائل:
الأولى: تفسير الآيات.
الثانية: صفة الشفاعة المنفية.
الثالثة: صفة الشفاعة المثبتة.
الرابعة: ذكر الشفاعة الكبرى وهي المقام المحمود.
الخامسة: صفة ما يفعله صلي الله عليه وسلم أنه لا يبدأ بالشفاعة، بل يسجد فإذا أُذن له شَفَع.
السادسة: من أسعد الناس بها.
السابعة: أنها لا تكون لمن أشرك بالله.
الثامنة: بيان حقيقتها.
"السادس" شفاعته في بعض أهله الكفار من أهل النار حتى يخفف عذابه، وهذه خاصة بأبي طالب وحده
باب: قول الله تعالى: ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾
وفي الصحيح عن ابن المسيب عن أبيه قال: " لما حضرت أبا طالب الوفاة قوله: باب "قول الله تعالى: ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ ".
سبب نزول هذه الآية موت أبي طالب على ملة عبد المطلب، كما سيأتي بيان ذلك في حديث الباب.
وإنك لتهدي
قال ابن كثير - رحمه الله تعالى -: يقول تعالى لرسوله: إنك يا محمد لا تهدي من أحببت، أي ليس إليك ذلك، إنما عليك البلاغ والله يهدي من يشاء.
وله الحكمة البالغة، والحجة الدامغة، كما قال تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ 2.
وقال تعالى: ﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ 3.
قلت: والمنفي هنا هداية التوفيق والقبول فإن أمر ذلك إلى الله، وهو القادر عليه.
وأما الهداية المذكورة في قول الله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ 4 فإنها هداية الدلالة والبيان، فهو المبيِّن عن الله، والدالُّ على دينه وشرعه.
وقوله: "في الصحيح عن ابن المسيب عن أبيه قال: لما حضرت أبا طالب الوفاة جاءه رسول الله صلي الله عليه وسلم وعنده عبد الله ابن أبي أمية وأبو جهل، فقال له: يا عم قل: لا إله إلا الله، كلمة أحاج لك بها عند الله.
فقالا له: أترغب عن ملة عبد المطلب؟ فأعاد عليه النبي صلي الله عليه وسلم فأعادا.
فكان آخرَ ما قال: هو على ملة عبد المطلب، وأبى أن يقول لا إله إلا الله.
فقال النبي صلي الله عليه وسلم: لأستغفرن لك ما لم أُنْهَ عنك.
فأنزل الله عز وجل ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾ 5.
وأنزل الله في أبي طالب ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ . 1 سورة القصص آية: 56.
2 سورة البقرة آية: 272.
3 سورة يوسف آية: 103.
4 سورة الشورى آية: 52.
5 سورة التوبة آية: 113.
جاءه رسول الله صلي الله عليه وسلم وعنده عبد الله بن أمية وأبو جهل.
فقال له: يا عم قل لا إله إلا الله، كلمة أحاج لك بها عند الله.
فقالا له: أترغب عن ملة عبد المطلب؟ قوله: "في الصحيح" أي في الصحيحين.
1 وابن المسيب: هو سعيد بن المسيب بن حزن بن أبي وهب بن عمرو بن عائذ بن عمران بن مخزوم القرشي المخزومي، أحد العلماء والفقهاء الكبار السبعة من التابعين.
اتفق أهل الحديث على أن مراسيله أصح المراسيل.
وقال ابن المديني: لا أعلم في التابعين أوسع علما منه.
مات بعد التسعين وقد ناهز الثمانين.
وأبوه المسيب صحابي، بقي إلى خلافة عثمان رضي الله عنه وكذلك جده حَزْن، صحابي استشهد باليمامة.
قوله: "لما حضر أبا طالب الوفاة" أي علاماتها ومقدماتها.
قوله: "جاء رسول الله صلي الله عليه وسلم" يحتمل أن يكون المسيب حضر مع الاثنين.
فإنهما من بني مخزوم، وهو أيضا مخزومي، وكان الثلاثة إذ ذاك كفارا، فقتل أبو جهل على كفره وأسلم الآخران.
قوله: "يا عم" منادى مضاف يجوز فيه إثبات الياء وحذفها; حذفت الياء هنا، وبقيت الكسرة دليلا عليها.
قوله: "قل لا إله إلا الله" أمره أن يقولها لعلم أبي طالب بما دلت عليه من نفي الشرك بالله وإخلاص العبادة له وحده، فإن من قالها عن علم ويقين فقد برئ من الشرك والمشركين ودخل في الإسلام؛ لأنهم يعلمون ما دلت عليه، وفي ذلك الوقت لم يكن بمكة إلا مسلم أو كافر.
فلا يقولها إلا من ترك الشرك وبرئ منه.
ولما هاجر النبي صلي الله عليه وسلم وأصحابه إلى المدينة كان فيها المسلمون الموحدون، والمنافقون الذين يقولونها بألسنتهم وهم يعرفون معناها، لكن لا يعتقدونها، لما في قلوبهم من العداوة والشك والريب، فهم مع المسلمين بظاهر الأعمال دون الباطن; وفيها اليهود؛ وقد أقرهم رسول الله صلي الله عليه وسلم لما هاجر، ووادعهم بأن لا يخونوه ولا يظاهروا عليه عدوا كما هو مذكور في كتب الحديث والسير.
1 البخاري: كتاب التفسير (4772) : باب إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء.
ومسلم: كتاب الإيمان (24) (39) : باب الدليل على صحة إسلام من حضره الموت ما لم يشرع في النزع.
قوله: "كلمة" قال القرطبي: بالنصب على أنه بدل من "لا إله إلا الله"، ويجوز الرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف.
قوله: "أحاج لك بها عند الله" هو بتشديد الجيم من المحاجة، والمراد بها بيان الحجة بها لو قالها في تلك الحال.
وفيه دليل على أن الأعمال بالخواتيم؛ لأنه لو قالها في تلك الحال معتقدا ما دلت عليه مطابقة من النفي والإثبات لنفعته.
قوله: "فقالا له: أترغب عن ملة عبد المطلب؟ " ذكراه الحجة الملعونة التي يحتج بها المشركون على المرسلين، كقول فرعون لموسى: ﴿فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الأُولَى﴾ 1. وكقوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾ 2.
قوله: "فأعاد عليه النبي صلي الله عليه وسلم فأعادا"3 فيه معرفتهما لمعنى "لا إله إلا الله"؛ لأنهما عرفا أن أبا طالب لو قالها لبرئ من ملة عبد المطلب.
فإن ملة عبد المطلب هي الشرك بالله في إلهيته.
وأما الربوبية فقد أقروا بها كما تقدم.
وقد قال عبد المطلب لأبرهة: "أنا رب الإبل، والبيت له رب يمنعه منك".
وهذه المقالة منهما عند قول النبي صلي الله عليه وسلم لعمه قل "لا إله إلا الله" استكبارا عن العمل بمدلولها.
كما قال الله تعالى عنهما وعن أمثالهما من أولئك المشركين: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ وَيَقُولُونَ أَإِنَّا لَتَارِكُو آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ﴾ 4 فرد عليهم بقوله: ﴿بَلْ جَاءَ بِالْحَقِّ وَصَدَّقَ الْمُرْسَلِينَ﴾ 5. فبين تعالى أن استكبارهم عن قول "لا إله إلا الله" لدلالتها على نفي عبادتهم الآلهة التي كانوا يعبدونها من دون الله؛ فإن دلالة هذه الكلمة على نفي ذلك دلالة تضمن، ودلالتها عليه وعلى الإخلاص دلالة مطابقة.
ومن حكمة الرب تعالى في عدم هداية أبي طالب إلى الإسلام ليبين لعباده أن
وأبى أن يقول: لا إله إلا الله.
فقال النبي صلي الله عليه وسلم " لأستغفرن لك ما لم أُنْهَ عنك".
فأنزل الله عز وجل: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ﴾ 6. وأنزل الله ذلك إليه، وهو القادر عليه دون من سواه، فلو كان عند النبي صلي الله عليه وسلم - الذي هو أفضل خلقه - من هداية القلوب وتفريج الكروب; ومغفرة الذنوب، والنجاة من العذاب،
ونحو ذلك شيء; لكان أحق الناس بذلك وأولاهم به عمه الذي كان يحوطه ويحميه وينصره ويؤويه، فسبحان من بهرت حكمته العقول! وأرشد العباد إلى ما يدلهم على معرفته وتوحيده، وإخلاص العمل له وتجريده.
قوله: "فكان آخر ما قال" الأحسن فيه الرفع على أنه اسم "كان" وجملة "هو" وما بعدها الخبر.
قوله: "هو على ملة عبد المطلب" الظاهر أن أبا طالب قال: "أنا" فغيره الراوي استقباحا للفظ المذكور، وهو من التصرفات الحسنة; قاله الحافظ.
قوله: "وأبى أن يقول لا إله إلا الله" قال الحافظ: "هذا تأكيد من الراوي في نفي وقوع ذلك من أبي طالب".
قال المصنف - رحمه الله - "وفيه الرد على من زعم إسلام عبد المطلب وأسلافه، ومضرة أصحاب السوء على الإنسان، ومضرة تعظيم الأسلاف".
أي إذا زاد على المشروع بحيث تجعل أقوالهم حجة يرجع إليها عند التنازع.
قوله: "فقال النبي صلي الله عليه وسلم لأستغفرن لك ما لم أُنه عنك" قال النووي: وفيه جواز الحلف من غير استحلاف.
وكان الحلف هنا لتأكيد العزم على الاستغفار تطييبا لنفس أبي طالب.
وكانت وفاة أبي طالب بمكة قبل الهجرة بقليل.
قال ابن فارس: مات أبو طالب ولرسول الله صلي الله عليه وسلم تسع وأربعون سنة وثمانية أشهر وأحد عشر يوما.
وتوفيت خديجة أم المؤمنين - رضي الله عنها - بعد موت أبي طالب بثمانية أيام.
قوله: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى﴾ نزلت في أبي طالب
وأنزل الله في أبي طالب ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ 1﴾ 2 "3.
فيه مسائل:
الأولى: تفسير ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ 4. الثانية: تفسير قوله: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾ 5 الآية، أي ما ينبغي لهم ذلك.
وهو خبر بمعنى النهي، والظاهر أن هذه الآية نزلت في أبي طالب.
فإن الآيتين بالفاء المفيدة للترتيب في قوله: "فأنزل الله" بعد قوله: " لأستغفرن لك ما لم أنه عنك " يفيد ذلك.
وقد ذكر العلماء لنزول هذه الآية أسبابا أخر، فلا منافاة؛ لأن أسباب النزول قد تتعدد.
قال الحافظ: "أما نزول الآية الثانية فواضح في قصة أبي طالب.
وأما نزول الآية التي قبلها ففيه نظر، ويظهر أن المراد أن الآية المتعلقة بالاستغفار نزلت بعد أبي طالب بمدة، وهي عامة في حقه وحق غيره، ويوضح ذلك ما يأتي في التفسير، 1
الثالثة: هي المسألة الكبيرة، تفسير قوله: " قل: لا إله إلا الله" بخلاف ما عليه من يدعي العلم 2.
الرابعة: أن أبا جهل ومن معه يعرفون مراد النبي صلي الله عليه وسلم إذ قال للرجل: " قل: لا إله إلا الله" فقبح الله مَن أبو جهل أعلم منه بأصل الإسلام.
الخامسة: جده صلي الله عليه وسلم ومبالغته في إسلام عمه.
السادسة: الرد على من زعم إسلام عبد المطلب وأسلافه.
السابعة: كونه صلي الله عليه وسلم استغفر له فلم يغفر له، بل نهي عن ذلك.
الثامنة: مضرة أصحاب السوء على الإنسان.
التاسعة: مضرة تعظيم الأسلاف والأكابر.
العاشرة: استدلال الجاهلية بذلك.
فأنزل الله بعد ذلك ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ﴾ 3 الآية.
ونزل في أبي طالب: ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ 4 كله ظاهر في أنه مات على غير الإسلام.
ويضعف ما ذكره السهيلي أنه روي في بعض كتب المسعودي أنه أسلم؛ لأن مثل ذلك لا يعارض ما في الصحيح".
انتهى.
وفيه تحريم الاستغفار للمشركين وموالاتهم ومحبتهم; لأنه إذا حرم الاستغفار لهم فموالاتهم ومحبتهم أولى.
الحادية عشرة: الشاهد لكون الأعمال بالخواتيم؛ لأنه لو قالها لنفعته.
الثانية عشرة: التأمل في كبر هذه الشبهة في قلوب الضالين؛ لأن في القصة أنهم لم يجادلوه إلا بها.
مع مبالغته صلي الله عليه وسلم وتكريره؛ فلأجل عظمتها ووضوحها عندهم اقتصروا عليها.
باب: "ما جاء أن سبب كفر بني آدم وتركهم دينهم هو الغلو في الصالحين"
وقول الله عز وجل: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلا الْحَقَّ﴾ 1.
قوله: "باب ما جاء أن سبب كفر بني آدم وتركهم دينهم هو الغلو في الصالحين".
قوله: "تركهم" بالجر عطفا على المضاف إليه.
وأراد المصنف - رحمه الله تعالى - بيان ما يئول إليه الغلو في الصالحين من الشرك بالله في الإلهية الذي هو أعظم ذنب عُصي الله به، وهو ينافي التوحيد الذي دلت عليه كلمة الإخلاص: شهادة أن لا إله إلا الله.
قوله: "وقول الله عز وجل": ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ﴾ 2 الغلو: هو الإفراط في التعظيم بالقول والاعتقاد، أي لا ترفعوا المخلوق عن منزلته التي أنزله الله فتنزلوه المنزلة التي لا تنبغي إلا لله.
والخطاب - وإن كان لأهل الكتاب - فإنه عام يتناول جميع الأمة، تحذيرا لهم أن يفعلوا بنبيهم صلي الله عليه وسلم فعل النصارى في عيسى، واليهود في العزير3 كما قال تعالى: {أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ 1 سورة النساء آية: 171.
2 سورة النساء آية: 171.
3 في قرة العيون: وقد وقع ذلك الشرك في العبادة في هذه الأمة نظما ونثرا كما في كلام البوصيري والبرعي وغيرهما، وفيما فعلوه من الغلو والشرك محادة لله ولكتابه ولرسوله صلى الله عليه وسلم; فأين ما وقع فيه هؤلاء الجهلة من قول من قال للنبي صلى الله عليه وسلم: (أنت سيدنا وابن سيدنا وخيرنا وابن خيرنا) ، فكره ذلك صلى الله عليه وسلم أشد الكراهة؟ كما سيأتي في الكلام على هذا الحديث - إن شاء الله تعالى -, وقول القائل: "ما شاء الله وشئت"، فقال: أجعلتني لله ندا؟ بل ما شاء الله وحده".
مِنَ الْحَقِّ وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ} 1 ولهذا قال النبي صلي الله عليه وسلم: " لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم " 2 ويأتي.
فكل من دعا نبيا أو وليا من دون الله فقد اتخذه إلها، وضاهأ النصارى في شركهم، وضاهأ اليهود في تفريطهم.
فإن النصارى غلوا في عيسى - عليه السلام -، واليهود عادوه وسبوه وتنقصوه.
فالنصارى أفرطوا، واليهود فرطوا.
وقال تعالى: ﴿مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلانِ الطَّعَامَ﴾ 3. ففي هذه الآية وأمثالها الرد على اليهود والنصارى.
قال شيخ الإسلام - رحمه الله -: ومن تشبه من هذه الأمة باليهود والنصارى، وغلا في الدين بإفراط فيه أو تفريط فقد شابههم.
قال: وعلي رضي الله عنه حرق الغالية من الرافضة، فأمر بأخاديد خُدّت لهم عند باب كِندة4 فقذفهم فيها.
واتفق الصحابة على قتلهم.
لكن ابن عباس مذهبه أن يُقتلوا بالسيف من غير تحريق.
وهو قول أكثر العلماء.
قوله: "في الصحيح عن ابن عباس - رضي الله عنهما - في قول الله تعالى: ﴿وَقَالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلا تَذَرُنَّ وَدّاً وَلا سُوَاعاً وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْراً﴾ 5
فلما هلكوا أوحى الشيطان إلى قومهم: أن انصبوا إلى مجالسهم التي كانوا يجلسون فيها أنصابا، قال: هذه أسماء رجال صالحين من قوم نوح، فلما هلكوا أوحى الشيطان إلى قومهم: أن انصبوا إلى مجالسهم التي كانوا يجلسون فيها أنصابا وسموها بأسمائهم، ففعلوا; ولم تُعبد، حتى إذا هلك أولئك ونُسي العلم عُبدت".
قوله: "وفي الصحيح" أي صحيح البخاري.
وهذا الأثر اختصره المصنف.
ولفظ ما في البخاري: عن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: "صارت الأوثان التي في قوم نوح في العرب بعد.
أما "ودّ" فكانت لكلب بدومة الجندل.
وأما "سواع" فكانت لهذيل.
وأما "يغوث" فكانت لمراد ثم لبني غطيف بالجرف عند سبأ.
وأما "يعوق" فكانت لهمدان.
وأما "نسر" فكات لحمير لآل ذي الكلاع: أسماء رجال صالحين في قوم نوح - إلى آخره".
وروى عكرمة والضحاك وابن إسحاق نحو هذا.
قال ابن جرير: حدثنا ابن حميد قال: حدثنا مهران عن سفيان عن موسى عن محمد بن قيس "أن يغوث ويعوق ونسرا كانوا قوما صالحين من بني آدم، وكان لهم أتباع يقتدون بهم.
فلما ماتوا قال أصحابهم: لو صورناهم كان أشوق لنا إلى العبادة; فصوروهم، فلما ماتوا وجاء آخرون دب إليهم إبليس فقال: إنما كانوا يعبدونهم، وبهم يُسقون المطر.
فعبدوهم".
قوله: "أن انصبوا" هو بكسر الصاد المهملة.
قوله: "أنصابا" جمع نُصب، والمراد به هنا الأصنام المصورة على صور أولئك الصالحين التي نصبوها في مجالسهم، وسموها بأسمائهم.
وفي سياق حديث ابن عباس ما يدل على أن الأصنام تسمى أوثانا.
فاسم الوثن يتناول كل معبود من دون الله، سواء كان ذلك المعبود قبرا أو مشهدا أو صورة أو غير ذلك 1.
وسموها بأسمائهم.
ففعلوا لم تُعْبد.
حتى إذا هلك أولئك ونُسي العلم عُبدت "1
قوله: "حتى إذا هلك أولئك" أي الذين صوروا تلك الأصنام.
قوله: "ونُسي العلم".
ورواية البخاري: "وينسخ" وللكشميهني: "ونسخ العلم" أي درست آثاره بذهاب العلماء، وعم الجهل حتى صاروا لا يميزون بين التوحيد والشرك، فوقعوا في الشرك ظنا منهم أنه ينفعهم عند الله.
قوله: "عبدت" لما قال لهم إبليس: إن من كان قبلكم كانوا يعبدونهم وبهم يُسقون المطر، هو الذي زين لهم عبادة الأصنام وأمرهم بها، فصار هو معبودهم في الحقيقة.
كما قال تعالى: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌوَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلاً كَثِيراً أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ﴾ 2. وهذا يفيد الحذر
وقال ابن القيم: قال غير واحد من السلف " لما ماتوا عكفوا على قبورهم، ثم صوروا تماثيلهم، ثم طال عليهم الأمد فعبدوهم".
من الغلو ووسائل الشرك، وإن كان القصد بها حسنا.
فإن الشيطان أدخل أولئك في الشرك من باب الغلو في الصالحين والإفراط في محبتهم، كما قد وقع مثل ذلك في هذه الأمة: أظهر لهم الغلو والبدع في قالب تعظيم الصالحين ومحبتهم؛ ليوقعهم فيما هو أعظم من
ذلك من عبادتهم لهم من دون1 الله.
وفي رواية: "أنهم قالوا: ما عظّم أوّلنا هؤلاء إلا وهم يرجون شفاعتهم عند الله" أي يرجون شفاعة أولئك الصالحين الذين صوروا تلك الأصنام على صورهم وسموها بأسمائهم.
ومن هنا يعلم أن اتخاذ الشفعاء ورجاء شفائهم بطلبها منهم: شرك بالله، كما تقدم بيانه في الآيات المحكمات.
قوله: "وقال ابن القيم - رحمه الله -: قال غير واحد من السلف: لما ماتوا عكفوا على قبورهم، ثم صوروا تماثيلهم، ثم طال عليهم الأمد فعبدوهم".
قوله: "وقال ابن القيم رحمه الله" هو الإمام العلامة محمد ابن أبي بكر بن أيوب الزرعي الدمشقي المعروف بابن قيم الجوزية.
قال الحافظ السخاوي: العلامة الحجة المتقدم في سعة العلم ومعرفة الخلاف وقوة الجنان، المجمع عليه بين
الموافق والمخالف; صاحب التصانيف السائرة والمحاسن الجمة.
مات سنة إحدى وخمسين وسبعمائة.
قوله: "وقال غير واحد من السلف" هو بمعنى ما ذكره البخاري وابن جرير إلا أنه
ذكر عكوفهم على قبورهم قبل تصويرهم تماثيلهم.
وذلك من وسائل الشرك بل هو الشرك؛ لأن العكوف لله في المساجد عبادة.
فإذا عكفوا على القبور صار عكوفهم تعظيما ومحبة: عبادة لها.
قوله: "ثم طال عليهم الأمد فعبدوهم" أي طال عليهم الزمان.
وسبب تلك العبادة والموصل إليها هو ما جرى من الأولين من التعظيم بالعكوف على قبورهم، ونصب صورهم في مجالسهم، فصارت بذلك أوثانا تعبد من دون الله، كما ترجم به المصنف - رحمه الله تعالى -. فإنهم تركوا بذلك دين الإسلام الذي كان أولئك عليه قبل حدوث وسائل هذا الشرك، وكفروا بعبادة تلك الصور واتخذوهم شفعاء.
وهذا أول شرك حدث في الأرض.
قال القرطبي: "وإنما صوّر أوائلهم الصور ليتأسوا بهم ويتذكروا أفعالهم الصالحة، فيجتهدوا كاجتهادهم، ويعبدوا الله عند قبورهم.
ثم خلفهم قوم جهلوا مرادهم، فوسوس لهم الشيطان أن أسلافهم كانوا يعبدون هذه الصور ويعظمونها" اهـ.
قال ابن القيم - رحمه الله -: "وما زال الشيطان يوحي إلى عُبّاد القبور ويُلقي إليهم أن البناء والعكوف عليها من محبة أهل القبور من الأنبياء والصالحين، وأن الدعاء عندها مستجاب، ثم ينقلهم من هذه المرتبة إلى الدعاء بها، والإقسام على الله بها، فإن شأن الله أعظم من أن يقسم عليه أو يسأل بأحد من خلقه.
فإذا تقرر ذلك عندهم نقلهم منه إلى دعائه وعبادته; وسؤاله الشفاعة من دون الله، واتخاذ قبره وثنا تعلق عليه القناديل والستور، ويطاف به ويستلم ويقبّل، ويحج إليه ويذبح عنده، فإذا تقرر ذلك عندهم نقلهم منه إلى دعاء الناس إلى عبادته، اتخاذه عيدا ومنسكا، ورأوا أن ذلك أنفع لهم في دنياهم وأخراهم.
وكل هذا مما قد
علم بالاضطرار من دين الإسلام أنه مضاد لما بعث الله به رسوله صلي الله عليه وسلم من تجديد التوحيد، وأن لا يعبد إلا الله.
فإذا تقرر ذلك عندهم، نقلهم منه إلى أن من نهى عن ذلك فقد تنقص أهل هذه الرتب العالية وحطهم عن منزلتهم، وزعم أنه لا حرمة لهم ولا قدر، فغضب المشركون واشمأزت قلوبهم، كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ 1. وسرى ذلك في نفوس كثير من الجهال والطغام، وكثير ممن ينتسب إلى العلم والدين، حتى عادوا أهل التوحيد ورموهم
بالعظائم ونفّروا الناس عنهم، ووالوا أهل الشرك وعظموهم، وزعموا أنهم أولياء الله وأنصار
دينه ورسوله، ويأبى الله ذلك ﴿وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلا الْمُتَّقُونَ﴾ 1" اهـ كلام ابن القيم رحمه الله.
وفي القصة فوائد ذكرها المصنف رحمه الله 2.
ومنها: رد الشبه التي يسميها أهل الكلام عقليات، ويدفعون بها ما جاء به الكتاب والسنة، من توحيد الصفات، وإثباتها على ما يليق بجلال الله وعظمته وكبريائه.
ومنها: مضرة التقليد.
ومنها: ضرورة الأمة إلى ما جاء به الرسول صلي الله عليه وسلم علما وعملا بما يدل عليه الكتاب والسنة فإن ضرورة العبد إلى ذلك فوق كل ضرورة.
قوله: "وعن عمر رضي الله عنه أن رسول الله صلي الله عليه وسلم قال: " لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم.
إنما أنا عبد; فقولوا: عبد الله ورسوله " 4 أخرجاه.
قوله: "عن عمر" هو ابن الخطاب بن نفيل- بنون وفاء مصغرا- العدوي أمير المؤمنين وأفضل الصحابة بعد الصديق - رضي الله عنهم -. ولي الخلافة عشر سنين ونصفا، فامتلأت الدنيا عدلا، وفتحت في أيامه ممالك كسرى وقيصر.
واستشهد في ذي الحجة سنة ثلاث وعشرين رضي الله عنه.
قوله: "لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم" 5 الإطراء مجاوزة الحد في المدح والكذب عليه.
قاله أبو السعادات.
وقال غيره: أي لا تمدحوني بالباطل، ولا تجاوزوا الحد في مدحي.3
قوله: "إنما أنا عبد فقولوا: عبد الله ورسوله" أي لا تمدحوني فتغلوا في مدحي كما غلت النصارى في عيسى عليه السلام فادّعوا فيه الإلهية.
وإنما أنا عبد الله ورسوله، فصفوني بذلك كما وصفني ربي، فقولوا: عبد الله ورسوله، فأبى المشركون إلا مخالفة أمره وارتكاب نهيه، وعظموه بما نهاهم عنه وحذرهم منه، وناقضوه أعظم مناقضة، وضاهوا النصارى في غلوهم وشركهم، ووقعوا في المحذور، وجرى منهم من الغلو والشرك شعرا ونثرا ما يطول عده; وصنفوا فيه مصنفات.
وقد ذكر شيخ الإسلام - رحمه الله - عن بعض أهل زمانه1 أنه جوّز الاستغاثة بالرسول صلي الله عليه وسلم في كل ما يستغاث فيه بالله، وصنف في ذلك مصنفا رده شيخ الإسلام، وردّه موجود بحمد الله.
ويقول: إنه يعلم مفاتيح الغيب التي لا يعلمها إلا الله.
وذكر لهم أشياء من هذا النمط.
نعوذ بالله من عمى البصيرة.
قال رسول الله صلي الله عليه وسلم: " إياكم والغلو، فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو " 2. ولمسلم
وقد اشتهر في نظم البوصيري قوله:
يا أكرم الخلق ما لي من ألوذ به" ... سواك عند حدوث الحادث العمم"
وما بعده من الأبيات التي مضمونها إخلاص الدعاء واللياذ والرجاء والاعتماد في أضيق الحالات، وأعظم الاضطرار لغير الله، فناقضوا الرسول صلي الله عليه وسلم بارتكاب ما نهى عنه أعظم مناقضة، وشاقوا الله ورسوله أعظم مشاقة، وذلك أن الشيطان أظهر لهم هذا الشرك العظيم في قالب محبة النبي صلي الله عليه وسلم وتعظيمه، وأظهر لهم التوحيد والإخلاص الذي بعثه الله به في قالب تنقيصه، وهؤلاء المشركون هم المتنقصون الناقصون، أفرطوا في تعظيمه بها نهاهم عنه أشد النهي، وفرطوا في متابعته، فلم يعبئوا بأقواله وأفعاله، ولا رضوا بحكمه ولا سلموا له، وإنما يحصل تعظيم الرسول صلي الله عليه وسلم بتعظيم أمره ونهيه، والاهتداء
بهديه، واتباع سنته، والدعوة إلى دينه الذي دعا إليه ونُصرته، وموالاة من عمل به، ومعاداة من خالفه.
فعكس أولئك المشركون ما أراد الله ورسوله علما وعملا، وارتبكوا ما نهى عنه ورسوله.
فالله المستعان.
قوله: "وقال رسول الله صلي الله عليه وسلم: " إياكم والغلو فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو ".
هذا الحديث ذكره المصنف بدون ذكر راويه.
وقد رواه الإمام أحمد والترمذي وابن ماجه من حديث ابن عباس.
وهذا لفظ رواية أحمد1 عن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: قال رسول الله صلي الله عليه وسلم غداة جَمْع: " هلم القُطْ لي.
فلقطتُ له حصيات هن حصى الخذف.
فلما وضعهن في يده قال: نعم بأمثال هؤلاء فارموا.
وإياكم والغلو في الدين، فإنما هلك من كان قبلكم بالغلو في الدين " 2
قال شيخ الإسلام: هذا عام في جميع أنواع الغلو في الاعتقادات والأعمال، وسبب هذا اللفظ العام رمي الجمار، وهو داخل فيه، مثل الرمي بالحجارة الكبار، بناء على أنه أبلغ من الصغار.
ثم علله بما يقتضي مجانبة هدي من كان قبلنا إبعادا عن الوقوع فيما هلكوا به؛ فإن المشارك لهم في بعض هديهم يخاف عليه من الهلاك.
قوله: "ولمسلم عن ابن مسعود أن رسول الله صلي الله عليه وسلم قال: " هلك المتنطعون " قالها ثلاثا".
قال الخطابي: " المتنطع المتعمق في الشيء، المتكلف البحث عنه على مذاهب أهل
فيه مسائل:
الأولى: أن من فهم هذا الباب وبابين بعده تبين له غربة الإسلام، ورأى من قدرة الله وتقليبه للقلوب العجب.
الثانية: معرفة أول شرك حدث في الأرض أنه بشبهة الصالحين.
الثالثة: أول شيء غُيِّر به دين الأنبياء، وما سبب ذلك مع معرفة أن الله أرسلهم.
الرابعة: قبول البدع مع كون الشرائع والفطر تردها.
الخامسة: أن سبب ذلك كله مزج الحق بالباطل، فالأول: محبة الصالحين.
والثاني: فعل أُناس من أهل العلم شيئا أرادوا به خيرا، فظن من بعدهم أنهم أرادوا به غيره.
السادسة: تفسير الآية التي في سورة نوح.
الكلام الداخلين فيما لا يعنيهم، الخائضين فيما لا تبلغه عقولهم".
ومن التنطع: الامتناع من المباح مطلقا، كالذي يمتنع من أكل اللحم والخبز،
السابعة: جبلة الآدمي1 في كون الحق ينقص في قلبه والباطل يزيد.
الثامنة: فيه شاهد لما نقل عن السلف أن البدع سبب الكفر.
التاسعة: معرفة الشيطان بما تئول إليه البدعة، ولو حسن قصد الفاعل.
العاشرة: معرفة القاعدة الكلية، وهي النهي عن الغلو ومعرفة ما تئول إليه.
الحادية عشرة: مضرة العكوف على القبر لأجل عمل صالح.
الثانية عشرة: معرفة النهي عن التماثيل والحكمة في إزالتها.
الثالثة عشرة: معرفة شأن هذه القصة وشدة الحاجة إليها مع الغفلة عنها.
الرابعة عشرة: وهي أعجب، وأعجب قراءتهم إياها في كتب التفسير والحديث ومعرفتهم بمعنى الكلام، وكون الله حال بينهم وبين قلوبهم، حتى اعتقدوا أن فعل قوم نوح أفضل العبادات، فاعتقدوا أن ما نهى الله ورسوله عنه فهو الكفر المبيح للدم والمال.
الخامسة عشرة: التصريح بأنهم لم يريدوا إلا الشفاعة.
ومن لبس الكتان والقطن، ولا يلبس إلا الصوف، ويمتنع من نكاح النساء، ويظن أن هذا من الزهد المستحب.
قال الشيخ تقي الدين: " فهذا جاهل ضال".
انتهى.
وقال ابن القيم -رحمه الله-: قال الغزالي: " والمتنطعون في البحث والاستقصاء".
وقال أبو السعادات: " هم المتعمقون الغالون في الكلام، المتكلمون بأقصى حلوقهم.
مأخوذ من النطع، وهو الغار الأعلى من الفم، ثم استعمل في كل متعمق قولا وفعلا".
وقال النووي: " فيه كراهة التقعر في الكلام بالتشدق وتكلف الفصاحة، واستعمال وحشي اللغة ودقائق الإعراب في مخاطبة العوام ونحوهم".
قوله: "قالها ثلاثا" أي قال هذه الكلمة ثلاث مرات، مبالغة في التعليم والإبلاغ، فقد بلغ البلاغ المبين.
صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وصحبه أجمعين.
السادسة عشرة: ظنهم أن العلماء الذين صوروا الصور أرادوا ذلك.
السابعة عشرة: البيان العظيم في قوله: " لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم " 1 فصلوات الله وسلامه على من بلغ البلاغ المبين.
الثامنة عشرة: نصيحته إيانا بهلاك المتنطعين.
التاسعة عشرة: التصريح بأنها لم تعبد حتى نُسي العلم، ففيها بيان معرفة قدر وجوده ومضرة فقده.
العشرون: أن سبب فقد العلم موت العلماء.
باب: " ما جاء من التغليظ فيمن عبد الله عند قبر رجل صالح فكيف إذا عبده؟ "
في الصحيح " عن عائشة أن أم سلمة ذكرت لرسول الله صلي الله عليه وسلم كنيسة رأتها بأرض قوله: باب "ما جاء من التغليظ فيمن عبد الله عند قبر رجل صالح، فكيف إذا عبده؟ ".
أي الرجل الصالح؛ فإن عبادته هي الشرك الأكبر.
وعبادة الله عنده وسيلة إلى
عبادته، ووسائل الشرك محرمة; لأنها تؤدي إلى الشرك الأكبر وهو أعظم الذنوب.
قوله: "في الصحيح: "عن عائشة -رضي الله عنها- أن أم سلمة ذكرت لرسول الله صلي الله عليه وسلم كنيسة رأتها بأرض الحبشة 1 وما فيها من الصور.
فقال: " أولئك إذا مات فيهم الرجل الصالح -أو العبد الصالح-، بنوا على قبره مسجدا، وصوروا فيه تلك الصور، أولئك شرار الخلق عند الله " 2. فهؤلاء جمعوا بين الفتنتين: فتنة القبور وفتنة التماثيل".
قوله: "في الصحيح" أي الصحيحين.
قوله: "أن أم سلمة" هي هند بنت أبي أمية بن المغيرة بن عبد الله بن عمرو بن مخزوم القرشية المخزومية، تزوجها رسول الله صلي الله عليه وسلم بعد أبي سلمة سنة أربع.
وقيل: الحبشة وما فيها من الصور، فقال: أولئك إذا مات فيهم الرجل الصالح -أو العبد الصالح-، بنوا على قبره مسجدا وصوروا فيه تلك الصور، أولئك شرار الخلق عند الله "3.
ثلاث; وكانت قد هاجرت مع أبي سلمة إلى الحبشة4 ماتت سنة اثنتين وستين.
قوله: "ذكرت لرسول الله" وفي الصحيحين: " أن أم حبيبة وأم سلمة ذكرتا ذلك لرسول الله صلي الله عليه وسلم".
و"الكنسية" بفتح الكاف وكسر النون: معبد النصارى.
قوله: "أولئك" بكسر الكاف، خطاب للمرأة.
قوله: "إذا مات فيهم الرجل الصالح أو العبد الصالح" هذا- والله أعلم- شك من بعض رواة الحديث: هل قال النبي صلي الله عليه وسلم هذا أو هذا؟ ففيه التحري في الرواية.
وجواز الرواية بالمعنى.
قوله: "وصوروا فيه تلك الصور" الإشارة إلى ما ذكرت أم سلمة وأم حبيبة من التصاوير التي في الكنيسة.
قوله: "أولئك شرار الخلق عند الله" وهذا يقتضي تحريم بناء المساجد على القبور، وقد لعن صلي الله عليه وسلم من فعل ذلك كما سيأتي.
قال البيضاوي: لما كانت اليهود والنصارى يسجدون لقبور الأنبياء تعظيما لشأنهم، ويجعلونها قبلة يتوجهون في الصلاة نحوها، واتخذوها أوثانا لعنهم النبي صلي الله عليه وسلم.
قال القرطبي: وإنما صور أوائلهم الصور ليتأسوا بها ويتذكروا أعمالهم
فهؤلاء جمعوا بين فتنتين: فتنة القبور، وفتنة التماثيل.
الصالحة، فيجتهدوا كاجتهادهم; ويعبدوا الله عند قبورهم، ثم خلفهم قوم جهلوا مرادهم ووسوس لهم الشيطان أن أسلافهم كانوا يعبدون هذه الصور ويعظمونها.
فحذر النبي صلي الله عليه وسلم عن مثل ذلك، سدا للذريعة المؤدية إلى ذلك 1.
قوله: "فهؤلاء جمعوا بين الفتنتين: فتنة القبور وفتنة التماثيل" هذا من كلام شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله تعالى-، ذكره المصنف -رحمه الله- تنبيها على ما وقع من شدة الفتنة بالقبور والتماثيل؛ فإن الفتنة بالقبور كالفتنة بالأصنام أو أشد.
قال شيخ الإسلام -رحمه الله-: " وهذه العلة التي لأجلها نهى الشارع صلي الله عليه وسلم
عن اتخاذ المساجد على القبور؛ لأنها هي التي أوقعت كثيرا من الأمم إما في الشرك الأكبر أو فيما دونه من الشرك.
فإن النفوس قد أشركت بتماثيل الصالحين، وتماثيل يزعمون أنها طلاسم الكواكب ونحو ذلك؛ فإن الشرك بقبر الرجل الذي يُعتقد صلاحه أقرب إلى النفوس من الشرك بخشبة أو حجر.
ولهذا تجد أهل الشرك يتضرعون عندها، ويخشعون ويخضعون، ويعبدون بقلوبهم عبادة لا يفعلونها في بيوت الله ولا وقت السحر، ومنهم من يسجد لها، وأكثرهم يرجون من بركة الصلاة عندها والدعاء ما لا يرجونه في المساجد؛ فلأجل هذه المفسدة حسم النبي صلي الله عليه وسلم مادتها، حتى نهى عن الصلاة في المقبرة مطلقا، وإن لم يقصد المصلي بركة البقعة بصلاته، كما يقصد بصلاته بركة المساجد، كما نهى عن الصلاة وقت طلوع الشمس وغروبها؛ لأنها أوقات يقصد فيها المشركون الصلاة للشمس، فنهى أمته عن الصلاة حينئذ وإن لم يقصد ما قصده المشركون; سدا للذريعة.
وأما إذا قصد الرجل الصلاة عند القبور متبركا بالصلاة في تلك البقعة فهذا عين المحادّة لله ولرسوله، والمخالفة لدينه، وابتداع دين لم يأذن به الله؛ فإن المسلمين قد أجمعوا على ما علموه بالاضطرار من دين الرسول صلي الله عليه وسلم أن الصلاة عند القبور منهي عنها، وأنه صلي الله عليه وسلم لعن من اتخذها مساجد، فمن أعظم المحدثات وأسباب الشرك: الصلاة عندها واتخاذها مساجد، وبناء المساجد عليها.
وقد تواترت النصوص عن النبي صلي الله عليه وسلم بالنهي عن ذلك والتغليظ فيه.
وقد صرح عامة الطوائف بالنهي عن بناء المساجد عليها متابعة منهم للسنة الصحيحة الصريحة.
وصرح أصحاب أحمد وغيرهم من أصحاب مالك والشافعي بتحريم ذلك.
وطائفة أطلقت الكراهة والذي ينبغي أن تحمل على كراهة التحريم; إحسانا للظن بالعلماء، وأن لا يظن بهم أن يجوزوا فعل ما تواتر عن رسول الله صلي الله عليه وسلم لعن فاعله والنهي عنه" اهـ كلامه رحمه الله تعالى.
قوله: "ولهما عنها- أي عن عائشة رضي الله عنها- قالت: " لما نُزل برسول الله صلي الله عليه وسلم طَفِق يطرح خميصة له على وجهه، فإذا اغتم بها كشفها فقال - وهو كذلك -: لعن الله اليهود والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد، يحذر ما صنعوا.
ولولا ذلك أبرز
قبره، غير أنه خشي أن يتخذ مسجدا "1 أخرجاه".
قوله: "ولهما" أي البخاري ومسلم.
وهو يغني عن قوله في آخره "أخرجاه".
قوله: "لما نزل" هو بضم النون وكسر الزاي.
أي نزل به ملك الموت والملائكة الكرام عليهم السلام.
قوله: "طفق" بكسر الفاء وفتحها، والكسر أفصح.
وبه جاء القرآن، ومعناه جعل.
قوله: "خميصة" بفتح المعجمة والصاد المهملة.
كساء له أعلام.
قوله: "فإذا اغتم بها كشفها" أي عن وجهه.
قوله: "لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد 2 يبين أن من فعل مثل ذلك حل عليه من اللعنة ما حل على اليهود والنصارى.
قوله: "يحذر ما صنعوا" الظاهر أن هذا من كلام عائشة -رضي الله عنها-؛ لأنها فهمت من قول النبي صلي الله عليه وسلم ذلك تحذير أمته من هذا الصنيع الذي كانت تفعله اليهود والنصارى في قبور أنبيائهم؛ فإنه من الغلو في الأنبياء، ومن أعظم الوسائل إلى الشرك.
ومن غربة الإسلام أن هذا الذي لعن رسول الله صلي الله عليه وسلم فاعليه- تحذيرا لأمته
أن يفعلوه معه صلي الله عليه وسلم ومع الصالحين من أمته- قد فعله الخلق الكثير من متأخري هذه الأمة، واعتقدوه قربة من القربات، وهو من أعظم السيئات والمنكرات، وما شعروا أن ذلك محادة لله ورسوله.
قال القرطبي في معنى الحديث: " وكل ذلك لقطع الذريعة المؤدية إلى عبادة من فيها كما كان السبب في عبادة الأصنام".
انتهى.
إذ لا فرق بين عبادة القبر ومن فيه وعبادة الصنم، وتأمل قول الله تعالى عن نبيه يوسف بن يعقوب حيت قال: ﴿وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَائي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ مَا كَانَ لَنَا أَنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِنْ شَيْءٍ﴾ 1 نكرة في سياق النفي تعم كل شرك.
قوله: "ولولا ذلك" أي ما كان يحذر من اتخاذ قبر النبي صلي الله عليه وسلم مسجدا لأبرز قبره، وجعل مع قبور الصحابة الذين كانت قبورهم في البقيع.
قوله: "غير أنه خشي أن يتخذ مسجدا" روي بفتح الخاء وضمها، فعلى الفتح يكون هو الذي خشي ذلك صلي الله عليه وسلم وأمرهم أن يدفنوه في المكان الذي قبض فيه.
وعلى
ولمسلم: عن جندب بن عبد الله قال: سمعت النبي صلي الله عليه وسلم قبل أن يموت بخمس
رواية الضم يحتمل أن يكون الصحابة هم الذين خافوا أن يقع ذلك من بعض الأمة، قلم يبرزوا قبره، خشية أن يقع ذلك من بعض الأمة غلوا وتعظيما بما أبدى وأعاد من النهي والتحذير منه ولعن فاعله.
قال القرطبي: " ولهذا بالغ المسلمون في سد الذريعة في قبر النبي صلي الله عليه وسلم فأعلوا حيطان تربته وسدوا المداخل إليها، وجعلوها محدقة بقبره صلي الله عليه وسلم ثم خافوا أن يتخذ موضع قبره قبلة إذا كان مستقبل المصلين، فتصور الصلاة إليه بصورة العبادة، فبنوا جدارين من ركني القبر الشماليين وحرفوهما حتى التقيا على زاوية مثلثة من ناحية الشمال حتى لا يمكنوا أحدا من استقبال قبره".
2 انتهى
قوله: "ولمسلم عن جندب بن عبد الله قال: سمعت النبي صلي الله عليه وسلم قبل أن يموت بخمس وهو يقول: " إني أبرأ إلى الله أن يكون لي منكم خليل؛ فإن الله قد اتخذني خليلا; كما اتخذ إبراهيم خليلا، ولو كنت متخذا من أمتي خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا.
ألا وإن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد، فإني أنهاكم عن ذلك ".
وهو يقول: " إني أبرأ إلى الله أن يكون لي منكم خليل؛ فإن الله قد اتخذني خليلا كما اتخذ إبراهيم خليلا، ولو كنت متخذا من أمتي خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا،
قوله: "عن جندب بن عبد الله" أي ابن سفيان البجلي، وينسب إلى جده، صحابي مشهور، مات بعد الستين.
قوله: "إني أبرأ إلى الله أن يكون لي منكم خليل" أي أمتنع عما لا يجوز لي أن أفعله.
والخلة فوق المحبة.
والخليل هو المحبوب غاية الحب، مشتق من الخلة - بفتح الخاء - وهي تخلل المودة في القلب، كما قال الشاعر:
قد تخللت مسلك الروح مني ... وبذا سمي الخليل خليلا
هذا هو الصحيح في معناها.
كما ذكره شيخ الإسلام وابن القيم وابن كثير وغيرهم رحمهم الله تعالى.
قال القرطبي: " وإنما كان ذلك؛ لأن قلبه صلي الله عليه وسلم قد امتلأ من محبة الله وتعظيمه ومعرفته فلا يسع خلة غيره".
قوله: "فإن الله قد اتخذني خليلا" فيه بيان أن الخلة فوق المحبة.1
قال ابن القيم رحمه الله: " وأما ما يظنه بعض الغالطين من أن المحبة أكمل من الخلة، وأن إبراهيم خليل الله، ومحمد حبيب الله فمن جهلهم، فإن المحبة عامة، والخلة خاصة وهي نهاية المحبة.
وقد أخبر النبي صلي الله عليه وسلم أن الله قد اتخذه خليلا ونفى أن يكون له خليل غير ربه، مع إخباره بحبه لعائشة ولأبيها، ولعمر بن الخطاب، ومعاذ بن جبل وغيرهم -رضي الله عنهم-.
وأيضا فإن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين ويحب الصابرين، وخلته خاصة بالخليلين".
قوله: "ولو كنت متخذا خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا" فيه بيان أن الصديق أفضل الصحابة.
وفيه الرد على الرافضة وعلى الجهمية وهما شر أهل البدع، وأخرجهم بعض السلف من الثنتين والسبعين فرقة.
وبسبب الرافضة حدث الشرك وعبادة القبور، وهم أول من بنى عليها المساجد.
قاله المصنف -رحمه الله-، وهو كما قال بلا ريب 1.
وفيه إشارة إلى خلافة أبي بكر؛ لأن من كانت محبته لشخص أشد كان أولى به من غيره.
وقد استخلفه على الصلاة بالناس، وغضب صلي الله عليه وسلم لما قيل يصلي بهم عمر2، وذلك في مرضه الذي توفي فيه صلي الله عليه وسلم.
واسم أبي بكر: عبد الله بن عثمان بن عامر بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة الصديق الأكبر، خليفة رسول الله صلي الله عليه وسلم وأفضل الصحابة بإجماع من يعتد
بقوله من أهل العلم.
مات في جمادى الأولى سنة ثلاث عشرة، وله ثلاث وستون سنة رضي الله عنه.
قوله: "ألا" حرف استفتاح "ألا وإن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم مساجد - الحديث" قال الخلخالي: وإنكار النبي صلي الله عليه وسلم صنيعهم هذا مخرج على وجهين: أحدهما: أنهم يسجدون لقبور الأنبياء تعظيما.
الثاني: أنهم يجوزون الصلاة في مدافن الأنبياء والتوجه إليها حالة الصلاة، نظرا منهم بذلك إلى عبادة الله والمبالغة في تعظيم الأنبياء.
والأول: هو الشرك الجلي.
والثاني: الخفي.
فلذلك استحقوا اللعن.
قوله: "فقد نهى عنه في آخر حياته" أي كما في حديث جندب.
وهذا من كلام شيخ الإسلام.
وكذا ما بعده.
ثم إنه لعن وهو في السياق مَن فعله.
والصلاة عندها من ذلك وإن لم يُبن مسجد.
قوله: "ثم إنه لعن، وهو في السياق1 مَن فعله" كما في حديث عائشة.
قلت: فكيف يسوغ بعد هذا التغليظ من سيد المرسلين أن تعظم القبور ويبنى عليها، ويصلى عندها وإليها؟ هذا أعظم مشاقة ومحادّة لله تعالى ولرسوله لو كانوا يعقلون.
قوله: "الصلاة عندها من ذلك، وإن لم يبن مسجد" أي من اتخاذها مساجد الملعون فاعله.
وهذا يقتضي تحريم الصلاة عند القبور وإليها.
وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه مرفوعا: " الأرض كلها مسجد إلا المقبرة
والحمام "1 رواه أحمد وأهل السنن وصححه ابن حبان والحاكم.
قال ابن القيم -رحمه الله-: وبالجملة فمن له معرفة بالشرك وأسبابه وذرائعه وفهم عن رسول الله صلي الله عليه وسلم مقاصده، جزم جزما لا يحتمل النقيض أن هذه المبالغة واللعن والنهي بصيغته - صيغة "لا تفعلوا"، وصيغة "إني أنهاكم عن ذلك"- ليس لأجل النجاسة، بل هو لأجل نجاسة الشرك اللاحقة لمن عصاه، وارتكب ما عنه نهاه، واتبع هواه، ولم يخش ربه ومولاه، وقل نصيبه أو عُدم من "لا إله إلا الله" فإن هذا وأمثاله من النبي صلي الله عليه وسلم صيانة لحمى التوحيد أن يلحقه الشرك ويغشاه، وتجريد له وغضب لربه،
وهو معنى قولها: "خشي أن يتخذ مسجدا"؛ فإن الصحابة لم يكونوا ليبنوا حول قبره مسجدا.
وكل موضع قُصد الصلاة فيه فقد اتُّخذ مسجدا، بل كل موضع يصلى فيه يسمى مسجدا كما قال صلي الله عليه وسلم: " جُعلت لي الأرض مسجدا وطهورا " 2.
أن يعدل به سواه، فأبى المشركون إلا معصية لأمره وارتكابا لنهيه، وغرهم الشيطان بأن هذا تعظيم لقبور المشايخ والصالحين.
وكلما كنتم لها أشد تعظيما وأشد فيهم غلوا كنتم بقربهم أسعد، ومن أعدائهم أبعد، ولعمر الله، من هذا الباب دخل الشيطان على عبّاد يعوق ويغوث ونسر; ودخل على عباد الأصنام منذ كانوا إلى يوم القيامة; فجمع المشركون بين الغلو فيهم والطعن في طريقتهم، فهدى الله أهل التوحيد لسلوك طريقتهم وإنزالهم منازلهم التي أنزلهم الله إياها من العبودية وسلب خصائص الإلهية عنهم.
قال الشارح -رحمه الله تعالى-: وممن علل بخوف الفتنة بالشرك: الإمام الشافعي، وأبو بكر الأثرم، وأبو محمد المقدسي، وشيخ الإسلام وغيرهم -رحمهم الله-.
وهو الحق الذي لا ريب فيه.
قوله: "فإن الصحابة لم يكونوا ليبنوا حول قبره مسجدا" أي لما علموا من تشديده في ذلك وتغليظه النهي عنه، ولعن من فعله.
قوله: "وكل موضع قصدت الصلاة فيه فقد اتخذ مسجدا" أي وإن لم يبن مسجد، بل كل موضع يصلى فيه يسمى مسجدا، يعني وإن لم يقصد بذلك، كما إذا عرض لمن أراد أن يصلي فأوقع الصلاة في ذلك الموضع الذي حانت الصلاة عنده من غير أن يقصد ذلك الموضع بخصوصه، فصار بفعل الصلاة فيه مسجدا.
قوله: "كما قال صلي الله عليه وسلم: " جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا " 12" أي فسمى الأرض مسجدا، تجوز الصلاة في كل بقعة منها إلا ما استثنى من المواضع التي لا تجوز الصلاة فيها، كالمقبرة ونحوها.
ولأحمد بسند جيد عن ابن مسعود رضي الله عنه مرفوعا.
" إن من شرار الناس من تدركهم الساعة وهم أحياء، والذين يتخذون القبور مساجد " 3 ورواه أبو حاتم في صحيحه.
قال البغوي في شرح السنة: " أراد أن أهل الكتاب لم تبح لهم الصلاة إلا في بيعهم وكنائسهم; فأباح الله لهذه الأمة الصلاة حيث كانوا، تخفيفا عليهم وتيسيرا، ثم خص من جميع المواضع: الحمام والمقبرة والمكان النجس".
انتهى.
قوله: "ولأحمد بسند جيد عن ابن مسعود مرفوعا: " إن من شرار الناس من تدركهم الساعة وهم أحياء، والذين يتخذون القبور مساجد ". ورواه أبو حاتم ابن حبان في صحيحه" 4.
قوله: "إن من شرار الناس" بكسر الشين جمع شرير.12
قوله: "من تدركهم الساعة وهم أحياء" أي مقدماتها، كخروج الدابة، وطلوع الشمس من مغربها.
وبعد ذلك ينفخ في الصور نفخة الفزع.
فيه مسائل:
الأولى: ما ذكر الرسول فيمن بنى مسجدا يعبد الله فيه عند قبر رجل صالح، ولو صحت نية الفاعل.
الثانية: النهي عن التماثيل وغِلظ الأمر في ذلك.
قوله: "والذين يتخذون القبور مساجد" معطوف على خبر إن في محل نصب على نية تكرار العامل، أي وإن من شرار الناس الذين يتخذون القبور مساجد أي بالصلاة عندها وإليها، وبناء المساجد عليها، وتقدم في الأحاديث الصحيحة أن هذا من عمل اليهود والنصارى، وأن النبي صلي الله عليه وسلم لعنهم على ذلك، تحذيرا للأمة أن يفعلوا مع نبيهم وصالحيهم مثل اليهود والنصارى.
فما رفع أكثرهم بذلك رأسا، بل اعتقدوا أن هذا الأمر قربة لله تعالى، وهو مما يبعدهم عن الله ويطردهم عن رحمته ومغفرته.
والعجب أن أكثر من يدعي العلم ممن هو من هذه الأمة لا ينكرون ذلك، بل ربما استحسنوه ورغّبوا في فعله، فلقد اشتدت غربة الإسلام وعاد المعروف منكرا والمنكر معروفا، والسنة بدعة والبدعة سنة، نشأ على هذا الصغير وهرم عليه الكبير.
قال شيخ الإسلام: " أما بناء المساجد على القبور فقد صرح عامة الطوائف بالنهي عنه، متابعة للأحاديث الصحيحة.
وصرح أصحابنا وغيرهم من أصحاب مالك والشافعي بتحريمه.
قال: ولا ريب في القطع بتحريمه، ثم ذكر الأحاديث في ذلك "إلى أن قال" وهذه المساجد المبنية على قبور الأنبياء والصالحين، أو الملوك وغيرهم تتعين إزالتها بهدم أو غيره.
هذا مما لا أعلم فيه خلافا بين العلماء المعروفين".
وقال ابن القيم -رحمه الله-: " يجب هدم القباب التي بنيت على القبور؛ لأنها أُسست على معصية الرسول صلي الله عليه وسلم، وقد أفتى جماعة من الشافعية بهدم ما في القرافة من الأبنية، منهم ابن الجميزي والظهير الترميني وغيرهما".
وقال القاضي ابن كج: " ولا يجوز أن تجصص القبور، ولا أن يبنى عليها قباب، ولا غير قباب، والوصية بها باطلة".
الثالثة: العبرة في مبالغته صلي الله عليه وسلم في ذلك.
كيف بيّن لهم هذا أولا، ثم قبل موته بخمس، قال ما قال، ثم لما كان في السياق لم يكتف بما تقدم.
الرابعة: نهيه عن فعله عند قبره قبل أن يوجد القبر.
الخامسة: أنه من سنن اليهود والنصارى في قبور أنبيائهم.
السادسة: لعنه إياهم على ذلك.
السابعة: أن مراده تحذيره إيانا عن قبره.
الثامنة: العلة في عدم إبراز قبره.
وقال الأذرعي: " وأما بطلان الوصية ببناء القباب وغيرها من الأبنية وإنفاق الأموال الكثيرة، فلا ريب في تحريمه".
وقال القرطبي في حديث جابر رضي الله عنه: " نهى أن يجصص القبر أو يبنى عليه " 1: " وبظاهر هذا الحديث قال مالك، وكره البناء والجص على القبور.
وقد أجازه غيره، وهذا الحديث حجة عليه".
وقال ابن رشد: " كره مالك البناء على القبر وجعل البلاطة المكتوبة، وهو من بدع أهل الطول، أحدثوه إرادة الفخر والمباهاة والسمعة، وهو مما لا اختلاف عليه".
وقال الزيلعي في شرح الكنز: " ويكره أن يبنى على القبر.
وذكر قاضي خان: أنه لا يجصص القبر ولا يبنى عليه؛ لما روي عن النبي صلي الله عليه وسلم أنه نهى عن التجصيص والبناء فوق القبر.
والمراد بالكراهة - عند الحنفية رحمهم الله - كراهة التحريم.
وقد ذكر ذلك ابن نجيم في شرح الكنز".
وقال الشافعي -رحمه الله-: " أكره أن يعظم مخلوق، حتى يجعل قبره مسجدا مخافة الفتنة عليه وعلى من بعده من الناس".
وكلام الشافعي -رحمه الله- يبين أن مراده بالكراهة كراهة التحريم.