باب الشفاعة
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ
- الكتاب
- فتح المجيد شرح كتاب التوحيد
- المؤلف
- عبد الرحمن بن حسن بن محمد بن عبد الوهاب بن سليمان التميمي (المتوفى: 1285هـ)
- المحقق
- محمد حامد الفقي
- الناشر
- مطبعة السنة المحمدية، القاهرة، مصر
- الطبعة
- السابعة، 1377هـ/1957م [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]
التاسعة: في معنى اتخاذها مسجدا.
العاشرة: أنه قرن بين من اتخذها وبين من تقوم عليه الساعة، فذكر الذريعة إلى الشرك قبل وقوعه مع خاتمته.
الحادية عشرة: ذكره في خطبته قبل موته بخمس: الرد على الطائفتين اللتين هما أشر أهل البدع، بل أخرجهم بعض أهل العلم من الثنتين والسبعين فرقة، وهم الرافضة والجهمية.
وبسبب الرافضة حدث الشرك وعبادة القبور وهم أول من بنى عليها المساجد.
الثانية عشرة: ما بُلي به صلي الله عليه وسلم من شدة الفزع.
الثالثة عشرة: ما أكرم به من الخلة.
الرابعة عشرة: التصريح بأنها أعلى من المحبة.
الخامسة عشرة: التصريح بأن الصديق أفضل الصحابة.
السادسة عشرة: الإشارة إلى خلافته.
قال الشارح -رحمه الله تعالى-: " وجزم النووي رحمه الله في شرح المهذب بتحريم البناء مطلقا، وذكر في شرح مسلم نحوه أيضا".
وقال أبو محمد عبد الله بن أحمد بن قدامة إمام الحنابلة صاحب المصنفات الكبار كالمغني، والكافي وغيرهما -رحمه الله تعالى-: " ولا يجوز اتخاذ المساجد على القبور؛ لأن النبي صلي الله عليه وسلم قال: " لعن الله اليهود والنصارى "1 الحديث، وقد روينا أن ابتداء عبادة الأصنام: تعظيم الأموات واتخاذ صورهم، والتمسح بها والصلاة عندها".
انتهى 2.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-: " وأما المقبرة فلا فرق فيها بين الجديدة والعتيقة، انقلبت تربتها أو لم تنقلب.
ولا فرق بين أن يكون بينه وبين الأرض حائل أو لا; لعموم الاسم وعموم العلة؛ ولأن النبي صلي الله عليه وسلم لعن الذين اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد، ومعلوم أن قبور الأنبياء لا تنجس".
وبالجملة فمن علل النهي عن الصلاة في المقبرة بنجاسة التربة خاصة فهو بعيد عن مقصود النبي صلي الله عليه وسلم، ثم لا يخلو أن يكون القبر قد بني عليه مسجد، فلا يصلي في هذا المسجد سواء صلى خلف القبر أو أمامه بغير خلاف في المذهب؛ لأن النبي صلي الله عليه وسلم قال: " إن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد فإني أنهاكم عن ذلك "3. وخص قبور الأنبياء لأن عكوف الناس على قبورهم أعظم; واتخاذها مساجد أشد، وكذلك إن لم يكن عليه بني مسجد، فهذا قد ارتكب حقيقة المفسدة
التي كان النهي عن الصلاة عند القبور من أجلها، فإن كل مكان صلي فيه يسمى مسجدا، كما قال صلي الله عليه وسلم: " جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا " 1. وإن كان موضع قبر أو قبرين.
وقال بعض أصحابنا: لا يمنع الصلاة فيها؛ لأنه لا يتناولها اسم المقبرة، وليس في كلام أحمد ولا بعض أصحابه هذا الفرق، بل عموم كلامهم يقتضي منع الصلاة عند كل قبر.
وقد تقدم عن علي رضي الله عنه أنه قال: " لا أصلي في حمام ولا عند قبر ".
فعلى هذا ينبغي أن يكون النهي متناولا لحريم القبر وفنائه، ولا تجوز الصلاة في مسجد بني في مقبرة، سواء كان له حيطان تحجز بينه وبين القبور أو كان مكشوفا.
قال في رواية الأثرم: " إذا كان المسجد بين القبور لا يصلى فيه الفريضة، وإن كان بينها وبين المسجد حاجز فرخص أن يصلى فيه على الجنائز، ولا يصلى فيه على غير الجنائز.
وذكر حديث أبي مرثد عن النبي صلي الله عليه وسلم: " لا تصلوا على القبور " 2. وقال: إسناده جيد".
انتهى.
ولو تتبعنا كلام العلماء في ذلك لاحتمل عدة أوراق.
فتبين بهذا أن العلماء -رحمهم الله- بينوا أن علة النهي ما يؤدي إليه ذلك من الغلو فيها وعبادتها من دون الله كما هو الواقع والله المستعان.
وقد حدث بعد الأئمة الذين يعتد بقولهم أناس كثر في أبواب العلم بالله اضطرابهم، وغلظ عن معرفة ما بعث الله به رسوله من الهدى والعلم حجابهم، فقيدوا نصوص الكتاب والسنة بقيود أوهنت الانقياد، وغيّروا بها ما قصده الرسول صلي الله عليه وسلم بالنهي وأراد.
فقال بعضهم: النهي عن البناء على القبور يختص المقبرة المسبلة، والنهي عن الصلاة فيها
لتنجسها بصديد الموتى، وهذا كله باطل من وجوه: منها: أنه من القول على الله بلا علم.
وهو حرام بنص الكتاب.
ومنها: أن ما قالوه لا يقتضي لعن فاعله والتغليظ عليه، وما المانع له أن يقول: من صلى في بقعة نجسة فعليه لعنة الله.
ويلزم على ما قاله هؤلاء أن النبي صلي الله عليه وسلم لم يبين العلة، وأحال الأمة في بيانها على من يجيء بعده صلي الله عليه وسلم وبعد القرون المفضلة والأئمة، وهذا باطل قطعا وعقلا وشرعا؛ لما يلزم عليه من أن الرسول صلي الله عليه وسلم عجز عن البيان أو قصر في البلاغ، وهذا من أبطل الباطل؛ فإن النبي صلي الله عليه وسلم بلغ البلاغ المبين، وقدرته في البيان فوق قدرة كل أحد، فإذا بطل اللازم بطل الملزوم.
ويقال أيضا: هذا اللعن والتغليظ الشديد إنما هو فيمن اتخذ قبور الأنبياء مساجد، وجاء في بعض النصوص ما يعم الأنبياء وغيرهم، فلو كانت هذه هي العلة لكانت منتفية في قبور الأنبياء، لكون أجسادهم طرية لا يكون لها صديد يمنع من الصلاة عند قبورهم، فإذا كان النهي عن اتخاذ المساجد عند القبور يتناول قبور الأنبياء بالنص، علم أن العلة ما ذكره هؤلاء العلماء الذين قد نقلت أقوالهم، والحمد لله على ظهور الحجة وبيان المحجة.
والحمد لله الذي هدانا لهذا، وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله.
باب: "ما جاء أن الغلو في قبور الصالحين يصيرها أوثانا تعبد من دون الله"
روى مالك في الموطأ أن رسول الله صلي الله عليه وسلم قال: " اللهم لا تجعل قبري وثنا يعبد، اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد " 1. قوله: "باب ما جاء أن الغلو في قبور الصالحين يصيرها أوثانا تعبد من دون الله".
1 مسلم: المساجد ومواضع الصلاة (530) , والنسائي: الجنائز (2047) , وأحمد (2/246) .
"روى مالك في الموطأ أن رسول الله صلي الله عليه وسلم قال: " اللهم لا تجعل قبري وثنا يعبد; اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد " 1".
هذا الحديث رواه مالك مرسلا عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار: أن رسول الله صلي الله عليه وسلم قال: الحديث ". ورواه ابن أبي شيبة في مصنفه عن ابن عجلان عن زيد بن أسلم به، ولم يذكر عطاء.
ورواه البزار عن زيد عن عطاء عن أبي سعيد الخدري مرفوعا.
وله شاهد عند الإمام أحمد بسنده عن سهيل ابن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة رفعه: " اللهم لا تجعل قبري وثنا، لعن الله قوما اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد " 2 قوله: "روى مالك في الموطأ" هو الإمام مالك بن أنس بن مالك ابن أبي عامر ابن عمرو الأصبحي، أبو عبد الله المدني، إمام دار الهجرة وأحد الأئمة الأربعة، وأحد المتقنين للحديث، حتى قال البخاري: " أصح الأسانيد مالك عن نافع عن ابن عمر".
مات سنة تسع وسبعين ومائة.
وكان مولده سنة ثلاث وتسعين.
وقيل: أربع وتسعين.
وقال الواقدي: بلغ تسعين سنة.
قوله: "اللهم لا تجعل قبري وثنا يعبد" قد استجاب الله دعاءه كما قال ابن القيم -رحمه الله تعالى-:
فأجاب رب العالمين دعاءه ... وأحاطه بثلاثة الجدران
حتى غدت أرجاؤه بدعائه ... في عزة وحماية وصيان
ودل الحديث على أن قبر النبي صلي الله عليه وسلم لو عبد لكان وثنا، لكن حماه الله تعالى بما حال بينه وبين الناس فلا يوصل إليه.
ودل الحديث على أن الوثن هو ما يباشره العابد من القبور والتوابيت التي عليها.
وقد عظمت الفتنة بالقبور لتعظيمها وعبادتها، كما قال
عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: " كيف أنتم إذا لبستكم فتنة يهرم فيها الكبير، وينشأ فيها الصغير، تجري على الناس يتخذونها سنة، إذا غُيّرت قيل: غيرت السنة "1 انتهى.
ولخوف الفتنة نهى عمر عن تتبع آثار النبي صلي الله عليه وسلم.
قال ابن وضاح: سمعت عيسى بن يونس يقول: " أمر عمر بن الخطاب رضي الله عنه بقطع الشجرة التي بويع تحتها النبي صلي الله عليه وسلم "2 3 فقطعها؛ لأن الناس كانوا يذهبون فيصلون تحتها; فخاف عليهم الفتنة".
وقال المعرور بن سويد: "صليت مع عمر بن الخطاب بطريق مكة صلاة الصبح.
ثم رأى الناس يذهبون مذاهب، فقال: أين يذهب هؤلاء؟ فقيل: يا أمير المؤمنين، مسجد صلى فيه النبي صلي الله عليه وسلم فهم يصلون فيه، فقال: إنما هلك من كان قبلكم بمثل هذا، كانوا يتتبعون آثار أنبيائهم ويتخذونها كنائس وبيعا، فمن أدركته الصلاة في هذه المساجد فليصل، ومن لا فليمض ولا يتعمدها".
وفي مغازي ابن إسحاق من زيادات يونس بن بكير عن أبي خلدة خالد بن دينار.
حدثنا أبو العالية قال: "لما فتحنا تستر وجدنا في بيت مال الهرمزان سريرا عليه رجل ميت، عند رأسه مصحف، فأخذنا المصحف فحملناه إلى عمر; فدعا له كعبا فنسخه بالعربية، فأنا أول رجل قراه من العرب، قرأته مثل ما أقرأ القرآن.
فقلت لأبي العالية: ما كان فيه؟ قال: سيرتكم وأموركم ولحون كلامكم وما هو كائن بعد.
قلت: فماذا صنعتم بالرجل؟ قال: حفرنا له بالنهار ثلاثة عشر قبرا متفرقة.
فلما كان الليل دفناه وسوينا القبور كلها لنُعميّه على الناس لا ينبشونه.
قلت: وما يرجون منه؟ قال: كانت السماء إذا حبست عنهم برزوا بسريره فيمطرون.
فقلت: من كنتم تظنون الرجل؟ قال: رجل يقال له: دانيال.
فقلت: منذ كم وجدتموه مات؟ قال: منذ ثلاثمائة سنة.
قلت: ما كان تغيّر منه شيء؟ قال: لا، إلا شعيرات
من قفاه، إن لحوم الأنبياء لا تبليها الأرض 1.
﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى﴾ قال ابن القيم -رحمه الله-: " ففي هذه القصة ما فعله المهاجرون والأنصار -رضي الله عنهم- من تعمية قبره لئلا يفتتن به، ولم يبرزوه للدعاء عنده والتبرك به; ولو ظفر به المتأخرون لجالدوا عليه بالسيف ولعبدوه من دون الله".
قال شيخ الإسلام -رحمه الله-: وهو إنكار منهم لذلك; فمن قصد بقعة يرجو الخير بقصدها ولم يستحب الشارع قصدها- فهو من المنكرات، وبعضه أشد من بعض، سواء قصدها ليصلي عندها أو ليدعو عندها، أو ليقرأ عندها أو ليذكر الله عندها، أو لينسك عندها بحيث يخص تلك البقعة بنوع من العبادة التي لم يشرع تخصيصها به لا نوعا ولا عينا، إلا أن ذلك قد يجوز بحكم الاتفاق لا لقصد الدعاء فيها، كمن يزورها ويسلم عليها، ويسأل الله العافية له وللموتى، كما جاءت به السنة.
وأما تحري الدعاء عندها بحيث يستشعر أن الدعاء هناك أجوب منه في غيره، فهذا هو المنهي عنه.
انتهى ملخصا.
قوله: "اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد" فيه تحريم البناء على
القبور، وتحريم الصلاة عندها، وأن ذلك من الكبائر.
وفي القِرَى للطبري1 من أصحاب مالك عن مالك أنه كره أن يقول: زرت قبر النبي صلي الله عليه وسلم، وعلل ذلك بقوله صلي الله عليه وسلم: " اللهم لا تجعل قبري وثنا يعبد " 2 الحديث.
كره إضافة هذا اللفظ إلى القبر؛ لئلا يقع التشبه بفعل أولئك، سدا للذريعة.
قال شيخ الإسلام -رحمه الله تعالى-: " ومالك قد أدرك التابعين، وهم أعلم الناس بهذه المسألة، فدل ذلك على أنه لم يكن معروفا عندهم ألفاظ زيارة قبر النبي صلي الله عليه وسلم - إلى أن قال- وقد ذكروا في أسباب كراهته لأن يقول: "زرت قبر النبي صلي الله عليه وسلم"؛ لأن هذا اللفظ قد صار كثير من الناس يريد به الزيارة البدعية، وهو قصد الميت لسؤاله ودعائه، والرغبة إليه في قضاء الحوائج، ونحو ذلك مما يفعله كثير من الناس، فهم يعنون بلفظ الزيارة مثل هذا.
وهذا ليس بمشروع باتفاق الأئمة.
وكره مالك أن يتكلم بلفظ مجمل يدل على معنى فاسد، بخلاف الصلاة والسلام عليه؛ فإن ذلك مما أمر الله به.
أما لفظ الزيارة في عموم القبور فلا يفهم منها مثل هذا المعنى.
ألا ترى إلى قوله: " فزوروا القبور فإنها تذكركم الآخرة " 5 مع زيارته لقبر أمه؛ فإن هذا يتناول قبور الكفار، فلا يفهم من ذلك زيارة الميت لدعائه وسؤاله والاستغاثة به، ونحو ذلك مما يفعله أهل الشرك والبدع، بخلاف ما إذا كان المزور معظما في الدين كالأنبياء والصالحين؛ فإنه كثيرا ما يعني بزيارة قبورهم هذه الزيارة البدعية الشركية، فلهذا كره مالك ذلك في مثل هذا، وإن لم يكره ذلك في موضع آخر ليس فيه هذه المفسدة".
اهـ.
وفيه: أن النبي صلي الله عليه وسلم لم يستعذ إلا مما يخاف وقوعه.
ذكره المصنف رحمه الله تعالى.
"ولابن جرير بسنده عن سفيان عن منصور عن مجاهد: "أفرأيتم اللات والعزى" قال كان يلت لهم السويق، فمات فعكفوا على قبره، وكذا قال أبو الجوزاء عن ابن عباس قال: "كان يلت السويق للحاج".34
قوله: "ولابن جرير" هو الإمام الحافظ محمد بن جرير بن يزيد الطبري، صاحب التفسير والتاريخ والأحكام وغيرها.
قال ابن خزيمة: لا أعلم على الأرض أعلم من محمد بن جرير، وكان من المجتهدين لا يقلد أحدا.
وله أصحاب يتفقهون على مذهبه ويأخذون بأقواله.
ولد سنة أربع وعشرين ومائتين، ومات ليومين بقيا من شوال سنة عشرة وثلاثمائة.
قوله: "عن سفيان" الظاهر: أنه سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري أبو عبد الله الكوفي، ثقة حافظ فقيه إمام عابد كان مجتهدا; وله أتباع يتفقهون على مذهبه.
مات سنة إحدى وستين ومائة، وله أربع وستون سنة.
قوله: "عن منصور" هو ابن المعتمر بن عبد الله السلمي ثقة ثبت فقيه.
مات سنة اثنتين وثلاثين ومائة.
قوله: "عن مجاهد" هو ابن جبر - بالجيم والموحدة - أبو الحجاج المخزومي مولاهم المكي، ثقة إمام في التفسير، أخذ عن ابن عباس وغيره -رضي الله عنهم-، مات سنة أربع ومائة.
قاله يحيى القطان.
وقال ابن حبان: مات سنة اثنتين أو ثلاث ومائة وهو ساجد، ولد سنة إحدى وعشرين في خلافة عمر رضي الله عنه.
قوله: "كان يلت السويق لهم فمات فعكفوا على قبره" في رواية: "فيطعم من يمر من الناس.
فلما مات عبدوه، وقالوا: هو اللات" رواه سعيد بن منصور.
ومناسبته للترجمة: أنهم غلوا فيه لصلاحه حتى عبدوه وصار قبره وثنا من أوثان المشركين.
قوله: "وكذا قال أبو الجوزاء" هو أوس بن عبد الله الربعي، بفتح الراء والباء، مات سنة ثلاث وثمانين.
قال البخاري: حدثنا مسلم وهو ابن إبراهيم حدثنا أبو الأشهب1 حدثنا أبو الجوزاء عن ابن عباس قال: " كان اللات رجلا يلت سويق الحجاج "2.
قال ابن خزيمة: وكذا العزى، وكانت شجرة عليها بناء وأستار بنخلة بين مكة والطائف، كانت قريش يعظمونها، كما قال أبو سفيان يوم أحد: "لنا العزى ولا عزى لكم".
قوله: " وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: " لعن رسول الله صلي الله عليه وسلم زائرات القبور، والمتخذين عليها المساجد والسرج " 1. رواه أهل السنن".
قلت: وفي الباب حديث أبي هريرة وحديث حسان بن ثابت.
فأما حديث أبي هريرة فرواه أحمد والترمذي وصححه.
2 وحديث حسان أخرجه ابن ماجه من رواية عبد الرحمن بن حسان بن ثابت عن أبيه قال: " لعن رسول الله صلي الله عليه وسلم زوارات القبور " 3.
وحديث ابن عباس هذا في إسناده أبو صالح مولى أم هانئ، وقد ضعفه بعضهم ووثقه بعضهم.
4 قال علي بن المديني عن يحيى القطان: "لم أر أحدا من أصحابنا ترك أبا صالح مولى أم هانئ.
وما سمعت أحدا من الناس يقول فيه شيئا، ولم يتركه شعبة ولا زائدة ولا عبد الله بن عثمان".
قال ابن معين: " ليس به بأس، ولهذا أخرجه ابن السكن في صحيحه".
انتهى من الذهب الإبريز عن الحافظ المزي.
قال شيخ الإسلام -رحمه الله تعالى-: وقد جاء عن النبي صلي الله عليه وسلم من طريقين: فعن أبي هريرة رضي الله عنه: " أن رسول الله صلي الله عليه وسلم لعن زوارات القبور " 1 وذكر حديث ابن عباس.
ثم قال: ورجال هذا ليس رجال هذا، فلم يأخذه أحدهما عن الآخر.
وليس في الإسنادين من يتهم بالكذب.
ومثل هذا حجة بلا ريب.
وهذا من أجود الحسن الذي شرطه الترمذي؛ فإنه جعل الحسن ما تعددت طرقه ولم يكن فيه متهم، ولم يكن شاذا، أي مخالفا لما ثبت بنقل الثقات، وهذا الحديث تعددت طرقه وليس فيها متهم ولا خالفه أحد من الثقات، هذا لو كان عن صاحب واحد، فكيف إذا كان رواه عن صاحب وذاك عن آخر؟ فهذا كله يبين أن الحديث في الأصل معروف.
والذين رخصوا في الزيارة اعتمدوا على ما روي عن عائشة -رضي الله عنها- أنها زارت قبر أخيها عبد الرحمن وقالت: " لو شهدتك ما زرتك "2. وهذا يدل على أن الزيارة ليست مستحبة للنساء كما تستحب للرجال؛ إذ لو كان كذلك لاستحبت زيارته سواء شهدته أم لا.
قلت: فعلى هذا لا حجة فيه لمن قال بالرخصة.
وهدا السياق لحديث عائشة رواه الترمذي من رواية عبد الله ابن أبي مُليكة
عنها، وهو يخالف سياق الأثرم له عن عبد الله ابن أبي مليكة أيضا: " أن عائشة -رضي الله عنها- أقبلت ذات يوم من المقابر، فقلت لها: يا أم المؤمنين أليس نهى رسول الله صلي الله عليه وسلم عن زيارة القبور؟ قالت: نعم نهى عن زيارة القبور، ثم أمر بزيارتها"3.
فأجاب شيخ الإسلام -رحمه الله- عن هذا وقال: ولا حجة في حديث عائشة؛ فإن المحتج عليها احتج بالنهي العام، فدفعت ذلك بأن النهي منسوخ، ولم يذكر لها المحتج النهي الخاص بالنساء الذي فيه لعنهن على الزيارة.
يبين ذلك قولها: " قد أمر بزيارتها " فهذا يبين أنه أمر بها أمرا يقتضي الاستحباب، والاستحباب إنما هو ثابت للرجال خاصة.
ولو كانت تعتقد أن النساء مأمورات بزيارة القبور لكانت تفعل ذلك كما يفعله الرجال، ولم تقل لأخيها لما زرتك واللعن صريح في التحريم، والخطاب بالإذن في قوله: فزوروها لم يتناول النساء فلا يدخلن في الحكم الناسخ، والعام إذا عرف أنه بعد الخاص لم يكن ناسخا له عند جمهور العلماء، وهو مذهب الشافعي وأحمد في أشهر الروايتين عنه، وهو المعروف عند أصحابه، فكيف إذا لم يعلم أن هذا العام بعد الخاص؟ إذ قد يكون قوله: " لعن الله زوارات القبور " بعد إذنه للرجال في الزيارة.
يدل على أنه قرنه بالمتخذين عليها المساجد والسرج.
ومعلوم أن اتخاذ المساجد والسرج المنهي عنها محكم، كما دلت عليه الأحاديث الصحيحة وكذلك الآخر.
والصحيح: أن النساء لم يدخلن في الإذن في زيارة القبور لعدة أوجه:
أحدها: أن قوله صلي الله عليه وسلم فزوروها صيغة تذكير، وإنما يتناول النساء أيضا على سبيل التغليب.
لكن هذا فيه قولان، قيل: إنه يحتاج إلى دليل منفصل، وحينئذ فيحتاج تناول ذلك للنساء إلى دليل منفصل.
وقيل: إنه يحتمل على ذلك عند الإطلاق.
وعلى هذا فيكون دخول النساء بطريق العموم الضعيف، والعام لا يعارض
الأدلة الخاصة ولا ينسخها عند جمهور العلماء، ولو كان النساء داخلات في هذا الخطاب لاستحب لهن الزيارة للقبور.
وما علمنا أحدا من الأئمة استحب لهن زيارة القبور، ولا كان النساء على عهد النبي صلي الله عليه وسلم وخلفائه الراشدين يخرجن إلى زيارة القبور.
ومنها: أن النبي صلي الله عليه وسلم علل الإذن للرجال بأن ذلك: " يذكر الموت، ويرقق القلب، وتدمع العين "1 هكذا في مسند أحمد.
ومعلوم أن المرأة إذا فتح لها هذا الباب أخرجها إلى الجزع والندب والنياحة؛ لما فيها من الضعف وقلة الصبر.
وإذا كانت زيارة النساء مطنة وسببا للأمور المحرمة؛ فإنه لا يمكن أن يحد المقدار الذي لا يفضي إلى ذلك; ولا التمييز بين نوع ونوع، ومن أصول الشريعة: أن الحكمة إذا كانت خفية أو منتشرة علق الحكم بمظنتها.
فيحرم هذا الباب سدا للذريعة، كما حرم النظر إلى الزينة الباطنة، وكما حرم الخلوة بالأجنبية وغير ذلك.
وليس في ذلك من المصلحة ما يعارض هذه المفسدة؛ فإنه ليس في ذلك إلا دعاؤها للميت، وذلك ممكن في بيتها.
ومن العلماء من يقول: التشييع كذلك، ويحتج بقوله صلي الله عليه وسلم: " ارجعن مأزورات غير مأجورات، فإنكن تفتن الحي وتؤذين الميت" 2 وقوله لفاطمة: " أما إنك لو بلغت معهم الكدى لم تدخلي الجنة " 3 ويؤيده ما ثبت في الصحيحين من أنه نهى النساء عن اتباع الجنائز "4 ومعلوم أن قوله صلي الله عليه وسلم: " من صلى على جنازة فله قيراط ومن تبعها حتى تدفن فله قيراطان " 5 هو أدل على العموم من صيغة التذكير؛ فإن لفظ "من" يتناول الرجال والنساء باتفاق الناس، وقد علم بالأحاديث الصحيحة أن هذا العموم لم يتناول النساء لنهي النبي صلي الله عليه وسلم لهن عن اتباع الجنائز، فإذا لم يدخلن في هذا العموم فكذلك في ذلك بطريق الأولى.
انتهى ملخصا.
قلت: ويكون الإذن في زيارة القبور مخصوصا للرجال، خص بقوله: " لعن الله زوّرات القبور ... الحديث " فيكون من العام المخصوص.
وعما استدل به القائلون بالنسخ أجوبة أيضا.
منها: أن ما ذكروه عن عائشة وفاطمة -رضي الله عنهما- معارض بما ورد عنهما في هذا الباب فلا يثبت به نسخ.
ومنها: أن قول الصحابي وفعله ليس حجة على الحديث بلا نزاع.
وأما تعليمه عائشة كيف تقول إذا زارت القبور ونحو ذلك، فلا يدل على نسخ ما دلت عليه الأحاديث الثلاثة من لعن زائرات القبور، لاحتمال أن يكون ذلك قبل هذا النهي الأكيد والوعيد الشديد والله أعلم.
قال محمد بن إسماعيل الصنعاني -رحمه الله- في كتابه تطهير الاعتقاد: " فإن هذه القباب والمشاهد التي صارت أعظم ذريعة إلى الشرك والإلحاد، وأكبر وسيلة إلى هدم الإسلام وخراب بنيانه: غالب - بل كل - من يعمرها هم الملوك والسلاطين والرؤساء والولاة، إما على قريب لهم أو على من يحسنون الظن فيه من فاضل أو عالم أو صوفي أو فقير أو شيخ كبير، ويزوره الناس الذين يعرفونه زيارة الأموات من دون توسل به ولا هتف باسمه، بل يدعون له ويستغفرون حتى ينقرض من يعرفه أو أكثرهم، فيأتي من بعدهم فيجد قبرا قد شيد عليه البناء، وسرجت عليه الشموع، وفرش بالفراش الفاخر، وأرخيت عليه الستور، وألقيت عليه الأوراد والزهور، فيعتقد أن ذلك لنفع أو دفع ضر، وتأتيه السدنة يكذبون على الميت بأنه فعل وفعل، وأنزل بفلان الضر وبفلان النفع، حتى يغرسوا في جبلته كل باطل، والأمر ما ثبت في الأحاديث النبوية من لعن1 من أسرج على القبور وكتب عليها وبنى عليها.
وأحاديث ذلك واسعة معروفة؛ فإن ذلك في نفسه منهي عنه، ثم هو ذريعة إلى مفسدة عظيمة".
انتهى.
ومنه تعلم مطابقة الحديث للترجمة والله أعلم.
قوله: "والمتخذين عليها المساجد" تقدم شرحه في الباب قبله.
قوله: "السُّرُج" قال أبو محمد المقدسي: " لو أبيح اتخاذ السرج عليها لم يلعن من فعله؛
لأن فيه تضييعا للمال في غير فائدة; وإفراطا في تعظيم القبور أشبه بتعظيم الأصنام".
وقال ابن القيم -رحمه الله-: " اتخاذها مساجد وإيقاد السرج عليها من الكبائر" 1.
قوله: "رواه أهل السنن" يعني أبا داود والترمذي وابن ماجه فقط ولم يروه النسائي 2.
الثانية: تفسير العبادة.
الثالثة: أنه صلي الله عليه وسلم لم يستعذ إلا مما يُخاف وقوعه.
الرابعة: قَرْنه بهذا اتخاذ قبور الأنبياء مساجد 3.
الخامسة: ذكر شدة الغضب من الله.
السادسة: وهي من أهمها، صفة معرفة عبادة اللات التي هي أكبر الأوثان.
السابعة: معرفة أنه قبر رجل صالح.
الثامنة: أنه اسم صاحب القبر، وذكر معنى التسمية.
التاسعة: لعنة زوارات القبور.
العاشرة: لعنة من أسرجها.
باب: ما جاء في حماية المصطفى صلي الله عليه وسلم جناب التوحيد "وسده كل طريق يوصل إلى الشرك
وقول الله تعالى: {لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ قوله: باب "ما جاء في حماية المصطفى صلي الله عليه وسلم جناب التوحيد وسده كل طريق يوصل إلى الشرك".
الجناب: هو الجانب.
والمراد حمايته عما يقرب منه أو يخالطه من الشرك وأسبابه.
قوله: "وقول الله تعالى: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ 1".
قال ابن كثير -رحمه الله-: يقول الله تعالى ممتنا على المؤمنين بما أرسل إليهم رسولا من أنفسهم أي من جنسهم وعلى لغتهم، كما قال إبراهيم -عليه السلام-: ﴿رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْهُمْ﴾ 2. وقال تعالى: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ 3. وقال تعالى: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾ 4 أي منكم، كما قال جعفر ابن أبي طالب للنجاشي; والمغيرة بن شعبة لرسول كسرى: " إن الله بعث فينا رسولا منا نعرف نسبه وصفته، ومدخله ومخرجه، وصدقه وأمانته " وذكر الحديث.
قال سفيان بن عيينة عن جعفر بن محمد عن أبيه في قوله تعالى: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾ 5 قال: " لم يصبه شيء من ولادة الجاهلية "6.
وقوله: ﴿عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ﴾ 7 أي يعز عليه الشيء الذي يعنت أمته ويشق عليها8، ولهذا جاء في الحديث المروي من طرق عنه صلي الله عليه وسلم أنه قال: " بعثت بالحنيفية السمحة "9. وفي الصحيح: " إن هذا الدين يسر "10. وشريعته كلها سمحة سهلة كاملة، يسيرة على من يسرها الله عليه.
قوله: ﴿حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ﴾ أي على هدايتكم ووصول النفع الدنيوي والأخروي إليكم.
وعن أبي ذر رضي الله عنه1 قال:
﴿حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ 2.
" تركنا رسول الله صلي الله عليه وسلم وما طائر يقلب جناحيه في الهواء إلا وهو يذكر لنا منه علما "3 أخرجه الطبراني.
قال4: وقال رسول الله صلي الله عليه وسلم: " ما بقي شيء يقرب من الجنة ويباعد من النار إلا وقد بينته لكم " 5.
وقوله: ﴿بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ 6، كما قال تعالى: ﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ﴾ 7. وهكذا أمره تعالى في هذه الآية الكريمة، وهي قوله: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا﴾ أي عما جئتم به من الشريعة العظيمة المطهرة الكاملة ﴿فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ 8.
قلت: فاقتضت هذه الأوصاف التي وصف بها رسول الله صلي الله عليه وسلم في حق أمته أن أنذرهم وحذرهم الشرك الذي هو أعظم الذنوب، وبيّن لهم ذرائعه الموصلة إليه، وأبلغ في نهيهم عنها، ومن ذلك تعظيم القبور والغلو فيها، والصلاة عندها وإليها، ونحو ذلك مما يوصل إلى عبادتها كما تقدم، وكما سيأتي في أحاديث الباب.
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلي الله عليه وسلم: " لا تجعلوا بيوتكم قبورا ولا تجعلوا قبري عيدا، وصلوا عليَّ؛ فإن صلاتكم تبلغني حيث كنتم " 9 رواه أبو داود بإسناد حسن.
ورواته ثقات.
قوله: "وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلي الله عليه وسلم: " لا تجعلوا بيوتكم قبورا ولا تجعلوا قبري عيدا، وصلوا علي فإن صلاتكم تبلغني حيث كنتم " 1 رواه أبو داود بإسناد حسن. ورواته ثقات"2.
قوله: " لا تجعلوا بيوتكم قبورا " قال شيخ الإسلام: أي لا تعطلوها من الصلاة فيها والدعاء والقراءة، فتكون بمنزلة القبور، فأمر بتحري العبادة في البيوت ونهى عن تحريها عند القبور، عكس ما يفعله المشركون من النصارى ومن تشبه بهم من هذه الأمة.
وفي الصحيحين عن ابن عمر مرفوعا: " اجعلوا من صلاتكم في بيوتكم ولا تتخذوها قبورا "3.
وفي صحيح مسلم عن ابن عمر مرفوعا: " لا تجعلوا بيوتكم مقابر؛ فإن الشيطان يفر من البيت الذي يسمع سورة البقرة تقرأ فيه " 4.
قوله: " ولا تجعلوا قبري عيدا " قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: " العيد اسم لما يعود من الاجتماع العام على وجه معتاد، عائدا إما بعود السنة أو بعود الأسبوع أو الشهر ونحو ذلك".
وقال ابن القيم -رحمه الله تعالى-: العيد ما يعتاد مجيئه وقصده من زمان ومكان، مأخوذ من المعاودة والاعتياد.
فإذا كان اسما للمكان فهو المكان الذي يقصد فيه الاجتماع وانتيابه للعبادة وغيرها، كما أن المسجد الحرام ومنى ومزدلفة وعرفة والمشاعر جعلها الله عيدا للحنفاء ومثابة، كما جعل أيام العيد فيها عيدا.
وكان للمشركين أعياد زمانية ومكانية.
فلما جاء الله بالإسلام أبطلها وعوض الحنفاء منها عيد الفطر وعيد النحر وأيام منى، كما عوضهم من أعياد المشركين المكانية بالكعبة ومنى ومزدلفة وعرفة والمشاعر".
قوله: " وصلوا علي فإن صلاتكم تبلغني حيث كنتم ".
قال شيخ الإسلام -رحمه الله تعالى-: " يشير بذلك إلى أن ما ينالني منكم من الصلاة والسلام يحصل مع قربكم من قبري وبُعدكم، فلا حاجة لكم إلى اتخاذه عيدا".
قوله: " لا تجعلوا بيوتكم قبورا " تقدم كلام شيخ الإسلام في معنى الحديث قبله اهـ.
قوله: "وعن علي بن الحسين رضي الله عنه " أنه رأى رجلا يجيء إلى فرجة كانت عند قبر النبي صلي الله عليه وسلم فيدخل فيها فيدعو، فنهاه وقال: ألا أحدثكم حديثا سمعته من أبي عن جدي عن رسول الله صلي الله عليه وسلم؟ قال: لا تتخذوا قبري عيدا،
ولا بيوتكم قبورا، وصلوا علي فإن تسليمكم يبلغني أين كنتم ". رواه في المختارة".
هذا الحديث والذي قبله جيدان حسنا الإسنادين.
أما الأول فرواه أبو داود وغيره من حديث عبد الله بن نافع الصائغ قال: أخبرني ابن أبي ذئب عن سعيد المقبري عن أبي هريرة فذكره، ورواته ثقات مشاهير، لكن عبد الله بن نافع قال فيه أبو حاتم: ليس بالحافظ، تعرف وتنكر.
وقال ابن معين: هو ثقة.
وقال أبو زرعة: لا بأس به.
قال شيخ الإسلام -رحمه الله-: " ومثل هذا إذا كان
لحديثه شواهد علم أنه محفوظ، وهذا له شواهد متعددة".
وقال الحافظ محمد بن عبد الهادي: " " هو حديث حسن جيد الإسناد، وله شواهد يرتقي بها إلى درجة الصحة".
وأما الحديث الثاني فرواه أبو يعلى والقاضي إسماعيل والحافظ الضياء محمد بن عبد الواحد المقدسي في المختارة.
قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: " فانظر هذه السنة كيف مخرجها من أهل المدينة، وأهل البيت الذين لهم من رسول الله صلي الله عليه وسلم قرب النسب وقرب الدار; لأنهم إلى ذلك أحوج من غيرهم، فكانوا له أضبط".
اهـ.
وقال سعيد بن منصور في سننه: حدثنا عبد العزيز بن محمد أخبرني سهيل ابن أبي سهل قال: " رآني الحسن بن الحسن بن علي ابن أبي طالب -رضي الله عنهم- عند القبر، فناداني، وهو في بيت فاطمة -رضي الله عنها- يتعشى، فقال: هلم إلى العشاء.
فقلت: لا أريده.
فقال: ما لي رأيتك عند القبر؟ فقلت: سلمت على النبي صلي الله عليه وسلم.
فقال: إذا دخلت المسجد فسلم.
ثم قال: إن رسول الله صلي الله عليه وسلم قال: لا تتخذوا قبري عيدا، ولا تتخذوا بيوتكم مقابر، وصلوا علي فإن صلاتكم تبلغني حيثما كنتم، لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد، ما أنتم وبني بالأندلس إلا سواء " 1.
وقال سعيد أيضا: حدثنا حبان بن علي حدثنا محمد عجلان عن أبي سعيد مولى المهري قال: قال رسول الله صلي الله عليه وسلم: " لا تتخذوا قبري عيدا ولا بيوتكم قبورا، وصلوا علي فإن صلاتكم تبلغني " 1.
قال شيخ الإسلام: فهذان المرسلان من هذين الوجهين المختلفين يدلان على ثبوت الحديث، لا سيما وقد احتج به من أرسله.
وذلك يقتضي ثبوته عنده هذا لو لم يُرْوَ من وجوه مسندة غير هذين، فكيف وقد تقدم مسندا؟
قوله: "علي بن الحسين" أي ابن علي ابن أبي طالب، المعروف بزين العابدين رضي الله عنه أفضل التابعين من أهل بيته وأعلمهم.
قال الزهري: ما رأيت قرشيا أفضل منه.
مات سنة ثلاث وتسعين على الصحيح.
وأبوه الحسين سِبْط رسول الله صلي الله عليه وسلم وريحانته، حفظ عن النبي صلي الله عليه وسلم، واستشهد يوم عاشوراء سنة إحدى وستين، وله ست وخمسون سنة رضي الله عنه.
قوله: "أنه رأى رجلا يجيء إلى فرجة" بضم الفاء وسكون الراء، وهي الكوة في الجدار والخوخة ونحوهما.
قوله: "فيدخل فيها فيدعو فنهاه" هذا يدل على النهي عن قصد القبور والمشاهد لأجل الدعاء والصلاة عندها.
قال شيخ الإسلام -رحمه الله تعالى-: ما علمت أحدا رخص فيه؛ لأن ذلك نوع من اتخاذه عيدا، ويدل أيضا على أن قصد القبر للسلام إذا دخل المسجد ليصلي منهي عنه؛ لأن ذلك لم يشرع، وكره مالك لأهل المدينة كلما دخل الإنسان المسجد أن يأتي قبر النبي صلي الله عليه وسلم؛ لأن السلف لم يكونوا يفعلون ذلك، قال: " ولن يُصلح آخر هذه الأمة إلا ما أصلح أولها ". وكان الصحابة والتابعون -رضي الله عنهم- يأتون إلى مسجد النبي صلي الله
عليه وسلم فيصلون، فإذا قضوا الصلاة قعدوا أو خرجوا، ولم يكونوا يأتون القبر للسلام؛ لعلمهم أن الصلاة والسلام عليه في الصلاة أكمل وأفضل، وأما دخولهم عند قبره للصلاة والسلام عليه هناك، أو للصلاة والدعاء فلم يشرعه لهم; بل نهاهم عنه في قوله: " لا تتخذوا قبري عيدا وصلوا علي فإن صلاتكم تبلغني ". فبين أن الصلاة تصل إليه من بعد وكذلك السلام، ولعن من اتخذ قبور الأنبياء مساجد.
وكانت الحجرة في زمانهم يُدخَل إليها من الباب، إذ كانت عائشة -رضي الله عنها- فيها، وبعد ذلك إلى أن بني الحائط الآخر، وهم مع ذلك التمكن من الوصول إلى قبره لا يدخلون عليه، لا للسلام ولا للصلاة، ولا للدعاء لأنفسهم ولا لغيرهم، ولا لسؤال عن حديث أو علم، ولا كان الشيطان يطمع فيهم حتى يسمعهم كلاما أو سلاما فيظنون أنه هو كلمهم وأفتاهم، وبين لهم الأحاديث، أو أنه قد رد عليهم السلام بصوت يسمع من خارج، كما طمع الشيطان في غيرهم فأضلهم عند قبره1 وقبر غيره، حتى ظنوا أن صاحب القبر يأمرهم وينهاهم ويفتيهم ويحدثهم في الظاهر، وأنه يخرج من القبر ويرونه خارجا من القبر، ويظنون أن نفس أبدان الموتى خرجت تكلمهم، وأن روح الميت تجسدت لهم فرأوها كما رآهم النبي صلي الله عليه وسلم ليلة المعراج.
والمقصود: أن الصحابة -رضي الله عنهم- لم يكونوا يعتادون الصلاة والسلام عليه عند قبره كما يفعله من بعدهم من الخلوف، وإنما كان بعضهم يأتي من خارج فيسلم عليه إذا قدم من سفر، كما كان ابن عمر يفعله.
قال عبيد الله بن عمر عن نافع: " كان ابن عمر إذا قدم من سفر أتى قبر النبي صلي الله عليه وسلم فقال: السلام عليك يا رسول الله.
السلام عليك يا أبا بكر.
السلام عليك يا أبتاه ثم ينصرف "2 قال عبيد الله ما نعلم أحدا من أصحاب النبي صلي الله عليه وسلم فعل ذلك إلا ابن عمر وهذا يدل على أنه لا يقف عند القبر للدعاء إذا سلم كما يفعله كثير.
قال شيخ الإسلام -رحمه الله-: " لأن ذلك لم ينقل عن أحد من الصحابة، فكان
بدعة محضة".
وفي المبسوط: قال مالك: لا أرى أن يقف عند قبر النبي صلي الله عليه وسلم، ولكن
يسلم ويمضي.
ونص أحمد أنه يستقبل القبلة ويجعل الحجرة عن يساره لئلا يستدبره.
وبالجملة فقد اتفق الأئمة على أنه إذا دعا لا يستقبل القبر.
وتنازعوا: هل يستقبله عند السلام عليه أم لا؟ وفي الحديث دليل على منع شد الرحال إلى قبره صلي الله عليه وسلم وإلى غيره من القبور والمشاهد؛ لأن ذلك من اتخاذها أعيادا.
بل من أعظم أسباب الإشراك بأصحابها.
وهذه هي المسألة التي أفتى بها شيخ الإسلام -رحمه الله- أعني من سافر لمجرد زيارة قبور الأنبياء والصالحين- ونقل فيها اختلاف العلماء، فمن مبيح لذلك كالغزالي وأبي محمد المقدسي.
ومن مانع لذلك كابن بطة وابن عقيل، وأبي محمد الجويني، والقاضي عياض.
وهو قول الجمهور، نص عليه مالك ولم يخالفه أحد من الأئمة، وهو الصواب؛ لما في الصحيحين عن أبي سعيد عن النبي صلي الله عليه وسلم قال: " لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام ومسجدي هذا، والمسجد الأقصى " 1. فدخل في النهي شدها لزيارة القبور والمشاهد، فإما أن يكون نهيا، وإما أن يكون نفيا.
وجاء في رواية بصيغة النهي، فتعين أن يكون للنهي، ولهذا فهم منه الصحابة -رضي الله عنهم- المنع - كما في الموطأ والمسند والسنن –.
عن بصرة ابن أبي بصرة الغفاري أنه قال لأبي هريرة - وقد أقبل من الطور -: لو أدركتك قبل أن تخرج إليه لما خرجت سمعت رسول الله صلي الله عليه وسلم يقول: " لا تعمل المطي إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجدي هذا، والمسجد الأقصى " 2. وروى الإمام أحمد وعمر بن شبّة في أخبار المدينة بإسناد جيد عن قزعة قال:
" أتيت ابن عمر فقلت: إني أريد الطور.
فقال: إنما تشد الرحال إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجد المدينة، والمسجد الأقصى.
فدع عنك الطور ولا تأته "3. فابن عمر وبصرة ابن أبي بصرة جعلا الطور مما نهي عن شد الرحال إليه؛ لأن اللفظ الذي ذكراه فيه النهي عن شدها إلى غير الثلاثة مما يقصد به القربة، فعلم أن المستثنى منه عام في المساجد وغيرها، وأن النهي ليس خاصا بالمساجد، ولهذا نهيا عن شدها إلى الطور مستدلين بهذا الحديث.
والطور إنما يسافر من يسافر إليه لفضيلة
البقعة.
فإن الله سماه "الوادي المقدس، والبقعة المباركة".
وكلّم كليمه موسى -عليه السلام- هناك، وهذا هو الذي عليه الأئمة الأربعة وجمهور العلماء، ومن أراد بسط القول في ذلك والجواب عما يعارضه، فعليه بما كتبه شيخ الإسلام مجيبا لابن الأخنائي1 فيما اعترض به على ما دلت عليه الأحاديث الصحيحة، وأخذ به العلماء وقياس الأولى; لأن المفسدة في ذلك ظاهرة.
وأما النهي عن زيارة غير المساجد الثلاثة فغاية ما فيها: أنها لا مصلحة في ذلك توجب شد الرحال، ولا مزية تدعو إليه. وقد بسط القول في ذلك الحافظ محمد بن عبد الهادي في كتاب الصارم المنكي في رده على السبكي، وذكر فيه علل الأحاديث الواردة في زيارة قبر النبي صلي الله عليه وسلم وذكر هو وشيخ الإسلام -رحمهما الله تعالى- أنه لا يصح منها حديث عن النبي صلي الله عليه وسلم ولا عن أحد من أصحابه، مع أنها لا تدل على محل النزاع؛ إذ ليس فيها إلا مطلق الزيارة، وذلك لا ينكره أحد بدون شد الرحال، فيحمل على الزيارة الشرعية التي ليس فيها شرك ولا بدعة.
قوله: "رواه في المختارة" المختارة: كتاب جمع فيه مؤلفه الأحاديث الجياد الزائدة على الصحيحين.
ومؤلفه: هو أبو عبد الله محمد بن عبد الواحد المقدسي الحافظ ضياء الدين الحنبلي أحد الأعلام. قال الذهبي: أفنى عمره في هذا الشأن مع الدين المتين،
فيه مسائل:
الأولى: تفسير آية براءة.
الثانية: إبعاده أمته عن هذه الحمى غاية البعد.
الثالثة: ذكر حرصه علينا ورأفته ورحمته.
الرابعة: نهيه عن زيارة قبره على وجه مخصوص، مع أن زيارته من أفضل الأعمال.
الخامسة: نهيه عن الإكثار من الزيارة.
السادسة: حثه على النافلة في البيت.
السابعة: أنه متقرر عندهم أنه لا يصلى في المقبرة.
الثامنة: تعليله ذلك بأن صلاة الرجل وسلامه عليه يبلغه وإن بعد، فلا حاجة إلى ما يتوهمه من أراد القرب.
التاسعة: كونه صلي الله عليه وسلم في البرزخ تُعرَض أعمال أمته في الصلاة والسلام عليه2.
والورع والفضيلة التامة والإتقان.
فالله يرحمه ويرضى عنه.
وقال شيخ الإسلام: " تصحيحه في مختاراته خير من تصحيح الحاكم بلا ريب".
مات سنة ثلاث وأربعين وستمائة.
باب: " ما جاء أن بعض هذه الأمة يعبد الأوثان"
وقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلاً﴾ 1.
قوله: باب "ما جاء أن بعض هذه الأمة يعبد الأوثان".
"وقول الله تعالى: ﴿ {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ﴾ ".
"الوثن" يطلق على ما قصد بنوع من أنواع العبادة من دون الله من القبور والمشاهد وغيرها؛ لقول الخليل -عليه السلام-: ﴿إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَاناً وَتَخْلُقُونَ إِفْكاً﴾ 2.
ومع قوله: ﴿قَالُوا نَعْبُدُ أَصْنَاماً فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ﴾ 3.
وقوله: ﴿قَالَ أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ﴾ 4.
فبذلك يعلم أن الوثن يطلق على الأصنام وغيرها مما عبد من دون الله كما تقدم في الحديث.
قوله: ﴿يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ﴾ روى ابن أبي حاتم عن عكرمة قال: جاء حُيَيّ 1 سورة النساء آية: 51.
2 سورة العنكبوت آية: 17.
3 سورة الشعراء آية: 71.
4 سورة الصافات آية: 95.
بن أخطب وكعب بن الأشرف إلى أهل مكة فقالوا لهم: أنتم أهل الكتاب وأهل العلم، فأخبرونا عنا وعن محمد.
فقالوا: ما أنتم وما محمد؟ فقالوا: نحن نصل الأرحام، وننحر الكوماء، ونسقي الماء على اللبن، ونفك العناة، ونسقي الحجيج.
ومحمد صنبور، قطع أرحامنا، واتبعه سراق الحجيج من غفار.
فنحن خير أم هو؟ فقالوا: أنتم خير وأهدى سبيلا.
فأنزل الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلاً﴾ 1.
وقوله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ (مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ﴾ 2.
وفي مسند أحمد عن ابن عباس نحوه.
قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: " الجبت: السحر، والطاغوت: الشيطان ". وكذلك قال ابن عباس وأبو العالية ومجاهد والحسن وغيرهم. وعن ابن عباس وعكرمة وأبي مالك: " الجبت: الشيطان- زاد ابن عباس-: بالحبشية ". وعن ابن عباس أيضا: "الجبت: الشرك". وعنه: "الجبت: الأصنام". وعنه: "الجبت: حيي بن أخطب".
وعن الشعبي: "الجبت: الكاهن". وعن مجاهد: "الجبت: كعب بن الأشرف" قال الجوهري: "الجبت: كلمة تقع على الصنم والكاهن والساحر" ونحو ذلك3.
قال المصنف -رحمه الله تعالى-: " وفيه معرفة الإيمان بالجبت والطاغوت في هذا الموضع هل هو اعتقاد قلب، أو هو موافقة أصحابها، مع بغضها ومعرفة بطلانها؟ ".
قوله: "وقوله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ﴾ ".
يقول تعالى لنبيه محمد صلي الله عليه وسلم: قل يا محمد: هل أخبركم بشر جزاء عند الله يوم القيامة مما تظنونه بنا؟ وهم أنتم أيها المتصفون بهذه الصفات المفسرة بقوله: ﴿مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ﴾ أي أبعده من رحمته ﴿وَغَضِبَ عَلَيْهِ﴾ أي غضبا لا يرضى بعده أبدا ﴿وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ﴾ 1. وقد قال الثوري عن علقمة بن مرثد عن المغيرة بن عبد الله اليشكري عن المعرور بن سويد أن ابن مسعود رضي الله عنه قال: " سئل رسول الله صلي الله عليه وسلم عن القردة والخنازير، أهي مما مسخ الله؟ فقال: إن الله لم يهلك قوما - أو قال: لم يمسخ قوما - فجعل لهم نسلا ولا عقبا، وإن القردة والخنازير كانت قبل ذلك ". رواه مسلم2.
قال البغوي في تفسيره: ﴿قُلْ﴾ يا محمد " هل أنبئكم " أخبركم ﴿بِشَرٍّ مِنْ {ذلكم﴾ الذي ذكرتم، يعني قولهم: لم نر أهل دين أقل حظا في الدنيا والآخرة منكم، ولا دينا شرا من دينكم، فذكر الجواب بلفظ الابتداء وإن لم يكن الابتداء شرا; لقوله تعالى: ﴿قُلْ أَفَأُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ {ذَلِكُمُ {النَّارُ﴾ 3.
وقوله: ﴿مَثُوبَةً﴾ ثوابا وجزاء، نصب على التفسير ﴿عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ﴾ أي هو من لعنه الله ﴿وَغَضِبَ عَلَيْهِ﴾ يعني اليهود ﴿وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ﴾ فالقردة أصحاب السبت، والخنازير كفار مائدة عيسى.
وعن علي ابن أبي طلحة عن ابن عباس: " أن المسخين كلاهما من أصحاب السبت، فشبابهم مسخوا قردة وشيوخهم مسخوا خنازير ".
﴿وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ﴾ أي وجعل منهم من عبد الطاغوت، أي أطاع الشيطان فيما
سول له، وقرأ ابن مسعود4 "عبدوا الطاغوت"، وقرأ حمزة و "عُبُد" بضم الباء، و "الطاغوت "
بجر التاء1 أراد العبد.
وهما لغتان: عبد بسكون الباء، وعبد بضمها، مثل سبْع وسبُع2 وقرأ الحسن "وعبد الطاغوت " على الواحد3.
وفي تفسير الطبرسي: " قرأ حمزة وحده "وعبُد الطاغوتِ" بضم الباء وجر التاء، والباقون "وعبَد الطاغوتَ" بنصب الباء وفتح التاء.
وقرأ ابن عباس وابن مسعود وإبراهيم النخعي والأعمش وأبان بن تغلب "وعُبُدَ الطاغوتِ" بضم العين والباء وفتح الدال وخفض التاء، قال: وحجة حمزة في قراءته "وعبُد الطاغوت" أنه يحمله على ما عمل فيه "جعل" كأنه: وجعل منهم عبد الطاغوت.
ومعنى "جعل" "خلق".
كقوله: ﴿وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ﴾ 4. وليس "عبد" لفظ جمع؛ لأنه ليس من أبنية الجموع شيء على هذا البناء، ولكنه واحد يراد به الكثرة، ألا ترى أن في الأسماء المفردة المضافة إلى المعارف ما لفظه لفظ الإفراد ومعناه الجمع، كما في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا﴾ 5. ولأن بناء فعل يراد به المبالغة والكثرة نحو يَقُظَ ودَنُس; وكأن تقديره: أنه ذهب في عبادة الطاغوت كل مذهب.
وأما من فتح فقال ﴿وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ﴾ 6 فإنه عطفه على بناء المضي الذي في الصلة: وهو قوله: ﴿لَعَنَهُ اللَّهُ﴾ ، وأفرد الضمير في "عبد" وإن كان المعنى فيه الكثرة؛ لأن الكلام محمول على لفظه دون معناه، وفاعله ضمير "من" كما أن فاعل الأمثلة المعطوف عليها ضمير "من" فأفرد لحمل ذلك جميعا على اللفظ. وأما قوله: ﴿وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ﴾ فهو جمع عبد7.
وقوله تعالى: ﴿قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِداً﴾ 8.
وقال أحمد بن يحيى: عُبُد جمع عابد; كبازل وبُزل، وشارف وشُرف، وكذلك عبد جمع عابد.
ومثله عباد وعُبّاد".
اهـ.
وقال شيخ الإسلام في قوله: ﴿وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ﴾ 9 الصواب أنه معطوف على ما قبله من الأفعال، أي من لعنه وغضب عليه، ومن جعل منهم القردة والخنازير ومن عبد الطاغوت.
قال: والأفعال المتقدمة الفاعل فيها اسم الله، مظهرا أو مضمرا.
وهنا الفاعل اسم من عبد الطاغوت.
وهو الضمير في "عبد" ولم يعد سبحانه "من" لأنه جعل هذه الأفعال صفة لصنف واحد وهم اليهود.
قوله: ﴿أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَاناً﴾ مما تظنون بنا ﴿وَأَضَلُّ عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ﴾ . وهذا من باب استعمال أفعل التفضيل فيما ليس في الطرف الآخر له مشارك كقوله تعالى: ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرّاً وَأَحْسَنُ مَقِيلاً﴾ 1. قاله العماد ابن كثير في تفسيره، وهو ظاهر.
قوله: "وقول الله تعالى: ﴿قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِداً﴾ ". والمراد أنهم فعلوا مع الفتية بعد موتهم ما يذم فاعله؛ لأن النبي صلي الله عليه وسلم قال: " لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد " 2 أراد تحذير أمته أن يفعلوا كفعلهم.
قوله: "عن أبي سعيد رضي الله عنه أن رسول الله صلي الله عليه وسلم قال: " لتتبعن سَنن من كان قبلكم حذو القذة بالقذة، حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه.
قالوا: يا رسول الله، اليهود والنصارى؟ قال: فمن؟ " 3 أخرجاه".
وهذا سياق مسلم.
قوله: "سنن" بفتح المهملة أي طريق من كان قبلكم.
قال المهلب: الفتح أولى.
قوله: "حذو القذة بالقذة" بنصب "حذو" على المصدر.
والقذة بضم القاف واحدة القذذ وهو ريش السهم.
أي لتتبعن طريقهم في كل ما فعلوه، وتشبهوهم قي ذلك كما تشبه قذة السهم القذة الأخرى.
وبهذا تظهر مناسبة الآيات للترجمة.
وقد وقع كما أخبر، وهو عَلَم من أعلام النبوة.
قوله: " " حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه ". وفي حديث آخر: " حتى لو كان فيهم من يأتي أمه علانية لكان في أمتي من يفعل ذلك " 4. أراد صلي الله عليه وسلم أن أمته لا تدع شيئا مما كان يفعله اليهود والنصارى إلا فعلته كله لا تترك منه شيئا.
ولهذا قال سفيان بن عيينة: " من فسد من علمائنا ففيه شبه من اليهود، ومن فسد من عُبادنا ففيه شبه من النصارى ". اهـ.
قلت: فما أكثر الفريقين، لكن من رحمة الله تعالى ونعمته أن جعل هذه الأمة لا تجتمع على ضلالة كما في حديث ثوبان الآتي قريبا.
قوله: " قالوا يا رسول الله، اليهود والنصارى؟ قال: فمن؟ " هو برفع "اليهود" خبر مبتدأ محذوف; أي أهُم اليهود والنصارى الذين نتبع سننهم؟ ويجوز النصب بفعل محذوف تقديره: تعني.
قوله: "قال: فمن؟ " استفهام إنكاري.
أي فمن هم غير أولئك؟
قوله: "ولمسلم عن ثوبان رضي الله عنه أن رسول الله صلي الله عليه وسلم قال: " إن الله زوى لي الأرض فرأيت مشارقها ومغاربها، وإن أمتي سيبلغ ملكها ما زوي لي منها، وأعطيت الكنزين: الأحمر والأبيض، وإني سألت ربي لأمتي أن لا يهلكها بسنة بعامة، وأن لا يسلط عليهم عدوا من سوى أنفسهم، فيستبيح بيضتهم، وإن ربي قال: يا محمد، إذا قضيت قضاء فإنه لا يرد، وأني أعطيتك لأمتك أن لا أهلكها بسنة بعامة، وأن لا أسلط عليهم عدوا من سوى أنفسهم فيستبيح بيضتهم، ولو اجتمع عليهم من بأقطارها حتى يكون بعضهم يهلك بعضا، ويسبي بعضهم بعضا ". ورواه البرقاني في صحيحه وزاد: " وإنما أخاف على أمتي الأئمة المضلين، وإذا وقع عليهم السيف لم يرفع إلى يوم القيامة، ولا تقوم الساعة حتى يلحق حي من أمتي بالمشركين، وحتى تعبد فئام من أمتي الأوثان، وأنه سيكون في أمتي كذابون ثلاثون، كلهم يزعم أنه نبي، وأنا خاتم النبيين لا نبي بعدي، ولا تزال طائفة من أمتي على الحق منصورة لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم حتي يأتي أمر الله تبارك وتعالى " 1.
هذا الحديث رواه أبو داود في سننه وابن ماجه بالزيادة التي ذكرها المصنف.
قوله; "عن ثوبان" هو مولى النبي صلي الله عليه وسلم، صحبه ولازمه، ونزل بعده الشام، ومات بحمص سنة أربع وخمسين.
قوله: " " زوى لي الأرض " قال التوربشتي: " زويت الشيء جمعته وقبضته، يريد تقريب البعيد منها حتى اطلع عليه اطلاعه على القريب.
وحاصله أنه طوى له الأرض وجعلها مجموعة كهيئة كف في مرآة ينظره".
قال الطيبي: " أي جمعها، حتى بصرت ما تملكه أمتي من أقصى المشارق والمغارب منها".
قوله: " " وإن أمتي سيبلغ ملكها ما زوي لي منها " قال القرطبي: " هذا الخبر وجد مخبره
قوله: " فيستبيح بيضتهم" قال الجوهري: بيضة كل شيء حوزته.
وبيضة القوم ساحتهم، وعلى هذا فيكون معنى الحديث: أن الله تعالى لا يسلط العدو على كافة المسلمين حتى يستبيح جميع ما حازوه من البلاد والأرض، ولو اجتمع عليهم من بأقطار الأرض وهي جوانبها.
وقيل: بيضتهم معظمهم وجماعتهم، وإن قلوا.
قوله: " " حتى يكون بعضهم يهلك بعضا، ويسبي بعضهم بعضا ". والظاهر أن "حتى" عاطفة، أو تكون لانتهاء الغاية، أي إن أمر الأمة ينتهي إلى أن يكون بعضهم يهلك بعضا.
وقد سلط بعضهم على بعض كما هو الواقع، وذلك لكثرة اختلافهم وتفرقهم.
قوله: " " وإن ربي قال: يا محمد، إذا قضيت قضاء فإنه لا يرد " قال بعضهم: أي إذا حكمت حكما مبرما نافذا فإنه لا يرد بشيء، ولا يقدر أحد على رده، كما قال النبي صلي الله عليه وسلم: " ولا راد لما قضيت " 1.
قوله: "رواه البرقاني في صحيحه" هو الحافظ الكبير أبو بكر أحمد بن محمد بن أحمد بن غالب الخوارزمي الشافعي، ولد سنة ست وثلاثين وثلاثمائة، ومات سنة خمس وعشرين وأربعمائة.
قال الخطيب: " كان ثبتا ورعا، لم نر في شيوخنا أثبت منه، عارفا بالفقه كثير التصانيف، صنف مسندا ضمنه ما اشتمل عليه الصحيحان.
وجمع حديث الثوري وحديث شعبة وطائفة".
وهذا الحديث رواه أبو داود بتمامه بسنده إلى أبي قلابة عن أبي أسماء عن ثوبان رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلي الله عليه وسلم: " إن الله - أو قال: إن ربي - زوى لي الأرض فأريت مشارق الأرض ومغاربها، وأن ملك أمتي سيبلغ ما زوى لي منها، وأُعطيت الكنزين: الأحمر والأبيض، وإني سألت لأمتي أن لا يهلكها بسنة عامة2 ولا يسلط عليهم عدوا من سوى أنفسهم فيستبيح بيضتهم، وإن ربي قال لي:
يا محمد إني إذا قضيت قضاء فإنه لا يرد، ولا أهلكهم بسنة عامة، ولا أسلط عليهم عدوا من سوى أنفسهم فيستبيح بيضتهم ولو اجتمع عليهم من بين أقطارها - أو قال: بأقطارها - حتى يكون بعضهم يهلك بعضا، وحتى يكون بعضهم يسبي بعضا، وإنما أخاف على أمتي الأئمة المضلين، وإذا وضع السيف في أمتي لم يرفع عنها إلى يوم القيامة، ولا تقوم الساعة حتى يلحق قبائل من أمتي بالمشركين، وحتى تعبد قبائل من أمتي الأوثان، وإنه سيكون في أمتي كذابون ثلاثون كلهم يزعم أنه نبي، وأنا خاتم النبيين لا نبي بعدي، ولا تزال طائفة من أمتي على الحق- قال ابن عيسى: ظاهرين ثم اتفقا- لا يضرهم من خالفهم حتى يأتي أمر الله تعالى " 1.
وروى أبو داود أيضا عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه عن النبي صلي الله عليه وسلم أنه قال: " تدور رَحَى الإسلام لخمس وثلاثين; أو ست وثلاثين، أو سبع وثلاثين، فإن يهلكوا فسبيل من هلك، وإن يقم لهم دينهم يقم سبعين عاما، قال: قلت: أمِمّا بقي أو مما مضى؟ قال: مما مضى " 32.
وروى في سننه أيضا عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلي الله عليه وسلم: " يتقارب الزمان وينقص العلم; وتظهر الفتن، ويلقى الشح; ويكثر الهرج، قيل: يا رسول الله أيّهْ هو؟ قال: القتل القتل " 4.
قوله: " وإنما أخاف على أمتي الأئمة المضلين " أي الأمراء والعلماء والعباد فيحكمون فيهم بغير علم فيضلونهم، 5 كما قال تعالى: ﴿وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلا﴾ 6. وكان بعض هؤلاء يقول لأصحابه: من كان له حاجة فيأت إلى قبري فإني أقضيها له، ولا خير في رجل يحجبه عن أصحابه ذراع من تراب، ونحو هذا.
وهذا23
هو الضلال البعيد، يدعو أصحابه إلى أن يعبدوه من دون الله، ويسألوه ما لا يقدر عليه من قضاء حاجاتهم وتفريج كرباتها.
وقد قال تعالى: ﴿يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُ وَمَا لا يَنْفَعُهُ ذَلِكَ هُوَ الضَّلالُ الْبَعِيدُيَدْعُو لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ لَبِئْسَ الْمَوْلَى وَلَبِئْسَ الْعَشِيرُ﴾ 1.
وقال تعالى: ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لا يَخْلُقُونَ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرّاً وَلا نَفْعاً وَلا يَمْلِكُونَ مَوْتاً وَلا حَيَاةً وَلا نُشُوراً﴾ 2. وقال تعالى: ﴿فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ 3. وأمثال هذا في القرآن كثير، يبين الله تعالى به الهدى من الضلال.
ومن هذا الضرب: مَنْ يدّعي أنه يصل مع الله إلى حال تسقط فيها عنه التكاليف; ويدعي أن الأولياء يُدعون ويستغاث بهم في حياتهم ومماتهم، وأنهم ينفعون ويضرون ويدبرون الأمور على سبيل الكرامة، وأنه يطلع على اللوح المحفوظ، يعلم أسرار الناس وما في ضمائرهم; ويجوز بناء المساجد على قبور الأنبياء والصالحين وإيقادها بالسرج ونحو ذلك من الغلو والإفراط والعبادة لغير الله، فما أكثر هذا الهذيان والكفر والمحادة لله ولكتابه ولرسوله!
وقوله صلي الله عليه وسلم: " وانما أخاف على أمتي الأئمة المضلين " أتى بإنما التي قد تأتي للحصر بيانا لشدة خوفه على أمته من أئمة الضلال; وما وقع في خَلَد النبي صلي الله عليه وسلم من ذلك إلا لما أطلعه الله عليه من غيبه أنه سيقع نظير ما في الحديث قبله من قوله: " لتتبعن سنن من كان قبلكم " 4 الحديث.
وعن أبي الدرداء رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلي الله عليه وسلم: " إن أخوف ما أخاف على أمتي الأئمة المضلون " 5. رواه أبو داود الطيالسي.
وعن ثوبان رضي الله عنه أن رسول الله صلي الله عليه وسلم قال: " إنما أخاف على أمتي الأئمة المضلين " 6 رواه الدارمي.
وقد بين الله تعالى في كتابه صراطه المستقيم الذي هو سبيل المؤمنين.
فكل من أحدث حدثا ليس في كتاب الله ولا في سنة رسوله صلي الله عليه وسلم فهو ملعون وحدثه مردود، كما قال صلي الله عليه وسلم: " من أحدث حدثا أو آوى محدثا فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين.
لا يقبل الله منه يوم القيامة صرفا ولا عدلا " 7. وقال: " من أحدث في أمرنا ما ليس منه فهو رد " 8. وقال: " كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة " 9. وهذه
أحاديث صحيحة.
ومدار أصول الدين وأحكامه على هذه الأحاديث ونحوها.
وقد بين الله تعالى هذا الأصل في مواضع من كتابه العزيز، كما قال تعالى: ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلاً مَا تَذَكَّرُونَ﴾ 1. وقال تعالى: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ 2. ونظائرها في القرآن كثير.
وعن زياد بن حُدَير قال: قال لي عمر رضي الله عنه: " وإذا وقع عليهم السيف لم يرفع إلى يوم القيامة، ولا تقوم الساعة حتى يلحق حي من أمتي بالمشركين، وحتى تعبد فئام من أمتي الأوثان.
" هل تعرف ما يهدم الإسلام؟ قلت: لا، قال: يهدمه زَلَة العالم، وجدال المنافق بالكتاب، وحكم الأئمة المضلين "3 رواه الدارمي.
وقال يزيد بن عمير: " كان معاذ بن جبل رضي الله عنه لا يجلس مجلسا للذكر إلا ويقول: الله حكم قسط: هلك المرتابون وفيه: فاحذروا زيغة الحكيم؛ فإن الشيطان قد يقول الضلالة على لسان الحكيم، وقد يقول المنافق كلمة الحق.
قلت لمعاذ: وما يدريني -رحمك الله- أن الحكيم قد يقول كلمة الضلالة؟ والمنافق قد يقول كلمة الحق؟ فقال: اجتنب من كلام الحكيم المشتبهات التي يقول: ما هذه؟ ولا يثنيك ذلك عنه؛ فإنه لعله أن يراجع الحق، وتلق الحق إذا سمعته; فإن على الحق نورا "4. رواه أبو داود وغيره.
قوله: " وإذا وقع السيف لم يرفع إلى يوم القيامة ". وكذلك وقع فإن السيف لما وقع بقتل عثمان رضي الله عنه لم يرفع; وكذلك يكون إلى يوم القيامة، ولكن قد يكثر تارة ويقل أخرى، ويكون في جهة ويرتفع عن أخرى5.
قوله: " ولا تقوم الساعة حتى يلحق حي من أمتي بالمشركين " "الحي" واحد الأحياء وهي القبائل.
وفي رواية أبي داود: " حتى يلحق قبائل من أمتي بالمشركين " 6.
والمعنى: أنهم يكونون معهم ويرتدون.
برغبتهم عن أهل الإسلام ويلحقون بأهل الشرك.
وقوله: " حتى تعبد فئام من أمتي الأوثان " "الفئام" بكسر الفاء مهموز: الجماعات
الكبيرة، قاله أبو السعادات.
وفي رواية أبي داود: " وحتى تعبد قبائل من أمتي الأوثان ".
وهذا هو شاهد الترجمة، ففيه الرد على من قال بخلافه من عباد القبور الجاحدبن لما يقع منهم من الشرك بالله بعبادتهم الأوثان.
وذلك لجهلهم بحقيقة التوحيد وما يناقضه من الشرك والتنديد;1 فالتوحيد هو أعظم مطلوب، والشرك هو أعظم الذنوب.
وفي معنى هذا الحديث: ما في الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعا: " لا تقوم الساعة حتى تضطرب أليات نساء دوس على ذي الخَلَصة قال: وذو الخلصة طاغية دوس التي كانوا يعبدون في الجاهلية " 2 وروى ابن حبان عن معمر قال: إن عليه الآن بيتا مبنيا مغلقا.
قال العلامة ابن القيم -رحمه الله- في قصة هدم اللات، لما أسلمت ثقيف: " فيه أنه لا يجوز إبقاء مواضع الشرك والطواغيت بعد القدرة على هدمها وإبطالها يوما واحدا، وكذا حكم المشاهد التي بنيت على القبور والتي اتخذت أوثانا تعبد من دون الله، والأحجار التي تقصد للتبرك والنذر لا يجوز إبقاء شيء منها على وجه الأرض مع القدرة على إزالتها، وكثير منها بمنزلة اللات والعزى ومناة، أو أعظم شركا عندها وبها.
فاتبع هؤلاء سنن من كان قبلهم; وسلكوا سبيلهم حذو القذة بالقذة، وغلب الشرك على أكثر النفوس، لظهور الجهل
وخفاء العلم، وصار المعروف منكرا والمنكر معروفا، والسنة بدعة والبدعة سنة، وطمست الأعلام، واشتدت غربة الإسلام، وقلّ العلماء; وغلب السفهاء، وتفاقم الأمر، واشتد البأس; وظهر الفساد، في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس، ولكن لا تزال طائفة من العصابة المحمدية بالحق قائمين; ولأهل الشرك والبدع مجاهدين، إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها وهو خير الوارثين".
اهـ ملخصا.
قلت: فإذا كان هذا في القرن السابع وقبله، فما بعده أعظم فسادا كما هو الواقع.
قوله: "وإنه سيكون في أمتي كذابون ثلاثون كلهم يزعم أنه نبي " قال القرطبي: وقد جاء عددهم معينا في حديث حذيفة قال: قال رسول الله صلي الله عليه وسلم: " يكون في أمتي كذابون دجالون سبع وعشرون; منهم أربع نسوة " 1 أخرجه أبو نعيم، وقال: هذا حديث غريب". انتهى.
وحديث ثوبان أصح من هذا.
قال القاضي عياض: عدّ من تنبأ من زمن رسول الله صلي الله عليه وسلم إلى الآن ممن اشتهر بذلك وعرف واتبعه جماعة على ضلالة، فوجد هذا العدد فيهم، ومن طالع كتب الأخبار والتواريخ عرف صحة هذا2.
وقال الحافظ: وقد ظهر مصداق ذلك في زمن رسول الله صلي الله عليه وسلم، فخرج مسيلمة الكذاب باليمامة، والأسود العنسي باليمن، وفي خلافة أبي بكر: طليحة بن خويلد في بني أسد بن خزيمة، وسجاح في بني تميم، وقتل الأسود قبل أن يموت النبي صلي الله عليه وسلم، وقتل مسيلمة في خلافة أبي بكر رضي الله عنه، قتله وحشي قاتل حمزة يوم أحد، وشاركه في قتل مسيلمة يوم اليمامة رجل من الأنصار، وتاب طليحة ومات على الإسلام في زمن عمر رضي الله عنه.
ونقل أن سجاح تابت أيضا.
ثم خرج المختار ابن أبي عبيد الثقفي وغلب على الكوفة في أول خلافة ابن الزبير، وأظهر محبة أهل البيت
ودعا الناس إلى طلب قتلة الحسين، فتتبعهم فقتل كثيرا ممن باشر ذلك، وأعان عليه.
فأحبه الناس، ثم ادعى النبوة وزعم أن جبريل -عليه السلام- يأتيه.
ومنهم الحارث الكذاب، خرج في خلافة عبد الملك بن مروان فقتل.
وخرج في خلافة بني العباس جماعة.
وليس المراد بالحديث من ادعى النبوة مطلقا؛ فإنهم لا يحصون كثرة لكون غالبهم تنشأ دعوته عن جنون أو سوداء.
وإنما المراد من قامت له شوكة وبدا له شبهة كمن وصفنا.
وقد أهلك الله تعالى من وقع له منهم ذلك وبقي منهم من يلحقه بأصحابه وآخرهم الدجال الأكبر.
قوله: " " وأنا خاتم النبيين ". قال الحسن: الخاتم: الذي ختم به يعني أنه آخر النبيين؛ كما قال تعالى ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ 1. وإنما ينزل عيسى ابن مريم في آخر الزمان حاكما بشريعة ولا تزال طائفة من أمتي على الحق منصورة لا يضرهم من خذلهم حتى يأتي أمر الله، تبارك وتعالى "2.
محمد صلي الله عليه وسلم مصليا إلى قبلته.
فهو كأحد أمته، بل هو أفضل هذه الأمة.
قال النبي صلي الله عليه وسلم: " والذي نفسي بيده لينزلن فيكم ابن مريم حكما مقسطا، فليكسرن الصليب، وليقتلن الخنزير، وليضعن الجزية "3.
قوله: " ولا تزال طائفة من أمتي على الحق منصورة لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم " قال يزيد بن هارون وأحمد بن حنبل: "إن لم يكونوا أهل الحديث فلا أدري من هم؟ ".
قال ابن المبارك وعلي بن المديني، وأحمد بن سنان والبخاري وغيرهم: "إنهم أهل الحديث".
وعن ابن المديني رواية: "هم العرب".
واستدل برواية من روى هم أهل الغرب، وفسر الغرب بالدلو العظيمة؛ لأن العرب هم الذين يستقون بها.
قال النووي: يجوز أن تكون الطائفة جماعة متعددة من أنواع المؤمنين ما بين شجاع وبصير بالحرب، وفقيه ومحدث ومفسر، وقائم بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وزاهد وعابد، ولا يلزم أن يكونوا مجتمعين في بلد واحد، بل يجوز اجتماعهم في قطر واحد، وافتراقهم في أقطار الأرض، ويجوز أن يجتمعوا في البلد الواحد، وأن يكونوا في بعض دون بعض منه.
ويجوز إخلاء الأرض من بعضهم أولا فأولاً إلى أن لا يبقى إلا فرقة واحدة ببلد واحد، فإذا انقرضوا جاء أمر الله.
اهـ ملخصا مع زيادة فيه.
قاله الحافظ.
قال القرطبي: " وفيه دليل على أن الإجماع حجة؛ لأن الأمة إذا اجتمعت فقد دخل فيهم الطائفة المنصورة" 1.
فيه مسائل:
الأولى: تفسير آية النساء.
الثانية: تفسير آية المائدة.
الثالثة: تفسير آية الكهف.
الرابعة: - وهي أهمها- ما معنى الإيمان بالجبت والطاغوت، هل هو اعتقاد قلب، أو هو موافقة أصحابها مع بغضها ومعرفة بطلانها؟
الخامسة: قولهم: إن الكفار الذين يعرفون كفرهم أهدى سبيلا من المؤمنين.
السادسة: - وهي المقصود بالترجمة- أن هذا لا بد أن يوجد في هذه الأمة، كما تقرر في حديث أبي سعد.
السابعة: التصريح بوقوعها، أعني عبادة الأوثان في هذه الأمة في جموع كثيرة.
قال المصنف -رحمه الله-: " وفيه الآية العظيمة: أنهم مع قلتهم لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم، وفيه البشارة بأن الحق لا يزول بالكلية".
قلت: واحتج به الإمام أحمد على أن الاجتهاد لا ينقطع ما دامت هذه الطائفة موجودة.
قوله: " حتى يأتي أمر الله" الظاهر أن المراد به ما روي من قبض من بقي من المؤمنين بالريح الطيبة; ووقوع الآيات العظام، ثم لا يبقى إلا شرار الناس، كما روى الحاكم أن عبد الله بن عمر قال: " لا تقوم الساعة إلا على شرار الخلق، هم شر أهل الجاهلية "2. فقال
عقبة بن عامر لعبد الله: اعلم ما تقول، وأما أنا فسمعت النبي صلي الله عليه وسلم يقول: " لا تزال عصابة من أمتي يقاتلون على أمر الله ظاهرين لا يضرهم من خالفهم حتى تأتيهم الساعة وهم على ذلك "1. قال عبد الله: " ويبعث الله ريحا ريحها المسك، ومسها مس الحرير، فلا تترك أحدا في قلبه مثقال ذرة من إيمان إلا قبضته; ثم يبقى شرار الناس فعليهم تقوم الساعة ".
وفي صحيح مسلم: " لا تقوم الساعة حتى لا يقال في الأرض الله الله " 2.
وعلى هذا فالمراد بقوله في حديث عقبة وما أشبهه: "حتى تأتيهم الساعة" ساعتهم.
وهي وقت موتهم بهبوب الريح.
ذكره الحافظ.
وقد اختلف في محل هذه الطائفة، فقال ابن بطال: إنها تكون في بيت المقدس، كما رواه الطبراني من حديث أبي أمامة: " قيل: يا رسول الله، أين هم؟ قال: ببيت المقدس "3. وقال معاذ بن جبل رضي الله عنه:
"هم بالشام".
وفي كلام الطبري ما يدل على أنه لا يجب أن تكون في الشام أو في بيت المقدس دائما، بل قد تكون في موضع آخر في بعض الأزمنة.
الثامنة: العجب العجاب: خروج من يدعي النبوة، مثل المختار مع تكلمه بالشهادتين وتصريحه بأنه من هذه الأمة.
وأن الرسول حق وأن القرآن حق.
وفيه أن محمدا خاتم النبيين، ومع هذا يصدق في هذا كله مع التضاد الواضح.
وقد خرج المختار في آخر عصر الصحابة وتبعه فئام كثيرة.
التاسعة: البشارة بأن الحق لا يزول بالكلية، كما زال فيما مضى، بل لا تزال عليه طائفة.
العاشرة: الآية العظمى أنهم مع قلتهم لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم.
الحادية عشرة: أن ذلك الشرط إلى قيام الساعة.
الثانية عشرة: ما فيهن من الآيات العظيمة.
منها: إخباره بأن الله زوى له المشارق والمغارب، وأخبر بمعنى ذلك فوقع كما أخبر، بخلاف الجنوب والشمال.
وإخباره بأنه أُعطي الكنزين.
وإخباره بإجابة دعوته لأمته في الاثنتين.
وإخباره بأنه منع الثالثة.
وإخباره بوقوع السيف وأنه لا يرفع إذا وقع.
وإخباره بظهور المتنبئين في هذه الأمة.
وإخباره ببقاء الطائفة المنصورة.
قلت: ويشهد له الواقع وحال أهل الشام وأهل بيت المقدس، فإنهم من أزمنة طويلة لا يعرف فيهم من قام بهذا الأمر بعد شيخ الإسلام ابن تيمية رضي الله عنه وأصحابه في القرن السابع وأول الثامن؛ فإنهم كانوا في زمانهم على الحق يدعون إليه، ويناظرون عليه، ويجاهدون فيه.
وقد يجيء من أمثالهم بعد بالشام من يقوم مقامهم بالدعوة إلى الحق والتمسك بالسنة.
والله على كل شيء قدير4.
ومما يؤيد هذا أن أهل الحق والسنة في زمن الأئمة الأربعة وتوافر العلماء في ذلك الزمان وقبله وبعده لم يكونوا في محل واحد، بل هم في غالب الأمصار في الشام منهم الأئمة، وفي الحجاز وفي مصر، وفي العراق واليمن، وكلهم على الحق يناضلون، ويجاهدون أهل البدع، ولهم المصنفات التي صارت أعلاما لأهل السنة; وحجة على كل مبتدع.
فعلى هذا، فهذه الطائفة قد تجتمع وقد تتفرق، وقد تكون في الشام، وقد تكون في غيره، فإن حديث أبي أمامة وقول معاذ لا يفيد حصرها بالشام، وإنما يفيد أنها تكون في الشام في بعض الأزمان لا في كلها.
وكل جملة من هذا الحديث علم من أعلام النبوة؛ فإن كل ما أخبر به النبي صلي الله عليه وسلم في هذا الحديث وقع كما أخبر صلي الله عليه وسلم.
وقوله: "تبارك وتعالى" قال ابن القيم -رحمه الله-: البركة نوعان: أحدهما: بركة
هي فَعَلة والفعل منها بارك، ويتعدى بنفسه تارة وبأداة "على" تارة، وبأداة "في" تارة، والمفعول منها مبارك، وهو ما جعل منها كذلك، فكان مباركا بجعله تعالى.
والنوع الثاني: بركة تضاف إليه إضافة الرحمة والعزة، والفعل منها تبارك، ولهذا لا يقال لغيره ذلك، ولا يصلح إلا له عز وجل فهو سبحانه المتبارك، وعبده ورسوله المبارك، كما قال المسيح -عليه السلام-: ﴿وَجَعَلَنِي مُبَارَكاً أَيْنَ مَا كُنْتُ﴾ 1 فمن يبارك الله فيه وعليه فهو المبارك.
وأما صفة تبارك فمختصة به، كما أطلقه على نفسه في قوله: ﴿تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ 1. ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ 2. أفلا تراها كيف اطردت في القرآن جارية عليه مختصة به، لا تطلق على غيره، وجاءت على بناء السعة والمبالغة، كتعالى وتعاظم ونحوه، فجاء بناء "تبارك" على بناء "تعالى" الذي هو دال على كمال العلو ونهايته، فكذلك تبارك دال على كمال بركته ووعظمته ووسعتها.
وهذا معنى قول من قال من السلف: "تبارك" تعاظم.
وقال ابن عباس -رضي الله عنهما-: " جاء بكل بركة".